قصة الحضارة - ول ديورانت - م 6 المقدمة

من معرفة المصادر

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> إلى القارئ


المجلد السادس



الإصلاح الديني



وهو يروي تاريخ الحضارة الأوروبية خارج إيطاليا من وكليف حتى لوثر



1300 - 1517



إلى القارئ


من حق القارئ المرتقب أن ننبهه إلى أن لفظ الإصلاح الديني ليس عنواناً صادقاً كل الصدق لهذا المجلد ولعل العنوان الأدق منه هو "تاريخ الحضارة الأوربية خارج إيطاليا من عام 1300 إلى عام 1564 أو حواليها بما في ذلك تاريخ الدين في إيطاليا مع نظرة عارضة إلى الحضارتين الإسلامية واليهودية في أوربا وأفريقية وآسية الغربية". وقد يسأل القارئ عن سبب هذا التحديد المتعرج لمنهج البحث فنقول: إن المجلد الرابع المسمى عصر الإيمان من مجلدات هذه السلسلة "قصة الحضارة" قد وقف بتاريخ أوربا عند عام 1300، وإن المجلد الخامس "عصر النهضة" قد اقتصر على البحث في أحوال إيطاليا بين عامي 1304 و1576 مرجئاً أصداء الإصلاح الديني في بلاد إيطاليا. ومن أجل هذا يجب أن يبدأ هذا المجلد السادس بعام 1300. وهو يفترض أن القارئ سيجد مسلاة في أن لوثر لا يظهر على مسرح الحوادث إلا بعد أن ننتهي من ثلث القصة. ولكن علينا أن نتفق منذ البداية على أن الإصلاح الديني قد بدأ في الواقع بجون ويكلف ولويس البافاري من رجال القرن الرابع عشر ثم واصل سيره إلى جون هوس في القرن الخامس عشر حتى انتهى في القرن السادس عشر بالرجة العنيفة التي أحدثها راهب وتنبرج. وفي وسع من لا يهتم من القراء بغير الثورة الدينية أن يغفل قراءة الفصول الثالث والرابع والخامس والسادس. ثم الفصلين التاسع والعاشر دون أن يخسر بذلك خسارة لا تُعوض. فالإصلاح الديني إذن هو الموضوع الرئيسي. وإن لم يكن الموضوع الوحيد في هذا المجلد. وسنبدأ بالتحدث عن الدين بوجه عام، وبما له من أثر في نفس الفرد من الجماعة، ثم نتحدث بعدئذ عن أحوال الكنيسة الكاثوليكية في القرنين سابقين على أيام لوثر. ثم نلقي نظرة على أحوال



 صفحة رقم : 7595   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> إلى القارئ


إنجلترا بين عامي 1376 و1382 وأحوال ألمانيا بين 1320 و1347، وبوهيميا بين 1402 و1485 ونفصل القول في مبادئ إصلاح لوثر الدينية وما قام على أثر ذلك من نزاع. وسنلاحظ ونحن نمضي قدماً في البحث كيف كانت الثورة الاجتماعية وما تتضمنه من آمال شعبية تسيران مع الثورة الدينية جنباً إلى جنب. وسنردد في غير قول صدى الفصل الذي ورد في كتاب جبن Gippon عن سقوط القسطنطينية، وندرك كيف مكن زحف الأتراك إلى أبواب فينا رجلاً بمفرده من أن يتحدى البابا والإمبراطور في وقت واحد. وسننظر بروح العطف إلى ما بذله أرزمس من جهود لحمل الكنيسة على أن تصلح نفسها في سلام وسندرس أحوال ألمانيا قبيل أيام لوثر لعلنا نستطيع بهذا الدرس أن نفهم أن مجيئه حين جاء كان أمراً محتوماً لا مندوحة عنه. وسنسلط الأضواء في الكتاب الثاني على الإصلاح الديني نفسه وعلى رجاله لوثر وملنكثون في ألمانيا، وزفنجلي وكلفن في سويسرا، وهنري الثامن في إنجلترا، ونكسن في اسكتلندة، وجستافس فازا في السويد، ثم نلقي نظرة عابرة على النزاع الطويل الذي شب بين فرانسس الأول وشارل الخامس، ولكننا سنؤجل غير هذا من أحوال الحياة الأوربية في هذا النصف قرن المضطرب المليء بالأحداث (1517-1564)، وذلك لكي نترك المجال للمسرحية الدينية لتكشف لنا دون أن يحدث فيها شيء من الاضطراب والارتباك بسبب إرجاء الحديث عنها من حين إلى حين. أما الكتاب الثالث من هذا المجلد فسيطل على :"الغرباء الواقفين بالباب". على روسيا وأمراء موسكو والكنيسة الأرثوذكسية، وعلى الإسلام وما جاء به من عقيدة، وثقافة، وقوة يتحدى بها عيره من الأديان، وكفاح اليهودية للعثور على مسيحيين في العالم المسيحي. وسيذهب الكتاب الرابع إلى ما وراء أحداث المسرحية ليدرس شرائع أوربا وأحوالها الاقتصادية، وأخلاقها، وعاداتها، وفنها،



 صفحة رقم : 7596   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> إلى القارئ


وموسيقاها، وآدابها، وعلومها، وفلسفتها في أيام لوثر. وسنحاول في الكتاب الخامس أن نضع أنفسنا في موضع الكنيسة فننظر إلى الإصلاح الديني كما تنظر إليه-هي-وقد حاق بها الخطر، فلا نجد مناصاً من الإعجاب بالطريقة التي اجتازت بها العاصفة المحيطة بها في جرأة وهدوء. ثم نختتم الكتاب بخاتمة موجزة نحاول فيها أن ننظر إلى النهضة والإصلاح الديني، والمذهب الكاثوليكي، والاستنارة نظرة شاملة في ضوء التاريخ الحديث والأفكار الحديثة. ذلك موضوع ممتع رائع ولكنه موضوع شائك، لأننا لا نكاد نكتب فيه كلمة لا تثير الجدل أو الامتعاض. ولقد حاولت أن أقف موقف الكاتب غير المتحيز، وإن كنت لا أنكر إن ماضي الشخص يلون آراءه على الدوام، وإن لا شيء يضايق الإنسان أكثر من عدم تحيزه. ومن واجبي أن أنبه القارئ من بداية الأمر أني قد نشأت نشأة الكاثوليكي المتحمس لمذهبه، وأني لا أزال أحتفظ بذكريات طيبة خليقة بالحمد لرجال الدين المخلصين ولليسوعيين العالميين، وللراهبات المشفقات اللائي تحملنني كثيراً في طيش الشباب، ولكن على القارئ أيضاً أن يذكر أنني حصلت على جزء كبير من تعليمي خلال محاضراتي التي ألقيتها مدى ثلاثة عشر عاماً في كنيسة مسيحية Presbyterion Church تحت رجال من البروتستنت الخلص المتسامحين مثال يوناتان داي، وولين ادامز براون، وهنري سلون كفن، وادمن تشافي، وأن كثيرين من الرجال المخلصين الذين كانوا يستمعون إلى محاضراتي في تلك الكنيسة المسيحية كانوا يهوداً أوتوا من التعطش للعلم والفهم ما جعلني أنظر إلى بني ملتهم نظرة نافذة جديدة. ولهذا فإنه إنه ذا كان بين الناس من يجدون مبرراً للتحيز في أحكامهم، فإني أنا أقلهم عذراً من هذه الناحية، وأني لا أشعر نحو جميع الأديان بذلك العطف الصادق الذي يمتلئ به قلب من عرف أن الأيمان بالعقل نفسه إنما هو إيمان مزعزع،



 صفحة رقم : 7597   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> إلى القارئ


وأننا جميعاً كسف من الظلام الحالك نتحسس الطريق لنور الشمس، وإني لا أعرف عما وراء هذه الحياة أكثر مما يعرف أقل طفل في الطرقات. وأني لأشكر للدكتور أرثر اتهام بوب مؤسس معهد اسيه لتصحيحه بعض ما كان في الفصول الخاصة بالإسلام من أخطاء، وللدكتور جيرسن كوهين عضو حلقة الدراسات الدينية اليهودية الأمريكية مراجعته الصفحات الخاصة باليهود، ولصديقي هنري كوفمان من رجال لوس إنجليز قراءته الجزء الخاص بالموسيقى ولزوجتي عظيم مساعدتها الدائمة العظيمة وملاحظاتها القيمة عن كل صفحة طوال كدحنا متعاونين في تأليف هذا الكتاب. وإذا ما تجمل القارئ بالصبر فسنخرج له مجلداً نختتم به هذه السلسلة وهو المجلد السابع الذي سنسميه عصر العقل، وسيظهر هذا المجلد بعد نحو خمس سنوات من هذا الوقت، وسيواصل الحديث عن قصة الحضارة إلى أيام نابليون. فإذا عرفنا من هذا العمل ودعناه وانسحبنا من الميدان شاكرين كل الشكر من حملوا بأيديهم عبء هذه المجلدات وتغاضوا عما لا يُحصى من الأغلاط في هذه المحاولة التي ينبغي بها تحليل الحاضر إلى عناصره التي ينطوي عليها الماضي. ذلك أن الحاضر ليس إلا ماضي مطوياً ينتظر من يبسطه للعمل كما أن الماضي هو الحاضر مبسوطاً لم يريد أن يفهم. ول ديورانت لوس أنجليز في 12 مايو سنة 1957



 صفحة رقم : 7598   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> كيفية استعمال الكتاب


كيفية استعمال هذا الكتاب


1- حذفنا من النص تواريخ مولد الأشخاص ووفاتهم. 2- الفقرات التي كتبت للقارئ المتعمق لا للقارئ العادي قد كتبت بالخط الصغير. 3- قد لخصنا في الباب الأول من هذا المجلد بعض الفقرات الواردة في المجلد الخامس الخاص بالنهضة في إيطاليا والتي تبحث في تاريخ الكنيسة قبل الإصلاح. 4- سنقدر في هذا المجلد قيمة الكرون والليرة والفلورين والدوقية أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر بخمسة وعشرين دولاراً من نقود الولايات المتحدة في عام 1954 وستقدر قيمة الفرنك والشلن بخمسة دولارات والأيكو بخمسة عشر دولاراً والمارك بـ 66.67 دولاراً والجنيه الاسترليني بمائة دولار على أن هذه القيم كلها تقريبية تقوم على الحدس والتخمين كما أن ما حدث لهذه النقود من تخفيض مراراً عدة يزيد من جعل هذه القيم معرضة للتفاوت الكثير ونلاحظ هنا أن: الطالب في عام 1390 كان يستطيع أن يعيش في أكسفورد على: شلنين في الأسبوع، وأن جواد جان دارك كان يساوي في عام 1424 ستة عشر فرنكاً، وأن أجر خادمة عند والد ليوناردو دافنتشي في عام 1460 لم يكن يزيد على ثمانية فلورينات في العام.



 صفحة رقم : 7599   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> مؤلف الكتاب


مؤلف الكتاب


ولد ول ديورانت مؤلف هذا الكتاب في تورث ادمز بولاية ماساشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1885 وتلقى تعليمه الأول في مدارس الابروشية الكاثوليكية في تلك الولاية في كرني بولاية النيوجرس ثم انتقل بعدئذ إلى كلية القديس بطرس الحزويتية في مدينة جرسي ثم إلى جامعة كولومبيا بنيويورك واشتغل أثناء صيف عام 1907 مراسلاً لجريدة ولكنه وجد العمل مثيراً لأعصابه فقنع بتدريس اللغات اللاتينية والفرنسية والإنجليزية هي وموضوعات أخرى في كلية سيتون هول بمقاطعة ثوث أورنج بولاية نيوجرس (1907-1911) حيث التحق بحلقة الدراسات في عام 1909 ولكنه غادرها في عام 1911 لأسباب ذكرها في كتابه "الانتقال". ثم انتقل من حلقة الدراسات إلى دوائر الرديكالية في نيويورك وعمل مدرساً في مدرسة فرو (1911-1913) وكانت هذه تجربة في التفكير الحر في عالم التربية. وفي عام 1912 طاف بأوربا على نفقة الدن فريمان وهو صديق له أخذ على عاتقه أن يساعده على توسيع أفاق تفكيره. وفي عام 1913 عاد إلى الدراسة في جامعة كولومبيا وتخصص في عالم الأحياء يتلقاه على مرجان وكالكنز. وفي الفلسفة على يد دود بريدج وديوي. ونال درجة دكتور في الفلسفة من هذه الجامعة في عام 1917 ومكث يعلم الفلسفة في تلك الجامعة وفي عام 1914 بدأ يلقي في إحدى الكنائس المسيحية في الشارع رقم 14 والشارع الثاني في نيويورك محاضرات في تاريخ الفلسفة والأدب مهدت له السبيل لكتابة "قصة الفلسفة وقصة الحضارة". ذلك أن معظم مستمعيه كانوا من العمال والنساء الذين يطلبون أن تكون المادة التاريخية الخليقة بالدراسة واضحة كل الوضوح ذات أثر في العصر الذي يعيشون فيه وفي عام 1921 أنشأ مدرسة ليير تمبل التي



 صفحة رقم : 7600   



قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> مقدمة -> مؤلف الكتاب


أصبحت من أكثر التجارب نجاحاً في تعليم الكبار ولكنه غادرها في سنة 1927 ليتفرغ لكتابة قصة الحضارة فطاف بأوربا مرة أخرى في عام 1927 وسافر حول العالم لدراسة أحوال مصر والشرق الأدنى والهند والصين واليابان في عام 1930 طاف حول العالم مرة ثالثة في عام 1932 زار في خلالها بلاد اليابان ومنشوريا وسيبريا والروسيا. وأثمرت هذه الأسفار المجلد الأول من قصة الحضارة وهو تراث الشرق وقضى ديورانت قبل أن يبدأ في تأليف المجلد الثاني من قصة الحضارة وهو حياة اليونان صيفاً طويلاً في بلاد اليونان نفسها زار في خلاله أشهر مراكز الحضارة الهيلينية ودرس آثارها وكان طوافه ببلاد البحر المتوسط عوناً له على كتابة المجلد الثالث "قيصر والمسيح" في عام 1944 وقضى ستة أشهر من عام 1948 في تركيا والعراق وإيران ومصر وأوربا الغربية ليستعد فيها لكتابة المجلد الرابع. عصر الإيمان (1950) ثم عاد إلى إيطاليا في عام 1951 ليعد العدة للمجلد الخامس من قصة الحضارة وهو عصر النهضة (1953) وسافر بعدئذ إلى ألمانيا وسويسرا وفرنسا وإنجلترا في عام 1954 لكي يدرس الأماكن المتصلة بالإصلاح الديني وما فيها من آثار استعداداً لكتابة هذا المجلد الخامس. ويرجو الدكتور ديورانت أن يفرغ من تاريخ الحضارة في عام 1962 بعد إصدار المجلد السابع من هذه السلسلة وهو عصر العقل الذي يروي قصة الحضارة إلى أيام نابليون وإلى عام 1800 وسيبلغ عندئذ السابعة والسبعين من عمره ويكون من حقه بعدئذ أن يستريح.