قصة الحضارة - ول ديورانت - م 9 ك 4 ف 16

صفحة رقم : 12353

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> البحث المتسع

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل السادس عشر: التقدم العلمي 1750-1789

البحث المتسع

كان العلم أيضاً يزود الناس بإلهام جديد. ونمو العلم -نمو طلبه، وطرائقه، وكشوفه، وتنبؤاته، وثمراته الناجحة، وسلطانه، ومكانته-هذا النمو هو الجانب الإيجابي لذلك التطور الحديث الأساسي الذي كان جانبه السلبي هو اضمحلال الإيمان بالخوارق. ونشب الصراع بين كهانتين: الأولى كرست نفسها لتشكيل الخلق بطريق الدين، والثانية لتربية العقل بطريق العلم. والكهانة الأولى هي الغالبة في عصور الفقر أو الكوارث، حين يكون الناس شاكرين لفضل العزاء الروحي والنظام الخلقي، والثانية هي الغالبة في عصور الثروة المتصاعدة، حين يميل الناس إلى قصر آمالهم على هذه الدنيا.

ومن المألوف اعتبار القرن الثامن عشر دون السابع عشر في إنجازاته العلمية، لا شك أنه يخلو من الفحول الشوامخ أمثال جاليلو أو نيوتن، ومن المآثر التي يمكن أن تقاس باتساع العالم المعروف، أو الامتداد الكوني للجاذبية، أو صياغة حساب التفاضل والتكامل، أو كشف الدورة الدموية. ومع ذلك فأي كوكبة من النجوم يتألق بها المشهد العلمي في القرن الثامن عشر! -أويلر ولاجرانج في الرياضة، وهرشل ولابلاس في الفلك، ودالامبير وفرانكلن وجلفاني وفولتا في الفيزياء، وبريستلي ولافوازبيه في الكيمياء، ولنابيوس في النبات، وبوفون ولاماركفي الأحياء، وهالر في الفسيولوجيا، وجون هنتر في التشريح، وكوندياك في علم النفس، وجنر بوبرها في الطب- وقد خصصت الأكاديميات المتكاثرة المزيد من وقتها ومالها للبحث العلمي. وأدخلت الجامعات العلوم بازدياد في برامجها، فأنشأت كمبردج بين عامي 1702و1750 كراسي في التشريح، والفلك، والنبات، والكيمياء، والجيولوجيا، و"الفلسفة التجريبية"-أي الفيزياء. وأصبحت الطريقة العلمية تجريبية بصورة أدق.. وهبطت الخصومة الوطنية، التي لوثت دولية الفكر بالجدل المحتدم بين نيوتن وليبنتز، وتكاتفت الكهانة الجديدة عبر الحدود، والحقائد اللاهوتية، والحروب، لترتاد المجهول المتعاظم. وجاء طلاب البحث من كل طبقة، من بريستلي الرقيق الحال ودالامبير اللقيط، إلى بوفون حامل لقب الشرف ولافوزييه المليونير. ودخل الملوك والأمراء ساحة البحث: فاشتغل جورج الثالث بالنبات، وجون الخامس بالفلك، ولويس السادس عشر بالفيزياء. وعكف الهواة أمثال مونتسكيو وفولتير، والنساء أمثال مدام دشاتليه والممثلة الآنسة كليرون، على العمل بجد في المختبرات أو تلهوا بها، وحاول العلماء اليسوعيون امثال بوسكوفش الجمع بين الإيمانين القديم والجديد.

ولم يتمتع العلم بمثل هذه الشعبية وهذا التشريف حتى جاء عصرنا الحاضر المتفجر. فقد رفع دوي كشوف نيوتن في الرياضة والميكانيكا والفلك هامات العلماء في كل بلد في أوربا. صحيح إنهم لم يستطيعوا الارتقاء حتى يصل أحدهم -كما وصل نيوتن- إلى منصب مدير دار المسكوكات، ولكنهم في القارة، بعد عام 1750، وجدوا الترحيب في المجتمع المعطر وغشوا المحافل جنباً إلى جنب مع اللوردات والأدواق. وفي باريس غصت قاعات المحاضرات العلمية بالمستمعين من الجنسين ومن جميع المراتب. كتب جولدسمث الذي زار باريس في 1755 يقول: "رأيت في المحاضرات روويل في الكيمياء من نجوم الجمال المتألقة ما هو خليق بأن يزين بلاط الملك في فرساي."(1) وكانت نساء المجتمع العصريات يحتفظن بكتب العلوم على خزانات زينتهن، وترسم لهن الصور-كما صورت مدام بومبادور-وعند أقدامهن، المربعات والتلسكوبات. وفقد الناس الاهتمام باللاهوت، ونفضوا عنهم العالم الآخر مع حرصهم على خرافاتهم. وغدا العلم الأسلوب والمزاج لعصر يتحرك في نهر معقد من التغير المحموم إلى نهايته الوبيلة.


الرياضة

اويلر

كان التغيير في الرياضة الآن أبطأ لأن الكثير جداً قد أنجز في ذلك الميدان طوال خمسة آلاف عام، بحيث بدا أن نيوتن لم يترك زيادة لمستزيد. وبعد موته (1727) حدث رد فعل، بعض الوقت، ضد فروض حساب التفاضل وابهاماته. فهاجمها الأسقف باركلي، في مقال نقدي قوي (المحلل، 1734)، لأنها تعادل تماماً غوامض الميتافيزيقا واللاهوت، ورمى أتباع العلم بـ"الخضوع للسلطان، وقبول الأشياء بالتسليم، والإيمان بنقاط لا يمكن تصورها" وهي بالضبط التهم التي اتهم بها من قبل أتباع الدين. وقد لقى الرياضيون وما زالوا يلقون من العنف في الرد في هذه النقطة ما يلقاه الماديون في تفنيد مثاليته. على أن الرياضة بنت لها جسوراً، واستمر لبحث في الأرقام. فطور أبراهام ديموافر، ونيكولاس سوندرس، وبروك تيلر في إنجلترا، وكولن مكلورن في إسكتلندة، الشكل النيوتوني للتفاضل. ودفع ديموافر قدما رياضيات الصدفة ومعاشات مدى الحياة. وإذ كان فرنسي المولد، إنجليزي الموطن، فقد اختارته جمعية لندن الملكية (1712)حكماً في دعاوي نيوتن وليبنتز المتنافسة على أيهما سبق صاحبه إلى اختراع حساب التفاضل النهائي الصغر. أما سوندرس فقد كف بصره في عامه الأول، فتعلم حل المسائل الحسابية الطويلة العويصة عقلياً، وعين أستاذاً للرياضة في كمبردج في عامه الحادي والعشرين (1711)، وألف كتاباً في "الجبر" حاز الاستحسان الدولي. وسنرى كيف استهوت سيرته ديدرو. وترك تلور اسمه على النظريات الأساسية في حساب التفاضل، وأثبت مكلورين أن الكتلة السائلة التي تدور حول محورها تتخذ شكل القطع الناقص.

وفي بازل واصلت أسرة برنوللي إنجاب العلماء المبرزين طوال أجيال ثلاثة. وكانت هذه الأسرة البروتستنتية المذهب قد فرت من أنتورب (1583) اتقاء فظائع دوق ألفا. وينتمي اثنان من الرياضيين البرنولليين السبعة لعصر لويس الرابع عشر، وكان الثالث وهو يوهان الأول) 1667- 1748 (مخضرماً أدرك حكم ملكين) لويس 14و15) وأصبح دانيال (1700-82) أستاذاً للرياضة في سانت بطرسبورج وهو في الخامسة والعشرين، ولكنه عاد بعد ثمانية أعوام ليدرس التشريح، والنبات والفيزياء، وأخيراً الفلسفة، في جامعة بازل وترك مؤلفات في حساب التفاضل والتكامل، والصوتيات، والفلك، وأسس الفيزياء الرياضية تقريباً. وعلم أخوه يوهان الثاني(1710-90) البلاغة والرياضة، وترك بصمته على نظرية الحرارة والضوء. وقد نال دانيل جوائز من أكاديمية العلوم عشر مرات، ويوهان ثلاث مرات. وأصبح أحد أبناء يوهان، وهو يوهان الثالث (1744-1807)، فلكي الملك في أكاديمية برلين، وعلم ياكوب الثاني (1758-89) الفيزياء في بازل، والرياضة في سانت بطرسبورج. لقد امتدت هذه الأسرة العجيبة عبر المنهج، والقرن، والقارة الأوربية. ويتميز ليونارد أويلر، تلميذ يوهان برنوللي الأول والمنافس الصديق لدانيال، إماماً لرياضي عصره من حيث تعدد القدرات وغزارة الإنتاج. ولد في بازل عام 1707 ومات في بطرسبورج عام 1783، وبرز في الرياضة، والميكانيكا، والبصريات، والسمعيات، والديناميكا المائية، والفلك، والكيمياء، والطب، وحفظ نصف الأنيادة عن ظهر قلب، فكان بهذا كله خير بيان لفوائد التنوع ومدى قدرات العقل البشري. وفي ثلاث رسائل كبرى في التفاضل والتكامل حرر هذا العلم الجديد من العقد الهندسية التي ولد بها، وأرسى أسسه بوضعه تفاضلا جبرياً-"تحليلا". وأضاف إلى هذه الرسائل الكبرى. مؤلفات في الجبر، والميكانيكا، والفلك، والموسيقى؛ على أن مقاله عن "نظرية جديدة في الموسيقى" (1719)" احتوى من الهندسة فوق يسيغه الموسيقيون، ومن الموسيقى فوق ما يسيغه الهندسيون."(2) وقد احتفظ رغم تبحره في العلم بإيمانه الديني إلى النهاية.

وحين انتقل دانيال برنوللي إلى سانت بطرسبورج وعد ليونارد بأن يحصل له على وظيفة في أكاديميتها. وذهب الشاب إليها وهو في العشرين، ولما غادر دانيال روسيا (1733) خلفه أويلر رئيساً لقسم الرياضة. وأدهش زملاءه الأكاديمين بأن حسب في ثلاثة أيام جداول فلكية قدر أنها تحتاج إلى عدة شهور وعكف على هذا العمل وغيره عكوفاً شديداً ليل نهار على ضوء ضعيف، حتى فقد بصر عينه اليمنى في 1735. ثم تزوج، وشرع على الفور يجمع ويضرب، بينما الموت يطرح، فقد مات ثمانية من أبنائه الثلاثة عشر أطفالا. ولم يأمن على حياته في عاصمة أنهكتها الدسائس والاغتيالات السياسية. وفي 1741 قبل دعوة من فردريك الأكبر للانضمام إلى أكاديمية برلين، وهناك، فيسنة 1759، خلف موبرتوي في الاضطلاع بالرياضة. وأحبته أم فردريك، ولكنها وجدته صموتاً بشكل غريب. وسألته "لم لا تتحدث إلي؟" فأجاب "سيدتي، إنني قادم من بلد يشنق المرء فيه إن تكلم(3)". على أن الروس كانوا قادرين على السلوك المهذب. فقد واصلوا صرف راتبه له بعد رحيله بزمن طويل، وحين نهب جيش روسي مزرعة أويلر أثناء غزوه برندنبورج سخا القائد الروسي في تعويضه عن خسارته، وأضافت الإمبراطورة إليزابث بتروفنا إلى التعويض مبلغاً من عندها.

وتاريخ العلم يكرم أويلر أولاً لما أنتجه في حساب التفاضل، لاسيما لتناوله النظامي لتفاضل التغيرات. وقد دفع الهندسة وحساب المثلثات إلى الأمام باعتبارهما فرعين من فروع التحليل. وكان أول من تصور في وضوح فكرة الوظيفة الرياضية التي هي الآن قلب الرياضة. وفي الميكانيكا صاغ المعادلات العامة التي ما زالت تحمل اسمه. وفي البصريات كان أول من طبق حساب التفاضل على ذبذبات الضوء وصاغ منحني التذبذبات باعتباره متوقفاً على المرونة والكثافة. واستنبط قوانين الانكسار تحليلياً وقام بدراسات في انتشار الضوء مهدت لصناعة العدسات الأكروماتية. وشارك في مشروع دولي هدفه إيجاد خط الطول في البحر برسم موقع الكواكب وأوجه القمر، وأعان حله التقريبي جون هاريسون على وضع جداول قمرية موفقه للبحرية البريطانية. وفي 1766 طلبت كاترين الكبرى إلى أويلر أن يعود إلى سانت بطرسبورج. وقد عاد إليها، فاحتفظ به حفاوة بالغة. ولم يثبت بعد وصوله أن كف بصره تماماً، ولكن ذاكرته بلغت من الدقة، وسرعة حسابه بلغت من العظمة مبلغاً أتاح له أن يواصل الإنتاج بنشاط يقرب من نشاطه السابق. وأملي الآن كتابه "مقدمة كاملة للجبر" على خياط شاب لم يكن حين بدأ عمله هذا يعرف شيئاً عن الرياضة أكثر من الحساب البسيط؛ وقد أضفى هذا الكتاب على الجبر الشكل الذي احتفظ به إلى يومنا هذا. وفي 1771 دمرت نار بيت أويلر، وأنقذ مواطن سويسري من بازل يدعى بيتر جريم الرياضي الأعمى من النيران إذ حمله على كتفيه بعيداً عن الخطر. ومات أويلر عام 1783 وقد بلغ السادسة والسبعين بنوبه فالج أصابته وهو يلعب مع أحد حفدته.

لجرانج

ولم يفقه غير رجل واحد في قرنه وعلمه، وهو الفتى الذي بسط عليه رعايته-جوزف لوي لجرانج. وكان واحداً من أحد عشر طفلا ولدوا لزوجين فرنسيين يقيمان في تورين، ولم يتجاوز الطفولة من هؤلاء كلهم غيره. وقد تحول عن الدراسات الكلاسيكية إلى العلم عند قراءته مذكرة وجهها هالي إلى جمعية لندن الملكية، فكرس نفسه للتو لدراسة الرياضة، وسرعان ما برز في تبريزا أوصله في سن الثامنة عشرة إلى منصب أستاذ الهندسة في أكاديمية المدفعية بتورين. وقد ألف من تلاميذه، وكلهم تقريباً أكبر منه سناً، جماعة بحث نمت حتى غدت أكاديمية تورين للعلوم. وفي التاسعة عشرة أرسل إلى أويلر طريقة جديدة لتناول حساب تفاضل التغيرات. ورد أويلر بأن الطريقة تذلل صعوبات لم يستطع هو نفسه تذليلها. وأجل السويسري الكريم إذاعة النتائج التي وصل إليها، حتى لا أحرمك من أي قسط من المجد الذي تستحقه. "وأذاع لجرانج طريقته في المجلد الأول الذي أصدرته أكاديمية ورين (1759) وشهد أويلر في مذكرته عن حساب تفاضل التغيرات بكل الفضل للفتى. وفي ذلك العام (1759) انتخب بنفوذه عضواً أجنبياً بأكاديمية برلين وهو لا يعدو الثالثة والعشرين ولما غادر أولر بروسيا زكى لجرانج خلفاً له في الأكاديمية، وأيد دالامبير هذا الاقتراح بحرارة، وفي 1766 انتقل لجرانج إلى برلين. وقد حيا فردريك الأكبر باعتباره "أعظم ملك في أوربا"، ورحب به فردريك "أعظم الرياضيين في أوربا"(5) وكان هذا سابقاً لأوانه، ولكنه صدق بعد قليل. والعلاقات الودية التي ربطت أئمة رياضي القرن الثامن عشر- أويلر، ولجرانج، وكليرو، ودالامبير، ولجاندر- تؤلف فصلا مبهجاً في تاريخ العلم.

وخلال العشرين السنة التي أقام فيها لجرانج ببرلين ألف تدريجياً أجزاء رائعته الكبرى "الميكانيكا التحليلية". وعلى هامش هذا المشروع الأساسي نقب في الفلك، وقدم نظرية عن توابع المشتري وتعليلاً لترجحات القمر، أي التغيرات في الأجزاء المنظورة منه. وفي 1786 مات فردريك الأكبر، وخلفه فردريك وليم الثاني، الذي لك يكن يعبأ كثيراً بالعلم. فقبل لجرانج دعوة من لويس السادس عشر للانضمام إلى أكاديمية العلوم الباريسية وأعطى سكناً مريحاً في اللوفر، وأصبح أثيراً لدى ماري أنطوانيت التي بذلت ما وسعها لتخفف عنه نوبات الاكتئاب التي كثيراً ما انتابته وجلب معه مخطوط "الميكانيكا التحليلية"، ولكنه لم يستطع العثور على ناشر يتصدى لمثل هذه المشكلة الطباعية العسيرة في مدينة تغلى مراجلها بالثورة. وأخيراً أقنع صديقاه أدريان لجاندر وألابيه ماري طابعاً بالاضطلاع بهذه المهمة، ولكنه لم يقتنع إلا بعد أن وعده ألابيه بأن يشتري جميع النسخ غير المباعة بعد تاريخ محدد. فلما وضع الكتاب الذي لخص جهد حياة لجرانج بين يديه (1788) لم يكترث بالنظر إليه، فقد كان في إحدى نوبات اكتئابه الدورية التي أفقدته كل اهتمام بالرياضة، بل بالحياة. وظل الكتاب مقفلا على مكتبه عامين كاملين.

وهناك إجماع على وضع "الميكانيكا التحليلية" في قمة رياضة القرن الثامن عشر. فهذا الكتاب الذي لم يفقه غير "الأصول" في الميدان الذي تناوله الكتابان، تقدم على كتاب نيوتن هذا باستعماله "التحليل"-التفاضل الجبري- بدلا من الهندسة في إيجاد الحلول وعرضها، وقد جاء في المقدمة "ليس في هذا الكتاب رسوم بيانية" وبهذه أن تستخلص منها معادلات نوعية لكل مسألة بعينها، وما زالت هذه المعادلات العامة تسود الميكانيكا وتحمل اسمه. ووصفها إرنست ماخ بأنها من أعظم الإسهامات في الاقتصاد في الفكر(6) وقد رفعت ألفرد نورث هوايتهيد إلى ذرى النشوة الدينية فقال "إن في هذه المعادلات من الجمال، ومن البساطة التي تكاد تبلغ القداسة، ما يجعل هذه الصيغ جديرة بأن تضارع تلك الرموز الغامضة التي آمن الناس في القديم بأنها تدل مباشرة على الكائن الأعلى الذي يكمن وراء كل الأشياء(7).

فلما نشبت الثورة بسقوط الباستيل (14 يوليو 1789) نصح لجرانج، المقرب إلى الملكية، بأن يعود إلى برلين، ولكنه أبى. فلقد كان على الدوام متعاطفاً مع المظلومين، ولكنه لم يؤمن بقدرة الثورة على النجاة ن نتائج عدم المساواة الطبيعي بين البشر. وهالته مذابح سبتمبر 1792، وإعدام صديقه لافوازييه، ولكن صمته المكتئب أنقذ رأسه من الجيلوتين. فلما فتحت مدرسة المعلمين (1795) نيط لجرانج بقسم الرياضة فيها، وحين أقفلت وأسست مدرسة الفنون والصنائع (1797) كان أول أساتذتها، والأساس والاتجاه الرياضيات الفرنسي هما بعض تأثير لجرانج الطويل الأمد.

وفي 1791 عينت لجنة لوضع نظام جديد للموازين والمقاييس. وكان لجرانج، ولافوازييه، ولابلاس، من أوائل أعضائها. وبعد ثلاثة أشهر "طهر" ابثنان من هذا الثالوث، وأصبح لجرانج العقل القائد في وضع النظام المتري. واختارت اللجنة أساساً للطول ربع الكرة الأرضية- ربع الدائرة العظمى التي تمر حول الأرض على مستوى البحر بطريق القطبين، وأخذ جزء على عشرة ملايين منه وحدة جديدة للطول وسمى متراً. واختارت لجنة فرعية الجرام وحدة جديدة للموازين: وهو وزن الماء المقطر في درجة الصفر المئوية، ويشغل مكعباً كل ضلع فيه سنتمتر واحد-أي جزء على مائة من المتر. وبهذه الطريقة بنيت جميع الأطوال والأوزان على ثابت فيزيائي واحد، وعلى العدد عشرة. وظل هناك مدافعون عن النظام الأثنى عشري، الذي اتخذ العدد عشر أساساً له، كما هو متبع في إنجلترا، وبوجه عام في تقديرنا للزمن. ولكن لجرانج أصر على النظام العشري، وكان له ما أراد. فقررت الحكومة الفرنسية هذا النظام في 25 نوفمبر 1792، وما زال، مع بعض التعديلات باقياً إلى يومنا هذا، ولعله أبقى نتائج الثورة الفرنسية. وأضاءت تجربة رومانسية كهولة لجرانج. ذلك انه حين بلغ السادسة والخمسين أصرت فتاة في السابعة عشرة، كانت ابنة صديقه الفلكي لمونييه، على الزواج منه وتكريس نفسها للتخفيف من أوهامه ووساوسه. وأذعن لجرانج، وبلغ من عرفانه بصنيع حبها أنه يصحبها إلى المراقص والحفلات الموسيقية. وكان قد تعلم أن يحب الموسيقى-التي هي لعبة تحتال بها الرياضة على الأذن- لأنها "تعزلني. إنني أسمع الموازين الموسيقية الثلاثة الأولى، وفي الرابعة لا أعود أعي شيئاً، فأستسلم لأفكاري، ولا شيء يقطعها على، وبهذه الطريقة أحل من مسألة عويصة"(8).

فلما هبطت حمى الثورة، هنأت فرنسا لأنها أعفت إمام رياضي العصر من الجيلوتين. وفي 1796 أوفد تاليران إلى تورين ليزور بصفة رسمية والد لجرانج ويقول له "إن ابنك الذي تفخر بيدمونت بأنها أنجبته، وتفخر فرنسا بأنه مواطن فيها، وقد شرف البشر أجمعين بعبقريته"(9). وكان نابليون يحب فيما بين حملاته أن يتحدث إلى الرياضي الذي تحول إلى الفلسفة.

واستعاد الشيخ اهتمامه بالرياضة حين نفخ ووسع "الميكانيكا التحليلية" (1810-13) لإعداد طبعة ثانية من الكتاب. ولكنه أسرف في الجهد والسرعة كعادته؛ وأضعفته نوبات من الدوار، ومرة وجدته زوجته فاقد الوعي على أرض الحجرة، وقد نزف رأسه من قطع سببه سقوطه على حرف المائدة. وأدرك أن قواه البدنية آخذة في النضوب، ولكنه تقبل هذا التحلل البطيء على أنه طبيعي ومعقول. وقال لمونج ولغيره من عواده: "كنت مريضاً جداً أمس أيها الأصدقاء، وأحسست أنني سأموت وأصاب الضعف بدني شيئاً فشيئاً، وانطفأت قواي العقلية والبدنية دون وعي مني. ولاحظت "متوالية" تناقض عافيتي، الحسنة التدرج، ووصلت إلى النهاية دون أسف، أو حسرات، وفي هبوط غاية في الرفق. يجب ألا تخشى الموت، وحين يأتي دون ألم، فإنه يكون وظيفة أخيرة ليست بالكريهة... إن الموت هو الراحة الكبرى للجسد(10).

ومات في 10 أبريل 1813 وقد بلغ الخامسة والسبعين غير باك على شئ إلا اضطراره لترك زوجته الوفية عرضه لمخاطر ذلك العهد، حين بدا أن العالم كله قد امتشق الحسام لقتال فرنسا.

وحمل صديقاه جسبار مونج، وأدريان لجاندر، إلى القرن التاسع عشر تلك الأبحاث الرياضية التي كانت الأسس للتقدم الصناعي. وينتمي إنتاج لجاندر (1752-1833) إلى عصر ما بعد الثورة، وحسبنا أن نقرئه التحية في طريقنا. أما مونج فكان بابن بائع متجول وسنان سكاكين. ونحن نراجع فكرتنا عن الفقر الفرنسي حين نرى هذا العامل البسيط يوفر لثلاثة من أبنائه التعليم في الكلية. ونال جسبار كل ما أتيح من جوائز في المدرسة. وفي الرابعة عشرة صنع آلة لإطفاء الحريق، وفي السادسة عشرة رفض دعوة معلميه اليسوعيين إياه ينضم إلى طريقتهم، وبدلا من هذا أصبح أستاذ الفيزياء والرياضة في المدرسة الحرية بميزيير. وهناك صاغ أصول هندسته الوصفية- وهي طريقة لعرض شكل ثلاثي الأبعاد على مستوى وصفي واحد. وتبين عظم فائدة هذه الطريقة في تصميم الحصون وغيرها من المباني، حتى أن الجيش الفرنسي ظل خمسة عشر عاماً يحظر عليه البوح بسرها علناً، ثم سمح له (1794) بتدريسها في مدرسة المعلمين بباريس. وقد أخذ لجرانج العجب وهو يستمع إلى محاضراته فيها، شأن جوردان في مسرحية فولتير "قبل أن أستمع إلى مونج لم أعرف أنني أعرف الهندسة الوصفية"(11). وقد أبلى مونج بلاء حسناً في خدمة الجمهورية التي تعد نفسها للمعركة. وارتقى إلى منصب وزير البحرية. وعهد إليه نابليون بالكثير من المهام السرية. وبعد عودة البوربون إلى الملك عانى مونج من الفاقة والتعرض للخطر. فلما مات (1818) منع تلاميذه في مدرسة الفنون والصنائع من السير في مأتمه. وفي الغد ساروا إلى المدفن بيئتهم لكاملة، ووضعوا على قبره أكليلاً من الزهر.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفيزياء

المادة والحركة والحرارة والضوء

نمت الرياضة لأنها كانت الأساس والإدارة التي لا غنى عنها للعلوم كلها، إذ اختزلت الخبرة والتجربة إلى قوانين كمية أتاحت التنبؤ الدقيق والضبط العملي. وكانت الخطوة الأولى هي تطبيقها على المادة عموماً: بكشف الإطرادات ووضع "القوانين" للطاقة، والحركة، والصوت، والضؤ، والمغنطيسية، والكهرباء، وهنا كمن ما يكفي من الأسرار التي تتطلب الكشف عن خوافيها.

وقد ضحى بيير لوي مورو دموبرتوي بمستقبله في الجيش الفرنسي ليكرس نفسه للعلم. وسبق فولتير في تعريف فرنسا بنيوتن، وفي تقدير مفاتن مدام دوشاتليه وتعليمها. وفي 1736، كما سنرى، رأس بعثة إلى لايلاند لقياس درجة طولية. وفي 1740 قبل دعوة لزيارة فردريك الثاني، وتبع فردريك إلى معركة مولفتز (1741)، وأسره النمساويون، ثم أطلقوا سراحه بعد قليل. وفي 1745 انضم إلى أكاديمية برلين للعلوم، وبعد عام أصبح عميداً لها. وشرح المبدأ الذي توصل إليه لأكاديمية باريس للعلوم في 1744، ولأكاديمية برلين في 1746، وهو المبدأ القائل بأقل حركة: "حين يحدث أي تغيير في الطبيعة فإن كمية الحركة المستخدمة لهذا التغيير هي دائماً أقل ما يمكن. "وذهب إلى أن هذا يثبت وجود نظام منطقي في الطبيعة، وإذن وجود اله منطقي(12). وطور أويلر ولجرانج هذا المبدأ، وفي زماننا هذا لعب دوراً في نظرية الكم. وفي "مقال في علم الكون" (1750) أحيا موبرتوي بدعة لا يمكن القضاء عليها: فهو مع تنبيه قصداً في الطبيعة، إلا أنه اعترف بأنه يرى فيها أيضاً علامات الغباء أو الشر، وكأن شيطاناً ينافس إليها خيراً في تعريف شئون الكون(13). ولعل موبرتوي كان يوافق خصمه اللدود فولتير على أن القديس أوغسطين كان ينبغي أن يظل مانوياً.

وقد سبقت الإشارة إلى مولد دالامبير، ثمرة غير مقصودة لصلة عابرة بين ضابط مدفعية وراهبة سابقة. عثرت عليه شرطة باريس على سلم كنيسة سان جان لورون ولما تمض على مولده ساعات (1717)، فعمدوه باسم جان بانيست لورون، وأرسلوه إلى مرضع في الريف. وطالب به أبوه، الشفالييه ديتوش، وسماه دارامبير (لأسباب نجهلها)، ودفع أجراً لمدام روسو، وهي زوجة صانع زجاج، لتتبنى الطفل. وتبين أنها رابة مثالية، وأن جان غلام نابغة. فلما بلغ السابعة أراه أبوه في فخر لأمه، مدام دتانسان، ولكنها قررت أن مستقبلها خليلة وصاحبة صالون سيضار بقبول الطفل، ولم تسهم بشيء في إعالته على قدر علمنا، أما الشفالييه فقد ترك له قبل موته في 1726 معاشاً سنوياً قدره ألف ومائتا جنيه.

وتلقى جان تعليمه في الكوليج دكاتر ناسيون (كلية الأمم الأربع)، ثم في جامعة باريس، حيث نال درجة القانون. وهناك، حوالي عام 1738، غير اسمه من دارامبير إلى دالامبير. ثم اتجه إلى دراسة الطب بعد أن مل القانون، ولكن ميلاً عارضاً إلى الرياضة انقلب فيه غراماً مشبوباً. قال "كانت الرياضة لي أشبه بالخليلة للرجل"(14). وواصل السكنى مع مدام روسو حتى بلغ الثامنة والأربعين وهو يعتبرها في عرفانه بصنيعها أمه الوحيدة. وكان من رأيها أن مما يشين الرجل أن يسلم نفسه إلى حياة الدرس ولا يبدي أي شهوة للمال. فكانت تقول له في أسى "إنك لن تغدو أن تكون فيلسوفاً. وما الفيلسوف؟ مجنون يعذب نفسه طوال حياته ليتحدث الناس عنه بعد موته"(15).

ولعل دوافعه الملهمة لم تكن الرغبة في الشهرة بعد الموت، بل المنافسة الأبية مع العلماء الراسخين، وتلك الغريزة الشبيهة بغريزة القندس، التي تبتهج بالبناء، ويخلق النظام من فوضى المواد والأفكار. على أية حال فإنه في الثامنة والعشرين بدأ يقدم أبحاثاً لأكاديمية العلوم: أحدها في حساب التكامل(1739)، وآخر في انكسار الضوء (1741؛ وفي بحث الضوء هذا أقدم تعليل لانحناء أشعة الضوء وهي تنتقل من سائل إلى آخر أكبر كثافة، ومكافأة له على البحث قبلته الأكاديمية عضواً "ملحقاً"، وبعد عامين نشر أهم آثاره العلمية" رسالة في الديناميكا"، وقد حاول فيها أن يختزل كل مسائل المادة المتحركة إلى معادلات رياضية، وسبقت الرسالة رسالة لجرانج الأفضل منها "الميكانيكا التحليلية" باثنين وأربعين سنة، وهي تحتفظ بأهميتها التاريخية لأنها صاغت النظرية الأساسية المعروفة الآن باسم "مبدأ دالامبير"، وهي أعسر تخصصاً مما يحتمله هضمنا العام، ولكنها عون كبير على الحسابات الميكانيكية. وقد طبقها في "رسالة في توازن السوائل وحركتها" (1744)، وظفرت من الأكاديمية بإعجاب حملها على مكافأتها بمعاش من خمسمائة جنيه، لا بد أنه هدأ من ثائرة مدام روسو.

ومن مبدئه هذا من ناحية، ومن معادلة مبتكرة في حساب التفاضل، توصل دالامبير إلى صيغة لحركة الرياح. وأهدى كتابه "تأملات في السبب العام للرياح"(1747) إلى فردريك الأكبر، الذي استجاب بدعوته للإقامة في برلين، ولكن دالامبير رفض، فأبدى بذلك من الحكمة وهو في الثلاثين أكثر مما سيبديه فولتير وهو في السادسة والخمسين. وفي "مقال عن نظرية جديدة في المقاومة السوائل" (1752): حاول أن يجد صيغاً ميكانيكية لمقاومة الماء لجسم يتحرك فوقه، فأخفق؛ ولكن في 1775، وبتكليف من طورجو، أجرى هو وكوندورسيه والابيه بوسو تجارب أعانت على تقرير قوانين مقاومة السوائل للأجسام المتحركة على سطوحها. وفي أخريات عمره درس حركة الأوتار المتذبذبة، وأصدر (1779) "مبادئ الموسيقى النظرية والعلمية" متبعاً ومعدلا طريقة رامو؛ وقد ظفر هذا الكتاب بثناء عالم الموسيقى الشهير تشارلز بيرني. ويمكن القول أن دالامبير أوتي في مجموعة عقلا من أذكى وأرهب العقول في هذا القرن. وعرض فردريك الأكبر وظيفة عميد أكاديمية برلين على دالامبير حين استقال موبرتبوس. وكان الرياضي-الفيزيائي-الفلكي-الموسوعي رجلا رقيق الحال ولكنه رفض المنصب في أدب، ذلك أنه كان يعتز بحريته، وبأصدقائه، وبباريس. واحترم فردريك بواعثه، وأرسل إليه معاشاً متواضعاً من ألف ومائتي جنيه بعد استئذان لويس الخامس عشر. وفي 1762 دعته كاترين الكبرى إلى روسيا وأكاديمية سانت بطرسبورج، فرفض الدعوة، لأنه كان الآن عاشقاً. وأصرت كاترين، ربما بعد علمها بهذا وطلبت إليه أن يحضر "ومعك كل أصدقائك"، وعرضت عليه راتباً من 100,000 فرنك في العام. وقبلت اعتذاراته في سماحة، وواصلت مراسلته، وناقشت معه أسلوب حكمها ومشاكله. وفي 1763 ناشده فردريك أن يزور بوتسدام على الأقل، فذهب دالامبير، وكان يتناول الطعام مع الملك شهرين. ورفض مرة أخرى عمادة أكاديمية برلين، وبدلا من ذلك اقتنع فردريك بأن يرفع راتب أويلر رب الأسرة الكبيرة(16). ونرجو أن نلتقي بدالامبير مرة أخرى.

وكان لآل برنوللي المدهشين مساهمات عارضة في الميكانيكا. فصاغ يوهان الأول (1717) مبدأ السرعات الافتراضية: "في كل توازن للقوى أياً كانت، وعلى أي صورة استخدمت، وفي أي اتجاهات يؤثر بعضها في بعض، بطريق مباشر أو غير مباشر، يكون مجموع الطاقات الموجبة معادلا لمجموع الطاقات السالبة إيجابياً". وأعلن يوهان وابنه دانيال (1735) أن مجموع "القوة الحية" في العالم ثابت دائماً؛ وقد أعيدت صياغة هذا المبدأ في القرن التاسع عشر باسم عدم فناء الطاقة. وطبق دانيال الفكرة تطبيقاً مثمراً في كتابة "الديناميكا المائية" (1738) وهو من عيوب الكتب الحديثة في ميدان بالغ الصعوبة. وفي ذلك المجلد أرسى أساس النظرية الحركية للغازات، فالغاز يتألف من ذرات ضئيلة تتحرك بسرعة كبيرة، وتحدث ضغطاً على الإناء بالصدمات المتكررة، والحرارة تزيد من سرعة الذرات، ومن ثم ضغط الغاز، ونقص الحجم (كما أثبت بويل من قبل) يزيد الضغط بنسبة النقص.

أما في فيزياء الحرارة فإن ألمع الأسماء في القرن الثامن عشر هو اسم جوزيف بلاك. ولد في بوردو لأب اسكتلندي مولود في بلفاست، ودرس الكيمياء في جامعة جلاسجو، وفي السادسة والعشرين (1754) أجرى تجارب فيما نسميه الآن التأكسد أو التآكل. وقد بينت هذه التجارب مفعول غاز ميزه عن الهواء العادي، وكشف عن هذا الغاز في الميزان، وسماه "الهواء الثابت" (ونسميه الآن ثاني أوكسيد الكربون)، وكان قد أوشك على الكشف عن الأوكسجين قبل ذلك. وفي 1756، حين كان محاضراً في الكيمياء، والتشريح، والطب في الجامعة، وبدأ ملاحظات هدته إلى نظريته في "الحرارة الكامنة": فحين تكون مادة ما بسبيلها إلى التغير من الحالة الجامدة إلى حالة السيولة أو من السيولة إلى الغازية، فإن المادة المتغيرة تمتص من الهواء كمية من الحرارة لا يمكن ملاحظتها كتغيير في درجة الحرارة، وهذه الحرارة الكامنة ترد إلى الهواء حين يتحول غاز إلى سائل أو سائل إلى جامد. وقد طبق جيمس وات هذه النظرية في تحسينه للآلة البخارية. وكان رأي بلاك في الحرارة كرأي جميع أسلاف بريستلي، إنها مادة تزداد أو تتناقص دفئاً، وظلت هذه الفكرة سائدة حتى أثبت بنيامين طومسن، كونت رمفورد، في 1798، أن الحرارة ليست مادة بل شكلا من أشكال الحركة، يفهم الآن على أنه حركة مكتسبة للأجزاء المكونة للجسم. وفي هذه الأثناء توصل يوهان كارل فيلكي الإستوكهولمي إلى نظرية مماثلة في الحرارة الكامنة (1772) مستقلا عن بلاك. وفي سلسلة من التجارب رواها هذا العالم السويدي في 1777 أدخل اصطلاح "الحرارة المشعة" -أي الحرارة غير المنظورة التي تنبعث من المواد الساخنة، وقد ميز بينها وبين الضوء، ووصف خطوط حركتها وانعكاسها وتركيزها بواسطة المرايا، ومهد للربط الذي ربطه فيما بعد بين الحرارة والضوء باعتبارهما شكلين متشابهين من أشكال الإشعاع. وحدد فيلكي، وبلاك، ولافوازييه، ولابلاس، وغيرهم من الباحثين، القيمة التقريبية للصفر المطلق (وهو أدنى درجة حرارة ممكنة من حيث المبدأ). أما البريطانيون فكانت وحدة الحرارة التي اتخذوها هي الكمية التي ترفع درجة حرارة رطل من الماء درجة فهرنهيتية، أما الفرنسيون، وشعوب القارة عموماً، فقد فضلوا استعمال كمية الحرارة التي ترفع درجة حرارة كيلو جرام من الماء درجة مئوية واحدة.

أما نظرية الضوء فإن ما أحرزه القرن الثامن عشر من تقدم فيها كان ضئيلا، لأن جميع الفيزيائيين تقريباً قبلوا "فرض الجسيمات" الذي قال به نيوتن-وهو أن الضوء انبعاث كريات من الجسم إلى العين. وكان أويلر يتزعم أقلية تدافع عن نظرية الموجات. فافترض-كما افترض هويجنز- أن الفضاء "الخالي" بين الأجرام السماوية. وبين الأجسام المنظورة الأخرى، يملؤه "الأثير"، وهو مادة أرق من أن تدركها حواسنا أو آلاتنا، ولكن تلمع إليه الماعاً شديداً ظواهر الجاذبية، والمغنطيسية، والكهرباء. والضوء في رأى أويلر تموج في الأثير، كما أن الصوت تموج في الهواء. وقد ميز بين الألوان على أنها ترجع إلى فترات مختلفة من تذبذب في أمواج الضوء، وكان سباقاً إلى نظريتنا التي تنسب اللون الأزرق إلى أقصر فترة تذبذب، واللون الأحمر إلى أطوالها. وقد أثبت بيير بوجيه بالتجربة ما سبق أن توصل إليه كلير نظرياً، وهو أن شدة الضوء تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع بعده عن مصدره. وتوصل يوهان لامبرت إلى طرق لقياس شدة الضوء، وقرر أن ضياء الشمس يبلغ 277,000 ضعف ضياء القمر، وأن علينا أن نتقبل هذا بالإيمان كما تقبلنا اللاهوت الذي ألقي إلينا في طفولتنا.

الكهرباء

حققت فيزياء القرن الثامن عشر أروع تقدم لها في ميدان الكهرباء. لقد عرف الناس كهرباء الاحتكاك منذ زمن طويل. وكان طاليس المليطي (600 ق.م) على علم بما للعنبر (الكهرمان)، والكهرمان الأسود، وغيرهما من المواد إذا حكت من قدرة على جذب الأجسام الخفيفة كالريش أو القش. وقد سمى وليم جلبرت، طبيب الملكة إليزابث، هذه القوة الجاذبة "إلكترون" (من كلمة Electron اليونانية بمعنى الكهرمان) وباللاتينية vis electrica. وكانت الخطوة التالية هي إيجاد وسيلة لتوصيل هذه الكهرباء الساكنة واستخدامها. وقد بحث جويريكي وهاوكسي عن مثل هذه الوسيلة في القرن السابع عشر، وبقي أن يظل الكشف الحاسم عليها سراً حتى يتم على يد ستيفن جراي (1729).

وكان جراي رجلاً متقاعداً حاد الطبع، نزيل ملجأ من ملاجئ لندن. وحين "كهرب" أنبوبة زجاجية، مسدودة بفلينتين عند طرفيها، بدعكها وجد أن الفلينتين وكذلك الأنبوبة تجذب ريشة طائر. فأدخل أحد طرفي قضيب خشبي في إحدى الفلينتين، والطرف الآخر في كرة من العاج، فلما دعك الأنبوبة، جذبت الكرة الريشة كما جذبتها الأنبوبة والفلينتان، وهكذا أمكن توصيل الكهرباء على طول القضيب. واستطاع باستعمال الدوبارة أو خيط القنب المتين بدلا من القضيب أن يوصل الكهرباء لمسافة 765 قدماً. فلما استخدم الشعر، أو الحرير، أو الراتنج، أو الزجاج، في الربط انعدام التوصيل؛ وهكذا لاحظ جراي الفرق بين الأجسام الموصلة وغير الموصلة، واكتشف أن الأجسام غير الموصلة يمكن استعمالها لحفظ الشحنات الكهربائية أو تخزينها. فلما علق 666 قدماً من الدوبارة الموصلة من سلسلة طويلة من الأعمدة المائلة، وأرسل "القوة أو الفضيلة" الكهربائية (كما سماها) خلال تلك المسافة، كان في الواقع سباقاً إلى ابتكار التلغراف. وتبنت فرنسا البحث، فواصل جان ديزاجولييه (1736) تجارب جراي، وقسم المواد إلى موصلة وغير موصلة (سماها "كهربات قائمة بذاتها") ووجد أن هذه يمكن تغييرها إلى موصلات ببلها بالماء. وأجرى شارل روفيه أبحاثاً أنهاها إلى أكاديمية العلوم في 1733-37. وفي رسالة متواضعة إلى جمعية لندن الملكية (1734) صاغ أهم استنتاجاته على النحو الآتي:

"لقد ألقت الصدفة في طريقي بمبدأ آخر... وهو أن هناك كهربائين متميزين، تختلفان الواحدة عن الأخرى اختلافاً كبيراً، أسمى إحداهما "الكهرباء الزجاجية" والأخرى "الكهرباء الراتنجية" والأولى هي كهرباء الزجاج، والبلور الصخري، والأحجار الكريمة، وشعر الحيوان والصوف، وأجسام كثيرة أخرى. والثانية كهرباء العنبر، والكوبال، والجملكة، والحرير، والخيط، والورق، وعدد هائل من المواد الأخرى. وطبيعة هاتين الكهربائين هي أن جسما من نوع الكهرباء الزجاجية... يصد كل الأجسام التي من هذا النوع من الكهرباء، وبالعكس يجذب كل الأجسام التي من نوع الكهرباء الراتنجية(17). إذن فإن جسمين مكهربين بالتماس مع نفس الجسم المكهرب يصد إحداهما الآخر وهو ما اكتشفه دوفيه، ويستطيع كل تلميذ أن يتذكر دهشته حين رأى كرتي بلسان معلقتين بواسطة مادتين غير موصلتين من نفس النقطة وموضوعتين بحيث تمس الواحدة منهما الأخرى، تنتقصان فجأة مبتعدتين الواحدة عن الأخرى حين يلمسها نفس القضيب الزجاجي المكهرب. وأظهرت تجارب لاحقة أن الأجسام "الزجاجية" قد تكتسب كهرباء راتنجية"، وأن الأجسام "الراتنجية" قد تكتسب كهرباء"زجاجية" ومن ثم غير فرانكلن مصطلحات دوفيه إلى "موجبة وسالبة". وروح دوفيه عن معاصريه بتعليقه رجلا بحبال غير موصلة، وشحنه بالكهرباء بتلامسه مع جسم مكهرب، ثم بعث الشرر من جسم الرجل المعلق دون أن يصيبه أذى .

وانتقل المشهد إلى ألمانيا. فسبق جورج بوزيه في ناحية فرانكلن بإلماعه إلى أن ظاهرة الفجر الكاذب مصدرها كهربائي. وفي 1744 أثبت كرستيان لودولف في أكاديمية برلين أن في استطاعة الشرارة كهربية أن تشعل سائلا قابلاً للالتهاب. وفجر بونيه البارود بهذه الطريقة، فأفتتح بذلك عصر استعمال الكهرباء في التفجير، وإطلاق المدفع، وعشرات الأغراض الأخرى. وفي نفس العام بدأ جوتليب كراتسنشتين استعمال الكهرباء في علاج الأمراض. وفي أكتوبر 1745 اكتشف قسيس بومراني يدعى أ.ج كلايست أن في الإمكان تخزين شحنة كهربية في أنبوبة زجاجية بملئها بسائل أدخل فيه مسماراً متصلا بآلة تحدث كهرباء احتكاكية، فلما قطعت الوصلة احتفظ السائل بشحنته عدة ساعات. وبعد بضعة شهور توصل إلى هذا الكشف ذاته أستاذ بجامعة ليدن بييتر فان موسشينيرويك، دون أن يعلم شيئاً عن تجارب كلايست، وتلقى من طاس مشحونة غير مفصولة صدمة بدا لحظة أنها قاضية عليه، ولم يفق منها إلا بعد يومين. وأثبت المزيد من التجارب في ليدن أن في الإمكان تخزين شحنة أثقل في قارورة فارغة إذا غلف سطحاها السفليان، الداخلي والخارجي، بورقة قصدير. وخطرت لدانيال جرالات فكرة ربط عدة "جرار ليدينية" معاً، ووجد أن إفراغ شحنتها الكهربية يقتل صغار الحيوان.

وعرض لوى جيوم في باريس عام 1746، ووليم واطسن في لندن عام 1747، ما بدأ واطسن بتسمية "دائرة". فقد مد واطسن سلكاً طوله نحو ألف ومائتي قدم عبر كوبري وستمنستر، وعلى إحدى ضفتي التيمز أمسك رجل بطرف السلك ولمس الماء؛ وعلى الضفة الأخرى أمسك آخر بالسلك وبجرة من الجرار الليدينية، فلما لمس ثالث الجرة بيد وقبض بالأخرى على سلك امتد داخل الماء أقفلت "الدائرة" وأصيب الرجال الثلاثة بصدمة. خلال فراغ جزئي، فينشأ عن ذلك ضؤ غير قليل.

ويوصلنا هذا العام -عام 1747 إلى بنيامين فرانكلن، الذي بدأ آنئذ تجاربه الكهربية التي جعلت اسمه وصيته يتذبذبان بين العلم والسياسة. هنا ذهن وقلب من أعظم ما وعى التاريخ، اتسعت رقعة فضوله الخلاق وتفاوتت من مقترحات كالتوقيت الموفر لنور النهار، والكراسي الهزازة، والنظارات المزدوجة البؤرة إلى مانعات الصواعق ونظرية السائل الواحد الكهربية. وقد اعترف عالم من أئمة علماء قرننا هذا، هو السير جوزيف طومسن، بأنه "دهش للتشابه بين بعض الآراء التي تهدينا إليها نتائج أحدث الأبحاث، والآراء التي قال بها فرانكلن في طفولة الموضوع(19).

كان من أول كشوف فرانكلن تأثير الأجسام المدببة في "جذب وقذف النار الكهربية"(20). فقد وجد أن إبرة طويلة رفيعة تستطيع جذب تيار من الكهرباء من كرة مكهربة على بعد ست بوصات أو ثمان، في حين أن جسما غير حاد اقتضى إحداث هذا الأثر فيه تقريبه إلى مسافة بوصة من الكرة. وكان فرانكلن يتحدث عن الكهرباء باعتبارها ناراً، ولكنه ذهب إلى النار نتيجة خلل بين توازن السائلين الناريين "الموجب والسالب"، اللذين طن أنهما الكهرباء. فكل الأجسام عنده تحوي هذا السائل الكهربي: فالجسم "الزائد" المحتوي على أكثر من كميته العادية، يكهرب إيجابياً ويميل إلى إفراغ فائضه في جسم يحوي كمية عادية أو أقل من العادية؛ والجسم "الناقص" المحتوي على أقل من كميته العادية، يكهرب سلبياً، ويجتذب الكهرباء من جسم يحوي كمية عادية أو أكثر. وعلى هذا الأساس طور فرانكلن بطارية مكونة من إحدى عشرة لوحة زجاجية كبيرة برقائق من الرصاص كهربت إلى درجة عالية؛ فلما قرب هذا الجهاز ليلمس أجساماً أخف شحنة، أطلق جانباً من شحنته بقوة عنها فرانكلن "أنها لا تعرف حدوداً "تفوق أحياناً" أشد ما نعرف من آثار البرق العادي"(21).

وكان العديد من الباحثين-وول، ونيوتن، وهوكسي، وجراي، وغيرهم- قد لاحظوا الشبه بين الشرر الكهربي والبرق؛ فأثبت فرنكلن أنهما واحد. وفي 1750 أرسل إلى جمعية لندن الملكية رسالة جاء فيها:

"ألا يجوز أن يفيدنا علمنا بقوة الأطراف المدببة هذه في وقاية البيوت والكنائس والسفن الخ. من الصواعق، وذلك بإرشادنا إلى أن نثبت فوق قمم المباني قضباناً مستقيمة من الحديد، يسن القضيب منها كالإبرة ويغشى بالذهب منعاً لصدئه، ومن أسفل هذه القضبان يمد سلك من خارج البناء هابطاً إلى الأرض، أو حول أحد حبال صاري المركب إلى جنبها حتى يصل إلى الماء؟ ألا يحتمل أن تجذب هذه القضبان المدببة النار الكهربائية في هدوء من السحابة قبل أن تقترب قرباً يتيح لها أن تصعق البناء، وبهذا نأمن ذلك الشر الفجائي المستطير؟"(22):

ثم وصف تجربة يمكن ان تختبر بها هذه النظرية. أما الجمعية الملكية فقد رفضت الاقتراح لنه من قبيل الخيال، ورفضت أن تنشر رسالة فرانكلن. ولكن عالمين فرنسيين هما دلور وداليبار، وضعا نظرية فرانكلن موضع الاختبار، فأقاما في حديقة بماري (1752) قضيباً حديدياً مدبباً طوله خمسون قدماً، ونبها على حارس بأن يلمس القضيب بسلك نحاسي معزول إن مرت غيابهما سحب رعدية فوق رأسه. وجاءت السحب، ولمس الحارس القضيب لا بالسلك فقط بل بيده كذلك؟ وتطاير الشرر وطقطق، وصدم الحارس صدمة عنيفة. وأيد دلور وداليبار رواية الحارس بمزيد من الاختبارات، وأبلغا أكاديمية العلوم الباريسية أن "فكرة فرانكلن لم تعد حدساً بل حقيقة".

أما فرانكلن فلم يقنع بهذا، فقد أراد أن يوضح وحدة البرق والكهرباء في جلاء، وذلك بأن "يستخلص" البرق بشيء يرسل صعدا إلى السحابة المبرقة ذاتها. ففي يونيو 1752 حين بدأت عاصفة رعدية، طير على خيط قنب متين طيارة من الحرير (لأنه أصلح من الورق لحمل الريح والرطوبة، دون أن يتمزق)؛ وبرز سلك شديد التدبب على نحو اثنتي عشرة بوصة من قمة الطيارة، وعلى طرف الخيط الذي ينتهي عند المشاهد ربط مفتاح بشريط حريري؛ وبين فرانكلن نتائج التجربة في رسالة إلى إنجلترا (19 أكتوبر) ضمنها توجيهات لتكرارها:

"إذا بلل المطر خيط الطيارة بحيث يستطيع توصيل النار الكهربية دون معوق، ستجد أنها تنطلق بوفرة من المفتاح بمجرد أن تدنى منه مفصل اصبعك، وبهذا المفتاح يمكن شحن قنينة (أو جرة ليدينية)، ومن النار الكهربية التي يحصل عليها بهذه الطريقة يمكن إشعال المواد الكحولية وإجراء جميع التجارب الكهربية الأخرى التي تجري عادة بالاستعانة بكرة أو أنبوبة زجاجية محكوكة، وهكذا يتضح تماماً أن المادة الكهربية هي البرق شئ واحد"(23).

وكررت التجربة في فرنسا (1753) بطيارة أكبر وحبل طوله 780 قدماً ملفوف حول سلك حديدي، ينتهي عند المشاهد بأنبوبة معدنية كانت في التجربة تبعث شراراً طوله ثماني بوصات. وقد قتلت الصدمة الكهربية ج.و. وتشمان الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورج وهو يجري تجربة مماثلة. فلما أرسلت مؤلفات فرانكلن إلى إنجلترا في 1751-54 أكسبته الانتخاب عضواً في الجمعية الملكية، ومدالية كوبلي. وجاءته ترجمتها إلى الفرنسية بخطاب تهنئة من لويس الخامس عشر، وثناء حار من ديدرو، الذي وصفها بأنها نماذج في تحرير التقارير العلمية. وقد مهدت هذه الترجمات للاستقبال الودي الذي لقيه فرانكلن حين قدم إلى فرنسا ملتمساً العون للمستعمرات الأمريكية إبان ثورتها فلما نجحت الثورة بمعونة فرنسا لخص دالمبير (أوطورجو) إنجاز فرانكلن في بيت محكم خليق بفرجيل أو لوكريتيوس:


"إنه خطف البرق من السماء، والصولجان من الطغاة".

وعجت أوربا كلها بالنظريات والتجارب الكهربية بعد عام 1750. ففتح جون كانتون (1753) وفيلكي العالم المتعدد القدرات (1757) الطريق لدراسة التوصيل الكهربي الاستاتيكي، الذي يتكهرب بواسطته موصل غير مشحون إذا وضع بقرب جسم مشحون. وبرهن فيلكي على أن في الإمكان شحن معظم المواد بالكهرباء الموجبة (أو السالبة) إذا حكت بجسم مشحون بشحنة أقل منها (أو أزيد). وأثبت أيبينوس (فرانتز أولريش هوخ) الذي كان يعمل مع فيلكي في برلين أن لوحتين معدنيتين لا يفصلهما إلا طبقة من الهواء تعملان عمل الجرة الليدينية. وحاول جوزف بريستلي قياس قوة الشحنة الكهربية وأقصى اتساع تمر عبره شرارة شحنه معينة. وقد قرر أنه حين عبرت شرارة فجوة لا تتجاوز حتى بوصتين بين قضيبين معدنيين في فراغ ظهر في الفجوة "ضؤ أزرق أو أرجواني خفيف". على أن أروع إسهام أسهم به بريستلي في النظرية الكهربية هو إلماعه إلى أن قوانين الكهرباء قد تكون شبيهة بقوانين الجاذبية ولأن القوة التي تؤثرها الواحدة على الأخرى بواسطة شحنات كهربية منفصلة تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع المسافة بين مصدريهما. وقد جرب هنري كافندش (الذي يذكر كما يذكر بريستلي بفضل منجزاته في الكيمياء على الأخص) اقتراح بريستلي في سلسلة من التجارب الصابرة، وتوصل إلى تعديل طفيف ولكنه هام، زاده جيمس كلارك ماكسويل صقلا في 1878، والقانون يقبل اليوم بوضعه هذا. وبعد أن قام شارل أوجستن وكولومب بأعمال قيمة في ميدان توتر العوارض ومقاومة المعادن للالتواء، قدم لأكاديمية العلوم الباريسية تقارير عن تجارب (1785-86) استخدمت الميزان الالتوائي (إبرة تعتمد على شعرة رقيقة) في تقدير التأثيرات المغنطيسية والشحنات الكهربية، وفي كلتا الحالتين أثبت مادياً قانون المربعات العكسية.

وقد ترك إيطاليان، كما ترك كولومب، على اسميهما مصطلحات الكهرباء. فلم يقتصر لويجي جلفاني أستاذ التشريح في بولونيا على كشفه إمكان إحداث التقلصات العضلية في الحيوان الميت بالتماس الكهربي المباشر (وكان هذا معروفاً قبل ذلك بزمن طويل) بل زاد بأن هذه التقلصات تحدث إذا قربت ساق ضفدع ميت موصلة بالأرض من آلة تبعث شرارة كهربية. وأحدثت تقلصات مماثلة في سيقان الضفادع-الموصلة كذلك بالأرض والمربوطة بأسلاك حديدية طويلة- حين ومض البرق في الحجرة. وأدهش جلفاني أن يكتشف أن في إمكانه أن يقلص ساق ضفدع دون أي استعمال أو وجود لجهاز كهربي بمجرد تقريب عصب الضفدع وعضلته ليمسا معدنين مختلفين. وخلص من ذلك إلى أن في جسم الحيوان كهرباء طبيعية.

وكرر هذه التجارب ألساندرو فولتا، أستاذ الفيزياء في بافيا، ووافق أول الأمر على نظرية مواطنه في الكهرباء الحيوانية، ولكن المزيد من أبحاثه عدل آراءه. فبعد أن أعاد فولتا تجربة رواها ي. ج. زولتسر حوالي عام 1750 وجد أنه إذا وضع قطعة من القصدير على طرف لسانه، وقطعة من الفضة على ظهر لسانه شعر بطعم شديد الحموضة كلما وصل المعدنين بسلك. فلما وصل جبينه وسقف حلقه بهذين المعدنين المختلفين حصل على إحساس بالضوء. وفي 1792 أذاع النتيجة التي خلص إليها، وهي أن المعدنين، لا النسيج الحيواني، أحدثا الكهرباء بمجرد تفاعل الواحد مع الآخر ولمسهما مادة رطبة يحسن أن تكون محلول ملح. وأثبت المزيد من التجارب أن تماس معدنين مختلفين يحدث بهما شحنة كهربية-الواحد إيجاباً والآخر سلباً-دون تدخل من أي مادة رطبة، حيوانية كانت أو غير حيوانية. ولكن هذا التماس المباشر يحدث تفاعلا في الشحنات فقط، لا تدفقاً في التيار. ولكي يحدث فولتا تياراً صنع" رصيفاً كهربائياً" (فولطياً) بوضع عدة طبقات بعضها فوق بعض، يتألف كل منها من صفيحتين موصولتين من معدن نختلف، وصفيحة من الورق أو الخشب المبلل. وهكذا كونت في آخر سنة في القرن لثامن عشر أول بطارية ذات تيار كهربي. وفتح الطريق أمام الكهرباء لتعيد صنع وجه الأرض وليلها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكيمياء

البحث عن الأوكسجين

كتب إدوارد جيبون في 1761 يقول "إن الفيزياء والرياضة تتربعان الآن على العرش، تريان أخواتهما ملقيات على الأرض أمامهما، مغلولات إلى عربتهما، أو على الأكثر يزين موكب انتصارهما. ولعل الزمن لن يمهلهما كثيراً حتى يسقطها عن عرشهما"(24). وكانت تلك نبوءة مشئومة فالفيزياء الآن ملكة العلوم، والرياضة معينتها، ولكن ما من أحد يستطيع التنبؤ بما قد يسفر عنه اتحادهما.

ومع ذلك، ففي وسط جميع انتصارات رياضة القرن السابع عشر وفيزيائه وفلكه، كان علم صغير قد انبعث من أقمطة الكيمياء. وأوشك خطأ مؤسف أن يخنقه وهو بعد في المهد. ذلك أن جورج شتال أستاذ الطب والكيمياء في هاللي، عملا بنظرية اقترحها بوهان بيشر في 1669، علل الاختراق بأنه إطلاق "الفلوجستون" (اللاهوب) من المادة المحترقة إلى الهواء وكلمة Phlogiston هي المقابل اليوناني لكلمة inflammable أي قابل للاحتراق؛ وكلمة phlox هي المقابل اليوناني لكلمة flame أي اللهب، وتعني اليوم نباتاً تتلون أزهاره أحياناً باللون الأحمر المشتعل). وما وافى عام 1750 حتى قبل معظم الكيميائيين في غرب أوربا هذه النظرية التي تزعم أن الحرارة أو النار مادة منفصلة عن المادة المشتعلة. ولكن أحداً لم يستطع أن يفسر، إذا كان الأمر كذلك فما السر في أن المعادن تزن بعد احتراقها أكثر منها قبله.

وقد مهد لتعليلنا الراهن للاحتراق العمل الذي قام به هيلز، وبلاك، وشيليه في كيمياء الهواء. أما ستيفن هيلز فقد عبد الطريق باختراعه "الحوض الغازي" وهو وعاء هوائي يمكن أن تجمع فيه الغازات في إناء مقفل فوق الماء. وقرر أن الغازات (وقد سماها "الأهوية") تحتويها جوامد كثيرة، ووصف الهواء بأنه "سائل مطاط رقيق" له جزيئات ذات طبيعة مختلفة جداً تطفو فيه"(25).

وقد أنهى تحليل الهواء والماء إلى مواد منوعة الفكرة القديمة عن الهواء، والماء، والنار، والتراب، باعتبارها العناصر الرئيسية الأربعة. وفي الجيل التالي أثبتت تجارب جوزف بلاك (1756) أن من مكونات الهواء ما سماه اقتداء بهليز-"الهواء الثابت" أي الهواء المحتوي في المواد الجامدة أو السائلة والقابل للإزالة منها، ونحن نسميه الآن ثاني أوكسيد الكربون أو غاز حامض الكربونيك". وزاد بلاك بتمهيده الطريق للكشف عن الأوكسجين بإثباته بالتجربة أن هذا الغاز يحتويه زفير الإنسان. ولكنه ظل يؤمن بالفلوجستون، وظل الأوكسجين والهيدروجين والأزوت (النتروجين) أسراراً غامضة. وقد أسهمت السويد بعطاء سخي في كيمياء القرن الثامن عشر فتوربيرن أولوف بيرجمان، الذي سنلتقي به ثانية رائداً في الجغرافيا الطبيعية، كان أولاً وقبل كل شيء كيميائياً، عرفه الناس وأحبوه أستاذاً لذلك العلم في جامعة أوبسالا. وهو أول من حصل على النيكل في حالة نقاء، وأول من أثبت أهمية الكربون في تحديد الخواص الطبيعية للمركبات الكربونية الحديدية. وقد درس في حياته القصيرة نسبياً-والتي لم تتجاوز تسعة وأربعين عاماً- الائتلافات الكيميائية لتسع وخمسين مادة، بعد أن أجرى عليها نيفاً وثلاثين ألف تجربة، ونشر كشوفه في كتابه "الإجتذابات الانتخابية"(1775) ومات قبل أن يكمل هذا العمل، ولكنه كان خلال ذلك قد أورث شيليه تفانيه في البحوث الكيميائية.

ويسلم مؤرخو العلم الإنجليزي الآن في شهامة بأن كيميائياً سويدياً-هو كارل فلهلم شيليه سبق (1772) كشف بريستلي (1774) لما سماه لافوزييه (1779) لأول مرة بالأكسجين. وقد قضى شيليه أكثر عمره الذي لم يتجاوز الثلاثة والأربعين عاماً فقيراً معدماً. بدأ صبياً لصيدلي في جوتبورج، ولم يرق إلى أكثر من صيدلي في مدينة كوبنج المتواضعة. وقد حصل له معلمه توربيرن بيرجمان-على معاش صغير من أكاديمية أستوكهولم للعلوم، فكان شيليه ينفق ثمانين في المائة منه على التجارب الكيميائية، يجرى أكثرها ليلا بعد الفراغ من عمل نهاره مستعيناً بأبسط الأجهزة المعملية. ومن هنا موته المبكر. ومع ذلك فقد غطى ميدان هذا العلم الجديد كله تقريباً، وعرفه ببساطته المعهودة فقال"إن هدف الكيمياء ومهمتها الرئيسية هي أن تفصل المواد بمهارة، وتردها إلى مكوناتها، وأن تكشف خواصها، وأن تركبها بطرق مختلفة"(26).

وفي 1775 أرسل إلى لمطبعة مخطوطة عنوانها "رسالة كيميائية في الهواء والنار"؛ وتأخر نشرها حتى 1777، ولكن كل التجارب التي وصفتها تقريباً كانت قد أجريت قبل 1773. ومع أن شيليه ظل حتى مماته متمسكاً بإيمانه باللاهوب، فإنه أرسى قضية أساسية هي أن الهواء غير الملوث يتألف من غازين، سمى أحدهما "هواء النار" وهو الأكسجين لأنه أهم عماد للنار وسمى الثاني "الهواء التالف" وهو الأزوت لأنه هواء فقد "هواء النار". وقد حضر الأكسجين بطرق عديدة، مزج في إحداهما حامض الكبريتيك المركز بالمنغنيز المطحون طحناً دقيقاً، وسخن المزيج في إنبيق، وجمع الغاز الناتج في كيس ضغط حتى خلا من الهواء تقريباً. ووجد أن الغاز الذي أنتج على هذا النحو إذا مرر على شمعة مشتعلة "بدأت تشتعل بلهيب أكبر، وبعثت نوراً ساطعاً يبهر العين"(27). وخلص إلى أن "هواء النار" هو الغاز الذي تعتمد عليه النار. ولا شك أنه استخرج هذا الغاز قبل أن يستخرجه بريستلي بسنتين(28). ولم يكن هذا سوى قسط يسير من منجزات شيليه. ولعل سجله مكتشفاً لمواد جديدة لا ضريب له بين المكتشفين(29) فهو أول من عزل الكلورين، والباريوم، والمنغنيز، ومركبات جديدة مثل النشادر، والجلسرين، وأحماض الهيدروفلوريك، والتانيك، والبنزويك، والأوكساليك، والماليك، والطرطريك. وقد انتفع برتولليه في فرنسا، وجيمس وات في إنجلترا، انتفاعاً تجارياً بكشفه لتبييض الكلورين للثياب، والخضر، والزهر. وفي أبحاث أخرى اكتشف شيليه حمض البوليك بتحليل حصاة المثانة(1776). وفي 1777 حضر الهيدروجين المكبرت، وفي 1778 حمض المولبديك. وفي 1780 أثبت أن حموضة اللبن الحامض سببها حمض اللبنيك؛ وفي 1781 حصل على حمض التنجستيك من تنجستات الكلسيوم (ويعرف الآن بالشيلي). وفي 1783 اكتشف حمض البروسيك (الهيدروسيانيك) دون أن يدرك ما له من طبيعة سامة. كذلك استخراج غاز الأرسين (وهو مركب قتال من الزرنيخ (وصبغة الزرنيخ المعروفة الآن بأخضر شيليه(30). وقد أعان على تيسير التصوير الفوتوغرافي بإثباته أن ضؤ الشمس الأبيض لها تأثيرات على أملاح الفضة. وقد تبين أن الجهد الذي أنفق في هذا العمر القصير، وهو جهد مثمر إلى حد لا يصدق، ذو أهمية بالغة في التنميات الصناعية في القرن التاسع عشر.

بريستلي

ظل الفضل في اكتشاف الأكسجين ينسب طويلا إلى جوزف بريستلي لا إلى شيليه، لأنه اكتشفه مستقلا عن شيليه، وأذاع اكتشافه هذا في 1775 قبل عامين من نشر شيليه المتأخر لكشفه. ومع ذلك فنحن نكرمه لأن أبحاثه أتاحت للافوازييه أن يضفي على الكيمياء شكلها الحديث، ولأنه كان من الرواد في الدراسة العلمية للكهرباء، ولأنه أسهم بشجاعة في الفكر البريطاني عن الدين والحكومة حتى أن جماعة متعصبة من الغوغاء أحرقت بيته في برمنجهام وحملته على الالتجاء إلى أمريكا. وقد لمس تاريخ الحضارة في نقط كثيرة، وهو واحد من أعظم شخصياته إلهاماً. ولد في يوركشير في 1733، لمشاط من المنشقين على الكنيسة الرسمية. وأكب بنهم على دراسة العلم، والفلسفة، واللاهوت، واللغات؛ فتعلم اللاتينية، واليونانية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والعربية، وحتى طرفاً من السريانية والكلدية. واشتغل أول الأمر واعظاً منقشاً في سافوك، ولكن عقده في لسانه انتقصت من تأثير بلاغته في السامعين. فلما بلغ الخامسة والعشرين نظم مدرسة خاصة بعث الحياة في منهاجها بتجارب في الفيزياء والكيمياء. وفي الثامنة والعشرين أصبح معلماً في أكاديمية للمنشقين في وارنجتن، وهناك علم خمس لغات، ووجد رغم ذلك الوقت ليجري أبحاثاً أكسبته زمالة في الجمعية الملكية (1776). في تلك السنة التقى بفرانكلن في لندن فشجعته على تأليف كتابه "تاريخ الكهرباء ووضعها الراهن" (1776) وهو مسح جدير بإعجاب للموضوع بأسره حتى جيله. وفي 1767 عين راعياً لكنيسة مل هل بليدز. وقد تذكر في تاريخ لاحق من حياته، إنه "نتيجة لسكناي حيناً بقرب مصنع عمومي للجعة أغريت بإجراء تجارب على الهواء الثابت(31). لأن عجين مصنع الجعة انبعث منه غاز ثاني أكسيد الكربون. وقد أذابه في الماء، وأعجبته نكهته الفوارة؛ وكان هذا أول "ماء صودا".

وفي 1772 أعفى من هموم الرزق بتعيينه أمين مكتبة للورد شلبيرن. وفي البيت الذي جهز له بكولن أجرى التجارب التي أكسبته شهرة دولية.

وقد حسن "وعاء هيلز الغازي" بأن جمع فوق الزئبق، بدلا من الماء، الغازات التي ولدها بأنواع مختلفة من المزج. ففي 1772 عزل أكسيد النتريك، وأكسيد النتري (الغاز الضحاك) وكلوريد الهيدروجين؛ وفي 1773 النشادر (مستقلاً عن شيليه)؛ وفي 1774 ثاني أكسيد الكبريت؛ وفي 1776 بيروكسيد الأزوت. وفي 15 مارس 1775 أرسل إلى جمعية الملكية خطاباً أذاع فيه كشفه للأكسجين. وقد وصف طريقته في المجلد الثاني من كتابه تجارب ومشاهدات في مختلف أنواع الهواء (1775) فقال أنه باستعمال عدسة حارقة قوية: "شرعت... بالاستعانة بها في أن أفحص نوع الهواء الذي تطلقه أنواع كثيرة جداً من المواد) حين تسخن بهذه الطريقة (بوضعها في... أوان... مملوءة بالزئبق ومقلوبة في حوض الزئبق... وبهذا الجهاز...، في أول أغسطس 1774، حاولت استخراج الهواء من الزئبق المكلس وحده (أكسيد الزئبق) وسرعان ما وجدت أن الهواء يطرد منه بسرعة باستعمال هذه العدسة... والذي أدهشني دهشة لا يمكنني التعبير عنها أن شمعة اشتعلت في هذا الهواء بلهب قوى جداً(32).

فلما لاحظ-كما لاحظ شيليه- أن في استطاعة فأر أن يعيش أطول في هذا الهواء المنزوع اللاهوب أو الفلوجستون (كما سمى الأكسجين) مما يعيش في الهواء العادي، خطر له أن يجرب بنفسه الهواء الجديد. "لن يعجب القارئ لأنني بعد أن أكد لي عظم صلاحية الهواء المنزوع اللاهوب من حياة الفئران فيه، وبغير ذلك من التجارب التي سبق ذكرها، تطلعت إلى تذوقه بنفسي. فأشبعت فضولي باستنشاقه وسحبه من زجاجة سيفون؛ وبهذه الطريقة أحلت أبريقاً كبيراً مملوءاً به إلى مستوى الهواء العادي. ولم يكن إحساس رئتي به يختلف اختلافاً محسوساً عن إحساسهما بالهواء العادي. ولكن خيل إلي أن صدري ظل بعض الوقت بعدها يحس بأنه خفيف إلى درجة غريبة. ومن يدري، فلعل هذا الهواء النقي سيصبح يوماً ما أداة عصرية من أدوات الترف؟ أما إلى اليوم فإن أحداً لم يستمتع باستنشاقه سواي أنا وفأرين(33)...

وقد تنبأ ببعض صور هذا الترف المستقبل: لنا أن نحزر-من قوة لهيب الشمعة المضاءة في هذا الهواء النقي وسطوعها الزائد-أنه قد يكون أصلح جداً للرئتين في حالات مرضية معينة، حين لا يكفي الهواء العادي إزالة الزفر الفلوجستي الفاسد (ثاني أكسيد الكربون) بالسرعة الكافية. ولكن ربما استنتجنا أيضاً من هذه التجارب أنه وإن كان الهواء المنزوع اللاهوب (الأكسجين) مفيداً جداً كدواء ، فإنه قد لا يكون بمثل هذه الصلاحية لنا في حالة الصحة العادية للبدن، لأن الشمعة تشتعل في الهواء المنزوع اللاهوب بأسرع مما تشتعل في الهواء العادي، ومن ثم فقد نفني حياتنا بأسرع مما ينبغي وتستهلك فينا القوة الحيوانية على عجل في هذا النوع النقي من الهواء(34).

وقد تألفت تجارب بريستلي بالفروض المثمرة والإدراكات اليقظة، ولكن تفسيراته النظرية كان أكثرها تقليداً. فقد ظن كما ظن شتال وشيليه أنه في الاحتراق يخرج الجسم المشتعل مادة هي الفلوجستون (اللاهوب) وذهب إلى أن هذه المادة تتحد مع أحد مكونات الهواء ليكونا "الهواء التالف" أو "الهواء ذات اللاهوب" (وهو الأزوت) أما المكون الآخر فسماه"الهواء المنزوع اللاهوب" وهو ما سيطلق عليه لافوازييه اسم الأكسجين. وبينما كان لافوازييه يقول بأن الجسم في عملية الاحتراق يمتص الأكسجين من الهواء بدلا من أن يطرد الفلجستون فيه، ظل بريستلي إلى آخر حياته متمسكاً بالمفهوم القديم. وفي 1774 سافر مع اللورد شلبيرن إلى القارة، وأخبره بتجارب الأكسجين. وفي 1780 أحاله شلبيرن إلى التقاعد بمعاش سنوي قدره 150 جنيهاً. واستقر بريستلي في برمجنهام قسيساً أصغر لجماعة كبيرة من المنشقين تدعى "المحفل الجديد". وانضم إلى جيمس وات، وجوسيا ودجوود، وارزمس داروين، وماثيوبولتن، وغيرهم في "جمعية قمرية" تناقش أحدث الأفكار في العلم، والتكنولوجيا، والفلسفة. وكان محبوباً من جميع الطبقات تقريباً وموضع الإعجاب لوجهه البشوش، وتواضعه، وسماحته، وطهارة حياته التي لا تشوبها شائبة(35). ولكن بعض جيرانه ارتابوا في مسيحيته. وفي كتابه "مقالات في المادة والروح" (1777) رد كل الأشياء، حتى النفس، إلى المادة وأصر على أن هذا الرأي شئ لا غبار عليه.

"فمعلوم جيداً لأهل العلم... إن ما عناه القدماء بالكائن اللامادي إنما هو نوع مهذب مما ينبغي أن نسميه الآن مادة، شئ كالهواء أو النفس، زود الناس لأول مرة باسم للنفس... ومن ثم لم يستعبد القدماء من العقل خاصية "الامتداد" والضغط المحلي. فقد كان لهم في رأيهم بعض الخواص المشتركة بينه وبين المادة، وكان في استطاعته أن يتحد معها، وأن يؤثر فيها ويتأثر بها... وعليه فقد رؤي أن... قوة الحس أو التفكير... يمكن أن تنقل لأغلظ ضروب المادة... وأن "النفس" "والجسم" لا بد أن يموتا معاً لأنهما في الواقع مادة واحدة(36).

وفي كتاب آخر نشره في نفس العام اسمه"شرح عقيدة الضرورية الفلسفية"، أنكر بريستلي بحماسه حرية الإرادة أسوة بهارتلي وهيوم. وفي كتابه "تاريخ تحريفات المسيحية" (1782) رفض المعجزات وسقوط آدم، وكفارة المسيح، وعقيد الثالوث. وذهب إلى أن هذه العقائد كلها تحريفات أدخلت أثناء تطور المسيحية؛ إذ لا وجود لها في تعاليم المسيح والرسل الأثنى عشر. ولم يبق من المسيحية في بريستلي غير الإيمان بالله المبني على شهادة للقصد الإلهي. ولم يكن راضياً تمام الرضى عن فكرة الخلود، فألمع إلى أن الله في يوم الحشر سيعيد خلق الأموات جميعاً. على أن رجاه الحقيقي لم يكن معقوداً على سماء في الآخرة بل على "بوتوبيا" تبنى على هذه الأرض بانتصار العلم على الخرافة والجهل. وندر أن عبر إنسان بحرارة كما عبر بريستلي عن دين القرن الثامن عشر، وعن التقدم، إذ يقول:

كل المعرفة ستقسم فروعاً وتوسع، ولما كانت المعرفة قوة كما لاحظ اللورد بيكون، فإن قوى البشر ستزداد في الواقع، فالطبيعة -مواردها وقوانينها- ستكون في متناول أكثر من ذي قبل، وسيجعل الناس وضعهم في هذا العالم أشد يسراً وراحة، وأغلب الظن أنهم سيطيلون وجودهم فوقه، وسيصبحون كل يوم أسعد حالاً، كل سعيد في ذاته، وأقدر (وأكثر ميلاً في ظني) على توصيل السعادة لغيره. ومن ثم، فأياً كانت بداية هذا العالم، فإن نهايته ستكون أمجد وأسعد مما يستطيع خيالنا الآن أن يتصوره...(37) وطوبى للذين يسهمون في نشر النور النقي لهذا الإنجيل الخالد(38). وفي رؤيا بريستلي أن بعض هذا التقدم المجيد سيكون سياسياً، وسيبنى على مبدأ إنساني بسيط "فتحقيق الخير والسعادة... لأغلبية الناس في أي دولة، هو المعيار الذي يجب أن يقرر به نهائياً كل شئ يمت إلى تلك الدولة(39). ويقول بنتام أنه وجد هنا مصدراً من مصادر فلسفة المنفعة التي بشر بها. وعند بريستلي أن الحكومة العادلة الوحيدة هي التي تستهدف إسعاد مواطنيها. ومما يتفق تماماً مع المسيحية أن يطيح الشعب بالحكومة التي يتضح له ظلمها. وقد أجاب عن تحذير القديس بولس الذي قال فيه "إن السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله." بقوله "للسبب نفسه ستكون سلاطين المستقبل مرتبة من الله أيضاً(40).

وكان طبيعياً أن يتعاطف ثائر كهذا مع المستعمرات في احتجاجها على فرض الضرائب عليها دون أن يكون لها ممثلون في البرلمان البريطاني. وقد صفق للثورة الفرنسية بحرارة أشد حتى من حرارة تعاطفه مع المستعمرات. ولما ندد بها بيرك دافع عنها بريستلي فدمغه بيرك في البرلمان بالهرطقة. وكان بعض أصدقاء بريستلي يشاركونه آراءه المتطرفة. وفي 14 يوليو 1791 اجتمعت "جمعية برمنجهام الدستورية" في الفندق الملكي للاحتفال بالذكرى السنوية لسقوط الباستيل. ولم يحضر بريستلي الاحتفال. واحتشد جمع أمام الفندق واستمعوا إلى اتهامات زعمائهم للمهرطقين والخونة، ثم قذفوا نوافذ الفندق بالحجارة، ففر أصحاب المأدبة. وانطلق الجمع إلى بيت بريستلي فأحرقوه مبتهجين وأتوا على مختبره وأدواته ومكتبته ومخطوطاته. ثم ظلوا ثلاثة أيام يجوبون أنحاء برمنجهام وهم يقسمون أن يقتلوا جميع "الفلاسفة"؛ وراح المواطنون المروعون يخطون على زجاج نوافذهم عبارة "لا يوجد هنا فلاسفة". وفر بريستلي إلى ددلي، ثم لى لندن. ومنها وجه رسالة في 19 يوليو إلى أهل برمنجهام قال فيها:

مواطني وجيراني الأسبقون. بعد أن عشت معكم أحد عشر عاماً، خبرتم كلكم على السواء خلالها ذلك المسلك المسالم الذي كنت أسلكه في العكوف على الواجبات الهادئة لمهنتي وللفلسفة، لم أتوقع قط تلك الأضرار التي أوقعتموها مؤخراً بي وبأصدقائي... وعقول الإنجليز لحسن الحظ تستبشع "القتل"، ومن ثم لم تفكروا فيه (وهو ما أرجوه). ولكن ما قيمة الحياة إذا ارتكب كل شئ لجعلها شقية تعسة؟.. لقد دمرتم أثمن وانفع جهاز حقاً من الأجهزة الأدوات الفلسفية... لقد دمرتم مكتبة.... لا يمكن لمال أن يشتريها من جديد إلا بعد زمن طويل ولكن ما يحز في نفسي أكثر من هذا أنكم دمرتم مخطوطات هي ثمرة الدرس الكادح في سنوات كثيرة، ولن أستطع أبداً إعادة تأليفها من جديد؛ وقد فعلتم هذا بإنسان لم يؤذكم ولم يخطر له قط أن يؤذيكم.

وتخطئون إذا ظننتم أن مسلككم هذا قد يخدم قضيتكم أو يضر قضيتنا... فلو أنكم قضيتم على كما قضيتم على بيتي، ومكتبي، وأجهزتي، فإن عشرة أشخاص آخرين لهم من الجرأة والكفاية ما يعادل مالي أو يفوقه سيظهرون على الفور. ولو قضي على هؤلاء العشرة لظهر بدلهم مائة... نحن في هذا الأمر أشبه بالحملان وأنتم بالذئاب. وسنتمسك بخلقنا، ونرجو أن تغيروا خلقكم. وأياً كان الأمر، فإننا نرد على لعناتكم بالبركات، ونرجو أن تثوبوا سريعاً إلى ما امتاز به أهل برمنجهام فيما مضى من جد واجتهاد وعادات رزينة. وإنني المتمني لخيركم، المخلص،

ج. بريستلي

ولكنه قاضى المدينة مطالباً بتعويض، وقدر خسارته بمبلغ 4,500 جنيه. وأعان قضيته تشارلز جيمس فوكس، ومنحته برمنجهام 2,502 جنيهاً. فحاول أن يستقر في مواطن جديد في إنجلترا ولكن رجال الكنيسة، وأنصار الملكية، وزملاءه في الجمعية لملكية، تجنبوا صحبته(42).

وعرضت عليه الأكاديمية الفرنسية للعلوم عن طريق سكرتيرها كوندورسيه بيتاً ومختبراً في فرنسا. وفي 8 أبريل 1794 هاجر إلى أمريكا، وكان يومها في الحادية والستين، واختار بيته الجديد في مدينة نورثمبرلاند، في بنسلفانيا وطن فرانكلن، على ضفاف نهر سسكويهانا الجميل الذي سيحلم به بعد قليل كولردج وسوذي. ثم استأنف تجاربه واكتشف تركيب أول أكسيد الكربون. وقد احتفت به الجماعات العلمية وعرض عليه كرسي الكيمياء في جامعة بنسلفانيا. وفي 1796 ألقي على الجامعيين في فيلادلفيا سلسلة من الأحاديث عن "الشواهد على المسيحية" وكان من بين جمهور المستمعين جون آدمز نائب رئيس الجمهورية وكثيرون من أعضاء الكونجرس. ومن هذه الاجتماعات انبعثت جمعية للموحدين. وبعد عامين اقترح تيموثي بيكرنج، الوزير في حكومة الرئيس آدمز، ترحيل بريستلي بوصفه أجنبياً غير مرغوب فيه. ووضع انتخاب جفرسن (1800) نهاية لقلق بريستلي، فأتيحت له أربعة أعوام من السلام. وفي 1803 كتب آخر أبحاثه العلمية التي ظل يدافع فيها عن الفلوجستون ومات في نورتميرلاند في 6 فبراير 1804. وفي 1943 قررت الهيئة التشريعية البنسلفانية أن يكون بيته بيتاً تذكارياً قومياً.

وبينما اضطلع توماس بين بحملة بريستلي بوصفه مسيحياً متمرداً، واصل هنري كافندش أبحاثه في كيمياء الغازات. وكان كافندش ابن لورد، وابن أخي دوق، وقد ورث في الأربعين ثروة من أعظم الثروات في إنجلترا. كان خجولا متردداً في حديثه، مهملا في لباسه، فعاش عيشة النساك في مختبره بكلابهام كومن بلندن، ولم يسع إلى الشهرة. وتميزت أبحاثه بالتدقيق الشديد في قياس جميع الموارد ووزنها قبل التجربة وبعدها، وقد أعانت هذه المعايرات لافوازييه على أن يصوغ مبدأه القائل بأن كمية المادة تظل ثابتة في التغيرات الكيميائية.

وفي 1766 أنهى كافندش إلى الجمعية الملكية تجاربه على "الهواء الصناعي" أي الغاز المشتق من الجوامد. فقد توصل بإذابة الزنك أو القصدير في أحماض إلى استخراج ما سماه "الهواء القابل للاحتراق"؛ وقال أن هذا والفلوجستون شئ واحد، ونحن نسميه الآن الهيدروجين. وكان كافندش أول من أدرك أنه عنصر متميز، وعين وزنه النوعي. وفي 1783، وجد-وهو يتابع تجربة أجراها بريستلي- أنه إذا مررت شرارة كهربية في مزيج من الهواء العادي "والهواء القابل للاحتراق" تكاثف جزء من لمزيج وتحول إلى ندى. واستنتج من هذا التحليل الكهربي أن الماء مركب من 2.014 حجماً من "الهواء القابل للاحتراق" إلى حجم واحد من هواء برستلي المنزوع الفلوجستون، أو كما نقول الآن (يد 2 ا). وكان هذا أول برهان قاطع على أن الماء مركب لا عنصر (وقد ألمع جيمس وات، مستقلا، إلى نفس التركيب للماء في نفس السنة 1783). وبعد أن مرر كافندش ثانية شرارة كهربية في مزيج من الهيدروجين والهواء العادي حصل على حمض النتريك، واستنتج أن الهواء النقي مركب من الأوكسجين والنتروجين (الأزوت). (وكان دانيال رذرفورد الأدنبري قد اكتشف النتروجين بوصفه عنصراً متميزاً في 1772). واعترف كافندش بوجود بقية صغيرة لم يستطع تعليلها، ولكنه قدرها فبلغت 0,83 من لكمية الأصلية. وقد ظل هذا سراً غامضاً حتى 1894، حين عزل رايلي ورامزي هذا الجزء الذي نسميه الآن الأرجون، بوصفه عنصراً قائماً بذاته، ووجدا أن وزنه 0.94 من الهواء العادي. وهكذا أثبتت دقة موازين كافندش.


لافوازييه

في هذه الأثناء أتاحت مجموعة من الباحثين المتحمسين، عبر القنال الإنجليزي، لفرنسا مكان الريادة في هذا العلم الجديد، وأعطت الكيمياء الشكل الذي تبدو عليه اليوم في جوهرها. وقام في مكان المنبع منهم جيوم روويل، الذي تميز بجهوده في كيمياء الأملاح، لكنه اشتهر بدورات محاضراته التي علم الكيمياء فيها للأغنياء والفقراء، ولديدرو وروسو، ولأعظم كيميائي فيهم أجمعين.

وقد كان لأنطوان لافوازييه ميزة أو معوق، هي أنه ولد غنياً (1743). أتاح أبوه-وكان محامياً في برلمان باريس- للصبي كل ما توفر من تعليم في ذلك الحين، وورثه 300.000 جنيه وهو بعد في الثالثة والعشرين. وثروة كهذه كان يمكن أن تجهض مستقبلا في مهنة الأدب، ولكنها كانت عوناً لعلم تطلب أجهزة غالية وسنوات طويلة من الإعداد. وقد فر أنطوان من مدرسة الحقوق التي أرسل إليها، مؤثراً عليها دراسة الرياضة والفلك، وحضر محاضرات روويل في قاعة الجاردان دروا. ومع ذلك أتم دراساته القانونية، ثم رافق جان جتار في القيام برحلات ورسم خرائط تعدينية لفرنسا. وفي 1768 انتخب عضواً في أكاديمية العلوم، وكانت يومها تضم بوفون، وكزنيه، وطورجو، وكوندورسيه. وبعد عام انضم إلى هيئة الملتزمين العامة في عملية بغيضة هي جمع ضرائب الإنتاج لاستعاضة ما أنفقوه في إقراض الحكومة. فدفع 520.000 جنيه ثمناً لثلث نصيب في أحد الأسهم الستين لهيئة الالتزام العامة، وفي 1770 رفعه إلى نصيب كامل. وفي 1771 تزوج ماري بولز، ابنة ملتزم عام غني، وأنفق الآن بعض وقته في رحلات للأقاليم، وفي تحصيل إيراداته، وجميع بيانات الضرائب، والعينات الجيولوجية. وقد مولت ثروته مختبراً عظيما وتجارب غالية التكاليف ، ولكنها قادته إلى الجيلوتين.

ثم شارك بدور إيجابي في الشئون العامة. فلما عين (1775) مأموراً للبارود، زاد إنتاج تلك المادة المتفجرة وحسن نوعها، فيسر بذلك تصديرها على نطاق واسع إلى المستعمرات الأمريكية، وانتصارات جيوش الثورة الفرنسية. وقال لافوازييه "لقد أصبح البارود الفرنسي خير بارود في أوربا... ويجوز لنا أن نقول أن أمريكا الشمالية تدين له بحريتها."(43) وقد خدم في مختلف المجالس الرسمية، وقومية وبلدية، وعالج بذكائه المتعدد النواحي شتى مشكلات نظام الضرائب، والعملة، والمصارف، والزراعة العلمية، وأعمال البر العام. وحين كان عضواً في الجمعية الإقليمية بأورليان (1787) جاهد في سبيل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم. وخلال نقص الطعام الخطير في 1788 أقرض ماله لكثير من المدن لتشتري به قمحاً. لقد كان رجلاً أحب خير المجتمع، وثابر على جمع المال.

على أنه في هذه الأنشطة كلها لم يكف عن الاشتغال بالعلم. فغدا مختبره أعقد وأوسع المختبرات السابقة للقرن التاسع عشر: قوامه 250 آلة، وثلاثة عشر ألف مخبار، وآلاف المستحضرات الكيميائية، وثلاثة موازين دقيقة أعانت فيما بعد على تقدير الجرام وحدة الموازين في النظام المتري. وكان الوزن والمعايرة نصف السر في كشوف لافوازييه، وبفضلهما غير الكيمياء من نظرية كيفية إلى علم كمي. وبالوزن الدقيق برهن على أن "فلوجستون" شتال ليس إلا خرافة مربكة افترضت وجود مادة غامضة تترك الجسم المشتعل في عملية الاحتراق وتدخل الهواء. ففي أول نوفمبر 1772 قدم لافوازييه إلى أكاديمية العلوم مذكرة هذا نصبها:

قبل ثمانية أيام اكتشفت أن الكبريت في احتراقه لا يفقد الوزن بل يكسبه، أي أننا قد نحصل من رطل الكبريت على أكثر من رطل من الحمض الكبريتي، مع أخذ رطوبة الهواء في حسابنا. وهذا ما يحدث أيضاً في الفوسفور. وزيادة الوزن تأتي من كمية الهواء الكبيرة التي تثبت (أي تمتصها المادة المحترقة) أثناء الاحتراق وتتحد مع الأبخرة (الكبريتية). وقد أقنعني هذا الكشف، الذي أثبته بتجارب أراها حاسمة، أن ما يلاحظ في احتراق الكبريت والفوسفور قد يحدث في جميع الأجسام التي تكتسب وزناً عند الاحتراق أو التكلس(44). فالجسم المحترق لا يعطي الهواء شيئاً بل يأخذ منه شيئاً. فما هذا الشيء؟ في خريف 1774 نشر لافوازييه وصفاً لمزيد من التجارب. فقد وضع كمية موزونة من القصدير في قنينة موزونة تتسع لقدر كبير من الهواء. ثم ختم القنينة، وسخن الكل حتى تأكسد القصدير تأكسداً جيداً. وبعد أن أتاح للجهاز وقتاً ليبرد، وجد أن وزنه ظل دون تغيير. ولكنه حين كسر الختم اندفع الهواء إلى القنينة، مما دل على أن فراغاً جزئياً قد حدث في القنينة.. فكيف حدث؟ لم يجد لافوازييه تعليلا إلا أن القصدير المحترق قد امتص جزءاً من هواء.. فما هذا الجزء؟

وفي أكتوبر 1774 التقى لافوازييه ببريستلي في لندن. وأخبره بريستلي بالتجارب التي أجراها في أغسطس، والتي ظل يفسرها بأنها دليل على أن الفلوجستون ينطلق من الجسم المحترق إلى الهواء. وفي 26 أبريل 1775 قرأ لافوازييه على الأكاديمية مذكرة روي فيها التجارب التي هدته إلى اعتبار الاحتراق امتصاص جسم محترق لعنصر غامض من الهواء، أطلق عليه مؤقتاً اسم "الهواء الشديد النقاء". لقد اكتشف الأكسجين كما اكتشفه بريستلي، ولكنه اختلف عنه لأنه نبذ خرافة الفلوجستون. ولم ينحت لفظ "الأكسجين" للدلالة على العنصر القابل للاشتعال في الهواء إلا عام 1779، وقد اشتقه من كلمتين يونانيتين معناهما "مولد الحمض" لأنه ظن خطأ أن الأكسجين مكون لا غنى عنه في جميع الأحماض.

ولاحظ لافوازييه كما لاحظ بريستلي أن نوع الهواء الذي تمتصه المعادن في الاحتراق هو نفس النوع الذي يدعم الحياة الحيوانية. ففي 3 مايو 1777 قدم للأكاديمية بحثاً في "تنفس الحيوان" قال فيه "إن خمسة أسداس الهواء الذي نستنشقه عاجزة عن دعم تنفس الحيوان، أو الاشتعال والاحتراق،... فخمس حجم الهواء فقط هو الصالح للتنفس". ثم أضاف "هناك شبه كبير بين الهواء الذي استعمل لدعم هذه الوظيفة الحيوية وقتاً ما، والهواء الذي تكلست (تأكسدت) فيه المعادن، والعلم بـ (عملية) واحدة يمكن بالطبع أن يطبق على الأخرى". وعليه فقد أسس لافوازييه التحليل العضوي، بوصف التنفس بأنه اتحاد الأكسجين بالمادة العضوية. وفي هذه العملية لاحظ انطلاق حرارة، كما تنطلق في الاحتراق؛ ثم زاد تأكيد الشبه بين التنفس والاحتراق، بإثباته أن ثاني أكسيد الكربون والماء ينطلقان (كما في التنفس) من احتراق مواد عضوية مثل السكر والزيت والشمع. وحدثت الآن ثورة في علم الفسيولوجا بفضل التفسير المتزايد للعمليات العضوية بلغة فيزيا-كيميائية.

واقتضى تكاثر التجارب، ونمو المعرفة الكيميائية، ونبذ نظرية الفلوجستون، صياغة جديدة، ووضع مصطلحات جديدة، لهذا العلم المتفتح. وعينت أكاديمية العلوم لافوازييه، وجيتون دمورفو، وفوركروا، وبرتولليه، لمحاولة إنجاز هذه المهمة. وفي 1787 نشروا "طريقة لوضع المصطلحات الكيميائية". فنبذت أسماء عتيقة مثل "مسحوق الألجاروت"، و"زبد الزرنيخ" و"أزهار الزنك"؛ وسمى الهواء المجرد من الفلوجستون "أوكسجينا" والهواء المحتوي على الفلوجستون "أزوتا"، ثم نتروجيناً، والغاز القابل للاشتعال هيدروجيناً، والهواء الثابت غاز حامض الكربون، والتكلس تأكسداً، واشتقت أسماء المركبات من مكوناتها. وعدد جدول للمواد البسيطة اثنين وثلاثين عنصراً معروفاً للافوازييه، ويعدد الكيميائيون اليوم من هذه العناصر ثمانية وتسعين. ومعظم الأسماء التي تقررت في كتاب "الطريقة" المذكور قياسية في علم المصطلحات الكيميائية في يومنا هذا. وقدم لافوازييه للمصطلحات الجديدة ولخص العلم الجديد، في "رسالة تمهيدية في الكيمياء" ظهرت عام 1789، وكانت علامة ثورة أخرى-هي نهاية فلوجستون شتال وعناصر أرسطو.

وكان لافوازييه نفسه ضحايا الثورة الفرنسية. فلقد شارك في الجهود المبذولة لتفاديها، وفي الشرور التي أفضت إليها. وفي العهد الذي هيأ للثورة عمل بهمة في لجان تدرس عيوب السجون والمستشفيات وتصلحها. وقدم إلى لوران دفيلدوي المراقب العام (1787) مذكرة عدد فيها تسعة عوامل مسئولة عن استغلال طبقة الفلاحين. وكان في كلامه ما يشرفه تشريفاً خاصاً، لأنه صادر من مالك أرض من أصحاب الملايين. قال :

"فليكن لنا من الشجاعة ما يحملنا على أن نقرر أنه... إلى أن ارتقى لويس السادس عشر العرش لم يكن للشعب أي وزن في فرنسا، ولم يكن هناك اعتبار لغير قوة الدولة، وسلطانها، وثرواتها، أما سعادة الشعب، وأما حرية الفرد ورفاهيته، فتلك الكلمات لم تقرع قط آذان حكامنا الأسبقين، الذين لم يدركوا أن الهدف الحقيقي من الحكومة يجب أن يكون الاستكثار من أسباب الاستمتاع، والسعادة، والرفاهية، لكل رعاياها. إن المزارع المنكود الحظ يئن في كوخه، لا يمثله أحد ولا يدافع عنه أحد، ولا تعبأ بمصالحه أي إدارة من الإدارات الكبرى في الحكومة القومية(45)". وقد اختير لافوازييه لتمثيل الطبقة الثالثة العامة في المجلس الإقليمي الذي اجتمع بأورليان في 1787. وهناك تقدم بقانون لإلغاء السخرة ولصيانة الطرق، لا بتشغيل الفلاحين إلزامياً بل بضرائب تفرض على جميع الطبقات، ولكن النبلاء والأكليروس هزموا هذا الاقتراح. ثم أوصى بنظام للتأمين الاجتماعي يساهم فيه من يريد من الفرنسيين تأمين شيخوختهم، فهزم هذا أيضاً. وفي مذكرة وجهها إلى الحكومة عام 1785 وضع المبدأ القائل بأن مجلس طبقات الأمة القادم يجب أن يحول إلى سلطة تشريعية كاملة، فيكون الملك عامله المنفذ فقط، وأنه يجب دعوته للانعقاد بانتظام، وأن الضرائب يجب أن تفرض على الجميع، وأن تطلق حرية الصحافة والطباعة(46). لقد كان لافوازييه من أكثر أفراد البورجوازية الفرنسية استنارة ما في ذلك شك، ولعل اقتراحاته عبرت عن جزء من استراتيجيتها السياسية.

كذلك كان من كبار الأعضاء في هيئة الملتزمين العموميين، التي كانت هدفاً للسخط من الجميع تقريباً، وبين عامي 1786 و 1786 بلغ متوسط أرباحه من عملية الالتزام هذه 666.667 جنيهاً في العام، وهو ما يساوي نسبة مئوية قدرها 8.28% في السنة، وربما كان محقاً في اعتباره هذا العائد معقولا نظراً لما تتطلبه العملية من جهد ومخاطرات. وعملا باقتراح منه بنى كبير الوزراء كولون، في 1783-87، سوراً حول باريس لمنع المهربين الذين يتهربون من أداء المكوس، وقد كلف السور والجمارج والبوابات الجديدة ثلاثين مليوناً من الجنيهات، وأثار المشروع سخطاً عاماً، وصرح الدوق دنيفرنوا بأن صاحب فكرته يجب أن يشنق.

وأيد لافوازييه الثورة في 1789 وهي ما تزال تحت سيطرة الطبقات الوسطى. وبعد عام شعر بأنها تنزع إلى التطرف، والعنف، والحرب، فناشد القائمين بها الاعتدال وضبط النفس. وفي نوفمبر نشر بعض موظفي الالتزام العام نبذة اتهموا فيها الهيئة باختلاس صندوق معاشاتهم، وقالوا فيها "ارتعدوا يا من مصصتم دم التعساء"(47). وفي 1791 بدأ مارا حملة شخصية ضد لافوازييه. فقد كان "صديق الشعب" قد نشر في 1780 "أبحاثاً فيزيائية في النار" زعم فيها أنه أظهر للعيان العنصر الخفي في النار، وأبى لافوازييه أن يأخذ هذا الزعم مأخذ الجد. ولم ينس مارا له فعلته هذه. ففي عدد 27 يناير 1791 من مجلته "صديق الشعب" اتهم مارا الكيميائي -المالي بأنه دجال ضخم الموارد، رجل "سنده الوحيد في المطالبة بتقدير الشعب له أنه حبس باريس بمنعه الهواء النقي عنها بسور كلف الفقراء 33 مليون جنيه. فليته شنق على عمود المصباح"(48). وفي 20 مارس 1791 ألغت الجمعية التأسيسية هيئة الالتزام العام.

وجاء دور الهجوم الآن على أكاديمية العلوم، لأن جميع المؤسسات التي تخلفت عن النظام القديم اشتبه في تعاطفها مع أعداء الثورة. ودافع لافوازيبه عن الأكاديمية، فأصبح الهدف الأكبر للهجوم. وفي 8 أغسطس صدر الأمر بأن تحل الأكاديمية نفسها. وفي اجتماع لها وقع جدول الورديات فيمن وقع لاجرانج، ولافوازييه، ولالاند، ولامارك، وبرتولليه، ومونج. وانصرف كل منهم إلى حال سبيله مؤملا ألا تعثر عليه الجيلوتين.

في هذا الشهر قدم لافوازييه إلى المؤتمر مشروع نظام قومي للمدارس أوحت به إليه أفكار كوندورسيه، ويقضي بأن يكون التعليم الابتدائي مجاناً للجنسين "لأن هذا واجب مفروض على المجتمع نحو الطفل." أما التعليم الثانوي، المباح أيضاً للجنسين، فيوسع بتأسيس الكليات الصناعية في جميع أرجاء فرنسا. وبعد شهر فتش عمال الحكومة مسكنه، وكان بين الخطابات التي وجدت به من أصدقاء لافوازييه خطابات نددت بالثورة، وتحدثت في أمل عن الجيوش الأجنبية التي ستطيح بها سريعاً، وأظهرت خطابات أخرى أن لافوازييه وزوجته يخططان للهروب إلى إسكتلنده(49). وفي 24 نوفمبر 1793 قبض على اثنين وثلاثين من الملتزمين العموميين السابقين، ومن بينهم لافوازييه. وقد حركت زوجته كل نفوذ ليفرج عنه، ففشلت، ولكن سمح لها بزيارته. وفي السجن واصل عمله في شرحه للكيمياء الجديدة. واتهم الماليون بأنهم تقاضوا رباً فاحشاً وغشوا التبغ بالماء، وابتزوا 130 مليون جنيه في أرباح غير مشروعة.

وفي 5 مايو 1794 استدعوا للمثول أمام محكمة الثورة. وبرئ ثمانية منهم، وحكم على أربعة وعشرين بالإعدام، ومنهم لافوازييه. فلما طلب إلى القاضي الذي رأس المحكمة أن يخفف الحكم على أساس أن لافوازييه وبعض الآخرين علماء ذوو قيمة للدولة، كان رده فيما روى "ليس بالجمهورية حاجة إلى علماء" ولكن الرواية لا تستند إلى دليل مقنع(50). وأعدم لافوازييه بالجيلوتين في اليوم الذي صدر فيه الحكم، 8 مايو 1794، في المكان الذي يقوم فيه اليوم ميدان الكونكورد. ويقال أن لاجرانج علق على إعدامه بهذه العبارة "إن قطع رأسه لم يستغرق أكثر من لحظة، وقد لا تكفي مائة عام لنوهب رأساً نظيره"(51).

وصودرت كل أموال لافوازييه وأرملته لتساعد في الوفاء للجمهورية بمبلغ 130 مليوناً من الجنيهات ادعى أن الملتزمين العموميين مدينون به للدولة. أما مدام لافوازييه، المملقة، فقد عالها خادم قديم للأسرة. وفي 1795 استنكرت الحكومة الفرنسية إدانة لافوازييه، وردت إلى أرملته ثروتها، وقد عمرت حتى عام 1836. وفي أكتوبر 1795 أقامت ليسيه الآداب والفنون جنازاً لذكرى لافوازييه، وألقى فيه لاجرانج تأبيناً. وأزيح الستار عن تمثال نصفي يحمل هذه العبارة: "إن ضحية الطغيان، وصديق الآداب والفنون المبجل، لم يمت، ولم يزل يخدم الإنسانية بعبقريته(52).

الفلك

مقدمة في الأدوات الفلكية

إلى أي حد أثارت كشوف الرياضة والفيزياء والكيمياء قبة السماء؟ إن أجرأ ما اقتحم العلم من مغامرات محاولته أن يقذف بأدوات قياسية حول النجوم ويتجسس بالليل على أولئك الحسان المتألقات في كبد السماء، ويحلل مكوناتهن عبر بليون من الأميال، ويحدد حركاتهن بمنطق البشر وقوانينهم. إن العقل والسماوات هما قطبا دهشتنا ودراستنا، والعجب العجاب أن يشرع العقل القوانين للقبة الزرقاء. كانت الأدوات المقربة للأبعاد قد اخترعت، والاكتشافات الكبرى قد تمت؛ فاضطلع القرن الثامن عشر بتحسين هذه الأدوات (جراهام، وهادلي، ودولاند)، وبالتوسع في تلك الكشوف (برادلي وهرشل) وبتطبيق أحدث الرياضيات على النجوم (دالامبير وكليرو)، وبترتيب النتائج في نسق جديد من الديناميكا الكونية (لابلاس).

وقد حسن التلسكوب وزيد حجمه. وصنعت "التلسكوبات الاستوائية" التي تدور حول محورين-أحدهما مواز لمستوى محور الأرض، والآخر عمودي عليه، واختيار هذين العمودين مكن الراصد من أن يبقي الجرم السماوي تحت بصره زمناً يكفي للدراسة المفصلة والقياس المكرومتري. وقد ثنى نيوتن عن استعمال التلسكوب الإنكساري اعتقاده بأن الضوء إذ تكسره العدسات لا بد أن يتحلل ألواناً فيشوش الرصد، ويئس من مشكلة إيجاد انكسار خال من الألوان، واتجه إلى التلسكوب العاكس. وفي 1733 قام هاو يدعى السيد تشستر مور هول بحل المشكلة، إذ جمع عدسات ذات وسائط عاكسة مختلفة تبطل تنوع اللون. ولم ينشر كشفه، وكان على جون دوبلاند أن يتوصل بجهده الخاص إلى مبادئ التلسكوب الأكرماتي وتركيبه، وقد أعلن عن كشفه هذا في "الأعمال الفلسفية لجمعية لندن الملكية" في 1758.

وفي 1725 صنع جورج جراهام، الساعاتي الكويكري، لدموند هالي في مرصد جرينتش آلة ربع جدارية- هي عبارة عن ربع دائرة ميكانيكي مقسم إلى درجات ودقائق ومثبت على جدار ليلتقط مرور نجم عبر الزوال. وصنع جراهام لهالي، وجيمس برادلي، وبيير لمونيه، أدوات التسجيل هذا المرور تجمع بين التلسكوب، والمحور، والساعة، والكرونوجراف، لتسجيل هذا المرور بدقة أعظم من ذي قبل. وفي 1730، وصف توماس جودفري، عضو جماعة فرانكلن الفكرية في فيلادولفيا، لأصدقائه آلة لقياس الزوايا والارتفاعات بالانعكاس المزدوج خلال مرايا متقابلة ترى في تلسكوب، ولكنه لم ينشر عن هذه الآلة حتى عام 1734. وفي 1730 صنع جون هادلي آلة مشابهة لها، وهي آلة الثمن- أي قوس مدرج من ثمن دائرة. وفي 1757 وسعت إلى السدس. وقد أتاحت "آلة السدس" هذه التي صنعها قياساً أضبط للزاوية التي تفصل بين جسمين، لأنها مكنت الملاح من أن يرى في وقت واحد، في التلسكوب العاكس، كلا من الأفق والشمس (أو النجم). ويفضل هذه الآلة، مضافاً إليها كرونومتر هاريسون البحري، أصبحت الملاحة علماً أقرب ما يكون إلى العلوم الدقيقة.

وكان على الملاح أن يحدد خط الطول والعرض إن أراد تحديد موقع سفينته في البحر. ولكي يعين خط الطول كان عليه أن يعين زمنه في المكان واللحظة بالرصد الفلكي، ويقارن بين هذا الزمن المحلي وبين ساعة ضبطت لتحتفظ بزمن قياسي (جرينيتش) أينما كانت الساعة. وكانت المشكلة هي صنع كرونومتر لا يتأثر بتغيرات درجة الحرارة أو حركات السفينة. وفي 1714 أعلنت الحكومة البريطانية عن جائزة قدرها عشرون ألف جنيه لمن يبتكر طريقة لإيجاد خط الطول في حدود نصف درجة. وعرض ساعاتي من يوركشير يدعى جون هاريسون على جورج جراهام (1728) تصميمات لكرونومتر بحري، وأقرضه جراهام المال لصنعه، وقد اكتمل صنعه في 1735، واستعمل ميزانين ضخمين متقابلين بدلا من البندول، وعادلت حركة السفينة أربعة زنبركات موازين، تتحرك ضد بعضها البعض؛ وأمكن إبطال مفعول التغيرات في درجة الحرارة بعدة قضبان مصنوعة من النحاس والصلب، تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وموصلة بالزنبركات. وأوفد "مجلس خطوط الطول" هاريسون بكرونومتره في رحلة إلى لشبونة لاختباره، وشجعت النتائج المجلس على توفير المال لتحسين ثان، وثالث، ورابع. وقد جرب هذا الكونومتر الرابع، الذي لم يزد عرضه على خمس بوصات، في رحلة إلى جزر الهند الغربية (1759)؛ ولم تؤخر الساعة في تلك الرحلة اكثر من خمس ثوان بالإضافة إلى تأخيرها العادي المحسوب سلفاً (حين تكون ثابتة على البر) ومقداره ثمانون ثانية في كل ثلاثين يوماُ. وبعد نزاعات حصل هاريسون على جائزة العشرين ألف جنيه كاملة. وبفضل هذه الآلة وغيرها من الآلات البحرية تهيأت البحرية البريطانية الآن (في ذروة حرب السنين السبع 1756-63) للسيطرة على البحار.


النظرية الفلكية

تبارى البريطانيون والفرنسيون مباراة حامية في دراسة الفلك، ولم يكن الفلك بالعلم البعيد أو "البحت" بالنسبة لهم، فقد دخل في الصراع على سيادة البحار، ومن ثم على كل عالم المستعمرات والتجارة. وأسهمت في المباراة ألمانيا وروسيا بفضل أويلر، وأيطاليا بفضل بوسكوفش دون أن تحظيا بنصيب في المغانم.

وأعان أويلر، وكليرو، ودالامبير، الملاحة بدراساتهم للقمر، وجدولوا تغيرات موقعه وأوجهه بالنسبة للشمس والأرض، وتأثيره على المد والجزر. ومن سجلات أويلر وضع يوهان طوبياس ماير في جامعة جوتنجن جداول قمرية أتته بمنحة من مجلس خطوط الطول البريطاني. وفي 1738 أعلنت أكاديمية باريس للعلوم عن جائزة لمن يتوصل إلى نظرية في المد والجزر. ومنحت جوائز لأربعة مؤلفين: دانيال برتوللي، وأويلر، وكولن ماكلورن، وأ. كافاللري. وقد بنوا جميعهم -إلا الأخير- تعليلاتهم على تعليل نيوتن، وأضافوا دوران الأرض إلى جاذبية الشمس والقمر عاملا في إحداث المد والجزر. ودعت الأكاديمية في مناسبات عديدة المؤلفين لتقديم مقالات عن حركات الكواكب-عن انحرافاتها الحقيقية ومقال أويلر في 1756.

وشرف روجييرو جوزيبي بوسكوفش طائفته اليسوعية بكشوف منيرة في الفلك والفيزياء. وقد ولد في راجوزا، وتتلمذ للرهبنة بروما وهو في الرابعة عشرة، وأدهش معلميه في "الكلية الرومانية" بنبوغه المبكر في العلم، وعين أستاذاً لكرسي الرياضة هناك في التاسعة والعشرين. ومن ذلك التاريخ أصدر ستة وستين مؤلفاً، وشارك في تحديد المدار العام للمذنبات وقدم أول حل هندسي لإيجاد مدار الكوكب واستوائه. وفي رسالة عن "انقسام المادة" (1748) شرح رأيه في المادة، وهو أنها مكونة من نقط أو مجالات قوة، كل منها مركز يتبادل عليه الصد والجذب- وهي نظرية تذكرنا بمونادات لينتز وتسبق إلى تصوير نظريات عصرنا الذرية. ونظم اليسوعي المتعدد المواهب مشروعات عملية-كمسح الولايات البابوية وعمل خرائط لها، وبناء سدود على البحيرات التي هددت بإغراق لوكا، ووضع خطط لصرف المستنقعات البونتية، والمساعدة في تصميم مرصد بريرا في ميلان. وبفضل إلحاحه ألغي البابا بندكت الرابع عشر في 1757 الأمر الذي أصدرته لجنة الفهرس (للتحريمات) على النظام الكوبرنيقي. وقد أختير عضواً في أكاديمية باريس للعلوم وجمعية لندن الملكية. وفي 1761-62 استقبل بمظاهر التكريم في فرنسا، وإنجلترا، وبولندا، وتركيا. وفي 1772 قبل وظيفة مدير البصريات في البحرية الفرنسية التي عينه فيها لويس الخامس عشر. ثم عاد إلى إيطاليا في 1783، ومات بميلان في 1787 وهو في السادسة والسبعين، وخلف عدة مجلدات من الشعر. أما ألمع نجم بين الفلكيين البريطانيين في النصف الأول من القرن الثامن عشر فهو جيمس برادلي. وكان خاله، جيمس باوند، القسيس بوانستد في إسكس، فلكياً هاوياً يمتلك مرصداً خاصاً، تعلم فيه الصبي أن للنجوم علماً كما أن لها فلسفة جمالية. وبعد أن نال بادلي درجة الأستاذية من أكسفورد عجل بالعودة إلى وانستد، وقام بأرصاد مبتكرة، وأبلغها إلى الجمعية الملكية، وانتخب عضواً بها وهو في السادسة والعشرين (1718). وبعد ثلاث سنوات أصبح أستاذاً "سافيليا" للفلك في أكسفورد. فلما مات هالي العظيم في 1742، عين برادلي خلفاً له في جرينتش فلكياً للملك. وظل يشغل هذه الوظيفة حتى مماته (1762).

وكان أول مشروعاته الكبرى تحديد "اختلاف المرأى" السنوي للنجم -أي الفرق في اتجاهه الظاهري كما يرى (1) من نقطة على سطح الأرض، (2) من نقطة وهمية في مركز الشمس. فإذا كانت الأرض تدور في فلكها حول الشمس كما افترض كوبرينق، فلابد من وجود هذا الفرق، ولكن أحداً لم يبرهن على وجود أي فرق، فلو أمكن البرهنة عليه لعزز ذلك نظرية كوبرينق. وكان روبرت هوك، المغامر في كل ميدان، قد حاول (1669) أن يببن هذا الاختلاف في مرأى النجم جما دراكونيس، ولكنه أخفق. وأستأنف المحاولة هاو ثري يدعى صموئيل مولينو عام 1725 في كيو، وانضم إليه برادلي هناك، وأسفرت النتائج التي تمخضت عنها محاولتهما عن تأييد جزئي فقط لنظرية كوبرنيق. وعاد برادلي إلى وانستد، وكلف جورج جراهام بأن يصنع له تلسكوب "قطاع أوج" يمكنه من رصد مائتي نجم، لا نجم واحد، في عبورها الزوال. وبعد أن أنفق برادلي ثلاثة عشر شهراً في الرصد والحساب، تمكن من أن يبرهن على دورة سنوية من الانحرافات المتجهة بالتناوب للجنوب والشمال في المواقع الظاهري للنجم، وفسر هذا التناوب بأنه راجع إلى حركة الأرض في مدارها. وفسر كشف "انحراف الضوء" (1729) مئات من المشاهدين والانحرافات التي كانت محيرة إلى ذلك الحين، وقد فرقت تفريقاً ثورياً الموقع المرصود والموقع "الحقيقي" أو المحسوب لأي نجم، واتفقت اتفاقاً حسناً مع كوبرنيق، لأنها اعتمدت على دوران الأرض حول الشمس. وبلغ من تأثيرها المنير على الفلك أن فلكياً-مؤرخاً فرنسياً يدعى جوزف دلامبر، اقترح أن يسلك برادلي في صف كيلر، لا بل في صف هيبارخوس ذاته(53).

وانتقل برادلي إلى كشفه الكبير الثاني-وهو ميل mutation ومعناها الحرفي إيماء-محور دوران الأرض كتذبذب النحلة المحوري. فالنجوم التي وصفت حركاتها الظاهرية بأنها تقوم بدورة سنوية نظراً إلى دوران الأرض حول الشمس، لا تعود- في مشاهدات برادلي- بعد سنة إلى نفس الواقع الظاهرية السابقة. وخطر له أن الفرق ربما نشأ عن ميل محور الأرض بسبب تغيرات دورية في العلاقة بين مدار القمر حول الأرض ومدار الأرض حول الشمس. فدرس هذه التغيرات طوال تسعة عشر عاماً (1728-47)، وفي نهاية العام التاسع عشر وجد أن النجوم عادت بالضبط إلى نفس المواقع الظاهرية التي كانت لها عند بدء العام الأول "وتأكد الآن أن ميل محور الأرض ناشئ عن الحركة الفلكية للقمر، وتأثيره على الأجزاء الاستوائية من الأرض. وكان تقريره عن هذه الكشوف حدثاً مثيراً في أعمال الجمعية الملكية لعام 1748. أن للصبر -كما للحرب- أبطاله.

وخلال اشتعال برادلي فلكياً للملك، استسلمت بريطانيا لجراحة مؤلمة: فبعد 170 عاماً من المقاومة قبلت التقويم الجريجوري، ولكنها سمته في عناد التقويم المصلح وأمر قانون برلماني (1750)، بأن تحذف الأحد عشر يوماً التالية لليوم التالي من سبتمبر 1752 من "نظام التقويم الجديد" وأن يسمى يوم 3 سبتمبر يوم 14 سبتمبر، وألا تبدأ السنة القضائية بعد ذلك في 25 مارس بل في أول يناير. وقد سبب هذا تعقيدات في المعاملات التجارية والعطلات الكنسية، وأثار هذا احتجاجات كثيرة، وتصايح البريطانيون الغاضبون قائلين "ردوا إلينا أيامنا الأحد عشر!"(54) -ولكن العلم انتصر في النهاية على مسك الدفاتر وعلى اللاهوت.


هرشل

بلغ الفلك الإنجليزي قمته حين أضاف وليم هرشل الكوكب أورانوس إلى قائمة الكواكب وهجر عمله موسيقياً. وكان أبوه موسيقياً في الجيش الهانوفري، واتخذ الصبي المولود في 1738، والذي سمى فريدرش فلهلم، مهنة أبيه، وعمل موسيقياً في أول حملة في حرب السنين السبع، ولكن صحته كانت رقيقة فسرحه الجيش (ومع ذلك عمر إلى الرابعة والثمانين). وفي 1757 أرسل إلى إنجلترا ليلتمس رزقه في الموسيقى. وفي باث التي نافست آنذاك لندن مركزاً للمجتمع الراقي، ارتقى من عازف على الأوبرا، إلى قائد فرقة، إلى عازف على الأرغن في "الكنيسة المثمنة". وكان يؤلف الموسيقى، ويعلمها، ويعطي أحياناً خمسة وثلاثين درساً في الأسبوع. وفي الليل يروح عن نفسه بدراسة حساب التفاضل، ومنه انتقل إلى البصريات، وأخيراً إلى الفلك. واستقدم من ألمانيا أخاه ياكوب، وفي 1772 أخته كارولين، التي أدارت بيتهما، وتعلمت أن تمسك السجلات الفلكية، وأخيراً أصبحت فلكية بجهدها هي دون اعتماد على أحد.

وكان هرشل يضطرم شوقاً إلى وضع الخرائط للسماء، فصنع تلسكوبه الخاص بمعاونة أخيه. وشحذ العدسات وصقلها بنفسه، وذات مرة واصل هذه العملية بلا انقطاع ست عشرة ساعة، وكارولين تطعمه وهو يشتغل، أو تخفف من سأمه بأن تقرأ له من سرفانتس، أو فيلدنج، أو ستيرن. وكان هذا الأول في عدة تلسكوبات صنعها هرشل بيده أو تحت إشرافه. وفي 1774، حين بلغ السادسة والثلاثين، أجرى أول أرصاده، ولكنه ظل سنين كثيرة لا يستطيع أن يعطي الفلك من وقته إلا يسمح به عمله موسيقياً. وقد درس كل جزء من أجزاء السماء أربع مرات. وفي الجولة الثانية من هذه الجولات، في 14 مارس 1781، كشف كشفه الخطير الذي بخس قدره بخساً شديداً. قال: رأيت وأنا أفحص النجوم الصغيرة القريبة من هـ. جمينورم أ نجما ظهر بوضوح أنه أكبر من غيره. وإذ أدهشني مظهره غير العادي، فقد قارنت بينه وبين هـ جمينورم والنجم الصغير الذي في الزاوية القائمة بين أوريجا وجميني، وإذ وجدته أكبر كثيراً من كل منهما، فقد اشتبهت في كونه مذنباً"(55). ولم يكن النجم مذنباً؛ وقد ظهر الفحص المتصل أنه يدور حول الشمس في فلك يكاد يكون دائرياً، يكبر تسع عشرة مرة عن فلك الأرض، ومرتين عن فلك زحل، لقد كان كوكباً جديداً، وأول الكواكب التي ميزت على هذا النحو في سجلات الفلك المدونة. وهلل العالم المثقف بأسره للكشف الذي ضاعف قطر المجموعة الشمسية عما عرف من قبل. وكافأت الجمعية الملكية هرشل بزمالتها وبمدالية كويلي، وأقنعه جورج الثالث بأن يترك عمله موسيقياً ويصبح فلكياً للملك. وأطلق هرشل على الكوكب الجديد اسم جورجيوم سيدس (نجم الجورجيين)، ولكن الفلكيين اتفقوا بعد ذلك على تسمية "أورانوس"، فأنتزعوه بذلك من الملوك الهانوفرين وأسلموه لآلهة الوثنيين كما فعلوا بكل أخوته تقريباً.

وفي 1781 انتقل وليم كارولين إلى سلاو، وهي مدينة لطيفة على الطريق من لندن إلى وندسور. ولم يكف راتبه المتواضع البالغ مائتي جنيه في السنة حاجاته هو وأخته وأدواته، فأكمله بصنع التلسكوبات وبيعها. وزاد من حجم ما صنعه منها لنفسه، حتى بلغ طول أحدها الذي صنعه في 1785 أربعين قدماً، بمرآة قطرها أربعة أقدام وقد كتبت فني بيرني، ابنة الموسيقي المؤرخ التي نقلها عنها كثيراً، في يوميتها بتاريخ 30 ديسمبر 1786: هذا الصباح حملني أبي (بمعنى أركبها عربته، فقد كانت إذ ذاك في السادسة والثلاثين) إلى الدكتور هرشل واستقبلنا هذا الرجل العظيم الغريب الأطوار جداً بحفاوة بالغة... وبدعوة من المستر هرشل قمت بجولة.. داخل تلسكوبه! وقد احتواني هذا التلسكوب مستقيمة العود دون أدنى مضايقة؛ وكذلك كان يحتويني لو كنت ألبس ريشتي وطوقي - فمحيطه كبير إلى هذا الحد(56). وفي 1787 اكتشف هرشل قمرين لأورانوس سماهما أوبرون وتيتانيا؛ وفي 1789 وجد قمري زحل (ساتورن) السادس والسابع. وفي 1788 تزوج بأرملة غنية؛ فلم يعد هناك ما يقلقه من جهة المال، ولكنه واصل أبحاثه بحماسة لم تفتر، وألف أن يعمل طوال الليالي التي تطلع فيها النجوم ولا يحجب ضوءها قمر زاه. وكان يجري أكثر أرصاده في الهواء الطلق من رصيف يصل إليه بسلم متنقل ارتفاعه خمسون قدماً. وكان البرد يشتد أحياناً حتى يتجمد الحبر في الزجاجة التي تأخذها كارولين معها لتسجل كشوفه.

وبعد أن واصل هرشل بأسلوب أكثر نظاماً وتيلسكوبات أفضل صنعاً عمل شارل مسييه ونيكولا دلاساي في تحديد مواقع السدم وعناقيد النجوم وعمل قوائم لها، قدم إلى الجمعية الملكية (1782-1802) قوائم حوت 2.500 سديم وعنقود، و848 نجماً مزدوجاً. ومن هذه النجوم الأخيرة كان هو نفسه قد اكتشف 227 نجماً. وألمع إلى أنها قد تكون ازدوجت في جذب ودوران متبادلين-وهذا تطبيق منير لنظرية نيوتن على العلاقات بين النجوم. وفي كثير من الحالات تبين أن ما بدا كأنه نجم واحد إنما هو في الحقيقة عنقود من نجوم منفردة، وتبين أن بعض هذه العناقيد- حين رؤيت في التلسكوبات الكبيرة-هي نجوم قائمة بذاتها على مسافات من الأرض مختلفة أشد الاختلاف. وتحول "درب التبانه" في التكبير الجديد من سحابة من المادة المتأججة، إلى تجمع وتتابع هائلين من نجوم نيرة مفردة. وتبددت السماء الآن مكتظة بالنجوم قطرات الماء في المطر، بعد أن كانت تبيدو مرصعة بها فقط، وبينما لم تر العين المجردة غلا نجوماً من الدرجة الأولى إلى السادسة في كبر الحجم، كشفت تلسكوبات هرشل عن مزيد من النجوم أضعف ضوءاً 1,342 مرة من ألمعها. لقد بسط هرشل كما بسط جاليليو من قبل رقعة الكون المعروفة بسطاً هائلا. وإذا كان بسكال قد غشيته الرعدة أمام "لانهائية" السماوات المعروفة في زمانه، فماذا يكون شعوره أمام أعماق وراء أعماق لا آخر لها من نجوم لا تحصى، قدر هرشل بعد بعضها عن الأرض بنحو 11.750.000.000.000.000.000.000 ميل؟(75) وكان كثير من النجوم شموساً لها كواكب تدور حولها. أما شمسنا وما يدور حولها من كواكب وأقمار، فقد هبطت بجملتها إلى مقام الذرة في عالم من الضوء.

وكان من أذكى إلماعات هرشل ما اتصل بحركة مجموعتنا الشمسية في الفضاء، فقد دلت المشاهدات السابقة على أن بعض النجوم المتصلة قد زادت أو نقصت، في الزمن المدون، من تباعدها عن بعضها البعض. فتساءل هرشل: ألا يجوز أن يكون مرجع هذا الاختلاف تحرك المجموعة الشمسية بعيداً عن النجوم الملتقية - أو صوب النجوم المفترقة، كما يبدو مصباحان على جنبين متقابلين من الطريق ملتقيين أو مفترقين حين نبتعد أو تقترب منهما؟ وقد خلص إلى المجموعة الشمسية، بحملتها، تتحرك مبتعدة عن بعض النجوم، مقتربة من نجم في برج هرقول. ونشر فرضه هذا في 1783، ويعد شهور أذاع بيير بريفوست نظرية مشابهة. وكان فريقا الفلكيين الإنجليز والفرنسيين يعملان في تنافس غيور وتوافق وثيق.

وصف معاصر هرشل في عامه الثاني والثمانين فقال "شيخ جليل، بسيط، طيب، وبساطته، ولطفه، ونوادره، واستعداده لشرح مفاهيمه الرفيعة للكون، كلها جذابة إلى حد لا يوصف(58). وفي جهوده كلها شاركت كارولين في إخلاص رائع في أي رواية خيالية. فلم تكتف بتسجيل أرصاده بدقة وإجراء الحسابات الرياضية المعقدة لترشده، بل اكتشفت بنفسها ثلاثة سدم وثمانية مذنبات. وبعد موت وليم (1822) عادت لتعيش مع أقربائها في هانوفر؛ وهناك واصلت دراساتها وأعدت مزيداً من القوائم بكشوف أخيها. وفي 1828 نالت الميدالية الذهبية للجمعية الفلكية، وفي 1846 نالت ميدالية من ملك بروسيا. وماتت عام 1848 وقد بلغت الثامنة والتسعين.


بعض الفلكيين الفرنسيين

تجمعت حول مرصد باريس (الذي اكتمل بناؤه عام 1671) كوكبه من الراصدين، ألفت فيهم أسرة كاسيني، خلال أجيال أربعة، برجاً من الأنجم التي يتلو بعضها بعضاً. فكان جوفاني دومنيكو كاسيني مديراً للمرصد من 1671 إلى 1712. وبعد موته خلفه في إدارة المرصد ابنه جاك، الذي خلفه (1756) ابنه سيزار فرنسوا كاسيني دتوري، الذي خلفه هو الآخر (1784) ابنه جاك دومنيك، الذي مات بلقب كونت كاسيني في 1845 بعد أن عمر إلى السابعة والثمانين. هنا أسرة جديرة بأن يقرن اسمها باسمي أسرتي برنوللي وباخ.

أما جان لورون دالامبير فكان بغير أسرة، لا قبل مولده ولا بعده، ولكنه جمع العلوم من حوله كما يجمع الإنسان أطفاله. وقد طبق رياضته على الفلك، فقنن نظرية نيوتن في "استقبال" الاعتدالين، وفرض برادلي في الميل المحوري للأرض: يقول لابلاس "إن اكتشاف هذه النتائج كان في زمن نيوتن ممتنعاً على التحليل والميكانيكا... وقد أرجئ شرف القيام بهذه المهمة دالامبير. فبعد عام ونصف من المؤلف الذي قدم فيه برادلي كشفه، قدم لدالامبير رسالته "أبحاث في استقبال الاعتدالين (1749)، وهي عمل رائع في تاريخ ميكانيكا ودنياميكا الأجرام السماوية، روعة عمل برادلي في حوليات الفلك(59)". وقد لوثت سجل دالامبير لطخة، هي أنه لم يغتبط بما أدركه منافسوه من نجاح-ومن منا قد سما به خلقه إلى الابتهاج المقدس؟ واشتدت حماسته في نقد عمل ألكسيس كليرو. وألكسيس هذا عرف حساب التفاضل المتناهي الصغر. وهو بعد في العاشرة؛ وحين بلغ الثانية عشرة قدم أول أبحاثه لأكاديمية العلوم: وفي الثامنة عشرة نشر كتاباً حوى الإضافات الهامة للهندسة ما حمل الأكاديمية على اختياره عضواً ملحقاً بها (1731) في سن يصغر ست سنوات عما يبلغه دالامبير عند نيله هذا الشرف ذاته عام 1741. وكان كليرو واحداً من العلماء الذين اختيروا لمرافقة موبرتوي في البعثة الموفدة إلى لابلاند (1736) لقياس قوس من أقواس الزوال. فلما عاد قدم إلى الأكاديمية مذكرات في الهندسة، والجبر، والقطاعات المخروطية، وحساب التفاضل. وفي 1743 نشر نظرية في شكل الأرض حسبت بمقتضى "نظرية كليرو"، وبأدق مما حسب نيوتن وماكلورن، ذلك الشكل الذي يتخذه ميكانيكاً جسم دائر على محوره من الجاذبية الطبيعية لجرائه. وقد اتصل بمدام "دشاتليه بفضل اهتمامه بنيوتن، فأعانها على ترجمتها لأصول نيوتن، وشارك فولتير شرف تحويل العلماء الفرنسيين من دوامات ديكارت إلى جاذبية نيوتن.

وفي 1736-49 عكف أويلر، وكليرو، ودالامبير، مستقلين بعضهم عن بعض على إيجاد أوج القمر، أي أقصى حد في البعد بينه وبين الأرض بطرق التفاضل الجديدة-نشر أويلر وكليرو نفس النتائج تقريباً، وتلاهما دالامبير بحساب أدق حتى من حسابهما. وفاز كليرو بجائزة قدمتها أكاديمية سانت بطرسبورج لتصوير حركة القمر، وكان قد نشر النتائج التي خلص إليها في كتابه "نظرية القمر" (1752) ثم طبق رياضته على حركات الأرض الناشئة عن الزهرة والقمر؛ ومن هذه الاختلافات قدر أن كتلة الزهرة 66.7% وكتلة القمر 1.49% من كتلة الأرض، وتقديراتنا الحالية هي 81.5% و1.82%.

وفي 1757 بدأ فلكيو أوربا في ترقب عودة المذنب التي تنبأ بها هالي ولكي يرشد كليرو اضطلع بحساب التقلبات التي كانت تطرأ على المذنب في مروره بزحل والمشتري. فحسب أن هذه التقلبات وغيرها عطلته 618 يوماً، وأشار على أكاديمية العلوم بأن المذنب سيكون في الحضيض (أقرب نقطة للشمس) حوالي 13 أبريل 1759. وتبينه راصد هاو في عيد الميلاد 1758، ومر بالحضيض في 12 مارس 1759، قبل الموعد الذي حسبه كليرو باثنين وثلاثين يوماً. ولكن حتى مع هذا الفارق فإن الحدث كان انتصاراً للعلم ولطمة عابرة للخرافة وقدم كليرو دراسته عن موضوع في "نظرية حركة المذنبات" (1760) وقد جعلته انتصاراته وعظم جاذبيته الشخصية، مطمحاً تتنافس عليه الصالونات. وكان كثير الاختلافات إليها، ومات في الثانية والخمسين (1765) "ولم يستحق عالم فرنسي في هذا العهد صيتاً أبعد من صيته"(60).

وكان غير هؤلاء كثيرون ممن يجدر بالتاريخ أن يخلدهم، وإن كان سردهم جميعاً يفسد قصتنا. نذكر منهم جوزف دليل، الذي درس بقع الشمس وهالتها، وأنشأ مرصد سانت بطرسبورج؛... ونيكولا دوسيل، الذي ذهب إلى رأس الرجاء الصالح موفداً من أكاديمية العلوم، وأنفق عشر سنين (1750-60) يرسم الخرائط للأجواء الجنوبية، وقد مات في التاسعة والأربعين، وبيير لمونييه، الذي صاحب مويرتوي إلى لابلاند وهو في الحادية والعشرين، وأجرى دراسات على القمر طوال خمسين عاماً، وحلل حركات المشتري وزحل، ورصد وسجل أورانوس (1768-69) قبل أن يكشف هرشل أنه كوكب بسنين طويلة (1781)، وجوزف دلالاند، الذي مسح كتابه "رسالة في الفلك" كل فرع من فروع هذا العلم، والذي قام بتدريسه في الكوليج دفرانس ستة وأربعين عاماً، وأنشأ في 1802 جائزة لالاند، التي ما زالت تمنح سنوياً لأفضل بحث في الفلك، وجان باتيست دلامبر، الذي عين مدار أورانوس، وخلف لالاند في "الكوليج"، وأضاف عرض لالاند العالمي تاريخاً للفلك في ست مجلدات بذل فيها كل جهد وعناية (1817-27).

لابلاس

ولد (1749) باسم بيير سيمون لابلاس، لأسرة من الطبقة الوسطى في نورمانديا، ثم أصبح المركيز بيير سيمون دلابلاس، وحقق أول فوز له بمقالاته اللاهوتية الورعة في المدرسة، وغدا أشد الملحدين إمعاناً في إلحادهم في فرنسا النابوليونية. أوفد إلى باريس في الثامنة عشرة من عمره ومعه خطاب تعريف إلى دلامبير. ورفض دالامبير لقاءه، فقد كان يلتقي الكثير من أمثال هذا الخطاب ولا يعبأ بما حوت من مديح، ولكن لابلاس الذي لم تفل عزيمته أرسل إليه خطاباً في المبادئ العامة للميكانيكا. ورد عليه دلامبير قائلا "سيدي، أنت ترى أنني لم أعبأ كثيراً بالتوصيات. ولكنه لا حاجة لك بتوصية. فقد عرفتني بنفسك تعريفاً أفضل، هذا يكفيني. ومن حقك أن أساعدك"(61). وما لبث لابلاس، بفضل نفوذ دالامبير، أن عين مدرساً للرياضة في المدرسة الحربية. وقد حلل حبه المشبوب للرياضة في خطاب وجهه بعد ذلك إلى دالامبير، قال:

"لقد عكفت على الرياضة مدفوعاً دائماً بميلي لا بالرغبة في شهرة باطلة. وأعظم تسلية لي أن أدرس موكب المخترعين، وأرى عبقريتهم تصارع العقبات التي صادفوها وذللوها. ثم أضع نفسي مكانهم وأسلها كيف كنت فاعلا للتغلب على هذه العقبات ذاتها؛ ومع أن هذا البدل كان في الكثير الأغلب من الحالات مذلا لأنانيتي، فإن لذة الابتهاج بنجاحهم عوضتني عوضاً وافراً عن هذا الإذلال القليل. وإذا أتيح لي من الحظ ما أضيف به شيئاً لأعماهم، فإنني أعزو الفضل لجهودهم الأولى"(62). ونحن نلمس شيئاً من الكبرياء في هذا التواضع الواعي. على أية حال كان طموح لابلاس أبعد الأشياء عن التواضع، لأنه اضطلع باختزال الكون كله إلى نسق رياضي واحد، بتطبيق نظرية الجاذبية النيوتينية على جميع الأجرام والظواهر السماوية. لقد ترك نيوتن الكون في وضع قلق؛ فظن أنه عرضة لشذوذات تتصاعد أحياناً، بحيث يلزم أن يتدخل الله من حين إلى حين ليقومه من جديد. ولم يقتنع كثير من العلماء-مثل أويلر-بأن العالم جهاز آلي، ولكن لابلاس أراد أن يثبت هذا ميكانيكاً.

وبدأ (1773) بمقال بين أن الاختلافات في متوسط أبعاد كل كوكب من الشمس تخضع لصياغة رياضية مضبوطة، تقريباً، فهي إذن دورية وميكانيكية، واختارته أكاديمية العلوم بفضل هذا المقال عضواً ملحقاً بها وهو بعد في الرابعة والعشرين. ومن ذلك التاريخ كرس لابلاس حياته، بوحدة وتوجيه وإصرار في الهدف، لاختزال عمليات الكون واحدة تلو الأخرى إلى معادلات رياضية. كتب يقول "إن كل تأثيرات الطبيعة ليست سوى نتائج رياضية لعدد قليل من القوانين الثابتة"(63).

ومع أن أعماله الكبرى لم تنشر إلا بعد الثورة، فإن إعداده لها بدأ قبل ذلك بكثير. وكان كتابه "عرض لنظام العالم". (1796) مقدمة مبسطة غير ميكانيكية لآرائه، تتسم بأسلوبها الصافي المتدفق، وتجسد نظريته الشهيرة (التي سبقه إليها كانت في 1755) عن أصل المجموعة الشمسية. وكان هدف لابلاس أن يفسر دوران الكواكب حول محاورها وحول الشمس، ودوران أقمارها، بافتراض وجود سديم أزلي من الغازات الحارة، أو غيرها من الذرات الدقيقة، يغلف الشمس ويمتد إلى آخر أطراف المجموعة الشمسية. وقد برد هذا السديم الدائر مع الشمس شيئاً فشيئاً، وانكمش مكوناً حلقات ربما كانت شبيهة بالحلقات التي ترى الآن حول زحل. فلما ازدادت البرودة والانكماش تكاثفت هذه الحلقات فكونت كواكب، وبمثل هذه الطريقة كونت الكواكب أقمارها؛ ولعل تكاثفاً شبيهاً بهذا السدم كون النجوم. وافترض لابلاس أن جميع الكواكب والأقمار تدور في نفس الاتجاه، وفي نفس المستوى عملياً، ولم يعرف وقتها أن أقمار أورانوس تتحرك في اتجاه مضاد. وهذه "النظرية السديمية" مرفوضة الآن كتفسير للمجموعة الشمسية، ولكنها مقبولة على نطاق واسع كتفسير لتكاثف النجوم من السدم. على أن لابلاس لم يعرضها إلا في كتابه الشعبي هذا، ولم يغل في أخذها مأخذ الجد: "هذه التكهنات حول تكون النجوم والمجموعة الشمسية.... أعرضها بكل التشكك الذي يجب أن توحي به جميع الأشياء التي ليست تنتجه للمشاهدة أو للحساب"(64).

وقد لخص لابلاس مشاهداته، ومعادلاته، ونظرياته-وتقريباً كل علم الفلك المعروف في زمانه-في الأسفار الخمسة الجليلة التي يتألف منها كتابه "ميكانيكا الأجرام السماوية (1799-1825)، والذي سماه جان باتيست فورييه "مجسطي" الفلك الحديث. وقد ذكر هدفه فيه ببساطة رائعة فقال "بناء على أجرام المجموعة الشمسية الثمانية عشر المعروفة، وعلى مواقعها وحركاتها في أي وقت، أريد استنباط مواقعها وحركاتها في أي وقت آخر، من جاذبيها المتبادلة.... بالحساب الرياضي، والبرهنة على أن هذه تتفق مع تلك التي شوهدت فعلا. "وتحقيقاً لهذه الخطة كان على لابلاس أن يدرس التقلبات التي تحدثها التأثيرات المتعارضة لأعضاء المجموعة -الشمس، والكواكب، والأقمار- ويختزلها إلى انتظام دوري يمكن التنبؤ به. وقد آمن بأن هذه التقلبات كلها يمكن أن تفسر برياضيات الجاذبية. وفي هذه المحاولة لإثبات ما تتمتع به المجموعة الشمسية وسائر الكون من ثبات واكتفاء ذاتي، اتخذ لابلاس رأياً يدين بالميكانيكية البحتة، وعبر عن الفلسفة الحتمية تعبيراً مشهوراً فقال:

"ينبغي أن ننظر إلى حالة الكون الراهنة على أنها نتيجة لحالته الماضية، وسبب لحالته المستقبلة. وإن ذكاء يحيط بجميع القوى العاملة في الطبيعة في لحظة معلومة، كما يحيط بالموقع الوقتية لجميع الأشياء في الكون، في استطاعته أن يدرك في صيغة واحدة حركات أكبر الأجرام وأخف الذرات في الكون، شريطة أن يكون عقله من القوة بحيث يخضع جميع المعطيات للتحليل، فلا شئ يغم على فهمه، وسيبصر المستقبل كما يبصر الماضي، (قارن مفهوم الفلاسفة السكولاستيين عن الله). والكمال الذي استطاع العقل البشري أن يوصل إليه علم الفلك يعطينا صورة عامة ضعيفة لهذا الذكاء. وقد أتاحت كشوف الميكانيكا والهندسة، مشفوعة بكشوف الجاذبية الكونية، للعقل أن يدرك في نفس الصيغ التحليلية الحالة الماضية والمستقبلة لنظام الكون. وكل جهود العقل بحثاً عن الحقيقة تنحو إلى القرب من الذكاء الذي تصورناه، وإن بقي إلى الأبد بعيداً عن هذا الذكاء بعداً سحيقاً"(65).

حين سأل نابليون لابلاس لم يرد ذكر الله في كتابه "ميكانيكا الأجرام السماوية" قيل إنه أجاب "لم يكن بي حاجة إلى ذلك الفوضى"(66) على أن لابلاس كانت له لحظاته المتواضعة. ففي كتابه "نظرية تحليلية للاحتمالات"، (1812)- وهي الأساس لكل ما جد بعد ذلك من عمل في هذا الميدان- جرد العلم من كل يقينيه فقال:

إذا توخينا الدقة في التعبير قلنا إن معرفتنا كلها تقريباً غير يقينية؛ وفي الأشياء التي نستطيع معرفتها يقيناً، حتى في العلوم الرياضية ذاتها، يقوم الاستنباط والقياس على الاحتمالات، وهما أهم السبل للكشف عن الحقية(67) وكان للابلاس إسهامات نوعية، بالإضافة إلى صياغته الخطيرة الأثر للكشوف والفروض الفلكية المعروفة إلى وقته. فقد أنار كل فرع تقريباً من فروع الفيزياء بـ "معادلات لابلاس" عن "الجهد" التي يسرت التأكد من شدة الطاقة، أو سرعة الحركة، في أي نقطة في ميدان خطوط القوة. وحسب البيضية الديناميكية للأرض من تقلبات القمر التي كانت تعزي لشكل الكرة المفرطح، ووضع نظرية تحليلية للمد والجزر، واستنبط كتلة القمر من ظواهرهما. وابتكر طريقة محسنة لتحديد مدار المذنبات؛ واكتشف العلاقات العددية بين حركات أقمار المشتري. وحسب بدقته المعهودة السرعة "القرنية" المتوسطة حركة القمر. وأرست دراساته للقمر الأساس للجداول المحسنة لحركات القمر، التي وضعها تلميذه جان شارل بوركهارت عام 1812. وأخيراً ارتفع من العلم إلى الفلسفة- من المعرفة إلى الحكمة- في فيض من البلاغة جدير ببوفون:

"إن الفلك بحكم جلال موضوعه وكمال نظرياته، هو أبدع صرح من صروح الروح البشرية، وأنبل شهادة على الذكاء البشري. فالإنسان الذي أضلته أنانيته وأوهام حواسه ظل طويلا يعتبر نفسه المركز في حركات النجوم، وقد لقي غروره الكاذب عقاباً من الأهوال التي أوحت بها هذه النجوم.

ثم ألقى بنفسه فوق كوكب لا يكاد يدرك حجمه في المجموعة الشمسية، وامتداده الشاسع ليس إلا نقطة تافهة في اتساع الفضاء. والنتائج السامية التي قاده إليها هذا الكشف خليقة بأن تعزيه عن المرتبة التي وضعت فيها الأرض، لأنها تبصره بعظمته في كل ضآلة القاعدة التي يقيس منها النجوم. فعليه أن يصون بعناية نتائج هذه العلوم السامية التي هي بهجة للكائنات المفكرة، وأن يوسع رقعتها. وقد أدت تلك العلوم خدمات جلية للملاحة والجغرافيا، ولكن بركتها الكبرى هي تبديد المخاوف التي سببتها الظاهر الفلكية والقضاء على الأخطاء المنبعثة من الجهل بعلاقتنا الصحيحة بالطبيعة- وتلك أخطاء ومخاوف ستنبعث من جديد إذا قدر لمشعل العلم يوماً ما أن ينطفئ"(68).

وقد وجد لابلاس أن تكييف حياته وفق اضطرابات السياسة الفرنسية أيسر له من تكييف رياضياته لشذوذات النجوم. فلما أقبلت الثورة قوى عليها بكونه أعظم قيمة حياً منه ميتا، فاستخدمته مع لاجرانج لصنع ملح البارود للبارود، وحساب مسارات قذائف المدافع. وعين عضواً في لجنة الموازين والمقاييس التي وضعت النظام المتري. وفي 1785 كان قد امتحن وأجاز طالباً متقدماً لسلاح المدفعية، هو بونابرت الذي كان في السادسة عشرة من عمره؛ وفي 1798 أخذه الجنرال بونابرت إلى مصر ليدرس النجوم من الأهرام. وفي 1799 عينه القنصل الأول وزيراً للداخلية وبعد سبعة أسابيع عزله لأن "لابلاس يبحث عن الرقائق والدقائق في كل مكان.. وينقل إلى الإدارة روح اللانهائي الصغر"(69). ولكي يطيب بونابرت خاطره عينه في مجلس الشيوخ الجديد، وخلع عليه لقب الكونت. ورسم له ألان جاك أندريه نيجون صورة في ذهب رتبته الجديدة وزينتها: "وجه مليح شريف، وعينان محزونتان كأنهما شاعرتان بأن الموت يهزأ بكل عظمة وجلال، وبأن الفلك ما هو إلا تحسس في الظلام، وأن العلم ليس إلا نقطة ضؤ في بحر من الليل البهيم. وعندما حضرته المنية (1827) أما الذي نجهله فلا حدود له"(70).


في الأرض

درست أربعة علوم الأرض: فعلم الظواهر الجوية (المتيورولوجيا) ارتاد غلافها الجوي، وعلم المساحة التطبيقية (الجيوديسيا) قدر حجمها، وشكلها، وكثافتها، والمسافات التي تشمل انحناء سطحها؛ والجيولجيا نقبت في تكوينها، وأعماقها، وتاريخها، والجغرافيا رسمت الخرائط ليابسها ومائها.

الميتورولوجيا

استعمل علم الجو أربع آلات للقياس بالإضافة إلى المقياس البسيط للمطر: الترمومتر لدرجة الحرارة، والبارومتر للضغط الجوي، والأنيمومتر للرياح، والهيجرومتر لرطوبة الهواء.

في عام 1721 أو قبله، وفق جابرييل دانييل فارنهايت، وهو صانع آلات ألماني في أمستردام، في تطوير الترمومتر الذي كان جاليليو قد اخترعه في 1603، واستعمل فارنهايت الزئبق بدلا من الماء سائلا متمدداً منكمشاً، وقسم المقياس إلى درجات مبنية على نقطة تجمد الماء (32() ودرجة حرارة الفم لجسم الإنسان العادي (98.6°). وفي 1730 أنهى رينيه دريامور إلى أكاديمية العلوم "قواعد لبناء الترمومترات بتدرجات قابلة للمقارنة"، واتخذ درجة تجمد الماء صفراً، ودرجة غليانه 80(، ودرج المقياس بحيث يجعل الدرجات تتفق والزيادات المعادلة في صعود أو هبوط السائل الترمومتري الذي استعمل له الكحول. وحوالي عام 1742 أدخل أنديرس ملسيوس الأوبسالي تحسينات على ترمومتر دريامور بالعودة إلى استعمال الزئبق وتقسيم المقياس إلى مائة درجة "سنتجرادية أي مئوية" بين نقطتي تجمد الماء وغليانه. واستطاع جان أندريه دلوك الجنيفي في 1772 أن يعطى الترمومترين المتنافسين شكلهما الحالي: الشكل الفهرنهايتي للشعوب الناطقة بالانجليزية، والشكل المئوي لغيرها من الشعوب.

أما البارومتر فكان قد اخترعه توريتشيللي في 1743، ولكن قراءاته للضغط الجوي كانت تتأثر دقتها بعوامل لم يحسب لها حساب، كنوعية الزئبق، واتساع الأنبوبة، ودرجة حرارة الهواء. على أن شتى الأبحاث التي بلغت ذروتها في تجارب دلوك وحساباته (1717-1817) عالجت هذه العيوب) وأوصلت البارومتر الزئبقي إلى شكله الراهن.

وصنعت أنيمومترات بدائية متنوعة في القرن السابع عشر. من ذلك أن بيير أوويه أسقف أفرانش العالم، ترك عند موته في 1721 تصميما لانيمومتر (والكلمة من ابتكاره فيما يبدو) يقيس قوة الريح بتمريره في أنبوبة يرفع ضغطه فيها عموداً من الزئبق. ودخل على هذا الأنيمومتر تحسين بـ"مقياس الريح" (1775) الذي ابتكره الطبيب الاسكتلندي جيمس لند. وابتكر جون سميتن (ح. 1750) جهازاً لقياس سرعة الريح. وأفضل آلات قياس الرطوبة في القرن الثامن عشر هي هايجرومتر ورأس دسوسير (1783) الجنيفي المتعدد القدرات، وقد بناه على تمدد وانكماش شعرة إنسان بفعل التغيرات في الرطوبة. وأرسى وليام كولن الأساس لنوع آخر من الهيجوومتر بملاحظة ما للسوائل من تأثير مبرد على البخر.

بهذه الأدوات وغيرها، كالإبرة المغنطيسية، حاول العلم أن يكشف عن الإنتظامات في تقلبات الجو. وكان أول ما يستلزمه هذا الكشف وجود السجلات الموثوق بها، وقد احتفظت ببعض هذه السجلات لفرنسا أكاديمية العلوم منذ 1788. ومن 1717 إلى 1727 احتفظ طبيب برزلاوي بسجلات يومية للتقارير الجوية التي كان يطلبها من أنحاء كثيرة في ألمانيا؛ وفي 1724 بدأت جمعية لندن الملكية في جمع التقارير المتيورولوجية، لا من بريطانيا وحدها بل من القارة الأوربية، والهند، وأمريكا الشمالية. ثم نظم ج.ج. هيمر في مانهايم، عام 1780، تنسيقاً أوسع وأنظم من هذا كله للتقارير اليومية تحت رعاية شارل تيودور أمير بالاتين الناخب، ولكنه توقف (1792) خلال حروب الثورة الفرنسية.

ومن الظواهر المتيورولوجية التي أطلقت الكثير من التكهنات ظاهرة الفجر الكاذب. وقد درس أدموند هالي بعناية تفجرات هذه "الأضواء الشمالية" في 16-17 مارس 1716، وعزاها إلى تأثيرات مغنطيسية منبعثة من الأرض. وفي 1741 لاحظ هيورتر وغيره من المشاهدين السكندناويين أن اختلافات غير منتظمة في إبرة البوصلة تحدث في وقت ظهور الأضواء. وفي 1793 قرر جون دولتين الكيميائي أن ألسنة الضوء موازية لإبرة الانحراف المغنطيسي، وأن سمتها، أو نقطة التقائها، تقع في الزوال المغنطيسي. إذن فقد أدرك القرن الثامن عشر الطبعة الكهربية سببه التأين الناشئ عن جزيئات تطلق من الشمس.

وبدأت مؤلفات القرن الثامن عشر في المتيورولوجيا بكتاب كرستيان فولف في "مقاييس الجو الأساسية" (1709)، الذي لخص المعلومات المعروفة إلى عهده واقتراح أدوات جديدة. وقد حاول دالامبير وضع صيغة رياضية لحركات الرياح في كتابه "تأملات في السبب العام للرياح" الذي نال جائزة قدمتها أكاديمية برلين في 1747. أما أبرز بحث في هذه الفترة فهو كتاب ضخم يسمى "رسالة في المتيورولوجيا" (1774) بقلم لوى كوت، أحد قساوسة مونمورنسى. وقد جمع كوت نتائج مشاهداته وغيرها وجدولها، ووصف الآلات، وطبق كشوفه على الزراعة، وعين وقت الأزهار والنضج لمختلف المحاصيل، والتواريخ التي تفد فيها عصافير الجنة وترحل، ومتى يتوقع أن يشدو البلبل بغنائه، واعتبر الرياح أهم أسباب التغيرات في الجو، وأخيراً اقترح صيغاً اجتهادية للتنبؤات الجوية، أما كتاب جان دلوك "أبحاث في تغيرات الجو" (1772) فقد سع تجارب بسكال (1648) وهالي (1686) في العلاقات بين الارتفاع والضغط الجوي، ووضع صيغة القانون الذي ينص على أنه "في درجة حرارة معينة تعطى الفروق بين لوغاريتمات ارتفاعات الزئبق (في البارومتر) فوراً، في أجزاء من القامة - الفرق في ارتفاعات الأماكن التي رصد فيها البارومتر"(71). واستطاع دلوك بإلحاق ميزان ماء ببارومتره، أن يقدر بارومترياً ارتفاع مختلف الشواخص، فقدر أن "المون بلان" يعلو 14,346 قداً عن السطح البحر. أما أوراس دسوسير، فبعد أن ارتقى الجبل وسجل قراءات عند قمته (1787)، خلص من قياسه إلى أنه يعلو 15,700 قدم.

الجيوديسيا

كان المعنى الحرفي للجيوديسيا هو "تقسيم الأرض". وللقيام بهذه المهمة بدقة كان من الضروري معرفة شكل الكرة الأرضية. وكان هناك اتفاق عام في 1700 على أن الأرض ليست تامة التكور بل لها شكل القطع الناقص -فهي مفرطحة بعض الشيء في نهايتيها. وذهب نيوتن إلى أنها مفرطحة عند القطبين، أما العلماء من آل كاسيني فذهبوا إلى أنها مفرطحة عند خط الاستواء. وللفصل في هذا الخلاف الدولي أوفدت أكاديمية علوم باريس بعثتين، ذهبت الأولى في 1735 وعلى رأسها شارل دلاكوندامين، وبييريوجيه، ولوى جودان، إلى ما كان بيرو يومها (وهو الآن أكوادور) لقياس درجة عرض فلكية على منحني من الزوال قرب الاستواء . وقد وجدوا أن البعد بين درجة عرض فلكية والدرجة التي تليها، على الزوال المار فوق مكان رصدهما، هو 362,800 قدم. وفي 1736 أوفدت بعثة كهذه إلى لابلاند وعلى رأسها نوبرنياس وكليرو، لقياس درجة عرض فلكية على منحني من الزوال عند مكان أقرب ما أمكن للدائرة القطبية. وقد قررت أن طول الدرجة هناك 376.100 قدم - أي أكثر قليلاً من تسعة وستين ميلاً. ودلت هذه الكشوف على أن طول درجة العرض الفلكية، يزداد زيادة طفيفة كلما تحرك الراصد من الاستواء إلى القطب؛ وقد فسرت الزيادة بأنها راجعة لتفرطح الأرض عند القطبين. وسلمت أكاديمية العلوم بأن نيوتن كان على حق. واتخذت المقاييس التي حصلت عليها البعثتان بعد ذلك أساساً لتحديد المتر، والنظام المتري، والزمن الفكي المضبوط لمختلف الأماكن على سطح الأرض.

وقد عزا بوجيه انحرافات ميزان الاستقامة التي لاحظها في أرصاد بعثة بيرو إلى القوة الجاذبية لجبل شيمبورازو القريب. وبقياس الانحراف قدر كثافة الجبل، وعلى هذا الأساس حاول حساب كثافة الأرض. وواصل هذا البحث نفيل ماسكلين، فلكي الملك وجورج الثالث (1774-78)، بإسقاطه ميزان الاستقامة تارة على جانب جبل جرانيتي في إسكتلندة وتارة على الجانب الآخر. وفي كلتا الحالتين انحرف الميزان نحو أثنتى عشرة ثانية زاوية نحو الجبل. واستنتج ماسكلين أن نسبة كثافة الأرض إلى كثافة الجبل هي نفس النسبة بين قوة جاذبية الأرض وانحراف الأثنتى عشرة ثانية، وعلى هذا الأساس قدر تشارلز هتن أن كثافة الأرض تقرب من 4,5 مرة من كثافة الماء - وهو رقم مقبول الآن عموماً، وقد توصل إليه نيوتن بما عهد فيه من حدس ذكي قبل قرن من الزمان.


الجيولوجيا

ظلت ضروب التحريم اللاهوتية تعرقل دراسة أصل الأرض، وعمرها، وتركيبها، والبحث في قشرتها وما دونها، وفي زلازلها، وبراكينها، وفوهاتها، وأحافيرها. وكانت الأحافير تفسر عموماً بأنها مخلفات كائنات بحرية تركتها على الأرض مياه انحسرت عقب طوفان نوح، الذي كان الاعتقاد أنه غطى الكرة الأرضية. وفي 1721 قرر أنطونيو فالزنييري في كتابه عن الأجسام البحرية.... أن فيضاناً مؤقتاً لا يمكن أن يعلل راسباً من التكوينات البحرية بهذا الانتشار الواسع. ورأى أنطون مورو في كتابه "البندقية"، (1740) أن الأحافير قذفت بها ثورانات بركانية من البحر. فالأرض كانت في الأصل مغطاة بالماء، فدفعت النيران الباطنية اليابس الذي تحت الماء إلى فوق البحر الهابط، وكونت الجبال والقارات.

وقد خلف بنوا دماييه عند موته (1738) مخطوطة طبعت عام 1748 باسم "تياميد، أو لقاءات بين فيلسوف هندي ومراسل فرنسي" وقد ساق آراءه على لسان حكيم هندي، ولكن سرعان ما تبين أن "تياميد" ليس إلا "دمامية" مقلوباً، ولعل الزوبعة التي أثارها الكتاب قد صالحت بين مؤلفه وبين موته الذي أدركه في أوانه. ونظريته تزعم أن الأرض والجبال والأحافير لم تكونها الثورانات البركانية- بل الانحسار التدريجي للمياه التي غطت وجه الأرض فيما مضى من الزمان، وألمح ماييه إلى أن كل النباتات والحيوانات تطورت من كائنات بحرية مقابلة، لا بل الرجال والنساء تطوروا من أناسى البحر وعرائسه الذين فقدوا ذيولهم كما فقد الضفدع ذيله. وقد نشأ انحسار الماء عن البخر الذي هبط بمستوى البحر نحو ثلاثين قدماً كل ألف عام. وأنذر ماييه بأن المحيطات ستجف تماماً في النهاية، وستصعد النيران الباطنية إلى السطح وتفنى كل شئ حي.

ولعد "تياميد" بعام أصدر جورج لوى دبوفون أول مجلديه الرئيسيين اللذين أسهم بهما في علم وليد لم يزل مقمطاً في تكهنات لا سبيل إلى التثبيت من صحتها. وقد ألف "نظرية الأرض" (1749) وهو في الثانية والأربعين، " وحقب الطبيعة" (1779) وهو في الحادية والسبعين. وبدأ باحتياط على طريقة ديكارت، فسلم بدفعة أولى دفع الله بها العالم، وبعدها قدمت "النظرية" تفسيراً طبيعياً خالصاً للأحداث الكونية. وقد استبق آخر نظريات تكوين العالم بقرنين، إذ ذهب إلى أن الكواكب نشأت كشظايا انفصلت عن الشمس إثر مذنب قوي أو بفعل جذبه، فكل الكواكب إذن كانت في البداية كتلا منصهرة كالشمس الآن، ولكنها بالتدريج بردت وأظلمت في برد الفضاء. أما "الأيام" التي استغرقتها الخليقة في سفر التكوين فلا بد من تفسيرها على أنها حقب، قد نتبين منها سبعاً:

1-اتخذت الأرض شكلها الكروي نتيجة لدورانها، ثم برد سطحها ببطئ (3.000 سنة). 2- تجمدت الأرض فأصبحت جسما جامداً (32.000 سنة). 3- تكاثفت الأبخرة التي غلفتها وكونت محيطاً عالمياً (25.000 سنة). 4- هبطت مياه هذا المحيط باختفائها في شقوق في قشرة الأرض، تاركة نباتاً على السطح، وأحافير على ارتفاعات شتى على اليابس (10.000 سنة). 5- ظهرت الحيوانات البرية (5.000 سنة). 6- فصل هبوط المحيط نصف الكرة الغربي عن نصفها الشرقي، وجرينلند عن أوربا، ونيوفوندلند عن أسبانيا، وترك الكثير من الجزر تبدو كأنها طالعة من البحر (5.000 سنة). 7- تطور الإنسان (000ر5 سنة)

ولاحظ بوفون بجمع هذه الحقب معاً أن حاصلها 58.000 سنة. ولعله كان يعجب لخيال الجيولوجيين الفائق في يومنا هذا، فهم يمدون عمر الأرض إلى أربعة بلايين سنة.

وقد أسس بوفون علم الأحافير (البليونتولوجي) بدراسته العظام المتحفزة واستنباطه الحقب المتعاقبة للحياة العضوية منها. ويتبين منظوره وأسلوبه من الأسطر الأولى التي استهل بها "حقب الطبيعة" إذ يقول:

"كما أننا في التاريخ المدني نرجع إلى ألقاب الناس، وندرس العملات والمداليات، ونفك رموز الكتابات القديمة، لنحدد عصور الثورات الإنسانية وتواريخ الأحداث في تاريخ المجتمع، فكذلك يجب علينا في التاريخ الطبيعي أن ننقب في محفوظات الدنيا، ونخرج من أحشاء الأرض الأثار القديمة، ونجمع بقاياها، ونحشد في مجموعة من الأدلة كل الإشارات على التغيرات الفيزيائية التي تتيح لنا الرجوع إلى مختلف عصور الطبيعة. وهذا سبيلنا الأوحد إلى تحديد بعض النقط في الفضاء الشاسع، ووضع عدد من الشواخص على الطريق الأبدي للزمن. وما أشبه الماضي بالمسافات فبصرنا به كان يتناقص بل يتلاشى لولا أن التاريخ والترتيب وضعا المعالم والمشاعل في أشد نقطه ظلاماً"(72).

ثم لأنه لم يتوصل إلى علم الأحافير إلا في شيخوخته كتب يقول:

"إنني أترك أسفاً هذه الأشياء الخلابة، هذه الآثار الثمينة التي خلفتها لنا الطبيعة القديمة، والتي لا تمهلني شيخوختي لفحصها فحصاً يكفي لأن أستخلص منها النتائج التي أتصورها، والتي ينبغي ألا تجد لها مكاناً في الكتاب لأنها لا تقوم إلا على الافتراض، في حين أنني جريت فيه على سنة، هي ألا أعرض فيه غير الحقائق المبنية على الواقع. وسيأتي من بعدي آخرون. وكتابه "حقب الطبيعة" كان من أهم كتب القرن الثامن عشر. وقد أغدق عليه بوفون كل ما يملك من صنعة في الأسلوب، حتى أنه كتب بعض أجزائه من جديد سبع عشرة مرة (إذا صدقناه). وسكب فيه كل قوة خياله حتى لقد بدا أنه يصف، عبر فجوة من ستين ألف عام، تصورات فكره وكأنها أحداث تنبسط أمام عينيه . وقد أشاد جريم بالكتاب لأنه "من أروع القصائد التي جرؤت الفلسفة على أن توحي بها" وقال كوفييه في حكمه عليه إنه "أذيع أعمال بوفون قاطبة، مكتوب بأسلوب رفيع حقاً"(76).

وفي هذه الأثناء حاول نفر من الدارسين أكثر تواضعا أن يرسموا خرائط لتوزيع المعادن في التربة. وقد ظفر جان جتار بثناء أكاديمية باريس للعلوم على كتابه "مذكرة وخريطة في علم المعادن" (1746) وبينما كان يبذل هذه المحاولة الأولى للقيام بمسح جيولوجي، اكتشف براكين خامدة في فرنسا، وعلل الرواسب المحيطة بها بأنها حمم متجمدة، والينابيع الحارة بأنها آخر مراحل هذه القوى البركانية. وحفز زلزال لشبونه جون متشل إلى إعداد "مقال في أسباب الزلازل وظواهرها" (1760)، وقد ذهب إلى أنها راجعة إلى الالتحام الفجائي بين النار والماء الباطنيين، مما أحدث بخراً متمدداً، وقد وجد هذا البخر منفذاً خلال البراكين والفوهات، ولكن إذا تعذرت هذه المخارج أحدثت اهتزازات في سطح الأرض. وهذه الأمواج الأرضية يمكن في رأي متشل رسمها لإيجاد بؤرة الزلزال. وهكذا تمخض علم الجيولوجيا الذي كان حدثاً بعد عن علم الزلازل.

كذلك اصبح علم طبقات الأرض فرعاً متخصصاً. فقد حار الناس في أصل طبقات القشرة الأرضية وتركيبها وتعاقبها. وأتاحت مناجم الفحم مفتاحاً لهذه الدراسات؛ ومن ثم قدم جون ستراتشي للجمعية الملكية (1709) "وصفاً غريباً للطبقات الأرضية لوحظ في مناجم فحم منديب بسمرستشير." وفي 1762 أصدر جيورج كرستيان فوشزل أول خريطة جيولوجية مفصلة، ووصف "التكوينات" التسعة في تربة تورنجيا، وأرسى مفهوم "التكوين" باعتباره تعاقباً لطبقات تمثل في مجموعها حقبة جيولوجية.

وتنازعت النظريات المتنافسة على أسباب هذه التكوينات. من ذلك أن ابراهام فرنر، الذي ظل اثنين وأربعين عاماً(1775-1817) يعلم في مدرسة المناجم بفرايبورج، جعل كرسي أستاذيته المقر الشعبي للرأي "النبتيوني"، وهو القائل بأن القارات، والجبال، والصخور، والطبقات قد نشأت كلها من فعل المياه، من هبوط محيط كان يوماً يغطي العالم-وهو هبوط بطيء أحياناً، مباغت أحياناً أخرى؛ فالصخور هي ترسب معادن تركها البحر جافة، والطبقات هي فترات هذا الانحسار ورواسبه.

وزاد هتن نار الجدل اشتعالا بتعليله تغيرات الأرض وتقلباتها. وقد أصبح هذا الرجل الذي ولد بإدنبرة في 1726، واحداً من ذلك الفريق الممتاز الذي ألف حركة التنوير الاسكتلندي-هيوم، وجون هوم، واللورد كيمس، وآدم سمث، وروبرتسن، وهتشسن، وماسكلين، ومكلورين، وجون بلايفير، وجوزف بلاك. تنقل من الطب إلى الكيمياء إلى الجيلوجيا، وما لبث أن تخلص إلى تاريخ كرتنا الأرضية استغرق أضعاف الآلاف الستة التي قال بها اللاهوتيون. ولاحظ أن الريح والمياه ينحران الجبال في بطئ ويرسبانها على السهول، وأن آلاف النهيرات تحمل إلى الأنهار، التي تحملها بعد ذلك إلى البحر، ولو استمرت هذه العملية إلى ما شاء الله لابتعلت المحيطات النهمة الثائرة قارات برمتها. ولعل جميع التكوينات الجيولوجيا نجمت عن هذه العمليات الطبيعية البطيئة كما نشهد اليوم في أي مزرعة تتعرى تربتها أو أي بحر يجور على اليابس، أو أي نهر قاعه في إصرار، تاركاً سجل مستوياته الهابطة على طبقات الصخور والتربة. وقد ذهب هتن إلى أن هذه التغيرات التدريجية هي الأسباب الأساسية لما يطرأ على أرضنا من تحول. وعنده أننا "في تفسيرنا للطبيعة، يجب ألا نستخدم قوي ليست من طبيعة الكرة الأرضية، وإلا نسلم بأي عمل إلا الأعمال التي نعرف مبدأها، وألا ندعى أي أحداث خارقة لنعلل بها ظاهرة شائعة". ولكن إذا سلمنا بأن هذا التحات ظل آلاف الآلاف من السنين، فلم لا تزال هناك على ظهر الأرض؛ ويرد هتن بأن السبب هو أن المواد التي أزالها التحات وتجمعت في قاع البحر تتعرض للضغط والحرارة، فهي تنصهر، وتتجمع، وتتمدد وتتصاعد، وتطلع من المياه لتكون الجزر والجبال، والقارات. إما أن هناك حرارة باطنية فالدليل عليه ثوران البراكين. فالتاريخ الجيولوجي إذن عملية دائرة، انقباض وانبساط شاسعان لا يفتآن يصبان القارات في البحار ويرفعان القارات الجديدة في قلب تلك البحار. وقد أطلق الدارسون الذين جاءوا بعد هتن على نظريته اسم "الفلكانية"، (نسبة لفلكان إله النار) لقيامها على تأثيرات الحرارة، أو "البلوتونية" نسبة إلى بلوتو الإله القديم للعالم السفلي.

وقد تردد هتن نفسه في نشر آرائه لأنه عرف أنها ستلقي المعارضة لا من المؤمنين بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس فحسب، بل من "النبتيونيين" على نحو لا يقل حدة. وقد وجد هؤلاء مدافعاً متحمساً في روبرت جيمسن أستاذ الفلسفة الطبيعية في جامعة إدنبرة. وقد اقتصر هتن أول الأمر على شرح نظريته لنفر من أصدقائه، فلما ألحوا عليه قرأ بحثين في موضوعها على جمعية أدنبرة الملكية، الحديثة التشكيل، في 1785. وكان النقد الذي وجه إليها مهذباً حتى عام 1793، حين هاجمه عالم معادن دبلني بعبارات أثارت حنقه، فرد بنشره كتاباً من عيون الجيولوجيا عنوانه "نظرية الأرض" (1795). ومات بعد ذلك بسنتين. وبفضل كتاب جون بلايفير الواضح الأسلوب "إيضاحات لنظرية هتن" (1802)، انتقل مفهوم التغيرات العظمى الناجمة عن العمليات البطيئة إلى علوم أخرى غير الجيولوجيا، وأعد أوربا لتطبيق داروين لهذا المفهوم على أصل الأنواع وتسلسل الإنسان.

الجغرافيا

ولكن وجه الأرض أكثر استواء للدارسين من أحشائها. ولقد كان العرض المتصاعد لاختلافات البشر في العرق، والأنظمة، والأخلاق، والعقائد، عاملا قوياً في توسيع آفاق الذهن الحديث. ومضى ارتياد المجهولة برغبة في الاستطلاع وحب للتملك أكثر من أي عهد سبق، لا حبا في سواد عيون العلم، بل سعياً إلى المواد الخام، والذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، والطعام، والأسواق، والمستعمرات، وإلى رسم خرائط للبحار تضمن مزيداً من السلامة للملاحة في السلم والحرب. لا بل أن رحلة السفينة المتمردة "باونتي" (1789) كان هدفها الأصلي شتل شجرة فاكهة الخبز من بحار الجنوب إلى جزر الهند الغربية واشتد التنافس في هذه اللعبة بين الفرنسيين والهولنديين والإنجليز، وهم يعلمون أن السيادة على العالم رهن بنتيجة هذا التنافس.

وقد انبعثت من ذهن بطرس الأكبر رحلة من أجرأ رحلات الارتياد، إذ أنه قبل موته في 1725 كلف فينوس بيرنج، وكان قبطاناً دنمركياً في البحرية الروسية، بارتياد الساحل الشمالي لسيبيريا. وعينت أكاديمية سانت بطرسبورج فلكياً وطبيعياً ومؤرخاً لمرافقة البعثة وبعد أن سافر بيرنج إلى كمشاسكا براً، أبحر (1728) إلى خط عرض 67( شمالا، واكتشف المضيق الذي يحمل اسمه، ثم عاد إلى سانت بطرسبورج. وفي رحلة ثانية بنى أسطولا في أوخوتسك وأبحر شرقاً حتى لمح أمريكا الشمالية (1741)؛ وهكذا اكتشف دنمركي تلك القارة من الغرب كما اكتشفها لايف إريكسن الإسكندنافي من الشرق. وفي رحلة العودة ضلت سفينة بيربج طريقها وسط ضباب كثيف، وأنفق الملاحون ستة أشهر على جزيرة لم يسبق أن سكنها أحد قرب كمشاسكا. وعلى هذه الجزيرة، التي تحمل هي أيضاً اسمه، مات الدنمركي العظيم من الأسقربوط (1741) وهو في الستين. واكتشف سفينته أخرى من سفن البعثة جزائر الوشيان. واستولت روسيا على ألسكا، وبعث المرسلون لتعريف الأسكيمو باللاهوت المسيحي..

وحفز تقدم روسيا داخل أمريكا أمماً أخرى لارتياد المحيط الهادي فجردت إنجلترا في حربها مع أسبانيا (1740) أسطولا تحت إمرة جورج آنسن ليضيق الخناق على المستوطنات الإسبانية في أمريكا الجنوبية. وقد اهلك الأسقربوط أكثر ملاحيه، وحطمت الزوابع بعض مراكبه، ولكنه شق طريقه إلى المحيط الهادي الجنوبي، ووقف عند جزائر خوان فرنانديز، ووجد الدليل على أن ألكسندر سكرك (وهو روبنسن كروزو في رواية ديفو) كان هناك من قبل (1704-9). ثم عبر المحيط الهادي واستولى على غليون أسباني قرب الفلبين، وأخذ كنز الذهب والفضة الذي يحمله (1.500.000 دولار) وعبر المحيط الهندي ودار حول رأس الرجاء الصالح، وافلت من الأسطولين الأسباني والفرنسي اللذين حاولا اعتراضه. ثم وصل إلى إنجلترا في 15 يونيو 1744 بعد رحلة ثلاثة سنوات وتسعة أشهر. ونقلت غنيمة السبائك من سبتهيد إلى لندن في اثنتين وثلاثين عربة تصاحبها الموسيقى العسكرية. وصفقت إنجلترا كلها لآنسن ونفدت أربع طبعات من قصته في سنة واحدة.

وفي 1763 أوفدت الحكومة الفرنسية بعثة مماثلة على رأسها لوي أنطوان ده بوجانفيل، تحمل تعليمات بإقامة مستوطنة فرنسية في جزر فوكلند؛ وقد أتاح لها موقعها على ثلاثمائة ميل شرقي مضيق مجللان قيمة حربية، لأنها تشرف على المعبر من الأطلنطي إلى الهادي. وقد أنجز مهمته وعاد إلى فرنسا. وفي 1765 أبحر ثانية، وعبر المضيق إلى المحيط الهادي ووصل إلى تاهيتي (1768). التي كان صموئيل واليس قد اكتشفها قبل ذلك بسنة-واستولى عليها لفرنسا، واكتشف مجموعة جزر ساموا وهيريد الجديدة، ودار حول رأس الرجاء الصالح، ووصل إلى فرنسا في 1769، وجلب معه من أقاليم الباسفيك المدارية نبات البوجانفليا المتعرش (الجهنمية). وقد ركزت روايته لرحلته على مناخ تاهيتي اللطيف، وما يتمتع به الأهالي من صحة سابغة، وطبيعة خيرة، وخلق أنيس: وسنلتقي بديدرو معقباً في حسد على هذا التقرير في كتابه "ملحق لرحلة بوجانفيل".

وفي 1764 كلفت الحكومة البريطانية الكابتن جون بايرون أن يضع يده على أرض تفيدها في البحار الجنوبية. فرسا على فورت إجمونت في جزر فوكلند، واستولى على الجزر الإنجليزية وهو لا يدري أن الفرنسيين كانوا هناك فعلا. وادعت أسبانيا أن لها حقاً أسبق في تملك الجزر، فأذعنت لها فرنسا، ثم أذعنت إسبانيا لإنجلترا (1771) وتطالب بها الأرجنتين اليوم.

وواصل بايرون رحلته حول الكرة الأرضية، ولكنه لم يترك على التاريخ أكثر من هذه البصمة. وكان في رحلة سابقة، أثناء عمله ضابط صف تحت إمرة آنسن قد تحطمت فيه السفينة على ساحل شيلي(1741)، وقد استخدم حفيده اللورد بايرون روايته لهذا الحادث في قصيدته "دون جوان".

أما أبرز رائد في رواد القرن الثامن عشر في نظر الشعوب الناطقة بالإنجليزية فهو الكابتن جيمس كوك. كان ابن فلاح في مزرعة، ألحق وهو في الثانية عشر ببائع خردات، فلما لم يجد في بيع الملابس الداخلية ما يشبع شوقه للمغامرة التحق بالبحرية، وعمل "ملاحظا بحرياً" على طول سواحل نيوفوندلند، وذاعت شهرته رياضياً، وفلكياً، وملاحاً، وفي 1768، حين بلغ الخمسين، اختير لرئاسة بعثة تسجل مرور كوكب الزهرة، وتقوم بأبحاث جغرافية في المحيط الهادي الجنوبي. فأبحر في 25 أغسطس على السفينة "إندفر" بصحبة عدة علماء، جهز أحدهم وهو السر جوزف بانكس السفينة من ماله الخاص . وشوهد مرور الزهرة في تاهيتي في 3 يونيو 1769. ومنها أبحر كوك باحثاً عن قارة كبرى (تيرا أوستراليس) زعم بعض الجغرافيين أنها تختبئ في بحار الجنوب. فلم يجد شيئاً، ولكنه ارتاد جزر سوسايتي وسواحل نيوزيلندة، ورسم لها خرائط بعناية: ثم واصل رحلته إلى استراليا (التي عرفت يومها بهولندا الجديدة)، واستولى على ساحلها الشرقي لبريطانيا العظمى، وأبحر حول أفريقيا، ووصل إلى إنجلترا في 12 يونيو 1771.

وفي 13 يوليو 1772، ركب البحر من جديد، ومعه السفينتان رزوليوس وإندفر، بحثاً عن القارة الجنوبية المزعومة. وقد حرث البحر شرقاً وجنوباً بين رأس الرجاء الصالح ونيوزيلندة، وعبر الدائرة القطبية الجنوبية إلى خط الطافية على العودة، وزار جزيرة إيستر وكتب وصفاً لتماثيلها العملاقة. ورسم خرائط لجزر ماركيزا وتونجا، وسمى هذه "فرندلي" أي الجزيرة الصديقة لما خبر في أهلها من لطف ودماثة الخلق. واكتشف كلدونيا الجديدة، وجزيرة نورفوك، وجزيرة باينز (كوني). وعبر المحيط الهادي الجنوبي شرقاً إلى رأس هورن، وواصل الرحلة عبر الأطلنطي الجنوبي إلى رأس الرجاء الصالح، ثم أبحر شمالا إلى إنجلترا، فرسا على برها في 25 يوليو 1775 بعد رحلة قطع فيها نيفاً وستين ألف ميل و 1.107 يوماً.

أما بعثته الثالثة فقد التمست طريقاً مائياً من ألسكا عبر أمريكا الشمالية إلى الأطلنطي. وقد أقلع من بليموث في 12 يوليو، ومعه السفينتان رزوايوشن وسكفري، وطاف حول رأس الرجاء الصالح، ووصل بر تاهيتي ثانية، ومضى شمالا بشرق، ووقع على أعظم كشوفه، هي جزر هاواي (فبراير 1778) التي كان الملاح الإسباني خوان جيتانو قد رآها في 1555، ولكن أوربا نسيتها أكثر من قرنين. وبعد أن واصل كوك الرحلة إلى الشمال الشرقي وصل إلى ما نسميه الآن بولاية أوريجون، ومسح ساحل أمريكا الشمالية إلى مضيق بيرنج ووراءه حتى الحدود الشمالية لألسكا. وعند عرض 70.41( شمالا عاق تقدمه جدار من الجليد يرتفع اثنى عشر قدماً فوق البحر ويمتد إلى آخر ما يصل إليه بصر الرقيب. وعاد كوك إلى هاواي بعد أن أخفق في بحثه عن ممر شمالي شرقي عبر أمريكا. وهناك لقي مصرعه حيث لقي من قبل ترحيباً ودياً. ذلك أن الأهالي كانوا لطفاء ولكنهم يميلون إلى السرقة، فسرقوا قارباً من قوارب السفينة "دسكفري"، وقاد كوك نفراً من رجاله ليسترده، فنجحوا في استرداد القارب، ولكن الأهالي الحانقين أحاطوا بكوك الذي أصر على أن يكون آخر من بيرج الساحل. فأوسعوه ضرباً حتى مات (14 فبراير 1779)، وكان في الحادية والخمسين من عمره. وتكرمه إنجلترا بوصفه أعظم روادها البحرين وأنبلهم، وباعتباره عالماً مهذباً، وقبطاناً شجاعاً محبوباً من جميع ملاحيه.

ولا تكاد تقل عن هذه البعثات بسالة تلك البعثة التي قادها جان فرانسوا دجالوب، وكونت لابيروز، الذي كلفته الحكومات الفرنسية بأن يتابع كشف كوك. فأبحر في 1785 حول أمريكا الجنوبية ثم مصعدا إلى ألسكا وعبر إلى آسيا، وكان أول أوربي يمر بالمضيق (الذي كان يحمل اسمه على عهد قريب) الواقع بين سخالين الروسية وهوكايدو اليابانية. ثم اتجه إلى الجنوب وارتاد ساحل استراليا وبلغ جزر سانتا كروز. ويبدو أن سفينته تحطمت هناك (1788) لأن أحداً لم يسمع بخبره قط.

وكان ارتياد اليابس هو أيضاً تحدياً لشهوة المغامرة والكسب. ففي 1716 وصل مراسل يسوعي إلى لهاسا-مدينة التبت "المحرمة" وارتاد كاستن نيبور ووصف جزيرة العرب، وفلسطين، وسوريا، وآسيا الصغرى، وفارس (1761). وجاب جيمس بروس شرق أفريقيا واكتشف من جديد منبع النيل الأزرق (1768). وفي أمريكا الشمالية أسس الرواد الفرنسيون نيو اورليانز (1718) وتحركوا شمالا على طول المسسبي إلى المسوري. وفي كندا كافحوا ليصلوا إلى المحيط الهادي، ولكن جبال روكي كانت عقبة كؤودا. وفي هذه الأثناء تقدم المستعمرون الإنجليز في الداخل إلى نهر أوهايو، وفتح الرهبان الأسبان الطريق لمن بعدهم من المكسيك عبر كاليفورينا الشمالية أن تصبح إحدى المغانم التي يصطرع عليها المقاتلون في حرب السنين السبع. وفي أمريكا الجنوبية قاد لاكوندامين من منابع الأمازون قرب كيتو إلى مصبه عند الأطلنطي، على بعد أربعة آلاف ميل بعد أن قاس درجة عرضية عند خط الاستواء.

وعجز رسامو الخرائط الجغرافية عن اللحاق بالرواد. فخلال نصف قرن (1744-93) أصدر سيزار فرنسوا كاسيني وابنه حاك دومنيك في 184 فرخ متوال خريطة لفرنسا طولها 36 قدماً وعرضها 36 قدماً، تبين في تفصيل لم يسبق له نظير، جميع الطرق، والأنهار، والأديار، والمزارع، والمصانع، وحتى ما وضع على جانب الطرق من صلبان ومشانق. وفي 1766 نشر توربيرن ألوف بيرجمان، الذي لم يقنع واحداً من أعظم كيميائي القرن الثامن عشر، "وصفاً للعالم" لخص فيه الميتورولوجيا، والجيولوجيا، والجغرافيا الطبيعية في عصره. وذهب إلى أن كثيراً من الجزر هي قمم لسلاسل جبلية غمر أكثرها في الماء، فجزر الهند الغربية قد تكون مخلفات سلسلة ربطت يوماً ما فلوريدا بأمريكا الجنوبية. أما أوراس دسوسير، فبعد أن قضي أربعة وعشرين عاماً أستاذاً للفلسفة في جامعة جنيف، ارتقى جبل مون بلان (1787) وجبل كلاين ماترهورن (1792) ارتقائين مشهورين، وكتب دراسات ضخمة لجبال سويسرا من حيث أحوالها الجوية، وتكويناتها، وطبقاتها، وأحافيرها، ونباتاتها، فجمع بذلك جمعاً رائعاً بين الميتورولوجيا، والجيولوجيا، والجغرافيا، والنبات. لنتذكر حين يقال لنا أن التاريخ هو "تقويم نيوجيت" للأمم، أنه كذلك سجل لمئات من ضروب البطولة والشرف.

النبات

لينيوس

وهكذا نصل في قصتنا إلى الحياة! فبعد أن طور المكرسكوب المركب أصبح في الإمكان فحص تكوين النباتات فحصاً أدق، يصل إلى خفايا جنسها. وشب علم النبات عن الطوق فلم يعد تابعاً للطب، ورسم لينيوس عالم الحياة المكتظ بعناية راهب العلم وتفانيه. وكان أبوه نيلز لينيه، راعياً لشعب لوثري في شتنبر وهولت بالسويد. ومن العسير جداً على قسيس أن يحتفظ بتقواه، ولكن كارل استطاع ذلك، ووجد في عالم النبات على الأخص أسباباً لا حصر لها تدعوه لشكر الخالق. والحق إن هناك لحظات تبدو فيها الحياة رائعة الجمال بحيث لا يمكن أن يكفر بالآلهة غير إنسان جحود.

وكان نيلز بستانياً متحمساً، أحب اقتناء الأشجار المنتقاة والأزهار النادرة وغرسها في التربة من حول مسكنه كأنها تسبيحة حية. وكانت هذه لعب كارل وأصفيائه في صباه، فشب (كما يروي لنا) وفي قلبه "حب للبنات لا يرتوي"(78). وما أكثر ما "زوغ" من المدرسة ليجمع عينات في الغابات والحقول. وكان أبوه تواقاً ولده قسيساً، لأن الصبي كان آية في الطيبة، وقد تعلم بالقدوة خيراً مما يعلم بالعقيدة، ولكن كارل مال إلى الطب لأنه رأى فيه المهنة الوحيدة التي يستطيع فيها الجمع بين الاشتغال بالنبات وكسب قوته. وعليه ففي 1727، حين كان في العشرين من عمره، قيد طالب طب في جامعة لوند. وبعد عام أرسل إلى أوبسالا حاملاً توصيات حارة من معلميه. ولم يستطع أن يتلقى الكثير من العون المادي من أبويه لأنه كان واحداً من خمسة أبناء لهما. وإذ أعجزه الفقر عن ترقيع حذائه فقد فرشه بالورق ليغطي ثقوبه ويتقي بعض البرد. أما وقد تهيأت له حوافز الدرس فإنه تقدم حثيثاً في دراسة النبات والطب. وفي 1731 عين محاضراً مساعداً في النبات ومدرساً خاصاً في بيت الأستاذ رودبيك، الذي كان أباً لأربعة وعشرين طفلا، فكتب يقول "إنني الآن بفضل الله أملك دخلا"(79).

فلما قررت جمعية أوبسالا العلمية إيفاد بعثة لدراسة نباتات لابلاند، أختير لينيوس لرآستها. وبدأ هو ومساعدوه الشبان الرحلة في 12 مايو 1732. وقد وصف رحيلهم بأسلوبه الزاهي بطبيعته فقال:

كان الجو مشرقاً لطيفاً، وأضفى نسيم عليل هب من الغرب على الهواء برودة منعشة... وكانت براعم أشجار البتولا قد بدأت تتفتح، والأوراق على معظم الشجر متوافرة، ولم يبق عارياً غير الدردار والبلوط. وكانت القبرة تصدح في العلا. وبعد أن قطعنا ميلا أو نحوه جئنا إلى مدخل غابة، وهناك فارقتنا القبرة، ولكن على قمة شجرة الصنوبر راح الشحرور يتدفق بأغنية حبه"(80).

وهذا الوصف ينبئ بطبع لينيوس؛ فقد كان يقظاً أبداً بكل جوارحه لمشاهد الطبيعة، وأصواتها، وعبيرها؛ ولم يسلم قط بأي فرق بين علم النبات والشعر. وقد قاد جماعته فوق 1,440 ميلا من لابلاند، خلال عشرات المخاطر والمشاق، ثم عاد بهم سالمين إلى أوبسالا في 10 سبتمبر. وإذ كان لا يزال رقيق الحال، فقد حاول أن يكسب قوته بالتدريس في الجامعة، ولكن غريماً له أفلح في حظر محاضراته بدعوى أن لينيوس لم يكمل بعد دراسته الطبية أو ينال درجته الجامعية. وكان كارل في هذه الأثناء قد وقع في غرام "ليزا" -وهي سارة إليزابث مورايا، ابنة طبيب محلي. فقدمت له مدخراتها، وأضاف إليها مدخراته، وإذ تهيأ له المال على هذا النحو فقد انطلق ميمماً هولندا (1735). وفي جامعة هاردرفيك فاز في امتحاناته ونال درجته الطبية. وبعد عام التقى في لندن بيوبرهافي العظيم، وكاد ينسى ليزا. وأصدر لينيوس كتاباً من أمهات كتب النبات بإلهام وعون من ذلك النبيل العالم، وهو "نظام الطبيعة". وقد طبع أثنتى عشرة مرة في حياته، وكان يتألف في الطبعة الأولى من أربعة عشر فرخاً فقط من القطع الكبير، أما في الطبعة الثانية عشرة فقد أزداد إلى 2.300 صفحة، في ثلاث مجلدات من قطع الثمن، وعلى مقربة من أمستردام تزود بما نقصه من مال بإعادة تنظيم المجموعة النباتية التي يملكها جورج كليفورت وعمل قوائم بها، وكان كليفورت هذا مديراً لشركة الهند الشرقية. فأخرج في 1736، بهمة قعساء، "مكتبة النبات". وفي 1737 "أجناس النبات". وفي 1738 قصد باريس ليدرس الجاردان دووا. وهناك، دون أن يقدم نفسه، انضم إلى مجموعة من الطلاب كان برنار دجوسيو يحاضرهم باللاتينية في نباتات دخيلة: وقد حير الأستاذ نبات منها، واجترأ لينيوس على إبداء رأى فقال أن لهذا النبات مظهراً أمريكياً: ونظر إليه دجوسيو، وقال وهو يحزر هويته "أنت لينيوس"؛ واعترف كارل، وبأخوه العلم الرائعة رحب به دجوسيو ترحيباً حاراً(81). وعرض على لينيوس منصب الأستاذية في باريس، ولندن، وجوتنجن، ولكنه رأى أن قد آن الأوان ليعود إلى ليزا (1739). ولم تكن مثل هذه الخطبات الطويلة بالأمر الشاذ في تلك الأيام ولعلها عاونت في كثير من الحالات على استقرار الخلق ونضج الشخصية. وتزوجا، واستقر كارل في أستوكهولم طبيباً.

وظل حيناً يترقب عبثاً مجيء المرضى كما يفعل أي طبيب ناشئ. وذات يوم سمع وهو في حانة شاباً يشكو من أن أحداً لم يستطع شفاءه من السيلان. وشفاه لينيوس، ومالبث غيره من الشبان اشتد بهم الشوق لإثبات رجولتهم أن جاءوه ملتمسين الشفاء. وامتدت خبرة الطبيب إلى أمراض الرئتين وتعرف إليه الكونت كارل جوستاف تسين، رئيس مجلس النبلاء في الركزداج، وحصل له على وظيفة طبيب للبحرية (1739). في ذلك العام ساعد لينيوس في إنشاء أكاديمية العلوم الملكية، وأصبح أول عميد لها. وفي خريف 1741 اختير أستاذاً للتشريح في أوبسالا. وسرعان ما استبدل بكرسيه كرسي النبات، والمواد الطبية، والتاريخ الطبيعي (الجيولوجيا والأحياء)، وهكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أخيراً. وقد بث في تلاميذه تحمسه للنبات، وكان يعمل معهم في صداقة لا تكلف فيها، وأسعد أوقاته حين يأخذهم في جولة من جولات التاريخ الطبيعي. يقول:

كنا نقوم برحلات كثيرة بحثاً عن النبات، والحشرات، والطيور، ففي الأربعاء والسبت من كل أسبوع نجمع الأعشاب من الفجر إلى العشية ثم يعود التلاميذ إلى الميدان واضعين الأزهار على قبعاتهم، ويصحبون أستاذهم إلى حديقته، يتقدمهم موسيقيون بسطاء. ذلك منتهى الروعة في علمنا اللذيذ"(82). وقد أوفد بعض طلابه إلى شتى بقاع الأرض ليأتوه بالنباتات الغريبة، وحصل لهؤلاء الرواد الصغار (الذين ضحى بعضهم بحياته في بحثهم هذا) على الإعفاء من أجرة الرحلة على سفن شركة الهند الشرقية الهولندية. وحفزهم بالأمل في إضافة أسمائهم للنباتات في نظام التسمية الكبير الذي كان بصدد إعداده. وقد لاحظوا أنه أطلق اسم "كاميليا" على الشجيرة المزهرة التي عثر عليها اليسوعي جورج كاميل في الفلبين.

وقد أقام بجهده المتصل تصنيفه الضخم للنبات في كتبه "نظام الطبيعة" و"أجناس النبات" و"زيت النبات" (1738)، و"فلسفة النبات" (1751) و"أنواع النبات" (1753) وقد سبقه نفر من علماء النبات إلى هذه المهمة، نخص بالذكر منهم بوهن وتورنفور، وكان ريفينوس قد اقترح (1690) طريقة ثنائية لتسمية النباتات. ولكن رغم هذه الجهود وجد لينيوس مجموعات عصره في حالة من الخلل عطلت الدراسة العلمية للنباتات تعطيلاً خطراً. فقد اكتشفت مئات الأنواع الجديدة التي أطلق عليها علماء النبات أسماء متضاربة. وأخذ لينيوس على عاتقه تصنيف جميع النباتات المعروفة أولا حسب طائفتها، وفي طائفتها حسب رتبتها، وفي رتبتها حسب جنسها، وفي جنسها حسب نوعها؛ وهكذا توصل إلى اسم لاتيني مقبول دولياً. واتخذ أساساً لتصنيفه وجود وطبيعة الأعضاء التناسلية الواضحة أو عدم وجودها، فقسم النباتات إلى "نباتات زهرية" وهي التي لها أعضاء تناسل ظاهرة (أزهارها) و"نباتات لا زهرية" ليس لها أزهار تخرج بروزاً وهياكلها التناسلية مخفاة أو غير واضحة (كما في الطحلب والسرخس).

وقد اعترضت بعض النفوس الخجولة على هذا التركيز على الجنس لأنه سيؤثر تأثيراً خطراً على خيال الشباب(83). ولكن نقاداً أصلب وأجرأ بينوا خلال الأعوام المائة التالية عيوباً أهم في تصنيف لينيوس، فقالوا إنه غلا في الاهتمام بإيجاد أركان وأسماء للنباتات غلواً جعله يحول علم النبات حيناً عن دراسة وظائف النباتات وأشكالها. ولما كان تغير الأنواع سيشوش النظام الذي وضعه، فضلا عن تناقضه مع سفر التكوين، لذلك وضع مبدأ مؤداه أن جميع الأنواع خلقها الله مباشرة وظلت دون تغيير طوال تاريخها. وقد عدل من هذا الموقف التقليدي في تاريخ لاحق (1762) بإلماعه إلى أن أنواعاً جديدة قد تظهر نتيجة لتهجين الأنواع المتقاربة. ومع أنه تناول الإنسان (الذي سماه في ثقة واطمئنان "هومو سابينز" أي الإنسان العاقل) بوصفه جزءاً من مملكة الحيوان، وصنفه نوعاً في رتبة الحيوانات العليا، جنباً إلى جنب مع القرد، فإن نظامه عطل نمو الأفكار التطورية.

وقد انتقد بوفون تصنيف لينيوس، على أساس أن الأجناس والأنواع ليست أشياء موضوعية، إنما هي مجرد أسماء لتقسيمات عقلية مريحة لواقع معقد، تذوب فيه جميع الرتب، عند أطرافها، بعضها في البعض، فلا شئ يوجد خارج الذهن، إلا الأفراد؛ هنا نجد جدل العصور الوسطى القديم بين الواقعية والاسمية. أما لينيوس فرد (مثبتاً أنه بشر) بأن بلاغة بوفون يجب ألا يسمح لها بأن تخدع العالم، ورفض أن يأكل في قاعة علقت فيها صورة بوفون مع صورته(85). على أنه سلم في لحظة أكثر سماحة أن ترتيبه ناقص، وأن تصنيف النباتات حسب الجهاز التناسلي ترك أطرافاً كثيرة غير محكمة؛ وفي كتابه "فلسفة علم النبات" اقترح نظاماً طبيعياً مبنياً على شكل أعضاء النبات وتطورها. وقد تبين أن نظام التسمية الذي وضعه لا التصنيف، مريح جداً، سواء في علمي النبات والحيوان، وما زال سائداً مع تعديلات أدخلت عليه.

وكرمت أوربا كلها لينيوس في شيخوخته أميراً لعلماء النبات. ففي 1761 خلع عليه الملك لقب الفروسية، فأصبح اسمه كارل فون لينيه. وبعد عشر سنوات تلقى خطاب حب من ثاني أشهر مؤلف في القرن وهو جان جاك روسو، الذي ترجم "فلسفة علم النبات"، ووجد في الاشتغال بالنبات دواء للفلسفة. قال "تقبل أيها السيد الكريم ولاء تلميذ من تلاميذك، جاهل جداً، متحمس جداً، يدين ديناً كبيراً للتأمل في كتاباتك في السكينة التي ينعم بها... إنني أكرمك، وأحبك من كل قلبي(86).

ومات لينيوس، كروسو وفولتير، عام 1778. وباعت أرملته مكتبته ومجموعاته إلى جيمس إدوارد سمث، الذي اشترك مع آخرين (1788) في تأسيس "جمعية لينيوس اللندنية" للعناية بتراث لينيوس ومن ذلك المركز أذاعت سلسلة طويلة من المطبوعات جهود عالم النبات في جميع أرجاء أوربا وأمريكا وقد قرر جوته أن أعظم التأثيرات في حياته العقلية كان الفضل فيها لشكسبير، وسيينوزا ولينيوس(87).

في الكرمة

واصل مئات من الدارسين المخلصين البحث في علم النبات. ففي فرنسا مثلا نجد أسرة من أسر الفحول التي يربط أعضاءها تكريس مشترك للحياة عبر القرون. وقد ارتقى رب هذه الأسرة، إنطوان دجوسيو، الذي وفد على باريس من ليون، ليصبح مدير للجاردان دوروا في 1708. وكان أخوه الأصغر برنار محاضراً و"معيداً" هناك؛ وقد رأيناه يرحب بلينيوس. وذهب أخ آخر يدعى جوزف إلى أمريكا الجنوبية في صحبة لاكوندامين، وأرسل نوعاً من عباد الشمس يسمى Heliotropium peruvianum شتله في أوربا. وفي 1789 نشر ابن أخ له يدعى أنطوان لوران دي جوسيو كتاباً بدأ محل النظام وضعه لينيوس واسمه Genera plantarum secundum ordines naturales disposita وقد صنفت النباتات مورفولوجياً (أي حسب أشكالها) بناء على وجود أوراق البزار أو عدم وجودها، أو عددها؛ فما ليس له أوراق عديم الفلقة، وما له ورقة واحدة سماه "وحيد الفلقة" وما له ورقتان "ثنائي الفلقة". وواصل ابنه أدريان عملهم في القرن التاسع عشر. وفي 1824 وضع أوجستن وكاندول خطوط التصنيف الذي يتقبله علماء النبات اليوم بعد أن أقامه على جهود أسرة جوسيو. وقد اكتشف نحميا جرو جنسانية النباتات عام 1682 أو قبل ذلك، وأيد كاميراريوس هذا الكشف في 1691. وأنهى كوطن ماذر من بوسطن إلى جمعية لندن الملكية (1716) تجربة تهجين بطريق التلقيح بالريح.

زرع جاري خطاً من الكومات في حقل ذرة، وكان لون الحب أحمر وأزرق، أما باقي الحقل فزرعه ذرة من اللون الأعم وهو الأصفر. فعدى هذا الصف في الجانب الذي يواجه الريح أكثر من غيره، أربعة من الصفوف المجاورة... ليلونها بلونيه (الأحمر والأزرق) اللذين ظهرا عليه. أما على الجانب المتجه مع الريح، فقد تلون بهذين اللونين مالا يقل عن سبعة خطوط أو ثمانية، وتأثرت الخطوط الأبعد تأثيراً أقل"(88).

وفي 1717 برهن رتشارد برادلي على ضرورة الإخصاب بتجربة أجراها على أزهار الطوليب (الحزامي). فقد نزع كل اللقاح من اثنتى عشرة زهرة منها "مكتملة الصحة"؛ فلم تحمل هذه أي برز طوال الصيف... في حين أن كل زهرة من الأربعمائة التي تركها وشأنها أخرجت برزاً"(89) وقد درس التلقيح المختلط وتنبأ بنتائج خلابة له "فقد نستطيع بهذه المعرفة أن نغير خاصية أي فاكهة بلقاح أخرى من نفس الرتبة ولكن من نوع مختلف". يضاف إلى هذا أنه في قدرة شخص محب للاستطلاع أن يستعين بهذه المعرفة على إنتاج أنواع نادرة من النبات لم يسمع بها إلى الآن. وروى كيف أن توماس فيرتشايلد أنبت نوعاً جديداً "من حبة لقحت زهرة القرنفل الملتحي Sweet William وقد وجد أن هذه المجنات من الأنواع عقيمة، وشبهها بالبغال.

وفي 1721 روى فليب ملر أول وصف معروف لتلقيح النحل للنبات. فقد نزع "قمم" بعض الأزهار قبل أن تستطيع أن "تنفض غبارها"، ومع ذلك فإن برزة هذه الأزهار العنينة في الظاهر نضجت نضجاً سوياً. وقد تشكك الأصدقاء في روايته فكرر التجربة بمزيد من العناية، فحصل على النتيجة ذاتها. قال: بعد يومين، وبينما كنت جالساً في حديقتي، شاهدت في حوض طوليب قريب مني بعض النحل تنشط نشاطاً شديداً وسط الأزهار؛ ورأيتها وأنا ألحظها تخرج وأرجلها وبطونها محملة بالغبار، وطار ذكر فيها إلى طوليبة كنت قد خصبتها، وعلى الفور تناولت مجهري وفحصت الطوليبة التي طار إليها، فوجدت أنه ترك من الغبار ما يكفي لتلقيح الطوليبة. فلما أخبرت أصدقائي بما حدث.... عادوا للاطمئنان إلى روايتي... فما لم يتخذ احتياط لمنع الحشرات من الدخول إلى النباتات، فإن هذه النباتات تقبل التلقيح من حشرات أصغر كثيراً من النحل"(90).

وقد أجرى كولرويتر، أستاذ التاريخ الطبيعي في كارلسروهي، دراسة خاصة (1760 وما بعدها) للاخصاب المختلط وفيزيوكيميائية التلقيح، كان لتجاربه الخمس والستين أثر هائل على الزراعة في عدة قارات. فقد انتهى إلى أن التهجين لا يثمر إلا في النباتات الوثيقة التقارب؛ ولكنه إذا نجح نمت المهجنات بسرعة أكبر، وأزهرت أسرع، وعاشت أطول، وأخرجت براعم صغيرة أوفر من الأنواع الأصلية، ولا يضعفها إنماء الحب. وأثبت كونراند شرنجل (1793) أن الإخصاب المختلط- بواسطة الحشرات عادة، وأقل من ذلك بواسطة الريح -يعم داخل النوع، وزعم في اقتناع غائي حار أن شكل الأجزاء في كثير من الأزهار وترتيب هذه الأجزاء مقصود به الإخصاب الذاتي. وفتح يوهان هدفج ميداناً جديداً للبحث بدراسة عملية الإنسان في النباتات اللازهرية (1782) وفيما بين عامي 1788، 1791 أصدر يوزف جيرتز الأستاذ بجامعة فورتمبرج، على دفعتين، مسحه الموسوعي لفاكهة النباتات وبارها، وقد أصبح هذا المسح أساساً لعلم النبات في القرن التاسع عشر.

وفي 1759 أعلن كسبار فريدرش فولف في كتابه "نظرية الأجيال" نظرية في تطور النبات تعزى عادة إلى جوته. "عندما أنظر إلى النبات بجملته، الذي نعجب لأجزائه لأنها تبدو لأول وهلة شديدة التنوع، لا أرى فيه وأميز نهائياً غير الأوراق والساق، لأن الجذر يمكن اعتباره ساقاً... وكا أجزاء النبات، باستثناء الساق، أوراق معدلة"(91).

وخلال ذلك ارتاد خفايا تغذية النبات أحد أساطين العلم في القرن الثامن عشر، وهو ستيفن هيلز. وكان واحداً من أولئك القساوسة الإنجليكان الكثيرين الذين لم يجدوا في لاهوتهم الطيع ما يعوقهم عن الاشتغال بالعلم أو الدراسات القديمة. ومع أنه تقبل عقيدة القصد الإلهي، فإنه لم يستخدمها في تحقيقاته العلمية وفي 1727 نشر النتائج التي خلص إليها في كتاب من أمهات كتب النبات "استاتيكا النبات.... نحو تاريخ طبيعي للنبات". وقد شرحت المقدمة هدفه:

"قبل عشرين عاماً أجريت عدة تجارب شريانية على الكلاب، وبعد ستة أعوام كررت التجارب ذاتها على الخيل وغيرها من الحيوانات لكي أجد قوة الدم في الشرايين (وهو ما نعرفه بضغط الدم الانقباضي (... وتمنيت وقتها لو استطعت إجراء تجارب لاكتشاف قوة العصارة في الخضراوات، ولكني يئست من إمكان إجرائها إطلاقاً، إلى أن وقعت عليها مصادفة قبل سبع سنوات بينما كنت أحاول بشتى الطرق أن أقف نزف ساق كرمة قديمة(92)".

وكان كشف هارفي للدورة الدموية في الحيوان قد أدى بعلماء النبات إلى افتراض حركة مماثلة للسوائل في النبات. وقد نقض هيلز هذا الفرض بتجارب بينت شجرة تمتص الماء في أطراف أغصانها ما تمتصه بجذورها؛ وقد تحرك الماء إلى الداخل من الأغصان إلى الجذع كما تحرك من الجذع إلى الأغصان؛ واستطاع قياس الامتصاص. على أن العصارة تحركت إلى أعلى من الجذور إلى الأوراق بفضل ضغط العصارة المنتشرة في الجذور. وامتصت الأوراق غذاءها من الهواء. عند هذه النقطة أثار بريستلي الذكي المشكلة بكشف من ألمع كشوف القرن- هو تمثيل أكسيد الكربون الذي تخرجه الحيوانات في زفيرها، تمثيلا غذائياً، بواسطة كلورفيل النباتات في ضوء الشمس. وقد وصف هذا الشطر من عمله في المجلد الأول (1774) من كتابه "تجارب ومشاهدات" قال:

"أخذت كمية من الهواء فسدت فساداً تاماً نتيجة لتنفس الفئران وموتها فيها، وقسمتها قسمين، وضعت أحدهما في قنينة مغمورة في الماء، ووضعت في الآخر فرعاً من النعناع، وكان هذا القسم محتوى "في أبريق زجاجي قائم في الماء. كان هذا في بواكير أغسطس 1771، وبعد مضي ثمانية أيام أو تسعة وجدت أن فأراً يحيا في تمام الصحة في قسم الهواء الذي نما فيه فرع النعناع، ولكنه مات لحظة أن وضعته في القسم الآخر من نفس كمية الهواء الأصلية، والذي حفظته في نفس الوضع المكشوف ولكن دون أن ينمو فيه أي نبات".

وبعد عدة تجارب مشابهة خلص بريستلي إلى أن:

"الضرر الذي يلحق بالهواء باستمرار تنفس هذا العدد الكبير من الحيوانات، وتعفن هذه الكتل الكبيرة من المادة النباتية والحيوانية، تصلحه -جزئياً على الأقل- الكائنات النباتية. ورغم ضخامة كمية الهواء الذي يفسد يومياً من جراء الأسباب السالفة الذكر، فإننا إذا أخذنا في حسابنا المقدار الهائل من النباتات النامية على وجه الأرض.... لم يخامرنا شك في أنه هذا موازن كاف لذاك، وأن الدواء شاف من الداء"(93).

وفي 1764 تعرف بان إنجنهوز إلى بريستلي، وكان عالم أحياء هولندياً يسكن لندن. وقد أعجبته نظرية تنقية النباتات للهواء بتمثيلها ثاني أوكسيد الكربون الذي تخرجه الحيوانات وترعرعها عليه. ولكن إنجنهوز وجد أن النباتات لا تؤدى هذه الوظيفة في الظلام. وقد بين في كتابه "تجارب على النبات" (1779) أن النباتات كالحيوانات تخرج ثاني أكسيد الكربون، وأن أوراقها وبراعمها الخضر تمتص هذا الغاز، وتخرج الأكسجين في رائعة النهار فقط. ولهذا السبب تخرج الأزهار من غرف المستشفيات ليلاً.

"إن ضوء الشمس، لا الدفء، هو السبب الأهم، إن لم يكن السبب الأوحد، الذي يجعل النباتات تخرج هواءها المجرد من الفلوجستين (أي الأكسجين) .... فالنبات... الذي لا يستطيع... البحث عن طعامه يجب أن يجد داخل... الحيز الذي يشغله كل شئ يلزمه.... والأشجار تنشر في الهواء تلك المراوح الكثيرة وتوزعها... بطريقة تقلل قدر الإمكان من تزاحمها على أن تمتص من الهواء المحيط بها كل ما تستطيع امتصاصه وأن تقدم... هذه المادة... إلى أشعة الشمس المباشرة، لكي تنال الخير الذي يستطيع هذا النجم العظيم أن يهبها إياه"(94).

ولم يكن هذا بالطبع إلا صورة جزئية لتغذية النبات. وقد أوضح راعي كنيسة في جنيف يدعى جان سنيبيه (1800) أن الأجزاء الخضر فقط من النباتات هي التي تستطيع تحليل ثاني أكسيد الكربون الذي في الهواء إلى كربون وأكسجين. وفي 1804 درس نيكولا تيورور دسوسور، ابن الرائد الألبي، الدور الذي تسهم به التربة، والماء والأملاح، في تغذية النبات. وكان لهذه الدراسات جميعها نتائج حيوية في التطوير الخطير لخصوبة التربة والإنتاج الزراعي في القرنين التاسع عشر والعشرين. هنا أثرت بصيرة العلماء وصبرهم مائدة كل أسرة تقريباً في العالم المسيحي.


علم الحيوان

بوفون

ولد أعظم عالم طبيعي من علماء القرن الثامن عشر بمونبار في برجنديه (1707) لمستشار في برلمان ديجون. وكانت ديجون آنذاك مركزاً مستقلا من مراكز الثقافة الفرنسية. والذي فتح منفذاً لثورة روسو على الحضارة وفولتير هو مسابقة اقترحتها أكاديمية ديجون. وقد درس جورج لوى لكليرك دبوفون في الكلية اليسوعية بديجون، وهناك تعلق بشاب إنجليزي يدعى اللورد كنجزتن، سافر معه عقب التخرج في رحلة إلى إيطاليا وإنجلترا. وفي 1832 ورث تركة كبيرة أتته بدخل سنوي قدره 300,000 جنيه، فأصبح الآن حراً في هجر القانون كان أبوه يعده للاشتغال به، وإشباع غرامه بالعلم، وبنى على تل في نهاية حديقته بمونبار، وعلى مائتي ياردة من منزله، حجرة للدارسة في برج قديم يسمى برج القديس بولس، هنا كان يعتكف من الساعة السادسة صباح كل يوم، وهنا ألف معظم كتبه. وقد انفعل بقصة أرخميدس الذي أحرق أسطول الأعداء في ميناء سيراكيوز بسلسلة من المرايا الحارقة، فأجرى ثماني تجارب، جمعت في النهاية 154 مرآة، أشعل بها النار في ألواح من الخشب على بعد 150 قدماً(95). وتردد حيناً بين التاريخ الطبيعي والفلك؛ وفي 1735 ترجم كتاب هيلز "استاتيكا النبات" وأسس نفسه في علم النبات؛ ولكن في 1740 ترجم كتاب نيوتن في "التدفقات" وأحس بإغراء الرياضة وانضم بذلك إقليدس إلى أرخميدس في مجمع أربابه.

وفي 1739 عين مديراً (ناظراً) للجاردان دورا، فانتقل إلى باريس. عندها فقط جعل علم الأحياء شغله الشاغل. فتحت إشرافه أغنت مئات النباتات الجديدة المجلوبة من كل أصقاع الدنيا هذه الحديقة النباتية الملكية. وسمح بوفون لجميع الدارسين المهتمين بالنبات بدخول الحديقة فجعل منها مدرسة للنبات. وبعد حين عاد إلى مونبار وبرج القديس لويس بعد أن ترك الحديقة في أيد أمينة، وشرع في تنظيم مشاهداته ليؤلف منها أشهر كتب القرن العلمية.

ونشرت المجلدات الثلاثة الأولى من كتابه هذا "التاريخ الطبيعي، العام والخاص" في 1749. وكانت باريس في مزاج يهيئها لدراسة العلم، وإذ وجدت الآن الجيولوجيا واليولوجيا مقدمتين لها في نثر صاف رصين، موضحتين بلوحات مغرية، فقد أقبلت على هذه المجلدات إقبالا يقرب من إقبالها على كتاب مونتسكيو "روح القوانين" الذي صدر قبل ذلك بعام فقط. ومضى بوفون -وبمساعدة الأخوين أنطوان وبرنار دجوسيو له في النبات، ولوى دوينتون وجينو دمونبليار وغيرهما له في الحيوان، يضيف المجلد تلو المجلد إلى رائعته الكبرى، فصدر اثنا عشر مجلداً جديداً قبيل 1767، وتسعة مجلدات أخرى عن الطيور في 1770-83؛ وخمسة عن المعادن في 1783-88، وسبعة عن موضوعات أخرى في 1774-89. وبعد موته (1788) أشرف إتيين دلاسيبيد على نشر مخطوطاته التي لم تنشر وأصدرها في ثمانية مجلدات (1788-1804). وبلغت جملة المجلدات الصادرة من كتاب "التاريخ الطبيعي" في النهاية أربعة وأربعين مجلداً استهلك إعدادها أكثر من حياة، واستغرق نشرها أكثر من نصف قرن. ودأب بوفون على أن، يستيقظ مبكراً ويمضي إلى برجه، ويقترب من هدفه خطوة فخطوة. ويبدو أنه -بعد أن أجتاز بسلام بعض الفلتات الجنسية في شبابه أقصى النساء عن حياته حتى عام 1752 حين تزوج ماري دسان- بيلون وهو في الخامسة والأربعين. ورغم أنه لم يدع الوفاء لرباط الزوجية(96)؛ فقد تعلم أن يحب زوجته، كما يفعل الكثير من الفرنسيين بعد حياة الزنا، وقد أظلم موتها في 1769 سني عمره الباقية.

وقد أخذ "التاريخ الطبيعي" على عاتقه وصف السماوات، والأرض، وكل المعروف من عالم النبات والحيوان، بما فيه الإنسان. وحاول بوفون أن يرد كل هذه المتاهة من الحقائق إلى نظام وقانون عن طريق أفكار الاستمرارية شظايا تحطمت عن الشمس إثر اصطدامها بمذنب، ونظريته في "حقب الطبيعة" التي رآها مراحل في تطور الكرة الأرضية. أما في عالم النبات فقد رفض تصنيف لينيوس للنباتات حسب أعضائها الجنسية لأنه شديد التعسف والنقص والصلابة. وقد قبل طريقة لينيوس في المصطلحات على مضض، واشترط أن توضع الأسماء على جنب في أسفل البطاقات الملحقة بالنباتات في حديقة الجاردان(97). وكان تصنيفه للحيوانات غير معقول، ولكنه اعترف بأنه مؤقت ؛ فقد رتبها حسب نفعها للإنسان، ومن ثم بدأ بالحصان. وفي تاريخ لاحق، وبعد إلحاح من دوبنتون، وضع تصنيفاً جديداً لها حسب خصائصها المميزة. وضحك نقاده المتخصصون على تصنيفاته وتشككوا في تعميماته، ولكن قراءه طربوا لأوصافه الحية ولاتساع نظراته العظيم. وقد ساعد على إرساء دعائم الأنثروبولوجيا (علم الجناس البشرية) بدراسة اختلافات النوع الإنساني تحت تأثير المناخ، والتربة، والأنظمة، والمعتقدات؛ ورأى أن هذه القوى قد نوعت لون الأجناس وملامحها، وولدت خلافاً في العادات، والأذواق، والأفكار. ومن أجرأ فروضه قوله بأنه ليس في الطبيعة أنواع ثابتة لا تقبل التغير، وأن النوع منها يذوب في النوع التالي، وأن في استطاعة العلم إذا نضج أن يصعد خطوة فخطوة من المعادن المفروض أنها ميتة، إلى الإنسان نفسه. ولم ير إلا فرقاً في الدرجة بين غير العضوي والعضوي. وقد لاحظ أن صوراً جديدة من الحيوان تكونت بالانتخاب الطبيعي، وزعم أن في الإمكان إحداث نتائج مماثلة في الطبيعة بالهجرة والعزل الجغرافيين. وسبق ماثوس بملاحظته أن خصوبة أنواع النبات الحيوان التي لا رابط لها تلقي باستمرار عبئاً باهظاً على خصوبة التربة، مما قد يؤدى بالكثير من الأفراد والأنواع في الصراع على البقاء: "لقد اختفت، أو ستختفي، أنواع أقل كما لا، وأضعف، وأثقل، وأقل نشاطاً، وأردأ تسليحاً(98). ...وهذبت أنواع كثيرة، أو انحطت، نتيجة لتغيرات كبيرة في اليابس أو الماء، ولرضى أو سخطها عليها، وللطعام، ولتأثيرات المناخ الطويلة الأمد، والمعاكسة أو المواتية... فلم تعد اليوم كما كانت بالأمس"(99).

ومع أنه سلم بوجود نفس للإنسان، فقد تبين في جسم الإنسان أعضاء الحس والأعصاب، والعضلات، والعظام، ذاتها التي في الحيوانات العليا.

ومن ثم فقد رد "الحب الرومانسي" إلى ذات الأساس الفسيولوجي الذي في جاذبية الحيوان الجنسية. لا بل أنه احتفظ بشعر الحب لأوصافه البليغة لتزاوج الطيور ورعايتها لصغارها. وتساءل "لم يسعد الحب جميع الكائنات الأخرى ويشقى الإنسان هذا الشقاء الكثير؟ لأن الجزء البدني من هذه العاطفة هو وحده الحسن، أما العناصر الأخلاقية فيها فلا قيمة لها"(100). (وقد وبخته مدام دبومبادور على هذه الفقرة ولكن في لطف كثير)(101) وخلص بوفون إلى أن الإنسان حيوان في كل نقطة "مادية"(102).

"ومتى سلمنا بأن هناك عائلات من النبات والحيوان، أي أن الحمار قد ينتمي لعائلة الحصان، وأن الواحد منها لا يختلف عن الآخر إلا في تسلسله المنحط من نفس الجد... فقد نضطر إلى التسليم بأن القرد ينتمي لعائلة الإنسان، وأنه ليس إلا إنساناً منحطاً، وأنه هو والإنسان كان لهما جد واحد. وإذا تبين أنه كان بين الحيوانات والنباتات... ولو نوع واحد أنتج خلال التسلسل المباشر من نوع آخر... إذن فليس هناك حدود يمكن أن تقيد قوة الطبيعة، ولن نخطئ إن افترضنا أنه لو ترك لها الوقت الكافي لاستطاعت أن تطور جميع الأشكال العضوية الأخرى من نوع أصلي واحد". ثم أضاف بوفون هذه العبارة بعد أن تذكر فجأة سفر التكوين وجامعة السوربون "ولكن لا. فالثابت من الوحي الإلهي أن جميع الحيوانات قد وهبت بالتساوي نعمة خلقها خلقاً مباشراً، وأن أول زوج من كل نوع خرج مكتمل الصورة من يدي الخالق"(103). ولكن مدير السوربون، أو كلية اللاهوت في جامعة باريس، نبه بوفون رغم ذلك (15 يونيو 1751) إلى أن أجزاء من "تاريخه الطبيعي" تناقض تعاليم الدين، ويجب أن تسحب-لا سيما آرائه عن عمر الأرض الطويل، وانبعاث الكواكب من الشمس، وتأكيده بأن الحقيقة لا تستقى إلا من العلم. واعتذر المؤلف مبتسما:

"أقرر أنه لم يكن أي نية في مناقضة نص الكتاب المقدس، وإنني أومن أوطد الإيمان بكل ما حواه الكتاب خاصاً بالخليقة، سواء من حيث ترتيب الزمن أو الحقائق المتضمنة. وإني أعدل عن كل ما ورد في كتابي عن تكوين الأرض،وبصفة عامة عن كل ما قد يناقض رواية موسى"(104). ولعل بوفون، الرجل الأرستقراطي، أحس أن من سوء الأدب أن يختلف جهراً مع إيمان الشعب، وأن "سوربونا" لم تهدأ تأثراتها قد تفسد عليه خطته الكبرى؛ وعلى أية حال؛ فإن كتابه إذا اكتمل سيكون تعقيباً منيراً على اعتذاره. وقد تبينت الطبقات المتعلمة الابتسامة فيسحب آراءه، ولاحظت أن مجلدات الكتاب التالية واصلت هرطقاته. ولكن بوفون أبى أن ينضم إلى فولتير وديدور في هجومهما على المسيحية. وقد رفض دعوى لامترى وغيره من الماديين باختزال الحياة والفكر إلى مادة في حركة ميكانيكية. أن النظام، والحياة، والنفس، هي وجودنا الحقيقي الصحيح؛ وما المادة إلا غلاف غريب لا نعرف صلته بالنفس، ووجوده عقبة(105).

ومع ذلك رحب به "الفلاسفة" حليفاً قوياً. ولاحظوا أن حماسته ونداءاته موجهة إلى طبيعة لا شخصية، خلاقة، خصبة، لا إلى إله شخصي. فالله عند بوفون كما هو عند فولتير بذر بذور الحياة ثم ترك للأسباب الطبيعة القيام بالباقي كله. وقد رفض بوفون فكرة القصد في الطبيعة، ومال إلى وحدة وجود اسبينوزية ورأى الحقيقة الواقعة كما رآها تورجنيف، مختبراً كونياً شاسعاً تتناول فيه الطبيعة بالتجربة، على مدى دهور طويلة، الشكل أو العضو أو النوع، الواحد تلو الآخر، وفي هذه الرؤية انتهى إلى نتيجة تبدو متناقضة مع نقده للينيوس: فالفرد هو الذي بدا الآن غير حقيقي، والنوع هو الحقيقة الباقية نسبياً. ولكن التناقض يمكن حله: فالنوع والجنس والعائلة والرتبة، لم تزل أفكاراً لا غير، يركبها الذهن ليعطي نظاماً ميسراً لخبرتنا بالوفرة المحيرة في الكائنات العضوية، والأفراد هم الحقائق الحية الوحيدة، ولكن أجلهم قصير قصراً يجعل الفيلسوف لا يرى فيهم غير بصمات عابرة بتركها شكل أكبر وأطول بقاء. وبهذا المعنى كان أفلاطون محقاً: فالإنسان "حقيقي"، أما "الناس" فلحظات عابرة في خيال ظل الحياة. واستمتع قراء بوفون بهذه الرؤى التي تدير الرؤس، ولكن نقاده أخذوا عليه إنه ضيع نفسه بتهور شديد في التعميمات، مضحياً أحياناً بدقة التفاصيل. وضحك فولتير على تقبله فكرة التوالد الذاتي، واحتقر لينيوس مؤلفه في النباتات، ولم يحترم ريامور دراسته للنحل، واستخف علماء الحيوان بتصنيفه الحيوانات نفعها للإنسان. ولكن الناس جميعاً صفقوا لأسلوبه. ذلك أن بوفون ينتمي للأدب كما ينتمي للعلم، ولا يستطيع إنصافه إلا التاريخ المتكامل. فندر من العلماء من أفصح عن نفسه بمثل هذه البلاغة الرائعة. وقد قال فيه روسو، وهو أحد أساتذة الأساليب، "إنني لا أعرف له ضريباً في عالم الكتابة. فقلمه أول قلم في قرنه"(106). وفي هذا اتفق جريم الحكيم مع روسو رغم عدائه له. "يحق للمرء أن يدهش لقراءة أحاديث قد يبلغ الحديث منها مائة صفحة، كتبت دائماً من أول سطر إلى آخره، بأسلوب رفيع وحرارة مضطردة واحدة، وزينت بأروع تلون وأكثره طبيعية(107). لقد كتب بوفون كما يكتب رجل تحرر من أغلال العوز ووهب متسعاً من الوقت، فلم يكن في إنتاجه ما كتب على عجل كما نجد ذلك كثيراً في فولتير، وكان بألفاظه عنايته بعيناته. وغذ تبين في الأشياء قانون استمرارية لاينتسيا"، فقد أرسى نظرية في الأسلوب، فصقل كل الانتقالات، ورتب كل الأفكار في تسلسل جعل لغته تتدفق كأنها نهر عريض عميق. وبينما كل السر في أسلوب فولتير هو التعبير السريع الواضح عن الفكر الثاقب، كانت طريقة بوفون هي الترتيب المتأني لأفكار عريضة تنبض بالوجدان فلقد أحس بجلال الطبيعة وجعل من علمه أنشودة تسبيح.

وكان على وعي تام بنزعته الأدبية، يبهجه أن يقرأ لزواره فقرات عذبة من كتبه؛ وحين انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية لم يتخذ موضوعاً له يوم استقباله (25 أغسطس 1753) عجيبة من أعاجيب العلم، بل تحليلا للأسلوب. وحوى هذا الخطاب المشهور، كما قال كوفييه، "المبدأ والمثال جميعاً"(108)، لأنه هو نفسه كان درة من درر الأسلوب. وهو مخفي عن عين جميع الناس -إلا الفرنسيين- تحت أكداس مؤلفاته، ولم نكد نعرف منه غير حكمه الشهير، الجامع، الخفي المغزي، "الأسلوب هو الإنسان.

فلنبسطه هنا إذن، ونتأمله على مهل. والترجمة تذهب ببعض روائه، ولكنه مع ذلك، ورغم ما تضطرنا إليه العجلة القبيحة من بتر لبعضه، فإنه خليق بأن الصحائف أياً كانت". قال بعد أن قدم لخطابه بتحية لجمهور ضم الكثيرين من أصحاب الأساليب:

"إن الناس لم يتقنوا الكتابة والحديث إلا في العصور المستنيرة. فالبلاغة الصادقة... تختلف تماماً عن سهولة الحديث الطبيعية... التي وهبت لكل صاحب عاطفة قوية... وخيال سريع... أما القلة من الناس الذين وهبوا الفكر المتزن، والذوق الرفيع، والحس المرهف -والذين لا يعبأون كثيراً، شأنكم أيها السادة، بنبر الكلمات، وإيماءاتها، ورنينها الأجوف- هؤلاء يتطلبون المضمون، والفكر، والتمييز، يتطلبون فن تقديم كل أولئك وتحديدها، وترتيبها، فلا يكفي قرع الآذان واسترعاء العيون، فلا بد للمرء أن يؤثر في النفس ويلمس القلب وهو يتحدث إلى الذهن... وكلما ازدادت المادة والقوة اللتان نضفيهما على فكرنا بالتأمل، سهل بلوغهما في التعبير.

كل هذا ليس الأسلوب بعد، بل أساسه، أنه يدعم الأسلوب ويوجهه، وينظم حركته، ويخضعه للقوانين. فبدونه يضل خير الكتاب، ويتوه قلمه دون مرشد، ويقذف كيفما اتفق بالخطوط المبهمة والأشكال المتنافرة. ومهما كان بريق الألوان التي يستعملها، وأياً كانت المحسنات التي ينثرها في التفاضيل، فسيختنق بكثرة أفكاره، ولن يبعث فينا وجداناً، ولن يكون لكتابته هيكل أو بنيان... ومن ثم يسئ الكتابة من يكتبون كما يتحدثون، مهما أجادوا الحديث، والذين يستسلمون لأول الهام حار من خيالهم يتخذون نبرة لا يستطيعون الإبقاء عليها...

ما السر في كمال أعمال الطبيعة؟ هو أن أي عمل من هذه الأعمال كل متكامل: لأن الطبيعة تعمل وفق خطة سرمدية لا تنساها أبداً، فهي تعد في صمت بذور إنتاجها، وترسم بخطة فرشاة واحدة الشكل البدائي لكل شئ حي، ثم تطوره وتصقله بحركة متصلة وفي زمن مقرر... وذهن الإنسان لا يستطيع أن يخلق شيئاً، أو ينتج شيئاً، إلا بعد أن تثريه التجربة والتأمل، وتجاربه هي بذار منتجاته. ولكن لو أن الإنسان حاكي الطبيعة في طريقته وفي جهوده، ولو أنه ارتقى بالتأمل إلى أسمى الحقائق، ولو أنه وحد بينها من جديد وربط بينها في سلسلة، وألف منها كلا واحداً، ونسقاً محسوباً، لو أنه فعل هذا كله لأقام على أسس راسخة صروحاً خالدة على الزمن. وبسبب افتقار الكاتب إلى مخطط، معدم تفكيره في هدفه تفكيراً كافياً، يجد نفسه حائراً -حتى إذا كان من رجال الفكر- لا يعرف من أين يبدأ الكتابة؛ فهو يرى في وقت واحد عدداً كبيراً من الأفكار، ولأنه لم يوازن بينها، ولم يرتبها منظماً، فما من شئ يدعوه لتفضيل بعضها على بعض، ومن ثم يظل في حيرته. أما إذا وضع له مخططاً، وإذا جمع ورتب جميع الأفكار الأساسية في موضوعه، فسيرى للتو، وفي يسر، في أي نقطة يجدر به أن يتناول قلمه، وسيحسن بأفكاره تنضج في ذهنه، وسيبادر إلى إخراجها للنور، وسيستشعر لذة في الكتابة، وستتلو أفكاره بعضها بعضاً في غير عناء، وسيكون أسلوبه طبيعياً وسهلا، وسينبعث من هذه اللذة ضرب من الدفء ينبسط على عمله، ويضفي الحرارة على عبارته؛ وسيزداد النبض في كتابته ويعلو النبر، وتتخذ الأشياء لها لوناً، ويزداد الشعور وينتشر بعد التحامه بالنور، وينتقل من ذلك الذي نقوله إلى ذلك الذي نوشك أن نقوله؛ وسيصبح ممتعاً مشرقاً... ولن تنحدر إلى الأجيال القادمة غير الأعمال التي أجيدت كتابتها. ولن يكون ما حوت من غزارة في المعرفة، أو غرابة في الوقائع، أو حتى طرافة في الكشوف، ضماناً أكيداً للخلود. فلو أن الأعمال التي تحوي هذا كله اهتمت بموضوعات تافهة، أو كتبت دون تمييز أو سمو... لكان مآلها إلى الزوال، ذلك أن المعرفة، والوقائع والكشوف، يسهل نقلها وسلبها، بل إنها تكون أوفر حظاً لو وضعت في أيد أقدر وأكفأ. فتلك الأشياء خارجة عن الإنسان، أما الأسلوب فهو الإنسان ذاته Le style est i'homme meme، إن الأسلوب لا يمكن سرقته، ولا حمله، ولا تغييره وتبديله، وإذا كان أسلوباً رفيعاً، نبيلا، سامياً، كان صاحبه موضع الإعجاب في جميع العصور على السواء؛ ذلك أن الحقيقة وحدها هي الباقية الخالدة"(109).


يقول فيلمان "أن هذا الخطاب الذي أثار الإعجاب الشديد في ذلك الحين يبدو أسمى من كل ما خطر على الأفكار قبله في هذا الموضوع، ونحن نستشهد به حتى في يومنا هذا بوصفه قاعدة عامة جامعة". وربما وجبت بعض الاستثناءات من هذا الحكم. فوصف بوفون هذا يصدق على النثر خيراً مما يصدق على الشعر، وهو ينصف الأسلوب"الكلاسيكي" اكثر مما ينصف الأسلوب "الرومانسي"، وهو يتبع تقليد بوالو، ويرفع بحق من شأن العقل؛ ولكنه لا يترك متسعاً يذكر لفحول النثر الفرنسي من أمثال روسو، وشاتوبريان، وهوجو، ولا لفوضى رابليه ومونتيني اللذيذة، ولا لبساطة العهد الجديد المؤثرة البريئة من التكلف. ومن العسير عليه أن يدلنا على السر في أن "اعترافات" روسو، الشديدة الفقر في الفكر، الوافرة الغني في الوجدان، ما زالت من أروع كتب القرن الثامن عشر. فالحقيقة قد تكون واقع وجدان كما تكون بنيان فكر أو كمال صورة.

ولقد كان أسلوب بوفون هو الرجل، رداءاً وقوراً لنفس أرستقراطية. فهو لم ينس أنه إقطاعي كما كان عالماً وكاتباً إلا في دراساته. ولم تغير خطوه أسباب التشريف المتكاثرة التي توجت شيخوخته. فقد خلع عليه لويس الخامس عشر لقب الكونت دبوفون في 1771 ودعاه إلى فونتنبلو. ومنحته أكاديميات أوربا وأمريكا العلمية عضويتها الشرفية. وقد تفرس في هدوء واطمئنان في التمثال الذي أقامه له ابنه في الجاردان دورا وغدا يرجه في مونبار أبان حياته قبلة يحج إليها الزائرون كما يحجون إلى بيت فولتير في فرنيه، وفد عليه روسو، وركع على عتبته، وقبل الأرض(111). وزاره هنري أمير بروسيا، ومع أن كاترين الكبرى لم تسطع زيارته، إلا أنها أرسلت له كلمة تقول إنها تضعه في أعلى المراتب بعد نيوتن. ولقد كان مهيب المظهر مليح الصورة في شيخوخته -"له جسم رياضي" كما قال فولتير "روح حكيم"(112) وكان في رأي هيوم لا يبدو رجل أدب بل قائداً من قواد فرنسا الحربيين(113). أما أهل مونبار فكانوا يعبدونه. وكان بوفون على وعي تام بهذا كله، يفخر بلياقته البدنية وبمظهره، ويرجل له شعره ويبدر مرتين في اليوم(114). وقد نعم بصحة سابغة حتى بلغ الثانية والسبعين. ثم بدأ يشكو الحصى، ولكنه واصل العمل، وأبى أن تجرى له جراحة. وأفسح له في الأجل تسع سنين أخر، ومات في 1788. ومشى في جنازته عشرون ألفاً. ولكن لم تكد تمضي سنة على موته حتى نبشت رفاته وذريت في الريح، وسوى تمثاله بالتراب، بأيدي الثوار الذين لم يستطيعوا أن يغفروا له أنه كان نبيلا، أما ابنه فقد أعدم بالجيلوتين(115).


نحو التطور

بدأ علم الأحياء الذي تزعمه هذا الأستاذ الفذ في نظرته، وصبره، ونثره، في إغراء المزيد من الطلاب وتحويلهم عن الرياضة والفيزياء اللتين استأثرتا بمعظم العلماء في القرن السابع عشر. وقد أحسن ديدرو ببعض هذا التغير، وهو الذي تأثر بجميع تيارات عصره، فكتب في 1754 يقول "في هذه اللحظة نصل إلى ثورة كبرى في العلوم. وأنى إذ ألحظ الميل الذي تستشعره أفضل العقول لدراسة الفلسفة الأخلاقية، والأدب، والتاريخ الطبيعي، والفيزياء التجريبية، أجرؤ على التنبؤ بأنه قبل أن تنقضي مائة سنة أخرى لن يكون لدينا ثلاثة رياضيين كبار في أوربا"(116). وقد شهد عام 1759 ذروة البيولوجيا الحديثة.

وقد فت في عضد هذا العلم الجديد (الأحياء) معضلته الأولى -وهي أصل الحياة. وبذلت المحاولات الكثيرة لإثبات إمكان توليد الحياة ذاتياً من المادة غير الحية. ودبت الحياة من جديد في نظرية التولد الطبيعي أو الذاتي abiogenesis القديمة نظراً إلى كثرة ما وجد بالمجهر من كائنات دقيقة في قطرة ماء، وذلك برغم ما وضح من تفنيد ريدي لهذه النظرية في 1668. ففي 1748 أحيا النظرية جون نيدام، وكان قسيساً كاثوليكياً إنجليزياً يسكن القارة، بإعادته تجارب ريدي وحصوله على نتائج مختلفة عن نتائجه. فقد إلى بعض مرق الضأن في قوارير سدها فوراً بفلين وختم عليها. فلما فتح القوارير بعد أيام وجدها تعج بالكائنات الحية. ولما كان الغلي- في رأي نيدام- كفيلاً بقتل أي جراثيم حية في المرق، ولما كانت القوارير قد أحكم ختمها بالصمغ، فقد استنتج أن كائنات جديدة تولدت تلقائياً في السائل. وأعجبت الحجة بوفون، ولكن في 1765 كرر أستاذ في جامعة مودينا يدعى سباللانزانى تجارب نيدام وخرج منها بنتيجة عكسية. فقد وجد أن غلي شراب دقيقتين لم يقضي على كل الجراثيم، أما غليه خمساً وخمسين دقيقة قد قضى عليها، وفي هذه الحالة لم تظهر أي كائنات حية. ومضى الجدل حتى بدا أن شفان وباستير قد أنهياه في القرن التاسع عشر.

كذلك أحاطت بعمليات التناسل أسرار لا تقل عن هذا السر إثارة للحيرة. فقد حار جيمس لوجان، وشارل بونيه، وكاسبار فولف، في دوري عنصري الذكر والأنثى في التناسل، وتساءلوا كيف يمكن أن يحتوي العنصران المتحدان في ذاتيهما -كما يبدو أنهما يفعلان- التحديد المحتوم لجميع الأجزاء والهياكل في الكائن الناضج. واقترح بونيه نظرية مغرقة في الخيال سماها emboitement (التكييس)، فالأنثى تحوي جراثيم أطفالها جميعاً، وهذه الجراثيم تحوي جراثيم الحفدة، وهكذا دواليك حتى يتمرد الخيال. ولا عجب فالعلم هو أيضاً يستطيع الانحراف إلى الخرافة. أما فولف، الذي يزين اسمه الفنوات الفولفية، فقد دافع عن نظرية هارفي في التوالد الخارجي epigenesis: فكل جنين يخلق من جديد بواسطة العناصر الأبوية. وسبق فولف نظرية تكوين الأعضاء التي قال بها فون باير في واضع الجراثيم، بكتابة "في تكوين الأحشاء". (1768)، الذي وصفه فون بابر بأنه "أعظم ما نملك من روائع الملاحظة العملية"(117). وهل تجدد النسيج نوع من التناسل؟ لقد أدهش العالم الجنيفي إبراهام ترميلي العلمي في 1744 بتجارب كشفت عن إصرار "كثير الأرجل Polyp" الذي يعيش في الماء العذب على التجدد، فقد قطع واحداً منها إلى شطائر طولية أربعة، نما كل منها إلى كائن سوى كامل. وتردد هل يسمى كثير الأرجل هذا نباتاً أم حيواناً؛ فقد بدا له جذوراً كالنبات، ولكنه ينهش الطعام ويهضمه كما يفعل الحيوان؛ وهلل المتكهنون له باعتباره همزة الوصل بين عالمي النبات والحيوان في "سلسلة الوجود العظمى"(118) أما ترمبلي فقد انتهى إلى أنه حيوان، وهو رأى البيولوجيين فيه اليوم. وقد أطلق عليه ريامور لفظ "Polyp" أو كثير الأرجل بسبب قرون استشعاره المترعصة المتحسسة. ونحن نعرفه أيضاً باسم الهيدرا hydra نسبة إلى الوحش الخرافي (الافعوان) ذي الرؤوس التسعة (الذي كلما قطع هرقل رأساً منها نبت اثنان في مكانه. وقد استعمل "الهيدرا" في دنيا الأدب تشبيهاً له مائة ألف حياة. ورينيه أنطوان دريامور هذا كان علما لا يبزه في بيولوجيا العصر الذي نحن بصدده غير بوفون، وكان يفوق بوفون كثيراً في دقة الملاحظة. هيأ لمهنة الطب، ولكنه هجرها حالما تحقق له الاستقلال المالي، وكرس نفسه للبحث العلمي. خبر إثنى عشر ميدان. ففي 1710 كلف بأن يمسح ويصف صناعات فرنسا وفنونها الصناعية، فقام بالمهمة بما عهد فيه من إتقان وقدم توصيات أفضت إلى إنشاء صناعات جديدة وإحياء أخرى أصابها الاضمحلال وابتكر طريقة لتصفيح الحديد ما زالت مستعملة. وبحث في الفروق الكيميائية بين الحديد والصلب. وأتته هذه الإسهامات وغيرها في علم المعادن بمعاش قدره اثنا عشر ألف جنيه من الحكومة، فأعطى المال لأكاديمية العلوم. وقد مر بنا بحثه في الترمومتر.

وفي غضون هذا راح يثري اليولوجيا. ففي 1712 أثبت أن في استطاعة جراد البحر (اللوبستر) أن يجدد طرفاً مبتوراً من أطرافه. وفي 1715 وصف الصدمة الكهربائية التي يحدثها السمك الرعاد-وصفاً صحيحاً. وفيما بين عامي 1734و1742 نشر رائعته "مذكرات ينتفع بها في تاريخ الحشرات" -وهي ستة مجلدات موضحة برسوم دقيقة، ومكتوبة بأسلوب ساحر ينبض بالحياة، جعل الحشرات قريبة في طرافتها من العشاق في روايات كريببون (الابن) الغرامية. ولقد استهواه كما استهوى قابر في أيامنا هذه:

"كل ما يمت إلى أخلاق الكثير من الحيوانات الصغيرة -إن جاز هذا التعبير- وعاداتها ومعيشتها. فلقد لاحظت طرق عيشتها المختلفة، وكيف تحصل على قوتها، والحيل التي يصطنعها بعضها للقبض على فريسته، وأسباب الحيطة التي يتخذها غيرها اتقاء للأعداء... -وانتقاء الأماكن التي تضع فيه بيضها حتى تجد صغارها حين تفقس طعاماً صالحاً لها لحظة خروجها للحياة"(119).

وقد وافق ريامور فولتير على أن في الإمكان تفسير سلوك الكائنات الحية وبنياتها دون افتراض قوة في الطبيعة، وكانت مجلداته ذخيرة استعان بها أولئك الذين قاوموا التيار الإلحاد الذي تدفق بعد حين في فرنسا. واحتقره ديدرو لإنفاقه الوقت الكثير على دراسة البق(120)، ولكن أمثال هذا العمل المدقق هي التي أرست الأسس الواقعية للبيولوجيا الحديثة.

ترى ماذا قال ديدرو بالضرورة حين سمع أن شارل بونيه، صديق ريامور، قد برهن على الولادة العذرية parthenogenesis في مملكة الحيوان؟ فلقد وجد بعزل من الأحاديث منّ حديث الولادة aphids (وهو قمل الشجر الذي يعشق أشجار البرتقال) إن أنثى هذا النوع تستطيع إنسال ذرية مخصبة دون أن تضطر إلى تلقى العنصر الذكر المطلوب في الأخصاب عادة؟ إذن فهدف الجنس فيما يبدو ليس مجرد التناسل، بل إثراء الذرية بشتى الصفات التي يسهم بها أبوان مختلفا المواهب. وقد وصفت هذه التجارب التي أبلغت لأكاديمية العلوم في 1740 في كتاب بونيه "رسالة في علم الحشرات" (1745) وأشار بونيه في كتابة "أبحاث... في النباتات" (1754) إلى أن لبعض النباتات قوى للحس، بل للتمييز والانتقاء، وإذن فقدرة على الحكم- وهذا سر الذكاء. وبونيه هذا - الذي ولد بجنيف-أول من طبق اصطلاح "التطور envalution على البيولوجيا فيما يبدو(121)، وعنى به سلسلة الكائنات من الذرات إلى الإنسان. وفكرة التطور، بمعنى النمو الطبيعي لأنواع جديدة من أخرى قديمة، ظهرت مراراً في علم القرن الثامن عشر وفلسفته. ومن ذلك أن بنوا دماييه ألمع في كتابة "تياميد" الذي صدر بعد موته (1748) إلى أن جميع الحيوانات البرية تطورت من كائنات بحرية قريبة منها بطريق تغير النوع بتغير البيئة؛ وهكذا تولدت الطيور من السمك الطائر، والسباع من سباع البحر، والإنسان من أناسي البحر. وبعد ثلاث سنوات لم يكتف كتاب موبرتوي "نظام الطبيعة"بتصنيف القردة مع البشر نوعين متقاربين(122)، بل سبق -في خطوط عريضة- نظرية داروين في تطور الأنواع الجديدة بطريق الانتقاء البيئي لأشكال عارضة صالحة للبقاء. قال العالم المنكود الحظ الذي كتب عليه أن يقع بعد قليل فوق قلم فولتير السليط:

"أن كل جزئ من الجزيئات البدائية التي تؤلف الجنين مشتق من البيان الأبوي المقابل له، ويحتفظ بضرب من الذكرى لشكله الأسبق. ومن ثم نستطيع أن نعلل في غير عناء تكون الأنواع الجديدة... إذا افترضنا أن الجزيئات البدائية قد لا تحتفظ دائماً بالترتيب الذي تكون عليه في الأبوين، بل تولد بالصدفة فروقاً تسفر بتكاثرها وتراكمها عن الأنواع التي لا حصر لها، والتي نشهدها اليوم"(123).

وهكذا يستطيع نموذج أصلي واحد إذا ترك له الوقت الكافي، أن يولد جميع الأنواع الحية (في رأي موبرتوي) -وهي قضية قبلها بوفون من قبيل الاجتهاد، ولقيت الاستحسان الحار من ديدرو.

وعاد جان باتيست روبينيه، في كتابه "عن الطبيعة" (1761) إلى فكرة أقدم عن التطور تقول بأنه "سلم من الكائنات" :فالطبيعة كلها سلسلة من المحاولات لإنتاج كائنات أكثر وأكثر رقياً، وكل الكائنات- طبقاً لقانون لايبنتس في الاستمرارية (الذي لم يعترف بأي انفصام بين أحط الكائنات وأرقاها)، حتى الأحجار، ما هي إلا تجارب تشق بها الطبيعة طريقها صعدا خلال المعادن، والنباتات، والحيوانات، إلى الإنسان. وما الإنسان إلا مرحلة في هذه المغامرة الكبرى، سوف تحل محله يوماً ما كائنات أرقى منه"(124).

أما القاضي الاسكتلندي جيمس بيرنت، لورد مونبودو، فقد كان داروينياً قبل داروين بزهاء قرن. ففي كتابة "أصل اللغة وتقدمها" (1773-92) صور إنسان ما قبل التاريخ كائناً بغير لغة وبغير نظام اجتماعي، لا يتميز إطلاقاً عن القردة من حيث مدركاته العقلية أو طرقه المعيشية. فالإنسان والأورانجوتان (كما قال إدوارد تايزن في 1699) ينتميان لجنس واحد، والأورانجوتان (يقصد به مونبوده الغوريلا أو الشمبانزي) إنسان فشل في أن يتطور. ولم يتطور إنسان ما قبل التاريخ ليصبح الإنسان البدائي إلا بفضل اللغة والنظام الاجتماعي. فتاريخ البشر ليس هبوطاً من حالة الكمال الأصلية، كما جاء في سفر التكوين، بل صعود بطئ أليم(125)"

وقد لمس الشاعر جيته تاريخ العلم في نقاط عديدة. ففي 1786 اكتشف العظم البينفكي، وفي 1790 ألمع إلى أن الجمجمة مؤلفة من قفاز معدلة. وتوصل -دون اعتماد على كاسبار فولف- إلى النظرية القائلة بأن جميع أجزاء النبات تعديلات في الأوراق، وذهب إلى أن جميع النباتات انحدرت بالتطور العام من مثال أصلي واحد سماه Urpfanze.

وآخر العلماء في شجرة دارويني اقرن الثامن عشر هو جد داروين العظيم. وأرزمس داروين هذا شخصية طريفة طرافة تشارلز حفيده. ولد في 1731، وتلقى علومه في مكبردج وأدنبرة، وشرع في ممارسة الطب في توتنجهام، ثم في لتشفيلد، ثم في داربي، حيث توفي عام 1802. وكان يركب بانتظام من لتشفيلد إلى برمنجهام (خمسة عشر ميلا) ليحضر حفلات عشاء "الجمعية القمرية" التي كان روحها المحرك، التي أصبح بريستلي أشهر أعضائها. ومن الرسالة التالية التي بعث بها داروين الجد إلى ماثيو بولتن معتذراً عن غيابه عن اجتماع للجمعية تشرق شخصية ألمعية محببة للنفس. قال: "يؤسفني أن منعتني الشياطين التي تصيب البشر بالأمراض... من مشاهدة جميع رجالكم العظام في سوهو (برمنجهام) اليوم. ليت شعري أي إبداعات، وأي ذكاء، وأي بلاغة- ميتافيزيقية، وميكانيكية، وصاروخية- ستحلق في جو اجتماعكم، يتقاذفها كالمكوك لفيف فلاسفتكم؟- بينما يقضى على أنا المسكين، حبيس مركبة البريد، بأن تخضني هذه المركبة، وترجني، وتهزني، وترضني، على طريق الملك، لكي أخوض حرباً مع وجع في معدة إنسان، أو حمى في جسده(126)". ووسط هذه الحياة الحافلة بالشواغل كتب كتاباً قيما سماه زونوميا (فسيولوجيا الحيوان) (1794-96) مزج فيه الطب بالفلسفة، وعدة مجلدات من شعر العلم: "الحديقة النباتية" (1788)، و"غراميات النباتات" (1788) و"هيكل الطبيعة" (1802). وقد أعرب هذا الكتاب الأخير عن أفكاره التطورية. فبدأ بتأكيده أن التوالد الذاتي هو أكثر النظريات احتمالا في أصل الحياة. قال شعراً:

"إذن بغير أبوين، وبالتوالد التلقائي، ظهرت أول ذرات الأرض النابضة بالحياة... وولدت الحياة العضوية تحت الأمواج الطاغية وعذبت في كهوف المحيط اللؤلؤية؛ أولا تتحرك كائنات دقيقة لا ترى بالمجهر على الوحل، أو تخترق اليم؛ وبعد أن تتفتح منها أجيال متعاقبة، تكتسب قدرات جديدة، وتتخذ لها أطرافاً أكبر، ومن ثم تظهر مجاميع لا حصر لها من النبات، وممالك حية تتنفس من ذوات الزعانف والأرجل والأجنحة(127)".

وهكذا تطورت الحياة من الكائنات البحرية إلى البرمائية في الطين، ثم إلى الأنواع التي لا تحصى في البحر والبر والجو. ونقل الشاعر عن بوفون وهلفتيوس آراءهما في خصائص تشريح الإنسان دليلا على أن الإنسان مشى في الماضي على أربع، وأنه لم يكمل بعد تكيفه لوضعه المنتصب. وقد ارتقى نوع من القردة باستعماله قوائمه الأمامية أيادي، وتطويره الإبهام قوة موازنة مفيدة للأصابع. وفي كل مراحل التطور صراع بين الحيوانات على الطعام والأزواج، وبين النباتات على التربة، والرطوبة، والضوء، والهواء. وفي هذا الصراع (في رأى إرزمس داروين) حدث الارتقاء بتطور الأعضاء نتيجة محاولات لتلبية الحاجات الجديدة (لا بالانتقاء الطبيعي لتغيرات مصادفة تساعد على البقاء كما سيقول تشارلز داروين)؛ والنباتات تنمو بجهودها للحصول على الهواء والضياء. وقد سبق هذا الطبيب في كتابة "زونوميا" لامارك بقوله: "من أن كل الحيوانات تمر بتغييرات تحدث جزئياً بجهودها الخاصة، استجابة للذة والألم، وكثير من هذه الأشكال أو الميول المكتسبة تتحد إلى ذراريها(128)". ولسان الماشية الخشن لشد أوراق العشب، ومنقار الطائر لالتقاط الحب. وأضاف الطبيب إلى هذا كله نظرية التلوين الوقائي: "هناك أعضاء طورت لأغراض وقائية، تغير شكل الجسم ولونه للاستخفاء أو القتال"(129). ثم اختتم كلامه بلمحة جليلة اشتملت دهوراً طويلة.


"فإذا تأملنا الحقب الصغيرة من الأزمنة التي حدث فيها الكثير من التغيرات سالفة الذكر، أيكون من الجرأة المسرفة أن نتصور-في الزمن السحيق الذي انقض منذ بدأت الأرض، ربما قبل بدء تاريخ الإنسان بملايين السنين- أن جميع الحيوانات ذوات الدم الحار نشأت من لقاح خبيط حي واحد، وهبته العلة العظمى الأولى ميزة الحيوانية، والقدرة على اكتساب أعضاء جديدة، تلازمها ميول جديدة، وتوجهها الانفعالات، والأحاسيس والإرادات، والارتباطات، فتملك بذلك قوة مواصلة التحسن بنشاطها الفطري الخاص، وتوريث تلك التحسينات لذراريها إلى آخر الدهر"(130)؟ كتب تشارلز داروين يقول "عجيب كيف سبق جدي... نظرات لامارك والأسس الخاطئة لآرائه، في كتابة زونوميا"(131). ولعل الجد لا يرضي بالتسليم بأنه كان سائراً على الطريق الخطأ. وهو على أية حال بسط نظرية لم تمت بعد، وبطريقته اللطيفة أسهم بضربة في الدفاع عن فكرة التطور.


علم النفس

ومضى البحث العلمي قدماً من المعادن إلى النباتات إلى الحيوانات إلى الإنسان. وراحت رابطة متزايدة من الدارسين تتفحص جسم الإنسان وقد تسلحت بالمجهر وحفزتها حاجات الأطباء، فوجدت أعضاءه ووظائفه شبيهة شبهاً لا خلاف عليه بأعضاء الحيوانات الراقية ووظائفها. ولكن بدا أنه لا يزال هناك انفصال في سلسلة الكائنات. وأجمع الناس كلهم تقريباً على أن ذهن الإنسان يختلف عن ذهن الحيوان في النوع وفي الدرجة معاً.

وفي 1749 اقتحم قسيس إنجليزي، تحول إلى احتراف الطب، يدعى ديفد هارتلي، هذه الفجوة بتأسيسه علم النفس الفسيولوجي. وكان يجمع النباتات طوال ستة عشر عاماً (1730-46) ثم نشر في 1749 كتابه "ملاحظات حول الإنسان": ولما كان يطمع في إيجاد مبدأ يحكم العلاقات بين الأفكار كما اقترح نيوتن مبدأ الأجسام، فقد طبق ترابط الأفكار على تفسير العاطفة، والعقل، والحركة، والحس الخلقي، لا على تفسير الخيال والذاكرة فحسب كما فعل هوبز ولوك من قبل قصور الإحساس على أنه في بدايته تموج في جزيئات عصب يثيره جسم خارجي، ثم لى أنه انتقال هذا التموج على هذا العصب إلى المخ، على نحو "انتشار الأصوات الطليق على صفحة الماء"(132). وقال إن المخ كتلة من الخويطات العصبيه تموجاتها هي متلازمات الذكريات، يثير خويط أو أكثر منها تموج وافد مرتبط به في الخبرة الماضية؛ وهذا التموج هو الملازم الفسيولوجي للفكرة. فلكل حالة عقلية ملازم بدني، ولكل عملية بدنية مرافق عقلي أو عصبي؛ وترابط الأفكار هو الجانب العقلي لترابط التموجات العصبية الذي يحدثه تجاورها أو تعاقبها في خبرة ماضية. على أن الصورة الفسيولوجية التي رسمها هارتلي كانت بالطبع شديدة التبسيط، ولم تمس قط لغز الوعي، ولكنها شاركت في إقناع أقلية صغيرة من الإنجليز بفكرة فناء عقولهم.

تناول قسيس آخر يدعى إتيين بونو دكوندياك مشكلات الذهن من جانب سيكولوجي خاص . وقد ولد في جريوبل (1714)، وتعلم في مدرسة لاهوتية لليسوعيين بباريس، ورسم قسيساً. فلما سمح له بالاختلاف إلى صالوني مدام دتانسان ومدام حيوفران، التقى بروسو وديدرو، وفقد حماسته الدينية، وهجر كل وظائفه الكهنوتية، وكرس نفسه للعبة الأفكار. فدرس المذاهب التاريخية للفلسفة ورفضها في كتابه "رسالة في المذاهب" (1749) الذي نطق بروح "الفلاسفة" فقال إن كل هذه الصروح المتعالية من أنصاف الحقيقة إنما هي تفرعات كثيرة كلها أوهام انتشرت من معرفتنا المبتورة للكون؛ وفحص جزء من التجربة بالاستقراء خير من التدليل على الكل بالاستنباط.

وقد حذا كوندياك في كتابه "مقال في أصل المعارف البشرية" (1746) حذو لوك في تحليليه للعمليات العقلية، ولكنه في أنجح كتبه "مقال في الأحاسيس قبل رأياً أكثر تطرفاً-وهو أن "التأمل" الذي تبين فيه لوك مصدراً ثانياً للأفكار، هو مجموعة أحاسيس، هي المصدر الوحيد لكل الحالات العقلية. إن هناك عالماً خارجياً، لأن أهم حواسنا وهي اللمس تلقى مقاومة؛ ومع ذلك فإن كل ما تعرفه هو أحاسيسنا والأفكار التي تولدها.

وقد وضح كوندياك هذه الدعوى بمقارنة مشهورة ربما نقلها عن بوفون، ولكنه نسب الفضل فيها إلى "مصدر وحيه" المتوفاة، وهي الآنسة فيران التي أوصت له بميراث طوقت به عنقه. فصور لنا تمثالا من الرخام" نظم باطنه على غرارنا، لكن يحركه عقل تجرد من جميع الأفكار"(133). وهو لا يملك غير حاسة واحدة هي حاسة الشم، وفي استطاعته التمييز بين اللذة والألم. ثم عمد إلى أن يبين كيف يمكن أن تستقى جميع ألوان التفكير من أحاسيس هذا التمثال. فالحكم، والتأمل، والرغبات، والانفعالات، الخ ليست غير أحاسيس تغيرت على أشكاله مختلفة(134). فالانتباه يولد مع الإحساس الأول، ويأتي الحكم مع الثاني، مما يولد المقارنة مع الأول. والتذكر إحساس ماض أحياه إحساس حاضر أو تذكر آخر. والخيال ذكرى تتصور أو تربط. والرغبة في الشيء أو النفور منه هي التذكر النشيط لإحساس لذيذ أو كريه. والتأمل هو تناوب الذكريات والرغبات. والإرادة رغبة قوية يرافقها فرض بأن الهدف ممكن بلوغه. والشخصية، أو الأنا، أو التنفس، لا وجود لها أول الأمر؛ فهي تتخذ لها شكلا بوصفها جماع ذكريات الفرد ورغباته(135). وهكذا، من حاسة الشم وحدها-أو من أي حاسة أخرى غيرها- يمكن أن تستنبط جميع عمليات الذهن تقريباً. فإذا أضفنا أربع حواس أخرى، كون التمثال له ذهناً معقداً. كل هذا كان جهداً ضخماً طريفاً، أثار ضجة كبرى بين رجال الفكر في باريس. ولكن النقاد لم يعسر عليهم أن يثبتوا أن طريقة كوندياك كان فيها من الاستنباط والفروض ما في غيرها من مذاهب الفلسفة، وأنه تجاهل مشكلة الوعي تجاهلا تاماً؛ وأنه لم يبين لنا كيف نشأت الحساسية الأصلية. فالتمثال الحساس وإن اقتصرت حواسه على الشم، ليس بتمثال، إلا أن يكون ذلك الوجيه الذي قال ترجنيف في وصفه إنه يقف في كبرياء كأنه أثر لذكراه أقيم بالاكتتاب العام.

وفي 1767 عين كوندياك مدرساً خاصاً للطفل الذي أصبح فيما بعد دوق بارما. فأنفق السنين التسع التالية في إيطاليا وألف لتلميذه سبعة عشر مجلداً نشرت في 1769-73 باسم "خطط دراسية". وهي رفيعة المستوى، ولكن المجلدين اللذين تناولا التاريخ جديران بتحية خاصة لأنهما اشتملا على التاريخ الأفكار والعادات، والمذاهب الاقتصادية، والأخلاق، والفنون، والعلوم، والملاهي، والطرق-وهذا في مجموعة يؤلف سجلا للحضارة أو في مما سجله فولتير في كتابه "مقالة عن الأعراف". وفي 1780، بناء على طلب الأمير أجناسي بوتوكي، وضع كتاباً في "المنطق" لمدارس لتوانا. وكان هذا أيضاً كتاباً فذاً في بابه. وفي تلك السنة مات مؤلفه.

ودام تأثير كوندياك قرناً، فتجلى عام 1870 في كتاب تين "في الذكاء" وكانت سيكولوجية كوندياك أساساً في النظام التعليمي الذي وضعه المؤتمر الوطني الذي حكم فرنسا من 1792 إلى 1795. وقد اعترف له بفضل السبق مشرحون مثل فيك-دازير، وكيميائيون مثل لافوازييه، وفلكيون مثل لابلاس، وأحيائيون مثل لامارك، وأطباء عقليون مثل بينيل، وسيكولوجيون مثل بونيه وكاباني. وقد وصف بيير جان جورج كاباتي الدماغ في 1796 بأنه "عضو خاص وظيفته الهامة أن ينتج الفكر كما أن للمعدة وظيفة خاصة هي مواصلة عملية الهضم، والكبد وظيفته هي ترشيح الصفراء"(136). وقد تجاهل "الفلاسفة" الذين أحاطوا بكوندياك تصريحاته بالإيمان بالله، وحرية الإرادة، والروح الخالدة غير المادية، وزعموا أن فلسفة طبيعية، نصف مادية، مؤمنة بمذهب اللذة، كانت النتيجة لرده المعرفة كلها إلى الإحساس، والبواعث كلها إلى اللذة والألم. وقد خلص روسو وهلفتيوس إلى أنه ما دام ذهن الإنسان عند مولده عبارة عن قدرة على الاستقبال لا أكثر، إذن ففي استطاعته التعليم أن يصوغ الذكاء والخلق دون نظر إلى الفروق الوراثية في القدرة العقلية. هذا كان الأساس السيكولوجي لكثير من الفلسفات السياسية المتطرفة.

ولم يأت الانتفاض على السيكولوجية المادية في فرنسا إلا بعد أن قلم نابليون أظافر الثورة ووقع اتفاقية 1801 مع الكنيسة (الكونكوردا). وقد بكر هذا الانتفاض في ألمانيا، حيث كان التقليد المضاد للمذهب الحسي (وهو التقليد الموروث عن لايبنتس) لا يزال قوياً وهاجم رجال كيوهان نيكولاوس تيتنز الأستاذ بجامعة روستوك، مدرسة كوندياك زاعماً أن اتباعها مجرد منظرين لا علماء. فكل هذا الحديث عن "التموجات" و"السائل العصبي" إنما هو محض افتراض؛ فهل رأى أحد هذه الأشياء؟ وزعم تيتنز أن السيكولوجية العلمية تستهدف الملاحظة المباشرة للعمليات الفعلية، وتجعل الاستنباط أداتها الرئيسية، فتبنى بذلك سيكولوجية على أساس استقرائي بحق. وستجد بعد قليل أن "قوانين الترابط" التي صاغها هوبز، ولوك، وهارتلي، لا تتفق وخبرتنا الفعلية؛ وأن الخيال كثيراً ما يحيى أو يربط الأفكار في ترتيب يختلف تمام الاختلاف عن الترتيب الذي أعطاه إياه الإحساس، وأن حلقات في سلسلة الترابط تسقط أحياناً على نحو غريب جداً. ويبدو أن الرغبة هي الحقيقة المحايثة (الباطنة) للكائن الحي، وأنها لا تتفق غالباً مع القوانين الميكانيكا. والذهن قوة نشيطة مشكلة، لا "صفحة بيضاء"، يخط الإحساس عليها إرادته.

وهكذا هيأ المسرح لإيمانويل كانت.


تأثير العلم على الحضارة

إذا كان هذا الفصل قد طال أكثر من العادة رغم ما يشوبه من نقص فليس السبب أننا اعتبرنا العلماء وعلمهم منتمين إلى التاريخ فحسب، بل إن تطور الأفكار أيضاً هو موضع اهتمامنا الأساسي، وأن الأفكار لعبت دوراً في القرن الثامن عشر لا يفوقه أهمية غير طبيعة الإنسان نفسه. وإذا كانت منجزات العلم في تلك الحقبة الثورية لا تبلغ في إدهاشها مبلغ نظائرها في القرن الذي سبقها من جاليليو إلى ديكارت إلى نيوتن وليبنتس، فإنها تغلغلت تغللاً أقوى في كل منحى تقريباً من مناحي التاريخ الأوربي. فبفضل فولتير وعشرات المفسرين الأقل منه شأناً نشرت نتائج البحث في الطبقتين الوسطى والعليا، وشاركت العلوم الجديدة -علوم الكيمياء، والجيولوجيا، والحيوان- في التأثير البطيء، العميق رغم بطئه، الذي أثرت به المعرفة المتسعة على الذهن المثقف، وكانت النتائج بغير نهاية.

والعجيب أن التأثير العلم كان أقله، وآخره، على التكنولوجيا. ذلك أن طرائق البشر في الزرع والحصاد، وفي التعدين والصناعة، وفي البناء والنقل، كلها تكونت خلال قرون من التجربة والخطأ، ولم تتقبل التقاليد والجمود التحسينات التي اقترحتها التجارب المعملية إلا على مضض. ولم يفلح العلم في التعجيل بالثورة الصناعية إلا في نهاية هذا العصر. وحتى مع هذا البطء فإن المراحل الأولى لتلك الثورة دانت ديناً كبيراً للأبحاث الكيميائية على الأصباغ؛ فقد أرسى برتولليه (1788) استعمال الكلورين في تبييض المنسوجات، وأدخل جيمس هتن ونيكولا ليلان تصنيع الصودا وملح النشادر. وشاركت دراسة بوبل وماريوت للغازات، ودراسة بلاك للحرارة، في تطوير الآلة البخارية-الذي كان أكبر الفضل فيه على أية حال للميكانيكيين المهتمين بالأمر آنئذ. وبتقدم القرن نمت علاقة أوثق بين الرجال العمليين الذين ينشدون الإنتاج، والعلماء الذين ينشدون الحقيقة. وأوفدت أكاديمية باريس للعلوم باحثين إلى الحقول، والمصانع، والورش، وأصدرت عشرين مجلداً في "أوصاف الفنون والصنائع" (1761-81). ولقاء هذا بدأت الصناعات الوليدة تلجأ إلى العلم طلباً للمعلومات والتجارب؛ وهكذا اختزل كولومب جهد العوارض إلى صيغ يعتمد عليها، وحفزت مشكلات الآلة البخارية العلم إلى أبحاث جديدة في العلاقة بين القوة والحرارة. وقد قدر لهذه العلاقات في القرن التاسع عشر أن تغير العالم الاقتصادي والفيزيائي. أما الأثر الأكبر للعلم فكان بالطبع على الفلسفة، ذلك أن الفلسفة، وهي البحث عن الحكمة، لا بد أن تقوم على العلم، وهو البحث عن المعرفة. وقد بدا في كل خطوة أن العلم يزيد العالم تعقيداً واتساعاً، وكان لا بد من تكوين منظرات جديدة. ولم يكن بالتكيف اليسير ذلك الذي كان على العقل البشري أن يتكيفه بعد أن اكتشف أن الإنسان ليس مركز الكون، بل ذرة ولحظة في اتساعات الفضاء والزمان غير المحدودة والمحيرة؛ ولم يتم ذلك التكيف إلى الآن. وباستجابة متعالية، قديمة قدم كوبرنيف، كاد الإنسان يغلبه الغرور بعظمة كشفه عن ضآلته، وحجبت خيلاء العلم تواضع الفلسفة، وتخيل الناس عوالم مثالية جديدة بلغة العلم، وقدمت فكرة التقدم ديناً جديداً للنفس الحديثة.

وبدا أن تأثير العلم على الدين-أو على الأصح على المسيحية-مميت.إن الناس كانوا سيمضون ولا ريب في تكوين، أو تحبيذ، مفاهيم عن العالم تمنح الأمل والعزاء، والمغزى والكرامة، للنفوس المعذبة القصيرة الأجل؛ ولكن كيف تستطيع ملحمة المسيحية عن الخليقة، والخطيئة، والفداء الإلهي، أن تثبت في منظور اختزل هذه الأرض إلى ذرة وسط مليون من النجوم؟ وما هو الإنسان حتى يذكره إله كون كهذا ويعنى به؟ وكيف يستطيع شعر سفر التكوين أن يثبت لكشوف الجيولوجيا؟ وما الرأي في الأديان العشرة أو تزيد، التي تدين بها أقطار كشفت عنها الجغرافيا؟ -أهي منحطة انحطاطاً لا ريب فيه عن المسيحية من حيث عقائدها ونواميسها ونتائجها الأخلاقية؟ وكيف يمكن التوفيق بين معجزات المسيح، فضلاً عن المعجزات التي ينسبها الكثيرون للقديسين والشيطان، وبين ما يبدو من سيادة ناموس الكون؟ وكيف يمكن أن تكون نفس الإنسان، أو عقله، خالداً إذا كان معتمداً هذا الاعتماد على الأعصاب وغيرها من الأنسجة الواضح أن مصيرها الفناء؟ وما الذي لا مناص من حدوثه للين الذي يتحداه على هذا النحو علم ينمو يوماً بعد يوم في رقعته ومنجزاته ومكانته؟ وما الذي لا مناص من حدوثه لحضارة قائمة على ناموس أخلاقي قائم على ذلك الدين؟


وبدا أن تأثير العلم على الدين-أو على الأصح على المسيحية-مميت.إن الناس كانوا سيمضون ولا ريب في تكوين، أو تحبيذ، مفاهيم عن العالم تمنح الأمل والعزاء، والمغزى والكرامة، للنفوس المعذبة القصيرة الأجل؛ ولكن كيف تستطيع ملحمة المسيحية عن الخليقة، والخطيئة، والفداء الإلهي، أن تثبت في منظور اختزل هذه الأرض إلى ذرة وسط مليون من النجوم؟ وما هو الإنسان حتى يذكره إله كون كهذا ويعنى به؟ وكيف يستطيع شعر سفر التكوين أن يثبت لكشوف الجيولوجيا؟ وما الرأي في الأديان العشرة أو تزيد، التي تدين بها أقطار كشفت عنها الجغرافيا؟ -أهي منحطة انحطاطاً لا ريب فيه عن المسيحية من حيث عقائدها ونواميسها ونتائجها الأخلاقية؟ وكيف يمكن التوفيق بين معجزات المسيح، فضلاً عن المعجزات التي ينسبها الكثيرون للقديسين والشيطان، وبين ما يبدو من سيادة ناموس الكون؟ وكيف يمكن أن تكون نفس الإنسان، أو عقله، خالداً إذا كان معتمداً هذا الاعتماد على الأعصاب وغيرها من الأنسجة الواضح أن مصيرها الفناء؟ وما الذي لا مناص من حدوثه للين الذي يتحداه على هذا النحو علم ينمو يوماً بعد يوم في رقعته ومنجزاته ومكانته؟ وما الذي لا مناص من حدوثه لحضارة قائمة على ناموس أخلاقي قائم على ذلك الدين؟