قصة الحضارة - ول ديورانت - م 9 ك 4 ف 15

من معرفة المصادر

 صفحة رقم : 12332   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


الكتاب الرابع



تقدم العلم



1751-79



الفصل الخامس عشر



الأدباء



1- البيئة الفكرية


تعطل نمو المعرفة نتيجة للجمود، والخرافة، والاضطهاد، والرقابة، وهيمنة الكنيسة على التعليم. حقيقة أن هذه المعوقات ضعفت عن ذي قبل، ولكنها ظلت أقوى كثيراً منها في حضارة صناعية يضطر فيها الناس، بسبب تنافس الأفراد، والجماعات، والأمم، إلى البحث عن أفكار وأساليب جديدة، عن وسائط جديدة لغايات قديمة. وكان أكثر الناس في القرن الثامن عشر يتحركون في بيئة بطيئة التغيّر، تكفي الاستجابات والأفكار التقليدية عادة لسد حاجات الحياة فيها. فإذا لم تسمح المواقف والأحداث الجديدة بالتفسيرات الطبيعية دون عناء، عزتها عقول العوام لأسباب خارقة ثم أخلدت إلى الراحة. وبقيت مئات الخرافات جنباً إلى جنب مع الاستنارة المطردة. مثال ذلك أن نساء الطبقة العليا كن يرتعن إذا كانت طوالعهن نحوساً؟، أو يؤمن بأن في الإمكان إحياء طفل غريق إذا أضاءت امرأة فقيرة شمعة وعومتها في فنجان لتشعل النار في كوبري على السين. وقد وعدت أميرة كونتي الأبيه لورو بجاشية فخمة إذا عثر لها على حجر القلاسفة. واحتفظت جولي دلبسيناس بإيمانها بالأيام السعيدة والمشئومة رغم أنها عاشرت العالم الشاك دالامبير عدة سنين.



 صفحة رقم : 12333   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


وكان قارئوا البخت يعيشون على صيت شفافيتهم؛ من ذلك أن مدام دبومبادور، والابيه دبيرنيس، والدوق دشوازيل كانوا يستشيرون خفية مدام بونتان، التي تقرأ لهم البخت في تفل القهوة(1). ويقول مونتسكيو أن باريس تعج بالسحرة وغيرهم من الدجالين الذين يكفلون للناس التوفيق في دنياهم أو التمتع بشباب دائم. وقد أقنع الكونت سان جرمان لويس الخامس عشر أن في الإمكان إصلاح ماليات فرنسا التي فسدت بوسائل خفية لصنع الماس والذهب(2) وكان الدوق دريشليو يتسلى بالسحر والشعوذة-مستعيناً بالشيطان. أما أمير انهالت دساو العجوز، الذي كسب معارك كثيرة لبروسيا، وكفر بالله، فكان إذا التقى بثلاث عجائز في طريقة إلى الصيد قفل إلى بيته، لأن "اليوم نحس"(3). وكان آلاف الناس يحملون التمائم أو الطلاسم اتقاء الشرور. واستعملت مئات الوصفات السحرية علاجات طبية شعبية. واعتقد الناس أن في قدرة المخلفات الدينية أن تشفي كل عليل تقريباً، وكانوا يجدون مخلفات أو ذخائر القديسين في أي مكان-فقطعه من ثوبه في ترييه، وعباءته في تورين ولاون، ومسمار من مسامير الصليب الحقيقي في دير سان-دنيس. وقد تدعمت قضية المطالبين الإستيواريين بالعرش في إنجلترا بفضل فكرة آمن بها أكثر الناس، وهي أن في استطاعتهم شفاء الداء الخنازيري بلمسة منهم - وهي قوة حرم منها الملوك الهانوفريون لأنهم "غاصبون" لم يتباركوا بحق الملوك الإلهي. وكان أكثر الفلاحين على يقين من أنهم سعوا العفاريت أو الجنيات في الغابات. ومع أن الاعتقاد بوجود العفاريت كان في اضمحلال، فإن دوم أوجستن كالميه، البندكتي المثقف، كتب تاريخاً لمصاصي الدماء Vampires- وهي جثث تترك قبورها في الليل لتمتص دم الأحياء؛ وقد نشر هذا الكتاب بموافقة السوربون(4). واختفت في هذا القرن شر الخرافات قاطبة، وهي الإيمان بالسحر، اللهم إلا بعض بقاياه المحلية. ففي 1736 اتخذ "أحبار الكنائس المسيحية المتحدة" الاسكتلندية قراراً يؤكد من جديد إيمانهم بالسحر(5)، وفي 1765 (وهو تاريخ متأخر) كتب أشهر الفقهاء الإنجليز، السر وليم



 صفحة رقم : 12334   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


بلاكستون في "تعليقاته" يقول: "إن إنكار إمكان السحر والمعرفة، لا بل وجودهما الفعلي، إنما هو تكذيب صريح لكلمة الله، فالشيء وذاته حقيقة شهدتها كل أمة في العالم بدورها". ولكن القانون الإنجليزي الذي جعل من السحر جناية كبرى ألغى في 1736 رغم بلاكستون والكتاب المقدس. ولم يرد ذكر لأي حكم بالإعدام عقاباً على تهمة السحر لا في فرنسا بعد 1718، ولا في إسكتلندة بعد 1722؛ وحكم الإعدام الذي نفذ في سويسرا عام 1782 هو آخر ما ورد من أحكام إعدام في القارة الأوربية(6). وكان لازدياد الثروة، وتكاثر المدن، وانتشار التعليم، وتجارب العلماء، ونداءات الأدباء والفلاسفة - كان لهذا أثره في الحد شيئاً فشيئاً من دور الشياطين والعفاريت في حياة الناس وتفكيرهم، ورفض القضاة الاستماع إلى تهم العرافة، متحدين في ذلك التعصب الجماهيري. وبدأت أوربا تنسى أنها ضحت بمائة ألف رجل، وامرأة، وفتاة، على مذبح خرافة واحدة فقط من خرافاتها الكثيرة(7). وظل اضطهاد الكنيسة والدولة، والكاثوليك والبروتستنت، للمنشقين والخوارج يرهب الناس بأهواله ليحجب عن عقولهم أي أفكار قد تمس لمعتقدات الراسخة أو تزعج السلطات المقررة. وقد زعمت الكنيسة الكاثوليكية أن مؤسسها هو ابن الله، فهي إذن مستودع الحق الإلهي، والمفسر لشرعي الوحيد له، ولها إذن حق قمع الهرطقة. وقد انتهت إلى أنه لا خلاص لإنسان من الهلاك الأبدي خارج الكنيسة. ألم يقل المسيح "من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن"؟(8) ومن ثم فإن مجمع اللاتران المسكوني الرابع، المنعقد في 1215، جعل النص الآتي جزءاً من العقيدة النهائية التي يلزم بها كل كاثوليكي "هناك كنيسة جامعة واحدة للمؤمنين، لا خلاص خارجها لأحد على الإطلاق"



 صفحة رقم : 12335   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


وقد قبل لويس الخامس عشر هذه العقيدة باعتبارها منطقياً مستقاة من نصوص الكتاب المقدس، نافعة في تشكيل عقل قومي موحد. وفي 1732 كانت ممارسة العبادة البروتستنتية علانية في فرنسا محرمة، وإلا كان التعذيب، أو التشغيل في مراكب الأسرى، أو الموت، عقاباً للمخالفين(9). على أن الأهالي الكاثوليك كانوا أكثر تسامحاً من قادتهم، فأنكروا هذه العقوبات الوحشية، واشتد التراخي في تطبيق المرسوم حتى جرؤ هيجونوت فرنسا في 1744 على عقد مجمع قومي لهم على أن السوربون، كلية اللاهوت في جامعة باريس، أكدت من جديد في 1767 الدعوى القديمة، "أن الملك تلقى السيف الزمني ليقمع به مذاهب المادية، والإلحاد، والربوبية، تمزق روابط المجتمع وتحرض على لجريمة؛ وليسحق أيضاً كل تعليم يهدد بزعزعة أسس الإيمان الكاثوليكي."(10) وقد طبقت هذه السياسة بصرامة في أسبانيا والبرتغال؛ وفي إيطاليا طبقت تطبيقاً أكثر ليناً، وفي روسيا اشترطت الكنيسة الأرثوذكسية إجماعاً مماثلا. ووافق الكثير من الدول البروتستنتية الكاثوليك على ضرورة الاضطهاد. ففي الدنمرك والسويد طالبت القوانين بالتزام المذهب اللوثري، ولكن غير اللوثريين من البروتستنت، بل الكاثوليك أيضاً، كانوا من الناحية العلمية في مأمن من الاضطهاد، وإن ظلوا محرومين من حق شغل مناصب الدولة. وفي سويسرا كانت كل مقاطعة حرة في اختيار مذهبها وفرضه على أهلها. وفي ألمانيا كانت القاعدة التي تقضي بأن يتبع الناس دين أميرهم تغفل باطراد.



 صفحة رقم : 12336   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


وفي الأقاليم المتحدة رفض رجال الدين البروتستنت التسامح باعتباره محرضاً على اللامبالاة الدينية، ولكن العلمانيين رفضوا الاقتداء برجال الدين في هذا الأمر، فأصبحت هولندا بفضل تحريرها النسبي من الاضطهاد ملاذاً للأفكار والمطبوعات غير التقليدية. وفي إنجلترا سمحت القوانين بالانشقاق الديني، ولكنها تعقبت المنشقين بالقيود الاجتماعية والسياسية. وقد صرح صموئيل جونسن في 1763 بأن "التعليم الباطل ينبغي قمعه بمجرد ظهوره؛ وينبغي أن تتكالف السلطة المدنية مع الكنيسة في عقاب من يجرؤن على مهاجمة الدين المقرر"(11). وأحرقت الحكومة الإنجليزية ين الحين والحين الكتب، أو وضعت في المشهرة مؤلفيها الذين تشككوا في أسس الإيمان المسيحي؛ مثال ذلك أن وولستن غرم وحبس في 1730، وفي 1762 حكم على بيتر آرنت بوضعه في المشهرة، ثم بالسجن سنة مع الأشغال الشاقة، بسبب تهجمه على المسيحية. وكانت القوانين التي شرعت ضد الكاثوليك تطبق في إنجلترا تطبيقاً غير دقيق، ولكنها نفذت بصرامة في إيرلندة، إلى أن رفض اللورد تشسترفيلد تطبيقها حين تولى حكم الإقليم في 1745؛ وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ألغي بعض اللوائح الصارمة. ويمكن القول بصفة عامة أن نظرية الاضطهاد كان يؤمن بها رجال الدين الكاثوليك والبروتستنت حتى سنة 1789، إلا حيث كان الكاثوليك أو البروتستنت أقلية، ولكن ممارسة الاضطهاد تضاءلت بظهور رأى عام جديد مع تطور الارتياب الديني. وانتقلت غريزة الاضطهاد من الدين إلى السياسة بحلول الدولة محل الكنيسة حارساً على الإجماع والنظام وهدفاً للانشقاق المبتدع. أما الرقابة على الكلام والمطبوعات فكانت في الدول البروتستنتية بصفة عامة منها في الدول الكاثوليكية، وكانت أهون ما تكون في هولندا وإنجلترا. وكانت صارمة في أكثر المقاطعات السويسرية. وقد أحرق آباء المدينة في جنيف بعض الكتب الخارجة على السنة، ولكن ندر أن اتخذوا إجراء ضد مؤلفيها. وفي ألمانيا تعطلت الرقابة لتعدد الولايات التي كان لكل منها عقيدته الرسمية الخاصة؛ وكان في استطاعة الكاتب أن ينتقل عبر الحدود



 صفحة رقم : 12337   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


من بيئة معادية إلى بيئة صديقة أو محايدة. وفي بروسيا ألغي فردريك الأكبر الرقابة عملياً، ولكن خلفه أعادها في 1786. أما الدنمرك فإنها احتفظت بالرقابة على الكتب حتى عام 1749 باستثناء فاصل قصير في عهد شتروينزي. وأما السويد فقد حظرت نشر المواد التي انتقدت اللوثرية أو الحكومة، وفي 1764 أصدرت جامعة أوبسالا قائمة بالكتب المحرمة؛ ولكن في 1766 قررت السويد الحرية الكاملة للمطبوعات. كانت الرقابة في فرنسا قد اتسعت من سابقة إلى سابقة منذ عهد فرنسوا الأول، ثم جددت بمسوم صدر في 1723 ينص على "ألا يطبع ناشرون أو غيرهم، أو يعيدوا طبع، أي كتب في أي مكان في المملكة، دون الحصول سلفاً على إذن بخطابات مختومة بالخاتم الكبير". وكان هناك ستة وسبعون رقيباً سمياً في 1741، بطلب إلى الرقيب منهم قبل أن يمنح الكتاب "إذن الملك وامتيازه" أن يشهد بأن الكتاب لا يحوي شيئاً ضد الدين، أو النظام العام، أو الخلق القويم. ويجوز لبرلمان باريس أو السوربون أن يشجبا الكتاب حتى بعد نشره بإذن الطبع الملكي. وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر لم تطبق الرقابة الملكية إلا تطبيقاً هيناً، فظهرت آلاف الكتب دون إذن ودون أن يمسها سؤ، وفي كثير من الحالات لا سيما حين مالزبرب رئاسة الرقابة (1750-63) كان المؤلف يحصل على "إذن ضمني"- وهو تعهد غير رسمي بأن الكتاب المراد نشره يصرح بطبعه دون خوف من محاكمة. فإذا صدر كتاب لم تصرح الحكومة بنشره جاز أن يحرقه جلاد الدولة بينما يظل المؤلف حراً طليقاً، فإذا زج به في الباستيل لم يسجن غير سجن قصير كريم(12). على أن هذه الحقبة من التسامح النسبي انتهت بمحاولة داميان اغتيال لويس الخامس عشر(5 يناير 1757). ففي أبريل قضي مرسوم وحشي بالموت على "جميع من يدانون بكتابة أو طبع أي مؤلفات قصد بها التهجم على الدين أو العدوان على السلطة الملكية أو تكدير نظام المملكة وهدوئها". وفي 1764 حرم مرسوم آخر نشر الكتب التي تتناول مالية الدولة. وأخضعت الكتب، والنشرات، وحتى مقدمات المسرحيات، لأكثر ضروب الفحص



 صفحة رقم : 12338   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


والإشراف تفصيلاً. وفرضت أحكام تتفاوت بين الوضع في المشهرة والجلد، وبين التشغيل تسع سنين في سفن الأسرى والعبيد عقاباً على شراء أو بيع نسخ من قصيدة فولتير "لابوسيل" أو "قاموسه الفلسفي". وفي 1762 كتب دالامبير إلى فولتير يقول: "إنك لا تتصور مبلغ الهياج الذي بلغته محكمة التفتيش (في فرنسا). فإن مفتشي الفكر... يحذفون من جميع الكتب ألفاظاً مثل "الخرافة" و"التسامح" و "الاضطهاد"(13). واشتدت الكراهية في طرفي الصراع بين الدين والفلسفة؛ وما بدأ حملة على الخرافة تصاعد حتى أصبح حرباً على المسيحية. وقد نشبت الثورة في فرنسا، لا في إنجلترا القرن الثامن عشر، من بعض الوجوه لأن رقابة الدولة أو الكنيسة، التي كانت معتدلة في إنجلترا، اشتدت في فرنسا إلى حد استحال معه على العقل الحبيس أن ينطلق إلا بتحطيم أغلاله تحطيما عنيفاً. واحتج "الفلاسفة" (وهو اصطلاح يراد به الفلاسفة الفرنسيون الذين شاركوا في الهجوم على المسيحية) على الرقابة لأنها تحكم على الفكر الفرنسي بالعقم. ولكنهم هم أنفسهم كانوا أحياناً يطلبون إلى الرقيب أن يكبح جماح خصومهم. مثال ذلك أن دالامبير رجا مالزيرب أن يصادر مجلة فريرون المسماة "عدو الفيلسوف"، و"العام الأدبي". ولكن مالزيرب أبى رغم ميله للفلاسفة(14). وطلب فولتير إلى الملكة أن تحظر تمثيل تقليد ساخر لمسرحيته "سميراميس"، فلم تشأ حظرها، ولكن بومبادور حظرتها(15). واحتال الفلاسفة أثناء ذلك بشتى الطرق لتفادي الرقابة فأرسلوا مخطوطاتهم إلى الناشرين الأجانب، عادة إلى أمستردام، أو لاهاي، أو جنيف؛ ومن هناك كانت كتبهم بالفرنسية تستورد بالجملة إلى فرنسا، فتصل كل يوم تقريباً بالمراكب إلى بوردو أو غيرها من الموانئ على الساحل أو الحدود الفرنسية. وكان الباعة يطوفون بها من شاع إلى شارع، ومن بلد إلى بلد، متخفية وراء عناوين بريئة. وسمح بعض النبلاء الذين لم يكونوا شديدي الإخلاص للحكومة الممركزة ببيع هذه الكتب في أرضهم(16). ونجت رسائل فولتير، التي وحدت الحملة الفلسفية من كثير من الرقابة لأن صديقه داميلافيل شغل حيناً منصباً في إدارة المالية، فاستطاع أن يصدق بختم الرقيب العام على رسائل فولتير وشركائه وطرودهم(17). وقرأ



 صفحة رقم : 12339   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


الكثير من موظفي الحكومة، وبعض رجال الدين، بلذة تلك الكتب التي شجبتها الحكومة أو الأكليروس. وندر أن وضع مؤلفو الكتب الفرنسيون المنشورة خارج فرنسا أسماءهم على الغلاف، فإذا اتهموا بتأليفها كذبوا بضمير جرئ، وكان هذا جزءاً من اللعبة باركته قوانين الحرب. ولم يكتف فولتير بإنكار تأليف العديد من كتبه، به أنه أحياناً نسب تأليفها إلى الموتى. وضلل الرقيب بنشره مقالات ينقد فيها كتبه أو يندد بها. واشتملت اللعبة على حيل في الصياغة أو التعبير أعانت على تشكيل ما في النثر الفرنسي من رقة ورهافة في تورياته، وحواراته، ورمزياته، وقصصه، ومفارقاته، ومبالغاته الشفافة، وفي ما يتسم به في مجموعة من ذكاء وظرف بلغا مبلغاً لم يضارعه فيها أدب قط. وقد عرف الأبيه جالياني البلاغة بأنها فن قول الشيء دون أن يزج بقائله في الباستيل. وثمة عقبة أخرى في طريق التفكير الحر لم تفقها غير عقبة الرقابة، وهي هيمنة رجال الدين على التعليم. فقد كان القساوسة المحليون في فرنسا يعلمون أو يشرفون على التعليم في مدارس الأبرشيات. وكان التعليم الثانوي في قبضة اليسوعيين معلمين للغات والآداب الكلاسيكية، ولكنهم كانوا أقل عوناً في ميدان العلوم. وقد شحذ التعليم اليسوعي أذهان عدد كبير من "الفلاسفة". وكانت جامعة باريس تخضع لقساوسة أشد محافظة من اليسوعيين أما جامعة أورليان المشهورة بالقنون، وجامعة مونبليه المشهورة بالطب، فكانتا علمانيتين نسيباً. ومما له دلالة أنه لا مونتسكيو، ولا فولتير، ولا ديدورو، ولا موييرتوي، ولاهلفيتيوس، ولا بوفون، درسوا في جامعة فقد ازدهر العقل الفرنسي المناضل للتحرر من سلطان اللاهوتيين، لا في الجامعات، بل في الأكاديميات والصالونات. وكانت الأكاديميات العلمية قد ظهرت في هذا القرن في برلين (1701) وأوبسالا (1710) وسانت بطرسبورج (1724) وكوبنهاجن (1743). وفي 1739 ألف لينيوس وخمسة أدباء سويديين آخرين "الكوليجيوم كوريوزم"، وفي 1741 تأسست من هذه الهيئة أكاديمية "كونجليجا زفنسكا فيتنسكابس"، التي أصبحت الأكاديمية الملكية السويدية. وكان في فرنسا



 صفحة رقم : 12340   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


أكاديميات أقليمية في أورليان، وبوردو، وتولوز، وأوجزير، ومتز، وبيزانسون، وديجون، ولبون، وكان، وروان، ومونتوبان، وأنجير، ونانسي، وأكس-أن-بروفانس. وتجنبت الأكاديميات الهرطقة، ولكنها شجعت العلم والتجربة، وتسامحت في النقاش وشجعته، ومسابقات الجوائز التي قدمتها أكاديمية ديجون في 1749و1754 هي التي أطلقت روسو على الدرب إلى الثورة الفرنسية. وفي باريس أيقظ انتخاب دوكلو (1746) ودالامبير (1754) أكاديمية الخالدين المحتضرين الفرنسية من غفواتها الدجماطيقية؛ وكان ارتقاء دوكلو إلى منصب استراتيجي في الأكاديمية، هو منصب "السكرتير الدائم" (1755) إيذاناً بسيطرة الفلاسفة على الأكاديمية. وأضافت المجلات العلمية مزيداً من الحفز للحركة الفكرية. وكان من خيرة هذه المجلات "مذكرات للانتفاع بها في تاريخ العلوم والفنون الجميلة" التي رأس تحريرها اليسوعيون من 1701 إلى 1762، وتعرف بمجلة "تريفو" نسبة إلى دار النشر في تريفو، قرب ليون، وكانت أكثر المطبوعات الدينية تفقهاً وتحرراً. وكان في باريس وحدها ثلاث وسبعون مجلة وعلى رأسها "المركيز دفرانس" و"مجلة العلماء". ورأس اثنان من أقوى خصوم فولتير وأشدهم لدوداً تحرير مجلتين واسعتي النفوذ: فأسس ديفونتين "أخبار الأدب" في 1721، ونشر فريرون "العام الأدبي" من 1754 إلى 1774. ونسجت ألمانيا على هذا المنوال، فأصدرت "رسائل في الأدب الجديد" التي كان ليسنج وموسى مندلسون من بين من زودوها بمقالاتهم الكثيرة. وفي إيطاليا تناولت "مجلة الأدباء" المواضيع العلمية والأدبية والفنية، أما مجلة "كافية" فكانت صحيفة رأى على طريقة "الاسبكتاتور الإنجليزية" وفي السويد جعل أولوف فون دالين من صحيفة "سفنسكا آرجوس" رسولاً للتنوير. ولما كانت كل هذه الدوريات تقريباً اللغات القومية ولا تخضع لإشراف كنسي، فقد كانت بمثابة خميرة طالعة في حركة عصرها المضطربة.



 صفحة رقم : 12341   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


ومن سمات القرن الثامن عشر، كما أنه من سمات الحاضر، ذلك التشوف المنتشر إلى المعرفة - وهو بالضبط تلك الشهوة الفكرية التي أنكرتها العصور الوسطى باعتبارها خطيئة الغرور الأحمق. وقد استجاب الكتاب بحماسة ليجعلوا أوسع منالا وفهماً. فكثرت "الخلاصات"، وحاولت كتب مثل "الرياضة الميسرة" و"آراء بيل الأساسية" و "عقل مونتيني" و"عقل فونتيل" أن تضع العلم، والأدب، والفلسفة في متناول جميع الناس، وازداد باطراد عدد الأساتذة الذين يحاضرون باللغات الوطنية، ووصلت بذلك محاضراتهم إلى جماهير لا قبل لها بتعليم اللاتينية. وأخذت المكتبات والمتاحف تتسع وتفتح كنوزها للطلاب. ففي 1753 أوصى السير هانز سلون للأمة البريطانية بمجموعة البالغة خمسين ألف كتاب، وعدة آلاف من المخطوطات، وعدداً كبيراً من الصور، والعملات، والتحف الأثرية. وقرر البرلمان تعويض ورثته بعشرين ألف جنيه، وأصبحت المجموعة نواة للمتحف البريطاني، وأضيف إليها مجموعتا مخطوطات هارلي وكوطن، والمكتبات التي جمعها إنجلترا؛ وفي 1759 فتح المتحف العظيم للجمهور. وكان يقتني في 1928 نحو 3.200.000 مجلد مطبوع و 56.000 مخطوط، تملأ أرففه البالغ طولها خمسة وخمسين ميلاً. وأخيراً ظهرت الموسوعات لتجمع، وترتب، وتوصل للقراء ذخائر العلم الجديد لكل قادر على القراءة والتفكير. وقد عرفت العصور الوسطى موسوعات كتلك التي وضعها ايزيدور أسقف إشبيلية (حولي 600-626)، وفانسان البوفي (حوالي 1190-1264)؛ وفي القرن السابع عشر كان هناك موسوعة يوهان هنريش آلستيد (1630) و "القاموس التاريخي الكبير" لمورتيري (1674). وكان "القاموس النقدي" لبيل (1697) أقرب إلى تجميع لحقائق مقلقة، ونظريات موحية، منه إلى الموسوعة، ولكن تأثيره على فكر أوربا المثقفة فاق تأثير أي مؤلف مماثل آخر قبل ديدور. وفي لندن نشر أفرايم تشيمبرز عام 1728، في مجلدين "موسوعة أو قاموساً عاماً للآداب والعلوم". وقد أسقط منه التاريخ، والتراجم، والجغرفيا، ولكنه بفضل نظام الإحالات أو الاسنادات



 صفحة رقم : 12342   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


الترافقية الذي ابتكره، وبغير ذلك من الوسائل، فتح الطريق الذي سلكته "موسوعة" ديدرو ودالامبير الخطيرة (1751 وما بعدها). وفي 1771 ظهرت في ثلاثة مجلدات الطبعة الأولى من "الموسوعة البريطانية"، أو قاموس الآداب والعلوم- من وضع بعض السادة في اسكتلندة، ومطبوعة في أدنبرة وبلغت طبعة ثانية منها (1778) عشرة مجلدات، وتقدمت على سابقتها باحتوائها التاريخ والتراجم. وهكذا اطرد نموها من طبعة لأخرى خلال مائتي عام. وما أكثر الذين تزودوا منا من هذا المحصول، وسطوا على تلك الذخيرة، غير مرة كل يوم". وما وافى عام 1789 حتى كانت الطبقات الوسطى في أوربا الغربية لا تقل ثقافة عن طبقتي الأشراف والأكليروس. لقد شقت الطباعة طريقها، تلك كانت الثورة الأساسية رغم كل ما يقال.



 صفحة رقم : 12343   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


2- إلهام الدراسات الكلاسيكية


كانت الدراسات الكلاسيكية تهبط في رفق من مكان القمة الذي تربعت عليه أيام جوليوس وجوزف سكاليجر، وكازوبون، وسالماسيوس، وبنتلي؛ ولكن نيكولا فريري واصل ما نهجوا عليه من تفان جدير بالعلماء، وما حققوه من نتائج بعيدة المدى. فقد قبل عضواً في الأكاديمية) الفرنسية الملكية للمأثورات والآداب البحتة وهو في السادسة والعشرين، وقرأ لها في ذلك العام (1714) بحثاً "في أصل الفرنجة" قلب الأسطورة الفخور التي زعمت أن الفرنجة رجال "أحرار" قدموا من اليونان أو طروادة، فقال إن الأصح أنهم كانوا همجاً من ألمان الجنوبيين. وأبلغ عنه الأبية فرتو الحكومة لأنه قذف في الملكية. فزج بالعالم الشاب في الباستيل فترة قصيرة، وبعدها قصر أبحاثه على بلاد غير فرنسا. ورسم 1,375 خريطة توضح الجغرافيا القديمة. وجمع البيانات المثيرة عن تاريخ العلوم والآداب الكلاسيكية، وعن أصول الأساطير اليونانية. وقد صححت مجلداته الثمانية عن التأريخ القديم (الكرونولوجيا) كتاب جوزف يوسطس سكاليجر الخطير، وأرسى التاريخ الصيني على أسس مقبولة في يومنا هذا، فكان هذا



 صفحة رقم : 12344   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


واحداً من مئات الوخزات العلمية التي أحدثت تقوياً في مفهوم الكتاب المقدس للتاريخ: ووجهت ضربة مماثلة للخرافات الكلاسيكية حين قرأ بوبي على الأكاديمية (1722) بحثاً يتشكك في رواية ليفي للتاريخ الروماني القديم. وكان لورنتسو فاللا قد ألمع إلى هذه الشكوك عن هذه النقطة حوالي عام 1440، وقد طورها فيكو عام 1721، ولكن بحث بوبي المستفيض سخف بشكل قاطع قصص رومولوس وريموس، والهوراشين، والكورياتيين، باعتبارها مجرد أساطير؛ ومهد الطريق لعمل بارتولد نيبور في القرن التاسع عشر. ولا تدخل الكتب التالية تماماً في النطاق الزمني لهذا الفصل، مع انتمائها إلى القرن الثامن عشر، وهي كتاب "ملاحظات تمهيدية عن هومر" (1795) الذي فكك فيه فريدرش فولف الشاعر هومر إلى مدرسة وأسرة كاملة من المنشدين؛ وطبعات رتشارد بورسن المدققة لأسخيلوس ويوربيديس، وكتاب يوزف ايكيل "نظرية المسكوكات" (1792-98) الذي أسس علم المسكوكات والمعادن. ولم يشعر عالم الدراسات الكلاسكية ثانية بنشوة إلهام كذلك الإلهام الذي جاءه من إنساني النهضة، إلا حين اكتشفت مدينة هركولانيوم. ففي 1738 كان عمال يضعون أساس بيت للصيد يبني لشارل الرابع ملك نابلي، فكشفوا بطريق الصدفة عن أطلال هركولانيوم، وفي 1748 أظهر فحص مبدئي بعض الأبنية المذهلة لمدينة يومبي التي طمرها هي أيضاً ثوران فيزوف في 79 م. وفي 1752 استنفذت المعابد الفخمة التي بناها المستعمرون اليونان في بيستوم في غياهب القرون المظلمة. وقد رسم الحفار الكبير بيرانيزي معابد بومبي وقصورها وتماثيلها التي أخرجتها الحفائر على محفورات وجدت النسخ المنقولة عنها إقبالاً من المشترين في كل أنحاء أوربا. وأسفرت هذه الكشوف عن إحياء حار لاهتمام القوم بالفن القديم، ودافع قوى للحركة الكلاسيكية الجديدة التي تزعمها فنكلمان، وإضافة هائلة للمعرفة الجديدة بأساليب الحياة القديمة. ويجب أن نقف هنا هنيهة للإقرار بدين العلم للرهبان الذين استخدموا



 صفحة رقم : 12345   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


مكتباتهم ومجموعات مخطوطاتهم للقيام بأبحاث وتصنيف سجلات كانت معينة جداً للفكر الحديث. من ذلك أن رهبان القديس مور البندكتيين واصلوا عكوفهم القديم على الدراسات التاريخية. وأنشأ دوم برنار دمونفوكون علم الباليوغرافيا (الكتابات القديمة) بكتابه "الباليوغرافيا اليونانية"(1708)، ووضح التاريخ القديم بالفن القديم في كتابه "العلم القديم مشروحاً وممثلا بالصور" (عشرة مجلدات، 1719-24) ووجه دراساته المدققة لوطنه في خمسة مجلدات من القطع الكبير "آثار المملكة الفرنسية" (1729-33). وبدأ دوم أنطوان ريفيه دلاجرانج في 1733 التاريخ البندكتي المسمى "التاريخ الأدبي لفرنسا" الذي أصبح السلف والمعين الذي استمدت منه جميع التواريخ اللاحقة للأدب الفرنسي القديم. وكان أعظم علماء القرن الثامن عشر البندكتيين هؤلاء هو دوم أوجستن كالميه، الذي التجأ فولتير إلى ديره نصية على جميع أسفار العهدين القديم والجديد" (1707-16)، بل سطا عليه أحياناً. ورغم ما في هذه المجلدات الأربعة والعشرين من مآخذ(18) فقد امتدحها القراء باعتبارها أثراً شامخاً للتفقه في العلم. وقد ألف كالميه عدة كتب أخرى في تفسير الكتاب المقدس، وحذا حذو بوسويه في تصنيف "تاريخ للعالم" (1735)، وأنفق كل ساعات يقظته تقريباً في الدرس والصلاة. ومرة سأل فولتير في جهل سعيد "من تكون مدام دبومبادور هذه؟"(19) ورفض منصب الأسقفية، وكتب قبريته التي قال فيها باللاتينية "هنا يرقد إنسان قرأ كثيراً، وكتب كثيراً، وصلى كثيراً فلعله أحسن عملا! آمين"(20). وشارك بعض العلمانيين الأجرياء في نقد الكتاب المقدس مثال ذلك الطبيب جان آستروك، الذي درس الأسفار الخمسة، التي افترض أن موسى كاتبها، في كتابه "استقراءات حول السجلات الأصلية التي يبدو أن موسى اقتنع بها في كتابة سفر التكوين"(1753)؛ هنا ذكر لأول مرة أن استعمال اسمين مختلفين لله، وهما يهوه وأيلوهيم، يشير إلى قصتين أصليتين للخليفة، ربط بينهما في سفر التكوين ربطاً واهياً متكرراً. وحاول آخرون من دارسي الكتاب المقدس أن يحبسوا تاريخ الخليفة من واقع



 صفحة رقم : 12346   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


الأسفار الموسوية الخمسة، فخلصوا إلى مائتي نتيجة مختلفة. وأزعج المستشرقون المؤمنين المحافظين بذكرهم التأريخ المصري (الكرونولوجيا) الذي زعم أنه يرجع إلى ثلاث عشر ألف سنة، والحسابات الصينية التي قدرت الذين يعتقدون أن العالم عمر 326,669 عصرا، يحتوي كل منها على قرون كثيرة(21). أما أجرأ وأخطر إسهام في دراسات الكتاب المقدس Biblcal Studies في القرن الثامن عشر فصاحبه أستاذا ألماني للغات الشرقية في أكاديمية هبورج، هو هرمان رايماروس. وقد ترك عند موته في 1768 مخطوطاً من أربعة آلاف صفحة عكف عليه عشرين عاماً، وعنوانه "دفاع عن عباد الله العقلانية". ولم يجرؤ أحد على نشره إلى أن نشر وعنوانه "دفاع عن عباد الله العقلانيين". ولم يجرؤ على نشره إلى أن نشر ليسنج (1774-78) سبع قطع مه وصفها بأنها "كسر من كتاب مجهول المؤلف وجد في فولفتبوتل" (حيث كان ليسنج أميناً للمكتبة). وهبت كل ألمانيا المثقفة تقريباً محتجة إلا فردريك الأكبر. لا بل أن يوهان زملر، العالم المتحرر، رمى ليسنج بالجنون لأنه احتضن مثل هذا النقد المدمر للمعتقدات السنية. ذلك أن رايماروس لم يكتف في الكسرة السابعة التي تناولت "هدف المسيح وتلاميذه" برفض معجزات المسيح وقيامته، بل صوره يهودياً شاباً، جاداً، لطيفاً مخدوعاً، ظل وفياً لليهودية إلى النهاية، وقبل معتقد بعض اليهود بأن العالم مشرف على الزوال، وأرسى مبادئه الأخلاقية على هذه المقدمة إعداداً للحدث. وذهب رايماروس إلى أن المسيح فسر عبارة "ملكوت السموات" بالمعنى المتعارف عليه بين قومه، وهو ملك آت لليهود المحررين من روما(22). وزعم أن صرخته اليائسة على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني" كانت اعترافاً بناسوته وبهزيمته. وبهذا المعنى لم يكن مفتتح المسيحية هو المسيح بل الرسل. ويقول ألبرت شقايتسر، المفسر العلامة لكتاب رايماروس، "ربما كان كتابه أروع إنجاز في كل مسار البحث التاريخي في حياة المسيح، لأنه أول



 صفحة رقم : 12347   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


من أدرك أن حياة الفكر التي تحرك المسيح كانت في صميمها أخروية (eschatatological) "- أي مبنية على نظرية نهاية وشيكة للعلم"(23). ومن دراسة الآثار اليهودية انتقل العلماء في حذر إلى شعوب الشرق التي رفضت المسيح أو لم تسمح باسمه قط. فترجمة جالان الفرنسية لألف ليلة بورينيه "تاريخ الفلسفة الوثنية" (1724)، وكتاب بولانفلييه "حية محمد" (1730)، وترجمة سيل الإنجليزية للقرآن-هذه كلها أظهرت الإسلام، لا عالماً من الهمجية، بل ساحة لعقيدة منافسة قوية، ولنظام خلقي بدا موفقاً رغم تسامحه مع فطرة تعدد الزوجات في جنس الرجال. وفتح إبراهام هياسنت آنكتيل-دوبرون ميداناً ى خر بترجمته أسفار البرت المقدسة. وقد جذبته إليها قراءته مختارات من الزند أفستا في مكتبة بباريس، فعدل عن تحضيره للقسوسية، واعتزم أن يرتاد كتب الشرق المقدسة في أصولها. ولما كان أفقر من أن يدفع نفقات الرحلة، فقد انخرط وهو في الثالثة والعشرين (1754) في سلك الحملة الفرنسية إلى الهند. وما أن وصل إلى بوندتشيري حتى تعلم قراءة الفارسية الحديثة، وفي شاندرناجور درس السنسكريتية، وفي صورات أقنع كاهناً برتيا بأن يعلمه البهلوية والزندية. وفي 1762 عاد إلى باريس ومعه 180 مخطوطاً شرقياً عكف على ترجمتها؛ وكان خلال ذلك يعيش على الخبز والجبن والماء، ويتجنب الزواج لأنه ترف لا طاقة له به. وفي 1771 نشر ترجمته الفرنسية للزند-أفستا، وشذرات من كتب أخرى للبرت، وفي 1804 أصدر "الأوبانيشادات". وقد شارك الوعي بالديانات والنواميس الأخلاقية غير المسيحية، ببطئ، في تقويض دجماطيقية العقائد الأوربية. وكان أبعد هذه الإلهامات العرقية أثراً إماطة المرسلين والرحالة والعلماء الأوربيين اللثام عن تاريخ الصين وفلسفتها. وكانت البداية هي عودة ماركو بولو إلى البندقية في 1295؛ وعززتها الترجمات الفرنسية والإنجليزية (1588) لكتاب الأب اليسوعي خوانذاليس دي مندوزا "تاريخ الصين" (لشبونة 1584)، وترجمة هاكلويت الإنجليزية، في كتابه



 صفحة رقم : 12348   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


"رحلات" (1589-1600)، لمقال لاتيني "عن مملكة الصين" (مكاو، 1590). وظهر الأثر الجديد في مقال مونتيني" في التجربة (1591) حيث يقول "الصين، التي تفضل حكومتها وآدابها وفنونها نظائرها عندنا في كثير من مواطن التفوق، دون أي علم منها بنظمنا."(24) وفي 1615 نشر الأب اليسوعي نيكولاس تريجوت وصفه للبعثة المسيحية إلى الصين، وسرعان ما ترجم إلى الفرنسية، وإلى الإنجليزية في "حجاج برتشاش"(1625). وقد امتدح تويجوت وغيره النظام الصيني الذي قضى باشتراط التعليم المتخصص المفصل لتولي المناصب العامة، وبالسماح لجميع الطبقات من السكان الذكور بالامتحان للوظائف، وبإخضاع كل الهيئات الحكومية للتفتيش الدوري. ونشر يسوعي آخر هو أثناسيوس كيرشر، العلامة المدهش المتعدد المعارف، في عام 1670، موسوعة بمعنى الكلمة اسماها "الصين المصورة" امتدح فيها الحكومة الصينية لأن على رأسها ملوكاً -فلاسفة(25). وأثنى اليسوعيون ثناء مستطاباً على ديانة الصين وفلسفتها. فقال تريجوت إن الصينيين المتعلمين يتصورون الله روح العالم، والعالم جسده؛ وكان في وسع سبينوزا، الذي قال بمثل هذا الرأي، أن يقرأ هذه الفكرة في كتاب نشر بأمستردام في 1649، يقتنيه في مكتبته فرانز فان دن إندن، الأستاذ الذي علمه اللاتينية(26)؛ وفي 1622 نشر اليسوعيون ترجمة لاتينية لكونفوشيوس "حكمة الصين" وفي خلاصة أخرى سموها "الفيلسوف الصيني كونفوشيوس"(1687) وصفوا النظام الأخلاقي الكونفوشي بأنه "أرقى فضيلة علمت للناس، فضيلة يجوز القول بأنها منبثقة من مدرسة المسيح"(27). وقد كتب الأب اليسوعي لوي لكونت في "مذكراته عن الصين"(1696) أن الشعب الصيني "حفظ معرفة الإله الحق مدى ألفي عام" وأنه "مارس أنقى ناموس للفضيلة في الوقت الذي كانت فيه أوربا لا تزال متردية في حماة الخطيئة والفساد"(28) وقد شجبت السوربون هذا الكتاب. وفي 1697 نشر ليبنتز الحذر سياسياً، المتيقظ لكل هبة نسيم في جو الفكر، كتابه "آخر الأنباء من الصين". وقد قدم فيه أوربا على الصين في العلوم والفلسفة، ولكن:



 صفحة رقم : 12349   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


"من كان يعتقد هناك شعباً يبزنا فيما يتبعه من مبادئ الحياة المدنية؟ فهذا الذي نراه في حالة الصينيين... في الخلاق والسياسة. فمحال أن نصف الجمال الذي وجهت به كل الأشياء في قوانين الصينيين لتحقيق الطمأنينة والسلام أكثر من توجيهها في قوانين الشعوب الأخرى...ويخيل إلى أن الوضع في شئوننا قد بلغ من السوء-بسبب انتشار الفساد بيننا بغير حدود-مبلغاً يكاد يكون فيه من الضروري أن يبعث إلينا مرسلون صينيون ليعلمونا فائدة الدين الطبيعي وممارسته، تماماً كما نبعث إليهم بالمرسلين ليعلموهم الدين السماوي. لذلك أعتقد أنه لو اختير حكيم ليصدر حكمه... في فوق الشعوب، لأعطى قصب السبق للشعب الصيني -اللهم إلا في تمايزنا عليه بشيء سام واحد ولكه فوق الطبيعة البشرية، وأعني به العطية إلهية التي وهبناها، وهي الدين المسيحي."(29) وحث ليبنتز أكديمات أوربا على جمع المعلومات عن الصين، وساعد في إقناع الحكومة الفرنسية بإرسال العلماء اليسوعيين الأكفاء للانضمام إلى البعثة في الصين وتقديم التقارير الواقعية. وفي 1732 لخص جان باتيست دوهالد هذه التقارير من المعلومات في كتابه "وصف... إمبراطورية الصين"، وبعد عام ترجم الكتاب إلى الإنجليزية، فكان له في فرنسا وإنجلترا تأثير بعيد المدى. وكان دوهالد أول من أذاع شهرة الفيلسوف الصيني مينسيوس في أوربا. وما انتصف القرن الثامن عشر حتى كان كتاب بوسويه في "تاريخ العالم" قد غص من قدرة ذلك الكشف عن حضارات قديمة، واسعة، مستنيرة، كاد تاريخه "العالمي" يغفلها تماماً، وأصبح الطريق ممهداً لمنظور فولتير الأوسع عن قصة الحضارة. وظهرت نتائج هذه المبالغات الحماسية في التقاليد والفنون والعادات والآداب والفلسفة الأوربية. ففي 1739 نشر المركيز دارجنس سلسلة من "الرسائل الصينية" بقلم صيني وهمي، انتقد فيها النظم والعادات الأوربية، وفي 1757 أضحك هوراس ولبول إنجلترا بكتابه "رسالة من الفيلسوف الصيني كسوهو"، وفي 1760 لجأ جولدسمث إلى نفس الحيلة في كتابه "مواطن العالم". وحين كان الإمبراطور جوزيف الثاني يحرث بنفسه قطعة



 صفحة رقم : 12350   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


أرض كان يقلد عادة اتبعها الأباطرة الصينيون(30). وحين كانت سيدات باريس الراقيات يفتحن شماسيهن اتقاء الشمس، كن يعرضن بدعة جميلة أدخلها اليسوعيون إلى فرنسا من الصين(31)، وفي أخريات القرن الثامن عشر تطورت الشمسية pavasol إلى المطرية umbrella. وكان الخزف الصيني والاكيه الياباني قد أصبح في القرن السابع عشر مقتنيات غالية من البيوت الأوربية، واستهوى خيال الإنجليز حوالي عام 1700 ورق الجدران الصيني الذي تؤلف وحداته الصغيرة الموضوعة في مكانها الصحيح رسماً كبيراً واحداً. ودخل الأثاث الصيني البيوت الإنجليزية حوالي عام 1750. وطوال القرن الثامن عشر كان الولع بالصينيات Chinoisees وهي الأدوات الصينية الصنع أو الطراز - يميز الزخرفة الإنجليزية والفرنسية، وسرى إلى إيطاليا وألمانيا، واختلط بحلية الروكوك، واستبدت بدعته بالناس استبداداً حمل الكثير من النقاد على أن يهبوا لتحدى طغيانه. وأصبح الحرير الصيني رمزاً لعلو المكانة الاجتماعية، وانتشرت الحدائق الصينية في غرب أوربا، وأحرقت الألعاب النارية الصينية أباهم الأوربيين(32). وكانت "توراندوت" التي ألفها جوزي "فنتازيا" صينية. وظهر نيف وعشر مسرحيات بخلفية صينية على المسرح الإنجليزي، وطور فولتير مسرحيته "يتيم صيني" من دراما صينية في المجلد الثالث من كتاب دوهالد(33). وكان التأثير الصيني في الفكر الغربي على أشده في فرنسا، حيث تلقفه أحرار الفكر سلاحاً آخر يشهرونه على المسيحية. وأبهجهم أن يجدوا أن كونفوشوس كان رجلاً حر التفكير لا يسوعياً مرحل عن وطنه. وصرحوا بأن نظام كونفوشوس الخلقي أثبت أن الناموس الخلقي الذي لا يعتمد على دين سماوي شئ ممكن عملياً(34). لاحظ بيل (1685) أن إمبراطوراً صينياً كان يمنح المرسلين الكاثوليك حرية العمل في الوقت الذي يفرض فيه لويس الرابع عشر، بعد إلغائه مرسوم نانت المتسامح الذي أصدره هنري الرابع، الامتثال لمذهب الدولة، مستعينا على ذلك بالعنف الهمجي الذي استعملته خيالاته في احتلالها بيوت الهيجونوت. وقد أخطأ بيل في تفسير عقيدة الكونفوشوسين فحسبهم ملحدين، ومن ثم استشهد بهم لدحض الحجة المستمدة من الإجماع العالمي على وجود الله(35). أما مونتسكيو



 صفحة رقم : 12351   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


فلم يستسلم للمد الشرقي، ووصف الأباطرة الصينيين بأنهم حكام مستبدون، وندد بالتجار الصينيين غير الأمناء، وفضح فقر الجماهير الصينية، وتنبأ بما سيسفر عنه تكاثر السكان في الصين من عواقب وخيمة(36). وحاول كزينيه الرد على مونتسكيو في كتابه "حكم الصين الاستبدادي" (1767)، فأثنى علة هذا الحكم لأنه "استبداد مستنير" واستشهد بنماذج صينية على إصلاحات لازمة في الاقتصاد والحكم الفرنسي. أما طرجو، المرتاب في مثالية الصين، فقد كلف كاهنين كاثوليكيين صينيين في فرنسا بأن يذهبا إلى الصين ويحاول الحصول على إجابات حقيقية عن اثنين وخمسين سؤالا، وقد شجع تقديرهما على تقييم أكثر واقعية لما في الحياة الصينية من خير وشر(37). وقد قرأ فولتير عن الصين في إفاضة وشغف. وخص لحضارة الصينية بالفصول الثلاثة الأولى في "المقالة عن العرف"، ووصف الصين في قاموسه الفلسفي بأنها "أروع ممالك الأرض، وأقدمها، وأوسعها، وأحفلها بالسكان، وأحسنها تنظيما"(38). وقد أسهم إعجابه بالحكومة الصينية في ميله إلى الاعتقاد بأن خير أمل في الإصلاح الاجتماعي معقود على "الاستبداد المستنير"، الذي عنى به الملكية المستنيرة. وكان كالعديد من الفرنسيين، وكالفيلسوف الألماني فولف، على استعداد لسلك كونفوشيوس في زمرة القديسيين، لأنه "علم الشعب مبادئ الفضيلة قبل تأسيس المسيحية بخمسمائة سنة"(39). وذهب فولتير، وهو الذي عرف عنه أدب السلوك، إلى أن ما تحلى به الصينيون من ذوق وضبط للنفس، ومسالمة هادئة، مثال ينبغي أن يقتدي به مواطنوه السريعوا الانفعال(40)، وربما أن يقتدي به هو نفسه. فلما ترجمت إلى الفرنسية قصيدتان من نظم تشين لونج (حكم 1736-96) إمبراطور الصين في تلك الفترة، استجاب فولتير لهما شعراً. فأهداه الإمبراطور زهرية من الخزف الصيني. وكان علم الأوربيين بالأديان والأنظمة الأجنبية عاملا قوياً في إضعاف اللاهوت المسيحي. وأفضت الأنباء الواردة من فارس، والهند، ومصر، والصين، وأمريكا، إلى سلسلة لا آخر لها من الأسئلة المربكة. فتساءل



 صفحة رقم : 12352   



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


مونتسكيو مثلا كيف يتأتى للمرء أن يختار الدين الحق من بين ألفي دين مختلفة(41)؟ وتساءل عشرات غيره كيف أمكن خلق العالم سنة 4004 ق.م، في حين أن الصين كان لها حضارة راقية سنة 4000 ق.م؟ ولم تحتفظ الصين بسجل أو تقليد متوارث لطوفان نوح الذي تقول التوارة- إنه أغرق الأرض كلها؟ ولم خص الله بوحيه الكتابي أمة صغيرة في غرب آسيا إن كان قد قصد به البشرية كلها؟ وكيف يستطيع إنسان أن يصدق بأنه لا خلاص بعيداً عن الكنيسة؟- فهل كل تلك الملايين التي عاشت في الهند، والصين، واليابان، تصلى الآن نار جهنم؟ وطافح اللاهوتيون للإجابة عن هذه الأسئلة وأشباهها بتلال شروخ يوماً بعد اليوم، في الغالب نتيجة لتقارير البعثات الدينية، ولاح أحياناً أن اليسوعيين في الصين قد اعتنقوا الكونفوشيوسية بدلا من أن يهدوا الصينيين إلى المسيح. وألم يكن العلم الذي جاء به هؤلاء اليسوعيون المثقفون، لا اللاهوت الذي علموه، هو صاحب الفضل في كسبهم الكثير جداً من الأصدقاء من بين الصينيين؟