العدوان الثلاثي، حرب عام 1956

من معرفة المصادر

العدوان الثلاثي، حرب عام 1956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المبحث الأول: خلفية تاريخية

تميز العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بأنه الحرب التي كسبها سياسياً أحد جانبيها المتضادين مصر، بينما كسبها عسكرياً الجانب الآخر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ولقد كان هذا العدوان نقطة تحول في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، إذ أنهى قبضة الاستعمار الفرنسي البريطاني على المنطقة، وفتح المجال أمام كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي للدخول فيها كقوتين عُظميين، يسعيان إلى أن يرثا المستعمرين السابقين، ويحققا مصالحهما الذاتية في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية البالغة، بكنوزها المطمورة في باطن أرضها، وما يحيط بها من مياه دافئة، فضلاً عن توسطها قلب العالم.

أولاً: نشأة وتطور فكرة حفر قناة السويس

سجل التاريخ أن مصر هي أول دولة شقت قناة ملاحية عبر أراضيها لتربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، في منطقة برزخ السويس، مستخدمة في ذلك نهر النيل وفرعه، وكان ذلك منذ أربعين قرناً.

1. قناة سنوسرت الثالث (1874ق.م)

قام الملك سنوسرت الثالث وهو أحد ملوك الأسرة الثانية عشر[1] بشق قناة تربط البحرين المتوسط والأحمر عن طريق النيل وفروعه. فكانت السفن القادمة من البحر الأبيض تسير في الفرع البيلوزي[2] من النيل حتى "بوباستس" (الزقازيق) ثم تتجه شرقاً إلى "تيخاو" (أبو صوير) ومنها عبر البحيرات المرة التي كانت خليجاً متصلاً بخليج السويس ومنها إلى البحر الأحمر. ومازالت آثار هذه القناة واضحة المعالم حتى الآن بمحاذاة المجرى الحالي لقناة السويس بالقرب من (جنيفة)

إلا أن هذه القناة كثيراً ما ردمت وتجددت في عصور الفراعنة والرومان.

2. قناة سيتي الأول (1310ق.م)

جاء "سيتْي الأول" ملكا على مصر خلفاً لأبيه "رمسيس الأول" مؤسس الأسرة التاسعة عشر، وقد اختلف المؤرخون في دوره في حفر القناة، ولكن الأرجح أنه أعاد حفر القناة في عهده من عام 1319 ـ 1300 ق.م.

3. قناة الملك نخاو الثاني (610 ق.م)

الملك "نخاو" هو أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، فكر في حفر قناة تصل بين النيل والبحر الأحمر وحول هذا الموضوع يقول "هيرودوت" (القرن الخامس ق.م): "أنجب أبسماتيك نبكوس (نخاو) الذي حكم مصر وهو أول من شرع في حفر القناة التي تؤدي إلى بحر أروتوري (البحر الأحمر).

4. قناة دارا الأول (510 ق.م)

في عهد الاحتلال الفارسي لمصر، ظهرت أهمية برزخ السويس، حيث ازدهرت خطوط المواصلات البحرية بين مصر وبلاد فارس عبر البحر الأحمـر، وإبان حكـم "دارا الأول" مـلك الفرس مـن عام 522 ـ 485 ق.م الذي أعاد الملاحة في القناة، وتوصيل النيل بالبحيرات المرة، وربط البحيرات المرة بالبحر الأحمر.

5. قناة الإسكندر الأكبر (335 ق.م)

عندما فتح الإسكندر الأكبرـ AL exander the Great مصر عام 332ق.م أشرف على تخطيط مشروع القناة لنقل سفنه الحربية من ميناء الإسكندرية وميناء أبي قير بالبحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر الدلتا والبحيرات المرة، كما بدأ تنفيذ مشروع قناة الشمال، إلا أن المشروعين توقفا لوفاته.

في القرن الثالث قبل الميلاد قام بطليموس الثاني ـPtolemy II " فيلادلفوس ـPtolemy Philadelphus 285 ق.م" باستكمال هذه القناة وأصبحت ممتدة من النيل حتى "أرسناو" (السويس حالياً) ولكن البيزنطيين أهملوها فطمرتها الرمال.

وأثناء الحكم الروماني لمصر، وفي عهد الإمبراطور الروماني "تراجان ـ Trajan عام 117 ق.م أعاد الملاحة للقناة، وأنشأ فرع جديد للنيل يبدأ من "فم الخليج" بالقاهرة، وينتهي في "العباسة" بمحافظة الشرقية، متصلاً مع الفرع القديم الموصل للبحيرات المرة. واستمرت هذه القناة في أداء دورها لمدة 300 عام، ثم أهملت وأصبحت غير صالحة لمرور السفن.

عندما فتح المسلمون مصر في عهد الخليفة "عمر بن الخطاب" على يد الوالي "عمرو بن العاص" عام 640م أراد توطيد المواصلات مع شبه الجزيرة العربية، فأعاد حفر القناة من الفسطاط إلى القلزم (السويس).. وأطلق عليها قناة أمير المؤمنين .. وكان المشروع في واقع الأمر ترميماً وإصلاحاً للقناة القديمة .. كان ذلك في عام 642م واستمرت هذه القناة تؤدي رسالتها ما بين 100 إلى 150 عاماً ..إلى أن أمر الخليفة "أبو جعفر المنصور" بردم القناة تماماً، وسدها من ناحية السويس، منعاً لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسي ...ومن ثم أغلق الطريق البحري إلى الهند وبلاد الشرق وأصبحت البضائع تنقل عبر الصحراء بواسطة القوافل وأغلقت القناة حتى عام 1820.

ثانياً: مراحل تطور فكرة إنشاء قناة السويس في العصر الحديث

ظلت فكرة إنشاء قناة السويس، لفترة طويلة، حلماً يداعب خيال الإمبراطوريات الأوروبية المزدهرة، على أن مزايا وجود مثل هذه القناة كانت أكثر إغراء بالنسبة للإمبراطورية الفرنسية. فالرحلة البحرية حول أفريقيا من "مرسيليا ـ Marseille " حتى الهند طولها 10400 ميل، أما عبر القناة فلا تتعدى 4600 ميل.

والمتابع لتاريخ قناة السويس الحديثة، يجد أن المهندسين الفرنسيين الذين صحبوا بونابرت ـNapoleon Bonaparte إلى مصر في عام 1798 كان لهم فضل القيام بأول دراسة علمية من هذا النوع، وفي أواخر ذلك العام ذهب بونابرت بنفسه إلى السويس ومعه علماؤه، وأوشك أن يغرق في المستنقع الواقع في الجهة الشمالية الشرقية من المدينة وهو عائد من عيون موسى، وأثناء عودته عاين آثار القناة القديمة لمسافة عشرين كم، وفور عودته أصدر أمره إلى رئيس مهندسي الطرق والكباري (جاك ماري لوبير) بأن يضع خريطة مفصلة للبرزخ، وتوقفت الأعمال المساحية أكثر من مرة، ولكنها انتهت في آخر عام 1799.

وعلى الرغم من بعض الأخطار التي صاحبت تصور لوبير، فإن الاهتمام بمسألة تحويل طريق الهند إلى مصر لم يفتر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ذلك أن الدراسات التي قام بها مهندسو الحملة الفرنسية واستمرت نحو عام كامل بين الإسكندرية والسويس، أثبتت طبقاً لما أعلنه هؤلاء الخبراء في عام 1799 أن مستوى البحر المتوسط أقل انخفاضاً بمقدار ثمانية أمتار ونصف عن مستوى سطح البحر الأحمر. ومع ذلك، حتى لو افترضنا صحة هذا التقدير، فلم تكن الفرصة متاحة من الوجهة العملية أمام الفرنسيين، بسبب الإنهاك والتمزق في أعقاب الثورة وبسبب معارضة الإمبراطورية البريطانية القوية، لشق هذه القناة. وبعد شهر من دخول الإنجليز مصر، أبحر اللورد "هوراشيو نيلسون ـLord Horatio Nelson " أحد قادة البحرية البريطانية، إلى المياه المصرية في الأول من أغسطس 1798 وأغرق معظم قطع الأسطول الفرنسي، محاصراً من البحر "نابليون" وجيشه. وبعد عام أفلح "نابليون" في الإفلات من الحصار البريطاني وعاد إلى باريس ليصبح إمبراطوراً لفرنسا. وبعد عامين من دخول الأراضي المصرية رحل البريطانيون دون أن يستبعدوا فكرة العودة.

1. قناة السويس الحالية

نشأت فكرة شق قناة السويس في رأس "فيرديناند ديليسبس ـFerdinand Marie de Lesseps"، الدبلوماسي الفرنسي البالغ من العمر 27 عاماً، بعد تعيينه في وظيفة نائب القنصل في الإسكندرية أولاً، ثم في العاصمة المصرية "القاهرة" 1832. وعندما وصل "ديليسبس" إلى مصر كانت تصحبه ميزة كبيرة، إذ عمل والده كدبلوماسي في مصر قبل ذلك الوقت بثلاثين عاماً وصادق "محمد علي"، ذلك الألباني الذي خدم مع القوة الإنجليزية ـ التركية 1801، ثم بقى بمصر ليقوم بانقلاب دموي أسس على أثره الأسرة الحاكمة التي كان آخر أحفادها الملك "فاروق". وقد جدد "ديليسبس" صداقة عائلته مع "محمد علي" وأصبح على صلة وثيقة، خلال السنوات الخمس التي قضاها بمصر، بـ "سعيد باشا"[3] حفيد "محمد علي" الذي لم يكن قد تعدى سنه العشرين عاماً. وظلت أحلام "ديليسبس" فيما يتعلق بإنشاء قناة عند السويس كامنة حتى 1854. ففي سبتمبر من ذلك العام ورث "محمد سعيد" العرش، وخلال شهرين تقدم "ديليسبس" إلى الإدارة المصرية بمشروعه وحصل على الامتياز الأول بين امتيازات عديدة من صديقه القديم بشق القناة.

بعد مضي خمسة عشر عاماً، استُخدم فيها المصريون عمالاً بالسخرة، تم الانتهاء من شق قناة السويس. حيث بلغ طولها 101 ميل وبلغ عرضها 196 قدماً وعشر بوصات. وتم افتتاحها في عهد الخديوي إسماعيل في احتفال صاخب في السابع عشر من نوفمبر 1869. وقاد " ديليسبس" وبصحبته الإمبراطورة "أوجيني ـEmpress Eugenie" ، من فوق ظهر اليخت الإمبراطوري "النسر الصغير" موكباً احتفالياً من إحدى وخمسين سفينة تعلوها الزينات عبرت القناة. وكلف "جيوسيب فيردى ـ Giuseppe Verdi" بتأليف أوبرا "عايدة ـ Aida" لتقديمها في افتتاح الممر المائي الجديد. وهكذا تم فتح طريق مباشر أمام الاستغلال الأوروبي للشرق الأسطوري .

وقد فقدت مصر منذ البداية أي حق لها في الأرباح الهائلة للقناة. فالامتيازات الأصلية التي منحت لشركة القناة، أو"الشركة العالمية لقناة السويس البحرية" كانت تكفل لمصر 44% من أسهم الشركة، ونسبة من صافي الأرباح قدرها 15% كما تضمنت الموافقة على إمكانية شراء مصر لكل أسهم الشركة بعد مضي 99 عاماً من افتتاح القناة. أما بقية أسهم الشركة فكان معظمها من نصيب "ديليسبس" وبعض المؤسسات المالية الفرنسية ومواطنين فرنسيين. وبعد مرور ست سنوات على افتتاح القناة، اضطر الخديوي "إسماعيل"، نتيجة لأعباء تمويل حصة مصر في تكاليف إنشاء القناة فضلاً عن إسرافه المفرط، إلي بذل محاولات يائسة للحصول على المال. فقرر بيع حصته في أسهم القناة. فسارعت بريطانيا، التي وجدت فرصتها أخيراً لبسط نفوذها على الممر المائي الحيوي، إلى تلقف الأسهم مقابل أربعة ملايين جنيه إسترليني. وقد شجع رئيس الوزراء البريطاني "بنيامين دزرائيلي ـ Benjamin Disraeli" بحماس إتمام الصفقة، وشرح موقفة للشعب البريطاني بقوله: "لم يكن دافعي لتحبيذ شراء هذه الأسهم هو الاستثمار المالي، فقد أوصيت دائماً البلاد بشرائها بوصفها صفقة سياسية، وهي صفقة مقدر لها في اعتقادي أن تعزز موقف الإمبراطورية".

لكن وضع الخديوي "إسماعيل" المالي لم يتحسن بل ازداد سوءً. فديونه ومعظمها للقوى الأوربية، كانت ضخمة. وفي العام التالي أصبح "إسماعيل" مفلساً تماماً ووجد نفسه مضطراً لمنح بريطانيا وفرنسا حق المراقبة الثنائية علي اقتصاد بلاده مقابل ما تم تقديمه من مساعدات. خلال 1880، سُدت السبل أمام الخديوي "توفيق"، الذي خلف "إسماعيل" والذي خلت خزانته من أي موارد مالية، مما اضطره لبيع حقه في نسبة الـ 15% من صافي الأرباح لمجموعة فرنسية مقابل 22 مليون فرنك فرنسي.

وقد استثيرت المشاعر الوطنية داخل مصر من جراء تسليم الخديوي لحقوق مصر في أرباح القناة والتفريط في السيادة الاقتصادية، وكانت شركة القناة قد أصبحت بالفعل مصدراً لازدراء المصريين، الذين أسموها بحق "دولة داخل الدولة"، بسبب سيطرة الأجانب على نشاطها وأساليبها التعسفية في العمل في استقلال كامل عن الحكومة المصرية. وبلغ الاستياء ذروته في عام 1881م عندما قاد "أحمد عرابي"، الضابط بالجيش المصري، تمرداً ضد الخديوي، وهو ما أدى إلى وقوع حدث مفاجئ تماماً، وهو السيطرة البريطانية على مصر.

2. أحداث 1882 واحتلال مصر

في يونيه 1882 حدثت اضطرابات في مدينة الإسكندرية راح ضحيتها عدد من الأوروبيين، وأخذت الدول الكبرى تتشاور في الأمر إلا أن بريطانيا بادرت بالتدخل، وفي يوليه 1882 ظهر الأسطول البريطاني أمام الإسكندرية، ودارت عدة معارك في رمل الإسكندرية وكفر الدوار حيث تم هزيمة الأسطول البريطاني، كما ظهرت قوة عسكرية بريطانية أخرى في بورسعيد لتحتل القناة، واستطاعت أن تهزم جيش "عرابي". وفي 14 سبتمبر 1882 سقطت القاهرة، وسرعان ما انعقدت السيطرة الكاملة لرجال الإدارة البريطانيين على المؤسسات السياسية والاقتصادية بالبلاد، ليتم انتزاع مصر تماماً من الإمبراطورية العثمانية الآفلة. وتعهد البريطانيون بالانسحاب بمجرد استقرار الأوضاع في البلاد، وتنظيم الوسائل الملائمة للحفاظ على سلطة الخديوي، على حد تعبير لورد "جرانفيل ـ Granville " وزير الخارجية البريطانية. ولكن وبعد مرور ما يقارب ثلاث أرباع القرن، ومع بداية عقد الخمسينيات، كان البريطانيون لا يزالون يحكمون مصر.

3. معاهدة القسطنطينية 1888 (أُنظر ملحق اتفاقية القسطنطينية 29 أكتوبر عام 1888 بشأن ضمان حرية استعمال قناة السويس البحرية)

في 1888 أفلحت الضغوط الفرنسية في حمل كل من ألمانيا والنمسا والمجر وأسبانيا وإيطاليا وهولندا وروسيا والإمبراطورية العثمانية[4] وبريطانيا، وهذا فضلاً عن فرنسا، على توقيع معاهدة القسطنطينية في 29 أكتوبر 1888 والتي تقضي مادتها الأولى بضمان حرية الملاحة في قناة السويس واستمرارها في أوقات الحرب والسلم، وكفالتها لكل سفينة حربية أو تجارية أياً كان العلم الذي ترفعه، واتفاق الأطراف السامية المتعاقدة بعدم التدخل بأي شكل من الأشكال لعرقلة الملاحة في القناة.

واتفقت أطراف المعاهدة بموجب المواد 7،5،4 على "الامتناع عن القيام بممارسة حقوق الحرب، أو الدخول في مواجهات عسكرية، أو أي عمل آخر من شأنه تعطيل الملاحة في القناة أو المساس بسلامة موانيها وعدم قيام المتحاربين في أوقات الحرب باستخدام القناة وموانيها في إقلاع أو هبوط القوات، وشحن أو تفريغ الذخائر والمواد الحربية والتزام الأطراف السامية المتعاقدة بعدم السماح لأي سفن حربية بالبقاء في القناة". وخولت المادتان 10،9 مصر "باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ بنود هذه المعاهدة وتأمين الدفاع عن مصر، واستقرار النظام العام فيها". ومع ذلك جاءت المادة 11 لتقرر بأن هذه الإجراءات يجب "ألا تخل بحرية الملاحة في القناة". وقضت المعاهدة كذلك بأن "تعتبر مبدأ المساواة ركناً أساسياً من أركان هذه المعاهدة" وبأن "الالتزامات الواردة فيها لا تقيد بأجل الامتياز الممنوح للشركة العالمية لقناة السويس البحرية. وأخيراً فقد نصت المعاهدة على أنه، باستثناء الالتزامات الواردة صراحة في أحكام هذه المعاهدة، لا يجب المساس على أي نحو كان بحقوق مصر السيادية وحصانتها.

4. أحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى

أعلنت إنجلترا حمايتها على مصر في 18 ديسمبر 1914 وقطعت صلة مصر بتركيا بإعلان من جانب واحد وجعلت مصر وموانيها إقليماً محارباً في جانب الحلفاء ضد تركيا بالقوة دون سند قانوني. وبانهيار الإمبراطورية العثمانية أصبحت بريطانيا تضع يدها على معظم ممتلكاتها وباشرت إنجلترا الحقوق التي مُنحت لمصر في معاهدة القسطنطينية لسنة 1888. وزاول الأسطول البريطاني نشاطه داخل القناة وأصبحت طريق مواصلات للحلفاء أكثر منه طريقاً للملاحة العالمية. وجعلت بريطانيا من دلتا النيل معسكراً بريطانياً، كما أصبحت مسئوله عن سلامة القناة. ورغم اعتراض مصر على ذلك إلا أن الحكومة المصرية وقعت على معاهدة مع بريطانيا تنص على أن تتولى الأخيرة حماية القناة لمدة عشرون عاماً.

وكانت سياسة بريطانيا في هذه الفترة تعتمد على إغراق العرب بالوعود الكثيرة بالاستقلال، ولكنها لم تفي بوعودها، إلا أنها وعدت أيضاً اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين وصدقت وعدها وذلك بما سمى بوعد "بلفور" في 2 نوفمبر 1917.

كما شهدت الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية حركة توطين ما يقرب من نصف مليون يهودي في فلسطين حيث نجحوا في إقامة دولتهم في ظل حماية الانتداب البريطاني.

5. الوضع أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية

حينما نشبت الحرب العالمية الثانية 1939ـ1945 اتجهت مشاعر المصريين إلى جانب أعداء بريطانيا أي إلى جانب الألمان، لأن الشعب المصري ظل ينظر إلى بريطانيا على أنها قوة محتلة سواء كان الاحتلال صريحاً أو مقيداً. ولما توغل "روميل ـ Erwin Johannes Eugen Rommel" في يناير 1942 في الأراضي المصرية، حتى وصل إلى العلمين (على مسافة 80 كم من الإسكندرية) كان الاعتقاد السائد في مصر، أن الجيوش الألمانية والإيطالية ستحررهم من قيود البريطانيين، لذا كان التعاطف مع الألمان ضد الإنجليز.

وعلى مدار فترة الحرب العالمية الثانية نجد أن إنجلترا قد حولت قناة السويس إلى أداة حربية بريطانية. وقدمت شركة قناة السويس خدمات كبيرة وفعالة للحلفاء، فكان كل منشأتها، ومكاتبها وأجهزتها وورشها في بور فؤاد، تعمل ليل نهار طوال سنوات الحرب الستة لحساب بريطانيا وباقي دول الحلفاء. ولم يغفل المحور أهمية القناة وخطورتها، وأن بريطانيا وحلفائها لم يحترموا حرية الملاحة والمرور في القناة، لذا وجه المحور عدة هجمات جوية، وأصيبت القناة بالألغام سواء كانت من جانب الطائرات أو الغواصات الألمانية. كما تعرضت أيضاً مدن القناة "بورسعيد والإسماعيلية والسويس" للغارات، وقد ترتب على ذلك تدهور حركة الملاحة في القناة، واضطرت إنجلترا إلى استعمال طريق رأس الرجاء الصالح.

في 29 نوفمبر 1947 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الرقم 181 التوصية بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.

وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 14 مايو 1948 كان بن جوريون ـ David Ben - Gurion يقف أمام أعضاء المجلس القومي اليهودي في تل أبيب ليعلن قيام الدولة اليهودية في فلسطين دون أن يعين حدود تلك الدولة. (أُنظر ملحق الشخصيات الرئيسية)

في 15 مايو 1948 نشبت حرب فلسطين، والغريب في هذه الحرب أن إسرائيل لم تهتم بالقطاع الأوسط الذي تقع فيه جبهة الجيش الأردني (الفيلق العربي) بقيادة "جلوب ـSir John Bagot Glubb" الإنجليزي الذي توقف بعد أن استولى على القدس القديمة لأسباب غير معروفة وأخذ الإسرائيليون يوجهون ضرباتهم الرئيسية إلى القوات المصرية في الجنوب.

وانتهت محنة حرب فلسطين باستيلاء إسرائيل على 77% من أرض فلسطين. ومع عودة الضباط المصريين إلى مصر كانت قلوبهم مليئة بالمرارة ضد الاحتلال الإنجليزي ونظام حكم الملك "فاروق" الذي يعزى إليه عدم إعداد الجيش المصري بالقدر اللازم الذي يسمح بالوقوف في وجه إسرائيل.

تطورت الأحداث وزاد قلق الجيش والشعب المصري من التواجد البريطاني، وقد بلغت ذروة هذه الاضطرابات في 26 يناير 1952، وهو اليوم الذي نشبت فيه عدة حرائق في القاهرة.

وفي 23 يوليه 1952 قامت الثورة في مصر، وتم الاستيلاء على الحكم، وكان قادة الثورة من ضباط الجيش المصري الذين شاركوا في حرب عام 1948.

[1] الأسرة الثانية عشر من 1878 : 1843 ق.م.

[2] هو أول فرع شرقا من فروع النيل السبعة في ذلك الوقت.

[3] سعيد باشا، والي مصر من 1854 :1863، وهو بن عباس بن إبراهيم بن محمد علي.

[4] عقدت تركيا نيابة عن مصر هذه الاتفاقية مع الدول الأوروبية إذ أن مصر كانت تابعة للدولة العثمانية في ذلك الوقت وقد استقلت مصر عن الدولة العثمانية 1914 وحلت مصر بالتالي محل تركيا في الحقوق والالتزامات المقررة في تلك الاتفاقية وذلك طبقا لقواعد التوارث الدولي في القانون الدولي.


المبحث الثاني: الجلاء

أولاً: جلاء القوات البريطانية عن مصر

منذ أن احتلت القوات البريطانية مصر في 15 سبتمبر 1882 وهى تدعي أن هذا الاحتلال عمل مؤقت سيزول بمجرد أن تنتهي أسبابه ولكن هذا العمل دام نحو 74 عاما إلى أن أنهته ثورة 23 يوليه عام 1952.

كان حوالي 80 ألفاً من القوات البريطانية متمركزة على طول قناة السويس ويمثلون مصدراً للغضب والاستياء للشعب المصري، ورمزاً أرضى الإسرائيليين الذين كانوا يعتبرون البريطانيين كمانع لأي هجوم مصري عبر القناة، وقد كانت قاعدة القناة أكبر قاعدة عسكرية في شمال أفريقيا، فكانت تضم 15 فرقة عسكرية، 15 سرب طائرات، والأسطول البحري الملكي في شرق البحر المتوسط، كما كانت القاعدة تستخدم ما يقرب من 200 ألف من المصريين في مختلف المجالات.

ظلت الجماهير المصرية ساخطة على الاحتلال البريطاني، مما اضطر الحكومة المصرية "وزارة الوفد" في 15 أكتوبر 1951 إلى إلغاء المعاهدة البريطانية المصرية التي عقدت عام 1936م، وبعدها بدأ الشعب المصري النضال ضد الإنجليز في منطقة القناة حتى قيام ثورة يوليه 1952، حيث كان الفدائيون المصريون يخطفون ويقتلون الجنود البريطانيين، ويلقون بالقنابل اليدوية في معسكرات الضباط، ويزرعون الطرق بالألغام وينسفون المنشآت العسكرية.

كان أول مطلب للثورة أن تجلو بريطانيا عن البلاد، وبدأت المحادثات الأولى في 17 أبريل 1953، ومع شعور بريطانيا بأنها لن تستطيع أن تحمي قاعدتها في مصر من هجمات الفدائيين، والتكاليف المتزايدة للقاعدة، علاوة على عدم أهميتها في العصر النووي، لذا أعلن في 21 يوليه 1954، أنه قد تم الوصول إلى اتفاق مبدئي، ينص على جلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس في خلال عشرين شهراً، على أن يقوم المدنيون الإنجليز بصيانة القاعدة مع شرط تهيئة القاعدة للعمل، وعودة القوات البريطانية في حالة وقوع هجوم مسلح من أي دولة على أحد دول الجامعة العربية أو تركيا. وأن تجلو هذه القوات بعد ذلك فور وقف القتال.

في 19 أكتوبر 1954 تم توقيع الاتفاق المصري البريطاني بين "عبدالناصر" و"أنتوني ناتنج" ـ Nutting Anthony ـ وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني، (أُنظر ملحق نص اتفاق الجلاء في 19 أكتوبر سنة 1954)، وفي 13 يونيه 1956 غادر البلاد آخر جندي بريطاني قبل الميعاد الرسمي المحدد بخمسة أيام.

ثانياً: موقف مصر من اتفاقية الجلاء

مثل التوقيع على الاتفاقية نقطة هامة في تاريخ مصر، حيث أسدل الستار على عصر اتسم بكفاح مرير خاضه المصريون ضد الاحتلال، فقد رأت في الاتفاقية تتويجاً لثورة يوليه، وكان "عبدالناصر" حريصاً على إنجازها لأكثر من سبب، فهو يريد أن يحقق حلم عمره الذي جاهد من أجله منذ كان طالباً، وليثبت ذاته، وينقش اسمه على وثيقة تنهي الاحتلال البريطاني لمصر الذي دام طويلاً، ورأى أيضاً أن يولي جهوده شطر الناحية الداخلية ويتفرغ لإعادة بناء الاقتصاد، والإصلاح الاجتماعي.

ومما لا شك فيه أن مصر قبلت بعض التنازلات عندما وقعت الاتفاقية، خاصة ما جاءت به المادة الرابعة التي نصت على أنه "في حالة وقوع هجوم مسلح من دولة من الخارج على أي بلد، يكون طرفاً في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية الموقع عليها في القاهرة في 13 أبريل 1950 أو تركيا، أن تقدم مصر للمملكة المتحدة من التسهيلات ما قد يكون لازماً لتهيئة القاعدة للحرب وإدارتها إدارة فعالة، وتضمن هذه التسهيلات استخدام الموانئ المصرية في حدود ما تقتضيه الضرورة القصوى للأغراض سالفة الذكر".

وقد صور السفير البريطاني في القاهرة مظاهر الفرحة التي عمت حكومته، وكيف خرجت الجموع يومي 21،20 أكتوبر تجوب الشوارع، رافعة اللافتات، تهتف وتؤيد "عبدالناصر" ورفاقه، وأن السياسيين القدامى حرصوا على المشاركة، فهنأ حسين سري "عبدالناصر"، وعبر علي ماهر عن ارتياحه، وكان "عبد السلام فهمي جمعة" هو الزعيم الوفدي الوحيد الذي أيد الاتفاقية. وعلى الجانب الآخر كان هناك ناقمون على النظام بصفة عامة، وتمثلوا في الجناح المتشدد من الوفد، والتنظيمات الشيوعية. كما تعرض عبدالناصر لمحاولة اغتيال بواسطة الإخوان المسلمين بعد أسبوع واحد من توقيع الاتفاقية أثناء وجوده بالإسكندرية، ولكن جاءت النتيجة عكسية، ويسجل السفير البريطاني في القاهرة "همفري تريفليان ـ Humphrey" ، "أن هذا الحادث لم يؤثر معنوياً على النظام"، ووفقاً لما سمعه، "فسوف يزيد من ثقة "عبدالناصر" الزائدة في نفسه، ويقوي تعاطف الشعب معه".

ثالثاً: موقف بريطانيا من اتفاقية الجلاء

عقب إبرام الاتفاقية، بعث وزير الخارجية البريطاني "سلوين لويد ـ Selwyn Lloyd" رسالة إلى "عبدالناصر" يهنئه فيها، ويصف ما تم بأنه "خطوة هامة إلى الأمام لإيجاد تفاهم وصداقة على أسس جديدة بين البلدين". واتخذت مصر الإجراءات الرسمية لشطب شكواها ضد بريطانيا في مجلس الأمن، وتم تبادل وثائق التصديق على الاتفاقية، وأرسلت نسخة للأمم المتحدة .

رابعاً: موقف أمريكا من اتفاقية الجلاء

حظيت الاتفاقية بتأييد الأمريكيين، الذين كان لهم الدور في إتمامها. فقد مارس "أيزنهاور ـ Dwight David Eisenhower" ضغوطاً قوية على بريطانيا لسحب قواتها. ويروي "أيزنهاور" في مذكراته أنه كان يعتقد " أن احتفاظ بريطانيا بقوات كبيرة بصورة دائمة في منطقة تابعة لحكومة غيورة ومستاءة ووسط تجمعات سكانية معادية لم يكن مستساغاً أو عملياً، ومن هنا شجعنا، "جون دالاس ـ John Foster Dulles" وأنا، البريطانيين على أن يجلوا بالتدريج". كما لوحوا بالمعونة العسكرية لمصر، واستخدموا ورقة المساعدة الاقتصادية لإقناعها بالموافقة. وعندما نوقشت الاتفاقية في الاجتماع الوزاري لحلف شمال الأطلسي في باريس، أكد المجتمعون على أنها عمل مرض، وتقدم التسهيلات للغرب، وبينوا أنهم تخلصوا من مصدر الاحتكاك الرئيسي مع العالم العربي، مما يؤهل للقيام بدور أكثر إيجابية وإفادة فيما يتعلق بمشكلات الشرق الأوسط.

خامساً: موقف إسرائيل من اتفاقية الجلاء

كان احتمال نجاح المفاوضات الدائرة حول الانسحاب يسبب انزعاجاً كبيراً لإسرائيل، فمعنى ذلك أنه سيتم إلغاء الحاجز الواقي، الذي تمثله القوات البريطانية الموجودة على طول القناة بين إسرائيل والقوات المصرية، وبالتالي تزداد قوة "عبدالناصر" وشعبيته رسوخاً. ولم يكن مثل هذا الاحتمال بالأمر الذي تسكت عليه إسرائيل. وللحيلولة دون تحقيق إمكانية نجاح المفاوضات، نفذ جهاز الاستخبارات الإسرائيلية خطة ملتوية للقيام بعملية سرية ضد المنشآت الأمريكية والبريطانية في مصر. دون علم "موشى شاريت ـ Moshe Sharett" رئيس الوزراء. وكان هدف العملية القيام بأعمال تخريب بحيث تبدو كما لو كانت من تدبير المتعصبين المصريين وبالتالي تظهر حكومة "عبدالناصر" أنها لا تستطيع أن تسيطر على الأمور في قناة السويس لو انسحب منها البريطانيون.

وكان أكثر ما يزعج رئيس الوزراء الإسرائيلي تقدم مفاوضات الانسحاب. إلا أن ما أقلقه وحيره بشكل خاص هو أن المفاوضات كانت تتقدم دون أي اهتمام ظاهر بمصالح إسرائيل. وكان يرى أن من حق إسرائيل أن تخرج على الأقل ببعض المزايا في مجرى تلك المفاوضات بالضغط على مصر كي توافق على السماح للسفن الإسرائيلية بالمرور من القناة. فعدم المرور سبب أضراراً كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي، كما أن الإغلاق اللاحق لمضيق "تيران" على شاطئ البحر الأحمر ضاعف الضرر. فالمضيق يتحكم في المرور إلى "إيلات". المنفذ البحري الوحيد لإسرائيل إلى المحيط الهندي وآسيا. وكما ذكر "موشي دايان ـ Mosha Dyan" ، الذي عين عام 1954 رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي، في مذكراته، إن "إغلاق الممرات المائية اعتبر بمثابة حصار لم يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية سياسية بالغة الأهمية فحسب، بل مثل أيضاً ضربة قاصمة لاقتصادها وعقبة أمام تطورها".

سادساً: التغيرات التي طرأت على اهتمامات وأولويات عبدالناصر

لقد أبدى عبدالناصر منذ وصوله للسلطة، اهتماماً محدوداً بالتعبيرات العربية المعتادة حول كراهية إسرائيل، وعندما قابله الجنرال "بيرنز ـ Burns" رئيس أركان قوات الأمم المتحدة في الشرق الأوسط لأول مرة، في 15 نوفمبر 1954، وجد الرئيس المصري مستغرقاً في المشكلات الداخلية، ويذكر بيرنز أن عبدالناصر أخبرني أنه لا يرغب في حدوث متاعب في الجبهة الشمالية لمصر، أو وقوع ما يعكر صفو سنوات الهدوء الست التي مرت منذ توقيع الهدنة، وأنه لا يفكر في القيام بأي مغامرة عسكرية". كذلك قال "عبدالناصر" "لكينيت لاف ـ Kennett Love": مراسل نيويورك تايمز ـ New York Times " نحن نريد السلام حتى نستطيع أن نخصص الأموال التي تنفق الآن على الدفاع لمشروعاتنا الاقتصادية والاجتماعية".

مع بداية عام 1955، كان الهدوء النسبي يسود على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، إلا أنه في مساء 28 فبراير تحطم هذا الهدوء على نحو عاصف، فقد تحركت مجموعة من المظليين الإسرائيليين يبلغ عددها نحو 50 فرداً، كان هدفهم تدمير معسكر صغير للجيش المصري، وخط السكك الحديد الموجود في الضواحي الشمالية لمدينة غزة، داخل الحدود المصرية. وقد أسفر هذا الحادث عن ثمانية من القتلى، وتسعة من الجرحى في الجانب الإسرائيلي، وخمس عشرة من القتلى، فضلاً عن تسعة عشر من الجرحى في الجانب المصري.

وقد أدان مراقبي الأمم المتحدة الهجوم الإسرائيلي في عبارات حادة" إننا نعتبر هذا العدوان الفظيع أمراً بالغ الخطورة واستفزازاً صريحاً للقوات المسلحة المصرية. ويتعين على إسرائيل أن تتحمل النتائج المترتبة عليه، والمسؤولية الكاملة عن أي أعمال عدوانية أخرى".

أعلن الجنرال "بيرنز" تأييده لتصريح المراقبين ووصف الغارة بأنها" هجوم مدبر ومخطط تم بناء على أوامر من السلطات الإسرائيلية وقامت به قوات إسرائيلية نظامية" وأوصى بأن يصدر مجلس الأمن قراراً قوياً بإدانة إسرائيل، وقد أصدر مجلس الأمن بالفعل هذا القرار واشترك في صياغته الدول الثلاث الأكثر تأييداً لإسرائيل، بريطانيا وفرنسا وأمريكا. وقد كتب الجنرال "بيرنز" في تقريره عن غارة غزة يقول "إن هذه الغارة مثلت حدثاً خطيراً في التاريخ المقبض للشرق الأوسط".

غيرت غارة غزة، أكثر الحوادث دموية بين مصر وإسرائيل منذ حرب عام 1948، طبيعة الموقف بين مصر وإسرائيل. وأثارت سباق تسليح شديد المنافسة بينهما. فضلاً عن ذلك فقد حولت الشرق الأوسط من منطقة نزاع بين العرب واليهود إلى حلبة للمنافسة بين القوى العظمى.

كان الأثر الذي تركته الغارة في عبدالناصر شديد الوطأة فقد أدت إلى تغيرات في سياساته، فخلال أسابيع قليلة أصدر قرار بتنظيم المتطوعين الفلسطينيين في قطاع غزة في شكل وحدات من الفدائيين للقيام بعمليات تخريب وإرهاب داخل إسرائيل. وأمر الجيش النظامي بتدريب هذه الوحدات، كما أمر، لأول مرة، بإطلاق العنان لأي عمليات فدائية ضد إسرائيل.

كذلك أصدر قراره الخطير بتغيير الأولوية الأولى في برنامج حكومته من إصلاح مجتمع مصر المتخلف إلى الضرورة الملحة للحصول على الأسلحة.

سابعاً: كسر احتكار السلاح

رفعت بريطانيا الحظر على بيع الأسلحة لمصر الذي فرضته بموجب الإعلان الثلاثي الصادر في 25 مارس 1950 من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، عندما وقع "عبدالناصر" بالأحرف الأولى على اتفاقية الجلاء (أُنظر ملحق المبادئ الرئيسية الموقع عليها بالأحرف الأولى من الطرفين المصري والبريطاني في 27 يوليه 1954) في 27 يوليه 1954. سلم عبدالناصر قائمة بالأسلحة التي يريدها إلى" أنتوني ناتنج" وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية وواحد من أكثر المقربين إلى "إيدن ـ Eden, Sir Anthony" عقب التوقيع الرسمي على الاتفاقية في 19 أكتوبر 1954 وطلب منه أن يحملها معه إلى لندن، وأثير الموضوع أمام مجلس العموم البريطاني، وعارضه الذين خشوا على إسرائيل خاصة حزب العمال، ورد عليهم "ناتنج" بأن ذلك لا ينطوي على شئ يخيفها، أو حتى يدعو لقلقها، لأن تقديم الأسلحة لمصر سيكون فقط في استخدامها في أغراض الدفاع المشروع، وأن بريطانيا ستمكن دول الشرق الأوسط من القيام بدورها في الدفاع عن المنطقة كلها.

ولكن إلى أي مدى كان التطبيق؟ راحت لندن تبحث قائمة المطلوب من الأسلحة التي تقدمت بها مصر، وعندما بعث السفير البريطاني في القاهرة لحكومته ليستفسر عما تم في هذا الأمر، ردت الخارجية البريطانية بأن المسألة تناقش على مستوى عال، وأن بريطانيا لا تشجع سباق التسليح (أُنظر جدول مقارنة عامة قبل عقد صفقة السلاح الشرقية بين القوات المصرية والإسرائيلية)، وتبذل أقصى ما في وسعها في سبيل ذلك.

كان "عبدالناصر" ينتظر إجابة طلبه، وحاول استثارة الغرب ومس وتره الحساس، فصرح لمراسل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن روسيا الشيوعية تشكل خطراً جسيماً على أمن مصر، وأنه من الطبيعي أن يتجه العرب صوب الغرب لطلب الأسلحة والمساعدة، وحث على التعاون الذي يرتكز على الصدق والصداقة معه. ولم يطرق عبدالناصر باب بريطانيا فقط، وإنما طلب أيضاً الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية، التي أرسلت بعثة عسكرية لإجراء مباحثات حول توريد الأسلحة لمصر، ولكن "دالاس" أصر على أن ترتبط مصر بشبكة الدفاع الغربية للشرق الأوسط، وفي نفس الوقت وافقت واشنطن على تزويد العراق بالأسلحة. وعندما طلب عبدالناصر الأسلحة من فرنسا ساومته على التخلي عن شمال أفريقيا خاصة الجزائر، وراحت تزود إسرائيل بها.

استمر التسويف البريطاني، وتكررت الاعتذارات التي تنم عن الرغبة في المحافظة على التوازن في التسليح بين مصر وإسرائيل، وفي تلك الأثناء كانت المساعي البريطانية على قدم وساق بالنسبة لحلف بغداد، لذا وجدت لندن أن تجمد مسألة الأسلحة وتساوم مصر عليها، وعمد "عبدالناصر" إلى مزيد من الانتظار، برغم أن مصر كانت لا تمتلك سوى ست طائرات عسكرية صالحة للاستعمال، وكمية من ذخيرة الدبابات تكفي لمعركة مدتها ساعة واحدة.

في 24 فبراير 1955 أعلن رسمياً عن مولد حلف بغداد، وبعد أربعة أيام اخترقت إسرائيل الحدود المصرية وشنت غارة على قطاع غزة بدعوى الانتقام من الفدائيين. هزت هذه الحادثة عبدالناصر بعنف، وأصبح على استعداد للتعاون مع من يمد له يد المساعدة، في سبيل أن تكون الأسلحة في يد جيشه ليشهرها في وجه عدوه. كرر طلبه مرات أخرى سواء مع بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية وقد استعرض الموقف مع السفير الأمريكي المستر " بايرود ـ Bayard " مبينا أن مصر تُحرم من الأسلحة وغارات إسرائيل تتكرر، في الوقت الذي تعقد فيه صفقات الأسلحة مع إسرائيل والعراق. كذلك كان الفشل حليفه في شراء الأسلحة من باقي دول الغرب لارتباطها بعضوية حلف شمال الأطلسي. ومن هنا أصبح على يقين أنه لن يحصل على الأسلحة من الغرب، لأنه لن ينفذ شروطه، خاصة فيما يتعلق بنظام الدفاع عن الشرق الأوسط، وضرورة الدفع بالعملة الصعبة. ومع هذا ألح في الطلب، وكما يذكر "ناتنج" أن "عبدالناصر" قصد اختبار حسن النوايا أكثر من تلبية طلبه.

كان الاتحاد السوفيتي هو البديل للغرب بالنسبة لتوريد الأسلحة، ولم يعد أمام "عبدالناصر" إلا التفكير فيه، بعد أن نفد صبره، وأوصدت أبواب الغرب أمامه. حقيقة أنه لم يكن يرغب في فتح الباب الشرقي لما يمكن أن يترتب على ذلك من سلبيات، ولأن أسلحة الكتلة الشيوعية غير معروفة للجيش المصري، وبالتالي ستكون هناك صعوبات، ولكنه مع هذا راح يفكر في الأمر بجدية.

وجاءت الفرصة لـ "عبدالناصر" أثناء حضوره مؤتمر "باندونج" وفي حديث له مع "شو إن لاي ـ Chou En - Lai " رئيس وزراء الصين الشعبية عن الأوضاع في الشرق الأوسط، تكلم "عبدالناصر" عن التهديد الذي تتعرض له مصر من جانب إسرائيل، ومماطلة الغرب في إمداده بالأسلحة لإجباره على أتباع سياسته والسير في ركابه، ثم سأله عن إمكانية شراء مصر الأسلحة من الصين الشعبية، فأجابه أنه يعتمد على أسلحة الاتحاد السوفيتي، ووعد بالوساطة لمصر لدى موسكو. وبذلك انحرف طريق "عبدالناصر" في هذا الأمر عن الغرب وبدأ الخطوة الأولى في طريق الاتحاد السوفيتي الذي أعلن استعداده لتوريد الأسلحة لمصر.

اطمأن "عبدالناصر" للوضع الجديد، وفي الوقت ذاته رأى استخدام أسلوب المناورة، بمعنى أن يلمح سواء لبريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية بالرد على تسويفهما باستيراد الأسلحة من غيرهما، ربما يحرك فيهما الغيرة ويدفعهما للتوريد حتى لا يسمحا أن يطأ قدم الاتحاد السوفيتي المنطقة.

من هذا المنطلق كان تحذيره للسفيرين: البريطاني والأمريكي من أنه ما لم يستطع الحصول على الأسلحة من الغرب، سيضطر لقبول العرض السوفيتي، واعتقدت لندن وواشنطن أن "عبدالناصر" يبتزهما، إلا أن رد لندن جاء ليحذره من أنه لو استلم أسلحة من موسكو لن يتلقى أي أسلحة من بريطانيا. وعَدَّ عبدالناصر ذلك تهديداً لا يمكن قبوله، ومما زاد الموقف صعوبة أن اللجنة المشرفة على تنفيذ الإعلان الثلاثي لعام 1950، الذي تعهدت بموجبه بريطانيا وأمريكا فضلاً عن فرنسا بعدم إثارة الاضطراب في الوضع القائم في الشرق الأوسط بتقديم إمدادات جديدة من الأسلحة إلى أي من الطرفين، قد وافقت على إعطاء إسرائيل أسلحة جديدة، ووكلت لفرنسا مهمة التوريد.

حاولت بريطانيا أن تحسن من موقفها، فأرسلت لمصر في صيف 1955 أربعين دبابة من نوع "سنتوريون ـ Centurion" دون أن تكون معها طلقة واحدة من الذخيرة، وعندما احتجت مصر، شحنت لها عشر قذائف لكل دبابة، وهو عدد لا يكفي لمجرد التجارب الأولية لإطلاق النار وتحديد الهدف. وهذا يعني أن الشحنة لا يرجى منها نفع.

على الجانب الآخر، نظرت موسكو للرغبة المصرية برؤية متفتحة، فقد طرقت الظروف أبوابها، فرحبت بها واحتضنتها، في وقت تأسس فيه حلف بغداد وانضمت إليه بريطانيا ليكون حزاماً شمالياً إستراتيجياً في الشرق الأوسط ليعوق التقدم السوفيتي جنوباً. وبسرعة فائقة التقى "سولود ـ solod, Daniel" السفير السوفيتي في القاهرة بعبدالناصر عارضاً عليه موافقة حكومته على تزويد مصر بالأسلحة التي منعها الغرب عنه.

عرض الاتحاد السوفيتي التسهيلات، فقد أبلغ "شبيلوف ـ Dmitri Shepilov" محرر صحيفة البرافدا ـ Pravda السوفيتية والذي أصبح وزيراً للخارجية "عبدالناصر" أن بلاده تقبل دفع ثمن صفقة الأسلحة بالقطن المصري. وكانت مسألة العملة الصعبة تشكل صعوبة في استيراد الأسلحة، لكن في الوقت نفسه تردد "عبدالناصر" في مسألة رهن القطن، بالإضافة إلى تيقنه من استغلال موسكو للظروف، وفي داخل نفسه كان يتمنى أن يكون التعامل في الأسلحة مع الغرب، حتى لقد صرح فيما بعد لمراسل الصحيفة الأمريكية نيويورك بوست ـ New York Post بقوله: "كنا نفضل الصفقة مع الغرب، ولكن بالنسبة لنا فالمسألة حياة أو موت".

أُعد مشروع الاتفاقية بين القاهرة وموسكو، ونص على أن تشتري مصر أسلحة سوفيتية (أُنظر جدول مقارنة بين القوات المصرية والإسرائيلية بعد عقد صفقة السلاح الشرقية) من بينها مقاتلات "الميج ـ MIG" وقاذفات القنابل "اليوشن ـ Ilyushin " ودبابات "ستالين ـ Stalin Mark" وغواصات ومدافع وزوارق طوربيدات ومدفعية ميدان ونظام راداري على أن تسدد ثمن هذه الأسلحة بالقطن والأرز، وحددت الفائدة بـ 2% وفترة سماح أربع سنوات.

تقرر أن تُنسب صفقة الأسلحة إلى تشيكوسلوفاكيا ـ Czechoslovakia لعدة أسباب، فعلى الجانب السوفيتي، فضلت موسكو ألا تكون هناك مواجهة مع الغرب، أما الجانب المصري، فقد رأى "عبدالناصر" أن يبدو في نظر العالم الخارجي أقل ميلاً لليسار حيث أن إسرائيل كانت تحصل على سلاح من تشيكوسلوفاكيا أثناء حرب فلسطين، بالإضافة إلى أمله في أن يغير الغرب موقفه ويستجيب له خاصة بعد محاولة بريطانيا الخاصة بشحنة الدبابات غير المكتملة الذخيرة، لذا أَطْلَعَ "عبدالناصر" السفير الأمريكي على مسودة الاتفاقية. وكان يؤمن أنه إذا وافقت الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الموافقة البريطانية ستصحبها. وإتباعاً لسياسة النفس الطويل انتظر "عبدالناصر" شهرين، لعل هذا التهديد يحدو بالغرب لاتخاذ خطوة إيجابية تلغي مشروع الاتفاقية مع السوفيت، ولكن فشلت هذه المحاولة مما اضطره لتوقيع الاتفاقية. ولم يعلن عنها في حينه. وإنما أعلن عنها رسمياً في 27 سبتمبر 1955 أثناء افتتاحه معرضاً للقوات المسلحة.

ثارت بريطانيا للإعلان عن هذه الصفقة، وطلب السفير البريطاني في القاهرة مقابلة "عبدالناصر" على وجه السرعة، وبين له أن الصفقة تتعارض مع اتفاقية الجلاء التي تشير مقدمتها إلى الصداقة والرغبة في التعاون، وأنها ـ أي الصفقة ـ تهدد أمن القاعدة البريطانية في القناة لوجود أسلحة من بلد شيوعي، وما يتبع ذلك من وجود فنيين أجانب، فأجابه "عبدالناصر" أنه لا يوجد نص في الاتفاقية يمنع شراء الأسلحة من أي جهة، وأن عدد الفنيين سيكون محدوداً، وسيرحلون عقب تدريب المصريين، كما أن أماكن التدريب ستختار بعيدة عن القاعدة، ثم سأله السفير عن إمكانية إلغاء الصفقة، فنوه "عبدالناصر" بارتباط ذلك بثورة في الجيش. وتفجر هذا النبأ في إسرائيل كأنه قنبلة واعتبرت هذه الصفقة تغييراً واضحاً في موازين القوى في المنطقة. كما كان قرار الصفقة يعني شيئاً أكثر من ذلك حيث يحمل مغزى إستراتيجياً وهو أن مصر التي كانت تعتبر حتى ذلك الوقت ضمن نطاق الوصاية الغربية التي يفرضها الغرب فرضاً قد انتقلت إلى دائرة النفوذ السوفيتي وأن "عبدالناصر" سيأتي بالروس إلى منطقة الشرق الأوسط.

أما عن مصر فقد استفادت من الصفقة وبعثت ضباطاً مصريين إلى تشيكوسلوفكيا وبولندا ـ Poland ليتدربوا على نوعية السلاح، كما أرسلت بعثة من القوات الجوية إلى الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية. وكان "عبدالناصر" قد اشترط أن يرفق بالصفقة قطع غيار وذخيرة تكفيها لمدة خمس سنوات، وأن تتسلم الأسلحة في شحنات ضخمة لا على دفعات على النحو الذي اعتاد عليه الغرب. وبذلك حقق عبدالناصر هدفه وضمن قوة جيشه. ورغم تردده في البداية عندما أقدم على هذا الإجراء، إلا أنه كان في صالحه، وأجهضت لأول مرة سياسة احتكار الغرب للأسلحة، وازداد هو رفعة وثقة، حيث دعم بهذه الخطوة موقفه المعارض للغرب، وأظهر قدرته على التحدي. وهكذا كانت صفقة الأسلحة إيذاناً بكسر احتكار الغرب للشرق عسكرياً واقتصادياً، وبزوغ اتجاه جديد سلكته مصر عندما وجدت في مقدورها استخدام سياسة تحقق لها متطلباتها من ناحية، وتضرب في الوقت نفسه أعداءها من ناحية أخرى.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثامناً: تعارض المصالح العربية والغربية

نتيجة لعدم إدراك الغرب لحقيقة القومية العربية المتزايدة والتي كانت مصر تدعو لها في كل المحافل الدولية والتي ظهرت بصورة واضحة في مؤتمر "باندونج" في 18 أبريل 1955 حيث نجح عبدالناصر في عرض قضايا الوطن العربي وحصل على:

1. تأييد المؤتمر لحقوق الشعب الفلسطيني.

2. مطالبة المؤتمر بحق تقرير المصير لكل من تونس والجزائر والمغرب.

3. دعوة المؤتمر إلى تسوية سلمية لقضايا محميات الخليج وتأييده موقف اليمن منها.

ومن الواضح في هذه القضايا أنه لا مفر من الاصطدام بين مصالح دول العدوان الثلاثي بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. فالقضية الأولى تعني عدم شرعية دولة إسرائيل من الأساس. والقضية الثانية تطالب فرنسا بالتخلي عن آخر ممتلكاتها الاستعمارية. والقضية الثالثة تكشف النقاب عن وضع بريطانيا غير الشرعي في بلدان الخليج العربي، كل هذه القضايا جعلت من مؤتمر "باندونج" نقطة هامة سببت الحقد لدى دول العدوان الثلاثي ضد مصر، أيضاً بلغ الأمر ذروته عندما ذهب "عبدالناصر" إلى بريوني ـ Brioni في يوغسلافيا ليجتمع مع "تيتو ـ Josip Broz Tito " و"نهرو ـ Jawaharlal Nehru" لمناقشة مشاكل الشرق الأوسط وفي مقدمتها مشكلة فلسطين والجزائر وهكذا ازداد سخط الغرب على "عبدالناصر" بالذات وبالتالي ازدادت أواصر القرب بين دول العدوان الثلاثي.

تاسعاً: تعارض المصالح الفرنسية والمصرية

عندما فقدت فرنسا نفوذها في تونس والمغرب بعد حصولهما على الاستقلال رغبت في التمسك بالجزائر. وفي بداية الثورة الجزائرية في عام 1954 حيث كانت محدودة إلا أنها انتشرت في كل مناطق الجزائر بعد فترة قصيرة ومع أن الثورة جزائرية في أساسها إلا أنها اتخذت من القاهرة مقراً لقيادتها. كما كانت مصر تمد الثوار بالسلاح والدعم المعنوي لذا بدأ الصدام بين فرنسا ومصر حيث أرادت فرنسا أن تتخذ إجراء ما ضد مصر لمساندتها الثورة الجزائرية. ولما فشل الفرنسيون في إخماد الثورة الجزائرية ادعوا أن مصر هي التي تشعل ثورة الجزائر، لذلك وجه الفرنسيون حملة كراهية ضد مصر مركزة في شخص عبدالناصر، وادعت أن حل مشكلة الجزائر لن يكون إلا في القاهرة فلو انهار نظام الحكم في مصر فإن النصر في الجزائر سيكون حليف فرنسا ولهذا السبب كان انضمام فرنسا إلى دول العدوان الثلاثي. كما أن فرنسا كانت متعاطفة مع إسرائيل في كُرْه العرب ومناهضة مبادئ القومية العربية التي ينادي بها "عبدالناصر"، لهذا أرادت إسرائيل ألا تضيع هذه الفرصة هباءً وأخذت تتقرب من فرنسا وسرعان ما عقدت معها صفقات سرية لتزويدها بالأسلحة رغم أن الاتفاق الثلاثي بين فرنسا وإنجلترا وأمريكا في عام 1950 كان يقضي بأن تمتنع هذه الدول عن تصدير الأسلحة إلى دول الشرق الأوسط، كما تم إمداد إسرائيل أيضاً بالأسلحة الزائدة من الحرب العالمية الثانية وخاصة الدبابات والمدافع وأصبحت إسرائيل بذلك أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

عاشراً: مشروع السد العالي[1]

يعتبر مشروع السد العالي عند أسوان أكبر مشروع يتم تنفيذه على النيل منذ أيام الفراعنة. ويعادل حجمه، وفقاً لتصميمه، حجم هرم خوفو الأكبر سبع عشرة مرة، لكن الهدف منه لم يكن إرضاء غرور الحاكم الفرد كما كان الحال عند بناء الأهرامات بل لإطعام الشعب المصري. كان أكثر مشاريع "عبدالناصر" ومجلس قيادة الثورة طموحاً، وبالتالي تبنى "عبدالناصر" والمجلس، بعد ثلاثة أشهر فقط من إسقاط الملك "فاروق" في يوليه 1952م، بناء السد بوصفه هدفاً وطنياً وتعاقدوا مع بيت الخبرة "هوشتيف ودور تموند" لإجراء دراسات الجدوى.

لقد كان الأمل الوحيد لمصر في أن تزرع ما يكفي لإطعام شعبها يكمن في التحكم في الفيضان البالغ التقلب لنهر النيل العظيم. وكان البريطانيون قد أكملوا بناء سد أسوان الأول في عام 1902 وتم تعليته مرتين في عامي 1912 و1933 للحصول على المزيد من مياه الري. ومع ذلك تجاوز معدل زيادة السكان في مصر معدل زيادة الأرض الزراعية التي أضافتها عمليتا تعلية السد.

إن مشروع السد العالي سوف يضيف 2 مليون فدان من الأرض الزراعية الجديدة بجانب التحكم في مياه الفيضان وتوليد الطاقة الكهربية التي تكفي نصف استهلاك البلاد.

أما قيمته الرمزية فهي فائقة الأهمية بالنسبة لمصر، حيث يمثل قفزة واسعة نحو القرن العشرين. ويجسد أعظم تطلعات نظام "عبدالناصر"، ويبرهن على استقلال مصر وسيادتها.

كان دخول روسيا إلى المنطقة من خلال صفقة الأسلحة التشيكية هو الذي دفع واشنطن لدعم السد العالي. فقد قرر "دالاس" وزير الخارجية، بناء على إلحاح "هوفر ـ Hoover, Herbert, Aj" مساعد وزير الخارجية، الانضمام إلى البريطانيين والبنك الدولي في تمويل السد وربط ذلك بالمحاولة السرية لإيجاد حل نهائي للصراع العربي ـ الإسرائيلي المتفجر، وكما قال "كيرميت روزفلت ـ Keermit Roosevelt" رجل وكالة الاستخبارات المركزية ـ CIA الذي شارك في الصياغة والتنفيذ "لقد حاول "هوفر" شراء السلام بالسد".

جرت المفاوضات بسرعة، وتم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مؤقت في 16 ديسمبر 1955، يتولى البنك الدولي، والولايات المتحدة، معاً تمويل سد مصر بتكلفة تقديرية تبلغ 1.3 مليار دولار. وسيقدم البنك 200 مليون دولار، و200 مليون دولار أخرى ستقدمها بريطانيا وأمريكا معاً، أما باقي المبلغ فستوفره مصر بالعملة المحلية.

وكان لإذاعة الاتفاق رد فعله، إذ أعلن السفير السوفيتي بالقاهرة في 18 ديسمبر أن بلاده ترغب في المساهمة في المشروع، ولكن الغرب رفض هذا الطلب. كذلك شكا كل من رئيس وزراء العراق والرئيس اللبناني من أن مصر "تحصل بتهديدها على ما تريد من الغرب وعلى أكثر مما يحصل عليه الحلفاء المخلصون".

طلبت لندن وواشنطن من مصر أن تركز برنامجها التنموي على السد العالي، بتحويل ثلث دخلها القومي لمدة عشر سنوات لهذا الغرض، ووضع ضوابط للحد من زيادة التضخم، مع رفض قبول أي مساعدة من الكتلة الشرقية، وأخيراً ألا تقبل مصر قروضاً أخرى أو تعقد اتفاقيات في هذا الصدد دون موافقة البنك الدولي. وغضب عبدالناصر من هذه الشروط، واستحضر أزمة مصر المالية في عهد الخديوي إسماعيل حيث مرارة الإشراف المالي الأوروبي، وجاء "يوجين بلاك ـ Eugene Black" رئيس البنك الدولي إلى القاهرة ليجري محادثات مع عبدالناصر ويقنعه بالقبول، وبعد مفاوضات وافق عبدالناصر فقط على أن يكون للبنك حقوق معقولة في تفقد الإجراءات التي كان من المقرر أن تتخذها مصر لمقاومة التضخم، وعقد اتفاقاً يقدم البنك بموجبه قرضاً قيمته 200 مليون دولار، يتوقف على التوصل لاتفاق آخر مع لندن وواشنطن حول شروط تقديم مساعدتهما، وتم الإعلان عن الاتفاق مع البنك في 8 فبراير 1956، وفي الوقت نفسه قدم "عبدالناصر" التعديلات التي يراها وفي مقدمتها تعهد بالتنفيذ حتى نهاية المشروع.

كان ارتباط قرض البنك بشروط بريطانيا وحليفتها يعني إخضاع مصر لأغراضهما التي تتعارض مع استراتيجيتها، لذا أصبح متوقعاً أن الأهداف لن تتلاقى. وانعكس سوء العلاقات المصرية البريطانية على المشروع، ومع بداية شهر مارس بدأ التحول واضحاً بعد إخفاق السياسة الغربية في تطويع "عبدالناصر"، ورأت لندن عدم تعاونه فيما يختص بتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي. ومضى التهديد في حملات الصحافة البريطانية بوقف أي عون لمصر، لدرجة أن هناك من طالب ببناء سد في كينيا يمنع الماء عن مصر.

أحس "عبدالناصر" أنه أساء اختيار الغرب في تنفيذ المشروع، فأعلن في حديث له بجريدة الأهرام في 2 أبريل أن العرض السوفيتي لتمويل المشروع مازال قائماً، وأن مصر ستنظر في أمر الموافقة عليه إذا انقطعت المفاوضات الخاصة بمساعدات الغرب.

كتبت الخارجية البريطانية لسفيرها في القاهرة لتعلمه باتفاقها مع الأمريكيين على التمهل في المفاوضات الأولية الخاصة بالمشروع، وأن الوقت مازال مبكراً. لكنه يرد عليها بالقول: "إنه من الصعب ترك المفاوضات بهذا الشكل لأن ذلك سيجعل "عبدالناصر" يذهب إلى الشيوعيين". واقترحت لندن بعض الإجراءات للتضييق على مصر، فذكرت أن لديها نقصاً كبيراً في العملة الإسترلينية، ولما كانت تعتمد على الواردات البريطانية، فالنتيجة سوء الحالة الاقتصادية، أيضاً تخفيض المعونة الاقتصادية الأمريكية، كذلك العمل على خلق قلاقل لها في السودان، وأخيراً بذل قصارى الجهد لإجهاض الجهود السوفيتية وإبعاد مصر عن الخطر الشيوعي.

وفي الوقت نفسه يتفق " جورج همفري ـ Humphrey, George " وزير المالية الأمريكي مع مساعد وزير الخارجية البريطاني على العمل من أجل سحب العرض الخاص بمشروع السد العالي، أيضاً يتفق "دالاس" مع "لويد" في بداية مايو على جعل هذا العرض يذبل، أي يموت تدريجياً. وبذلك توحدت السياسة الأنجلوأمريكية إزاء المشروع. ومما زاد الموقف اشتعالاً، اعتراف "عبدالناصر" بالصين الشعبية ـ في 16 مايو 1956.

ويبلغ السفير البريطاني في القاهرة حكومته أن "عبدالناصر" فقد الأمل في الحصول على المساعدة المالية لتمويل المشروع من الغرب، وأنه سيولي وجهه مرة أخرى شطر السوفيت ـ ويقصد بعد صفقة الأسلحة.

أصبحت الدلائل تشير إلى التصدع الذي ينذر بالانهيار، ففي 19 يونيه أبلغ "بوجين بلاك" مصر، أنها إذا لم تقبل شروط البنك قبل أول يوليه، فإن الحكومة الأمريكية ستكون في حل من العرض، وفي 6 يوليه أبلغت واشنطن مصر، أنها أعادت إلى الخزانة الأمريكية المبلغ الذي كان قد خصص لمشروع السد العالي لإنفاقه على مشروعات أخرى، لكنها أشارت في نفس الوقت إلى أن العرض الأمريكي ما يزال قائماً. وكان ذلك إيذاناً بالرفض رغم عدم الإعلان عنه صراحة.

واقتربت ساعة الفصل، وأصبح "عبدالناصر" يعي كلية التراجع الأنجلو ـ أمريكي وإن قبلت مصر شروط البنك الدولي جميعها، لذا أراد كشف الأمور على حقيقتها، فطلب من سفير مصر في واشنطن الدكتور "أحمد حسين" التبليغ بموافقة مصر، وقبل نقلها إلى "دالاس"، أعلن الأخير في 19 يوليه سحب العرض الأمريكي لتمويل مشروع السد العالي أثناء مقابلته للسفير المصري.

وعلى الفور كتب وزير الخارجية البريطاني مذكرة في هذا الشأن، وأرفق بها الحديث الذي جرى بين السفير البريطاني في واشنطن ووزير الخارجية الأمريكي، يؤكد على أن قرار السحب جاء نتيجة اتفاق أنجلو ـ أمريكي.

وبذلك يظهر جلياً تعاون السياسة الأنجلو ـ أمريكية في قرار السحب وليس كما يسجل "إيدن" في مذكراته "وقد أبلغنا بالقرار دون أن نستشار مسبقاً". ويذكر "ناتنج" أن "إيدن" قد اتخذ نفس القرار الأمريكي منذ شهر يونيه.

وتعددت الأقوال، وكثرت التفسيرات حول أسباب الرفض، وكان للكونجرس الأمريكي موقفه المناوئ، رغبة في المحافظة على سوق القطن الأمريكي، لأن السد العالي سيرفع من قيمة القطن المصري، وبالتالي يكتسح السوق العالمية ويؤثر على الأسعار، أيضاً انتقاد الأعضاء لتصرفات "عبدالناصر" خاصة بعد الاعتراف بالصين الشعبية، وأنه لا يستحق أن يعطى أي شئ من المال، وكما هو معروف فهناك الضغط الصهيوني داخل الكونجرس، والانتخابات الأمريكية على الأبواب، كذلك رأي "دالاس" أن "عبدالناصر" قد قضى على مبادرة الصلح بين العرب وإسرائيل، وأن السوفيت لن يساعدوا مصر في بناء السد العالي لأنه مشروع ضخم يجهد مواردهم المالية، ثم إن سحب العرض يقضي على حلم "عبدالناصر" ويؤدي إلى خيبة أمله بين صفوف شعبه، وفي هذا ما يكفي للإطاحة به أو على الأقل كسر شوكته، وقد أفضى "أيزنهاور" إلى وزير خارجيته قبل إعلان سحب العرض بيومين بأنه يريد إضعاف "عبدالناصر".

وفي اليوم التالي لإعلان "دالاس" سحب العرض الأمريكي لتمويل السد العالي. أعلنت بريطانيا تضامنها مع الولايات المتحدة وسحبت هي الأخرى العرض، ومن ثم سقط قرض البنك الدولي تلقائياً لارتباطه بمساهمة الدولتين.

علم عبدالناصر بقرار سحب العرض الأمريكي أثناء عودته من مؤتمر "بريوني". وراح عبدالناصر يفكر في إجراء الرد على ذلك. ومضت الصحافة المصرية تفند الأسباب التي اعتمد عليها الغرب في تراجعه عن المشروع، سواء الخاصة بالاقتصاد المصري، أو النشاط الصهيوني، وقرب الانتخابات الأمريكية، أو إرغام مصر على الصلح مع إسرائيل، كما نشرت أن الاتحاد السوفيتي على استعداد لتمويل المشروع دون شروط.

وفي حفل افتتاح مشروع خط أنابيب البترول من "السويس" إلى "مسطرد" في 24 يوليه، خطب عبدالناصر وأعلن: "أن الاقتصاد المصري سليم، وأن البريطانيين والأمريكيين لن يستطيعوا أن يتحكموا في مصر، ثم وجه إليهم عبارة "موتوا بغيظكم، فلن تتمكنوا من فرض إرادتكم على مصر". وأعلن في نفس اليوم أن عبدالناصر وعدداً من مرافقيه سيقومون بزيارة إلى الاتحاد السوفيتي وبعض دول أوروبا الشرقية في منتصف أغسطس.

ووقف وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم يقول إن حكومته مهتمة باستغلال مياه النيل، وأن مزايا مشروع السد العالي كان يجب أن توزع بعدالة على شعوب حوض النيل جميعها، وأن المشروع لا يتطلب قدراً كبيراً من العون المالي الخارجي فحسب، بل يقتضي أيضاً وجود إشراف صارم من جانب مصر على اقتصادها الداخلي، وأن سحب العرض هو بسبب توسع مصر في أعمال الدفاع والتصنيع، ثم يبين أن تنمية العلاقات بين بريطانيا ومصر تتوقف على رغبة مصر في احترام المصالح البريطانية في الشرق الأوسط. وردد السفير البريطاني في القاهرة القول نفسه للمسؤولين المصريين، معرباً عن أمله في ألا يؤثر ما حدث على العلاقات البريطانية ـ المصرية. ولكن الواقع أن العلاقات كانت قد وصلت إلى حافة الانهيار.

وعلى أية حال فقد وضع الإجراء الأنجلو ـ أمريكي الخاص بسحب عرض تمويل السد العالي حداً لنهاية فصل من مسلسل الصراع الذي احتدمت حلقاته، ليبدأ فصل آخر جديد.

[1] كان مشروع السد العالي فكرة نادى بها ودعا إليها خبير زراعي يوناني اسمه "دانينوس" وقد قدم مشروعه إلى بعض وزراء الأشغال في مصر قبل الثورة. ولم يلتفت إليه أحد، وبعد الثورة بعث "دانينوس" بمذكرة إلى مجلس قيادة الثورة عن الموضوع وأحالها عبدالناصر إلى لجنة برئاسة قائد الجناح "جمال سالم" عضو مجلس الثورة، وكان مختصا بالأشراف على أعمال مجلس الإنتاج، ودعا عبدالناصر "دانينوس" إلى لقائه، واستمع منه إلى عرض تفصيلي عن المشروع، وبعدها أعطاه مجلس الإنتاج أولوية بارزة بين المشروعات التي كانت مطروحة أمامه للدراسة في ذلك الوقت.

المبحث الثالث: تأميم قناة السويس

أولاً: مقدمات العدوان

مع بداية عام 1956 وقعت عدة أحداث، كانت تنبئ أن عدواناً ثلاثياً قد يحدث في شهر مارس، أي قبل تأميم قناة السويس بأربعة أشهر، ولقد زادت درجة التوتر لدى المسؤولين في بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ووصل ذروته نتيجة عدة أحداث كان لكل منها أثره على إحدى أو كل هذه الدول، وأهم تلك الأحداث:

طرد "جلوب" من الأردن: نظراً لتطور الأحداث في الأردن تولى الجنرال "جون باجوت جلوب" مسؤولية قمع الفتنة في الأردن، ولكن الملك حسين وجد نفسه أمام ضغط شديد من الضباط الأحرار في الجيش الأردني، ومن جانب المعارضة فأصدر مرسوماً بإقالة "جلوب" في 2 مارس 1956، الذي خدم في الأردن لمدة 17عاماً، من منصبه كرئيس هيئة أركان حرب الفيلق العربي الأردني والذي خاض به حرب 1948. ولقد أصيب الإنجليز بالدهشة لتطور الأحداث وطرد "جلوب" ولقد أرسل "إيدن" برسالة إلى الملك "حسين" لكي يعيد النظر في قراره ولكنه لم يكن باستطاعته أن يتراجع إزاء موقف الضباط ورغبة الشعب الأردني في طرده حيث إنهم لم ينسوا ما قيل عن تواطؤه مع اليهود في حرب 1948. وظنت بريطانيا أن "عبدالناصر" هو المحرك لكل هذه الأحداث، وقال "إيدن" إن "عبدالناصر" هو عدونا الأول في الشرق الأوسط ولن يستريح حتى يقضي على كل أصدقائنا وعلى كل نفوذنا في المنطقة.

جاء "كريسيان بينو ـ Christian Pineeau " وزير خارجية فرنسا إلى القاهرة في منتصف شهر مارس ليقنع"عبدالناصر" بالتوقف عن تأييد الثورة الجزائرية مقابل تأييد فرنسا للعرب في سياستهم، وكان رد "عبدالناصر" عليه هو "أن تتخلى مصر عن الوطنيين والجزائريين يعني أن أتخلى عن قوميتي العربية". وغادر "بينو" القاهرة وهو يكن حقداً دفيناً، ويريد في قرارة نفسه أن يتخلص من عبدالناصر.

وفي خلال شهر مارس أيضاً وبعد فشل سياسة إسرائيل في تحقيق أمنها القومي بالغارات الانتقامية تحولت إسرائيل إلى إستراتيجية الحرب الوقائية ضد مصر وطورت إسرائيل خططها العدوانية إلى أن تحين الظروف المناسبة.

المشكلة بالنسبة لإسرائيل هي كيف تثير هذه الحرب وأن تبرر في الوقت نفسه موقفها في نظر الرأي العام العالمي. هل ترسل جيشها لانتزاع الطرف الجنوبي لشبه جزيرة سيناء؟ أم هل تهاجم منطقة قناة السويس؟ ولكن هذا يعني الهجوم على بريطانيا التي ترابط قواتها في هذه المنطقة، أم هل تهاجم الأردن؟ وفي هذه الحالة قد تتدخل سورية ومصر ثم ترد إسرائيل وتهاجم مصر حتى يسقط "عبدالناصر".

والواقع أن شهر مارس قد مر، ولم يحدث شئ لأن القوات البريطانية كانت لا تزال ترابط في منطقة القناة ولن تغادرها إلا في شهر يونيه، ووجودها يمثل الحامي أو الحكم وتريد أن تبين لمصر أن التواجد البريطاني في منطقة القناة ضروري لحمايتها من الذئب الإسرائيلي.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثانياً: تأميم قناة السويس (أُنظر ملحق قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 285 لسنة 1956 بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية)

لقد ظهر مبكراً اهتمام حكومة الثورة بقناة السويس، ففي أعقاب توقيع اتفاقية الجلاء، كُلفت إدارة التعبئة العامة بالقوات المسلحة بالعمل للحصول على البيانات اللازمة والمعلومات الكافية عن نشاط الشركة وإيراداتها. وفي الخطبة التي ألقاها عبدالناصر 17 نوفمبر 1954 أشار إلى الفترة المتبقية من عمر الامتياز (أُنظر ملحق خطبة الرئيس جمال عبد الناصر الذي ألقاها في الأزهر يوم 2 نوفمبر سنة 1956). وكيف ستكون فترة تحضير حتى يكون المصريون على أتم استعداد لإدارة القناة بعد تسلمها من الشركة، وقد أشار الرئيس اليوغسلافي "تيتو" أنه في اجتماعه مع "عبدالناصر" في هذا التوقيت، وبينما كانا على يخت في القناة، حدث "عبدالناصر" ضيفه مصرحاً بأنه مادامت مصر قد أصبحت مستقلة، فلن يسمح بإدارة أجنبية على أرض وطنه وانه سيؤمم شركة القناة، وفي خطبة له 12 أغسطس 1956 أعلن أنه فكر في تمصير القناة من قبل عامين ونصف.

أثناء لقاء عبدالناصر مع وزير الخارجية البريطاني "سلوين لويد" في أول مارس 1956، تطرق الحديث إلى أهمية قناة السويس، وذكر" لويد" أن بريطانيا تعدها جزءاً من مجمع بترول الشرق الأوسط، فبين "عبدالناصر" أن الدول العربية تتقاضى 50 % من أرباح البترول، في حين لا تتقاضى مصر سوى 5 % من أرباح القناة، وأن المفروض أن تعامل مصر معاملة الدول المنتجة للبترول.

مثلت القناة أهمية كبرى على الساحة الدولية، وقد ذكر رئيس مجلس إدارة شركة قناة السويس تعبيراً تردد كثيراً في خطابات "إيدن" إذ قال "القناة هي وريد الدورة الدموية للبترول في العالم". وتعد بريطانيا من أكثر الدول انتفاعاً بالقناة، فثلث السفن المارة بها هي سفنها، وبلغ البترول الذي ينقل إليها 20 مليون طن عام 1955، بالإضافة إلى تجارتها مع الشرق الأوسط التي مثلت 25% من حجم تجارتها، كل ذلك يتم عبر القناة. وبجوار الأهمية الاقتصادية، هناك الأهمية الإستراتيجية للقناة، فهي طريق بريطانيا لدول الكومنولث ويمر بالقناة ستون ألف جندي بريطاني. أيضا كانت بريطانيا صاحبة أكبر حصة في القناة بما تملكه من أسهم إذ بلغت 44% من إجمالي الأسهم. من أجل ذلك كانت لندن تخشى على القناة من عبدالناصر.

يذكر "ناتنج" أنه أثناء مفاوضات السد العالي، ولما وجد عبدالناصر المماطلة في الرد على اقتراحاته بشأن شروط البنك الدولي، أفضى إلى سفير مصر في واشنطن الدكتور" أحمد حسين" بأنه إذا عدل الأمريكيون عن تعهداتهم في عرض التمويل، فإنه سوف يحصل على النقد الأجنبي اللازم لبناء السد العالي بتأميم شركة قناة السويس وتحويل عائدها الضخم إلى الخزينة المصرية.

وهكذا يتبين أن "عبدالناصر" قد عقد العزم على اتخاذ خطوة التأميم كجزء متمم لإسدال الستار على النفوذ الأجنبي الذي عانت مصر منه طويلاً.

ثالثاً: تقدير عبدالناصر للآثار والعواقب

يقول "هيكل" في كتابه ملفات السويس "أجرى عبدالناصر حساباته وبنى تقديراته للآثار والعواقب بدقة وبصيرة. وقد استعاد دوره كضابط أركان حرب وكتب كل شيء على الورق كما يلي:الهدف : تأميم شركة قناة السويس، وهذا يحقق إمكانية تمويل السد العالي كما أن التأميم يلبي حقاً مصرياً يراود أحلام المصريين وهو أيضاً يؤكد الاستقلال المصري الكامل بما فيه استقلال الإرادة السياسية كما يضيف أهمية القناة إلى أرصدة مصر الإستراتيجية.

تقدير الموقف : قرار التأميم سوف يؤدي إلى تعبئة جماهير الشعب المصري وجماهير الأمة العربية حوله ويلهم الجميع بمعنى الاعتماد على النفس. وتأميم شركة القناة أيضاً سوف يكون رداً كاملاً على سياسة الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وسوف يبين لهم أننا قادرون على الحركة متحملون لمسئولياتها وأنهم لا يستطيعون بعد الآن أن يقرروا مصائرنا فضلاً عن قيامهم بتوجيه الإهانات لنا. لكن الغرب لن يسكت وسوف يواجهنا بالتهديدات وبحملة سياسية ونفسية ضارية، وفي الغالب فإننا سنواجه بتهديدات عسكرية يمكن أن تتحول إلى حرب بالفعل ما لم نستعمل كل إمكانياتنا بحذر وحرص...".

وكان رأي عبدالناصر أن احتمال التدخل العسكري هو ما يجب أن نحوط له ونتفاداه بكل وسيلة إلا التراجع عن تأميم القناة إذا أُتخذ القرار نهائياً وأعلن. وقد استعرض موقف كل الأطراف المعادية لمصر وأيهم يمكن أن يصل به رد الفعل إلى حد الحرب المسلحة. وقدر أن الجميع نظرياً سوف يفكرون في التدخل العسكري كرد فعل أولي لكن أطرافاً عديدة بينهم سوف تعيد التفكير وتترد:

1. الولايات المتحدة الأمريكية، سوف تترد في الغالب لأن تدخلها العسكري ضد دولة صغيرة مثل مصر يعتبر إفلاساً سياسياً كما أنه سيؤدي إلى إحراجها بشدة أمام أطراف عربية صديقة لها في المنطقة وبالذات السعودية.

2. فرنسا، لا تستطيع أن تتدخل بمفردها فهي مشغولة بحرب الجزائر ووضعها العالمي كله خصوصاً بعد هزيمتها في الهند الصينية لا يمكنها من عمل مسلح حاسم ضد مصر.

3. إسرائيل، قد تفكر في التدخل عسكرياً ولكنها لا تستطيع أن تتخذ من تأميم شركة ذريعة لشن الحرب. ثم أن تدخل إسرائيل عملياً ضد مصر سوف يجعلها حرباً ضد الأمة العربية كلها وهذا يفرض على أمريكا محاولة "فرملة" إسرائيل. ثم أن إسرائيل من مصلحتها أن تنتظر لكي ترى صراع مصر مع الغرب كله يشتد ويعنف.

4. وأخيراً، فإن بريطانيا، هي الطرف الذي يخشى من تدخله فعلاً ومن هنا فإن الموقف البريطاني هو مفتاح الموضوع كله. إذن كيف يمكن أن تتصرف بريطانيا وكيف يمكن أن يتصرف "إيدن" ؟.

كان تقدير عبدالناصر أن إيدن في موقف ضعيف، والضعف هو الذي سيغريه بالعنف، ثم أن منطقة الشرق الأوسط كانت هي المنطقة التي يعتبر إيدن نفسه خبيراً بشئونها وكان طموحه أن يقوم هو بترتيبها. كان "إيدن" يعتبر أن عدوه الرئيسي في المنطقة هو عبدالناصر، فهو في حالة تعبئة نفسية ضد مصر وضده شخصياً حتى الذروة. وخطوة مثل تأميم قناة السويس سوف تكون القشة التي تقصم ظهر البعير وسوف يكون إيدن تحت ضغوط نفسية من الداخل وضغوط سياسية من حزبه ومن الرأي العام البريطاني تدفعه كلها للعمل المسلح ضد مصر خصوصاً وأن الجو الدولي العام الذي يمكن أن تصنعه دعاياته حول تأميم قناة السويس سوف يعطيه الأرضية الصالحة للتدخل المسلح.

وكان تقديره أيضاً أن هذا الجو الدولي العام نفسه هو الذي يتحتم على مصر أن تستغله وتستفيد منه لتفويت فرصة التدخل العسكري على الذين يفكرون فيه. وكان رأيه " إذا رآنا العالم نؤدي خدمة القناة بكفاءة فلن يصغي إلى أصوات التدخل الحمقاء خصوصاً إذا استطعنا كسب الوقت". وكان ظنه أن مصر تملك كفاءة إدارة الحركة في قناة السويس.

وكان تقديره أن إيدن لابد أن "يتصرف بسرعة وأن يضرب الحديد وهو ساخن وإلا فإن المناخ العام للأزمة سوف يهدأ وسوف يبرد" وأن "احتمال التدخل العسكري ضد مصر سوف يكون محققاً بنسبة 80% خلال الأسبوع التالي للتأميم. فإذا انقضت هذه الفترة الحرجة تناقصت احتمالات التدخل". فكان لابد من معرفة حجم القوات الجاهزة في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط (أُنظر شكل مسرح الشرق الأوسط) مما يستطيع "إيدن" استعماله في عملية عسكرية فورية ضد مصر.

ثم حاول عبدالناصر في تقديره العام للموقف أن يستعرض أشكال التدخل العسكري المحتمل. فبحث احتمالات الهجوم على القناة أو ضرب الإسكندرية أو التوجه مباشرة إلى القاهرة بعملية إنزال جوية. ثم استعرض قواعد العمل العسكري: البحر مباشرة من مالطة أو جبل طارق، أو القواعد العسكرية البريطانية في ليبيا، أو قبرص. ثم ركز في النهاية على قبرص مستبعداً القواعد البريطانية في ليبيا لأنها بعيدة ولأن الزحف منها يرغمها على التقدم مساحات شاسعة في الصحراء المكشوفة إلى جانب أنه سوف يؤدي إلى ثورة شعبية فيها[1]

وهكذا اقتصر بحثه الأساسي في النهاية على قبرص، وتصرف على الفور فقد بعث برسول إلى الأسقف "مكاريوس ـ Makarios" الزعيم الوطني القبرصي وإلى الجنرال "جورجيوس" القائد العسكري للمقاومة الوطنية في قبرص يطلب منهما كل معلومات متاحة عن حجم القوات البريطانية ودرجة استعدادها في قبرص. كما استطاع المكتب الثاني في الجيش السـوري (الاستخبارات العسكرية) بقيادة العقيد عبدالحميد السراج أن يحصل على كمية لا بأس بها من المعلومات عن القوات البريطانية في قبرص وبعث بها في ذلك الوقت إلى القاهرة.

كان عبدالناصر يستعد بخطابه التقليدي في عيد الثورة يوم 23 يوليه 1956. وخطر له أنه قد يستطيع إعلان قرار التأميم في هذا الخطاب. وحان موعد الخطاب ولم تكن ردود "مكاريوس" و"جورجيوس" قد وصلت بعد وهكذا ألقى عبدالناصر خطاباً عادياً في هذه المناسبة أثناء حضوره حفل افتتاح خط جديد لأنابيب البترول بين السويس ومسطرد. لكنه حقق شئ آخر أثناء إلقاء هذا الخطاب فقد وقع بصره على المهندس "محمود يونس" وهو مسؤول هيئة البترول المصرية والرجل الذي أشرف على بناء الخط. واستقر رأيه وهو يلقي خطابه على اختياره لإدارة قناة السويس. وأخذه معه إلى بيته بعد انتهاء الاحتفال وأفضى إليه بالسر الكبير وكلفه بمسؤولية التنفيذ.

وصلت تقارير "مكاريوس" و"جورجيوس" من قبرص: هناك حاملة طائرات بريطانية واحدة في البحر الأبيض وهي راسية الآن في مالطة، وهناك مدمرة واحدة تقوم بأعمال الدورية في مثلث يمتد بين قبرص والإسكندرية وحيفا، وهناك في قبرص قوات برية تقدر بثلاث ألوية (لواء الحرس من الفرقة الثالثة مشاة ـ لواء الكوماندوز الثالث ـ لواء مظلات).

كان تقدير الجنرال "جورجيوس" أن القوات البريطانية لا تستطيع في أوضاعها الراهنة القيام بعمليات عسكرية واسعة خارج الجزيرة لانشغال معظمها بمواجهة الثورة القبرصية.

كان معنى هذا كله أن بريطانيا وحدها لا تستطيع التحرك بسرعة. والثغرة التي تتبقى هي ما إذا كانت بريطانيا على استعداد للتحالف مع أطراف أخرى ودفعها للاشتراك معها: فرنسا أو إسرائيل. واستبعد "عبدالناصر" إمكانية تحقق ذلك وكان هذا هو الخطأ الظاهر الذي شاب تقديره للموقف.

استقر رأي عبدالناصر على إعلان قراره التاريخي في خطابه التقليدي الثاني في أعياد الثورة وهو خطابه في الإسكندرية يوم 26 يوليه 1956. وصباح ذلك اليوم دعا إلى اجتماع مشترك بين أعضاء مجلس الثورة ومجلس الوزراء بكامل هيئته.

وفي الاجتماع طرح "عبدالناصر" لأول مرة وعلى نطاق أوسع قرار تأميم قناة السويس. وحين سمع حضور الاجتماع عرض عبدالناصر للموضوع كان رد فعلهم الأول هو التصفيق وكانت هذه هي أول مرة يسمع فيها تصفيق في اجتماع مجلس الوزراء. كانت قناة السويس جرحاً في ضمير كل مصري وكان استعادتها لمصر حلماً من أكبر الأحلام وإن بدا أكثرها استحالة ولذلك ترك الوزراء أنفسهم لشعورهم الوطني الطبيعي. ثم جاء رد فعلهم الثاني الذي يحسب ويقدر ويتخوف ويحذر أمام احتمالات الخطر وتعدد مصادره وطرحت أسئلة واقتراحات مختلفة:

سأل أحد الوزراء ما إذا كان من الأفضل الفصل بين سحب أمريكا لعرض تمويل السد العالي وبين قرار تأميم شركة قناة السويس لأن الربط بينهما قد يكون استفزازاً للولايات المتحدة الأمريكية يدفعها إلى حماقة أخطر؟ وكان رد عبدالناصر: "إن الربط بين الأمرين ضروري لأن هناك اعتبار كرامة يقضي الرد على الإهانة الأمريكية. ومن ناحية أخرى فإن الربط سوف يقوم به الآخرون حتى وإن حاولنا نحن أن نفصل. وكذلك فإن ضرورات تمويل السد العالي سوف تكون هي سندنا في حتمية التأميم".

وسأل أحد الوزراء عما إذا كان من الأفضل توجيه إنذار بالتأميم إذا لم ترجع الولايات المتحدة الأمريكية في قرارها بالانسحاب من المساهمة في تمويل السد العالي؟ وكان رد "عبدالناصر"على ذلك بأننا " بهذا سوف نعطيهم فرصة لاستكمال استعدادهم ثم إن توجيه إنذار من هذا النوع سوف يكون فيه نوع من التسول أو الابتزاز على أحسن الأحوال وهو موقف لا ضرورة له".

وسأل أحد الوزراء ما إذا كان ممكنا أن يكتفي بتأميم نصف أسهم الشركة بدلا من تأميمها بالكامل حتى لا يجن جنون الغرب؟ وكان رد "عبدالناصر" هو أن "المخاطر الناجمة عن تأميم 50 % هي نفسها المخاطر التي يمكن أن تنجم عن تأميم 100% من الأسهم. فما سوف يثير غضب الآخرين هو قدرة مصر على ممارسة إرادتها الحرة. ولهذا فلا فائدة من الوصول إلى منتصف الطريق.

شرح عبدالناصر تقديره للموقف ثم وصلت المناقشات إلى أوضاع الاستعداد العملي للمرحلة المقبلة وكان تقرير وزير التموين هو أهم ما أراد أن يسمعه لأن مخزون السلع المتوافرة للاستهلاك داخل السوق المصرية كان بين النقط الحساسة في القرار.

وكانت النقطة الحساسة الثانية هي تقرير الدكتور "عبدالمنعم القيسوني" وزير الاقتصاد عن أرصدة مصر المالية في العالم الخارجي. وسأله "عبدالناصر" ما إذا كان يستطيع تحريك بعضها بسرعة. وقال الدكتور القيسوني إنه سيبذل كل جهده.

وانتهى الاجتماع بأن قال عبدالناصر للمجتمعين:

"إنني أريد أن أكون منصفاً لكم جميعاً فأسجل هنا أنني أتحمل مسؤولية قرار تأميم شركة قناة السويس، وللشعب المصري وللتاريخ أن يحاسبوني عليه فلست أريد لأحد منكم أن يتحمل بمسؤولية قرار خطير لم يعرف به إلا قبل إعلانه بوقت قصير"!.

ولم يكن أحد خارج هذه الدائرة المحدودة يعرف حتى هذه الساعة ما هو رد عبدالناصر على الإهانة التي تضمنها البيان الأمريكي بسحب عرض المساهمة في تمويل السد العالي ولا كيف يمكن لمصر أن تمول هذا المشروع وتنفذه معتمدة على نفسها كما أعلن عبدالناصر في خطابه يوم 23 يوليه حيث قال "إننا سنبني السد العالي بأيدينا ولو بالمقاطف"!.

كانت هذه الأسئلة هي موضوع تكهنات كل الدبلوماسيين الأجانب في القاهرة وكل المراقبين السياسيين والصحفيين فيها ولم يخطر ببال أحدهم أن الرد سوف يكون بتأميم قناة السويس. لكن سفيراً واحداً في القاهرة أحس بالاتجاه الصحيح للضربة وكان هو السفير الفرنسي الكونت "أرمان دو شايلا" ومع ذلك فالراجح أنه لم يكن متأكداً من صدق حِسه لذلك لم يُخطر شركة قناة السويس سواء في مقرها الرسمي في الإسماعيلية أو في مركزها في القاهرة. وقد اكتفى السفير الفرنسي بأن بعث بتصوره لما يمكن أن يفعله عبدالناصر في برقية إلى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس ووصلت برقيته وجرى حل شفرتها بعد أن كان عبدالناصر قد أعلن فعلاً تأميم شركة قناة السويس. وأشر" كريستيان بينو" وزير الخارجية على التقرير بكلمتين كتب فيهما "متأخر جداً".

كانت تعليمات عبدالناصر إلى محمود يونس أن يكون مستعداً للتحرك والاستيلاء على كل مكاتب ومرافق شركة قناة السويس في القاهرة وبور سعيد والسويس والإسماعيلية في اللحظة التي يسمعه فيها يذكر أثناء خطابه في الإسكندرية اسم "فرديناند ديليسبس".

وقف عبدالناصر في ميدان المنشية في الإسكندرية أمام مؤتمر شعبي حاشد ليلقي خطابه التاريخي. فتعرض لمفاوضات مصر مع البنك الدولي والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حول تمويل السد العالي ثم شبه "يوجين بلاك" رئيس مجلس إدارة البنك الدولي بـ "فرديناند ديليسبس" الذي انتزع جزءاً من السيادة المصرية بالضغط والإغراء، ثم حرص على أن يكرر اسم "ديليسبس" في خطابه 13 مرة حتى يتأكد أن "محمود يونس" تلقى الإشارة المتفق عليها وتحرك والحقيقة أن "محمود يونس" بدأ تحركه من اللحظة التي سمع فيها اسم "ديليسبس" لأول مرة. وعندما تلي "عبدالناصر" أثناء خطابه "قرار رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس" كان "محمود يونس" قد احتل مبنى الشركة الرئيسي في الإسماعيلية كما كانت المجموعات التي شكلها قد أمسكت بالمرفق الحساس كله وسط صدمة أصابت مديريها وموظفيها جميعاً !".

كان لإعلان تأميم شركة قناة السويس فرحة كبرى عمت مصر كلها وفاضت على العالم العربي وامتدت تأثيراتها إلى بعيد في آسيا وأمريكا اللاتينية. وقد تحقق تقدير عبدالناصر في أن قرار التأميم سوف يعبئ الشعب المصري والأمة العربية على نحو غير مسبوق من قبل.

كان عبدالناصر ينتظر باهتمام رد فعل الاتحاد السوفيتي. الذي تأخر ثمانية وأربعين ساعة. واجتمعت القيادة السوفيتية عدة مرات قبل أن تصدر بياناً هادئاً يقول: "إن القناة ملك لمصر وإن تأميمها إجراء قانوني عادي لصالح اقتصاد مصر".

ولم يكن ذلك رد الفعل في لندن وباريس وواشنطن وتل أبيب

رابعاً: رد فعل الغرب على التأميم

في إنجلترا : تلقى "إيدن" خبر التأميم أثناء حفل عشاء أقامه تكريماً لـ "فيصل" ملك العراق ورئيس وزرائه "نوري السعيد"، فنزل عليه كالصاعقة، فهو لم يتصور أن يكون رد فعل عبدالناصر بتلك السرعة وبهذه الجرأة، وقال لضيوفه: "إن الطاغية أعلن الآن أنه أمم شركة قناة السويس ليبنى بدخلها سده العالي".

انتقل "إيدن" على الفور إلى قاعة مجلس الوزراء، واستبقى من كان معه من وزراءه وطلب استدعاء بعض الوزراء الآخرين بالإضافة إلى رؤساء أركان حرب القوات البريطانية والسفير الفرنسي "شوفيل" والقائم بالأعمال الأمريكي "فوستر".

وقد ذكر "فوستر" في تقرير أرسله إلى وزارة الخارجية "أنه حضر بناء على دعوة "إيدن" لمناقشة ما قام به "عبدالناصر" من تأميم لقناة السويس. وإن المجلس كان يسوده شعور بخطورة الموقف كما كانت تتملكه مشاعر قوية خصوصاً لدى "إيدن" الذي قال صراحة "إنه لا يمكن لنا أن نسمح ل "ناصر" أن يهرب بغنيمته". وعندما نوقش الجانب القانوني فإن الرأي السائد إن "عبدالناصر" وإن كان قد أخل بعقد الالتزام الممنوح لشركة القناة فإن قرار التأميم لا يشكل خرقاً لمعاهدة القسطنطينية عام 1888م". ولكن المشكلة سوف تقع في الغالب إذا اختلت حركة الملاحة والصيانة وغيرها من العمليات في القناة. وقد وافق المجلس على أن اللجوء إلى مجلس الأمن مخاطرة قد تؤدي إلى تعطيل الموقف وتجميده. وكان إجماع المجلس على إنه مهما كانت حجج القانون الدولي فإن حكومات الغرب لابد أن تبحث الإجراءات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ضد مصر لكي تضمن سلامة قناة السويس وحرية المرور فيها برسوم معقولة، وقرر المجلس المنعقد رفع درجات استعداد القوات البريطانية في البحر المتوسط، وأمر رئيس الوزراء رؤساء الأركان بإعداد خطة للاستيلاء على القناة، ثم طلب تنسيق الخطوات بين حكومات الدول الثلاث البريطانية والفرنسية والأمريكية. وقرر المجلس إصدار البيان الرسمي التالي:

" إن القرار التعسفي الذي أصدرته الحكومة المصرية بتأميم شركة قناة السويس بدون إخطار سابق وخلافاً لعقد الامتياز، يمس المصالح الحيوية لأمم كثيرة. إن حكومة صاحبة الجلالة الملكة في تشاور عاجل مع بعض الحكومات المهتمة بالأمر في صدد الموقف الخطير الناشئ عن تأميم شركة قناة السويس وما يمكن أن يكون له من أثر على عملياتها من جراء هذا القرار التعسفي".

وبعد الموافقة على هذا البيان قال"أيدن": لي وللسفير الفرنسي " شوفيل " "إنه يأمل أن تصدر حكوماتنا بيانات مشابهة".

وتعطي شهادة الأميرال اللورد "مونتباتن ـ Mountbatten, Lord, Louis" قائد البحرية البريطانية صورة الجانب الآخر وهو الجانب العسكري فيقول: "إن رئيس الوزراء سألني ما هو العمل العسكري الذي نستطيع القيام به فوراً ضد "عبدالناصر"؟ فقلت له "إذا كانت الحكومة تفكر في الاستيلاء على قناة السويس بعمل مفاجئ فإن لدينا 1200 جندي بحرية مظلات جاهزون في مطار مالطة ولا أظن انه سيكون من الصعب عليهم أن يهبطوا على المنطقة ويستولوا على المرافق الهامة في الممر المائي ويحافظوا على مواقعهم لمدة 24 ساعة. وأما أكثر من ذلك فأنا لا أعتقد انهم يستطيعون الصمود أمام المقاومة المصرية". طلب منا رئيس الوزراء أن نعود إليه في الساعة التاسعة والربع من صباح اليوم التالي ومعنا خطة عسكرية كاملة للعمل ضد مصر. وقدمنا له مقترحاتنا في الموعد المقرر ولكن تنفيذها كان يقتضي إعداداً يستغرق ما بين ستة إلى ثمانية أسابيع على الأقل".

في فرنسا: كان رد الفعل الفرنسي أكثر عنفاً حتى من الموقف البريطاني. فالحكومة والصحافة والشعب الفرنسي كله يناصب مصر العداء. لذا أعلن "جي موليه ـ Guy Molleet" رئيس الوزراء أن فرنسا قررت أن تقاوم هذا العمل بشكل فوري وأنه سيدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرار لإدانة مصر لتهديدها السلام القائم في الشرق الأوسط. وقد استدعى وزير الخارجية "كريستيان بينو" السفير المصري إلى مكتبه وسلمه مذكرة احتجاج اتهم فيها "عبدالناصر" بأنه قام "بعمل من أعمال النهب". وقد رفض السفير المصري استلام مذكرة الاحتجاج الفرنسية ووصفها بأنها "غير مقبولة ومرفوضة تماما"

لم يكن التأميم السبب الرئيسي للرغبة في الانتقام من مصر، حقيقة أن تلك الخطوة هي قضاء على ما تبقى من النفوذ الفرنسي في مصر متمثلاً في شركة قناة السويس وما يترتب على ذلك من نتائج، ولكن هناك حقيقة أخرى تمثلت فيما تقدمه مصر للثورة الجزائرية ليس فقط الأسلحة والتدريب، وإنما أيضاً التشجيع المعنوي وصيحات التحرير وتيار القومية، وهذا جميعه لم يعد مقصوراً على الجزائر وإنما شمال أفريقيا كله. وبناء على هذا الوضع الذي هدد وتوعد الوجود الفرنسي، جعل باريس تتكاتف مع لندن من أجل العمل ضد مصر.

اقترح "كريستيان بينو" وزير الخارجية أن يطير على الفور إلى لندن ليجتمع مع الزعماء الإنجليز. كما اقترح علي "سلوين لويد" وزير خارجية بريطانيا عندما التقى به في لندن أن يطلبا من "دالاس" وزير خارجية أمريكا أن ينضم إليهما في لندن فالأزمة خطيرة إلى حد أنه لا يمكن التعامل معها على مستوى السفراء أو البرقيات.

في أمريكا: على الرغم من أن هناك اهتماماً أمريكياً بالشرق الأوسط، نظراً للمصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط، والأهمية الإستراتيجية المرتبطة بوقف أي تدخل سوفيتي في المنطقة، إلا أن واشنطن لم تكن تؤيد المنهج البريطاني والفرنسي لاعتبارات كثيرة، أهمها: عدم التورط في حرب تنعكس عليها بالسلبيات، أيضاً فإن قناة السويس لا تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي كما هو الحال بالنسبة لأوروبا، وكانت نسبة سفن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل 2.7% من إجمالي السفن التي تعبر القناة، كما لم يكن لها حصص في أسهم شركة قناة السويس، بالإضافة إلى انشغال واشنطن بالانتخابات التي كانت على الأبواب.

وفي حقيقة الأمر فإن الرئيس الأمريكي "أيزنهاور" لم يكن راضياً سواء عن التأميم أو عن تهور "إيدن"، وأختار "ميرفي ـ Murphy, Robert" مساعد وزير الخارجية حيث كان "دالاس" وزير الخارجية خارج دولته، للسفر إلى لندن، بعد أن أصدر إليه تعليماته بالآتي:

1. عليك أن تعطل الوصول إلى أية قرارات قبل أن يحضر إليكم في لندن وزير الخارجية "دالاس".

2. عليك أن تبلغ "إيدن" أنني لا أرى داعياً لكل هذه الهستيريا التي تبدو في التصرفات البريطانية فالصحف ووكالات الأنباء والإذاعات مليئة بأخبار صادرة من لندن عن استعدادات عسكرية وعن خطط وعن نوايا ومثل هذا المناخ سوف يؤثر سلبياً ومسبقاً على أية قرارات قد نتوصل إليها.

3. لا ينبغي أن يبدو أي عمل نقرر القيام به وكأنه تجمع عدواني من "نادي الثلاثة الكبار" ضد "ناصر". وبمعنى أصح فإنه لا يصح أن نتصرف وحدنا في الأمر نحن الثلاثة.

4. عليك أن تحذر الفرنسيين من محاولة الخلط بين استيلاء "ناصر"على القناة وبين الصراع العربي الإسرائيلي.

5. لكي تتمكن من كسب الوقت بسهولة فلك أن تنقل لهم عني اقتراحاً بدعوة كل الدول البحرية التي يهمها أمر القناة إلى مؤتمر موسع لدراسة مستقبل القناة.

خامساً: رد الفعل دول الكومنولث على التأميم[2]

لقد لعب بعضها دوراً إيجابياً لخدمة المصالح الغربية، وكان من الواضح أن الخلاف بينها قائم، وأن الهيمنة البريطانية عليها قد خفت درجتها. وبناء على سياسة رئيس الوزراء البريطاني في تعبئة القوى العالمية المضادة لقرار التأميم، فقد بعث برسائل إلى دول الكومنولث ليشعل الحماس، مسجلاً أن ما فعله "عبدالناصر" إجراء له أثره السيئ على إمدادات بترول الشرق الأوسط.

سادساً: رد فعل الاتحاد السوفيتي على التأميم

كان مؤيداً ومرحباً لقرار مصر تأميم شركة قناة السويس، مادام هذا الإجراء يِقَوضْ نفوذ الغرب، وصرح "خروتشوف ـ Nikita Sergeyevich Khrushchev" السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفيتي بأن مصر تصرفت في نطاق حقوقها ولم تخرق القانون الدولي، وأن التأميم لا يمس مصالح الغرب. وأعلنت موسكو أنه إذا كان الغرب يطالب بإدارة دولية للقناة بحكم أن دولاً عديدة تستخدمها، فإن هذا المبدأ لا بد أن ينطبق على قناة "بنما" وقناة "كييل" ومضيق "الدردنيل"

سابعاً: رد فعل الدول العربية على التأميم

وضح تأييدها لمصر خاصة السعودية وسورية والأردن، كما قامت المظاهرات المساندة لقرار التأميم في لبنان، وأصدر اتحاد العمال العرب قراره بالإضراب احتجاجاً على التهديدات الموجهة لمصر. ويسجل "إيدن" في مذكراته "أن الأصوات بدأت تردد في العالم العربي أن قناة السويس هي قناة العرب"، وأن كافة التأييد تدفق على مصر من ملوك العرب وقادتهم.

وتشمل بريطانيا وكندا واستراليا ونيوزلندا وجنوب أفريقيا والهند وباكستان وسيلان وروديسيا ونياسلان وبهذا يظهر جلياً ردود أفعال قرار تأميم مصر لشركة قناة السويس، وكيف تفتحت الأبواب على مصراعيها، ليبدأ صراع على الساحة الدولية له خصائصه البارزة.

[1] لقد جانب التوفيق جمال عبدالناصر أثناء تقدير الموقف الاستراتيجي السياسي العسكري كرد فعل لتأميم قناة السويس بعدم توقعه التدخل العسكري المشترك بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا مما أدى نجاحهم في تحقيق المفاجأة وإرباك القيادة السياسية العسكرية.

[2] وتشمل بريطانيا وكندا واستراليا ونيوزلندا وجنوب أفريقيا والهند وباكستان وسيلان وروديسيا ونياسلان

المبحث الرابع: تطور الأحداث

أولاً: تطور سير الأحداث من 26 يوليه إلى بدء العدوان

1. وصل "كريستيان بينو" إلى لندن يوم 28 يوليه، وفي نفس الوقت كتب "إيدن" لـ "أيزنهاور" خطاباً شخصياً يقول فيه: "إن الوقت قد حان لعمل حاسم ينهي مشكلة "ناصر" وإلا فإن المصالح الغربية في الشرق الأوسط سوف تصاب بنكسة لن تقوم منها كما أن مصالح كل الدول البحرية سوف تضار لأن المصريين لا يملكون الكفاءة اللازمة لإدارة مرفق مُعقد كقناة السويس". وختم "إيدن" خطابه بقوله "إن الضرورات تفرض الآن على الغرب إعادة "ناصر" إلى صوابه بالقوة وطرده من مصر بعد إرغامه على "استفراغ" القناة التي حاول بلعها".

2. اتفقت الحكومتان البريطانية والفرنسية على توجيه احتجاج شديد اللهجة إلى مصر بسبب تأميمها لشركة قناة السويس ورفضت مصر تسلم الاحتجاج من أساسه.

ثم قررت الحكومتان تجميد أرصدة مصر وودائعها في البنوك البريطانية والفرنسية. وتبعتهما الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الإجراء.

وصل ميرفي مساعد وزير الخارجية الأمريكية إلى لندن وقابل إيدن كما حضر اجتماعاً مشتركاً مع "سلوين لويد" و"بينو" ثم أرسل تقريراً مبدئياً إلى "أيزنهاور" عما وجده في العاصمة البريطانية. قال فيه أنه وجد "إيدن" مصمماً على تحطيم "ناصر" بالقوة المسلحة وأنهم يرتبون للبدء في العمليات في مدى ستة أسابيع ولم يمنعهم من البدء في العمليات فوراً إلا اكتشافهم أن قواتهم في البحر المتوسط لا تستطيع القيام بالمهمة في الوقت الحاضر كما أن احتياطهم من البترول كان يكفيهم لستة أسابيع خلال فترة الإعداد ولعدة أيام من الحرب.

في 31 يوليه عقد الرئيس "إيزنهاور" اجتماعاً في البيت الأبيض لمجلس الأمن القومي حضره "دالاس" الذي عاد إلى البلاد كما حضره مدير وكالة الاستخبارات المركزية "آلان ويلشن دالاس ـ Dulles, Allen Welsh" ـ شقيق جون فوستر دالاس ـ ومدير العمليات في الجيش الأمريكي والمساعد العسكري للرئيس. ثم عرض تفاصيل ما يجري في لندن كما يظهر أمامه من التقرير المبدئي لـ"مورفي" وعلق "أيزنهاور" على التقرير "إنه يستغرب من حماقة "إيدن" الذي يدق طبول الحرب دون أن يكون جاهزاً لها ويريد أن يتدخل عسكرياً في مناطق إنتاج النفط دون أن يكون لديه الاحتياطي الذي يستغني به حتى يتمكن من تحقيق أهدافه". وفي هذا الاجتماع حدد "أيزنهاور" خطوط السياسة الأمريكية في المرحلة المقبلة على النحو التالي:

1. إن الحكومة البريطانية تتصرف بطريقة "غير عقلانية" ولا تستطيع الحكومة الأمريكية أن تسايرها في ذلك.

2. إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تشترك في عمل عسكري إلا بموافقة مسبقة من الكونجرس وهو ليس واثقاً من إمكانية الحصول على مثل هذه الموافقة في ظل الظروف الحالية.

3. إن التفكير البريطاني في هذه الأزمة متخلف عن العصر فهو يفكر في وسائل مضى وقتها ويمكن إدانتها أمام بقية شعوب العالم كنوع من المغامرات الاستعمارية في القرن التاسع عشر.

4. إن العمل في المنطقة ضد "ناصر" يجب أن يأخذ في حسابه منابع النفط التي يعتمد عليها الغرب هناك فإنه إذا توقف إمداد أوروبا الغربية ببترول الشرق الأوسط فمعنى ذلك أن أوروبا سوف تطلب من الولايات المتحدة الأمريكية إمدادها بالنفط من الاحتياطي الأمريكي وهى لا تستطيع أن تفعل ذلك لأن معناه أنها توافق على استهلاك النفط الذي ينتج في أمريكا في حين أنه يعتبر المخزون الإستراتيجي الذي يتحتم الحرص عليه.

وتدخل مدير العمليات قائلاً للرئيس "إن هيئة أركان الحرب المشتركة من رأيها أنه لابد من كسر "ناصر". ورد عليه "أيزنهاور" بـ"أنه لا يختلف معه في الهدف وإن كان يختلف في الوسيلة فالتصدي لـ"ناصر" عن طريق العمل العسكري سوف يثير ضدنا العالم الثالث كله ومن الأفضل أن نبدأ بعزل العرب وخصوصاً السعوديين عن مصر وعن "ناصر" وبعدها ننظر في الأمر".

في نهاية الاجتماع طلب الرئيس أن تركز أجهزة الخارجية والدفاع والاستخبارات أبحاثها على دراسة ردود الفعل المحتملة للاتحاد السوفيتي في كل درجة من درجات الأزمة في الشرق الأوسط . كما تقرر أن يسافر "دالاس" فوراً إلى لندن للقاء بـ"إيدن" في محاولة لكسب الوقت لكي يسلمه رسالة شخصية من "أيزنهاور".

وصل "دالاس" إلى لندن يوم 31 يوليه لينضم إلى "ميرفي" ويشارك في اجتماعات "سلوين لويد" و"كريستيان بينو" والتقى أيضاً مع "إيدن" وطرح عليه اقتراح "أيزنهاور" بالدعوة إلى مؤتمر للدول الموقعة على اتفاقية القسطنطينية، قبل القيام بأي عمل عسكري، مبيناً أنه قد تكون الانتصارات العسكرية الأولى سهلة نسبياً، لكن الثمن النهائي قد يكون فادحاً للغاية. ولم يكن "إيدن" مقتنعاً بالفكرة تماماً فقد خشي أن تؤدي إلى إطالة الوقت وتمييع المواقف وإدخال أطراف قد لا يكون من المستحسن إدخالها في نطاق المؤتمر المقترح. وكان رأيه أنه لو أن مثل هذا المؤتمر جرت الدعوة إليه وانعقد فلا يمكن منع الاتحاد السوفيتي من حضوره لأن روسيا إحدى الدول الموقعة على معاهدة القسطنطينية. وفضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن بين الدول التي وقعت هذه المعاهدة. واقترح "دالاس" أن يكون انعقاد المؤتمر الدولي الموسع في لندن. وأن تكون الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية هم الداعين إليه. وأضاف "دالاس" "أن انعقاد مثل هذا المؤتمر حتى لو استغرق أسبوعين أو ثلاثة يعطي للكل فرصة الاستعداد لما بعده".

في 2 أغسطس انتهى اجتماع وزراء الخارجية الثلاث في لندن وأصدروا بياناً مشتركاً دعوا فيه إلى مؤتمر دولي حول قناة السويس تدعى إليه 26 دولة بينها مصر وحددوا موعداً لانعقاده في 16 أغسطس. وأشار البيان في إحدى فقراته إلى أن استخدام القوة ضد مصر مستبعد إلا كحل أخير.

عاد "كريستيان بينو" إلى باريس بعد انتهاء المؤتمر وقدم تقريراً لمجلس الوزراء برئاسة "جي موليه". وفي يوم 5 أغسطس وصل "شيمون بيريز ـ Shimon Peres" أمين عام وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى باريس. وفي 7 أغسطس دعاه وزير الدفاع الفرنسي إلى لقائه في مكتبه وفاجأه بقوله: كم من الوقت تعتقد أن جيشكم يحتاج إليه لعبور شبه جزيرة سيناء والوصول إلى السويس؟ ورد بيريز "إن العسكريين في جيشنا يقدرون أن الأمر يحتاج على الأرجح إلى ما بين خمسة أيام وسبعة".

وحين بعث "شيمون بيريز" بتقريره إلى ديفيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل سارع إلى إطلاع "موشي دايان" رئيس الأركان عليه وقال له طبقا لرواية "دايان" "لقد وجدت إسرائيل أخيراً حليفاً كبيراً على استعداد لخوض الحرب ضد الديكتاتور".

في 12 أغسطس عقد "عبدالناصر" مؤتمراً صحفياً في القاهرة، حضره ثلاثمائة من الصحفيين والمراسلين عرض فيه القضية واتهم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بالتآمر لتجويع الشعب المصري وإرهابه. فقد جمدت الدول الثلاث الودائع والأرصدة المصرية في بنوكها. وحشدت بريطانيا وفرنسا قوات الاحتياطي وأعلنتا رسمياً تحرك قواتهما وأساطيلهما صوب القناة. إن الحكومة المصرية تأسف بشدة لهذه الإجراءات، وتعتبرها تهديداً للشعب المصري لكي يسلم جزءا من أرضه وسيادته لهيئة دولية هي الاستعمار الدولي بعينه.

وأكد "عبدالناصر" مجدداً على تعهده بأن تدير مصر القناة إدارة فعالة وعادلة. وأشار إلى أن 766 سفينة قد عبرت القناة بسلام منذ التأميم. وصرح بأن مصر القادرة على إدارة القناة، لن تقبل أي رقابة دولية على إدارتها للقناة. وأكد على أن الدول التي استخدمت القناة في 1955، هي 45 دولة، وبالتالي فإن مؤتمر لندن ليس مؤتمراً دولياً حقيقياً. وأضاف "لقد اندهشت تماماً عندما وجهت الحكومة البريطانية الدعوة لبحث مسائل تتعلق بقناة السويس، التي هي جزء لا يتجزأ من مصر، دون استشارة مصر". وأشار عبدالناصر إلى الكلمة التي وجهها "إيدن" إلى شعبه من خلال التليفزيون في 8 أغسطس والتي هاجم فيها الرئيس المصري وقال: "إن معركتنا ليست مع مصر، وليست مع العالم العربي، بل هي مع الكولونيل ناصر".

قال ناصر: تحدث رئيس الوزراء البريطاني قائلاً: "إننا لا نثق في ناصر ... ومعركتنا مع ناصر. حسنا، إذا كان هذا الشعب لا يحظى بأي ثقة، فليس هناك من سبب يدعونا إلى الذهاب إلى لندن لحضور المباحثات".

ثانياً: مؤتمر لندن الأول في 16 أغسطس

في قصر "لانكستر هاوس" الفخم، افتتحت أعمال مؤتمر لندن، الذي حضره ممثلون عن 22 دولة[1] من 26 دولة دعيت لحضور المؤتمر، (الدول الست عشر الأكثر استخداماً للقناة وباقي الدول الست الموقعة على اتفاقية القسطنطينية)، التي ضمنت حرية الملاحة في القناة. ولم تحضر مصر واليونان والنمسا والمجر المؤتمر رغم توجيه الدعوة إليهم.

كان "دالاس" هو صاحب فكرة المؤتمر، ونتيجة لذلك ولشعوره بمخاوف بريطانيا وفرنسا وعدم اطمئنانهما لموقف بلاده وإصرارهما على ضرورة اتخاذ المؤتمر للقرار النهائي تجاه مصر، فإنه كان عليه الكثير من المسؤولية إذ كان يريد لخطته أن تنجح وأن يبدد شكوك حلفائه ويبعث فيهم الثقة في الموقف الأمريكي. لذلك تقدم في الجلسة المسائية يوم 16 أغسطس 1956 ببيان قال فيه: إن قناة السويس شريان مائي ذو أهمية كبيرة لجميع الأمم. ولها طابع دولي منذ إنشائها، وبنيت على آمال دولية وبرأس مال دولي لخدمة أغراض دولية وأشرفت عليها شركة القناة العالمية. والعلاقة بين مصر والشركة نظمت باتفاقيات. معاهدة عام 1888م حددت في مقدمتها " وضع نظاماً محدداً نهائياً من شأنه أن يؤمن في جميع الأوقات لجميع الدول حرية استخدام القناة البحرية".

إن الحكومة المصرية لجأت من جانب واحد وبدون أية مفاوضات دولية سابقة نحن حريصون عليها إلى إصدار قانون التأميم.

1. أظهر الرئيس ناصر رداً على سحب عرض التمويل أنه ينوي استعمال القناة لخدمة الأهداف الوطنية المصرية. وأن قناة السويس بصفتها الدولية من الناحيتين القانونية والفعلية "هي آخر مكان .. للانتصارات المحلية ومد المطامع الوطنية ..".

2. أن هناك فرقاً بين معاهدة عام 1888م وضماناتها الدولية وعملية مصرية وطنية تضع الدول في موقف من يرجو ويلتمس .. والثقة قد تزعزعت كثيراً.

3. إن ما نحتاج إليه هو "إجراء لوضع القناة تحت نظام دولي يكفل الثقة للذين يحتاجون عادة إلى استخدام القناة".

4. إن المبادئ التي أراها أساساً لخطة عادلة هي:

أ. أن تدار القناة بكفاءة وحرية مكفولة بصفتها ممراً دولياً تطبيقاً لاتفاقية عام 1888م.

ب. يجب أن تكون إدارة القناة منفصلة عن أثر السياسات الوطنية مهما كان مصدرها.

ج. يجب الاعتراف بحقوق مصر المشروعة ومصالحها في القناة وفي إدارتها بما في ذلك حصولها على دخل عادل.

د. دفع تعويض عادل لشركة القناة العالمية.

5. أما خطة العمل في إدارة دولية وفقاً لمعاهدة عام 1888م، يجب أن ترتكز على الآتي:

أ. تضطلع بمسؤولياتها هيئة دولية متصلة بالأمم المتحدة وتمثل مصر فيها.

ب. يكون لمصر نصيب عادل مع مراعاة جميع الحقوق المشروعة وسيادتها.

ج. يدفع تعويض عادل للشركة العالمية لقناة السويس.

د. كل خلاف حول ذلك يسوى أمام لجنة تحكيم تعين أعضائها محكمة العدل الدولية.

ثم أضاف جون فوستر دالاس : "إن هذا الاقتراح لا يتناقض مع سيادة مصر".

لقد كان المشروع الأمريكي هو المحور الذي دار حوله المؤتمر بين تأييد أو تعديل أو معارضة.

وهكذا تقدم "دالاس" بمشروع يؤدي في النهاية إلى تدويل قناة السويس تحت ادعاء إبعادها عن سياسة أي بلد واحد كما ينص على إنشاء هيئة للمنتفعين بقناة السويس تشرف على إدارتها وتتولى تحصيل رسوم المرور فيها وقد اختير لها اسماً مختصراً هو SCUA [2] وقد دار حواراً كوميدياً حول الاسم المختصر للرابطة فقد بدأ باختيار CASCU ولكن وزير خارجية هولندا أشار إلى أن الرابطة تسئ إلى نفسها بهذا الاسم القريب من كلمة[3] CASU BELLI واقترح تحويل الاسم المختصر إلى CASCU وأُعترض علية أيضاً لأنه يعني في اللغة البرتغالية "خصية" واعترض وزير خارجية فرنسا وقال إنها قريبة في نطقها إلى كلمة بالغة البذاءة بالفرنسية. وفي المقابل تقدم الاتحاد السوفيتي بمشروع مضاد شاركت في إعداده بعض الدول الصديقة لمصر.

اختتم المؤتمر أعماله في 22 أغسطس، وقد انقسم المشاركون في المؤتمر، كما هو متوقع، إلى ثلاث مواقف مؤيدة ومعارضة ومعدلة. حيث حظيت كتلة الثلاثة الكبار، التي يقودها "دالاس" بتأييد سبع عشرة دولة، وضمت الكتلة المؤيدة "لناصر" سيلان والهند وإندونيسيا والاتحاد السوفيتي فقط، وأكدت أسبانيا حق مصر في التأميم، وضمان حرية المرور يمكن كفالتها بالتفاوض مع مصر. وطالت مناقشات المؤتمر سبعة أيام متواصلة ثم طرح "سلوين لويد" مشروع "دالاس" للتصويت ونال 17 صوتاً وأصبح مشروع الأغلبية. وأعلنت أسبانيا رفضها لمشروع الولايات المتحدة الأمريكية وقدم مندوبها اقتراحاً برفض الاقتراح الخاص بإنشاء هيئة دولية للقناة والمطالبة بأن تكون الهيئة التي تشرف على القناة هيئة مصرية مع إيجاد تمثيل دولي فيها. ثم انضمت أسبانيا إلى الدول الـ17 على أساس أنه إذا رفضت مصر مقترحات لجنة الخمسة تعرض على مصر الاقتراح الأسباني بإشراك بعض ممثلي الدول في الهيئة المصرية لقناة السويس. وأما المشروع الآخر فقد أيدته 4 أصوات وأصبح مشروع الأقلية. ولم يكن للتصويت أي آثار قانونية، لكنه عبر عن موقف الغرب وحلفائه.

وبناء على اتفاق خاص بين دالاس وسلوين لويد اقترح "توماس ماكدونالد" وزير خارجية نيوزيلندا في جلسة 22 أغسطس اقتراحاً باسم السبعة عشر دولة المؤيدة للمشروع الأمريكي بأن تتولى لجنة من ممثلي استراليا وأثيوبيا وإيران والسويد والولايات المتحدة الأمريكية ويرأسها "روبرت منزيس ـ Robert Gordon Menzies" رئيس وزراء استراليا عرض الاقتراح الأمريكي وشرح أهدافه وتحري موقف الحكومة المصرية ومدى استعدادها للموافقة على الدخول في مفاوضات على أساسه.

في 3 سبتمبر استقبل عبدالناصر "منزيس" ولجنته التي أسماها "لجنة السويس". تعددت الاجتماعات، وكانت الخطة الموضوعة في لندن ألا تطول المناقشات، واستعرض منزيس مقترحات المؤتمر، وكان فظاً في أسلوبه، ملوحاً بأن التحركات التي تقوم بها القـوات الإنجلوـ فرنسية ليست خداعاً. وأوضح "عبدالناصر" أن فصل القناة عن السياسة المصرية غير ممكن. لأن القناة في أرض مصر وخاضعة لحكومتها منذ إنشائها، واحتدت المناقشة، وأحس عبدالناصر بنبرة التهديد، فأغلق الملفات التي أمامه، وأنهى الموقف، وأعلن رفض مصر لمشروع دالاس الذي أسماه مشروعاً لاستعمار جماعي، وشكلاً مقنعاً من أشكال الإمبريالية. وصمم على موقفه وسياسته التي أعلنها، وأن عملية التدويل مرفوضة شكلاً وموضوعاً.

ولقد كان منزيس يشعر بمدى الفشل الذي حققه في مهمته، وكان عليه أن يقوم بعمل جديد يعطي للجنة التي يرأسها بعض القيمة قبل أن يغادر مصر.

لذلك بعث "منزيس" في 7 سبتمبر برسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر جاء فيها:

"إن المناقشات كشفت عن اختلاف عميق في وجهات النظر تجاه المبادئ والاتجاهات مما يدعو إلى القول بعدم جدوى استئناف المناقشات، ولما كانت مباحثاتنا قد جرت على انفراد دون أن تدون ودون رسميات ولتفادي أي سوء تفاهم مستقبلاً .. لذلك نرى من المفيد أن تدون اللجنة أعمالها في قالب موضوعي مختصر":

1. عرض مقترحات الدول الثماني عشرة.

2. إن مقترحات الـ 18 افترضت أن التأميم قد تم فعلاً.

3. إن ما ذكره الرئيس من اعتقاد بأن القناة لا يمكن أن تنفصل عن سياسة مصر .. يعني أن الدول الكثيرة التي تنتفع بالقناة سيتعين عليها إدراك الحقيقة وهي أن تجارتها الخارجية ستكون في أي وقت خاضعة لقرارات مصر وحدها، ثم إن الرسوم ستزيد وفقاً لمقتضيات الميزانية المصرية.

4. إن الرئيس يتمسك في صلابة بوجهة نظره التي تقول بأنه لا محل لسلطة لها صفة الدولية في القناة، ومصر قادرة على توجيه مستقبل القناة وضمانه، ورد اللجنة أن القناة تحتاج إلى خدمات موظفين من ذوي المهارة العالية والخبرة .. وهناك عدد كبير من رعايا الدول الأخرى يحتلون المراكز الرئيسية. ولا يمكن كفالة استمرارهم ما لم تكن هناك ثقة متبادلة بين الذين يديرون القناة أي الحكومة المصرية وبين المنتفعين بالقناة.

5. إن حجم المرور في القناة قد يتضاعف في السنوات القادمة، ولكن ذلك يتوقف في النهاية على ثقة مستخدمي القناة في إدارتها.

6. إن إقامة هيئة دولية لقناة السويس ليس سيطرة أجنبية إذا قبلته مصر بمطلق حريتها.

7. إن صلة الهيئة المقترحة بالأمم المتحدة يجعلها كالبنك الدولي وكالة متخصصة، وصلته بالأمم المتحدة لا تؤثر على حريته في إدارة أعماله، كما أن هذا النظام يدعم الثقة والأمن الدوليين.

8. إن اقتراح اللجنة يؤدي إلى تخفيف حدة التوتر الخطير الذي يسود العالم الآن على أساس ترضى عنه الدول المنتفعة بالقناة ويتفق مع كرامة مصر واستقلالها ومكانتها وبذا يتم الإسهام في تسوية سلمية للمشكلات الدولية.

وقد رد الرئيس جمال عبدالناصر على رسالة "منزيس" في 9 سبتمبر حيث حدد موقف مصر خلال المباحثات التي تمت وأكد في رسالته حق مصر في التأميم، واستعدادها لعقد اتفاقية جديدة تكفل حرية الملاحة في القناة، وحرصها على استمرار الملاحة بنظام وكفاءة، رغم المصاعب التي خلفتها بريطانيا وفرنسا عن طريق التهديد باستخدام القوة، وتحريض المرشدين على ترك عملهم، وغير ذلك من التدابير الاقتصادية ضد مصر، وأن النظام الذي اقترحه مؤتمر لندن يعني الاستيلاء على إدارة القناة، ويقوم على العدوان، وينتهك حق الشعب المصري وسيادته، وأن أي محاولة لفرض هذا النظام ستكون نذيراً بصراع ليس في الحسبان. وختم "عبدالناصر" الرد بإجمال سياسة مصر إزاء القناة، وتتلخص في ضمان حرية الملاحة دون تمييز، وتحسين القناة، وفرض رسوم عادلة، وإدارة القناة على نحو يقوم على كفاية فنية.

في 9 سبتمبر عاد "منزيس" إلى لندن وصرح للصحفيين: "إن مصر لن تشارك في أي عمل سلمي لمشكلة القناة". واجتمع مع "إيدن" في اليوم التالي وأعطاه صورة مفصلة لمحادثاته في القاهرة مؤداها "أن "ناصر" لن يتراجع عن موقفه ولن يغير فكره إلا إذا أرغم على ذلك بالقوة".

ثالثاً: سحب المرشدين الأجانب

14 أغسطس أعلن مدير شركة قناة السويس "المؤممة" أن جميع المرشدين مخلصون للشركة، وأنه قادر على إصدار التعليمات لوقف حركة الملاحة في القناة، كما اكتشفت رسائل مرسلة منه إلى المرشدين يعرض عليهم دفع مرتب ثلاث سنوات مقدماً إذا رفضوا العمل.

وردت مصر على هذه التحركات بإعلان في صحف غالبية الدول البحرية تطلب مرشدين، لكنها صادفت العقبات لضغط لندن وباريس على الصحف حتى لا تنشر الإعلانات المصرية، كما أثرت على بعض الحكومات لعدم تلبية طلب مصر.

وحين أعلنت مصر في نهاية أغسطس أن المعدل اليومي للسفن التي مرت بالقناة خلال شهر التأميم قد ارتفع في ظل الإدارة الجديدة من 42 إلى 44 سفينة، ضاعفت الشركة المؤممة والحكومتان البريطانية والفرنسية الجهود ليتوقف العمل في القناة، وتم إبلاغ المرشدين صراحة أنهم سيفقدون معاشاتهم لو استمروا في وظائفهم.

في 11 سبتمبر وصل "جي مولية" إلى لندن ليبحث مع "إيدن" خطوتهم التالية. وكان قرارهم الأول أن يطلبوا إلى شركة قناة السويس سحب مرشديها من العمل في القناة لكي يتعطل سير الملاحة فيها ويكون ذلك مبرراً لإطلاق قوات الغزو.

تمكنت الاستخبارات المصرية من اختراق السفارة الفرنسية في القاهرة، وصورت وثيقة من الحقيبة الدبلوماسية تحتوي على معلومات عن اشتراك فرنسا مع شركة قناة السويس في خطة لإيقاف الملاحة فجأة في القناة ليلة 14/ 15 سبتمبر، وذلك بتوقف جميع مستخدمي الشركة الأجانب من مرشدين وعاملين وفنيين، وإرسال ستين سفينة تجارية في نفس الليلة للمرور في القناة، وهذا فوق طاقتها المرورية، والهدف توقف الملاحة، وتأليب الدول ضد مصر، وبيان إخفاقها في إدارة القناة، وعندئذ تتدخل بريطانيا وفرنسا لإنقاذ القناة.

وفي 12 سبتمبر أبلغت الخارجية المصرية "داج همرشولد[4] ـ Dag Hammarskjold" السكرتير العام للأمم المتحدة ووفود الدول الأعضاء بالهيئة الدولية أن شركة قناة السويس المؤممة أصدرت أمراً إلى الموظفين غير المصريين بالقناة بترك عملهم اعتبارا من ليلة 14/15 سبتمبر، وأن مصر ستعمل من جهتها حسب الترتيبات التي وضعتها بشأن استمرار الملاحة في القناة، وأنه إذا حدث وتعطلت لأسباب خارجة عن إرادتها، فإن المسئولية تقع على الجهات التي تسببت في ذلك.

فقد كان يعمل بالشركة 204 مرشد، منهم 61 بريطانياً، 53 فرنسياً، 14 هولندياً، 12 يونانياً، 11 نرويجياً، 3 دانماركياً، 2 إيطالياً، 2 أمريكياً، 2 بلجيكياً، 2 سويدياً، وواحد لكل من يوغسلافيا وبولندا و40 مصرياً. وفي الفترة من 26 يوليه وحتى 15 سبتمبر بلغ عدد المرشدين المصريين 70 مرشداً بالإضافة إلى المرشدين اليونانيين واليوغسلاف وجنسيات أخرى تم تدريبهم في وقت قصير لمواجهة المؤامرة الجديدة.

في يوم 15 سبتمبر رحل المرشدون والعاملون الأجانب في القناة تنفيذاً لأوامر الشركة المؤممة، عدا المرشدون اليونانيون الذين لم يتركوا العمل وبقوا بجانب المرشدون المصريين. وكان التخطيط الأنجلو ـ فرنسي على يقين بأن سحب المرشدين يعقبه توقف للملاحة في قناة السويس، مما أدى بشركة "لويدز" إلى رفع قيمة التأمين على حمولة السفن المارة بالقناة بنسبة 250%. ثم كانت المفاجأة أن سير الملاحة في القناة لم يتوقف وإنما استمر على حاله الطبيعي فقد كانت مصر مستعدة لهذا الاحتمال وجاهزة له. فقد تمكنت الإدارة المصرية للقناة خلال الأسابيع السابقة من استعارة عدد من ضباط البحرية المصرية دربتهم على عملية الإرشاد، كما تعاقدت مع 71 مرشداً جديداً منهم 47 مرشداً مصرياً، أداروا حركة الملاحة في القناة بكفاءة واقتدار. وعلى الفور أعادت شركة "لويدز" للتأمين الرسوم إلى معدلاتها. وبذلك انتصرت مصر وسقطت ذريعة بريطانيا وفرنسا، ولكن لم يسقط المخطط.



[1] الدول التي دعيت لحضور المؤتمر هي : بريطانيا وألمانيا وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا و هولندا وروسيا وتركيا وأستراليا ونيوزيلندا وإندونيسيا واليابان وسيلان والهند وباكستان وإيران والسويد والنرويج والدانمارك والبرتغال وإثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية ولم تحضر مصر والنمسا والمجر واليونان.

[2] Suez Cananl Association

[3] Caus Beelli كلمة لاتينية تعني كل ما يبرر الحرب أو يتخذ ذريعة لها.

[4] ولد في 29 يوليه 1905 بالسويد، ودرس الاقتصاد والقانون، ونال درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1934، وعمل بالجامعة ثم تولى إدارة البنك الأهلي السويدي، وبعدها شغل منصب وكالة الخارجية السويدية، وفي عام 1951 أصبح وزيراً للخارجية السويدية، وأخيراً تم تعينه في منصب السكرتير العام للأمم المتحدة في 7/4/ 1953، وتمتع بشخصية راقية، واتبع أسلوب العمل الدبلوماسي الهادئ

[5] كانت شركة قناة السويس قد نجحت في إقناع الحكومة الفرنسية بإعطاء الأولوية للسيطرة على منطقة القناة وإلا فإن مرافق القناة قد تتعرض للتخريب في اللحظة التي يبدأ فيها الغزو من اتجاه الإسكندرية

[6] كان الوفد يتكون من وزير الخارجية `جولدا مائير ـ Gold Meir `، ووزير النقل "موشي كامل"، ومدير وزارة الدفاع "شيمون بريز"، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي `موشي ديان`.

[7] هذه الدول هي: الإتحاد السوفيتي، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، المجر، بلغاريا، بولندا، ألمانيا الشرقية، الصين الشعبية، الهند، باكستان، سيلان، بورما، كمبوديا، إندونيسيا، أفغانستان، نيبال، المغرب، تونس، ليبيا، السودان، السعودية، اليمن، العراق، الأردن، سورية، لبنان، بنما، اليونان، أسبانيا.

المبحث الخامس: سير القتال على جبهتي سيناء والقناة

بدأ العدوان الإسرائيلي على الأراضي المصرية في سيناء في الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم 29 أكتوبر (أُنظر شكل مسرح عمليات حرب العدوان)، وهو نفس موعد المفاوضات المتفق عليها في جنيف. وقد بدأ هجوم إسرائيل بإسقاط كتيبة مظلات فوق الجهة الشرقية لممر "متلا" لتخلق الذريعة للتدخل الأنجلو ـ فرنسي على نحو ما اتفق عليه في بروتوكول سيفر.

كان التحرك العسكري الإسرائيلي مفاجئاً للقيادة المصرية التي لم تجد سبباً واضحاً يبرره في هذا التوقيت بالذات فقد كان الموقف على خطوط الهدنة المصرية ـ الإسرائيلية هادئاً طوال الأسابيع الأخيرة، فمنذ بدأت أزمة القناة ولاح خطر التدخل العسكري الأنجلو ـ فرنسي في منطقتها، تقرر سحب قوة الجيش الرئيسية من سيناء وترك 6 كتائب فيها فقط حتى لا تنعزل قوات سيناء عن الدلتا إذا ما قامت القوات الأنجلو ـ فرنسية بهجوم يستهدف قناة السويس. وجرى توزيع الكتائب الست التي بقيت في سيناء قرب خط الحدود الشرقية حيث تمركزت كتيبتان في منطقة "أم قطف" وكتيبتان في منطقة "الشيخ زويد" مع بقاء كتيبتين في الخلف في منطقة "العريش" فضلاً عن قوات الحرس الوطني وحرس حدود فلسطين الموجود بقطاع "غزة". وكانت المواقع المصرية شبه خالية إلى درجة دفعت الجنرال "بيرنز" كبير مراقبي الهدنة إلى أن يكتب تقريراً لـ "داج همرشلد" السكرتير العام للأمم المتحدة يقول فيه: "إن تقلص حجم القوات على الخطوط المصرية يمثل إغراء شديد لإسرائيل". إلا أن عبدالناصر استبعد أن تنزلق إسرائيل إلى هذا الإغراء في تلك المرحلة.

وكان تقدير عبدالناصر وقت أن اشتد خطر التدخل الأنجلو ـ فرنسي أن إسرائيل سوف تتردد عن التورط فيه حفاظاً على صورتها أمام الرأي العام العالمي، واستبعد أن تقوم بدور التابع لاثنتين من الدول الاستعمارية الكبرى كما كان تقديره بعد تراجع خطر التدخل الأنجلو ـ فرنسي عقب انتهاء مناقشات مجلس الأمن "أن إسرائيل لن تسارع بالعمل المسلح وإلا فإنها سوف تظهر نفسها في صورة من يعيد تعقيد الموقف في الشرق الأوسط بعد أن بدت احتمالات انفراجه خاصة وأن ذلك سوف يعرضها للوم الشديد، ويضعها في موقف سياسي صعب قد تُفضل تجنبه".

توجه عبدالناصر إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة وهو مازال يتساءل عن أهداف الهجوم الإسرائيلي مستبعداً احتمال تواطؤ إسرائيل في عمل مشترك مع بريطانيا وفرنسا، ومن الغريب أنه لم يشك في هذا التواطؤ حتى بعد أن قرأ نص البيان الإسرائيلي عن نزول المظلات الإسرائيلية في منطقة "صدر الحيطان" التي تبعد نحو 65 كم شرق قناة السويس. لم يخطر له التواطؤ ليس لأنه أحسن الظن بـ إيدن وموليه ولكن لأنه كان يعرف أن شبهة التواطؤ مع إسرائيل كانت كفيلة وحدها بإسقاط كل نظم الحكم الموالية لبريطانيا في المنطقة. كما تؤدي إلى زيادة النقمة على فرنسا في شمال أفريقيا. لقد تصور أنه إذا أرادت بريطانيا وفرنسا غزو مصر فإنه من الخير لهما مهما كانت المصاعب والمشاق أن تجيئا إلى مسرح العمليات جهاراً نهاراً في استعراض للقوة واضح وقاطع.

ونفس المقدار أنه إذا أرادت إسرائيل أن تهاجم فما عليها إلا أن تستغل أكداس السلاح الذي حصلت عليه وتخترق الحدود المصرية وحدها في عمل محدود ومحصور. أما أن يتواطأ الثلاثة معاً في خطة سرية على النحو الذي ظهر فيما بعد فهذا ما استبعده من أول لحظة وظل يستبعده لساعات طويلة.

ولهذا كانت قراراته عندما وصل إلى القيادة العامة للقوات المسلحة أن تُدفع القوات المصرية لمواجهة هجوم إسرائيل[1].

أولاً: خطة الهجوم الإسرائيلي " قادش" (أُنظر خريطة مراحل الهجوم الإسرائيلي)

كانت الخطة الإسرائيلية تتلخص في إسقاط كتيبة مظلات من اللواء 202 مظلات فوق "صدر الحيطان" ثم يزحف باقي اللواء على محور "الكونتيلا ـ نخل ـ صدر الحيطان" لينضم إلى الكتيبة التي أسقطت شرق ممر "متلا".

وبعد تنفيذ الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية تتقدم المجموعة 38 عمليات بقيادة البريجادير "يهودا والاش"، المكونة من اللواء السابع المدرع واللواء الرابع المشاة، واللواء السابع والثلاثين الميكانيكي للاستيلاء على "أم قطف" بينما تتقدم المجموعة 77 عمليات بقيادة البريجادير "حاييم بارليف ـ Haim Bar Lev" والمكونة من اللواء السابع والعشرين المدرع واللواء الأول المشاة، واللواء الحادي عشر المشاة لاحتلال "رفح" و"العريش" ثم تواصل المجموعتان الزحف حتى يصلا إلى 16 كم شرق القناة حيث يتوقفا هناك وفي الجنوب تتقدم مجموعة اللواء التاسع الميكانيكي بقيادة البريجادير "إبراهام بوفيه ـ Avraham Yoffe من "إيلات" إلى "شرم الشيخ".

ثانياً: الإنذار الأنجلو ـ فرنسي (أُنظر ملحق أهم البيانات والرسائل والإنذارات الصادرة عن الحكومات أثناء حرب السويس الفترة من 28 أكتوبر إلى 7 نوفمبر1956)

حتى صباح يوم 30 أكتوبر كان عبدالناصر لا يزال يستبعد احتمال التواطؤ. ولم تمض غير ساعات قليلة حتى دعيا السفيران المصريان في لندن وباريس إلى وزارتي الخارجية في العاصمتين لكي يتسلم كل منهما إنذاراً بريطانياً ـ فرنسياً يطالب كلاً من مصر وإسرائيل بالانسحاب بعيداً عن قناة السويس لمسافة عشرة أميال حتى لا يتعرض هذا المرفق الدولي المهم للخطر من جراء القتال الدائر بالقرب منه، وبناء على ذلك فإنهما يطلبان من حكومة مصر أن:

1. توقف فوراً كل الأعمال الحربية في البر والبحر والجو.

2. تسحب كل القوات المصرية إلى مسافة عشرة أميال غرب القناة.

3. تحتل القوات البريطانية والفرنسية مواقع رئيسة في بورسعيد والإسماعيلية والسويس، حتى يمكن ضمان حرية مرور سفن جميع الدول في القناة، وحتى يمكن فصل القوات المتحاربة.

كما طلبت حكومتي بريطانيا وفرنسا رداً على هذه المكاتبة خلال اثنتي عشرة ساعة. وإذا انتهى هذا الوقت قبل أن تتعهد إحدى الحكومتين أو كلتاهما بتنفيذ هذا الإنذار، فإن قوات بريطانيا وفرنسا ستتدخل بأية قوات تراها ضرورية لضمان التنفيذ.

استدعى عبدالناصر "تريفليان" سفير بريطانيا وقال له: "أهذا هو إنذاركم"؟ فأجابه "تريفليان" "لم يقل أحد إنه إنذار بل هو مجرد رسالة ترمي إلى التدخل لوقف القتال وحماية القناة". ورد عبدالناصر" إن بإمكاننا أن ندافع عن القناة، ولسوف ندافع عنها غداً ضد إسرائيل، وضد آخرين".

ثالثاً: مصر ترفض الإنذار

رفضت مصر الإنذار الأنجلو ـ فرنسي بعد مناقشات في مجلس الوزراء، تبين خلالها أن عبدالناصر لم يأخذه مأخذ الجد، إذ كان يرجح أن الغرض منه أن تحتفظ مصر بالجزء الأكبر من قواتها المسلحة دون دفعها إلى أرض المعركة في سيناء فتتيح لإسرائيل بذلك أن تحقق النصر نتيجة ضعف وقلة القوات التي تواجهها.

ثم أصدرت القيادة العامة المصرية بلاغاً رسمياً من الإذاعة المصرية، بعد منتصف الليل عن سيطرة القوات المصرية على الموقف الذي نشأ عن عدوان إسرائيل، وأكدت عدم تعرض قناة السويس لأي تهديد عسكري، وأن قوافل السفن تعبر القناة بأمن كامل وسلامة تامة، وأن القوات المسلحة قادرة على حماية قناة السويس تحت كل الظروف.

رابعاً: مجمل سير القتال في جبهتي سيناء والقناة (أُنظر ملحق تسلسل الأحداث على المحور الجنوبي "الكونتلا ـ متلا" ومعركة ممر متلا) و (ملحق تسلسل الأحداث على المحور الأوسط) و (ملحق تسلسل الأحداث على المحور الشمالي وقطاع غزة) و (ملحق الطريق إلى شرم الشيخ)

لقد دارت الحرب طبقاً لتطوراتها السياسية والعسكرية في أربع مراحل متتالية، واستغرق القتال مائتي ساعة، وتراوحت شدته بين التوتر النسبي، والمعارك المحتدمة، وأعمال الاقتحام الرأسي وعمليات الغزو البحري. وبدأت الحرب (أُنظر خريطة توزيع القوات المصرية) في الساعة الخامسة عصر يوم الاثنين 29 أكتوبر، عندما أسقطت الأركان العامة الإسرائيلية الكتيبة 890 مظلات بقيادة المقدم "روفائيل إيتان" فوق المدخل الشرقي لممر "متلا" على مسافة 60 كم شرق قناة السويس لتخلق المبرر للقوات الأنجلو ـ فرنسية للتدخل في الحرب الدائرة، تحت زعم الحرص على حماية هذا المرفق الدولي المهم من أخطار الحرب المشتعلة على مشارفها. وانتهى القتال في الساعة الثانية بعد منتصف ليلة 6/7 نوفمبر 1956، بصدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النيران، ورضوخ كافة الأطراف المتحاربة له.

إن أبسط الحروب يصعب متابعة وقائعها وتحديد أمكنتها وأزمنتها بدقة، وكذلك كان حال حرب العدوان الثلاثي، التي تميزت باستقلال كل اتجاه تعبوي تقريباً عن الآخرين بدرجة غير عادية. فمحاور الهجوم الإسرائيلي الأربعة في سيناء لم يكن يربط بينها إلا أقل درجات التعاون المشترك، سواء على المستوى التكتيكي أو التعبوي، أما الارتباط بينها وبين محور الغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي فلم يكن يحكمه سوى دواعي إخفاء التواطؤ بقدر ما تسمح به الظروف، ولهذا كان تأخير الضربة الجوية الشاملة الأنجلو ـ فرنسية لحين أن تخلق إسرائيل ذريعة التدخل، ثم يصدر الإنذار الأنجلو ـ فرنسى للطرفين بالابتعاد عن قناة السويس، وعندما ينتهي الأجل الذي حدده ذلك الإنذار، والذي حرص محور العدوان على صياغته بقدر كبير من الإجحاف بها، والتهديد السافر الذي لن تقبله مصر قطعاً، تبدأ طائرات "الكانبرا" البريطانية والطائرات " F- 84" الفرنسية العمل.

وهكذا فرض التواطؤ الأنجلو ـ فرنسي قيوداً على توقيتات الحرب ومراحل القتال، جعلتها تختلف عن التوقيتات والمراحل العادية. كما أنها على خلاف باقي الحروب التي تبدأ بأعنف درجات القتال شدة، إذ اقتصرت مرحلتها الافتتاحية على بعض المناوشات التي لم يتجاوز هدفها مجرد خلق الذريعة للتدخل الأنجلو ـ فرنسي طبقاً لحبكة مخطط العدوان، كما اتفق عليه ليلاً أطرافه الثلاثة في معاهدة "سيفر"، التي وقعت مساء 24 أكتوبر 1956 بضاحية باريس.

فالجيش الإسرائيلي يصر على القتال تحت سماء يملك السيطرة الجوية عليها بلا منازع، بينما سلاحه الجوي لم يصل بعد إلى القدرة على تحقيق ذلك بمفرده، ولن تستطيع الطائرات الأنجلو ـ فرنسية أن تقوم بتلك المهمة نيابة عنه، إلا بعد توفير المبرر لهذا التدخل العدواني، الذي يجب أن يسبقه إصدار إنذار للطرفين المتحاربين بالكف عن القتال على مشارف القناة حتى لا يتعرض استمرار الملاحة فيها للخطر، وذلك للظهور بمظهر الحريص على سلامتها، الأمين على مصالح الأسرة الدولية في أن تظل مفتوحة أمام جميع السفن بلا تمييز.

وبناء على ما سبق، فقد اتفقوا على إسقاط كتيبة المظلات فوق ممر "متلا" على مشارف القناة، لتكون الذريعة للتدخل الأنجلو ـ فرنسي في الحرب بقواتهما العسكرية على أن يعقب ذلك صدور الإنذار الأنجلو ـ فرنسي للطرفين المتحاربين على مشارف القناة، وبعد 24 ساعة من إسقاط تلك الكتيبة، كما حددت تلك الخطة وقت شن الضربة الجوية الشاملة الأنجلو ـ فرنسية بعد 12 ساعة من صدور الإنذار، (إلا أنها تأجلت 12 ساعة أخرى لتتم ليلاً)، لتكون هي نفسها بمثابة الإشارة الخضراء للقيادة الجنوبية الإسرائيلية للتحول بالقتال من مستوى المناوشات إلى مستوى المعارك المحتدمة، التي بدأت صباح 1 نوفمبر بالهجوم الرئيسي على الدفاعات المصرية في "أم قطف" و"رفح" على حدود سيناء الشرقية، بينما تواصل الطائرات الأنجلو ـ فرنسية قصف عمق مصر، مع التركيز على شاطئ الغزو الذي اعتزمت اجتياحه، وذلك لتليين ما به من دفاعات وموانع هندسية قبل الهجوم عليها.

ودارت خلال تلك الساعات المائتين خمس معارك برية في شبه جزيرة سيناء، وعملية غزو بحري في منطقة بورسعيد، كما تخللتها أيضاً الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية الشاملة ليلة 31 أكتوبر، والتي حطمت طائرات ومطارات وعناصر الدفاع الجوي المصري قبل أن ينبلج فجر يوم 1 نوفمبر، فحققت للقوات البرية الإسرائيلية مطلبها للقتال، وهو أن تتمتع بمزايا التفوق الجوي، بل والسيادة الجوية المطلقة[2].

ثم انتهى العدوان الثلاثي على مصر بانسحاب القوات الأنجلو ـ فرنسية من شاطئ الغزو يوم 22 ديسمبر، الذي أعقبه انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وقطاع "غزة" يوم 6 مارس 1957، وقد حفلت الفترة بين وقف إطلاق النيران في مسرح العمليات وبين جلاء أخر جندي من الأعداء عنه بنشاط العمل الفدائي المصري والفلسطيني لمدة 120 يوماً ضد قوى العدوان، مع التركيز بصفة خاصة على شاطئ الغزو البحري ببورسعيد، الذي تكبد فيه الأعداء خسائر كبيرة، دفعتهم إلى الإسراع بالرحيل قبل موعده المحدد.

وانفردت تلك الحرب أيضاً عن سائر الجولات التي سبقتها أو أعقبتها بأنها كانت الوحيدة التي اشتركت فيها قوات مسلحة من خارج منطقة الشرق الأوسط بصورة سافرة، مما أدى إلى تعدد اتجاهات العدوان التي اشتملت أيضاً على كل أوجه المعركة الحديثة للأسلحة المشتركة من تقدم إلى أرض المعارك، وهجوم، ودفاع، وانسحاب منها، فضلاً عن الغزو البحري، والاقتحام الجوي الرأسي، والقتال الجوي والبحري المنفرد، والعمل الفدائي النشط.

إلا أن ضعف التنسيق بين قيادات العدوان الثلاثي، واختلاف المرامي التي تسعى حكوماتها إلى تحقيقها، إلى جانب اختلاف المذاهب العسكرية والتنظيم والتكتيك، بل ولغة الحوار بين أطراف العدوان أدت جميعها إلى إثارة بعض الظنون، ووقوع عدة ارتباكات خلال سير القتال صبغته بالبطيء والتخبط، كما حدثت عدة مشاحنات وتعارض في الآراء بين قادة قوات العدوان حتى أوشكت إحداها أن تحل رباط التعاون بينهم، بينما كانت المواقف السياسية تتطور بسرعة على الساحة المحلية والدولية في مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة بما جعل ديناميكية المساعي السياسية والدبلوماسية وقراراتها تسبق ديناميكية القتال في المسرح، فتكشف عن خبيئة التواطؤ للعالم أجمع رغم ما بذلته الأطراف الثلاثة من جهد كبير لإخفائه، فترتب على انكشافه دمغ هذا العدوان بسوء السلوك، واجتماع الكلمة على ازدرائه وتجريمه، مع الإصرار على وقفه وإزالة كل أثاره.

وعلى كثرة ما وقع من تلك المشاحنات طيلة أيام القتال، فإن العلاقات السياسية والعسكرية بين فرنسا وإسرائيل ظلت متينة، كما استمر تدفق المعونات الفرنسية إليها، فإلى جانب الطائرات "Mysteres" الستين التي أهدتها فرنسا لإسرائيل في شهر أغسطس قبيل العدوان، فقد وعدتها أيضاً بثلاث أسراب من المقاتلات بطياريها الفرنسيين لتقوم تلك الطائرات الخمس والأربعين بدعم أعمال قتال القوات البرية الإسرائيلية في سيناء وتأمين سماء إسرائيل، بينما يؤمن الأسطول الفرنسي سواحلها ويشترك الطراد "جورج ليجوس" في تليين الدفاعات المصرية قرب الساحل في "رفح" و"العريش" بنيران مدافعه الضخمة.

نفذت فرنسا الوعد لإسرائيل بإمداد المظليين بممر "متلا" بالمدافع المضادة للدبابات والذخائر والمياه والأغذية، وكذلك لأي وحدات مقاتلة إسرائيلية أخرى تحتاج إلى المساعدة.

خامساً: مراحل سير العمليات

سير العمليات مر بأربع مراحل هي:

1. المرحلة الأولى 29 ـ 31 أكتوبر (مرحلة العدوان الإسرائيلي)

مرحلة العدوان الإسرائيلي. وقد استغرقت هذه المرحلة 50 ساعة فيما بين الخامسة عصر يوم 29 أكتوبر، والسابعة مساء يوم 31 أكتوبر، عندما صدر الإنذار الأنجلو ـ فرنسي لمصر بوقف النيران تحت زعم الرغبة الحميدة في حماية قناة السويس، وانحصر القتال خلال تلك المرحلة داخل سيناء بين القوات الإسرائيلية التي يدعمها مجهود جوي وبحري فرنسي متفوق، وبين القوات المصرية.

وقد بدأ بإسقاط قوة من المظلات في منطقة تخلو من أي بشر، وعلى مسافة نحو 60 كم من قناة السويس، ثم زجت إسرائيل باسم القناة عمداً في بيان أذاعه المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي في الساعة التاسعة ليلاً، للإيهام بوجود حالة صراع مسلح على مشارف قناة السويس تهدد سلامة وانتظام سير القوافل البحرية فيها.

وانتهت تلك المرحلة بنجاح القوات المصرية في حصر العدوان الإسرائيلي ودفع الاحتياطات التعبوية إلى سيناء، وتأهبها لتوجيه ضربة لاستعادة الأوضاع في سيناء.

2. المرحلة الثانية 31 أكتوبر ـ 4 نوفمبر (اكتشاف التواطؤ وسحب القوات المصرية)

اكتشاف التواطؤ، والعمل على سرعة سحب القوات المصرية من سيناء. واستغرقت هذه المرحلة 84 ساعة فيما بين الساعة السابعة مساء يوم 31 أكتوبر، والساعة السادسة من فجر يوم الأحد 4 نوفمبر، عندما بدأ التمهيد الجوي الأنجلو ـ فرنسي لعملية الغزو البحري.

فقد كانت الساعة السابعة من مساء 31 أكتوبر هي اللحظة الحاسمة في سجل حرب العدوان الثلاثي، عندما انقضت الطائرات الأنجلو ـ فرنسية بغتة على مطارات مصر لتدمير ما بها من طائرات، فانكشفت للتو حقيقة المؤامرة الثلاثية التي حيكت أطرافها ليلاً بضاحية "سيفر"، وما بيته محور العدوان لندن ـ باريس ـ تل أبيب من نوايا حقودة ضد مصر وجيشها وزعامتها لتحطيم ذلك الجيش، وإسقاط تلك الزعامة التي أعلن إيدن أن عليها أن تختفي.

وصدر قرار توحيد الجبهة المصرية غرب قناة السويس في الساعة العاشرة من مساء نفس اليوم لإنقاذ القوات الموجودة في سيناء من الشرك المدبر لها هناك، بعد أن استدرجها جيش إسرائيل داخل أعماق سيناء، لتنزل قوات الغزو الأنجلو ـ فرنسي في ظهرها. وتقفل عليها المؤخرة على امتداد القناة حتى تفقد الزعامة المصرية جيشها فلا يصبح أمامها بعد ذلك إلا الرضوخ لرغبات المعتدين وشروطهم المجحفة.

ولتجنب ذلك صدر قرار سحب قوات مصر من سيناء وتوحيد جبهة القتال غرب القناة، لتحقيق الاتزان الإستراتيجي في مسرح العمليات والاستعداد لمواجهة الغزو الأنجلو ـ فرنسي المتوقع، بتركيز حشد الجيش وقوى النضال الشعبي داخل مثلث الدفاع الحيوي "بورسعيد ـ السويس ـ القاهرة".

وبمجرد صدور هذا القرار، تحولت الصورة العامة للحرب من مجرد قتال داخل منطقة محدودة إلى صراع مسلح على صعيد مصر كله، ففقدت خطة العدوان أهم ركائزها وهي القضاء على غالبية القوات المسلحة المصرية بعد استدراجها بواسطة جيش إسرائيل داخل الشرك، الذي أعده لها في أعماق سيناء الشرقية.

واستهلت مصر أعمالها العسكرية في تلك الفترة بسحب قواتها من سيناء مع ترك عناصر خفيفة الحركة لستر عملية الانسحاب السريعة، وقد صاحب ذلك عملية إخلاء بعض طائرات القوات المصرية من قواعدها الجوية المعرضة إلى قواعد أخرى أقل تعرضاً في صعيد مصر، ثم إلى قواعد دول صديقة.

وقد تعرضت مصر خلال تلك المرحلة للقصف الجوي المركز من جانب القوات الجوية البريطانية والفرنسية، شمل معظم أرجاء مصر في مرحلته الأولى، قبل التركيز على شاطئ الغزو البحري ببورسعيد قبيل عملية الإبرار وأثناءها.

ولم يكن ساحل بورسعيد يوفر في نظر الجنرال "هيوستوكويل" قائد قوات الغزو البرية المكان الأمثل لتنفيذ عملية "الفارس النهائية المعدلة"، فالقوات التي تنزل إلى الساحل لن يكون من السهل انطلاقها من جيب بورسعيد الضيق نحو الجنوب، نظراً لانحصار الطريق الوحيد بين قناة السويس وبحيرة "المنزلة" بما لا يترك سوى عشرات الأمتار فقط للتحركات العسكرية الضخمة التي يمكن عرقلتها، بل وإيقافها تماماً ببعض الكمائن والحفر وحقول الألغام.

3. المرحلة الثالثة 4 ـ 7 نوفمبر (تركيز الدفاع غرب قناة السويس)

اتُخذ قرار تركيز جهد الدفاع في اتجاه جبهة قناة السويس، استعداداً لمواجهة الغزو الأنجلو ـ فرنسي الوشيك. وقد استغرقت هذه المرحلة 68 ساعة فيما بين الساعة السادسة من فجر يوم الأحد 4 نوفمبر والساعة الثانية من فجر يوم الأربعاء 7 نوفمبر، وبدأت بالتمهيد الجوي لعملية الغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي لشاطئ بورسعيد، ثم تنفيذ الاقتحام الجوي والبحري لإنشاء رأس شاطئ فيما بين منطقة "الجميل" غرباً و"بورفؤاد" شرقاً، توطئة للانطلاق منه في محاولة يائسة نحو الإسماعيلية، والسويس ثم القاهرة على نحو ما فعل الجنرال "ولسلي" في عدوان سبتمبر 1888، الذي انتهى باحتلال مصر وكبت الثورة العرابية.

وانتهت تلك المرحلة بتأمين رأس الشاطئ في بورسعيد، وما أعقبها من صدور قرار وقف إطلاق النار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم رضوخ حكومات دول العدوان لهذا القرار بعد تسويف ومماطلة هزيلة، ومن ثم توقف القتال في مسرح العمليات.

4. المرحلة الرابعة 7 نوفمبر 1956 ـ 6 مارس 1957 (الضغط السياسي والعسكري وانسحاب العدوان)

مورست الضغوط السياسية والعسكرية على حكومات محور التواطؤ. وقد استغرقت هذه المرحلة 120 يوماً فيما بين 7 نوفمبر 1956 و6 مارس 1956، عندما أتمت القوات الإسرائيلية الانسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، بعد أن كانت القوات الأنجلو ـ فرنسية قد سبقتها بالانسحاب من رأس الشاطئ ببورسعيد يوم 22 ديسمبر 1956.

خلال تلك المرحلة حسمت القضية لصالح مصر فيما عدا قبولها وضع قوة طوارئ دولية في مدخل خليج العقبة عند شرم الشيخ، لتقوم بتأمين حرية الملاحة في الخليج لجميع السفن بما فيها الإسرائيلية أو تلك التي تحمل بضائع لإسرائيل.

سادساً: ملخص سير الأحداث

كان التوتر الشديد الذي أثاره تأميم شركة قناة السويس قد بدأ يهدأ شيئاً ما، عندما توالت البلاغات على القيادة الشرقية المصرية في الساعة السابعة من مساء الاثنين 29 أكتوبر، والتي جاء أولها من نقطة الحدود قرب "الكونتلا" عن تحرك نحو 50 لوري مُعَادِ في "وادي جرافي" المواجه "للكونتلا"، مع سماع أصوات طائرات كثيرة تعبر سماء المنطقة متجهة غرباً.

ثم أعقبه مباشرة بلاغ آخر من منطقة "نخل" عن تعرض عربتي تموين وهما آتيتان من ممر "متلا" لنيران مدافع الماكينة عند المدخل الشرقي للممر.

أما ثالث البلاغات فجاء من عمال تمهيد الطرق قرب ممر"متلا" عن إسقاط قوة من المظليين فوق منطقة "صدر الحيطان"، كانوا قد شاهدوها رأى العين.

وكان هؤلاء المظليون يشكلون في حقيقة الأمر الكتيبة 890 مظلات من اللواء 202 المظلي قيادة العقيد "أرييل شارون ـ Ariel Sharon" ، التي قفزت بمظلاتها من 16 طائرة "داكوتا" كانت قد أقلعت من مطار"عُقير" في الساعة الرابعة والنصف عصراً، لتسقطهم في تمام الخامسة على مشارف قناة السويس، حتى توفر الذريعة للتدخل الأنجلو ـ فرنسي تحت زعم الرغبة الحميدة في وقاية القناة من أخطار القتال الدائر قربها، والذي يهدد بتوقف الملاحة فيها.

والواقع أن منطقة "صدر الحيطان" لم تكن تصلح لإقناع أحد بما ساقه الإعلان الإسرائيلي من مزاعم، فهي تبعد عن القناة بأكثر من 60 كم بما لا يجعل للقتال الدائر فيها كل هذا الخطر على الملاحة فيها، وقد وقع الاختيار الأول لرئاسة الأركان العامة الإسرائيلية على المدخل الغربي لممر "متلا" الذي لا يبعد عن القناة سوى 30 كم فقط، إلا أن طائرة الاستطلاع التي حامت فوقه بالأمس شاهدت عدة خيام منصوبة حوله فعمدت رئاسة الأركان الإسرائيلية إلى تغيير منطقة الإسقاط إلى المدخل الشرقي للممر، إذ كان الإصرار على أن يتم في منطقة خالية من البشر. وعندما دفع أحد ضباط الأركان بأن بُعد المنطقة الجديدة يفقد الذريعة حجيتها، نصحه "موشي ديان" رئيس الأركان بأَلا يشغل باله بتلك التوافه، فوقت المعارك تتوه الحقائق.

وبينما كانت الطائرات "الدكوتا" تسقط المظليين فوق "صدر الحيطان"، كانت عشر طائرات طراز "ميتيور" تقوم بحراستها، واثنتا عشرة طائرة فرنسية من طراز"المستير" تراقب منطقة القناة وهي على استعداد لمطاردة أي طائرة مصرية تحاول التدخل فيما يحدث "بصدر الحيطان".

وقد وقع الاختيار على ممر "متلا" لخلق ذريعة التدخل الأنجلو ـ فرنسي في الحرب للأسباب التالية:

1. خلو المنطقة من القوات المصرية بما يؤمن قوة المظليين من خطر الإبادة فتنهار ذريعة العدوان.

2. قرب المنطقة من قناة السويس، وهو الشرط الأساسي لخلق حالة صراع مسلح على مشارفها، يبرر التدخل الأنجلو ـ فرنسي لحمايتها مما تتعرض له من أخطار.

3. طبيعة أرض الممر التي تتميز بالوعورة الشديدة والضيق بما يتيح لقوة صغيرة نسبياً ذات تسليح خفيف، فرصة التمسك بالأرض لمدة طويلة نسبياً لحين وصول القوات البرية اللاحقة، وهو مالا توفره الاتجاهات التعبوية الأخرى في سيناء بنفس تلك المزايا.

4. عدم صلاحية أرض الممر لاستخدام المدرعات، مما يؤمن قوة المظليين ذات الأسلحة الخفيفة من مخاطر التعرض للدبابات المصرية التي لا تملك دفاعاً وهجوماً حيالها.

5. بُعد أقرب قوة مصرية عن منطقة الإبرار بما يجعل احتمال تدخلها السريع في القتال أمراً بعيد الاحتمال، خاصة وأن مثل تلك القوات سوف يتعين عليها أن تعبر القناة أولا مما سوف يعرقل وصولها إلى منطقة الإبرار لمدة كافية ليستكمل المظليون فيها تجهيز موقعهم الدفاعي على أفضل وجه. وقد عملت بريطانيا وفرنسا على زيادة عدد السفن العابرة للقناة طيلة ليلة 29/30 أكتوبر، لتعطيل عبور أي قوات مصرية إلى سيناء.

6. خلو الاتجاه التعبوي الجنوبي فيما بين "الكونتيلا" و"متلا" من الدفاعات المصرية القوية، مما يكفل للقوات البرية اللاحقة المشكلة من باقي كتائب اللواء 202 المظلي سرعة الوصول إلى كتيبته المنعزلة "بصدر الحيطان"، لتمدها بالدعم القتالي والإداري الكافي لمواجهة مختلف المواقف المحتملة، لا سيما وأن روح الزمالة سوف تدفعهم إلى الإسراع بالانضمام إلى كتيبتهم المسقطة في الأمام.

7. البدء بالأعمال التعرضية عند "صدر الحيطان" سوف يجذب أنظار القيادة العامة المصرية إلى اتجاه مخادع بعيداً عما إعتزمته الأركان العامة الإسرائيلية من شن الهجوم الرئيسي في وسط وشمال سيناء، على امتداد محوري "العوجه ـ الإسماعيلية"، "رفح ـ القنطرة ".

سابعاً: إجراءات قيادة المنطقة الشرقية العسكرية

تعددت الاحتمالات إزاء مقاصد الإبرار الإسرائيلي بمنطقة "صدر الحيطان" في نظر قيادة المنطقة، إلا أن عمق الإبرار الكبير وما سبقه من نشاط كثيف للقوات الإسرائيلية قرب الحدود الشرقية في مواجهة "رفح" و"أبوعجيلة" و"الكونتلا" دفع القيادة الشرقية إلى ترجيح عزم إسرائيل على شن عملية هجومية رئيسية ضد سيناء.

ولسبب عدم كفاية القوات المتمركزة لمواجهة مثل هذا الهجوم، فقد بادرت القيادة الشرقية المصرية إلى اتخاذ قرار بإغلاق المدخل الغربي لممر "متلا"، توطئة للتقدم خلاله بقوة كبيرة وتكليفها بالقضاء على قوة المظلات المتمركزة شرقه في تعاون وثيق مع الأورطة الثانية استطلاع، التي كلفتها بأن تلتف خلفها عبر"وادي المليز" لتشكل الطرف الشمالي من حركة المطرقة، بينما تشكل مجموعة اللواء الثاني المشاة السندان لها، وبذلك يتم الإطباق على المظليين من الجانبين بما يضمن تدميرهم.

وبتتابع وصول المعلومات من نقط المراقبة والإنذار المصرية قرب حدود مصر الشرقية عن تحرك أرتال العدو المدرعة والميكانيكية قرب تلك الحدود، عزمت القيادة الشرقية على دعم قوات الدفاع عن سيناء بحشد احتياطاتها التعبوية المشكلة من قيادة الفرقة الرابعة المدرعة، والمجموعة الثانية المدرعة، واللواءين 30، 426 من جيش التحرير الوطني، وكذا الألاي الثاني استطلاع عدا الأورطة التي دُفعت عبر "وادي المليز" إلى "صدر الحيطان"، لتحتل جميعها خط الدفاع الثاني عن سيناء حول منطقة "بئر روض سالم".

وسعياً إلى توفير احتياطي تكتيكي مناسب للفرقة الثالثة المشاة القائمة بالدفاع عن المثلث "أبوعجيلة ـ رفح ـ العريش"، فقد قررت القيادة الشرقية دفع مجموعة لواء مشاة إلى العريش لتخلي اللواء الرابع المشاة المتمركز فيها للعمل كاحتياطي لتلك الفرقة.

كما خصصت القيادة الشرقية المجهود الجوي المناسب لمساندة تلك الأعمال البرية، واطمأنت إلى أنه بمجرد إتمام تلك التحركات سالفة الذكر سوف يتحقق التوازن التعبوي في جبهة سيناء بالقدر المنشود، كما تتهيأ الظروف المناسبة في الوقت نفسه للتحول للهجوم المضاد العام، عندما يحين وقته لتدمير العدو الذي اخترق الحدود.

ثامناً: إجراءات القيادة العامة المصرية

ترتب على تصديق القيادة العامة على قرارات القيادة الشرقية سالفة الذكر، أن عمدت القيادة العامة بدورها إلى دفع جزء من احتياطاتها الإستراتيجية من منطقة القاهرة إلى منطقة قناة السويس حفظاً للاتزان الإستراتيجي بمسرح العمليات، واستعداداً لما تكشف عنه الأيام المقبلة من أحداث.

كما دفعت وحدات منتخبة من جيش التحرير الوطني إلى سيناء، وخصصت المجهود الجوي المناسب لدعم وحدات القيادة الشرقية، وقصف الأهداف الحيوية داخل إسرائيل، خاصة مطاراتها الحربية وأماكن تمركز قواتها البرية قرب الحدود، ثم كلفت الأسطول المصري بقصف قاعدة "حيفا" البحرية بمدفعية المدمرات، كما أمرت الكتيبة 75 مظلات بالاستعداد لقطع مؤخرة العدو إذا ما تقدم على الاتجاه التعبوي الجنوبي ليلحق بكتيبة المظليين التي أسقطها عند "صدر الحيطان"، مع القيام بإغارة فدائية محدودة ضد هدف عسكري منتخب في منطقة "بئر السبع".

تاسعاً: التنسيق مع القيادة العربية المشتركة

استكملت القيادة العامة المصرية آخر الإجراءات بتنسيق خططها مع القيادة العربية المشتركة لحشد قوة مناسبة من المدرعات والمشاة في منطقة متاخمة لحدود إسرائيل على جبهة الأردن صباح 31 أكتوبر لشن هجوم يفصل شمال إسرائيل عن جنوبها، مع دفع مجموعات من الفدائيين للعمل على شل وإرباك التحركات الإسرائيلية على الطرق، بينما تقوم القوات الجوية السورية بقصف مطارات شمال إسرائيل. وقد أعلنت كل من الأردن وسورية التعبئة العامة فور إبلاغهما بتلك القرارات.

[1] لقد تكرر نفس المشهد عام 1967 عندما تمكنت أمريكا وروسيا من إيهام عبد الناصر باحتمال هجوم وشيك على سوريا وحشدت مصر قواتها المسلحة في سيناء في يونيه 1967 وقامت إسرائيل بالعدوان.

[2] تكررت نفس الواقعة عام 1967 ببدء العمليات العسكرية بتنفيذ ضربة جوية ضد القوات الجوية المصرية صباح 5 يونيه 1967 ولم تستوعب القوات المسلحة المصرية درس 1956 بتوفير الوقاية لطائراتها لإشراكها في العمليات.

المبحث السادس: يوميات العدوان من 29 أكتوبر حتى 1 نوفمبر

أولاً: مناوشات يوم الاثنين 29 أكتوبر

تحول الشك في مقاصد إسرائيل من إبرار كتيبة المظلات في "صدر الحيطان" إلى يقين، عندما أعلنت الإذاعة الإسرائيلية على لسان المتحدث الرسمي لجيش الدفاع الإسرائيلي في الساعة التاسعة مساء عن هذه الإغارة، ثم زج باسم قناة السويس في بلاغة ليخلق الذريعة للتدخل الأنجلو ـ فرنسي للحفاظ على سلامة واستمرار الملاحة الدولية فيها.

وفى الساعة الحادية عشر مساء نفس اليوم، بدأت مجموعة اللواء الثاني المشاة المصرية المشكلة من كتيبتي مشاة فقط في عبور قناة السويس، والاتجاه إلى ممر "متلا" في نفس الوقت الذي عبرت فيه مقدمة اللواء 202 المظلية الحدود المصرية عند "الكونتلا"، وبدأت الزحف نحو الـ "تمد" قرب منتصف الليل.

أما الاحتياطات التعبوية للقيادة الشرقية المصرية في منطقة قناة السويس والمشكلة من المجموعة الأولى المدرعة والألاى الثاني استطلاع عدا أورطه، ومجموعة اللواء الثالث المشاة فكانت تتأهب للتحرك عبر قناة السويس نحو سيناء. كما بدأ اللواء 99 المشاة الاحتياطي في التحرك من منطقة تمركزه في الغردقة غرباً صوب "بئر روض سالم"، ليحتل خط الدفاع الثاني على الطريق الأوسط، ولينشئ مع مجموعة اللواء الثالث المشاة القاعدة الوطيدة التي توفر للقوة المدرعة الضاربة فرصة العمل منها ضد القوات الإسرائيلية المهاجمة.

وكان من المظاهر الملفتة للنظر كثافة تحركات السفن عبر القناة طيلة هذه الليلة، بما عرقل عبور القوات نحو سيناء، نزولاً على أوامر القيادة العامة التي أكدت على أن تكون الأفضلية للسفن وليس للقوات المندفعة نحو سيناء.

ثانياً: احتدام القتال يوم الثلاثاء 30 أكتوبر

1. موقف القوات الإسرائيلية على الاتجاه التعبوي الجنوبي

اصطدمت مجموعة اللواء 202 المظلات بموقع الـ "تمد" التعطيلي الذي تحتله عناصر من الألاى الثاني سيارات حدود، والتي كانت قد أُمرت بإخلاء مواقعها لعدم تكافؤ تسليحها مع تسليح العدو، ثم أُمرت بإعادة احتلال تلك المواقع مرة ثانية قبيل هجوم العدو عليها بدقائق قليلة.

ودارت معركة غير متكافئة بين الطرفين بدأت حوالي الساعة الرابعة والنصف فجراً، وانتهت الساعة السابعة والنصف صباحاً عندما استشهد معظم أفراد الموقع التعطيلي. إلا أن مجموعة لواء المظلات لم تستأنف تقدمها غرباً حتى العصر، نظراً لتعرضها لمقاومة شديدة، فلم تصل إلى نخل إلا مع آخر ضوء، ثم واصلت تقدمها الحثيث لتتصل بكتيبتها المسقطة بالأمس في "صدر الحيطان" حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف، قبل منتصف الليل متأخرة بذلك نحو ست ساعات عن الوقت المحدد لها في أمر العمليات.

2. موقف القوات الإسرائيلية على الاتجاه التعبوي الأوسط

بدأت مجموعة اللواء الرابع المشاة الإسرائيلية هجومها على نطاق الأمن بالقسيمة الذي تحتله أورطه استطلاع خفيفة، وذلك قبيل فجر يوم 30 أكتوبر. ومع الصباح اضطرت القيادة الجنوبية إلى دفع مجموعة قتال مدرعة من اللواء السابع المدرع صوب"القسيمة"، بعد أن تعثرت مجموعة اللواء الرابع المشاة، وفشلت في اقتحامها.

واستمر القتال محتدما هناك حتى الظهر بينما طلائع القوات الإسرائيلية تلتف على الجانب الجنوبي لدفاعات "أم قطف"، ولما فشلت في اقتحامها من الحركة راحت تبحث عن منافذ أخرى للوصول إلى قلب هذه الدفاعات من الجنب أو المؤخرة. ثم بدأت القيادة الجنوبية محاولاتها بعد الظهر لتأمين المناورة العرضية بقواتها بين الاتجاهين التعبويين الجنوبي والأوسط فأمرت مجموعة اللواء الرابع المشاة بدفع عناصر منها إلى "نِخل"، بينما دفعت بعناصر أخرى من اللواء السابع المدرع إلى "الحسنة".

3. موقف القوات الإسرائيلية على الاتجاه التعبوي الشمالي

تدفقت أرتال القوات الإسرائيلية نحو مناطق تجمُعها الأمامية في المستعمرات الإسرائيلية المجاورة لخط الهدنة والحدود الدولية، حيث شكلت هدفاً مناسباً للقصف الجوى أو لنيران المدفعية البرية إلا أنه لم يُستغل على أي وجه.

واقتصرت أنشطة الطائرات الإسرائيلية منذ الصباح على تقديم المعاونة الجوية المباشرة فوق الاتجاه التعبوي الجنوبي، مع التركيز على المدخل الشرقي لممر "متلا" حيث كانت الكتيبة 890 مظلات تتعرض لمقاومة كثيفة، بينما راحت الطائرات الفرنسية تراقب منطقة القناة من السماء، وتهاجم المطارات المصرية القريبة منها.

4. الموقف في نهاية يوم 30 أكتوبر

أ. على الاتجاه التعبوي الجنوبي

صادف تقدم اللواء 202 المظلات من "الكونتلا" صوب "صدر الحيطان" عدة مشكلات، ناجمة عن سوء التحضير للتحرك، ونقص معدات نجدة العربات المعطلة، ومقابلة بعض المواقع الدفاعية التي أبدت شيئاً من المقاومة، ووعورة الطريق خاصة بين "التمد" و"نخل".

وقد ترتب على هذا التأخير في الوصول إلى الكتيبة 890 "بصدر الحيطان"، أن ظلت تعاني من تعرض أجنابها ومؤخرتها للتهديد نظراً لوجودها في أرض مكشوفة على المدخل الشرقي لممر "متلا" الذي نجحت مقدمة اللواء 2 المشاة في قفله في وجهها. وقد أضاع الألاي الثاني استطلاع فرصة القضاء على تلك الكتيبة المنعزلة بتأخره في الوصول إليها حيث عمد قائده إلى التوقف والمبيت ليلة 29/30 أكتوبر في مكان لا يبعد عن موقع تلك الكتيبة سوى مسيرة ساعتين فقط، كما أقفل جهاز اللاسلكي المتصل بالقيادة الشرقية دون سبب.

ب. على الاتجاه التعبوي الأوسط

ارتدت الأورطه الثانية الخفيفة من الحدود شرق "القسيمة" بقتال تعطيلي حتى مضيق "أم مطامر" جنوب شرق "أم قطف". وقد أبدى قائد مجموعة اللواء 4 المشاة الإسرائيلي بعض التردد في مهاجمة موقع "القسيمة" الدفاعي، كما ظهر ضعف سيطرته على قواته بما أدى إلى فقدها الاتجاه وانتشارها على مساحة واسعة فأصدر رئيس الأركان العامة أمراً بعزله من قيادة هذا اللواء.

ولم تكن مجموعة اللواء 10 المشاة بأفضل حظاً في هجومها الأول على"أم قطف"، إذ قابلتها دفاعات اللواء 6 المشاة بنيران كثيفة أجبرتها على التوقف والارتداد للخلف. ولأن قائد مجموعة اللواء 10 مشاة كان قد تعجل هذا الهجوم قبل الموعد المحدد له فقد تعرض للتكدير والتأنيب الشديد من رئيس الأركان العامة الذي أغلظ له القول بضرورة الانصياع الكامل لأحكام وتوقيتات الخطط الموضوعة.

ومرة أخرى تشكل الحشود الإسرائيلية الكثيفة على الاتجاه التعبوي الأوسط هدفاً مغرياً للطائرات المصرية، وهي معرضة في الأرض المكشوفة إلا أنها لم تتعرض لأي قصف جوي في هذا اليوم.

ج. على الاتجاه التعبوي الشمالي

فتحت مدفعية مجموعة اللواء الخامس المشاة المصري نيرانها على مناطق التجمع الأمامية لمجموعة العمليات 77، وعلى المستعمرات الإسرائيلية القريبة من خط الهدنة والحدود الدولية. ولم تُظهر قوات مجموعة العمليات نشاطاً قتالياً على هذا الاتجاه طيلة يوم 30 أكتوبر نزولاً على أحكام الخطة العامة.

وتجدر ملاحظة أن توقيتات الأعمال التعرضية الإسرائيلية حتى الآن تتابعت بفاصل 24 ساعة بين أعمال قتال الكتيبة 890 مظلات في "متلا"، ومناورات المجموعة 38 عمليات أمام "أم قطف" وعلى جانبها الجنوبي، بينما ستبدأ مجموعة العمليات 77 هجومها بعد ذلك بنحو 24 ساعة أيضاً ضد "رفح". وتكشف تلك التوقيتات وأعمال القتال أن القيادة الجنوبية الإسرائيلية حرصت على أن تطوي دفاعات سيناء الأمامية في حركة مروحية من الجنوب للشمال صوب البحر المتوسط، نظراً لتركيز الدفاعات المصرية قواها في القسم الشمالي فيما بين "أم قطف" و"رفح"، مع ترك القسم الجنوبي فارغاً تقريباً.

وقد سهلت تلك الأوضاع الدفاعية على القيادة الجنوبية مهمة تطويقها من الأجناب والمؤخرة.

د. الاحتياطات المصرية

كانت الاحتياطات التعبوية للقيادة الشرقية قد وصلت إلى منطقة تجمعها بـ "الجفجافة" على الطريق الأوسط، تمهيداً للحشد في الأمام حول "بئر روض سالم"، وفي أعقابها الاحتياطات الإستراتيجية للقيادة العامة المصرية بعد وضعها تحت قيادة المنطقة الشرقية. وبهذا تأهبت تلك القوات لحصار العدوان الإسرائيلي، وتثبيته في مساء يوم 30 أكتوبر عندما وقع حدث خطير فجأة هو صدور الإنذار الأنجلو ـ فرنسي.

هـ. المعارك البحرية

أمرت قيادة القوات البحرية المصرية قائد الفرقاطة "إبراهيم الأول" بقصف ميناء "حيفا" بمدافعها عيار 4.5 بوصة حيث توجد مستودعات البترول الرئيسية الإسرائيلية وسفن الأسطول، إلا أن المدمرة "سانت كير" الفرنسية اعترضتها في طريق العودة وتمكنت من آسرها صباح 31 أكتوبر، وقامت بسحبها داخل ميناء "حيفا" حيث زعمت الدعاية الإسرائيلية أنها مدمرة روسية من طراز "سكوري" الحديث، بينما كانت في حقيقتها فرقاطة بريطانية قديمة.

و. الإنذار الذي هدد الضحية

فوجئ العالم في الساعة السابعة من مساء يوم 30 أكتوبر، ببلاغ مشترك تصدره حكومتا بريطانيا وفرنسا تطالب فيه كل من مصر وإسرائيل بالانسحاب بعيداً عن قناة السويس بعشرة كيلومترات، لتقوم قواتهما باحتلال ضفتيها صيانة للملاحة البحرية فيها من التوقف بسبب القتال الدائر عن كثب منها. وقد حدد البلاغ الساعة السادسة من فجر اليوم التالي موعداً لبدء التدخل الأنجلو ـ فرنسي سواء رضخت مصر له أم رفضته.

وكانت مطالبة الإنذار إلى الطرفين المتحاربين أن ينسحبا بعيداً عن ضفتي القناة بمسافة عشرة كيلومترات، تعني أن تتقدم قوات إسرائيل من موقعها "بصدر الحيطان" نحو خمسين كيلومتراً أخرى صوب القناة، بينما تنسحب القوات المصرية سبعين كيلومتراً لتصبح خلف ضفتها الغربية بعشرة كيلومترات، وفي هذا دليل قاطع على التواطؤ الأنجلوفرنسي لصالح إسرائيل المعتدية، وتهديداً سافراً لمصر المعتدى عليها.

ومن الطبيعي أن ترحب إسرائيل بالإنذار، بينما ترفضه مصر التي أصدرت بلاغاً رسمياً تؤكد فيه سيطرتها على الموقف الناشئ عن عدوان إسرائيل، مع عزمها على حماية القناة من أية أخطار حتى تواصل السفن عبورها بأمن وسلامة.

ثالثاً: أحداث القتال يوم الأربعاء 31 أكتوبر

عكفت القيادة العامة المصرية عند الظهر على إحكام خطتها للتمسك بعقد مواصلات سيناء، مع تأمين الجانب الأيمن للاتجاه التعبوي الأوسط، توطئة لشن الهجوم المضاد العام على امتداده لطرد قوات إسرائيل من "القسيمة" و"أم قطف"، واستمرار قفل مدخل ممر "متلا" من الشرق في وجه كتيبة المظليين إلى أن تتم مجموعة اللواء 2 المشاة، والأورطه الثانية استطلاع من تنفيذ الهجوم المضاد وإبادتها.

وعلى الجانب المقابل، فوجئت رئاسة الوزارة ورئاسة الأركان الإسرائيلية بعدم تنفيذ بريطانيا وفرنسا الضربة الجوية المتفق على شنها صباح 31 أكتوبر، بمجرد انتهاء موعد الإنذار الأنجلو ـ فرنسي. كان اتفاق سيفر يقضي بأن تتم هذه الضربة الجوية في الصباح. ولكن كان تأخر تنفيذ الضربة الجوية لسببين:

1. أن تكون الضربة الجوية ليلاً حيث لا تمتلك مصر مقاتلات ليلية تستطيع اعتراض الضربة.

2. أبلغ السفير البريطاني في مصر بوجود خمس عشر طائرة نقل أمريكية في مطار غرب القاهرة لنقل الرعايا الأمريكيين وأن ما يقرب من ثلاثة آلاف أمريكي يستخدمون الطريق المجاور للمطار في طريقهم للإسكندرية وقد تصدق على هذا التأجيل الذي ملأ صدر "بن جوريون" بالشك بأن حليفيه قد نكصا عن أداء دورهما المتفق عليه في "سيفر" طبقاً لعهود التواطؤ، فأصدر أمره إلى الجنرال "ديان" في صباح 31 أكتوبر بوقف عملية "قادش" لغزو سيناء، وسحب جميع القوات الإسرائيلية داخل الحدود.

إلا أن "ديان" كان أكثر ثقة من رئيسه في صدق عزيمة الحليفين على القيام بدورهما في العدوان الثلاثي لما لهما من مصالح ذاتية فيه، لهذا راح يماطل ويؤجل حتى وقعت الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية، فأطلق العنان بعدها لقوات إسرائيل لتواصل الزحف، ثم راح يستحث الألوف "سمحوني" ومرؤوسيه على مداومة الهجوم بكل شّدة، على جميع المحاور، لسرعة الاستيلاء على شبه الجزيرة حتى مشارف قناة السويس غرباً ورأس محمد جنوباً.

1. الضربة الجوية

جاءت غالبية الطائرات المغيرة من السلاح الجوي البريطاني، تصحبها بعض الطائرات الفرنسية، بما وصل عددها 19 سرباً، فركزت القاذفات القادمة من مطارات مالطة، وقبرص، موجتها الأولى على مطارات غرب القاهرة، وأنشاص، وأبوصوير، وكبريت. وقبل أن ينتصف الليل كان المارشال "بارنيت" قد أتم دفع ثلاث موجات من القاذفات، ألقت قنابلها من الأنواع الطرقية والتأخير الزمني التي ظلت تتفجّر تباعاً طول الليل.

وقد استعانت طائرات "الفاليانت" ذات المحركات الأربعة القادمة من مالطة، و"الكانبرا" ذات المحركين القادمة من قبرص، بالمشاعل المزودة بالمظلات التي ألقتها طائرات تحديد الممرات الجوية، لتهيئ لتلك القاذفات فرصاً أفضل لإحكام تصويب قنابلها على أهدافها المنتخبة.

وعند الفجر، أقلعت الطائرات من فوق سطح الحاملات "آلبيون، وبولوارك، وآرك رويال، تصحبها المقاتلات القادمة من مطارات قبرص لحراستها، وبمجرد أن وصلت فوق المطارات المصرية، راحت تقذف الطائرات الموجودة حول الممرات بصواريخها ومدافعها وقنابلها.

استمرت موجات الضربة الجوية تغير على الأهداف المصرية طيلة يومي 2 و3 نوفمبر، بينما تعرضت القوات في سيناء وهي ترتد نحو القناة لغارات جوية من الطائرات الفرنسية المقاتلة القاذفة المتمركزة في إسرائيل، علاوة على المقاتلات القاذفة الإسرائيلية، التي راحت تتعقب الأرتال المتحركة على طرق ومحاور سيناء، وتمطرها بالقنابل والنابالم التي أوقعت بها خسائر شديدة.

ونجحت إحدى الغارات في تدمير هوائيات الإرسال الرئيسية بأبي زعبل، قبل أن يلقي الرئيس "عبدالناصر" خطبته من فوق منبر الجامع الأزهر ظهر يوم الجمعة 2 نوفمبر، فتوقفت الإذاعة المصرية عن الإرسال، لتنطلق إذاعة "دمشق" على الفور بالنداء "هنا القاهرة".

وكان اللواء "محمد صدقي محمود" قائد القوات الجوية المصرية قد أخطر القائد العام ـ في الساعة السادسة صباح أول نوفمبر ـ أن قواته لم تعد قادرة على مواصلة القتال ضد القوات الإسرائيلية في سيناء، نظراً لتدمير المطارات خلال الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية، فضلاً عن وجود عدد كبير من القنابل الزمنية التي تعوق جماعات الإصلاح والنجدة عن العمل.

وفي ضوء هذا الموقف، أصدر القائد العام اللواء "عبد الحكيم عامر" أمره في السادسة وخمس وأربعون دقيقة صباحاً بوقف نشاط القوات الجوية المصرية، وسرعة إخلاء المطارات، ونقل ما بها من طائرات سليمة خارج الجمهورية، مع إعطاء الأسبقية لإخلاء قاذفات القنابل "الاليوشن ـ28"، إلى مطار الأقصر، وكذلك إخلاء مطارات منطقة القناة.

لم يهتدي العدو إلى مكان القاذفات "الاليوشن" التي كانت تستعد للإقلاع من مطار الأقصر للخارج. ولكن ضعف الخدمة الأرضية ونقص الطيارين عطل إقلاعها حتى صباح 3 نوفمبر، عندما اكتشفتها الطائرات المعادية أخيراً، فضربت القسم الأخير منها، بينما كان ينتظر عودة الطيارين الذين أقلعوا بالقسم الأول إلى مطارات المملكة العربية السعودية، فحطمت 18 طائرة "اليوشن"، كانت تقف قرب الممر على أهبة الاستعداد للإقلاع.

وبانتهاء مرحلة التمهيد الجوي للغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي مساء 3 نوفمبر، كتب الجنرال "كيتلي" في سجل الحرب يقول: "إن مهمة شلّ وتدمير القوات الجوية المصرية قد تمت بنجاح. وقد صدرت التوجيهات للمارشال الجوي "بارنيت" بتحويل غالبية المجهود الجوي الأنجلو ـ فرنسي، من ضرب المطارات وعناصر الدفاع الجوي المصري إلى الأهداف العسكرية الأخرى".

وظل المارشال "بارنيت" يطلق قاذفاته لضرب عُقد المواصلات الحديدية والطرق البرية، وأرتال المدرعات، والمركبات، ومرابض النيران، والمعسكرات حول القاهرة، ومنطقة القناة. وعندما أصدرت رئاسة الوزراء البريطانية أمرها بالاقتصار على القنابل زنة 250 رطلاً فقط لتجنب إيقاع الضرر الشديد بالمدنيين المصريين، انصاع "بارنيت" على مضض، بينما اعترض الجنرال "ستوكويل" القائد العام للغزو البري.

وكانت الموجة الأخيرة التي أطلقها "بارنيت" في نهاية الضربة الجوية ضد الإسكندرية لأغراض الخداع وجذب أنظار القيادة المصرية بعيداً عن الاتجاه الرئيسي للغزو ببورسعيد إلى منطقة الإسكندرية التي هاجمتها الطائرات الأنجلو ـ فرنسية بشدة ليلة 3 نوفمبر، لتحقق ذلك الغرض الخداعي المحض.

2. توحيد الجبهة غرب القناة

في الساعة العاشرة مساء 31 أكتوبر انتهى اجتماع الرئيس عبد الناصر بالقادة العسكريين، وأصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية توجيهات عمليات، تلخصت في الآتي:

أ. نقل المجهود الرئيسي للقوات المسلحة إلى غرب قناة السويس، بهدف التمسك بمنطقة بورسعيد ـ الإسماعيلية ـ السويس، على أن يتم ذلك قبل أول ضوء 2 نوفمبر.

ب. تخلي القوات المسلحة شبه جزيرة سيناء إخلاءً تاماً، وتعود إلى الضفة الغربية للقناة، كما تتخذ الإجراءات الفورية لسحب القوات التي تدافع عن قطاع غزة، ورفح، والعريش، وشرم الشيخ، وكذا القوات المدرعة، واحتياطات القيادة الشرقية.

ج. تنتقل الفرقة 4 المدرعة والمجموعة الثانية المدرعة إلى غرب القناة، لتُوضع في الاحتياطي الإستراتيجي للقوات المسلحة.

د. تقتصر أعمال الدفاع الجوي على المدفعية المضادة للطائرات وتدابير الدفاع الجوي السلبي.

هـ. تنقل الطائرات إلى المطارات الجنوبية، توطئة لإخلائها إلى قواعد جوية صديقة خارج البلاد.

و. تقتصر أعمال القوات البحرية على تنظيم الدفاع الساحلي في البحر المتوسط وخليج السويس، مع القيام بدوريات استطلاع بحري داخل المياه الإقليمية.

ز. تنظّم قوى النضال الشعبي المسلّح تحت إشراف القيادات والمناطق العسكرية، وتركّز جهودها للدفاع عن المدن والقرى لآخر طلقة.

وقد بدأ تنفيذ تلك التعليمات، حيث راحت القوات المصرية في سيناء تتخلّص من القتال تحت أشد الظروف المعاكسة، وترتد على طريقين مُعَرضين تماماً لغارات العدو، وتحف بهما الكثبان والرمال الناعمة التي لا تصلح للسير عبرها، وتعتبر أهداف مثالية لطائرات العدو، فإذا ما نجحت في الوصول إلى القناة فلن تجد سوى كوبري واحد وبعض المعديات القليلة، لتعبر إلى الضفة الغربية.

وكانت أبرز نقاط الضعف في عملية إخلاء شبه جزيرة سيناء من القوات المسلحة الآتي:

أ. عدم توفر جماعات النسف المدربة على تدمير المستودعات الرئيسية في مناطق "البردويل"، و"وادي غزال"، مما تركها لقمة سائغة للعدو.

ب. ضعف ضبط وربط التحركات على طريقي الانسحاب وخاصة عند المضايق والمعابر، مما كان له تأثير شديد على تدفق التحركات غرباً، وتسبب في وقوع خسائر كثيرة في الأفراد والأسلحة والمعدات.

ج. إهمال بعض القادة تنظيم انسحاب قواتهم، طبقاً للأسلوب المعتمد، وتَرك القليل منهم وحداته، وانطلق نحو الإسماعيلية أو القاهرة منفرداً.

د. عدم استغلال ساعات الظلام على الوجه الأكمل في تنفيذ تحركات الانسحاب.

أمّا حاميات قطاع غزة، ومنطقة خليج العقبة، فلم يتم سحبها، وظلت في أماكنها حتى وقع أغلبها في الأسر.

3. إعادة تنظيم الأوضاع لتحقيق الاتزان الإستراتيجي للدفاع

استعداداً لانتقال قوات سيناء إلى غرب القناة، أعيد تقسيم القطاعات الدفاعية داخل المثلث الحيوي بورسعيد ـ السويس ـ العباسة، وجُهزت الخطط لاحتلال الدفاعات لمقابلة الغزو البحري المنتظر، وأخذت منطقة قناة السويس تتطور بسرعة كبيرة، بهدف تحقيق الاتزان الإستراتيجي للدفاع عنها.

وفي الساعة السادسة من صباح 4 نوفمبر، استقرت أوضاع الجبهة الجديدة على امتداد قناة السويس، على الوضع التالي:

أ. تركيز الدفاع عن المدن والهيئات الحيوية، مع توفير الكفاية الذاتية القتالية والإدارية لكل مدينة أو هيئة حيوية، لتصبح جزيرة دفاعية قادرة على المقاومة لمدة طويلة، مع تزويدها بعناصر هجومية، تستطيع شن الأعمال الهجومية المفاجئة ليلاً لشغل العدو، وإيقاع أكبر قدر من الخسائر بقواته ومعداته.

ب. وقد قسمت جبهة القناة إلى قطاعين رئيسيين، اشتمل القطاع الشمالي منهما على المنطقة الممتدة من بورسعيد، حتى قرية فايد (داخل)، بينما اشتمل القطاع الجنوبي على المنطقة من فايد (خارج) حتى "بير عديب" (داخل).

ج. كما جهّز قطاع فرعي في منطقة العباسة بمؤخرة الجبهة، لمنع العدو من التقدم نحو القاهرة، والعمل كقاعدة للدوريات بعيدة المدى في اتجاه الإسماعيلية أو المطرية حسبما تسنح الفرصة.

د. احتشدت حول القاهرة الفرقة الرابعة المدرعة، والفرقتان الثانية والثالثة المشاة، ووحدات من جيش التحرير الوطني، وقوات الدفاع الشعبي.

هـ. وانتقلت القيادة الشرقية من الإسماعيلية إلى الزقازيق خلف خط الدفاع الثاني.

إن قرار توحيد الجبهة غرب القناة أنقذ قوات سيناء من موقف بالغ الخطورة، فيما لو استمرت في مواقعها حتى نزلت قوات الغزو الأنجلو ـ فرنسي، وقطعت خط الرجعة على تلك القوات على امتداد قناة السويس، الأمر الذي لو تحقق كما كانت تأمل خطة العدوان لأصبحت القاهرة عاصمة الدولة مفتوحة أمام قوات الغزو لتحتلها وقتما تشاء، فضلاً عما يترتب من عزل قوات سيناء عن قواعدها بالدلتا من أخطار جسيمة.

رابعاً: الموقف العام في سيناء يوم 31 أكتوبر

مازالت مجموعة اللواء 6 المشاة تتشبث بدفاعاتها في "أم قطف" وتحبط هجمات مجموعة اللواء 10 المشاة و37 الميكانيكي الإسرائيليين المتكررة من الجنوب والخلف، وكذا هجمات مجموعة اللواء 77 المدرع واللواء 4 المشاة من الأمام.

وبالمثل تكرر صد وإحباط مجموعة اللواء 202 المظلات على مدخل ممر "متلا" الشرقي، ونجحت مجموعة اللواء 2 المشاة في قفله بينما كان اللواء 9 مشاة الميكانيكي يتحرك من "بئر هاركيمر" في اتجاه "الكونتلا" ليؤمن ظهر مجموعة اللواء 202 المظلات، ثم يتأهب بعدئذ لمواصلة الاندفاع جنوباً بمحاذاة ساحل خليج العقبة، للاستيلاء على منطقة "شرم الشيخ" كختام لمراحل خطة "قادش" المعدلة.

أما مجموعة اللواء 5 المشاة المتمركزة في "رفح"، فلم تبذل المجموعة 77 عمليات أي نشاط قتالي أمامها طيلة يوم 31 أكتوبر، بعد أن أتمت الحشد حول مستعمرات الحدود.

وقبل أن تغرب الشمس كانت القيادة العامة المصرية قد سيطرت على الموقف في سيناء، واستعدت لشن الضربة المضادة الرئيسية بالاحتياطات التعبوية والإستراتيجية، التي كانت تدخل وقتئذ مناطق التجمع الأمامية في شرق سيناء وتتأهب لبدئها مع أول ضوء الغد.

وبهذا لم تتجاوز الأعمال العدائية الإسرائيلية طيلة الساعات السبع والأربعين الماضية من لحظة إسقاط المظلات بممر "متلا" مجرد خلق الذريعة للعدوان الأنجلو ـ فرنسي، إلي جانب تورط مجموعة العمليات 38 في قتال خاسر في منطقة "أم قطف" و"القسيمة".

خامساً: مظاهر تبعث على الارتياب

لم تكن إدارة القتال في سيناء هي كل ما يشغل بال القيادة الشرقية بالإسماعيلية، ولا القيادة العامة بالقاهرة، فقد شعرتا مع أول ضوء 30 أكتوبر أن أموراً غير عادية تجري في مسرح العمليات، وعن كثب منه في البحرين المتوسط والأحمر تبعث على القلق والحذر الشديد، إلى جانب النشاط المحموم الذي تبذله حكومتا بريطانيا وفرنسا داخل أروقة مجلس الأمن، وفي كل من جزيرتي مالطة وقبرص حيث راح قنصل مصر يرسل المعلومات المتتالية عما احتشد في الجزيرة من قوات برية وطائرات وسفن من أشكال وأحجام مختلفة، تبعث على الارتياب فيما تقصده من أعمال في المستقبل القريب.

وكان من أبرز المظاهر الداعية إلى ذلك الارتياب ما يلي:

1. إن النشاط الجوي المعادي فوق سيناء ومنطقة القناة خلال يومي 30 و31 أكتوبر يزيد على قدرة إسرائيل منفردة، فالمرجح أن هناك قوات من خارج مسرح العمليات تتعاون معها.

2. إن الأسطوليين البريطاني والفرنسي اتخذا أوضاعاً على مشارف مياه مصر الإقليمية تكشف عن حالة حصار بحري.

3. إن المدمرة الفرنسية "سانت كير" اعترضت فجر 31 أكتوبر الفرقاطة "إبراهيم الأول" في عرض البحر، وأطلقت عليها نيرانها دون أي استفزاز من جانب تلك الفرقاطة.

4. إن التحركات الأنجلو ـ فرنسية على امتداد حوض البحر المتوسط زادت بدرجة ملفتة للنظر.

5. إن المناورات السياسية الأنجلو ـ فرنسية داخل مجلسيهما التشريعيين تفصح عن محاولات تقنين لعدوان تعتزم الحكومتان القيام به قريباً.

6. إن محاولات بريطانيا وفرنسا عرقله أعمال مجلس الأمن بالنسبة للنظر في أمر العدوان الإسرائيلي على مصر، واستخدامهما حق الفيتو مرتين متتاليتين لشل قرار إيقاف العدوان الإسرائيلي يبين مدى الانحياز التام بجانب إسرائيل.

7. إن الدعايات المضادة التي تطلقها إذاعة بريطانيا من قبرص بلغت درجة شديدة من الحدة لتأليب العالم عليها.

8. إن الإنذار الأنجلو ـ فرنسي يطالب مصر بالانسحاب غرب القناة، ويهدد بضربها واحتلال أراضيها إذا لم تنصاع له، بينما يسمح لإسرائيل أن تواصل التقدم، فتحتل مزيداً من أرض مصر على مشارف القناة التي تزعم الحكومتان حرصهما على سلامتها وتطالب بإبعاد الطرفين المتحاربين عن ضفتيها.

وظلت تلك الشكوك والريبة تتراكم أمام القيادة المصرية حتى الساعة الرابعة عصراً، عندما تحول الشك إلى يقين فوجدت أنه لم يعد من الصواب استمرار دفع القوات داخل أعماق سيناء حتى لا يحدث عدم توازن إستراتيجي على الاتجاه المحتمل للغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي، والذي يؤدي مباشرة إلى القاهرة.

ولم تكن مصر تملك وقتها ما يكفي من القوات لاستمرار إدارة الأعمال الدفاعية في سيناء، والدفاع عن قناة السويس ضد غزو بحري قد يقع عليها. وبعد تقدير الموقف، قررت القيادة السياسية وقف كافة التحركات الأمامية في سيناء، وعودة القوات إلى الضفة الغربية للقناة، قبل أن يقطع الغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي خط الرجعة عليها، وحتى تشارك في تعزيز الدفاعات هناك.

وفي الساعة السابعة مساءً بتوقيت القاهرة يوم 31 أكتوبر، بعد أربع وعشرين ساعة من تسليم الإنذار وثلاث عشر ساعة بعد انقضاء أجله، بدأت قاذفات القنابل التي أقلعت من مالطة وقبرص في صب حمولتها على مطار غرب القاهرة والقواعد الجوية المصرية الأخرى. وتم تحذير سكان القاهرة من الغارات من خلال محطة إذاعة بريطانيا في قبرص، ومن خلال المنشورات التي ألقتها الطائرات.

وتمثلت مهمة القاذفات في قصف ممرات القواعد الجوية لشل حركة المقاتلات المصرية التي تكفلت طائرات حاملات الطائرات بتدميرها. وطوال اليومين التاليين، قصفت مائتا طائرة من طراز "كامبرا" و"فينو" و"فالانت"، وأربعين طائرة فرنسية من طراز "ثندرستريك"، أهدافاً اقتصادية في مصر ودمرت معظم طائرات القوات الجوية المصرية وهي رابضة على الأرض في مستهل فترة التمهيد الجوي للغزو البحري.

وفي نفس الوقت كانت سفن الغزو تغادر موانئ جبل طارق ومالطة وقبرص في طريقها إلى بورسعيد، حيث اعتزم قائدها العام احتلال رأس شاطئ بورسعيد لتنطلق منه القوات صوب الإسماعيلية والسويس في المرحلة الأولى، ثم إلى القاهرة بعد ذلك لإسقاط نظام الحكم فيها.

وكأنما أعطت قنابل الطائرات الأنجلو ـ فرنسية إشارة البدء لقوات إسرائيل لتستأنف أعمالها العدوانية في سيناء، إذ اندفعت للتو مجموعة اللواء 7 المدرع لتشن هجوماً مركزاً ضد مؤخرة دفاعات "أم قطف". ثم تلتها مجموعة العمليات 77 بهجوم ليلي صامت على دفاعات مجموعة اللواء 5 المشاة في "رفح". كما قامت كل من رئاسة الأركان العامة وقيادة المنطقة الجنوبية أيضاً بتعزيز تلك الهجمات بقوات جديدة، دفعتها للقتال لرفع معدلات الهجوم الذي لم يكن يصادف حتى تلك اللحظة سوى الفشل وصمود الدفاعات في وجهه في كل مكان. وبعد أن وضعت قيادة المنطقة الجنوبية مجموعة اللواء 37 مشاة ميكانيكي في الاحتياطي القريب، دفعت مجموعة اللواء 9 مشاة ميكانيكي لتعبر الحدود عند "الكونتلا" متجه إلى "رأس النقب"، ثم لتواصل التقدم على امتداد ساحل خليج العقبة الغربي إلى منطقة "شرم الشيخ" لتحتلها وتفتح المضيق للملاحة الإسرائيلية.

سادساً: أحداث القتال يوم الخميس 1 نوفمبر

1. على الاتجاه التعبوي الجنوبي

استمرت مجموعة اللواء 2 المشاة حتى الساعة الثامنة مساء 31 أكتوبر في قفل المدخل الشرقي لممر "متلا"، في وجه محاولات اختراقه بمجموعة اللواء 202 المظلي، ثم انتقلت تحت ستر الظلام إلى المدخل الغربي للممر كمرحلة أولى من مراحل تنفيذ قرار توحيد الجبهة.

2. على الاتجاه التعبوي الشمالي

تعرضت مجموعة اللواء 5 المشاة منذ الساعة الثالثة يوم 1 نوفمبر لهجوم رئيسي من مجموعة العمليات 77 بعد تمهيد نيراني كثيف، اشترك فيه الأسطول الفرنسي من البحر بالطراد "جورج ليجوس" الذي أطلق نحو 400 قذيفة عيار 152 ملليمتر لتكثيف نيران المدفعية الإسرائيلية للهجوم. وقبل أول ضوء، كانت دفاعات "رفح" قد اخترقت جزئياً، وبدأت مجموعة اللواء 5 المشاة ترتد غرباً نحو "العريش"، ونجحت في إخلاء دفاعاتها تماماً حوالي الثامنة والنصف صباحاً. ثم قامت قيادة الفرقة 3 المشاة ومجموعة اللواء 4 المشاة بالانسحاب من "العريش" إلى غرب القناة تحت ستر بعض الأعمال التعطيلية في منطقة الكيلومتر 38، و"الريسه" علي الطريق الشمالي، و"بئر لحفن" على الطريق العرضي الذي يصل بين الطريقين الشمالي والأوسط.

3. منطقة مدخل خليج العقبة

عقب استلام قائد المنطقة أمر الانسحاب إلى الضفة الغربية للقناة قام بتقدير موقفه، واقترح على القيادة العامة أن يستمر في مكانه لمواجهة الهجوم الإسرائيلي المتوقع رغم الظروف المعاكسة التي تحيط به، وقد وافقته القيادة العامة على ذلك.

4. الاحتياطات التعبوية والاستراتيجية

أتمت قيادة الفرقة 4 المدرعة والمجموعة 2 المدرعة ومجموعتي اللواءين 426 و 300 من جيش التحرير الوطني والألاي الثاني استطلاع عبور قناة السويس للضفة الغربية، واتخاذ المواقع المحددة لها. كما انتقلت المجموعة الأولى المدرعة ومجموعة اللواء الثالث المشاة واللواء 99 المشاة الاحتياطي إلى منطقة "بئر الجفجافة"، ثم بدأت مع آخر ضوء في استكمال التحرك صوب الإسماعيلية.

في صباح هذا اليوم أصدرت القيادة العامة أمراً بغلق المجرى المائي للقناة، وسرعان ما تم إغراق السفينة "عكا" المحملة بالأسمنت في أضيق مكان بالمجرى جنوب بحيرة "التمساح" مباشرة. ثم تتابع إغراق السفن في الأجزاء الأخرى من القناة حتى تجاوز عددها الخمسين. ثم أعلن راديو القاهرة في الساعة الثانية والنصف عصراً أن الملاحة قد توقفت في القناة، ورغم أن هذا البلاغ أفقد العدوان الأنجلو ـ فرنسي ذريعة التدخل لحماية استمرار الملاحة في القناة .. فإن الأسطول الأنجلو ـ فرنسي استمر في تحركه نحو شاطئ الغزو "ببورسعيد".

وحوالي الساعة الخامسة مساءاً، صدرت الأوامر من القيادة العامة بتحرك الفرقة 4 المدرعة إلى القاهرة، وكذا الفرقة الثالثة المشاة، فلم يعد لدى القيادة الشرقية ذلك الاحتياطي التعبوي الذي تستند إليه خطة الدفاع عن منطقة قناة السويس، مما دفعها إلى تعديل خطتها لمواجهة هذا الموقف الجديد بالإضافة إلى زوال فرص القتال المتحرك، بعد أن أحرزت قوات العدوان الثلاثي السيادة الجوية في سماء مسرح العمليات.

5. المعارك البحرية

أحكمت الأساطيل الأنجلو ـ فرنسية حلقة الحصار حول سواحل مصر على البحرين المتوسط والأحمر، وأوقفت الملاحة البحرية من وإلى موانئ مصر. كما اشترك الأسطول الفرنسي في قصف دفاعات "رفح" لمعاونة هجوم مجموعة العمليات 77 عليها، واعترض الطراد البريطاني "نيو فوند لاند" الفرقاطة "دمياط"، وأغرقها أمام "رأس غارب" في خليج السويس.

وتمكنت الفرقاطة "رشيد" من الخروج من مرسى "شرم الشيخ" في الساعة الخامسة عصراً واختراق الحصار المضروب حولها بالطراد "نيو فوند لاند" والمدمرتان "كرين" و"ديانا" البريطانيتين والمدمرة "جازيل" الفرنسية، ونجحت في الوصول سالمة إلى مرسى "شرم الوجه" بالشاطئ السعودي حوالي الحادية عشرة يوم 2 نوفمبر.

وانقضت الطائرات الفرنسية على المدمرة "الناصر" والفرقاطة "طارق"، منتهزة فرصة انشغالهما في تنظيم عملية ترحيل رعايا الولايات المتحدة الأمريكية على السفن الأمريكية، فنشبت معركة جو/بحرية فيما بين الساعة السابعة والربع والعاشرة والثلث صباحاً، دون أن تتمكن الطائرات من إصابة السفينتين.

6. الأعمال الجوية

انتقلت الطائرات التي نجت من الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية إلى مطارات أخرى في عمق مصر بينما توجه البعض الآخر إلى مطارات صديقة بالدول العربية في الشرق والجنوب.

ركزت القوات الجوية المعادية غاراتها، حيث حاولت الطائرات الإسرائيلية شل وإرباك ارتداد القوات البرية المصرية من سيناء إلى الضفة الغربية للقناة، وعاونتها الطائرات الأنجلو ـ فرنسية في تلك المهمة. فضلاً عن استمرار قصف بعض الأهداف الحيوية في منطقة القناة وغرب وجنوب الدلتا.

المبحث السابع: يوميات العدوان من 2 نوفمبر حتى انهيار محور التواطؤ

يوميات العدوان من 2 نوفمبر حتى انهيار محور التواطؤ

أولاً: أحداث القتال يوم الجمعة 2 نوفمبر

1. القوات المصرية

أتمت إخلاء سيناء طبقاً لقرار توحيد الجبهة غرب قناة السويس، بينما ظلت قوات "شرم الشيخ" تحتل دفاعاتها في انتظار وصول قوات العدو البرية إلى المنطقة لصدها وتدميرها. أما قوات قطاع غزة فلم يكن أمامها إلا أن تتشبث بمواقعها الدفاعية، نظراً لأن وضع القطاع الجغرافي لا يسمح لها بالانسحاب بعد أن احتل العدو منطقة "رفح".

التزاماً بسرد الحقائق حلوها ومرها .. فإن أسلوب انسحاب القوات المصرية من سيناء شابه الكثير من الفوضى والخروج عن التكتيك المعتمد في كافة المدارس العسكرية، بالقدر الذي جعل معظم التحركات التي تمت لتنفيذه تأخذ صورة التقهقر المشوب بالانهيار، وليس الانسحاب المنظم في مراحل محددة من خط أمامي إلى خط خلفي على نحو ما يقضي به العرف العسكري.

وفي منطقة قناة السويس، ركزت عناصر الدفاع الجوي جهودها لحماية المعابر القليلة من خطر الغارات الأنجلو ـ فرنسية العنيفة التي حاولت تدميرها لتقطع خط الرجعة على القوات المنسحبة من سيناء، حتى تلحق بها القوات البرية الإسرائيلية وتدميرها طبقاً لما اتفق عليه في بروتوكول "سيفر".

وبمجرد أن أكملت قوات سيناء العبور إلى الضفة الغربية، قام المهندسون العسكريون بنسف تلك المعابر وسد قناة السويس في وجه الغزو البحري الوشيك كدرس مستفاد من عدوان عام 1882، وما تضمنه من وعود "ديليسبس" لـ"عرابي" بعدم السماح للجنرال "ولسلي" بالدخول بسفنه عبر القناة لغزو مصر، وما ترتب على ذلك من دخول تلك السفن، ونجاح القوات المعتدية في احتلال مصر.

أما في منطقة القناة فقد استمرت قيادة المنطقة الشرقية في تنظيم الدفاع والسيطرة على التحركات إلى المواقع الجديدة، تنفيذاً لقرار توحيد الجبهة غرب القناة. كما استمرت القيادة العامة في السيطرة على عملية إعادة تجميع الاحتياطي الإستراتيجي من القوات التي أخلت سيناء. وبنهاية هذا اليوم كانت الطائرات التي سلمت من الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية قد أتمت الانتقال إلى مطارات عربية صديقة مجاورة.

2. قوات العدوان الثلاثي

أ. القوات الإسرائيلية

ظلت مجموعة اللواء 202 المظلي ثابتة في أماكنها حول المدخل الشرقي لممر "متلا" لليوم الثاني، دون أن تشعر بانسحاب مجموعة اللواء 2 مشاة إلى غرب الممر. وفي الساعة الخامسة إلا الربع أُسقطت سريتا مظلات من هذا اللواء فوق مطار "الطور"، ثم نقلت إليه جواً من "إيلات" الكتيبة 112 من اللواء 12 المشاة الإسرائيلي تمهيداً لإحكام حلقة الحصار حول "شرم الشيخ".

حوالي الساعة الخامسة صباحاً، بدأت مجموعة اللواء 9 المشاة الميكانيكي التقدم من "رأس النقب" نحو "عين الفرطاجة" الواقعة إلى الغرب من "واسط".

في منطقة "أم قطف" اخترقت قوات مجموعة العمليات 38 الدفاعات بعد قصف جوي وتمهيد نيراني عنيف ضد الخنادق الخالية. واصطدمت مجموعة اللواء 27 الميكانيكي المندفعة صوب قلب الدفاعات من جهة الغرب بمجموعة اللواء 7 المدرع المندفعة إليها من الشرق، فدارت بينهما معركة تصادمية حامية أسفرت عن تدمير ثمان دبابات، قبل أن تتدخل الطائرات الإسرائيلية وتنبهها إلى هذا الخطأ الجسيم، الذي يعود سببه إلى نجاح مجموعة اللواء 6 المشاة المصرية في الانسحاب من "أم قطف"، دون أن يشعر بها العدو. وقد اهتمت رئاسة الأركان الإسرائيلية بهذا الحادث واستنبطت منه الدروس المستفادة التي تكفل عدم تكراره في المستقبل، وهو الأمر الذي لم يفعل الجانب المصري مثله، مما تسبب في وقوعه في نفس الخطأ أكثر من مره.

ودخلت قوات مجموعة العمليات 77 بلدة " العريش"، بعد أن أخلتها مؤخرة مجموعة اللواء 4 المشاة وقيادة الفرقة الثالثة المشاة، بينما كانت مجموعة اللواء 12 المشاة المدعمة تهاجم القسم الشمالي من قطاع غزه، وتقتحم البلدة ثم تندفع منها جنوباً نحو "خان يونس"، حيث توقفت أمامها عند آخر ضوء.

ب. القوات الأنجلو ـ فرنسية وردود فعل مصر

بينما كانت سفن الغزو تقترب حثيثاً من ساحل بورسعيد، أتسع مجال التمهيد الجوي المركز ضد مصر فشمل أهدافاً مدنية أيضاً، بعد أن تأكدت القيادة الأنجلو ـ فرنسية بقبرص من خلو مسرح العمليات من الطائرات المصرية. وما إن قصفت هوائيات الإذاعة المصرية وأسكتت إرسالها حتى أعلنت إذاعة دمشق نداء "هنا القاهرة".

وكان أبرز أحداث يوم الجمعة 2 نوفمبر، ذهاب الرئيس عبد الناصر في موكب مكشوف ليلقي تلك الخطبة الشهيرة من فوق منبر الجامع الأزهر عقب الصلاة فكشف فيها عن حقيقة التواطؤ الثلاثي وأهدافه العدوانية، ووضع ميثاق النضال الشعبي لمقابلة الغزو الأنجلو ـ فرنسي، ومما جاء في خطبته:

"في هذه الأيام التي نكافح فيها من أجل حريتنا وشرف الوطن، أحب أن أقول لكم إن مصر كانت دائماً مقبرة الغزاة. بعد الغارة الأولى الأنجلو ـ فرنسة التي حدثت ليلة الأربعاء الماضي صرنا نحارب في جبهتين. جبهة إسرائيل على الحدود الشرقية، وجبهة الاستعمار الأنجلو ـ فرنسي في القناة. وكان لابد أن نتخذ قراراً سريعاً وحاسماً لإحباط خطة العدو، إذ كان الغرض من جذب القوات المسلحة المصرية إلى سيناء هو أن تصل القوات الأنجلو ـ فرنسية إلى القناة، فأصدرت الأمر للقائد العام للقوات المسلحة بسحب جميع القوات المصرية من سيناء إلى غرب قناة السويس، حتى تكون بجانب الشعب لملاقاة الاستعمار".

" لقد تم سحب قواتنا من سيناء وتركنا قوةً انتحارية هناك، ورجعت جميع قواتنا إلى القناة والدلتا، ونحن في انتظار الإنجليز والفرنسيين".

"سأقاتل معكم ضد أي غزو ... سنقاتل إلى أخر نقطة دم ... لن نستسلم أبداً، وسنبني بلداً وتاريخاً ومستقبلاً، سنجاهد ونقاتل وننتصر بإذن الله".

وقد ألهبت تلك الخطبة التاريخية المشاعر الوطنية في الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، واستجابت جماهير مصر للنداء فهبت تجاهد وتقاتل لتنتصر بعون الله، ولتبني بلداً وتاريخاً ومستقبلاً.

ثانياً: أحداث القتال يوم السبت 3 نوفمبر

1. القوات المصرية

اقتصر أعمال قوات منطقة "شرم الشيخ" على تعديل أوضاع مواقعها الدفاعية، بهدف تركيز الدفاع عن منطقة "شرم الشيخ" فقط، بعد أن سيطر العدو على "الطور" واحتلها بنحو كتيبة ونصف مشاة، فقطع خط الرجعة على قوات "شرم الشيخ" إلى الضفة الغربية للقناة، فضلاً عن عدم كفاية القوات المتيسرة لتأمين الدفاع عن "رأس نصراني"، حيث توجد المدفعية الساحلية التي تقفل "الخليج ـ وشرم الشيخ" معاً.

غير أن هذا التعديل أدى إلى فقد أهم دعائم ثبات الدفاعات، بعد أن فقد العمق اللازم للمناورات العرضية. وكان من الصواب أن تستغل طبيعة الأرض الملائمة للقتال التعطيلي وبث الكمائن وإقامة الموانع التعطيلية على امتداد "وادي كيد" الشديد الوعورة، وكذلك "وادي خشبى" الكثير الانحناءات، لتكبيد العدو أفدح الخسائر، لا سيما وقد بعد عن قواعده الرئيسية بمسافات شاسعة وأنهكه التحرك الطويل فوق أرض بالغة الوعورة.

وفي قطاع "غزة"، أدارت عناصر الفرقة الثامنة حرس حدود فلسطين معركة دفاعية ضد مجموعة اللواء 12 مشاة إسرائيلي، وقاتل جنودها جنباً إلى جنب أهالي بلدة "خان يونس" بضراوة حتى النهاية.

وفي منطقة قناة السويس، التحمت جماهير الشعب التي وزعت عليها الحكومة الأسلحة مع الجنود، وراح الجميع يجهزون الدفاعات. كما بدأ احتياطي القيادة الشرقية يقيم خط الدفاع الثاني حول بلدة "العباسة".

2. القوات الإسرائيلية

بدأت مجموعة اللواء 202 المظلي التقدم داخل ممر "متلا" الذي أخلته القوات المصرية، فوصلت إلى مدخله الغربي بعد 115 ساعة من إسقاط الكتيبة 890 المظلية في "صدر الحيطان"، حيث دفعت بعض عناصرها إلى "رأس سدر" و"الطور" على الساحل الشرقي لخليج السويس.

كما تابعت مجموعة اللواء 9 مشاة ميكانيكي التحرك صوب "رأس نصراني"، فاصطدمت بكمين قرب نهاية "وادي كيد" عطل تقدمها طيلة ليلة 3 / 4 نوفمبر.

وقد حقق اللواء 9 مشاة ميكانيكي بنجاحه في اجتياز سلسلة الأودية البالغة الوعورة فيما بين "رأس النقب" و"نبق" إنجازات لا تقل في قيمتها عن نجاحه في اجتياح دفاعات "شرم الشيخ". وكانت تلك الأودية الضيقة التي تحف بها المرتفعات الشاهقة من جانبها وتكثر بها التعاريج والثنايا الحادة التي توفر الكثير من الأماكن المثالية لبث الكمائن وزرع الألغام والشراك الخداعية، ولهذا فقد كان مثيراً للدهشة ألا تعمد قيادة منطقة "شرم الشيخ" إلى تنفيذ شئ من ذلك اللهم إلا كمين "وادي كيد" الذي عطل تقدم مجموعة اللواء 9 مشاة ميكانيكي رغم ضعف تكوينه. ثم أن هذه المجموعة باتت أكثر من ليلة في هذا الطريق الطويل، فلم ينتهز أحد تلك الفرص المتكررة لمباغته معسكرها تحت جنح الظلام.

وفي قطاع "غزة"، أتمت مجموعة اللواء 11 المشاة احتلاله، وبدأت في تطهير أماكن الفدائيين داخل القرى والأحراش وفرض الحكم العسكري على الأهالي.

3. القوات الأنجلو ـ فرنسية

بنهاية يوم 3 نوفمبر، تعرض مخطط العدوان الثلاثي إلى نكسة ثانية عندما اجتمع طرفان منه خفية عن الثالث، ليتفقا على احتلال القطاع الشمالي من قناة السويس، بأن تقوم إسرائيل بتأمين منطقة "القنطرة شرق"، لتسقط فرنسا عليها قوة من المظلات، وقد أرسل نائب القائد العام لقوات الغزو، إلى وزارة الدفاع الفرنسية من وراء ظهر القائد العام، بطلب إخراج كتيبتي مظلات من تحت القيادة المشتركة الأنجلو ـ فرنسية ليستخدمها في مخططه الثنائي.

وحاول "ديان" رئيس الأركان العامة تبسيط العملية فعرض على الملحق العسكري الفرنسي استخدام ساحل العريش للإبرار البحري الفرنسي، ثم التقدم صوب القنطرة فبورسعيد. ولم يوقف تلك المؤامرة الثنائية إلا قبول بريطانيا تقديم موعد الغزو البحري، لتبدأ مرحلة التمهيد الجوي فجر يوم 4 نوفمبر، بعد أن كانت تسوف وتؤجل تنفيذه خشية عواقبه.

ثالثاً: أحداث القتال يوم الأحد 4 نوفمبر

1. تصدعات في محور لندن ـ باريس ـ تل أبيب

تأثر الصراع منذ بدايته بأحداث دبلوماسية وسياسية متعددة واكبت معاركه، وتبلورت في ثلاث تصدعات متتالية في علاقات التعاون المشترك بين أطراف العدوان الثلاثي، أدت إلى إدخال بعض التعديلات على الخطط المتفق عليها مسبقاً، خاصة ما يتعلق منها بحجم وتوقيتات عملية الغزو البحري وأماكن عمل القوات المكلفة به.

وكان السبب وراء تلك التصدعات اختلاف كل طرف من أطراف العدوان الذي التأم شملهم للقيام به، وقد حمل برتوكول "سيفر" جرثومة تلك التصدعات منذ البداية، ثم اتسع الشرخ حتى كاد يبلغ حد التمزق في ثلاث مناسبات متتالية.

وقد حدث التصدع الأول صباح 31 أكتوبر عندما لم تقع الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية في موعدها المتفق علية "بسيفر".

ثم حدث التصدع الثاني في ظلام ليلة 3 نوفمبر، عندما سعت فرنسا وإسرائيل إلى العمل في خفية عن الشريك الثالث في الإسراع بالغزو البحري صباح 4 نوفمبر.

أما التصدع الثالث والأكثر خطورة والأبعد أثراً، فقد جاء من قِبل إسرائيل عندما قبلت في الساعة الثامنة والنصف من مساء 4 نوفمبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، تحت ضغط الولايات المتحدة الأمريكية المتزايد، والتلويح بفرض العقوبات الاقتصادية علي إسرائيل إذا لم توقف القتال فوراً. ولما كان "بن جوريون" قد حقق أكثر أهدافه من العدوان باحتلال سيناء الشمالية وقطاع غزة، فقد فاجأ حليفيه بقبول القرار دون أن يكلف نفسه عناء إخطارهما بذلك، فوضعهما في موقف بالغ الحرج، إذ كيف يستمرا في إدعاء أن تدخلهما في النزاع ينبع عن رغبة صادقة للفصل بين إسرائيل ومصر ووقف القتال الدائر بينهما، إذا كانت إسرائيل ومصر قد قبلتا وقفه فعلاً!.. وكانت تلك اللطمة الانتهازية كافية لتمزيق عرى التواطؤ الثلاثي، لولا أن انبرى "جي موليه" رئيس وزراء فرنسا بمعاتبة "بن جوريون"على فعلته. التي وضعت شريكيه في موقف ملؤه السخرية، ثم أن إسرائيل وإن كانت قد حققت أكثر أهدافها وقتذاك، فإنها لم تستكمل بعد أثمن أهدافها وهو احتلال منطقة "شرم الشيخ" لفتح خليج العقبة لسفنها. وقد أحسن "موليه" الضرب على الوتر الحساس، فكان أن تراجع "بن جوريون" وأمر مندوبه الدائم في الأمم المتحدة أن يضيف إلى نص بيانه الرسمي بقبول وقف النيران فقرة واحدة، تحمل ثلاث شروط هي:

أ. أن تقبل مصر الدخول مع إسرائيل في مفاوضات مباشرة للسلام.

ب. أن تعد مصر برفع حصارها الاقتصادي عن إسرائيل.

ج. أن توقف مصر أعمال الفدائيين العرب ضد إسرائيل إلى الأبد.

وتلقى"موليه" و"إيدن" هذه الإضافة المكشوفة بالارتياح والامتنان، فأصدرا أوامرهما للجنرال "كيتلي" بالاستمرار في تنفيذ العدوان طبقاً لخطة "الفرسان النهائية المعدلة".

2. القوات المصرية

أصدرت القيادة الشرقية أمرها بتعزيز منطقة بورسعيد بعناصر من المدفعية المضادة للطائرات، ومدفعية الميدان الصاروخية وعناصر من الفدائيين، إلى جانب تعزيز المضايق الواقعة جنوب بورسعيد بقوات من المشاة، كما أمرت بنسف وإغراق عدة منشآت في ميناء بورسعيد وكان اللافت للنظر أنها لم تعمل أي إجراءات لزرع ألغام في ساحل الغزو المحتمل، أو أقامت موانع بحرية أو برية فيه، مما جعل قوات الغزو تجتازه دون خسائر تقريباً.

وعلى الطرف الآخر من قناة السويس، أمرت القيادة الشرقية بدعم منطقة السويس بكتيبة مشاة من اللواء 99 المشاة الاحتياطي. ويتضح من ذلك أنها لم تكن حتى هذا الوقت المتأخر، قد تمكنت من تحديد اتجاه الغزو البحري، الذي كان وقتها على مشارف شاطئ الغزو المنتخب، ولو قامت طائرة أو سفينة أو حتى زورق استطلاع بجولة أمام ساحل مصر على البحر المتوسط، لظهرت سفن الغزو الكثيرة والمتعددة الأنواع وهي تمخر مياهه في اتجاه رأس الشاطئ بجلاء لا تخطئه العين. وحدثت معركة بحرية شمال فنار "البرلس"، بين ثلاثة لنشات طوربيد مصرية، وبعض قطع الأسطول البريطاني غير أن طائرات العدو أغرقت تلك اللنشات.

3. القوات الإسرائيلية

قامت مجموعة اللواء 9 المشاة الميكانيكي بعد قصف دفاعات "رأس نصراني" باقتحام المواقع الخالية، التي انتقلت منها القوات المصرية إلى "شرم الشيخ" ثم تابعت القوات الإسرائيلية تقدمها جنوباً إلى أن اصطدمت بنقط القتال الخارجية لمنطقة "شرم الشيخ" الدفاعية، وبعد محاولة فاشلة لاقتحامها من الحركة، توقفت أمامها وراحت تعد لهجوم ليلي مدبر ضدها، إلا أن مصيره لم يكن أكثر حظاً من سابقه.

4. القوات الأنجلو ـ فرنسية

تحت الزعم بإجراء تجربة على تحميل السفن بقوات ومعدات الغزو، أصدر الجنرال "ستوكويل" قائد القوات البرية أمره ببدء عملية التحميل في الساعة العاشرة صباح 30 أكتوبر، التي انتهت في نفس لحظة انقضاض الطائرات "الكانبره"على مطارات مصر، وبهذا اختصر "ستوكويل" يوماً كاملاً في توقيتات الخطة "فرسان"، مما أتاح له أن يبكر بها من 8 إلى 7 نوفمبر. وكان أسطول الغزو البريطاني يمخر عباب البحر المتوسط شرقاً، بعد أن غادر مالطة خلال ليلة 31 أكتوبر، وذلك في نفس الوقت الذي غادر فيه أسطول الغزو الفرنسي الجزائر، ليلحق بالأسطول البريطاني في اليوم التالي، موعد مغادرة أسطول الغزو الثالث جزيرة قبرص لينضم إلى الأسطوليين يوم 6 نوفمبر قرب ساحل بورسعيد، حيث حشد 5 حاملات طائرات تحمل 250 طائرة قتال، و6 طاردات إحداها بالبحر الأحمر، و 17 مدمرة إحداها بالبحر الأحمر، و14 فرقاطة منها 2 بالبحر الأحمر، و7 غواصات، ونحو 250 سفينة مختلفة الأنواع بين ناقلة وقود وتموين وورشة وسفينة ركاب وسفينة بضائع وسفينة مساعدة.

وبينما كانت تلك الأساطيل الثلاثة تجدُ السير نحو شاطئ الغزو صباح 4 نوفمبر، كانت الطائرات الأنجلو ـ فرنسية تلين لها دفاعات رأس الشاطئ، وتقصف عقد المواصلات الحديدية، والمعسكرات، ومرابض نيران المدفعية المضادة للطائرات، وعدة أهداف أخرى.

وكانت حامية بورسعيد التي لم تتجاوز في شهر أكتوبر مجرد كتيبتين مشاة احتياط، وبطارية مدفعية ساحلية، وبعض المدافع المضادة للطائرات قد عُززت ـ بمجرد اكتشاف أهداف التواطؤ الثلاثي، وتوقع العدوان الأنجلو ـ فرنسي ـ بقوات إضافية، وصلتها يوم 4 نوفمبر، تشتمل على ثلاث كتائب حرس وطني، وكتيبة مشاه احتياط ثالثة، كما وصل إليها أيضاً أربعة مدافع اقتحام ذاتية الحركة من الأسلحة التي تم إخلاؤها.

وطيلة هذا اليوم، راحت إذاعات العدو تصب دعاياتها ضد شعب مصر ورئيس جمهوريتها، وتنذرهم بالويل والثبور. وكان أعجب ما حدث في هذا اليوم الذي شهد أعنف معركة دعائية في تاريخ الشرق الأوسط، أن أمسك مدير محطة إذاعة "صوت بريطانيا" في قبرص بالميكروفون، ليذيع على العالم الرسالة التالية: "أرجو أن يكون مفهوماً لدى المستمعين طبيعة الظروف التي نعمل في جوها، وأننا لا نوافق أبداً على كل ما يذاع".

رابعاً: أحداث القتال يوم الاثنين 5 نوفمبر

1. القوات المصرية

نسفت قوات الدفاع عن "بورسعيد" كوبري الجميل غرب المدينة إلا أن التجهيزات الهندسية وتوزيع القوات والأسلحة على النقط الحيوية برأس الشاطئ لم تتم على الصورة المنشودة، فضلاً عما سبق ذكره من أن إغفال زرع الألغام والموانع في ساحل الغزو أو المطارات والأراضي الصالحة للإبرار الجوي ونزول الطائرات الخفيفة أدى إلى سهولة تنفيذ عمليات المظليين، وسرعة استخدام الطائرات الأنجلو ـ فرنسية لمطار الجميل، والأراضي الصالحة لهبوطها وإقلاعها دون أي مجهود لتطهيرها.

2. القوات الإسرائيلية

عزم "موشي ديان" أن يطير بطائرة من طراز "داكوتا" إلى الطور، ثم إلى "شرم الشيخ" ليحضر أخر معارك جولة خريف 1956، ويتأكد من تنفيذ الهجوم على "شرم الشيخ" في هذا اليوم. فلم يبلغها، إلا بعد أن كانت مجموعة اللواء 9 المشاة الميكانيكي قد أتمت اجتياح دفاعاتها، واحتلال المنطقة، وذلك حوالي الساعة التاسعة والنصف ليلاً، حيث راح بعض الجنود المظليين يفتشون التلال المحيطة بالمنطقة بحثاً عن الشاردين ويجمعون الأسرى.

ولما كان رجال المدفعية الساحلية قد دمروا مدافعهم قبل الانسحاب من "رأس نصراني"، فقد زال سلاح قفل الخليج، وراحت السفن الإسرائيلية والتي تحمل بضائع لإسرائيل تعبر مضيق "الانتربرايز" البحري من وإلى "إيلات" التي انتعشت أحوالها وتحولت في بحر سنوات قليلة من قرية صغيرة إلى ميناء نشيط.

3. القوات الأنجلو ـ فرنسية (اُنظر ملحق الغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي)

استهل الجنرال "كيتلى" هجومه باقتحام جوي رأسي بالمظلات، فوق أسطح بعض المنشآت الحيوية "ببورسعيد" و"بور فؤاد"، بينما تعزل الطائرات الأنجلو ـ فرنسية ميدان المعركة غرب وجنوب المدينة، وتمنع القوات العسكرية وقوى الدفاع الشعبي من الاقتراب من مواقع إسقاط المظليين. ثم تمكن المظليون الفرنسيون في الساعة التاسعة صباحاً من الاستيلاء على كوبري "الرسوه" و"وابور المياه" جنوب المدينة، وقطعوا المياه عن "بورسعيد" و"بورفؤاد".

وفى الوقت نفسه، أتمت قوات المظلات البريطانية احتلال وتأمين مطار الجميل غرب المدينة، ثم أسقطت قوات إضافية أخرى بعد الظهر، كان قوامها من المظليين البريطانيين والفرنسيين أيضاً.

ومن الطريف ما كان يحدث وقتئذ برئاسة هيئة أركان الحرب المصرية خلال هذا الغزو، أن الفريق "محمد إبراهيم" رئيس الأركان، وقد كان زميلاً للجنرال "كيتلي" بدوره سابقة بكلية أركان الحرب بإنجلترا اعتاد كلما جاءه نبأ عن تحركات الغزو أن ينظر إلى خريطة الموقف العام وهو يردد القول... "والآن ماذا تعتزم أن تفعل يا زميل الدراسة اللدود ؟".

وفى الساعة الثانية والنصف عصراً حاولت القيادة التكتيكية لقوات الاقتحام الجوي، الرأسي إلى عقد اتفاق مؤقت مع العميد أركان الحرب "صلاح الدين صادق الموجي"، قائد قوات الدفاع عن بورسعيد بغرض تجميد الموقف وكسب الوقت، حتى تصل قوات الإبرار البحري صباح يوم 6 نوفمبر، طبقاً للخطة المعتمدة، وقد قبل "الموجي" وقف النيران المؤقت تحت شرط إعادة ضخ المياه للمدينة حتى لا تتعرض حياة الشيوخ والأطفال والنساء للخطر، ودفن الشهداء لتوقى انتشار الأوبئة الفتاكة بالمدينة، وكلها أسباب إنسانية يعمد إليها ألد الأعداء لتجنيب الأهالي المدنيين ويلات الحرب قدر الإمكان.

والحقيقة أنه لما سلم العميد "بتلر" في الساعة الخامسة والنصف شروط التسليم التي صاغها الجنرال "ستوكويل" على ظهر سفينة القيادة، رفضها "الموجي" للتو فاكتفى "بتلر" بمواصلة وقف النيران حتى الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً طبقاً للاتفاق الأول مع "الموجي".

وكان الرأي العام العالمي في مساء هذا اليوم قد أدان تلك الأعمال الأنجلو ـ فرنسية، ووصفها بالبربرية والحمق، ثم أصدر الماريشال "بولجانين ـ Niikolai Bulganin" رئيس الوزراء السوفيتي إنذاره (اُنظر ملحق الإنذار السوفييتي إلى إسرائيل) و (ملحق رسالة من المارشال بولجانين رئيس الوزراء السوفيتي، إلى بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل 5 نوفمبر 1956) و (ملحق رسالة من ن. أ بولجانين، رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي، إلي سير أنتوني إيدن رئيس وزراء المملكة المتحدة في 15 نوفمبر 1956) إلى كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، يدين فيه عدوانهم الآثم على مصر، ويحذرهم من مغبة تعرض السلام والأمن الدوليين للخطر، وكان مما جاء في إنذاره لإسرائيل ما يلي:

"إن الحكومة الإسرائيلية المجرمة التي تفتقر إلى الشعور بالمسؤولية، تتلاعب الآن بمصائر العالم وبمستقبل شعبها بالذات".

أما رسالته إلى بريطانيا وفرنسا فقد احتوت على الفقرة التالية:

"إن الحرب التي أثارتها بريطانيا وفرنسا واستخدامهما إسرائيل ضد مصر سيترتب عليها نتائج غاية في الخطورة بالنسبة للسلام العالمي، وإذا كانت تلك الحكومتين قد عمدتا إلى شريعة الغاب في عدوانهما على مصر فليتذكرا أنهما ليسا الوحشين الوحيدين في تلك الغابة".

ومع ما احتوته علية تلك الرسائل من تهديد سافر وتحذير شديد اللهجة، فالواقع أن إجراءات الولايات المتحدة الأمريكية التي لوحت بها لدول العدوان، كانت أشد تأثيراً عليها من الإنذار السوفيتي، وذلك لأن قطع المساعدات عنها على نحو ما لوح به الرئيس أيزنهاور، يترتب علية أوخم العواقب التي لا تستطيع تلك الحكومات أن تتحملها.

المبحث الثامن: النتائج والدروس المستفادة

يوميات العدوان من 2 نوفمبر حتى انهيار محور التواطؤ

أولاً: أحداث القتال يوم الجمعة 2 نوفمبر

1. القوات المصرية

أتمت إخلاء سيناء طبقاً لقرار توحيد الجبهة غرب قناة السويس، بينما ظلت قوات "شرم الشيخ" تحتل دفاعاتها في انتظار وصول قوات العدو البرية إلى المنطقة لصدها وتدميرها. أما قوات قطاع غزة فلم يكن أمامها إلا أن تتشبث بمواقعها الدفاعية، نظراً لأن وضع القطاع الجغرافي لا يسمح لها بالانسحاب بعد أن احتل العدو منطقة "رفح".

التزاماً بسرد الحقائق حلوها ومرها .. فإن أسلوب انسحاب القوات المصرية من سيناء شابه الكثير من الفوضى والخروج عن التكتيك المعتمد في كافة المدارس العسكرية، بالقدر الذي جعل معظم التحركات التي تمت لتنفيذه تأخذ صورة التقهقر المشوب بالانهيار، وليس الانسحاب المنظم في مراحل محددة من خط أمامي إلى خط خلفي على نحو ما يقضي به العرف العسكري.

وفي منطقة قناة السويس، ركزت عناصر الدفاع الجوي جهودها لحماية المعابر القليلة من خطر الغارات الأنجلو ـ فرنسية العنيفة التي حاولت تدميرها لتقطع خط الرجعة على القوات المنسحبة من سيناء، حتى تلحق بها القوات البرية الإسرائيلية وتدميرها طبقاً لما اتفق عليه في بروتوكول "سيفر".

وبمجرد أن أكملت قوات سيناء العبور إلى الضفة الغربية، قام المهندسون العسكريون بنسف تلك المعابر وسد قناة السويس في وجه الغزو البحري الوشيك كدرس مستفاد من عدوان عام 1882، وما تضمنه من وعود "ديليسبس" لـ"عرابي" بعدم السماح للجنرال "ولسلي" بالدخول بسفنه عبر القناة لغزو مصر، وما ترتب على ذلك من دخول تلك السفن، ونجاح القوات المعتدية في احتلال مصر.

أما في منطقة القناة فقد استمرت قيادة المنطقة الشرقية في تنظيم الدفاع والسيطرة على التحركات إلى المواقع الجديدة، تنفيذاً لقرار توحيد الجبهة غرب القناة. كما استمرت القيادة العامة في السيطرة على عملية إعادة تجميع الاحتياطي الإستراتيجي من القوات التي أخلت سيناء. وبنهاية هذا اليوم كانت الطائرات التي سلمت من الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية قد أتمت الانتقال إلى مطارات عربية صديقة مجاورة.

2. قوات العدوان الثلاثي

أ. القوات الإسرائيلية

ظلت مجموعة اللواء 202 المظلي ثابتة في أماكنها حول المدخل الشرقي لممر "متلا" لليوم الثاني، دون أن تشعر بانسحاب مجموعة اللواء 2 مشاة إلى غرب الممر. وفي الساعة الخامسة إلا الربع أُسقطت سريتا مظلات من هذا اللواء فوق مطار "الطور"، ثم نقلت إليه جواً من "إيلات" الكتيبة 112 من اللواء 12 المشاة الإسرائيلي تمهيداً لإحكام حلقة الحصار حول "شرم الشيخ".

حوالي الساعة الخامسة صباحاً، بدأت مجموعة اللواء 9 المشاة الميكانيكي التقدم من "رأس النقب" نحو "عين الفرطاجة" الواقعة إلى الغرب من "واسط".

في منطقة "أم قطف" اخترقت قوات مجموعة العمليات 38 الدفاعات بعد قصف جوي وتمهيد نيراني عنيف ضد الخنادق الخالية. واصطدمت مجموعة اللواء 27 الميكانيكي المندفعة صوب قلب الدفاعات من جهة الغرب بمجموعة اللواء 7 المدرع المندفعة إليها من الشرق، فدارت بينهما معركة تصادمية حامية أسفرت عن تدمير ثمان دبابات، قبل أن تتدخل الطائرات الإسرائيلية وتنبهها إلى هذا الخطأ الجسيم، الذي يعود سببه إلى نجاح مجموعة اللواء 6 المشاة المصرية في الانسحاب من "أم قطف"، دون أن يشعر بها العدو. وقد اهتمت رئاسة الأركان الإسرائيلية بهذا الحادث واستنبطت منه الدروس المستفادة التي تكفل عدم تكراره في المستقبل، وهو الأمر الذي لم يفعل الجانب المصري مثله، مما تسبب في وقوعه في نفس الخطأ أكثر من مره.

ودخلت قوات مجموعة العمليات 77 بلدة " العريش"، بعد أن أخلتها مؤخرة مجموعة اللواء 4 المشاة وقيادة الفرقة الثالثة المشاة، بينما كانت مجموعة اللواء 12 المشاة المدعمة تهاجم القسم الشمالي من قطاع غزه، وتقتحم البلدة ثم تندفع منها جنوباً نحو "خان يونس"، حيث توقفت أمامها عند آخر ضوء.

ب. القوات الأنجلو ـ فرنسية وردود فعل مصر

بينما كانت سفن الغزو تقترب حثيثاً من ساحل بورسعيد، أتسع مجال التمهيد الجوي المركز ضد مصر فشمل أهدافاً مدنية أيضاً، بعد أن تأكدت القيادة الأنجلو ـ فرنسية بقبرص من خلو مسرح العمليات من الطائرات المصرية. وما إن قصفت هوائيات الإذاعة المصرية وأسكتت إرسالها حتى أعلنت إذاعة دمشق نداء "هنا القاهرة".

وكان أبرز أحداث يوم الجمعة 2 نوفمبر، ذهاب الرئيس عبد الناصر في موكب مكشوف ليلقي تلك الخطبة الشهيرة من فوق منبر الجامع الأزهر عقب الصلاة فكشف فيها عن حقيقة التواطؤ الثلاثي وأهدافه العدوانية، ووضع ميثاق النضال الشعبي لمقابلة الغزو الأنجلو ـ فرنسي، ومما جاء في خطبته:

"في هذه الأيام التي نكافح فيها من أجل حريتنا وشرف الوطن، أحب أن أقول لكم إن مصر كانت دائماً مقبرة الغزاة. بعد الغارة الأولى الأنجلو ـ فرنسة التي حدثت ليلة الأربعاء الماضي صرنا نحارب في جبهتين. جبهة إسرائيل على الحدود الشرقية، وجبهة الاستعمار الأنجلو ـ فرنسي في القناة. وكان لابد أن نتخذ قراراً سريعاً وحاسماً لإحباط خطة العدو، إذ كان الغرض من جذب القوات المسلحة المصرية إلى سيناء هو أن تصل القوات الأنجلو ـ فرنسية إلى القناة، فأصدرت الأمر للقائد العام للقوات المسلحة بسحب جميع القوات المصرية من سيناء إلى غرب قناة السويس، حتى تكون بجانب الشعب لملاقاة الاستعمار".

" لقد تم سحب قواتنا من سيناء وتركنا قوةً انتحارية هناك، ورجعت جميع قواتنا إلى القناة والدلتا، ونحن في انتظار الإنجليز والفرنسيين".

"سأقاتل معكم ضد أي غزو ... سنقاتل إلى أخر نقطة دم ... لن نستسلم أبداً، وسنبني بلداً وتاريخاً ومستقبلاً، سنجاهد ونقاتل وننتصر بإذن الله".

وقد ألهبت تلك الخطبة التاريخية المشاعر الوطنية في الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، واستجابت جماهير مصر للنداء فهبت تجاهد وتقاتل لتنتصر بعون الله، ولتبني بلداً وتاريخاً ومستقبلاً.

ثانياً: أحداث القتال يوم السبت 3 نوفمبر

1. القوات المصرية

اقتصر أعمال قوات منطقة "شرم الشيخ" على تعديل أوضاع مواقعها الدفاعية، بهدف تركيز الدفاع عن منطقة "شرم الشيخ" فقط، بعد أن سيطر العدو على "الطور" واحتلها بنحو كتيبة ونصف مشاة، فقطع خط الرجعة على قوات "شرم الشيخ" إلى الضفة الغربية للقناة، فضلاً عن عدم كفاية القوات المتيسرة لتأمين الدفاع عن "رأس نصراني"، حيث توجد المدفعية الساحلية التي تقفل "الخليج ـ وشرم الشيخ" معاً.

غير أن هذا التعديل أدى إلى فقد أهم دعائم ثبات الدفاعات، بعد أن فقد العمق اللازم للمناورات العرضية. وكان من الصواب أن تستغل طبيعة الأرض الملائمة للقتال التعطيلي وبث الكمائن وإقامة الموانع التعطيلية على امتداد "وادي كيد" الشديد الوعورة، وكذلك "وادي خشبى" الكثير الانحناءات، لتكبيد العدو أفدح الخسائر، لا سيما وقد بعد عن قواعده الرئيسية بمسافات شاسعة وأنهكه التحرك الطويل فوق أرض بالغة الوعورة.

وفي قطاع "غزة"، أدارت عناصر الفرقة الثامنة حرس حدود فلسطين معركة دفاعية ضد مجموعة اللواء 12 مشاة إسرائيلي، وقاتل جنودها جنباً إلى جنب أهالي بلدة "خان يونس" بضراوة حتى النهاية.

وفي منطقة قناة السويس، التحمت جماهير الشعب التي وزعت عليها الحكومة الأسلحة مع الجنود، وراح الجميع يجهزون الدفاعات. كما بدأ احتياطي القيادة الشرقية يقيم خط الدفاع الثاني حول بلدة "العباسة".

2. القوات الإسرائيلية

بدأت مجموعة اللواء 202 المظلي التقدم داخل ممر "متلا" الذي أخلته القوات المصرية، فوصلت إلى مدخله الغربي بعد 115 ساعة من إسقاط الكتيبة 890 المظلية في "صدر الحيطان"، حيث دفعت بعض عناصرها إلى "رأس سدر" و"الطور" على الساحل الشرقي لخليج السويس.

كما تابعت مجموعة اللواء 9 مشاة ميكانيكي التحرك صوب "رأس نصراني"، فاصطدمت بكمين قرب نهاية "وادي كيد" عطل تقدمها طيلة ليلة 3 / 4 نوفمبر.

وقد حقق اللواء 9 مشاة ميكانيكي بنجاحه في اجتياز سلسلة الأودية البالغة الوعورة فيما بين "رأس النقب" و"نبق" إنجازات لا تقل في قيمتها عن نجاحه في اجتياح دفاعات "شرم الشيخ". وكانت تلك الأودية الضيقة التي تحف بها المرتفعات الشاهقة من جانبها وتكثر بها التعاريج والثنايا الحادة التي توفر الكثير من الأماكن المثالية لبث الكمائن وزرع الألغام والشراك الخداعية، ولهذا فقد كان مثيراً للدهشة ألا تعمد قيادة منطقة "شرم الشيخ" إلى تنفيذ شئ من ذلك اللهم إلا كمين "وادي كيد" الذي عطل تقدم مجموعة اللواء 9 مشاة ميكانيكي رغم ضعف تكوينه. ثم أن هذه المجموعة باتت أكثر من ليلة في هذا الطريق الطويل، فلم ينتهز أحد تلك الفرص المتكررة لمباغته معسكرها تحت جنح الظلام.

وفي قطاع "غزة"، أتمت مجموعة اللواء 11 المشاة احتلاله، وبدأت في تطهير أماكن الفدائيين داخل القرى والأحراش وفرض الحكم العسكري على الأهالي.

3. القوات الأنجلو ـ فرنسية

بنهاية يوم 3 نوفمبر، تعرض مخطط العدوان الثلاثي إلى نكسة ثانية عندما اجتمع طرفان منه خفية عن الثالث، ليتفقا على احتلال القطاع الشمالي من قناة السويس، بأن تقوم إسرائيل بتأمين منطقة "القنطرة شرق"، لتسقط فرنسا عليها قوة من المظلات، وقد أرسل نائب القائد العام لقوات الغزو، إلى وزارة الدفاع الفرنسية من وراء ظهر القائد العام، بطلب إخراج كتيبتي مظلات من تحت القيادة المشتركة الأنجلو ـ فرنسية ليستخدمها في مخططه الثنائي.

وحاول "ديان" رئيس الأركان العامة تبسيط العملية فعرض على الملحق العسكري الفرنسي استخدام ساحل العريش للإبرار البحري الفرنسي، ثم التقدم صوب القنطرة فبورسعيد. ولم يوقف تلك المؤامرة الثنائية إلا قبول بريطانيا تقديم موعد الغزو البحري، لتبدأ مرحلة التمهيد الجوي فجر يوم 4 نوفمبر، بعد أن كانت تسوف وتؤجل تنفيذه خشية عواقبه.

ثالثاً: أحداث القتال يوم الأحد 4 نوفمبر

1. تصدعات في محور لندن ـ باريس ـ تل أبيب

تأثر الصراع منذ بدايته بأحداث دبلوماسية وسياسية متعددة واكبت معاركه، وتبلورت في ثلاث تصدعات متتالية في علاقات التعاون المشترك بين أطراف العدوان الثلاثي، أدت إلى إدخال بعض التعديلات على الخطط المتفق عليها مسبقاً، خاصة ما يتعلق منها بحجم وتوقيتات عملية الغزو البحري وأماكن عمل القوات المكلفة به.

وكان السبب وراء تلك التصدعات اختلاف كل طرف من أطراف العدوان الذي التأم شملهم للقيام به، وقد حمل برتوكول "سيفر" جرثومة تلك التصدعات منذ البداية، ثم اتسع الشرخ حتى كاد يبلغ حد التمزق في ثلاث مناسبات متتالية.

وقد حدث التصدع الأول صباح 31 أكتوبر عندما لم تقع الضربة الجوية الأنجلو ـ فرنسية في موعدها المتفق علية "بسيفر".

ثم حدث التصدع الثاني في ظلام ليلة 3 نوفمبر، عندما سعت فرنسا وإسرائيل إلى العمل في خفية عن الشريك الثالث في الإسراع بالغزو البحري صباح 4 نوفمبر.

أما التصدع الثالث والأكثر خطورة والأبعد أثراً، فقد جاء من قِبل إسرائيل عندما قبلت في الساعة الثامنة والنصف من مساء 4 نوفمبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، تحت ضغط الولايات المتحدة الأمريكية المتزايد، والتلويح بفرض العقوبات الاقتصادية علي إسرائيل إذا لم توقف القتال فوراً. ولما كان "بن جوريون" قد حقق أكثر أهدافه من العدوان باحتلال سيناء الشمالية وقطاع غزة، فقد فاجأ حليفيه بقبول القرار دون أن يكلف نفسه عناء إخطارهما بذلك، فوضعهما في موقف بالغ الحرج، إذ كيف يستمرا في إدعاء أن تدخلهما في النزاع ينبع عن رغبة صادقة للفصل بين إسرائيل ومصر ووقف القتال الدائر بينهما، إذا كانت إسرائيل ومصر قد قبلتا وقفه فعلاً!.. وكانت تلك اللطمة الانتهازية كافية لتمزيق عرى التواطؤ الثلاثي، لولا أن انبرى "جي موليه" رئيس وزراء فرنسا بمعاتبة "بن جوريون"على فعلته. التي وضعت شريكيه في موقف ملؤه السخرية، ثم أن إسرائيل وإن كانت قد حققت أكثر أهدافها وقتذاك، فإنها لم تستكمل بعد أثمن أهدافها وهو احتلال منطقة "شرم الشيخ" لفتح خليج العقبة لسفنها. وقد أحسن "موليه" الضرب على الوتر الحساس، فكان أن تراجع "بن جوريون" وأمر مندوبه الدائم في الأمم المتحدة أن يضيف إلى نص بيانه الرسمي بقبول وقف النيران فقرة واحدة، تحمل ثلاث شروط هي:

أ. أن تقبل مصر الدخول مع إسرائيل في مفاوضات مباشرة للسلام.

ب. أن تعد مصر برفع حصارها الاقتصادي عن إسرائيل.

ج. أن توقف مصر أعمال الفدائيين العرب ضد إسرائيل إلى الأبد.

وتلقى"موليه" و"إيدن" هذه الإضافة المكشوفة بالارتياح والامتنان، فأصدرا أوامرهما للجنرال "كيتلي" بالاستمرار في تنفيذ العدوان طبقاً لخطة "الفرسان النهائية المعدلة".

2. القوات المصرية

أصدرت القيادة الشرقية أمرها بتعزيز منطقة بورسعيد بعناصر من المدفعية المضادة للطائرات، ومدفعية الميدان الصاروخية وعناصر من الفدائيين، إلى جانب تعزيز المضايق الواقعة جنوب بورسعيد بقوات من المشاة، كما أمرت بنسف وإغراق عدة منشآت في ميناء بورسعيد وكان اللافت للنظر أنها لم تعمل أي إجراءات لزرع ألغام في ساحل الغزو المحتمل، أو أقامت موانع بحرية أو برية فيه، مما جعل قوات الغزو تجتازه دون خسائر تقريباً.

وعلى الطرف الآخر من قناة السويس، أمرت القيادة الشرقية بدعم منطقة السويس بكتيبة مشاة من اللواء 99 المشاة الاحتياطي. ويتضح من ذلك أنها لم تكن حتى هذا الوقت المتأخر، قد تمكنت من تحديد اتجاه الغزو البحري، الذي كان وقتها على مشارف شاطئ الغزو المنتخب، ولو قامت طائرة أو سفينة أو حتى زورق استطلاع بجولة أمام ساحل مصر على البحر المتوسط، لظهرت سفن الغزو الكثيرة والمتعددة الأنواع وهي تمخر مياهه في اتجاه رأس الشاطئ بجلاء لا تخطئه العين. وحدثت معركة بحرية شمال فنار "البرلس"، بين ثلاثة لنشات طوربيد مصرية، وبعض قطع الأسطول البريطاني غير أن طائرات العدو أغرقت تلك اللنشات.

3. القوات الإسرائيلية

قامت مجموعة اللواء 9 المشاة الميكانيكي بعد قصف دفاعات "رأس نصراني" باقتحام المواقع الخالية، التي انتقلت منها القوات المصرية إلى "شرم الشيخ" ثم تابعت القوات الإسرائيلية تقدمها جنوباً إلى أن اصطدمت بنقط القتال الخارجية لمنطقة "شرم الشيخ" الدفاعية، وبعد محاولة فاشلة لاقتحامها من الحركة، توقفت أمامها وراحت تعد لهجوم ليلي مدبر ضدها، إلا أن مصيره لم يكن أكثر حظاً من سابقه.

4. القوات الأنجلو ـ فرنسية

تحت الزعم بإجراء تجربة على تحميل السفن بقوات ومعدات الغزو، أصدر الجنرال "ستوكويل" قائد القوات البرية أمره ببدء عملية التحميل في الساعة العاشرة صباح 30 أكتوبر، التي انتهت في نفس لحظة انقضاض الطائرات "الكانبره"على مطارات مصر، وبهذا اختصر "ستوكويل" يوماً كاملاً في توقيتات الخطة "فرسان"، مما أتاح له أن يبكر بها من 8 إلى 7 نوفمبر. وكان أسطول الغزو البريطاني يمخر عباب البحر المتوسط شرقاً، بعد أن غادر مالطة خلال ليلة 31 أكتوبر، وذلك في نفس الوقت الذي غادر فيه أسطول الغزو الفرنسي الجزائر، ليلحق بالأسطول البريطاني في اليوم التالي، موعد مغادرة أسطول الغزو الثالث جزيرة قبرص لينضم إلى الأسطوليين يوم 6 نوفمبر قرب ساحل بورسعيد، حيث حشد 5 حاملات طائرات تحمل 250 طائرة قتال، و6 طاردات إحداها بالبحر الأحمر، و 17 مدمرة إحداها بالبحر الأحمر، و14 فرقاطة منها 2 بالبحر الأحمر، و7 غواصات، ونحو 250 سفينة مختلفة الأنواع بين ناقلة وقود وتموين وورشة وسفينة ركاب وسفينة بضائع وسفينة مساعدة.

وبينما كانت تلك الأساطيل الثلاثة تجدُ السير نحو شاطئ الغزو صباح 4 نوفمبر، كانت الطائرات الأنجلو ـ فرنسية تلين لها دفاعات رأس الشاطئ، وتقصف عقد المواصلات الحديدية، والمعسكرات، ومرابض نيران المدفعية المضادة للطائرات، وعدة أهداف أخرى.

وكانت حامية بورسعيد التي لم تتجاوز في شهر أكتوبر مجرد كتيبتين مشاة احتياط، وبطارية مدفعية ساحلية، وبعض المدافع المضادة للطائرات قد عُززت ـ بمجرد اكتشاف أهداف التواطؤ الثلاثي، وتوقع العدوان الأنجلو ـ فرنسي ـ بقوات إضافية، وصلتها يوم 4 نوفمبر، تشتمل على ثلاث كتائب حرس وطني، وكتيبة مشاه احتياط ثالثة، كما وصل إليها أيضاً أربعة مدافع اقتحام ذاتية الحركة من الأسلحة التي تم إخلاؤها.

وطيلة هذا اليوم، راحت إذاعات العدو تصب دعاياتها ضد شعب مصر ورئيس جمهوريتها، وتنذرهم بالويل والثبور. وكان أعجب ما حدث في هذا اليوم الذي شهد أعنف معركة دعائية في تاريخ الشرق الأوسط، أن أمسك مدير محطة إذاعة "صوت بريطانيا" في قبرص بالميكروفون، ليذيع على العالم الرسالة التالية: "أرجو أن يكون مفهوماً لدى المستمعين طبيعة الظروف التي نعمل في جوها، وأننا لا نوافق أبداً على كل ما يذاع".

رابعاً: أحداث القتال يوم الاثنين 5 نوفمبر

1. القوات المصرية

نسفت قوات الدفاع عن "بورسعيد" كوبري الجميل غرب المدينة إلا أن التجهيزات الهندسية وتوزيع القوات والأسلحة على النقط الحيوية برأس الشاطئ لم تتم على الصورة المنشودة، فضلاً عما سبق ذكره من أن إغفال زرع الألغام والموانع في ساحل الغزو أو المطارات والأراضي الصالحة للإبرار الجوي ونزول الطائرات الخفيفة أدى إلى سهولة تنفيذ عمليات المظليين، وسرعة استخدام الطائرات الأنجلو ـ فرنسية لمطار الجميل، والأراضي الصالحة لهبوطها وإقلاعها دون أي مجهود لتطهيرها.

2. القوات الإسرائيلية

عزم "موشي ديان" أن يطير بطائرة من طراز "داكوتا" إلى الطور، ثم إلى "شرم الشيخ" ليحضر أخر معارك جولة خريف 1956، ويتأكد من تنفيذ الهجوم على "شرم الشيخ" في هذا اليوم. فلم يبلغها، إلا بعد أن كانت مجموعة اللواء 9 المشاة الميكانيكي قد أتمت اجتياح دفاعاتها، واحتلال المنطقة، وذلك حوالي الساعة التاسعة والنصف ليلاً، حيث راح بعض الجنود المظليين يفتشون التلال المحيطة بالمنطقة بحثاً عن الشاردين ويجمعون الأسرى.

ولما كان رجال المدفعية الساحلية قد دمروا مدافعهم قبل الانسحاب من "رأس نصراني"، فقد زال سلاح قفل الخليج، وراحت السفن الإسرائيلية والتي تحمل بضائع لإسرائيل تعبر مضيق "الانتربرايز" البحري من وإلى "إيلات" التي انتعشت أحوالها وتحولت في بحر سنوات قليلة من قرية صغيرة إلى ميناء نشيط.

3. القوات الأنجلو ـ فرنسية (اُنظر ملحق الغزو البحري الأنجلو ـ فرنسي)

استهل الجنرال "كيتلى" هجومه باقتحام جوي رأسي بالمظلات، فوق أسطح بعض المنشآت الحيوية "ببورسعيد" و"بور فؤاد"، بينما تعزل الطائرات الأنجلو ـ فرنسية ميدان المعركة غرب وجنوب المدينة، وتمنع القوات العسكرية وقوى الدفاع الشعبي من الاقتراب من مواقع إسقاط المظليين. ثم تمكن المظليون الفرنسيون في الساعة التاسعة صباحاً من الاستيلاء على كوبري "الرسوه" و"وابور المياه" جنوب المدينة، وقطعوا المياه عن "بورسعيد" و"بورفؤاد".

وفى الوقت نفسه، أتمت قوات المظلات البريطانية احتلال وتأمين مطار الجميل غرب المدينة، ثم أسقطت قوات إضافية أخرى بعد الظهر، كان قوامها من المظليين البريطانيين والفرنسيين أيضاً.

ومن الطريف ما كان يحدث وقتئذ برئاسة هيئة أركان الحرب المصرية خلال هذا الغزو، أن الفريق "محمد إبراهيم" رئيس الأركان، وقد كان زميلاً للجنرال "كيتلي" بدوره سابقة بكلية أركان الحرب بإنجلترا اعتاد كلما جاءه نبأ عن تحركات الغزو أن ينظر إلى خريطة الموقف العام وهو يردد القول... "والآن ماذا تعتزم أن تفعل يا زميل الدراسة اللدود ؟".

وفى الساعة الثانية والنصف عصراً حاولت القيادة التكتيكية لقوات الاقتحام الجوي، الرأسي إلى عقد اتفاق مؤقت مع العميد أركان الحرب "صلاح الدين صادق الموجي"، قائد قوات الدفاع عن بورسعيد بغرض تجميد الموقف وكسب الوقت، حتى تصل قوات الإبرار البحري صباح يوم 6 نوفمبر، طبقاً للخطة المعتمدة، وقد قبل "الموجي" وقف النيران المؤقت تحت شرط إعادة ضخ المياه للمدينة حتى لا تتعرض حياة الشيوخ والأطفال والنساء للخطر، ودفن الشهداء لتوقى انتشار الأوبئة الفتاكة بالمدينة، وكلها أسباب إنسانية يعمد إليها ألد الأعداء لتجنيب الأهالي المدنيين ويلات الحرب قدر الإمكان.

والحقيقة أنه لما سلم العميد "بتلر" في الساعة الخامسة والنصف شروط التسليم التي صاغها الجنرال "ستوكويل" على ظهر سفينة القيادة، رفضها "الموجي" للتو فاكتفى "بتلر" بمواصلة وقف النيران حتى الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً طبقاً للاتفاق الأول مع "الموجي".

وكان الرأي العام العالمي في مساء هذا اليوم قد أدان تلك الأعمال الأنجلو ـ فرنسية، ووصفها بالبربرية والحمق، ثم أصدر الماريشال "بولجانين ـ Niikolai Bulganin" رئيس الوزراء السوفيتي إنذاره (اُنظر ملحق الإنذار السوفييتي إلى إسرائيل) و (ملحق رسالة من المارشال بولجانين رئيس الوزراء السوفيتي، إلى بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل 5 نوفمبر 1956) و (ملحق رسالة من ن. أ بولجانين، رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي، إلي سير أنتوني إيدن رئيس وزراء المملكة المتحدة في 15 نوفمبر 1956) إلى كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، يدين فيه عدوانهم الآثم على مصر، ويحذرهم من مغبة تعرض السلام والأمن الدوليين للخطر، وكان مما جاء في إنذاره لإسرائيل ما يلي:

"إن الحكومة الإسرائيلية المجرمة التي تفتقر إلى الشعور بالمسؤولية، تتلاعب الآن بمصائر العالم وبمستقبل شعبها بالذات".

أما رسالته إلى بريطانيا وفرنسا فقد احتوت على الفقرة التالية:

"إن الحرب التي أثارتها بريطانيا وفرنسا واستخدامهما إسرائيل ضد مصر سيترتب عليها نتائج غاية في الخطورة بالنسبة للسلام العالمي، وإذا كانت تلك الحكومتين قد عمدتا إلى شريعة الغاب في عدوانهما على مصر فليتذكرا أنهما ليسا الوحشين الوحيدين في تلك الغابة".

ومع ما احتوته علية تلك الرسائل من تهديد سافر وتحذير شديد اللهجة، فالواقع أن إجراءات الولايات المتحدة الأمريكية التي لوحت بها لدول العدوان، كانت أشد تأثيراً عليها من الإنذار السوفيتي، وذلك لأن قطع المساعدات عنها على نحو ما لوح به الرئيس أيزنهاور، يترتب علية أوخم العواقب التي لا تستطيع تلك الحكومات أن تتحملها.

الملاحق

الجداول

تسلسل الأحداث

م التاريخ أهم الأحداث
1 17 نوفمبر 1869 افتتاح قناة السويس رسمياً للملاحة الدولية.
2 سبتمبر 1882 الاحتلال البريطاني لمصر.
3 21 أكتوبر 1888 عقد معاهدة القسطنطينية.
4 14 مايو 1948 انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان دولة إسرائيل.
5 15 مايو 1948 بدء حرب فلسطين.
6 20 مارس 1949 إعلان وقف إطلاق النار بين العرب وإسرائيل بعد توقيع الهدنة في رودس في 24 فبراير 1949.
7 23 يوليه 1952 قيام ثورة يوليه في مصر.
8 19 أكتوبر 1954 توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا.
9 نوفمبر 1954 إعلان ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي.
10 يناير 1955 قيام حلف بغداد.
11 28 فبراير 1955 الإغارة الإسرائيلية على غزة.
12 24 سبتمبر 1955 توقيع صفقة الأسلحة بين مصر والاتحاد السوفيتي.
13 1 مارس 1956 طرد الجنرال جلوب قائد الفيلق العربي من الأردن.
14 13 يونيه 1956 غادر آخر جندي بريطاني أرض مصر قبل الميعاد المحدد بخمسة أيام
15 19 يوليه 1956 دالاس (وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية) يسحب عرض تقديم قرض لبناء السد العالي.
16 26 يوليه 1956 مصر تؤمم قناة السويس.
17 27 يوليه 1956 بريطانيا وفرنسا تقدمان لمصر احتجاجا رسميا على تأميمها القناة.
18 28 يوليه 1956 م تجميد أرصدة مصر من الإسترليني والفرنك في بنوك بريطانيا وفرنسا.
19 30 يوليه 1956 بريطانيا وفرنسا تبدأن في اتخاذ إجراءات عسكرية وقائية وتشكيل قيادة مشتركة.
20 31 يوليه 1956 مصر تؤكد حرية الملاحة في القناة، وتقدم اقتراحاً بشأن عقد اتفاقية جديدة للقناة.

إيدن يعلن إجراءات ترحيل الرعايا البريطانيين والفرنسيين من النساء والأطفال

21 2 أغسطس 1956 بريطانيا وفرنسا تطالبان بإشراف دولي على القناة، وتدعوان إلى عقد اجتماع يوم 16 أغسطس.
22 11 أغسطس 1956 تعيين الجنرال السير تشارلز كيتلي قائد أعلى للقوات الأنجلو ـ فرنسية.
23 12 أغسطس 1956 مصر ترفض حضور اجتماع لندن يوم 16 أغسطس.
24 23 أغسطس 1956 عقد مؤتمر لندن (22 دولة) ومصر تكلف الهند لتتحدث باسمها.
25 3 سبتمبر 1956 مباحثات عبدالناصر ومنزيس (رئيس اللجنة الخماسية المنبثقة من مؤتمر لندن).
26 9 سبتمبر 1956 انتهاء مهمة منزيس بالفشل وعبد الناصر يرفض المقترحات.
27 10 سبتمبر 1956 مصر تعلن تعيين 46 مرشداً جديداً من المصريين في القناة رداً على سحب المرشدين الأجانب.
28 12 سبتمبر 1956 دالاس يقترح عقد مؤتمر للمنتفعين بالقناة لبحث رسوم المرور وتحسين القناة.
29 5 أكتوبر 1956 بدأ مفاوضات مجلس الأمن حول نزاع قناة السويس.
30 12 أكتوبر 1956 الاتفاق في مجلس الأمن على 6 مبادئ لإدارة القناة.
31 16 أكتوبر 1956 إيدن وموليه يجتمعان في باريس ويصدران قراراً سريا بغزو مصر.
32 23 أكتوبر 1956 بدأ ثورة المجر المناهضة للشيوعية وهيئة الأمم تواجه المشكلة بالرغم من انشغالها في موضوع القناة.
33 23 أكتوبر 1956 القاهرة تعلن عن قيادة عربية مشتركة للقوات المصرية السورية يتولاها القائد المصري.
34 26 أكتوبر 1956 القوات الإسرائيلية تبدأ في التعبئة.
35 26 أكتوبر 1956 أيزنهاور يحذر إسرائيل من أي إجراء عسكري.
36 29 أكتوبر 1956 الإسرائيليون يهاجمون القوات المصرية في سيناء.
37 30 أكتوبر 1956 إنذار فرنسي وبريطاني إلى كل من مصر وإسرائيل لوقف العمليات العسكرية خلال 48 ساعة.

انجلترا وفرنسا تعترضان بالفيتو على القرار الأمريكي والروسي بوقف القتال.

38 31 أكتوبر 1956 إسرائيل ترفض الإنذار.

بريطانيا وفرنسا تشتركان في الهجوم على مصر و قواتهم البحرية المهاجمة تبحر من مالطة وقبرص. بدأ الغارات الجوية من جانب المتحالفين على مصر.

39 4 نوفمبر 1956 توقف العمليات الإسرائيلية ضد مصر.

موسكو تهدد بالتدخل في نزاع السويس. الأمم المتحدة تقرر إرسال قوة طوارئ إلى السويس.

40 5 نوفمبر 1956 إسقاط قوة المظلات البريطانية والفرنسية فوق بورسعيد وبور فؤاد.
41 6 نوفمبر 1956 وصول القوة البحرية المهاجمة لبريطانيا وفرنسا إلى بورسعيد.

السكرتير العام للأمم المتحدة يطالب وقف العمليات العسكرية وصدور الأوامر بوقف إطلاق النار، وبريطانيا وإسرائيل ومصر تقبل قرار وقف إطلاق النار. الأمم المتحدة توافق على إرسال قوات الطوارئ الدولية.

42 9 نوفمبر 1956 وصول الجنرال بيرنز قائد قوات الأمم المتحدة إلى القاهرة لوضع ترتيبات وصول هذه القوات.

تصريح للقادة السوفييت بإرسال متطوعين إذا لم تنسحب قوات الدول المعتدية.

43 10 نوفمبر 1956 أعلنت الصين أنها لن تمنع سفر المتطوعين الصينيين إلى مصر.
44 15 نوفمبر 1956 وصول أول دفعة من قوات الأمم المتحدة إلى بورسعيد.
45 24 نوفمبر 1956 الأمم المتحدة تصوت بالانسحاب التام للمعتدين.
46 3 ديسمبر 1956 القوات البريطانية والفرنسية تبدأ في الانسحاب من مصر.

وعد من إسرائيل بأنها ستنسحب من سيناء.

47 22 ديسمبر القوات البريطانية والفرنسية تغادر أرض مصر - وبذلك تم الجلاء.
48 يناير وفبراير 1957 الأمم المتحدة تضغط على إسرائيل للانسحاب التام الغير مشروط - والتهديد بتوقع العقوبات عليها في حالة عدم الالتزام.
49 1 مارس 1957 إسرائيل تبدي استعدادها للانسحاب من الجزء الباقي من سيناء.
50 8 مارس 1957 إسرائيل تسحب جميع قواتها.
51 25 مارس 1957 تطهير قناة السويس لتصبح صالحة للملاحة.
52 9 ابريل 1957 انتهاء عمليات تطهير القناة بالكامل وفتحها للملاحة قبل الموعد المحدد بتسعة أسابيع بعد أن استمرت مغلقة ما يقرب من خمسة أشهر واستمرت أعمال التطهير ثلاثة أشهر ونصف.

تسلسل الأحداث

الأشكال

الخرائط

المصادر والمراجع