نص خطاب أسامة بن لادن 12 ذو القعدة 1424 هـ – ٤ يناير/كانون الثاني 2004 م

من معرفة المصادر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].


أما بعد:


من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه وأخواته في الأمة الإسلامية عامة:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


رسالتي هذه إليكم بخصوص التحريض ومواصلة الحثِّ على الجهاد، لدفع المؤامرات العظام التي حِيكت وتحاكُ ضدَّ أمتنا، خاصةً وقد ظهر بعضها ظهوراً بيناً:


كاحتلال الصليبيين بمناصرة المرتدين لبغدادَ دارِ الخلاف، تحت خدعة "أسلحة الدمار الشامل".


وكذلك المحاولة الشرسة لتدمير المسجد الأقصى، والقضاء على الجهاد والمجاهدين في فلسطين الحبيبة، تحت خدعة "خارطة الطريق" ومبادرة "جنيف للسلام".


وكذلك الحملات الإعلامية الصليبية على الأمة الإسلامية، والتي تُظهر بوضوحٍ عظيم؛ عِظَمَ ما يبيّتون من شرٍ مستطيرٍ للأمة عامة، ولأهل بلاد الحرمين خاصة، وظهرت نوايا الأمريكيين كذلك في تصريحاتٍ بضرورة تغيير معتقدات ومناهج وأخلاق المسلمين، حتى يصبحوا أكثر تسامحاً - على حد تعبيرهم- وبعبارةٍ واضحة؛ إنها حرب دينية اقتصادية، يريدون إبعاد العباد عن عبادة الله ليستعبدوهم ويحتلوا بلدانهم وينهبوا ثرواتهم، فمن العجب أن يفرضوا الديمقراطية وأمركة الثقافة بالقاذفات النفاثة، لذا فإن ما يُنتظر أدهى وأمر.


فما احتلال العراق إلا حلقةٌ في سلسلة الشر الصهيونية الصليبية، ثم يأتي دور الاحتلال الكامل لبقية دول الخليج تمهيداً لبسط النفوذ والهيمنة على العالم أجمع، فالخليج ودوله هو مفتاح السيطرة على العالم في نظر الدول الكبرى نظراً لوجودِ أكبر مخزونٍ نفطيٍّ عالميّ ، فاحتلال بغداد ما هو إلا خطوة تنفيذية لما فكرت وخططت له أمريكا من قبل، فالمنطقة كانت مستهدفة في الماضي، وهي اليوم مستهدفة كذلك، وستبقى مستهدفة في المستقبل.


فماذا أعددنا لذلك؟


وهذه الحملة الصهيونية الصليبية على الأمة اليوم؛ تُعد أخطر الحملات وأشرسها على الإطلاق، وهي تهدد الأمة كلها في دينها ودنياها.


أولم يقل بوش: (إنها حرب صليبية)؟ ألم يقل أيضاً: (إن الحرب ستستمر سنين طويلة وتستهدف ستين دولة)؟ أو ليس العالم الإسلامي زهاء ستين دولة؟ أفلا تبصرون؟ ألم يقولوا إنهم يريدون تغيير إيديولوجية المنطقة التي تبث الكراهية ضد الأمريكيين؟!


إنهم يقصدون الإسلام وذروَتَهُ قبل كل شيء، فهم يعلمون أنهم لن ينعموا بثرواتنا وأرضنا ونحن مسلمون مجاهدون، فتدبروا!


فيا أيها المسلمون:


إن الأمر خطير والخطب جلل، وإني والله حريصٌ على دينكم ودنياكم، كيف لا؟ وأنتم إخواني في الدين، وأهلي في النسب، والرائد لا يكذب أهله، فأعيروني أسماعكم وقلوبكم لنتدارس حول هذه الخطوب المدلهمة، وكيف السبيل للخروج من هذه المحن الملمة.


وللحديث عن ذلك أقول كما قال نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب} [هود:88]، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه، مستجيباً لأمره بأن لا أخشى في الله لومة لائم، متحرياً للصدق، صادعاً بالحق، مبتغياً رضى الخالق وإن غضب الخلق، فآجالنا إلى انتهاء وأرزاقنا في السماء، فعلام نَجْبُنُ عن قول الحق ونصرته؟ ولا يقعد عن نصرته وقد تعيّن الجهاد إلا من خسرت تجارته، وسَفِهَ نفسه وحُرِمَ خيراً عظيماً.


وعليه؛ فإن أول خطوة للخروج من هذا التيه هي بالرجوع إلى الله تعالى، نستغفره ونتوب إليه من المعاصي توبة نصوحاً، ونهتدي بقرآنه العظيم وسنة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام.


كما ينبغي علينا أن نبحث عن الأسباب الرئيسة التي أدت إلى انحراف المسيرة عن الصراط المستقيم من الداخل، وعن القوة الفاعلة في هذا الانحراف، فإننا وبدون عناء سنجد أن أبرزهم:


1) الأمراء[8].

2) وعلماء وخطباء السوء .

3) والراكنون إلى الذين ظلموا من قيادات العمل الإسلامي.

4) وإعلاميو الدولة ومن سار على أثرهم.


والحقيقة المرة هي؛ أن الأمراء قد تمكنوا من إغواء وإغراء كثيرٍ من أفراد هذه الشرائح، ثم قاموا بتكميم أفواه من أبى منهم - إلا من رحم الله –


وحيث أن من هدي القرآن والسنة الصدق والتمايز بين الحق والباطل، لكي لا يلتبس على الناس الحق فيضلوا عن الصراط المستقيم، قال الله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42].


ولإزالة اللبس يجب تسمية الأمور بأسمائها الحقيقية، والتعبير عنها بألفاظها الشرعية، ولاسيما عندما نتحدث عن هذه القوى المؤثرة في مسيرة الأمة، حتى يتسنى لنا أن نأخذ التصور الصحيح عنهم وعن أفعالهم، ليسهل علينا معرفة التعامل معهم، حيث إن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره.


لذا فإن اللفظ الشرعي في وصف الحاكمِ الذي يحكم بغيرِ ما أنزل الله ويسير على غير هدى الله سبحانه وتعالى، أو يناصر الكفار تحت أي مسمى، كتقديم التسهيلات العسكرية أو تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ضد الإسلام والمسلمين؛ فهذا كافرٌ مرتد.


كما وإن هذه القوى المؤيدة للطغاة عن علم وبغير إكراه؛ لها نصيب من هذا الظلم الذي يُرتكب كلٌ بحسبه .


إلا أنني أُهيبُ بأبناء العمل الإسلامي أن يعزلوا قياداتهم التي ركنت إلى الذين ظلموا، وينصّبوا قيادات قوية أمينة تقوم بواجبها في هذه الظروف العصيبة، بالدفاع عن الأمة الإسلامية.


وأما الإعلاميون المستهزئون بشعائر الدين - كالجهاد وغيره من الشعائر - فهؤلاء زنادقة مرتدون.


هذا فيما يتعلق بأهم القوى المؤثرة في انحراف مسيرتنا من الداخل.


أما الحديث عن كيفية دفعِ هذه القوى المعادية من الخارج، فذلك يستلزم منا أن ننظر في الحروب الصليبية السابقة على بلادنا، لنأخذَ منها الدروس والعبر بما بعيننا لصد هذه الهجمة، وأخذ التصور عن أهم أسباب تلك الهجمات، وكيف تم دفعها ومقاومتها.


فأقول: إن احتلال الغرب لبلادنا قديم جديد، والتدافع بيننا وبينهم والمناطحة وكسر القرون قد بدأ منذ قرون، وسيستمر، لأن سنة التدافع بين الحق والباطل ماضيةٌ إلى قيام الساعة، وصلاح البلاد والعباد بإقامتها، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة:251]، قال أهل التفسير: "أي لولا مدافعة المؤمنين بالقتال للكافرين لغلب عليها الكافرون ولفسدت الأرض بإفسادهم" ، فانتبهوا إلى سنة التدافع هذه، ولا حوار مع المحتلين إلا بالسلاح.


وبنظرةٍ لطبيعة الصراع بيننا وبين الغرب نجد أنهم قد غزوا بلادنا قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، فلم يكن لهم دينٌ قويم ولا خلق سليم، وإنما كانت دوافعهم السلب والنهب، فبقي أجدادنا في الشام تحت احتلالهم لأكثر من عشرة قرون.


ولم نستطع أن نهزمهم إلا بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتزامنا بالإسلام حقاً، الذي أعاد تشكيل وصياغة الشخصية العربية، فحررها من الجاهلية ونوّرَ قلبها وعقلها وفجّرَ طاقاتها، وعند ذلك لم يقف في وجه كتائب الإيمان أحد، لا العرب ولا العجم، وتهاوى أمام صيحات "الله أكبر"؛ الفرس والتتر، والترك والروم والبربر، وكانت ريادة العالم بأيدينا، ننقذهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد سبحانه.


ثم لما ضَعُفَ تمسكنا بديننا وفسد حكامنا؛ أصابنا الوهن، فأعاد الروم علينا الكرة بعد قرونٍ بحروبهم الصليبية المشهورة، إلى أن أخذوا منا المسجد الأقصى، ولكن بعد تسعين سنة استعدنا قوتنا بعودتنا لديننا، فاسترجعنا المسجد الأقصى - بفضل الله - على يد قائد حكيم ومنهج قويم، فالقائد؛ صلاح الدين رحمه الله والمنهج؛ الإسلام وذروة سنامه؛ الجهاد في سبيل الله ، وهذا ما يلزمنا اليوم وهو ما يجب أن نسعى إليه.


وكذلك الحال؛ لم يتم تحرير بلاد العالم الإسلامي في القرن الماضي من احتلال الصليبيين العسكري إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله، والذي يستميت الغرب اليوم لتشويهه، وقتل من يحمل رايته تحت اسم "مكافحة الإرهاب"، ويناصرهم في ذلك المنافقون، لأنهم يعلمون جميعاً أن الجهاد هو القوة الفعّالة لإحباط جميع مؤامراتهم.


فهذا هو السبيل فاتبعوه، لأننا إذا ابتغينا دفعهم بغير الإسلام فسنكون كالذي يدور في حلقة مفرغة، وسيكون حالنا كحال أجدادنا الغساسنة، كان هم الواحد من كبرائهم أن يكون ضابطاً للأمن عند الروم، وإن أُطلق عليه لقب "ملك"، ليقوم بحماية مصالحهم، وذلك بقتل إخوانه من عرب الجزيرة وهذا هو حال "الغساسنة الجدد"؛ حكام العرب اليوم .


فيا أهل الإسلام:


إن لم تأخذوهم بجريرتهم في القدس وأرض الرافدين، أخذوكم بخذلانكم وسلبوكم أرض الحرمين، فاليوم بغداد وغداً الرياض، وهلّم جراً - إلا أن يشاء الله - وحسبنا الله ونعم الوكيل.


فكيف السبيل لوقف هذا الطوفان الهائل؟


لعلكم تذكرونَ أن الأمةَ خلال العقود الماضية قد حاولت محاولاتٍ كثيرة لمقاومةِ التحالف الصهيوني الصليبي لتحرير فلسطين، وركضت لفترات طويلة خلف دياناتٍ بشرية كثيرة في المنطقة، كالقومية والاشتراكية والشيوعية والديموقراطية وغيرها، تحت الجمهوريات والملكيات، فهذه القوى المادية كلها أثبتت أخيراً - بما لا يدع مجالاً للشك - أنها خضعت للتحالف الصليبي الصهيوني بقيادة أمريكا، وقد شب الناس عليها وشابوا وهم يسيرون خلفها، وإذا بهم يرجعون إلى ما قبل نقطة الصفر، فكفى ركضاً خلف السراب، وكفى لعباً بعقولِ أولي الألباب.


وفي مثل هذه الحالات العصيبة يرى بعض دعاة الإصلاح ضرورة أن تتحدَ جميع الطاقات الشعبية والرسمية، وتتحد طاقات الحكومات مع أبنائها بجميع شرائحهم وأفرادهم، كلٌّ فيما يحتاج إليه، لصد هذه الهجمة الصليبية الصهيونية.


ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو؛ هل هذه الحكومات في العالم الإسلامي مهيأةٌ لأن تقوم بهذا الواجب؟ بالدفاع عن الملة والأمة؟ وأن تتبرأَ من ولائها لأمريكا؟


فتعالوا لننظر نظرة موضوعية لتاريخها في قضايا الأمة المصيرية، ليتبين لنا ملامح ومعالم سياستها، حتى لا يسير بنا هؤلاء إلى طريق مسدود، ولئلا يجربوا أمراً قد جُرّبَ لعقودٍ طويلة.


أولاً؛ موقفها من العدو الصليبي في الحرب العالمية الأولى:


عندما هجم على العالم الإسلامي وأراد إسقاط الدولة العثمانية، فإن هؤلاء الحكام خرجوا على هذه الدولة، وفرقوا جماعة المسلمين وساهموا مساهمة فعالةً في القتال ضدها، مما أدى إلى سقوطها تحت الاحتلال الصليبي، وتقسيمها إلى بضعٍ وخمسين دولة، وكان الدور البارز في تلك الخيانات للملك عبد العزيز آل سعود والشريف حسين وأبنائه.


ثانياً؛ قضية فلسطين:


إن مواقف هؤلاء الحكام في هذه القضية المحورية منذ تسعة عقود هو تعهدهم للإنجليز بالسماح لليهود بتكوين دولةٍ لهم على أرض فلسطين، ثم الخذلان لأهل فلسطين، بل والمخادعة لهم مراتٍ عديدة لكي يلقوا السلاح، كان من أبرزها محاولة تمت للملك عبد العزيز آل سعود، ثم لما صدر قرار المنظمة الصهيونية، أو ما يُعرف بـ "الأمم المتحدة"، لتقسيم فلسطين ولإقامة دولة يهودية فيها؛ لم يحرك حكام العرب ساكناً، بل بقوا أعضاء في هذه المنظمة، ومازالوا إلى اليوم، ولم يفعلوا شيئاً يُذكر للحيلولة دون ذلك إلا بما يندى له الجبين.


فلما قامت دولة اليهود، بعد قرار التقسيم بعام؛ نشبت حرب مصطنعة، ثم ما لبث حكام الدول العربية أن وافقوا على توقيع هدنةٍ مؤقتة استجابةً لأمر أمريكا، والتي طلبت منهم في العام الذي يليه هدنةً دائمة، وهكذا كادوا يئدون فلسطين وأهلها وهم أحياء، ولكن الله سلّم.


ثم استمرت المؤامرات مروراً بمؤتمر مدريد وما تبعه، وتواصلَ السعيُ لإجهاض الانتفاضة الأولى، ثم ما جرى في مؤتمر "شرم الشيخ" عام 1416 للهجرة - الموافق 96 للميلاد - بدعمهم لليهود والنصارى ضد المستضعفين من أهلنا في فلسطين، ثم مبادرة بيروت التي تضمنت الاعتراف باليهود، وجزءاً كبيراً مما احتلوه من أرض فلسطين، وأخيراً مؤامرة "خارطة الطريق".


وخلال هذه المؤامرات ينثرون بعض الأموال على أهل فلسطين من باب ذر الرماد في العيون، وإلا فالتاريخ والواقع يشهد عليهم خلال العقود التسعة الماضية أنهم لم يرجعوا شيئاً من فلسطين.


إلا أن مما يثير الدهشة والذهول ويبعث على الاشمئزاز؛ موقفُ هؤلاء الحكام من أُسَرِ المجاهدين الذين يقومون بالعمليات الاستشهادية، فقد كانوا ينتظرون خيرهم فجاؤوهم بشرّهِم، فلم يكتفوا بشجبها وإنما قاموا بما هو أشد وأنكى، فانظروا إلى حال تلك الأسر، وتأملوا حال كل أختٍ من أخواتنا الأرامل هناك ممن قُتِلَ زوجها على يد اليهود، وقَدّمَ ابنها نفسه رخيصةً في سبيل الدين والذودِ عن حياض المسلمين، فجاء جنودُ اليهودِ بعد أن تركهم أصحاب العروش والجيوش ليعيثوا في أرض القدس فساداً ويهلكوا الحرث والنسل، فأخرجوها بالقوة من بيتها إلى الطريق، ثم نسفوه بما فيه ولم يمكنوها من أخذ متاعها الزهيد، فسارت هائمةً في الطرقات على وجهها، والدموع قد أخذت مجراها، وهي تجر صغارها وصغارَ الشهيد - نحسبه والله حسيبه - لا تدري إلى أين تتجه، ولا إلى أين تسير من تكاثرِ المصائب عليها، ولكن بفضل الله كان بعض أصحاب القلوب الرحيمةِ من بلادِ الحرمين وغيرها يرسلون بعض زكواتهم لهذه الأسر من الأرامل والأيتام، يخففون بها بعض مصابهم، فإذا بذلك الأمير الفظ الغليظ الجوّاظ المتكبر؛ عبد الله بن عبد العزيز يأمر بمنع المحسنين من إرسال أموالهم، حتى تتوقف العمليات!!!


فأي قلبٍ هذا الذي يأمر بهذه الأفعال؟!

أهو قلب بشر؟!

أم أنه قَدْ قُدَّ من حجر؟!

وأي نذالةٍ هذه؟!

وأي خسّةٍ هذهِ؟!


أن تَتَتَبّعَ دريهماتٍ تصلُ إلى الأرملةِ واليتيمِ والمسكين، وكيف يُرتجى الخير لنا أو الدفاع عن البلاد والعباد من أمثال هؤلاء أصحاب القلوب القاسية.


وبعد هذا كله يزعم المنافقون عباد الدرهم والدينار؛ أن هؤلاء ولاة أمر لنا، وسيقومون بالدفاع عنا!!


وإن تعجب فعجبٌ قولُ بعض دعاة الإصلاح؛ بأن طريق الصلاح والدفاع عن البلاد والعباد يمر بأبواب هؤلاء الحكام المرتدين !


فأقول لهؤلاء: إن كان لكم عذرٌ في القعود عن الجهاد، فهذا لا يُبيحُ لكم أن تركنوا إلى الذين ظلموا فتحملوا أوزاركم وأوزارَ من تُضِلّون، فاتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أمتكم، وإن الله تعالى غنيٌّ عن مداهنتكم للطغاةِ من أجلِ دينه، وقد قال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:8-9] ، ولأَنْ يقعدَ المرءُ في أدنى طريقِ الحق خيرٌ له من أن يقفَ في أعلى طريق الباطل.


ثالثاً: إن دول الخليج قد شهدت بعجزها - بلسان الحال والمقال - عن مقاومة القوات العراقية، واستنجدوا بالصليبيين - وعلى رأسهم أمريكا - كما هو معلوم ، فكيف ستقف هذه الدول أمام أمريكا والقوات العراقية التي تُجَنّدُ اليوم تحت إمرتها؟!


إن القرار الذي اتخذه "جابر الصباح" ومن معه يوم غزو العراق للكويت، عندما أطلقوا سيقانهم للريح، هو القرار الراجح الذي سيتخذه جميع حكام الخليج، ما لم يتم التفاهم بينهم وبين أمريكا على أن يتخلوا عن عروشهم الحالية، ويُعْطَوا وظائفَ دون ذلك لمخادعة العوام وحمايةِ مصالح أمريكا، وأن يتعهدوا بأن لا يسألوا عن النفط ودخله، كحال عملائهم في مجلس الحكم الانتقالي في العراق.


ثم إن مما يؤكد على نفسياتهم الانهزامية ورضوخهم للمحتل وكيفية التعامل معه؛ هو استقبالهم لأعضاء ذلك المجلس الانتقالي والتعاون معهم.


وخلاصة القول:


إن هذه الحكومات أيدت أمريكا وساندتها في الهجوم على دولة عربية، بينهم وبينها عهودٌ للدفاع المشترك، زادت من توثيقها له قبل الهجوم الأمريكي بأيامٍ معدودة في "جامعة الدول العربية"، ثم نقضتها عن بكرة أبيها، فهذا يُظهرُ موقفها في القضايا الأساسيةِ للأمة.


رابعاً: إن هذه الأنظمة تذبذبت كثيراً بخصوص اتخاذ موقف بشأن استخدام القوة والهجوم على العراق، فمرةً ترفض المشاركة مطلقاً، ومرة أخرى تقيدُ ذلك بموافقة "الأمم المتحدة"، ثم تعود لرأيها الأول، وفي الحقيقة أن عدم المشاركة يأتي تمشياً مع الرغبات الداخلية لهذه الدول، إلا أنهم أخيراً استسلموا ورضخوا للضغوط الأمريكية، وفتحوا قواعدهم البرية والجوية والبحرية مساهمةً في الحملة، برغم الآثار الكبيرة والخطيرة التي ستترتب على ذلك، وأهمها؛ أن ذلك ارتكابٌ لناقضٍ من نواقض الإسلام، وخيانةٌ عظمى للأمة، وما يتبع ذلك من غضبٍ شعبي، وتهيئةِ الأجواءِ للخروج على هذه الأنظمةِ العاجزةِ الخائنةِ المرتدة.


وأهمُّ وأخطرُ من ذلك في نظرهم؛ ألا يفتح باب إسقاط الأنظمة الدكتاتورية بالقوة المسلحة من الخارج، وخاصةً بعدما رأوا أسرَ رفيقِ دربهم السابق في الخيانةِ والعمالةِ لأمريكا ، عندما أمرته بإشعال حرب الخليج الأولى ضد إيران لما خرجت عن طاعتها، فأكلت الحرب الأخضر واليابس وأدخلت المنطقة في تيهٍ لم تخرج منه إلى اليوم ، وما الحروبُ اللاحقةُ إلا من تداعياتها.


فهم يعلمون أن الدور قادمٌ عليهم، وهم لا يملكون الإرادة لاتخاذ القرار الصعب لصد العدوان، فضلاً عن أن يملكوا القوة المادية لذلك - من وجهة نظرهم - وقد حيلَ بينهم وبين إنشاءِ قوةٍ عسكريةٍ كبيرة لِمَا أُخِذَ عليهم من عهودٍ ومواثيقَ سريةٍ منذُ زمنٍ بعيد.


خامساً: ومما يوضح موقفهم من قضايا الأمة؛ ما قاموا به من مناصرةٍ لأمريكا بفتحِ قواعدهم مساهمةً منهم معها في حملتها الصليبية على أفغانستان، ولا يخفى أن هذه مناصرةٌ ومظاهرةٌ صريحةٌ للكفارِ على دولةٍ إسلامية، وذلك كفرٌ أكبرٌ مخرجٌ من الملة .


سادساً: ولعل من المواقف الظاهرة الجلية التي تنبئ بموقف حكام الخليج؛ إذا تعرّضَ أحدهم لضغوطٍ أمريكيةٍ حتى يسلم المناطق النفطية لها؛ هو دعمهم الجماعي لما سُمّيَ بـ "مبادرة زايد" ، حيث طالبوا صداماً بأن يُسَلّمَ العراقَ وشعبَهُ ونِفْطَهُ على طبقٍ كغنيمةٍ باردة، وأن يتنحى عن السلطة ويوفروا له لجوءاً سياسياً بحجة ألا تسفك الدماء في العراق، وقد أكد "سعود الفيصل" على هذا المبدأ مِراراً وبلا حياء، وظاهر هذا المبدأ - مع ما سبق - يُظهرُ أن حكامَ الخليج إذا تعرضوا لضغوطٍ أمريكيةٍ لاحتلال مناطق النفط فسوف يكررون نفس الموقف بما فيهم حاكم الرياض.


سابعاً: ومن أظهر الدلائل التي تنبئ بموقف الحكام تجاه صد العدوان؛ موقفُ كبيرهم، عندما أطّتْ جزيرةُ العرب تحت جنازير الدبابات الأمريكية، وضجت بحارها من حاملات الطائرات الصليبية بأحدث العتاد والأسلحة لاحتلال المنطقة، فإذا بكبيرهم الذي علمهم الخنوع يخرج على الملأ ليبث في الأمة الاستسلام والمذلة والخضوع، ويقول: (إن هذه الحشود ليست للحرب) ، يا للعار والشنار!!


إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ *** وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ


وخلاصةُ القول: إن الحاكم الذي يؤمن ببعض الأفعال التي سبق ذكرها، لا يستطيعُ أن يدافع عن البلاد، فكيف إذا كان يؤمن بها كلِّها ومارسها مراتٍ ومرات؟!


إن الذين يؤمنون بمبدأ مناصرةِ الكافرين على المسلمين، ويُهدرونَ دماءَ إخوانهم وأعراضهم وأموالهم حتى يَسْلَمُوا، مدّعين أنهم يحبون إخوانهم ولكنهم مكرهون - ولا يخفى أن هذا الإكراه لا يعتبر شرعاً - إن هؤلاء مؤهلون للسير على نفس المبدأ ضد بعضهم البعض في دول الخليج، بل إن هذا المبدأ قابل للتوسع في داخل الدولة الواحدة ذاتها، فمثلا إن حاكم الرياض مؤهل بأن يفرط بالمنطقة الشرقية والوسطى وغيرها للأمريكيين، والشمالية وجزءاً من الغربية لليهود، مقابل أن تسلم له "جيزان" و "صامطة" و "أبو عريش" – مثلاً - ومن قرأ وتدبّر تاريخ الملوك قديماً وحديثاً عَلِمَ أنهم مؤهلون للقيام بأكثر من هذه التنازلات - إلا من رحم الله منهم –


بل إن الحاكم قد بدأ عملياً بالتفريط في أبناء البلاد، بمطاردتهم وسجنهم واتهامهم بمذهب الخوارج في تكفير المسلمين زوراً وبهتاناً، والمبالغة في قتلهم - نحسبهم شهداء والله حسيبهم - وكل ذلك كانَ قبلَ "انفجارات الرياض" في ربيعٍ الأول من هذا العام التي يتحجج بها النظام، وإنما جاءت هذه الحملة في سياق تنفيذ تعليمات أمريكا لعلهم ينالون رضاها ، رغم أن النظام هو الذي استفز الشباب بإباحة البلاد للصليبيين، مخالفاً للدين مستهزئاً بمشاعر المسلمين، متحدياً لرجولة الرجال من أبناء الحرمين، وبالتالي هو الذي أخلَّ بالأمن على الحقيقة، ولضيق المقام هنا أفردتُ هذه المسألة في رسالةٍ خاصة ببلاد الحرمين أرجو أن تصلكم قريباً بإذن الله.


وإن مما يلخص حال الأمة وتكالب الأعداء عليها مع عمالة الحكام للكافرين، وخيانتهم للدين وإظهار بطشهم بالشعوب، وتخاذل الجماعات الإسلامية عن الجهاد؛ هذه الأبيات والتي في معظمها للدكتور يوسف أبو هلالة، يقول:


والأمةُ الكبرى غدت ألعوبةً *** يلهو بها القسيسُ والحاخامُ


هي مثلُ قومٍ في الأمور مكانةً *** سيانَ إن قعدوا وإن هم قاموا

عظماؤها والحادثاتُ تُبيدها *** فوق العروشِ هياكلٌ وعِظامُ


والقدس، ويحَ القدسِ دِيْسَ عفافُها *** والمسلمونَ عَنِ الجهادِ صيامُ

بغدادُ يا دارَ الخلافةِ ويحكِ *** ما بالُ طهركِ دنّسَته طُغَامُ


ما بالُ من بالأمسِ خانوا دينهم *** عمّن أغارَ على حِمَاكِ تَعَامُوا

أعلى الشعوبِ قساورٌ صيّالةٌ *** وعلى اليهودِ أرانبٌ ونَعَامُ


لم يبقَ لي دارٌ أفيءُ لظِلّها *** وطني استبيحَ وشَبَّ فيهِ ضِرَامُ

يا أمتي.. أنا طائرٌ قد لاحَ لي *** أَيْكٌ، فهلْ أَشدو ولستُ أُلامُ؟!


أأُعابُ إن صارحتكم بحقيقةً *** هي أن شرَّ عِدَاتِنَا الحُّكّامُ؟!

مِنْ كُلِّ زنديقٍ ويُدْعَى أنَّهُ *** للمسلمينَ خُويدِمٌ وإِمَامُ


يتظاهرونَ بأنهم عونٌ لنا *** في حينِ هُمْ دَاءٌ لنا وحِمَامُ

جيشُ النصارى مَدُّهُ اجتاحَ الدُّنا *** أينَ التَّقِيُّ الشهمُ والمقدامُ


وبناءاً على ما تقدم؛ فقد ظَهَرَ مدى الخطر الحقيقي الذي تتعرض له المنطقةُ عموماً، وجزيرَةُ العربِ خصوصاً، وأصبح واضحاً بأن الحكام غير مؤهلين لإقامة الدين والدفاع عن المسلمين، بل قدموا الأدلة على أنهم ينفذون مخططات أعداء الأمة والملة، ومؤهلون للتفريط بالبلاد والعباد.


والآن بعد أن عرفنا حال الحكام؛ ينبغي أن ننظر في المنهج الذي كانوا يسيرون عليه:

إن المتأمل في منهج هؤلاء الحكام يتضح له بغير عناء أنهم يسيرون وفق أهوائهم وشهواتهم، ووفق ما تقتضيه مصالحهم الشخصية وولاءاتهم الصليبية، فالالتزام بالإسلام ليس من الثوابت في منهجهم ودينهم، وإنما هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، مما يتوافق مع أهوائهم ويحافظ على ملكهم، وذلك كفرٌ أكبر كما بينه تعالى بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85]، فالثابتُ الأساسُ عندهم؛ هو الثباتُ في الملك فقط لا غير.


فالخلل ليس في قضية فرعيةٍ كفساد شخصي محصورٍ داخل قصر الحكم، إنما الخللُ في المنهجِ من أساسه، وذلك عندما انتشر ذلك الاعتقادُ الخبيثُ والمبدأُ الهدّام في معظم نواحي الحياة؛ بأن السيادة والطاعةَ المطلقتين للحاكم، وليستا لدين الله تعالى، أي أن العبوديةَ للحاكم وليست لله تعالى، وتلك هي الحقيقةُ المهمة التي يُخادِعُ فيها الحكام، وإن تستروا في بعض البلدان تحت عباءة الإسلام، وخاصةً بعد أن سَخّروا جيشاً من العلماءِ والخطباءِ والكتابِ وجميعِ أجهزةِ الإعلامِ للمبالغةِ في تضخيمِ معنى "الطاعةِ لوليِّ الأمر" منذ قرنٍ من الزمان، بعيداً عن القيود التي قيدها بها دين الله تعالى، حتى أصبحَ الحاكمُ وثناً يُعبدُ من دون الله - كما هو الحالُ في بلاد الحرمين - ومن أَبَى من العلماءِ مداهنتهم؛ فله السجن حتى يُدَاهِنَ مُكرهاً، وكما أنهم تستروا في بلدانٍ أخرى تحت عباءة البرلمان والديمقراطية .


لذا فحال جميع الدول العربية في انحطاطٍ سحيق في جميع مناحي الحياة، في أمور الدين والدنيا.


ويكفي أن تَعْلَمَ أن اقتصاد جميع الدول العربية أقلُّ شأناً من دولةٍ واحدةٍ كانت يوماً من الأيام جزءاً من عالمنا - يومَ أن كنّا متمسكين بالإسلام حقاً - ألا وهي الأندلس المفقود ، فأسبانيا دولة كافرة، ومع ذلك فاقتصادهم أقوى من اقتصادنا ، لأن هناك حساباً وعقاباً للحاكم، وأما في بلادنا فلا حسابَ ولا عقاب، وإنما السمعُ والطاعةُ والدعاءُ له بطولِ العمر.


وما وصلنا إلى هذه الحالة المزرية إلا لأنه قد غاب عن الكثير منا الفهمُ الصحيحُ والشاملُ لدينِ الإسلام، واقتصر فهمهم على أنه أداءٌ لبعض الشعائر التعبديةِ - كالصلاةِ والصيام - وهي على أهميتها العظمى إلا أن دينَ الإسلام يشملُ جميعَ شؤونِ الحياة؛ الدينية والدنيويةِ أيضاً - كالاقتصادية والعسكرية والسياسية - بما فيها الميزان الذي نزن به أفعال الرجال من الحكام والعلماء وغيرهم، وكيفية التعامل مع الحاكم وفق الحدود التي وضعها الله تعالى له فلا يتجاوزها، كالتشريع من دون الله، وموالاة الكفار ومناصرتهم على المسلمين، أو العبث والاختلاس الهائل من مال الأمة العام.


وكثيرٌ من الناس يظنون أن هذا من صلاحيات ولي الأمر، ولا يعلمون أن هذه الأفعال مِنَ الحاكم؛ هي من الكبائرِ العظامِ في شريعتنا، ولا تجبُ لهُ فيها الطاعة، بل إن تشريعه من دون الله وموالاته للكفار كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة، يوجبُ الخروجَ عليه بَعدَ إعدادِ ما يلزم .


ولو أنهم قرؤوا القرآن والسنة - وهذا ما ينبغي علينا - وتدبروا فيهما لاتضح لهم ذلك جلياً في نصوصٍ كثيرة، ومن ذلك حديثُ عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه ، وكان قد تنصّرَ في الجاهلية، وكان يظن كما يظن كثيرٌ من الناس أن اتّباعَ السادةِ والكبراء من الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ليس عبادةً لهم وليس كفراً بالله تعالى، لأنه لم يصلِّ لهم ولم يصم، ولكنه عندما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] [42]، قال: ”فقلت؛ إنهم لم يعبدوهم! “، فقال: ”بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فتلك عبادتهم“ [رواه أحمد والترمذي] .


فانتبهوا إلى هذه الآية، فهذه الآية الكريمة وهذا الحديث الشريف يبينان بوضوح وجلاء؛ أن طاعة الحاكم أو العالم أو غيرهما واتباعهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله؛ عبادةٌ لهم من دون الله، وهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، عافانا الله وإياكم من ذلك.


وذلك ما عقّبَ به سبحانه وتعالى في آخر الآية الكريمة ونزّهَ نفسه الشريفة عنه، حيث قال: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31]، وذلك بعدما قال تعالى في نفس الآية: {مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [التوبة:31]، وفي ذلك بيانٌ على أن التشريع في التحليل والتحريم عبادة، وهو من أخصِّ خصائصِ الألوهية ، ومن أهم مقتضياتِ شهادةِ "أن لا إله إلا الله"، الركن الأول من أركان الإسلام، وهي رأس الإسلام، وفي هذا تنبيه عظيم جداً للذين يظنون أن الإسلام هو مجرد التلفظ بشهادة "أن لا إله إلا الله"، ولا يعلمون أن لها مقتضيات إن لم يلتزموا بها فهم لم يلتزموا بشهادة "أن لا إله إلا الله" .


وخلاصة القول:


إن غياب الفهم الشاملِ لدينِ اللهِ كمنهجٍ لجميع شؤون الحياة، بما في ذلك منهج الإسلامِ في محاسبة الحكام، لأنه باستقامتهم على المنهج على دين الله تعالى تستقيم أمور البلاد والعباد، فغياب هذا الفهم من أكبر مواطن الخلل في حياة الأمة اليوم، فيجب أن نعي هذه المسألة وعياً تاماً ونفقهها ونحن نبدأ مسيرة الإصلاح اليوم لنسير على الصراط المستقيم بإذن الله تعالى، ولا نذهب في التيه لقرنٍ آخر من الزمان، ومن الكتب المفيدة في ذلك والتي شرحت الآية الكريمة السابقة؛ كتابُ "الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكتابُ "فتح المجيد" للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله تعالى، وكتاب "مفاهيم ينبغي أن تصحح" للشيخ محمد قطب.


وهكذا؛ ظهر أن الحكام عاجزون وخائنون، وأنهم لم يسيروا على منهج الإسلام القويم، بل ساروا وفق أهوائهم وشهواتهم، وهذا هو سبب الانتكاسات في مسيرة الأمة خلال العقود الماضية، وبالتالي يتضحُ لنا جلياً أن الحلَّ يكمنُ في التمسكِ بدين الله تعالى الذي أعزنا الله به خلال القرون الماضية، وتنصيبِ قيادةٍ قويةٍ أمينة تقيم القرآن فينا وترفعُ رايةَ الجهاد حقاً.


فيجبُ على الصادقينَ ممن يعنيهم الأمرُ - كالعلماء والزعماء المطاعين في أقوامهم والأعيانِ والوجهاءِ والتجارِ - أن يتنادوا ليجتمعوا في مكانٍ آمن بعيداً عن ظل هذه الأنظمة البطّاشة، ويشكلوا مجلساً لأهل الحل والعقد ليسدوا الفراغ الذي حصل بسقوط هذه الأنظمة شرعاً وعجزها عقلاً، حيث إن الحق في تعيين الإمام إنما هو للأمة، والحق لها في حملهِ على الجادة إذا انحرف عنها، والحق لها في عزله إن ارتكب ما يوجب ذلك - كالردة والخيانة مثلاً - وهذا المجلس المؤقت يتشكل من الحد الأدنى الممكن من الطاقات والكوادر دون أن يفتئتوا على بقية الأمة - إلا فيما تبيحه الشريعة في حالة الضرورة - إلى أن تستكملَ بقيةُ الأعداد عندما تتحسن الأوضاع بإذن الله، ويكون منهجهم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويبدؤون بتوجيه المسلمين إلى الأولويات المهمة في هذه المرحلة الحرجة، ويأخذوا بأيديهم إلى بر الأمان، على أن يكونَ من أولى أولوياتهم توحيد الكلمة تحت كلمة التوحيد، والدفاع عن بيضة الإسلام وأهله وحياضه، وتحريض المسلمين على الجهاد والإعداد، وتيسيرِ وصول السلاحِ إلى الناس، خاصةً الأسلحة الخفيفة ومضادات الدروع كقواذف "الآر بي جي" [46] وألغام الدبابات، وإعلان النفير العام في الأمة استعداداً لصد غدرة الروم التي بدأت في العراق ولا يُعلم أين ستنتهي، وحسبنا الله ونعم الوكيل.


فيا إخواني في الله:


ينبغي أن يكون عندنا يقينٌ جازم؛ بأن نجاتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة هي بإقامة الإسلام والجهاد، فبهما عزتنا وسعادتنا كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود [47] في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما [48] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم“.


وقد قال الخليفة عمر [49] لأبي عبيدة [50] رضي الله عنهما: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) [رواه الحاكم] [51].


فينبغي على دعاة الإصلاح أن يعلموا أن الطريق لإصلاح الأمة وتوحيدها تحت كلمة التوحيد؛ ليس بالمحاضرات النظرية وتأليف الكتب فقط، ولكن لابد أيضاً من مشروع عملي تنخرط فيه الأمة كلها - كلٌ بحسبه - ابتدءاً بالدعاء والابتهال إلى الله، وانتهاءً بالقتال في سبيل الله.


فالقتال في سبيل الله؛ جزءٌ لا يتجزأ من ديننا، بل هو ذروة سنام الدين، وكيف يبقى الدين بدون ذروته؟! [52]، وهو ضرورةٌ مُلِحّةٌ لحياة أمتنا وعزها وبقائها، وقد صدق عدونا وهو كذوب، إذ قال معلماً لأبنائه: (أنت تقاتل؛ إذن فأنت موجود)، هذه هي الحقيقة التي يعلمونها أبناءهم ويرسلون إلينا بعكسها، كما أن القتال مطلقاً ضرورةٌ لبقاء الدول الكبرى، وانظروا التاريخ إن شئتم - بما في ذلك تاريخ أمريكا - فقد أشعَلَتْ عشراتِ الحروب خلال ستة عقود فقط [53]، لأن ذلك من أعظم ضروراتها الملحة، فيومَ أن تتخذ الولايات المتحدة الأمريكية قراراً صادقاً بإيقاف الحروب في العالم؛ فهي تعلم قبل غيرها أن ذلك اليوم هو بداية تفكك ولاياتها وانهيارها - وذلك قادمٌ بإذن الله - فاحذروا كل دعوةٍ لإلقاء السلاح تحت اسم الدعوة للسلام، لأنها في الحقيقة دعوةٌ لتخذيلنا واستسلامنا، ولا يُرَوّجُ لمثلِ هذه الدعوات إلا جاهلٌ أو منافق.


وقبل الختام:


أُحَرّضُ شباب الإسلام على الجهاد – ولا سيما في فلسطينَ والعراق - وأُوصي نفسي وإياهم؛ بالصبر والتقوى، وأن يثخنوا في العدو بقوة، مع الحرصِ على دماء المسلمين أثناء ذلك، وأن يحذروا ولا يتوسعوا في مسألة التترس، ويُقَدّرُهَا بقَدْرِها علماؤهم الصادقون - كل عمليةٍ على حدة –[54] فإننا إنما نرجو نصر الله بالصبر والتقوى، اللهم اجعلنا من الصابرين المتقين.


وفي الختام:


أنقل إلى شباب الإسلام في كل مكان كلماتٍ قصيرةً سمعناها ممن قبلنا من أجدادكم الذين عركتهم أحداث السنين في أرض فلسطين، ومَرّت على رؤوسهم عشرات المبادرات والمؤامرات والمصائب التي تدعو إلى السلام فأذكركم بها، تلكَ هي:


سيحدثونك يا بنيَّ عن السلام

إياك أن تصغي إلى هذا الكلام

صدقتُهم يوماً فآوتني الخيام [55]


{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] ...


{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201].


اللهم إني أسألك أن تثبت أقدام المجاهدين في كل مكان، ولاسيما في فلسطين والعراق وكشمير والشيشان وأفغانستان،


اللهم سدد رميهم واربط على قلوبهم وألف بينهم ومدهم بمدد من عندك وانصرهم على عدوك وعدوهم، فإنه لا ناصر لهم إلا أنت يا قوي يا عزيز،


اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذلُّ فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ...


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،


والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسل