لبنى ياسين

من معرفة المصادر

== السيرة الذاتية:

لبنى ياسين

كاتبة ومحررة في مجلة حياة.

عضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات. عضو في اتحاد كتاب الانترنت.

الجنسية سورية.

بكالوريوس علوم جامعة دمشق.

دبلوم تأهيل تربوي جامعة دمشق.

درست الرسم والنحت في معهد أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة في دمشق.


الإصدارات:

- ضد التيار- مجموعة قصصية ونالت عنها العضوية الفخرية للكاتبات المصريات وهي البادرة الأولى للجمعية في إعطاء العضوية لكاتبة غير مصرية.

- المشاركة في مجموعة قصصية بعنوان(استفهامات خرساء) الصادرة عن وهج الحياة للإعلام لمجموعة من الكتاب بقصة (دعوت لأختي).

- المشاركة في مجموعة قصصية بعنوان ( أسراب طينية) الصادرة عن وهج الحياة للإعلام لمجموعة من الكتاب بقصة (أياد بيضاء.. ولكن).

- أنثى في قفص- مجموعة قصصية صادرة عن وهج الحياة للإعلام.

- تحت الطباعة مجموعة قصصية بعنوان (الموت صمتا).


آراء كتاب كبار:


الأديب أسامة أنور عكاشة:

القاصة لبنى محمود ياسين أدهشتني في أول مجموعة قصصية لها تلك التي صدرت بعنوان " ضد الـتيـار ", والدهشة هي الانطباع الوحيد الذي يؤكد الجـدارة, فالأدب الجيـد هو الذي يدهش ويثير ذلك المزيج الساحر من التجاوب بالعقـل مع ما يلمس أوتار القلب, وهذا ما لمسته في قصص لبنـى ياسـين.

لبنـــى ياسـين.. توقفـوا أمام هذا الاسـم راصـدين متابعـين, لأنه لكاتبـة واعـدة ومبشّـرة سنقرأ لها كثيرًا و ندهـش.

القاهـرة 30 / 4 / 2004



الكاتبة فتحية العسال

رئيسة جمعية الكاتبات المصريات

القـاصـة السورية لبنى محمود ياسين في مجموعتها القصصية الأولى(ضـد التيّـار) تؤكـد أنها كاتـبة وأديـبة صاحبة قــلم لـه أسلوب بارع, و أهم ما يميّـز هـذه الكاتبة هو انحيـازها إلى طبقـة البســطاء.. لذلك هي تأخذ من رحيـق الإنسان البسيط الطيـب وتغـزل فنـّـاً ..

للبنـى مني كل التحيــة والحــب, و أملـي كبيـر جـداً جـداً وكـذلك ثـقــتـــي بمستقبلها كـكاتبــة. القاهـرة 4 / 4 / 2004


الكاتب محفوظ عبد الرحمــــن:

التجربة الأولى دائما مأزق, فهي تعرفنا إلى الناس, لكنها في الوقت ذاته تورطنا بصورة دائمة, ومن الصعب معرفة الكاتب من تجربته الأولى, إلا إذا كان مبدعا حقا مثل لبنى محمود ياسين, في مجموعتها القصصية الأولى ضد التيار.

بالتأكيد عندما تكتب مجموعتها الثانية ستكون أكثر رسوخا فهي من الآن تمتلك قدرات كبيرة, والقصة التي تصدرت مجموعتها بها وعنوانها (موت صابر) تضعها بين كتاب القصة الراسخين...إنها أجمل مجموعة أولى.



الموت صمتا ==




هو كان رجل الاختصار ..رجل القضايا المعلقة ..رجل العبور المار ليلا في قطارات الهروب...رجل النقاط الحازمة التي تنهي السطور بترفع ,تشي هامته الطويلة بنفس أبية, بينما يشي نحوله و لمعان عينيه بطبع ناري ليس من السهل إخماد براكينه.

هي كانت امرأة الخوف..لا تكاد تشغل مكان فاصلة تتكئ بحياء على السطر لتفصل بين جملتين متقاربتين , امرأة الأرض الساكنة ..التي توقفت عن الثورة و ربما عن الدوران منذ عصور..امرأة الرغبات الأرضية بكل ما فيها من تهميش و تضليل.

على هامش الحياة التقيا قليلا ..قليلا بما يكفي للقاء عابر دام دهرا ..بهرها عنفوانه ..شدها كبرياؤه .. ارتعدت إعجابا بتحليقه في سماء الفتنة...بهرته هو بساطتها و أعجبه انبهارها بكل ما فيه.

قالت له : أهلي لن يرضوا بك ..فأنت تنتمي لديانة أخرى ..

قال لها : إن لم تحلقي للسماء ..لن تنزل السماء إليك ..إن لم توغلي في أعماق البحر ..لن يفتح هو لك ذراعيه و يتوجك بانكسار أمواجه عند الغروب حورية بحر... و القرار لك.

هي أرادت أن تكون له ..أرادت أن تكون مثله ..أغرتها فكره الإيغال في الماء الأزرق ..فغادرتهم ذات شمس بدون حقيبة سفر..فقط تركت ملاحظة صغيرة:

-اعذروني ..أريد أن أرى علو السماء ..و عمق البحر ..احبكم جميعا.


طوت مسافات الاختلاف على جناح المحبة... تأبطت كبرياءه .. و ركبا أول طائرة للفرح تقلع باتجاه أحلامهما ..على صوت انبهارها به يعلن أن على ركاب طائرة الشوق حزم أمرهم ..و الصعود إليها.

لم يكن ثمة غيرهما ..على متنها..و بضع تفاصيل أخرى مهملة - لم تكن تستحق التفكير بالنسبة إليه - شغلتها حد الهلوسة ...

ثم هبطت الطائرة على مطار الحياة اليومية ..و على مدرجها الوعر ..بدأت طقوسهما تبدي اختلافاً شرسا و بدأت هي تهوي من علياء السماء ..بسرعة مخيفة.

هي سألته مراراً ..ماذا تحب أن أطبخ للغذاء ؟ هل تريد أن أجهز لك الحمام لدى عودتك؟؟هل يحتاج قميصك إلى غسيل؟؟

هو سألها ..أيكفيك هذا العلو ..أم تريدين أن نحلق أكثر؟ هل كانت السماء زرقاء كما ينبغي لعيون حبيبتي؟؟هل أحببت السير فوق الغمام؟؟

كان ثمة هوة كبيرة متسعة بينهما ..لم يستطع أن يبني لها جسرا من دقات قلبه..لم تستطع هي القفز فوق تلك الهوة ..كانت تنفلت من بين يديه ..و هولا يستطيع شيئا لإيقاف ذلك السيل الجارف المار بينهما.

ذات يوم قال لها: دعك من الغذاء ..دعك من قميصي..سأصوم دهرا إن أنت شاركتني حياتي..شاركيني جنوني ..شاركيني حزني ..عمديني بدموعك و سأغدو نبيا ..ابتريني بحزمك و لتتركي بي عاهة لا أبالي ..لا تقفي متفرجة هكذا أريدك معي في كل خطوة اخطوها.

هي ...لم تفهمِ شيئا مما قاله وقفت و هي سادرة اللب ..لم تع ِ ما الذي عليها أن تفعله عدا تجهيز الغذاء و ترتيب أمور المنزل ..فاستفاضت حيرة .

بعد شهور لم يلتقيا فيها إلا على حافة سرير ..لم يتحدثا إلا بضع كلمات ..احضر لها الجريدة التي اعتاد أن يكتب بها ..رماها في حضنها دون أن ينبس ببنت شفة و مضى صامتا نحو سرير الغربة .

فتحت الجريدة ..توجهت إلى زاويته ..كان عنوانها ..الموت صمتا ..تتحدث عن فجيعة الحب غربةً بين حبيبين لا يمتلكان لغة ما .. عن حبيبين يتحدثان لغتين مختلفتين تماما ..عن انتحار الشوق في لوعة الاختلاف ..عن اغتيال العشق في حضرة الصمت ..عن جنازة الحب المتواضعة التي لم تكن تليق أبدا بعلاقة كتلك.

هي ..لمت حقيبة الخيبة ..و عادت أدراجها .. منتعلة حزنها على طائرة الندم.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لأنه لا يراني

سأقص شعري...نعم سأقصه, و ليذهب و رأيه و استبداده إلى أعماق الجحيم , كلما ذكرت ذلك أمامه استشاط غضبا ... و صرخ و ارعد و أزبد , ما زال يراني طفلة , لا يدرك أن قسوته و الزمن فعلا بي فعل الشمس بالثمرة الفجة ... أنضجاني ... حررا المرأة في داخلي فأطلت برأسها من صدري و غزت نارها محاجر عيني ... كل من حولي أحس بالتغيرات التي طرأت علي ... إلا هو ... لا يريد أن يرى إلا طفلة تزوجها منذ بضع عشر سنة ... و أنا لم اعد تلك الطفلة التي كان يلتهم عشاءه ممزوجا بملح كبريائها ... لا يريد أن يشعر بالأنثى التي في داخلي ... يريد أن يغتالها فأظل طفلة ملك يمينه ... لا يعجبه كبرياء المرأة الذي انساب في داخلي ... و صبغ كل خلية من خلاياي و كل جارحة من جوارحي ... لم يعد بإمكاني أن أبقى طفلة ... لا أستطيع ... ما زال يصر على بقاء شعري طويلا ... يظن انه بإصراره هذا سيسجنني على أبواب طفولتي ... بت امقت شعري بعد أن كنت اعشقه و أنا في مقتبل العمر حين كنت انثره على ظهري رداءاً , فينساب شلال جمال اسود يخفي معالم ظهري , فامشي في الحي مختالة كطاووس و أنا اشعر بالنظرات تتكسر على انسيابه المرن , و تنزلق على طوله , لتتساقط عن آخره مذيلة بكلمات الإطراء المعسولة , فاكاد ألامس حواف السماء تيها , لكنني الآن امقته ... نعم امقته ... انه يذكرني باستبداده ... بتجميده لي على ضفاف الطفولة ... و يعلمني بأنه لا يراني ... لا يدرك أي امرأة أنا .

عندما كنت صغيرة , كنت املك روحا مضيئة متمردة , لم تكن تقبع داخلي أبدا ... كنا نتسابق أنا و هي على دروب اللهفة حتى حدود الغمام ... لم يحدث أن سبقتها قط , كانت تتوق إلى المجهول و تهرب باتجاهه , كانت متمردة حقا ... عنيدة ... وثابة , لكنه مذ تزوجني أطبق كف سطوته حول عنق تمردي و حبس روحي هناك إلى الأبد.

لا احب قولبته لي في قالب يريده هو , و اجتثاثه لما يطفو مني فوق ذاك القالب ... سأقص شعري و لو كان طلاقي منه ثمنا لذلك ...الآن حتما سأقصه.

ارتديت ثيابي على عجل و قد اعتمل التصميم في داخلي , و طفقت خارجة من منزلي باتجاه محل الحلاقة النسائية , ترددت في البدء عند اجتياز بابه المزين بصور النساء ذوات الشعر القصير , خوفا من أن ينهمر غضبه وابل صراخ مجنون يرعبني... يمزقني ... كم يفزعني غضبه ... لكن لا ... يجب أن يعلم أني نضجت ... عليه أن يحس أنني الآن ند لرجولته و عناده ... لم اعد طفلة .

خرجت من محل الحلاقة و قد أزحت عبئا عن كاهل رأسي و قلبي ... فقدت معظم طول شعري ... و ما تبقى منه لا يتجاوز الكتفين ... رميت ورائي شعري و طفولتي في لحظة واحدة ... أتخيل كم سيكون غضبه مدويا ... فيختلج قلبي .

وصلت داري ... لم يكن قد وصل بعد , فانبريت احضر له طعام الغذاء على اكمل وجه يحبه ... احسن وجه على الإطلاق ... فسبب واحد لإغضابه كافٍ تماما ليوم واحد .

سمعت صوت قدميه على الدرج , بدأت أنفاسي تتحشرج في صدري في شجار للانبثاق السريع و التحرر من فتحتي انفي , بدأتُ ارتعد كريشة في مهب رياح عاتية , لكنني سأواجهه ... لن يشعر بخوفي أو بضعفي هذه المرة , سأقف في وجهه ... لن اختبئ كعادتي تحت اللحاف ... تحاشيا لغضبه الذي ينتزع فتيل الأمان من حياتي بقسوة , سيرى أخيرا أي تغيير طرأ علي ... لا اقصد شعري بالطبع ... شعري عنوان الكتاب , و سيجبره ذلك العنوان على فهم المحتوى .

ادخل المفتاح في قفل الباب و أداره , بينما كانت تتقاذفني مشاعر الخوف و التردد ممزوجة بالتصميم و الحزم , تحركت ضلفة الباب و انبثق أمامي بجسده الضخم... لم استطع النظر في عينيه , انتابني ذعر شديد فتجمدت في مكاني دون حراك و اعتراني صقيع غشي جسدي بكامله فرحت ارتجف , نظر الي ... جال بعينيه فوق خارطة جسدي , و بعد لحظات من الصمت الموبوء نطق قائلا : ماذا طبخت للغذاء؟؟؟؟؟؟




موت آخر

انبثق أمامي فجأة بهامته الباسقة , لكن انحناءاً ما أصاب شموخها , فأصابني بالذعر , وقفت في حضرة انكساره مندهشا حد الألم وبادرته بالسؤال :

لمــاذا ؟ .. لمـاذا ذهبـت إلى هناك يا رجــل ؟ لماذا ورطت نفسك؟

رفع نحوي عينين متعبتين إلى حــد الإعـياء و لم ينبس ببنت ألــم , بل تابع سحب قدميه ميّممـًا شطر منزله , لحقــت به .. و في سكون الليـل المدقـع لم يكن ثمة صوت سوى صوت اجتـثاث قـلبه من هاوية الوجع المدمر, كان في عينيه شئ ما .. شئ كسرته العتمة و محـا بريقه الألم , لم يغـب سوى شهور قاربت أن تـنهي حبلها بسنة .. لكني أحسست أن دهوراً وقـفت بيني و بينه , و كما تقابل شخصا غادرته لسنين فتحس انه صار شخصا آخر , اصبح هو شخصا آخر, هناك في داخله كان ينبت عشب بـّري يرفض اجتـثــاثـه و لو حتى بالتـنويـه .

أوصلته حتى داره .. تراكض الجميع يرحبون بعودته ويسلمون عليه بلهفة موجعة بينما هو تائـه النظرات , لم يعـر أحـداً اهتمامه وكأنمـا فقـد القـدرة على التواصل مع العالم الخارجي وانكفـأ إلى عـوالـمه الداخلية يجــّر ذيول خيـبته وألمـه .

تركتهم و مضيت في حال سبيلي , قـلت سآتي غـداً للاطمئنان على صحــة أغـلب الظن ما عاد يملكها , لربما استطعـت التواصل مع إنسان قـدم حواسه الخمس للتقاعــد المبكـر .

استوقـفتـني زوجته (أختي) .. قالت لي ابقَ الليلـة عندنا فهو صديقـك المقـّرب , و لربما ساعـده بقـاؤك .

لكنني وجدت في ذلك إزعاجا ً سافراَ له , لقد اجتـاز مسافة طويلة للوصول إلى محافظة البرتـقـال ( ديــالى ) حيث منزله , أغـلب الظن انه يـــتوق إلى وحـدة ٍ و سـرير ٍ و ظــلام ٍ و صمــت .

تسابقـت الأفـكار على رأسي طيلة الطريق , كيف وصل إلى مدينتـنا الصغيرة بحاله هــذا ؟ أعلى أقـدام الخيـبة أم على أجنحة الوجع ؟ و ما الشيء الفظيـع الذي مر به حتى يقـلبه إلى هذا الكائـن الغـريب في اقـل من سنة ؟؟ هـو .. الرجـل الذي كان يستـفيض مرحــًا , كان يحمل معه حقيبة الفرح أينما حل يفتحها أمامنا ..كحاو ٍ ماهر , و ينثر محتواها عبقا ً يزيح به ضباب الملل و كآبة الأيام , لم يكن ثمة رجــل بيننا أخف ظـلاً أ و اكثـر ضحكا أو اقـل هـَمّاً منه .. فما الذي قـلبه بهذا الشـكل ؟؟ .

مضيت إلى منزلي , لم أنم ليلتـها , غالبني النعاس و لم يغـلبني , و كبْوم ٍ مكابـر بقيت ساهـد الطرف سادرا ً حتى خيوط الصباح الأولى , استسلمتُ بعـدها لكوابـيس مــوت مؤلـم مدمـر .

حلمت به .. كانت الذئـاب تطــارده مطاردة عـنيفة , ثُم أحاطت به و تكالبت عليه تنهش لحمه , رأيتهـا تهاجمه .. تعـض أطرافه فـتـتساقط أشلاؤه شـلــواً تلو الآخـر , و رأيته يعاود التـقاط أشلائـه و يضعها كيفما اتفـق لـتـلتـصق بجسـده , تـشــّوهَ شـكله .. صار أشبه بمسخ مرعب , لكنه لم يفـرط بقطعة من جسده المتمـزق ولا حتى بظفـر , ما زال الجسد جسده رغم كل التـمزق , رغم كل التشوه , و برغـم جميع الألـم .. ثم انبثــق الدم من جسده واصبح نهــراً .. جـرى نهـر دمـه بتدفـق مهـول .. فيضانـاً اقـتـلع كل ما وقف في طريقه حتى ثـلة الذئاب التي حاولت في البداية أن تشرب من نهر الدم , كان مصيرها هي الأخرى الغـرق في فيضـانه.. بينما هـو ما يزال واقفاً حيث هـو, صامداً يحاول معالجة أعضائـه الكليمة و إعادتها إلى مكانهـا .

أوجعـني كابوسي .. واستيقظـت غارقـاً في عـرقي بـدلاً من أن اغــرق في دمه , كنت اخـتـنــق .. واكتشفت للتــّو أن عـينـيّ لم تغـمضا لأكثر من ساعـتين .. لكن الصباح أعـلن عن إشراقـه مزيحـاً ستائر الظلماء عن وجه الكون بجيوش من أشعة الشمس .

ارتديت ثيابي كيفما اتفق ناسياً أن اغسل آثـار خرائب الليل و فيضاناته عن ملامح وجهي , ويـممـتُ مسرعا شطر داره ثانيـة و قد نـال مني كابوس الـدم ذا ك .

فتحـت أختي الباب واجمة وكأنها أصيـبت منه بعـدوى الذبول و الصمت .. قـلت لها

ــ كيف حالـــه ؟؟

رد ت :

ــ لا حـال لديه تسأل عـنه .. لم يـأكل .. لم يتـكلم .. لم يصغ ِ .. و لو آ ل الأمر إليه لما تنفس , ارتـمى فـوق سريره بعـد أن أغـلق الباب وراءه في محاولة لإبلاغـنا بوجوب البقاء خارجا بطريقة مهذبة , دخلت إليه بعـد قـليل فوجـدته غـارقاًً في نوم متعـب , بيـنما تجمعـت ملامح وجهه وتقـلصت وتمركـزت في منتصف وجهه , فخـرجت مغـلقة الباب ورائي لعـل النوم يزيح عنه شبح الإعياء الذي يهيمن عليه .

اتجهتُ إلى غرفـته بعـد أن قـدّرتُ انه نام فترة مناسبة تماما لإيقاظه بعدها .. طرقت الباب , وإذ لم أتـلـقَّ جوابا فتحته بهدوء شديد و دخـلت , كان قد حرص على استضافة الظلام في غرفته بإغلاق النافذة الوحيدة و إسدال الستائر جيدا , وجدته كما وصفته أختي تماما , ولـولا إيقاع أنفاسه المتعـبة لاعتقـدتــه ميتـاً .

هززتـه برفـق مرددا بصوت هامس :

ــ استفق فقـد أفرد الصباح جناحــــه .

دون أن يفتح عينيه أجابني :

ــ أي صباح ؟ أنت تهـــذي .

قـلــت له :

ــ قــم وحـدثـنا , فقـد اشتـقـنا لأحاديثـك المرحــــة .

فتح عينيه بشح ٍ شديد كأنما خاف أن يهرب منهما النوم قائلاً :

ــ و ما نفع الكلام .. افتح الباب و انظـر خــارجاً .. هـل بعـد هـذا كله كلام يُـقــال ؟

قـلــت له:

ــ قــم يا رجـل ..أولادك بانتـظارك .

قال لي :

ــ قـلْ لهم إذن ألا ّ ينتـظروني .. فلم أعــد هـنا.

أربكـتـني كلماته .. هـزتـني في العـمق .. بل قل أوجعـتـني , وحرت في أمره لكني احترمت رغبته و خرجت مغـلقـا ً ورائي بابـا أظنه يريـده بابا ًً لـلحــده .

جلسنا في الصالة .. لم تكـن صالة بمعـنى هـذه الكلمة , إلا أنها مع ذلك كانت تؤدي وظـائـف الصالة وغرفة الضيوف وغرفة الطعـام معا في النهار .. أما ليلا فكان لها عمل إضافي غير مأجور إذ أنها تتحول إلى غرفة نـوم للصبيـين الكبيرين الذين تجاوزا سـن ّ الثالثة عشر فتم فصلهما عن أخواتهما الإنـاث , وخصصت هذه الصالة لنومهما بعد أن تفرغ ليلا من أشغالها الأخرى . أحضرت أختي إبريق الشاي , وجلست قبالتي , كانت تمنع دموعها من الإفلات من فتحتي عينيها و هي تسألني بسذاجة طفـل ما الذي يجري ؟؟

بماذا أجيب و ليس لدي أي شئ يحمل بريق إجابة .

قلت لها : صبرا يا أختي .. إنها مسألة وقت , ما مر به ليس بالقليـل ,الحمد لله انه عاد .. أما كنا قد يئسنا من ظهوره ثانية؟؟

ردت أخـتي : حقــا ً !!! لقد أصابني اليأس من عـودته , و اعتقـدت انه ربما ... وسكتـت برهة لتنجو بنفسها من احتمال موته و لو شفهيا , ثم أضافت :

ــ لا قـدّر الله !! الحمد لله الـذي أعـاده لنا سالما ً.

شعـرت بوخـزة غـريبة للسخرية تمتـزج بجملة ( عاد سالما ً) .. وربما تطال وخزتها هـذه كلمــة ( عــاد ) أصلا َ, فأنا شخصيا لم أجـد شيئا عـاد منه حتى اللحظة .

بقيت إلى جانب أختي اشد أزرها إذ لم يعـد لديّ ما أقوم به طيلة النهار سوى انتظاري اليائس لاستيقاظـه من مـوت مؤقـت يـريد أن يعتـقـده دائمـا .

فـتـح باب غرفـته .. خرج إلينا بخطوات وئيـدة وكأنه يضنّ عـلينا بحضوره , هالني شكله في الضـوء , فلـم أكـن قد رأيتــه من خلال نـور واضح قبل اللحظـة , كان مـيتـاً يخطـو على أرجـل حـي .. كان ميتـاً حقـا ً .. و قد فقد مع فرحه كثيراً من وزن جسده المتعب... و كرشا ً كان يبارينا بها وفي عينيه تلك النظرة التي تفيض ألماً حتى فرغـت من المعـنى و امتلأت وجـعــــاً .

لم يحفــل بنـا ولا بشيء حولــه .. لم يحاول حتى أن يخـصّ أي شئ كان قـد فارقه قرابـة السنـة بنظـرة خاصة ولا حتى زوجته المشتاقة .

جلس على كرسيه وكأنما كان قد تركه قبل النوم فقـط , بدون كلام , فـقط بـكل ذلك البؤس المطـلّ من عينيه الذي لم تفارقـني مفـردات له حتى اللحظـة لم أفهمهـا .

قامت أختي بتجهيز الغــذاء الذي يحـب , وربما الأصح أن أقول العشاء , نظرا لأفول الشمس مصادرة معها دفئا لم اشعر به, إلا أن إصرار أحـد منا لم يثـنه عن مقاطعتـه للطعـام .. فما عاد الطعام من اهتماماته مطلقــــاً .

أ رِ قٌ هـو .. تـَعِـبٌ .. مهـزومٌ .. مخـنوقٌ .. متألـمٌ .. ضائـعُ ..غاضب.. لكنه حـتماً ليس بجـائع .. على الأقـل ليس إلى الطعـــــــام .

احتراماً مني لشهيته المفقودة لكل شئ .. قاطعت بدوري الطعـام .. وأومأت لأخـتي بأن تـتركنا وحـدنا عـلّ رياح الصداقة المتينة التي ربطتـنا منذ نعومة أظفارنا تهب على هـمومه و تشد أزر رغبة دفينة في إزاحة عبء ثـقيل عن كاهله فتــأذن له بالبــوح .

ــ هـيا يا صديقي , فأنـا بئر أسرارك كنت وما أزال .. أنا من شاركك آلامك وأفراحـك و مغامراتـك ومقالبـك وتقـلباتـك وأسـرارك الصغيـرة تـلك التي كانت يومها بحجـم المحـيـط .. ما زلت أنا رغم تقـلبات الدهـر علينا , رغـم الأوقــات الصعبة التي مرت على كل منـا , رغم كل شئ .. لم ينقـص من صداقـتـنا سوى شـوائب الزمن فازدادت متـانة مع تقــدم العـمــــــر .

بكى صديقي , وانفرطـت لؤلؤتـان غاليتـان من عـينيه نزلـتـا باستحياء وإبـاء ذكوري على خـديه , أوجعـتـه دمعـتــاه وهـما تنهمران قسرا على مرأى مني , فما زال يريـد أن يـبدو قويا.. ربما ذلك الجانب مني الذي اصبح قريبـه بالمصاهـرة هو تحديدا ً ما أوجعه ببكائه أمامي , تمتـم بكلمات لم تكن مفهومة أبـدا .. بضع كلمات منها زايلها الغموض ففهمتهـا , لكنها وصلتني دونما ترابط كما في الكلمات المتقاطعـة , ثم انفجر بالكلام دفعة واحدة .. و أجهش بالبــكاء كمـا لم أ رَ رجلا ً يبكي من قـبل , أصبحت عباراته تأتيني متقـطعة الأوصال , أليمة الأشلاء , لكني صرت افهم و أحس كل ما كان يقوله وما لم يقـلــه , صرت اشعـر بحـواسه و أرى بعـينيـــه .

قال لي بصوت متهدج يكاد يطغى عليه صوت أنفاسه المكلومة المتـقطعة :

ــ تصور امرأة تـُخـلّـد انتصارها بصورة فوتوغرافية فوق عـري رجـولـتي , و تقـف بوضعـيـات فاحشة و بأخـرى مذلـّة فوق جسدي العاري , ضابط هـي في الجيش الأمريكي , لم أذق طعـما أمـّر من الذل .. و الله لم اعـرف طعـما أمــّر منه , وودتُ لو أشبعتها ضربا ... وددتُ لو قتلتها ألف مرة ... وددتُ لو متُ... لو تفجرتُ ... لو احترقتُ ... وأحرقتُ كل شئ معي , لكنني ما زلتُ حياً .

في هـذه اللحظات بالـذات شــاركته البــكاء , أجهشت ألمــا و مرارة و وجعا .. أجهشت ذلاً .

أردت أن اصرخ به لا تبــك ِ فالجــرح جرحي أيضا , لكن صوتي اختـنـق مع دموعي , فلم اعـد قادرًا إلاّ عـلى العـويل كالنساء .

آه يا جـرحي الهرم وأنت تمتـد خنجرًا في الخاصرة يطال كرامتي كما طال كرامته قبلي .

سكتَ قليلا , كنتُ أعلم أن في جعبته الكثير من الألم المتحصن خلف قسماته الموجوعة , لكنه آثر أن يذيل حديثه بالصمت ...مواريا ً عوراته النفسية خلف سكونه , بعد أن كُـِشفتْ عوراته الجسدية أمام عيون لصوص الحضارة , فرحت أغيـّر مسار الحديث صوب أطفاله عــله يسلـو , ومضات غـبيــة اختبأتُ وراءها عـندما أدمته الــذاكرة في محاولة للنيل منه ثانيـة .. إلا انه لم يكن يسمعـني .. لم يكن يـراني , كان وحــده تماما في الغــرفة .

تركته و خرجت ... مضيت تائها في سواد الليل .. اختلط بكائي بعويلي بذهولي بصمتي بتشردي .. بذلي.. لم اعد اعرف من أنا.

تتقاذفني الأزقة الضيقة و متاهات الضياع في داخلي , وددت لو خلعت حواسي الخمس ووضعتها عند اقرب جمعـية خـيرية .. فـلربما احـتاجها غـيري ليعـزز صلاته بما حوله لكي يـرى و يسمع و يحس جيــــــدا بما يـحــــد ث..و ربما كان اكثر شجاعة مني فاستطاع أن يفعل شيئا ً .

على أطـلال خرائـبي مشــيت .. على وهــم ٍ كان اسمه أنــا .. على ذيـول الخيـبة الحـمقاء اسرج فتيـل حـزني , فــــــلا أستطيـــــــع أن احـــــــزن اكـثــــــــــــر .

يا له من مـــــوت مفجـع ٍ أنــاخ بلعـنـتــه على كل ما حــولي .. و تركني إمعانـاً منه في تعـذيـبي و إذلالـي .. أ للمـوت مفاضلات وتفضيــل كما للحـــــــــياة ؟؟

فـقـدتُ قـدرتي على الرؤيـة بمباركة العـتــمة التي حــلت فجــأة حولي وفي داخلي و صرت أتخبط في محاولة مستميتة لتحديد وجهتي , لكني و لدهشتي وجدت نفسي حيث أنا .. على خطوات من منزل أختي , كأني غادرتـه للـتـّو , كان نور الصالة مضـاءاً مما يعـني انه ما زال هناك يلوك أوجاعه و تلوكـــــــــــه .

أحنيت شموخ رأسي بألم مخيف و مضيت صامتا نحو منزلي , مشّيعا بقايا أمل باغتني يوما ما , لا اعرف من أين أتى , لكنني اعلم تماما كيف مات .

ديالــى : محافظة في العراق مشهورة بالبرتقال.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أصـابع جـــــدي

كل يوم ادفن نفسي في السرير لاشعر بيديه تضغطان على رقبتي ...و اشعر بالدموع و قد أصبحت محيطا باردا غرقتُ بين أمواج حزنه العاتية. منذ بلغت السابعة من عمري و أمي ترسلني كل يوم إلى جدي في البناء المجاور لنا لآخذ إليه الطعام و آتيها بالأواني الفارغة و لاجيب مطالب جدي التي لم تعرف يوما حدا لبشاعتها. قبل أن يحدث ما حدث كنت ادخل إليه بقلب مفعم بالحب , أضمه و أقبله و أقفز حوله كأرنب صغير و أخطف منه أصابع الحلوى بفرح طفولي غامر ... بعدها صرت ادخل إليه مفعمة بالهم و الأسى , ذلك الهم الذي كنت صغيرة جدا على إدراكه , لكنه ادركني وجعلني اخرج من منزله غارقة بالشعور بالذنب و بشعور بشع بالقذارة بات يتعشق كل خلاياي و يجثم صخرة كبيرة فوق صدري ... و من وقتها راح يكتنفني شعور بالغثيان جعلني أتمنى أن أتقيأ كل قرفي مرة واحدة ...لكنني لم اكن أستطيع فاركض في كل مرة إلى أمي اطلب منها أن تغسّـلني فتردني قائلة انه ليس وقت الاستحمام . لم استطع أن اردعه مرة واحدة ... كنت ابتلع قرفي و دموعي و ذلك الشعور القاتل بذنب لم اقترفه بينما أتحول تدريجيا الى كائن تتجّمع على جسده الصغير كل أنواع القذارة , أمي قالت لي أن الكبار دوما على حق و أن علي أن أطيعهم و لم تخبرني مرة واحدة ماذا افعل إذا شعرت في أعماقي أنهم ليسوا على حق و أن ما يفعلونه قذر جدا و ليس بصواب , أما أبي فقد قال لي مرات و مرات احذري الغريب يا صغيرتي , لا تتكلمي مع الغرباء و لا تقتربي منهم و لا تدعيهم يلمسونك , ووددت لو صرخت مرة واحدة : بل احذر أنت أقرب الناس إليك , احذر أباك , أبعد أصابعه القذرة عن جسدي . لكنني لم افعل , و كثيرا ما سألت نفسي ِلـمَ لم افعل ؟ ِلمَ لم اخبر أمي أو أبى ؟ ِلمَ لم تسألني أمي مرة واحدة عن السبب الذي يجعلني اطلب إليها أن


تغسلني كلما عدت من منزل جدي ؟؟!! ليتها فعلت , ربما استطعت أن أبوح لها بالسر الذي زلزل كيان طفولتي و اغتال بريق الفرح من عيني و حول ليلي إلى عرض متواصل من كوابيس دمرت سكون نومي , لكنها لم تفعل. أخضعني جدي لطقوسه القذرة حتى بلغت الرابعة عشرة من عمري, ثم توقف عن ذلك تلقائيا , تراه خاف بعد أن بدت علي معالم الأنوثة أن افهم ما كان يفعله ؟؟ أم أن الكبر هد البقية الباقية من قذارته ؟ لست ادري ... كل ما اعرفه انه توقف تماما و لم يعد ينظر في عيني أبدا , بل انه كان يتحاشى أن يكلمني و ذلك ما اثلج صدري و أزاح جزءاً من عبء وجوده الذي اكرهه عن كاهل أعصابي و لو أن نزيف مشاعري لم يتوقف لحظة واحدة . بدأت سن المراهقة و لم ابدأ معها لعبة الأسرار , ذلك أني تمرست بتلك اللعبة تماما بفضل جدي و لم يعد صعبا علي أن اخفي نزيفي و جراحي و خوفي و حتى قذارتي ... كل ذلك كان سهلاً جدا علي ... لكن الصعب كان دخولي إلى سريري حيث تبدأ أصابعه كل ليلة بالإطباق على رقبتي فتتحشرج أنفاسي و أصرخ دون صوت و تغرق مخدتي في دموع الألم و نزيف الأحاسيس .


دت مشاويري برفقة الأصدقاء و بدأت أمارس امتدادات تلك الطقوس , لم يكن جدي هذه المرة من يجبرني , بل كان شيئا خفيا في داخلي يدفعني دفعا لاستجيب لأي إشارة من أي شاب أو رجل و امضي برفقته و أمتع نفسي بعدها بتمزيقي له واللعب بأعصابه , كنت كتمثال من الجليد لا املك إحساسا تجاه أي واحد منهم ولا حتى قليلاً من التعاطف ... كل ما كان يعنيني هو تحطيمهم وإتعاسهم وإفلاسهم وتمزيق أسرهم و هدم استقرارهم و رميهم ورائي, بعدها كنت اشعر بالرضا و الفرح , أشعر أني انتقمت من جدي و قتلته , كنت اعلم تماما أنني اقتله مع كل دمار اسببه لأحد هؤلاء , و كنت استمتع بقتله و تعذيبه مع كل تدمير اسببه لواحد من جنسه البغيض ... و أتلذذ بما افعله كما يتلذذ طفل بأكل الحلوى . أعود في كل مرة الى منزلي ليختفي شعوري بالنشوة بمجرد أن تضمني جدرانه ... و أرجع طفلة لم تتجاوز العاشرة واسمع صوت أمي وهي تردني عن الحمام فينفلت شعوري بالقذارة ليطال كل شئ حتى الطعام , و أعاف كل شئ و امضي إلى سريري , و بمجرد أن أخبئ جسدي في وحشة ظلامه


أعود لاشعر بأصابع جدي تلتف حول رقبتي فأصرخ دون صوت من جديد بينما نزيف مشاعري يجتاح كل شئ في طريقــه .