قصة الحضارة - ول ديورانت - م 6 ك 2 ف 32

من معرفة المصادر

 صفحة رقم : 8912   


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> التائهون


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني والثلاثون: اليهود 1300 - 1564

1- التائهون

روى روجر وندوفر Wendover R.في كتابه Flores Historiarum (1228) أن أحد رؤساء أساقفة أرمينيا كان يزور دير القديس ألبان في أوائل القرن الثالث عشر، فسئل عن القصة التي تقول بأن يهودياً كان قد تحدث إلى السيد المسيح، لا يزال على قيد الحياة في الشرق الأدنى، فأكد رئيس الأساقفة للرهبان أنها صحيحة. وأضاف المرافق أن رئيس الأساقفة كان قد تناول الغداء مع هذا الرجل الخالد قبل مغادرته أرمينيا بوقت قصير، وأن اسم هذا الرجل، على الطريقة اللاتينية "كارتوفيلس". وأنه لما هم السيد المسيح بمغادرة محكمة بلاطس البنطي، ضرب كارتوفيلس السيد المسيح على ظهره وقال له: "أسرع". وأن يسوع قال له : "إني ذاهب، ولكنك سوف تبقى حتى أحضر". وكرر أرمنيون آخرون زاروا دير سانت ألبان في سنة 1252 نفس القصة، وزاد عليها القصص الشعبي، وبدل من اسم التائه، وروى كيف أنه في كل مائة عام أو نحوها، يصاب بمرض عضال، ويروح في سبات عميق يفيق منه شاباً يمتلئ رأسه بذكريات لا تزال حية عن محاكمة المسيح وموته وبعثه. وانقطع ورود القصة على الألسنة فترة، ولكنها ظهرت من جديد في القرن السادس عشر. وادعى أوربيون غلب عليهم التأثر، أنهم رأوا "أحشويروش" - وسمي الآن اليهودي الخالد، أو اليهودي التائه- رأوه في همبرج (1547،1564) وفي فيينا (1599)، وفي لوبك (1601) وفي باريس (1644)، وفي نيوكاسل (1790)، وأخيراً في ولاية يوتا في غرب الولايات المتحدة (1868). وتلقت أوربا، التي كانت تفقد إيمانها، بالترحاب هذه الأسطورة على أنها برهان يؤكد من جديد ألوهية المسيح وبعثه، وضمان جديد لمجيئه ثانية. وعندنا أن الأسطورة رمز كئيب لشعب فقد وطنه في السنة الحادية والسبعين من بداية المسيحية، وبات يتيه في الأرض في قارات أربع، وعانى الاضطهاد والتعذيب المرة بعد المرة، قبل أن يسترد موطنه القديم في خضم زماننا المتقلب المزعزع(1).

ولاقى يهود "الشتات" هؤلاء أقل العناء والشقاء في ظل السلاطين الأتراك والبابوات في فرنسا وإيطاليا، وعاشت الأقليات اليهودية آمنة في القسطنطينية وسالونيك وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقية وأسبانيا تحت حكم العرب. وتسامح البربر معهم كارهين. على أن سيمون ديوران ترأس مستوطنة مزدهرة في الجزائر، وعاشت الجالية اليهودية في الإسكندرية- كما وصفها الحبر أوباديا برتينورو في 1488- حياة طيبة، وشربوا الخمر بكثرة، وتربعوا على البسط كما فعل المسلمون، وخلعوا نعالهم عند دخول المعبد أو بيت أحد الأصدقاء(2). وكتب اليهود الألمان الذين لجئوا إلى تركيا إلى أقربائهم وصفاً خماسياً للحياة الطيبة التي ينعمون بها هناك(3). ورخص الباشا (الوالي) العثماني في فلسطين لليهود هناك في أن يبنوا معبداً على جبل صهيون. وحج بعض اليهود الغربيين إلى فلسطين، واعتقدوا أن من حسن حظهم أن تفيض أرواحهم في الأرض المقدسة، والأفضل منها في أورشليم بالذات.

ومهما يكن من أمر، فإن الذي كان يستأثر بتفكير اليهود ويستهوي قلوبهم في هذا العصر تركز في الغرب الذي لا يغفر ولا يصفح. فقد لاقوا أقل الأحوال شقاء في إيطاليا المستنيرة. وفي نابلي سعدوا بصداقة روبرت ملك أبحو، وازدهروا في أنكونا وفيرارا وبادوا والبندقية وفيرونا ومانتوا وفلورنسه وبيزا وغيرها من خلايا النهضة. قال إرزم 1518 "يوجد في إيطاليا كثير من اليهود، ولكن لا يكاد يوجد في أسبانيا مسيحيون(4)". وكانت إيطاليا تقدر التجارة والموارد المالية تقديراً عظيماً، ومن ثم كان لليهود الذين تولوا هذه المرافق الضرورية فيها شأن كبير، باعتبارهم دعامة حافزة منشطة في الاقتصاد. أما ما كان يطلب من اليهود قديماً من وضع شارة أو ارتداء لباس مميز فقد تجاهله الإيطاليون في شبه الجزيرة بصفة عامة، وارتدى اليهود الموسرون زي الإيطاليون من مثل طبقتهم، والتحق الشباب اليهودي بالجامعات، وتزايد عدد المسيحيين الذين يدرسون العبرية.

وبين آونة وأخرى كان بعض رجال الدين المسيحي الذين يبغضون اليهود، مثل القديس يوحنا أوف كاببسترانو، قد يهيج حفيظة سامعيه، ليطالبوا بالتطبيق الكامل للقوانين الكنسية المتشددة الخاصة بالتجريد ضد اليهود. ولكن على الرغم من أن كابسترانو كان يلقى تأييداً من البابا يوجينيوس الرابع والبابا نيقولا الخامس، فإن تأثير بلاغته كان تأثيراً عابراً في إيطاليا. وهاجم راهب آخر من طائفة الفرنسيسكان هو برناردينو أوف فلتر، اليهود مهاجمة صاخبة عنيفة، إلى حد أن السلطات المدنية في ميلان وفرارا وفلورنسه أمرته بالتزام الصمت أو الرحيل. ولما عثر على طفل في سن الثالثة ميتاً بالقرب من بيت أحد اليهود في ترنت (شمال إيطاليا) في سنة 1475، أعلن برناردينو أن اليهود قتلوه، فألقى الأسقف بكل يهود ترنت في السجن، واعترف بعضهم تحت وطأة التعذيب بأنهم ذبحوه وشربوا من دمه، باعتبار أن هذا من طقوس عيد الفصح عندهم. واحرق كل يهود ترنت حتى الموت، وحفظ جثمان الطفل "سيمون الصغير"، وعرض على أنه "بقايا مقدسة"، وحج آلاف من السذج المؤمنين إلى المزار الجديد، وانتشرت قصة الفظاعة المزعومة عبر جبال الألب إلى ألمانيا فزادت من حدة شعور العداء ضد "السامية" هناك. واتهم سناتو البندقية القصة بأنها كذوبة دينية، وأمر كل السلطات في نطاق الولاية القضائية للبندقية بحماية اليهود. وقدم من بادوا إلى ترنت اثنان من المحامين لفحص الأدلة، ولكن الأهالي هناك مزقوهما تقريباً. واستحثوا البابا سكستس الرابع على ضم سيمون إلى قائمة القديسين ولكنه أبى، وحرم تمجيد سيمون باعتباره قديساً(5). ومهما يكن من شيء، فإن سيمون أعلن قديساً في سنة 1582.

وفي روما نعم اليهود لعدة قرون بظروف مواتية في الحياة، وبالحرية أكثر مما لاقوا في أي مكان آخر في العالم المسيحي، من جهة لأن البابوات كانوا مثقفين، ومن جهة أخرى لأن المدينة كان يحكمها ويتنازعها حزباً أورسيئي وكولانا، وكلتا الجماعتين كانت مشغولة بالقتال بينهما، إلى حد يتعذر معه التفرغ لعداوة الآخرين، وربما كان ثمة سبب آخر هو أن الرومان كانوا أوثق ارتباطاً بالجانب العملي في المسيحية منهم بالتعصب لديانتهم. ولم يوجد آنذاك حي خاص باليهود في رومه، ولكن معظمهم عاش في حي العبرانيين على الضفة اليسرى من نهر التيبر. ولم يكونوا ملزمين بذلك، فقد قامت كنائس المسيحيين(6). ولكن ظل بعض الظلم يقع عليهم، فكانت بعض الضرائب تفرض عليهم من أجل الإنفاق على الألعاب الرياضية، وكانوا يرغمون على إرسال ممثلين عنهم للاشتراك فيها وهم أنصاف عرايا، وهذا أمر يتنافى مع أعراف اليهود وأذواقهم. وظلت العداوة العنصرية باقية، فمثل اليهود في رسوم كاريكاتورية في المسرح الروماني، وفي الروايات الهزلية في الملاهي، ولكن اليهوديات كن يقدمن على أنهن مهذبات جميلات. لاحظ التناقض بين باراباس وأبيجيل في رواية مارلو "يهودي مالطة"، وبين شيلوك وجسيكا في رواية شكسبير "تاجر البندقية".

وعامل البابوات، إجمالاً، اليهود معاملة كريمة بالقدر الذي ينتظر من رجال مجدوا المسيح على أنه المخلص، وأنكروا عقيدة اليهود على انه لم يأت بعد، وعندما أنشئت محاكم التفتيش أعفى البابوات من سلطتها القضائية اليهود الذين لم يتحولوا عن دينهم. وكانت المحكمة تستطيع أن تستدعي أمثال هؤلاء اليهود، بسبب مهاجمتهم للمسيحية، أو محاولتهم رد المسيحي إلى اليهودية فحسب."إن اليهود الذين لم يكفوا قط عن إعلان إيمانهم باليهودية تركوا، إجمالاً، دون إزعاج"(7)من الكنيسة، ولكنهم لقوا الإزعاج من الدولة أو من الأهالي. وأصدر عدة بابوات مراسيم بقصد التخفيف عن حدة العداوة الشعبية. وبذل البابا كليمنت السادس جهداً شاقاً في هذا السبيل، فجعل مدينة أفنيون البابوية ملجأ رحيماً لليهود الفارين من الحكومة الوحشية في فرنسا(8). وفي 1419 أعلن مارتن الخامس إلى العالم الكاثوليكي:


"من حيث أن اليهود خلقوا على صورة الرب، وأن بقية منهم لا بد يوماً أن تخلص. ومن حيث أنهم توسلوا إلينا لحمايتهم، فإننا سيراً على نهج أسلافنا، نأمر بألا يزعجهم أحد في معابدهم، وألا يهاجم أحد قوانينهم وحقوقهم وأعرافهم، وألا يعمدوا قسراً، وألا يكرهوا على حضور الأعياد المسيحية أو وضع شارات جديدة، وألا يعترض سبيلهم في إقامة علاقات العمل بينهم وبين المسيحيين (9).

وأصدر يوجينيوس الرابع، ونيقولا، كما سنرى، تشريعاً مقيداً لليهود، ولكن بالنسبة لسائر البابوات كما يقول جرايتز "من بين سادة إيطاليا كان البابوات أكثرهم وداً وصداقة لليهود"(10) وكثير منهم: الإسكندر السادس، يوليوس الثاني، ليو العاشر- تجاهلوا المراسيم القديمة، وعهدوا بحياتهم إلى أطباء يهود. وشاد كتاب يهود معاصرون، شاكرين، بالأمن الذي تمتع به قومهم في ظل بابوات أسرة مديتشى(11). وكان أحدهم وهو كليمنت السابع، "صديقاً كريماً لإسرائيل(12).

ويقول مؤرخ إسرائيلي عالم :


إن هذا كان ذروة عصر النهضة. واعتبر جماعة متعاقبة من البابوات المثقفين المهذبين المترفين المشهود لهم بالحكمة في روما أن تقدم الثقافة جزء هام من عملهم في تعزيز المصالح الدينية للكنيسة الكاثوليكية. "ولذلك اتجهوا من أواسط القرن الخامس عشر، فما بعده، إلى التغاضي عن التفاصيل المزعجة في القانون الكنسي.... وإلى إظهار التسامح الكبير مع غير الكاثوليك. وكان رجال المصارف المقرضون اليهود يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الحركة الاقتصادية في ممتلكاتهم، على حين أن البابوات وهم رجال دنيا واسعوا الآفاق، قدروا كل التقدير مناقشتهم مع الأطباء اليهود وغيرهم ممن اتصلوا بهم. ومن ثم فإن هؤلاء البابوات أهملوا إهمالاً يكاد يكون تاماً كل التعليمات والقواعد التي كان آباء الكنيسة قد أصدروها، وصنفها في عداد القوانين مجلسا لاتيران الثالث والرابع. ولما رأى سائر إيطاليا هذا المثل الرائع أمام أعينهم- أمراء مديتشى في فلورنسه، إستنسى في فيرارا، جنزاجو في منتوا، حذوا إلى حد كبير حذو البابوات. إن اليهود، ولو أنهم قد أزعجتهم بين الحين والحين فترات من العنف أو التعصب- مثال ذلك عندما سيطر سافونا رولا على فلورنسه 1497- امتزجوا بجيرانهم وشاركوهم حياتهم، بدرجة لا يكاد يكون لها مثيل من قبل.

وقاموا بنصيب ممتاز في جوانب معينة في النهضة... عكسوها في حياتهم هم أنفسهم وفي أنشطتهم الأدبية باللغة العبرية، وأسهموا بإضافات هامة في الفلسفة والموسيقى والمسرح. وكانوا شخصيات حبيبة في بلاط كثير من المراء الإيطاليين(13).


إن بعضاً من الشخصيات التي كانت يوماً مشهورة لتكشف لنا عن هذه الفترة المشرقة في العلاقات بين المسيحيين واليهود. ولد إمانويل بن سولومون الحارومي (الرومي) وفي نفس السنة التي ولد فيها دانتي (1265) وأصبح صديقاً له، وكان رجلاً من رجال النهضة قدر ما يستطيع يهودي مخلص أن يكونه. وكان يحترف الطب، كما كان واعظاً، وعالماً دينياً، وعالماً من علماء النحو، ومن المشتغلين بالعلوم، ومن أصحاب المال والأعمال، وشاعراً، و "مؤلفاً لأغان ماجنة كثيراً ما جاوزت حدود الحشمة"(14). ولما كان يتقن العبرية كل الإتقان : فإنه أدخل إلى هذه اللغة المقطوعة الشعرية ذات الأربعة عشر بيتاً (Sonnet) وكاد ينافس الإيطاليين في الفصاحة والسلاسة والروح، ولم يظهر أي شاعر يهودي قط قبل "هين" مثل ما أظهر إمانويل من موهبة الهجاء والروعة والذكاء. وربما كان إمانويل قد تشرب بعض مبادئ مذهب ابن رشد في الشك، الذي ساد في ذاك العصر، فإن إحدى قصائده تعبر عن نفوره من السموات بما فيها من أناس أطهار (ذهب إلى أن النساء الدميمات الخلقة هن فقط الفضليات)، وعن إيثاره للجحيم، حيث توقع أن يجد فيها أكثر الجميلات إغراء في كل الأزمان. وألف في شيخوخته قصيدة ضعيفة يقلد فيها دانتي في "السماء والجنة". ولم يكن ثمة في اليهودية مطهر، مثلها في ذلك مثل المذهب البروتستانتي. وكان إمانويل أكرم من دانتي، فأفسح في الجنة مجالاً لكل "الأبرار في العالم بأسره"(15)، متبعاً في ذلك نهج تقاليد أحبار اليهود. على أنه أدخل أرسطو إلى الجحيم لأنه انتهى إلى خلود الكون.

وثمة روح مرح جذل شبيهة بهذا الذي أسلفنا، أضفت سلاسة وحيوية على كتابات كالونيموس بن كالونيموس، وشاهد روبرت ملك نابلى في إحدى زياراته لبرفانس هذا العالم الصغير ذا الاسم الجميل، وأخذه معه إلى إيطاليا. وكان كالونيموس في البداية متفرغاً إلى العلوم والفلسفة، وترجم أرسطو وأرشميدس وبطليموس وجالن والفارابي وابن رشد إلى العبرية، وكتب بروح أخلاقية عالية. ولكنه وجد أنه من اليسير عليه أن يتمثل طباع المرح والبهجة في نابولي ويتشربها. فلما انتقل إلى رومه أصبح هوراس اليهود (شاعر روماني في القرن الأول ق.م) يهجو هجاء لطيفاً أخطاء المسيحيين واليهود وأخطاءه هو نفسه، ونقاط الضعف فيهم وفي شخصه. وندب حظه لأنه ولد رجلاً، فإنه لو كان امرأة، لما كان عليه أن يطيل التنقيب والتفكير في التوراة والتلمود ويحفظ مبادئ القانون البالغ عددها 613. وسخرت روحه المرحة من التلمود. وتوحي الشعبية التي حظي بها هجاؤه لدى اليهود الرومان بأنهم لم يكونوا أنقياء متدينين بالقدر الذي كان عليه أخوانهم الأكثر شقاء في سائر البلاد.

ولم تحي النهضة الدراسات اليونانية فحسب بل العبرية كذلك. ودعا الكاردينال أجديو دي فيتربو العالم اليهودي إيليا لفيتا من ألمانيا إلى رومة (1509)، وبقى العالم اليهودي ثلاثة عشر عاماً ضيفاً مكرماً في قصر الكاردينال يعلمه العبرية ، ويتلقى عنه اليونانية. وبفضل جهود إجديو، ورخلين، وآخرين من التلامذة المسيحيين الذين يتلقون العلم عن المعلمين اليهود، أنشئت كراسى اللغة العبرية، في كثير من الجامعات والأكاديميات في إيطاليا. وحظي إيليا دل مديجو الذي كان يعلم العبرية في بادوا بتقدير عظيم هناك، رغم رفضه التحول عن دينه، إلى حد أنه لما حدث خلاف عنيف بين الطلبة المسيحيين حول بعض الشئون الثقافية، عينت السلطات الجامعية والسناتو في البندقية دل مديجو للتحكيم، فعالج الموضوع بحزم ولباقة، وخرج الجميع راضين. ودعاه بيكو دللا ميراندولا ليعلم العبرية في فلورنسة، وهناك انضم إيليا إلى الحلقة الإنسانية لأسرة مديتشى، ولا زلنا نراه من بين الشخصيات التي رسمها بينوتزو جوتزولى على جدران قصر مديتشى. ولم يشجع هذا العالم فكرة بيكو عن وجود بعض عقائد مسيحية في "القبالة" ، بل على النقيض من ذلك، سخر من سفر الرؤيا على أنه مجموعة من سخافات حمقاء.

وكان اليهود القاطنون في شمال جبال الألب أقل حظاً من اليهود إيطاليا. فقد طردوا من إنجلترا في سنة 1290، ومن فرنسا في سنة 1306، ومن فلاندرز في سنة 1370. ودعوا إلى فرنسا ثانية في 1315 شريطة أن يعطوا الملك ثلثي أي مال يكونون قد جمعوه من فوائد القروض التي عقدوها قبل طردهم(16). وما أن انتهت مكاسب الملك من هذه العمليات حتى نفى اليهود ثانية في سنة 1321. وعادوا في الوقت الناسب ليلقوا التأنيب على "الموت الأسود" ويحملوا مسئوليته، ونفوا مرة أخرى (1349)، وأعيدوا من جديد (1360) ليقدموا قروضاً مالية ويسهموا بمهارتهم، عوناً منهم على افتداء ملك فرنسا الذي أسر في إنجلترا. ولكن في عام 1394 اختفى في ظروف غامضة إسرائيلي ارتد إلى المسيحية. واتهم اليهود بقتله، واعترف بعض اليهود تحت وطأة التعذيب، بأنهم كانوا قد نصحوا هذا المرتد بالعودة إلى اليهودية، وثار الرأي العام، وأمر شارل السادس كارهاً، بنفي الجنس المنهوك ثانية.

وكان في براغ جالية يهودية قوية، ذهبوا إلى هناك ليستمعوا إلى عظات رائد "هس " وهو ميلز Miliez، لأنه أظهر اطلاعاً واسعاً وتقديراً كبيراً للتوراة. ودرس هس العبرية، وقرأ التعليقات العبرية، واقتبس عن راشى وموسى بن ميمون. وأطلق التابوريون الذين مضوا بإصلاحات هس أشواطاً حتى باتت قريبة من الشيوعية- على أنفسهم "الشعب المختار" وأطلقوا أسماء "إدوم، ومؤاب، وعمالق"، على الولايات الجرمانية التي شنوا عليها الحرب. ولم تكن جيوش هس، على أية حال، تستنكف عن قتل اليهود، عندما استولوا على براغ (1421)، ولم يتركوا لهم الخيار: الارتداد أو الجزية، مثل المسلمين، بل إن أيسر خيار كان : الارتداد إلى المسيحية أو الموت(17).

ومن كل الدول المسيحية تأتي بولندة في المحل الثاني بعد إيطاليا في حسن وفادتها لليهود، وفي 1098، 1146، 1196 هاجر يهود كثيرون من ألمانيا إلى بولندة، فراراً من الموت على أيدي الصليبيين، ولقوا ترحيباً وازدهرت أحوالهم هناك، وفي 1207 أصبح بعضهم يمتلك ضياعاً واسعة. وفي 1264 منحهم الملك بوليسلاف التقي صكاً بالحقوق المدنية. وبعد الموت الأسود انتقل عدد أكبر من الألمان إلى بولندة، ورحبت بهم هناك الأرستقراطية الحاكمة، بوصفهم خميرة تقدمية اقتصادية في أمة لازالت تفتقر إلى طبقة وسطى. وثبت كازيمير الثالث الأكبر (1333-1370) حقوق اليهود البولنديين ووسعها، وضمن الدوق الأعظم فيتوفست Vitovst هذه الحقوق ليهود لتوانيا. ولكن في 1407، أبلغ أحد الكهنة شعب الكنيسة في كراكاو أن اليهود قد قتلوا طفلاً مسيحياً، وأخذوا يمتعون أنظارهم بدمه. وحرض هذا الاتهام على وقوع المذابح. وجدد كازيمير الرابع حريات اليهود وزاد فيها (1447)، وقال: "نريد أن يشعر اليهود الذين نرغب في أن نحميهم من أجل مصلحتنا، ومصلحة خزانة الدولة- أن يشعروا بالراحة في ظل حكمنا الخير"(18). واتهم رجال الدين الملك، وأنذره أولسنيكى رئيس الأساقفة بسوء المصير في الجحيم، وألقى يوحنا كابسترانو، الذي جاء إلى بولندة ممثلاً للبابا، خطباً ملتهبة مثيرة في سوق بلدة كراكاو (1453)، ولما هزم الملك في الحرب ارتفعت الصيحات بأن عقاب الله قد نزل به لمساندته الكفار. ومذ كان في حاجة إلى تأييد رجال الدين للدخول في حرب أخرى، فإنه ألغى صك حريات اليهود. ووقعت المذابح المنظمة في 1463، 1494، وربما كان لمنع هذه الهجمات أن طلب إلى يهود كراكاو بعد ذلك أن يقطنوا ضاحية "كازيمييريه".

وفي تلك الضاحية وفي غيرها من المراكز في بولندة ولتوانيا، زاد اليهود عدداً وازدهاراً بعد أن ذللوا كل العقبات، وفي عهد سجسمند الأول أعيدت لهم حرياتهم فيما عدا حرية الإقامة. وظلوا على علاقة طيبة مع سجسمند. وفي 1556 اتهم ثلاثة من اليهود في بلدة سوخاشيف، بطعن "القربان المكرس" حتى أدمى، وأعلنوا براءتهم، ولكنهم أعدموا حرقاً بأمر من أسقف خلم Khelm. واستنكر سجسمند الثاني هذه العملية على أنها "أكذوبة دينية" قصد بها أن يثبت لليهود والبروتستانت أن الخبز المقدس كان قد تحولفعلاً إلى جسد المسيح ودمه، وقال الملك "لقد صعقت لهذه الجريمة البشعة، وإني لا يعوزني حسن الإدراك إلى حد يجعلني أومن بأنه يمكن أن يكون هناك دم في القربان(19)، ولكن بموت هذا الملك المتشكك، انتهت فترة المشاعر الطيبة بين الحكومة واليهود في بولندة.

وعاش اليهود حقبة من الزمن في سلام في ألمانيا في العصور الوسطى. وعملوا بجد ونشاط على طول المنافذ التجارية النهرية الكثيرة، وفي المدن الحرة والثغور، وحتى رؤساء الأساقفة أنفسهم كانوا يطلبون ترخيصاً من الإمبراطور لإيواء اليهود. وبمقتضى المرسوم البابوي (1355) شارك الإمبراطور شارل الرابع الناخبين الإمبراطوريين امتيازهم في الانتفاع باليهود، أي حق الناخبين في استقبال اليهود في دوائرهم، وحمايتهم واستخدامهم، وابتزاز أموالهم. وفي ألمانيا، كما كان الحال في إيطاليا، تلهف الطلاب على تفهم التوراة في نصوصها الأصلية ومن ثم درسوا العبرية. وحفز النزاع بين رخلين وبفركورن إلى هذه الدراسة، كما قوت طباعة التلمود كاملاً لأول مرة (1520) من هذا الحافز. وبلغ تأثير اليهودية ذروته في الإصلاح الديني. ومن الوجهة الدينية، كان هذا الإصلاح رجوعاً إلى أصل العقيدة البسيطة والأخلاق الصارمة في صدر المسيحية اليهودية. فإن عداء البروتستانتية للصور الدينية والتماثيل، كان عوداً إلى عداء السامية "للصور المنحوتة". واحتفلت بعض الفرق البروتستانتية بيوم السبت (مثل اليهود). وإن إنكار عبادة العذراء، وعبادة القديسين ليقترب كثيراً من التوحيد الصارم عند اليهود. كما أن ارتضاء القساوسة الجدد للزواج والجنس، جعلهم أشبه بأحبار اليهود، منهم بالكهنة الكاثوليك. إن نقاد رجال الإصلاح الديني اتهموهم "بالتهود"، وأسموهم "أشباه اليهود" أو "أنصاف اليهود"(20). وقال كارلستاد نفسه إن ملانكتون (من رجال الإصلاح اللوثري في ألمانيا) أراد أن يرجع إلى موسى وشريعته. وضم كلفن تهمة "التهود" إلى آثام سرفيتس السيئة، وسلم الأسباني بأن دراساته العبرية أثرت عليه في مناقشة لاهوت التثليث. وأعاد حكم كلفن في جنيف إلى الأذهان تسلط الكهنة في إسرائيل القديمة. واتهم زونجلى بأنه متهود لأنه درس العبرية مع اليهود، وبنى كثيراً من عظاته وتعليقاته على النص العبري للتوراة. واعترف بأنه مفتون باللغة العبرية:

لقد ألفيت "اللغة المقدسة" فوق كل ما يعتقده الناس، لغة مهذبة رشيقة جليلة. وعلى الرغم من فقرها في عدد الكلمات، فإن أحداً لا يشعر بهذا النقص، لأنها تستخدم حصيلتها من الألفاظ بأساليب شتى. والحق أنى قد أجرؤ على القول بأن الإنسان إذا أدرك جلالها ورشاقتها، لوجد أنه ليس هناك لغة أخرى تستطيع أن تعبر عن الكثير بمثل هذا العدد القليل من الألفاظ، وبمثل هذه التعابير القوية. وليس ثمة لغة مثلها غنية بأساليب التصوير المتعددة الجوانب الزاخرة بالمعاني. وليس هناك لغة مثلها تبهج القلب وتنفذ إليه بسرعة(21).

ولم يكن لوثر متحمساً إلى مثل هذا الحد. وقال شاكياً:"كيف أبغض قوماً يقحمون على الناس لغات كثيرة كما يفعل زونجلي، فقد تحدث على المنبر باليونانية والعبرية في همبرج"(22). وهاجم لوثر في نزق شيخوخته وخرفه، اليهود وكأنه لم يتعلم منهم شيئاً. وليس ثمة إنسان بطل في رأى دائنه. وفي نشرة عن "اليهود وأكاذيبهم" (1542) أفرغ لوثر وابلاً من الحجج ضد اليهود، على أنهم كانوا قد أبوا أن يرتضوا المسيح إلهاً، وأن ما عانوا طوال حياتهم أثبت غضب الله عليهم، وأنهم دخلاء على أراضي المسيحيين، وأنهم كانوا وقحين في ثرائهم القائم على الربا، وأن التلمود أجاز الخداع والسرقة والسلب وقتل المسيحيين، وانهم سمموا العيون والآبار، وذبحوا أطفال المسيحيين ليستخدموا دماءهم في الطقوس الإسرائيلية. وقد رأينا في دراستنا له في شيخوخته كيف أنه نصح الألمان بإحراق بيوت اليهود، وإغلاق معابدهم ومدارسهم، ومصادرة ثرواتهم، وتجنيد رجالهم ونسائهم في أعمال السخرة، وأن يخير جميع اعتناق المسيحية أو قطع ألسنتهم. وفي عظة ألقاها قبل موته بوقت قصير، أضاف أن الأطباء اليهود كانوا يتعمدون تسميم المسيحيين(23). وساعدت هذه التصريحات على أن تجعل البروتستانتية- وهي المدينة كثيراً لليهودية- أشد عداوة للسامية من الكاثوليكية الرسمية، ولو أنها ليست في هذا المجال أكثر من جماهير الكاثوليك الذين أثروا على الناخبين في سكسونيا وبراندنبرج ليطردوا اليهود من هذه البقاع(24). لقد أشاعوا هذه النغمة في ألمانيا على مدى عدة قرون، وأعدوا شعبها لإبادة الجنس حرقاً.


2- على السفود

لماذا كان المسيحيون واليهود يمقتون بعضهم بعضاً؟ لا ريب أنه كان هناك سبب يسود بينهم باستمرار، ذلك هو الصراع الحاد بين العقائد الدينية، حيث كان اليهود يشكلون تحدياً ثابتاً معمراً للمعتقدات المسيحية الأساسية. وأدى العداء الديني إلى فصل عنصري جاء في أول الأمر طوعاً، ثم بات قسراً فيما بعد، حيث انبثق في إنشاء أول حي يهودي في سنة 1516. وأبرز هذا الفصل العنصري الاختلافات في اللباس وطرق الحياة والملامح والصلاة والكلام. وشجع هذا التباين على عدم الثقة والخوف المتبادلين بين الطرفين. وولد هذا الخوف كراهية. وحول اليهود ما ألفوا من منع زواجهم من المسيحيين مفخرة لهم. وتمخض اعتزازهم بجنسهم عن تباهيهم بأنهم سلالة ملوك قد حكموا إسرائيل ألف سنة قبل ظهور المسيح. واحتقروا المسيحيين بوصفهم مشركين يؤمنون بالخرافات، وأنهم يتصفون بشيء من بطئ الفهم، ولكنهم يتشدقون بعبارات ملؤها الرياء المهذب على حين يأتون بأعمال وحشية لا يستشعرون فيها الرحمة، ويعبدون "أمير سلام" على حين يشن الأخوة الحرب تلو الحرب ضد أخوتهم. كما احتقر المسيحيون اليهود على أنهم كفرة غرباء لا يؤلفون. ويروي توماس مور قصة سيدة تقية صعقت عندما علمت أن السيدة العذراء كانت أصلاً يهودية، فاعترفت بأنها لن تستطيع بعد ذلك أن تكن "لأم الإله" ما كانت تكنه لها من حب من قبل(25).

وأصبحت قصة القربان المقدس مأساة لليهود. فقد طلب إلى المسيحيون أن يؤمنوا بأن الكاهن كان يحول رقائق الخبز غير المخمر إلى جسد المسيح ودمه، وقد ارتاب في هذا بعض المسيحيين، مثل "طائفة المتمتمين "، وربما أمكن أن يقوى من هذا الاعتقاد ما روى من قصص عن بعض رقائق الخبز المكرس التي تقطر دماً عند أية وخزة من سكين أو دبوس. ولكن من ذا الذي يقدم على هذه الفعلة الشنيعة غير اليهود؟ وفي القرون الخيرة من العصور الوسطى كانت مثل هذه الأساطير التي تروي عن القربان الذي يقطر دماً كثيرة جداً. وفي حالات عديدة: في نيوبرج (بالقرب من باسو) 1338، وفي بروكسل 1369، أدت هذه المزاعم إلى ذبح اليهود وإحراق بيوتهم. وأقيم في كاتدرائية سانت جود ول في بروكسل مصلى خاص لتخليد ذكرى القربان الذي أدمى 1369، واحتفل بهذه المعجزة سنوياً في عيد يطلق عليه Flemish Kermess،(26). واعترف أحد الكهنة في نيوبرج بأنه كان قد غمس قرباناً غير مكرس في الدم وخبأه في إحدى الكنائس ثم اتهم اليهود بطعنه(27). وينبغي أن نضيف إلى هذا أن رجال الكنيسة المستنيرين مثل نيقولا أوف كوزا دمغ أساطير هجمات اليهود على القربان بأنها ضروب من القسوة مخزية.

واستترت المنافسات الاقتصادية وراء العداء الديني. فعلى حين امتثل المسيحيون لأمر البابا بتحريم الفوائد الربوية، حصل اليهود على ما كاد يكون احتكاراً لإقراض النقود في العالم المسيحي. ولما تجاهل بعض أصحاب المصارف المسيحيين هذا التحريم، هبت شركات مثل Strozzi, Pitti, Bordi في فلورنسه، وولزرز Fuggers, Hochstetters, Welsers في أوجزبرج، هبت تتحدى هذا الاحتكار، ومن ثم تركزت هنا إثارة جديدة للخواطر، وتقاضى الطرفان, المسيحيون واليهود، كلاهما نسبة عالية من فوائد القروض، مما يعكس المغامرة بإقراض النقود في اقتصاد غير مستقر، زاد من زعزعته ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة. وغامر المقرضون اليهود أكثر مما فعل منافسوهم. وباتت ديون اليهود على المسيحيين غير محققة وغير مأمونة تكتنفها مخاطرة كبيرة، فقد تعلن السلطات الكنسية تأجيل الدفع، كما حدث في الحروب الصليبية، وربما فرض الملوك، وقد فرضوا بالفعل، على اليهود ضرائب يصادرون بها أموالهم، أو ابتزوا القروض منهم قسراً وإلا طردوهم وأحلوا مدينيهم من ديونهم أو تقاضوا نصيباً من المسموح بجمعه من الأموال. وفي شمال الألب ظلت كل الطبقات تقريباً، فيما عدا رجال الأعمال، تعتبر الفائدة رباً، ودمغوا بالإجرام أصحاب المصارف اليهود، وخاصة من يقترضون منهم. ومذ كان اليهود بصفة عامة أكثر رجال المال خبرة وتجربة، فقد استخدمهم الملوك في كثير من الأقطار لإدارة الشئون المالية في الدولة. وكانت رؤية اليهود الأثرياء يتقلدون مناصب مريحة ويجمعون الضرائب من الناس تثير استياء الشعب وسخطه.

ومع هذا كله، رحبت بعض المجتمعات المسيحية بأصحاب المصارف من اليهود: وقدمت لهم فرانكفورت امتيازات خاصة شريطة تقاضيهم نسبة32% فقط، على حين تقاضوا من آخرين 43%(28)، وقد نرى في هذا ما يثير نفورنا الشديد، ولكنا نسمع عن مقرضي نقود مسيحيين بلغ ما تقاضوه 266%، وتقاضى آل هولز هورز في نورمبرج 220% في 1304، وتقاضى المقرضون المسيحيون في برنديزي 240%(29). كما نسمع عن مدن طالبت بعودة أصحاب المصارف اليهود باعتبارهم أكثر تساهلاً ورفقاً من نظرائهم المسيحيين. واشترطت رافنا، في معاهدة مع البندقية، وجوب إرسال ماليين يهود إليها لفتح حسابات مصرفية للنهوض بالزراعة والصناعة(30).

وأضافت الروح القومية نغمة جديدة إلى أنشودة البغض والكراهية. وذهبت كل أمة إلى أنها بحاجة إلى وحدة عرقية ودينية. وطالبت بامتصاص اليهود فيها أو تحولهم عن دينهم. وكانت عدة مجالس كنسية، كما كان بعض البابوات يكرهون اليهود بشكل يتسم بالعدوان. وحرم مجلس فيينا (1311) أي تعامل بين المسيحيين واليهود. واستن مجلس زمورا (1313) قاعدة بأن يبقوا في حالة خضوع وعبودية صارمة. وجدد مجلس بال (1431-1433) القوانين الكنسية التي تحرم على المسيحيين معاشرة اليهود، أو خدمتهم، أو استخدامهم كأطباء، وأصدرت التعليمات إلى السلطات المدنية بعزل اليهود في أحياء مستقلة، وإلزامهم بوضع شارة مميزة، والتحق من حضورهم عظات تهدف إلى تحويلهم عن دينهم(31). ولم يطق البابا يوجينيوس الرابع، الذي كان في نزاع مرير مع مجلس بال، أن يتفوق عليه هذا المجلس في إزعاج اليهود، فأكد التجريد من الحقوق الذي وضعه هذا المجلس، وأضاف أنه يجب ألا يكون اليهود مؤهلين لأية وظيفة عامة، وألا يرثوا أية ممتلكات مسيحية، وألا يشيدوا مزيداً من المعابد، وأن يقبعوا في دورهم خلف الأبواب والنوافذ المغلقة في أسبوع الآلام، (احتياط حكيم ضد عنف المسيحيين)، أضف إلى ذلك أنه لا يعتد قانوناً بشهادة اليهود ضد المسيحي. وشكا يوجينيوس من أن بعض اليهود افتروا على يسوع ومريم في أحاديثهم. ويحتمل أن هذا كان صحيحاً(32). فإن الكراهية تولد الكراهية. وأصدر يوجينيوس بعد ذلك موسوماً آخر يقضي بأنه وجد يهودي يقرأ التلمود، فلابد من مصادرة أملاكه. وفوض البابا نيقولا الخامس القديس يوحنا كابسترانوا (1447) ليراقب أن كل مادة في هذا التشريع المذل توضع يده على ممتلكات أي يهودي تولى علاج فرد مسيحي(33).

وعلى الرغم من كل هذه المراسيم كان سلوك جمهور المسيحيين مع اليهود يتسم بتلك الروح الطيبة التي تسيطر على كل الناس تقريباً، رجالاً ونساء. بل وعلى الحيوانات، إذا لم يعترض سبيلهم أو يمس مصالحهم شيء. ولكن من الجائز أن يوجد في معظم الجماعات أقلية لا تتورع عن ممارسة أعمال القسوة إذا أمكن القيام بها مع الإفلات من العقوبة بصفة جماعية. ومن هذا القبيل جماعة "الباستير"، وقد نشئوا كرعاة مرتبطين بالأرض المقدسة، وجذبوا أنظار الدهماء من الناس لدى مرورهم بفرنسا (1320)، فقد عقدوا العزم على قتل كل من يصادفهم من اليهود الذين رفضوا التعميد. وفي تولوز اعتصم نحو 500 من اليهود بأحد الأبراج، فحاصرهم حشد هائج من الغوغاء، وخيروهم بين التعميد أو الموت، وحاول محافظ المدينة عبثاً إنقاذهم. ولما أدرك اللاجئون أن المقاومة ضرب من المحال، أمروا نفراً من الأقوياء فيهم بأن يذبحوهم. وقيل إنهم جميعاً بهذه الطريقة لقوا حتفهم فيما عدا واحداً، عرض الإبقاء على حياته، مع الإذعان للتعميد، ولكن الحشد الثائر مزقه إرباً. وبمثل هذه الطريقة استأصل نحو 120 جالية يهودية في جنوب فرنسا وشمال أسبانيا ولم يخلفوا وراءهم إلا بقية معدمة(34). وفي 1321 أحرق في شينون 120 يهودياً بتهمة تسميم الآبار(35)، وفي 1336 أعلن أحد المتعصيين الألمان أنه تلقى الوحي من عند الله يأمره بقتل اليهود ثأراً لموت المسيح، فجمع حوله نحو خمسة آلاف من الفلاحين، أطلقوا على أنفسهم اسم Armleder نسبة لشريط من الجلد ربطوه حول أذرعهم، وجلسوا خلال الألزاس وأراضي الراين، وقتلوا كل يهودي عثروا عليه. واجتاحت حمى القتل بافاريا وبوهيميا ومورافيا والنمسا (1337) وحاول البابا بندكت الثاني عشر وقفها دون جدوى، ولكن في راتسبون وفيينا فقط أمكن حماية اليهود بطريقة فعالة، أما في الأماكن الأخرى فقد عذب الآلاف من اليهود وقتلوا(36).

وكان الموت السود كارثة خاصة حلت باليهود في العالم المسيحي. لقد أودى الطاعون نفسه بحياة المغول والمسلمين في آسيا،وهناك لم يفكر أحد في إلقاء اللوم على اليهود، ولكن في أوربا الغربية حيث جن جنون الأهالي لهول الوباء وما أحدثه من دمار، اتهم اليهود بتسميم الآبار في محاولة لاستئصال المسيحيين. ونسج الخيال المسعور كثيراً من التفاصيل. فقيل بأن يهود طليطلة أرسلوا رسلهم بصناديق ملآى بالسم الذي صنعوه من السحالي والعظاءات (نوع من الزواحف) وقلوب المسيحيين، إلى جميع الجاليات اليهودية في أوربا، مع توجيهات بإلقاء هذه السموم المركزة في الآبار والعيون.ودمغ الإمبراطور شارل الرابع هذا الاتهام بالسخف الذي لا يعقل، وكذلك فعل البابا كليمنت السادس(37)، وأيد كثيرون من عمد المدن والمجالس البلدية هذا الرأي، ولكن ذلك كله لم يأت بنتيجة تذكر، وساد بين المسيحيين اعتقاد باطل بأن الطاعون لم يكن يمس اليهود بسوء. وربما كانت الحمى في بعض المدن أقل فتكاً باليهود منها بالمسيحيين. تبعاً لاختلاف القوانين الصحية والرعاية الطبية(38), ولكن في بعض الأماكن مثل فيينا، راتسبون، أفنيون، روما، عانى اليهود من الطاعون ما عانى المسيحيون(39)، ومع ذلك عذب اليهود حتى اعترفوا بتوزيع السم(40). وأغلق المسيحيون آبارهم وعيونهم، وشربوا ماء المطر أو الثلج المذاب، وانتشرت المذابح الرهيبة في فرنسا وأسبانيا وألمانيا. وفي إحدى المدن في جنوب فرنسا ألقيت الجالية اليهودية بأسرها في النار. وأحرق كل اليهود في سافوي، وحول بحيرة ليمان وفي برن وفريبورج وبروكسل. ومرة أخرى استنكر كليمنت السادس هذا الإرهاب وهذه التهمة, وأعلن براءة اليهود، وأشار إلى أن الطاعون كان شديداً حيث لا يوجد يهود، قدر شدته في أي مكان آخر، وحث رجال الدين على أن يكبحوا جماح الناس في أبرشياتهم، وحرم من الكنيسة كل من قتل اليهود أو اتهمهم ظلماً وافتراء، ولكن في ستراسبورج، على أية حال، شارك الأسقف في توجيه الاتهام، وحرض المجلس البلدي، على كره من المجلس، على أن ينفى كل اليهود. ورأى الجمهور أن هذا الإجراء معتدل، فطرد المجلس وعين مجلساً غيره، أمر بالقبض على كل اليهود في المدينة، وهرب بعض هؤلاء إلى الريف ولكنهم لقوا حتفهم بأيدي الفلاحين. وبقى ألفان من اليهود في المدينة فأودعوا السجون، وفرض عليهم التعميد، فأذعن نصفهم، ورفض الباقون فأحرقوا (14فبراير 1439). وبلغ مجموع من أبيدوا نحو 510 جاليات يهودية في أوربا المسيحية نتيجة هذه المذابح(41). وهلك عدد أكبر من ذلك، ففي سرقسطة على سبيل المثال، عاش واحد من بين كل خمسة من اليهود بعد الموت الأسود وما صحبه من اضطهادات(42). وقدر لي Lea أن 3000 من اليهود قتلوا في أرفورت، 12000 في بافاريا(43). وفي فيينا بناء على نصيحة الحبر جونة Jonah تجمع كل اليهود في المعبد وقتلوا أنفسهم بأيديهم، وحدث مثل هذا الانتحار الجماعي في ورمز، أوبنهايم، كرمز Krems، فرانكفورت(44). وحمل الذعر آلافاً من اليهود على الفرار من أوربا الغربية إلى بولندة أو تركيا. وقد يكون من العسير أن نعثر، قبل زماننا أو في سجلات للوحشية، على أية أعمال أشد وحشية من قتل اليهود بالجملة في الموت الأسود.

وزحف اليهود الذين عمروا بعد الموت الأسود، وئيداً إلى المدن التي كانت قد سلبتهم، وأعادوا بناء معابدهم، ولكن اشتد شعور الكراهية نحوهم، حيث نسب الخطأ إليهم. وفي 1385 أودع السجون كل اليهود في مدن "العصبة السوابية" وعددها36 مدينة، ثم أطلقوا سراحهم على شريطة إلغاء كل الديون التي لليهود، ونال هذا الإجراء كل الرضا في نورمبرج بصفة خاصة لأنها كانت قد اقترضت منهم ما يعادل نحو 700.000 دولار(45). وفي 1389 ذبح عدد من اليهود بتهمة أنهم كانوا قد انتهكوا قدسية قربان مكرس. وبنفس التهمة أحرق 14 يهودياً في بوتزن (1399)(46). ولأسباب مختلفة طرد اليهود من كولون (1424)، ومن سيبير Speyer (1435)، ومن ستراسبورج وأوجزبرج (1439)، ومن ورزبرج (1498)، ومن أولم (1499). وأقر مكسيمليان الأول طردهم من نورمبرج على أساس أنهم "قد كثر عددهم وأنهم بفضل معاملاتهم الربوية وضعوا أيديهم على ممتلكات كثير من أفاضل المواطنين، وجروهم إلى مهاوي البؤس والعار"(47). وفي 1446 أودع كل اليهود في نطاق براندنبرج السجون وصودرت بضائعهم باتهامات دمغها ستيفن أسقف المدينة بأنها تخفي وراءها الجشع والطمع، "لقد تصرف تصرفا جائراً أولئك الأمراء الذين دفعهم جشعهم المفرط إلى القبض تصرفاً جائراً أولئك في غياهب السجون دون مبرر عادل. وهم يرفضون أن يعوضوهم عما ابتزوا منهم"(48). وفي 1451 فرض نيقولا كاردينال كوزا, وهو من أكثر الرجال استنارة في القرن الخامس عشر، على اليهود المقيمين في حدود ولايته وضع الشارة. وبعد ذلك بعامين بدأ يوحنا كابسترانو بوصفه ممثلاً للبابا نيقولا الخامس، مهمته في ألمانيا وبوهيميا ومورافيا وسيلزيا وبولندة. واتهم في عظاته الملتهبة اليهود بقتل الأطفال وتدنيس القربان، وهي اتهامات كان قد دمغها البابوات بأنها خرافات قتالة. وأخرج أدواق بافاريا كل العبرانيين من دوقيتهم بعد أن ألهبهم "سوط اليهود". هذا. أما جودفري أسقف ورزبرج الذي كان قد منح اليهود امتيازاتهم كاملة في فرانكونيا، فإنه عاد الآن فنفاهم، وفي المدينة تلو المدينة قبض عليهم وألغيت كل الديون التي كانت لهم. وفي برسلار سجن عدد من اليهود بناء على طلب كابسترانو, وأشرف هو بنفسه على التعذيب الذي انتزع من بعضهم أي اعتراف أمر كابسترانو بالإدلاء به، وعلى أساس هذا الاعتراف أعدم أربعون منهم حرقاً (2 يونية 1453). ونفى اليهود الباقون، ولكن أطفالهم انتزعوا منهم وعمدوا بالقوة(49). وضم كابسترانو إلى القديسين 1690.

وإن محنة اليهود في راتسبون لتوضح حقيقة هذا العصر. فقد زعم هانز فوجل، وهو يهودي تنصر أن أحد الأحبار واسمه إسرائيل برونا، في الخامسة والسبعين من العمر كان قد ابتاع منه طفلاً مسيحياً وقتله، ليستخدم دمه في أحد الطقوس اليهودية. وآمن الناس بصحة الاتهام، وتعالت صيحاتهم مطالبين بعقوبة الموت للحبر العجوز. وألقى الإمبراطور فريدريك الثالث بالإفراج عنه. ولم يجرؤ المجلس على الامتثال للأمر، ولكنه قبض على فوجل، وأبلغه أنه لا مناص عن موته، وطلب إليه أن يعترف بخطاياه. فأقر أن برونا بريء، وأفرج عن الحبر. ولكن ترامت الأنباء إلى راتسبون عن اعتراف بعض اليهود تحت وطأة التعذيب بقتل طفل مسيحي في ترنت. وهنا نشا من جديد الاعتقاد بصحة اتهام فوجل، فأمر المجلس باعتقال كل يهود راتسبون ومصادرة بضائعهم، وتدخل فرديك، وفرض على المدينة غرامة قدرها ثمانية آلاف جيلدر، ووافق المجلس على إطلاق سراح اليهود إذا دفعوا هذه الغرامة، وفوقها مبلغ 10 آلاف جيلدر بصفة كفالة (250.000 دولار؟). فأجاب اليهود بأن هذا المبلغ (18.000 جيلدر) يزيد على كل ما تبقى لهم من ممتلكات، ومن ثم يتعذر عليهم دفعه. وقضوا في السجن عامين آخرين. ثم أطلق سراحهم بعد أن أقسموا اليمين بألا يغادروا راتسبون وألا يحاولوا الانتقام. على أن رجال الدين أهاجوا الشعور لطردهم وهددوا بالحرمان من الكنيسة كل تاجر يبيع اليهود شيئاً. ولم يبق في سنة 1500 سوى 24 أسرة يهودية، وطرد هؤلاء في 1519(50).

ووصف طرد اليهود من أسبانيا، فيما أسلفنا من قبل، بأنه عملية مهمة بالنسبة لتاريخ تلك البلاد. وتجدد في البرتغال اضطهادهم عندما سمح البابا كليمنت السابع، بتحريض من شارل الخامس، للأساقفة البرتغاليين بإنشاء محكمة التفتيش (1531) بقصد فرض الشعائر المسيحية على "المسيحيين الجدد"، ومعظمهم من اليهود الذين كانوا قد عمدوا رغم إرادتهم. وطبق قانون توركيمادا الصارم، وبثت العيون والأرصاد لملاحظة ارتداد أي من المتنصرين إلى شيء من الطقوس الدينية اليهودية، وسجن الألوف من اليهود، وحرمت عليهم الهجرة، لأن مهامهم الاقتصادية كانت لا تزال ضرورية للاقتصاد البرتغالي. وحرم على المسيحيين شراء شيء من أملاك اليهود منعاً لهم من الهرب، وأرسل مئات من هؤلاء إلى المحرقة لمحاولتهم مغادرة البلاد، وصعق كليمنت لهذه الإجراءات، وربما أثرت فيه هدايا اليهود، فأبطل سلطة محكمة التفتيش البرتغالية، وأمر بإطلاق سراح كل من أمرت بسجنهم، وإعادة بضائعهم المصادرة. ونص مرسومه الصادر في 17 أكتوبر 1532 على بعض مبادئ إنسانية للتعامل مع المرتدين عن المسيحية.


لما كانوا قد سيقوا إلى التعميد قسراً، فلا يجوز أن يعتبروا أعضاء



في الكنيسة. وإن في معاقبتهم على الهرطقة والانتكاس



إلى شعائرهم الأولى، خرقاً لمبادئ الإنصاف والمساواة،



والأمر يختلف فيما يتعلق بأبناء وبنات الموارنة الأولين فإنهم



يتبعون الكنيسة كأعضاء مختارين غير مكرهين. وبما انهم



نشأوا في أحضان أقرباء لهم من اليهود، وشاهدوا هذا



النموذج ماثلاً دوماً تحت بصرهم، فإنه من القسوة أن



نعاقبهم بمقتضى قانون الكنيسة، بتهمة التردي في أساليب



اليهود ومعتقداتهم. إنهم يجب أن يظلوا في أحضان



الكنيسة بالمعاملة الحسنة(51).


ويتبين أن كليمنت كان مخلصاً من رسالة بها عند ما شعر بدنو أجله، إلى القاصد الرسولي في البرتغال في 26 يوليو 1534، يأمره بالإسراع بإطلاق سراح المسجونين المرتدين(52).

وتابع البابا الثالث بذل الجهد لمعاونة اليهود البرتغاليين، وأطلق سراح 1800 من المسجونين، ولكن عندما عاد شارل من حملته التي كانت في ظاهرها ناجحة ضد تونس، طالب، مكافأة له، بإعادة محكمة التفتيش في البرتغال، ووافق بول على كره منه (1536)، ولكن بشروط بدا للملك جون الثالث أنها تنسخ موافقته - منها ضرورة مواجهة المتهم بمن اتهمه. وإثبات حق المحكوم عليه في استئناف الحكم أمام البابا. وساعد مرتد متعصب المحققين بأن علق على جدران كاتدرائية لشبونة إعلاناً جريئاً جاء فيه: "أن المسيح المخلص لم يظهر بعد، وأن يسوع ليس هو المخلص، وأن المسيحية محض افتراء"(53). ولما كان من الواضح أن مثل هذه العبارات قصد بها إيذاء اليهود، فإن لنا أن نرتاب بحق في أحد العملاء المحرضين. وعين بول لجنة من الكاردينالات لفحص إجراءات محكمة التفتيش البرتغالية. وقد جاء في تقريرها:


إذا اتهم مسيحي زائف - وغالباً ما يكون ذلك عن طريق



شهود مفترين - ساقه المحققون إلى منعزل موحش لا يرى



فيه أرضاً ولا سماء، وأقل ما يقال إنه لا يخاطب فيه



صديقاً يواسيه أو يسعفه. ويتهمونه بمقتضى شهادة غامضة



ولا ينبئونه بالزمان أو المكان الذي اقترف فيه الجريمة التي



يحاكم من أجلها. ويسمح له فيما بعد باختيار محام عنه



غالباً ما يقوده إلى طريق المحرقة، بدلاً من الوقوف إلى



جانبه والدفاع عن قضيته.دع مخلوقاً منكود الحظ يقر



بأنه مسيحي مؤمن حقاً، وينكر إنكاراً قاطعاً الخطايا التي



سيقت لاتهامه، فإنهم يسلمونه إلى النار، ويصادرون



بضاعته. أو دعه يدفع بأنه مذنب في كذا وكذا من



الأعمال، ولو أنها ارتكبت عن غير قصد، فإنهم يعاملونه



بالطريقة نفسها، مدعين بأنه ينكر عناداً نياته ومقاصده



السيئة. أو دعه يعترف اعترافاً كاملاً صريحاً بصحة ما



اتهم به، فإنهم يسومونه أشد ضروب الحرمان، ويحكمون



عليه بالبقاء في زنزانة كئيبة مظلمة لا يرى فيها النور، ويسمون



هذا "معاملة المتهم بالرحمة والرأفة والبر المسيحي" وحتى



الذين يفلحون في إثبات براءتهم يحكم عليهم بدفع غرامة، حتى



لا يقال إنه قبض عليهم بلا سبب. أما المتهمون المودعون في السجون



فإنهم يعذبون بكل آلات التعذيب حتى يقروا بما وجه إليهم



من اتهامات. وكثيرون يقضون نحبهم في السجن. أما



الذين يطلق سراحهم. فإنهم هم وذوي قراهم يدمغون



العار الأبدي(54).


لقد أرهقت التطورات السياسية البابا بول، وأقض مضجعه خطر فقدان أسبانيا والبرتغال، كما كان البابا قد فقد ألمانيا، والبابا كليمنت إنجلترا، ولكن بول على الرغم من ذلك بذل قصارى جهده للتخفيف من حدة محاكم التفتيش، ولكن الإرهاب كان يستشرى يوماً بعد يوم، حتى وجد يهود البرتغال، بكل وسيلة يائسة، مهرباً من مضيفيهم، وانضموا إلى إخوانهم في أسبانيا سعياً وراء ركن يقبعون فيه بالعالم المسيحي أو أرض الإسلام، ويمكن أن يحتفظوا فيه بشريعتهم مع الإبقاء على حياتهم.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

3- الشتات الثاني

إلى أين يذهب اليهود؟ إن جزيرتي سردينيا وصقلية اللتين كانوا قد قطنوا فيهما لمدة ألف سنة من قبل، قد شملهما، بالإضافة إلى أسبانيا، المرسوم الذي أصدره فريناند بطردهم. وما جاءت 1493 حتى كان آخر يهودي قد غادر بالرمو. وفي نابولي استقبل فرانت الأول والإخوان الدومينيكان والجالية اليهودية المحلية، آلاف اللاجئين بالترحاب. ولكن شارل الخامس أصدر في سنة 1540 مرسوماً بطرد اليهود من نابولي.

وكان في جنوة لزمن طويل قانون يحدد دخول أعداد إضافية من اليهود. ولما وصل المرتدون من أسبانيا 1492، لم يسمح لهم بالبقاء لأكثر من بضعة أيام قليلة. ولقد وصفهم مؤرخ جنوي بأنهم أشباح بالغة الهزال والشحوب والنحول، عيونهم غائرة، ولا يفرقهم عن الموتى سوى قدرتهم على الحركة"(55). ومات الكثير منهم جوعاً، وحملت الأمهات أطفالاً موتى، وباع بعض الآباء أبناءهم ليدفعوا أجر الانتقال من جنوى. واستقبل نفر قليل من المنفيين في فيرارا، ولكن طلب إليهم أن يضعوا شارات صفراء(56) وربما كان هذا بمثابة احتياط ضد انتشار المرض.

وكانت البندقية لعهد طويل مأوى لليهود. وكم من محاولات كانت قد بذلت لإخراجهم منها (1395-1487) ولكن السناتو تولى حمايتهم لأنهم كانوا يسهمون إسهاماً هاماً في الاقتصاد والمال، ويتولون الجزء الأكبر من تجارة الصادرات في البندقية، وكانوا نشيطين في استيراد الصوف



 صفحة رقم : 8940   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> اليهود -> الشتات الثاني


والحرير من أسبانيا، والتوابل واللؤلؤ من الهند(57). ولفترة طويلة كانوا يقطنون، بمحض اختياراهم الحي الذي سمي باسمهم (حي اليهود). وفي 1516 وبعد تشاور مع زعماء اليهود، قضى السناتو بأن يقطن كل اليهود، فيما عدا نفر قليل مرخص لهم بصفة خاصة، في قطاع من المدينة عرف باسم Ghetto أي حي خاص، والظاهر أن هذا اللفظ مأخوذ عن كلمة getto، أو مسبك كان هناك(58). وأمر السناتو كل اليهود المرتدين بمغادرة البندقية، وقد شجع المسيحيون المنافسون هذا الإجراء. على أن بعض التجار المسيحيين عارضوه لأنه يهدد بفقدان أسواق معينة، وخاصة في العالم الإسلامي، ولكن شارل الخامس استخدم كل نفوذه في الموضوع، ونفذ مرسوم الطرد(59). على أنه لم يمض وقت طويل حتى زحف التجار اليهود إلى البندقية ثانية، وحل المنفيون من البرتغال محل اليهود المتنصرين الذين طردوا، وأصبحت اللغة البرتغالية لبعض الوقت هي لغة اليهود البنادقة. واستقبل البابا الإسكندر استقبالاً كريماً في رومه كثيراً من المنفيين من شبه جزيرة إيبيريا، وازدهرت أحوالهم في عهد جوليوس الثاني، وليو العاشر، وكليمنت السابع، وبول الثالث. وأباح كليمنت للمرتدين ممارسة الطقوس اليهودية في حرية تامة، مؤمناً بأنهم غير ملزمين بأي تعميد إجباري(60). وفي أنكونا، ثغر الولايات البابوية على الأدرياتيك، حيث كان اليهود عنصراً نشيطاً في التجارة الدولية، أنشأ كليمنت مأوى لليهود الذين أعلنوا عن ديانتهم وضمن لهم عدم التحرش بهم. أما بالنسبة للبابا بول الثالث فيقول الكاردينال سادوليتو: "لم يغدق أي من البابوات على المسيحيين من التكريم والحفاوة والامتيازات والمنح مثل ما أغدق بول الثالث على اليهود. إنهم لم يحظوا بالمساعدة فقط بل إنهم تزودوا كذلك عملياً بالمنافع والامتيازات(61)". وشكا أحد الأساقفة من أن اليهود المرتدين عند دخولهم إلى إيطاليا أسرعوا بالعودة إلى ممارسة الطقوس اليهودية وختان أطفالهم المعمدين، تحت بصر البابا والأهالي، في الغالب. وتحت ضغط هذه الانتقادات أعاد بول محاكم التفتيش في رومه (1542)، ولكنه، وقف إلى جانب المرتدين طوال حياته(62).

وتحول خلفاؤه - وقد ضيقت عليهم الخناق انتكاسة عن أساليب الرفق واللين التي سادت عصر النهضة - تحولوا إلى سياسة إزعاج اليهود وإقلاق بالهم. وطبقت المراسيم البابوية القديمة. وفرض بول الرابع (1555-1559) على كل معبد أن يسهم بعشرة دوكات (250دولار؟) في إقامة دار للمتنصرين ليتلقى فيها اليهود تعاليم المسيحية. وحرم عل اليهود استخدام خدم أو مرضعات مسيحيات أو علاج مرضى مسيحيين، أو أن يبيعوا المسيحيين شيئاً غير الملابس القديمة، أو أن يقيموا مع المسيحيين أية معاملات أو علاقات ممنوعة. وما كان لهم أن يستعملوا إلا التقويم المسيحي. وهدمت كل معابد اليهود في رومه إلا واحداً، وحرم على اليهودي أن يمتلك عقاراً، وإذا كان لأحد منهم أي عقار فعليه أن يبيعه في بحر ستة شهور، وبهذه الطريقة استطاع المسيحيون أن يشتروا بما يعادل 500.000 كراون (12.500.000 دولار) من أملاك اليهود بخمس قيمته الفعلية(63). وانحصر كل اليهود الذين بقوا آنذاك في رومه (1555) في حي منعزل عاش فيه عشرة آلاف شخص في كيلومتر مربع فقط، وشغلت عدة أسرات حجرة واحدة. وتعرض الحي، بسبب انخفاض مستواه، للفيضان الدوري لنهر التيبر، حتى جعل من هذه البقعة مستنقعاً ملوثاً بالطاعون(64). وأحيط الحي بأسوار كئيبة تغلق أبوابها في منتصف الليل وتفتح عند الفجر، فيما عدا أيام الأحد والعطلات المسيحية فإنها تظل مغلقة طوال اليوم. وألزم اليهود بأن يلبسوا خارج هذا المعزل زياً مميزاً - للرجال قبعة صفراء، للنسوة خمار أو شارة صفراء - وأقيمت أحياء منعزلة مثل هذا في فلورنسا وسيينا؛ وبمرسوم من البابا في أنكونا وبولونيا، وكانت تسمى هناك Enferno(65) (الجحيم). واصدر بول الرابع أمراً سرياً بوضع كل المرتدين في انكونا في سجون محكمة التفتيش وبمصادرة بضائعهم. وأحرق هناك أربعة وعشرون رجلاً وامرأة واحدة أحياء بتهمة أنهم هراطقة مرتدون (1556)(66) وأرسل سبعة وعشرون يهودياً للتجديف على السفن الشراعية إلى الأبد(67). وكان هذا بالنسبة ليهود إيطاليا انتقالاً من عصر ذهبي إلى شفق شاحب.

وتسللت حفنة من اللاجئين اليهود إلى فرنسا وإنجلترا على الرغم من القوانين التي تنص على إبعادهم. وكانت ألمانيا كلها تقريباً مغلقة في وجوههم. وقصد كثيرون إلى أنتورب، ولكن سمح لنفر قليل منهم فقط بالإقامة لمدة تزيد على شهر. وأسس ديوجومنديس - وهو برتغالي مرتد - في أنتورب فرعاً للبنك الذي كانت أسرته قد أسسته في لشبونة. وفي 1532 لاقى من النجاح ما حدا مجلس أنتورب على القبض عليه مع خمسة عشر آخرين بتهمة ممارسة اليهودية. وتدخل هنري الثامن الذي استخدم منديس وكيلاً مالياً، وأطلق سراح ثلاثة عشر، بعد دفع غرامة فادحة، وهذا هو "الغرض الأسمى" من كل حالات القبض. وانتقل اليهود الآخرون إلى أمستردام حيث كان من الممكن أن تنتعش أحوالهم بعد تحرر هولندة من نير أسبانيا سنة 1589.

أما هؤلاء اللاجئون الذين التمسوا مأوى في الأراضي الإسلامية التي لا تخضع مباشرة لسيطرة سلطان تركيا، فقد صاروا إلى حالة أحسن بقليل منها في العالم المسيحي. وأطلق المغاربة النار على اليهود الذين حاولوا أن يحطوا رحالهم في أوران والجزائر وبوجيا، ولقي عدد وفير منهم حتفهم. ولما منعوا من الدخول إلى المدن أقاموا معزلاً مرتجلاً من الأكواخ من خشب الأشجار، وشبت النيران في أحد الأكواخ، فالتهمت المستوطنة عن آخرها مع كثير من اليهود، أما الذين قصدوا إلى فاس فقد وجدوا الأبواب موصدة دونهم، فاحتلوا بعض الحقول وعاشوا على الأعشاب وجذور الشجر، وقتل الأمهات أطفالهن خيراً من أن يرينهم يموتون جوعاً. وباع الآباء أبناءهم في مقابل قطعة من الخبز. وأنى الطاعون على مئات من الأطفال والشبان. وهاجم القراصنة وسرقوا الأطفال ليبيعوهم بيع الرقيق(68). ومزق القتلة أجسام اليهود عساهم يعثرون على مجوهرات اعتقدوا أن اليهود قد ابتلعوها(69). وبعد كل هذه المصائب والكوارث، أنشأ الذين عمروا بعدها، في شجاعة لا تصدق، في ظل ألوان من الضعف والعجز لا نهاية لها، جاليات يهودية جديدة في المغرب العربي. وفي الجزائر، خاطر سيمون ديوران الثاني بحياته المرة بعد المرة، لحماية المنفيين، وتنظيمهم بشكل يوفر شيئاً من الأمن. وفي فاس أصبح يعقوب بيراب أشهر علماء التلمود في زمانه.

ولقي المنفيون من أسبانيا، استقبالاً إنسانياً في القاهرة تحت حكم سلاطين المماليك والعثمانيين، وسرعان ما سموا إلى زعامة الجالية اليهودية. وألغى سليم الأول وظيفة Nagid "الأمير" وفيها كان يتولى أحد الأحبار تعيين سائر الأحبار، ويشرف على شئون كل اليهود في مصر، وبعد ذلك أصبح لكل جالية يهودية أن تختار حبراً لها وان تتولى شئونها الداخلية بنفسها، وأنهى حبر القاهرة الجديد وهو داود بن أبي زمرة وهو مهاجر أسباني - استخدام التقويم البابلي القائم على تقسيم الزمن إلى فترات - الذي كان يهود أسيا وأفريقية يستعملونه - وحثهم على اقتباس تقويم آخر (كما فعل يهود أوربا في القرن الحادي عشر) وهو تقويم قائم على حساب السنين منذ بدء الخليقة الذي حدد مؤقتاً بعام 3761 قبل الميلاد.

وحيثما ذهب يهود أيبيريا (Sephardic) حظوا بالزعامة الثقافية، والسياسية في الغالب، على اليهود المحليين. ففي سالونيك أصبحوا، وظلوا حتى 1918، غالبية عددية بين السكان، حتى أن اليهود غير الأسبان الذين جاءوا ليعيشوا في هذه المدينة، كان لزاماً عليهم أن يتعلموا اللغة الإسبانية. وفي ظل هذه السيطرة اليهودية، كانت سالونيك لفترة من الزمن أكثر المراكز التجارية ازدهاراً في شرق البحر المتوسط.

ورحب السلطان بايزيد الثاني في تركيا باليهود المنفيين، لأنهم أحضروا معهم، على وجه الدقة، تلك المهارات اللازمة للحرف والصناعات اليدوية والتجارة والطب. مما لم تكن تركيا قد توسعت فيه وطورته إلا في أقل الحدود. وقال بايزيد عن فرديناند الكاثوليكي: "إنكم تقولون إن فرديناد ملك حكيم عاقل ذلك الذي أفقر بلاده وأغنى بلادنا"(70). وخضع اليهود، شأنهم شأن غير المسلمين في أرض الإسلام، لضريبة الرأس، ولكن هذه الضريبة أعفتهم من الخدمة العسكرية. وبقي معظم يهود تركيا فقراء، ولكن كثيراً منهم أثرى وسما إلى مراكز النفوذ. وسرعان ما أصبح كل أطباء القسطنطينية تقريباً من اليهود. وكان طبيب سليمان من ذوي الحظوة لديه، إلى درجة أنه أعفاه وأعفى أسرته من كل الضرائب وبرز اليهود في الناصب الدبلوماسية في عهد سليمان، حتى أن السفراء المسيحيين كان لزاماً عليهم أن يتوددوا إليهم تقرباً إلى السلطان. وكان لأنباء اضطهاد اليهود في أنكونا على يد بول الرابع وقع شديد في نفس سليمان، واحتج عليها لدى البابا (9 مارس 1556) وطلب الإفراج عن رعايا تركيا من اليهود في أنكونا، وفعلاً أطلق سراحهم(71). وآوى جراسيا منديزيا، وهو أحد أفراد أسرة منديس الذين اشتغلوا بالأعمال المصرفية، إلى اسطنبول ليجد فيها أخيراً الأمن والطمأنينة، بعد أن أتى كثيراً من أعمال البر والخير في أنتورب وفيرارا والبندقية، ولقي جزاء سنمار من الإساءة والأذى.

وفي عهد الأتراك استقبلت الأرض المقدسة مرة أخرى، القوم الذين كانوا قد أضفوا عليها القداسة أول الأمر. ولما كانت القدس مقدسة لدى المسيحيين والمسلمين، قدر ما هي مقدسة لدى اليهود، فإنه لم يسمح بالإقامة فيها إلا لعدد محدود من العبرانيين. أما في صفد في الجليل الأعلى، فقد ازداد عدد اليهود وارتفعت مكانتهم الثقافية بسرعة، حتى أن يعقوب بيراب حاول أن ينشئ هناك جمعية Sonhedrin ، تكون بمثابة هيئة عليا تتولى الحكم بين جميع اليهود. وكانت تلك فكرة جريئة. ولكن اليهود كانوا موزعين في شتى البلاد متباينين في اللغة وطرق الحياة، إلى حد لا يسمح بتوحيد الحكم. وعلى الرغم من ذلك فإن اليهود في أرض الإسلام وفي العالم المسيحي، كانوا في صلواتهم يتضرعون إلى الرب "ليجمع شتاتهم ويلم شملهم من أركان الأرض الأربعة". وفي يوم الكفارة Yom Kippur، وفي يوم الفصح يجتمع اليهود في كل مكان في العالم حول الأمل الذي تشبثوا به فأبقى عليهم وسط المحن، ويرددون: "سنكون في العام القادم في فلسطين"(72).


4- فن البقاء

إن قدرة اليهود على الإقامة من كبوتهم وتخطى المحن التي حلت بهم، لهي إحدى عجائب التاريخ التي تترك في النفس انطباعاً، وهي جزء من المرونة البطولية التي أظهرها البشر عامة بعد كوارث الحياة.

ولم يكن التمييز العنصري أسوأ إهانة لحقتهم، فقد كانوا أكثر أمناً وسعادة فيما بينهم، منهم وسط الجمهور الذي يضمر لهم العداء، والفقر أمكنهم أن يتحملوه لأنهم كانوا ألفوه لعدة قرون، ولم يكن خاصاً بهم، والحق أن فخرهم بالثراء العارض كان أقرب احتمالاً من شعورهم بالفقر الذي عانوه منذ أزمان سحيقة. أما أنكى الجراح، مهما كان الباعث عليه، فهي الشارة أو الزي المميز الذي دمغهم بأنهم محتقرون منبوذون بين الناس. وكتب مؤرخ اليهود العظيم في مرارة يقول:

إن شارة اليهودي كانت بمثابة إغراء للصبية المتشردين بإهانة حامليها وقذفهم بالأوحال، وإيحاء لجموع الرعاع الحمقى بالانقضاض عليهم وإساءة معاملتهم، بل حتى قتلهم، كما هيأت للطبقة العليا فرصة نبذ اليهود ونهبهم أو نفيهم. وأسوأ من هذا العار الخارجي، أثر الشارة في اليهود أنفسهم. فقد اعتادوا أكثر فأكثر على مركزهم الحقير المذل، وفقدوا كل إحساس باحترام الذات. فأهملوا مظهرهم الخارجي... وأصبحوا أكثر فأكثر لا يعنون بحديثهم لأنهم لم يسمح لهم بارتياد دوائر الثقافة، أما فيما بينهم فكانوا يفهمون بعضهم بعضاً برطانة غامضة" وفقدوا كل تذوق للجمال وإحساس به. وأصبحوا إلى حد ما حقراء كما أرادهم أعداؤهم أن يكونوا(73).

إن هذا وصف يتسم بالمبالغة والتعميم أكثر مما ينبغي، فكم من اليهود احتفظوا بكبريائهم وتألقوا في ملابسهم الفاخرة، وإنا لنسمع المرة بعد المرة عن بنات يهوديات اشتهرن بجمالهن، وعن Judisch التي تطورت في القرن السادس عشر إلى لغة ألمانية فيها اقتباسات عبرية وسلافية. كانت تنتج أدباً قوياً متنوعاً حينما كتب جرايتز كتابه "تاريخ اليهود". وعلى أية حال، فإن أكبر جريمة ارتكبت في تلك القرون هي الحط عمداً من قدر شعب بأسره، وقتل النفس بلا شفقة أو رحمة.

وكان الجزء الذي لا يتجزأ من هذه الجريمة وأساسها، استبعاد اليهود من كل الأعمال والأشغال تقريباً، فيما عدا التجارة والشئون المالية. ولأسباب سبق إيجازها(74)، ولأن الكنيسة كانت تطالب بعشر غلة الأرض المنزرعة، تراجع اليهود أكثر فأكثر عن زراعة الأرض، وأخيراً حرم عليهم امتلاك الأراضي(75). ولما كان محرماً عليهم الانضمام إلى النقابات (التي كانت رسمياً منظمات مسيحية دينية) فإنهم لم يتمكنوا من الدخول إلى عالم الصناعة، وطوقت الاحتكارات المسيحية عملياتهم التجارية. وعلى الجملة وجدوا أنفسهم، في معاملاتهم مع المسيحيين، محدودين بنطاق ضيق من الصناعة والتجارة وتسليف النقود. وفي بعض البقاع كان محرماً عليهم أن يبيعوا للمسيحيين شيئاً سوى البضائع القديمة المستعملة، وفقدوا، بعد القرن الثالث عشر، تفوقهم السابق في عالم المال، ذلك التفوق الذي كان يثير حقد الآخرين وحسدهم، ولكن رأسمالهم السائل، ومعرفتهم بلغات العالم، واتصالاتهم الدولية عن طريق أقربائهم المنتشرين في كل مكان، كل أولئك مكنهم من تحقيق مركز عال في التجارة الأجنبية للدول المسيحية. وكان دور اليهود في هذا المجال هائلاً إلى حد أن الدول التي طردتهم، خسرت الكثير من حجم تجارتها الدولية. أما تلك التي رحبت بهم فكسبت هذا المجال. وهذا سبب واحد، وليس السبب الرئيسي، في أن أسبانيا والبرتغال اضمحلتا، على حين انتعشت هولندة، وفي أن أنتورب أسلمت زعامتها التجارية إلى أمستردام.

وكان لليهود عزاء وإنقاذ في أن تحكمهم، في شئونهم الداخلية، قوانينهم وأعرافهم وأحبارهم ومجالسهم الدينية. ففي اليهودية، كما هو الحال في الإسلام، نجد الدين والقانون والأخلاقيات شيئاً واحداً لا يتجزأ. فقد اعتقدوا أن الدين يتمشى مع الحياة على طول الخط. وفي 1310 صاغ الحبر يعقوب بن أشر القانون والطقوس والأخلاقيات اليهودية في "أربعة لوائح"، حلت محل "تعاليم الأحبار" التي وضعها ابن ميمون (1170)، مع سجل وضعت فيه كل تشريعات التلمود وأحكام الجيونيم Geonim، واصبحت كلها ملزمة لجميع اليهود في كل مكان. وأصبح كتاب "الجداول الأربعة" المرشد المتفق عليه أية قوانين حبرية أو أحكام حتى 1565،.

وقوضت مصائب القرنين الرابع عشر والخامس عشر أركان التنظيم الاجتماعي لدى اليهود، ومات من الأحبار، كما مات من القساوسة، عدد كبير جداً، في الموت الأسود، ووضعت عمليات الاضطهاد والطرد وحياة اللاجئين، خاتمة للقانون اليهودي. ووجد يهود أيبريا من العسير عليهم أن يتقبلوا لغات وأعراف الجاليات اليهودية التي عرضت انضمامها إليهم، فأقاموا معابد خاصة بهم واحتفظوا بلغتهم الإسبانية أو البرتغالية. ووجدت في كثير من المدن تجمعات منفصلة من اليهود الإسبانيين أو البرتغاليين أو الإيطاليين أو اليونانيين أو الألمان، ولكل طائفة حبرها وعادتها وصدقاتها وأحقادها(76).وفي وسط هذه الأزمة أنقذت الأسرة اليهودية شعب اليهود، فإن الإخلاص المتبادل بين الآباء والأبناء، وبين الأخوة والأخوات هيأ جواً من الاستقرار والأمن. وانتهت قرون الفوضى في الأعراف والعادات اليهودية عندما أصدر الحبر يوسف كارو من صفد كتاب "تنسيق الشريعة Shulchan Aruch" (البندقية 1564-1565)، سجل فيه الدين والقانون والأعراف اليهودية مرة أخرى، ولكن مذ بنى كارو تشريعه على اليهودية الإسبانية أساساً، فإن يهود ألمانيا وبولندة أحسوا بأنه لم بول إلا عناية يسيرة لتقاليدهم وتفسيراتهم للقانون. وأضاف الحبر موسى إسرل Esserles من كراكاو إلى "تنسيق الشريعة" "تنسيق التنسيق" (1571) صاغ فيه خلافات الأشكنازي مع قانون كارو الذي كان في معظمه أسبانيا. وبهذا التنقيح بقي كتاب "تنسيق الشريعة" حتى وقتنا هذا مرجع اليهود ذوي العقيدة الصحيحة، وكأنه "جستنيان أو بلاكستون" إذا قلت عن اليهودي إنه امتثل لكل التعاليم التي وردت في "تنسيق الشريعة" فهذا ذروة المديح والثناء.

ولما كانت صياغة جرت للقانون اليهودي مبنية على التلمود، فيمكن - أو هل يمكن؟- أن نتصور الذعر الذي تابع به اليهود تقلبات كتابهم المقدس الثاني. وفي القسم الأدبي من التلمود، وهو قسم أقل وثوقاً، ويسمى "هجادة Haggada"، توجد بعض أجزاء تهزأ ببعض معتقدات مسيحية معينة، وقد مهد اليهود المتحولون إلى المسيحية طريقهم إليها بسخريتهم من هذه الأجزاء. ووقف العمل بالتلمود بأسره. وعلى الرغم من هذه الحركات التي بلغت ذروتها في حملة بفركورن على رخلين، شجع ليو الثالث طبع التلمود لأول مرة (الندقية1520)، ولكن جوليوس الثالث دلل على انتهاء عصر النهضة بأن أمر محكمة التفتيش بإحراق نسخ التلمود الموجودة في إيطاليا (1553)، واقتحمت بيوت اليهود، وأخذت آلاف من النسخ، واشتعلت النيران في الهواء الطلق في الكتب اليهودية في رومه وبولونيا ورافنا وفيرارا وبادوا والبندقية ومانتوا. على أن ميلان رفضت الإذعان لمرسوم الإحراق(77). وناشدت الجمعيات اليهودية البابا أن يلغى مرسومه، وظل هو يماطل والكتب تحرق. ولكن بيوس الرابع بأنه يمكن طبع التلمود بعد إخضاعه للرقابة. وبعد ذلك راقب اليهود المنشورات والمطبوعات الخاصة بهم(78).

وبقى "الزهار Zahar" وهو نص "القبالة" اليهودية. سليمان لم يمس بسوء لأن بعض العلماء الكاثوليك ذهبوا إلى أنهم وجدوا فيه أدلة على ألوهية المسيح. وكان الزهار قد كتب 1295 بقليل، بوصفه حلقة من سلسلة من المؤلفات التي تنقل القبالة أي "التقاليد السرية" لليهود الذين وجدوا أن أماناً من الفقر والاضطهاد والاضطراب العقلي في التأمل في الرموز الخفية الدينية للأرقام والحروف والقراءة العكسية للألفاظ والاسم الذي يفوق الوصف للرب، وهكذا. وتجمع اليهود المحزونون في حلقات خاصة يلتمسون، بالصوم والبكاء وبالتقشف الصارم وبتفسير القبالة، أن ينزل عليهم وحي جديد، فيما يتعلق، فوق كل شيء، بمجيء "المخلص" الذي قد يخلص إسرائيل من كل أحزانها. إن الذين حاولوا أن يستشعروا العمق الذي لم يسبق له مثيل للآلام التي عاناها اليهود في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، يمكنهم أن يدركوا مثل هذا اللجوء - الذي يمكن أن يغتفر، إلى التصوف الذي يجدون فيه السلوى والعزاء، وخداع النفس المتكرر الذي يلجأ إليه هؤلاء اليهود البائسون، باعتقادهم أن "المخلص" كان قد جاء بالفعل. وفي 1524 امتطى شاب يهودي عربي وسيم أطلق على نفسه اسم داود روبيني، جواداً أبيض عبر شوارع رومه إلى الفاتيكان، وقدم نفسه إلى البابا كليمنت السابع على أنه شقيق ورسول ملك يهودي قال إنه يحكم في بلاد العرب قبيلة يهودية قديمة تدعى قبيلة روبين. وقال داود إن مليكه لديه 300.000 جندي غير كاملي العتاد، وإذا أمدهم البابا وأمراء أوربا بالسلاح، فإن القبيلة تستطيع عندئذ أن تطرد المسلمين من فلسطين. واهتم كليمنت بالأمر وعامل بالحفاوة التي تليق بمقامه بوصفه سفيراً. وسر يهود روما أن يروا يهودياً يلقى مثل هذا التكريم. وأمدوه بكل ما يحافظ به على صفته الدبلوماسية السامية. ولما تلقى دعوة من جون الثالث ملك البرتغال أبحر مع حاشية كبيرة على سفينة تحمل العلم اليهودي.

وسحر جون بمقترحات داود إلى حد أنه أوقف اضطهاد المنتصرين وجن من الفرح جنون يهود البرتغال الذين عمد معظمهم ضد إرادتهم، وأعلن كثيرون منهم عن اعتقادهم بأن داود كان هو "المخلص"، وأجرى ديوجو بيرز - وكان قد تنصر وأصبح سكرتيراً للملك، أجرى لنفسه عملية الختان، ليثبت يهوديته، وغير اسمه إلى سليمان مولخو، وأخذ طريقه إلى تركيا وأعلن أن داود هو البشير "المخلص" الذي سوف يصل هو بشخصه في سنة 1540. ولم يكن روبيني قد ادعى أنه المخلص أو البشير بمجيئه، وإنما كان دجالاً حالماً، أراد مالاً وسفناً وأسلحة. وأثار هرب بيرز (مولخو) شكوك الملك جون، فأمر روبيني بمغادرة البلاد، ورحل داود، وأوقف على شاطئ أسبانيا وقبضت عليه محكمة التفتيش. وأمر شارل الخامس، بإطلاق سراح روبيني، مرضاة للبابا كليمنت على ما يبدو. وقصد روبيني إلى البندقية (1530)، واقترح على السناتو وجوب تسليح أوربا، للقيام بهجوم ضد الأتراك.

وفي الوقت نفسه جاء إلى أنكونا، وحصل على جواز مرور من البابا، وتجول في إيطاليا، وبشر باليهودية بحرارة وحماس في روما. ولما سعت محكمة التفتيش إلى القبض عليه، بوصفه منتصراً مرتداً، أنقذه كليمنت وأخرجه سالماً من المدينة. وعلى الرغم من أن ملخو كان قد فقد آنذاك إيمانه بداود روبيني، فإنه انضم إليه في مهمة طائشة إلى راتسبون، حيث توسلا إلى شارل الخامس أن يمد المتنصرين بالسلاح ليحاربوا المسلمين. ولكن شارل قبض عليهما وأحضرهما معه إلى مانتوا. وهناك حكم على ملخو بالإعدام حرقاً. وفي اللحظة الأخيرة صدر عنه عفو إمبراطوري شريطة عودته إلى المسيحية، فأبى ورحب بالاستشهاد (1532). وأرسل روبيني إلى أسبانيا وهناك ألقت به محكمة التفتيش في غيابه السجن، ومات حوالي 1536، والظاهر أنه مات مسموماً، وزحف يهود أوربا كسيري القلوب إلى معازلهم وتصوفهم ويأسهم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفكر اليهودي

ما كان لنا أن نتوقع من عهد "الشتات الثاني" أن ينتج أية ثقافة رفيعة بين اليهود. فقد استنزفت طاقتهم المهمة الوحشية التي واجهوها، مهمة البقاء على قيد الحياة. وتعطل التعليم الذي كانوا قد برزوا فيه وأتقنوه نتيجة للتنقل وانعدام الأمن في الحياة. وعلى حين شقت أوربا المسيحية طريقها إلى النهضة فرحة منتعشة، انصرف يهود أوربا إلى المعزل و"القبالة" وحرمت عليهم "الوصية الثانية" الإسهام في حركة إحياء الفنون. وكان بين اليهود عدد كبير من العلماء، ولكنهم انهمكوا في التلمود. وكان منهم النحويون مثل بروفيات دوران وأبراهام دي بالم. والمترجمون مثل أسحق بن بولكار، الذي نقل مؤلفات الغزالي إلى العبرية، ويعقوب مارتن الذي ترجم ابن سيناء وابن رشد وابن ميمون وليفي بن جرسون إلى اللاتينية. وأزعج إيليا لفيتا اليهود المتدينين بإقناعهم بشكل حاسم (1538) بأن التوراة المزودة بالملاحظات وعلامات الحركة وإشارات الوقف (المازورة Masoretic)، لم تكن أقدم من القرن الخامس الميلادي.

وتوضح ملحمة آل أبرابانل Abrobanels تقلبات الفكر اليهودي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وقد ولد دون أسحق أبرابانل في لشبونة 1437، واستخدمه ألفرنسو الخامس ملك البرتغال وزيراً للمالية. ولكنه جمع بين مشاغله الرسمية والدراسات الدينية والتاريخية، وجعل من داره الرحيبة صالوناً للعلماء ورجال العلم ورجال الأعمال.ولما توفي ألفونسو فقد أبرابانل الحظوة الملكية، وهرب إلى أسبانيا (1484)، وهناك تفرغ إلى كتابة تعليقات على ما دون عن تاريخ الكتاب المقدس، حتى دعاه فرديناند الكاثوليكي ليتولى منصباً. وقضى أسحق ثماني سنوات في تدبير الشئون المالية في قشتالة. وكافح لدرء الكارثة التي حلت باليهود في سنة 1492، فلما أخفق في ذلك، انضم إليهم في خروجهم المحزن. وفي نابلي استخدمته الحكومة. ولكن الغزاة الفرنسيين (1495) نهبوا داره، ودمروا مكتبته الحافلة بنفائس الكتب المنتقاة، وأجبروه على الفرار إلى كورفو. وهناك كتب، ما كان لا بد لأي يهودي أن يكتب في هذه السنوات: "إن زوجتي وأولادي وكتبي بعيدة عني، ولقد تركت وحيداً غريباً في بلد غريب"(79). واتخذ طريقه إلى البندقية، وهناك عين في منصب دبلوماسي (1503). وفي غمرة تقلبات الحظ هذه، وجد فسحة من الوقت ليؤلف بعض أعمال فلسفية ولاهوتية، ليس لها الآن قيمة تذكر. ولكنه وضع المبدأ الذي يقول بأن الأحداث والأفكار التي وردت ي الكتب المقدسة يجب تفسيرها على ضوء الحياة الاجتماعية والسياسية في عصرها. وسمح له بأن يقضي السنوات الست الأخيرة من عمره في أمن وسلام غير مألوفين.

وكان أبناؤه زينة لحياته. فتألق صمويل أبرابانل في سالونيك وعين وزيراً للمالية في نابولي، وحظي بحب قومه لكثرة ما أتى من أعمال البر والخير. أما يهوذا ليون أبرابانل- ليو العبري- فقد زها وسما قدره كطبيب في جنوه ونابلي حتى أصبح مشهوراً مثل شهرة "ليون مديجو". ودرس علوماً كثيرة، وكتب الشعر، وغامر بدراسة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا). وعين في 1505 طبيباً لجنزالو أمير قرطبة، ولكن بعد ذلك بعامين اختلف "الكابتن الأعظم" مع فرديناند، ولحق ليون بأبيه في البندقية. ولقي كتابه "حوار الحب" (كتب 1502، ونشر في 1535) جمهوراً كبيراً من القراء بين الإيطاليين في عصر النهضة، الذين كان التحليل الفلسفي للحب عندهم بمثابة مقدمة أو لحن مصاحب لانتصارات الحب. إن الجمال الفكري: جمال النظام والتخطيط والاتساق، بسمو على الجمال المادي أو جمال الجسم، هذا ما حاول "الحوار" أن يدلل عليه. إن أسمى الجمال هو النظام والتخطيط والاتساق في الكون،وهذا هو المظهر الخارجي للجمال الإلهي. وينشأ الحب على مراحل: من الإعجاب والسعي وراء الجمال المادي فالجمال الفكري فالجمال الإلهي، ويبلغ ذروته في حب الله فكراً وعقلاً، أي فهم النظام الكوني وتقديره حق قدره، والرغبة في الاتحاد مع الله، وربما كانت مخطوطة هذا الكتاب معروفة لدى كاستليانو الذي أجرى على لسان "بمبو Bembo" حديثاً يهدف إلى مثل هذه الغابة، في "البلاط Cortigiono" (1528) أما الكتاب المطبوع فربما وجد سبيله عبر قرن من الزمان إلى يدي سبينوزا ليتأثر بفكرته عن "الحب العقلي لله"(80).

وفضل يهود البرتغال المشتتون على هذا الحب السماوي، الشعر المنثور المشبوب العاطفة باللغة البرتغالية، في قصيدة أوسك Usque: "عزاء لأحزان إسرائيل" (فيرارا 1553). فقد صور تعاقب الانتصارات والكوارث على الشعب اليهودي، وواساه بأنه لا يزال "شعب الله المختار". فقد عاقبهم الله آثامهم، ولكن آلامهم طهرتهم، ومهما أوتى الإنسان من قوة رهيبة وحشية،فلن يستطيع أحد أن يخدعهم ويصرفهم عن مصيرهم الإلهي إلى السعادة والمجد. وتراخى اليهود عن الإسهام في حركة العلوم تراخياً لم يكن منه مناص، بسبب الأحداث والتقلبات التي عاناها الشعب، والتي طال أمدها. ولم يكن التعرض للخطر والفقر وعدم الاستقرار، هي وحدها التي عوقت الجهود العلمية، ولكن واحداً من أجل الأحبار وأعظمهم نفوذاً، هو سليمان بن إبراهام بن أدربت، في برشلونه، كان في بداية هذه الفترة، قد حرم - تحت طائلة "الحرم، أو الحرمان الديني"- تدريس العلوم أو الفلسفة لأي يهودي دون الخامسة والعشرين من العمر، على أساس أن مثل هذا التعليم يفسد العقيدة الدينية. وعلى الرغم من ذلك لخص أسحق إسرائيلي الصغر، من طليطلة، علم الفلك في عصره (1320)، ووضح التقويم اليهودي والتسلسل الزمني لتواريخ الأحداث. ووضع عمانويل بونفيس من تاراسكون، جداول فلكية قيمة، واستبق التفاضل والتكامل الأسى والعشري. كذلك فإن إبراهام كرسكاس، من ميورقه، وهو "رئيس الخرائط والبوصلات لحكومة أراجون"، وضع في 1377 خريطة للعالم، إلى حد أن أراجون أرسلتها هدية ثمينة إلى شارل السادس ملك فرنسا، وهي الآن من أثمن ما تقتنيه المكتبة الوطنية هناك. وكان يهوذا كرسكاس، وهو ابن إبراهام سالف الذكر، أول مدير لمرصد هنري الملاح البحري في سجر Sagres، وساعد في رسم خريطة لمكتشفاته. ومهد كتاب بدرو نونز "رسالة عن الكرة الأرضية" الطريق أمام العالم الجغرافي مركيتور Mercator وفن رسم الخرائط الحديث. وحدد كتاب جراسيا دي أورتا عن "العقاقير الطبية" مرحلة متميزة في علم النبات، وأسس طب المناطق الحارة.

وكان أبراهام زاكوتو شخصية عظيمة فذة في مجال العلم عند اليهود في القرن الخامس عشر. وجمع عندما كان يقوم بالتدريس في سلمنقة (1473- 1478) كتابه "التقويم الدائم" وقد استعملت جداوله الفلكية، كدليل للملاحة في رحلات فاسكودا جاما وكابرال وألبوكيرك ثم في رحلات كولمبس بعد 1496. وكان زاكوتو من بين اللاجئين من أسبانيا (1492)، ووجد ملجأ مؤقتاً في البرتغال، وقد استشاره البلاط في الإعداد لرحلة فاسكودا جاما إلى الهند، وكانت السفن مزودة بالإسطرلاب الذي أدخل عليه هو تحسينات. ولكن في سنة 1497 لم يمهله الاضطهاد وقذف به خارج البرتغال كذلك. وأخذ يضرب في الأرض فقيراً معدماً لعدة سنوات حتى انتهى به المطاف في تونس، وهناك تعزى في أخريات حياته بكتابة تاريخ قومه. أما تلميذه يوسف فسنهو Vecinho، طبيب جون الثاني ملك البرتغال، فقد أرسل ليرسم خطوط العرض وانحراف الشمس على ساحل غينيا. وأثبتت الخرائط التي أعدت أنها ذات قيمة كبيرة لفاسكو دا جاما. وكان فسنهو عضواً في اللجنة التي أحال إليها جون الثاني مقترحات كولمبس للبحث عن طريق من الغرب إلى جزر الهند (1484) وشارك في قرار الرفض(81).

وظل الأطباء اليهود أفضل من يجد الناس في البحث عنهم ويلتمسون عندهم البرء في كل أوربا. وعلى الرغم من إزعاجهم بالإدانات والاتهامات الدينية والقيود الرسمية والمخاطرة بحياتهم في معالجة ذوي الشأن من المسيحيين، كانوا ذوي حظوة لدى البابوات والملوك. ولم تكن إضافاتهم آنذاك إلى علم الطب بارزة، باستثناء إضافات دي أورتا إلى طب المناطق الحارة، ولكن أماتوس لوسيتانوس ضرب مثلاً لتقاليد مهنته وتقاليد قومه. وأخرجته محكمة التفتيش من البرتغال التي كان قد أخذ منها اسمه اللاتيني، فعاش متنقلاً من أنتورب إلى فيرارا إلى روما، ثم استقر به المقام في أنكونا (1594) حيث كان كثيراً ما يستدعي لعلاج نفس البابا جوليوس الثالث الذي ناضل من أجل تحطيم التلمود. وكان، حتى آخر حياته، يستطيع أن يقسم أنه لم يكن يهتم قط بالمكافأة ولم يقبل قط أية هدية قيمة، وأنه كان يخدم الفقراء بلا أجر، وأنه لم يكن يفرق في ممارسة مهنته بين مسيحي أو يهودي أو تركي، وأن أية صعاب، مثل بعد المكان أو عدم ملاءمة الوقت، لم تكن لتثنيه عن تلبية أي نداء. وكشفت سجلات عمله (1563) عن سبعمائة حالة كان قد عالجها، وكان الأطباء في كل أوربا يدرسون هذه المذكرات ويقتنونها، ودعا ملك بولندة أماتوس ليكون طبيباً خاصاً له، ولكنه آثر أن يبقى في أنكونا. ولكنه أرغم في 1556 على استئناف تجواله، عندما طالب بول الرابع كل يهود إيطاليا بالتحول إلى المسيحية أو الإلقاء في السجون.

وكان للقرار الذي أصدره الحبر ابن أدريت بتأجيل تدريس العلوم والفلسفة لليهود إلى سن الخامسة والعشرين، أثر أقل على الفلسفة منه على العلم، وفي فرنسا أقل منه في أسبانيا. وكان أثر ابن ميمون لا يزال قوياً على اليهود الذين احتالوا على البقاء في جنوب فرنسا وتجاسر يوسف كاسي على كتابة رسائل في المنطق وعلم الأخلاق لتوجيه ابنه، ودافع عن التقليد الفلسفي المتحرر الذي كان ابن ميمون قد عرضه لأول مرة في مؤلفه "دلالة الحائرين" وقد أنجب هذا الضرب من التقليد المتحرر مفكراً يهودياً عظيماً هو ليفي بن جرسون Ben Gerson الذي يعرف عند المسيحيين باسم جرسونيدس، الذي عاش، كما عاش معظم الفلاسفة اليهود، على "الطبابة" أي مهنة الطب، وحقق المثل الأعلى الذي قصده أبقراط في الطبيب الفيلسوف. ولد ابن جرسون في باجنول 1288، في أسرة من العلماء، وعاش معظم سنى حياته في أراجون وبربينان وأفنيون، وانصرف إلى عمله آمناً مطمئناً في ظل حماية البابوات، ولا يكاد يوجد علم من العلوم لم يعالجه أو مسألة فلسفية لم يعرض لها. وكان على علم واسع بالتلمود، وأسهم في رياضيات الموسيقى، ونظم الشعر. وكان ابن جرسون من علماء عصره اللامعين في الرياضيات والفلك، وفي 1321 استبق الطريقة التي اتبعها فيما بعد موروليكو (1575) وباسكال (1654) في إيجاد عدد التباديل البسيطة لعديد من الأشياء بالاستنتاج الرياضي، ومهدت رسالته في حساب "المثلثات" الطريق أمام رجيومونتانوس، ولقيت تقديراً واسعاً إلى حد البابا كليمنت السادس أصدر تكليفاً بترجمتها إلى اللاتينية، مثل Chordis,de Sinibus و Arcubus (1342). وقد اخترع، أو في الواقع أدخل تحسيناً على العصا التصالبية لقياس ارتفاع النجوم، وبقى هذا طوال قرنين من الزمان نعمة كبرى للملاحة. وقد أجرى ملاحظاته الفلكية الخاصة به، وأظهر مقدرة كبيرة في نقده لطريقة بطليموس. وبحث، ولكنه رفض، الفرضية القائلة بأن الشمس هي مركز الكون بطريقة توحي بأن قلة قليلة من الناس كانت تشايعه في عصره. وهذب آلة التصوير القاتمة واستخدمها مع العصا التصالبية ليحدد، بشكل أدق، الاختلافات في القطر الظاهر للشمس والقمر.

وكما أن علوم بن جرسون نبعت عن الرياضيين والفلكيين العرب، كذلك كانت فلسفته مبنية على دراسة نقدية للتعليقات التي وضعها ابن رشد في شروحه لفلسفة أرسطو. ودون ليفي فيما بين عامي 1319-1321 تعليقاته ابن رشد، استوعب فيها رسائل أرسطو في المنطق والفيزياء والفلك والأرصاد الجوية وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم النفس والميتافيزيقا، وأضاف إلى هذه الدراسات بطبيعة الحال قراءاته العديدة المتكررة لابن ميمون. وجمعت فلسفته ومعظم دراساته في العلوم في مؤلف بالعبرية وضع عنوانه بأسلوب عصره "معارك الله"Battles of the Lord (1317-1329)، وهو يأتي في المحل الثاني بعد كتاب ابن ميمون "دلالة الحائرين" في الفلسفة اليهودية في العصور الوسطى، ويتابع محاولة ابن ميمون في التوفيق بين الفكر اليوناني والعقيدة اليهودية. فإذا تدبرنا الجهود المشابهة التي قام بها ابن رشد وتوماس الأكويني للتوفيق بين الإسلام والمسيحية وبين أرسطو، لكدنا نقول بأن أثر أرسطو على لاهوتيات العصور الوسطى كان فاتحة انحلالها وتفسخها، وبداية الانتقال من عصر الإيمان إلى عصر العقل. وسعى جرسونيدس إلى التخفيف من امتعاض المتدينين بالإعلان عن استعداده للتخلي عن أفكاره وآرائه إذا ثبت أنها مناقضة للكتاب المقدس- وتلك حيلة أو مراوغة يلجأ إليها العلماء. على أنه استخدم العقل إلى مدى بعيد، في أبحاثه عن الله والكون وأبدية العالم وخلود النفس، ولما تعارضت نتائجه مع الكتاب المقدس، فسره بعنف أدى بنقاده إلى تغيير اسم مؤلفه إلى "معارك ضد الله"(82). وقال ليفي إنه يجدر بنا ألا نأخذ بالمعنى الحرفي قصصاً مثل قصة يوشع الذي أوقف الشمس، فهذه القصة وأشباهها من "المعجزات"، ربما كانت أحداثاً طبيعية نسيت أو لم تعرف أسبابها(83). وأخيراً أفصح عن مذهبه العقلاني دون قناع، "إن التوراة لا يمكن أن تمنعنا من أن نعتبر حقاً ما يلح علينا عقلنا في الإيمان به"(84). واشتق جرسونيدس وجود الله مما قد يسميه هولباخ الملحد "نظام الطبيعة" فإن قانون الكون ونظامه يكشفان عن "عقل كوني" ويضيف هو إلى هذا، الحجة الغائية: وهي أن معظم الأشياء في الطبيعة الحية تبدو مخصصة كوسيلة إلى غاية. وتزود العناية الإلهية كل كائن حي بوسائل حماية الذات والتطور والتكاثر. والعالم بوصفه كوناً أو نظاماً، خلق في الوقت المناسب، ولكن ليس من العدم. فقد سبق أن وجدت منذ الأزل كتلة جامدة هامدة لا شكل لها، وزودها الكون بالحياة وبالشكل.وهناك بين الله وبين الأشكال المخلوقة قوة وسيطة سماها جرسونيدس، وهو في هذا يحذو حذو أرسطو، "عقلاً نشيطاً أو خلاقاً". ويوجه انبثاق الذكاء الإلهي كل الأشياء، ويصبح النفس التي يحملها الإنسان بين جنبيه. ولما كانت النفس تعتمد على أحاسيس الإنسان فهي فانية. وبما أنها أي النفس، تفهم الكليات وتعي نظام العالم ووحدته فإنها تصبح قصداً جزءاً من "العقل" النشيط الذي هو خالد.

ورفض اليهود فلسفة جرسونيدس على أساس أنها في جوهرها شكل من فلسفة ابن رشد، عقلانية قد تؤدي في النهاية بالعقيدة الدينية. ودرس المفكرون المسيحيون فلسفته، وتأثر بها اسبينوزا. ولكن قلوب المفكرين اليهود وعقولهم، عبر عنها في إخلاص أكبر، حسداي بن أبراهام كرسكاس الذي كان قد تغذى بلبان "المحافظة" عند سليمان بن أدريت، وقد ولد كرسكاس 1340 في برشلونه، وعاش في فترة اتسمت بالعداء الشديد للسامية، وقبض عليه بتهمة تدنيس القربان، وما لبث أن أطلق سراحه، ولكن ابنه قتل، وهو على وشك الزواج في مذابح 1391. وقوى الاضطهاد من عقيدة حسداي، لأنه بفضلي الإيمان بإله عادل وسماء تعوض عن كل أذى وشر، استطاع أن يحتمل ممتلئة بالجور والآلام. وبعد انقضاء سبع سنوات على استشهاد ابنه، نشر بالأسبانية رسالة حاول فيها أن يفسر للمسيحيين لماذا ينبغي ألا يطلب إلى يهودي أن يتقبل المسيحية. وحاول في كياسة واعتدال أن يدلل على أن مبادئ المسيحية في الخطيئة والتثليث والحبل بلا دنس والتجسد والكفارة وتحول دم القربان إلى دم المسيح ولحمه، تنطوي على تناقضات لا يمكن تجاوزها واستحالات سخيفة مضحكة. ومع ذلك فإنه حين كتب مؤله العظيم "نور الرب" (1410) اتخذ فيه موقفاً كان يمكن أن يدافع المسيحيون من خلاله عن هذه النظريات: ذلك أنه أنكر العقل وألح في إخضاعه للإيمان حسداي حبراً رسمياً ولكنه شارك الأحبار رأيهم بأن الاضطهادات المتكررة كانت عقاباً إلهياً لتعريض الديانة التي جاءت عن طريق الوحي لخلخة عقلانية. وإذا كان قد كتب في الفلسفة، فلم يكن ذلك إعجاباً منه بها، بل لإثبات ضعف الفلسفة والعقل، وتوكيد الحاجة إلى الإيمان والعقيدة. وأنكر محاولات ابن ميمون وجرسون في التوفيق بين اليهودية وأرسطو، وتساءل: من هو ذلك الإغريقي الذي كان على الرب أن يتفق معه؟ واعترض على فكرة أرسطو بأن أسمى صفات الله هي المعرفة، بل هي الحب على الأرجح، لأن الله هو الخير المطلق. وسلم كرسكاس بأن العقل لا يستطيع أن يوفق بين سابق علم الله وحرية الإنسان، ومن ثم يجب ألا نرفض الحرية بل نرفض العقل. وينبغي أن نؤمن بالله، وبالإرادة الحرة والخلود، من أجل طمأنينة نفوسنا وهدوء بالنا وسلامة معنوياتنا، وليس بنا من حاجة إلى الادعاء بإثبات هذه المعتقدات عن طريق العقل. ويجب أن نختار بين عقلنا الفخور الضعيف الذي يزعزع الإيمان ويورث اليأس، وبين إيماننا المتواضع بكلمة الله، التي يمكن عن طريقها وحدها أن نحتمل ألوان المهانة والظلم في الحياة.

وكان كرسكاس آخر هذه الصفوة اللامعة من فلاسفة اليهود في العصور الوسطى، ولم يقدره قومه حق قدره بين عشية أو ضحاها، لأن تلميذه يوسف ألبو أنظار قراء الفلسفة بكتابه الأكثر إمتاعاً "المبادئ الأساسية"، الذي جمع بين ابن ميمون وكرسكاس عن طريق الانتقاء، مما جعله أكثر انسجاماً من أي من الرجلين، مع اليهودية الصحيحة التي لم تكن مستعدة للتسليم بعدم عقلانية الإيمان. وبعد موت ألبو اعتزل اليهود الفلسفة، والتاريخ تقريباً، حتى جاء سبيبوزا. إن المذابح، والاضطرابات، والفقر المدقع، وقيود الإقامة والمناصب، كانت قد حطمت روحهم وأنقصت عددهم إلى أدنى مستوى منذ سقوط أورشليم سنة 70م(85). ووجد الشعب المحتقر المنبوذ له ملجأ في الأغاني الحزينة، وفي رفاق المعبد المواسين، يراودهم الأمل في مغفرة من عند الله، وفي معذرة من أهل الأرض، وفي الجنة التي في السماء. وعكف العلماء بكليتهم على التلمود، وحصروا تفكيرهم في شرح قانون الخلاص، على حين اتبع بعضهم تعاليم "القبالة" فانصرفوا إلى التصوف الذي سما بالبؤس إلى حد التوهم بأنهم يرقون به إلى السماء. وأحجم الشعر اليهودي عن الغناء، ورفعت إثارة منه رأسها بين الحين والحين تتحدى العاصفة، أو تلطف من سخرية القدر، بالمرح الموسوم بالمرارة واللهفة والذكاء المشوب بالالتواء. وما كان لليهود أن يصحوا من سباتهم الطويل الناجع، ويستعيدوا مكانهم في ذهن عالم لا يحده زمان، ولا مكان فيه للعنصرية، حتى يهودي أمستردام المتواضع أن يوحد بين اليهودية والسكولاستية (الفلسفة المدرسية) والديكارتية في إدماج رفيع للدين والعلم.