قصة الحضارة - ول ديورانت - م 5 ك 4 ب 14

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 6943

قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> أزمة الكنيسة -> الانشقاق البابوي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكتاب الرابع: النهضة في روما 1378 - 1521

الباب الرابع عشر: أزمة الكنيسة 1378-1447

الفصل الأول: الانشقاق البابوي 1378-1417

أعاد جريجوري الحادي عشر البابوية إلى روما؛ ولكن هل تستطيع البابوية البقاء فيها؟ وكان المجمع الذي انعقد لاختيار من يخلفه مؤلفاً من ستة عشر كردنالا، لم يكن منهم إيطاليين غير أربعة، وقدم إليهم ولاة الأمور في المدينة معروضاً يطلبون إليهم فيه أن يختاروا رجلاً من أهل روما ، فإن لم يكن فلا أقل من أن يكون إيطالياً؛ وأرادوا أن يؤيدوا هذا المطلب فاجتمعت طائفة منهم خارج الفاتيكان، وأنذرت المجتمعين بأنها ستقتل جميع الكرادلة غير الإيطاليين إذا لم ينتخب للبابوية أحد أبناء روما؛ وارتاع لذلك المقدس، فأسرع باختيار بارتولميو برنيانو Baratolommao Prignano، (1378) كبير أساقفة باري وتسمى باسم إربان السادس، ثم ولوا هاربين طلباً للنجاة، ولكن روما قبلت هذه الترضية(1).

وحكم إربان السادس المدينة والكنيسة بنشاط استبدادي عنيف، فعين هو أعضاء مجلس الشيوخ وكبار موظفي البلدية، وأخضع العاصمة الثائرة المضطربة للطاعة والنظام، وروع الكرادلة بأن أعلن عزمه على إصلاح الكنيسة، وانه سيبدأ هذا الإصلاح من أعلى؛ وبعد أسبوعين من هذا الإعلان ألقى عظة عامة حضرها الكرادلة أنفسهم ندد فيها بفساد أخلاقهم وأخلاق كبار رجال الدين، ولم يترك نقيصة إلا رماهم بها. وقد أمرهم ألا يقبلوا معاشاً، وأن يقوموا بجميع الأعمال التي تحال إلى المحكمة البابوية دون أجور أو هدايا أيا كان نوعها. ولما تذمر الكرادلة وأخذوا يتهامسون مستائين قال لهم: "إياكم وهذا اللغو"، فلما احتج عليه الكردنال أرسيني Orisini قال له البابا إنه أبله لا يعقل، ولما اعترض عليه كردنال ليموج Limoges هجم عليه إربان يريد أن يضربه. وسمعت القديسة كترين بهذا فبعثت إلى البابا الثائر تحذره وتقول له: "افعل ما تريد أن تفعله باعتدال... وحسن نية، وقلب مسالم، لأن التطرف يدمر ولا يبني؛ وإني أستحلفك بحق الرب المصلوب أن تكبح بعض الشيء جماح هذه الحركات السريعة التي تدفعك إليها طبيعتك"(2). واصم إربان أذنه عن سماع هذا النداء، وأعلن عزمه على تعيين عدد من الكرادلة الإيطاليين يكفي لأن يجعل لإيطاليا أغلبية في مجلس الكرادلة.

واجتمع الكرادلة الفرنسيون في أنانيي، ودبروا الثورة، فلما كان اليوم التاسع من أغسطس عام 1379 أصدروا منشوراً يعلنون فيه أن انتخاب إربان باطل لأنه تحت ضغط غوغاء روما، وانضم إليهم جميع الكرادلة الطليان، وأعلن المجمع على بكرة أبيه في يوم 20 سبتمبر أن ربرت الجنيفي هو البابا الحق. واتخذ ربرت مقامه في أفنيون وتسمى باسم كلمنت السابع، أما إربان فقد تمسك بمنصبه الديني الأعلى وظل مقيماً في روما. وكان الانقسام البابوي الذي بدأ على هذه الصورة نتيجة أخرى من النتائج التي أسفر عنها قيام الدولة القومية، فقد كان في واقع الأمر محاولة من جانب فرنسا للاحتفاظ بعون البابوية الذي لا غنى لها عنه في حربها مع إنجلترا وفي كل نزاع مقبل مع ألمانيا أو إيطاليا. وحذت نابلي، وأسبانيا، واسكتلندة حذو فرنسا، ولكن إنجلترا، وفلاندرز، والمانيا، وبولندة، وبوهيميا، وهنغاريا، والبرتغال رضيت بإربان، وأضحت الكنيسة ألعوبة في أيدي المعسكرين المتنافسين. وبلغ هذا الاضطراب غايته، وأثار ضحك الإسلام الآخذ في الانتشار وسخريته؛ فقد كان نصف العالم المسيحي يرى أن النصف الآخر زنادقة مجدفون، خارجون على الدين. ونددت القديسة كترين بكلمنت السابع وقالت إنه هو يهوذا؛ وأطلق القديس فنسنت فرر St. Vincent Ferrer الاسم عينه على إربان السادس(3). وادعت كلتا الطائفتين أن القربان المقدس الذي تقمه الطائفة الأخرى باطل، وأن الأطفال الذين تعمدهم، والتائبين الذين تتلقى اعترافهم، والموتى الذين تمسحهم، يبقون في حالة من الخطيئة الأخلاقية، ملقين في الجحيم أو في الأعراف إذا عاجلهم الموت. وبلغت العداوة بين الطائفتين درجة لا تعادلها إلا العداوة في أشد الحروب مرارة وعنفاً، ولما أن ائتمر كثيرون من كرادلة إربان الجدد عليه ليقتلوه لأنه عاجز شديد الخطورة أمر بالقبض على سبعة منهم، وعذبهم، ثم أعدمهم (1385).

ولم يحسم موته (1389) هذا النزاع، ذلك أن الأربعة عشر من الكرادلة الذين بقوا في معسكره اختاروا بيرو توماتشيلي Piero Tomacelli لمنصب البابوية، وتسمى بعد اختياره بونيفاس التاسع، وأطالت الأمم المنقسمة انقسام البابوية هذا، ولما مات كلمنت السابع (1394) رشح كرادلة أفنيون بيرو ده لونا Piero de Luna ليكون هو بندكت الثالث عشر، واقترح شارل السادس ملك فرنسا أن يستقيل البابوان كلاهما، ولكن بندكت لم يقبل هذا الاقتراح. فلما كان عام 1399 أعلن بونيفاس التاسع إقامة عيد عام في السنة التالية؛ وإذ كان يعلم أن كثيرين ممن ينتظر منهم أن يقدموا للاشتراك في هذا العيد سيبقون في أوطانهم بسبب ما يسود تلك الأيام من فوضى وأخطار، خول وكلاءه في الأقاليم ـ أن يمنحوا كل ما يترتّب على الحج للاحتفال بالعيد من غفران للذنوب وامتيازات لكل مسيحي يعترف بذنوبه، ويتوب، ثم يهب الكنيسة الرومانية المال الذي يتطلبه السفر إلى روما. ولم يكن جباة هذه الأموال رجال دين ذوي ضمائر حية نزيهة، فقد كان كثيرون منهم يعرضون الغفران دون أن يتلقّوا اعترافاً ما؛ ولامهم بونيفاس على فعلتهم، ولكنّه كان يحس بأنه ما من أحد غيره يستطيع أن يفيد من المال الذي جمع بهذه الطريقة أحسن مما يفيده منه هو، ولم "يرو بونيفاس تعطّشه إلى الذهب"(4) كما يقول أمين سرّه وسط ما كان يعانيه من آلام الحصوة المبرحة. ولمّا أراد بعض الجباة أن يغتالوا بعض هذا المال أمر بتعذيبهم حتى يردوه إليه. ومزقت جماهير روما الغاضبة غيرهم من الجباة لأنهم سمحوا لبعض المسيحيين أن ينالوا الغفران دون أن يأتوا الى روما لينفقوا فيها نقودهم(5). وبينا كانت الاحتفالات قائمة على قدم وساق حرضت أسرة كولنا الشعب على أن يطالب بعودة الحكم الجمهوري، فلما رفض بونيفاس هذا الطلب، قادت هذه الأسرة جيشاً مؤلفاً من ثمانية آلاف محارب هجمت بهم عليه؛ وقاوم البابا الطاعن في السن الحصار بعزيمة ماضية في سانتا أنجيلو، وانقلب الشعب على آل كولنا، وتفرق جيش المتمردين، وزج واحد وثلاثين من زعماء الفتنة في غيابة السجون. ووعد واحد منم بالعفو والابقاء على حياته إذا رضى بأن يكون جلاد الباقين؛ فرضى بهذا العمل وشنق الثلاثين الباقين ومنهم أبوه وأخوه(6).

وشبت نار الفتنة من جديد لما مات بونيفاس واختير إنوسنت السابع لمنصب البابوية (1404) وفر إنوسنت إلى فتيربو Viterbo وهجم الغوغاء من أهل روما بقيادة جيوفني كولنا على قصر الفاتيكان، وأعملوا فيه السلب والنهب، ولطخوا شارات إنوسنت بالوحل، وبعثروا السجلات البابوية والقرارات التاريخية في شوارع المدينة (1405)(1) ثم تراءى للشعب أن روما إذا خلت من البابوات حل بها الخراب والدمار ، فعقد للشعب أن روما إذا خلت من البابوات حل بها الخراب والدمار، فعقد صلحا مع إنوسنت، فعاد إلى روما ظافراً ومات فيها بعد أيام قليلة من عودته (1406).

ودعا خلفه جريجوري الثاني عشر بندكت الثالث عشر إلى الاجتماع به في مؤتمر. وعرض بندكت أن يستقيل إذا رضى جريجوري أن يقوم هو أيضاً بنفس العمل، ولكن أهل جريجوري أشاروا عليه بألاّ يوافق على هذا الاقتراح؛ فما كان من بعض الكرادلة إلا أن انسحبوا إلى بيزا، ودعوا إلى عقد مجلس عام يختار بابا بترضية العالم المسيحي قاطبة. وحث ملك فرنسا مرة أخرى بندكت على أن يستقيل، فلما رفض ذلك للمرة الثانية أعلنت فرنسا عدم ولائها له، واتخذت موقف الحياد بين الطرفين المتنازعين. ولما تخلى كرادلة بندكت عنه فر إلى أسبانيا، وأنضم هؤلاء الكرادلة إلى الذين تخلوا عن جريجوري، وأصدروا جميعاً دعوة إلى مؤتمر بعقد في بيزا في الخامس والعشرين من شهر مارس عام 1409.


الفصل الثاني: المجالس والبابوات 1409-1417

كان الفلاسفة الثائرون قد وضعوا منذ قرن أو يكاد أساس " الحركة المجلسية". ذلك أن وليم الأكامي William of Occam قد احتج على القول بأن الكنيسة هي رجال الدين؛ وقال إن الكنيسة في اعتقاده هي جماعة المؤمنين، وإن الكل ذو سلطان على أي جزء من أجزائه؛ وإن في مقدور هذا الكل أن يعهد بسلطانه إلى مجلس عام يجب أن يكون له حق اختيار البابا، أو تعذيره، أو خلعه(8). وقال مرسيلوس Marsillius أحد رجال الدين في بدوا إن المجلس العام هو عقل العالم المسيحي مجتمعاً؛ ومن ذا الذي يجرؤ بمفرده على أن يضع عقله وحده فوق هذا العقل العالمي؟ وأضاف أن هذا المجلس يجب ألاّ يؤلّف من رجال الدين وحدهم، بل يجب أن يضم إليهم غير رجال الدين يخترهم الشعب نفسه؛ ويجب أن تكون مناقشاته متحررة من سيطرة البابوات(9). وطبق هنريخ فن لانجنشتين Heinrich von Langenstein أحد علماء اللاهوت في جامعة باريس هذه الآراء إلى الانشقاق البابوي في رسالة له عنوانها مجالس السلام (1381). وقال هنريخ في هذه الرسالة إنه مهما يكن من قوة المنطق في حجج البابوات الذين يؤيدون بها سلطتهم العليا المستمدة من الله نفسه، فإن أزمة قد نشأت لم يجد المنطق نفسه سبيلاً للنجاة منها، وليس ثمة وسيلة لإنقاذ الكنيسة من الفوضى التي أخذت تدك قواعدها إلاّ قيام سلطة غير البابوات، تعلو على سلطان الكرادلة، وليست هذه السلطة إلاّ سلطة المجلس العام. وقال جان جيرسن Jean Gerson مدير جامعة باريس في موعظة له ألقاها في ترسكون Tarascon أمام بندكت الثالث عشر نفسه إنه وقد عجزت قوة البابا وحده عن عقد مجلس عام يقضي على انشقاق البابوية، فإن هذه القاعدة يجب إلغاؤها في هذه الأزمة الحاضرة، وأن يعقد مجلس عام بغير هذه الطريقة، يعهد إليه بالسلطة التي يستطيع بها القضاء على هذه الأزمة(10).

وعق مجلس بيزا بالنظام الذي وضع له. فقد اجتمع في الكنيسة الفخمة ستة وعشرون من الكرادلة، وأربعة من البطارقة، واثنا عشر من رؤساء الأساقفة، وثمانون أسقفاً، وسبعة وثمانون من رؤساء الأديرة،ورؤساء جميع طوائف الرهبان الكبرى،ومندوبون عن جميع الجامعات الكبيرةـ وثلاثمائة من رجال القانون الكنسي، وسفراء من قبل جميع الحكومات الأوربية ماعدا حكومات هنغاريا، ونابلي، وأسبانيا، واسكنديناوة، واسكتلندة، وأعلن المجلس أنه كنسي (مشروع حسب قانون الكنيسة) ومسكوني عالمي (أي أنه يمثل العالم المسيحي على بكرة أبيه) ـ وهي دعوى أغفلت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والروسية. ودعا هذا المجلس بندكت وجريجوري إلى المثول أمامه، فلمّا لم يلبّ كلاهما الدعوة، وأعلن المجلس خلعهما، ونادى بكردنال ميلان بابا باسم اسكندر الخامس (1409). وطلب هذا المجلس إلى البابا الجديد أن يدعو إلى الانعقاد مجلساً عاماً آخر قبل شهر مايو من عام 1412 ثم أعلن تأجيل جلساته.

وكان هذا المجلس يرجو أن يقضي على الانشقاق البابوي؛ ولكن بندكت وجريجوري كلاهما رفضا أن يعترفا بسلطانه، فإن النتيجة لم تسفر إلاّ عن وجود ثلاثة بابوات بدلاً من اثنين. ولم يساعد موت إسكندر الخامس (1410) على إصلاح ذات البين، فقد اختار كرادلته خلفاً له يوحنا الثالث والعشرين، أسلس الرجال قياداً، منذ أيام سلفه وسميه للجلوس على عرش البابوية. وكان بونيفاس التاسع قد عيّن بلدساري الكوسائي Baldassare of Cossa مندوباً بابوياً على بولونيا؛ فحكمها، كما يحكم رؤساء الجند المغامرون، حكماً مطلقاً لم يراع فيه ذمة ولا ضميراً، فرض فيه الضرائب على كل شيء، بما في ذلك العهر، والميسر، والربا، ويتّهمه أمين سره الخاص بأنه أغوى مائتي عذراء وامرأة متزوجة، وأرملة، وراهبة(11). ولكنه كان ذا مواهب عالية في شئون السياسة والحرب، جمع أموالاً طائلة، وقاد بنفسه قوة من الجند تدين له هو نفسه بالولاء. ولعله كان يستطيع أن يستولي على الولايات البابوية من جريجوري، وأن يرغم جريجوري نفسه على الخضوع لسلطانه خضوع المفلس الذليل.

وتباطأ يوحنا الثالث والعشرون في دعوة المجلس العام إلى الانعقاد في بيزا أكثر ما يستطيع. ولكن سجسمند أصبح في عام 1411 ملكاً على الرومان والرئيس غير المتوج، ولكنه الرئيس المعترف به، للدولة الرومانية المقدسة. وقد أرغم يوحنا على أن يدعو مجلساً عاماً إلى الانعقاد، واختار مدينة كنستانس مكاناً لانعقاده لتحررها من الإرهاب الإيطالي وقابليتها للتأثر بالنفوذ الإمبراطوري. واتخذ سجسمند الكنيسة سنداً له ودعامة كما فعل قسطنطين آخر من قبله، فدعا جميع الأحبار، والأمراء، واللوردة، ورجال القانون في العالم المسيحي إلى حضور المؤتمر. وأجاب الدعوة كل من كان منهم في أوربا عدا البابوات الثلاثة وأتباعهم. وبلغ عدد من لبوا الدعوة وجاءوا حين سمحت لهم بذلك مراكزهم العالية، من الكثرة مبلغاً اقتضى جمعهم نصف عام. ولمّا رضى يوحنا الثالث والعشرون آخر الأمر أن يفتتح المجلس في اليوم الخامس من نوفمبر عام 1414، لم يكن قد قدم إلاّ جزء صغير من البطارقة الثلاثة؛ والتسعة والعشرين كردنالاً، والثلاثة والثلاثين من رؤساء الأساقفة، والمائة والخمسين أسقفاً،والمائة من رؤساء الأديرة، والثلاثمائة من علماء اللاهوت، والأربعين من مندوبي الجامعات، والستة والعشرين من الأمراء، والمائة والأربعين من النبلاء، والأربعة الآلاف من رجال الدين، نقول إنه لم يكن قد قدم إلاّ عدد صغير من هؤلاء. ولو أنهم حضروا جميعاً لكان هذا المجلس أكبر المجالس في التاريخ المسيحي، ولكان أعظم شأناً بعد مجلس نيقية (325) الذي قرر عقيدة الكنيسة المسيحية. وبينا كان سكان كنستانس في الأوقات العادية حوالي سنة آلاف نسمة، فقد أفلحت وقتئذ في أن تأوي وتطعم خمسة آلاف مندوب حضروا المجلس، وأن تمدهم فوق ذلك بحاجاتهم، وبجيش من الخدم، والأمناء، والأطباء، والبائعين الجائلين. والدجالين،والشعراء المداحين، وبألف وخمسمائة من العاهرات(12).

وما كاد المجلس يضع جدول أعماله حتى فوجئ بانسحاب البابا الذي دعاه إلى الانعقاد انسحاباً أشبه ما يكون بالأعمال المسرحية. ذلك أن البابا يوحنا الثالث والشرين قد هاله أن يعلم أن أعداءه كانوا يتأهبون لأن يعرضوا على المجلس سجلاً يحوي تاريخ حياته، وجرائمه، وتبذله.وأشارت عليه إحدى اللجان بأنه يستطيع النجاة من هذه الفضيحة إذا وافق على الانضمام إلى جريجوري وبندكت وأن ينزل الثلاثة عن عرش البابوية في وقت واحد(13). ووافق يوحنا على ذلك، ولكنه فر على حين غفلة من كنستانس متخفياً في زي سائس (20 مارس عام 1415) ووجد له ملجأ في قصر في شافهوزن مع فردريك أرشيدوق النمسا وعدو سجسمند. ثم أعلن في التاسع والعشرين من شهر مارس أن جميع الوعود التي قطعها على نفسه في مدينة كنستانس قد أرغم عليها إرغاماً بالقوة الجبرية، وأنها ليست لها من القوة ما يلزمه بالوفاء بها. وفي اليوم السادس من إبريل أصدر المجلس قراراً مقدساً وصفه أحد المؤرخين بأنه "أشد الوثائق الرسمية ثورية في تاريخ العالم"(14):

"إن مجلس كنستانس المقدس، الذي هو مجلس عام، والمنعقد انعقاداً قانونياً في الروح المقدس، لحمد الله، وللقضاء على الانشقاق القائم الآن، ولتوحيد كنيسة الله وإصلاحها بما في ذلك رأسها وأعضاؤها- إن هذا المجلس يأمر؛ ويعلن، ويقرر ما يأتي: أولاً، يعلن أن هذا المجلس المقدس... يمثل الكنيسة المجاهدة، ويستمد معونته من المسيح رأساً، وعلى جميع الناس مهما تكن طبقتهم ومنزلتهم، بما فيها البابوات أيضاً، أن يطيعوا هذا المجلس في كل ما له صلة بشئون الدين، وفي القضاء على هذا الانشقاق، ولإصلاح الكنيسة إصلاحاً شاملاً في رياستها وأعضائها. وهو يعلن كذلك أن أي إنسان مهما تكن مرتبته، أو صفته، أو منزلته، بما في ذلك البابا أيضاً، يأبى أن يطيع الأوامر، والقوانين، والفروض، والقواعد التي يقرّها هذا المجلس المقدس، أو أي مجلس آخر ينعقد انعقاداً صحيحاً بقصد القضاء على الانشقاق أو إصلاح الكنيسة، يضع نفسه طائلة العقاب الحق... وستتخذ إذا اقتضى الأمر وسائل أخرى للاستعانة بها في تطبيق العدالة(15)".

واحتج كثيرون من الكرادلة على هذا القرار، فقد خشوا أن يكون فيه قضاء على حق مجمع الكرادلة في انتخاب البابا؛ ولكن المجلس تغلب على معارضتهم، ولم يكن لهم بعد ذلك إلاّ شأن صغير في نشاطه.

وأوفد المجلس وقتئذ لجنة إلى يوحنا الثالث والعشرين تدعوه إلى النزول عن عرش البابوية، فلمّا لم تتلقّ منه جواباً صريحاً قبلت (في 25 مايو) ما عرض عليها من التهم الأربع والخمسين التي وجّهت إليه والتي تنص على أنه كافر، كاذب، متجر بالمقدسات والمناصب الكهنوتية، خائن، غادر، فاسق، لص(16)؛ وكانت هناك ست عشرة تهمة أخرى استبعدت لشدة قسوتها(17).وفي اليوم التاسع والعشرين من مايو قرر المجلس خلع يوحنا الثالث والعشرين، وقبل هو القرار بعد أن تحطمت آخر الأمر جميع آماله. وأمر سجسمند بأن يسجن في قلعة هيدلبرج طوال فترة انعقاد المجلس، وأفرج عنه في عام 1418، ووجد في شيخوخته ملجأ ومقاماً عند كوزيموده ميديتشي.

واحتفل المجلس بانتصاره باستعراض طاف جميع أنحاء مدينة كنستانس، فلما عاد إلى العمل وجد نفسه في مأزق حرج؛ ذلك أنه إذا اختار باباً آخر عاد إلى ما كان في العالم المسيحي من انقسام ثلاثي، لأن كثيراً من أقاليمه كانت لا تزال تطيع بندكت أو جريجوري. وأنقذ جريجوري المجلس من ورطته بعمل دل على دهائه وشهامته: فقد وافق على أن يستقيل بشرط أن يسمح له بأن يدعو المجلس مرة أخرى ويخلع عليه الصفة الشرعية بما له من سلطة بابوية. ودعا المجلس إلى الانعقاد بهذه الصفة الجديدة، وقبل استقالته جريجوري في الرابع من شهر يوليه سنة 1415، وأيد صحة من عيّنهم في مناصبهم، واختاره حاكماً من قبل البابا على أنكونا حيث عاش هدوء طيلة السنتين الباقيتين من حياته. أمّا بندكت فقد أصرّ على المقاومة، ولكن كرادلته تخلّوا عنه وتصالحوا مع المجلس، ولمّا حلّ اليوم السادس والعشرون من يوليه خلعه المجلس، فآوى إلى القصر الحصين الذي تقيم فيه أسرته في بلنسية، حيث مات في سن التسعين، وهو لا يزال يعد نفسه بابا بحق. وأصدر المجلس في شهر أكتوبر قراراً يحتم دعوة مجلس عام آخر إلى الانعقاد في خلال خمس سنين، وفي اليوم السابع عشر من نوفمبر اختارت لجنة المجلس الانتخابية الكردنال أدوني كولنا Oddone Colonna لمنصب البابوية، وتسمّى باسم البابا مارتن الخامس Martin V؛ وارتضاه العالم المسيحي بأجمعه، وبذلك انقضى عهد الانشقاق الأعظم بعد فوضى دامت تسعاً وثلاثين سنة.

وهكذا وصل المجلس إلى غرضه الأول، ولكن نجاحه في هذه النقطة حال بينه وبين تحقيق غرضه الآخر وهو إصلاح المسيحية. ذلك أنه لمّا جلس مارتن الخامس على عرش البابوية استمسك بكل ما لها من سلطان وامتيازات، فأغضب بذلك سجسمند الذي هو الرئيس الأعلى للمجلس، ثم لجأ إلى المجاملة والدهاء فأخذ يخاطب كل طائفة من الجماعات القومية الممثلّة في المجلس ويفاوضها في عقد معاهدة معها على حدة خاصة بإصلاح الكنيسة.

وعمل على إثارة المنافسة بين كل طائفة والأخرى حتى اقنع كل واحدة منها بقبول أقل قدر من الإصلاح، صاغه في عبارة غامضة يستطيع كل حزب أن يفسرها تفسيراً يدّعي فيه أنه هو الفائز، وأنه صاحب الفضل في كل إصلاح. واستسلم المجلس له لأنه ملّ النزاع، فقد ظل يكدح ثلاث سنين، حنّ أعضاؤه بعدها إلى أوطانهم،وشعروا بأن مجلساً مقدساً يعقد فيما بعد يستطيع أن يحل مشكلة الإصلاح بتفاصيل أوفى وأكثر دقّة من هذا المجلس. وفي الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 1418 أعلن المجلس فض جلساته.


الفصل الثالث: انتصار البابوية 1418-1447

لم يستطع مارتن الخامس أن يعود إلى روما بعد انتخابه مباشرة وإن كان هو من أهل روما. ذلك أن الطرق الموصلة إليها كانت في قبضة براتشيو دا منتونى Braccio da Montone الأفاق المغامر، ولهذا رأى مارتن أن بقاءه في جنيف، ثم في مانتوا، وفلورنس آمن له وأسلم. ولما وصل أخيراً إلى روما (1420) روعته حال المدينة، وما حاق بمبانيها من خراب وبأهلها من بؤس وشقاء، فقد كانت عاصمة العالم المسيحي أقل بلاد أوربا حضارة.

وإذا كان مارتن قد جرى على السنة السيئة التي جرى عليها أسلافه فعين في المناصب ذات المرتب الضخم والسلطان الكبير أقاربه من آل كولنا، فما كان ذلك إلا ليقوى أسرته ليضمن لنفسه السلامة في قصر الفاتيكان. ولم يكن لديه جيش، ولكن الولايات البابوية التي كانت تحيط بها من كل جانب جيوش نابلي، وفلورنس والبندقية، وميلان. وكانت هذه الولايات قد وقع معظمها مرة أخرى في أيدي طائفة من الطغاة الصغار، يسمون أنفسهم نواب البابا ولكنهم كادوا في أثناء الانشقاق البابوي يكونون سادة مستقلين في ولاياتهم. وقد ظل رجال الدين في لمباردي قروناً طوالا يناصبون أساقفة روما العداء. وكان فيما وراء جبال الألب عالم مسيحي مضطرب أضاعت البابوية فيه معظم ما كان لها من احترام، وكان يأبى أن يمدها بشيء من العون المالي.

وواجه مارتن هذه الصعاب كلها وتغلب عليها بشجاعته وقوة عزيمته؛ فقد اعتمد بعض المال لبناء أجزاء من عاصمته، وإن كان قد ورث خزانة تكاد تكون خاوية، وأفلح بما اتخذه من إجراءات قوية في طرد قطاع الطرق من روما والطرق المؤدية لها؛ وهدم حصناً للصوص في منتيليبو Monteipo، وأمر بقطع رؤوس زعمائهم(15)؛ وأعاد النظام إلى روما، وجمع في كتاب واحد قوانينها البلدية، وعين رجلا من أوائل الكتاب الإنسانيين هو بجيو برتشيوليني Poggio Bracciolini أميناً لسره، وعهد إلى جنتيل دا فبريانو، وأنطونيو بيزنيلو، ومساتشيو أن ينقشوا المظلمات التي في كنيستي سانتا ماريا ماجوره والقديس يوحنا في اللاتران؛ واختار رجالا من ذوي المواهب والأخلاق الكريمة أمثال جوليانو تشيزاريني Guiliano Cesarini، ولويس ألماند Louis Allemand، ودومينيكو كبرانيكا Domenico Capranica وبرسبيرو كولنا Prospero Colonna أعضاء في مجمع الكرادلة. وأعاد تنظيم أداة الحكم القانونية حتى تؤدي مهمتها على أحسن وجه، ولكنه لم يجد طريقة يحصل بها على ما يلزمه من المال إلا بيع المناصب والخدمات الدينية. ولما كانت الكنيسة قد عاشت قرناً كاملاً بغير إصلاح، ولكنها لا تستطيع البقاء أسبوعاً واحداً بغير مال، فقد حكم مارتن بأن المال ألزم للكنيسة من الإصلاح. ومن أجل هذا تذرع بمرسوم كنستانس فدعا مجلساً عاماً ينعقد في بافيا عام 1423. ولم يلب الدعوة إلى هذا المجلس إلا عدد قليل، وحتم انتشار الطاعون نقله إلى سينا، ولما عرض أن تكون له السلطة المطلقة أمره مارتن بأن ينفض، وأطاع الأساقفة أمره لخوفهم أن يفقدوا كراسيهم. وأراد مارتن أن يترضى نزعة الإصلاح فأصدر في عام 1422 قراراً بابوياً، فصل فيه بعض التغيرات الرائعة في إجراءات أداة الحكم البابوية وطريقة تمويلها؛ ولكن قامت في سبيل ذلك الإصلاح مئات من العقبات والاعتراضات، وما لبثت هذه الاقتراحات أن عفا عليها الزمان وجر عليها النسيان ذيوله. وفي عام 1430 بعث مندوب ألماني في روما إلى أميره برسالة تكاد تكون نذيراً بالإصلاح الذي جاء فيما بعد:

"أصبح الشره صاحب السلطان الأعلى في البلاط البابوي، وهو يبتكر في كل يوم له أساليب جديدة... لابتزاز المال من ألمانيا بدعوى أداء أجور رجال الدين. وهذا هو سبب الأصوات التي ترتفع بالتذمر والألم... وستثار كذلك أسئلة خاصة بالبابوية، وإلا فإن الناس سينفضون يدهم آخر الأمر من طاعة البابا فراراً من هذا الابتزاز الظالم للأموال؛ واعتقادي أن هذا المسلك الأخير سترتضيه كثير من البلاد(19).

وواجه البابا الذي خلف مارتن ما تجمع لدى البابوية من مشاكل مواجهة الراهب الفرنسيسي التقي الخاشع الذي لم يعد نفسه لتصريف الشئون السياسية. ذلك أن البابوية كانت حكومة أكثر مما كانت دينا؛ وكان لابد أن يكون البابوات رجال حكم، ومحاربين في بعض الأحيان، وقلما كان في مقدورهم أن يكونوا من أولياء الله الصالحين. نعم إن يوجنيوس الرابع كان من هؤلاء الأولياء في بعض الأحيان، وإنه كان عنيداً، صلب القناة لا يلين، وإن داء الرثية الذي كان يلازمه ويسبب له آلاماً مبرحة في يديه لا تكاد تفارقه قط، مضافاً إلى متاعبه الجمة، قد جعله ضجراً ملولا، محباً للعزلة، منطوياً على نفسه. ولكنه كان يعيش معيشة النساك، مقلا من الطعام، لا يشرب غير الماء، قليل النوم، مجداً كثير العمل، حريصاً على أداء واجباته الدينية بإخلاص وضمير حي، لا يحمل الحقد على أعدائه، جواداً سخياً بماله، لا يحتفظ بشيء لنفسه، بلغ من تواضعه أنه كان لا يرفع عينيه عن الأرض(20). ومع هذا كله قلما نجد من البابوات من كان له من الأعداء ما كان لهذا البابا.

وكان من أول هؤلاء الأعداء هم الكرادلة الذين انتخبوه. فقد أرادوا أن يتقاضوا ثمن أصواتهم وأن يحموا أنفسهم من أن يحكمهم رجل بمفرده كما كان يحكمهم مارتن، فأقنعوه بأن يوقع مرسوماً Capitula - ومعناها الحرفي عناوين - يعدهم فيه بأن يطلق لهم حرية الكلام ويؤمنهم في مناصبهم، وأن يجعل لهم السيطرة على نصف إيرادهم، وأن يشاورهم في جميع الشؤون الهامة. وأصبحت "هذه الامتيازات" سنة متبعة وسابقة جرى بها العمل في الانتخابات البابوية طوال عصر النهضة. يضاف العمل في الانتخابات البابوية طوال عصر النهضة. يضاف إلى هذا أن يوجنيوس جعل آل كولنا أعداء له أقوياء. فقد أعتقد أن مارتن أقطع هذه الأسرة كثيراً من أملاك الكنيسة، فأمر بأن ترد إليها أجزاء كثيرة من هذه الأملاك، وأمر بتعذيب أمين مارتن السابق تعذيباً كاد يفضي إلى موته لكي ينتزع منه معلومات عن هذا الموضوع. وشن آل كولنا الحرب على البابا، ولكنه هزمهم بقوة الجند الذين أرسلوا إليه من مدينتي فلورنس والبندقية، غير أنه أثار بعمله هذا عداء روما نفسها. واجتمع بمدينة بازل في هذه الأثناء المجلس الذي دعا إليه مارتن، وكان اجتماعه في السنة الأولى من عهد البابا الجديد (1431)؛ واقترح مرة أخرى تأييد المجالس الكنسية العامة على البابوات. فما كان من يوجنيوس إلا أن أمره بأن ينفض؛ ولكنه لم يطع أمره، وطلب إليه أن يمثل أمامه، وبعث بجند من ميلان يهاجمونه في روما. وانتهز آل كولنا هذه الفرصة ليثأروا لأنفسهم منه، فدبروا ثورة في المدينة، وأقاموا حكومة جمهورية (1434)، وفر يوجنيوس في قارب صغير سار به نحو مصب التيبر، بينما كان العامة يرشقونه بالسهام، والحراب، والحجارة(21)، واتخذ له ملجأ في فلورنسا، ثم في بولونيا، وظل هو وحكومته منفيين عن روما تسع سنين.

وكانت الكثرة الغالبة من المندوبين الذين حضروا مجلس بازل من الفرنسيين. وكان غرضهم، كما قال أسقف تور في صراحة، "إما أن ينتزعوا الكرسي الرسولي من الإيطاليين، وإما أن يجردوه من سلطانه بحيث لا يهمهم بعدئذ أين يكون مقره". وعملاً بهذه القاعدة استولى المجلس على امتيازات البابوية واحداً بعد آخر: فأصدر هو صكوك الغفران؛ ومنح الإعفاءات من الفروض الدينية، وعين الموظفين الدينيين، وطلب أن تؤدى له هو لا للبابا باكورة مرتبات رجال الدين. وأصدر يوجنيوس قراراً آخر بحل المجلس، فرد عليه بأن أعلن خلعه هو (1439)، واختار أمديوس الثامن من سافوي بابا في مكانه باسم فليكس الخامس؛ وبهذا تجدد الانشقاق في البابوية مرة أخرى. وأراد شارل السابع ملك فرنسا أن يتم هزيمة يوجنيوس البادية للعيان، فعقد في بورج (1438) جمعية من كبار رجال الدين، والأمراء، ورجال القانون، كلهم من الفرنسيين، وأعلنت هذه الجمعية سيادة المجالس على البابوات، وأصدرت قرار بورج التنظيمي الذي ينص على أن المناصب الكهنوتية يجب أن تملأ من ذلك الحين بمن تنتخبهم جماعات الرهبان أو القساوسة، ولكن من حق الملك أن يصدر " توصيات"، وحرم استئناف الأحكام إلى المجلس البابوي الأعلى إلا بعد أن تستنفذ جميع الاحتمالات القضائية في فرنسا؛ ومنع جمع بواكير مرتبات القساوسة للبابا(22). وبذلك أوجد هذا التنظيم في واقع الأمر كنيسة فرنسية مستقلة رئيسها ملك فرنسا نفسه. واتخذ مجلس عقد في مينز بعد عام من ذلك الوقت قرارات مماثلة لهذه أنشئت بمقتضاها كنيسة قومية في ألمانيا؛ وكانت كنيسة بوهيميا قد انفصلت عن البابوية أثناء الثورة الهوسية Hussite؛ ووصف كبير أساقفة براج البابا بأنه "وحش سفر الرؤيا"(23)، ولاح أن صرح الكنيسة كله قد تحطم، وأصبح لا يرجى شعب صدعه، وأن الإصلاح القومي للكنيسة قد توطدت دعائمه قبل لوثر بمائة عام.

وكان الأتراك هم الذين أنقذوا يوجنيوس. ذلك أنه لما اقترب الأتراك العثمانيون من القسطنطينية قرر البيزنطيون أن مدينتهم خليقة بأن يكون فيها قداس روماني، وأن عودة الاتحاد بين المسيحية اليونانية والرومانية تمهيد لا بد منه للحصول على معونة عسكرية من الغرب. وبناء على هذا بعث الإمبراطور يوحنا الثامن ببعثة إلى مارتن الخامس (1431) تعرض عليه اجتماع مجلس من رجال الكنيستين. وبعث مجلس بازل بمندوبين إلى يوحنا (1433) يقولون له إن المجلس أعلى سلطة من البابا، وإنه تحت حماية الإمبراطور سجسمند، وأنه سيرسل المال والجند للدفاع عن القسطنطينية إذا ما تعاملت الكنيسة اليونانية مع المجلس لا مع البابا. وأرسل سجسمند وفداً من عنده يعرض معونته بشرط أن يعرض الاقتراح الخاص باتحاد الكنيستين على مجلس جديد يدعوه هو نفسه إلى الانعقاد في فيرارا. وقرر يوحنا أن يظاهر يوجنيوس، واستدعى البابا إلى فيرارا من ثبتوا على ولائهم له من رجال الدين؛ وغادر كثيرون من رجال الأحبار، ومنهم شيراريني ونقولاس الكوزائي بازل وجاءوا إلى فيرارا، لأنهم شعروا أن أهم ما في الأمر هو مفاوضة اليونان. وطالت جلسات مجلس بازل، ولكنها كانت مفعمة بالغضب المتزايد، وأخذت مكانته تزداد انحطاطاً يوماً بعد يوم.

وأثار مشاعر أوربا كلها ما ترامى إليها من الأنباء عن عودة الوحدة إلى العالم المسيحي بعد انقسامه بين الكنيستين اليونانية والرومانية منذ عام 1045. وفي الثامن من فبراير عام 1438 قدم إلى البندقية، التي كانت لا تزال مدينة بيزنطية إلى حد ما، الإمبراطور البيزنطي، والبطريق يوسف بطريق القسطنطينية، وسبعة عشر من رؤساء الأساقفة اليونان، وعدد كبير من أساقفة الكنيسة اليونانية، والرهبان والعلماء. واستقبلهم يوجنيوس في فيرارا بأبهة لا نشك في أنها لم تكن لها قيمة كبيرة في نظر اليونان الذين اعتادوا على الاحتفالات الفخمة في بلادهم. ولما افتتح المجلس جلساته اختيرت عدة لجان لإزالة ما بين الكنيستين من خلاف على حقوق البابا في الرياسة، وعلى استعمال الخبز الفطير، وطبيعة الآلام التي تعانى في المطهر، وعلى انتقال الروح القدس من الأب والابن أو إليه. وظل العلماء ثمانية أشهر يجادلون في هذه المسائل، ولكنهم لم يصلوا فيها إلى اتفاق. وانتشر الطاعون في بلدة فيرارا في هذه الأثناء، ودعا كوزيموده ميديتشي المجلس أن ينتقل إلى فلورنس، على أن يستضيفه هو وأصدقاؤه. وتم هذا الانتقال بتلك الصورة؛ ويؤرخ بعضهم بداية النهضة الإيطالية بدخول العلماء اليونان إلى فلورنس في ذلك الوقت (1439). وهنا تم الاتفاق على أن الصيغة التي يقبلها اليونان -وهي أن "الروح القدس يصدر من الأب عن طريق الابن(22) (ex Patre per filium Procedit)- تعني بالضبط ما تعنيه الصيغة الرومانية وهي أنه "يصدر من الأب والابن" ex Patre Filioque procedit؛ ولم يستهل شهر يونية سنة 1439 حتى تم الاتفاق كذلك على طبيعة آلام المطهر. أما حقوق البابا في الرياسة فقد أثارت نقاشاً حاراً، حتى لقد أنذر الإمبراطور اليوناني أن ينفض المجلس. غير أن بيساريون Bessarion كبير أساقفة نيقية، وهو بطبيعته رجل مسالم يسعى إلى الصلح، استطاع التوفيق بين الطرفين إذ عثر على صيغة تعترف بسلطة البابا العامة، ولكنها تحتفظ بما كان للكنائس الشرقية وقتئذ من حقوق وامتيازات. وقبلت هذه الصيغة، ولما حل اليوم السادس من شهر يولية عام 1439 قرأ بيساريون باللغة اليونانية كما قرأ سيزاريني باللغة اللاتينية في الكاتدرائية الكبرى التي أقام فيها بروتيلسكو منذ ثلاث سنين لا أكثر قبتها الفخمة، نقول قرأ هذا وذاك المرسوم الذي وحدت به الكنيستان، وقبل الحبران كلاهما الآخر، وخر جميع أعضاء المجلس وعلى رأسهم الإمبراطور ركعاً أمام يوجنيوس الذي كان يبدو منذ وقت قريب إنساناً طريداً مرذولا.

لكن ابتهاج المسيحية كان قصير الأجل. ذلك أنه لما عاد الإمبراطور اليوناني وحاشيته إلى القسطنطينية، قوبلوا بالإهانات والشتائم، فقد رفض رجال الدين والشعب الخضوع إلى روما. وحافظ يوجنيوس على نصيبه في هذا الاتفاق، وأرسل الكردنال سيزاريني إلى بلاد المجر على رأس جيش للانضمام إلى قوات لادسلاس Ladislas وهونيادي Hunyadi، وانتصرت هذه القوات عند نيش Nish على الأتراك ودخلت مدينة صوفيا ظافرة في مساء يوم عيد الميلاد عام 1443، ثم بدد شملها مراد الثاني في وارنه عام 1444، وسيطر الحزب المعارض للاتحاد في القسطنطينية على الموقف، ولم ير البطريق جريجورى الذي أيد هذا الاتحاد بداً من الفرار إلى إيطاليا. واستطاع جريجورى بعدئذ أن يشق طريقه بالقوة عائداً إلى صوفيا، وفيها قرأ مرسوم الاتحاد في عام 1452؛ ولكن الشعب ظل من ذلك الحين يتجنب الاتصال بالكنيسة الكبرى؛ ولعن رجال الدين المعارضون للاتحاد كل من يؤيدونه، ورفضوا أن يغفروا ذنوب كل من حضروا قراءة المرسوم، وأهابوا بالمرضى أن يموتوا دون تناول القداس بدل أن يتناولوه من يد قس "اتحادي"(24). ورفض بطارقة الإسكندرية، وإنطاكية، وبيت المقدس قرارات "المجلس الناهب" الذي عقد في فيرارا(24). ويسر محمد الثاني الأمر باتخاذ القسطنطينية عاصمة للدولة التركية (1453)، ومنح المسيحيين الحرية التامة في العبادة، وعين گناديوس Gennadius، وهو من ألد أعداء الوحدة بطريقاً في القسطنطينية.

وعاد يوجنيوس إلى روما في عام 1443؛ بعد أن قضى مبعوثه القائد والكردنال فيتليسكي Vitelleschi على الجمهورية المضطربة، وعلى أسرة كولنا المشاكسة بوحشية لا تضارعها وحشية الوندال أو القوط. وكان مقام البابا في فلورنس قد علمه تطور الآداب الإنسانية والفنون في عهد كوزيموده ميديتشي، وكان العلماء اليونان الذين شهدوا مؤتمر فيرارا وفلورنسا قد أثاروا فيه الاهتمام بحفظ المحفوظات القديمة التي قد يضيعها أو يتلفها سقوط القسطنطينية المرتقب. ولهذا ضم إلى أمنائه بجيو، وفلافيو بيوندو، وليوناردو بروني، وغيرهم من الكتاب الإنسانيين الذين يستطيعون مفاوضة اليونان باللغة اليونانية. وجاء بالراهب أنجيلكو إلى روما، وعهد إليه نقش المظلمات في معبد القداس بقصر الفاتيكان. وكان يوجنيوس يعجب بالأبواب البرونزية الكبرى التي صبها جيبرتي Ghiberti لمكان التعميد في كنيسة فلورنس، ولهذا عهد إلى فيلاريتي Filarete أن يصب أبواباً مثلها لكنيسة القديس بطرس القديمة (1433). ومن الأمور ذات البال، أن هذا المثال لم يضع على أبواب أشهر الكنائس في العالم المسيحي اللاتيني تماثيل المسيح، ومريم، والرسل فحسب، بل وضع معها أيضاً صور مارس، وروما، وهيرون، ولياندر، وجوبتر، وجنيميد، ولم يكتف بهذا بل أضاف إليها ليدا والبجعة وإن كان عمله هذا لم يثر حتى في ذلك الوقت أي تعليق. وهكذا جاء يوجنيوس في ساعة انتصاره على مجلس بازل بالنهضة الوثنية إلى روما.