قصة الحضارة - ول ديورانت - م 8 ك 1 ف 3

صفحة رقم : 10560

قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> فرنسا في أوج عظمتها -> الملك والفنون -> تنظيم الفنون

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالِث: الملك والفنون 1643 - 1715

تنظيم الفنون

لم يشهد التاريخ من قبل ولا من بعد، ربما باستثناء عهد بركليس، حكومة شجعت الفن، أو غذته، أو هيمنت عليه، كما فعلت حكومة لويس الرابع عشر.

كان ذوق ريشليو الرفيع ومشترياته المختارة بحكمة قد أعانت الفن الفرنسي على أن يفيق من الحروب الدينية. وفي عهد وصاية آن النمساوية كان جماعوا التحف الأهليون-من الأشراف ورجال المال-قد بدأوا يتنافسون في جمع أثار الفن. فاقتنى ببير كروزا المصرفي مائة صورة بريشة تيشان. ومائة أخرى بريشة فيرنوزي، ومائتين بريشة روبنز، وأكثر من مائة فانديك. أما فوكيه فقد جمع قصر فو كما رأينا صوراً وتماثيل، وتحفاً فنية أقل شأناً، وكان في جمعه من التمييز أكثر مما كان فيه من الحكمة والحذر. وورث لويس مقتنياته بعد أن أجهز عليه، وما لبث العديد من المجموعات الخاصة الأخرى أن جمع في اللوفر أو فرساي. وكان مازاران قد آثر وضع شطر من ثروته في الفن دون النقود تجنباً لهبوط قيمة العملة. وقد أسهم ذوقه الإيطالي الرفيع في تكوين انحياز الملك إلى الفن الكلاسيكي. وأغلب الظن أنه هو الذي علم لويس الرابع عشر أن مما يعزز مجد الحاكم أن يجمع الفن ويعرضه ويحتضنه. وقد هيأت هذه المجموعات المثل الحافزة والقواعد الموطدة لتعليم الفن وتطويره في فرنسا.

وكانت الخطوة التالية هي تنظيم الفنانين. وهنا أيضاً كان مازاران سباقاً. ففي 1648 أسس أكاديمية التصوير والنحت، وفي 1655 أصدر الملك مرسوماً بهذه الأكاديمية فأصبحت الأولى في سلسلة من الأكاديميات التي قصد بها تدريب الفنانين وتوجيههم إلى خدمة الدولة وتجميلها. والتقط كولبير الخيط حيث تركه مازاران، وبلغ بهذه المركزية للفن الفرنسي القمة. وكان يتطلع إلى "جعل الفنون تزدهر في فرنسا أكثر من ازدهارها في أي بلد آخر(1)" رغم أنه لم يدع لنفسه ملكة الحكم في أمور الفن. وبدأ بأن اشترى للملك مصنع جوبلان للنسيج المرسوم (1662) وفي 1664 حصل على منصف المشرف على العمائر، فأتاح له هذا المنصب هيمنة على المعمار والفنون الملحقة به. وفي ذلك العام أعاد تنظيم أكاديمية التصوير والنحت، وسماها الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة. وكان هنري الرابع قد أسكن اللوفر طائفة من مهرة الصناع بيزينوا القصور الملكية. فجعل كولبير من هؤلاء الرجال نواة للمصنع الملكي لأثاث التاج (1667). وفي 1671 أنشأ الأكاديمية الملكية للعمارة، حيث أغرى الفنانون بالبناء والزخرفة بـ"الذوق الرفيع" الذي يحبذه الملك. وفي هذه الجماعات كلها وضع مهرة الصناع تحت إشراف الفنانين، وهؤلاء تحت إرشاد سياسة وطراز موحدين.

ورغبة في دعم الاتجاه الكلاسيكي الذي تلقاه الفن الفرنسي إبان عهد فرنسوا الأول، وتنقيته من التأثيرات الفلمنكية، أنشأ كولبير وشارل لبرون أكاديمية فرنسا الملكية في روما (1666). وكان الطلاب الحائزون على جائزة روما في أكاديمية باريس يبعثون إلى إيطاليا ويعالون خمس سنين على حساب الحكومة الفرنسية. وفرض عليهم أن يستيقظوا في الخامسة صباحاً ويمضوا إلى الفراش في العاشرة مساءاً. وقد دربوا على نسخ النماذج الكلاسيكية ونماذج النهضة ومحاكاتها، وكان ينتظر من كل من هم أن ينتج "رائعة" (بالمعنى المصطلح عليه في نظام الطوائف) مرة كل ثلاثة أشهر، فإذا عادوا إلى فرنسا كان للدولة الحق المقدم في خدماتهم.

وكانت ثمرة هذه الرعاية والتأمين للفن إنتاجاً رائعاً ضخماً للقصور، والكنائس، والتماثيل، والصور، وقطع النسيج المرسوم، والخزف، والمداليات، والمحفورات، والنقود، وكلها مطبوع بكبرياء "الملك الشمس" وذوقه، وبقسمات وجهه أحياناً كثيرة. ولم يكن هذا إخضاع الفن الفرنسي لروما كما شكا البعض، بل إخضاع فن روما للويس الرابع عشر. وقد استهدف الأسلوب أن يكون كلاسيكياً، لأن ذلك الأسلوب يتفق وعظمة الدول وجلال الملوك. وتدفقت الأموال الفرنسية إلى إيطاليا بأمر كولبير لشراء آثار الفن الكلاسيكي أو فن النهضة، وبذل كل شيء لنقل مجد الأباطرة الرومان إلى ملك فرنسا وعاصمتها، وكانت النتيجة مذهلة للعالم.

وأصبح لويس الرابع عشر أعظم رعاة الفن الذين عرفهم التاريخ. فقد "بذل للفنون من التشجيع قدراً أعظم من جميع نظرائه من الملوك مجتمعين" (في رأي فولتير)(2). وكان بالطبع أسخى جماعي الفنون، فزاد عدد الصور في قاعاته من مائتين إلى ألفين وخمسمائة، وكان كثير منها من إنتاج فنانين فرنسيين كلفهم الملك برسمها. واشترى الكثير جداً من المنحوتات الكلاسيكية وتماثيل عصر النهضة، حتى لقد خشيت إيطاليا أن تنزح آثارها الفنية، وحظر البابا المزيد من تصدير هذه الآثار. واستخدم لويس رجالاً موهوبين مثل جيراردون أو كوازيفوكس لنقل نسخ من التماثيل التي لم يستطع شراءها، وقل أن نافست نسخ أصولها كما نافستها هذه النسخ. وملئت قصور باريس وفرساي ومارلي وحدائقها وبساتينها بالتماثيل، وكان أوثق سبيل إلأى قلب الملك إهداؤه أثراً ذا جمال غير منازع أو شهرة راسخة. مثال ذلك أن مدينة آرل أهدته تمثالها الشهير "فينوس" في 1683. ولم يكن لويس بالرجل الشحيح. وقد قدر فولتير أنه كان يشتري في كل عام من آثار الفنانين الفرنسيين ما قيمته 800.000 جنيه ويهديها للمدن والمؤسسات والأصدقاء(3) بهدف مساعدة الفنانين وبث ملكة الجمال والإحساس الفني في الوقت نفسه. وكان ذوق الملك سليماً أسدى إلى الفن الفرنسي أيادي بيضاء، ولكنه كان كلاسيكياً إلى حد ضيق. فحين أروه بعض الصور التي رسمها تنييه الابن قال آمراً "ابعدوا عني هذه الأشياء البشعة"(4) وقد ارتقى الفنانون بفضل رعايته كثيراً، سواء في أرباحهم أو مكانتهم الاجتماعية. وقد ضرب المثل بتكريمه إياهم شخصياً، وحين شكا البعض من ألقاب الشرف التي خلعها على المصور لبرون والمعماري جول-آردوان-مانسار أجاب في شيء من الحدة "في وسعي أن أصنع عشرين دوقاً أو نبيلاً في ربع ساعة، ولكن صنع فنان كمانسار يقتضي قروناً"(5). وبلغ راتب مانسار 80.000 جنيه في العام، أما لبرون فكان يتقلب في نعيم قصوره بباريس وفرساي ومونمورنسي. وتقاضى لاجلبير وريجو ستمائة جنيه أجراً عن كل لوحة. "ولم يترك فنان كفء في عوز"(6).

وقلدت الأقاليم العاصمة في تكريم الفن وإثابته، واقتدى النبلاء بمليكهم. فطورت المد ن مدارس فنية خاصة بها-في روان، وبوفيه، وبلوا، وأورليان، وتور، وليون، وإكس-أن-بروفانس، وتو لوز، وبوردو وواصل النبلاء دورهم رعاة للفن وإن تقلص لأن الدولة استوعبت المواهب المتاحة، وأسهم الذوق المدرب الذي نشئت عليه أرقى أرستقراطية في أوربا في توطيد الطراز الرفيع الذي اتسمت به منتجات الفن في عهد لويس الرابع عشر. واكتسب الرجال والنساء الذين ولدوا في نعيم الامتيازات والثراء وشبوا على العادات المهذبة وسط محيط جميل وأشياء بديعة-نقول إنهم اكتسبوا معايير وأذواقاً ممن يكبرونهم سناً كما اكتسبوها من بيئتهم، وكان على الفنانين أن يلبوا مطالب تلك المعايير ويشبعوا تلك الأذواق. ولما كان الاعتدال، وضبط النفس، والتعبير الأنيق، والحركة الرشيقة، والشكل المصقول، لما كانت هذه كلها مثل الأرستقراطية الفرنسية في هذا العهد، فقد تطلبت هذه الصفات في الفن، وحبذ النظام الاجتماعي الطراز الكلاسيكي. وأفاد الفن من هذه المؤثرات والهيمنات، ولكنه دفع ثمنها. ذلك أنه فقد اتصاله بأفراد الشعب، ولم يستطع أن يعبر عنهم كما استطاع الفن الهولندي والفلمنكي أن يعبر عن الأراضي المنخفضة، وأصبح الفن صوت طبقة، وصوت الدولة والملك، لا صوت الأمة. فأنت لا تجد في فن هذه الحقبة الكثير من دفء الوجدان أو عمقه، ولا تجد ألوان روبنز الفنية وأجساده المكتنزة، ولا تجد الظلال العميقة التي تلف حاخامات رمبرانت وقديسيه ومالييه، ولا ترى فلاحين ولا عمالاً، ولا متسولين، بل السعادة الجميلة ترتع فيها صفوة البشر.

وأبهج كولبير ومولاه أن يجدا في شارل لبرون رجلاً يستطيع أن يكون في وقت واحد خادماً غيوراً للحكومة وقاضياً متسلطاً في هذا الطراز الكلاسيكي، ففي 1666 عين لبرون بتوصية كولبير كبيراً لمصوري الملك ومديراً لأكاديمية الفنون الجميلة، وبعد عام عهد إليه بمصنع جوبلان، ووكل بالإشراف على تعليم الفنانين وتشغيلهم لينمي في أعماله تناسقاً في الأسلوب مميزاً للعهد وممثلاً له. وبمعاونة مساعدين على شاكلته في التفكير أنشأ لبرون في الأكاديمية نظام "المحاضرات" (1667) التي غرست بفضلها أصول الأسلوب الكلاسيكي بتعاليم وأمثلة وسلطان. واختير رفائيل من بين الفنانين الإيطاليين، وبوسان من بين الفنانين الفرنسيين، نموذجين مفضلين على غيرهما، وكانت كل لوحة يحكم عليها بمعايير مستقاة من فنها. وقد صاغ لبرون وسباستيان بوردون هذه القواعد، فرفعا الخط فوق اللون، والانضباط فوق الأصالة، والنظام فوق الحرية، ولم تعد مهمة الفنان أن ينقل الطبيعة بل أن يجملها، ولا أن يعكس فوضاها وعيوبها وبشاعتها كما يعكس جمالها العارض، بل أن ينتقي من بين سماتها تلك التي تتيح للنفس الإنسانية الإفصاح عن أعمق مشاعرها وأرفع مثلها. وكان على المعماريين والمصورين والنحاتين والخزافين وصناع المشغولات الخشبية والمعدنية والزجاجية والنقاشين، أن ينطقوا في صوت متناسق واحد بتطلعات فرنسا وبعظمة الملك.


العمارة

على أن هؤلاء الفنانين الفرنسيين "المنطليين" كانوا قد عادوا من روما وقد اكتسبوا طلاءً "باروكياً" على غير وعي منهم. وقد وصفنا من قبل ذلك الطراز-طراز الباروك-الذي عم الآن وانتشر. وخلاصته أنه يحل محل البساطة الهادئة التي تميزت بها الأشكال الكرسيكية إسرافاً في الوجدان والزخرف، بينما نرى المثل الكلاسيكي-وعلى الأخص الهلنستي-قد حوكي في نحت هذا "القرن العظيم" وتصويره وأدبه، نجد العمارة والزخرفة قد أخذتا عن الطرز الأنيقة المنمقة التي عقد لها لواء النصر في إيطاليا بعد وفاة ميكل أنجيلو (1564). فلقد استهدف بناءو الملك الطراز الكلاسيكي، ولكنهم حققوا الباروكي-الباروكي الكامل في فرساي، ومزيجاً موفقاً من الباروكي والكلاسيكي في واجهات اللوفر.

أما أول الروائع المعمارية في هذا العهد فهي كنيسة فال-دجراس بباريس. وكانت آن النمساوية قد نذرت نذراً ببناء معبد جميل إذا وهبها الله ولويس الثالث عشر غلاماً. فلما أتاحت لها وصايتها على العرش المال كلفت فرنسوا مانسار بوضع تصميمات الكنيسة. وأرسى لويس الرابع عشر الحجر الأول في 1645 وكان يومها في السابعة. ونفذ تصميم مانسار على يد لومر سييه بالطراز الكلاسيكي، وتوج بقبة مازالت محط إعجاب المعماريين. وشيد لبرال كنيسة سان-لوي-ديزا نفاليد (1670) لقدامى المحاربين الذين يأويهم الأوتيل ديزثفاليد. وفي 1676 كلف لوفوا المعماري جول اردوان مانسار (حفيد أخي فرنسوا مانسار) بأن يكمل الكنيسة بخورس وقبة. والقبة في جمالها الرشيق رائعة العهد المعمارية. وقد حقق أردوان مانسار انتصاراً آخر في تصميم الكنيسة الملحقة بفرساي (1699). وقد أكمل عمله هنا في الأنفاليد صهره روبير دكوت زخرفة مترفة، وهو الذي أقام كذلك الأوتيل دفيل في ليون، ودير سان دني، وواجهة سان-روش. وحلتا العمارة الملكية محل العمارة الكنسية حين تفوقت الدولة على الكنيسة ثراءً ومكانةً، فأصبحت المشكلة الآن هي التعبير عن القوة لا عن الورع. وكان للوفر في تلبية هذه الحاجة ميزة تميز بها على غيره من العمائر، هي ما أحاط به من تقاليد موروثة. فقد شهد نموه أجيال كثيرة، وترك ملوك كثيرون بصماتهم على تاريخه. فشيد لومرسييه الواجهة الغربية للجناح الرئيسي بتكليف من مازاران، وبدأ الجناح الشمالي على طول شارع ريفولي الحالي. وأتم هذا الجناح خلفه لوفو، وأعاد بناء واجهة الجناح الجنوبي (المواجه لنهر السين)، وأرسى أساسات الجناح الشرقي. في هذه الفترة الهامة أصبح كولبير المشرف على العمائر. وإذ رفض تصميمات فو للجناح الشرقي، فقد فكر في مشروع مد اللوفر غرباً لتلتقي بالتويلري في قصر واحد. فأذاع على معماريي فرنسا وإيطاليا مسابقة في تصميم واجهة جديدة. ورغبة في منه في الحصول على أفضل التصميمات، وأقنع الملك بأن يرسل دعوة خاصة إلى جوفاني لورنتزو برنيني (1665) وهو يومها أمير الفنانين الأوربيين غير منازع، ليأتي إلى باريس على نفقة الملك ويقدم تصميمه. وأتى برنيني بأبهته الكبرى، وأغضب الفنانين الفرنسيين باحتقاره لعملهم، ووضع تصميماً ضخماً باهظ التكلفة يقتضي هدم مل اللوفر القائم تقريباً. ووجد كولبير قي التصميم عيوباً تتصل بأنابيب المياه وغيرها من مرافق المعيشة، واستشاط برنيني غضباً وقال إن "المسيو كولبير يعاملني كأنني غلام صغير، بكل لغوه عن المراحيض والقنوات السفلية(7)" وأمكن الوصول إلى حل وسط. فقد وضع الملك الحجر الأساسي لتصميم برنيني، وبعد أن أقام الفنان ستة أشهر في باريس رد إلى إيطاليا محملاً بالمال وأسباب التشريف، وقد حاول أن يرد على هذا بتمثال نصفي للويس الرابع عشر يقوم الآن بفرساي، وبتمثال للويس راكباً جواده في "جاليريا بورجيزي" بروما أما تصميمه للوفر فتخلى عنه، واحتفظ بالمبنى القائم وكوفئ شارل بيرو بتكليفه ببناء الواجهة الشرقية. وارتفع صف أعمدة اللوفر الشهير، الذي أثارت عيوبه الواضحة سيلاً من النقد(8)، ولكننا نتقبله الآن على أنه من أعظم واجهات العمائر في العالم.

وكان كولبير يؤمل أن ينتقل الملك من مسكنه الضيق إلى في سان-جيرمان إلى اللوفر بعد تجديده. ولكن لويس لو ينس كيف أكره هو وأمه على الفرار من الجماهير الباريسية خلال حرب الفروند. وكان رأيه في صوت الشعب أنه صوت العنف، فلم يشأ أن يعرض نفسه لمثل هذه الكوابح لحكمه المطلق. وعليه قرر أن يبني فرساي، وروع القرار كولبير. وكان لويس الثالث عشر قد شيد استراحة متواضعة للصيد في 1624. ورأى أندريه لنوتر في منحدر هذا الموضع الذي كان يرتفع في رفق، وفي أحراجه الغنية، فرصة مغرية للتفنن في تنسيق الحدائق. ففي 1662 قدم لويس الرابع عشر تصميماً عاماً للمنطقة، وإذا كانت المباني اليوم منخفضة عن المروج والبحيرة؛ وعن الأزهار والشجيرات ومختلف الأشجار، فلعل هذا هو الوضع الذي تصورها عليه لنوتر. فهو لم يقصد بالقصر أن يكون آية من آيات المعمار بقدر ما يكون دعوة إلى الحياة خارجه بين أحضان طبيعة روضها الفن وجملها، دعوة لتنشيق عبير الزهر والشجر، ولإشباع العين واللمسة المتخيلة من الأجساد الكلاسيكية النحت، ولمطاردة الفرائس والنساء في الغابات، للرقص وتناول الطعام على العشب، ولركوب الزوارق على القناة والبحيرة، وللاستماع إلى لولي ومليير تحت القبة الزرقاء. فهاهنا جنة من جنان الآلهة، بنيت بدراهم عشرين مليوناً من الفرنسيين لن يروها إلا لماماً، ولكنهم يعتزون بعز مليكهم. ومما يسر أن نعرف أن بستان فرساي كان مفتوحاً للشعب إلا في المناسبات الملكية.

وكان فن إنشاء الحدائق المنسقة البهية وافداً من إيطاليا ككثرة غيره من الفنون، وقد جلب معه عشرات الحيل والمفاجآت، كالتعاريش، والشعريات، والمغارات، والكهوف، والأشكال الغريبة (الجروتسك)، والأحجار الملونة، وبيوت الطير، والتماثيل، والزهريات، والغدران، والنوافير، والميازيب، وحتى الأرغن تعزف إلى جوار الماء الجاري. وكان لنوتر قد صمم من قبل حدائق نو لوفوكيه، وبعد قليل سيصمم حدائق التويلري للملكة، وحدائق سان كلو لمدام هنرنيتا، وحدائق شاتسي لكونيه الكبير. وأطلق وليس يده في فرساي من 1662 فصاعداً، وروعت كولبير التكاليف التي أنفقت على تحويل برية شعثاء إلى فراديس غناء. وتعلق قلب الملك بلنوتر الذي لم يأبه للمال بال للجمال فقط، والذي كان فناناً صادقاً لا غش فيه(9). لقد كان في مثابة "بوالو" الحدائق، المصمم على أن يغير "فوضى" الطبيعة إلى نظام وتناسق وشكل معقول مفهوم. ولعله كان مسرفاً في إصراره على الكلاسيكية، ولكن الحدائق التي أبدعها ما زالت بعد ثلاثمائة سنة كعبة يؤمها البشر فيما يؤمون.

كان لويس لا يزال يحسد فوكيه، فأتى بلوفو معماري قصر فو ليوسع استراحة الصيد ويجعل منها قصراً ملكياً. وتسلم جول أردوان مانسار إدارة المشروع في 1670. وبدأ تشييد غرف السكن والقاعات وغرف الاستقبال وصالات الرقص وحجرات الدراسة والمكاتب الإدارية-كل هذه الأبنية الشاسعة التي نشهدها اليوم في فرساي. وما وافى عام 1685 حتى كان يكدح في المشروع 36.000 رجل و 6.000 حصان في نوبات بالليل والنهار. وكان كولبير منذ زمن طوبل قد حذر الملك من أن معماراً كهذا، مضافاً إلى الحرب يخوضها بعد الحرب، سينتهي بإفلاس الخزانة، ولكن في 1679 بنى لويس قصراً آخر في مارلي، ملاذاً يلجأ إليه من زحام فرساي، وفي 1687 أضاف الجران تريانون ليكون خلوة لمدام دمانتنون. وأمر جيشاً من الرجال فيهم الكثير من الجنود النظاميين بتحويل نهر أور ونقل مياهه خلال تسعين ميلاً من "قناة مانتنون" لتزويد بحيرات فرساي ونهيراته ونافورته وحماماته، وفي 1688 هجر هذا المشروع بعد أن أنفقت عليه الأموال الطائلة حين دعا داعي الحرب. وقد كلف فرساي فرنسا حتى عام 1690 مبلغاً جملته 200.000.000 فرنك (500.000.000 دولار؟(10)) وفرساي، من الناحية المعمارية، فيه من التعقيد والجزافية ما ينأى به عن الكمال. أما الكنيسة فرائعة، ولكن هذا الزهو بالزخرف لا يكاد يتفق وتذلل العبادة. وبعض أجزاء القصر جميل، والسلم المفضي إلى الحدائق فخم، ولكن إلزام مصمميه بأن يتركوا استراحة الصيد دون أن يمسوها في تصميمهم، ويكتفوا بإضافة أجنحة وزخارف، كل هذا أضر بمظهر البناء في مجموعه. وقد تترك هذه المجموعة المتكاثرة من الأبنية في النفس انطباع الرتابة الباردة والتكرار المتاهي-فالحجرة تقفو الحجرة على امتداد 1320 قدماً من الواجهة. ويبدو أن تنظيم القصر من داخله تجاهل الراحة الفسيولوجية لنزلائه ورواده، وأفترض قوة ضبط هائلة في الأمعاء النبيلة، فكان على من يريد إزالة ضرورة أن يعبر ست حجرات. لا عجب إذن أن سمعنا بأن السلالم والطرقات كانت تستخدم في مثل هذا الغرض. أما الحجرات ذاتها فتبدوا أصغر من أن تسمح بالراحة. وليس هناك حجرة فسيحة سوى القاعة الكبرى التي تمتد 320 قدماً على طول واجهة الحديقة، هناك نشر المزخرفون كل مهاراتهم-فعلقوا قطع نسيج جوبلان وبوفيه المرسومة، وبثوا المنحوتات على الجدران، وبلغوا بكل قطعة أثاث الكمال المحبب، وعكسوا كل البهاء في تلك المرايا الكبيرة التي أعطت الحجرة اسمها الثاني، وهو "قاعة المرايا". وعلى السقف صور لبرون الذي ارتفع إلى ذروة فنه، خلال خمس سنوات (1679-84)، وبرموز أسطورية، انتصارات حكم لويس الطويل، وسجل مأساته دون وعي منه، لأن هذه الانتصارات المصورة على أسبانيا وهولندا وألمانيا أزمعت أن تثير أرواح النقمة على الملك الشغوف بالحرب.

وعاش لويس في فرساي على نحو متقطع منذ 1671 وأنفق بعض وقته في مارلي، وسان-جرمان، وفونتنبلو، وبعد 1682 أصبح فرساي مقره الدائم. ولكنا نظلمه إذا ظننا أن فرساي كان مسكنه وملهاه، فهو لم يشغل سوى جزء متواضع من المبنى، أما الباقي فقد سكنته زوجه، وأبناءه، وأحفاده، وخليلاته، والمفوضيات الأجنبية وكبار الإداريين، وأفراد الحاشية، وكل الخدم والحشم الذين تطلبهم البيت المالك. ولا ريب في أن بعض هذا البهاء كان له هدف سياسي-هو إدخال الرهبة في قلوب السفراء الذين توقع منهم لويس أن يحكموا من هذا البذخ على موارد الدولة وسطوتها. وقد وقع هذا من نفوسهم ونفوس غيرهم من الزوار فأذاعوا في أرجاء أوربا من الأنباء عن بهاء فرساي ما جعله البلاط المحسود، والمثل الذي يحتذيه الكثير من البلاطات والقصور في القارة الأوربية بأسرها. أما في عقابيل هذا العهد فقد بدت هذه الكتلة الضخمة من المباني رمزاً وقحاً للاستبداد وتحدياً مستهتراً من كبرياء الإنسان لمصير الإنسان غير المتغير.


الزخرفة

لم تعرف فنون الزخرفة قط، حتى على عهد باباوات النهضة، مثل هذا التشجيع والعرض. فقد كانت الأرضيات المكسوة بالبسط السميكة، والأعمدة الزينية، والموائد ورفوف المستوقدات الزخرفية الضخمة، والزهريات من الخزف الصيني، والشمعدانات الفضية والثريات البلورية، والساعات الجدارية الرخامية المطعمة بالأحجار الكريمة، والجدران ذات الحشوات الخشبية أو الرسوم الجصية أو الصور أو قطع النسيج المرسوم، والكراميش المصبوبة صباً أنيقاً، والأسقف ذات الزخارف الغائرة أو الصور، هذه كلها وكثير غيرها من ألوان الفن في فرساي وفونتنبلو ومارلي واللوفر، وحتى في قصور الأهالي، جعلت من كل حجرة تقريباً متحفاً لأشياء تخلب العيون والألباب بسر الكمال الخفي. وعن رفائيل ومساعديه-جوليو رومانو، وبيرينو ديل فاجا، وجوفاني دا أوربيني-وعن قاعات الفاتيكان، نقل لبرون ومساعديه مجموعة الأرباب والربات والكوبيدات وتذكارات النصر والشعارات والنقوش العربية، وأكاليل الزهر وورق الشجر، والحليات القرنية لثمار الأرض، يزينون بها سجل انتصارات الملك على النساء والدول.

وكان الأثاث بطراز لويس الرابع عشر مترفاً فاخراً؛ هنا أذعنت البساطة الكلاسيكية للزخرفة الباروكية. فالمقاعد مسرفة في النقش والتنجيد والتدبب إسرافاً أبعد عنها الإعجاز خشية إلا أرقها. أما الموائد فكنت تجد بينها الثقيل المتين إلى حد يبدو معه غير قابل للحركة. وكانت مناضد الكتابة والمكاتب المزودة برفوف للكتب غاية في الأناقة بحيث تغري القلم بالكتابة في إيجاز لاروشفوكو المحكم أو في حيوية مدام دسفينييه المتدفقة. وكثيراً ما كانت الصناديق وخزانات النفائس تنقش بعناية فائقة أو تطعم برسوم من معدن أو أحجار كريمة. وقد أعطى أندريه شارل بول اسمه (Buhlwork) لفنه الخاص، فن تطعيم الأثاث، لا سيما الأبونسي، بالمعدن المحفور، وصدف السلاحف، واللؤلؤ الخ، مضيفاً حليات درجية تمثل النبات أو الحيوان ذات رسوم غاية في الرشاقة، وكان يقيم في اللوفر (1672) بوصفه نجار الأثاث الأثير لدى لويس الرابع عشر. ولقد بيعت إحدى خزاناته المطعمة بمبلغ 3.000 جنيه إنجليزي في 1882، وربما كان هذا المبلغ يعادل 50.000 دولار في 1960(11). ولكن بول مات في فقر مدقع بعد أن بلغ التسعين في 1732. وقد يكون أوفق لأذواقنا تلك الأكشاك المنقوشة التي أقيمت في هذه الفترة في كاتدرائية نوتردام دباري.

وأصبح النسيج المرسوم الآن فناً اختص به الملك. ولم يقنع كولبير بإخضاع مصنعي جوبلان وأوبوسون لإشراف الملك، فأقنعه بأن يتسلم أيضاً مصنع النسيج المرسوم في بوفيه وكانت هذه القطع المرسومة لا تزال الحلية المفضلة لجدران القصور وسجفها في المدن والريف، والمهرجانات، والمباريات، والاحتفالات الرسمية، والأعياد الدينية. وقد صمم المصور الفلمنكي آدم فاندرمولر في بوفيه سلسلة رائعة من الرسوم سماها "فتح لويس العظيم"، وأعد الفنان لها نفسه بأن تبع لويس إلى حروبه ورسم بالقلم أو صور بالألوان على الطبيعة المواقع والحصون والقرى التي كانت مسرحاً لحملاته الحربية. وكان مصنع جوبلان يستخدم 800 من مهرة الصناع الذين لم يكتفوا بصنع قطع النسيج المرسوم، بل المنسوجات الرفيعة وأشغال الخشب والفضة والمعادن والتطعيم بالرخام. وهناك نسجت تحت إشراف لبرون قطع النسيج المرسوم العظيمة نقلاً عن الرسوم التخطيطية التي حفلت بها صور رفائيل الجصية الضخمة في قاعات الفاتيكان. وليس أقل من هذه شهرة السلاسل العديدة التي صممها لبرون ذاته؛ فصور قوى الطبيعة، والفصول، وتاريخ الإسكندر، ومساكن الملك، وتاريخ الملك. والمجموعة الأخيرة كانت تعد سبع عشر قطعة، واستغرق الفنان في صنعها عشر سنين، وما زال نموذج رائع منها معروضاً في حجرات عرض قطع الجوبلان-فيها ترى الأجسام متميزة إلى حد مذهل، والتفاصيل متخيلة تخيلاً كاملاً، حتى صورة المنظر الطبيعي التي على الجدران، وكل هذا بخيوط ملونة نسجتها في صبر وأناة أيدِ صناع تحت عيون مجهدة. وندر أن كرس مثل هذا الجهد البشري الضخم للزلفى لرجل واحد. وقد أعتذر لويس عن هذا بأن زعم لكولبير أن أسباب التمجيد هذه تتيح العمالة والدخل للصباغين والنساجين، وتوفو هدايا ذات وقع جميل في عملية "تشحيم" الدبلوماسية.

وترعرعت كل الفنون الصغيرة تحت اليد الملكية السخية. فصنعت الأبسطة الفاخرة في لاسافو نيري قرب باريس. وأنتج القاشاني البديع في روان موستييه، والخزف الإيطالي (الميوليق) الجيد في نيفير، والصيني اللين العجينة في روان وسان كلو. وفي أخريات القرن السابع عشر تعلم الصناع الفرنسيون بتحريض كولبير أسرار البنادقة في صب بللور المرايا الكبيرة وتسويته وصقله، وهكذا صنعت مرايا "قاعة المرايا" الرائعة(12). ونظم كولبير ولبرون الصاغة أمثال جوليان دفونتيين وفانسان بتي وأسكناه في اللوفر، فصنعوا للملك وللأغنياء مئات التحف من الفضة أو الذهب-إلى أن صهر لويس والأغنياء هذه الحلي لتمويل الحرب. وقطعت الأحجار الكريمة والمداليات: وضربت العملة، ونقشت بتصميمات كانت المثل الذي تحتذيه أوربا كلها فيما عدا إيطاليا. ولم يصل فن صنع المداليات منذ عصر النهضة إلى مثل هذا الإبداع الذي حققه الآن على يد أنطوان بنوا وجان موجيه. أما كولبير، الذي لم يترك حجراً دون نقش، فقد أسس في 1662 أكاديمية المداليات والنقوش، ليخلد أعمال الملك...بمداليات تضرب تكريماً له(13) وذلك كان أسلوب الوزير الكبير في تجنيد الغرور الذي يملك المال في خدمة الفن الغالي النفقة. وفي 1667 أنشئت مدرسة للصور المحفورة في اللوفر، ورسمت مناقيش روبير نانتوي وسبستيان لكلير وروبير بونار وجان لبوتر في رهافة بالغة التدقيق شخصيات العهد وأحداثه. وحتى رسم المنمنمات ظل على قيد الحياة-وإن هبط عن سابق مقامه في العصر الوسيط-في كتاب "ساعات الصلاة" الذي أهداه إلى الملك متقاعدوه في الأنفاليد. إن الفنون الصغيرة، دون سائر الفنون، هي التي تظهر ذوق "القرن العظيم" وبراعته الفنية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التصوير

إن نجمين من نجوم التصوير ذوي المرتبة الثاني يقعان في الفلك الخارجي لهذا العصر، وهما فيليب دشامبين، وأوستاش لوسويير. أما فيليب فقد وفد من بروكسل وهو في التاسعة عشر (1621)، وشارك في زخرفة قصر اللكسمبورج، ولم يكتفِ برسم صورة ريشليو بقامته الكاملة، وهي المحفوظة في اللوفر بل صنع أيضاً تمثالاً نصفياً للكردينال، وصوره صوراً جانبية محفوظة بمتحف الفنون القومي بلندن. وقد أتاه ميله المتعاطف لتصوير الأشخاص بزبائن من نصف زعماء فرنسا في الجيل الذي تلا ريشليو، كمازاران وتورين وكولبير ولمرسييه...وكان قبل قدومه إلى فرنسا قد صور جانس وأعتنق الجانسنية، وأحب البور-رويال ورسم صوراً للأم أنجليك وروبير آرنو وسان-سيران. ورسم للبور-رويال أروع صورة "الراهبات" باللوفر، وترى قيها الأم أنييس مكتئبة ولكنها لطيفة، ومعها سوزان ابنة المصور الراهبة. وكان مجال شامبين محدوداً، ولكن فنه يدفئ قلوبنا بما فيه من وجدان وإخلاص.

أما أوستاش لوسويير فكان متديناً كصاحبه ولكنه أكثر سنية قي إيمانه، مما جعله قلقاً في جيل سيطر على التصوير فيه منافسه لبرون، وتسلطت على هذا الفن فيه أساطير وثنية كرست لتأليه ملك لم يكن قد ثاب إلى تقواه بعد. وقد درس المصوران (لوسيير ولبرون) معاً على فويه، ورسما معاً في قبو واحد،واستخدما نفس النموذج، وأثنى عليهما على السواء بوسان في زيارته لباريس. وتبع لبرون بوسان إلى روما وتشرب الروح الكلاسيكية. أما لوسويير فلزم باريس مربوطاً بزوجة مخصبة ولم يستطع الفكاك من الفقر إلا نادراً. وحوالي 1644 رسم خمس صور تصف حوادث في حياة إله الحب لسقف "حجرة الحب" في قصر ولي نعمته لامبير ديتوريني، وفي حجرة أخرى من حجرات قصر لامبير هذا نفذ رسماً جصياً كبيراً يسمى "فيتون يطلب أن يقود مركبة الشمس" وفي 1645 تورط لوسوبير في مبارزة قتل فيها خصمه ثم اختبأ في دير للكارتوزيين، وهناك رسم اثنتين وعشرين صورة من حياة القديس برونو مؤسس الطريقة الكارتوزية، وفي هذه الصور بلغ الفنان أوجه. وفي 1776 اشتريت هذه السلسلة من الرهبات الكارتوزيين بمبلغ 132.000 جنيه فرنسي، وهي اليوم تشغل غرفة خاصة باللوفر. ولما عاد لبرون من إيطاليا (1647) أكتسح أمامه كل شيء. وانتكس لوسويير إلى فقره، ثم مات في 1655 ولما يجاوز الثامنة والثلاثين.

أما شارل لبرون فقد تسلط على الفنون في باريس وفرساي، لأنه أوتي قدرة التنسيق والإدارة كما أوتي قدرة التصور والتنفيذ. وإذ كان ابن نحات له أصدقاء من المصورين، فقد شب في بيئة تعلم فيها الرسم كما يتعلم غيره من الأطفال الكتابة. ورسم في الخامسة عشرة-وعينه لا تغفل عن ترقب فرصته الكبرى-صورة رمزية لحياة ريشليو ونجاحه، والتقط الوزير الطعم، فكلفه برسم موضوعات أسطورية لقصر الكردينال. وحين أخذه بوسان إلى روما أغرق نفسه في أساطير وزخارف رفائيل، وجوليو رومانو، وبييترو دا كورتونا. فلما عاد إلى باريس كان أسلوب الزخرفة المترفة المنمقة الذي انتهجه قد أكتمل نضجه. وهنا أيضاً كان فوكيه أسبق من لويس في استخدامه لبرون ليصور في قصره بفو. وقد استهوت مازاران وكولبير والملك براعة ما أنتج من صور جصية، وذلك الجمال الشهواني الذي اتسمت به أجساد النساء والتفاصيل الغنية من كرانيش ومصبوبات. ولم يأتي عام 1660 حتى كان لبرون يرسم صوراً جصية من حياة الإسكندر للقصر الملكي بفونتنبلو. وقد أبهج لويس أن يتبين ملامحه تحت خوذة الإسكندر، فكان يأتي كل يوم ليراقب الفنان وهو يرسم معركة أربل، وأسرة دارا عند قدمي الإسكندر. وكلتا الصورتين في اللوفر. وكافأه الملك بلوحة ملكية مرصعة بالماس، وجعله مصوره الأول، وأجرى عليه معاشاً بلغ 12.000 جنيه في العام.

ولم تفتر للبرون همة. ففي 1661 دمرت النيران قاعة اللوفر الوسطى، فصمم ترميماً لها، وصور السقف والكرانيش بمناظر من أساطير أبوللو، ومن هنا الاسم الذي أطلق عليها "قاعة أبوللو". وخلال ذلك درس الفنان الطموح العمارة والنحت وأشغال المعادن والخشب ورسم النسيج ومختلف الفنون التي جندت الآن لتزيين قصور العظماء. وانصهرت هذه الفنون جميعها في مهاراته المنوعة حتى لقد بدا أن الحظ أعده ليجمع فناني فرنسا في جهد موحد لينتجوا طراز لويس الرابع عشر.

وقد أطلق لويس يده منحه ما شاء من مال ليزين فرساي، حتى قبل أن يعينه مديراً لأكاديمية الفنون الجميلة. وهناك عمل بجد طوال سبعة عشر عاماً (1664-81) فنسق الأعمال الفنية وصمم "سلم السفير"، ورسم بنفسه في قاعات الحرب والسلام، وفي القاعة الكبرى، سبعاً وعشرين صورة جصية تصف أمجاد الملك منذ صلح البرانس (1659) حتى معاهدة نيميجن (1679). وقد أظهر لويس في الحرب والسلم وسط حشد من الأرباب والربات، والسحب والأنهار، والخيل والمركبات، يقذف الصواعق، ويعبر الراين، ويحاصر غنت، ولكنه إلى ذلك يجري العدالة ويصرف شؤون المال، يطعم الفقراء في المجاعة، وينشئ المستشفيات، ويشجع الفن. ولو أننا أخذنا هذه الصور فرادا لما عددناها من الروائع، فأساسها الكلاسيكي طغى عليه سيل من الزخارف الباروكية، ولكننا إذا أخذناها في جملتها وجدناها تؤلف أروع عمل قام به الرسامون الفرنسيون في هذا العصر. ويغيظنا تمجيده للملك لأنه يكشف عن داء الغرور، ولكن تملق الأمراء والملوك على هذا النحو كان سنة العصر. لا عجب إذن أن يقول لويس لمصوريه وهو يرى بعض صوره بجوار أخرى رسمها فيرونيري وبوسان "إن أعمالك تثبت للمقارنة بأعمال كبار الفنانين، ولا ينقصها إلا موت صاحبها لكي يقدرها الناس أكثر مما يقدرونها الآن، ولكنا نرجو ألا تتاح لها هذه الميزة سريعاً(14)" وقد سانده الملك خلال جميع المكائد التي أحدقت به من حساده بعد قليل، كما ساند موليير الذي ضايقه خصومه. ولم يكن غريباً على طبع لويس-إذ نمى إليه أثناء حضوره اجتماعاً إدارياً أن لبرون جاء ليريه أخر صوره "رفع الصليب"(15)- أن يستأذن الحاضرين ليذهب ويرى الصورة ويعرب عن سروره، ثم يدعو كل المجتمعين ليأتوا ويشاركوه في مشاهدتها(16). وهكذا سارت الحكومة والفن في هذا العهد جنباً إلى جنب، وشارك الفنانون القواد العسكريين مكافآتهم ومدائحهم.

كانت صنعة لبرون شيئاً جديداً وإن انبثقت من الزخرفة الإيطالية. لقد كانت مزيجاً زخرفياً جمع فنوناً عديدة ليؤلف منها كلاً جمالياً واحداً. فلما حاول أن يجرب تصوير لوحات فردية انزلق إلى مرتبة وسط. وإذ استحالت انتصارات الملك إلى هزائم، وأخلت محظياته مكانهن للكهان، تغير مزاج العهد ولم يعد لزخارف لبرون البهيجة محل. ولما خلف لوفوا كولبير مشرفاً على العمائر فقد لبرون دوره زعيماً للفنون، وإن ظل رئيساً للأكاديمية. ومات في 1690 رمزاً لمجد ولى.

وأغتبط فنانون كثيرون بتحررهم من سيطرته، ومن هؤلاء على الأخص بيير منيار الذي ساءته هذه السيطرة. وإذ كان يكبر لبرون بتسع سنوات فقد سبقه في الحج إلى روما بلوحة ألوانه، وتعلق قلبه بالمدينة الخالدة كما تعلق بها بوسان، حتى لقد استقر رأيه على العيش فيها طوال حياته. وقد عاس فيهل فعلاً اثنتين وعشرين سنة (1635-57) وأغتبط زبائنه باللوحات التي رسمها لهم اغتباطاً حمل في النهاية البابا إنوسنت العاشر، الذي ربما ساءه الوجه الذي خلعه عليه فيلاسكويز من قبل، على أن يجلس إلى منيار الذي أضفى عليه طلعة ألطف. وفي 1646، حين بلغ منيار الرابعة والثلاثين، تزوج حسناء إيطالية، ولكنه ما إن سكن إلى الأبوة الشرعية حتى تلقى دعوة من فرنسا ليذهب ويخدم الملك، فذهب على مضض. وفي باريس تمرد على قبول التوجيهات من لبرون، ورفض الانضمام إلى الأكاديمية، وحز في نفسه أن يرى زميله الأصغر يحصد الأنواط والأموال. وأوصى مولبير كولبير به، ولكن لعل الوزير أنصف في إيثاره لبرون، فما كان منيار ليرضى أن يرتفع إلى مستوى الفخامة المتكلفة التي تطلبها القرن العظيم. على أية حال، كان لويس الذي بلغ العشرين آنئذ في حاجة إلى صورة فاتنة له يغوي بها عروساً من أسبانيا. وارتضى منيار أن يرسمها، وأفتتن لويس وماريا تريزا بها، وغدا منيار أنجح رسام للأشخاص في هذا العهد. فرسم لوحات لمعاصريه الواحد تلو الآخر: مازاران، وكولبير، ورتز، وديكارت، ولافونتين، وموليير، وراسين، وبوسويه، وتورين، ونينون دلا نكلو، ولويز دلا فاليير، والسيدات مونتسبان، ومانتينون، ولافاييت، وسفينييه، وقد أنصف يدي آن النمساوية اللتين عدهما الناس أجمل الأيدي في العالم، فكافأته بمهمة تزيين قبو القبة في كنيسة فال-دجراس، وكان هذا الرسم الجصي رائعته الكبرى التي أشاد بها موليير في إحدى قصائده. وقد صور الملك غير مرة، وأشهر صوره لوحته المعروضة في فرساي والتي يرى فيها راكباً جواده، ولكنا نجده هناك على أروعه في اللوحة البديعة المسماة "دوقة مين في طفولتها". وبعد موت كولبير انتصر منيار في النهاية على لبرون، فخلف غريمه مصوراً للقصر في 1690، وعين عضواً في الأكاديمية بمرسوم ملكي، وبعد خمس سنوات مات في الخامسة والثمانين وهو لا يفتأ يرسم ويناضل.

وجاهد رهط من المصورين غير من ذكرنا في خدمة الملك الذي استوعب الفنانين جميعاً. فشارل دوفرينوا، وسبستيان بوردون، ونويل كوابيل وابنه أنطوان، وجان فرانسوا دتروا، وجان جوفنيه، وجان باتيست سانتير، والكساندر فرانسوا ديبورت -هؤلاء كلهم يلتمسون أن يسلكوا في زمرة الحاضرين هذه الوليمة الملكية. وهناك فنانان آخران يبرزان بقوة في نهاية العهد-وأولهما نيكولا دلا رجليير الذي خلف منيار مصوراً أثيراً للأرستقراطية لا في فرنسا وحدها بل في إنجلترا أيضاً بعض الوقت (1774-78). وقد اكتسب حب لبرون باللوحة الرائعة التي رسمها له والمعروضة الآن في اللوفر. وألوانه الرمزية ولمسته الخفيفة تبين الانتقال من اضمحلال لويس الرابع عشر المعتم إلى عصر آخر مرح، وهو عصر الوصاية والفنان فاتو.

أما الثاني وهو ياسينت ريجو، فكان أصلب عوداً. وقد كسب هو أيضاً قوته برسم الأشخاص (أنظر صورته البديعة لبوسويه في اللوفر)، ولكنه لم يكسبه بالتملق. ومع أن صورته التي أظهر فيها لويس الرابع شامخاً مسيطراً، والتي ترتفع في مؤخرة قاعة اللوفر الكبرى، تبدو من بعيد وكأنها إشادة بالملك، فإننا نلاحظ إذا تأملناها عن كثب ملامح الملك جامدة منتفخة، وهو واقف على قمة سلطته وعلى حافة قدره (1701). وكانت أغلى صور العصر ثمناً كما أنها أفضلها عرضاً، فقد نقد لويس ريجو فيها 40.000 فرنك (100.000 دولار؟)-وربما كان هذا الأجر معادلاً لما دفعه لويس ثمناً للثياب الرائعة التي زينت هنا انحلاله.


النحت

كان المثالون أقل حظوة وثواباً في هذا العهد من المصورين. ومع ذلك فالمنحوتات المرمرية القديمة هي التي اشتهى لبرون أن تصاغ على غرارها جميع الفنون. وقد أنفقت الأموال الطائلة وسخرت المواهب الكثيرة في شراء أو نسخ التماثيل التي بقيت على قيد الحياة بعد انهيار العالم القديم. ولم يقنع لويس بالنسخ طبعاً. وإذ كان يذكر حدائق سالوست وهادريان الرومانية، فقد استخدم لفيفاً من المثالين الأكفاء لينفخوا بتماثيلهم الحياة في بستان فرساي. وأقيمت الزهريات الضخمة كزهرية الحرب التي صنعها كوازيفوكس في حوض نبتيون، وعلى شرفة القصر؛ ونحت الشقيقان جاسبار وبلتازار دمارسي "حوض باخوس" العظيم، وأبرز جان باتست من البحيرة تمثاله الرائع "مركبة أبوللو" والإله الشمس فيه يرمز للملك، ونحت فرنسوا جيراردون في الحجر من "الحوريات المستحمات" ما لم يكن برا كستليز ذاته ليأنف من نسبته إليه.

وتطلع جيراردون قرناً إلى الخلف ليرى كيف صور بريماتتشو وجوجون جسد الأنثى في صورة كاملة. وعاد إليه ذلك الحسن الانسيابي الذي اتسم به الفن الهيليني، ربما في إسراف، ومهما بحثنا وفتشنا فإننا لم نجد إلى الآن إناثاً كاملات الأجساد كأولئك اللاتي نجدهن في تمثالي "اغتصاب بروزيربين(17)". ولكنه كان قادراً على التعبير عن حالات نفسية أقوى من هذه. وقد صنع لميدان فاندوم تمثالاً للويس الرابع عشر محفوظاً الآن في اللوفر، ونحت لكنيسة السوربون مقبرة فخمة لريشليو. وقد أحبه لبرون لأنه تجاوب في لطف مع ذوق الأكاديمية وأهدافها. وخلف لبرون كبيراً لمثالي الملك، ورأس الأكاديمية بعد وفاة منيار. ومع أنه ولد قبل لويس بعشرة أعوام إلا أنه عمر بعده شهوراً، ومات في 1715 وهو في السابعة والثمانين.

أما أنطوان كوازيفوكس فكان إنساناً أرق من اسمه، محبباً إلى الناس كتمثاله "دوقة برجندية". ولد بليون، وكان ينحت لنفسه مكاناً بين المثالين حين دعاه لبرون ليساعد في زخرفة فرساي. وقد بدأ بصنع نسخ أو مقتبسات رائعة من التماثيل القديمة. فنحت عن تمثال رخامي قديم في فيللا بورجيزي "حورية المحارة"، وعن تمثال في قصر مديتشي بفلورنسة نقل "فينوس الجاثمة" وكلا التمثالين محفوظ في مستودع الفن المحظوظ الذي نسميه اللوفر. وما زال في مكانه بفرساي تمثاله "كاستور وبولكس" الذي نقله عن مجموعة بـحدائق لودوفيزي بروما. وما لبث أن أنتج أعمالاً أصيلة فيها قوة لا يستهان بها. فنحت لبستان فرساي تماثيل كبيرة تمثل نهري الجارون والدوردون، ولساحة قصر مارلي رمزين شبيهين بهذين لنهري السين والمارن.

وفي حدائق التويلزي اليوم أربعة تماثيل رخامية نحتها لمارلي، وهي فلورا (ربة الزهر)-والشهرة، وحوريات الغابات، وعطارد راكباً بيجاسوس. وقد خرج من تحت إزميله الكثير من الزخارف المنحوتة في حجرات فرساي الكبرى.

وظل يكدح في فرساي ثمانية أعوام، وقضى خمسة وخمسين عاماً في خدمة الملك. فنحت له اثني عشر تمثالاً، أشهرها تمثاله النصفي في فرساي، وأصبح في النحت ما كان منيار في التصوير-أحب نحاتي الوجوه إلى الناس في فرنسا. وبدلاً من أن يتشاجر مع منافسيه نحتهم في الرخام أو صبهم في البرونز، فوفر عليهم غرورهم ونقودهم. وحين تلقى 1500 جنيه أجراً لتمثال النصفي الذي صنعه لكولبير، رأى الأجر مغالى فيه فرد منه سبعمائة جنيه(18). وقد ترك لنا تماثيل كاملة الشبه بلبرون، ولنوتر، وآرنو، وفوبان، ومازارن، وبوسويه، وترك لنفسه ترجمة بسيطة لوجه أمين أشعث مضطرب(19)، ولكونديه العظيم تمثالين نصفيين أحدهما في اللوفر، والآخر في شانتبي، يتميزان بصدق وفحولة لا مراء فيهما. ثم نحت بأسلوب مختلف تماماً تمثالاً رشيقاً لدوقة برجندية في صورة ديانا(20)، والتمثال النصفي الجميل لنفس الأميرة في فرساي. وصمم مقابر رائعة لمازاران(21) وكولبير، وفوبان، ولبرون. ولأعماله ملمس الروح الباروكية في عاطفيتها المسرحية ومبالغتها العارضة، ولكنها في أحسن صورها تعبر تعبيراً حسناً عن المثل الكلاسيكي الذي استهدفه الملك والبلاط، فهي رأسين متمثلاً في الرخام والبرونز.

وحوله وحول جيراردون تجمع سباعي من المثالين، فرانسوا أنجييه وأخوه ميشيل، وفليب كوفييه وابنه فرانسوا، ومارتان ديجاردان، وبيير لجرو، وجيوم كوستو، الذي ما زالت "خيل مارلي" التي نحتها تثب في الهواء بميدان الكونكورد.

وفضلاً عن هؤلاء المثالين جميعاً، وعلى مبعدة منهم، وفي تحدٍ لمثالية النحت الرسمي الناعمة، أنطق بيير بوجيه إزميله بغضب فرنسا وبؤسها. وقد ولد في مارسيليا (1622) وبدأ حياته الفنية حفاراً في الخشب، ولكن نفسه تاقت كما تاقت نفس معبوده ميكل أنجيلو من قبل لأن يصبح في وقت واحد مصوراً ومثالاً ومعمارياً. وقد أحس أن الفنان العظيم ينبغي أن يسيطر على هذه الفنون جميعاً. وإذ كان يحلم بأفذاذ الفنانين الإيطاليين فقد سار من مرسيليا إلى جنوة إلى فلورنسة إلى روما. وتتلمذ في حماسة لبييترودا كورتونا في زخرفة قصر بارباريني، وتشرب كل صدى وأثر لبوناروتي ، وحسد برنيني على شهرته المتعددة الجوانب. فلما عاد إلى جنوة نحت تمثال القديس سبستيان الذي أذاع اسمه لأول مرة، فلكفه فوكيه، الذي سبق لويس الرابع عشر في تبين مواهب هذا الفنان أيضاَ، بأن ينحت تمثال "هرقول(22)" لقصر فو، ولكن فوكيه سقط، فهرع بيير إلى الجنوب ليعتكف في فقره ويجتر همومه. ولما كلف بنحت مجموعة "أطلانطيس"-وهي تماثيل رخامية لأطلس، ليجمل بها شرفة "الأوتيل دفيل"، صاغ التماثيل على غرار الحمالين الكادحين في أرصفة الشحن، وكان ينطق عضلاتهم المكدودة ووجوههم التي شوهها الألم بصرخة الثورة- ثورة المطحونين الذين يحملون العالم على أكتافهم. ولكن فناً كهذاً ما كان ليعجب فرساي.

ومع ذلك فأن كولبير الذي فتح ذراعيه للمواهب طلب إليه أن ينحت تماثيل يؤثر أن تكون ذات مسحة أسطورية بريئة. فأرسل إليه بوجيه ثلاث قطع محفوظة الآن باللوفر: نحتاً قليل الغور لطيفاً يمثل الإسكندر وديوجين، وتمثالاً فيه جهد وإسراف لبيرسيوس وأندوميدا، وتمثالاً عنيفاً لميلوكورتونا-ذلك النباتي الجبار يحاول الخلاص من فكي أسد عنيد ومخالبه.

وفي 1688 زار بوجيه باريس، ولكنه وجد طبعه المتكبر وإزميله الغضوب يتنافران مع ظرف البلاط وفنه، فقفل راجعاً إلى مرسيليا، وهناك صمم "الميرة" و"سوق السمك"-ولا عجب ففي فرنسا حتى سوق السمك يمكن أن يكون عملاً فنياً. ولعل أعظم تماثيله قصد به أن يكون تعليقاً على مغامرات الملك الحربية، وهو تمثال للإسكندر راكباً يبدو فيه وسيماً مشرقاً، يحمل خنجره في يده، ويدوس ضحايا الحرب(23) في غير اكتراث تحت سنابك جواده. وقد أفلت بوجيه من رسمية لبرون وفرساي، ولكنه أفلت أيضاً من انضباطهما. وأفضى به طموحه لمنافسة برميني، وحتى ميكل أنجيلو، إلى مبالغات في تصوير عضلات الجسد وتعبيرات الوجه، ومن ذلك "رأس ميدوزا" الرهيب المحفوظ باللوفر. ولكنه كان على الجملة أقوى نحات في وطنه وفي جيله.

وإذ قارب العهد العظيم نهايته، وجرت الهزائم فرنسا إلى حال من اليأس الشديد، انصرفت كبرياء الملك إلى التقوى، وأنتقل الفن من غرور فرساي إلى التواضع الذي يطالعنا في تمثال كواز فوكس لويس الرابع عشر راكعاً في النوتردام-هنا نرى الملك وقد بلغ السابعة والسبعين، مزهواً إلى الآن بأثوابه الملكية، ولكنه يضع تاجه في تواضع عند قدمي العذراء. في هذه السنوات الأخيرة تقلص الإنفاق على فرساي ومالي، ولكن خورس النوتردام رمم وجمل. أما عبادة الفن القديم فقد فترت نتيجة لشططها؛ وبدأ الطبيعي يجور على الكلاسيكي، وقضى على دفعة الفن الوثنية إلغاء مرسوم نانت. وتسلط مدام دمانتنون وتلييه على الملك وشددت الموضوعات الزخرفية الجديدة على الدين لا على المجد، فلقد عرف لويس ربه أخيراً.

إن تاريخ الفن إبان حكم الملك العظيم يعذبنا بأسئلة عويصة. فهل كان تأمين الفنون نعمة أو نقمة؟ وهل حول تأثير كولبير ولبرون والملك تطور فرنسا من الاتجاه الأصيل والطبيعي، إلى محاكاة موهنة لفن هلنستي حل به الضعف، محاكاة شوشها إسراف باروكي في الزخرفة؟ وهل تثبت هذه السنوات الأربعون من "طراز لويس الرابع عشر" أن الفن يزداد ازدهاراً في ظل ملكية ترعاه بالثروة المركزة، وتوجه المواهب في وحدة متسقة؟-أم في ظل أرستقراطية تصون، وتوصل، وتعدل في حذر، معايير الجودة والذوق، وأصول النظام والانضباط؟-أم في ظل ديمقراطية تفتح الطريق أمام كل موهبة وتطلق الكفايات من ربقة التقاليد، وتلزم الفن بأن يعرض إنتاجه على الشعب ويكفيه وفق رأيه؟ وهل كان ممكناً أن تغدو إيطاليا وفرنسا الوطنين المحظوظين للفن والجمال اليوم لولا أنهما جملتا بأموال وأذواق الكنيسة والنبلاء والملوك؟ وهل كان ممكناً أن يوجد فن عظيم دون تركيز الثروة؟

إن الجواب المتواضع المفيد عن هذه الأسئلة يقتضي حكمة عالمية، وأي جواب من هذا القبيل لابد أن تجعله التفريقات والشكوك جواباً غامضاً غير حاسم. ولعل الفن فقد شيئاً في طبيعته ومبادرته ونشاطه نتيجةً لما بسطته عليه القوة المركزية من حماية وتوجيه وهيمنة. صحيح أن فن لويس الرابع عشر كان فناً منظماً، أكاديمياً، جليلاً ببهائه المنسق، لا يفوقه فن في صقله الفني، ولكن السلطة عطلت قدرته على الابتكار، وقد قصر دون ذل الالتحام بالشعب الذي أضفى الدفء والعمق على الفن القوطي. لقد كان اتساق الفنون في عهد لويس رائعاً، ولكنه كثيراً ما كان يعزف على نفس الوتر، حتى لقد أصبح في النهاية تعبيراً لا عن جيل وأمة بل عن ذات وبلاط. صحيح إن الثروة لا غنى عنها للفن، ولكن الثروة تكون عاراً، والفن يكون بغيضاً، إذا ازدهرا على حساب فقر شامل واعتقاد بالخرافات مذل، فالجميل لا يمكن فصله طويلاً عن الخبر. وقد تكن الأرستقراطية حارساً وناقلاً مفيداً للعادات والمعايير والأذواق إذا تيسرت الأسباب لفتحها أمام المواهب الجديدة، ولمنعها من أن تكون أداة للامتياز الطبقي وللترف الكاذب. كذلك تستطيع الديمقراطيات أن تجمع الثروة وتضفي عليها الكرامة بتغذيتها للمعرفة والأدب والبر والفن، ومشكلات الديمقراطيات في معاداة الحرية غير الناضجة للنظام والانضباط، وفي نمو الذوق نمواً بطيئاً في المجتمعات الناشئة، وفي ميل الكفايات غير المحكومة لأن تبدد نفسها في تجارب شاذة تخطئ الابتكار فتحسبه عبقرية، والطرافة فتحسبها جمالاً.

على أية حال كان رأي أرستقراطيات أوربا في صف الفن الفرنسي دون ما تردد. فأنتشر معمار القصور والنحت الكلاسيكي والأسلوب الأدبي والزخرفة الباروكية للأثاث والثياب-انتشر هذا كله من فرنسا إلى كل طبقة حاكمة تقريباً في غرب أوربا حتى إلى إيطاليا وأسبانيا. وتطلعت قصور لندن وبروكسل وكولون ومينز ودرسدن وبرلين وكاسل وهيدلبرج وتورين ومدريد إلى فرساي مثلاً تحتذيه في السلوك والفن. وكلف المعماريون الفرنسيون بتصميم القصور حتى مورافيا شرقاً، وصمم لنوتر الحدائق في وندزور وكاسل، ووفد رن وغيره من المعماريين الأجانب على باريس لينقلوا عنها الأفكار، وانبث النحاتوت الفرنسيون في جميع أرجاء أوربا، حتى أصبح لكل أمير تقريباً تمثال راكب كتمثال ملك فرنسا. وظهرت قصص لبرون الرمزية الأسطورية في السويد، والدنمرك، وأسبانيا، وهامتن كورت. والتمس الملوك الأجانب أن يجلسوا إلى ريجو ليصورهم فإن لم يتيسر فإلى أحد تلاميذه. وأوصى حاكم سويدي بقطع من نسيج بوفيه المرسوم تخليداً انتصاراته. إن التاريخ لم يشهد منذ انتشار الثقافة اللاتينية القديمة في غرب أوربا غزواً ثقافياً أنجز بمثل هذه السرعة وهذا الكمال.