قصة الحضارة - ول ديورانت - م 4 ك 1 ب 7

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 4398

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> الفرس -> المجتمع الساساني

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب السابع: الفرس 334-641

الفصل الأول: المجتمع الساساني

ومن وراء نهر الفرات أو دجلة كانت تقوم طوال تاريخ اليونان وروما تلك الإمبراطورية التي تكاد تكون خافية على العالم الغربي، والتي لبثت ألف عام تصد أوربا المتوسعة وجحافل آسية الهمجية، لا تنسى قط ما ورثته من مجد الأخمينيين، وتنتعش على مهل مما أصابها في حروب البارثيين، وتحتفظ في زهو وخيلاء بثقافتها الأرستقراطية الفذة تحت حكم ملوكها الساسانيين الأشداء الشجعان، احتفاظاً أمكنها به أن تحول فتح المسلمين لإيران إلى نهضة فارسية جليلة الشأن.

وكان لفظ إيران في القرن الثالث الميلادي أوسع معنى من لفظ إيران أو فارس في هذه الأيام. فقد كانت، كما يدل اسمها "الآريين"، وكانت تشمل أفغانستان وبلوخستان، وسنجديانا، وبلخ والعراق. ولم تكن فارس، وهي الاسم القديم لإحدى الولايات الحديثة، إلا جزءاً صغيراً يقع في الجنوب الشرقي من هذه الإمبراطورية، ولكن اليونان والرومان الذين لم يكونوا يعنون بشؤون "البرابرة" أطلقوا اسم الجزء على الكل. وكان يخترق إيران في وسطها من الجنوب الشرقي لجبال هملايا إلى الشمال الغربي لجبال القفقاس حاجز جبلي يقسم البلاد قسمين، في الشرق منه هضبة عالية جدباء، وفي الغرب وديان خضراء يسقيها النهران التوأمان، ويجري ماء فيضانهما الموسمي في شبكة من القنوات تكسب البلاد الخصب والنماء فتنتج أرضها القمح، والبلح، والعنب، والفاكهة. وكان بين النهرين، وعلى ضفافهما، وفي ثنايا التلال، وواحات الصحراء، عدد لا حصر له من القرى وعشرات المئات من البلدان وعشرات من المدائن الكبيرة: منها إكباتانا، والري، وموصل، واصطخر (برسبوليس القديمة)، والسوس، وسلوقية، وطيسفون (المدائن) العظيمة عاصمة الملوك الساسانيين.

ويصف أميانوس الفرس في ذلك الوقت بأنهم "يكادون كلهم يكونون نحاف الأجسام، سمر البشرة إلى حد ما... لهم لحى على جانب من الظرافة، وشعر طويل أشعث"(1). غير أن الطبقات العليا لم تكن ذات شعر أشعث، ولم يكن أفرادها نحاف الأجسام على الدوام، وكان يغلب عليهم الجمال، وكانوا ذوي أنفة وكبرياء، ودماثة في الأخلاق، يميلون إلى الرياضة الشاقة الخطرة، والثياب الفخمة. وكان رجالهم يلبسون العمائم على رءوسهم، والسراويل المنتفخة في سيقانهم، والصنادل أو الأحذية ذات الأربطة في أقدامهم. وكان أغنيائهم يلبسون معاطف أو جلابيب من الصوف أو الحرير ويتمنطقون بمناطق يعلقون فيها السيوف. أما الفقراء فكانوا يقنعون بأثواب من نسيج القطن، أو الشعر، أو الجلد. وكان النساء يلبسن أحذية طويلة، وسراويل قصيرة، وقمصاناً واسعة، وعباءات أو أثواباً مهفهفة، ويعقصن شعرهن الأسود من الأمام في غديرة يتركنها تنوس خلفهن ويزينها بالأزهار. وكانت جميع الطبقات مولعة بالزينة والألوان الجميلة. وكان الكهنة والزرادشتيون المتحمسون يلبسون ثياب القطن الأبيض يرمزون به إلى الطهارة؛ أما قواد الجنود فكانوا يفضلون اللون الأحمر، وكان الملوك يميزون أنفسهم من سائر الطبقات بالأحذية القصيرة الحمراء، والسراويل الزرقاء، وأغطية للرءوس تعلوها كرات منتفخة أو رءوس حيوانات أو طيور. وكانت الملابس في بلاد فارس، كما كانت في جميع المجتمعات المتحضرة، تكون نصف الرجل أو أكثر قليلاً من نصف المرأة..

وكان الرجل الفارسي العادي المتعلم سريع الانفعال كالرجل الغالي، شديد التحمس، كثير التقلب؛ يغلب عليه الخمول، ولكنه سريع التيقظ، يميل بطبعه إلى "الحديث الجنوني، يسرف فيه إسرافاً... أميل إلى الدهاء منه إلى الشجاعة، لا يخافه إلا البعيدون عنه"(2) -إي حيث يكون أعداء الفرس. وكان فقراؤهم يشربون الجعة، ولكن الطبقات كلها تقريباً، بما فيها الآلهة، كانوا يفضلون النبيذ؛ فقد كان أتقياء الفرس والمقتصدون منهم يصبونه حسب الطقوس الدينية، وينتظرون حتى تأتي الآلهة لتشربه، ثم يشربون هم بعدها الشراب المقدس(3). ويصف المؤرخون الفرس في عصر الساسانيين بأنهم أغلظ أخلاقاً مما كانوا في عهد الأكيمينيين، وأرق منهم في عهد البارثيين(4)، ولكن قصص بروكبيوس تحملنا على الاعتقاد بأن الفرس ظلوا طوال العهود أحسن أخلاقاً من اليونان(5). ولقد أخذ أباطرة الروم عن البلاط الفارسي نظم حفلاتهم وطرائقهم الدبلوماسية. وكان ملوكهم المتنافسون يخاطب بعضهم بعضاً بلفظ "الأخ". ويضمنون للدبلوماسيين الأجانب سلامتهم من الاعتداء ومرورهم سالمين بأرضهم، ويعفونهم من التفتيش الجمركي والعوائد(6). وفي وسعنا أن نرجع التقاليد الدبلوماسية المتبعة في أوربا وأمريكا إلى الأساليب التي كانت متبعة في بلاط ملوك الفرس.

ويقول أميانوس إن "معظم الفرس يسرفون في الجماع"(7)، ولكنه يعترف مع ذلك بأن اللواط والدعارة كانا أقل انتشاراً بينهم مما كانا بين اليونان. وقد امتدح غماليل الفرس لثلاث صفات فيهم فقال: "هم معتدلون في الطعام، قنوعون في علاقاتهم الخاصة وفي العلاقات الزوجية"(8). وكانوا يستخدمون كل الوسائل لتشجيع الزواج وزيادة المواليد، حتى يكون لهم من الأبناء ما يسد مطالب الحرب ولهذا كان إله الحب عندهم هو المريخ لافينوس. وكان الدين يأمر بالزواج، ويحتفل به احتفالاً مصحوباً بطقوس رهيبة، ومن تعاليمه أن الإخصاب يقوي أهورا مزدا إله النور في صراعه العالمي مع أهرمان وهو الشيطان في الديانة الزرادشتية(9). وكان رب البيت يعبد أسلافه حول نار الأسرة، ويطلب الأبناء لكي يضمن لنفسه العناية به وعبادته فيما بعد، فإذا لم يولد له أبناء من صلبه تبنى ولداً من أبناء غيره. وكان الآباء هم الذين ينظمون عادة زواج أبنائهم يساعدهم في هذا غالباً موثق رسمي لعقود الزواج، ولكن المرأة كان في وسعها أن تتزوج على خلاف رغبة والديها. وكانت البائنات والهبات تقوم بنفقات الزواج المبكر والأبوة المبكرة. وكان يسمح للرجال بتعدد الزوجات. وكان يوصي به إذا كانت الزوجة الأولى عاقراً. وكان الزنى منتشراً(10). وكان في وسع الزوج أن يطلق زوجته إذا خانته، كما كان في وسع الزوجة أن تطلق زوجها إذا هجرها أو قسا عليها. وكان التسري مباحاً. وكان لهؤلاء المحظيات كما كان لنظائرهن عند اليونان، الهتايراي Hetairai، الحرية الكاملة في أن يسرن أمام الجماهير وأن يحضرن مآدب الرجال(11). أما الزوجات الشرعيات فكن في العادة يبقين في أجنحة خاصة بهن في البيوت(12)، وقد ورث المسلمون عن الفرس هذه العادة القديمة. وكانت نساء الفرس ذوات جمال بارع، ولعله كان من الصواب أن يمنع الرجال من الاختلاط بهن. والنساء في شاهنامة الفردوسي هن اللآئي يبدأن بخطبة الرجال وإغوائهن، وكانت مفاتن النساء تتغلب على قوانين الرجال.

وكان يستعان على تربية الأبناء بالعقيدة الدينية، ويبدو أن هذه كان لابد منها لتدعيم سلطان الأبوين. وكانوا يسلون أنفسهم بألعاب الكرة؛ والرياضة البدنية، والشطرنج(13)، ويشتركون منذ نعومة أظفارهم في وسائل التسلية التي يمارسها الكبار كالضرب بالنبال، وسباق الخيل، وحجف الكرة، والصيد. وكان كل ساساني يرى في الموسيقى عوناً لابد منه في شؤون الدين، والحب، والحرب. وفي هذا يقول الفردوسي إن الموسيقى وأغاني النساء الجميلات كانت تلازم المآدب وحفلات الاستقبال الملكية(14). وكانت القيثارة، والناي، والمزمار، والقرن، والطبلة، وغيرها من الآلات الموسيقية كثيرة عندهم. وتؤكد الرواية المأثورة أن برباد مغني كسرى أبرويز ألّف 360 أغنية، ظل يغني في كل ليلة واحدة منها لسيده عاماً كاملاً(15). وكان للموسيقى كذلك شأن كبير في التعليم؛ فقد كان مقر المدارس الابتدائية هو أبنية الهياكل، وكان الكهنة هم الذين يقومون بالتعليم فيها. أما التعليم العالي في الآداب، والطب، والعلوم، والفلسفة فكان يتلقى في دار المجمع العلمي الشهير في غنديسابور في سوريلنا. وكان أبناء أمراء الإقطاع وحكام الولايات يعيشون في الغالب بالقرب من الملوك، وكانوا يتلقون العلم من أمراء الأسرة المالكة في مدارس كبرى متصلة بالبلاط(16).

وظلت اللغة الفهلوية الهندي-أوروبية لغة فارس البارثية هي المستعملة في البلاد. ولم يبق مما كتب بها في ذلك العهد إلا نحو 600.000 كلمة كلها تقريباً تبحث في شؤون الدين. لكننا نعلم أنها كانت لغة واسعة(17)؛ غير أن الكهنة كانوا هم حفظتها وناقليها، ولذلك تركوا الكثير مما كتب بها في غير الدين يفنى على مر للزمان (ولعلنا قد خُدِعنا بخطة شبيهة بهذه الخدعة فظننا أن الكثرة الغالبة مما كتب من أدب العصور الوسطى في العالم المسيحي كان أدباً دينياً). وكان الملوك الساسانيون ملوكاً مستنيرين يناصرون الأدب والفلسفة، وكان أكثرهم مناصرة لها كسرى أنو شروان، فقد أمر بترجمة كتب أفلاطون وأرسطو إلى اللغة الفهلوية، وبتدريس هذه الكتب في غنديسابور، بل قرأها هو نفسه. وقد كتب في عهده كثير من المؤلفات التاريخية لم يبق منا كلها إلا الكرنماكي-أرتخشتر أو أعمال أردشير وهو مزيج من التاريخ والقصص كان هو الأساس الذي استمد منه الفردوسي كتاب الشاهنامة. ولما أغلق جستنيان مدارس أثينة فر سبعة من أساتذتها إلى فارس ووجدوا لهم في بلاط كسرى ملجأ أميناً.

ولكنهم حنوا فيما بعد إلى أوطانهم، فاشترط الملك "البربري" في المعاهدة التي عقدها مع جستنيان عام 533 أن يسمح للحكماء اليونان بالعودة إلى أوطانهم وألا يمسهم أي أذى.

وفي عهد هذا الملك المستنير أصبحت كلية غنديسابور التي أنشئت في القرن الرابع أو الخامس "أعظم المراكز الثقافية في ذلك العهد(18)"، ويهرع إليها الطلاب والمدرسون من كافة أنحاء العالم. وكان يؤمها النساطرة المسيحيون، الذين جاءوا معهم بتراجم سريانية لكتب الطب والفلسفة اليونانية. وجاء إليها أتباع الأفلاطونية الجديدة وبذروا فيها بذور العقائد الصوفية، وامتزجت فيها علوم الطب الهندية، والفارسية، والسورية، واليونانية. ونتج عنها مدرسة للعلاج مزدهرة ناجحة(19). وكان المرض حسب النظرية الفارسية ينتج إذا دنس أو تلوث ركن أو أكثر من الأركان أو العناصر الأربعة -النار، والماء، والتراب، والهواء. ويقول أطباء الفرس وكهنتهم إن الصحة العامة تتطلب إحراق كل المواد المتعفنة، وإن صحة الأفراد تتطلب الطاعة التامة لقانون الطهارة الزرداشتي(20).

ولسنا نعرف عن علم الفلك عند الفرس في ذلك الوقت أكثر من أنه قد احتفظ لهم بتقويم منظم، وأن سنتهم كانت تنقسم إلى اثني عشر شهراً في كل منها ثلاثون يوماً، وأن الشهر كان ينقسم إلى أربعة أسابيع، اثنان منها يحتوي كل منها على سبعة أيام واثنان في كل منهما ثمانية، وأنهم كانوا يضيفون خمسة أيام في آخر العام(21). وكان التنجيم والسحر منتشرين في البلاد، فلم يكونوا يقدمون على عمل هام دون الرجوع إلى أبراج النجوم، وكانوا يعتقدون أن جميع مصائر الناس على هذه الأرض تحددها النجوم الطيبة والخبيثة التي تحترب في السماء - كما تحترب الملائكة والشياطين في النفس البشرية - حرب أهورا مزدا وأهرمان القديمة.

وأعاد الملوك الساسانيون إلى الدين الزرادشتي ما كان له من سلطان ورونق. فوهبت الأراضي والعشور إلى الكهنة، وأسس نظام الحكم على أساس الدين كما كانت الحال في أوربا، وعين كاهن أكبر ذو سلطان لا يفوقه سلطان الملك نفسه رئيساً لطائفة الكهنة المجوس الوراثية، التي كانت تشرف على جميع نواحي الحياة الذهنية في فارس إلا القليل منها، وكانت تنذر كل من تحدثه نفسه بالإثم أو بالخروج على سلطان الدولة بالعذاب الدائم في الجحيم؛ وظلت تسيطر على عقول الفرس وعلى جماهير الشعب مدى أربعة قرون(22). وكانوا من حين إلى حين يحمون الأهلين من عسف الحياة والفقراء من استبداد الحكام(23). وقد بلغ من ثراء هذه الجماعة أن كان الملوك أنفسهم يستدينون أموالاً طائلة من خزائن الهياكل. وكان في كل بلدة كبيرة معبد للنار تشتعل فيه نار مقدسة يقولون إنها لا تنطفئ أبداً وترمز إلى إله النور. وكانوا يعلمون الناس أن حياة الفضيلة الطاهرة وحدها هي التي تنجي الروح من أهرمان؛ وكان لا بد للروح في حربها القائمة على الشيطان من أن تستعين بكهنة المجوس وبما يعرفونه عن الغيب، وبراقهم وسحرهم، ودعواتهم. فإذا ما نالت الروح هذه المعونة سمت إلى درجة القداسة والطهارة، وخرجت سالمة من محكمة يوم الحساب الرهيبة، واستمتعت بالنعيم المقيم في الجنة.وكانت أديان أخرى أقل منزلة من هذا الدين الرسمي تجد لها مكاناً حوله. فكان مثراس إله الشمس المحبب للبارثيين بين عدد قليل من أفراد الشعب بوصفه مساعداً لأهورا. ولكن الكهنة الزرداشتيين كانوا يعدون الخروج على الدين القومي، كما يعده المسيحيون، والمسلمون، واليهود جريمة كبرى يعاقب عليها بالإعدام. وشاهد ذلك ما حدث حين قام ماني Mani حوالي (216-276) يدعي أنه رسول رابع مكمل لبوذا، وزرادشت، ويسوع، ويدعو إلى دين قوامه العزبة، والسلام، والهدوء، إذ صلب بناء على طلب المجوس ذوي النزعة الحربية القومية، واضطر أتباعه إلى العمل على نشر دينهم في خارج البلاد. أما اليهودية والمسيحية فكانتا بوجه عام تلقيان من الملوك والكهنة الساسانيين كثيراً من التسامح، كما كانت البابوات أكثر تسامحاً مع اليهود منهم مع المارقين من الدين المسيحي. وقد وجد كثير من اليهود ملجأ لهم في الولايات الغربية من الإمبراطورية الفارسية. وكانت المسيحية قد ثبتت دعائمها في تلك الولايات حين جلس الساسانيون على العرش، وظلت لا تلقى معارضة منهم حتى أضحت الدين الرسمي لعدوي الفرس القديمين وهما بلاد اليونان وروما؛ فلما أشترك قساوستها اشتراكاً فعلياً في الدفاع عن الأقاليم البيزنطية ضد شابور الثاني، كما حدث عند نصيبين عام 338، شرع ملوك الفرس يضطهدونهم(24)، وبدأ المسيحيون في فارس يجهرون بآمالهم الطبيعية في انتصار الدولة البيزنطية. وأمر شابور في عام 341 بذبح جميع المسيحيين الساكنين في الإمبراطورية، ولما أن رأى أن قرى بأكملها من القرى المسيحية قد أقفرت من أهلها أمر بأن يقتصر على قتل القسيسين، والرهبان، والراهبات؛ ولكن 16.000 مسيحي قد أهلكوا نتيجة لهذا الاضطهاد الذي دام حتى موت شابور (379). ولما جلس يزدجر الأول على العرش (339-420) رد للمسيحيين حريتهم الدينية، وساعدهم على بناء كنائسهم، حتى إذا كان عام 422 قرر مجلس من أساقفة الفرس استقلال الكنيسة المسيحية الفارسية عن الكنيستين المسيحيتين اليونانية والرومانية.

وفي داخل هذا الإطار المكون من العبادات والمنازعات الدينية، والمراسيم والأزمات الحكومية والحروب الداخلية والخارجية، في داخل هذا الإطار كان الناس يمدون الدولة والكنيسة بمقومات حياتهما -يفلحون الأرض، ويرعون الماشية والضأن، ويمارسون الصناعات اليدوية، ويتبادلون التجارة. وكانت الزراعة عندهم من الواجبات الدينية، فكان الشعب يعلم أن تنظيف الفلوات من الأشجار والأعشاب، وزرع الأرض، والقضاء على الآفات، واستئصال الأعشاب الضارة بالنبات، وإصلاح الأراضي البور، وتسخير مجاري الماء لري الأرض -كان الشعب يعلم أن هذه الأعمال المجيدة كلها تضمن انتصار أهورا مزدا في آخر الأمر على أهرمان. وكان الفلاح الفارسي في مسيس الحاجة إلى كثير من أسباب السلوى الروحية، لأنه كان يعمل عادة بوصفه مستأجراً لأرض الأمير الإقطاعي، ويؤد ضرائب ورسوماً أخرى قدراً من المحاصيل يتراوح بين سدسه وثلثه. ونقل الفرس عن الهند حوالي عام 450 استخراج السكر من القصب حتى لقد وجد الإمبراطور الشرقي هرقل مخازن ملأى بالسكر في القصر الملكي بطيسفون (المدائن) (627)؛ ولما فتح العرب بلاد فارس بعد أربعة عشر عاماً من ذلك الوقت، عرفوا من فورهم كيف يزرعون القصب، وأدخلوا زراعته في مصر وصقلية، ومراكش، وأسبانيا ومنها انتشرت في أوربا(26). وكانت تربية الحيوانات من أهم الأعمال في بلاد الفرس، فلم تكن تفوق الخيل الفارسية إلا الجياد العربية الأصيلة في تسلسل أنسابها، وجرأتها، وجمالها، وسرعتها. وكان لكل فارسي جواد يعزه كما يعز رستم راكوش، وقد قدس الفرس الكلب لعظيم نفعه في حراسة قطعان الماشية والبيوت، وكان للقطة الفارسية شأن عظيم في كافة أنحاء البلاد.

وتطورت الصناعة في عهد الساسانيين فانتقلت من المنازل إلى الحوانيت في المدن. وكثرت نقابات الحرف، ووجدت في بعض البلدان جماعات ثورية من الصعاليك(27)، وأدخل نسج الحرير من الصين، وسرعان ما انتشرت هذه الصناعة وتقدمت حتى كان الحرير الساساني يطلب في كل مكان، وكان نموذجاً يحتذيه فن النسيج في بيزنطية، والصين، واليابان؛ وكان تجار الصين يفدون إلى إيران ليبيعوها حريرهم الخام ويشتروا منها الطنافس. والجواهر، والأصباغ الحمراء؛ وعمل الأرمن، والسوريون، واليهود على ربط بلاد الفرس، وبيزنطية، ورومة في سلسلة من التبادل التجاري البطيء. وأعانت الطرق والجسور الصالحة، التي كانت تتعهدها الدولة بعنايتها، على إنشاء طائفة من المراكز، وطرق القوافل التجارية التي ربطت طيسفون بسائر ولايات الدولة؛ وأنشئت المرافئ في الخليج الفارسي، لتيسير التجارة مع الهند. وكانت الأنظمة الحكومية تحدد أثمان الحبوب، والأدوية وغيرها من ضروريات الحياة، وتمنع تخزينها لرفع أثمانها، واحتكارها(28). وفي وسعنا أن نقدر ثراء الطبقات العليا من قصة الشريف الذي دعا ألف ضيف إلى وليمة، فلما جاءوا وجد أنه لا يملك من الصحاف ما يكفي لأكثر من خمسمائة، فاستطاع أن يستعير الخمسمائة الباقية من جيرانه(29).

ونظم أمراء الإقطاع، الذين كانوا يعيشون في الغالب في ضياعهم، طريقة استغلال الأرض ومن عليها، وألفوا الفيالق من مستأجري أرضهم ليحاربوا حروب الآمة. وكانوا يتدربون على الحرب بمطاردة الصيد بحماسة وشجاعة، فكانوا لذلك ضباطاً في سلاح الفرسان ذوى شهامة؛ وكانوا هم وجيادهم مسلحين كما كانت جيوش الإقطاع مسلحة في أوربا فيما بعد؛ ولكنهم لم يبلغوا ما بلغه الرومان في فرض النظام على جنودهم، أو في استخدام ما عرف فيما بعد من فنون هندسة الحصار والدفاع. وكان يعلوا عليهم في المنزلة الاجتماعية عظماء الأشراف الذين كانوا يتولون حكم الولايات ويرأسون المصالح الحكومية. وما من شك في أن الإدارة الحكومية كانت حازمة قديرة إلى حد بعيد؛ وشاهد ذلك أن الخزانة الفارسية كانت في أغلب الأوقات أكثر عمراناً بالمال من خزائن أباطرة الرومان، وإن كانت الضرائب في الدولة الفارسية أقل إرهاقاً مما كانت عليه في الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الغربية. ولقد كان في خزائن كسرى أبرويز في عام 626 ما قيمته 460,000,000 دولار أمريكي(30)، وكان دخله السنوي يقدر بنحو 170,000,000 دولار_ وهما مبلغان ضخمان إذا ذكرنا ما كان للفضة والذهب من قوة الشراء في العصور الوسطى.


وكان سن القوانين من عمل الملوك، ومستشاريهم، والمجوس؛ وكانوا يعتمدون في سنها على قوانين الأبستاق القديمة، وكان يترك للكهنة تفسير هذه القوانين وتنفيذها. ووصف أميانوس، الذي كان يحارب الفرس، قضاتهم بأنهم كانوا "رجالا عدولا، ذوي تجربة، وعلم بالقوانين(31)". وكان المعروف عن الفرس بوجه عام أنهم يحافظون على الوعد، وكانت الإيمان التي يقسمونها في المحاكم تحاط بهالة من التقديس، وكان الحنث في اليمين يلقى أشد العقاب في هذا العالم بحكم القانون، ويعاقب صاحبه في الدار الآخرة بوابل من السهام، والبلط والحجارة. وكان التحكيم الإلهي من الوسائل التي يلجأ إليها لكشف الجرائم، فكان يطلب إلى المتهمين أن يمشوا على مواد تحمى في النار حتى تحمر، أو يخوضوا اللهب، أو يطعموا الطعام المسموم. وكان وأد الأطفال وإسقاط الأجنة محرمين يعاقب من يرتكبهما بالإعدام. وكان الزاني إذا عرف ينفى من البلاد والزانية يجع أنفها وتصلم أذناها. وكان في وسع المتقاضين أن يستأنفوا الأحكام أمام محاكم عليا؛ ولم يكن الحكم بالإعدام ينفذ إلا إذا نظر فيه الملك وأقره.

وكان الملك يقول إنه يستمد سلطانه من الآلهة، وإنه وليهم في الأرض، وإنه يضارعهم في قوة أحكامهم، وكان يلقب نفسه حين تسمح الظروف "ملك الملوك، وملك الآريين وغير الآريين، وسيد الكون، وابن الآلهة(32)". وأضاف شابور الثاني إلى هذه الألقاب: "أخا الشمس والقمر، ورفيق النجوم" وكان الملك الساساني مطلق السلطان من الوجهة النظرية، ولكنه كان يعمل في العادة بمشورة وزرائه الذين كانوا يؤلفون مجلساً للدولة. وقد أثنى المسعودي المؤرخ المسلم على ما كان الملوك الساسانيين من إدارة ممتازة، وعلى سياستهم الحسنة النظام، وعنايتهم برعاياهم ورخاء بلادهم(33).

ويقول كسرى أنوشروان، كما جاء في كتاب ابن خلدون "لولا الجيش لما كان الملك، ولولا موارد الدولة ما كان الجيش، ولولا الضرائب ما كانت الموارد؛ ولولا الزراعة ما كانت الضرائب، ولولا الحكومة العادلة ما كانت الزراعة(34)". وكانت المَلَكِية في الأوقات العادية وراثية، ولكن كان في وسع الملك أن يختار غير ابنه الأكبر ليخلفه على العرش. وجلست ملكتان على العرش في زمنين مختلفين؛ وإذا لم يترك الملك من بعده ولياً من نسله اختار الأشراف ورجال الدين حاكماً على البلاد، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يختاروا واحداً من غير الأسرة المالكة. وكانت حياة الملك مثقلة بالواجبات والتبعات التي لا آخر لها. فقد كان ينتظر منه أن يخرج للصيد والقنص بلا خوف، وكان يخرج إليه في هودج مزركش تجره عشرة من الجمال، وعليه ثيابه الملكية. وكانت سبعة جمال تحمل عرشه، ومائة جمل تحمل الشعراء المنشدين. وقد يكون في ركابه عشرة آلاف من الفرسان؛ ولكن إذا صدقنا ما كتب من النقوش الساسانية على الصخور قلنا إنه كان ينبغي له آخر الأمر أن يمتطي صهوة جواد، ويواجه بنفسه وعلاً، أو غزالاً، أو رئماً، أو جاموساً برياً، أو نمراً، أو أسداً، أو غيرها من الوحوش التي جمعت في حديقة حيوان الملك أو "جنته". فإذا عاد من الصيد إلى قصره واجه مهام الحكم الشاقة، وسط ألف من الحشم وفي حفلات ا آخر لها. وكان عليه أن يرتدي ثياباً مثقلة بالجواهر، وأن يجلس على عرش من الذهب، ويضع على رأسه تاجاً يبلغ من الثقل حداً لابد معه أن يعلق على مسافة جد صغيرة، لا يمكن رؤيتها، من رأسه الذي لا يستطيع تحريكه. وعلى هذا النحو كان يستقبل الشعراء، والأضياف، ويتبع ما لا يحصى من المراسم الشاقة الدقيقة، ويصدر الأحكام، ويستقبل الوافدين الذين حددت لهم المواعيد ويتلقى التقريرات. وكان على الذين يدخلون عليه أن يخروا سجداً أمامه، ويقبلوا الأرض بين يديه، وألا يقفوا إلا إذا أمرهم بالوقوف، ولا يتحدثوا إليه إلا وفي فمهم منديل خشية أن تعدي أنفاسهم الملك أو تدنسه. فإذا جاء الليل دخل على إحدى زوجاته أو محظياته يبذر فيها بذوره العليا.

الفصل الثاني: الملكية الساسانية

تقول الرواية الفارسية إن ساسان كان كاهناً في برسبوليس (اصطخر)، وإن ابنه باباك Papak كان أميراً صغيراً في خور، وإن باباك قتل جوزهر، حاكم الولاية الفارسية، وأعلن نفسه ملكاً على تلك الرواية، وأورث سلطانه ابنه شابور، وإن شابور مات نتيجة لحادثة وقعت في الوقت المناسب، فخلفه ابنه أردشير. وأبى أرطبانوس الخامس آخر ملوك الفرس الأرساسيين أو البارثيين أن يعترفوا بهذه الأسرة المحلية الجديدة؛ فحاربه أردشير وهزمه (224)، وصار ملك الملوك (226). فلما تم له هذا استبدل بحكم الأرساسيين الإقطاعي المفكك حكماً ملكياً قوياً أداته بيروقراطية مركزة كثيرة الفروع؛ وكسب تأييد رجال الدين بأن أعاد العقيدة الزرادشتية وأعاد إلى كهنتها سابق سلطانهم، وأثار كبرياء الشعب بأن أعلن أنه سيقضي على النفوذ الهلنستي في فارس، ويثأر لدارا من ورثة الإسكندر، ويستعيد كل الأقاليم التي كانت فيما مضى تحت حكم الملوك الأكمينيين. والحق أنه قدير بوعده هذا أو كاد. فقد قام بحملات خاطفة مدت حدود باد الفرس في الشمال إلى نهر جيحون، وفي الغرب إلى نهر الفرات، ووضع التاج قبل أن تدركه المنية في عام 241 على رأس ابنه شابور، وأمره أن يلقي باليونان والرومان في البحر.

وورث شابور الأول عن أبيه قوته ودهاءه؛ وتمثله النقوش التي على الصخور بهي الطلعة، نبيل الملامح، ولكن هذه النقوش كانت بلا ريب تحيات من صانعيها جرى العرف بأن تكون على هذه الصورة. وقد تلقى شابور تعليماً طيباً، ونشأ على حب العلم، ويقال إنه أعجب بحديث أوسطاثيوس Eustathius السوفسطائي سفير اليونان إعجاباً جعله يفكر في اعتزال الملك ليتفرغ للفلسفة(35) وخالف سميه بأن أطلق الحرية الكاملة لجميع الأديان، وسمح لماني بأن يلقي مواعظه الدينية في بلاطه؛ وأعلن أن "المجوس، والمانيين، واليهود، والنصارى، والناس جميعاً أياً كان دينهم يجب أن يتركوا وشأنهم في جميع أنحاء إمبراطوريته(6). وواصل ما بدأه أردشير من تنقيح الأبستاق، فأقنع الكهنة بأن يضموا إلى كتابهم المقدس أبواباً في غير شؤون الدين تشمل علوم ما بعد الطبيعة والفلك، والطب، معظمها مأخوذ من بلاد الهند واليونان. وكان سخياً في مناصرة الفنون، ولم يبلغ ما بلغه شابور الثاني، أو كسرى الأول والثاني، من براعة في قيادة الجند، ولكنه كان أقدر الملوك الساسانيين جميعاً في الشؤون الإدارية. وأنشأ له عاصمة جديدة في شاه بور لا تزال آثارها تحمل اسمه حتى الآن، وأقام عند ششتار على نهر قارون سداً يعد من أكبر الأعمال الهندسية في التاريخ القديم. وقد بني هذا السد من كتل ضخمة من الحجر الأعبل (الجرانيت)، تكون منها جسر طوله 1710 قدم، وعرضه عشرون قدماً. وحول مجرى النهر مؤقتاً لكي يستطاع إقامة البناء؛ ورصف قاع المجرى عنده رصفاً متيناً؛ وأنشئت فيه بوابات لتنظيم تصريف المياه. وتقول الرواية المتواترة إن شابور استخدم في تخطيط السد وبنائه مهندسين وأسرى من الرومان. وقد ظل هذا السد يؤدي الغرض منه حتى هذا القرن(37). ثم حول شابور اهتمامه على كره منه إلى الحرب والقتال، فغزا سوريا، ووصل في حملته إلى إنطاكية، ولكنه هزم في معركة مع جيش روماني فعقد مع روما صلحاً (244)، استردت بمقتضاه جميع ما كان قد استولى عليه في حروبه. غير أنه حقد على أرمينية أن تعاونت عليه مع روما، فزحف على تلك البلاد، وأقام فيها أسرة صديقة لفارس (252)؛ ولما حمى بذلك جناحه الأيمن، عاد إلى قتال روما، فهزم الإمبراطور فلبريان وأسره (260)، ونهب إنطاكية، واستولى على آلاف من الأسرى سخرهم للعمل في إيران(260). ثم انضم أدناثوس حاكم تدمر إلى روما، فاضطر شابور مرة أخرى إلى الاكتفاء بأن يكون نهر الفرات الحد الفاصل بين أملاك الفرس والرومان.

وخلفه على العرش فيما بين 272-302 ملوك لم يرق أحد منهم إلى ما فوق الدرجة الوسطى من الكفاية. ويأتي بعد هذا هرمز الثاني (302- 309) الذي يشيد التاريخ بحكمه القصير الأجل، والذي بدأ فيه طائفة من الأعمال النافعة وبسط على البلاد لواء السلم والرخاء. وبذل الملك عناية كبيرة فى ترميم الأبنية العامة، والمساكن الخاصة، موجهاً أكبر اهتمامه إلى مساكن الفقراء، وكان ينفق على هذه الأعمال كلها من أموال الدولة. وأنشأ محكمة جديدة خصها بسماع شكاوى الفقراء ضد الأغنياء، وكثيراً ما كان يتولى رياستها بنفسه. ولسنا نعرف هل كانت هذه العادات الغريبة هي التي حرمت ابنه من وراثة العرش؛ وسواء كان ذلك أو لم يكن فقد حدث على أثر وفاة هورمز أن زج النبلاء بابنه في السجن، وأعطوا الملك لابنه الذي لم يولد بعد، ولقبوه في ثقة واطمئنان بشابور الثاني، وأرادوا ألا يتركوا في الأمر مجالا للشك فتوجوا الجنين بأن علقوا التاج الملكي على رحم أمه(38).

وبهذه البداية الطيبة حكم شابور الثاني أطول حكم في تاريخ آسية (309-379). وقد درب منذ طفولته على الفنون الحربية، فقوى جسمه وإرادته، حتى إذا بلغ السادسة عشرة من عمره تولى شؤون الملك ونزل إلى ميدان القتال، فغزا شرقي جزيرة العرب وخرب حوالي عشرين قرية، وقتل آلافاً من الأسرى، وقاد ألفاً غيرهم إلى الأسر في حبال ربطها بجروحهم. وفي عام 337 شن الحرب على روما للسيطرة على الطرق التجارية المؤدية إلى بلاد الشرق الأقصى، وواصلها حتى وفاته تقريباً إذا استثنينا فترات من السلم قصيرة. وكان اعتناق روما وأرمينية للدين المسيحي سبباً في ازدياد نيران الحرب شدة على شدتها كأن الآلهة هي الأخرى قد نزلت إلى الميدان، وجاءت معها بكل ما يحدثنا عنه هومر من وحشية في القتال. وظل شابور أربعين عاماً يقاتل طائفة كبيرة من أباطرة الروم واحداً بعد واحد، قصده يوليان إلى طيسفون، ولكنه ارتد بعد ذلك ارتداداً غير شريف؛ واضطر جوفيان أمام تفوق عدوه عليه في الفنون العسكرية أن يعقد مع شابور صلحاً نزل له بمقتضاه عن الولايات الرومانية الممتدة على نهر دجلة وعن أرمينية كلها. ولما مات شابور الثاني كانت بلاد الفرس قد بلغت ذروة سلطانها وهيبتها، وكانت مائة ألف فدان من أرضها قد أصلحت واستخدم في إصلاحها الأسرى من الأعداء.

وانتقل ميدان الحرب في القرن التالي إلى حدود الفرس الشرقية. فقد حدث حوالي عام 425 أن استولت على الأقاليم المحصورة بين نهري سيحون وجيحون جماعات طورانية يطلق عليها اليونان اسم الهفثاليين Ephthalites، ويلقبون خطأ باسم "الهون البيض"، استولوا على الإقليم المحصور بين نهري سيحون وجيحون وحاربهم الملك بهرام الخامس الساساني (420-438)، المعروف باسم الغور -أي "الحمار الوحشي"- لجرأته في أعمال الصيد، وانتصر عليهم، ولكنهم بعد وفاته أخذوا ينتشرون في الإقليم لكثرة تناسلهم وتفوقهم في القتال، وأنشأوا لهم إمبراطورية امتدت من بحر الخزر إلى نهر السند، وجعلوا عاصمتها جرجران، وكانت أشهر مدنها بلخ، وهزموا فيروز شاه وقتلوه (459-484)، وأرغموا الشاه الذي خلفه على أداء الجزية.

وبينما كان الخطر يتهدد فارس من جهة الشرق، إذ ضربت الفوضى أطنابها في البلاد، نتيجة لاضطرار الملكية إلى الكفاح للمحافظة على سلطانها ضد الأشراف ورجال الدين. وفكر كفاده الأول (488-531) في أن يضعف أولئك الأعضاء بمناصرة إحدى الحركات الشيوعية، التي كانت تتخذهم الهدف الأول لهجاتها وتفصيل ذلك أن أحد رجال الدين الزرادشتيين المدعو مزدق قد أعلن في عام 490 أنه مرسل من عند الله للدعوة إلى عقيدة قديمة مضمونها أن الناس جميعاً يولدون أكفاء، وأن ليس لأحد من الناس حق طبيعي في أن يمتلك أكثر مما يمتلكه غيره، وأن المِلْكية والزواج من البدع التي ابتدعها البشر، وأنها أخطاء عاقبتها البؤس والشقاء، وأن السلع جميعها والنساء كلهن يجب أن تكون ملكاً مشاعاً لجميع الرجال. ويقول عنه أعدائه إنه كان يجيز السرقة، والزنى ومضاجعة المحارم ويتخذ هذه الأعمال وسيلته الطبيعية لمقاومة الملكية والزواج، ويقول إنها الطرق المشروعة للوصول إلى المدينة الفاضلة. واستمع إليه الفقراء وبعض الطوائف الأخرى مغتبطين، ولكن أكبر الظن أن مزدق نفسه قد أدهشته أن يجد ملكاً يوافق على آرائه. وبدأ أتباعه ينهبون بيوت الأغنياء، ثم لا يكتفون بهذا بل يسبون نساءهم أيضاً، ويأخذون أثمن ما في هذه البيوت ومن فيها من جوار ومحظيات حسان. وثارت ثائرة الأشراف فزجوا كفاده في السجن وأجلسوا أخاه جامسب على العرش. وقضى كفاده في "قلعة النسيان" ثلاث سنين فر بعدها من السجن، وهرب إلى الإفثاليين، ورأى هؤلاء الفرصة سانحة لأن يكون حاكم بلاد الفرس خاضعاً لسلطانهم، فأمدوه بجيش وساعدوه على أخذ طيسفون عنوة. ونزل جامسب عن العرش، وفر الأشراف إلى ضياعهم في الريف، وأصبح كفاده مرة أخرى ملك الملوك (499). ولما استتب له الأمر غدر بالشيوعيين، وقتل مزدق وآلافاً من أتباعه(39). ولعل هذه الحركة قد رفعت من شأن العمل اليدوي، لأن قرارات مجلس الدولة بعدئذ لم يكن يوقعها الأمراء ورجال الدين وحدهم، بل كان يوقعها معهم رؤساء نقابات الحرف(40). وحكم كفاده بعد ذلك جيلاً آخر؛ وحارب أصدقاء الإفثاليين وانتصر عليهم، وحارب روما حرباً غير حاسمة، ثم مات وترك العرش لابنه الثاني كسرى أعظم ملوك الساسانيين جميعاً.

كان خسرو الأول ("أي صاحب المجد المتقى" 531-579) يعرف عند اليونان باسم كسروس Chosroes وعند العرب باسم كسرى؛ ولقبه الفرس بأنوشروان ("الروح الخالدة"). ولما أن ائتمر به اخوته الأكبر منه سناً ليخلعوه قتل اخوته جميعاً، وقتل جميع أبنائهم عداً واحداً منهم. ولقبه رعاياه "بالعادل"، ولعله يستحق هذا اللقب إذا فرقنا بين العدالة والرحمة. ويصفه بروكبيوس بأنه كان "بارعاً إلى أقصى حد في تصنع التقى" وفي نكث العهد(41) ولكن بروكبيوس من ألد أعدائه. ويثنى الطبري المؤرخ الفارسي الأصل على "نفاذ بصيرته، وعلمه، وذكائه، وشجاعته، وحصافة رأيه" وينطقه بخطبة ألقاها أول ما جلس على العرش، وهي خطبة قد أحسن المؤرخ اختراعها إن لم يكن صادقاً في نسبتها إليه(42). ونظم كسرى الحكومة كلها على أساس جديد وأختار أعوانه لكفايتهم بصرف النظر عن طبقتهم، ورفع منزلة بزرجمهر مربي ولده فجعله من كبار وزرائه، وقد طبقت شهرة هذا الوزير الآفاق. واستبدل بجنود الإقطاع الغير مدربين جيشاً نظامياً دائماً حسن النظام كامل العدة، وأنشأ نظاماً عادلاً للضرائب، وجمع القوانين الفارسية ونظمها، وأنشأ الترع والجسور لإصلاح نظام الري ومد المدن بالماء، وأصلح الأراضي لبور بأن أمد أصحابها بالماشية، والآلات والبذور. وشجع التجارة ووسع نطاقها بإنشاء الجديد من الطرق والجسور، وإصلاح ما كان قائماً منها وتعهده، وقصارى القول أنه بذل جهوده العظيمة كلها في خدمة الشعب والدولة. وشجع الزواج -أو أرغم الناس عليه إرغاماً- لاعتقاده أن بلاد الفرس في حاجة إلى المزيد من الناس لحرث أرضها وحماية تخومها. وحمل العزاب على الزواج بأن وهب البائنات للزوجات، وأمر بتعليم أبنائهم على نفقة الدولة(43). وكان يربي الأطفال اليتامى والفقراء ويعلمهم وينفق عليهم من أموال العامة، ويعاقب المرتدين عن الدين بالإعدام، ولكنه كان يسمح بانتشار المسيحية حتى بين حريمه. وقد قرب إليه الفلاسفة، والأطباء، والعلماء، من بلاد الهند واليونان، وكان يسره أن يبحث معهم مشاكل الحياة، والحكم، والموت. وكان من الموضوعات التي دار حولها البحث ذلك السؤال:

"ما هو أشد أنواع البؤس؟". وأجاب أحد الفلاسفة اليونان عن هذا السؤال بقوله:"هو الشيخوخة المصحوبة بالفقر والبلاهة": وأجاب فيلسوف هندي بل هو "العقل القلق في الجسم السقيم". وكسب وزير كسرى ثناء جميع المجلس بحق حين قال "أما أنا فأعتقد أن أشقى الشقاء أن يرى الإنسان آخرته منه من غير أن يكون قد مارس الفضيلة"(44). وكان كسرى يناصر الآداب، والعلوم، ويعين العلماء على متابعة الدرس بالهبات القيمة، ويمد بالمال المترجمين والمؤرخين. وبلغت جامعة غنديسابور في أيامه ذروة مجدها. وكان يحرص كل الحرص على حماية الأجانب في بلاده فكان بلاطه لهذا السبب غاصاً على الدوام بكبار الزائرين من البلاد الأجنبية.

ولما جلس على العرش جهر برغبته في أن يعقد الصلح مع روما. ووافق جستنيان على هذه الرغبة لأنه كان يعد العدة لغزو أفريقية وإيطاليا، ووقع "الأخوان" في عام 532"صلحاً دائماً". ولما أن سقطت أفريقية وإيطاليا في يد جستنيان طالب كسرى متفكهاً بقسط من الغنيمة، وحجته أن بيزنطية لم تكن لتصل إلى هذا النصر لو أن فارس لم تعقد معها الصلح، فبعث إليه جستنيان ببعض الهدايا القيمة(45). وفى عام 539 أعلن كسرى الحرب على "روما" بحجة أن جستنيان قد أخل بشروط الصلح، ويؤيد بركبيوس هذه التهمة. لكن أكبر الظن أن كسرى قد رأى أن من الحكمة أن يبادر بالهجوم على جستنيان وجيوشه لا تزال مشغولة في الغرب، فذلك في رأيه خير له من أن ينتظر حتى تنتصر بيزنطية ثم توجه قوتها كلها ضد فارس. يضاف إلى هذا أن كسرى قد بدا له ألا بد لبلاد الفرس من امتلاك مناجم الذهب في طربزون وأن يكون لها منفذ على البحر الأسود. ولهذا زحف على سوريا، وحاصر هيرابوليس، وأباميا، وحلب، وتركها وشأنها بعد أن افتدت أنفسها بكثير من المال، وسرعان ما وقف أمام إنطاكية. ولم يبال أهلها به وبقوته فحيوه من فوق الأسوار بوابل من السهام وقذائف المنجنيقات، وبوابل آخر من ألفاظ السخرية الوقحة التي اشتهرت بها هذه المدينة في كافة أنحاء العالم(46). واستشاط المليك غضباً فهجم على المدينة واستولى عليها عنوة، ونهب كنوزها، وأحرق جميع مبانيها عدا كنيستها الكبرى، وذبح عدداً كبيراً من أهلها، وساق من بقي منهم ليعمروا "إنطاكية" أخرى في بلاد الفرس، ثم نزل مبتهجاً ليستحم في البحر المتوسط الذي كان في وقت من الأوقات حد دولة الفرس الغربي. وأرسل - جستنيان قائده بليساريوس لينقذ بلاده، ولكن كسرى عبر الفرات على مهل مثقلاً بالغنائم، وفضل القائد الحصيف ألا يتبعه (541). وما من شك في أن انتهاء الحروب التي قامت بين الفرس والرومان إلى نهاية غير حاسمة إنما يرجع بعضه إلى تعذر إقامة حامية قوية على ناحية العدو من الصحراء السورية أو جبال طوروس، وإن كان ما أدخل حديثاً من تحسين على وسائل النقل والاتصال قد جعل الحروب الكبيرة في أمثال تلك الأصفاع مستطاعة في هذه الأيام. وقام كسرى بعدئذ بثلاث غزوات على آسية الرومانية زحف فيها على تلك البلاد زحفاً سريعاً، وحاصر عدداً من مدنها، وأخذ منها الفداء والأسرى، ونهب ريفها، ثم ارتد عنها في أمان (542-543) وأدى له جستنيان عام 542 ألفي رطل من الذهب (نحو 840.000 دولار أمريكي) ثمناً لهدنة تدوم خمسة أعوام على أن يؤدي إليه بعد انتهائها 2600 رطل أخرى نظير امتدادها خمسة أعوام جديدة وبعد أن دامت الحرب بين العاهلين الطاعنين في السن جيلاً من الزمان تعهد آخر الأمر (562) بأن يحتفظا بالسلم خمسين عاماً، وتعهد جستنيان بأن يؤدي للفرس ثلاثين قطعة من الذهب في كل عام (7.500.000 دولار أمريكي)، ونزل كسرى عن حقه في جميع الأقاليم المتنازع عليها في بلاد القوقاز والبحر الأسود.

ولكن كسرى لم يفرغ بهذا من حروبه كلها. فقد أرسل حوالي عام 570 بناء على طلب الحميريين المقيمين في الجنوب الغربي من جزيرة العرب جيشاً من عنده ليخلصهم من الأحباش الذين فتحوا بلادهم. فلما أنجى الفرس الحميريين من الغزاة، وجد هؤلاء أن بلادهم قد أضحت ولاية فارسية. وكان جستنيان قد عقد حلفاً مع بلاد الحبشة، ورأى خلفه جستين الثاني أن طرد الفرس للأحباش من جزيرة العرب عمل عدائي موجه له. هذا إلى أن الترك الضاربين على الحدود الشرقية لبلاد الفرس قد اتفقوا سراً أن ينضموا إلى من يهاجمون كسرى. وأعلن جستين الحرب في عام 572. ونزل كسرى إلى الميدان بنفسه لعى الرغم من كبر سنه، واستولى على مدينة دارا الواقعة على الحدود الرومانية؛ ولكن صحته خانته فهزم لأول مرة في حياته (578)، وارتد إلى طيسفون حيث وافته منيته في عام 579 ولسنا نعرف سنه بالضبط حين وفاته. وقد امتد حكمه ثمانية وأربعين عاماً كسب فيها كل ما خاضه من الوقائع عدا واقعة واحدة؛ ووسع حدود إمبراطوريته في جميع جهاتها، وجعل بلاد الفرس أقوى منها في أي عهد آخر بعد عهد دارا الأول؛ ووهبها نظاماً من الحكم بلغ من شأنه أن العرب حين فتحوا تلك البلاد فيما بعد اتخذوه نظاماً لحكمها دون أن يدخلوا عليه تغييراً يستحق الذكر. ويكاد كسرى أن يكون معاصراً لجستنيان؛ ولكن معاصريهما مجمعون على أنه أعظم ملكين، ويعده من جاء بعده من الفرس أقوى من حكم بلادهم في تاريخها كله وأعظمهم شأناً.

وحكم بعده ابنه هرمز الرابع (579-589) ولكن قائده بهرام قوبين خلعه وأعلن نفسه وصياً على كسرى الثاني ابن هرمز (589)، ثم أعلن نفسه ملكاً بعد عام واحد من ذلك الوقت. ولما بلغ كسرى سن الرشد طالب بعرش أبيه؛ فرفض بهرام طلبه، ففر كسرى إلى هيرابوليس في سوريا الرومانية؛ وعرض عليه الإمبراطور اليوناني موريس أن يعيده إلى ملكه إذا انسحب الفرس من أرمينية. ووافق كسرى على هذا الطلب؛ وشهدت طيسفون ذلك المنظر العجيب الفذ منظر جيش روماني يُجلس على العرش ملكاً فارسياً (596).

وبلغ كسرى أبرويز (الظافر) درجة من السلطان لم يبلغها ملك آخر من ملوك الفرس منذ أيام خشيارشاي، ومهد السبيل لسقوط دولته؛ ذلك أنه لما قتل فوفاس موريس وجلس مكانه على العرش أعلن أبرويز الحرب على المغتصب (306) انتقاماً لصديقه؛ ولكن الواقع أن الحرب لم تكن إلا تجديداً للنزاع قديم. وكانت الدولة البيزنطية قد مزقها الشقاق والتحزب، فلم تجد جيوش الفرس صعوبة في الاستيلاء على دارا، وأميدا، والرها، وهيرابوليس، وحلب، وأباميا، ودمشق (605-613). وزاد هذا النصر من حماسة أبرويز فأعلن الحرب الدينية على المسيحيين، وانضم 26.000 من اليهود إلى جيشه، ونهبت جيوشه المتحدة في عام 614 أورشليم، وقتلت 90.000 من المسيحيين(47)، وأحرقت كثيراً من كنائسها ومن بينها كنيسة الضريح المقدس، وأخذ الصليب الحق، وهو أعز أثر على المسيحيين، إلى بلاد الفرس. وأرسل أبرويز إلى هرقل Heraclius الإمبراطور الجديد رسالة دينية قال فيها: "من كسرى أعظم الآلهة وسيد الأرض كلها إلى هرقل عبده الغبي الذليل: إنك تقول إنك تعتمد على إلهك، فلم إذن لم ينقذ أورشليم من يدي؟"(48). واستولى جيش فارس على الإسكندرية في عام 616، ولم يحل عام 619 حتى دخلت مصر كلها في حوزة ملك الملوك، وهو ما لم يحدث لها منذ أيام دارا الثاني. وفي هذه الأثناء كان جيش فارسي آخر يجتاح آسية الصغرى ويستولي على خلقيدون (617)؛ ولبثت تلك المدينة في أيدي الفرس عشر سنين وهي التي لم يكن يفصلها عن القسطنطينية إلا مضيق البسفور. وكان أبرويز في هذه السنين العشر يدمر الكنائس، وينقل ما فيها من الآثار الفنية والكنوز إلى بلاد الفرس ويفرض على آسية الغربية من الضرائب الفادحة ما ينضب منه معينها وما أعجزها عن مقاومة غزو العرب الذي لم يكن بينها وبينه وقتئذ إلا نحو جيل من الزمان.

ثم ترك كسرى تصريف الحرب لقواده، وعاد لينقلب في اللهو والترف في قصره بدستجرد (على بعد نحو ستين ميلاً من طيسفون)؛ وقضى وقته بين الفن والحب. وجمع المهندسين، والمثالين، والمصورين، ليجعل عاصمته الجديدة أعظم شأناً من عاصمته القديمة، ولينحت صوراً مشابهة لشيرين أجمل زوجاته الثلاثة آلاف وأحبهن إلى قلبه. وشكا الفرس قائلين إنها امرأة مسيحية، وادعى بعضهم أنها قد أدخلت الملك في دينها، وسواء كان هذا أو لم يكن فقد سمح لها والحرب الدينية دائرة رحاها أن تنشئ كثيراً من الكنائس والأديرة. ولكن بلاد الفرس التي عمها الرخاء لكثرة ما أفاء عليها من الأسلاب والأرقاء، كان في وسعها أن تغفر لمليكها لهوه وترفه، وفنه، وتسامحه الديني، وترحب بفتوحه وترى فيها النصر النهائي على بلاد اليونان والرومان، ولأهورا مزدا على المسيح. لقد جوزي الإسكندر أخيراً على فعلته، وانتقم الفرس من اليونان لهزائمهم في مرثون، وسلاميس، وبلاتية، وأربيلا.

ولم يكن باقياً للإمبراطورية البيزنطية إلا عدد قليل من الثغور الأسيوية وقليل من أرض إيطاليا، وأفريقية، وبلاد اليونان، وأسطول لم يهزم بعد، وعاصمة محاصرة جن جنونها من الرعب واليأس. ولبث هرقل عشر سنين ينشئ جيشاً جديداً ودولة جديدة من أنقاض الجيش القديم والدولة القديمة. فلما تم له ذلك لم يحاول عبور البسفور إلى خلقيدون بل تجنب ذلك العمل الكثير النفقة والمشقة، وأبحر بأسطوله إلى البحر الأسود ثم اخترق أرمينية وهاجم بلاد الفرس من خلفها، ودمر كلورمية Clorumia مسقط رأس زرادشت، كما ضرب كسرى من قبل مدينة أورشليم، وأطفأ نارها المقدسة الخالدة (624). وسير إليه كسرى الجيوش يتلو بعضها بعضاً، ولكن هرقل هزمها جميعاً، ولما تقدم اليونان فر كسرى إلى طيسفون. وآلم قواده ما كان يوجهه إليهم من إهانات فانضموا إلى النبلاء وخلعوه، ثم سجنوه ولم يطعموه إلا الخبز القفار والماء، وذبحوا ثمانية عشر من أبنائه أمام عينيه، وانتهى أمره بأن قتله ابن من أبنائه يدعى شيروى (628).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: الفن الساساني

لم يبق من الآثار ما يدل على ثراء ملوك ساسان ومجدهم إلا بقايا الفن الساساني، ولكن هذه البقايا تكفي وحدها لأن تزيد إعجاباً بقدرة الفن الفارسي على البقاء من عهد دارا الأكبر واصطخر إلى عهد الشاه عباس وأصفهان، وبقدرته على التكيف لمواءمة ما يحيط به من الظروف. فأما ما بقي من العمارة الساسانية فكله غير ديني، فقد اختفت من الوجود هياكل النار المقدسة، ولم يبقى قائماً إلا القصور الملكية، وحتى هذه ليست إلا "هياكل ضخمة"(49) قد تجردت من زمن طويل مما كانت تزدان به واجهاتها من حلي مصنوعة من الجص. وأقدم هذه الخربات كلها ما يسمونه قصر أردشير الأول في فيروز آباد القائمة إلى الجنوب الشرقي من شيراز. ولا يعرف أحد تاريخ بنائه، ويختلف ظن المؤرخين بين 340 ق.م، 460 م ولا تزال قبة هذا البناء الضخمة بعد أن مضى عليها خمسة عشر قرناً تقلب عليها في خلالها الحر والبرد، والسرقات والحروب، لا تزال هذه القبة باقية إلى الآن تغطي بهواً فسيحاً، تعلو في الجو مائة قدم؛ ويبلغ عرضها خمساً وخمسين قدماً. وثمة مدخل ذو قوس يبلغ ارتفاعه تسعاً وثمانين قدماً، وعرضه اثنتين وأربعين، يقسم الموجهة التي طولها 170 قدماً قسمين، وقد تهدمت هذه الواجهة في هذه الأيام، وكانت أقواس صغيرة تؤدي من قطري البهو المستطيل الأوسط إلى قبة دائرية. وقد ابتدعت طريقة فذة ظريفة لحمل ضغط القبة، فأقيم جدار مزدوج أجوف ربط إطاره الداخل والخارجي بعقد دائري وبذلك زاد الجدار الخارجي من قوة الجدار الداخلي، ثم زيدت قوة الجدار المزدوج مرة أخرى بدعامات من الخارج مكونة من أنصاف عمد مربعة مسندة من الحجارة الثقيلة وملتصقة بالبناء. ذلك طراز معماري يختلف كل الاختلاف عن الطراز القديم ذي العمد الذي كان في برسبوليس -وهو طراز فج سمج غير ظريف ولكنه قد استخدمت منه أشكال بلغت كمالها في كنيسة أياصوفيا متى أقامها جستنيان.

وهناك غير بعيد من هذا الأثر عند سروستان أثر آخر شبيه به وهو مثله لا يعرف تاريخه ويتكون من واجهة ذات ثلاثة أقواس، وبهو أوسط كبير، وحرات واسعة تعلوها قباب بيضية الشكل، وأقواس دائرية، وأنصاف قباب لتقوية البناء. وليس ببعيد أن تكون الدعامات الهيكلية التي يسميها المهندسون بالدعامات "الطائرة" المعروفة في الهندسة القوطية قد تطورت من هذه الأنصاف القباب بأن أزيل منها الهيكل الخارجي الذي تستند إليه(51).

وإلى الشمال الغربي من مدينة السوس توجد بقايا قصر خرب آخر يعرف بالإيواني خارقه، وهو أقدم مثل معروف للعقود المستعرضة ذات أضلاع تخترقه من جانب إلى آخر(52). لكن أروع الآثار الساسانية كلها وأعظمها تأثيراً في النفس، أثر بعث لضخامته الرهبة في قلوب العرب الفاتحين وهو القصر الملكي في طيسفون وهو الذي يسميه العرب طاق كسرى (الأول). وربما كان هو البناء الذي وصفه في عام 638 مؤرخ يوناني قال عنه إن جستنيان "بعث إلى كسرى برخام يوناني وصناع مهرة شادوا له قصراً على الطراز الروماني غير بعيد من طيسفون"(53). وقد تهدم جناحه الشمالي في عام 1888؛ وزالت منه القبة؛ لكن جدرانه الثلاثة الضخمة ترتفع إلى مائة قدم وخمسة أقدام، وتنقسم واجهة البناء أفقياً إلى خمس بوائك مسدودة وفي البناء عقد عال أوسط -وهو أعلى العقود الأهليلجية المعروفة وأوسعها، إذ يبلغ ارتفاعه 85 قدماً وعرضه 72- يؤدي إلى بهو طوله 115 قدماً وعرضه 75، لقد كان الملوك الساسانيون مولعين بالحجرات الواسعة. وهذه الواجهات المخربة تحاكي الواجهات الرومانية التي لا تبلغ درجة كبرى من الرشاقة أمثال ملهى مرسلس Marcellus، وتؤثر في الناظر إليها بروعتها أكثر مما تبره بجمالها. لكننا لا نستطيع أن نحكم على الجمال الماضي بالخربات القائمة في هذه الأيام.

وليس أعظم ما يستهوي الإنسان من الآثار الساسانية هو قصور اللبن المحطمة بل هو النقوش المحفورة على جوانب الجبال الفارسية. وقد تطورت هذه الأشكال الضخمة من النقوش الأكيمينية، وتراها في بعض الأحيان مجاورة لها في مكان واحد، كان أصحابها قد أرادوا أن يؤكدوا استمرار قوة الفرس وتكافؤ الملوك الساسانيين والأكيمينيين، وأقدم هذه النقوش الساسانية تمثل يطأ بقدمه عدواً مطروحاً على الأرض وربما كان هذا العدو آخر الأرساسيين، وأجمل من هذا نقشي رستم القريب من اصطخر الذي يخلد ذكرى أردشير، وشابور الأول، وبهرام الثاني. وقد صور فيه الملوك كبار الأجسام ولكن أجسامهم كأجسام معظم الملوك والسوقة، يصعب عليها أن تنافس أجسام الحيوانات في رشاقتها وتناسب أعضائها وشبيه بهذا نقشي -رجب، ونقش آخر عند شابور، فيهما صور حجرية قوية لشابور الأول وبهرام الأول والثاني. وفي طاق البستان القريب من كرمنشاه نرى قوسين قائمين على عمودين محفورين حفراً قليل البروز في الصخور، ونقوشاً على وجهي الأقواس من الداخل والخارج تمثل شابور الثاني وكسرى أرويز يصيدان الوحوش. ونرى الفيلة السمينة، والخنازير البرية تبعث الحياة في هذا الحجر الأصم، وقد بذلت في تصوير أوراق الأشجار عناية كبيرة، وحفرت تيجان الأعمدة حفراً جميلاً. ولسنا ننكر أننا لا نرى في هذه النقوش ما نراه في الحركات اليونانية من رشاقة أو في الخطوط اليونانية من يسر ونعومة، وأنا لا نجد فيها حرصاً شديداً على الفردية، ولا عناية بفن المنظور، كما أنها ليس فيها إلا القليل من مجاراة النماذج المألوفة؛ ولكنها مع هذا لا تقل عن معظم النقوش الكبرى في روما الإمبراطورية عظمة وفخامة، وقوة وحيوية ورجولة.

ويبدو أن هذه النقوش المنحوتة في الصخر كانت ملونة، شأنها في ذلك شأن الكثير من زينات القصور، ولكن هذه الألوان لم يبق منها إلا آثار قليلة. بيد أن أدب الفرس لا يترك مجالاً للشك في أن فن التصوير قد ازدهر في عصر الساسانيين؛ ويقول الكتاب إن النبي ماني أنشأ مدرسة للتصوير؛ ويحدثنا الفردوسي عن كبار رجال الفرس الذين يزينون قصورهم بصور الأبطال الإيرانيين(54)، ويصف الشاعر البحتري ما كان على جدران قصر المدائن من صور ملونة(55). وكان من عاداتهم أنه إذا مات ملك من ملوك الساسانيين استُدعي أعظم مصور في زمانه لرسم صورة له تضم إلى مجموعة الصور المحفوظة في الخزانة الملكية(56).

واشتركت في فنون التصوير، والنحت، والخزف وغيرها من فنون الزينة مع فن المنسوجات الساسانية في نقوسها؛ فقد كانت الأقمشة الحريرية، والمطرزات، والمنسوجات والموشاة، والدقمس المشجر، والأنسجة المزركشة المعلقة على الجدران، وأغطية الكراسي، والسردقات، والخيام، والطنافس، كانت هذه كلها تنسج بمنتهى الصبر والمهارة، وتصبغ بصبغات ساخنة صفراء، وزرقاء، وخضراء. وكان كل فارسي، عدا الفلاح والكاهن، يأمل أن يلبس أحسن مما تمكنه طبقته من لبسه، وكثيراً ما كانت الهدايا تتخذ شكل أثواب فخمة، وكانت الطنافس الزاهية الألوان من مستلزمات الثراء في الشرق من أيام الآشوريين الأقدمين. وقطع النسيج الساسانية التي تزيد على العشرين قطعة، والتي هي كل ما نجا من عوادي الدهر، هي أغلى قطع النسيج الباقية في العالم في هذه الأيام. ولقد كان العالم القديم كله من مصر إلى اليابان حتى في عصر المنسوجات الساسانية يعجب بها ويسعى لمحاكاتها؛ وكانت هذه المنسوجات الوثنية في أيام الحروب الصليبية تفضل على غيرها من المنسوجات لتلف بها مخلفات القديسين المسيحيين. ولما أن استولى هرقل على قصر كسرى أبرويز في دستجرد كان من أثمن غنائمه أقمشة مطرزة رقيقة، وطنفسة كبيرة(58). ومن التحف الذائعة الصيت "طنفسة الشتاء" لكسرى أنوشروان. وقد نقشت هذه الطنفسة لتنسيه نقوشها التي تمثل مناظر الربيع والصيف برد الشتاء. كان فيها أزهار وفاكهة منسوجة من الياقوت، وكانت فيه ماسات تنمو بجوار جدران من الفضة؛ وجداول من اللؤلؤ فوق أرضية من الذهب(59)، وكان مما يفخر به هارون الرشيد طنفسة ساسانية كبيرة مرصعة بالجواهر(60). وقد بلغ من مهارة الفرس أن كانوا يكتبون قصائد الحب على طنافسهم(61).

ولم يبق من الفخار الساساني إلا قطع قليلة من ذات الفائدة المادية، لكن فن الخزف كان راقياً في أيام الملوك الإكيمينيين، وما من شك في أنه لم يمح كله من الوجود في أيام الساسانيين، لأنه بلغ من ذروة الكمال في إيران الإسلامية. ويظن إيرنست فنلوز Ernest Feneilosa أن بلاد الفرس قد تكون هي المركز الذي انتشر منه فن الميناء حتى في بلاد الشرق الأقصى(62)، ولا يزال مؤرخو الفن يتجادلون هل فارس الساسانية، أو سوريا، أو بيزنطية هي التي أنشأت فن الخزف البرّاق ذي الطلاء الذهبي أو الفضي أو النحاسي، وفن الميناء ذي الحواجز من خيوط معدنية. وكان صناع المعادن الساسانيون يصنعون جراراً، وأباريق، وأقداحاً كأنهم يصنعونها إلى جبل من الجبابرة؛ وكانوا يديرونها على مخارط؛ وينقشونها بالأزميل، أو يحدثون عليها رسوماً بارزة بطرقها من الداخل، ويتخذون لها أيادي وأفواهاً على شكل حيوانات تختلف من الديكة إلى الآساد. وفي دار الكتب الأهلية بباريس قدح فارسي ذائع الصيت هو "قدح كسرى" له رصيعة من البلور المطعم في شبكة من الذهب المطروق. وتقول الرواية المتواترة إن هذا القدح كان من الهدايا التي بعث بها هارون الرشيد إلى شارلمان. وليس ببعيد أن يكون القوط قد أدخلوا هذا الفن عن الفرس ونقلوه إلى بلاد الغرب(64).

وكان صانعو الفضة يصنعون صحافاً قيمة، ويساعدون الصياغ على صنع الحلي للخاصة والسواقة على السواء رجالاً كانوا أو نساء. وقد بقيت حتى الآن عدة صحاف من عهد الساسانيين في المتحف البريطاني وفي لنينغراد، والمكتبة الأهلية بباريس، والمتحف الفني بنيويورك، وتحمل كلها صور ملوك أو نبلاء في الصيد، وحيوانات اكثر إتقاناً من الآدميين. وكانت النقود الساسانية نافس بعض الأحيان النقود الرومانية في جمال منظرها، كما تشهد بذلك عملة شابور الأول(65). والكتب الساسانية نفسها يمكن أن تعد من التحف الفنية. وتصف الروايات المتواترة كيف كان الذهب والفضة يجريان من جلود ماني حين أحرقت في الميادين العامة(26). وكانت المواد الثمينة تستخدم في أثاث الساسانيين، يدل على ذلك أن كسرى الأول كانت له منضدة من الذهب مرصعة بالحجارة الكريمة، وأن كسرى الثاني أرسل إلى منقذه، الإمبراطور موريس (أو موريق)، منضدة من الكهرمان، قطرها خمسة أقدام، ذات قوائم من الذهب، ومغلفة بالجواهر(27).

وملاك القول أن الفن الساساني يكشف عن جهود كبرى بذلت لإنعاشه بعد أن ظل أربعة قرون آخذاً في الاضمحلال في عهد البارثيين. وإذا جاز لنا أن نحكم عليه من بقاياه، قلنا في شيء من التردد إنه لا يضارع الفن الإكيميميني في نبله وفخامته، أو الفن الفارسي الإسلامي في قوة ابتكاره ورقته وحسن ذوقه، ولكنه احتفظ في النقوش البارزة بكثير مما كان له في الزمن القديم من قوة تبشر بما بلغته موضوعات التحلية من خصوبة في مستقبل الأيام. وكان هذا الفن يرحب بالأفكار والأنماط الجديدة، وقد أوتي كسرى الأول من الحكمة ما جعله يستخدم فنانين ومهندسين من اليونان في الوقت الذي كان يهزم فيه قواد اليونان العسكريين. وقد وفى الفن الساساني بما عليه من الدين، فكان يصدر أشكاله وتحفه شرقاً إلى بلاد الهند، وإلى التركستان والصين، وغرباً إلى سوريا وآسية الصغرى، والقسطنطينية، والبلقان، ومصر، وأسبانيا. ولعل تأثير هذا الفن كان من العوامل التي حولت اهتمام الفن اليوناني من الصور القديمة إلى الحلي البيزنطية، واهتمام الفن اللاتيني المسيحي من السقف الخشبية إلى العقود والقباب والجدران المسندة المقامة من الآجر أو الحجر. وانتقلت البواكي وأنصاف القباب العظيمة من العمارة الساسانية إلى المساجد الإسلامية وإلى القصور والأضرحة المغولية. ذلك أن التاريخ لا يضيع في شيء: فكل فكرة مبدعة تتاح لها إن عاجلاً أو آجلاً فرصة تخرج فيها إلى الوجود وتتطور، وتضيف لونها الجديد إلى شعلة الحياة المتقدة.


الفصل الرابع: فتح العرب

قتل شروى أباه وتّوج ملكاً باسم كفاده الثاني، ثم عقد الصلح مع هرقل ونزل له عن مصر، وفلسطين، وسوريا، وآسية الصغرى، وغربي الجزيرة، وأعاد الأسرى الذين أخذهم الفرس إلى بلادهم: وردَّ إلى أورشليم بقايا الصليب المقدس. وابتهج هرقل -وحق له أن يبتهج- بهذا النصر المؤزر، ولكنه، لم يكن يعرف أنه في اليوم الذي أعاد فيه الصليب المقدس إلى موضعه في الضريح عام 629 قد هاجمت سرية من العرب حامية يونانية بالقرب من نهر الأردن. وفي ذلك العام نفسه فشا وباء فاتك في بلاد الفرس، أودى بحياة آلاف من أهلها ومنهم الملك نفسه. وعلى أثر موته نودي بابنه أردشير الثالث -ولم يكن قد جاوز السابعة من عمره- ملكاً على الفرس. ولكن قائداً يدعى شهربراز قتل الغلام واغتصب العرش. ثم قُتِل شهربراز نفسه بأيدي جنوده، وجرّ أولئك الجنود جثته في شوارع المدائن وهم يصيحون: "هذا مصير كل من جلس على عرش بلاد فارس ولم يكن يجري في عروقه الدم الملكي"، ذلك أن الجماهير أكثر ملكية من الملوك. وسادت وقتئذ الفوضى في تلك البلاد التي أنهكتها الحروب مدى ستة وعشرين عاماً، وفشا في الدولة التفكك الاجتماعي بعد أن عمها الفساد الأخلاقي بتأثير الثروة التي جاءت في أعقاب النصر الحربي(68)، وقام تسعة من الحكام يتنازعون عرش البلاد في خلال أربع سنوات، ثم اختفوا كلهم مقتولين أو هاربين أو ميتين ميتة طبيعية أو شاذة. وأعلنت بعض الولايات، بل بعض المدن نفسها، استقلالها عن الحكومة المركزية بعد أن عجزت هذه الحكومة عن بسط سلطانها على البلاد. ووضع التاج في عام 634 على رأس يزدجرد الثالث سليل بيت ساسان وابن جارية زنجية(69).

وفي عام 632 توفي محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد أن أنشأ دولة عربية جديدة، وتلقّى عُمر خليفته الثاني، رسالة من المثنى قائده في سوريا، يبلغه فيها أن الفوضى ضاربة أطنابها في بلاد الفرس وأنه قد آن الأوان للاستيلاء عليها(70). وعهد عمر هذا العمل إلى خالد بن الوليد أعظم قواده جميعاً. وزحف خالد بازاء الساحل الجنوبي للخليج الفارسي على رأس قوة من العرب البدو الذين ضرستهم الحروب والراغبين أشد الرغبة في الغنائم ، ثم أرسل رسالة إلى هورمزد حاكم الولاية القائمة على الحدود الفارسية يقول له فيها: "أسلم تسلم".

ودعاه هورمزد إلى المبارزة وقبل خالد دعوته وقتله. وتغلب المسلمون(71) على كل ما واجهوه من مقاومة حتى وصلوا إلى نهر الفرات؛ ثم استدعي خالد لينقذ جيشاً عربياً في الجبهة أخرى، وتولى المثنى قيادة العرب، وعبر النهر على جسر من القوارب. وعهد يزدجرد، وكان لا يزال شاباً في الثانية والعشرين من العمر، بالقيادة العليا إلى رستم والي خراسان، وأمره أن يجند قوة ضخمة ينقذ بها الإمبراطورية. والتقى الفرس بالعرب في موقعة الجسر وهزموهم وأخذوا يطاردونهم مطاردة فيها كثير من التهور. وأعاد المثنى تنظيم صفوفه وهزم في واقعة البويب الجيش الفارسي المختل النظام وأفناه عن آخره تقريباً (634). وكانت خسائر المسلمين في هذه المعركة فادحة، فقد مات المثنى متأثراً بجراحه، ولكن الخليفة أرسل قائداً آخر أقدر منه يدعى سعد بن أبي وقاص على رأس جيش جديد قوامه ثلاثون ألف رجل. ورد يزدجرد على هذا بأن أنزل إلى الميدان جيشاً مؤلفاً من 120.000 من الفرس. وعبر بهم رستم نهر الفرات وعسكر عند القادسية حيث دارت معركة من أعظم المعارك الحاسمة في تاريخ آسية وأشدها هولاً، دامت أربعة أيام. وهبت في اليوم الرابع عاصفة رملية في وجوه الفرس، واغتنم العرب هذه الفرصة وحملوا على أعدائهم الذين أعمتهم الرمال حملة صادقة، قتل فيها رستم ومزق جيشه شر ممزق (636). وزحف سعد بجنوده دون أن يلقى مقاومة تذكر حتى وصل إلى نهر دجلة، واجتازوه ودخل المدائن.

وذهل العرب السذج الأشداء حين وقعت أعينهم على القصر الملكي وأدهشته عقوده الفخمة، وبهوه الرخامي العظيم، وطنافسه الكبيرة، وعرشه المطعم بالجواهر، وقضوا أربعة أيام يحاولون جمع غنائمهم. ولعل هذا هو السبب الذي من أجله نهى عمر سعداً عن متابعة الزحف نحو الشرق وقال له إن في العراق ما يكفي(72). ووافق سعد على أمر الخليفة وقضى الثلاث السنين التالية يوطد دعائم حكم العرب في أرض الجزيرة. وكان يزدجرد في هذه الأثناء ينشئ في ولاياته الشمالية جيشاً جديداً قوامه 150.000 مقاتل. وبعث عمر لملاقاته 30.000 من رجاله، والتقى الجيشان عند نهاوند، وهزم العرب الفرس بفضل مهارتهم في الفنون العسكرية في معركة "فتح الفتوح" وقتل من الفرس في هذه المعركة 100.000 ضيق عليهم العرب في مضيق بين جبلين (641)؛ وسرعان ما سقطت بلاد الفرس كلها في أيدي العرب، وفر يزدجرد إلى بلخ وطلب إلى الصين أن تمد له يد المعونة؛ ولكن الصين لم تجبه إلى طلبه، ثم عاد فطلبها إلى الترك، فأمدوه بقوة صغيرة، لكن الجنود الترك قتلوه طمعاً في جواهره حين هم بالزحف ليبدأ الحرب من جديد (652)؛ وبذلك انتهى عهد الساسانيين في فارس.