قصة الحضارة - ول ديورانت - م 6 ك 2 ف 17

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 8286

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> الثورة الاجتماعية -> الثورة الصاعدة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل السابع عشر: الثورة الاجتماعية 1522 - 1536

الثورة الصاعدة

لقد كان الفرسان المسغبون ينتظرون في صبر نافد فرصة مواتية للثورة على الأمراء والبطارقة والممولين. وكان شارل الخامس بعيداً عن البلاد في أسبانيا عام 1522، وفرق سيكينجن ينتابها القلق بسبب تعطلها عن العمل، وكانت الأراضي الغنية التي تمتلكها الكنيسة مباحة ويمكن الاستيلاء عليها بسهولة. وكان هوتن يدعوا للعمل، وكان لوثر قد دعا الشعب الألماني إلى تطهير الأرض من مضطهديه. وفي الثالث عشر من أغسطس وقد عدد من الفرسان في لاندوا تعهداً بالعمل الموحد، وحاصر سيكينجن مدينة تريز وقذفها بمنشورات تحرض الناس على الانضمام إليه لخلع كبير الأساقفة الحاكم، ولكنهم لم يحركوا ساكناً، وجمع كبير الأساقفة فرقاً، وقادها بنفسه، ثم قام بخمس هجمات مضادة، فرفع سيكينجن الحصار عن المدينة وتراجع إلى قلعته في لاندوشتول. وهاجم كبير الأساقفة القلعة بعنف، وأصيب سيكينجن بجرح قاتل وهو يدافع عنها، ثم استسلم في اليوم السادس من مايو عام 1523 ومات في اليوم السابع من مايو. وخضع الفرسان للأمراء وسرحوا الجنود العاملين بجيوشهم الخاصة وتشبثوا في قسوة يائسة بالضرائب الإقطاعية المفروضة على الفلاحين التي كانوا يعتمدون عليها في معاشهم.

وتنبأ لوثر بهذا التصدع فتنصل من الثورة قبل فوات الأوان (19 ديسمبر سنة 1522) واستمر نجمه في صعود. وكتب الأرشيدوق فرديناند لأخيه الإمبراطور (1522) "غن قضية لوثر تمتد جذورها عميقة في الإمبراطوريّة بأسرها إلى حد أنه ليس هناك شخص واحد من كل ألف في عصمة منها"(1). وكان الرهبان والقساوسة يقبلون زرافات إلى مذبح الزوجية الجديد. وترددت في كنيستي لورنز وزيبالدوس بنورمبرج "كلمة الله" - وهي العبارة التي أطلقها المصلحون على عقيدة تقوم على الكتاب المقدس فحسب. وأخذ الوعاض الإنجيليون ينتقلون بحرية في أرجاء شمالي ألمانيا ويستولون على منابر قديمة ويشيدون منابر جديدة، ولم ينددوا بالبابوات والأساقفة باعتبارهم "خدماً للشيطان" فحسب، ولكنهم نددوا أيضاً بالسادة الزمنيين باعتبارهم "مستبدين ظالمين"(2). ومهما يكن من أمر فإن السادة الزمنيين كانوا هم أنفسهم ممن اهتدوا بهدى العقيدة الجديدة: فيليب الهسي وكازيمير البراندنبرجي وأولريخ الفيرتيمبرجي وأرنست اللينيبرجي وجو صاحب ساكسونيا. بل إن إيزابيلا شقيقة الإمبراطور كانت من أتباع لوثر. وكان الأستاذ القديم لشارل قد أصبح الآن البابا أدريان السادس (1521) فأرسل إلى مجلس النواب في نورمبرج (1522) طلباً بالقبض على لوثر واعترافاً صادقاً بالأخطاء التي تردت فيها الكنيسة: "إننا نعلم تمام العلم أن أموراً كثيرة تستحق المقت قد تجمعت حول منصب البابا منذ سنين عديدة. وقد أسيء استخدام الأشياء المقدسة واعتدي على القوانين حتى إنه في كل شيء كان هناك تغيير إلى الأسوأ، فلا عجب إذا كان المرض قد زحف من الرأس إلى الأعضاء، من البابوات إلى مَن يلونهم في المناصب. لقد حِدْنا نحن جميعاً، من البطارقة ورجال الدين، عن الطريق المستقيم، ومنذ عهد بعيد لم يعمل واحد منا عملاً صالحاً، لا أحد بتاتاً... ولذلك... فإننا سوف نبذل كل ما في طاقتنا من جهد لإصلاح المحكمة الرومانية قبل كل شيء آخر، وهي التي ربما كانت سبباً في كل هذه الشرور... إن العالم بأسره يتوق إلى مثل هذا الإصلاح"(3).

ووافق المجلس على أن يطلب من الأمير المختار فردريك كبح جماح لوثر، ولكنه تساءل لماذا يجب أن يدان لوثر لأنه أشار إلى المظالم التي ارتكبها رجال الدين والتي أيدتها السلطات وقت ذلك. وعندما وجد المجلس أن اعتراف البابا ليس فيه ما يكفي من التفاصيل أرسل له قائمة خاصة ضمنها مائة مظلمة من ألمانيا ضد الكنيسة واقترح أن ينظر بعين الاعتبار إلى هذه الشكاوى، وعلاجها بواسطة مجلس وطني يعقد في ألمانيا برئاسة الإمبراطور. واستمع المجلس النيابي نفسه، وكانت تغلب عليه طائفة النبلاء، في عطف إلى الاتهامات الموجهة ضد الاحتكاريين بأنهم يثيرون على حساب الشعب وكتبت إحدى اللجان إلى المُدن الكبرى في ألمانيا تطلب منها إبداء رأيها فيما إذا كانت الاحتكارات ضارة وهل يجب تنظيمها أو القضاء عليها. وردت مدينة أولم بأنها شر مستطير وأن المؤسسات التجارية يجب أن تكون مقصورة على الأب وابنه وزوج ابنته، أما أوجسبورج موطن آل فوجر فأنها قدمت دفاعاً كلاسياً عن المشروعات التجارية الكبيرة وحرية التجارة وعن الأرامل والأيتام:

"إن العالم المسيحي (أم ينبغي أن نقول العالم بأسره؟) غني بسبب العمل، وكلما اتسع حجم العمل في بلد ما ازداد رخاء شعبه... وحيث يكثر عدد التجار تزداد فرص العمل... ومن المستحيل تحديد حجم الشركات... فكلما اتسع حجم معاملاتها وازداد عددها كان هذا خيراً لكل إنسان. وإذا لم يكن للتاجر مطلق الحرية في القيام بأعماله في ألمانيا فإنه سوف ينطلق إلى مكان آخر فتخسر ألمانيا... وإذا لم يستطع القيام بالعمل بعد أن يتجاوز قدراً معيناً فماذا هو صانع فائض أمواله؟... من الخير أن يترك التاجر وشأنه، وألا توضع أية قيود على مقدرته أو على رأس ماله، إن بعض الناس يتحدثون عن تحديد طاقة الربح في الاستثمارات. وهذا سوف... يؤدي إلى ظلم فادح وضرر بالغ بإبعاد معاش الأرامل والأيتام وبقية المعذبين الذين يستمدون دخلهم من الاستثمارات في هذه الشركات"(4).

وأصدر المجلس النيابي تشريعاً بألا يزيد رأسمال الشركات عن 50000 جيلدر وإلزامها بتوزيع الأرباح كل سنتين وتقديم حساب علني، وألا يُقرض المال بفوائد ربوية، وألا يشتري تاجر أكثر من قدر معيّن من أية سلعة في أي فصل من فصول السنة، وأن تحدد الأسعار بمقتضى القانون. واستعان التجار بشارل الخامس فأيدهم لأسباب سبق بيانها. ولما كان كثير من حكام المُدن يشاطرون في أرباح الاحتكارات فإن مراسيم نورمبرج سرعان ما أصبحت حبراً على ورق. وأرسل كليمنت السابع، البابا الجديد، إلى جلسة تالية للمجلس النيابي (يناير عام 1524) الكاردينال لورزو كامبيجيو ومعه مطالب جديدة بالقبض على لوثر، وسخرت الجماهير من القاصد الرسولي في أوجسبورج واضطر إلى دخول نورمبرج سراً حتى يتجنب المظاهرات المعادية، وكان من حظه الإذلال عندما رأى 3000 شخص من بينهم شقيقة الإمبراطور يتلقون القربان المقدس بكلا نوعيه من راعٍ من أتباع لوثر. فحذر المجلس النيابي من أن الثورة الدينية إذا لم تقمع في مهدها فإنها سوف تقوض دعائم السلطة المدنية وتهدم النظام، ولكن المجلس النيابي رد عليه بأن أية محاولة لقمع الحركة اللوثرية بالقوة سوف تنتهي بـ "ثورة وعصيان ومذبحة... ودمار شامل"(5) وبينما كانت تدور المداولات بدأت الثورة.


حرب الفلاحين 1524 - 1526

أتاحت الثورة الدينية الكادحين في الحقول أيديولوجية تستهوي الأفئدة وتعبر عن مطالبهم بالحصول على نصيب أكبر في رخاء ألمانيا المتزايد. يضاف إلى هذا أن الشدائد التي كانت قد حفزت أهل الريف للقيام بأثنتي عشرة ثورة مازالت تثير إلى حد ما في ذهن الفلاح اضطرباً، والحق أن هذا الاضطراب المحموم ازداد شدة في الوقت الذي تحدى فيه لوثر الكنيسة وانتهر الأمراء وحطم سدود النظام والرهبة، وجعل من كل إنسان قساً وأعلن حرية الإنسان المسيحي. وكانت الكنيسة والدولة في هذا العهد بألمانيا مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً - وكان رجال الدين يلعبون دوراً كبيراً في النظام الاجتماعي والإدارة المدنية - إلى حد أن تقويض ما يتمتع به رجال الدين من هيبة وسلطان قد أزال أكبر عائق للثورة. وقد استمر والولدانيون والبغارديون وإخوة الحياة المشتركة في تقليد قديم يذهب إلى تأسيس آراء متطرفة من نصوص وردت بالكتاب المقدس. وكان تداول العهد الجديد مطبوعاً لطمة لطبقة المحافظين من رجال الساسة والدين ذلك لأنه فضح ما قام به رجال الدين من تراضٍ مع طبيعة الإنسان وطرق العيش في الدنيا كما كشف عن شيوعية الرسل وعطف المسيح على الفقراء والمضطهدين. وكان العهد الجديد في هذه الأمور بمثابة "بيان شيوعي" حقيقي بالنسبة للمتطرفين في هذا العصر. ووجد فيه الفلاحون وطبقة الكادحين على السواء ضماناً إلهياً لكي يحلموا بمدينة فاضلة (يوتوبيا) تلغى فيها الملكية الخاصة ويرث فيها الفقراء الأرض.

وفي عام 1521 وزع في ألمانيا كتيب عنوانه karsthans أي جون المذراة، وقد ضمن الحماية للوثر هذا "الرجل ذو الفأس" والقلم، ونشر في العام نفسه ملحق يدافع عن قيام أهل الريف بانتفاضة ضد الكثالكة من رجال الدين(6) وطالب ينهانس إبرلين في كتيب آخر صدر عام 1521 بالتصويت العام للذكور، وبتبعية كل حاكم وكل موظف للمجالس الشعبية المنتخبة، وبإلغاء كل المؤسسات الرأسمالية، وبالعودة إلى تحديد أثمان الخبز والنبيذ كما كانت في القرون الوسطى، وبتعليم كل الأطفال اللاتينية واليونانية والعبرية والفلك والطب(7). وصدر عام 1522 كتيب عنوانه "احتياجات الأمة الألمانية" نسب زوراً إلى الإمبراطور فردريك الثالث المتوفى ودعا إلى إلغاء "كل المكوس والرائب وجوازات السفر والغرامات" وإلغاء القانون الروماني والقانون الكنسي وتحديد حجم العمل في المؤسسات برأسمال قدره 10000 جيلدر وباستبعاد رجال الدين من الحكومة المدنية وبتصفية ثروة الأديرة وتوزيع المبالغ المحصلة على الفقراء(8). وأعلن أوتوبر ونفيلز (1524) أن دفع ضرائب العشور إلى رجال الدين أمر مخالف لما جاء بالعهد الجديد. ومزج الوعاظ الإنجيلية البروتستانتية بالآمال اليوتوبية، وكشف أحدهم أن الجنة مفتوحة الأبواب للفلاحين ومغلقة في وجوه الأشراف ورجال الدين، ونصح آخر الفلاحين بأن يكفوا عن إعطاء المال للقساوسة أو الرهبان، وأشار منتس وكارلشتادت وهوبماير على مستمعيهم بأن "المزارعين والعاملين بالمناجم ودارسي الحنطة يفهمون نصن الإنجيل وفي وسعهم أن يعلّموها للناس خيراً من قرية بأسرها... من الرهبان والقساوسة... أو المتفقهين في اللاهوت"، وأرد كارلشتادت يقول: "بل وخيراً من لوثر"(9). وتنبأت التقاويم وطائفة المنجمين بقيام ثورة عام 1524 وكأنها كانت بهذا تعطي إشارة البدء في العمل. ومما يذكر أن يوهانس كوكلايوس وهو عالم إنسانيات كاثوليكي حذر لوثر عام 1523 بأن "عامة الناس في المُدن والفلاحين في الأقاليم سوف يقومون لا محالة بثورة... إذ سممت أفكارهم الكتيبات والخطب التي لا تحصى والحافلة بالسباب والتي نشرت أو أعلنت بينهم بفصاحة وإطناب ضد السلطة البابوية والسلطة الزمنية على السواء"(10). ولكن لوثر والوعاظ ومؤلفي الكتيبات لم يكونوا السبب في الثورة لأن الأسباب إنما تكمن بحق في المظالم التي حاقت بطبقة الفلاحين، وإن كان من الممكن أن يقال إن إنجيل لوثر وأتباعه المتطرفين قد "صبوا الزيت على اللهب"(11) وحولوا استياء المضطهدين إلى أوهام يوتوبية وإلى عنف لم يكن في الحسبان وإلى انتقام شديد.

وتشبث سلوك توماس منتسر بكل إثارة حفل بها العصر، فما أن عين واعظاً في آلشتدت (1522) حتى طالب بإبادة الكفار - أي الأرثوذكس أو المحافظين - بحد السيف وقال: "إن الكفار لا حق لهم في العيش إلا بقدر ما تسمح لهم بهذا الصفوة"(12). واقترح على الأمراء أن يقودوا الشعب في ثورة شيوعية ضد رجال الدين والرأسماليين وعندما لم يظهر الأمراء أنهم أهل لانتهاز هذه الفرصة استنفر الناس لقلب الأمراء أيضاً "ولكي يقيموا مجتمعاً مهذباً كالمجتمع الذي كان يفكر فيه أفلاطون... وأبيليوس مؤلف "الحمار الذهبي"(13) وكتب يقول: "إن كل الأشياء على المشاع ويجب أن توزع حسب ما تقتضيه الحاجة وطبقاً للاحتياجات العديدة للجميع. وأي أمير أو كونت أو بارون يرغب عن قبول هذه الحقيقة بعد تذكيره بها في حزم يجب أن تقطع رأسه أو يشنق"(14). وتسامح الأمير المختار فردريك في هذا الإنجيل وعدّه من قبيل الهزل، ولكن أخاه الدوق جون وابن عمه الدوق جورج إنضما في الرأي إلى لوثر بضرورة إقصاء منتسر عن وظيفته كراعي أبرشية (1524) وأخذ الرسول الحانق يضرب في الأرض وينتقل من مدينة إلى مدينة ويعلن خلاص "إسرائيل" وقرب ظهور مملكة الرب على الأرض(15). ووجد في مدينة ميلهاوزن الحرة في نورينجيا مناخاً سياسياً لطيفاً. فهناك جمعت صناعة النسيج عدداً كبيراً من طبقة الكادحين، وكان هينريخ بفيفر، وهو راهب سابق، قد بدأ هناك حركة لانتزاع المجلس البلدي من أيدي الأقلية من الأشراف. وبشر منتسر ببرنامجه المتطرف عمال المدينة وطبقة الفلاحين في المناطق المجاورة، وفي يوم 17 من مارس عام 1525 خلع أتباع بفيفر ومنتسر المسلحون الأشراف وأقاموا "مجلساً دائماً" ليحكم ميلهاوزن.


وطبقاً لما يقوله ميلانكتون طرد المتطرفون المظفرون الرهبان وجردوا الكنيسة من أملاكها(16)، ومهما يكن من أمر فلم يكن من المستطاع الوثوق بعالم من علماء اللاهوت في هذا العصر، ليقدم بلا تحيز تقريراً عن أعمال الخصوم ووجهات نظرهم ولم تنشأ جامعة أمم (كومونويلث) شيوعية، وأثبت بفيفر أنه أقدر في الناحية العملية من منتسر، وطوع الثورة للوفاء بحاجات الطبقة المتوسطة. وتوقع منتسر مسبقاً مهاجمة الفرق الإمبراطورية، فنظم جيشاً من العمال والفلاحين وأعد له طائفة من رجال المدفعية الثقيلة في دير "الرهبان الحفاة" وكانت الصيحة التي أطلقها بين رجاله هي "إلى الأمام والحديد لا يزال ساخناً واجعلوا سيوفكم دائماً ساخنة بالدماء"(17). وفي نحو هذا الوقت نفسه كانت ثورات الفلاحين تزلزل جنوب ألمانيا، ولعل عاصفة البرد الهوجاء (1524) التي قضت على كل الآمال المعقودة لجني محصول في شتيلنجن كانت بمثابة الزناد الذي أشعل نار الثورة. ولم تكن هذه المقاطعة القريبة من شافهاوزن تبعد كثيراً عن سويسرة لكي يشعر أهلها مثل الفلاحين الأشداء الذين كانوا قد حرروا أنفسهم هناك من كل شيء إلا مظاهر السلطة الإقطاعية. وفي 24 أغسطس عام 1524 جمع هانزميلر حوله بعض الفلاحين من شتيلنجن بناء على إيحاء من منتسر وكون لهم رابطة باسم "الأخوة الانجيلية" وتعهد بتحرير المزارعين في أرجاء ألمانيا، وسرعان ما انظم إليهم المستأجرون الساخطون من راهب ريخيناو أسقف كونستانس وكونتات فردينبورج مونتفورت ولوبفين وسولتس. وما أن انتهى عام 1524 حتى كان هناك حوالي 30000 فلاح مدججين بالسلاح في جنوب ألمانيا، ورفضوا دفع الضرائب التي تفرضها الدولة وضرائب العشور الكنسية والضرائب الإقطاعية وأقسموا على الظفر بالحرية أو الموت.

"إلى سلام القارئ المسيحي ورحمة الله من خلال المسيح". هناك الكثيرون من المناهضين للمسيحية انتهزوا أخيراً فرصة انعقاد مجلس للفلاحين لازدراء الإنجيل قائلين أليس هذا ثمرة الإنجيل الجديد؟ وهل لابد ألا يمتثل أحد وأن يتمرد الجميع... لقلب السادة الروحيين والزمنيين أو ربما لقتلهم؟ إن كل النقاد الكافرين والأشرار يجدون الجواب على هذه الأسئلة في البنود التالية لكي يزيلوا أولاً هذا اللوم عن كلمة الله وثانياً ليبرروا بطريقة مسيحية عدم امتثال الفلاحين بل وثورتهم. فأولاً نعرب أن ملتمسنا وطلبنا المتواضع وأن إرادتنا ومشيئتنا جميعاً هي أن يتحقق لنا في المستقبل قوة وسلطان يهيئان لجماعة بأسرها أن تختار راعياً وأن تعينه وأن يكون لها الحق في عزله... ثانياً: بما أن ضريبة العشور قد نص عليها العهد القديم ووردت في العهد الجديد فإننا سوف... ندفع ضريبة العشر من الحبوب ولكن بطريقة صحيحة... وسوف يجمع هذه في المستقبل ويتسلمها رئيس كنيستنا الذي تعينه الجماعة ومن هذه الضريبة يجب أن يمنح الراعي... مرتباً متواضعاً وكافياً لمعيشته هو وأسرته... وأن يوزع الباقي على الفقراء والمحتاجين الذين يعيشون في القرية نفسها... أما ضريبة العشر الصغيرة فلن ندفعها على الإطلاق، لأن الله قد خلق الماشية لكي ينتفع بها الناس دون قيد... ثالثاً: لقد جرت العادة حتى الآن على أن يعتبرنا الناس متاعاً خاصاً لهم، وهذا أمر يدعو للأسى، لأن المسيح كفّر عن سيئاتنا جميعاً وافتدى بدمه الزكي المراق الأدنياء والعظماء على السواء... ومن ثم فإنه مما يتفق وتعاليم الكتاب المقدس أن نكون أحراراً ولسوف نحون أحراراً (هكذا)... ونحن نخضع عن طواعية لحكامنا المختارين والمعينين (الذين عينهم لنا الله) في جميع الأمور المسيحية الصحيحة ولا تخالجنا أية ريبة في أنهم سوف يحررونا من نير العبودية أو يريننا في الإنجيل أننا أرقاء...

سادساً: أن لنا شكوى مريرة بسبب الخدمات التي تتزايد من يوم إلى آخر... ثامناً: لقد لحق بنا ضرر بليغ لأن الكثيرين منا مستأجرون أراضي لا تكفي غلتها لسداد قيمة ما ندفعه من إيجار لها ولأن الفلاحين يتعرضون للخسارة والخراب. فليدع السادة أناساً من الشرفاء يفحصون الأراضي المستأجرة المذكورة ويحددون الإيجار العادل... لأن كل عامل يستحق أجره... عاشراً: لقد أصبنا بضرر بالغ لأن البعض انتزعوا لأنفسهم ملكية مراعٍ من الحقول المشاعة والتي كانت يوماً ملكاً للجماعة... حادي عشر: سوف نعمل على إلغاء الضرائب المفروضة على الوفاء إلغاءً تاماً. ولن نتحملها ولن نسمح بنهب أموال الأرامل والأيتام على هذا النحو المخجل. ثاني عشر: إذا تبين لنا أن ثمة خطأ في بند أو أكثر من البنود الموضحة بفضل كلمة الله فإننا نتراجع عنها إذا أيدت لنا هذا أدلة من الكتاب المقدس(18). وتشجع زعماء الفلاحين بتصريحات لوثر نصف الثورية وبعثوا إليه بنسخة من البنود وطلبوا منه أن يناصرهم، فرد عليهم بكتيب نشر في أبريل عام 1525 وعنوانه: "تنبيه إلى السلام" وأثنى على عرض الفلاحين بالخضوع لأي قصاص ينص عليه الكتاب المقدس وتعرض للاتهامات التي وجهت وقتذاك إلى خطبه ومقالاته بأنها قد أشعلت نار الثورة فأنكر مسئوليته عنها وأشار إلى أنه كان يحث الناس على الخضوع للسلطة الدينية ولكنه لم يسحب نقده للطبقة الحاكمة وقال: "لا يوجد على ظهر البسيطة مَن نشكره على هذه الثورة الخبيثة إلا أنتم أيها الأمراء والسادة، وبخاصة أنتم أيها الأساقفة العميان والقساوسة والرهبان المجانين يا مَن قست قلوبكم على الإنجيل المقدس رغم أنكم تعلمون أن ما جاء به صحيح وأنكم لا تستطيعون أن تدحضوه. وفضلاً عن هذا فإنكم في حكومتكم الزمنية لم تفعلوا شيئاً إلا التنكيل برعاياكم وسلب أموالهم لكي تنعموا بعيشة رغدة ترضي كبرياءكم. لقد فاضت الكأس حتى لم يعد الفقراء من عامة الناس يتحملون أكثر من ذلك. وإذن ما دمتم السبب في سخط الله فإن غضبه تعالى سوف يحيق بكم لا محالة إذا لم تصلحوا من وسائلكم في الوقت المناسب. إن الفلاحين يحشدون قواهم ولابد أن يؤدي هذا إلى خراب ألمانيا ودمارها وتحطيمها بقتل الناس في قسوة وسفك الدماء ما لم يقبل الله توبتنا ويجنبنا هذا المصير(19).

ونصح الأمراء والسادة الإقطاعيين بأن يعترفوا بعدالة كثير من البنود وحثهم على انتهاج سياسة تتسم بالرأفة، ووجه إلى الفلاحين خطاباً صريحاً أقر فيه بما أصابهم من أضرار، ولكنه توسل إليهم أن يحجموا عن استخدام العنف وعن الانتقام، وتنبأ بقوله إن الالتجاء إلى العنف سوف يترك الفلاحين في وضع أسوأ مما كانوا فيه من قبل. وتنبأ أيضاً بأن أي ثورة سوف تصم بالعار حركة الإصلاح الديني وأنه سوف يلام على كل شيء. وعارض استيلاء كل أبرشية على ضرائب العشور وقال إنه يجب على الناس الخضوع للسلطات إذ أن لها الحق في فرض ما تراه من ضرائب لمواجهة نفقات الحكومة وأن حرية الرجل المسيحي يجب أن تفهم على أنها حرية روحية لا تتعارض مع العبودية بل ولا الرق. وقال: ألم يتخذ إبراهيم وأبناؤه الآخرون والأنبياء عبيداً؟ اقرأ ما يعلمه لنا القدّيس بولس عن الخدم الذين كانوا جميعاً أرقاء في ذلك العهد... ومن ثم فإن بندكم الثالث لا يسري على الإنجيل فهذه المادة تساوي بين الناس جميعاً وهذا مستحيل، ذلك لأن مملكة دنيوية لا تستطيع أن تقف على قدميها ما لم تكن هناك درجات متفاوتة بين الأشخاص بحيث يكون البعض منهم أحراراً والبعض مسجونين والبعض سادة والآخرون رعايا(20). ولو اتبعت نصيحته الأخيرة لجنبت ألمانيا كثيراً من سفك الدماء والدمار:

"تخيروا من الأشراف بعض الكونتات واللوردات ومن المُدن بعض أعضاء المجلس وعالجوا هذه الأمور واحسموها بطريقة ودية. وأنتم أيها السادة تخلوا عن عنادكم واقلعوا قليلاً عن طغيانكم واضطهادكم حتى يتنفس الفقراء من الناس ويجدوا متسعاً للعيش. وعلى الفلاحين بدورهم أن يعلموا أنفسهم وأن يتخلوا عن بعض المطالب التي تدق على فهمهم وترتفع عن مستوى إدراكهم"(21). ومهما يكن من أمر فإن زعماء الفلاحين شعروا بأن الأوان قد فات للتراجع عما اعتزموه لأنهم سيتعرضون للعقاب عاجلاً أو آجلاً في أية مصالحة. وأحزنهم هذا التحول من لوثر وعدّوه خائناً واستمروا في الثورة. وتشبث بعضهم حرفياً بحلم المساواة: كان على الأشراف أن يجردوا قلاعهم من السلاح ويعيشوا كما يعيش الفلاحون وأوساط الناس وكان عليهم أن يكفوا عن امتطاء صهوات الجياد لأن هذا يرفعهم فوق مصاف أتباعهم. وكان لابد من إبلاغ القساوسة أنهم منذ ذلك الوقت خدم لرعايا أبرشياتهم لا سادة لهم وأنهم سوف يُطردون إذا لم يتشبثوا بنصوص الكتب المقدس فحسب(22). وانهالت المطالب بالبريد من العمال في المُدن، ونددت باحتكار الأغنياء للوظائف في المدينة، وباختلاس الموظفين المنحرفين للأموال العامة وبارتفاع الأسعار الدائم في الوقت الذي ظلّت فيه الأجور ثابتة لا تتغير. وقال أحد المتطرفين لسوف يكون من الخير لخلاص الروح ألا يكون البطارقة على هذه الدرجة من الثراء وألا يعيشوا في مثل هذه الرفاهية وأن تقسم أملاكهم على الفقراء. واقترح فندل هبلر وفردريك فايجانت تصفية كل أملاك الكنيسة للوفاء بالحاجات الدنيوية وأن تُلغى كل الرسوم للنقل والرسوم الجمركية وألا يُستخدم في كل أنحاء أوروبا إلا نوع واحد من السكة ونظام واحد من الأوزان والمكاييل(24).

وكان يتزعم هذه الحركة زعماء مختلفو المشارب: كان هناك إثنان من أصحاب الحانات هما جورج ميتزلر وميترن فويرباخر، وكان هناك جيكلاين رورباخ الخراط الطروب، وبعض قدامى الجنود والقساوسة السابقين وفارسان من عصبة سيكنجن المهزومة - فلوريان جيير وجيتزفون برليخنجن "ذو اليد الحديدية" وشاء القدر أن يقع اختيار هاوبتمان وجيته فيما بعد على هذين الرجلين فجعلا منهما بطلين لمسرحيات شائقة. وكان كل زعيم مطلق السلطان بين جماعته، وقلما كان يوفق بين عمله وعمل الآخرين، ومع ذلك فإن الثورة اشتعلت في ربيع عام 1525 في اثنتي عشرة منطقة متفرقة في نفس الوقت، واستولت جماعة من العمال على السلطة الإدارية في البلدية في هايلبرون وروتنبرج وفيرتسبورج، وأعلنت حكومة الكومون الظافرة في فرانكفورت على الماين أنها سوف تمثل منذ ذاك سلطة المجلس البلدي والعمدة والبابا والإمبراطور مجتمعين. وفي روثنبورج طرد القساوسة من الكاتدرائية وحطمت التماثيل الدينية وهدمت بيعة وسويت بالأرض (27 مارس سنة 1525) وأفرغ الناس مخازن النبيذ التي يملكها رجال الدين وهم منتشون بخمر النصر(25). وتخلت المُدن الخاضعة للسادة الإقطاعيين عن ولائها لهم ونادت المُدن الخاضعة للأساقفة بإنهاء امتيازات رجال الدين، وثارت غضباً مطالبة بتخصيص أملاك رجال الدين للأغراض الدنيوية، وانضمت دوقية فرانكونيا بأسرها تقريباً إلى الثورة. وأقسم كثير من السادة والأساقفة ممن لم يستعدوا للمقاومة، أنهم يقبلون المطلوبة منهم، وذلك من أمثال أساقفة سبيير وبامبرج ورهبان دير كمبتين ودير هرتسفيلد واعتنق الكونت ويليام الهنييرجي أرقاءه واستدعى الكونت جورج والكونت ألبرخت الهوهنلوهي للمثول أمام زعماء الفلاحين للانخراط في سلك الهيئة الجديدة وقالوا: "تعال هنا أيها الأخ جورج والأخ ألبرخت واقسما للفلاحين أن تكونا لهم كإخوة لأنكما لم تعودا الآن سيدين بل أصبحتما فلاحين"(26). واستقبلت معظم المُدن ثورات أهالي الريف بترحيب قلبي، وأيد الثورة كثير من رجال الدين من الرتب الدنيا الذين كانوا يمقتون السلطة الكهنوتية، ووقعت أول مواجهة خطيرة في لايبهايم على نهر الدانوب قرب أولم (4 أبريل سنة 1525) إذ استولى على المدينة 3000 فلاح تحت لواء قسيس ناشط هو جاكوب فيهى واحتسوا كل ما عثروا عليه من نبيذ ونهبوا الكنيسة وحطموا الأرغن وصنعوا لأنفسهم طزالق من الثياب الكهنوتية وبايعوا في سخرية واحداً من جمعهم أُجلس على المذبح، وارتدى مسوح قسيس(27). وقام بحصار لابهايم جيش من الجنود المرتزقة استأجرته العصبة السوابية ويقوده جورج فون تروخسيس وهو قائد قدير، وأفزع الفلاحين غير المدربين فاستسلموا وقطعت رؤوس فيها وأربعة من الزعماء الآخرين. أما الباقون فقد عفت العصبة عنهم، وإن كانت فرقها قد أحرقت كثيراً من أكواخ الفلاحين.

وفي يوم الجمعة الحزينة 15 أبريل سنة 1525 قام بحصار مدينة فايتسبرج (قرب هايلبرون) ثلاثة من جماعات الثوار تحت قيادة متسلرجيير ورورباخ، وكان يحكم هذه المدينة الكونت لودفيج فون هلفشتاين الذي كان يمقته الناس بسبب قسوته وشدته. واقترب من الأسوار وفد من الفلاحين وطلب المفاوضة فقام الكونت وفرسانه بهجوم مفاجئ وذبحوا كل أعضاء الوفد. وفي يوم الأحد الموافق لعيد الفصح اقتحم المهاجمون الأسوار بمساعدة بعض أهالي المدينة ومزقوا أجساد الأربعين رجلاً المدججين بالسلاح، والذين اهتموا بالمقاومة وأسر الكونت وزوجته (وهي ابنة الإمبراطور الراحل ماكسمليان) وستة عشر فارساً، وأصدر رورباخ، دون مشاورة متسلر أو جيير، أمراً للسبعة عشر رجلاً بالمرور بين صفين من الفلاحين المسلحين بالحراب لتأديبهم، وعرض الكونت أن يقدم كل أمواله فدية لهم ولكن هذا العرض رفض كوسيلة مؤقتة، وتوسلت إليه الكونتيسة في تذلل محموم أن يبقي على حياة زوجها ولكن رورباخ أمر اثنين من رجاله بأن يسنداها حتى تشهد نشوة الانتقام. وبينما كان الكونت يسير إلى حتفه وصل وابل من الخناجر والرماح ذكره الفلاحون بما ارتكب من أعمال وحشية وصاح أحدهم: "لقد ألقيت بأخي في غياهب اسجن لأنه لم يرفع قبعته من على رأسه وأنت تمر به". وصرخ آخرون: "لقد سخرتنا كالثيران في نير العبودية... لقد قطعت يدي والدي لأنه قتل أرنباً في حقلك... لقد داست خيولك وكلابك وصيادوك محاصيلي... لقد استنزفت منا آخر بنس لدينا". وفي خلال نصف الساعة القادمة لقي الستة عشر فارساً دتفهم بالمثل. أما الكونتيسة فقد سمح لها بأن تنسحب إلى دير(28).

كانت عصابات الفلاحين تثير الشغب في كل أرجاء ألمانيا تقريباً. ونهبت الأديرة أو أكرهت على دفع مبالغ كبيرة على سبيل الفدية. ويقول بعضهم في خطاب أرسل يوم 17 أبريل عام 1525: "في كل مكان يجاهر الثائرون... بنيتهم في قتل كل رجال الدين الذين لا يتنصلون من ولائهم للكنيسة ويعلنون عن عزمهم على تدمير كل الأديرة وقصور الأساقفة واستئصال شأفة الدين الكاثوليكي تماماً من البلاد"(29). ولعل في هذا شيئاً من المبالغة ولكن في وسعنا أن نسجل أن الثوار استولوا على كثير من المُدن وأكرهوا الأرشيدوق فرديناند على الموافقة على أن يكون الوعظ منذ ذلك الوقت طبقاً لنصوص الكتاب المقدس - وهو مطلب بروتستانتي خاص وذلك في بافاريا والنمسا والتيرول حيث لقيت البورتستانتية اضطهاداً ظاهراً. وفي ماينز فر كبير الأساقفة ألبرخت ولم يستطع مواجهة العاصفة وإن قام نائبه بإنقاذ كرسي الأسقفية وذلك بتوقيع المطالب الاثني عشر وبدفع فدية قدرها 15000 جيلدر، وفي الحادي عشر من شهر أبريل رفض أهالي مدينة بامبرج الاعتراف بسلطة الأسقف الإقطاعية ونهبوا قصره وأحرقوه وجردوا بيوت المحافظين من رجال الدين مما فيها وانتشرت الثورة في الألزاس انتشار النار في الهشيم، وما أن أشرف شهر أبريل على نهايته حتى أصبح كل كاثوليكي وكل ملك ثري في المقاطعة يخشى على حياته. وفي الثامن والعشرين من شهر أبريل هاجم جيش عدته 20000 من الفلاحين زايرن مقر أسقف ستراسبورج ونهبوا ديره وفي يوم 13 مايو استولوا على المدينة وأجبروا كل رجل رابع على الانضمام إليهم ورفضوا دفع كل ضرائب العشور وطالبوا بانتخاب جميع الموظفين فيما بعد عدا الإمبراطور عن طريق الاقتراع الشعبي وبأن يكونوا عرضة للعزل(30).

وفي بريكسين بالتيرول نظم ميكائيل جاسماير، وهو سكرتير سابق للأسقفية، ثورة هاجمت كل رجال الدين المحافظين ونهبت الدير المحلي (12 مايو) وظلّت عاماً تهدد الأمن، ولا يستطيع أحد قمعها. ويقول أحد المؤرخين في هذا العهد ممن كانوا لا يتعاطفون مع الثوار إنه في جميع أودية نهري اين واتش كانت هناك - جماهير غفيرة وصراخ وهرج شديدان وكان من الصعب على أي إنسان صالح أن يسير في الطرقات وقال إن السلب والنهب أصبحا شائعين إلى الحد الذي كان فيه الأتقياء يشعرون بالإغراء للاشتراك فيهما"(31). وفي فرايبورج - أم - برايسجاو نهب الفلاحون القلاع والأديرة وأكرهوا المدينة على الانضمام إلى "الاخوة الانجيلية"، (24 مايو) وفي الشهر نفسه أقصت عصابة من الفلاحين أسقف فيرتسبورج عن قصره وأقاموا وليمة بما عثروا عليه في مخازنه. وفي شهر يونيو أقي ماتياس لانج كبير الأساقفة المعروف بحبه للقتال من قصره إلى قلعته التي تشرف على المدينة، وفي نيوشتادت في البلاتينيت دعا الأمير المختار لودفيج زعماء الفلاحين للعشاء بعد أن أحاط به 8000 منهم واستجاب لمطالبهم دون امتعاض(32). وفي هذا قال أحد المعاصرين: "ها نحن أولاء نرى أهالي القرى وسيدهم يجلسون جنباً إلى جنب ويأكلون ويشربون معاً ويبدو أنه يكن لهم مشاعر الود وأنهم يبادلونه هذا الشعور.

وفي وسط هذا السيل من الأحداث أصدر لوثر من مطبعة فيتنبرج نحو منتصف مايو عام 1525 كتيباً عنوانه: "معارضة لجموع الفلاحين التي تقوم بالسلب والقتل". وأفزعت لهجته الحادة الأمير والفلاح والأسقف وعالم الإنسانيات على السواء فقد راعَ لوثر تزايد العصاة الساخطين وخشي وقوع انقلاب ضد كل سلطة شرعية وحكومة في ألمانيا وآلمته الاتهامات التي تقول إن تعاليمه الخاصة قد أطلقت الفيضان من عقاله فتحول وقتذاك دون تحفظ إلى جانب السادة المعرضين للخطر وقال: "لم أجسر في كتاب سابق على الحكم على الفلاحين لأنهم عرضوا أن يسلكوا الطريق المستقيم وأن يتعلموا... ولكن قبل أن أتطلع حولي تناسوا ما عرضوه وعمدوا إلى العنف وقاموا بالسلب والنهب واسلموا قيادهم إلى الهياج وتصرفوا كالكلاب المسعورة... إن ما يقومون به من عمل الشيطان بل إنه بصفة خاصة من عمل إبليس (منتسر) الذي يحكم في ميلهاوزن... يجب أن أبدأ بوضع خطاياهم أمام أعينهم... ثم يجب أن أعلم الحكام كيف يسوسون أنفسهم في هذه الظروف...

إن أي إنسان يمكن إثبات شغبه يعد خارجاً على سنة الله وقانون الإمبراطوريّة ومن ثم فإن أول مَن يقتله ويفعل خيراً ولا يرتكب إثماً... ذلك لأن الثورة تأتي معها بأرض مليئة بالقتل وسفك الدماء وترمل النساء وتيتم الأطفال وتقلب كل شيء رأساً على عقب... ولهذا دعوا أي إنسان يستطيع أن يقتل ويذبح ويطعن، سراً وعلناً، وضعوا نصب أعينكم أنه لا شيء أكثر فتكاً أو ضرراً أو خبثاً من الثورة... إن هذا لا يختلف عن حالة المرء الذي يجد نفسه مضطراً إلى قتل كلب مسعور وإذا لم تضربه فإنه سوف يقضي عليك ومعك بلد بأسره... ورفض التسليم بإجازة الكتاب المقدس المزعومة للشيوع وقال: "إن الإنجيل لا يجعل الأمتعة على الشيوع إلا بالنسبة لمن يفعلون، بإرادتهم الحرة، ما كان الرسل والحواريون يفعلونه في الإصحاح الرابع. إنهم لم يطلبوا مثل فلاحينا المجانين في سورة غضبهم عندما يطالبون بأن تكون أمتعة الآخرين سواء كانت لبيلاطس أم لهيرود - مشاعاً لهم وأنهم لم يطلبوا تطبيق هذا إلا على أمتعتهم. ومهما يكن من أمر فإن فلاحينا سوف يحصلون على أمتعة الآخرين باعتبارها مشاعاً لهم ويحتفظون بأمتعتهم لأنفسهم، فما أروع هؤلاء من مسيحيين! أعتقد أنه لم يبق الشيطان في الجحيم وان الشياطين جميعاً قد انطلقت إلى الفلاحين". أما الحكام الكثالكة فإنه عرض عليهم غفرانه إذا قضوا على العصاة دون محاكمة. وأوصى الحكام البروتستانت بالصلاة والندم والمفاوضة ولكن إذا ظل الفلاحون على عنادهم: "عندئذ سارعوا بامتشاق الحسام لأن أي أمير أو سيد يجب أن يتذكر في هذه الحالة أنه كاهن لله وأنه أداة نقمته تعالى (الرومان 13) الذي يمتشق من اجله الحسام لضرب رقاب هؤلاء الأتباع... وإذا كان في وسعه أن يعاقب ولا يفعل - حتى لو كان العقاب أن يستل الحياة ويسفك الدماء - فإنه يبوء بإثم كل جرائم القتل والشرور التي يرتكبها هؤلاء الأتباع... وعندئذ على الأتباع أن يستمروا بلا اكتراث ودون أن يعذبهم الضمير في النضال كالأبطال مادامت قلوبهم تحقق بين ضلوعهم... وإذا خطر لأحد أن هذا صعب جداً فليتذكر أن الثورة لا تحتمل وأن دمار العالم أمر متوقع في كل ساعة"(33).

وكان من سوء حظ لوثر أن تصل هذه الرسالة الغاضبة إلى قرائها في الوقت الذي بدأت فيه الطبقات المالكة في إخضاع الثورة. وتلقى المصلح ثناء لا يستحقه على الإرهاب بالقمع ومن غير المحتمل أن يكون السادة المعرضون للخطر قد تأثروا بالكتيب إذ كانوا بطبعهم يميلون إلى معاملة العصاة بقسوة تكون رادعاً لهم ولا تمحى ذكراها من أذهانهم وقد أخذوا بعض الوقت يعللون الفلاحين البسطاء بالوعود والأماني وبهذا أغروا الكثير من العصابات بالتفرق وفي غضون ذلك نظم السادة جيوشهم وسلحوها.

وفي ذروة الفتنة مات فردريك الأمير المختار (5 مايو عام 1525) وكان رجلاً هادئاً يؤثر السلام ويسلم بأنه هو وباقي الأمراء قد ظلموا الفلاحين ورفض أن ينضم إليهم في اتخاذ إجراءات الانتقام وترك لخلفه الدوق جون نصائح ملحة بالتزام الاعتدال، بيد أن الأمير المختار الجديد شعر بأن سياسة أخيه كانت تعتمد على اللين وهو أمر يجافي الحكمة فانضم بقواته إلى قوات هنري دوق برونزفيك وفيليب لاندجريف الهسي وزحفوا جميعاً لمهاجمة معسكر منتسر خارج ميلهاوزن. وكانت جيوش الخصوم لا تفوقهم إلا عدداً - كان كل منها يتكون من 8000 رجل من الأشداء بيد أن معظم الرجال في قوات الدوقات كانوا من الجنود المدربين، بينما كان الفلاحون، على الرغم من مدفعية منتسر البسيطة، يتسلحون بأسلحة ليست جيدة أو رديئة ويفتقرون إلى النظام ويتفشى بينهم الاضطراب بسبب ما يساورهم من رهبة بالسليقة. واعتمد منتسر على فصاحته ليقوي من عزائم الفلاحين وأمهم في الصلاة وفي ترتيل الأناشيد وأطلقت مدفعية الأمير أول ستار من نيرانها فصرعت مئات من الثوار وفر الباقون مذعورين إلى مدينة فرانكنهاوزن (15 مايو سنة 1525) وطاردهم المنتصرون وقتلوا منهم 5000 وحكم على ثلاثمائة أسير منهم بالإعدام فتشفع لهم نساؤهم والتمسوا العفو عنهم رحمة بهن، فأُجبن إلى طلبهن على شريطة أن تحطم النساء رأسي قسيسين كانا قد حرضا على الثورة وتم تنفيذ هذا بينما كان الدوقات المنتصرون يرقبون هذا المشهد(34). واختفى منتسر ثم قبض عليه وعذب حتى أقر بخطأ وسائله ثم قطع رأسه أمام القادة والأمراء ودافع بفيفر ومعه 1200 جندي عن مدينة ميلهاوزن ولكنهم غلبوا على أمرهم، وأُعدم بفيفر وباقي القواد أما المواطنون فقد نالوا العفو على أن يدفعوا فدية إجمالية قدها 40.000 جيلدر (1.000.000 دولار؟).


وفي غضون ذلك استولى طروخسيس على مدينة بيبلنجن (Boblingen) بطريقة المفاوضة وحول مدافعه من داخل أسوار المدينة وأطلقها على معسكر للثوار خارجها (12 مايو)، وأجهز فرسانه على الفلاحين الذين نجوا من نيران هذه المدفعية وقضى هذا على الثورة في فيرتمبرج. ثم تحول تروخسيس إلى فاينزبرج وأحرفها حتى سويت بالأرض وشوى في بطئ جسد جيكلاين رورباخ الذي تزعم "مذبحة فاينزبرج". ثم زحف طروخسيس ليهزم قوات الفلاحين في كينجز هوفن وأنجولشتادت هزيمة منكرة، واستولى على فيتسبورج وأطاح برؤوس واحد وثمانين من الثوار اختارهم ليكونوا عبرة للآخرين (5 يونيه). وفر فلوريان جيير من فيرتسبورج ليعيش في غياهب النسيان وظل أسطورة يرددها الناس في اعتزاز واستسلم جيتزفون برليخنجن في الوقت الملائم وعاش ليحارب مع شارل الخامس ضد الأتراك ومات على فراشه وفي قلعته بالغاً من العمر إثنين وثمانين عاماً (1526) وسقطت مدينة روثنبرج في 20 يونيه وسرعان ما تلتها مدينة ممينجن وسحقت الثورة في الألزاس بعد مصرع 2000 إلى 6000 رجل في ليبشتلين وتسابيرن (Zabern) (17-18 مايو) وما أن حل يوم 27 مايو حتى كان قد قتل نحو 20.000 فلاح في الألزاس وحدها وفي كثير من الحالات كان هواء المُدن تشيع فيه رائحة الموت(35) وأمر ماركجراف كاسينير Markograf Casimir بقطع رؤوس بعض مَن استسلم من فلاحيه وشنق البعض الآخر. وفي الحالات المخففة قطع أيديهم أو سمل عيونهم(36)، وتدخل الأمراء العقلاء في آخر الأمر في تخفيف همجية الانتقام، وفي نهاية شهر أغسطس أصدر المجلس النيابي في أوجسبورج أمراً كتابياً حث فيه على الاعتدال في توقيع العقوبات وفرض الغرامات وتساءل شريف فيلسوف قائلاً: "أين نجد فلاحين يقومون بالوفاء لأغراضنا إذا قتل كل الثوار؟"(37).

واستمرت الثورة عاماً في النمسا وفي يناير عام 1526 أعلن ميكائيل جاسمايين في أنحاء التيرول أعظم البرامج الثورية تطرفاً وقال: "يجب القضاء على كل الكفار (أي غير البروتستانت) الذين يضطهدون "كلمة الله" الحقة أو يظلمون الرجل العادي. ويجب أن تزول الصور والمزارات من الكنائس وأن تتلى القداسات ويجب أن تُهدم أسوار المُدن والأبراج والحصون وألا تبقى إلا القرى وأن يتمتع جميع الناس بالمساواة. ويجب اختيار الموظفين والقضاة بالاقتراع العام الذي يشترك فيه الذكور البالغون كما يجب إيقاف دفع الإيجارات والمكوس للسادة الإقطاعيين فوراً وأن تجمع ضرائب العشور على أن تُعطى لسلطات الكنيسة التي خضعت للإصلاح الديني وللفقراء. ويجب أن تحول الأديرة إلى مستشفيات أو مدارس، أما المناجم فيجب أن تؤمم وعلى الحكومة أن تحدد الأسعار(38). وقدر لجاسمايير أن يهزم التي أرسلت لقتاله باستراتيجية ذكية، واستمر هذا الحال بعض الوقت غير الفرق أن أعداءه تفوقوا عليه أخيراً في الدهاء وفر إلى إيطاليا وأفرد الأرشيدوق فرديناند ثمناً لرأسه وفاز بالمبلغ إثنان من القتلة الإسبانيين عندما اغتالاه في غرفته ببادوا (1528). ولم تفقد ألمانيا من الأرواح والأملاك ما فقدته في ثورة الفلاحين إلا في حرب الثلاثين عاماً. فقد هلك من الفلاحين وحدهم نحو 130.000 في ساحة القتال أو على نطع التكفير، وتم تنفيذ حكم الإعدام في 10.000 رجل تحت حكم العصبة السوابية. وامتلأت أعطاف جلاد تروخسيسس زهواً لأنه قتل بيديه المدربتين 1200 رجل محكوم عليه بالإعدام. أما الفلاحون أنفسهم فقد دمروا مئات القلاع والأديرة وأقفرت مئات القرى والمُدن من ساكنيها أو أصبحت خراباً بلقعاً أو فرضت عليها تعويضات باهظة، وتشرد ما يزيد على 50.000 فلاح وأخذوا يهيمون في الطرقات العامة أو يختبئون في الغابات، وترملت آلاف النساء وتيتم الآلاف من الأطفال ولكن قلوب المحسنين لم ترق لهم، أو لعل جيوبهم كانت خاوية وكان المتمردون قد أحرقوا في كثير من الحالات المواثيق التي تسجل الضرائب المستحقة عليهم للسادة الإقطاعيين فحررت وثائق جديدة أحيت من جديد هذه الالتزامات وكانت في بعض الحالات أكثر رفقاً بهم وفي أحيان أخرى أكثر تشدداً عما كانت عليه من قبل ومنحت امتيازات للفلاحين في النمسا وبادن وهس أما في المناطق الأخرى فقد اشتد أزر العبودية وقدر لها أن تستمر شرق الألب حتى القرن التاسع عشر. وأجهضت بوادر الديمقراطية وقمع الحركات الفكرية واشتدت الرقابة على النشر في عهد السلطات الكاثوليكية والبروتستانتية على السواء. وفقدت النزعة الإنسانية قوتها وأخلت لهجة عصر النهضة في الحياة والأدب الحب السبيل إلى اللاهوت والورع والتأمل في الموت. واندثر الإصلاح الديني نفسه أو كاد يندثر في حرب الفلاحين. وعلى الرغم من المتنصلين من لوثر والتشهير به فغن الثورة تألقت بألوان وأفكار بروتستانتية: وكانت التطلعات الاقتصادية تغلف بعبارات أضفى عليها لوثر مسحة من القداسة ولم تكن الشيوعية إلا مجرد عودة إلى الإنجيل. وفسر شارل الخامس "الثورة" بأنها "حركة لوثرية"(39) واعتبر المحافظون نزع البروتستانت ملكية رجال الدين بمثابة أعمال ثورية تقف على قدم المساواة مع نهب الفلاحين للأديرة. وفي الجنوب جدد الأمراء والسادة الذين استبد بهم الفزع ولاءهم للكنيسة الرومانية. وفي أماكن عديدة مثل بامبرج وفيرتسبورج اعدم رجال حتى من طبقة الملاّك لأنهم اعتنقوا اللوثرية(40). وقلب الفلاحون أنفسهم ظهر المجن للإصلاح الديني وعدوه غواية وخيانة، وأطلق بعضهم على لوثر اسم "الدكتور ليجثر" أي "الدكتور الكذاب" و "المنافق صنيعة الأمراء"(41). وظل سنوات بعد الثورة لا يحظى بأي شعبية حتى انه قل ما كان يجرؤ على مغادرة فيتنبرج ولو كان هذا لكي يحضر وفاة والده على فراشه (1530). وكتب يقول (15 يونيه عام 1525) "لقد نسوا كل ما فعله الله للناس عن طريقي والآن ها هم السادة والقساوسة والفلاحون يتجمعون كلهم ضدي ويتوعدونني بالموت"(42).


ولم يكن من شيمته أن يسلّم أو يعتذر. وفي يوم 30 مايو عام 1525 كتب إلى نيكولاس أمسد ورف يقول: "في رأيي أنه من الخير أن يُقتل الفلاحون جميعاً ولا يهلك الأمراء والحكام لأن أهل الريف امتشقوا السيف دون أن يعتصموا بسلطان إلهي"(43). وفي يوليو عام 1525 نشر "خطاباً مفتوحاً بشأن الكتاب الصعب ضد الفلاحين". وقال إن مَن ينتقدونه لا يستحقون الرد عليهم فقد كشفت انتقاداتهم أنهم ثائرون في قرارة نفوسهم مثل الفلاحين وأنهم لا يستحقون الرحمة، وقال: "ينبغي أن يأخذ الحكام بتلابيب هؤلاء الناس ويجبرونهم على إمساك ألسنتهم"(44). "دار بخلدهم أن هذا الرد صعب جداً وأن هذا تحريف للكلام ولا يقصد به غلا تكميم أفواه الناس فإني أجيب بأن هذا صحيح، إن أي ثائر لا يستحق عناء الرد عليه لأنه لن يتقبل الجدل. والرد على مثل هذا الفم هو لكمة تدمي الأنف، إن الفلاحين لن يصيخوا السمع، ففي آذانهم وقر ويجب أن تفتح بطلقات الرصاص حتى تقفز رؤوسهم من فوق أكتافهم. إن مثل هؤلاء التلاميذ في حاجة إلى تأديب بمثل هذه العصى. إن مَن لا يستمع إلى كلمة الله عندما ترتل برفق يجب أن يستمع إلى الجلاد عندما يأتي ومعه الفأس... أما عن الرحمة فأنا لن اسمع أو أعرف شيئاً ولكني سوف أهتم بإرادة الله التي تتضمنها كلمته... إذا شاء جل وعلا أن يصب عليك جام نقمته وأن يحجب عنك رحمته، فيما تفيدك الرحمة؟ ألم يأثم شاؤول بإبداء الرحمة لعماليق عندما فشل في تنفيذ غضب الله كما أمر؟ وأنتم يا مَن ترفعون عقيرتكم مطالبين بالرحمة وتمتدحونها مدحاً شديداً لماذا لم تنادوا بها عندما كان الفلاحون ساخطين، يقتلون ويسرقون ويحرقون وينهبون حتى أصبح الناس يفزعون لمرآهم أو عند سماع أخبارهم؟ لماذا لم يبدوا الرحمة للأمراء والسادة الذين أرادوا أن يقضوا عليهم قضاء مبرماً؟". واستطرد لوثر يقول إن الرحمة واجبة على المسيحيين في شؤونهم الخاصة، أما باعتبارهم من موظفي الدولة فيجب أن يراعوا العدالة أكثر من الرحمة لأن الإنسان منذ عصى آدم وحواء ربهما، فطر على الشر إلى حد أنه غدا في حاجة إلى حكومة وقوانين وعقوبات لكبح جماحه. إننا ندين بالاحترام للجماعة التي تتهددها الجريمة أكثر مما ندين للمجرمين الذين يهددون الجماعة.

"لو تحققت نيات الفلاحين فلن يكون هناك رجل شريف في مأمن منهم ولكن على كل مَن يملك فلساً أكثر من أي إنسان آخر أن يقاسي بسبب هذا. لقد بدأوا هذا الأمر وما كانوا ليتوقفوا هناك، لسوف يجلل العار النساء والأطفال ولسوف يتعودون أيضاً على قتل أحدهم الآخر، ولن يكون هناك سلام أو أمان في أي مكان. هل سمع أحد عن شيء لا يمكن كبح جماحه أكثر من غوغاء من الفلاحين عندما تمتلئ بطونهم ويملكون زمام السلطة؟... إن الحمار يتلقى الضربات أما الناس فيحكمون بالقوة"(45).

وقد تصدمنا اليوم عبارات لوثر المتطرفة حول حرب الفلاحين لأن النظام الاجتماعي توطد بحيث نفترض استمراره ونستطيع أن نعامل برفق هؤلاء القلائل الذين يعكرون صفوه بعنف، ولكن لوثر واجه الحقيقة القاسية وهي أن عصابات الفلاحين تحول شكاواها العادلة إلى نهب لا يفرق بين العدو والصديق وتهدد بخرق القانون وقلب الحكومة والإنتاج والتوزيع في ألمانيا. وبررت الحوادث تحذيره بأن الثورة الدينية التي خاطر من أجلها بحياته سوف تتعرض للخطر الشديد بسبب الرجعية المحافظة التي كانت مضطرة إلى أن تتبع ثورة فاشلة. وربما شعر بأنه مدين شخصياً بعض الشيء للأمراء والأشراف الذين كانوا قد أسبغوا عليه الحماية في كينبرج ورومس والفارتبورج، ولعله كان يتساءل مَن ينقذه من شارل الخامس وكليمنت السابع إذا كفت سلطة الأمراء عن حماية الإصلاح الديني، والحرية الوحيدة التي رأى إنها تستحق الكفاح من أجلها هي حرية عبادة الله والتماس الخلاص طبقاً لما يمليه ضمير المرء.

وأية أهمية في أن يكون المرء أميراً أو عبداً في هذا الموجز للحياة الأبدية؟ إننا يجب أن نتقبل حالتنا هنا دون تذمر مرتبطين بالجسد والواجب ولكن متحررين روحياً وبرحمة الله.

ومع ذلك فقد كان للفلاحين قضية ضده إذ أنه لم يتنبأ بالثورة الاجتماعية فحسب بل قال إنها لن تسوءه وإنه سوف يحييها بابتسامة حتى لو غسل الناس أيديهم في دماء الأساقفة، ثم إنه كان قد قام بثورة أيضاً وعرض النظام الاجتماعي للخطر بل وسخر من سلطة لا تقل قداسة عن سلطة الدولة. ولم يقم بأي اعتراض على نزع السلطة الزمنية للملكية رجال الدين فكيف كان في وسع الفلاحين أن يكون لهم حظ أفضل إذا لم يلجأوا إلى القوة ما دام حق التصويت كان محرماً عليهم ومادام مضطهدوهم كانوا يلجأون إلى القوة. لقد أحس الفلاحيون أن الدين الجديد قد أضفى صفة القداسة على قضيتهم، وأثار فيهم الأمل ودفعهم إلى العمل ثم تخلى عنهم في الساعة الحاسة الحاسمة. وفي يأس غاضب اصبح بعضهم ملحداً ساخراً(46) وعاد كثيراً منهم أو من أطفالهم برعاية اليسوعيين إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. واتبع بعضهم المتطرفين الذين أدانهم لوثر وسمعوا وهم يتلون العهد الجديد دعوة إلى الشيوعية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اللامعمدانيون يجربون الشيوعية (1534 - 1536)

لا نستطيع أن ندرك مدا الحماسة التي صاحبت الأقليات المتدينة الثائرة، في تحزبها لانقلاب واحد أو آخر من انقلابات الثورة الدينية في القرن السادس عشر، ولو أدى بها إلى الموت على الخازوق، إلا إذا لاحظنا مدى الحماسة المتأججة التي يعتنق به معاصرونا الهرطقات الاقتصادية. وقد اتخذت أشد الوظائف الجديدة تطرفاً اسم اللامعمدانيين (المعمدين من جديد)، وذلك من إصرارها على أن التعميد، إذا تلقاه المرء في طفولته، يجب أن تعاد مراسيمه عند البلوغ، بل إن من الخير أن يؤجل، كما فعل يوحنا المعمدان، إلى أن يتمكن المتلقي الراشد من اعتناق العقيدة المسيحية بعلمه واختياره.

وكانت هناك طوائف انشعبت إليها هذه الطائفة. أما الذين اتبعوا هانز دنك ولودفيج هيتزر فقد أنكروا ألوهية المسيح: فهو في نظرهم ليس إلا أشد الناس ورعاً وقد كفّر عن خطايانا لا بعذابه فوق الصليب، ولكن لأنه كان قدوة لنا في حياته(47) ورفع دنك من قدر ضمير الفرد، وجعله فوق الكنيسة والدولة، بل والكتاب المقدس ذاته. واتبع معظم اللامعمدانيين منهجاً تطهرياً، يتسم بتزمت في الأخلاق، وبساطة في السلوك والزي. ولقد شجعهم رأي لوثر المتهور القائل بحرية المسيحيين، فأدانوا كل حكم يقوم على العنف واستنكروا كل مقاومة للحكومة بالعنف، ورفضوا قبول الخدمة العسكرية، على أساس أن المرء يرتكب إثماً لا شك فيه، إذا قضى على حياة إنسان. أبوا أن يحلفوا اليمين مثل المسيحيين الأوائل، ولم يستثنوا من هذا القسم يمين الولاء للأمير أو الإمبراطور. وكانت تحيتهم العادية "سلام الله عليك" وهي ترديد للتحية عند اليهود والمسلمين، وتعد التحية الرائدة للصيغة التي اتخذتها طائفة الكويكر. وفي الوقت الذي اتفق فيه لوثر وزونجلي وكالفن ونوكس مع البابوات على عبث التسامح الديني، أخذ اللامعمدانيون يبشرون به بل ويمارسونه، وكتب أحدهم وهو بالتازار هيبماير أو دفاع عنه عام 1524(48). وأعرضوا عن الالتجاء إلى رجال الإدارة ورفع الدعاوى... كانوا فوضويين تولستويين قبل ظهر تولستوي بثلاثة قرون، وبعد ظهر بيتر شيلتسكي بقرن كامل، ولعلهم قبسوا منه عقيدتهم. وورث بعض اللامعمدانيين، عن وعي أو غير وعي، عقيدة التابوريين البوهيميين أو الأخوان المورافيين، ونادوا بشيوعية الأمتعة(49). وإذا صدقنا ما قاله المؤرخون من الخصوم فإن قلة منهم اقترحت شيوعية الزوجات(50). ومهما يكن من أمر فإن الطائفة رفضت بصفة عامة أية مشاركة إجبارية في الامتعة، ودافعت عن مبدأ العون الاختياري المتبادل. وتمسكت بأن الشيوعية سوف تكون آلية وشاملة في ملكوت السماء(51).

ولقد استلهمت كل جماعات اللامعمدانيين سفر الرؤيا. وتوقع عودة المسيح المبكرة بصفة يقينية إلى الأرض. وأكد كثير من المؤمنين أنهم يعرفون موعد مجيئه. وحددوا الساعة واليوم. ومن هنا كان لابد من القضاء على كل الكفار - وهم هنا كل الناس ما عدا اللامعمدانيين - بحد سيف الرب، ولابد أن يعيش الصفوة يحفهم المجد في فردوس أرضي بلا قوانين ولا زواج. وينعمون بفيض زاخر من أطايب كل شيء(52). وعلى هذا فإن الناس الذين يحدوهم هذا الأمل سلحوا أنفسهم ضد الكدح ووحدانية الزوجة.

وظهر اللامعمدانيون لأول مرة في سويسرا. ولعل مسيحية تدعوا إلى السلام قد تسربت من ثورة الولدان في جنوب فرنسا والبيغارد في الأراضي المنخفضة، وتبنى قليل من المثقفين هنا وهناك كما في بازل فكرة إقامة مجتمع شيوعي. ولعل بعض الفقرات الشيوعية في "المدينة الفاضلة"، كما صورها مور، قد حفزت العلماء الذين تجمعوا حول أرازموس هناك، وأصبح ثلاثة من أعضاء تلك الحلقة زعماء لامعمدانيين وهم: كونراد جريبل وفيلكس مانز الزيوريخي وبالتازار هيبماير الوالد شوتي في حدود النمسا المواجهة. وفي 1524 زار مينزر والد شوت وجاء كارتشاتادت إلى زيورخ، وتكونت طائفة من اللامعمدانيين في زيورخ باسم "الروحانيين" أو "الإخوان"، وأخذت تبشر بالتعميد عند البلوغ وبمجيء المسيح، ورفضت الاعتراف بالكنيسة والدولة، واقترحت وضع نهاية لتقاضي الفائدة والضرائب وإلغاء الخدمة العسكرية وضرائب العشور وتحريم حلف اليمين.

ولقد كان أولريخ زونجلي في ذلك الوقت يكسب إلى صفه مجلس زيورخ الكبير، ويستميله لآرائه البروتستانتية، التي تضمنت إشراف السلطات الزمنية على الدين، وناشد "الإخوان" أن يخففوا من كراهيتهم للدولة وأن يقبلوا التعميد في الطفولة، ولكنهم أبوا. واستدعاهم المجلس إلى مناظرة عامة (17 يناير سنة 1525)، وعندما فشل في تحويلهم عن آرائهم، أمر بأن يغادر المدينة آباء الأطفال الذين لم يعمّدوا. وندد اللامعمدانيون بالمجلس، وأطلقوا على زونجيلي لقب التنين العجوز، وتظاهروا في الطرقات وهم يصيحون "الويل لزيورخ!"(53). واعتقل زعمائهم ونفوا عن المدينة، وأتاح لهم هذا نشر عقائدهم، وتولى سانت - جول وابنتسيل الحركة، وأثارت هذه برن وبازيل وكسب هيبماير إلى صفه والدشوت بأسرها، وجلس في ابنتسيل 1200 رجل وامرأة ممن ارتضوا حرفياً كلمات المسيح: "لا تحمل هماً لطعامك" وأخذوا ينتظرون أن يأتي الله ويطعمهم(54). وليس من شك فبي أن النجاح الظاهر الذي أحرزته حرب الفلاحين في ربيع عام 1525 وقد رفع من شأن هذه التحولات، ولكن فشلها شجع طبقات الملاّك في المُدن السويسرية على اتخاذ إجراءات قمع مشددة، واعتقل مجلس زيورخ مانز (يوليو)، ثم جريبل، ثم هيبماير، وأمر بزج كل اللامعمدانيين المتشبثين بآرائهم في سجن البرج، ليعيشوا على الخبز القفار والماء وان "يتركوا حتى يموتوا وتبلى أجسادهم"(55). وحدث هذا لجريبل وأغرق مانز، أما هيبماير فقد عدل عن رايه واطلق سراحه، وأنكر ردته وأخذ على عاتقه أن يهدي أهل أوجسبورج ومورافيا، وقطع رأس هيتزر في كونستانس بتهمة اللامعمدانية والزنى - وأظهرت المقاطعات التي تدين بالبروتستانتية والكاثوليكية أنها لم تكن أقل نشاطاً في قمع هذه الطائفة، وما أن حل عام 1530 حتى لم يبقَ في سويسرة إلا عصابات سرية لا يؤبه لها.

وفي غضون ذلك كانت الحركة قد انتشرت، كما تنتشر أي إشاعة، في أنحاء جنوب ألمانيا، وتملكت المرتدين حماسة فياضة للقيام بدعاية للمذهب الإنجيلي، وحولهم ذلك إلى رسل متحمسين للعقيدة الجديدة. وأحرز دنك وهيبماير في أوجسبورج نجاحاً سريعاً بين عمال النسيج والطبقة الوسطى الدنيا، وما أن قارن كثير من عمال المناجم في التيرول ما هم فيه من مسغبة، وما ينعم به من ثراء آل فوجر وآل هوخشتتر، الذين كانوا يملكون المناجم، حتى اعتنقوا اللامعمدانية عندما انهارت ثورة الفلاحين، أما في ستراسبورج فإن الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت أتاح للطائفة أن تتضاعف دون أن يلحظ ذلك أحد لبعض الوقت. إلا أن كتيباً صدر عام 1528 حذر السلطات من أن "مَن يعلم الناس أن كل الأشياء يجب أن تكون على المشاع لا يخطر بباله إلا إثارة الفقراء ضد الأغنياء، والرعايا ضد الحكام الذين عينهم الله"(56). وفي هذا العام أصدر شارل الخامس مرسوماً ينص على أن إعادة التعميد تُعَد جريمة عظمى. وصدق مجلس سبيير Speyer النيابي (1529) على مرسوم الإمبراطور وأمر بإعدام اللامعمدانيين أينما وجدوا وحالما يقبض عليهم كما يقضى على الوحوش المفترسة، ذلك دون أية محاكمة. وكتب مؤرخ لامعمداني تحقيقاً عن النتيجة، ولعله كان مغالياً، بأسلوب كتاب سير القديسين المسيحيين الأوائل: عُذّب البعض على المخلعة، وشُدّت أطرافهم حتى انتزعت، وأُحرق البعض الآخر حتى غدت أجسادهم رماداً وهباء منثوراً، وشوي لحم البعض فوق أعمدة أو مزقوا إرباً بكماشات ملتهبة إلى درجة الاحمرار... وشنق آخرون فوق الأشجار، أو قطعت رؤوسهم بالسيف أو ألقي بهم في لجة الماء... ومات بعضهم جوعاً أو هلكوا في غياهب السجون المظلمة... وأعتُبر البعض منهم أصغر سناً من أن ينفذ فيهم حكم الإعدام فضربوا بالعصي، وظل الكثيرون منهم سنوات في غياهب السجون... وختمت على خدودهم أرقام تركت فيها أخاديد... أما الباقون فقد طوردوا كالبوم والغربان، التي لا تجرؤ على الطيران بالنهار واضطروا في أغلب الأوقات إلى الاختفاء والعيش بين الصخور والشقوق أو في الغابات أو في الكهوف والحفر(57)...

ويقول سابستيان فرانك أحد المعاصرين أنه ما أن حل عام 1530 حتى كان 2000 لامعمداني قد نُفذ فيهم حكم الإعدام، وفي أنزيشايم إحدى مُدن الألزاس أُعدم 600، وفي سالزبورج سُمح لمن تاب منهم بأن يقطع رأسه قبل وضعه على المحرقة، أما الذين لم يتوبوا فقد شويت أجسادهم على نار بطيئة حتى لاقوا حتفهم (1528)(58). وألف اللامعمدانيون أناشيد مؤثرة للإشادة بذكر هذه الحوادث، التي استشهد فيها الآلاف واصبح معظم مؤلفي هذه الأناشيد شهداء بدورهم.

وعلى الرغم من هذه المذابح فإن الطائفة ازدادت عددا، وانتقلت إلى شمالي ألمانيا. ورحب بعض الأشراف في بروسيا وفيرتمبورج باللامعمدانيين باعتبارهم فلاحين مسالمين مجتهدين. ويقول أحد المؤرخين الأوائل من أنصار لوثر إن وادي الفيرا في ساكسونيا كان يزخر بهم، وأنهم زعموا في أرفورت أنهم أوفدوا 300 مبعوث لهداية الناس المشرفين على الهلاك. وفي ليبيك سيطر جيرجن فولنفيفر المتهم باللامعمدانية على المدينة (1533-34). وفي مورافيا أحرز هيبماير تقدماً لعقيدته المعتدلة التي فسرت الشيوعية بأنها ليست الملكية على المشاع، بل الاستمساك بأن "على المرء أن يطعم الجائع ويروي ضمأ العطشان ويكسو العاري لأننا في الحقيقة لسنا مطلقي التصرف في ممتلكاتنا ولكننا وكلاء أو موزعون لها فحسب". وكسب هانزهوت(59)، الذي ألهبته تعاليم منتسر، قلوب اللامعمدانيين في مورافيا من هيبماير بتبشيرهم بشيوعية كاملة في الأمتعة. وأعاد هيبماير إلى فيينا، حيث أُحرق على السارية وأُلقي بزوجته وهي مقيدة الأطراف في نهر الدانوب (1538).

وأسس هوت وأتباعه مركزاً شيوعياً في أوستراليتز، حيث رفضوا قبول كل خدمة عسكرية، وكأنهم كانوا يتنبئون بمجيء نابليون، ونددوا بكل صورة من صور الحرب، واقتصر هؤلاء اللامعمدانيون في أعمالهم على فلاحة الأرض والأعمال الصغيرة، وحافظوا على شيوعيتهم زهاء قرن تقريباً. واسبغ الأشراف من ملاّك الأراضي حمايتهم عليهم، لأنهم كانوا يثرون الضياع بكدحهم الواعي. وكانوا يقومون بالمشاركة في الزراعة، ويشتري لهم موظفو الكومون المواد اللازمة للزراعة وللحرف اليدوية، ويوزعونها عليهم ويدفع جانب من ثمن بيع المنتجات كإيجار للمالك ويوزع الباقي طبقاً لحاجة كل فرد ولم تكن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية بل البيت، وكان يحتوي على عدد يتراوح بين 400، 2000 شخص وفيه مطبخ مشترك ومغسل ومدرسة ومستشفى ومعصرة للخمر يشترك فيها الجميع. وكان الأطفال بعد فطامهم يربون بلا فوارق بينهم وإن ظل تحريم تعدد الزوجات كما هو. ومنع هذا المجتمع الشيوعي بمرسوم إمبراطوري صدر عام 1622 في حرب الثلاثين عاماً، وخُيّر أعضاؤه بين أن يعتنقوا الكاثوليكية أو ينفوا من البلاد. وذهب بعض المنفيين إلى روسيا، وذهب البعض الآخر إلى المجر ولسوف نسمع عنهم مرة أخرى.

وفي الأراضي المنخفضة بشر ملشيور هوفمان، وهو دباغ من سوابيا، بإنجيل لامعمداني لاقى نجاحاً فائقاً. وانتهى تلميذه جان ماتيس في ليدن إلى الرأي القائل بأنه لن يكون في الوسع الانتظار في أناة لمجيء أورشليم جديدة، بل يجب المبادرة إلى تحقيقها فوراً وبالقوة إذا لزم الأمر. وأوفد في أرجاء هولندة اثني عشر رسولاً لإعلان الأخبار السارة، وكان أقدرهم حائكاً صغير السن يدعى جان يويكلزون المعروف في التاريخ باسم جون الليديني وفي أوبرا ميير بير باسم (النبي). وكان، دون أن يتلقى تعليماً نظامياً، حاد الذهن خصيب الخيال وسيم الهيئة ذرب اللسان قوي الإرادة. وكتب مسرحيات أخرجها بنفسه، ونظم الشعر، وعندما وقعت في يده كتابات توماس منتسر شعر بأن كل أشكال المسيحية، التي تختلف عما كان ميلهاوزن قد حصلها وفقدها، تفتقر إلى الحمية والإخلاص. وسمع ما قاله جان ماتيس وغدا نصيراً للامعمدانية (1533). وكان وقتذاك في الرابعة والعشرين من عمره وفي تلك السنة قبل دعوة مشئومة للحضور إلى منستر عاصمة وستفاليا الغنية الآهلة بالسكان لإلقاء عظاته.

وكانت منستر، بحكم تسميتها باسم الدير الذي نمت حوله، تابعة إقطاعياً لأسقفها ولرجال الكاتدرائية، ومع ذلك فإن نمو الصناعة والتجارة قد استحدثت فيها درجة من الديمقراطية. فقد كانت حشود الوطنيين، الذين يمثلون سبع عشرة طائفة حرفية، يختارون كل عام عشرة من المنتخبين، وكانوا بدورهم يختارون مجلس المدينة. ولكن الأقلية الثرية كان يتوفر فيها الجانب الأكبر من الكفاية السياسية، ومن الطبيعي أن تسيطر على المجلس. وفي عام 1525 قدمت الطبقات الدنيا في غمرة حماستها لثورات الفلاحين ستة وثلاثين مطلباً إلى المجلس فسلم لها بالقليل منها وسخر من الباقي وأرجأ النظر فيها، وأقام برنارد روتمان، وهو واعظ من أنصار لوثر، من نفسه لسان حال هذا التذمر، وطلب من جان ماتيس أن يوفد بعض اللامعمدانيين الهولنديين لنصرته. فجاء جون الليديني (13 يناير سنة 1534) وسرعان ما اقبل جان ماتيس بنفسه. وخشي "حزب النظام" حدوث تمرد فأعد العدة لكي يدخل الأسقف فرانزفون فالديك المدينة مع 2000 من جنوده، فحاربهم الأهلون بقيادة ماتيس وروتمان وجون الليديني في الطرقات، وأجلوهم عن المدينة، وسيطروا عسكرياً على منستر (10 فبراير سنة 1534). وأجريت انتخابات جديدة وفاز اللامعمدانيون بالمجلس واختير اثنان منهم وهما كنيبر دولنجك وكيبفبرويك عمدتين وبدأت التجربة المنيرة.


ووجدت منستر نفسها على الفور في حالة حرب، يحاصرها الأسقف وجيشه المدعم، وفي حالة فزع من أن تتحد سريعاً كل قوى النظام والتقاليد في ألمانيا ضدها. ولكي يحمي المجلس الجديد نفسه ضد المعارضة الداخلية اصدر مرسوماً يقضي بأن يخير جميع المعارضين اللامعمدانيين بين قبول إعادة التعميد أو مغادرة المدينة. وكان هذا إجراءاً قاسياً لأنه كان يعني إكراه الشيوخ، والنساء الحاملات للأطفال، والأطفال الحفاة إلى الركوب أو السعي مشياً من المدينة إلى قلب الشتاء بألمانيا. وخلال هذا الحصار أعدم كلا الجانبين بلا رحمة أي شخص وجدوه يعمل لصالح العدو. وألغى المجلس تحت وطأة الحرب وحل محله مجلس شعبي ولجنة تنفيذية للأمن، وكان يرأس كلاً منهما زعماء من رجال الدين. ولقي ماتيس حتفه وهو يقاتل في هجوم فاشل لفك الحصار (5 أبريل سنة 1534) ومن ثم تولى جون الليديني حكم المدينة باعتباره ملكاً لها.

وكانت الشيوعية التي أرست دعائمها وقتذاك تعني اقتصاد الحرب، ولعل هذا ما يجب أن تكون عليه كل شيوعية صارمة، ذلك لأن الناس ليسوا متساوين بفطرتهم، ولا يمكن إغراؤهم بمشاطرة الآخرين أمتعتهم وثرواتهم إلا عندما يستشعرون خطراً جوهرياً مشتركاً، وتتفاوت الحرية في الداخل بتفاوت الأمن في الخارج وتتحطم الشيوعية تحت وطأة السلام. وخشي المحاصرون أن يفقدوا حياتهم إذا لم تتحقق لهم الوحدة، واستهوتهم العقيدة الدينية والفصاحة التي لا مفر منها، فقبلوا حكومة دينية اشتراكية(60)، وكان يراودهم أمل يائس بأنهم إنما يحققون القدس الجديدة، التي وردت في سفر الرؤيا. وأطلق على أعضاء لجنة الأمن العام اسم أكابر الأسباط الأثني عشر لإسرائيل، وأصبح جون الليديني ملك إسرائيل، ولعل جون أراد أن يُدخل في أذهان البسطاء معنى من معاني الوقار المفيد لمنصبه المقلقل فارتدى هو وأعوانه ملابس فخمة تركها لهم بعض السراة من المنفيين، واتهم الأعداء الزعماء المتطرفين بأنهم كانوا متخمين في الوقت الذي أشرف فيه الأهالي المحاصرون على الموت جوعاً، والدليل غير مقنع وذلك لأن الزعماء يستشعرون دائماً بأن عليهم التزاماً ملحاً بالمحافظة على صحتهم. وقد وزع الجانب الأكبر من أدوات الترف المصادرة على الشعب. وكتب أحدهم "يقول إن أفقر الناس منا كانوا يطوفون وهم يرتدون ثياباً فاخرة"(61) ثم ماتوا جوعاً في شيء من الأبهة.

وبطريقة أخرى كانت الشيوعية في منستر محدودة وتحت الاختبار، وطبقاً لما رواه شاهد من الخصوم أصدر لحكام أمراً، يقضي بأن تكون الممتلكات على المشاع(62)، ولكن في الحقيقة ظلت الملكية الخاصة عملياً في كل شيء ما عدا المجوهرات والمعادن الثمينة وغنائم الحرب. وكانت وجبات الطعام تقدم على الشيوع، ولكن كان لا يتناولها إلا المشتغلون بالدفاع عن المدينة. وعند تقديم هذه الوجبات كان يقرأ إصحاح من الكتاب المقدس وتنشد أناشيد قدسية. وعين ثلاثة من الشماسين لإمداد الفقراء بحاجاتهم، ولتوفير المواد لهذه الصدقات أغري البقية من الأثرياء أكرهوا على التنازل عن فائض أموالهم. وخصصت الأرض الصالحة للزراعة داخل المدينة لكل أسرة طبقاً لعدد أفرادها. وأكد أحد المراسيم سيادة الزوج التقليدية على الزوجة(63). وكان ينظم الأخلاق العامة قوانين عامة، وشجعت الراقصات والألعاب والتمثيليات الدينية تح الإشراف، ولكن كان السكر والمقمرة ويعقب مَن يرتكبهما بقسوة، وكان البغاء محرماً والفجور والزنى من الجرائم التي تستحق أقصى عقاب، ودفعت زيادة عدد النساء بسبب قرار كثير من الرجال الزعماء على أن يصدروا أمراً يستند إلى السوابق في الكتاب المقدس، وبأن تصبح النساء غي المرتبطات رفيقات للزوجات - وكن في واقع الأمر حظايا(64). ويبدو أن النساء اللاتي ارتبطن حديثاً قد تقبلن الموقف على أسا أنه أفضل من العيش في عزلة وحرمان. واحتج بعض المحافظين في المدينة ونظموا ثورة، وسجنوا الملك، ولكن سرعان ما قلي جنودهم حتفهم بعد أن سلبت الخمر عقولهم، وذلك على يد جنود اللامعمدانيين ولعبت النساء دوراً بطولياً في انتصار القدس الجديدة واتخذ جون، بعد أن أطلق سراحه وأعيد إلى عرشه. عدة زوجات (كما يقول المؤرخون من خصومه)، وحكم المدينة حكماً يتسم بالعنف والطغيان(65). ولابد أنه كان يتصف ببعض الصفات اللطيفة لأن آلاف الناس تحملوا حكمه وعرضوا للتضحية بأرواحهم في خدمته. وعندما طالب بمتطوعين يسيرون وراءه في هجوم مضاد على معسكر الأسقف انخرط في خدمته عدد كبير من النساء أكثر مما رأى أنه من الحكمة أن يستخدمن، وعندما طلب "رسلاً" لاقتحام الطريق لطلب العون من جماعات اللامعمدانيين الأخرى حاول اثنا عشر رجلاً أن يخترقوا خطوط الأعداء، وقبض عليهم جميعاً وقتلوا، واندفعت فجأة امرأة متحمسة مستلهمة قصة جوديث، إلى الخارج لاغتيال الأسقف، وحيل بينها وبينه، وأعدمت.

وعلى الرغم من أن الكثيرين من اللامعمدانيين في ألمانيا وهولندا رفضوا التجاء طائفتهم الأخوية في منستر للقوة فإن الكثيرين منهم هتفوا استحساناً للثورة. وتمتمت كولونيا وترير وأمستردام وميدن بصلوات لامعمدانية دعت فيها بنجاح اللامعمدانية وأبحرت من أمستردام خمسون سفينة (22 مارس و 25 مارس سنة 1535) تحمل إمدادات للمدينة المحاصرة، ولكن السلطات الهولندية فرقتها كلها بدداً. وفي الثامن والعشرين من مارس استولت عصابة من اللامعمدانيين على دير في وست فريزلاند، وحصنته بعد أن سمعت صدى ثورة منستر، ولكنها غلبت على أمرها، وفقد من أفرادها ثمانمائة.

وعندما واجهت قوى الإمبراطوريّة المحافظة من البروتستانت والكاثوليك على السواء هذه الثورة التي استشرت حشدت جنودها لقمع حركة اللامعمدانية في كل مكان. وها هو لوثر الذي كان قد أشار عام 1528 بالرفق مع الهراطقة الجدد ينصح عام 1530 بشهر السيف ضدهم، لا باعتبارهم "كفّاراً بل بوصفهم من كبار مثيري الشغب"(66) وأذعن ميلانكتون، وأرسلت مدينة تلو أخرى المال والرجال للأسقف. وأصدر المجلس النيابي في ورمس (4 أبريل سنة 1535) أمراً بفرض ضريبة على كل ألمانيا لتمويل الحصار. وهكذا استطاع الأسقف وقتذاك أن يحيط بالمدينة ويحرمها من كل إمداداتها، وعندما واجه الملك جون المجاعة وخور العزيمة أعلن أن كل مَن يرغب يستطيع مغادرة المدينة، فانتهز الفرصة كثير من النساء والأطفال وبعض الرجال. أما الرجال فكان نصيبهم الشجن أو القتل على أيدي جنود الأسقف، وأما النساء فقد أبقوا على حياتهم للاستفادة بهن في أداء خدمات مختلفة. وأنقذ أحد المهاجرين حياته بأن عرض على المحاصرين أن يريهم جانباً من الأسوار خالياً من الحماية، فتسلقته قوة، واقتحمت أحد الأبواب بإرشاده (24 يونيه) وسرعان ما تدفق إلى المدينة بضع آلاف من الجنود. وكانت المجاعة قد انشبت أنيابها في المحاصرين، بحيث لم يبقَ منهم إلا 800 رجل من القادرين على حمل السلاح، وتحصنوا بمتاريس في السوق، ثم استسلموا مقابل وعد بمنحهم جواز الأمان لمغادرة منستر، وعندما سلموا أسلحتهم ذبحوا عن بكرة أبيهم. وفتشت البيوت وعثر فيها على أربعمائة من الأحياء كانوا مختبئين فقتلوا، وربط جون الليديني واثنان من أعوانه على الساريات، وخمش كل جزء من أجسادهم بكماشات ملتهبة إلى درجة الاحمرار حتى (أصيب بالغثيان تقريباً كل مَن كانوا وقوفاً في السوق من الرائحة المنتنة"، وشدت ألسنتهم حتى تدلت من أفواههم، وأخيراً طعنت قلوبهم بالخناجر(67).

واستعاد الأسقف المدينة، وزاد سلطانه السابق، وأصبحت كل أعمال السلطات المدنية عرضة من الآن فصاعداً للاعتراض من الأسقف، واستعادت الكاثوليكية سلطانها المظفر، وخشي اللامعمدانيون في أرجاء الإمبراطوريّة على أرواحهم، فنبذوا كل عضو في طائفتهم يتهم باستخدام القوة، ومع ذلك أعدم الكثيرون من هؤلاء الهراطقة المسالمين. وأشار ميلانكتون ولوثر على فيليب الهسي بإعدام كل مَن انضموا إلى الطائفة(68)، وشعر الزعماء المحافظون أن مثل هذا التهديد الخطير للنظام الاقتصادي والسياسي الذي توطدت أركانه يجب أن يعاقب بقسوة لا تعرف الغفران. وتقبل اللامعمدانيون الدرس وأجلوا الشيوعية إلى العصر الألفي (عصر حكم المسيح ألف سنة) وأسلموا أنفسهم إلى ممارسة ما يتفق مع مبادئهم عن الحياة الرصينة البسيطة التقية المسالمة - التي لا تغضب الدولة.

وقام مـِنو سيمونز، وهو قس كاثوليكي اعتنق مذهب اللامعمدانية (1531)، بإرشاد أتباعه من الهولنديين والألمان إرشاداً بارعاً جداً إلى حد أن "المينونيين" عاشوا على الرغم من كل ما تعرضوا له من محن، وكونوا كوميونات زراعية ناجحة في هولندة وروسيا وأمريكا. وليس هناك علاقة قرابة واضحة بين اللامعمدانيين في القارة الأوروبية وبين جماعة الكويكر الإنجليز والمعمدانيين (جماعة البابتست) الأمريكيين. إلا أن رفض جماعة الكويكر للحرب والإيمان، وإصرار جماعة المعمدانيين (البابتست) على التعميد عند البلوغ مستمدان من نفس تقاليد العقيدة الدينية والسلوك، التي اتخذت أشكالاً متعددة(69) في سويسرة وألمانيا وهولندة. وتشترك هذه الجماعات تقريباً في صفة واحدة، وهي تصميمها على تقبل العقائد التي تخالف عقائدها في سلام. وأن علم اللاهوت الذي ساندها وقت الشدة والفقر والاستشهاد لا يكاد يتفق مع فلسفتنا العابرة، وإن كانت أيضاً بصدقها وولائها ومسالمتها قد أثرت تراثنا وكفّرت عن إنسانيتنا المدنسة.