قصة الحضارة - ول ديورانت - م 6 ك 2 ف 21

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 8429


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> جون كالفن -> شبابه


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الحادي والعشرون: جون كالفن 1509 - 1564

شبابه

ولد في نويون بفرنسا يوم 10 يوليو عام 1509، وكانت مدينته لها طابع كنسي، يسيطر عليها أسقفها وكاتدرائيتها، وهناك في البداية وجد مثالاً من حكومة يسيطر عليها رجال الدين - حكم رجال الدين لمجتمع باسم الرب. وكان أبوه جيرار شوفان سكرتيراً للاسقف، ووكيل أعمال في إدارة الكاتدرائية، ووكيلاً للمقاطعة يشرف على الأعمال المالية. وقد ماتت أم جان وهو لا يزال حدثاً، فتزوج أبوه للمرة الثانية، ولعل كالفن يدين بجانب من روحه القاتمة إلى ما عاناه من تربية صارمة على يد زوجة أبيه. ونذر جيرار ثلاثة من أبنائه للكهنوت، وهو على ثقة من أن في وسعه أن يجد لهم مناصب، وحصل لاثنين منهما على صدقات بيد أن واحداً منهم انقلب إلى هرطيق، ومات وهو يرفض تناول القربان المقدس. وحرم جيرار نفسه من الغفران بعد خلاف مالي مع إدارة الكاتدرائية، ولقي بعض المتاعب قبل أن يوسد جثمانه في الأرض المقدسة.

وأرسل جان إلى كلية دي مارش في جامعة باريس. وقيد نفسه باسم جوهانس كالفينوس، وحذق كتابة اللاتينية ببراعة فائقة، ونقل فيما بعد إلى كلية دي مونيجو، ولابد أنه سمع هناك أصداء تتردد عن تلميذها المشهور أرازموس، وظل هناك حتى عام 1528، وهو العام الذي التحق بها صنوه الكاثوليكي أجناتيوس لويولا. ويقول أحد الثقاة من الكاثوليك "أن القصص التي رويت في وقت ما عن شباب كالفن الطائش، لا تستند إلى أساس"(1) والأمر على نقيض ذلك تماماً، فكل الدلائل تشير إلى أنه كان طالباً مثابراً خجولاً معتصماً بالصمت تقياً و "رقيباً صارماً في نقد أخلاقيات زملائه"(2)، ومع ذلك فإنه كان محبوباً من أصدقائه، الآن وفيما بعد، حباً خالصاً لا يتزعزع. وفي غمار السعي الحثيث للحصول على معرفة ما وراء الظاهر أو نظرية تفتن العقول، قرأ كثيراً في الليل، ولقد طور، حتى في تلك السنوات التي قضاها في طلب العلم، بعض الأوصاب الكثيرة التي انتابت حياته الناضجة، وساعدت على تكوين مزاجه. وفي أواخر عام 1528 جاءه على غير انتظار توجيه من أبيه بأن يذهب إلى أورليانز، ويدرس القانون، ويظن كما قال الابن "لأنه رأى أن علم القوانين قد أدر على الذين حصلوه الثراء العريض"(3). وعكف كالفن في غبطة على الدراسة الجديدة، إذ خيل إليه أن القانون، وليس الفلسفة أو الأدب، هو أبرز نتاج فكري حققته البشرية، وأنه يصوغ نوازع الإنسان الفوضوية ويحولها إلى نظام وسلام.

ونقل إلى اللاهوت وعلم الأخلاق، منطق قوانين جستنيان ودقتها وصرامتها، وأطلق على خير مؤلفاته اسماً مماثلاً. واصبح، فوق أي شيء آخر، مشرعاً، وصار نوما وليكورجوس مدينة جنيف.

وبعد أن حصل على درجته في ليسانس أو بكالوريوس في القوانين، (1531)، عاد إلى باريس وعكف في نهم على دراسة الأدب الكلاسي، وأحس بالرغبة العارمة الشائعة ليرى لنفسه مؤلفاً مطبوعاً، فنشر (1532) مقالاً باللاتينية عن De clementin لسينيكا، وبدأ اشد المشرعين الدينيين صرامة حياته العملية العامة بتحية للرحمة، وأرسل نسخة إلى أرازموس، حياه فيها باعتباره "المعلم الثاني في عالم المجد" (بعد شيشرون) و "أول إشراقة للآداب". وخيل للناس أنه وقف حياته على الإنسانيات عندما وصلته بعض عظات لوثر وأثارته بما انطوت عليه من جرأة. وكانت الدوائر الناشطة في باريس تناقش الحركة الجديدة، وليس من شك في أنه دار حديث طويل حول الراهب المتهور، الذي أحرق منشور البابا، وتحدى قرار إمبراطور بتحريم التعامل معه، والحق أنه قد سقط في سبيل البروتستانتية شهداء في فرنسا. وكان بعض الرجال الذين يبحثون عن إصلاح الكنيسة من بين أصدقاء كالفن، وكان أحدهم وهو جيرار روسل أثيراً لدا شقيقة الملك مرجريت دي نافار. واختير صديق آخر، وهو نيكولاس كوب، ليشغل منصب مدير الجامعة، ولعل كالفن كان له ضلع في إعداد الخطاب الافتتاحي المشئوم، الذي ألقاه كوب "أول نوفمبر سنة 1533). وقد بدأ الخطاب برجاء أرازمس لمسيحية مطهرة، واستطرد ليشرح نظرية لوثر في الخلاص عن طريق الإيمان والعفو، وانتهى بالتماس الإصغاء في تسامح للأفكار الدينية الجديدة. وأثار الخطاب حنقاً بالغاً، وانفجرت جامعة السوربون غضباً، وبدأ البرلمان في اتخاذ إجراءات ضد كوب بتهمة الهرطقة، ففر هارباً، وعرضت مكفأة قدرها ثلاثمائة كراون لمن يقبض عليه حياً أو ميتاً، ولكنه استطاع أن يصل إلى بازيل، وكانت وقتذاك تعتنق البروتستانتية.

وحذر الأصدقاء كالفن وأخبروه أن اسمه ادرج مع اسم روسل في قائمة المطلوبين للقبض عليهم، ويبدو أن مرجريت قد تشفعت له، فغادر باريس (يناير سنة 1534) ووجد ملاذاً له في أنجوليم، ولعله بدأ هناك، بمكتبة لوي دي تييه الغنية بما تضم من كتب قيمة، في كتابة مؤلفه Institutes، وفي مايو جازف بالعودة إلى ثويون، وتنازل عن روايته، التي كانت تدر عليه دخلاً يعول به نفسه. وهناك قبض عليه وأطلق سراحه، ثم أعيد القبض عليه، ثم أطلق سراحه مرة أرى. وعاد سراً إلى باريس، وتحدث مع زعماء البروتستانت، والتقى بسير فيتوس، الذي قدر عليه أن يحرقه. وعندما وضع بعض المتطرفين من البروتستانت إعلانات ملصوقة مهينة في أماكن متفرقة من باريس، انتقم فرانسس الأول منهم بأن أمعن في اضطهادهم، وفر كالفن في الوقت المناسب (ديسمبر 1534)، وانضم إلى كوب في بازيل وهناك أتم، وهو شاب في السادسة والعشرين من عمره، عملاً يعد من أبلغ الأعمال في أدب الثورة الدينية، وأشدها حماسة، وأوضحها معنى، وأكثرها تمشياً مع المنطق، وأعظمها تأثيراً، وأشدها جميعاً إرهاباً.


عالم اللاهوت

ونشر الكتاب باللغة اللاتينية (1536) باسم "مبادئ الدين المسيحي"، وفي خلال عام واحد نفد الكتاب، واستدعى الأمر إصدار طبعة جديدة، فاستجاب كالفن، وأعد نسخة مطولة (1539) باللاتينية أيضاً وترجمها إلى الفرنسية عام 1541. ويعد هذا الشكل من التأليف من أعظم ما أنتجته القرائح تأثيراً في النثر الفرنسي. وحرم برلمان باريس تداول الكتاب باللغتين كلتيهما، وأحرقت نسخ منه علناً في العاصمة، واستمر كالفن طوال حياته يعمل على إضافة فصول إلى هذا الكتاب وإعادة نشره، وبلغت عدد صفحاته 1118 في شكله النهائي.

واستهلت الطبعة الأولى من الكتاب بـ "مقدمة إلى أعظم ملك مسيحي لفرنسا" وهي مقدمة تفيض بالمشاعر، ولكن بأسلوب رصين. ووقع حادثان أتاحا فرصة الحوار مع فرانسس أولهما: الأمر الملكي الصادر في يناير عام 1535 ضد الفرنسيين البروتستانت، وثانيهما: الدعوة التي وجهها فرانسس في الوقت نفسه تقريباً لميلانكتون وبوسر، لكي يحضرا إلى فرنسا، ويرتبا تحالفاً بين الملكية الفرنسية وبين الأمراء اللوفريين ضد شارل الخامس. وكان كالفن يأمل في أن يوطد المأرب السياسي على دعامة من الجدل اللاهوتي، وأن يعاون في استمالة الملك، ومثل أخته، إلى القضية البروتستانتية، وكان تواقاً إلى أن يفرق بين هذه القضية وحركة اللامعمدانيين، التي اقتربت وقتذاك من الشيوعية في منستر. ووصف المصلحين الدينيين الفرنسيين بأنهم وطنيون مخلصون للملك كارهون لكل اضطراب اقتصادي أو سياسي. وتكشف بداية ونهاية هذه المقدمة روعة أفكار كالفن وجزالة أسلوبه:

"عندما بدأت هذا العمل يا مولاي لم يكن هناك شيء أبعد من التفكير في تدبيج كتاب، يقدم فيما بعد إلى جلالتكم، وكنت لا اقصد إلا أن أطرح أمامكم بعض مبادئ أولية يستطيع بها المتسائلون عن أمور الدين أن يفقهوا طبيعة التقوى الصحيحة... ولكنني عندما أدركت أن غضب بعض الأشرار في مملكتكم قد اشتد، إلى حد يجعلهم لا يسمحون بوجود عقيدة صحيحة في البلاد، رأيت من الواجب أن يستفاد مني ولو في العمل نفسه... لقد عرضت اعترافي عليك، لكي تعلم طبيعة تلك العقيدة، التي يستهدفها هذا الغضب، الذي لا يعرف حدوداً، والذي يعتمل في صدور هؤلاء المجانين، الذين يزعجون البلاد بالسيف والنار، ومن أجل ذلك فأنا لا أخشى التسليم بأن هذه الرسالة تحتوي على ملخص لتلك العقيدة ذاتها، والتي يستحق مَن يعتنقها، طبقاً لما أثاروه حولها من دعاوى، أن يعاقب بالسجن والنفي وإهدار الدم والتحريق وبإبادته من على ظهر الأرض. وإني لأعلم جيداً الدسائس الأثيمة، التي ملئوا بها أذنيك، لكي تبدو قضيتنا بغيضة جداً في نظرك، ولكن حلمك كفيل بأن يهديك إلى التفكير في أنه إذا كان الاتهام يكفي دليلاً على الذنب، فهو القضاء على كل براءة في الأقوال والأفعال... وأنت نفسك يا مولاي تستطيع أن تتبين الوشايات الزائفة، التي كانت تطرق أذنيك عنها (قضيتنا)، وهي تفتضح كل يوم، إن ما تصبو إليه فحسب إنما هو إنتزاع صولجانات الملوك من أيديهم، هدم جميع المحاكم... وتقويض دعائم النظام بأسره، وقلب الحكومة، وتعكير صفو السلام والأمن بين الناس، وإلغاء جميع القوانين، وتبديد جميع الأموال الممتلكات، وباختصار جعل كل شيء في حالة اضطراب شامل.

ولهذا أتوسل إليك يا مولاي - وهو بالتأكيد طلب معقول - أن تأخذ على عاتقك الفهم الكامل لهذه القضية، التي أثيرت حتى الآن بصورة مبلبلة، وبلا اكتراث، وبلا سند من القانون، وبدافع من العاطفة الهوجاء أكثر من أي دعامة قانونية. ولا يذهبن بك الظن إلى أني أفكر الآن في إعداد دفاعي عن نفسي، لكي أضمن لنفسي عودة آمنة إلى وطني الحبيب، فأنا، على الرغم مما أكنه له من حب ينبغي على كل إنسان أن يحس به نحوه، لن أندم أبداً، في الظروف الحالية، على انتقالي منه. ولكي أدافع عن القضية أمام كل المتدينين، وبالتالي أمام المسيح نفسه، هل يحتمل أن نفكر في تقويض دعائم الممالك، نحن الذين لم يسمعنا أحد نفوه بكلمة واحدة تثير الفتنة... نحن الذين عرفنا طوال حياتنا أننا نعيش حياة هادئة مستقيمة عندما كنا نعيش تحت حكمك، نحن الذين لم نكف، حتى في منفانا الآن، عن الصلاة لك بالنجاح ولمملكتك بالرخاء... ثم إننا لن ننتفع إلا قليلاً بالإنجيل بفضل الله، ولكن حياتنا يمكن أن تكون مثالاً يحتذى لمن نددوا بعفتنا وكرمنا ورأفتنا وعزوفنا عن المنكر وصبرنا وتواضعنا وكل فضيلة أخرى هنا... وعلى الرغم من بغضك لنا ونفورك منا، بل وغضبك علينا، فإننا لا نيأس أبداً من استعادة عطفك، لو قرأت بهدوء واطمئنان إقرارنا هذا، الذي نعتزم تقديمه إلى جلالتكم، كدفاع لنا... ولكن إذا كانت أذناك مشغولتين عن النقيض بسماع همسات الحاقدين، التي لا تدع فرصة للمتهمين للدفاع عن أنفسهم، وإذا استمرت تلك العقبات الهوجاء في اضطهادنا بالسجن والتنكيل والتعذيب ومصادرة الأموال والحرق، وتغاضيك عن ذلك، فإننا سوف نغلب على أمرنا حقاً إلى أقصى حد، ونكون مثل قطيع من الأغنام، يساق إلى الذبح. ومع ذلك هل لنا أن نحتفظ في صبر بأرواحنا، وننتظر أن تمتد إلينا يد الرب القوية... لإنقاذ الفقراء من غمهم، ولمعاقبة المستخفين بهم، الذين يبتهجون الآن في أمن واطمئنان تام. وإني لأدعو الرب ملك الملوك أن يوطد عرشك بالعدل والتقوى، وأن ينتشر في مملكتك القسط والإنصاف"(4).

وليس من اليسير علينا، في عصر أسلم فيه اللاهوت مكانه للسياسة، باعتبارها مركزاً لاهتمام بني الإنسان والصراع بينهم، أن نتذكر المزاج الذي ألف به كالفن كتابه القوانين. لقد كان رجلاً هائماً في حب الله - أكثر من سبينوزا، وكان شعور بضآلة الإنسان وعظمة الله.

وكم يكون الأمر منافياً للعقل أن نفترض أن العقل الواهي لهذا السوس، الذي لا يكاد يرى بالعين المجردة، وهو الانسان، يستطيع أن يدرك العقل المفكر الذي يحكم هذه النجوم الطيعة التي لا تحصى؟ وأن الله، رأفة بعقل الإنسان، قد اظهر لنا نفسه في الكتاب المقدس، وثبت أن هذا الكتاب المقدس هو كلمة الله، (كما يقول كالفن) بما له من سلطان لا نظير له على روح الإنسان.

"إقرأ لديموستين أو شيشرون، وإقرأ لأفلاطون أو أرسطو أو لغيرهم ممن هم في مستواهم، وأنا كفيل بأن ما تقرأه من مؤلفاتهم سوف يجتذبك، ويشرح صدرك، ويحرك شغاف قلبك، ويخلب لبك بطريقة مدهشة، ولكن إذا تحولت بعد قراءتها إلى تلاوة الكتاب المقدس، سواء كنت راغباً أو غير راغب، فإنه سوف يستولي عليك بقوة عظيمة، وينفذ إلى قلبك، ويطبع كلماته بقوة في ذهنك، إلى الحد الذي لو قارناه بما لتلك المصنفات من أثر قوي، فإن الجمال الذي يتسم به كلام البلغاء والفلاسفة يتبدد كله أو يكاد، ومن اليسير أن ندرك أن شيئاً إلهياً في الكتب المقدسة، يفوق بكثير أعظم ما أحرزه الإنسان في عالم الصناعة والزخرف"(5).


وعلى ذلك فإن هذه الكلمة التي نزلت علينا يجب أن تكون مرجعنا الاخير، لا في الدين والأخلاقيات فحسب، ولكن في التاريخ والسياسة وكل شيء أيضاً. يجب أن نتقبل قصة آدم وحواء لأننا نفسر، بعصيانهما أمر الله، الشر الذي فطر الإنسان عليه، وفقدانه لإرادته الحرة. "إن عقل الإنسان لينفر كل النفور من عدل الله، حتى إنه ليدرك، ويرغب في، ويباشر كل شيء، يتسم بالزندقة الانحراف والخسة والدنس والفجور، وطمس على قلبه بسم الخطيئة فلم يعد يصدر عنه غلا ما هو فاسد خبيث، وإذا قام الناس في وقت من الأوقات بعمل يبدو طيباً في الظاهر، فإن العقل يظل دائماً متورطاً في النفاق والخداع، والقلب يظل عبداً لانحرافه الباطني"(6).

وأني لمخلوق فاسد إلى هذا الحد أن يستحق النعيم الأبدي في الفردوس؟ ليس في استطاعة واحد منا أن يحصل عليه مهما قدم من أعمال صالحات. حقاً أنه لا بأس بالأعمال الصالحات، ولكن موت ابن الرب الذي ضحى بنفسه في سبيل البشرية هو الذي يستطيع وحده أن يحقق للبشر الخلاص، وليس للناس أجمعين، لأن عدالة الرب تقتضي عذاب معظم البشر في نار جهنم. ولكن رحمته تعالى قد اختارت بعضنا للظفر بالنجاة، وقد وهب تعالى لهؤلاء إيماناً راسخاً بتكفير المسيح عن ذنوبهم، لأن القدّيس بولس قال: "لقد اختارنا الرب في نفسه قبل خلق العالم بأن علينا أن نكون أمامه أطهاراً، لا تشوبنا شائبة في الحب، وقدر علينا أن نتخذ لنا أبناء، كما اتخذ المسيح عيسى ابنا له بمشيئته"(7). وفسر كالفن هذا، كما فسره لوثر، فإن معناه أن الرب قد قرر بمشيئة حرة، لا تتوقف أبداً على ما نتمتع به من فضائل أو نتصف به من رذائل، وقبل خلقنا بوقت طويل، مَن منا يكتب له النجاة، ومَن يعذب في نار جهنم(8). ويجيب كالفن على السؤال الذي يتردد، وهو: "لماذا شاء الله النجاة لبعض الناس، والعذاب لآخرين، دون اعتبار لما قدموه من أعمال، بكلمات بولس: لأنه قال لموسى إني أتغمد برحمتي مَن أشاء وأعفو عمن أشاء"(9). ويختم كالفن حديثه بقوله: "وطبقاً لهذا نؤكد بأن الرب قدر بمشيئة أزلية لا تتبدل، مَن يكتب له الخلاص، ومَن يحكم عليه بالعذاب والهلاك، ونؤكد أن هذه المشيئة، فيما يختص بالاختيار، تقوم على رحمته، التي يتغمد بها مَن يشاء، دون اعتبار لما يستحقه الإنسان، ولكن الذين حكم عليهم بالعذاب في النار أغلق دونهم باب الحياة، بمقتضى حكم عادل لا سبيل إلى نقضه، ويدق على الفهم"(10).

بل إن خروج آدم وحواء من الجنة، وما ترتب عليه من نتائج بالنسبة للجنس البشري في رأي بولس "فرضته مشيئة الرب العجيبة"(11).

ويسلم كالفن بأن حتمية القدر تتنافى مع العقل، ولكنه يرد بقوله: "ليس من المعقول أن يتقاضى الإنسان هذه الأمور، التي قرر الرب أن يخفيها عنا في نفسه ويفلت من العقاب"(12). ومع ذلك فإنه يعترف بأنه يعترف لماذا يقرر الرب بصورة تحكمية مصير ملايين الأرواح منذ الأزل: "ذلك لكي يزيد من إعجابنا بمجده" بعرض قوته(13). ويوافق على أن هذا "حكم مروع" "ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن الله عرف مصير الإنسان النهائي في المستقبل، قبل أن يخلقه، وأنه عرفه سلفاً، لأنه كان قد قضى به في حكمه"(14). وقد يجادل آخرون من أمثال لوثر بأن المستقبل قد تحدد، لأن الرب تنبأ به سلفاً وأن علمه بالغيب لا يمكن نفيه. أما كالفن فإنه يرى عكس ما تقدم، إذ أنه يعتقد أن الرب يتنبأ بالمستقبل، لأنه شاء هذا وقرره. والحكم بالعذاب الأبدي حكم مطلق، وليس هناك مطهر في لاهوت كالفن، وليس هناك منزل في منتصف الطريق، يستطيع الإنسان بعد أن يقضي فيه بضع ملايين من السنين، وهو يتعذب بالنار، أن يمحو بها سيئاته، وعلى هذا فلا محل للصلوات من أجل الموتى.


وقد يذهب بنا الظن إلى أنه لا معنى لأداء أي نوع من الصلاة، وذلك بناء على افتراضات كالفن فما دام كل شيء قد تحدد بحكم الله، فليس في وسع فيض من الابتهالات أن يمحو ذرة واحدة من قدر الإنسان المحتوم. ومهما يكن من شيء، فإن كالفن أكثر إنسانية من لاهوته، فهو يقول لنا: فلنصل بتواضع وإيمان، ولسوف يتقبل الله صلواتنا، فالصلاة وتقبلها قد سبقا في حكمه أيضاً. ولنعبد الله بأداء صلوات دينية متواضعة، ولكن يجب علينا ألا ننبذ القداس، ونعتبره ادعاء من القساوسة، ينتهكون به الحرمات بتحويل مواد دنيوية إلى جسد المسيح ودمه، والحق أن المسيح موجود في القربان المقدس بروحه لا بجسده، وعبادة رقاقة الخبز المقدسة، بدعوى أن المسيح يحل فيها بجسده، هي وثنية محضة. واستخدام الصور المنقوشة للرب انتهاك صارخ للوصية الثانية، وتشجيع على عبادة الأوثان، ويجب إزالة كل الصور والتماثيل الدينية، بل والصليب من الكنائس. والكنيسة الحقة هي جمهور المصلين غير المنظور من الصفوة، الأموات أو الأحياء أو الذين سيولدون. وتتكون الكنيسة المنظورة، من كل الذين "يعترفون معنا بنفس الرب والمسيح"(15)، باعتناق عقيدة، وبحياة مثالية، وبالاشتراك في مراسم التعميد والعشاء الرباني "يرفض كالفن التسليم بالمراسم الأخرى".

وليس هناك خلاص(16) خارج نطاق هذه الكنيسة. والدولة والكنيسة مقدستان، وقد خلقهما الله، لكي يعملا في انسجام كالروح والجسد، لمجتمع مسيحي واحد: وعلى الكنيسة أن تضع القواعد، التي تنتظم كل التفاصيل الخاصة بالعقيدة والعبادة والأخلاق، وعلى الدولة أن تدعم هذه القواعد(17)، باعتبارها ذراع الكنيسة الطبيعي، ويجب على السلطات الزمنية أن تكون على بصر من أن "عبادة الأوثان" (وهي ترادف إلى حد كبير الكاثوليكية في العزف البروتستانتي) و "فضائح أخرى تمس الدين يجب ألا تعرض وتنشر علناً بين الناس"، وأن كلمة الله الطاهرة هي الوحيدة التي يجب أن يتعلمها ويتلقاها الناس(18). والحكومة المثالية هي حكومة رجال الدين، ويجب أن نعترف بالكنيسة التي تؤمن بالإصلاح الديني، باعتبارها صوت الله.

وجدد كالفن جميع ادعاءات البابا بسيادة الكنيسة على الدولة، وطالب بها لكنيسته. ومما يلفت النظر مدى ما بقي من تقاليد الرومان الكاثوليك وآرائهم في لاهوت كالفن، فهو مدين بعض الشيء لفلسفة الرواقيين، وبخاصة سينيكا، وبشيء لدراساته في القانون، ولكنه اعتمد بصفة خاصة على القدّيس أوغسطين، الذي استخلص القول بالجبر من القدّيس بولس، الذي لم يعرف المسيح. وتجاهل كالفن بشدة، مفهوم المسيح عن الرب بأنه أب محب رحيم، ومر في هدوء على عدد كبير من آيات الكتاب المقدس، التي افترضت حرية الإنسان في صياغة مصيره (2 إصحاح بطرس 3 : 9، 1 إصحاح تيموثاوس 2 : 4، 1 إصحاح يوحنا 2:2، 4 : 14 الخ).

ولك تكن عبقرية كالفن تكمن في أنه يأتي بأفكار جديدة، ولكن في تطوير آراء مَن سبقوه إلى نتائج منطقية هدامة، والتعبير عن هذه النتائج ببلاغة، تضارع بلاغة أوغسطين، وبصياغة تضميناته العملية بمنهج، يقوم على التشريع الكهنوتي. وأخذ من لوثر عقيدة التبرير أو الاختيار بالإيمان، ومن زونجلى التفسير الروحي للقربان المقدس، ومن بوسر الآراء المتناقضة عن مشيئة الله، باعتبارها سبباً لكل ما يحدث، والحاجة إلى ورع عملي قوي، باعتباره امتحاناً وشاهداً على الاختيار. ووصلت معظم تلك العقائد في صيغة أخف إلى التراث الكاثوليكي، وأضفى عليها كالفن أهمية شديدة، ولم يعبأ بالعناصر المعوضة المخففة في عقيدة القرون الوسطى.

كان أقرب إلى القرون الوسطى من أي مفكر بين أوغسطين ودانتي. ورفض رفضاً باتاً قبول انشغال علماء الإنسانيات بأفضلية الدنيا، وحول أفكار الناس من جديد إلى العالم الآخر، بصورة كئيبة أكثر من قبل، وأنكر الإصلاح الديني في مذهب كالفن من جديد "النهضة".

وليس من شك أن لاهوتاً غير جذاب مثل هذا، يحرز رضا مئات الملايين من الناس، في سويسرة وفرنسا وسكوتلندة وإنجلترا وأمريكا الشمالية، يبدو لأول نظرة سراً غامضاً، ثم يبدو نوعاً من التجلي. ترى لماذا حارب الكالفينيون والهوجنوت والمتطهرون (البيوريتان) بمثل هذه الجرأة دفاعاً عن عجزهم؟ ولماذا أسهمت هذه النظرية الخاصة بعجز البشر في تكوين بعض الشخصيات، التي تعد من أقوى الشخصيات في التاريخ؟ فهل حدث هذا لأن هؤلاء المؤمنين اكتسبوا، من الاعتقاد بأنهم الصفوة القليلة، قوة تفوق ما فقدوه منها، بالتسليم بأن سلوكهم ليس له نصيب في تحديد مصيرهم؟ وكان كالفن نفسه خجولاً وقوي العزم في الوقت نفسه، وكان واثقاً من أنه ينتمي إلى الصفوة، ووجد في هذا عزاء وسلوى، إلى الحد الذي دفعه إلى أن يجد "الحكم المروع" للجبر "أمراً يؤدي إلى أبهج فائدة"(19): وهل أسعد بعض مَن اصطفوا أنفسهم أن يتدبروا في أن فئة قليلة كتب لها الخلاص، وأن الكثرة الغالبة قدر عليها العذاب؟ وليس من شك في أن الاعتقاد بأن الله قد اصطفاهم منح كثيراً من الأرواح الشجاعة لمواجهة تقلبات الحياة، والضرب فيها على غير هدى، إلى غير ما هدف ظاهر، مثل ما مكنت عقيدة مماثلة الشعب اليهودي من صيانة نفسه، وسط محن كانت كفيلة لأن تهدم إرادة الحياة. حقاً أن فكرة كالفن هي اختيار الله لبعض الناس قد يكون مديناً بها للصيغة اليهودية في لعقيدة، كما تدين البروتستانتية بالكثير للعهد القديم بصفة عامة. ولابد أن الثقة في الاختيار الإلهي كانت درعاً يبث الشجاعة في قلوب الهوجنت، لتحمل آلام الحرب والمذابح، وفي قلوب الحجاج وهم يجازفون بأنفسهم، بحثاً عن أوطان جديدة على شواطئ معادية.

وإذا استطاع خاطئ مقوم أن يتشبث بهذه الثقة، واستطاع أن يؤمن بأن تقويمه قد هيأه له الله، فإن في وسعه أن يقف راسخاً كالطود إلى النهاية. وقد رفع كالفن من قدر هذا الإحساس بالاعتزاز بالاختيار، بأن جعل الصفوة، سواء كانت معدمة أم لا، أرستقراطية وراثية: فأبناء الصفوة يصبحون بمشيئة الله(20) من الصفوة، بطريقة آلية. وهكذا استطاع المرء بعمل بسيط من أعمال الإيمان بالنفس، ولو كان هذا بالتصور، أن ينال الفردوس وأن ينفذ إليها. ولمثل هذه النعم الخالدة كان أي اعتراف بالعجز صفقة رابحة. وكان أتباع كالفن في حاجة إلى مثل هذا العزاء، لأنه علمهم وجهة النظر السائدة في القرون الوسطى، والتي تذهب إلى أن الحياة الدنيا ليس إلا وادياً للبؤس والدموع، ورحب في اغتباط بـ "تصحيح رأيهم الذي اعتبر أن أعظم نعمة ألا يولد المرء، وأن أعظم نعمة بعدها أن يموت فوراً، كما أنه لم يكن هناك شيء يتنافى مع العقل في سلوك هؤلاء الذين كانوا ينوحون ويبكون عند ولادة أقربائهم، ويبتهجون في وقار عند تشييع جنازاتهم"، ولم يأسف إلا لأن هؤلاء المتشائمين العقلاء، وهم في الغالب الأعم وثنيون جهلة بالمسيح، قد حكم عليهم بالخلود في نار جهنم(21). وكان ثمة شيء واحد يجعل الحياة محتملة - الأمل في سعادة مطردة بعد الموت، وقال: "إذا كانت السماء بلدنا فما الأرض سوى منفى؟ وأليست الدنيا لحداً، إذا كان الرحيل عن هذا العالم معبراً إلى الحياة؟"(22) وعلى النقيض من صورة كالفن الشعرية نجد أنه يقدم أبلغ ما سطر من صفحات، لا في وصف تخيلات الجحيم، ولكن في الحديث عن جمال السماء.

ولسوف تعاني الصفوة التقية، دون أن تجأر بالشكوى، كل ما في الحياة من آلام وأشجان، "لأنهم سوف يضعون نصب أعينهم، ذلك اليوم الذي يستقبل فيه الرب عباده المخلصين في مملكته الوادعة، ويجفف كل دمعة تتساقط من عيونهم، ويكسوهم بثياب الفرح، ويزينهم بتيجان المجد، ويؤانسهم بمباهج، لا يمكن التعبير عنها، ويرفعهم إلى درجة الزمالة لجلالته، ويدعوهم إلى... المشاركة في سعادته"(23). ولعل هذا كان اعتقاداً لا غنى عنه للفقراء أو التعساء الذين ينتشرون في بقاع الأرض.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

جنيف وستراسبورج 1536 - 41

بينما كان كتاب "القوانين" في المطبعة (مارس 1536)، قام كالفن برحلة سريعة عبر جبال الألب إلى فرارا، وذلك متابعة لتقليد مرعى بصفة عامة، وإن لم ينعقد الإجماع على الخضوع له(24). ولعله ذهب إلى هناك ليطلب من الدوقة البروتستانتية رينيه، زوجة الدوق أركول الثاني، وابنة المرحوم لويس الثاني عشر، أن تمد يد العون إلى البروتستانت المضطهدين في فرنسا. وعينته مرشداً روحياً لها، مدفوعة بقوة معتقداته الدينية، وذلك عن طريق رسائل تفيض بالاحترام المتبادل، ظلت موصولة حتى وفاته. وعاد كالفن إلى بازيل في مايو، وجازف بالذهاب إلى نويون ليبيع شيئاً من أملاكه، ثم انطلق مع أخيه وأخته إلى ستراسبورج. وتوقفوا لبعض الوقت في جنيف، لأن الطريق كانت مغلقة بسبب الحرب (يوليو 1536).

وكانت عاصمة سويسرة الفرنسية اقدم من التاريخ نفسه... كانت في عصور ما قبل التاريخ مجموعة من مآوى البحيرات، شيدت فوق أكوام، لا يزال بعضها يرى حتى اليوم. وكانت في عهد يوليوس قيصر ملتقى لطرق التجارة عند الجسر، الذي يخرج عنده نهر الرون مندفعاً من بحيرة ليمان، ليضرب في فرنسا بحثاً عن البحر الأبيض المتوسط. وخضعت جنيف في العصور الوسطى لحكم أسقفها الروحي والدنيوي على السواء. وكان الأسقف تختاره عادة إدارة الكاتدرائية، التي أصبحت لذلك السبب قوة لها وزنها في المدينة، وتلك كانت بالضرورة الحكومة التي أعدها كالفن فيما بعد، في الشكل الذي يساير المذهب البروتستانتي. وتحرر دوقات سافوي، التي كانت تقع خلف جبال الألب مباشرة، من سيطرة إدارة الكاتدرائية في القرن الخامس عشر، وقروا إلى منصب الأسقفية الرجال الذين أفادت منهم دوقية سافوي، وأسلموا أنفسهم إلى ملذات الحياة الدنيا خوفاً من ألا يكون هناك عالم آخر. وفسدت الحكومة الأسقفية، التي قدر لها أن تكون يوماً من أحسن الحكومات، كما انحدرت أخلاق رجال الدين، الذين يعملون تحت أمرتها. ووافق أحد القساوسة على تنفيذ أمر صدر له بطرد محظيته، بشرط أن يتجرد زملاؤه من رجال الدين مثله من نخوتهم، ورجحت كفة النخوة(25).

وفي نطاق هذا الحكم الكهنوتي الدوقي، كونت العائلات الكبرى بجنيف مجلساً من ستين عضواً، لإصدار القوانين البلدية، واختار المجلس أربعة من المأمورين لتنفيذ هذه القوانين، وكان المجلس يجتمع عادة في مقر الأسقف لكاتدرائية القدّيس بطرس، ولم يكن هناك خط فاصل بين الاختصاص الديني والاختصاص المدني، فبينما كان الأسقف يسك النقود ويقود الجيش، كان المجلس يضع الضوابط التي تحكم الأخلاق، ويصدر قرارات الحرمان، ويرخص للبغايا بالعمل. وكما جرى العرف في ترير وماينز وكولونيا، كان الأسقف أيضاً أميراً من أمراء الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة، ومن الطبيعي أنه أخذ على عاتقه القيام بوظائف، يجد الأسقف نفسه في حل منها الآن. وسعى بعض الزعماء المدنيين، برئاسة فرانسوا دي بونيفار، إلى تحرير المدينة من نير السلطة الأسقفية والسلطة الدوقية معاً. وعقد هؤلاء الوطنيون حلفاً بين فرايبورج الكاثوليكية وبرن البروتستانتية لدعم هذه الحركة. وأطلق على المنضمين لهذا الحلف الإصلاح الألماني Eidgenossen أي رفقاء القسم وهو لفظ معناه المتحالفون، وحرفه الفرنسيون إلى "هوجنت". ولما أن حل عام 1520 حتى أصبح زعماء مدينة جنيف من رجال الأعمال في الغالب الأعم، لأنها كانت على النقيض من فيتنبرج مدينة تجارية، تتوسط في التجارة بين سويسرة في الشمال وإيطاليا في الجنوب وفرنسا في الغرب. وألف الأوساط من أهالي مدينة جنيف مجلساً أكبر، يتكون من مائتي عضو، واختار هؤلاء مجلساً أصغر يتكون من خمسة وعشرين عضواً، وهو المجلس الذي أصبح الحاكم الحقيقي للبلدية، وكان يزدري سلطة الأسقف وسلطة الدوق على السواء. وأعلن الأسقف أن المدينة في حالة تمرد، واستدعى الفرق الدوقية لمساعدته، فما كان من هذه الفرق إلى أن استولت على بونيفار، وسجنته في قصر شيلون، وخف جيش مدينة برن إلى نجدة مدينة جنيف المحاصرة، وهزمت قوات الدوق، وتشتت شملها، وفر الأسقف إلى أنيسي، وتحرر بطل الشاعر بيرون من غياهب سجنه. وغضب المجلس الأكبر من مساعدة رجال الدين لدوقية سافوي، فأعلن عقيدة الإصلاح الديني، وتولى اختصاص رجال الدين وولاية السلطة المدنية في المدينة (1536)، قبل وصول كالفن بشهرين.

وكان البطل العقيدي لهذه الثورة هو وليام فاريل. وكان مثل لوثر، ورعاً جداً في شبابه. وأقبل إلى باريس متأثراً بجاك ليفيفر ديتابل، الذي أزعجت ترجمته للكتاب المقدس وتفسيره له تزمت فاريل، لأنه لم يجد أي أثر في نصوص الكتاب المقدس للبابوات والأساقفة وصكوك الغفران والمطهر والشعائر السبع والقداس والعزوبة المفروضة على رجال الكهنوت وعبادة مريم أو القديسين. وأنف من رسالة رجال الكهنوت، فانطلق يجول من مدينة إلى مدينة في فرنسا وسويسرة، بصفته واعظاً مستقلاً، وكان ضيئل القامة ضعيف البنية جهوري الصوت قوي الروح، له عينان متقدتان تبرقان في وجهه الشاحب، ولحية حمراء كاللهب، وندد بالبابا ووصفه بأنه خصم للمسيحية، كما ندد بالقداس، واعتبره انتهاكاً للحرمات المقدسة، وبأيقونات الكنيسة باعتبارها من الأوثان، التي يجب أن تحطم، وبدأ عام 1532 الوعظ في جنيف، وقبض عليه عملاء الأسقف، الذي رأى أن يلقى "الكلب اللوثري" في نهر الرون، فتوسط المأمورون وهرب فاريل، بعد أن أصيب ببضع سحجات في رأسه، وتلوثت سترته بشيء من البصاق. وكسب إلى صفه مجلس الخمسة والعشرين، وأثار بمساعدة فينر فيريه وأنطوان فرومان الناس، ونال الكثير من التأييد الشعبي، مما دفع كل رجال الدين الكثالكة تقريباً إلى الرحيل. وأصدر المجلس الصغير يوم 12 مايو عام 1536 مرسوماً بإلغاء القداس، وإزالة كل التماثيل ومخلفات القديسين من الكنائس، وحولت ممتلكات الكنيسة للوفاء باحتياجات البروتستانت الدينية، وإلى وجوه البر والتعليم، وجعل التعليم إجبارياً وبالمجان، وسيطر نظام أخلاقي صارم سيطرة القانون.

ودعي المواطنون لأن يقسموا على الولاء للإنجيل، أما الذين رفضوا حضور الصلوات طبقاً لمبادئ الإصلاح الديني فقد نفوا من البلاد. تلك هي جنيف التي أقبل إليها كالفن. وكان فاريل وقتذاك في السابعة والأربعين من عمره، وعلى الرغم من أنه قدر عليه أن يعيش عاماً بعد كالفن، فإنه رأى في الشاب الصارم الفصيح، الذي يصغره بعشرين عاماً، الرجل الذي تشتد الحاجة إليه لدعم الإصلاح الديني ودفع عجلته إلى الأمام. وكان كالفن متردداً، إذ كان قد رسم لنفسه حياة، يقضيها في البحث العلمي والكتابة، وكان يحس بالطمأنينة مع الله أكثر مما يحس بها مع الناس، ولكن فاريل، بطلعته التي تشبه طلعة نبي راعد من أنبياء الإنجيل، هدد بأن يصب عليه لعنة الله، إذا آثر دراسته الخاصة على التبشير الصعب والخطير بالكلمة التي لم يتطرق إليها الوهن.

وأذعن كالفن، ووافق المجلس ومشيخية الكنيسة، وبدأ خدمته الدينية، دون التقيد بأي رسامة أخرى - بأن ألقى في كنيسة القدّيس بطرس أول خطبه العديدة عن رسائل القدّيس بولس. وكان تأثير بولس في كل مكان، يدين بالروتيتانتية، اللهم إلا بين الطوائف المتطرفة من الناحية الاجتماعية، يحجب تأثير بطرس المؤسس الذائع الصيت لكرسي البابوية الروماني. وفي أكتوبر سافر كالفن برفقة فاريل وفيريه إلى لوزان، واضطلع بدور صغير في الجدل الشهير الذي كسب المدينة إلى صف المعسكر البروتستانتي، ولدى العودة إلى جنيف شرع كهان أبرشية القدّيس بطرس، الكبار والصغار، في هداية أهالي جنيف لله. وتقبلوا بأخلاص الإنجيل، باعتباره تنزيلاً من لدن الله، وشعروا بأن عليهم التزاماً لا فكاك منه لدعم شريعته. وراعهم أن وجدوا أن كثيراً من الناس قد أسلموا أنفسهم للغناء والرقص وما أشبه من مظاهر الطرب، وفضلاً عن هذا فإن بعضهم كان يقامر أو يشرب إلى درجة السكر البين، أو يقارف الزنا.

وكان قسم بأكمله من المدينة تحتله بغايا، تحكمهن ملكة الماخور، وكان قبول هذا الموقف بالبشر من فاريل السريع الغضب، وكالفن الحي الضمير، بمثابة خيانة للرب. وأصدر فاريل، "إقراراً بالعقيدة والنظام"، كما أصدر كالفن "عظة" سهلة الفهم، أقرها المجلس الكبير (نوفمبر سنة 1536)، لكي يستعيدا الأساس الديني لأخلاقيات مثمرة. وكان المواطنون الذين يصرون على مخالفة القانون الأخلاقي، يحرمون من الغفران، وينفون إلى خارج البلاد، وأصدر المجلس في يوليو عام 1537 أمراً لجميع المواطنين، بأن يذهبوا إلى كنيسة القدّيس بطرس، وأن يقسموا على الولاء لإقرار فاريل.

وكان أي مظهر ينم عن الكاثوليكية - مثل عمل مسبحة، أو الاعتزاز بإحدى المخلفات المقدسة، أو اعتبار عيد قديس يوماً مقدساً، يعرض مَن يبدر منه للعقاب. وسجنت النساء لارتدائهن قبعات غير لائقة. وكان بونيفار جد سعيد، بما ينعم به من اباحية، ولكنه حذر بأن يمتنع عن ممارسة أساليبه الداعرة. وصفد المقامرون بالأغلال، وسيق مقترفوا الزنا في الشوارع إلى المنفى.

ولما كان أهالي جنيف قد تعودوا على الخضوع لحكم كنسي، كان يقوم على نظام أخلاقي، يتسم بالرفق، فرضته كاثوليكية خففت من شدتها الأقاليم الجنوبية، فإنهم قاوموا التحلل الجديد من الواجبات، ونظم الوطنيون، الذين حرروا المدينة من الأسقف والدوق، أنفسهم من جديد، لتحريرها من قساوستها المتزمتين، وانضمت طائفة أخرى تطالب بحرية الضمير والعبادة، ومن ثم أطلقت على نفسها اسم المتحررين أو الأحرار إلى الوطنيين والكاثوليك الذين يمارسون شعيرتهم في الخفاء، وحصل هذا الائتلاف في انتخابات 3 فبراير عام 1538 على أغلبية في المجلس الكبير. وأبلغ المجلس الجديد القساوسة أن عليهم أن يبتعدوا عن السياسة، فندد كالفن وفاريل بالمجلس، ورفضا أن يناولا العشاء الرباني حتى تتواءم المدينة الثائرة مع النظام المرتكز على القسم، فما كان من المجلس إلا أن خلع كاهني الأبرشية (23 أبريل)، وأمرهما بمغادرة المدينة في خلال ثلاثة أيام. واحتفل الناس بطردهما وسط مظاهر التهليل والابتهاج(27). ولبى فاريل دعوة إلى نوبشاتل، وهناك ظل يقدم عظاته إلى آخر يوم في حياته (1565)، وأقيم هناك نصب تذكاري تخليداً لذكراه. وذهب كالفن إلى شتراسبورج، وكانت وقتذاك مدينة حرة لا تخضع إلى الإمبراطور، وتدير شئونها الدينية كنيسة الغرباء، وجماعة المصلين فيها بروتستانت، جاءوا من فرنسا بصفة خاصة. ولكي يدبر أموره بمبلغ الاثنين وخمسين جيلدر (1.300 دولار)؟، الذي كانت تدفعه له كل عام، باع مكتبته، وقبل عنده نزلاء من الطلبة. ووجد أن العزوبة لا تلائمه في موقفه هذا، فطلب من فاريل وبوسر أن يبحثا له عن زوجة، وقدم لهما بياناً بالصفات التي ينشدها، وقال: "لست من هؤلاء العشاق المخبولين، الذين يفتتنهم وجه جميل لامرأة يتجاوزون أيضاً عن أخطائها، وها هو الجمال الذي يغريني - أن تكون عفيفة كريمة غير متأنقة، اقتصادية صبوراً حريصة على صحتي"(28).

وبعد أن قام بمحاولتين فاشلتين تزوج (1540) من إيديليت دي بور، وهي أرملة فقيرة لها سبعة أطفال، فأنجبت منه ابناً واحداً مات في سن الطفولة. وعندما قضت نحبها (1549) كتب يرثيها برقة خاصة كانت تغلفها قسوة الظاهرة. وعاش وحيداً في بيته الخمسة عشر عاماً المتبقية من حياته.

وبينما كان يشقى في شتراسبورج، تحركت الأحداث في جنيف. وتشجع الأسقف المنفي عندما علم بطرد فاريل وكالفن، ووضع خطة لعودة مظفرة إلى كاتدرائيته، وقام بخطوة مبدئية، فأقنع أيا كوبو سادوليتو بأن يكتب "رسالة إلى أهالي جنيف"، "يحثهم فيها على أن يستأنفوا عباداتهم، طبقاً للعقيدة الكاثوليكية" (1539). وكان سادوليتو رجلاً مهذباً يتمتع بخلق قويم، لم يعهده الناس في كاردينال أو عالم بالإنسانيات، وكان قد أشار من قبل على البابوية أن تعالج انشقاق البروتستانت برفق، واستقبل في مدينة كاربنتراس فيما بعد هراطقة والدانيين فارين من المذبحة، وأسبغ عليهم حمايته (1545)، وكتب رسالة باللاتينية رفيعة، تعلمها من بمبو المعصوم، وجهها إلى اخوته الأعزاء المحبوبين، حكام جنيف وشيوخها والمواطنين فيها، وتتألف الرسالة من عشرين صفحة، تحفل بالمجاملات الدبلوماسية والترغيب اللاهوتي، ولاحظ انقسام البروتستانت إلى طوائف متحاربة يتزعمها، كما يدعي، رجال ماكرون، يتشوقون إلى السلطة، وقارن هذا بوحدة الكنيسة الرومانية، التي دامت قروناً طويلة، وتساءل هل من المحتمل أن يكون الحق مع تلك الأحزاب المتعارضة أكثر منه مع عقيدة كاثوليكية أثمرتها خبرة عصور واحتشاد ذكاء المجالس الكنسية. وختم رسالته بأن عرض على مدينة جنيف، أنه على استعداد للقيام بأية خدمة في مقدوره.

وشكره المجلس على تحيته له، ووعده بالمزيد من الاستجابة لمطالبه، بيد أنه لم يكن في جنيف أحد، يأخذ على عاتقه، أن يرفع السيف في وجه عالم الإنسانيات المهذب، أو يجاريه في لاتينيته. وفي غضون ذلك طلب عدد منم المواطنين أن يتحللوا من قسمهم، على أن يؤيدوا إقرار العقيدة والنظام، وخيل للناس فترة ما أن المدينة سوف تعود إلى اعتناق الكاثوليكية، وكان كالفن مدركاً للموقف فخف للرد على الكاردينال، وحشد كل ما يملك من طاقة ذهنية، وشرع قلمه للدفاع عن الإصلاح الديني. وواجه الدماثة باللطف، والبلاغة بالبلاغة، ولكنه لم يتنازل قيد أنملة عن أي مبدأ من مبادئ لاهوته، واحتج ضد إقحامه في النزاع، بدعوى أنه إنما ثار مدفوعاً بطموح شخصي، فقد كان في وسعه أن ينعم بالمزيد من الطمأنينة، لو ظل محافظاً على العقيدة. وسلم بأن الكنيسة الكاثوليكية تستند إلى أساس إلهي، ولكنه هاجمها، وقال إن مثالب بابوات عصر النهضة قد أثبتت استيلاء المناهض للمسيحية على عرش البابوية. واعترض على حكمة المجالس الكنسية بحكمة الكتاب المقدس، التي كان سادوليتو قد تجاهلها أو كاد، وأسف لأن فساد الكنيسة أدى إلى الانشقاق والانقسام، ولكن القضاء على الشرور لا يتم إلا على هذا النحو. وإذا ما تعاون الكثالكة والبروتيتانت الآن، لتطهير العقيدة والشعيرة والعاملين بكل الكنائس المسيحية، فإن جزاءهم وحدة أبدية في السماء مع المسيح. وكان خطاباً قوياً ولعله أغفل الفضائل العارضة لبابوات عصر النهضة، إلا أن عباراته صيغت بأسلوب رصين، لا يخلو من المجاملة، وهو أمر نادر في مناظرات هذا العهد.

وعندما اطلع عليه لوثر في فيتنبرج، رحب به على أساس أنه سيقضي تماماً على الكاردينال، وهتف قائلاً: "لشد ما يطربني أن يهيئ الله أناساً... ينهون الحرب، التي بدأتها ضد المناهض للمسيحية"(29). وتأثر مجلس جنيف إلى حد أنه أمر بطبع الخطابين على نفقة المدينة (1540)، وبدأ يتساءل ما إذا كان، بنفيه كالفن، قد فقد أقدر رجل في الإصلاح الديني السويسري.

وغذت الشك عوامل أخرى، فقد برهن كاهنا الأبرشية، اللذان حلا محل فاريل وكالفن، على أنهما لا يصلحان للوعظ، ويفتقران إلى النظام. وفقد الجمهور احترامه لهما، وعاد إلى الأخلاق المنحلة، التي كانت سائدة في الأيام السابقة للإصلاح الديني، وتفشت المقامرة والسكر، واشتدت الحلبة في الشوارع، وانتشر الزنا، وكان الناس يرفعون عقائرهم علناً بالأغاني الداعرة، وانطلق أشخاص في الشوارع، عراة كما ولدتهم أمهاتهم(30). ولقد حكم بالإعدام على واحد من المأمورين الأربعة، الذين تزعموا حركة طرد فاريل وكالفن، وذلك لارتكابه جريمة قتل، وعلى آخر لارتكابه جريمة تزوير، وعلى ثالث بتهمة الخيانة للوطن، أما الرابع فقد مات، وهو يحاول الفرار من الاعتقال. ولابد أن رجال الأعمال، الذين كانوا يسيطرون على المجلس، قد ساءهم هذا الإخلال بالنظام، باعتباره معوقاً للتجارة. ولم يكن المجلس نفسه ميالاً إلى أن يحل محله أسقف، يستعيد سلطانه، وربما يصدر قراراً بحرمانهم من غفران الكنيسة. وهكذا خطرت فكرة دعوة كالفن لغالبية الأعضاء شيئاً فشيئاً. وفي يوم أول مايو ألغى المجلس قرار النفي، وأعلن أن فاريل وكالفن رجلان جديران بالاحترام. وأرسل مندوب إثر مندوب إلى شتراسبورج، لاقناع كالفن باستئناف عمله في الأبرشية بجنيف. وغفر فاريل للمدينة لأنها لم ترسل له دعوة مماثلة، وفي كرم نبيل انضم إلى المندوبين لحث كالفن على الدعوة. ولكن كالفن كان قد عرف كثيراً من الأصدقاء في شتراسبورج، وشعر بأن عليه التزامات هناك، ورأى أنه لن يجد أمامه في جنيف إلا الخصام، وقال: "ليس في العالم مكان أخشاه أكثر منها". ووافق على القيام بزيارة للمدينة فحسب. وعندما وصل إليها (13 سبتمبر سنة 1541) قوبل بكثير من مظاهر التكريم، وقدمت له عشرات الاعتذارات، وبذلت له الكثير من الوعود بالتعاون معه في توطيد النظام، والعمل بالإنجيل فلم يطاوعه قلبه على الرفض، وكتب في 16 سبتمبر إلى فاريل يقول: "لقد تحققت أمنيتك. أنا هنا راسخ كالطود. واسأل الله أن يمنحنا بركته"(31).


مدينة الله

كان سلوك كالفن في السنوات الأولى من دعوته، يتسم بالاعتدال والتواضع فكسب إلى صفه الجميع، إلا أقلية ضئيلة، وعين ثمانية من مساعدي القسس للعمل تحت رئاسته لتقويم الخدمة الدينية في كنيسة القدّيس بطرس وغيرها من كنائس المدينة، وكان يعمل مدة تتراوح بين اثنتي عشرة ساعة وثماني عشرة ساعة كل يوم، واعظاً ومديراً وأستاذاً للاهوت، ومشرفاً على الكنائس والمدارس، ومستشاراً للمجالس البلدية، وضابطاً للأخلاق العامة، ومنظماً للطقوس الدينية في الكنيسة. وعكف في غضون ذلك على إضافة فصول لكتابه "القوانين"، وكتب تعليقات على الكتاب المقدس، وحافظ على كتابة رسائل تأتي من حيث القيمة بعد رسائل أرازموس، وإن كانت تفوقها تأثيراً... ولم يكن ينام إلا قليلاً، ويأكل قليلاً، ويصوم كثيراً. وعجب خلفه وكاتب سيرته، تيودور دي ميز، كيف استطاع ذلك الرجل الضئيل الجسم، أن يحمل مثل هذا العبء الثقيل المتنوع. وكان أول عمل قام به هو إعادة تنظيم الكنيسة، التي تناولها الإصلاح، وعين المجلس الصغير، بناء على طلبه، وعقب عودته لفترة قصيرة، لجنة من خمسة من رجال الدين، وستة من أعضاء المجلس، يرأسهم كالفن، لصياغة قانون كنسي جديد. وفي اليوم الثاني من يناير عام 1542 أجاز المجلس القوانين الكنسية، التي لا تزال الكنائس التي تناولها الإصلاح والمشيخية في أوربا وأمريكا تقبل معالمها الجوهرية. وقسمت الخدمة الدينية على كهان أبرشيات ومعلمين وشيوخ كنيسة من العلمانيين وشمامسة.


وألف كهان الأبرشيات في جنيف "الجماعة المبجلة"، التي حكمت الكنيسة، ودربت المرشحين للخدمة الدينية. ولم يسمح كذلك لأحد بالوعظ في جنيف، دون أن يخول ذلك من الجماعة، وكان الأمر يتطلب أيضاً موافقة مجلس المدينة وجماعة المصلين، إلا أن الرسامات الأسقفية - وتنصيب الأساقفة - كانت محظورة.

وأصبح القساوسة الجدد، تحت رئاسة كالفن، أقوى منهم في أي نظام للقساوسة عرف منذ عهد إسرائيل القديمة، وذلك في الوقت الذي لم يدعوا فيه قط أنهم وهبوا القوى الخارقة للقساوسة الكاثوليك، وعلى الرغم من أنهم أصدروا على أنفسهم حكماً بأنهم لا يصلحون للوظيفة المدنية. وقال كالفن إن القانون الحقيقي لدولة مسيحية يجب أن يكون هو الكتاب المقدس، وأن القساوسة هم المفسرون الحقيقيون لذلك القانون، وأن الحكومات المدنية يجب أن تخضع لهذا القانون، وأن تدعمه كما يفسره رجال الدين. ولعل الرجال المتمرسين في المجالس قد راودتهم بعض الشكوك، في هذه النقاط، ولكن يبدو أنهم شعروا بأن النظام الاجتماعي أجدى للاقتصاد، ومن هنا فإن بعض الدعاوى الكنسية يحسن أن تترك مؤقتاً دون اعتراض، والظاهر أن حكومة رجال الدين ظلت تسيطر على حكومة أقلية من التجار ورجال الأعمال خلال ربع قرن عجيب.

ومارس رجل الدين سلطتهم على حياة أهالي جنيف من خلال مجمع للكرادلة أو مشيخية مكونة من خمسة من كهنة الأبرشية وأثنى عشر شيخاً للكنيسة من العلمانيين، والجميع يختارهم المجلس. وبينما كان كهنة الأبرشية يتمسكون بحقهم في المنصب، من خلال خدمتهم الدينية، وشيوخ الكنيسة يظلون في مناصبهم عاماً واحداً فقط، فإن مجمع الكرادلة كان يحكمه أعضاؤه من رجال الدين في أمور لا تمس الأعمال بصورة جوهرية. وأعطى لنفسه الحق في تنظيم العبادة الدينية وفرض السلوك الأخلاقي على كل ساكن، وأرسل قسيساً وشيخاً للكنيسة، لكي يزورا سنوياً كل بيت وكل أسرة. وكان له الحق في استدعاء أي شخص للمثول أمامه، لاختباره، وكان في وسعه زجر الآثمين، أو حرمانهم من الغفران علناً، وكان يستطيع أن يعتمد على المجلس في أن ينفى عن المدينة من أصدر عليهم مجمع الكرادلة قراراً بالحرمان من غفران الكنيسة. وكان كالفن يقبض على زمام السلطة، باعتباره رئيساً لهذا المجمع. وكان صوته أقوى الأصوات تأثيراً في جنيف، من عام 1541 حتى وفاته في عام 1564. ولم يكن حكمه المطلق يستند إلى القانون أو القوة، ولكنه كان يعتمد على الإرادة والخلق. ولقد أضفت عليه قوة إيمانه برسالته، وكمال إخلاصه لواجباته، قوة لم يستطع أحد أن ينجح في معاومتها ولو أن هيلدبراند بعث من قبره لطرب أيما طرب لهذا الانتصار الواضح للكنيسة على الدولة.

وهكذا خول رجال الدين سلطات، أتاحت لهم أن ينظموا أولاً العبادات. "على جميع أفراد الأسرة أن يحضروا العظات يوم الأحد، ما عدا مَن يتركون في البيت، لرعاية الأطفال أو الماشية. وإذا كان ثمة وعظ في أيام الأسبوع، فعلى كل مَن يستطيع الحضور أن يجيء" "كان كالفن يلقي عظاته ثلاث أو أربع مرات كل أسبوع" "وإذا جاء أحد بعد ابتداء العظة فلينذر، وإذا لم يقوم نفسه، فليدفع غرامة قدرها ثلاثة فلسات"(32). وليس لأحد أن يعفى من أداء الصلوات البروتستانتية، بحجة أنه يعتنق عقيدة دينية مخالفة، أو خاصة، وكان كالفن مدققاً، مثل أي بابا، في رفضه الفردية في العقيدة. ولقد رفض أعظم مشرع للبروتستانتية ذلك المبدأ الخاص بالحكم الفردي، الذي كان الدين الجديد قد بدأه. كان قد رأى انقسام الإصلاح الديني إلى مائة طائفة، وعرف مسبقاً أكثر من هذا، وقرر ألا يسمح بوجود طائفة منها في جنيف. إن هناك هيئة من رجال الدين العلماء، تصوغ عقيدة رسمية، وعلى الذين لا يقبلون اعتناقها من أهالي جنيف، أن يبحثوا لهم من مواطن أخرى. وكان التغيب في إصرار عن حضور الصلوات البروتستانتية، أو الاستمرار في رفض تناول القربان المقدس، من الجرائم التي يعاقب عليها القانون. وأصبحت الهرطقة من جديد إهانة للرب، وخيانة للدولة، وكل مَن تثبت عليه يعاقب بالإعدام. كما أصبحت الكاثوليكية التي بشرت بهذا الحكم على الهرطقة بدورها هرطقة.

وبين عامي 1542 و 1564 نفذ حكم الإعدام في ثمانية وخمسين شخصاً، ونفي ستة وسبعون، بسبب مخالفتهم للقانون الجديد. وكان السحر هنا كما في أي مكان آخر جريمة يعاقب من يزاوله بالإعدام، ولقد أرسل إلى سارية الإحراق في عام واحد، وبناء على ما أشار به مجمع الكرادلة، أربع عشرة سيدة، قيل أنهن من الساحرات، بتهمة إغرائهن للشيطان، بأن يصيب جنيف بوباء الطاعون(33). ولم يميز مجمع الكرادلة إلا قليلاً بين الدين والأخلاق... كان السلوك الأخلاقي، ومثله في ذلك مثل العقيدة الدينية، يجب أن يلتزم بعناية، ذلك لأن حسن السلوك هو الهدف من العقيدة الصحيحة. وكان كالفن، وهو رجل حازم قوي المراس، يحلم بمجتمع يدين بنظام صارم، إلى حد تبرهن فضائله على لاهوته، وتجلل بالعار الكاثوليكية، التي أثمرت حياة الترف والانحلال في روما، أو تسامحت فيهما. ولابد أن يكون النظام العمود الفقري للشخصية، وأن يمكنها من أن ترقى بنفسها، من وحدة الفطرة البشرية، إلى استقامة الإنسان الذي قهر شهوات نفسه. يجب أن يكون رجال الدين قوة لغيرهم، بسلوكهم وبإدراكهم الحسي. ولهم أن يتزوجوا وأن ينجبوا، وعليهم أن يمتنعوا عن الصيد والمقامرة واللهو والتجارة وضروب التسلية الزمنية، وأن يقبلوا أن يقوم رؤساؤهم من رجال الكنيسة بجولة تفتيشية سنوية، وأن يتقصوا عن أخلاقهم.

ولتنظيم سلوك الجماهير أقيم نظام يعتمد على الزيارات المنزلية، يتلخص في أن أحد شيوخ الكنيسة أو غيره، كان يزور سنوياً كل بيت عين له في الحي، ويسأل السكان عن مراحل حياتهم كلها. وانضم مجمع الكرادلة والمجلس إلى إقرار تحريم المقامرة ولعب الورق والتجديف والسكر والتردد على الحانات والرقص (الذي كان وقتذاك يعنف بالقبلات والأحضان)، والأغاني الماجنة أو الخارجة عن الدين، والإفراط في اللهو، والبذخ في العيش، والتبذل في اللبس. وحدد القانون اللون المسموح به في الملابس ومقدارها، وعدد الأطباق المسموح بها في الوجبة الواحدة. وكانت الحلي والمخرمات تقابل بالتجهم. وسجنت امرأة، لأنها صففت شعرها إلى ارتفاع يتنافى مع الأدب(34). واقتصرت الحفلات المسرحية على التمثيليات الدينية ثم منعت هذه أيضاً. وكان الأطفال لا يسمون بأسماء القديسين - الواردة في التقويم الكاثوليكي، ولكن فضل أن يطلق عليهم أسماء شخصيات، ذكرت في العهد القديم، واشتغل والد عنيد أربعة أيام في السجن، لأنه أصر على تسمية ابنه كلود بدلاً من أبراهام(35). وفرضت الرقابة على المطبوعات، طبقاً لسوابق كاثوليكية وعلمانية، وتوسع فيها (1560): فقد حظر تداول كتب تتناول عقيدة دينية خاطئة، أولها نزعة تتنافى مع الخلق القويم، وقدر لمقالات مونتاتي وكتاب "أميل" لروسو أن تقع تحت طائلة هذا الحظر. وكان الحديث عن كالفن أو رجال الدين بازدراء يعد جريمة(36)، وأول مخالفة لهذه القوانين كانت تعاقب بالزجر، أما المخالفة التالية فكانت تعاقب بالغرامات، والإصرار على المخالفة بالسجن أو النفي. أما الفسق فكان مرتكبه يعاقب بالنفي أو بالموت غرقاً، ومَن يرتكب جريمة الزنا أو الكفر أو عبادة الأوثان يعاقب بالإعدام وفي مثل خارج على القياس قطعت رأس طفل، لأنه ضرب والديه(37). وفي عامي 1558-59 رفعت 414 دعوى بسبب جرائم أخلاقية، وبين عامي 1542 و 1556 أقصي عن البلاد ستة وسبعين شخصاً، ونفذ حكم الإعدام في ثمانية وخمسين، وكان التعداد الكلي لسكان مدينة جنيف وقتذاك حوالي 20.000 نسمة(38). وكثيراً ما استخدم التعذيب وسيلة للحصول على اعترافات أو دليل، كما كان يحدث في كل مكان في القرن السادس عشر.

وامتد التنظيم إلى التعليم والمجتمع وإلى الحياة الاقتصادية، وأسس كالفن مدارس وأكاديمية، وبحث في أرجاء أوربا عن مدرسين للغات اللاتينية واليونانية والعبرية واللاهوت، ودرب قساوسة من الشبان حملوا إنجيله إلى فرنسا وهولندة وسكوتلندة وإنجلترا، بكل ما اتصف به المبشرون اليسوعسون من حمية وإخلاص في آسيا، وأرسلت مدينة جنيف في خلال أحد عشر عاماً (1555-66) 161 مبعوثاً من أمثال هؤلاء إلى فرنسا، أنشد الكثير منهم المزامير الهوجنوتية، وهم يتعرضون للاستشهاد، ورأى كالفن أن التقسيم الطبقي أمر طبيعي، وأسبغ تشريعه الحماية على الرتب والمنصب، بفرض نوع من اللباس، ووضع حدود لنشاط كل طبقة(39). كان على كل شخص أن يتقبل وضعه في المجتمع، وأن يؤدي واجباته، دون حسد لمن هم خير منه، أو شكوى من سوء حظه. وحظر التسول، واستبدل، بالإحسان دون أي تمييز، إدارة جماعية، تتسم بالعناية للمساعدات التي تقدم للتفريج عن الفقراء.

والتزم مذهب كالفن بالعمل الشاق والرصانة والاجتهاد والاعتدال في النفقة، وأصبح الاقتصاد قانوناً دينياً، يحلل بالغار رأس المعتصم به، ولعل ذلك هو الذي أسهم في تطوير ما فطر عليه رجل الأعمال البروتستانتي الحديث، من المثابرة على العمل، ولقد بولغ في تأكيد أهميته(40) هذه العلاقة، إذ كانت الرأسمالية قد نمت في فلورنسا والفلاندرز الكاثوليكيتين قبل الإصلاح الديني إلى درجة أكبر مما حدث في جنيف مدينة كالفن. ورفض كالفن المذهب الفردي في الاقتصاديات كما رفضه في الدين والأخلاق.

وكانت وحدة المجتمع، في رأيه ليست الفرد الحر (الذي بدأ به لوثر ثورته)، ولكن مجتمع دولة المدينة، التي ارتبط أعضاؤها بها بقانون حازم ونظام صارم. وكتب يقول، ليس لأحد من أعضاء الجماعة المسيحية أن يحتفظ بمواهبه لنفسه، وأن يقصرها على استعماله الخاص، بل يجب أن يشرك فيها زملاءه من الأعضاء، وليس له أن يجني فائدة إلا من تلك الأشياء، التي تنشأ من النفع العام للهيئة، باعتبارها كلاً لا يتجزأ(41) "ولم يكن يظهر أي عطف نحو المضاربة لجمع المال أو تكديسه بصورة جائرة(42)، وسمح بتقاضي فائدة على القروض مثل بعض أصحاب النظريات الكاثوليكية في أواخر القرون الوسطى، ولكنه حدد الفائدة نظرياً بخمسة في المائة، وحث على منح قروض، دون تقاضي أية فائدة، إلى الأفراد المعوزين أو الدولة(43). وعاقب مجلس الكرادلة، بموافقته، المحتكرين والمستغلين والمقرضين الذين يتقاضون فوائد باهظة، وحدد المجمع أسعار الطعام والملابس وأجور العمليات الجراحية، وذم التجار الذين غشوا عملاءهم أو فرض عليهم غرامات، والبائعين المطففين الذين إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون، وبائعي الأقمشة الذين يختلسون من الأثواب(44). وكان النظام أحياناً يسير نحو اشتراكية الدولة. فقد أسست الجماعة الموقرة مصرفاً وأدارت بعض الصناعات(45). وإذا وضعنا في أذهاننا هذه العوامل المقيدة، فإننا قد نسلم بوجود اتفاق ودي صامت ومتزايد بين مذهب كالفن والعمل والتجارة، وما كان في وسع كالفن أن يحتفظ طويلاً بزعامته، لو أنه عاق النمو التجاري في مدينة تعتمد في حياتها على التجارة. وهيأ نفسه للموقف، وسمح بتقاضي فائدة قدرها عشرة في المائة، وأوصى بمنح قروض للدولة، لتمويل صناعة خاصة، تدخل لأول مرة، أو للتوسع فيها، كما حدث في صناعة النسيج أو في إنتاج الحرير. ومالت المراكز التجارية، مثل أنتورب وأمستردام ولندن تواً للدين الجديد، الذي تقبل الاقتصاد الحديث. وطوى مذهب كلفن في أحضانه الطبقات الوسطى ونما بنموها.

وماذا أسفر عنه حكم كالفن؟ لابد أن الصعوبات التي واجهت التنفيذ كانت هائلة، لأنه لم يحدث قط في التاريخ أن طولبت مدينة بمراعاة مثل هذه الفضيلة الصارمة، وعارض فريق كبير نظام الحكم إلى درجة إعلان الثورة الصريحة. ولكن لابد أن عدداً لا يستهان به من المواطنين ذوي النفوذ قد أيدوه، ولو على أساس النظرية العامة للأخلاق، لأن آخرين كانوا في حاجة إليها. وليس من شك في أن تدفق الهوجنت الفرنسيين وغيرهم من البروتستانت قد أطلق يد كالفن، ثم أن قصر التجربة على مدينة جنيف وما وراءها قد رفع من فرص النجاح. ولا شد أن الخوف المتواتر من غزو الدول المعادية لها (سافوي وإيطاليا وفرنسا والإمبراطوريّة) وامتصاصها قد فرص الاستقرار السياسي والخضوع المدني، ورفع الخطر الخارجي من شأن النظام الداخلي، وعلى أي حال فإن لدينا وصفاً حماسياً للنتائج التي أسفر عنها هذا الحكم، بقلم شاهد عيان وهو برناردينو أوكينو، وهو إيطالي بروتستانتي، وجد ملجأ في مدينة جنيف. "إن السب والتجديف وعدم التمسك بالعفة وتدنيس المقدسات والزنا والحياة غير الطاهرة، كما يشيع ويغلب ذلك في كثير من الأماكن التي عشت فيها، غير معروفة هنا. ليس هناك قوادون ومومسات. إن الناس لا يعرفون ما هو الأحمر، وكلهم يرتدون زياً واحداً، والألعاب التي تعتمد على الحظ ليست مألوفة. والخير جد وفير إلى حد أن الفقراء ليسوا في حاجة إلى التسول. والناس يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف بطريقة أخوية كما فرض المسيح.

والدعاوى اختفت من المدينة ولم يعد فيها أي اتجار بالمقدسات أو قتل أو روح حزينة، وعمها السلام وحب الخير، ومن جهة أخرى ليست هناك آلات أرغن ولا أجراس تدق ولا أغاني استعراضية ولا شموع تشعل أو مصابيح تضاء (في الكنيسة) وليس هناك مخلفات مقدسة أو صور أو تماثيل أو مظلات أو أثواب فاخرة أو هزليات أو احتفالات باردة. إن الكنائس خالية تماماً من عبادة الأوثان" (46). ولا تتفق سجلات المجلس المستفيضة عن هذا العهد، مع هذا التقرير، فهي تكشف عن نسبة مئوية عالية من الأطفال غير الشرعيين والأطفال المهجورين والزيجات التي تمت بالإكراه والأحكام الصادرة بالإعدام(47). ومن بين مَن أدينوا بالزنى صهر(48) كالفن وابنة زوجته. ولكننا نجد مرة أخرى حوالي عام 1610 فالينتين اندريا وهو قسيس لوثري من فيتنبرج يثني على مدينة جنيف ثناء لا يخلو من الحسد ويقول: "عندما كنت في جنيف لاحظت شيئاً عظيماً سوف أذكره وأتشوق إليه ما حييت. ففي تلك المدينة ليس هناك نظام كامل لجمهورية كاملة فحسب. ولكن هناك نظام أخلاقي يقوم باستقصاءات أسبوعية عن سلوك المواطنين بل وعن أقل عمل يتجاوزون به الحدود، وذلك كحلية خاصة... وكل السباب والتجديف والقمار والترف والشقاق والكراهية والغش محظورة، وفي الوقت نفسه لا يسمع أحد عن الكبائر. فأية صفة مجيدة يتحلى بها الدين المسيحي أعظم من مثل هذه الطهارة في الأخلاق. إننا يجب أن نبكي وننوح على أننا (الألمان) نفتقد هذه الصفات وأنها أهملت عندنا كلية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

معارك كالفن

اتسقت شخصية كالفن مع لاهوته. وتصوره اللوحة الزيتية المحفوظة في مكتبه الجامعة بجنيف رجلاً صوفياً صارماً حزيناً ذا بشرة قاتمة هربت منها الدماء، ولحية سوداء قليلة الشعر، وجبهة عريضة وعينين قاسيتين نفاذتين. وكان قصير القامة نحيل الجسد ضعيف البنية لا يكاد يصلح لأن يحمل بين يديه. ولكن خلف الهيكل الضعيف يتوقد ذهن حاد فذ مخلص مدقق وإرادة حازمة لا تقهر ولعلها إرادة للقوة. وكان فكره قلعة للنظام جعل منه تقريباً أكويني اللاهوت البروتستانتي. وكانت ذاكرته تزخر بآلاف الموضوعات إلا أنها دقيقة وكان يسبق عصره في الشك في علم التنجيم ويواكبه في رفض الاعتراف ب[[كوبرنيكوس] ويتخلف عنه قليلاً (مثل لوثر) في نسبة كثير من الحوادث الدنيوية إلى الشيطان. وكان وجله يخفي شجاعته وخجله يحجب كبرياء في باطنه وذلته أمام الله أصبحت في بعض الأحيان عجرفة آمرة أمام الناس. وكان شديد الحساسية للنقد ولم يكن في وسعه أن يتحمل المعارضة بجلد امرئ يستطيع أن يدرك احتمال أنه قد يكون مخطئاً. وهده المرض وانحنى ظهره من كثرة العمل ولذا كان كثيراً ما كان يتميز غيظاً وينفجر في نوبات من الفصاحة الغاضبة، واعترف لبوسر بأنه وجد أن من الصعب عليه أن يروض "الوحش الكامن في غضبه"(50) ولم يكن من فضائله المرح الذي كان حرياً بأن يخفف من يقينياته ولا الإحساس بالجمال الذي كان كفيلاً بأن يستبقي الفن الكنسي. ومع ذلك فانه لم يكن مشاغباً لا تلين قناته، وأمر أتباعه بأن يكونوا منشرحين وأن يلعبوا ألعاباً لا ضرر منها مثل لعب الكرة ولعبة صيد الخنزير بحلقات الحبال وأن يستمتعوا بشرب النبيذ في اعتدال. وكان في وسعه أن يكون صديقاً حنوناً رقيق القلب وعدواً لا يتسامح، وكان قادراً على إصدار أحكام قاسية وعلى الانتقام بشدة. وكان الذين يخدمونه يخشونه(51)، أما الذين كانوا يحبونه فهم الذين عرفوه حق المعرفة. وكانت حياته الجنسية خالية من الزلات، وكان يعيش في بساطة ويأكل قليلاً، ويصوم دون أن يقصد التباهي، ولا ينام إلا ست ساعات في اليوم، ولم يحصل قط على إجازة، واستنفد قواه دون تحديد فيما ظن أنه عبادة الله. ورفض أن يمنح زيادة في مرتبه ولكنه سعى لكي يرفع الأموال المخصصة للبر للفقراء. وقال البابا بيوس الرابع: "إن قوة ذلك الهرطيق تكمن في هذا: إن المال لم يكن له أقل سحر عليه. وإذا كان لدي أتباع مثله فإن مملكتي سوف تمتد من البحر إلى البحر"(52).

ورجل له مثل هذا الطبع لابد أن يثير حقد كثير من الأعداء. وحاربهم بشدة وبلغة العصر الجدلية... ووصف خصومه بأنهم من الأوغاد وأنهم أغبياء وكلاب وحمير وخنازير وبهائم منتنة(53) - وهي نعوت أقل لياقة بالنسبة للاتينيته الرشيقة من أسلوب لوثر الذي يشبه أسلوب المجالدين، ولكنه واجه استفزازات. فقد حدث يوم أن قاطع جيروم بولسيك، وهو راهب سابق من فرنسا، كالفن وهو يقدم عظته في كنيسة القدّيس بطرس وندد بالعقيدة التي تقول بالجبر باعتبارها إهانة للرب، فرد عليه كالفن بأن تلا آيات من الكتاب المقدس، واعتقلت الشرطة بولسيك واتهمه مجمع الكرادلة بالهرطقة. وكان المجلس ميالاً إلى الحكم عليه بالإعدام ولكن عندما استأنس بآراء علماء اللاهوت في زيورخ وبازيل وبرن دلت على أنها مبلبلة: فقد أوصت برن بالحرص في علاج المشكلات التي تدق على ادراك الإنسان - وهي نغمة جديدة في أدب العصر، وحذر بولينجر، كالفن، أن "الكثيرين مستاءون مما تقول في كتابك القوانين حول الجبر، ويستخلصون نفس النتائج مثل بولسيك"(54) وتراضى المجلس على النفي (1551) وعاد بولسيك إلى فرنسا وإلى الكاثوليكية. وأهم من هذا في النتيجة مناظرة كالفن مع جواليم ويستفال، إذ ندد هذا القسيس اللوثري برأي زونجلى وكالفن القائل بأن المسيح لا يحضر في القربان المقدس إلا بروحه" وعد هذا "تشديداً من وحي الشيطان" ورأى أن المصلحين الدينيين السويسريين يجب ألا يرد عليهم بأقلام علماء اللاهوت، ولكن بعصا الحكام (1552) ورد عليه كالفن بألفاظ بلغت من القسوة حداً دفع زملاءه من المصلحين الدينيين في زيورخ وبازيل وبرن إلى رفض التوقيع على احتجاجه. ومع ذلك فإنه أصدره، وعاد ويسفال وآخرون من أنصار لوثر إلى الهجوم، فدمغهم كالفن بأنهم "قردة لوثر" وأبدى من الحجج القوية ما دفع عدة مناطق كانت وقتذاك تناصر لوثر مثل - براندنبرج والبلاتينات وأجزاء من هس وبرينين وآنهالت وبادن إلى الموافقة على وجهة نظر سويسرة والكنيسة التي خضعت للإصلاح الديني، ولم ينقذ باقي ألمانيا الشمالية من التحول عن العقيدة اللوثرية إلا صمت ميلانكتون "الذي كان يتفق في الرأي سراً مع كالفن". وصدى صواعق لوثر بعد الموت.

وتحول كالفن من هذه الهجمات على اليمين وواجه إلى اليسار جماعة من المتطرفين وصلوا حديثاً إلى سويسرة من إيطاليا المعارضة لها في الإصلاح الديني. وكان كايليوس يسكوندوس كوريو يلقي تعاليمه في لوزان وبازيل وقد صدم كالفن عندما أعلن أن الناجين - وفيهم كثير من الوثنيين - سوف يفوقون عدد المعذبين في نار جهنم بكثير. أما لايليوس سوكينوس، وهو ابن أحد كبار فقهاء القانون الإيطاليين، واستقر في زيورخ فقد درس اليونانية والعربية والعبرية لكي يفهم الكتاب المقدس على أحسن وجه، وتعلم كثيراً جداً، وفقد إيمانه بالثالوث الأقدس والجبر والخطيئة الأصلية والتكفير.

وأعرب عن شكه لكالفن الذي رد عليه بقدر الإمكان. ووافق سوكينوس على أن يتجنب التعبير علناً عن شكوكه ولكنه تكلم فيما بعد معارضاً تنفيذ حكم الإعدام في سرفيتوس، وكان من بين القليلين الذين وقفوا يدافعون عن التسامح الديني في ذلك العصر المحموم. وفي دولة يمتزج فيها الدين والحكومة في مزيج مسكر، كان من الطبيعي أن تكون أشد المعارك التي خاضها كالفن هي معاركه الوطنيين والمتحررين والذين أقصوه مرة عن البلاد والذين أسفوا الآن لعودته. فقد استاء الوطنيون من أصله الفرنسي ومن أنصاره وكرهوا لاهوته ولقبوه بقابيل، وأطلقوا على كلابهم اسم كالفن، وسبوه في الطرقات، ولعلهم هم الذين أطلقوا في إحدى الليالي خمسين طلقة نارية خارج بيته. وبشر المتحررون بعقيدة تقول بوحدة الوجود، وتخلوا عن ذكر الشياطين أو الملائكة أو جنة عدن أو التكفير أو الكتاب المقدس أو البابا. واستقبلتهم مارجريت ملكة نافار وأيدتهم في بلاطها بنيراك، ولامت كالفن على قسوته معهم. وفي يوم 27 يونيه عام 1547 وجد كالفن إعلاناً كبيراً ملصوقاً على منبره وجاء فيه: منافق كبير إنك لن تجني أنت ورفقاؤك بآلامك إلا النذر اليسير وإذا لم تنجوا بحياتكم بالهرب فلم يحول أحد دون القضاء عليكم، ولسوف تلعن الساعة التي تركت فيها ديرك... إن الناس ينتقمون لأنفسهم بعد أن عانوا طويلاً... إحذر فلن تعامل مثل السيد فيرل (الذي كان قد قتل)... لم يكون لنا سادة كثيرون إلى هذا الحد(55)...

وقبض على جاك جريه، وهو أحد كبار المتحررين، إذ اشتبه في أنه كتب الإعلان ولم يقدم أي دليل. وادعى بعضهم أنه قبل ذلك ببضعة أيام تفوه بتهديدات ضد كالفن، ووجد في حجرته أوراق قيل أنها بخط يده، يصف فيها كالفن بأنه منافق متعجرف وطموح ويسخر فيها من أن الكتب المقدسة وهي من عند الله ومن خلود الروح. وعذب مرتين كل يوم لمدة ثلاثين يوماً إلى أن اعترف - ولا ندري مدى ما في اعترافه عن صدق - بأنه كان قد ثبت الإعلان الكبير وتآمر مع العملاء الفرنسيين ضد كالفن ومدينة جنيف. وفي يوم 26 يوليو ربط إلى خازوق، وهو نصف ميت، وسمرت قدماه فيه وقطع رأسه(56).

وازدادت حدة التوتر إلى أن جاء الوطنيون والمتحررون يوم 16 ديسمبر عام 1547 وهم مسلحون وحضروا اجتماعاً للمجلس الكبير وطالبوا بوضع حد لسلطة مجمع الكرادلة على المواطنين، وفي ذروة هرج عنيف دخل كالفن إلى الحجرة وواجه الزعماء المعادين له وقال وهو يدق على صدره: "إذا كنتم تريدون سفك دمي فمازالت هنا بضع قطرات فهيا اضربوا" وسحبت السيوف ولكن أحداً لم يجسر على أن يكون القاتل الأول. وخاطب كالفن الجمع بحلم نادر وأخيراً أقنع كل الأطراف بعقد هدنة. ومع ذلك فقد اهتزت ثقته بنفسه. وكتب يوم 17 ديسمبر إلى فيريه يقول: "إن أملي ضعيف في أن تستطيع الكنيسة أن تجد لها عضداً أكثر من هذا، على الأقل من رجالي الذين يقومون بالخدمة الدينية. صدقني إن سلطاني يتحطم، اللهم إلا إذا مد الله إلي يده". وكان المعارضة انقسمت شيعاً وأحزاباً وهدأت إلى أن أتاحت لها محكمة سرفيتوس فرصة أخرى.


ميكائيل سرفيتوس 1511 - 53

ولد ميجيل سرفيتوس في فيلانوفا (وتقع على بعد حوالي ستين ميلاً من ساراقوسه) وهو ابن موثق عقود من أسرة كريمة. ونشأ في عهد كانت فيه كتابات أرازموس تتمتع بتسامح عابر في أسبانيا. وكان متأثراً إلى حد ما بأدب اليهود والمسلمين، إذ قرأ القرآن وشق طريقه في التأويلات التلمودية وتأثر بنقد الساميين للمسيحية (في صلواتها للثالوث ولمريم وللقديسين) باعتبارها شركاً. وأطلق عليه لوثر لقب "المراكشي". وفي تولوز حيث درس القانون، رأى لأول مرة كتاباً مقدساً كاملاً وأقسم ليقرأنه "ألف مرة"، وتأثر تأثراً عميقاً بالرؤى في سفر الرؤيا. وفاز برعاية جوان دي كوينتانا كاهن الاعتراف الخاص لشارل الخامس، وأخذه جوان إلى بولونيا وأوجسبورج (1530)، واكتشف ميكائيل البروتستانتية وأحبها، وزار اويكو لامباديوس في بازيل، كما زار كابيتو وبوسر في شتراسبورج، وسرعان ما غدا هرطيقاً في رأيهم، ودعي لكي يرعى في حقول أخرى. ونشر في عامي 1531 و 1532 أول وثاني طبعة من مؤلفه De Trinitatis erroribus، وكان فيه خلط كثير وكتب بلغة لاتينية غير مصقولة لابد أنها كانت تدفع كالفن إلى الابتسام لو اطلع عليها ولكنها كانت عملاً مذهلاً بالنسبة لفتى في العشرين من عمره بسبب ثرائها في سعة العلم بالكتاب المقدس. وكان يسوع في نظر سرفيتوس رجلاً نفخ فيه الرب، الأب كلمة الله، الحكمة الإلهية، وبهذا المعنى أصبح يسوع ابن الرب ولكنه لم يكن كفواً للأب أو سرمدياً مثله، يستطيع أن يوصل روح الحكمة نفسها إلى الآخرين من الناس "إن الابن أرسل من الأب بطريقة لا تختلف عن تلك التي أرسل بها واحد من الأنبياء"(57). وهذا قريب جداً من مفهوم محمد عن المسيح. واستطرد سرفيدوس ليستشهد برأي الساميين في القول بالثالوث الأقدس: "وكل مَن يؤمن بثالوث أقدس بروح الله يقول بوجود ثلاثة أرباب". وأضاف قائلاً إنهم ملحدون حقاً باعتبارهم منكرين لوجود إله واحد(58). وكان هذا تطرفاً شديداً من شاب، ولكن سرفيتوس حاول أن يخفف من هرطقته بتأليف مقطوعات مهلهلة النسيج عن المسيح باعتباره نور العالم، ومهما يكن من أمر فإن معظم قرائه شعروا بأنه قد أطفأ النور. وكأنما كان يريد ألا يترك حجراً دون أن يقذف به أحداً فتلاقى مع اللامعمدانيين في أن التعميد يجب ألا تجرى مراسيمه إلا للبالغين. فأنكر عليه ذلك أويكو لامباديوس وبوسر، فقلب سرفيتوس دليل سفر كالفن وفر من سويسرة إلى فرنسا (1532).

وفي يوم 17 يوليو أصدرت محكمة التفتيش في تولوز أمراً بالقبض عليه. وفكر في السفر إلى أمريكا ولكنه وجد أن باريس أحسن منها. وهناك تنكر في شخصية ميشيل دي فيلينف (اسم العائلة) ودرس الرياضيات والجغرافيا وعلم الفلك والطب وغازل التنجيم. وكان فيزاليوس العظيم زميله في دراسة التشريح وأثنى أساتذتهما عليهما سوياً. وتشاجر مع عميد كلية الطب، ويبدو بوجه عام أنه أساء التصرف بتهوره وانفعاله واعتزازه بنفسه. وتحدى كالفن للدخول معه في مناظرة ولكنه لم يظهر في المكان والزمان المعينين (1534). وغادر سرفيتوس باريس مثل كالفن في الفترة التي اشتد فيها الغضب على خطاب كوب والإعلانات الكبيرة الهرطيقية. وفي ليون أشرف على نشر طبعة جديرة بعالم من جغرافية بطليموس، وانتقل عام 1540 إلى فيين (على بعد ستة عشر ميلاً جنوبي ليون)، وهناك عاش حتى آخر سنة من حياته وهو يمارس الطب ويشتغل بالبحث. واختير من بين الكثيرين من الباحثين الذين أتيح للناشرين في ليون التعامل معهم لكي يشرف على نشر ترجمة لاتينية للكتاب المقدس قام بها سانتيس ياجنيني.

وقضى في هذا العمل ثلاث سنوات وآل إلى ست مجلدات. وفي آية عن إشعيا 7 : 14 الذي كان جيروم قد جعلها "عذراء سوف تحمل"، شرح سرفيتوس أن الكلمة العبرية لا تعني عذراء بل امرأة شابة، ورأى أنها لا تشير إشارة تنبئية إلى مريم بل إلى زوجة حزقيال، وأوضح بنفس الروح أن بعض الفقرات الأخرى في العهد القديم التي تبدو تنبئية تشير فقط إلى شخصيات أو حوادث معاصرة. وقد ثبت أن هذا محير للبروتستانت والكاثوليك على السواء.

ولا ندري متى اكتشف سرفيتوس الدورة الدموية الرئوية - مرور الدم من الغرفة اليمنى للقلب على طول الشريان الرئوي إلى الرئتين وتدفقه خلالهما وتنقيته هناك بالتعريض للهواء، وعودته في الوريد الرئوي إلى الغرفة اليسرى من القلب، وبقدر ما هو معروف الآن فإنه لم ينشر اكتشافه حتى عام 1553 عندما أدرجه في مؤلفه الأخير "إعادة المسيحية". وقد جاء بالنظرية في رسالة لاهوتية لأنه اعتقد أن الدم بمثابة الروح الجوهرية في الإنسان، ومن ثم يعد - ربما أكثر من القلب أو المخ - المقر الحقيقي للروح. وإذا أرجأنا فترة النظر في مشكلة أسبقية سرفيتوس في هذا الاكتشاف فحسبنا أن نلاحظ أنه من الواضح أنه أكمل رسالته "إعادة المسيحية" في سنة 1546 لأنه أرسل في ذلك العام المخطوطة إلى كالفن. وكان العنوان نفسه تحدياً للرجل الذي كتب شريعة الدين المسيحي، بيد أن الكتاب إلى جانب ذلك رفض الفكرة القائلة بأن الله قدر على أرواح أن تعذب في نار جهنم بغض النظر عن حسناته أو سيئاتها، باعتبار أن هذه الفكرة كفر وتجديف. وقال سرفيتوس إن الله لا يحكم على أحد لا يدين نفسه. ولا بأس بالإيمان ولكن المحبة خير وأبقى، لأن الله نفسه محبة، وظن كالفن أنه يكفيه لكي يدحض هذا كله أن يرسل إلى سرفيتوس نسخة من كتاب "القوانين"، فأعاده سرفيتوس إليه مع تعليقات مهينة(59)، وأعقب ذلك بإرسال سلسلة من الخطابات تحفل عباراتها بالإطراء الشديد إلى حد أن كالفن كتب إلى فاريل (13 فبراير سنة 1546): "لقد أرسل إلى سرفيتوس مجلداً مطولاً بأقواله الهارفة. وإذا وافقت فلن يتردد في الحضور هنا، ولكني لن أعطيه كلمة مني لأنه إذا جاء فإني لن أطيق أن أتركه يخرج حياً إذا كان هذا في سلطتي"(60)، وغضب سرفيتوس لرفض كالفن استمرار المراسلة بينهما فكتب إلى آبيل بوبان، وهو أحد قساوسة جنيف يقول:

"إن إنجيلكم بدون رب وبدون إيمان حق وبدون أعمال صالحات. فبدلاً من الرب عبدتم سربيروس ذا الرؤوس الثلاثة (الثالوث المقدس) وبدل الإيمان اتخذتم حلماً حتمياً... والإنسان عندكم بدن هامد والرب خيال للإرادة المستعبدة... إنكم تغلقون أبواب مملكة السماء في وجوه الناس... الويل! الويل! الويل! هذا هو ثالث خطاب أكتبه لكم لأحذركم علكم تعرفون أحسن من هذا. ولن أحذركم مرة أخرى ففي معركة ميكائيل هذه أعلم أني سوف أموت لا محالة... بيد أني لن أتردد... أن المسيح آت ولا ريب. ولن يتمهل"(61). ومن الواضح أن سرفيتوس كان أشد خبلاً من المتوسط في عصره. فقد أعلن أن نهاية العالم قد أوشكت وأن ميكائيل رئيس الملائكة سوف يشن حرباً مقدسة ضد المناهضين للمسيحية من البابويين وأهالي جنيف على السواء، وأنه وقد سمي باسم رئيس الملائكة سوف يقاتل ويموت في تلك الحرب(62). وكان كتاب "الإعادة Restitutio" دعوة إلى تلك الحرب. فلا عجب إذا كان قد وجد صعوبة في العثور على ناشر يقبله إذ أجفل منه الناشرون في بازيل، وأخيراً (3 يناير عام 1553) طبعه بالتازار أورنويبه وجيوم وجيروه في الخفاء بمدينة فيين. ولم تذكر أسماؤهم ولا مكان النشر ووقع المؤلف باسم م. س. ف. ودفع كل النفقات وصحح بنفسه التجارب ثم أتلف المخطوط. ووصل المجلد إلى 734 صفحة لأنه تضمن شكلاً منقحاً من كتاب "Detrinitatis erroribus" ورسائل سرفيتوس الثلاثين إلى كالفن، وأرسل إلى بائع كتب في جنيف جانب من الألف نسخة المطبوعة. وهناك وقعت نشرة في يدي جيوم ترى وهو صديق لكالفن. وقد أوضحت الخطابات الثلاثون بجلاء لكالفن أن م. س. ف. هي الحروف الأولى من اسم ميكائيل سرفيتوس الفيلانوفي. وكتب ترى في يوم 26 فبراير عام 1553 إلى ابن عم كاثوليكي في ليون يدعى أنطوان ارني أعرب له فيها عن دهشته من أن الكاردينال فرانسو دي تورنون قد سمح بنشر كتاب مثل هذا في دائرة أسقفيته. كيف عرف ترى مكان النشر؟ لقد عرف كالفن أن سرفيتوس كان يعيش في ليون أو فيين. وعرض آرني الأمر على ماتياس أورى عضو محكمة التفتيش في ليون فأبلك أورى بذلك الكاردينال، فأصدر أمراً إلى موجيرون نائب محافظ فيين للبحث والاستقصاء. وفي يوم 16 مارس استدعى سرفيتوس إلى بيت موجيرون. وقبل أن يخضع للأمر أتلف كل الأوراق التي تثبت ذنبه. وأنكر أنه ألف الكتاب. فأرسل أرني إلى ترى يطلب منه تقديم دليل آخر على أن سرفيتوس هو مؤلف الكتاب. وحصل ترى من كالفن على بعض الخطابات التي أرسلها له سرفيتوس. وبعث بها إلى ليون. وتبين إنها تطابق عدداً من الخطابات المنشورة في الكتاب. وقبض على سرفيتوس في اليوم الرابع من أبريل، وفر بعد ثلاثة أيام بالقفز فوق سور حديقة. وفي يوم 17 يونيه أدانته المحكمة المدنية في فيين وحكمت عليه بأن يحرق حياً على نار بطيئة إذا علا عليه. وأخذ سرفيتوس يضرب على غير هدى في أنحاء فرنسا لمدة ثلاثة شهور وقرر أن يلجأ إلى نابولي وأن يذهب عن طريق جنيف، وظل في جينيف شهراً لأسباب غير معروف متخذ اسماً مستعاراً، وفي غضون ذلك أعد ترتيباته للانتقال إلى زيورخ، وفي اليوم الثالث عشر من أغسطس حضر الصلاة بالكنيسة، ولعله فعل هذا لكي يتجنب استقصاء السلطات عنه. وهناك عرف وأبلغ ذلك إلى كالفن فأمر بالقبض عليه. وشرح كالفن هذا العمل في خطاب (9 سبتمبر عام 1553)، قال: "إذا كان البابويون قساة غلاظ الأكباد ويظهرون منتهى العنف دفاعاً عن خزعبلاتهم إلى حد أنهم يثورون غضباً وتقسو قلوبهم فيسفكون الدم البريء ألا يخجل الحكام المسيحيون من أنفسهم عندما يبدون أمام الناس أقل غيرة في الدفاع عن الحق الذي لا ريب فيه؟" وتأثر المجلس الصغير بزعامة كالفن وفاقه في القسوة والفظاظة، ولما كان سرفيتوس مجرد عابر سبيل ولم يكن مواطناً يخضع لقوانين مدينة جنيف فإن المجلس من الناحية القانونية كان لا يستطيع أن يفعل شيئاً أكثر من نفيه خارج المدينة.

واعتقل في قصر سابق لأحد الأساقفة تحول الآن إلى سجن. ولم يعذب إلا بالقمل الذي أغار على زنزانته. وسمح له بورق وحبر وبأي كتب يعن له شراؤها، وأعاره كالفن بضعة مجلدات بقلم الآباء الأوائل. وأديرت المحاكمة بعناية واستمرت ما ينوف على شهرين. ودبج كالفن قرار الاتهام في ثمان وثلاثين مادة عدمها بفقرات استشهد بها من كتابات سرفيتوس. ومن بين التهم أنه قبل وصف سترابو لليهودية بأنها بلد مجدب بينما وصفها الكتاب المقدس بأنها أرض يتدفق فيها اللبن والعسل(63). وكانت الاتهامات الرئيسية الموجهة إلى سرفيتوس هي أنه رفض التسليم بالثالوث وتعميد الأطفال، كما اتهم أيضاً بأنه "طعن في شخص السيد كالفن العقائد التي فرضها إنجيل كنيسة جنيف"(64)، وفي يومي 17 و 21 من أغسطس ظهر كالفن بشخصه في قاعة المحكمة ليوجه له الاتهام. ودافع سرفيتوس عن آرائه بشجاعة، ومنها القول بمذهب وحدة الوجود. وقام تعاون غير مألوف بين العقائد المعادية فطلب المجلس البروتستانتي في جنيف من القضاة الكاثوليك في فيين إبداء آرائهم في فقرات خاصة من الاتهامات التي وجهت هناك ضد سرفيتوس. ومن بين التهم الجديدة الفجور الجنسي، فرد سرفيتوس بأن الفتق قد حوله منذ زمن بعيد إلى عنين ومنعه من الزواج(65). واتهم علاوة على هذا بأنه كان قد حضر القداس في فيين، فدافع عن نفسه وبرر أنه إنما أقدم على هذا خوفاً على حياته. وتحدى أن تكون لمحكمة مدنية ولاية في الفصل في قضايا الهرطقة، وأكد للمحكمة أنه لم يقم بإثارة شغب ولم يخالف قوانين مدينة جنيف وطالب بتعيين محام له يلم بهذه القوانين خيراً منه، وذلك ليعاونه في الدفاع عن نفسه، ورفضت كل هذه الحجج وأرسلت محكمة التفتيش الفرنسية وكيلاً عنها إلى مدينة جنيف للمطالبة بإعادة سرفيتوس إلى فرنسا لتنفيذ الحكم الذي صدر ضده. فتوسل سرفيتوس للمجلس والدموع تسيل من مآقيه أن يرفض هذا الطلب، فاستجاب له المجلس، ولكن لعل الطلب قد حفز المجلس على ألا يكون أقل قسوة من محكمة التفتيش.

وفي اليوم الأول من سبتمبر سمح لعدوين من أعداء كالفن - هما آمي بيران وفيلبرت برتلييه - بأن ينضما إلى القضاة الذين يتولون المحاكمة، فشغلا كالفن بمجادلات، لا طائل تحتها، ولكنهما أقنعا المجلس باستشارة الكنائس الأخرى في سويسرة البروتستانتية عن كيفية معاملة سرفيتوس، وفي اليوم الثاني من سبتمبر واجهت زعامة كالفن في المدينة تحدياً في المجلس على يد الوطنيين المتحررين، فواجه العاصفة حتى مرت بسلام، ولعل رغبة المعارضة الواضحة في إنقاذ سرفيتوس قد شددت من عزيمة كالفن على أن يلاحق الهرطيق حتى ينفذ فيه حكم الإعدام. ومهما يكن من أمر فإنه يجدر بنا أن ننوه بأن المدعي الرئيسي في المحاكمة كان كلود ريجوه Rigot وهو من المتحررين(66).

وفي اليوم الثالث من سبتمبر قدم سرفيتوس للمجلس رداً مكتوباً على الاتهامات الثمانية والثلاثين التي وجهها له كالفن. ودحض كل اتهام بحجة ذكية وبفقرات استشهد بها من الكتاب المقدس أو أقوال رددها آباء الكنيسة. وتساءل عن حق كالفن في التدخل في المحاكمة ووصفه بأنه من مريدي سيمون ماجوس وهو مجرم وسفاك للدماء(67). فرد عليه كالفن في ثلاثة وعشرين صفحة، عرضت على سرفيتوس، الذي أعادها بدوره إلى المجلس بتعليقات هامشية "كذاب" و "دجال" و "منافق" و "تعس شقي"، ولعل ما عاناه سرفيتوس من نصب في السجن خلال شهر وما لاقاه من تعذيب عقلي قد حطم ضبط النفس. وتقارير كالفن ذاتها عن المحاكمة دبجت بأسلوب العصر، فنراه يكتب عن سرفيتوس فيقول: "مسح الكلب القذر أنفه" و "السافل الغادر"(68) يلوث كل صفحة و "تخريفات منافية للتقوى"(69). والتمس سرفيتوس من المجلس أن يتهم كالفن بأنه "يقمع حقيقة يسوع المسيح" وأن "يمحوه من الوجود" ويصادر أمواله، وذلك لتعويض سرفيتوس بهذه الإجراءات عن الإضرار التي لحقت به من جراء أعمال كالفن. ولم يقابل الاقتراح بالترحيب.

وفي اليوم الثامن عشر من أكتوبر وردت الردود من الكنائس السويسرية التي طلب منها إبداء المشورة، فرأت كلها إدانة سرفيتوس، ولم يطلب واحد منها إعدامه. وبذل بيران آخر مجهود لإنقاذه في اليوم الخامس والعشرين من أكتوبر بالمطالبة بإعادة المحاكمة أمام مجلس المائتين ولكنه غلب على أمره. وفي اليوم السادس والعشرين أصدر المجلس الصغير حكماً بالإعدام بإجماع الآراء، واستند في الحكم على دليلين يثبتان الهرطقة - مذهب التوحيد ورفض التسليم بتعميد الأطفال. ويقول كالفن، إن سرفيتوس عندما سمع النطق بالحكم "أنّ وتأوه كرجل فقد رشده و... دق صدره وزمجر قائلاً بالإسبانية Miserivordia! Misericordia!، وطلب أن يسمح له بالحديث مع كالفن وتوسل إليه طالباً الرحمة، بيد أن كالفن لم يعرض عليه أكثر من إجراءات المواساة الأخيرة للدين الحق إذا سحب هرطقاته، ولم يرض سرفيتوس، وطلب أن تقطع رأسه ولا يحرق، وكان كالفن يميل إلى دعم هذا الطلب ولكن فاريل الطاعن في السن، الذي يقترب من حافة القبر زجره لما بدا منه من تسامح، وصوت المجلس على أن يحرق سرفيتوس حياً(70).

ونفذ الحكم في صباح اليوم التالي يوم 27 أكتوبر عام 1553 على تل تشامبل الذي يقع مباشرة جنوبي مدينة جنيف. وفي الطريق ألح فاريل على سرفيتوس أن ينال رحمة الله بالاعتراف بجريمة الهرطقة، فأجابه الرجل المحكوم عليه، طبقاً لما رواه فاريل: "أنا لست مذنباً ولم أكن أستحق الموت، وابتهل إلى الله أن يغفر لمن اتهموه"(71). وأوثق إلى سارية بسلاسل حديدية وربط إلى جانبه كتابه الأخير. وعندما بلغت ألسنة اللهب وجهه صرخ من الألم. ومات بعد حرقه بنصف ساعة.


دعوة للتسامح

اتحد الكاثوليك والبروتستانت في الموافقة على الحكم. ولما أفلتت من محكمة تفتيش فيين فريستها فإنها قامت بإحراق تمثال لسرفيتوس . وأعرب ميلانكتون في خطاب له إلى كالفن وبولينجر عن "حمده لابن الرب" لــ "معاقبة الرجل الكافر" ووصفه عملية الإحراق بأنها "مثال يدل على الورع لا ينسى لكل الأجيال القادمة"(73). وأعلن بوسر من فوق منبره في شتراسبورج أن سرفيتوس قد استحق أن تنزع أمعاؤه ويمزق إرباً(74). ووافق بولينجر، وهو بوجه عام خير رقيق العاطفة، على أن الحكام المدنيين يجب أن يعاقبوا بالموت مَن يثبت عليه الكفر(75).

ومع ذلك فقد ارتفعت بعض الأصوات تدافع عن سرفيتوس حتى في أيام كالفن، فقد نظم صقلي قصيدة طويلة بعنوان: De iniusto Serveti incendio، ونشر دافيد جوريس البازيلي، وهو لا معمداني، احتجاجاً ضد تنفيذ حكم الإعدام، بيد أنه وقع عليه باسم مستعار ولما اكتشفت بعد وفاته أنه كاتب هذا الاحتجاج أخرجت جثته بعد الدفن وأحرقت علناً (1566). وبالطبع أدان خصوم كالفن السياسيون معاملته لسرفيتوس واستهجن بعض أصدقائه قسوة الحكم باعتباره مشجعاً للكاثوليك في فرنسا على تطبيق عقوبة الإعدام على الهوجنوت. ولابد أن هذا النقد قد انتشر انتشاراً واسعاً لأن كالفن أصدر في فبراير عام 1554 a Defensio orthodoxae fidei de sacra Trinitate contra Prodigiosos errores Michaelis Servetir دفاع محافظ على الشريعة عن القول بالثالوث المقدس ضد أخطاء ميكائيل سرفيتوس الفظيعة. وقال: إذا آمنا بأن الكتاب المقدس وحي من الله فإننا نعرف الحقيقة وكل مَن يعارضونه أعداء الله كافرون به. ولما كان ذنبهم أعظم بكثير من أي جريمة أخرى فإن على السلطة المدنية أن تعاقب الهراطقة باعتبارهم أسوأ من أي سفاحين، ذلك لأن القتل العمد يؤدي إلى هلاك الجسد فحسب بينما الهرطقة المقبولة تعرض الروح للعذاب الأبدي في نار جهنم (وكان هذا بالضبط موقف الكاثوليك) وفضلاً عن هذا فإن الرب نفسه قد علمنا بصورة قاطعة أن نقتل الهراطقة وأن نضرب بالسيف أي مدينة تتخلى عن عبادة الرب وفق العقيدة الخالصة التي كشفها لنا بنفسه. واستشهد كالفن بسنن سفر الثنية القاسية 13 : 5-15 و17 : 2-5 وسفر الخروج 22 : 20 وسفر اللاويين 24 : 16 وناقش بها ببلاغة ملتهبة حقاً: "كل مَن يتمسك بأن الهراطقة والكفار لحقهم ضرر بمعاقبتهم يورط نفسه بأن يكون شريكاً لهم في جريمتهم... ولا محل هنا للحديث عن سلطة الإنسان فالرب هو الذي يتكلم، ومن الواضح أي شريعة احتفظ بها في الكنيسة إلى يوم القيامة. فلماذا يطلب منها مثل هذه القسوة الشديدة إذا لم يكن هذا ليرينا إننا لا نوفيه حقه من التبجيل ما دمنا لا نضع عبادته تعالى فوق أي اعتبار إنساني بحيث لا نبقي على آصرة قربى أو صلة دم بيننا وبين أي إنسان وأن ننسى كل إنسانية عندما يكون الأمر متعلقاً بالقتال في سبيل مجده تعالى؟(76).

وخفف كالفن من استنتاجاته بأن نصح بالرحمة بالذين لا تكون هرطقاتهم جوهرية أو الذين يتضح أن هرطقاتهم بسبب الجهل أو ضعف العقل. ولكن حيث أنه رضى بصفة عامة بالقديس بولس هادياً له ومرشداً فإنه رفض أن يلجأ للوسيلة البولسية (نسبة إلى بولس) التي تعلن أن القانون الجديد يحل محل القانون القديم. والحق أن حكومة رجال الدين التي كان من الواضح أنه كان يمكن أن تتحطم وتشيع فيها الفوضى إذا سمحت الخلافات في العقيدة بإبداء الرأي علناً. وفي غضون ذلك ماذا آلت إليه الروح الأرازمية التي تدعو إلى التسامح؟ لقد كان أرازموس متسامحاً لأنه لم يكن على يقين تام، أما لوثر وميلانكتون فقد تخليا عن التسامح عندما تدرجا في اليقين، وأما كالفن فكاد يكون على يقين مذ بلغ عامه العشرين بتبكير قاتل في النضج. وليس من شك في أن قليلاً من علماء الإنسانيات الذين درسوا الفكر الكلاسي والذين لم يهابوا العودة إلى الحضيرة الرومانية بالاشمئزاز من الالتجاء إلى العنف في النزاع اللاهوتي ظلوا يرون على استحياء أن اليقين في الدين والفلسفة أمر لا يمكن الوصول إليه، ومن ثم فإن على المشتغلين باللاهوت والفلاسفة ألا يقتلوا أحداً.

وكان عالم الإنسانيات الذي تحدث بموضوع بعض الوقت عن التسامح وسط صدام اليقينيات واحداً من أقرب أصدقاء كالفن حيناً من الزمن. فسباسيان كاستيليو الذي ولد في جورا الفرنسية عام 1515 أصبح حاذقاً للغات اللاتينية واليونانية والعبرية ودرس اليونانية في ليون وعاش مع كالفن في شتراسبورج فعينه مديراً لمدرسة اللاتينية في جنيف (عام 1541) وهناك شرع في ترجمة الكتاب المقدس بأسره إلى لغة شيشرون اللاتينية. وقد أعجب بكالفن رجلاً ولكنه كره المذهب القائل بالجبر وأضنى قواه تحت وطأة النظام الجديد الذي خضع له الجسد والعقل. واتهم في عام 1544 القساوسة في جنيف بالتعصب والدنس والسكر. واشتكى كالفن إلى المجلس، ووجد أن كاستليو مذنب بسبب الغيبة ونفي من المدينة (1544)، وعاش تسع سنوات في فاقة ومسبغة وهو يعول أسرة كبيرة، وكان يعمل أثناء الليل في إنهاء نسخته المترجمة من الكتاب المقدس. وانتهى منها عام 1551، ثم بدأ مرة أخرى في سفر التكوين 1:1 وهو وحيد يسعى في هدوء إلى إتمام البحث، وترجم الكتاب المقدس إلى الفرنسية. وحصل أخيراً (1553) على منصب أستاذ لليونانية في جامعة بازيل. وأحس بالعطف على الموحدين وتمنى لو استطاع أن يساعد سرفيتوس، وراعه دفاع كالفن عن تنفيذ حكم الإعدام. ونشر هو وكامليوس كوريو بأسماء مستعارة (مارس 1554) أول كتاب حديث من الكلاسيات عن التسامح: "هل يجب أن يضطهد الهراطقة؟ De haereticis an Sint persequendi.

وكان الهيكل الرئيسي للمؤلف مختارات من الشعر جمعها كوريو من الابتهالات المسيحية من أجل التسامح، من لاكتانتيوس وجيروم إلى أرازموس ولوثر في بواكير حياته وكالفن نفسه. واشترك كاستيليو في الجدال بالمقدمة والخاتمة وأشار إلى أن الناس قد ناقشوا في مدة مائة عام الإرادة الحرة والجبر والسماء والجحيم والمسيح والثالوث وأموراً أخرى صعبة ولم يصلوا إلى أي اتفاق، ومَن يدري لعلهم لن يصلوا أبداً إلى اتفاق. وقال كاستيليو: لا داعي لأي اتفاق، فمثل هذه القضايا الجدلية لا تجعل الناس خيراً مما هم عليه، وكل ما نحن بحاجة إليه هو أن نتحلى بروح المسيح في حياتنا اليومية وأن نطعم الفقراء وأن نساعد المرضى ونحب أعدائنا. وبدا له أن من السخرية أن تزعم الطوائف الجديدة، شأنها في هذا شأن الكنيسة القديمة، إنها على حق مطلق، وأن تكره مَن لها عليهم السيطرة البدنية على اعتناق عقائدها ونتيجة هذا يكون الإنسان محافظاً على العقيدة في مدينة ويصبح هرطقياً عندما يدخل مدينة أخرى، وعليه أن يغير دينه كما يغير نقده عند كل حد من حدود البلاد. وهل يمكن أن تتصور أن المسيح يأمر بإحراق رجل حياً لأنه يدافع عن تعميد البالغين؟ لقد حلت محل الشرائع الموسوية التي تدعوا إلى القضاء على الحياة كل هرطيق شريعة المسيح التي تدعو إلى الرحمة لا إلى التعسف والإرهاب وإذا أنكر إنسان وجود حياة بعد الموت ورفض الاعتراف بكل شريعة فإنه (كما قال كاستيليو) يمكن للحكام أن يسكتوه فحسب ولكن ينبغي ألا يقتل. وفضلاً عن هذا فإن اضطهاد العقائد (كما رأى) لا طائل تحته والاستشهاد في سبيل فكرة ينشر هذه الفكرة بسرعة أكبر مما كان في وسع الشهيد أن يفعل لو سمح له أن يعيش. وختم كلامه بقوله أية مأساة في أن نرى مَن حرروا أنفسهم أخيراً من محكمة التفتيش الرهيبة يقلدونها سريعاً في طغيانها، وأن يكرهوا الناس على أن يعودوا إلى الظلام السيمري بعد فجر واعد مثل هذا(77).

وعرف كالفن نزعات كاستيليو فتعرف على خطه في رسالته "الهراطقة"، وفوض مهمة الرد عليها لأذكى تلاميذه تيودور دي بيز أو بيز أو بيزا. وقد ولد تيودور في فيزيلاي من أسرة أرستقراطية، ودرس القانون في أورليانز وبورجس ومارسه بنجاح في باريس، وكتب شعراً باللاتينية وفتن بعض النساء بتوقد ذهنه وأكثر من هذا بنجاحه، وعاش حياة مرحة وتزوج وسقط صريع مرض خطير، وجرب وهو على فراش المرض تحولاً معكوساً نحو تعاليم لويولا، واعتنق البروتستانتية وفر إلى جنيف وقدم نفسه إلى كالفن وعين أستاذاً لليونانية في جامعة لوزان. ومما هو جدير بالملاحظة أن لاجئاً بروتستانتياً من فرنسا التي تضطهد الهوجنوت أخذ على عاتقه الدفاع عن الاضطهاد، وقد أدى هذا بمهارة محامي وإخلاص صديق؛ فأصدر في سبتمبر عام 1554 مؤلفاً بعنوان (كتاب صغير عن واجب الحكام المدنيين في عقاب الهراطقة) De haereticis a civili magistratu punindis libelus وأشار مرة أخرى إلى أن التسامح الديني مستحيل للإنسان قبل أن الكتب المقدسة وحي من لدن الله. ولكننا إذا رفضنا التسليم بأن الكتاب المقدس كلمة الله، فعلى أي أساس نبني العقيدة الدينية التي يتضح بجلاء أنه لا غنى عنها - إذا أخذنا في الاعتبار ما فطر عليه الناس من شر - لكبح جماح الناس وللنظام الاجتماعي - والحضارة؟ وإذن لن يتبقى إلا شكوك مهوشة تعمل على تفكيك عرى المسيحية. ولا يمكن أن يكون لمؤمن مخلص بالكتاب المقدس غلا دين واحد، أما الديانات الأخرى فلابد أن تكون زائفة أو ناقصة. حقاً إن العهد الجديد يبشر بسنة المحبة ولكن هذا ليس عذراً لنا لكي لا نقتص من اللصوص والقتلة، فكيف يبيح لنا هذا أن نبقى على الهراطقة؟.

وعاد كاستيليو إلى الجدل في كراسة دينية بعنوان: Contra Libelum Calivini، ولكنها ظلت نصف قرن دون أن تنشر. وسبق ديكارت في مخطوط أخرى بعنوان De arte dubitnnd بأن جعل من "فن الشك" أول خطوة في البحث عن الحقيقة ودافع في رسالته "المحاورات الأربعة" عن الإرادة الحرة وعن احتمال خلاص عالمي. وفي عام 1562 نشر رسالته "نصيحة إلى فرنسا الحزينة"، توسل فيها عبثاً إلى الكاثوليك والبروتستانت بإنهاء الحروب الأهلية التي كانت تجتاح فرنسا وبأن يسمحوا لكل مؤمن بالمسيح "أن يصلي للرب وفق عقيدته هو وليس وفق عقيدة غيره من الناس"(78)، وكان من الصعب أن يسمع أحد صوتاً يشذ عن النغم السائد في العصر. ومات كاستيليو فقيراً بالغاً من العمر ثمانية وأربعين عاماً (1563)، وقال كالفن إن وفاته المبكرة حكم عادل من إله عادل.


كالفن إلى النهاية 1554 - 1564

ولعل كالفن قد عرف ميل كاستيليو الخفي إلى مذهب الموحدين - الإيمان بإله ليس ثلاثة في واحد، ومن ثم رفض التسليم بألوهية المسيح، ويمكن أن يغتفر له أنه كان يرى في هذا الشك الأساسي بداية النهاية للمسيحية. وخشي من هذه الهرطقة أكثر من أي شيء آخر لأنه وجدها متفشية في مدينة جنيف ذاتها، وفوق كل شيء بين اللاجئين البروتستانت الفارين من إيطاليا، ولم يرَ هؤلاء الناس أي معنى في أن يستبدلوا بتجسد لا يصدق قدراً محتوماً لا يصدق. وهاجمت ثورتهم الدعوة الأساسية للمسيحية وهي أن المسيح ابن الله. وكان لماتيو جريبالدي، وهو أستاذ في فقه القانون في بادو، بيت صيفي بالقرب من جنيف، وتكلم بصراحة أثناء محاكمة سرفيتوس ضد العقاب بسبب الآراء الدينية، ودافع عن حرية العبادة - بالنسبة للجميع، فدعي للمثول أمام المجلس، ونفي من المدينة إذ اشتبه في أنه يؤيد مذهب الموحدين (1559) وكفل لنفسه التعيين في وظيفة أستاذ للقانون في جامعة تيبنجن. وأرسل كالفن إلى الجامعة كلمة عن شكوك جريبالدي. فألزمته بأن يوقع اعترافاً يقر فيه بالتثليث، وبدلاً من أن يخضع فر إلى بيرن حيث مات متأثراً بداء الطاعون في عام 1564. واستدعى جيوروجيو بلاندراتا، وهو طبيب إيطالي يقيم في مدينة جنيف للمثول أمام المجلس بتهمة مناقشة ألوهية المسيح، ففر إلى بولندة حيث وجد شيئاً من التسامح بالنسبة إلى هرطقته.

وأعرب فالنتينو جنتيلي، من كالابريا، صراحة عن آرائه المؤيدة لمذهب الموحدين في مدينة جنيف، فألقى في غياهب السجن حكم عليه بالإعدام (عام 1557) فتراجع عن أقواله وأطلق سراحه وذهب إلى ليون فقبضت عليه السلطات الكاثوليكية، بيد أنه أطلق سراحه عندما أكد لهم أن مصلحته الرئيسية تكمن في دحض مزاعم كالفن. وانضم إلى بلاندوراتا في بولندة، وعاد إلى سويسرة حيث اعتقله حكام بيرن وأدين بتهمة الحنث بقسمه والهرطقة وقطعت رأسه (1566).

ووسط هذه المعارك في سبيل الرب استمر كالفن يعيش في بساطة وقد حكم جنيف بقوة شخصية مسلحة بأوهام أتباعه. وتدعم مركزه بمرور السنين. وكان ضعفه الوحيد في جسده الواهن: كان يشكو من آلام في رأسه والربو وسوء الهضم والحصوة والنقرس، وهصرت الحمى جسده وأبرزت عظمه وشكلت وجهه فبدت تقاطيعه مشدودة تنم على القسوة والكدر. وأصيب بمرض في 1558-59 استمر طويلاً وتركه ضعيفاً واهناً مصاباً بنزيف متكرر من الرئتين. واضطر بعد ذلك إلى ملازمة الفراش معظم الوقت على الرغم من أنه مستمر في الدراسة والتوجيه والوعظ حتى عندما كان يحمل حملاً في مقعد إلى الهيكل المقدس. وحرر وصيته في يوم 25 أبريل عام 1564 وهو واثق تمام الثقة من اختياره للمجد الأبدي. وفي اليوم السادس والعشرين أقبل المأمورون وأعضاء المجلس وجلسوا بجانب فراشه، فطلب منهم المغفرة بسبب سورات غضبه، ورجاهم أن يتشبثوا بالعقيدة الطاهرة للكنيسة التي اتبعت الإصلاح وجاء فاريل وكان آنذاك قد بلغ العام الثمانين من عمره من نيوشاتل ليودعه الوداع الأخير. وبعد مرور بضعة أيام قضاها كالفن في الصلاة والعذاب وجد السلام (27 مايو عام 1564). وكان تأثيره أعظم من تأثير لوثر، ولكنه سار في طريق كان لوثر قد مهده، فقد أسبغ لوثر حمايته على الكنيسة الجديدة بإحياء القومية الألمانيّة لتأييدها وكانت الحركة ضرورية، ولكنها ربطت اللوثرية رباطاً وثيقاً بالأصول التيوتوية، ولقد أحب كالفن فرنسا وجاهد لكي يرفع من شأن قضية الهوجنوت ولكنه لم يكن وطنياً فقد كان الدين بلده، وعلى هذا فإن عقيدته، مهما لحقها من تعديل، استلهمت البروتستانتية في سويسرة وفرنسا وسكوتلندة وأمريكا، واستولت على قطاعات كبيرة من البروتستانتية في هنغاريا وألمانيا وهولندة وإنجلترا. ولقد أضفى كالفن على البروتستانتية في كثير من البلاد تعظيماً وثقة واعتزازاً بالنفس مكنتها من أن تعيش وتصمد لألف محنة محتة.

وقبل وفاته بعام انضم تلميذه أوليفيانوس إلى أورسينوس تلميذ ميلانكتون في إعداد وعظ هيدلبرج الذي أصبح تعبيراً مقبولاً لعقيدة الإصلاح الديني في ألمانيا وهولندة. ووفق بيز وبولينجر بين مذهبي كالفن وزونجلى في الإقرار السويسري البروتستانتي الثاني (1566) الذي أصبح وثيقة رسمية للكنائس التي اتبعت الإصلاح الديني في سويسرة وفرنسا وتابع بيز باقتدار عمل كالفن في جنيف نفسها. بيد أنه ما أن مر عام حتى أخذ كبار رجال الأعمال الذين يسيطرون على المجالس في مقاومة محاولات مجمع الكرادلة والجمعية المبجلة بنجاح ازداد شيئاً فشيئاً ليستبدلوا بها الرادع الأخلاقي في العمليات الاقتصادية، وبعد وفاة بيز (1608) دعم أغنياء التجار نفوذهم (سيادتهم) وفقدت الكنيسة في جنيف مزاياه الإدارية - (التوجيهية) التي كان كالفن قد ظفر بها لها في الشئون غير الدينية. وفي القرن الثامن عشر خفف تأثير فولتير من التقليد الكالفيني، وقضى على سيطرة الأخلاق المتطهرة النزعة بين الناس. وكافحت الكاثوليكية في جلد وصبر لتسترد مكانها في المدينة، وعرضت مسيحية خافية من الكدر ونزعة أخلاقية خالية من الصرامة، وكان 42 في المائة من السكان في عام 1594 كاثوليك و 47 في المائة منهم بروتستانت(79).

ولكن أعظم بناء قام به الإنسان له أثر كبير في جنيف هو النصب التذكاري للإصلاح الديني "المبجل الذي يمتد في بهاء على طول سور بستان ويحتفل بانتصارات البروتستانتية وترتفع في وسطه تماثيل فاريل وكالفن وبيز ونوكس القوية.

وفي غضون ذلك كانت حكومة رجال الدين الصارمة التي أقامها كالفن تنبت براعم ديمقراطية، ثم إن جهود الزعماء الكالفينيين في سبيل توفير التعليم للجميع تفقيههم وغرسهم شخصية مهذبة قد ساعد أوساط الناس الأشداء في هولندة على إبعاد الحكم المطلق الإسباني الدخيل ودعم ثورة النبلاء ورجال الدين في سكوتلندة ضد ملكة فاتنة ولكنها مستبدة. وكان للنزعة الرواقية في عقيدة صارمة الفضل في خلق أرواح قوية للمعاهدين السكوتلنديين والمتطهرين الإنجليز والهولنديين والحجاج في نيوانجلاند، وثبتت قلب كرومويل واهتدى بها قلم ميلتون الكفيف وحطمت سلطان آل ستيوارد المستبدين. وشجعت الناس الباسلين والقساة على الظفر بقارة وعلى نشر أساس التعليم والحكم الذاتي إلى أن يستطيع كل الناس أن يصبحوا أحراراً. وسرعان ما طالب الناس الذين اختاروا كهان أبرشياتهم بأن يكون لهم حق اختيار حكامهم وأصبحت جماعة المصلين التي تحكم نفسها بنفسها بلدية تحكم نفسها بنفسها، وهكذا أبرزت أسطورة الانتخاب الإلهي نفسها في صنع أمريكا. وعندما تم أداء هذا العمل أهملت النظرية البروتستانتية التي تقول بالجبر، ولما عاد النظام الاجتماعي إلى أوربا بعد حرب الثلاثين عاماً وفي إنجلترا بعد ثورتي عام 1642 و 1689 وفي أمريكا بعد عام 1793 تغير الفخار بالانتخاب الإلهي إلى اعتزاز بالعمل وإنجازه وشعر الناس بأنهم أقوى وأكثر أمناً.

وقل الخوف وأسلمت القسوة المذعورة التي ولدت رب كالفن إلى رؤية أكثر رحمة ألزمت بإعادة النظر في مفهوم الألوهية. وعقداً بعد عقد نبذت الكنائس التي تسلمت زمام القيادة من كالفن عناصر عقيدته القاسية، وواتت الجرأة المشتغلين باللاهوت على أن يؤمنوا بأن كل من ماتوا في الطفولة كتب لهم الخلاص، وأعلن قس مبجل دون أن يسبب أي اضطراب أن "عدد الضالين نهائياً... سيكون طفيفاً جداً"(80). ونحن نشعر بالشكر لهذا التأكيد العظيم. ونوافق حتى على أن الخطأ يعيش لأنه يخدم حاجة حيوية ما. ولكننا سوف نجد دائماً من الصعب أن نحب الرجل الذي أظلم الروح البشرية بأكثر المفاهيم عن الله سخفاً وكفراً في تاريخ السخف الطويل المبجل بأسره.