نحو رؤية استراتيجية للعلاقات العربية- الأفريقية

من معرفة المصادر

نحو رؤية استراتيجية للعلاقات العربية الأفريقية، مقال كتبه حلمي شعراوي في نوفمبر 2006.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المقال

من المنطقي أن تخلق الأزمات الكبرى في بلد ما أو منطقة ما شعوراً بضرورة بحث الأبعاد الاستراتيجية للأزمة التي تعيشها أو المناهج الاستراتيجية لمواجهتها أو الخروج منها، وأن تُنشأ من أجل ذلك مراكز البحوث وتعقد أهم المؤتمرات. ذلك ما حدث في أوروبا عقب الحرب الثانية. وحدث ذلك في عالمنا العربي بعد حرب 1967 بظهور مراكز ذات بعد استراتيجي في فلسطين ومصر خاصة، كأفضل الأشكال التي نشأت في هذه الظروف. ثم كان ما وصلت إليه حال العرب الأخيرة وأوضاعهم المؤسفة منذ أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الجديد، فشهدت المنطقة موجة من تأسيس "المراكز الاستراتيجية"، أو اجتماعات مهمة تحت هذا العنوان, وإن كان تعدد مصادر الأزمة وأشكال المأزق قد جعل بعض هذه المعالجات الاستراتيجية ذات قيمه محدودة، بينما استغرق بعضها الوقت الأطول لإدراك ضرورة المعالجة الاستراتيجية الحقيقية. لكن أحداً لا ينكر على أي حال ضرورة هذه اللقاءات وإنشاء المؤسسات التي تنظِّر وتحلل، وتستبعد الانطلاق من المسلَّمات البسيطة، لبناء خطط ذات بعد مستقبلي حقيقي.

وقد أتيح لي حضور عدد من هذه اللقاءات مؤخراً تحت عنوان "الأزمة الاستراتيجية"، بعضها على المستوى العربي لظروف التطورات الكارثية في المشرق أو الخليج، وإحساس البعض بأننا كما يبدو في نهاية التاريخ لمرحلة عاصفة بالاحتمالات والتوقعات وأيضاً بالانحيازات الجديدة والخطيرة. وأترك هذا للمتخصصين في الشأن بدلاً من بعث مزيد من القلق دون داعٍ. أما ما أشير إليه هنا فهو القلق على المستوى الأفريقي حول جانب من جوانب الأزمة الوجودية الأفريقية، وهي أزمة العلاقات بين الأفارقة والعرب، خاصة في مناطق التماس. وقد انتبه "ألفا عمر كوناري" رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، أو أمينه العام، إلى أبعاد حقيقية لهذه الأزمة، حين التقى بنا كمجموعة من المعنيين بهذه الأزمة في أديس أبابا أواخر أكتوبر 2006، لبحث تطوير المعهد الثقافي الأفريقي- العربي القابع دون إمكانيات في "باماكو" عاصمة جمهورية مالي، ليصير معهداً للدراسات الاستراتيجية العربية- الأفريقية، وليطور مهامه من دور التعريف والتقارب على أساس ثقافي له تراثه وعناصره الحية إلى دور بحث المعوقات الحقيقية لنمو هذه العلاقات وجدواها للكتلتين في عالم تتطور فيه الظواهر عبر القفزات لا مجرد التطورات التقليدية. وبدا "كوناري"، وهو أستاذ سابق للتاريخ في مالي وفي جامعات غرب أفريقيا مدركاً لطبيعة "الأزمة الاستراتيجية" بين العرب والأفارقة، فهي لا تتعلق فقط بمعالجات التاريخ، وما تثيره حول الهيمنات السابقة، أو تجارة الرقيق أو استغلال الثروات الأفريقية، مما يثير الزوابع دائماً في علاقات الجماعتين الثقافيتين، ولكن الأمر بات يتعلق بالأزمات التراجيدية الحالية والصراعات القائمة في أكثر من بلد عربي أفريقي، سرعان ما يستدعى فيها التاريخ العرقي أو الاجتماعي لمعالجة واقع سياسي أو أزمات إقليمية ودولية. وقد طرح" كوناري" في حديثه معنا، مثلما ردد في لقاءاته الأخيرة عموماً، فكرته عن صيغة "الأخوة" الأفريقية- العربية بديلة للحديث عن "التعاون العربي- الأفريقي" أو تقارب دول الجوار أو منطقة "التماس" العربية الأفريقية. وعبر "كوناري" عن أمله أن يقوم معهد لـ"الدراسات الاستراتيجية" لمعالجة قضايا "الأخوة الأفريقية- العربية" هذه بدلاً من تركها ليتعمق الصراع بين المنطقتين. وقد أوحى إلي هذا الحديث، مثلما استشعرته في لقاءات عربية أخرى، بأن الأزمة بدأت مؤخراً مع غياب الدور الشامل لحركات الجامعة العربية أو الأفريقية، أو ما كان يسمى بالحركات القومية على المستوى العربي والأفريقي على السواء. وذلك بسبب ظروف العولمة نفسها وانعكاساتها سلباً وإيجاباً من جهة، وبسبب غياب "الأدوار الكبرى" لقوى إقليمية تنظم هذا الإقليم أو ذاك تحت راية هذه الحركة بحثاً عن وضع أقوى في تفاوض دولي محدد الأبعاد. لم يعد هناك دور للدولة الإقليمية الوطنية التي تضبط الإيقاع في إطار المنافسة لا الصراع. وها نحن لا نرى غير إسرائيل دولة رادعة في الشرق الأوسط لمصالح عدوانية في ظل غياب الأدوار العربية بل وإغراق العرب لأنفسهم في "صراعات" أخرى أصبحت مفروضة بحكم قوة "الجوار" أو ضعفه! وكانت "مناطق التماس" الأفريقية العربية -بوجه خاص- وما يجري أو قد يجري فيها حاضرة في مناقشاتنا مع "عمر كوناري". فالموقف في دارفور، والسودان عموماً نموذج لتطور داخلي اجتماعي اقتصادي سياسي، ولكنه سرعان ما أصبح مشكلة "عرب وأفارقة" بامتياز. ويقترب الحال من ذلك في تشاد، وها هو في النيجر، وبعمق آخر في قضية الصحراء، وقبل قليل كان في إريتريا، ويبدو أن الأمر في الصومال، سيتحول إلى مثل هذا القول إذا امتدت "المحاكم الإسلامية" جنوب الصومال (الأفريقي) واحتمى آخرون (بالداروط العرب) غرب الصومال مثلاً، فهل لكل هذه المناطق صلة بكونها مناطق تماس أو مناطق جوار عربي- أفريقي محملة بالتاريخ والسلبيات الثقافية العربية في أفريقيا؟ أم هي مناطق اضطراب سياسي ناتج عن هشاشة الوضع الراهن والتشكيلات الحاكمة والتنمية المعوَّقة والمساعي الدولية الجديدة للسيطرة؟ لم يستطع المجتمعون مع "كوناري" أن يحسموا المناقشة، ولم يكن الهدف حسمها في جلسة واحدة، خاصة ونحن لسنا من صناع القرار! ولكن الإجماع بدا حول ضرورة دراسة هذه "العلاقات الإقليمية" المتشابكة دراسة جديدة، وأن يتطور المعهد الثقافي الأفريقي- العربي في باماكو، ليشمل هذه الدراسات أو يتحول كلياً إلى معهد للدراسات الاستراتيجية، يضم المتخصصين العرب والأفارقة تحت شعار "الأخوة" وليس الانطلاق من كتلتين متنافستين، ناهيك عن أن تكونا متصارعتين، لأن بقاء الإحساس بالتنافس أو التصارع يبعث مخاوف لا حدود لها تستغلها القوى المعادية الفعلية استغلالا نلاحظ آثاره في أفريقيا والعالم العربي دون عناء. ويتطلب ذلك أن تشمل الدراسات الاستراتيجية لمثل هذه العلاقات التعرف على إطارها الدولي أولاً، والمصالح التي تقف وراء هذا الطرف أو ذاك، وإلى أي حد هي مصالح محلية إقليمية يمكن التفاوض حولها أو مصالح عالمية بعيدة المدى في مطالبها. ثم هناك المسائل المحلية المباشرة مثل المشكلات الحديثة حول الثروات ونظم الملكية للأراضي والمياه والطرق وإمكانيات المشروعات المشتركة وعمليات التسليح، ودور المنظمات الإقليمية القومية أو القارية ولوائحها وعلاقتها بالمنظمات الإقليمية الفرعية، ومدى التطوير لها لتصبح قادرة على التدخل والمساعدة في أجواء أخوية لا صراعية. ويبدو أن البحث حول استراتيجية جديدة للعلاقات العربية- الأفريقية، لن يغذيه مجرد إقامة معهد جديد للدراسات الاستراتيجية أو الدعوة المعطلة لعقد القمة الأفريقية- العربية الثانية (كانت الأولى عام 1977) بقدر ما يحييه عمل جاد لإعادة النظر في الهيكل المعقد القديم (رئاسات ولجان ومؤسسات...) انتقالاً إلى شكل مبسط يعتمد على حيوية الأمانات العامة للمنطقتين. ساعتئذ سيكون التقاء مثقفين وخبراء جادين ودراستهم لأسس معهد استراتيجي وثقافي جاد في أهدافه وعمله، بما يجعل مثل هذه المؤسسة الشاملة، محور انتقال حقيقي من قضايا "التماس" أو "التهميش" إلى فعل الشراكة والأخوة بمنطق أوسع من مفاهيم التعاون العربي- الأفريقي التقليدية، والتي يبدو أن الزمن قد تجاوزها إلى حد ما. وبالمناسبة هذه الملاحظات لا تتعلق بعلاقة العرب بالأفارقة فقط، ولكنها قد تجوز بالنسبة للعوالم الأخرى المحيطة بالعرب!


المصادر