قصة الحضارة - ول ديورانت - م 6 ك 4 ف 36

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 9093

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن والإصلاح البروتستنتي والنهضة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل السادس والثلاثون: الفن في عصر هولبين 1517 - 1564

الفن، والإصلاح البروتستنتي، والنهضة

لقد فرض على الفن أن يقاسي من جراء حركة الإصلاح البروتستنتي، ولو لمجرد إيمان البروتستنتية بالوصايا العشر. ألم يقل الرب الإله، "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض" (خروج 20-4) فأنى للفن التصويري أن يعيش بعد هذا التحريم الشامل؟ فأما اليهود فقد صدعوا بالأمر وأغفلوا الفن. وأما المسلمون فكادوا يغفلونه، واكتفوا بجعل فنهم فناً زخرفياً، تجريدياً إلى حد كبير، يمثل في أغلبه الأشياء، وقل أن يمثل الأشخاص، ولا يمثل الله أبداً. واتبعت البروتستنتية هذا الخط السامي بعد أن كشف العهد القديم من جديد، وأما الكاثوليكية التي طغى تراثها اليوناني الروماني على أصلها اليهودي فقد تجاهلت هذا التحريم المرة بعد المرة. وشكل النحت القوطي القديسين والآلهة من الحجر، وصور الرسم الإيطالي قصة الكتاب المقدس، ونسيت النهضة كل النسيان هذه الوصية الثانية وسط ازدهار الفن التصويري ازدهاراً رائعاً. فلعل هذا الخطر القديم قصد به تحريم التصوير لأغراض السحر؛ وكان لرعاة الفن في إيطالية النهضة من الفطنة وسلامة الإدراك ما جعلهم يضربون صفحاً عن تحريم بدائي لم يعد له الآن معنى.

وكانت الكنيسة، وهي أعظم رعاة الفن قاطبة، قد استخدمت الفنون لتنشئ غير المتعلمين على عقائد الإيمان وأساطيره. وبدا ذا الاستخدام أمراً معقولاً في نظر رجل الدولة الكنسي، الذي شعر بأن الأساطير ضرورة لا غنى عنها للأخلاق. ولكن حين احتالت الكنيسة بأساطير- كأسطورة المطهر- لتجمع المال الذي تنفقه في مختلف وجوه الإسراف والفساد، تمرد المصلحون- ولهم العذر- على التصوير والنحت اللذين يثبتان الأساطير في عقول الناس. وفي هذا الأمر كان لوثر معتدلاً، حتى إذا اضطره الأمر لمراجعة الوصايا. "أنا لا أزعم أن على الإنجيل أن يدمر كل الفنون كما يعتقد بعض المؤمنين بالخرافات. فأنا على العكس أتمنى أن أرى جميع الفنون.... تخدمه تعالى وهو الذي خلقها ووهبنا إياها. إن ناموس موسى لم يحرم سوى تمثال الله"(1). وفي عام 1526 دعا أتباعه إلى "مهاجمة... الوثنيين الذين يعبدون عدو المسيح (بابا روما) بالتصوير"(2). وحتى كالفن، الذي كان أتباعه أشد محطمي الأصنام حماسة، وافق على التماثيل موافقة محدودة فقال: "لست شديد التزمت بحيث أحكم بتحريم كل التماثيل... ولكن بما أن فن التصوير والنحت... آت من الخالق، فإني أريد أن تصان ممارسة الفن نقية مشروعة. لذلك يجب ألا يرسم أو ينحت شيء إلا ما يرى بالعين(3)". ولكن المصلحين الأقل إنسانية من لوثر، والأقل حذراً من كالفن، آثروا تحريم الصور والنحت الدينيين بتاتاً، وتجريد كنائسهم من الزخارف إطلاقاً. وأقصى "الصدق" الجمال لأنه كافر. أما في إنجلترا وإسكتلندة وسويسرة وشمالي ألمانيا فكان التدمير بالجملة وبلا تمييز. وأما في فرنسا فقد صهر الهيجونوت أوعية الذخائر والنفائس الدينية وغيرها من الآنية التي عثروا عليها في الكنائس التي وقعت في أيديهم. وعلينا أن نتصور غيرة رجال خاطروا بحياتهم ليصلحوا الدين قبل أن نستطيع فهم سورة الغضب التي دمرت في لحظات الانتصار تلك التماثيل التي عاونت على إخضاعهم. لقد كان التخريب وحشياً وهمجياً، ولكن الذنب فيه يجب أن يلقي على تلك المؤسسة التي ظلت قروناً تضع العقبات في طريق إصلاح ذاتها.

وانتهت حياة الفن القوطي في هذه الفترة، ولكن حركة الإصلاح البروتستنتي لم تكن سوى سبب واحد من أسباب موته. صحيح أن الانتقاض على الكنيسة الوسيطة رافقه زهد في طرز العمارة والزخرفة التي طالما اقترنت بهذه الكنيسة. بيد أن الفن القوطي كان يحتضر حتى قبل أن يتكلم لوثر. كان يشكو في فرنسا الكاثوليكية شكواه في ألمانيا وإنجلترا المتمردتين؛ لقد احترق في وهج ناره، وكانت النهضة كما كانت حركة الإصلاح البروتستنتي كارثة عليه. ذلك أن النهضة أقبلت من إيطاليا التي لم تحب القوطي قط، والتي سخرت منه حتى وهي تقتبسه، وقد انتشرت النهضة أكثر ما انتشرت بين المتعلمين الذين لم يستطع تشككهم المهذب أن يتفهم ذلك الإيمان المشبوب، إيمان الحروب الصليبية وعهد القوط، وإذ تقدمت حركة الإصلاح البروتستنتي، أصاب الكنيسة ذاتها، التي وجدت في العمارة القوطية التعبير الفني الأسمى لها، فقر شديد من جراء فقدها بريطانيا وألمانيا وإسكندناوة، ومن جراء الغارات التي شنها الملوك الكاثوليك على دخلها بحيث لم تقو على تمويل الفن بالسخاء الذي مولته به من قبل، أو على تقرير الذوق والطراز الفني. وراحت النهضة- تلك الحركة ذات التأثير الدنيوي والوثني-تؤكد يوماً بعد يوم ميولها ونزعاتها الكلاسيكية التي تغلبت على التقاليد المقدسة، تقاليد الإيمان والشكل الوسيطين. وتخطى الناس-في غير تقوى-قروناً من التقوى والخوف ليستعيدوا من جديد مشاعر العصر القديم الشبوبة، مشاعر حب العالم وحب اللذة. وأعلنت الحرب على الفن القوطي بوصفه فن الهمج الذين دمروا الإمبراطورية، وعاد إلى الحياة الرومان المغلوبون، فبنوا معابدهم من جديد، وأخرجوا من ظلام الإهمال تماثيل آلهتهم، وأمروا إيطاليا أولاً، ثم فرنسا وإنجلترا، أن تستأنف ذلك الفن الذي تجسد فيه مجد اليونان وعظمة الرومان. وهكذا هزمت النهضة الفن القوطي، أما في فرنسا فقد هزمت الإصلاح البروتستنتي.


فن النهضة الفرنسية

مرض البناء

خاض الفن القوطي معركة في المعمار الكنسي الفرنسي ليمد في أجله حيناً، ونجح في معركته. فأضافت بعض الكاتدرائيات القديمة عناصر جديدة كانت بالضرورة قوطية، وهكذا أكملت كنيسة القديس بطرس بمدينة كان خورسها الشهير، وبنت كنيسة بوفيه جناحها الجنوبي، وبذل الفن القوطي جهد المحتضر تقريباً حين شيد جان فاست فوق معبد هذا الجناح برجاً ارتفع 500 قدم (1553). فلما انهارت هذه الجرأة الشامخة في عيد الصعود عام 1573 وسقط البرج فوق الخورس المتهدم، كانت الكارثة رمزاً لخاتمة أنبل الطرز في تاريخ العمارة. وارتفعت في هذه الفترة مفاخر قوطية أقل من هذه شأناً في بونتواز وكوتانس وأكثر من عشر مدن فرنسية أخرى. وفي باريس التي تكشف كل نظرة إليها عن معجزة من معجزات ماض مؤمن، بنيت كنيستان قوطيتان جميلتان: سانت إتيين دمون (1492- 1626)، وسانت أوستاش (1532- 1654). غير أن ملامح النهضة تسللت إليهما: كالحجاب الحجري الفخم الذي يستدير فوق الخورس في كنيسة سانت إتيين، والعمد المركبة والتيجان شبه الكورنثية في سانت أوستاش.

كان حلول عمارة النهضة اللادينية محل العمارة القوطية الكنسية انعكاساً لذوق فرانسوا الأول، ولإتكاء النزعة الإنسانية على اللذة الدنيوية دون الرجاء السماوي. وانصرفت الآن كل ثمرات الازدهار الاقتصادي، والرعاية الأرستقراطية، ونزعة اللذة الوثنية- هذه كلها التي غذت من قبل نيران الفن في إيطالية النهضة، انصرفت إلى تغذية الجهود المخلصة التي بذلها المعماريون والرسامون والنحاتون والخزافون والصائغون في فرنسا. واستقدم الفنانون الإيطاليون إلى فرنسا ليمزجوا بين مهاراتهم وعناصرهم الزخرفية وبين ما تخلف من الأشكال القوطية. وتضافرت روعة التصميم الإيطالي، وواقعية التصوير الفلمنكي، وذوق الأرستقراطية الفرنسية وجمالها الخنثوي، لتنتج في فرنسز فناً تحدى تفوق الفن الإيطالي وورث هذا التفوق. ولم يقتصر هذا الفن على باريس وحدها، بل جاوزها إلى فونتنبلو، ومولان، وتور، وبورج، وأنجيه، وليون، وديجون، وأفنيون، وإكس أن بروفانس. وكان على رأس الحركة ملك أحب الفن حب المتيم المتحمس ولكن في فهم وتمييز. وتركت روح فرانسوا الأول الخلية المشرقة طابعها على المعمار خلال حكمه. وكان يقول لفنانيه الجرأة الجرأة!"(4) ويتركهم ليجربوا بطريقة لم تسمح بها حتى إيطاليا من قبل. وقد تبين براعة الفنانين الفلمنك في تصوير الأشخاص، فاحتفظ بجان كلويه رساماً لبلاطه، وطلب إلى جوس فان كليف أن يرسم صوراً له ولحاشيته. ولكن إيطاليا كانت ملهمته في جميع فنون الصقل والزخرفة. فقد زار ميلان وبافيا وبولونيا وغيرها من المدن الإيطالية عقب انتصاره في مارنيانو (1515)، وراح يدرس في حسد عمارة هذه المدن ورسومها وفنونها الصغيرة. وقد نقل تشلليني عنه قوله: "أذكر جيداً أنني فحصت خيرة الأعمال الفنية التي أبدعها عظم الفنانين في إيطاليا كلها"(5). ولعل هذه المبالغة أن تكون من صنع تشلليني المتحمس. على أن فازاري يلاحظ في مواضع كثيرة شراء فرانسوا الأول للآثار الفنية الإيطالية بوساطة عملاء له في روما وفلورنسة والبندقية وميلان. وبفضل هذه الجهود استطاعت "موناليزا" ليوناردو، و "ليدا" ميكل أنجيلو، و "فينوس برونزينو وكيوبيده"، و "مجدلية" تيشان (تزيانو)، ومئات الزهريات والمداليات والرسوم الصغيرة والصور الزيتية وقطع النسيج المرسومة- استطاعت هذه كلها أن تعبر جبال الألب لتستقر آخر المطاف في اللوفر.

ولو كان الأمر بيد هذا الملك المتحمس لاستقدم نوابغ الفنانين الإيطاليين جميعاً. وكان هذا يقضي إغراءهم بإغداق المال عليهم. قال لتشلليني واعداً "سأتخمك ذهباً" وجاءه بنفينوتو ومكث فترات متقطعة (1541- 45)، كانت كافية لإرساء قدم الصياغة الفرنسية في تقليد من التصميمات البديعة والأساليب الفنية الرائعة. وكان دومنيكو برنابي "بوكادورو" قد وفد على فرنسا أيام شارل الثامن، فوكل إليه فرانسوا الأول رسم "أوتيل دفيل" جديد لباريس (1532). وقد استغرق إنجازه قرابة قرن، وأحرقه كومون 1817، فبني من جديد وفق التصميم الذي وضعه بوكادورو. وأقبل ليوناردو في شيخوخته (1516)، وقدمت إليه دنيا الفن والنبالة الفرنسية فروض العبادة، ولكنا لا نعرف له أثراً أبدعته يداه في فرنسا. وجاء أندريا ديل سارتو (1518)، ولكنه سرعان ما هرب. وأغرق جوفاني باتيستا "إلروسو" بالرحيل عن فلورنسة (1530) فأقام بفرنسا حتى مات منتحراً. وتلقى جيولو رومانو دعوات عاجلة، ولكن مانتوا كانت تفتنه بسحرها؛ على أنه أوفد مساعده النابغة فرانشسكو بريماتيتشيو (1532)، وجاء فرانشسكو بللجرينو، وكذلك جاكومو دا فنيولا، ونيكولو دللاباتي، وسبستيانو سرليو، وربما كثيرون غيرهم. وشجع الفنانون الفرنسيون في الوقت ذاته على الذهاب إلى إيطاليا ودراسة قصور فلورنسة وفراراً وميلان وكنيسة القديس بطرس الجاري تشييدها في روما. ولم يحدث مثل هذا النقل الفني للدم الثقافي منذ أن غزا الفن والفكر اليونانيان روما القديمة.

وساء الفنانين الوطنيين والفلمنلكيين هذا الإغواء الإيطالي، وسجل تاريخ العمارة الفرنسية احتدام معركة ملكية طوال نصف قرن (1498- 1545) بين طراز قوطي تأصلت جذوره في التربة الفرنسية وسط حب الناس له وتعلقهم به، وبين البدع الإيطالية المتسللة إلى فرنسا في أذيال الفاتحين المغلوبين. وتجلى الصراع في الحجر في قصور اللوار، ففيها ظل الفن القوطي صاحب الكلمة العليا، وسيطر مهرة البنائين الغالبين على تصميم البناء: قلعة إقطاعية يحيط بها خندق يحميها، وأبراج أشبه بالحصون تعلو في الأركان في سمت عمودي جليل، ونوافذ فسيحة ذات عمد لتغري الشمس بالدخول، وأسطح مائلة تنزلق من فوقها الثلوج، ورواشن ناتئة من السقوف كأنها المونوكلات. على أنه سمح للغزاة الإيطاليين بخفض الباكية المدببة لتعود إلى شكلها المستدير القديم، وبتنظيم الواجهات في صفوف من النوافذ المستطيلة المدعمة بالعمد والمتوجة بالقواصر، وزخرفة الداخل بزخارف كلاسيكية من الأعمدة والتيجان والأفاريز والقوالب والحليات المدورة والنقوش العربية والحليات القرنية المنحوتة الممثلة للنبات والزهر والفاكهة والحيوان وصدور الأباطرة والآلهة الأسطورية. كان الطرازان القوطي والكلاسيكي من الناحية النظرية متناقضين، ولكنه مزج الفرنسيين بينهما في هذا الجمال المتسق بفضل التمييز والذوق الفرنسيين أعان على جعل فرنسا يونان العالم الحديث.

وتسلطت على فرنسا، أو قل على فرانسوا "حمى البناء" كما سماها قائد أخذ منه العجب كل مأخذ(6). فأضاف إلى قصر بلوا القديم (1515- 19) للمملكة كلود جناحاً شمالياً كان مهندسه المعماري فرنسياً يدعى جاك سوردو، ولكن الطراز الذي بناه به كان طراز النهضة بعينه. وإذ رأى سوردو من غير المناسب أن يبني سلماً داخل الجناح المضاف فقد صمم رائعة من روائع العصر المعمارية- وهي بيت للسلم حلزوني خارجي يرقى في برج مثمن، بثلاثة طوابق، إلى بهو معمد أنيق يبرز من السطح، وكل طابق يحليه زخرف فاخر من شرفة منحوتة.

وبعد أن ماتت مليكته المرهقة، وجه فرانسوا شغفه بالمعمار إلى شامبور، وتقع على ثلاثة أميال جنوبي اللوار وعشرة أميال شمال شرقي بلوا. وكان أمراء أورليان قد بنوا هناك استراحة للصيد، فبنى فرانسوا عوضاً عنها قصراً غلب عليه الطراز القوطي، وبلغ اتساعه حداً احتاج معه إلى جهد 1.800 عامل على مدى اثني عشر عاماً، ولا غرو فقد احتوى على 440 حجرة، ومرابط لخيل يصل عددها إلى 1.200. وأبدع مصمموه الفرنسيون رسم واجهته الشمالية ولكنها اختلطت بمتاهة من الأبراج، و "الفوانيس"، والقمم، والزخارف المنحوتة. وميزوا داخل القصر ببيت للسلم حلزوني فخم جداً، فريد بممره المزدوج الذي يفصل المصعد عن المهبط. وكان فرانسوا يؤثر شامبور ويراها مكاناً ممتعاً للصيد، وفيها أحبت حاشيته أن تحتشد في كل زينتها، وفيها قضى سني عمره الأخيرة. وقد دمر الثوار في 1793 معظم الزخرف الداخلي للقصر بدافع الانتقام المتأخر من إسراف الملوك الفرنسيين، وهناك قصر آخر شيد على عهد فرانسوا- وهو قصر مدريد في غابة بولون- وقد حلاه جيرولامو ديللا روبيا بواجهة من الخزف الإيطالي (الميوليك)، ولكنه دمر تدميراً تاماً أيام الثورة.

على أن الإسراف لم يقتصر على الملك وحده. ذلك أن كثيراً من مساعديه شادوا لأنفسهم قصوراً ما زالت تبدو وكأنها مجلوبة من أرض الجان. ومن أروعها آزيه- لو- ريدو، على جزيرة في الآندر، أما صاحبه جيل برتيلو، الذي بناه في 1521، فلم يكن خازناً لفرنسا عبثاً، وبنى توما بوييه كبير مأموري الضرائب في نورماندية قصر شينونسو (1513 وما بعدها)، وأعاد جان كوتو وزير المالية بناء قصر مانتنون ، وشيد جيوم دمونمورنسي في شانتبي (1530) قصراً فخماً كان ضحية أخرى من ضحايا الثورة. وبنى ابنه آن دمونمورنسي، أحد كبار موظفي الأمن في فرنسا، قصر إيكوان (1531- 40) على مقربة من سان دنيس. ورمم جان ليبرتون، وزير الدولة، قصر فيللاندريه، وأكمل شارل دسبيني قصر أوسيه. أضف إلى هذه كلها "أوتيلات" أو قصور فالنسي، وسمبلانسي في تور، واسكوفيل في كان، وبرنوي في تولوز، ولالمون في بورج، وبور- ترولد في روان، وعشرات غيرها، وكلها من نتاج هذا العهد المسرف، وفي وسعنا أن نحكم الآن على مدى ثراء النبلاء وفقر الشعب في تلك الفترة.

وأحس فرانسوا أن قصر فونتنبلو الذي يسكنه لا يفي بأغراضه، فقرر أن يعيد بناء ما بناه لويس السابع ولويس التاسع من قبل، لأن فونتنبلو كانت كما قال تشلليني "أحب بقاع المملكة إلى الملك". لذلك رمم البرج المحصن والكنيسة. أما باقي القصر فهدم، وأقام جيل دبريتون وبيير شامبيج مكانه، بطراز النهضة، مجموعة من القصور ربط بينها "بهو فرانسوا الأول" الرشيق. أما مظهر القصر فلم يكن جذاباً، ولعل الملك رأى- كما رأى أقطاب التجارة بفلورنسة- أن واجهة ضخمة لقصر قريب جداً من المدينة قد تثير حسد الجماهير. فاحتفظ بميوله الجمالية ليشبعها بزخرفة الداخل، واعتمد في هذه المهمة على فنانين إيطاليين نشئوا على التقاليد الزخرفية التي أرساها رفائيل وجوليو رومانو.

وظل إل روسو- الذي اشتق لقبه هذا من تورد وجهه- عشر سنوات (1531- 41) عاكفاً على زخرفة بهو فرانسوا الأول. ويصف فازاري هذا الفنان الذي كان يومها في عامه السابع والثلاثين بأنه رجل "ذو طلعة مشرقة، وحديث رزين لطيف، موسيقار كفء، وفيلسوف ضليع" و "معماري ممتاز"، وهو إلى ذلك نحات ومصور(7). وكذلك كان الرجال المتكاملون من أهل عصر التوسع الذي نحن بصدده. وقسم روسو الجدران إلى خمسة عشر حشوة، كلها محلي بطراز النهضة المسرف: قاعدة من السنديان الجوزي المنقوش والمطعم، ولوحة جصية جدارية ذات مناظر من الأساطير الكلاسيكية أو التاريخ، ومحيط غني من الزخارف الجصية في التماثيل، والودع، والسلاح، والمداليات، وأشكال الحيوان أو الإنسان، وأكاليل الزهر أو الفاكهة، ثم سقف من الخشب العميق الحفر يكمل تأثير اللون الدافئ، والجمال الحسي، والبهجة العابثة. وكان هذا كله ينسجم غاية الانسجام مع ذوق الملك، فأنعم على روسو ببيت في باريس، وبمعاش قدره 1.400 جنيه (35.000 دولار؟) في العام. يقول قازاي "وعاش الفنان في بذخ النبلاء، يحف به من خدمه وخيوله، ويولم الولائم لأصدقائه"(8). وقد جند لخدمته من المصورين والنحاتين ستة من الإيطاليين، وعدة فرنسيين، وهم الأصل والنواة ل "مدرسة فونتنبلو". وفي قمة نجاحه وعظمته قضى طبعه الإيطالي الحاد على نشاطه. ذلك أنه اتهم أحد مساعديه المدعو فرانشسكو بللجرينو بالسرقة. ولكن براءة بللجرينو تكشفت بعد أن عذب عذاباً شديداً. وشعر روسو بالخزي وتأنيب الضمير، فتجرع السم ومات معذباً، ولما يجاوز السادسة والأربعين (1541).

وحزن عليه فرانسوا، ولكنه كان قد وجد في بريماتتشيو فناناً قادراً على مواصلة عمل روسو بالأسلوب ذاته، أسلوب الخيال الشهواني. كان بريماتتشيو فني وسيماً في السابعة والعشرين يوم وطئ أرض في فرنسا عام 1532. وسرعان ما تبين الملك كفاياته المتعددة معمارياً ومثالاً ومصوراً.

فعين له عدد من المساعدين، وراتباً طيباً، ثم اختصه بعد ذلك بموارد أحد الأديار، وهكذا حولت عطايا المؤمنين إلى فن لعله كان يصدم مشاعر الرهبان لو شهدوه. وصمم بريماتتشيو رسوماً للمصنع الملكي لنسيج المرسوم، وحفر رفاً رائعاً لمدفأة حجرة الملكة إليونورا بقصر فونتنبلو، ورد على رعاية الدوقة ديتامب وحمايتها إياه بتزيين حجرتها في القصر بصور وتماثيل جصية. وقد ماتت الصور مرات تحت ترميماتها العديدة، ولكن التماثيل محتفظة بروعتها، وبينها تمثال من الجص لسيدة ترفع يديها إلى طنف، وهو من أبدع التماثيل في الفن الفرنسي. ترى كيف يسع ملكاً تعشق مثل هذا العري المتظاهر بالاحتشام أن يرتضي الكالفنية بديلاً عن كنيسة تبتسم في تسامح لتصوير هؤلاء العاريات الفاتنات؟.

ولم تهتز مكانة بريماتتشيو ولا هذب أسلوبه بعد موت هذا الملك "الساطير" وارتقاء هنري الثاني للعرش، فقد عكف الآن (1551- 56) بمساعدة فيليبير ديلورم ونيكولو ديللاباتي على تصميم بهو هنري الثاني في فونتنبلو وتصويره ونقشه وتزيينه بشتى الزخارف. وقد دمرت اللوحات هي الأخرى، ولكن جمال التماثيل الأنثوية ما زال يخلب الألباب، وفي الجدار النهائي من العناصر الكلاسيكية ما يجعله الروعة مجسمة والجلال متجسداً. وفاق بهو أوليس في روعته حتى بهو هنري الثاني على ما روي (لأن البهو دمر في 1738)، وقد زينه بريماتتشيو ورفاقه بمواضيع مختارة من الأوديسا بلغ عددها 161. ويعين قصر فونتنبلو انتصار الطراز الكلاسيكي في فرنسا. وقد ملأ فرانسوا قاعاته بتماثيل وتحف اشتريت له في إيطاليا فدعمت روعتها رسالة الفن الكلاسيكي. وفي هذه الأثناء نشر سباستيانو سيرليو، الذي عمل فترة في قصر فونتنبلو، كتابه Opere di arehitettura، (1548)، وفيه بشر بالكلاسيكية الفتروفية التي دان بها أستاذه بالداسار بتروتزي، وقد قام بترجمته إلى الفرنسية لتوه جان مارتان، الذي ترجم أيضاً فتروفيوس (1547). وراح الفنانون الفرنسيون الذين دربهم روسو أو بريماتتشيو ببثون من مدرسة فونتنبلو القواعد والمثل الكلاسيكية في أرجاء فرنسا، فظلت مسيطرة عليها قروناً هي وما يقابلها من أشكال الأدب الكلاسيكية التي بدأتها جماعة البلياد. وذهب الفنانون الفرنسيون أمثال جاك أ. دسرسو، وجان بوللان، وديلورم، إلى إيطاليا منفعلين بسرليو وفتروفيوس، لكي يدرسوا آثار العمارة الرومانية، ونشروا بعد عودتهم أبحاثاً صاغوا فيها الأفكار الكلاسيكية. ونددوا كما ندد رونسار ودبلليه بالطرز الوسيطة لما فيها من همجية، وصمموا على تهذيب المضمون وإحالته شكلاً. وبفضل هؤلاء الرجال وكتبهم انبعث المعماري فناناً متميزاً عن البناء الماهر، ذا مكان مرموق في السلم الاجتماعي. ولم تعد بذلك حاجة إلى الفنانين الإيطاليين في حركة البناء الفرنسية، لأن فرنسا تخطت الآن إيطاليا إلى روما القديمة ذاتها تستوحيها فنون المعمار، وجمعت جمعاً رائعاً بين الأساليب الكلاسيكية وتقاليد فرنسا ومناخها.

في هذا الجو- جو الفكر والفن- ارتفع أنبل بناء مدني في فرنسا. والمتأمل للوفر اليوم من شاطئ السين الأيسر، والمتجول يوماً بعد يوم خلال متحف العالم هذا الحافل بالكنوز، يتضاءل خشوعاً ورهبة أمام ضخامة هذا الأثر. ولو خيرنا أي بناء فرد نرى الإبقاء عليه في كارثة عالمية مدمرة لاخترقنا اللوفر. كان فليب أغسطس قد بدأ تشييده حوالي عام 1191 قلعة محصنة تقي باريس شر الغزو على طول نهر السين. ثم أضاف شارل الخامس جناحين جديدين (1537) وبيتاً للسلم من خارج ريما كان الموحى بتحفة قصر بلوا. ولما وجد فرانسوا أن هذا البناء الوسيط، نصف القصر ونصف السجن، غير صالح لسكناه ولهوه، أمر بهدمه وعهد إلى ببير ليسكو (1556) أن يقيم في مكانه قصراً يليق بملك يتربع على عرش فرنسا النهضة. ولما مات فرانسوا بعد عام أمر هنري الثاني بالمضي في المشروع.

كان ليسكو نبيلاً وقسيساً، فهو سيد كلاني الإقطاعي، ورئيس دير كليرمون، وكاهن نوتردام، ومصور ونحات معماري. وهو الذي صمم علية الصليب في كنيسة سان جرمان لوكسروا (التي دمرت في 1745) والقصر الذي أصبح الآن "أوتيل كارنافاليه". وقد استعان في هذين العملين بصديقه جان جوجون ليقوم بالنحت الزخرفي، وحين تقدم العمل في اللوفر الجديد دعا جوجون ليزينه. وفي 1548 شيد ليسكو الجناح الغربي للقصور التي تضم اليوم فناء اللوفر المربع (الكوركاريه). أما الواجهة فهي من الأرض إلى السطح من إملاء طراز النهضة الإيطالية، على وجه الحصر (كما كان رابليه يقول لو رآها): ثلاثة صفوف من النوافذ المستطيلة، وتفصل بين الصفوف كرانيش من الرخام، أما النوافذ فتفصل بينها عدة أعمدة كلاسيكية، ثم ثلاثة أروقة تعتمد على عمد كلاسيكية أنيقة، ولم يكن فرنسياً غير السقف المائل، ولكن الحلبات المعمارية كانت هنا أيضاً ذات جمال كلاسيكي. ولولا أن جوجون أدخل تماثيل في كوي الأروقة وحفر نقوشاً بديعة في القواصر وتحت الكرانيش، وتوج النتوء الأوسط بشعار هنري وديانا- لولا هذا لكان المنظر العام شديد الصرامة. وفي داخل جناح ليسكو هذا بني جوجون قاعة تسمى Salle des Cariatides- أربع إناث رائعات يسندن شرفة للموسيقيين؛ وجوجون أيضاً هو الذي زخرف قبو السلم الكبير المؤدي إلى الحجرة الملكية التي نام فيها ملوك فرنسا ابتداء من هنري الرابع إلى لويس الرابع عشر. واستمر العمل في بناء اللوفر وزخرفته أيام شارل التاسع وهنري الرابع ولويس الثالث عشر ولويس الرابع عشر ونابليون الأول ونابليون الثالث، ملتزماً على الدوام الطراز الذي حدده ليسكو وجوجون بحيث أصبح هذا الصرح الفسيح هو العصارة المركزة لثلاثة قرون ونصف من حضارة طحنت كد الشعب لتخرج منه هذه الروائع الفنية. ترى، أكان ممكناً بناء اللوفر لو أنصفت الأرستقراطية الشعب؟.

وأبدع فيليبير ديلورم لهنري الثاني وديان دبواتييه آيات في العمارة كأنها في سحرها جنات عدن. وقد درس فيليير في شبابه آثار روما القديمة وقومها، فأحبها، ولكنه أعلن عقب عودته إلى فرنسا أن العمارة الفرنسية يجب منذ الآن أن تكون فرنسية. وكانت روحه- روح الوثنية الكلاسيكية والوطنية الفرنسية- هي بالضبط برنامج جماعة البلياد. وقد صمم سلم "الكورد يزادييه" Cour des Adieux بفونتنبلو على شكل حدوة حصان، والمدفأة والسقف الغائر النقوش في بهو هنري الثاني. وشيد لديان في آنيه (1548- 53) مدينة حقيقية من القصور والحدائق الرسمية، وهناك وضع تشلليني تمثاله "حورية فونتنبلو" في قوصرة، وبز جوجون المثال الفلورنسي بمجموعته التي تمثل ديانا وأيلها. ومعظم هذا الفردوس النفيس حل به الدمار، ولم يبق منه سوى بوابة لا تثير إعجاباً بذكر في فناء مدرسة الفنون الجميلة بباريس. ولأجل هذه الخليلة المنتصرة نفسها أكمل قصر شنوسو- هدية صغيرة من مليكها المتيم، وفيليب هو الذي فكر في مد القصر عبر الشير. ولما أخذت كاترين مديتشي القصر من ديان، واصل ديلورم جهوده الشاقة فيه حتى اكتملت هذه الآية الفنية. على أن أسلوبه الرياضي المسرف لم ينل الرضا حيناً، فاعتكف ليؤلف بحثاً موسوعياً في العمارة. ثم دعته كاترين ثانية في شيخوخته ليستأنف العمل، فصمم لها قصراً جديداً هو التويلري (1564- 70) الذي دمره كومون 1871. وقد تلقى الفنان من جميع رعاة فنه مكافآت سخية. فأصبح قسيساً، شغل عدة وظائف كنسية مجزية. ثم مات في 1570 كاهناً لنوتردام، بعد أن دبر في وصيته مستقبل طفليه غير الشرعيين(9). كان جان بولان الثالث المعماريين النوابغ الذين زينوا فرنسا في عهود زوج كاترين وأبنائها. وقد اكتسب شهرته في ثلاثيناته بمدينة أكوان إذ صمم قصراً ريفياً لآن دمونمورنسي بلغ الكمال في خطوطه الكلاسيكية. وفي ستيناته خلف ديلورم في بناء التويلري وواصل العمل إلى أن مات- "من يوم إلى يوم، أموت وأنا أتعلم" على حد قوله.

لقد درج الناس على أن يأسفوا لاستيراد العمارة الفرنسية للطرز الإيطالية، وعلى أن يقولوا إن الفن القوطي الوطني لو ترك دون أن يحرفه هذا التأثير لتطور إلى عمارة مدنية أنسب للرشاقة الفرنسية من الخطوط الصارمة نسبياً التي اتسمت بها الطرز الكلاسيكية. ولكن الفن القوطي كان في طريقه إلى الموت من الشيخوخة، ربما من الإسراف الهرم والزوقة العتيقة؛ لقد جرى شوطه وانتهى. وكان اتكاء الفن اليوناني على ضبط النفس والاستقرار والخطوط البنائية الواضحة خير ما يصلح للتخفيف من الاندفاع الفرنسي والسير به إلى نضج مهذب. وقد ضحى في هذا السبيل ببعض طرافة العصر الوسيط، ولكن هذه أيضاً عاشت أيامها وانقضت، وهي لا تبدو جذابة إلا لأنها ماتت. ولما طور معمار النهضة الفرنسية طابعه القومي الخاص، مازجاً الرواشن والسطوح المائلة بالأعمدة والتيجان والقواصر، منح فرنسا طوال ثلاثة قرون طرازاً في البناء كان مثار حسد أوربا الغربية. ونحن نحس الآن أن هذا الطراز كان جميلاً لأنه هو الآخر في طريقه إلى الزوال.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفنون الملحقة

قام مئات من الصناع الفنانين بتزيين الحياة الفرنسية في هذا العصر المرح، عصر فرانسوا الأول وهنري الثاني. ونقش النجارون مقاعد المرتلين في كنائس بوفيه، وآميان، وأوخ، وبرو، وتجرءوا على زخرفة المباني القوطية بمناظر حية من النهضة تمثل آلهة الحقوق، والعرافات. وأتباع باخوس والسواتير، بل تمثل بين الحين والحين فينوس أو كيوبيد، أو جانيميد. أو قد تراهم- لكي نلاحقهم ملاحقة محمومة- يصنعون الموائد، والكراسي، والإطارات، والمراكع، والأسرة، والخزائن، وينقشونها بزخارف ربما كانت مسرفة، أو يكتفونها بالمعادن أو يطعمونها بالعاج أو الأحجار الكريمة. أما صناع الأشغال المعدنية الذين بلغوا الآن ذروة الإتقان فقد خلعوا الجمال الرائع على الأواني والأسلحة بزخرفتها بالنقوش الدمشقية أو بحفرها، ورسموا النوافذ ذات المصبعات- بقصائد من الشعر في زخرف حديدي من الشجر- للكنائس والهياكل والحدائق والمقابر، أو صنعوا مفصلات كتلك التي نراها على أبواب نوتردام الغربية، وفيها من الجمال ما جعل الأتقياء ينسبون صنعها إلى أيدي الملائكة. وقد اعترف تشلليني، وهو الذي لم يبق لغيره مديحاً يذكر بعد أن أشيع حاجاته منه، بأن الصباغ الفرنسيين قد بلغوا في صنعهم آنية الكنائس- أو آنية المنازل كتلك التي حفرها جان دوريه لهنري الثاني- "درجة من الإتقان والكمال لا تجدها في أي بلد آخر"(10). أما الزجاج الملون (المعشق) في كنيسة مرجريت النمساوية في برو، أو في كنيسة سانت إتيين في بوفيه، أو في كنيسة سانت إتيين دمون في باريس، فقد كشف عن عظمة لم تكن فارقت فرنسا بعد. وقد أنشأ فرانسوا في فونتنبلو مصنعاً تنسج فيه قطع النسيج المرسومة قطعة واحدة بدلاً من صنعها أجزاء منفصلة تخاط معاً كما كانت الحال من قبل، وخلطت الخيوط الذهبية والفضية في سخاء بالحرير والصوف المصبوغين. وبعد عام 1530 لم تعد نماذج قطع النسيج الفرنسي المرسوم ومواضيعه قوطية وفروسية، بل اتبعت تصميمات النهضة وموضوعاتها المجلوبة من إيطاليا.

وغلبت رسوم النهضة الزخرفية على الحراريات في خزف ليون (المايوليك)، وفي قاشاني جنوبي فرنسا، وفي صناعة المينا بليموج. ورسم ليونار ليموزان وغيره بألوان المينا المصهورة البراقة أشكالاً أنيقة من النبات والحيوان والآلهة والبشر على الأواني النحاسية كالأحواض والزهريات والأباريق والكئوس والأطباق وغيرها من الأواني المتواضعة التي سموا بها إلى مرتبة التحف الفنية. وهنا أيضاً كان لفرانسوا فضل المشاركة، فقد وضع ليونار على رأس مصنع المينا ملكي بليموج، وخلع عليه لقب "الوصيف الخاص للملك". وتخصص ليونار في رسم صور الأشخاص بالمينا على الأطباق النحاسية، وفي متحف المتروبوليتان بنيويورك نموذج رائع منها يصور فرانسوا نفسه، وغير هذا كثير في قاعة أبوللو باللوفر مما يشهد في هدوء لهذا العهد الذهبي.

كان تصوير الأشخاص فناً مكتمل النضج في فرنسا قبل قدوم الإيطاليين. فمن الفنانين الإيطاليين في فرنسا كان بوسعه أن يرسم أروع من صورة جيوم دمونمورنسي التي رسمها فنان كبير لم يذكر عليها اسمه حوالي عام 1520، والمحفوظة اليوم بمتحف ليون؟- Voila un homme! "هاكم رجل"- إنها ليست تحية مصورة، إنها رجل. لقد جلب روسو وبريماتتشيو وديللاباتي وغيرهم من مدرسة فونتنبلو إلى فرنسا ما تعلموه من رفائيل أو برينو ديلفاجاً أو جوفاني دا أوديني أو جوليو رومانو عن زخرفة العمد والكرانيش والأسقف... بال "جروتسك" أو الأشكال العابثة- أشكال الملائكة (الكاروبيم) والأطفال واللوالب والزخارف العربية والنبات. وقد رسم عضو مجهول من أعضاء هذه المدرسة لوحة "ديان دبواتييه" المحفوظة الآن بمتحف ورستر بولاية ماساشوستس- جالسة إلى أخوان زينتها وعلى رأسها تاج. وبعد عام 1545 قدم إلى فرنسا كثير من المصورين الفلمنك، فيهم بروجل الأب، ليدرسوا الأعمال الفنية في فونتنبلو. ولكن أسلوبهم كان أعمق جذوراً من أن يستسلم للتأثير الإيطالي. وتغلبت القوة الواقعية التي اتسم بها فنهم على الجمال الأنثوي الذي تجلى في فن ورثة رفائيل.

وكادت أسرة فلمنكية واحدة في فرنسا أن تؤلف مدرسة قائمة بذاتها. كان يوحنا كلويه Clouet ملحقاً ببلاط فرانسوا في تور وباريس، وكل الناس يعرفون الصورة التي رسمها للملك حوالي 1525 والمحفوظة الآن باللوفر، وجسم فيها الملكية المستكبرة المغرورة السعيدة قبيل كبوة من كبواتها. وخلف فرانسوا كلويه أباه يوحنا مصوراً للبلاط، وسجل بالطباشير أو الزيت صور كبار القوم خلال حكم أربعة من ملوك فرنسا. واللوحة التي رسم فيها هنري الثاني أروع من تلك الصور التي صور فيها أبوه فرانسوا الأول. ويدهشنا أن نرى في اللوحة تلك الهوة بين العاشق المرح والابن المكتئب المزاج، وفي وسعنا أن نفهم منها كيف استطاع هذا الرجل أن يصدق على تشكيل "الغرفة الغيور" لاضطهاد المهرطقين، وإن لم نلمح في الوجه- الذي يكاد يكون بورجياً- أي إلماع لوفائه المقيم لديان. ووجدت أسرة كلويه من تحداها بعض الوقت في شخص كورني الليوني الذي نافسها بمرسم خاص به، وظهر هذا التحدي في صور كصورة المرشال بونيفيه، عشيق مرجريت. ولكن أحداً من المعاصرين في فرنسا لم يستطع مجاراة فرانسوا كلويه في ذلك الحشد من الصور التي رسمها لكاترين مدتشي، وفرانسوا الثاني، وماري ملكة إسكتلندة، وإليزابيث فالوا، وفيليب الثاني، ومرجريت زوجة هنري الرابع المقبلة، وشارل التاسع في شبابه- وقد بدا ألطف من أن نتبين فيه ملك "المذبحة" المرتاع. في هذه الصور نرى الواقعية والصدق الفلمنكيين وقد خففت من حدتهما الرقة والدقة والحيوية الفرنسية، فالنبرة خافتة، والخط دقيق مطمئن، وعناصر الشخصية المعقدة مقتنصة وموحدة. مثل هذا المؤرخ النابض بالحياة لن تستمتع بفنه غير إنجلترا هوليين.

كان النحت خادماً للعمارة، ومع ذلك فهو صاحب الفضل في تألقها. والواقع أن النحت الفرنسي راح يخرج سيلاً متدفقاً من الروائع التي لم ينفقها إلا تلك التي كان ميكل أنجيلو وغيره ينحتونها من كارارا، مثال ذلك المقابر الفخمة، كمقبرة لويس الثاني عشر ومقبرة آن البريتانية اللتين نحتهما جوفاني دي جيوستوبتي (في سان دنيس)، وكمقبرتي اثنتين من كرادلة آمبواز نحتهما رولان لرو وجان جوجون (في روان)، وكمقبرة لوي دبريزيه، زوج ديان، في الكاتدرائية ذاتها، التي نحتها مثال غير معروف على التحقيق. وتبدو مقبرتا روان أوفر زينة مما يليق بجلال الموت، ولكن الكردينالين يكادان يبعثان من جديد على صورة حكام أقوياء لا يحاول المثالان خلع الكمال عليهما، إنما الدين عندهما أمر عارض وسط مهام الحكم. وقد دفن فرانسوا الأول، وزوجته كلود، وابنته شارلوت، بسان دنيس في مقبرة من طراز النهضة صممها ديلورم، تزينها منحوتات فخمة نحتها بيير بونتم. وعلى مقبرة منها رائعة صغيرة من صنع بونتم- هي وعاء جنائزي لقلب الملك. وهكذا لم يعد المثالون الفرنسيون في حاجة إلى الوصاية الإيطالية ليرثوا فن روما الكلاسيكي.

ولقد ورث جان جوجون الجمال الكلاسيكي على الأقل. ونحن نسمع به لأول مرة في سنة 1540، وقد ورد في القائمة أنه "حجار وبناء" في روان. وفي روان قطع الأعمدة التي يرتكز عليها الأرغن في كنيسة سان ماكلو، ونحت تماثيل لمقبرتي الكردينالين، وربما لمقبرة بريزيه. وقد زين حجاب الصليب في كنيسة سان جرمان لوكسروا بمنحوتات محفوظ بعضها في اللوفر. وهي تذكرنا بالنقوش الهلنستية البارزة في الأناقة المتناغمة التي اتسمت بها خطوطها. وقد قاربت الكمال تلك الموهبة المميزة لفن جوجون، وهي تجسيد الجمال الأنثوي، في تمثال "الحوريات"، الذي شارك به في "نافورة الأبرياء" التي صممها ليسكو (1547)، وفي رأي برنيني أن هذه التماثيل أجمل آثار الفن في باريس. وقد ذكرنا من قيل تمثال جوجون "ديانا والأيل" في آنيه، ومنحوتاته في اللوفر. وتماثيله للآلهة الوثنية، ولجسد المرأة الممثل في صورة كاملة، توحي بأن فرنسا قد انتصرت فيها النهضة على حركة الإصلاح البروتستنتي، والأفكار الكلاسيكية على الأفكار القوطية، والمرأة على منتقصي قدرها في العهد الوسيط. ومع ذلك وصف الرواة جوجون بأنه هيجونوتي. وعقاباً له على حضوره عظة لوثرية، حكم عليه حوالي عام 1542 بأن يسير في شوارع باريس بقميصه وبأن يشهد حرق واعظ بروتستنتي(11)، وحوالي عام 1562 رحل عن فرنسا قاصداً إيطاليا. ومات في بولونيا قبل عام 1568، مغموراً مهملاً إهمالاً لا يستحقه رجل ارتقى بفن النهضة إلى ذروته في فرنسا.


بييتر بروجل 1520 - 1569

كان هذا العصر مقفراً في فن الأراضي المنخفضة إذا استثنينا بروجل والنسيج المرسوم. وتذبذب فن التصوير بين تقليد الإيطاليين- في الأسلوب المهذب والألوان الغنية والأساطير الكلاسيكية والنساء العاريات والخلفيات المعمارية الرومانية- وبين الميل المتأصل إلى التصوير الواقعي لكبار الشخصيات وللأشياء العادية. ولم يحظ الفنانون بالرعاية من البلاط والكنيسة والنبلاء فحسب، بل نالوها باطراد من أغنياء التجار الذين عرضوا أجسادهم البدنية وألغادهم المتهدلة ليعجب بها الخلف، وأحبوا أن يروا في الصور المناظر المألوفة والمشاهد الطبيعية لحياتهم الفعلية. وحلت روح الفكاهة، وحب "الجروتسك" أحياناً، محل الإحساس بالتسامي في فن كبار الفنانين الإيطاليين. وقد أنتقد ميكل أنجيلو ما رآه افتقاراً إلى التمييز والسمو في الفن الفلمنكي فقال: "إنهم لا يرسمون في فلاندر إلا ليخدعوا العين الظاهرة، أشياء تبهجك... حشائش الحقول، وظلال الأشجار، والكباري والأنهار... وأشياء صغيرة هنا وهناك... دون عناية بالاختيار أو الرفض"(12). ولا غرو فالفن عند ميكل أنجيلو هو الاختيار ذو الدلالة لإبراز السمو، لا التمثيل غير المميز للواقع، وكانت طبيعته الوقور، المحبوسة في حذائه الذي لا ينزع وعزلته الكارهة للناس، محصنة ضد التأثر بجلال الحقول الخضراء وحرارة الحب العائلي.

أما نحن فإننا ننحني إنحناءة العرفان ليواكيم باتينير، ولو لما صورته لوحته "القديس جيروم" من منظر طبيعي يذكرنا بأسلوب ليورنادو دافنشي، ولجوس فان كليف على لوحته الجميلة التي رسم فيها اليانور البرتغالية، ولبرنيرت فان أورلي اللوحة "العائلة المقدسة" في البرادو، ولتصميماته للنسيج المرسوم، ولزجاجه المعشق في كنيسة سانت جودول ببروكسل؛ وللوكاس فإن ليدن لما حفلت به سنوه التسعة والثلاثون من حشد النقوش والكلشيهات الخشبية، ولجان فإن سكوريل على صورة المجدلية وهي تعتز بقارورة الطيب التي غسلت منها أرجل المسيح، ولأنطونيس مور على صوره القوية لدوق ألفا، وللكردينال جرانفيل، ولفيليب الثاني، ولماري تيودور، ولصورة ليست أقل شأناً من كل أولئك، وهي صورته هو.

وليلاحظ القارئ كيف تركز فن التصوير بالأراضي المنخفضة في الأسر. من ذلك أن جوس فان كليف ورث بعض مهارته لابنه كورنيليس، الذي رسم صوراً ممتازة قبل أن يصاب بالجنون. كذلك نرى جان ماسيس الذي ورث مرسم أبيه كوينتين يؤثر رسم العاريات أمثال "يهوديت"، و "سوسنة والشيوخ"، وواصل ابنه كوينتين ماسيس الثاني هذه الحرفة، في حين خمل أخوه كورنيليس فنه إلى إنجلترا ورسم لوحة لهنري الثامن في شيخوخته وقد بدا منتفخ البدن بشع المنظر. ورسم بييتر بوربوس وابنه فرانس لوحات للأشخاص وصوراً دينية في بروج، ورسم فرانس بوربوس الثاني، وهو ابن فرانس، لوحات في باريس ومانتوا. وكان هناك إلى هؤلاء بييتر بروجل "المضحك" وزوجته المصورة، وحماته المصورة، وأبناه بييتر بروجل "الجحيم" وجان بروجل "المخمل"، وحفدته المصورون، وأبناء حفدته المصورون...

أما بييتر بروجل الأب، الذي أصبحت شهرته من موضات عصرنا التي لا مهرب منها، فلعل اشتق اسمه من إحدى قريتين في برابانت اسمهما بروجل، وكانت إحداهما قريبة من هرتوجنبوش مسقط رأس هيرونيموس بوش. وربما رأى بييتر في كنائس هذه القرية عدة رسوم بريشة الرجل الذي أثر في فنه تأثيراً لم يفقه غير تأثير الطبيعة ذاتها. وحين ناهز الخامسة والعشرين (حوالي عام 1545) هاجر إلى أنتورب وتتلمذ لبييتر كوك، وربما أعانت محفورات كوك الخشبية للمناظر الطبيعية على تكوين ميل المصور الشاب إلى الحقول والغابات والمياه والسماء. وكان بييتر كوك هذا قد أنجب فتاة تدعى ماريا، كان بييتر يهدهدها بين ذراعيه وهي طفلة، وقد أصبحت فيما بعد زوجاً له. وفي عام 1552 اتبع التقليد الذي جرى عليه المصورون، ورحل إلى إيطاليا ليدرس التصوير، ثم عاد إلى أنتورب بكراسة تضخمت برسوم المناظر الإيطالية، ولكن لم يبد على أسلوبه الفني تأثير إيطالي واضح. وقد ظل إلى النهاية يهمل من الناحية العلمية تلك الدقة في التشكيل، وفي توزيع الضوء والظل (الكياروسكيورو)، وفي التزويق (الكولورا تورا) التي أخذ بها الفنانون الجنوبيون. ولما عاد إلى أنتورب عاش مع امرأة كانت خليلة ومدبرة لبيته. وقد وعدها بأن يتزوجها إذا أمسكت عن الكذب. وكان يسجل أكاذيبها بثلمات يحدثها في عصا. وإذ لم يكن محتفظاً بعصا لذنوبه هو، فقد هجرها حين فاضت العصا بالثلمات. وفي أواسط أربعيناته (1560) تزوج ماريا كوك وقد بلغت السابعة عشرة، واستمع إلى دعوتها إياه للرحيل إلى بروكسل، ولم يكن باقياً له من العمر سوى ست سنوات.

ومع أن رسومه حملت الناس على تلقيبه بـ "بروجل الفلاح" فإنه كان إنساناً مثقفاً قرأ هومر وفرجل وهوراس وأوفيد ورابليه، وفي الغالب إرزمس.(13) وقد وصفه كاريل ماندر (فازاري هولندة) بأنه "هادئ، منظم، قليل الكلام، ولكنه ممتع الحديث إذا كان في صحبة، يبتهج بإفزاع سامعيه.... بقصص الأشباح والأرواح المنذرة(14). وربما كان هذا علة لقبه الثاني "بروجل المضحك". وكانت فكاهته تميل إلى الهجاء ولكنه خفف بالعطف، وفي حفر معاصر يبدو في لحية كثة ووجه يحمل سمات التفكير الجاد(15). وكان أحياناً يقتدي ببوش في نظرته إلى الحياة على أنها اندفاع معظم النفوس إلى الجحيم دون مبالاة. وفي لوحته المسماة "دوللي جريت" صور الجحيم تصويراً بشعاً مشوشاً كما يفعل بوش نفسه، وفي لوحته "انتصار الموت" لم يتخيل الموت نوماً طبيعياً لأجساد مكدودة، بل تقطيعاً بشعاً للأطراف والحياة- هياكل عظمية تهاجم الملوك والكرادلة والفرسان والفلاحين بالسهام والبلط والأحجار والمناجل- ومجرمين تدق أعناقهم أو يشنقون أو يوثقون إلى عجلة التعذيب- وجماجم وجثثاً تركب عربة؛ هنا مثل مغاير آخر ل "رقصة الموت" التي تسري وسط فن هذا العهد القاتم.

وتواصل صور بروجل الدينية هذا المزاج الجاد. فهي خلو من فخامة الصور الإيطالية ومن جمالها الرشيق على السواء، وليست سوى ترجمة جديدة لقصة الكتاب المقدس بلغة المناخ والملامح والثياب الفلمنكية. وندر تكشف عن عاطفة دينية، وأكثرها معاذير لتصوير الجماهير. وحتى الوجوه في هذه الصور خلو من العواطف، فترى الناس المتدافعين بالمناكب ليشاهدوا المسيح وهو يحمل صليبه وكأنهم لا يبالون بآلامه، إنما هم تواقون لاتخاذ موقف يشهدون منه المنظر بوضوح. وبعض هذه الصور أمثال من الإنجيل كصورة "الزارع"، وبعضها يقلد بوش فيتخذ الأقوال المأثورة موضوعاً له. فصورة "عميان يقودون عمياناً" ترينا صفاً من الفلاحين لهم عيون ذابلة. وفيهم قبح شنيع، يتلو بعضهم بعضاً في طريقهم إلى مصرف للمياه. ولوحة "الأمثال الهولندية"، توضح في صورة مكتظة واحدة، قرابة مائة من الأقوال المأثورة القديمة، بعضها تشم فيه عبير الحكم الرابليه. كان هم بروجل الأكبر تصوير جماهير الفلاحين، والمناظر التي تنتظم بخيرها وشرها على السواء أنشطة البشر العقيمة المغتفرة. ولعله ظن أن في تصوير الجماهير سلامة، فلا حاجة به عند تصويرها لأن يميز الوجوه أو يشكل الأجساد. وقد أبى أن يصور شخصاً يجلس أو يقف أمامه خدمة للفن أو للتاريخ ، وآثر أن يظهر الرجال والنساء والأطفال يمشون ويجرون ويقفزون ويرقصون ويلعبون بكل ما في الحياة من ألوان الحركة والفطرة. وقد رجع إلى مشاهد طفولته، وأمتعه أن يتأمل ويشارك في مباهج الفلاحين وولائمهم وموسيقاهم وأعراسهم. وكان في عدة مناسبات يصطحب صديقاً ويتنكران في زي مزارعين ليحضرا أسواق القرية وأفراحها، ثم يقدمان الهدايا للعروسين متظاهرين بأنها من أقربائهما(17). ولا شك أن بييتر كان في هذه النزهات يحمل كراسته لأن بين رسومه الباقية كثيراً مما تظهر فيه وجوه الفلاحين وأحداث الريف. ولم يكن ذوقه يسيغ النبلاء الذين وجد مور وتيشان في تصويرهم مجلبة للربح الوفير، ولا كلف بتصويرهم. ولم يرسم سوى بسطاء الناس، بل إن الكلاب التي رسمها كانت كلاباً حقيرة مهجنة كتلك التي تلقاها في أي زقاق بالمدينة أو كوخ بالقرية. لقد خبر الجانب المر في حياة الفلاح، وصور هذا الجانب أحياناً خليطاً محتشداً من الحمقى. ولكنه أحب رسم ألعاب الأطفال القرويين، ورقصات كبارهم، وصخب أفراحهم. وفي لوحته "أرض كوكين" ترى الفلاحين الذين أرهقهم الكد أو الحب أو الشراب منبطحين على العشب في الخلاء وهم يحملون بعالم سعيد. وكأن بروجل يقول لنا إن الفلاح دون سواه هو الذي يعرف كيف يلعب وكيف ينام، كما يعرف كيف يشتغل وكيف يتزوج وكيف يموت. ولم ير أمام الموت غير عزاء واحد- هو أنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة، تلك الطبيعة التي تقبلها في جميع صورها من جمال وقبح، ومن نمو وانحلال وتجدد. والمنظر الطبيعي عنده يفتدي الإنسان، وسخف الجزء يغتفر في جلال الكل. لقد كان دأب المصورين من قبله- باستثناء ألتدورفر- أن يرسموا المناظر الطبيعية خلفيات وملحقات للناس والأحداث. أما بروجل فقد جعل المنظر الطبيعي ذاته هو اللوحة، وليس الإنسان فيها سوى عرض من الأعراض. ففي لوحته "سقوط إيكاروس" ترى السماء والمحيط والجبال والشمس وقد استغرقت انتباه المصور والمشاركين في اللوحة، أما إيكاروس فليس سوى ساقين غير ملحوظتين تغوصان في البحر بشكل مضحك. وفي لوحته "العاصفة" لا تكاد ترى الإنسان، فهو ضائع عاجز بين حرب العناصر وبطشها.

ويبلغ فن بروجل وفلسفته قمتهما في اللوحات الخمس الباقية من مجموعة خططها لبيان تقلبات العام. ففي لوحة "حصاد القمح" يصور تخطيطياً قطع حزم القمح وتكديسها، وترى فيها العمال يتناولون غداءهم أو يرقدون في إغفاءة في قيظ الصيف وسكون هوائه الواضحين. وفي لوحة "حصاد الدريس" يحمل الصبيان والبنات فاكهة الحقول الخريفية في سلال على رءوسهم، ويشحذ فلاح منجله، وتقلب الدريس نسوة أشداء، ويرفعه الرجال إلى أعلى حمل العربة، وتمضغ الخيل طعامها في فترة راحة. ولوحة "عودة القطيع" نذير بقدوم الشتاء- فالسماء تكفهر والماشية تساق عائدة إلى مرابطها. وأجمل لوحات المجموعة هي "الصيادون في الثلوج"، وفيها ترى الأسطح والأرض بيضاء ناصعة، والمساكن تنتظم في منظور مدهش على طول السهول والتلال، والرجال يتزلقون ويلعبون الهوكي ويسقطون على الجليد، والصيادين وكلابهم ينطلقون لاقتناص الطعام، والأشجار عارية ولكن زقزقة العصافير في الأغصان تبشر بمقدم الربيع. أما لوحة "اليوم الكئيب" فهي الشتاء مكفهراً إكفهرارة الوداع. في هذه اللوحات بلغ بروجل قصاراه، ووضع سابقة لرسم مناظر الثلوج ليحتذيها فن الأراضي المنخفضة المقبل.

ولا يستطيع الحكم على هذه الصور في مرتبتها وأسلوبها الفنيين سوى رسام أو خبير. ويبدو بروجل قانعاً بأن يعطي أشكاله بعيدين، ولا يكترث لخلط الظل بمادتها، وهو يترك لخيالنا أن يضيف لبعديه بعداً ثالثاً إن لم يكن من هذا بد. واهتمامه بالحشود أكبر من أن يتيح له الاهتمام بالأفراد، وهو يجعل كل فلاحيه تقريباً متماثلين، كتلاً غليظة من اللحم. وهو لا يزعم أنه واقعي إلا في المجموع ، وهو يضع الكثير من الناس أو الأحداث في لوحة واحدة بحيث يبدو أنه يضحي بالوحدة. ولكنه يقتنص الوحدة اللاشعورية- وحدة قرية، أو حشد، أو موجة من موجات الحياة.

فما الذي يريد أن يقوله؟ أهو ساخر فقط، ضاحك من الإنسان لأنه "فجلة مشعبة" غريبة الشكل، ومن الحياة لأنها اختيال غبي نحو الفناء؟ لقد كان يستمتع بما في رقص الفلاحين من هز عنيف، ويتعاطف مع كدهم، وينظر في مرح متسامح إلى نومهم المخمور. ولكنه لم يفق قط من تأثير بوش. فقد كان يجد لذة ساخرة كتلك التي وجدها ذلك "جيروم" المجرد من التقوى في تصوير الجانب المر من الكوميديا البشرية- المقعدين والمجرمين، المهزومين أو الداعرين، انتصار الموت الذي لا رحمة فيه. ويبدو أنه كان يبحث عن الفلاحين الدميمي الخلقة، يرسمهم رسوماً ساخرة، ولا يسمح لهم أبداً بالابتسام أو الضحك، فإذا أضفى على جلافة وجههم أي تعبير فهو تعبير اللامبالاة الغبية، والحساسية التي محتها لطمات الحياة(17). وكان يثيره ويؤلمه ذلك الجمود الذي يحتمل به المحظوظون شقاء الأشقياء، وتلك السرعة والراحة التي ينسى بها الأحياء الأموات. وكان يحزنه منظور الطبيعة الشاسع- تلك السماء الهائلة التي تبدو تحتها كل الأحداث البشرية غارقة في الضآلة، وتلوح الفضيلة والرذيلة، والنمو والانحلال، والشرف والخسة، مضيعة في عبث مترامٍ لا يفرق ولا يميز، والإنسان قد ابتلعه منظر العالم.

ولا ندري أهذه فلسفة بروجل الحقيقية أم أنها دعابة فنه لا أكثر. كذلك لا ندري لم كف عن المعركة بهذه السرعة وقضى وهو بعد في التاسعة والأربعين (1569). ولعله لو مد في أجله لخفقت السنون من غضبه. وقد أوصى لزوجته بلوحة غامضة هي "الطريق المرح إلى المشنقة"، وهي تشكيل رائع في ألوان خضراء نضرة وزرقاء نائية، والفلاحون يرقصون قرب مشنقة القرية ومن فوقها حط طائر العقعق، ويرمز به للسان الثرثار.


كراناخ والألمان

توارى المعمار الكنسي الألماني خلال حركة الإصلاح البروتستنتي. فلم تشيد للفن ولا للدين كنائس جديدة، وترك الكثير من الكنائس دون أن يكمل، وهدم الكثير منها وبنيت بأحجاره قلاع الأمراء. أما الكنائس البروتستنتية فقد انصرفت إلى البساطة الصارمة، وأما الكنائس الكاثوليكية فقد أسرفت في زينتها كأنها تتحدى البروتستنتية، وذلك أثناء انتقال النهضة إلى طراز الباروك.

وحلت العمارة المدنية وعمارة القصور محل بناء الكاتدرائيات في الوقت الذي حل فيه الأدواق محل الأساقفة واحتوت الدولة الكنيسة. وبعض المباني المدنية الجميلة في هذه الفترة كان من ضحايا الحرب العالمية الثانية: مثل الألتاوس في برنزويك، ومقر طائفة الجزارين في هيلدسهايم، والراتهاوس أو قاعة مدينة نيميجين المبنية بطراز النهضة. واتخذ أكثر معمار هذا العهد والعهد الذي تلاه طموحاً شكل القلاع الضخمة المشيدة لأمراء الأقاليم: كقلعة درسدن التي كلفت الشعب 100.000 فلورين (2.500.000 دولار؟)، وقصر دوق كرستوفر في شتوتجارت الذي أسرف الدوق في تأثيثه وفرشه حتى أن قضاة المدينة حذروه من أن بذخ بلاطه يتناقض تناقضاً مخزياً مع فقر شعبه، وقلعة هيدلبرج المترامية التي بدأ تشييدها في القرن الثالث عشر وأعيد بناؤها بطراز النهضة في 1556- 63 ودمر جزء منها في الحرب العالمية الثانية.

أما الحرف الفنية فقد احتفظت بتفوقها في خدمة الأمراء والنبلاء والتجار ورجال المال. فتجارو الأثاث، ونقاشو الخشب والعاج، والحفارون، وصناع المنمنمات، والنساجون، وخراطو الحديد، والخزافون، والصائغون، وصناع السلاح، والجواهرية- كل أولئك احتفظوا بالمهارات القديمة التي كانت لأهل العصور الوسطى وإن نحوا إلى تضحية الذوق والشكل في سبيل الزخرف المعقد. ورسم كثير من المصورين تصميمات للكلشيهات الخشبية بعناية فائقة كأنهم يرسمون صور الملوك. وعكف رسامو الكلشيهات من أمثال هانز لوتزبورجر البازلي على أعمالهم بتفان يليق بمصور كدورر. وبلغ صائغو نورمبرج وميونخ وفينا القمة بين أهل الحرفة، وكان في وسع صائغ كفنتزل يامنتزر أن يتحدى رجلاً كتشلليني. وحوالي عام 1547 بدأ الفنانون الألمان يرسمون الزجاج بألوان المينا، وهكذا اتخذت الأواني والنوافذ أشكالاً وتصميمات غنية رغم فجاحتها، واستطاع البورجوازي السري أن يرى صورته وقد مزجت بألواح الزجاج في بيته.

واحتفظ المثالون الألمان بحبهم للتماثيل والنقوش البارزة المعدنية. فواصل أبناء بيتر فشر فنه. أما بيتر الابن فصحب لوحة برونزية لـ "أورفيوس ويوربديس". وأما هانز فصمم تمثالاً جميلاً يسمى "نبع أبوللو" لفناء قاعة مدينة نورمبرج، وأما بول فينسب له عادة تمثال لطيف من الخشب يعرف بعذراء نومبرج. وصب بيتر فلوتنز النورمبرجي نقوشاً بارزة رائعة مثلت الحسد، والعدالة، وساتورن، وربة الرقص. ومن أمتع محتويات اللوفر تمثال نصفي صنعه يواكيم دشلر لأوتو هينريش، كونت بالاتين، يبلغ ارتفاعه ست بوصات ونصفاً، وعرضه مثل هذا لبدانته، وله وجه وليد أعوام من النهم. هنا ترى الفكاهة الألمانية أكثر ما تكون انطلاقاً.

أما فخر الفن الألماني فقد ظل في التصوير. فقد أدرك هولبين دورر، ثم لحق بهما كراناخ، وألف بالدونج جرين، وألتدورفر، وأمبرجر، صفاً ثانياً مشرفاً. فأما هانز بالدونج جرين فقد اكتسب شهرته برسم لوحة لمذبح كاتدرائية فرايبورج إيم- برايسجاو، ولكن لوحة "العذراء ذات الببغاء" أكثر جاذبية، وتبدو فيها فتاة تيوتونية ممتلئة الوجه ذات شعر ذهبي، وببغاء تنقر خديها. وأما كرستوفر أمبرجر فرسم صوراً أنيقة، ويحتفظ متحف ليل بلوحة "شارل الخامس" التي يبدو فيها مخلصاً، ذكياً، في أول عهده بالتعصب. وفي "صورة رجل" المحفوظة بمعهد الفن بشيكاغو وجه مهذب دقيق القسمات. وأما ألبرشت التدورفر فيتميز بين هذه المجموعة الصغيرة بغنى مناظره الطبيعية. ففي لوحته "القديس جورج" يكاد الفارس والتنين يختفيان وسط محيط من الشجر المتزاحم، وحتى لوحته "معركة أرابيلا" يتوه فيها الجيشان المقتتلان وسط الكثير من الأبراج والجبال والمياه والسحاب والضياء. وتعد هاتان اللوحتان، مضافاً إليهما لوحته "وقفة خلال الهروب إلى مصر"، ومن طلائع التصوير الصادق للمناظر الطبيعية في عصرنا الحديث. اتخذ لوكاس كراناخ الأب اسمه من مسقط رأسه كروناخ في فرانكونيا العليا. ولا نكاد نعرف عنه أكثر من هذا إلى أن عين في الثانية والثلاثين من عمره مصوراً للبلاط لدى الناخب فردريك الحكيم في فتنببرج (1504). وقد احتفظ بوظيفته في البلاط السكسوني، سواء في فتنبرج أو في فايمار، زهاء خمسين عاماً. وقابل لوثر، وأعجب به، وصوره المرة بعد المرة، ورسم لبعض كتابات المصلح صوراً كاريكاتورية للبابوات، على أنه رسم أيضاً صوراً لبعض أقطاب الكاثوليك أمثال دوق ألفا وألبرشت رئيس أساقفة ماينز. وقد أوتي عقلية تجارية عملية، فحول مرسمه إلى مصنع لتصوير الأشخاص ورسم الصور الدينية، وإلى جوار المرسم باع الكتب والعقاقير، وأصبح عمدة لفتنبرج في عام 1565، ثم مات شبعان مالاً وأياماً.

كان التأثير الإيطالي خلال ذلك قد وصل إلى فتنبرج. وهو واضح في جمال الصور الدينية التي رسمها كراناخ، وأوضح في صوره الأسطورية، وأكثر وضوحاً من هذه وتلك في صورة العارية. وقد أصبح مجمع الآلهة الوثنية ينافس الآن مريم والمسيح والقديسين كما نافسهم في إيطاليا، بيد أن روح الفكاهة الألمانية يضفي الحيوية على التقليدي المتوارث، وذلك بالسخرية من آلهة ماتوا ولم يعد هناك ما يخشى منهم. من ذلك أن لوحة كراناخ "حكم باريز" رسمت العاشق الطروادي (الذي أغوى هيلانه) بمضي إلى فراشه للنوم بينما الحسان المنتفضات من البرد ينتظرن حتى يستيقظ ويقضي بينهن. وفي لوحته "فينوس وكيوبيد" تبدو إلاهة الحب في جسدها العاري كالعادة، إلا من قبعة ضخمة- وكأن كراناخ يلمع في خبث إلى أن الرغبة وليدة العادة، بحيث يمكن تهدئتها بإضافة غير مألوفة. ومع ذلك فقد أقبل الناس على لوحة فينوس، وأخرج كراناخ منها- بمساعدة غيره- أكثر من عشرة أشكال لتضيء في فرانكفورت، ولننجراد، والقاعة البورجية، والمتحف المتروبوليتاني للفن... وفي فرانكفورت تخفي فينوس مفاتنها ليستشفها الناظر من خلف خيوط رقيقة كنسيج العنكبوت، وهذه أيضاً تستخدم في لوحة "لوكريشيا" ببرلين، إذا تتأهب في ابتهاج لافتداء شرفها بطعنة من خنجر صغير. وفي لوحة "حورية الربيع" (نيويورك) رسم كراناخ هذه السيدة ذاتها راقدة على فراش من الأوراق الخضراء إلى جوار بركة. وفي متحف جنيف تصيح "يهوديت"، التي لم تعد عارية، بل مرتدية ثيابها لتقتل، رافعة سيفها فوق رأس هولوفيرن المقطوع، الذي يغمز بعينه في سخرية من سوء طالعه. وأخيراً تعود السيدة إلى عريها فتصبح حواء في لوحة "الفردوس" بفينا، ولوحة "آدم وحواء" يدرسدن، ولوحة "حواء والحية" بشيكاغو التي ترى فيها أيلاً جميلاً ينضم إلى جماعتها ويسميها باسمها. وكل هؤلاء العرايا تقريباً يتميزن بخلة تنقذهن من تهمة الإثارة الجنسية- هي فكاهة خبيثة، أو دفء في اللون، أو رهافة إيطالية في الخط، أو نحافة في قوام الأنثى تخرج على المألوف الوطني، فها هنا محاولة جريئة لاختزال بدانة المرأة الألمانية (الفراو).

وصور الأشخاص التي تدفقت من أيدي كراناخ ومساعديه أكثر طرافة من نساء العاريات المكررات، وبعضها يضارع صور هولبين. فلوحة "أنا كسبنيان" هي الواقعية تخففها الرقة والأثواب الفاخرة وقبعة في شكل البالون. وقد جلس زوجها يوحنا كسبنيان إلى صورة أبدع حتى من صورة زوجته- فكل مثالية الأديب الإنساني الشاب انعكست في عينيه المفكرتين ورمز لها بكتاب يمسك به في شغف. وقد خلد عشرات من كبار القوم في الألوان الزيتية أو الطباشيرية في هذا المرسم الشعبي، ولكن أحداً منهم لا يستحق الخلود كما يستحقه الطفل "أمير سكسونيا" (واشنطن) الذي يفيض براءة ورقة وعقائص ذهبية. وفي الطرف الآخر من الحياة صورة الدكتور يوحنا شونر وقد بدا رهيب الملامح ولكن في صورته صنعة رفيعة. ثم نلتقي هنا وهناك في صور كراناخ بحيوانات رائعة الشكل، كلها عريق النسب، وظباء تبدو طبيعية جداً حتى أن صديقاً للمصور زعم أن "الكلاب تنبح حين تراها"(18).

ولولا أن كراناخ وفق هذا التوفيق السريع الكبير لجاز أن يكون فناناً أعظم. فكثرة رعاته وزعت عبقريته فلم يكن في وقته متسع لينصرف بكل هذه العبقرية إلى عمل واحد فقط. لذلك لم يكن بد حين جاوز الحادية والثمانين أن يعتريه الكلل والتراخي، وأصبح رسمه الذي كان في الماضي دقيقاً كرسم دورر مشوباً بالإهمال، وراح يتجنب رسم التفاصيل ويكرر نفس الوجوه والعرايا والأشجار تكراراً أفقدها الحياة. ولا مفر لنا في النهاية من أن نتفق مع الكهل دورر في هذا الحكم الذي أصدره على كراناخ الشاب- "إن لوكاس يستطيع رسم الملامح لا الروح"(19).

وحين بلغ الثامنة والسبعين في 1550 رسم لنفسه صورة بدا فيها عضو مجلس المدينة والتاجر البدين أكثر منه المصور والحفار، في رأس مربع قوي، ولحية بيضاء مهيبة، وأنف عريض وعينين ممتلئتين كبرياء وقوة شخصية. وبعد ثلاثة أعوام أسلم جسده للزمن، مخلفاً ثلاثة أبناء كلهم فنانون، يوحنا لوكاس، وهانز، ولوكاس الابن الذي نقلت لوحته "هرقول النائم" موضوعاً من رابليه إلى سويفت، إذ أظهرت المارد وهو يتجاهل في هدوء تلك السهام التي أصابته بالجهد في طبقة المضغة الظاهرة من الأقزام المحيطين به. ولعل لوكاس الأب كان يتجاهل بمثل هذا الهدوء نقد الناقدين الذين نددوا به لمثله البرجوازية وعجلته التي لا يراعى فيها الذمة، وهو اليوم راقد تحت نصب قبره الذي كتبت عليه عبارة مديح تحتمل معنيين: "أسرع المصورين".

وبموته انقضى العصر الذهبي للتصوير الألماني. ولعل السبب الأساسي في هذا الانحطاط هو حدة النزاع الديني أكثر من رفض البروتستنت للتصوير الديني. ومن الجائز أن موجة من الفساد الخلقي كانت سبباً في تبذل التصوير الألماني بعد 1520. فبدأت أجساد العرايا تلعب دوراً قيادياً وانصرفت الصور- حتى المأخوذ منها من الكتاب المقدس- إلى موضوعات مثل سوسنة والشيوخ، أو زوجة فوطيفار تراود يوسف، أو بثشبع في حمامها. وتراجع التصوير الألماني بعد موت كراناخ فترة قرين من الزمان وارتد وراء قوى اللاهوت والحرب.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الطراز التيودوري 1517 - 1558

بدأ حكم هني الثامن برائعة من روائع الفن القوطي في كنيسة هنري السابع، وانتهى بمعمار النهضة المتمثل في القصور الملكية، وكان تغير الطراز انعكاساً صحيحاً لانتصار الدولة على الكنيسة. وتعطلت العمارة الكنسية زهاء مائة عام نتيجة لهجوم الحكومة على الأساقفة والأديار والموارد الكنسية.

كان هنري السابع وهو يتوقع موته قد خصص 140000 جنيه (14.000.000 دولار؟) لبناء كنيسة صغيرة للسيدة العذراء في دير وستمنستر لتحوي قبره. وهي رائعة فنية، لا في بنائها بل في زخرفها، ابتداءً من المقبرة ذاتها إلى الخصلة الحجرية المتشابكة في القبو المرحي، التي وُصِفت بأنها "أعجب ما صنعته يد الإنسان في فنون البناء". ولما كان تصميم الكنيسة قوطياً وزخرفها ينتمي إلى طراز النهضة، فإن فيها تتجلى بداية الطراز التيودوري أو المنمق. ولم يلبث هنري الثامن، الإنساني الشاب، أن افتتن بالأشكال المعمارية الكلاسيكية، فاستقدم هو وولزي عدة فنانين إيطاليين إلى إنجلترا. وكلف أحدهم وهو بييتر وتوريجيانو بتصميم مقبرة والديه. ومن ثم أفاض المثال الفلورنسي على التابوت المصنوع من الرخام الأبيض والحجر الأسود زخارف مسرفة سواء بالحفر أو البرونز المذهب: أشخاص ممتلئو الأبدان، وأكاليل زهر غاية في الرشاقة، ونقوش بارزة للعذراء وشتى القديسين، وملائكة جالسين على قمة المقبرة مادين أرجلهم الجميلة في الفضاء، وفوق هذا كله تمثالان مضطجعان لهنري السابع وزوجته إليزابث. وكان هذا نحتاً لا عهد لإنجلترا به قط، ولم يبزه في إنجلترا نحت من بعد. "هنا- كما قال فرانسس بيكون- ينزل الملك الشحيح الذي يحرص على البنسات لينفق الجنيهات في موته منزلاً أبهى مما كان ينزل حياً في أي من قصوره"(30).

لم يكن هنري الثامن بالرجل الذي يسمح لأي إنسان بأن يدفن في أبهة تفوق أبهة دفنه. ففي عام 1518 تعاقد على أن يدفع لتوريجيانو 2.000 جنيه نظير تصميمه مقبرة "أعظم بالربع" من مقبرة أبيه(21). ولكن لم يكتب لهذه المقبرة أن تتم، ذلك أن الفنان أوتي كما أوتي الملك طبعاً ملكياً حاداً، وغادر توريجيانو إنجلترا في سورة غضب (1519)، ولما عاد إليها لم يضف مزيداً إلى المقبرة الثانية. وبدلاً من ذلك صمم لكنيسة هنري السابع مذبحاً عالياً، وحاجزاً خلفه، ومظلة فوقه، دمرها رجال كرومويل في عام 1643. وفي عام 1521 رحل توريجيانو إلى أسبانيا. واستؤنفت مهزلة الموت هذه حين كلف ولزي فلورنسيا آخر يدعى بنديتو دا روفتسانو بأن يبني له مقبرة في كنيسة القديس جورج بوندزور. كتب هربرت لورد تشوربري يقول: "إن تصميمها أفخم جداً من تصميم مقبرة هنري السابع"(23). ولما سقط الكردينال توسل إلى الملك أن يسمح له على الأقل بالاحتفاظ بتمثاله ليوضع على مقبرة أكثر تواضعاً في يورك. فأبى هنري، وصادر المقبرة كلها لتكون مثوى له، وأمر الفنانين أن يحلوا تمثاله محل تمثال ولزي، ولكنه شغل بمشكلات الدين والزواج، ولم يتم قط بناء هذا الأثر الجنائزي. ثم أراد تشارلز الأول أن يدفن فيه، ولكن برلمانه الذي ناصبه العداء باع الزخارف قطعة قطعة، فلم يبق منها سوى تابوت الرخام الأسود ليؤلف آخر المطاف جزءاً من ضريح نلسن في كنيسة القديس بولس (1810). ونحن إذا استثنينا هذه الجهود الفنية، وما زينت به كنيسة الكلية الملكية بكمبردج من حجاب خشبي ومقاعد وزجاج معشق وقبو. وكلها رائع فاخر، وجدنا أن المعمار البارز في هذا العصر كرس لإضفاء العظمة على بيوت النبلاء الريفية حتى تصبح قصوراً أشبه بقصور الجان قائمة وسط حقول إنجلترا وغاباتها. وكان المعماريون هنا إنجليزاً، ولكن اثني عشر إيطالياً جندوا لأشغال الزخرفة. هنا ترى واجهة عريضة عرضاً مهيباً امتزج فيها الفن القوطي بفن النهضة، وبوابة ذات أبراج تفضي إلى فناء، وقاعة فسيحة للاحتفالات المكتظة بالناس، وبيت سلم ضخماً يصنع عادة من الخشب المنقوش، وحجراتها تزينها الصور الجدارية أو قطع النسيج المرسومة وتضيئها نوافذ شبكية أو ناتئة، وحول المباني حديقة ومسرح للغزلان ومن خلفها أرض للصيد- تلك هي فكرة الشريف الإنجليزي المسبقة، الشكاكة، عن النعيم.

وأشهر قصور النبلاء التيودورية هذه هو هامبتن مورت، الذي بناه ولزي لنفسه (1515) وأوصى به لمليكه وهو في رهبة منه (1525). ولا يختص بفضل بنائه معماري واحد، بل لفيف من كبار البنائين الإنجليز الذي شيدوه أساساً على الطراز القوطي العمودي ووفق تصميم وسيط فيه الخندق والأبراج والأسوار ذوات الفوهات؛ وأضاف جوفاني دا مايانو لمسة من لمسات فن النهضة تمثلت في حلي مستديرة من التراكوتا على الواجهة. وقد وصف دوق فورتمبرج الذي زار إنجلترا في 1592 هامبتن كورت هذا بأنه أفخم قصور الدنيا قاطبة(24). وهناك قصور أخرى لا تقل عنه كثيراً في الفخامة، مثل صاتون بليس في صري، الذي بنى للسر رتشارد وستون (1521- 27)، وقصر نونستشن الذي بدئ بتشييده لهنري الثامن في 1538 على نطاق إمبراطوري. تقول رواية قديمة إنه "جلب له أمهر الصناع والمعماريين والنحاتين والمثالين من شتى الأمم، إيطاليين وفرنسيين وهولنديين وإنجليزاً من وطنه، فأتوا كلهم بمثال معجز من فنهم في زخرفة القصر، وزينوه من الداخل والخارج بتماثيل تذكرنا بآثار الرومان القديمة من حيث المحاكاة الدقيقة لها، ولكنها فيما عدا ذلك تفوقها إتقاناً".(25) واستخدم مائتان وثلاثون رجلاً بصفة مستمرة في بناء هذا القصر الذي قصد به أن يفوق بهاؤه بهاء قصري فرانسوا الأول في شامبور وفونتنبلو. ونادراً ما بلغ الملوك الإنجليز هذا الثراء، أو الشعب الإنجليزي هذا الفقر. ومات هنري قبل الفراغ من قصر نوستش. وقد جعلته إليزابث مقرها المحبب، ووهبه تشارلز الثاني لخيلته الليدي كاسلمين (1670) فأمرت بهدمه، وباعت أجزاءه قطعاً، لأنها رأت في هذه الوسيلة الوحيدة لتحويل هذا العبء المالي إلى ثروة.


هولبين الابن 1497 - 1543

ما أشد عجز الألفاظ أمام عمل من أعمال الفن! فكل فن يقاوم بنجاح ترجمته إلى أي وسيط آخر، ذلك أن له سمة لاصقة به إما أن تتكلم عن نفسها أولاً تتكلم على الإطلاق. وليس في طاقة التاريخ إلا أن يسجل كبار الفنانين وآياتهم الفنية، أما توصيل هذه الآيات فذلك ما يعجز عنه. والجلوس في صمت أمام لوحة هولبين التي تمثل زوجته وأبناءه خير من ترجمة لحياة الفنان. ومع ذلك...

كان هولبين محظوظاً في نسبه عنه في زمانه. فقد كان أبوه من كبار المصورين في أوجزبورج. ومنه تعلم هانز مبادئ التصوير، ومن هانز بوركمير شيئاً من الجمال والتشكيل الإيطاليين. وفي عام 1512 رسم أربع حشوات للمذبح محفوظة الآن بمتحف أوجزبورج - متوسطة الجودة حقاً، ولكنها جيدة إلى حد مدهش بالنسبة لغلام في الخامسة عشرة. وبعد عامين ارتحل هو وأخوه أمبروز، وهو رسام أيضاً، إلى بال. ولعل أباهما كان قد غالى في التشبث بأسلوبه الذي ما زال قوطياً، أو لعله لم يتوافر في أوجزبورج من مال الطبقة المتعلمة ما يكفي إلا لإعالة قلة من الفنانين، على أي حال قليلاً ما يتعلق الشباب والعبقرية بالبقاء في الوطن. وفي بال اكتشف الغلامان أن الحرية امتحان. ورسم هانز صورة لعدة كتب من بينها كتاب إرزمس "في مدح الحماقة"، وقام ببعض أشغال الطلاء البسيطة، وصنع لافتة لأحد المدرسين، وزخرف رأس مائدة بمشاهدة حية من قصة القديس المجهول الاسم- ذلك النكرة الذي يسهل تناوله، والذي اتهم بكل الخبائث المجهولة ولم ينبس بكلمة دفاعاً عن نفسه. وكان جزاء هانز على هذا العمل مهمة مثمرة وكلت إليه- هي رسم لوحات للعمدة يعقوب ماير وزوجته (1517). وذاع صيت هذه اللوحات، وما لبث يعقوب هرتنشتين أن استقدم هانز إلى لوسرن، وهناك رسم صوراً جصية على واجهة دار رب البيت وجدرانه، ورسم لوحة بندكت هرتنشتين المحفوظة الآن بمتحف المتروبوليتان بنيويورك. ولعله انتقل من لوسرن إلى إيطاليا، فقد أفصح فنه منذ الآن عن تأثير إيطالي من حيث دقة التشريح والخلفيات المعمارية وتكييف الضوء. فلما عاد إلى بال وقد بلغ الثانية والعشرين أقام لنفسه مرسماً وتزوج من أرملة (1519). وفي هذه السنة مات أخوه، وفي 1524 مات أبوهما.

وامتزجت الواقعية الألمانية بالعمارة الرومانسكية والزخارف الكلاسيكية في الصور الدينية التي راح هولبين يرسمها الآن. وأنها لواقعية يجفل لها الناظر- وتذكر بمانتينيا- تلك التي تطالعنا في لوحة "المسيح في القبر"، الجسد ليس سوى عظم وجلد، والعينان مفتوحتان بصورة رهيبة، والشعر أشعث، والفم فاغر في جهد أخير للتنفس، كل هذا يبدو موتاً لا رجعة فيه، فلا عجب أن قال دستويفسكي عن الصورة أنها قد تدمر إيمان المرء(26). وحوالي هذه الفترة رسم هولبين صوراً جدارية لقاعة المجلس الكبير في بال. فسر بها أعضاء المجلس، وكلفه أحدهم بأن يرسم لوحة مذبح لدير كارتوزي. وهذه اللوحة، واسمها "آلام المسيح" أوذيت في حوادث الشغب التي قامت في 1529 لتحطيم الصور، ولكن أنقذ منها مصراعان، وأهديا لكاتدرائية فرايبورج- إيم- برايسجاو. وهما يستعيران الكثير من بالدونج جرين، ولكنهما يتفردان بقوة تتجلى في تلك الحركة العجيبة للضوء المنبعث من "الطفل". وفي عام 1522 طلب كاهن مدينة بال لوحة مذبح أخرى. وقد استخدم هولبين في رسم هذه "المادونا" ذات الجمال الهادئ- والمحفوظة بمتحف الفن بسولوتورن- زوجته وابنه نموذجين، وكانت الزوجة يومها امرأة ذات حسن متواضع لم تمسه المأساة بعد. ولعله حوالي هذه الفترة(27) أخرج رائعته الدينية "العذراء والطفل مع أسرة العمدة ماير"- وهي فريدة تكويناً وخطاً ولوناً، حارة عاطفة. وفي وسعنا أن نفهم في تعاطف أكثر صلاة العمدة للعذراء إذا علمنا أن ولديه المرسومين عند قدميه، وإحدى الزوجتين الجاثيتين إلى اليمين، كانوا قد فارقوا الحياة.

ولكن أجر هذه الصور الدينية كان ضئيلاً بالقياس إلى ما تطلبته من عناية وجهد. وأما صور الأشخاص فأربح للمصور، الذي اقتضاه ازدياد أفراد أسرته مزيداً من نفقات إعاشتهم. ففي عام 1519 رسم هولبين صورة للعالم الشاب بونيفاكوس أمرباخ- وجه نبيل ما زال محتفظاً بالمثالية رغم النظرة الثاقبة إلى العالم. وحوالي عام 1522 رسم لوحة للطباع الكبير فروبن- رجل متفان في عمله، قلق، برته الحياة نتيجة جهوده الخلاقة. وعن طريق فروبن عرف هولبين إرزمس. ففي عام 1523 رسم صورتين من صوره الكثيرة للأديب الإنساني الذي غشيه الحزن. وفي لوحته التي بدا فيها إرزمس في ثلاثة أرباع قامته، وفق القانون، وقد بلغت قدراته غايتها، في تفهم روح رجل عمر أكثر مما ينبغي، فالمرض ولوثر عمقا تجاعيد وجهه واكتئاب عينيه. أما الصورة الجانبية المحفوظة بمجمع الفن ببال فيبدو فيها أكثر هدوءاً وحيوية، فالأنف ينبري للنزال كأنه سيف مجالد روماني. ولعل المخطوط الذي يرى تحت قلمه مسودة لكتابه De libero arbitrio (1524) الذي بدأ يدخل به صفوف المعارضين للوثر. وأكبر الظن أن هولبين صور إرزمس مرة أخرى في عام 1524 صورته المحفوظة بمتحف اللوفر، وهي أفضل صورة قاطبة؛ ونظرة إلى هذا الوجه العميق الذي طهره الألم تذكر المرء بتعقيب لنيزار فيه إدراك وتفهم "لقد كان إرزمس أحد أولئك الذين كان فخرهم في أن يفهموا الكثير ويجزموا بالقليل"(28).

وحوالي 1523 صور هولبين نفسه وقد بلغ السادسة والعشرين وبدت عليه آثار النعمة، ولكن النظرة الباردة توحي ببعض الامتعاض المناضل مما مني به في الحياة من صدمات. وترميه الرواية بإدمان غير مفرط على الخمر والنساء، وتصوره رجلاً غير سعيد مع زوجته. ويبدو أنه كان يشارك لوثر بعض آرائه. فلوحاته الخشبية المحفورة "رقصة الموت" (حوالي 1525) تهجو الأكليروس- ولكن هذا فعله حتى الأكليروس أنفسهم في ذلك العهد. وتصور هذه المجموعة الموت يتعقب خطوات كل رجل أو امرأة أو طبقة- آدم، وحواء، والإمبراطور، ونبيلاً، وطبيباً، وراهباً، وكاهناً، وبابا، ومليونيراً، ومنجماً، ودوقة، ومهرجاً، ومقامراً، ولصاً- كلهم في طريقهم إلى الدينونة الأخيرة، واللوحة عمل فني يضارع في قوته أي عمل لدورر استخدم فيه هذا الوسيط. وإذا استثنينا هذه الرائعة من روائع الرسم، وعذراء ماير، لم نتبين في هولبين أي عاطفة دينية واضحة. ولعله تشرب بعض التشكك من إرزمس وإنساني بال(29). لقد كان اهتمامه بالتشريح أشد من اهتمامه بالدين.

ولقد عصفت حركة الإصلاح البروتستنتي بسوق صوره في بال على الرغم من رضائه المرجح عنها. فلم تعد تطلب منه صور دينية. وتوقف دفع أجور اللوحات التي رسمها لقاعة المجلس. أما سراة القوم فقد لاذوا بالعزلة والشح إذ روعتهم حرب الفلاحين، ورأوا أن الوقت غير مناسب للتصوير. كتب إرزمس من بال في 1526 يقول: "إن الفنون تتجمد هنا"(30). وقد زود هولبين بخطابات قدمه فيها لأصدقائه في أنتورب ولندن، وانطلق هولبين إلى بلاد الشمال سعياً وراء المال بعد أن ترك أسرته في البيت. وزار كوينتين ماسيس، وما من شك في أنهما تبادلا الرأي في إرزمس. ومن أنتورب عبر البحر إلى إنجلترا. وضمن له خطاب إرزمس لقاءً حاراً من تومس مور الذي هيأ له مسكناً في بيته بتشلسي، وهناك رسم صورته (1526) المحفوظة الآن بصالة فريك في بنيويورك. ويرى المؤرخ، بإدراكه المؤخر، في العينين المتوترتين اللتين يغشاهما بعض الاكتئاب إيذاناً بورع الشهيد وصلابته. أما أعجب ما في اللوحة كما تراها بصيرة الفنان فهو فراء الكم وتلافيفه. وفي عام 1527 رسم هولبين "تومس مور وأسرته"- وهي أقدم لوحة جماعية معروفة في الفن غير الديني عبر الألب.

وفي أواخر عام 1528 عاد هولبين إلى بال بعد أن كسب بضعة جنيهات وشلنات، وأعطى إرزمس نسخة من لوحة "مور وأسرته" ثم لحق بزوجته من جديد. وعكف الآن على رسم صورة من أعظم صوره وأصدقها، ترينا أسرته بواقعية لم يضن بها على نفسه. فكل وجه من الوجوه الثلاثة قد غشيه الحزن، الفتاة مستسلمة بل تكاد تكون يائسة، والصبي يتطلع إلى أمه مكتئباً، أما هي فترمقهما بأسى وحب انعكسا انعكاساً عميقاً في عينيها- أسى زوجة فقدت حب زوجها، وحب أم لا يربطها بالحياة سوى ولديها. وترك هولبين أسرته ثانية بعد ثلاثة أعوام من رسمه هذا الاتهام الرائع لشخصه. ورسم خلال إقامته هذه في بال لوحة أخرى لفروبن، وست صور لإرزمس يعوزها تميزت به صور 1523- 24 من عمق شديد. وجدد مجلس المدينة طلب رسوم جصية لحجراته، ولكنه شجب الصور الدينية كافة مستسلماً لمحطمي الصور المنتصرين، وأفتى بأن "الله لعن جميع من يصنعونها"(31). وهبط الطلب على الصور، وفي عام 1532 عاد هولبين إلى إنجلترا.

وهناك رسم صوراً بلغت من الكثرة حداً ظهر معه معظم الأشخاص، الذين سيطروا على مسرح الأحداث في إنجلترا خلال تلك السنوات الصاخبة، وقد دبت فيهم الحياة بفضل ريشة هولبين الساحرة. ففي مكتبة الملكة بقصر وندزور سبعة وثمانون رسماً تخطيطياً بالفحم أو الطباشير، بعضها أعد لرسوم هزلية، وأكثرها للوحات، والظاهر أن الفنان لم يحتج لأكثر من جلسة أو جلستين من أصحاب رسومه، ثم صورهم على لوحاته نقلاً عن هذه الرسوم. وسعى التجار الهانسيون في لندن إلى فنه، ولكنهم لم يوحوا إليه بأفضل ما عنده. وقد رسم لقاعة نقابة الهانسيين صورتين جداريتين، محفوظتين في نسخ أو رسوم لهما فقط، مثلت إحداهما "انتصار الفقر"، والأخرى: "انتصار الغنى". وكلتاهما معجزة في الشخصية المميزة، والحركة الحية، والتصميم المتماسك، وهما توضحان شعار النقابة- "إن الذهب أبو الفرج وابن الهم، المفتقر إليه حزين، والمالك له قلق(32)".

وفي عام 1534 أسلم تومس كرمويل وجهه الجامد وجسده الهش لريشة هولبين، وكان مزمعاً أن يكون بشخصه مصداق هذه الحكمة. وعن طريق اتصل الفنان بأرفع الشخصيات في البلاط. ورسم لوحة "السفراء الفرنسيين" ووفق توفيقاً غير عادي في تصوير واحد منهم يدعى شارل دسولييه، إذ كشف عن الرجل المتواري خلف رداء المنصب وشارته. وهناك أربعة وآخرون- هم السر هنري جلفورد (مراقب البيت الملكي)، والسر نيكولاس كاريو (قيم الإسطبلات الملكية)، وروبرت تشيسمان (بازدار الملك) والدكتور جون تشيمبرز (طبيب الملك)- هؤلاء الأربعة تستشف في صورهم صفاقة في الجلد لولاها لاستحال عليهم العيش في مأمن مع هذا الملك الناري الطبع. وقد أصبح هولبين واحداً منهم حوالي 1537 بوصفه المصور الرسمي للبلاط. وأفرد له مرسم خاص في قصر هوايتهول، ونزل مسكناً مريحاً، وكان له كغيره عشيقات وأبناء غير شرعيين، وغدا يرفل في الخز والأثواب البهية(33). وطلب إليه أن يزخرف لحجرات، ويصمم الأثواب الرسمية، وأغلفة الكتب، والأسلحة، ومفارش المائدة، والأختام، والأزرار والمشابك الملكية، والأحجار الكريمة التي كان هنري يهديها إلى زوجاته، وفي عام 1538 أوفده الملك إلى بروكسل ليصور الأميرة كرستين الدنمركية، وقد تبين أن فيها كثيراً من الفتنة، وود هنري لو اتخذها زوجة، لولا أنها اختارت الدوق فرانسوا اللوريني بدلاً منه، ولعلها آثرت أن تعلق في قاعة للصور عن أن يقطع رأسها. وانتهز هولبين الفرصة لزيارة بال زيارة قصيرة. وهناك عين راتباً سنوياً لزوجته قدره أربعون جلدراً (1.000 دولار؟) ثم أسرع بالعودة إلى لندن. وبعد عودته بقليل كلف بأن يصور آن كليفنز، وكاد هولبين أن يتنبأ بمصيرها في العينين الحزينتين اللتين تطالعانك من صورتها المحفوظة الآن باللوفر.

أما الملك فقد رسم له عدة لوحات كبيرة فقدت كلها تقريباً. وبقيت منها واحدة في قاعة "باربر سيرجنز" بلندن: "هنري الثامن يمنح مرسوم شركة تضامنية لشركة باربر سيرنز" ويرى فيها هنري وقد طغى على المشهد في أثوابه الرسمية. ورسم الفنان صوراً جذابة لزوجة هنري الثالثة جين سيمور، ولزوجته الخامسة كاترين هوارد. وكان إذا جلس أو وقف له هنري نفسه يرتفع إلى مستوى التحدي ويخرج لوحات لا يفوقها من إنتاجه سوى صور إرزمس المحفوظة باللوفر وبال. ولوحة عام 1526 تظهر الملك بديناً بدانة التيوتون، مزهواً زهوهم. وأعجب بها هنري على الرغم منه، وكلف هولبين بتصويره الأسرة المالكة صورة جصية ملونة بقصر وايتهول. وقد دمرت النيران هذه الصورة الجدارية عام 1698. ولكن نسخة أخرجت منها عام 1667 لتشارلز الثاني تشف عن براعة التصميم: ففي أعلى اليسار يرى هنري السابع، تقياً متواضعاً، وفي أسفل ولده يلوح بشعارات السلطة ويمد ساقيه كأنه العملاق. وإلى اليمين أمه وزوجته الثالثة، وفي الوسط أثر من الرخام يفصل باللاتينية فضائل الملوك. وقد فصل وجه هنري الثامن بواقعية ترددت باسمها أسطورة تحكي أن أشخاصاً دخلوا الحجرة وحسبوا أن الصورة هي الملك الحي ذاته. وفي عام 1540 رسم هولبين صورة أشد وقعاً في النفس حتى من هذه. وهي "هنري الثامن في ثياب العرس." وأخيراً (1542) أظهر لنا الرسام هنري في انحلال عقله وجسده. وكان عمل ربة الانتقام هنا بطيئاً متأنياً. فمدت في ثأر الآلهة، وبدلاً من الميتة الهادئة أو المباغتة قضت عليه بانحلال طويل مذل.

وهناك صورتان جميلتان تكفران عن سيئات قاعة الصور الملكية، إحداهما للأمير إدوارد في الثانية من عمره وهو يفيض براءة، والأخرى لإدوارد في السادسة (بمتحف المتروبوليتان للفنون). وهذه اللوحة الثانية بهجة للناظرين. وفي وسعنا أن نحكم على فن هولبين حين نراه خلال سنة أو سنتين يصور في غير إحجام كبرياء الأب البدين، ثم يلتقط بمثل هذه البراعة المحيرة وداعة الابن البريئة. وصور الفنان نفسه مرة أخرى حين بلغ الخامسة والأربعين (1542)، وبذات الموضوعية التي رسم بها الملك: رجلاً مرتاباً مشاكساً ذا شعر ولحية وخطهما الشيب وبدا عليهما الإهمال؛ ثم مرة أخرى عام 1543 في صورة مستديرة تظهره في حالة أرق وألطف. في ذلك العام اجتاح الطاعون لندن واختاره واحداً من ضحاياه.

كان من الناحية التقنية واحداً من عظماء المصورين. فهو يرى في تدقيق بالغ، ويرسم كما يرى، وهو يمسك بكل خط، أو لون، أو موقف، بكل زاوية أو تغير في الضوء، يمكن أن يكشف عن دلالة أو مغزى، ويثبته على الورق أو القماش أو الخشب أو الجدار... وأي دقة في الخطوط، وعمق ونعومة ودفء في الألوان، وبراعة في ترتيب التفاصيل ليؤلف بينها تأليفاً موحداً! ولكننا في كثير من اللوحات، التي لم يكن الهدف منها تصوير الشخص بل تقاضي الأجر، نفتقد ذلك التعاطف القادر على رؤية نفس الإنسان الخفية وعلى مشاركتها شعورها. هذا التعاطف نجده في صور إرزمس المحفوظة باللوفر وبال، وفي صورة أسرته، وإذا استثنينا عذراء ماير، فإننا نفتقد المثالية التي سمت بالواقعية في لوحة فان إيك "عبادة الحَمَل". وقد قصر به عدم مبالاته بالدين عن بلوغ السمو الذي بلغه جرونفالد، وأبعده عن دورر الذي ظل على الدوام محتفظاً بإحدى قدميه في العصور الوسطى. ولم يكن هولبين فنان النهضة الخالص كتيشان، ولا فنان الإصلاح البروتستنتي الخالص ككراناخ، لقد كان ألمانياً- هولندياً- فلمنكياً- إنجليزياً في واقعيته وإحساسه العملي. ولعل نجاحه حال دون دخول مبادئ التصوير الإيطالية ورقته دخولاً قوياً إلى إنجلترا. وبعد موته انتصرت البيورتانية على العاطفة الإليزابيثية، وراح فن التصوير الإنجليزي يتعثر حتى جاء هوجارث. وفي الوقت ذاته فارق المجد التصوير الألماني. ولم يكن بد من أن يتدفق فوق أوربا الوسطى سيل من الهمجية قبل أن يعود الإحساس بالجمال إلى التعبير عن نفسه هناك مرة أخرى.


الفن في أسبانيا والبرتغال 1515 - 1555

لم تعرف أسبانيا قط النهضة بالمعنى الإيطالي الغني على الرغم من الجريكو وفيلاسكيز، وسرفانتيس وكالديرون. فثروتها التي جاءتها من أقطار نائية أضفت على ثقافتها المسيحية زخارف جديدة، وأتاحت لها إجزال العطاء للوطنيين النابغين في الأدب والفن، ولكنها لم تتدفق كما تدفقت الثروة في إيطاليا وفرنسا إلى أي جهود مثيرة لاستعادة تلك الحضارة الوثنية التي ازدان بها عالم البحر المتوسط قبل المسيح وبعده، والتي أنجبت سنيكا ولوكان ومارتيال وكونتيليان وتراجان وهادريان على أرض أسبانيا ذاتها. لقد طغى على ذكرى العهد الكلاسيكي طول الصراع بين المسيحية الإسبانية والمغاربة، وكل الذكريات المجيدة كانت ذكريات ذلك الانتصار المتطاول، وغدا الإيمان الذي حققه مقترناً بتلك الذكرى الفخور لا ينفصل عنها. وبينما كانت الدولة تذل الكنيسة في كل أرجاء أوربا الأخرى، كان النظام الكنسي في أسبانيا يزداد قوة على الزمن، فتحدى البابوية وتجاهلها، حتى حين كان الأسبان يحكمون الفاتيكان، وعاش رغم الاستبداد الورع الذي فرضه فرديناند وشارل الخامس وفيليب الثاني، ثم سيطر على كل نواحي الحياة الأسبانية. وكانت الكنيسة في أسبانيا الراعي الوحيد تقريباً للفنون، ومن ثم فقد قررت اللحن الذي تريده، وحددت الموضوعات، وجعلت الفن كالفلسفة خادماً للاهوت. وعينت محاكم التفتيش الإسبانية مفتشين لتحريم العرى أو البذاءة أو الوثنية أو الهرطقة في الفن، ولتحديد طريقة تناول المواضيع المقدسة في النحت والتصوير، ولتوجيه الفن الأسباني وجهة التبصير بالإيمان وتثبيته.

ومع ذلك كان التأثير الإيطالي يتدفق إلى أسبانيا. فارتقاء الأسبان عرش البابوية وفتح ملوك الأسبان نابلي وميلان، وحملات الجيوش الأسبانية وبعثات رجال الدولة والكنيسة إلى إيطاليا، والتجارة الرائجة بين أسبانيا والثغور الإيطالية، وزيارة الفنانين الأسبان أمثال فورمنت وبيروجويتي وابنه لإيطاليا، والفنانين الإيطاليين أمثال توريجيانو وليوني ليوني لأسبانيا- هذه العوامل كلها أثرت في الفن الأسباني من حيث طرائقه وزخرفته وأسلوبه، ولم نؤثر تأثيراً يذكر في روحه أو موضوعه؛ أثرت في التصوير أكثر مما أثرت في النحت، وكانت أقل ما تكون تأثيراً في العمارة. وسيطرت الكاتدرائيات على مشاهد الريف والمدن سيطرة الدين على الحياة. فالرحلة في أسبانيا أشبه بالحج من هيكل إلى آخر من هذه الهياكل الجبارة. وضخامتها المهيبة، وغنى زخارفها الداخلية، وصمت أبهائها الذي يلفه ضوء خافت، وأشغال الحجر المكرسة التي تبني بها أروقتها، كلها تبرز البساطة والفقر الواضحين في مساكن الآجر الجميلة المتزاحمة في أسفلها وهي تتطلع إليها كأنها الوعد بعالم أفضل. وظل الطراز القوطي هو السائد في الكاتدرائيات الشامخة التي ارتفعت في سماء سلمنقة (1513) وسقوبية (1422)، ولكن المعماري ديبجو دي سيلوي، وكان ابن نحات قوطي الفن، صمم الأجزاء الداخلية من كاتدرائية غرناطة بأعمدة وتيجان كلاسيكية، وتوج التصميم القوطي بقبة كلاسيكية (1525). وأزاح طراز النهضة الإيطالية الطراز القوطي إزاحة تامة في قصر شارل الخامس بغرناطة. وكان شارل قد وبخ أسقف قرطبة على إتلافه المسجد الكبير ببناء كنيسة مسيحية داخل أعمدته البالغ عددها 850(34)، ولكنه ارتكب ذنباً لا يكاد يقل فداحة حين هدم بعض قاعات قصر الحمراء وأبنيته ليفسح مكاناً لبناء كان من الجائز أن يتقبل المرء ضخامته الصارمة وتماثله السخيف دون تأذ لو أنه قام وسط أبنية مماثلة له في روما، ولكنه ظهر نابياً أشد النبو وسط القلعة المغربية برشاقتها الهشة وتنوعها البهيج.

وظهر شيء من ميل المغاربة للزخارف المعمارية في طراز "الأطباق" الذي طبع أكثر ما طبع المعمار المدني في ذلك العهد. وقد اشتق اسمه من الشبه بينه وبين الحلي المعقدة الرقيقة التي كان صائغو الفضة (البلاتيرو) أو الذهب يحلون بها آنية المائدة وغيرها من تحف فنهم. وقد ملأ هذا الطراز قمم وجوانب البوابات والنوافذ بأحجار ملتفة عربية الطراز، وحفر الأعمدة أو لولبها أو زهرها بخيال إسلامي غريب، وثقب النوافذ المصّبعة والداربزينات بورق شجر وبوشي من الرخام. وكان هذا الطراز طابع كنيسة أوبيسبو في مدريد، وكنيسة سانتو توماس في أفيلا، وخورس كاتدرائية قرطبة. وقد أطلق لنفسه العنان في قاعة مدينة إشبيلية (1526). واقتبست البرتغال هذا الطراز على بوابة حفلت بالحلي وأعمدة نقشت بالزخارف في دير سانتا ماريا الفخم في بيليم (1517)، وحمله شارل الخامس إلى الأراضي المنخفضة وألمانيا حيث نشر طابعه على قاعات مدينتي أنتورب وليدن وقلعة هيدلبرج. ولكن فيليب الثاني وجد في هذا الطراز إسرافاً في الزخرف لا يطيقه ذوقه، فمات موتاً مبكراً تحت عبساته. أما النحت الأسباني فقد خضع للمد الإيطالي المتعاظم بأيسر مما خضع المعمار. فبعد أن كسر بيترو توريجيانو أنف ميكل أنجيلو في فلورنسة، وتحدى هنري الثامن في لندن، استقر في إشبيلية (1521) وصنع من الطين المحروق تمثالاً غليظاً للقديس جيروم، ارتأى فيه جوياً رأياً خاطئاً، هو أنه أعظم أعمال النحت الحديث(35). وأحس توريجيانو أنه نقد أجراً حقيراً لقاء صنعه تمثالاً للعذراء، فحطمه شذر مذر، وقبضت عليه محكمة التفتيش فمات في سجونها(36). أما دميان فورمنت فقد حمل روح النهضة على إزميله وفي عباراته الطنانة بعد عودته إلى أرجوان من إيطاليا. كان يصف نفسه بأنه "قريع فيدياس وبراكسيتيليس". وتقبله الناس بالقدر الذي قدر به نفسه، فسمحت له السلطات الكنسية بحفر صور له ولزوجته على قاعدة حاجز المذبح الخلفي الذي صنعه لدير مونتي أرجوان. ثم صنع من المرمر لكنيسة نويسترا سينورا ديل بيلار في سرقسطة رافدة مذبح كبيرة بالنقوش ضئيلة بالبروز، مزج فيها العناصر القوطية بعناصر النهضة، والتصوير بالنحت، واللون بالشكل. وكرس فورمنت لرافدة مذبح أخرى في كاتدرائية وشقة في السنوات الثلاث عشرة الباقية من حياته (1520- 1533).

وكما أن بدرو برجويتي هيمن على التصوير الأسباني في نصف القرن السابق على شارل الخامس، فكذلك أصبح ابنه أكبر النحاتين الأسبان في العهد الذي نحن بصدده. وقد تعلم ألونسو فن اللون من أبيه، وذهب إلى إيطاليا واشتغل مع رفائيل مصوراً، ومع برامانتي وميكل أنجيلو مثالاً. فلما عاد إلى أسبانيا (1520) جلب معه ولع ميكل أنجيلو بالوجوه تلتقط في حدة الانفعال أو عف المواقف. وعينه شارل مثالاً ومصوراً للبلاط. وظل ست سنوات في بلد الوليد ينحت من الخشب حجاباً لمذبح كنيسة سان بنيتو إل ريال، طوله اثنان وأربعون قدماً وعرضه ثلاثون، ولم يبق منه إلا قطع متناثرة، أهمها صورة للقديس سباستيان ذات ألوان حية، والدم يتدفق من جروحه. وفي 1535 اشترك مع أهم منافسيه، فيليبي دبورجونا، في نقش مقاعد للمرتلين في كاتدرائية طليطلة، وهنا أيضاً كان أسلوب ميكل أنجيلو هو الموجه ليده، والمنبئ بطراز الباروك في أسبانيا. ولما قارب الثمانين كلف أن يقيم في مستشفى القديس يوحنا بطليطلة أثراً تذكارياً لمؤسسه الكاردينال جوان دي تافيرا. وأخذ معه ابنه ألونسو مساعداً، وأبدع إحدى الروائع الكبرى في النحت الأسباني، ثم مات خلال هذه المحاولة وقد بلغ الخامسة والسبعين (1561).

أما التصوير الأسباني الذي كان لا يزال آنئذ تحت وصاية إيطاليا وفلاندر فلم يجد بفنان بارز في عهد شارل الخامس. وكان الإمبراطور يؤثر المصورين الأجانب، فاستقدم أنطونيس مور ليصور أعيان الأسبان، أما عن نفسه فقد صرح بأنه لن يسمح لأحد أن يصوره غير تيشان العظيم. والمصور الأسباني الوحيد الذي عبرت سمعته جبال البرانس هو لويس دي موراليس. وقد قضى السنين الخمسين الأولى من حياته فقيراً مغموراً في بلدته بطليوس، يرسم الصور للكنائس كبيرها وصغيرها في إقليم استريمادورا. وكان يناهز الرابعة والخمسين حين أمره فيليب الثاني بالحضور والتصوير في الأسكوريال (1564). فقدم نفسه للملك في ثياب بهية رأى فيليب أنها لا تليق بفنان، ولكنه لان حين علم أن لويس أنفق مدخرات العمر ليعد لنفسه ثياباً تليق بالمثول بين يدي جلالته. ولم تستهو الملك لوحته "المسيح حاملاً الصليب"، فعاد إلى بطليوس وحياة الضنك. وتعرض عدة لوحات بريشته في الجمعية الأسبانية بنيويورك، وكلها جميلة، غير أن أفضل مثال لفنه هو لوحة "العذراء والطفل" في البرادو- وهي تذكرنا من بعض وجوهها برفائيل تذكيراً شديداً. ولما اجتاز فيليب ببلدة بطليوس في عام 1581 خصص معاشاً متأخراً للفنان الذي أعجزه الفالج وضعف البصر، فيسر له بذلك القوت المنتظم في السنوات الخمس الباقية له من عمره.

أما صناع أسبانيا المهرة فكثيراً ما كانوا فنانين في كل شيء ولا ينقصهم غير الاسم. فقد ظلت أشغال التخريم والجلد تحظى بأرفع مكانة في أوربا. كذلك كان النجارون لا ضريب لهم، وعند تيوفيل جوتييه أن الفن القوطي لم يدن قط من الكمال دنوه في مقاعد المرتلين بكاتدرائية طليطلة. أما المشتغلون بالمصنوعات المعدنية فقد جعلوا من حجب الهياكل، ومصبعات النوافذ، وداربزينات الشرفات، ومفصلات الأبواب، بل من المسامير، تحفاً فنية. وأحال صاغة الذهب والفضة بعض المدن النفيس المتدفق من أمريكا حلياً للأمراء وآنية للكنيسة، واشتهر من أشغالهم الآنية التي صاغوها بتخريم الفضة أو الذهب لاحتواء القربان المكرس. ولم يقنع جل فيتشنتي بمكانته زعيماً لكتاب المسرحية في البرتغال وأسبانيا في هذه الفترة، بل صنع وعاء للقربان المقدس- يخرج به الكاهن على جمهور المصلين- قيل في تقديره "انه أروع أشغال الصياغة في البرتغال"(37). وواصل فرانشيسكو دي هولاندا، البرتغالي برغم اسمه، زخرفة المخطوطات ببراعة، وهي فن كان بسبيله إلى الزوال.

ويمكن القول على الجملة إن هذه الفترة التي تقل عن نصف قرن قد وفقت توفيقاً مشرفاً في مجال الفن على الرغم من استنفاد الطاقات وتمزقها في الثورة الدينية. لم يكن كبار المعماريين والنحاتين والمصورين ممن يثبتون للمقارنة بالعمالقة الذي زلزلوا باللاهوت أوربا، وكان الدين لحن العهد، وقصارى ما كان يستطيعه الفن أن يكون مصاحباً له. بيد أن إل روسو، وبريماتتشيو، وليسكو، وديلورم، وجوجون، وآل كلويه في فرنسا، وبروجويتي وابنه في أسبانيا، وبروجل في فلاندر، وكراناخ في ألمانيا، وهولبين في كل بلد- كل أولئك كانوا قائمة نبيلة من الفنانين لعهد شديد الاضطراب بالغ القصر. إن الفن نظام، ولكن كل شيء كان فوضى- لا الدين فحسب، بل الأخلاق، والنظام الاجتماعي، والفن نفسه. وكان الفن القوطي يخوض معركته الخاسرة مع الطرز والأساليب الكلاسيكية، واضطر الفنان بعد أن اقتلع من ماضيه أن يجرب بمحاولات اجتهادية لم تستطع أن تمنحه جلال الاستقرار المتأصل في زمان واثق من نفسه. كذلك كان الإيمان متردداً وسط هذا الاضطراب الشامل، فلم يعد يعطي الفن أوامر وتوجيهات واضحة، وهوجمت الصور الدينية وحطمت، وأخذت الموضوعات المقدسة تفقد قدرتها على استثارة العبقرية أو الإعجاب أو التقوى بعد أن كانت مبعت إلهام لمبدع الجمال ولمشاهده على السواء. أما في مجال العلم فقد راحت أعظم الثورات قاطبة تخلع الأرض عن عرشها اللاهوتي، وتضيّع في الفراغ اللانهائي تلك الكرة الصغيرة التي كان الافتقاد الإلهي لها سبباً في تكوين العقل الوسيط وخلق الفن الوسيط. ترى، متى يعود الاستقرار ثانية؟