قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 5 ج 29

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 4019

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> أسرة سامية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب التاسع والعشرون: انهيار الإمبراطوريّة 193 - 305 م

الفصل الأول: أسرة سامية

في أول يوم من شهر يناير سنة 193 اجتمع مجلس الشيوخ بعد ساعات قليلة من اغتيال كمودس، في نشوة البهجة والغبطة واختار للجلوس على عرش الإمبراطوريّة عضواً من أجلْ أعضائه واجدرهم بالاحترام، استطاع بإدارته العادلة وهو حاكم للمدينة أن ينهج منهج الأنطونيين ويواصل أحسن تقاليدهم. وقبل برتناكس Pertinax، وهو كاره، هذا المنصب الخطير الذي يرفع صاحبه إلى مكانة سامية إذا سقط منها هوى إلى الدرك الأسفل. ويقول فيه هيروديان(1) إنه "سلك سلوك الرجل العادي"، فكان يستمع إلى محاضرات الفلاسفة، ويشجع الآداب؛ وقد ملأ خزائن الدولة بالمال، وخفّض الضرائب، وباع بالمزاد كل ما ملأ به كمودس القصر الإمبراطوري من ذهب وفضة، وأقمشة مطرزة وحرير، وجوارٍ حسان. وفي ذلك يقول ديوكاسيوس: "والحق أنه فعل كل ما يجب على العاهل الصالح أن يفعله(2). وائتمر المعاتيق الذين فقدوا بفضل سياسته الاقتصادية ما كان يعود عليهم من النفع مع الحرس البريتوري الذي ساءه عودة النظام. وفي الثامن عشر من شهر مارس اقتحم ثلثمائة من الجنود أبواب القصر وقتلوه، وحملوا رأسه إلى المعسكر على طرف رمح، وحزن الشعب ومجلس الشيوخ عليه وتوارى أعضاؤه عن الأنظار. وأعلن قواد الحرس أنهم سيضعون التاج على رأس الروماني الذي يمنحهم أكبر عطاء. وأقنعت دديوس جليانس Didius Julianus زوجته وابنته بأن يغادر مائدة الطعام ويعرض على زعماء الحرس عطاءه، فسار إلى المعسكر، حيث وجد منافساً له يعرض خمسة آلاف درخمة (3000 ريال أمريكي) هبة لكل جندي ثمناً لعرش الإمبراطوريّة. وصار سماسرة الحرس ينتقلون من مثر إلى آخر، يشجعونهم على زيادة العطا، فلما أن وعد جليانس كل جندي بـ 6250 درخمة أعلن الحرس اختياره إمبراطوراً.

وثارت ثائرة أهل روما لهذه المذلة المنقطعة النظير، فأهابوا بالفيالق الرومانية المعسكرة في بريطانيا، وسوريا، وبنونيا أن تزحف على روما وتخلع جليانس. وغضبت هذه الفيالق لأنها حرمت من العطاء، فأخذ كل منها ينادي بقائده إمبراطوراً، وزحفت كلها على روما. وتفوق لوسيوس سبتميوس سفيرس جيتا Lucius Septimius Severus Geta قائد جيوش بنونيا على جميع القواد بفضل جرأته وسرعته، وما قدمه من رُشا. وقطع على نفسه عهداً أن يهب كل جندي 12000 درخمة حين يجلس على العرش؛ وزحف بهم من بلاد الدانوب حتى صار على بعد سبعين ميلاً من روما في شهر واحد؛ واستمال إليه الجنود الذين أُرسلوا لصده، وأخضع الحرس البريتوري بأن عرض عليهم أن يعفو عنهم إذا أسلموا إليه قوادهم، وخالف جميع السوابق بدخوله العاصمة ومعه جنود بكامل سلاحهم، ولكنه أرضى المستمسكين بالتقاليد القديمة بأن لبس ثياب المدنيين. وعثر طربيون على جليانس يبكي في قصره من هول تلك الحوادث، فأخذه إلى حمّام وقطع رأسه (2 يونية سنة 193).

وكانت أفريقية في هذه الأثناء تهب المسيحية أعظم المدافعين عنها؛ وقد وُلد فيها وقتئذ (146) سبتميوس واجتاز فيها أولى مراحل تعليمه. وكانت نشأته في أسرة فينيقية تتكلم بهذه اللغة، ودرس الآداب والفلسفة في أثينة، واشتغل بالمحاماة في روما، وكان رغم لهجته السامية من أحسن الرومان تربية وأكثرهم علماً في زمانه، وكان مولعاً بأن يجمع حوله الشعراء والفلاسفة، ولكنه لم يترك الفلسفة تعوقه عن الحروب، ولم يدع الشعر يرقّق من طباعه. وكان رجلاً وسيم الطلعة، قوي البنية، بسيطاً في ملبسه، قادراً على مغالبة الصعاب، بارعاً في الفنون العسكرية، مقداماً لا يهاب الردى في القتال، قاسي القلب لا يرحم إذا انتصر. وكان لبقاً فكهاً في حديثه، نافذ البصيرة في قضائه(2)، قديراً صارماً في أحكامه(3).

وكان مجلس الشيوخ قد أخطأ إذ أعلن تأييده لمنافسه ألبينس Albinus فذهب إليه سبتميوس وحوله ستمائة من رجال الحرس، وأقنعه بأن يؤيده في ارتقاء العرش؛ فلما تم له ذلك أعدم عشرات من أعضائه وصادر كثيراً من ضياع الأشراف حتى آلت إليه أملاك نصف شبه الجزيرة. ثم ملأ الأماكن التي خلت في مجلس الشيوخ بأعضاء اختارهم بنفسه من بلاد الشرق التي تدين بالنظام الملكي، وأخذ كبار رجال القانون في ذلك العصر - بابنيان Papinian وبولس Paulus، وألبيان Ulpian - يجمعون الحجج التي يؤيدون بها السلطة المطلقة. وأغفل سبتموس شأن المجلس إلا حين كان يبعث إليه بأوامره؛ وبسط سلطانه الكامل على أموال الدولة على اختلاف مصادرها، وأقام حكمه على تأييد الجيش دون خفاء، وحوّل الزعامة إلى مَلَكية عسكرية ورائية، وزاد عدد رجال الجيش، ورفع رواتب الجند، وعمد إلى الإسراف في أموال الدولة حتى كاد ينضب معينها. ومن أعمله أنه جعل الخدمة العسكرية إلزامية، ولكنه حرّمها على أهل إيطاليا، فأصبحت فيالق الولايات من ذلك الحين هي التي تختار الأباطرة لروما بعد أن فقدت العاصمة قدرتها على الحكم.

ومن العجائب أن هذا المحارب الواقعي كان يؤمن بالتنجيم، وأنه كان أكثر الناس براعة في تفسير النذر والأحلام. من ذلك أنه لما أن ماتت زوجته الأولى قبل أن يرتقي العرش بستة أعوام عرض على سوريّة غنية دل طالعها على أنها ستجلس على عرش أن تتزوجه. وكانت هذه الزوجة هي جوليا دمنا Julia Domna ابنه كاهن غني لإلجابال Elgabal إله حمص. وكان نيزك قد سقط في تلك المدينة من زمن بعيد وأقيم له ضريح في هيكل مزخرف، وأخذ الناس يعبدونه على أنه رمز الإله إن لم يكن هو الإله نفسه مجسّماً. وجاءت جوليا إلى قصر سبتميوس، وولدت له ولدين هما كركلا وجيتا Geta، وارتقت عرشها الموعود. وكانت أجمل من أن تقتصر على زوج واحد، ولكن مشاغل سبتميوس لم تكن تترك له من الفراغ ما يسمح له بأن يغار عليها. وقد جمعت حولها ندوة من الأدباء، وناصرت الفنون، وأقنعت فيلوسترانس بأن يكتب سيرة أبلونيوس التيانائي Apollonius of Tyana يخلع عليه الكثير من أسباب المديح. وكانت قوة أخلاقها ونفوذها مما عجل السير بالملكية نحو الأساليب الشرقية التي وصلت إلى غايتها من الناحية الأخلاقية في عهد إلجابالس Elgabalus ومن الناحية السياسية في عهد دقلديانوس. وسُلخ سبتميوس من حكمه الذي دام ثماني عشرة سنة في حروب سريعة وحشية قضى فيها على منافسيه؛ ودك بيزنطية بعد حصار دام أربعة أعوام. فأزال بعمله هذا حاجزاً كان يقف في وجه القوط الآخذين في الانتشار، وغزا بارثيا، واستولى على طشقونة، وضم بلاد النهرين إلى الإمبراطوريّة، وعجّل سقوط الأسرة الأرساسية المالكة. وأُصيب في شيخوخته بداء النقرس. ولكنه لم يكن يرضى أن يضعف جيشه بعد أن قضى في السلم خمس سنين، فزحف به على كلدونيا Caledonia، وانتصرت على الاسكتلنديين في عدة وقائع غالية الثمن، انسحب على أثرها إلى بريطانيا، ثم آوى إلى يورك حيث وافته المنية (211).

ومما قاله عن نفسه: "لقد نلت كل شيء ولكن ما نلته لا قيمة له"(4). ويقول هيروديان إن "كركلا قد أغضبه أن تطول حياة أبيه... فطلب إلى الأطباء أن يعجلوا بموت الشيخ بأية وسيلة بمتناول أيديهم". وكان سبتميوس قد لام أورليوس حين سلم الإمبراطوريّة إلى كمودس، ولكنه هو نفسه أسلمها إلى كركلا وجيتا، بهذه النصيحة الساخرة: "وفرا المال لجنودكما ولا يهمكما شيء غير هذا"(6). وكان آخر إمبراطور مات في فراشه في الثمانين عاماً التي سبقت وفاته.

ويبدو أن كركلا قد خلق، كما خلق كمودس، لكي يثبت أن نصيب الرجل من النشاط قلما يكفي لأن يجعله عظيم في حياته، وفي قوته الجنسية معاً. وقد كان في صباه وسيماً صيّعاً، فلما بلغ سن رشده أصبح همجياً مفتتناً بالصيد والحرب، يقنص الخنازير البرية، وينازل أسداً بمفرده، ويحتفظ بعدد من الآساد بالقرب منه في قصره، واتخذ منها رفيقاً له في بعض الأحيان يجالسه على مائدته وينام معه في فراشه(7). وكان يستمتع بصحبة المجالدين والجند بنوع خاص، ويبقي أعضاء الشيوخ زمناً طويلاً في حجرات الانتظار حتى يفرغ من إعداد الطعام والشراب لرفاقه. ولم يكن يرضى أن يشترك معه أخوه في حكم الإمبراطوريّة، فأمر بقتل جيتا في عام 212، فاغتيل الشاب وهو بين ذراعي أمه، خضب أثوابها بدمه. ويقال انه حكم بالموت على عشرين ألفاً من أتباع جيتا، وعلى كثيرين من المواطنين، وعلى أربع من العذارا الفستية، اتهمهن بالزنى(8). ولما تذمر الجيش على أثر مقتل جيتا أسكته بأن نفحه بهبة تعادل كل ما ادخره سبتميوس من الأموال، وكان يفضل الجنود والفقراء على رجال الأعمال والأشراف؛ ولعل ما نقرؤه عنه من القصص التي يرويها ديوكاسيوس ليست إلا انتقاماً كتبه عضو في مجلس الشيوخ واشتدّت رغبته في جمع المال فضاعف ضريبة التركات بأن جعلها عشرة في المائة من مقدار التركة؛ ولما رأى أنها لا تنطبق إلا على المواطنين الرومان وسّع دائرة هذه الحقوق حتى شملت جميع الراشدين من الذكور الأحرار في الإمبراطوريّة كلها (212)؛ فنال هؤلاء حقوق المواطنين حين استتبعت أكثر ما يمكن أن تستتبعه من القروض وأقل ما تستتبعه من السلطان. وأضاف إلى زينات روما قوساً أقامه لسبتميوس سفيرس لا يزال باقياً إلى اليوم، وحمّامات عامة تشهد خرائبها الضخمة بما كانت عليه من عظمة وجلال، ولكنه ترك معظم شئون الحكم المدني لوالدته، وشغل نفسه بالحروب.

وكان قد عين جوليا دمنا أمينة سره لشئون العرائض والرسائل. وكانت تشاركه أو تحل محله في استقبال رجال الدولة أو ذوي المكانة العليا من الأجانب. وهمس الوشاة بأن سلطانها عليه ناشئ من مضاجعته إياها، وأثار الفكيهون الجبناء من أهل الإسكندرية بتشبيههم لها وله بجوكستا Jocesta وأوديب. وأراد أن ينتقم من هذه الإهانة وأمثالها من جهة، ويأمن على نفسه من ثورة تتقد نارها في مصر أثناء حروبه لبارثيا من جهة أخرى، فزار المدينة وأشرف بنفسه (كما يؤكد المؤرخون) على قتل جميع أهل الإسكندرية القادرين على حمل السلاح(9).

ومع هذا فقد كان منشئ الإسكندرية المثل الذي احتذاه والمطمع الذي يأمل أن يبلغه. وللوصول إلى هذه الغاية أنشأ فيلقاً من 16000 جندي سمّاه "فيلق الاسكندر" وسلّحه بأسلحة مقدونية من الطراز القديم، وكان يأمل أن يُخضع به بارثيا كما أخضع الاسكندر فارس. وبذل كا ما يستطيع من الجهد ليكون جندياً عظيماً، فكان يشارك جنوده في طعامهم وكدحهم، وسيرهم الشاق الطويل، وكان يساعدهم في حفر الخنادق، وإقامة الجسور، ويظهر الكثير من ضروب البسالة في القتال، وكثيراً ما كان يتحدى أعداءه ويطلب إليهم أن يبارزوه رجلاً لرجل؛ ولكن رجاله لم يكن لهم مثل ما كان له من رغبة في قتال البارثيين، بل كان حبهم للغنائم أكثر من حبهم للقتال، فقتلوه في كارى Carrhae التي هزم فيها كراسس (217). ونادى مكرينس Macrinus قائد الحرس بنفسه إمبراطورياً، وأمر مجلس الشيوخ، بعد أن أظهر بعض التردد، بأن يتخذ كركلا إلهاً. ونفيت جوليا دمنا إلى إنطاكية بعد أن حرمت في خلال ست سنين من الإمبراطوريّة، ومن زوجها، ومن أبنائها، فأضربت عن الطعام حتى ماتت.

وكان لها أخت تدعى جوليا ميزا Julia Maesa لا تقل عنها قدرة وكفاية. فعادت جوليا الثانية إلى حمص ووجدت فيها حفيدين يبشران بمستقبل عظيم. فأما أحدهما فكان ابن ابنتها جوليا سؤامياس Julia Soaemiae، وكان كاهناً شاباً من كهنة بعل، يسمى فاريوس أفيتس Varius Avitus، وهو الذي سمي فيما بعد الجابالس Elgabalus أي "الإله الخالق" . أما الثاني فكان ابن جوليا ماميا Gulia Mamaea ابنة ميزا، وكان غلاماً في العاشرة من عمره يدعى الكسيانس Alexianus وهو الذي أصبح فيما بعد الكسندر سفيرس. ونشرت ميزا الشائعة القائلة إن فاريوس هو الابن الطبيعي لكركلا، وإن كان في واقع الأمر ابن فاريوس مرسلس، وأطلقت عليه اسم بسيانس؛ ذلك أن الإمبراطوريّة كانت أفضل عندها من سمعة ابنتها، وماذا يضيرها بعد أن مات مرسلس والد الشاب. وكان الجنود الرومان في سوريا قد ألغوا الشعائر الدينية السوريّة، وكانوا يشعرون باحترام لهذا القس الشاب الذي لا يتجاوز الرابعة عشرة من العمر تبعثه في قلوبهم عاطفة دينية قوية. يضاف إلى هذا أن ميزا أوعزت إليهم بأنهم إذا اختاروا الجابالس إمبراطوراً فإنها ستنفحهم بعطية سنية. ووثق الجند بوعدها لهم وأجابوها إلى ما طلبت، وضمت ميزا بذهبها إلى صفها الجيش الذي سيّره مكرينس لقتالها، ولما أن ظهر مكرينس نفسه على رأس قوة كبيرة، تردد مرتزقة السوريين في ولائهم، ولكن ميزا وسؤامياس قفزتا من مركبتيهما، وقادتا الجيش المتردد إلى النصر؛ لقد كان رجال سوريا نساء، وكانت نساؤها رجالاً.

ودخل الجابالس روما في خريف عام 219 مرتدياً أثواباً من الحرير الأرجواني موشّاة بالذهب الإبريز، وحذاءين مصبوغين باللون القرمزي، وكانت عيناه تشعان بريقاً مصطنعاً وكان في ذراعه اسورتان غاليتا الثمن، وفي جيده عقد من اللؤلؤ، وعلى رأسه الجميل تاج مرصع بالجواهر، وركبت إلى جواره في مركب فخم جدّته وأمه. وكان أول ما فعله حين حضر إلى مجلس الشيوخ أول مرة أن طلب إليه الموافقة على جلوس أمه إلى جانبه لتستمع إلى المناقشات. وأوتيت سؤامياس من الحكمة ما أوحى إليها بالإنسحاب، وقنعت برياسة المجلس الأصغر مجلس النساء الذي أنشأته سابينا، والذي كان يبحث المسائل المتعلقة بأثواب النساء وحليهن، وترتيبهن في الحفلات الرسمية، وآداب اللياقة وما إليها، وترك حكم الدولة للجدة ميزا.

وكان في أخلاق الإمبراطور الشاب بعض العناصر المحببة. من ذلك أنه لم ينتقم ممن أيدوا مكرينس، وأنه كان يحب الموسيقى، ويجيد الغناء، وينفخ في المزمار والبوق، ويضرب على الارغن. وإن كان أصغر من أن يحكم الإمبراطوريّة فإنه لم يطلب أكثر من أن يستمتع بها. ولم يكن معبوده بعل بل كان هذا المعبود هو الشهوة، وكان معتزماً أن يعبدها بجميع صورها في الذكور والإناث على السواء. وكان يدعو كل طبقة من الأحرار إلى زيارة قصره، وكان أحياناً يأكل معهم ويشرب ويمرح؛ ويوزع عليهم من آن إلى آن جوائز لا باقتراع تختلف من بيوت مؤثثة إلى حفنة من الذباب. وكان يحب أن يمزح مع ضيوفه: من ذلك أنه كان يجلسهم على وسائد منفوخة تتفجر من تحتهم فجأة، ويسكرهم حتى يفقدوا وعيهم حتى إذا ما استيقظوا وجدوا أنفسهم بين فهود، ودببة، وآساد أليفة غير مؤذية. ويؤكد لمبريديوس Lampridius أن إلجابالس لم ينفق مرة أقل من 100.000 سسترس (10.000 ريال أمريكي) على وليمة واحدة لضيوفه، وربما بلغت نفقات إحدى الولائم 3.000.000. وكان يخلط قطع الذهب البازلا، والعقيق بالعدس، واللؤلؤ بالارز، والكهرمان بالفول. وكان يهدي الخيل والمركبات، والخصيان؛ وكثيراً ما كان يأمر كل ضيف أن يأخذ معه إلى منزله الصحفة الفضية والكؤوس التي كان يقدم له فيها الطعام والشراب. وكان يختار لنفسه أحسن كل شيء. فكان الماء الذي في أحواض سباحته يعطر بروح الورد، وكانت المشاجب التي في حمّاماته من العقيق أو الذهب الخالص، وكان طعامه من أندر المأكولات وأغلاها ثمناً، وأثوابه مرصعة بالجواهر من تاجه إلى حذاءيه؛ وتقول الشائعات إنه لم يلبس قط خاتماً مرتين. وكان إذا سافر احتاج إلى 600 مركبة يحمل فيها متاعه وقواديه. ولما قال له عراف إنه سيموت ميتة عنيفة، أعد وسائل غالية للانتحار يستخدمها إذا لزم الأمر: منها حبال من الحرير الأرجواني، وأسياف من الذهب، وسموم في قنينات من الياقوت الأزرق أو الزمرّد. غير أنه اغتيل في مرحاض.

وأكبر الظن أن أعداءه من أعضاء مجلس الشيوخ ومَن في طبقتهم قد اخترعوا أو بالغوا في بعض هذه القصص؛ وما من شك في أن القصص الخاصة بشذوذه الجنسي مما لا يصدقه العقل. وسواء كانت صحيحة أو كاذبة فإنه كان يعطر شهراته بتقواه، ويعمل على أن ينشر بين الرومان عبادة إلهه السوري بعل. يضاف إلى هذا أنه إختتن وفكر في أن يخصي نفسه تكريماً لإلهه؛ وأحضر من حمص الحجر الأسود المقدس وأخذ يعبده بوصفه رمزاً لإلجابال، وشاد هيكلاً مزخرفاً ليضعه فيه، وحمل إليه الحجر مغلفاً بالجواهر في عربة تجرها ستة جياد بيض، ومشى الإمبراطور أمامها متجهاً بوجهه نحوها وهو صامت إجلالاً لهذا الحجر. ولم يكن يجد ما يمنعه أن يعترف بجميع الأديان الأخرى، فكان يبسط حمايته على اليهودية، وعرض أن يجعل المسيحية ديناً مشروعاً، وكل ما كان يصر عليه في إخلاص يدعو إلى الإعجاب هو أن يكون حجره أعظم الآلهة(12).

وكانت أمه منهمكة في علتها تنظر إلى هذه المهزلة الدينية نظرة المتسامح الذي لا يعنيه من أمرها شيء، ولكن جوليا ميزا صممت، حين عجزت عن وقفها، على أن تتعجل تلك الكارثة التي ستقضي على هذه الأسرة العجيبة من النساء السوريات. ولهذا أقنعت إلجابالس بأن يتبنى الاسكندر ابن عمه ويوصي به قيصراً وخليفة له، وأخذت هي ومامائيا Mamaea تدربان الغلام على واجبات منصبه، وسلكتا كل السبل التي تجعل مجلس الشيوخ والشعب ينظران إليه على أنه خير بديل للقس المأفون الذي أساء إلى روما - لا بإسرافه أو فحشه - بل بإخضاعه جوبتر إلى بعل السوري. وكشفت سؤامياس المؤامرة وأثارت الحرس البريتوري على أختها وابن أختها. لكن ميزا ومامائيا كانتا أقوى منها حجة إذا بسطتا أيديهما للحرس بالمال الوفير، فقتل رجال الحرس إلجابالس وأمه، وجروا جثته في شوارع المدينة وحول ساحة الألعاب، وألقوها في نهر التيبر، ثم نادوا بالاسكندر إمبراطوراً ووافق مجلس الشيوخ على هذه البيعة (222).

وجلس ماركس أورليوس سفيرس الكسندر على العرش، كما جلس عليه سلفه، في الرابعة عشرة من عمره. وكانت أمه قد عنيت عناية منقطعة النظير بتدريب جسمه، وعقله، وخلقه. وزاد هو شهرته بالجد ورياضة الجسم، فكان يسبح في بركة من الماء البارد ساعة في كل يوم، ويشرب نحو نصف لتر من الماء قبل كل وجبة، ويقتصد في الطعام، ولا يأكل إلا ابسط الأطعمة. ونشأ غلاماً وسيماً، طويل القامة، قوي الجسم، ماهراً في جميع أنواع الألعاب وفنون الحرب، ودرس الآداب اليونانية واللاتينية، ولم يقلل من حبه لهما وانهماكه فيهما إلا إصرار مامائيا، إذ تلت عليه أشعار فرجيل التي تهيب بالرومان أن يدعوا جمال الثقافة لغيرهم من الأجناس، ويعدوا أنفسهم لإقامة دولة عالمية وحكمها في سلام. وكان بارعاً "ممتازاً" في التصوير والغناء، يعزف على الأرغن والقيثارة، ولكنه لم يكن يسمح لغير أهل بيته بمشاهدة هذه الأعمال. وكان بسيطاً متواضعاً في ملبسه وأخلاقه "معتدلاً في استمتاعه بالحب، ولم تكن له قط صلة بالمخنثين"(13). وأظهر احتراماً عظيماً لمجلس الشيوخ، فكان يعامل أعضاءه كأنهم أكفاء له، ويستضيفهم في قصره، وكثيراً ما كان يزورهم في منازلهم وكان رحيماً، دمث الأخلاق، يعود المرضى أياً كان منزلتهم؛ ولم يسفك قط دماء مدني في الأربعة عشر عاماً التي قضاها في الحكم(14). وعابت عليه أمه لينه وقالت له: "لقد أسرفت في لين الحكم، وفي الإقلال من سلطان الإمبراطوريّة". فأجابها بقوله: "نعم، ولكنني جعلتها أبقى أمداً وأقوى دعامة"(15). لقد كان رجلاً من ذهب مصفى، غير مشوب بزغل يقويه على احتمال صعاب هذا العالم.

وأدرك السخف الذي تنطوي عليه جهود سلفه والتي كانت تهدف إلى استبدال إلجابال بجوبتر، وتعاون مع والدته في إعادة الهياكل والشعائر الرومانية إلى سابق عهدها؛ ولكن عقله الفلسفي هداه إلى أن يرى أن الأديان جميعها أساليب مختلفة لعبادة قوة واحدة عليا، ولهذا أراد أن يعظّم جميع الأديان التي تدعوا إلى الخير، ووضع في معبده الخاص الذي كان يتعبد فيه كل صباح صوراً لجوبتر وأرفيوس، وأبلونيوس التيانائي، وابراهيم، والمسيح. وكثيراً ما كان يكرر النصيحة اليهودية - المسيحية القائلة: "لا تعامل غيرك بما لا تحب أن يعاملك به الناس"، وأمر بنقشها على جدران قصره وعلى كثير من جدران المباني العامة. وكان يوصي شعبه بالتخلّق بأخلاق اليهود والمسيحيين. ولكن الذين لم يتأثروا به من أهل إنطاكية والإسكندرية الفكهين كانوا يلقبونه "رئيس الكنيس" وكانت أمه تفضل المسيحيين على غيرهم، وقد بسطت حمايتها على أرجن، واستدعته ليفسر للناس أصول دينه المرن. وإذا كانت جوليا ميزا قد توفيت بعد قليل من اعتلاء الإسكندر العرش، فقد كانت مامائيا وكان ألبيان معلّم الاسكندر هما اللذان يرسمان خططه السياسية، وإصلاحاته الإدارية. ومن أعمالهما أنهما اختارا ستة عشر من أعضاء مجلس الشيوخ البارزين وألفا منهم مجلساً إمبراطورياً وقررا ألا يُنفَّذ عمل من الأعمال الكبرى إلا إذا وافق عليه. ولما أن تزوج الاسكندر وأظهر تحيزاً ظاهراً لزوجته بسبب حبه لها أمرت مامائيا بنفيها ولم يرَ الاسكندر بداً من الاستسلام لوالدته. ولما كبر زاد نصيبه في إدارة شئون الدولة فكان "يعنى بالشئون العامة قبل مطلع الفجر"، كما يقول كاتب سيرته القديم، "ويوالي النظر في هذه الشئون زمناً طويلاً، دون ملل أو غضب، بل يبقى على الدوام مرحاً هادئاً راضياً"(16).

وكانت خطته الأساسية تهدف إلى إضعاف سيطرة الجيش المؤدية إلى انحلال الدولة، وذلك بإعادة هيبة مجلس الشيوخ والأشراف؛ فقد كان يبدو له أن حكم الأشراف ذوي الأصول السامية هو البديل الوحيد من حكم المال، أو الخرافات، أو السيف؛ وقد استطاع بمعونة مجلس الشيوخ أن ينفّذ مئات الخطط التي أدت إلى اقتصاد كبير في نفقات الإدارة، ففصل عدداً كبيراً من الموظفين الزائدين على الحاجة في قصره، وفي المناصب الحكومية، وفي الولايات، وباع معظم ما كان في خزائن الإمبراطور من جواهر، أودع ثمنها في بيت المال.

وأصدر قرارات اعترف فيها بهيئات العمال والتجار، وشجعها وأعاد تنظيمها، وأجاز لهذه الهيئات أن تختار محامين عنها من بين أعضائها(17). ولعل مجلس الشيوخ كان أقل رضاءً عن هذا العمل منه عن أعماله الأخرى، وقد فرض رقابة شديدة على الأخلاق العامة فأمر بالقبض على العاهرات ونفى ذوي الميول الجنسية الشاذة. ومع أنه خفّض الضرائب فقد أعاد بناء الكلوسيوم وحمّامات كركلا، وشاد مكتبة عامة وقناة ماء طولها أربعة عشر ميلاً، وحمّامات للبلدية جديدة، وبذل المال بسخاء لإنشاء الحمّامات وقنوات الماء والطرق في جميع أنحاء الإمبراطوريّة، وعمل على تخفيض فائدة الديون التي كانت ترهق المدينين فأقرض المال من خزانة الدولة بفائدة أربعة في المائة، وأعطى الفقراء المال من غير فائدة ليشتروا به أرضاً زراعية. وكانت نتيجة هذه الأعمال أن عمّ الرخاء جميع أجزاء الإمبراطوريّة، وأن قدرت له وأثنت عليه، وأن خيل إلى جميع الناس أن أورليوس التقي العظيم قد عاد إلى الأرض وإلى السلطان.

ولكن الفرس والألمان اغتنموا فرصة وجود هذا الإمبراطور القدّيس على العرش، كما اغتنموا فرصة وجود سميه الإمبراطور الفيلسوف، فغزا أردشير رأس الأسرة الساسانية في فارس بلاد النهرين في عام 320 وهدد سوريا. وبعث إليه الاسكندر برسالة فلسفية يلومه فيها على عنفه ويقول له إنه "يجب على كل إنسان أن يقنع بما لديه من أملاك"(18). واستنتج أردشير من هذه الرسالة أنه ضعيف خوار العود فرد عليه بأن طلب سوريا وآسية الصغرى، فما كان من الإمبراطور الشاب إلا أن امتشق الحسام ونزل إلى الميدان مصحوباً بوالدته، وخاض غمار موقعة غير فاصلة أظهر فيها من البسالة أكثر مما أظهر من الدهاء. ولا يذكر التاريخ إلا النزر اليسير عن انتصاراته وهزائمه، ولكن الحرب أسفرت عن انسحاب أردشير من بلاد النهرين، ولعله انسحب ليرد هجوماً وقع على حدوده الشرقية، وتصوّر النقود الرومانية الاسكندر متوجاً بأكاليل الظفر ومن تحت قدميه نهرا دجلة والفرات.

ورأت قبائل الألمان والمركمان أن حاميات الرين والدانوب قد سحبت لإمداد فيالق سوريا فاقتحمت الطرق الرومانية المحصنة وعاثت فساداً في بلاد غالة الشرقية، ولكن الاسكندر جاء إليها مع ماميا بعد الفراغ من احتفاله بالنصر على الفرس، وانظم إلى جيشه، وسار على رأسه إلى مينز Mains. وعمل بنصيحة والدته فأخذ يفاوض العدو ويعرض عليه مبلغاً من المال سنوياً نظير احتفاظه بالسلم. ولكن جنوده رأوا في هذا العمل ضعفاً واستسلاماً فتمردوا عليه، ولم يكونوا قد غفروا له شحه، وتشدده في حفظ النظام، وإخضاعهم لمجلس الشيوخ ولحكم امرأة، ونادوا بيوليوس مكسمينس قائد فيالق بانونيا إمبراطوراً. واقتحم جنود مكسينس خيمة الاسكندر، وقتلوه هو وأمه وأصدقاءه (235).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني: الفوضى

لم يكن من نزوات التاريخ أن أصبح الجيش صاحب السلطة العليا في القرن الثالث، بل كان هذا أمراً طبيعياً. ذلك أن عوامل داخلية أضعفت الدولة وتركتها معرضة للغزو من جميع الجهات، وكان وقف التوسع بعد أيام تراجان ثم بعد أيام سبتوميوس، إيذاناً ببدء الهجوم عليها، فأخذ البرابرة يفتحون بلادها باتحادهم على غزوها، كما كانت روما تفتح بلادهم لتفريقهم. وزادت ضرورة الدفاع من قوة الجيش ورفعت مكانة الجندية، وجلس القواد على العرش محل الفلاسفة، وخضع آخر حكم الأشراف لعودة حكم القوة.

وكان مكسمينس جندياً طيباً لا أكثر، وكان ابن فلاح تراقي. ونشأ صحيح الجسم قوي البنية، ويؤكد المؤرخون أن طول قامته كان يبلغ ثماني أقدام، وأن إبهامه كانت من الغلظة بحيث كان يلبس فيها اسورة زوجته كما كان يلبس الخاتم. ولم ينل شيئاً من التعليم. وكان يحتقر المعلمين ويحسدهم في وقت واحد، ولم يزر روما مرة واحدة في الثلاث السنين التي تولى فيها الملك بل كان يفضل حياة معسكره على الدانوب أو الرين. وقد اضطرته حاجته إلى المال لينفق منه في حروبه وفي استرضاء جنوده إلى فرض ضرائب فادحة على الأغنياء أغضبتهم فلم يلبثوا أن ثاروا على حكمه، وقبل جرديانس حاكم أفريقية الثري المتعلم ترشيح جيشه له إمبراطوراً منافساً لمكسمينس. وإذا كان وقتئذ في الثمانين من عمره فقد أشرك معه ولده في هذا المنصب المهلك. وعجزا جميعاً عن الوقوف في وجه القوى التي سيرها عليهما مكسمينس وقتل الابن في ميدان القتال أما الأب فقتل نفسه، وثأر مكسمينس لنفسه بأن حكم على عدد كبير من الأشراف بالقتل والنفي، ومصادرة أملاكهم حتى كاد يقضي على هذه الطبقة. وفي ذلك يقول هروديان Herodian "وكان في وسع الإنسان أن يرى في كل يوم أغنى الأغنياء بالأمس يصبح متسولاً"(19). وقاومه مجلس الشيوخ الذي أعاد سفيرس تكوينه وقواه أشد المقاومة، فأعلن أن مكسمينس خارج على القانون، واختار اثنين من أعضائه هما مكسمس Maximus وبلبينس Balbinus إمبراطورين. وسار مكسمس على رأس جيش هزيل لملاقاة مكسميس، فانحدر هذا من جبال الألب وحاصر أكويليا Aquileia. وكان مكسميس أفضل القائدين، وكانت لديه أكبر القوتين؛ ولاح أن مجلس الشيوخ وطبقات الملاّك سيلقيان مصيرهما المحتوم، ولكن جماعة من جنود مكسيمس الذين كانوا حانقين عليه لأنه وقع عليهم عقاباً وحشياً قتلوه غيلة في خيمته. وعام مكسمس ظافراً إلى روما حيث اغتاله الحرس البريتوري هو وبلبينس، واختار گورديان الثالث إمبراطوراً وأيد مجلس الشيوخ هذا الاختيار.

ولسنا نريد أن نذكر بالتفصيل الممل أسماء الأباطرة الذين جلسوا على العرش في هذا العصر الدموي الذي سادته الفوضى، ولا أن نذكر وقائعهم الحربية وقتلهم ومماتهم. وحسبنا أن نقول إن سبعة وثلاثين رجلاً نودي بهم أباطرة في الخمسة والثلاثين عاماً الواقعة بين حكم الاسكندر سفيرس وأورليان. وقتل جرديان الثالث جنوده وهو يحارب الفرس (244)، وهزم ديسيوس Decius فليب العربي الذي خلفه على العرش وقتله في فرونا Verona (249)، وكان فليب هذا رجلاً من أهل إلبريا، وكان ثرياً مثقفاً مخلصاً لروما إخلاصاً خلقياً بالشرف الذي ناله في القصص القديم، وقد وضع فليب هذا في أثناء فترات السلم التي تخللت حرب القوط برنامجاً واسعاً ليعيد به إلى روما دينها وأخلاقها، وعاداتها الصالحة، وأصدر أوامره بالقضاء على المسيحية. ثم عاد إلى نهر الدانوب، والتقى بالقوط، وشهد بعينه مقتل ابنه إلى جانبه، وأعلن في جيشه الهياب المتردد أن خسارة فرد من الأفراد لا قيمة لها البتة، وهاجم جيش العدو وقتل هو في هزيمة من أقسى الهزائم التي أصابت الرومان في تاريخهم كله (251). وخلفه جالس Gllus الذي قتله جنوده (253)، وجاء بعدهما إيمليانس Aemilianus وقد قتله هو الآخر جنوده في العام نفسه.

وكان فالريان Valerian الإمبراطور الجديد في سن الستين، ولما جلس على العرش اضطر لملاقات الفرنجة، والألمان، والمركمان، والقوط، والسكوذيين، والفرس في وقت واحد ولهذا عين إبنه جلينس Glaienus حاكماً على الإمبراطوريّة الغربية، واحتفظ لنفسه بالشرق، وزحف بجيش على أرض النهرين ولكن كبر سنه أعجزه عن القيام بهذا الواجب الذي يحتاج إلى قوة أعظم من قوته فلم يلبث أن ناء به. وكان جلينس وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره، وكان شجاعاً، ذكياً، مثقفاً ثقافة لا تكاد تتفق مع أحوال ذلك القرن المليء بالحروب الوحشية. وقد أصلح دولاب الإدارة المدنية في الغرب، وقاد جيشه من نصر إلى نصر على أعداء الإمبراطوريّة عدواً بعد عدو، ووجد مع ذلك متسعاً من الوقت يأخذ فيه بناصر الفلسفة والآداب، وأحيا الفن القديم إحياء لم يدم طويلاً، ولكن عبقريته المتعددة الجوانب لم تقوَ على مغالبة الشرور التي تجمعت في ذلك الوقت.

ففي عام 254، أغار المركمان على بنونية وشمالي إيطاليا، وفي عام 255 غزا القوط مقدونية ودلماشيا، وهاجم السكوذيون والقوط آسية الصغرى، وأغار الفرس على سوريا. وفي عام 257 استولى القوط على مملكة بسبورس، ونهبوا المُدن اليونانية الواقعة على شواطئ البحر الأسود، وحرقوا طرابزون، وساقوا أهلها عبيداً وإماء، وأغاروا على بنطس. وفي عام 258 استولوا على خلدقون، ونقوميديا. وبروصه، وأپاميا، ونيقية، واستولى الفرس في العام نفسه على أرمينية، ونادى بستيوس بنفسه حاكماً مستقلاً على غالة. وفي عام 259 أغار الألمان على إيطاليا، ولكن جالينس هزمهم عند ميلان. وفي عام 260 هزم الفرس فليريان عند الرها ومات أسيراً في زمان ومكان غير معروفين إلى اليوم. وتقدم شابور الأول وفرسانه الخفاف الكثيرين مخترقين سوريا إلى إنطاكية، وباغتوا أهلها وهم يشهدون الألعاب، ونهبوا المدينة، وقتلوا آلافاً من أهلها، وساقوا آلافاً آخرين عبيداً، واستولوا على طرسوس وخربوها، وعاثوا فساداً في قيليقية وكبدوكية، وعاد شابور إلى بلاد الفرس مثقلاً بالغنائم. وحلت بروما في مدى عشر سنين ثلاث مآس أذلتها وجللتها العار: ذلك أن إمبراطوراً رومانياً آخر لأول مرة صريعاً مهزوماً في ميدان القتال، وأسر العدو إمبراطوراً آخر وضحى بوحدة الإمبراطوريّة استجابة لضرورة ملاقاة الأعداء الذين أغاروا عليها من جميع الجهات. وضعضعت هذه الضربات وما صحبها من رفع الجنود الأباطرة على العرش واغتيالهم، أركان الإمبراطوريّة، وقضت على هيبتها، وفقدت هذه القوى النفسية التي أنزلها الزمان منزلة القداسة وخلع عليها سلطاناً يألفه الناس ولا يسألون عن مبارراته، تقول فقدت هذه القوى سيطرتها على أعداء روما بل فقدتها أيضاً على رعاياها ومواطنيها، فاندلع لهيب الثورة في كل مكان: ففي صقلية وغالة ثار الفلاحون الذين طال عليهم أمد الظلم ثورات عنيفة، وفي بنونيا نادى إنجينس بنفسه حاكماً مستقلاً على الولايات الشرقية. وفي عام 263 سار القوط بحراً بازاء سواحل أيونيا، ونهبوا إفسوس، وأحرقوا هيكل أرتميس الفخم، وساد الإرهاب جميع بلاد الشرق الهلنستي.

ولكن الإمبراطوريّة في آسية نجحت على يدي حليف غير متوقع. ذلك أن أوناثس، الذي كان يحكم تدمر خاضعاً لسلطان روما طرد الفرس من أرض الجزيرة، وهزمهم في طشقونة (261)، ونادى بنفسه ملكاً على سوريا وقليقلة، وبلاد العرب، وكبدوكية، وأرمينية. ثم اغتيل في عام 266، وورث ابن له شاب ألقابه، وورثت أرملته سلطانه.

وقد جمعت زنوبيا، كما جمعت كليوبطرة التي تدعي هي أنها من نسلها، إلى جمال الخلق، براعة في الحكم، وكثيراً من أسباب ثقافة العقل. وقد درست آداب اليونان وفلسفتهم، وتعلمت اللغات اليونانية، والمصرية، والسريانية، وكتبت تاريخاً لبلاد الشرق. ويلوح أنها جمعت بين العفة والقوة والنشاط، فلم تبح لنفسها من العلاقات الجنسية إلا ما يتطلبه واجب الأمومة(20). وعودت نفسها تحمل التعب والمشاق، وكانت تستمتع بأخطار الصيد، وتسير على قدميها أميالاً طوالاً على رأس جيشها. وجمعت في حكمها بين الحكمة والصرامة، وعينت الفيلسوف لنجيبس رئيساً لوزرائها، وأحاطت نفسها في بلاطها بالعلماء والشعراء والفنانين، وجملت عاصمة ملكها بالقصور اليونانية - الرومانية - الأسيوية التي يدهش لها عابر الصحراء في هذه الأيام.

وأحست أن الإمبراطوريّة تتقطع أوصالها، فاعتزمت إقامة أسرة حاكمة ودولة جديدتين، وأخضعت لسلطانها كبدوكية، وغلطية، والجزء الأكبر من بيثينيا، وأنشأت جيشاً عظيماً وعمارة بحرية ضخمة، فتحت بهما مصر واستولت على الإسكندرية بعد حصار هلك في نصف سكانها. وتظاهرت "ملكة الشرق الداهية" أنها تعمل نائبة عن الدولة الرومانية، ولكن العالم كله كان يدرك أن انتصاراتها لم تكن إلا فصلاً من مسرحية واسعة النطاق هي مسرحية انهيار روما.

وعرف البرابرة ثروة الإمبراطوريّة وضعفها، فتدفقوا على بلاد البلقان واليونان. وبينما كان السرماتيون يعيثون فساداً من جديد في المُدن القائدة على شواطئ البحر الأسود، وكان فرع من فروع القوط يسير في خمسمائة سفينة مخترقاً مضيق الهلسبنت إلى بحر إيجة، ويستولي على جزائره جزيرة في إثر جزيرة، ويرسو في ميناء بيريه، وينهب أثينة، وأرجوس، وإسبارطة وكورنثة، وطيبة (267). وبينما كان اسطولهم يعيد بعض المغيرين إلى البحر الأسود، كانت جماعة أخرى منهم تشق طريقها براً نحو موطنها على نهر الدانوب. والتقى بهم جالينس على نهر نستس في تراقية، وانتصر عليهم في معركة فيها كثيراً، ولكن جنوده اغتالوه بعد سنة واحدة من هذا النصر. وانقضت جموع أخرى من القوط في عام 269 على مقدونة وحاصرت تسالونيكي، ونهبت بلاد اليونان، ورودس، وقبرص، وشواطئ أيونيا. وأنقذ الإمبراطور كلوديوس الثاني تسالونيكي، وطرد القوط إلى أعالي وادي الواردار، وهزمهم عند نايسس (وهي نيش الحديثة) هزيمة منكرة قتل فيها منهم مقتلة كبيرة (269). ولو أنه خسر هذه المعركة لما وقف جيش بين القوط وإيطاليا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: التدهور الاقتصادي

لقد عجلت الفوضى السياسية تدهور إمبراطورية الإقتصادي، كما عجلت التدهور الاقتصادي انحلال البلاد السياسي، فكان كلاهما سبباً للآخر ونتيجة له. وكان سبب الضعف الاقتصادي أن ساسة الرومان لم يقيموا قط في إيطاليا حياة اقتصادية سليمة، ولعل سهول شبه الجزيرة الضيقة لم تكن في يوم من الأيام أساساً قوياً تبنى عليه آمال الدولة الإيطاليّة العالية. وكان يقلل من إنتاج الحبوب منافسة الحبوب الرخيصة الواردة من صقلية، وأفريقية، ومصر، كما أن الكروم العظيمة أخذت تفقد أسواقها التي استولت عليها كروم الأقاليم. وشرع الفلاحون يشكون من أن الضرائب الفادحة تستنفذ مكاسبهم المزعزعة ولا تترك لهم من المال ما يحفظون به قنوات الري والصرف صالحة، فانطمرت القنوات، وانتشرت المستنقعات، وأنهكت الملاريا سكان كمبانيا وروما. ويضاف إلى هذا أن مساحات واسعة من الأرض الخصبة قد حولت من الزراعة إلى مساكن للأثرياء أصحاب الضياع الواسعة، وكان أصحاب هذه الضياع البعيدون عنها يستغلون العمال والأرض إلى أقصى حدود الاستغلال، ويبررون عملهم هذا بمشروعاتهم الإنسانية في المُدن. وازدهرت العمائر الفخمة والألعاب الرياضية في المدائن في الوقت الذي أقفر فيه الريف، ومن أجل ذلك هجر كثيرون من ملاك الأراضي وعمال الريف الأحرار المزارع إلى المُدن وتركوا الجزء الأكبر من الأراضي الزراعية الإيطاليّة ضياعاً واسعة يقوم بالعمل فيها أرقاء كسالى مهملون. ولكن هذه الضياع نفسها قضت عليها السلم الرومانية ونقص عدد حروب الفتح في القرنين الأول والثاني، وما نشأ عن ذلك من قلة الإنتاج، وارتفاع النفقات، وكثرة الأرقاء.

وأراد كبار الملاّك أن يغروا العمال الأحرار بالعودة إلى الأعمال الزراعية، فقسموا أملاكهم وحدات أجروها إلى "الزراع" (Coloni)، يتقاضون منهم أجوراً نقدية منخفضة أو عشر المحصول، وجزءاً من الوقت يقضونه في العمل من غير أجر في بيت الملك الريفي أو في أرضه الخاصة. وقد وجد الملاّك في كثير من الأحيان أن من مصلحتهم أن يعتقوا العبيد ويجعلوهم زراعاً من هذا النوع، وأخذ هؤلاء الملوك في القرن الثالث يزدادون رغبة في سكنى بيوتهم الريفية يدفعهم إلى هذا أخطار الغزو الأجنبي والثورات الداخلية في المُدن، وحصّنوا بيوتهم فاستحالت قلاعاً منيعة أصبحت بالتدريج قصور العصور الوسطى .

وقوى نقص الأرقاء إلى وقت ما مركز العمال الأحرار في الصناعة وفي الزراعة على السواء. ولكن فقر الفقراء لم ينقص على حين أن موارد الأغنياء التهمتها الحروب ومطالب الحكومة(22). وكانت الأجور وقتئذ تتراوح بين 6 و 11 في المائة من نظائرها في الولايات المتحدة الأمريكية أوائل القرن العشرين، وكانت الأثمان نحو ثلاثين في المائة من أثمان الولايات المتحدة في ذلك الوقت(23). وكانت حرب الطبقات آخذة في الاشتداد لأن الجيش المجند من فقراء الأقاليم كثيراً ما كان ينظم إلى مَن يهجمون أصحاب الثروة وكان يشعر بأن ما يؤديه للدولة من خدمات يبرر ما تفرضه عليهم ضرائب تبلغ حد مصادرة أموالهم لتعطي منها هبات لهم. أو أن تنهب أ موال الأغنياء نهباً سافراً(24). وتأثرت الصناعة بكساد التجارة ونقصت تجارة الصادر الإيطاليّة حين انتقلت الولايات من عميلات لإيطاليا إلى منافسات لها؛ وجعلت الغارات والقراصنة لطرق التجارة غير مأمونة كما كانت قبل عهد بمبي، وكان انخفاض قيمة العملة وتقلب الأثمان من العوامل غير المشجعة للمشروعات الطويلة الأجل. ولما أصبحت إيطاليا عاجزة عن توسيع حدود الإمبراطوريّة، لم يعد في مقدورها أن تزدهر بأن تمد بالسلع دولة آخذة في الاتساع، أو أن تستغل موارد هذه الدولة. وكانت فيما مضى من الأيام تجمع سبائك الذهب والفضة من البلاد المفتوحة، وتملأ خزائنها بما تنهبه من أموال هذه البلاد؛ أما في الوقت الذي نتحدث عنه فإن النقود كانت تهاجر الولايات الهلنستية الأكثر تصنيعاً من إيطاليا، وأخذت هي تزداد على مر الأيام فقراً، في الوقت الذي كانت فيه ثروة آسية الصغرى المطردة الزيادة تحتم أن تستبدل بروما عاصمة شرقية للإمبراطوريّة. واقتصرت المصنوعات الإيطالية على الأسواق المحلية، ووجد الأهلين أفقر من أن يبتاعوا السلع التي كان في وسعهم أن ينتجوها(25). يضاف إلى هذا أن التجارة الداخلية كان يقف في سبيلها قطاع الطرق، والضرائب المتزايدة، وتلف الطرق لقلة العبيد وأضحت بيوت الأثرياء في الريف تنتج حاجتها من السلع وتكفي نفسها بنفسها، وحلت المقايضة في التجارة محل النقود، كما حلت الحوانيت الصغيرة عاماً بعد عام محل الإنتاج الكبير وكانت تسد حاجة الإنتاج المحلي بنوع خاص.

وزاد الطين بلة كثرة الصعاب المالية، وذلك بأن المعادن الثمينة أخذت تقل شيئاً فشيئاً لأن مناجم الذهب في تراقية ومناجم الفضة في آسية تناقص إنتاجها وكانت داشيا وما فيها من الذهب توشك أن تخرج من يد أورليان. وكانت الفنون والحلي تستنفذ كثيراً من الذهب والفضة. وواجه الأباطرة من سبتيموس سفيرس ومَن جاءوا بعده هذا النقص الشديد في الوقت الذي كانت فيه الحروب لا تخبو نارها أبداً، فلجئوا أكثر من مرة إلى إنقاص نسبة ما في النقود من ذهب أو فضة لكي يستطيعوا القيام بنفقات الدولة أو حاجات الحروب. فقد كان ما في الدينار من معدن خسيس أيام نيرون عشرة في المائة، وبلغ في عهد كمودس ثلاثين، وفي عهد سبتميوس خمسين، واستبدل به كركلا الأنطوننيانس Antoninianis المحتوي على خمسين في المائة من وزنه فضة؛ وقبل أن يحل عام 260 نقصت نسبة ما فيه من فضة إلى خمسة في المائة(26).

وأصدرت دور السك الحكومية كميات لم يسبق لها مثيل من العملة الرخيصة، وكثيراً ما كانت الدولة ترغم الناس على أن يقبلوا هذه النقود بقيمتها الاسمية، بدل قيمتها الحقيقية، وكانت في الوقت نفسه تأمر بأن تؤدى الضرائب ذهباً أو عيناً(27). وأخذت الأثمان ترتفع ارتفاعاً سريعاً، فزادت في فلسطين إلى ألف في المائة من القرن الأول إلى القرن الثالث(28). وفي مصر لم يعد في مقدور الحكومة وقف تيار التضخم، حتى صار مكيال القمح الذي كان يباع بثمان درخمات في القرن الأول يباع بمائة وعشرين ألف درخمة في أواخر القرن الثالث(29). ولم تصل الحال في الولايات الأخرى مثل هذا الحد، ولكن التضخم في عدد كبير منها خرب بيوت الكثيرين من أهل الطبقة الوسطى وأضاع أموال المواثقات والمؤسسات الخيرية وزعزع قواعد جميع الأعمال المالية، فأحجم الناس عنها، وأضاع جزءاً كبيراً من رؤوس الأموال المستخدمة في التجارة والاستثمار والتي تعتمد عليها حياة الإمبراطوريّة.

ولم يكن الأباطرة الذين جاءوا بعد برتناكس ليسوءهم انعدام طبقة الأشراف وطبقة الملاّك الوسطى على هذا النحو. ذلك بأنهم كانوا يشعرون بحقد طبقة أعضاء مجلس الشيوخ وكبار التجار عليهم بسبب أصلهم الأجنبي، واستبدادهم العسكري، واغتصابهم أموالهم. ولذلك تجددت الحرب بين مجلس الشيوخ والأباطرة وكانت قد خبت نارها من عهد نيرون إلى عهد أورليوس؛ وأقام الأباطرة سلطانهم قاصدين متعمدين على ولاء الجيش، وصعاليك المُدن، والفلاحين يشترونه بالهبات والأعمال العامة وتوزيع الحبوب عليهم من غير ثمن.

وعانت الإمبراطوريّة من البلاء مثلما عانته إيطاليا وإن نقص عنه بعض الشيء. نعم إن قرطاجنة وشمالي أفريقية البعيدين عن الغزاة، قد ازدهرتا، ولكن مصر اضمحلت بسبب ما حل بها من الخراب الناشئ من تنازع الأحزاب، ومن مذابح كركلا، ومن غزو زنوبيا، ومن فدح الضرائب، ومن السخرة والتراخي في العمل، وما كانت تبتزه روما من الحبوب في كل عام. وكانت آسية الصغرى وسوريا قد قاستا الأمرّين من الغزو والنهب، ولكن صناعاتهما القديمة التي تعودت الصبر على الشدائد لم تقضِ عليها هذه الاضطرابات. وكانت بلاد اليونان، وتراقية، ومقدونية، قد خربها البرابرة، ولم تكن بيزنيطية قد أفاقت من حصار سبتميوس. ولما جاءت الحرب بالحاميات الرومانية وبالمؤن إلى حدود القبائل الألمانية، قامت مدائن جديدة على شواطئ الأنهار - ويانة، وكارلزبرج، وستراسبرج ومينز. وكانت غالة قد اضطرب فيها النظام، وفترت همة أهلها بسبب غزو الألمان لها. ذلك بأنهم نهبوا ستين مدينة من مُدنها، وأخذت الكثرة الغالبة من المُدن والبلدان الأخرى تنكمش داخل أسوارها الجديدة، وتتخلى عن طراز الشوارع العريضة المستقيمة الرومانية التخطيط والطراز، لتحل محلها الأزقة الضيقة غير المستقيمة التي يسهل الدفاع عنها والتي كانت من مميزات العهود القديمة والعصور الوسطى. وحتى في بريطانيا نفسها، كانت رقعة المُدن آخذة في النقصان وكانت بيوت الريف آخذة في الاتساع(30)؛ ذلك بأن حروب الطبقات والضرائب الفادحة بددت الثروة أو اضطرتها إلى الاختفاء في الريف. وقصارى القول أن الإمبراطوريّة بدأت بسكنى المُدن وبالتحضير، وها هي ذي تختتم حياتها بالعودة إلى الريف وبالهمجية.

الفصل الرابع: الوثنية تحتضر

يمكن القول بوجه عام أن الضعف الثقافي سار في إثر الضعف الاقتصادي والسياسي، ولكن حدث في هذه السنين البائسة أن نشأ علم الجبر ذو الرموز، وبرزت أعظم الأسماء في فقه القانون الروماني، وأروع نماذج النقد الأدبي القديم، وطائفة من أفخم المباني الرومانية، وأقدم قصص الحب، وأعظم الفلاسفة الصوفيين.

ويلخص الديوان اليوناني سيرة ديوفانتس Diophantus الإسكندري (250) تلخيصاً جبرياً فكهاً فيقول إن حداثته دامت سدس حياته، وإن لحيته نبتت بعد أن انقضى 1slash12 من عمره بعد سن الحداثة، وانه تزوج بعد أن مضى 1slash7 آخر من حياته، وإنه رزق بولده بعد خمس سنين أخرى، وإن هذا الولد عاش حتى بلغت سنه نصف سن أبيه، وإن الوالد مات بعد أربع سنين من موت الولد - أي إنه مات في سن الرابعة والثمانين، وأشهر ما بقي من مؤلفاته حتى الآن هو كتابه "الارثماطيقي Arithmatica" (الحساب) - وهو رسالة في الجبر. وفيه حل لمعادلات الدرجة الأولى، والمعادلات التي تؤدي إلى معرفة المجهول، والمعادلات التي لا يكن منها وحدها معرفة المجهول حتى الدرجة السادسة. وقد استخدم حرف سجما sigma اليوناني للدلالة على الكمية المجهولة التي نرمز لها نحن بحرف سين (وفي الانجليزية بحرف X)، وسمى هذه العلامة أرثمس Arithmos (أي العدد)، واستعمل حروف الهجاء اليونانية للدلالة على الأسس. وكان جبر من نوع ما معرفاً قبل أيامه: فقد اقترح أفلاطون لتدريب عقول الشبان وتسليتهم مسائل متنوعة كتوزيع تفاحة بنسب معينة على عدد من الأشخاص(32)؛ وأذاع أرخميدس ألغازاً من هذا النوع في القرن الثالث قبل الميلاد، وكان المصريّون واليونانيون يحلون بعض المسائل الهندسية بالطرق الجبرية دون الالتجاء إلى رموز علم الجبر. وأكبر الظن أن ديوفانتس لم يفعل أكثر من تنظيم طرق كان يعرفها معاصروه(33)، وإن مصادفات الزمن هي التي أبقت على أعماله؛ وفي استطاعتنا أن نرجع إليه عن طريق العرب تلك الطريقة الجريئة الغامضة التي تهدف إلى صياغة جميع النسب الكمية في العالم كله في قانون واحد.

وعلا نجم بابنيان، وبولس وألبيان، أعظم الأسماء الثلاثة في القانون الروماني في عهد سبتميوس سفيرس، وكانوا كلهم رؤساء الحرس البريتوري وكانوا بحكم منصبهم هذا رؤساء الوزارة في الدولة؛ وكانوا كلهم يبررون قيام الحكم المطلق بحجة أن الشعب قد عهد لحقوقه في السيادة إلى الإمبراطور، ويمتاز كتابا بانيان الأسئلة Questiones والأجوبة Responsa بوضوحهما، وإنسانيتهما وعدالتهما إلى حد جعل جستنيان يعتمد عليها في كثير من مجموعاته القانونية. ولما قتل كركلا جيتا أمر بابنيان أن يكتب دفاعاً قانونياً عن عمله هذا، فأبى بابنيان وقال إن "قتل الاخوة أسهل من تبرير هذا القتل". فأمر كركلا بقطع رأسه. ونفذ الجنود الأمر فقطع رأسه ببلطة في حضرة الإمبراطور. وواصل دومنيوس البيانس جهود بابنيان القضائية والإنسانية. وسخّر جهوده القضائية للدفاع عن العبيد لأنهم في رأيه أحرار بالفطرة، وعن النساء لأن لهن مثل ما للرجال من الحقوق(34)، وكانت كتاباته في جوهرها تنسيقاً لأعمال مَن سبقوه شأنها في هذا شأن جميع الأعمال الهامة في تاريخ القضاء؛ ولكن أحكامه كانت باتّة جازمة إلى حد أبقي على ما يقرب من ثلثها في ملخص، ويقول عنه لمبرديوس: "لم يبلغ الإمبراطور الإسكندر سفيرس ما بلغه من سمو المنزلة إلا لأنه كان يحكم أكثر ما يحكم وفقاً لنصائح البيان"(35). بيد أن البيان قد عمل على قتل بعض معارضيه، ومن أجل هذا فإن بعض أعدائه من رجال الحرس قتلوه في عام 288 انتقاماً منهم. وكانت أسباب قتله أقل انطباقاً على القانون من قتل معارضيه ولكنه أدى إلى نفس النتيجة. وشجع دقلديانوس مدارس القانون وأمدها بالمال، وألّف لجاناً لتقنين ما سنّ بعد تراجان من شرائع، وجمعها كلها في القانون الجريجزياني Codex Gregorianus. ثم أتت على فقه القانون سنة من النوم دامت إلى أيام جستنيان.

وسار فن التصوير في القرن الثالث على الأنماط التي كان يسير عليها في بمبي والإسكندرية، والقليل الذي أبقى عليه الزمان فج، كاد الدهر أن يبليه. أما البحث فكان مزدهراً لأن الكثيرين من الأباطرة كانوا يطلبون أن تنحت لهم تماثيل، غير أنه جمد حتى أصبح المنظر الأمامي للشخص المصور بدائي الطراز، ولكن هذا العصر لم يفقه أي عصر بعده فيما أخرجه من صور تدهش الناظر إليها بصدقها وواقعيتها. ومما يدل على فضل كركلا، أو يدل على غباوته، أنه جاز لمثّال أن يصوّره في صورة شخص فظ، أكرث الشعر متجهّم الوجه، وهي الصورة المحفوظة إلى الآن في متحف نابلي. ولدينا تمثالان ضخمان من تماثيل ذلك العصر هما الثور الفرنيزي وهرقول الفرنيزي، وكلاهما مبالغ في حجمه، متوترة عضلاته توتراً غير مستحب، ولكنهما يشهدان بما كان في هذا العصر من إتقان فني لم ينقص قط عن إتقان العصور السابقة. ومما يدل على أن المثالين كانوا لا يزالون قادرين على النمط القديم تلك النقوش البارزة الناطقة بالعفة والطهارة والتي نراها على ثالوث الاسكندر سفيرس وهي ثالوث لدوفيزي. غير أن النقش الذي على قوس سبتميوس سفيرس في روما ليس فيه شيء مما يمتاز به الفن الأنكي من بساطة وظرف، بل يتصف بالخشونة والقوة الواضحتين اللتين تكادان تنبئان بعودة البربرية إلى إيطاليا.

وسار فن العمارة بالنزعة الرومانية التي ترى السمو في ضخامة الحجم إلى أقصى حد. فأقام سبتميوس على تل البلاتين آخر ما أقيم عليه من القصور الإمبراطوريّة وضم إليها جناحا جهة الشرق يعلو في الجو سبعة طباق - وهو المعروف بالسبتزينيوم Septizonium. وقدمت جوليا دمنا ما يلزم من المال لإنشاء إيوان فستا، وإقامة هيكل فستا الصغير الذي لا يزال باقياً في السوق العامة. وشاد كركلا لسربيس زوج إيزيس ضريحاً ضخماً احتفظ الزمان بقطع جميلة منه إلى اليوم. ومن أعظم خرائب العالم روعة حمّامات كركلا التي تم بناؤها في عهد الاسكندر سفيرس. نعم إنها لم تضف شيئاً جديداً إلى هندسة البناء، لأنها تسير في جوهرها على طراز حمّامات طراجان، وكان البناء الضخم القائم يعبر أحسن تعبير عن صاحبها قاتل جيتا وبابنيان. وكان بناؤها الرئيسي المكون من الآجر والإسمنت المسلح يشغل 270.000 قدم مربعة - أي أكبر من مسطح مجلس البرلمان الإنجليزي وبهو وستمنستر مجتمعين. وكان درج حلزونية تؤدي إلى أعلى الجدران. وهناك جلس شلى وكتب قصيدة برمثيوس الطليق. وكان بداخل الحمّامات عدد كبير من التماثيل، ويحمل سقفها 200 عمود منحوتة من الحجر الأعبل والمرمر، والحجر السماقي، وكانت أرض الحمّامات وجدرانها المبنية من الرخام مطعمة بمناظر من الفسيفساء، وكان الماء يصب من أفواه ضخمة من الفضة في برك وأحواض تتسع لاستحمام 1600 شخص في وقت واحد. وأنشأ جلينس وديسيوس حمّامات مماثلة لهما، وفي هذه الحمّامات الأخيرة أقام المهندسون الرومان قبة مستديرة فوق بناء ضخم ذي عشرة أضلاع متساوية وسندوها بدعامات عند زوايا البناء ذي العشر الأضلاع. وهي وسيلة لم تكن تستعمل إلا قليلاً قبل ذلك الوقت ولكنها أصبحت كثيرة الاستعمال في المستقبل. وفي عام 295 شرع مكسميان في بناء الحمّام الحار الذي كان أضخم الحمّامات الإمبراطوريّة الحارة الأحد عشر، وسمّاه حمّامات دقلديانوس، وهو تواضع منه لم يكن معروفاً في وقته. وقد أعد لأن يستحم فيه 3600 شخص. وكان به فوق ذلك مدارس للتدريب الرياضي، وأبهاء للحفلات الموسيقية، وقاعات للمحاضرات: وأنشأ ميكل أنجلو من حجرة واحدة من هذا الحمّام كنيسة سانتا ماريا دجلى أنجيلى Santa Maria degli Angeli وهي أكبر كنيسة في إيطاليا بعد كنيسة القدّيس بطرس. وأنشأت في الولايات مبان لا تفوقها في ضخامتها إلا العمائر السالفة الذكر، وأقام دقلديانوس نفسه كثيراً من المباني في نيقوميديا، والاسكندرية، وإنطاكية. وزين مكسميان ميلان وزين جليريوس سرميوم وجمل قسطنطينيوس تريف Treves.

وكان الأدب أقل ازدهاراً من العمارة، لأنه قلما كان في مقدوره أن يصل إلى الثروة التي تجمعت في أيدي الأباطرة. ومع هذا فقد زاد عدد دور الكتب ووسعها، وكان لطبيب من أطباء القرن الثالث مجموعة تبلغ 62.000 مجلّد، واشتهرت مكتبة البيان بما فيها من المحفوظات التاريخية؛ وبعث دقلديانوس بالعلماء إلى الإسكندرية لينسخوا ما فيها من المخطوطات الأدبية اليونانية والرومانية القديمة، ويأتوا بنسخ منها إلى مكتبات رومة. وكان العلماء كثيري العدد محببين إلى الأهلين، وقد أشاد فيلوستراتس بذكرهم في كتابه حياة السوفسطائيين؛ وواصل برفيري عمل أفلوطين، وهاجم المسيحية، وأهاب بالعالم أن يقتصر على أكل الخضر، وحاول أيمبليكس Iamblicus أن يوفق بين الأفلاطونية ومبادئ الديانة الوثنية، وأفلح في ذلك إلى حد استطاع معه أن يوحي بآرائه إلى الإمبراطور جوليان. وجمع ديجين ليرتبوس سير الفلاسفة وأراءهم في مقتطفات وقصص رائعة فاتنة، وبعد أن التهم أثينيوس النقراطيسي Athenaeus of Naucratis كل ما في مكاتب الإسكندرية أفرغ كل ما جمعه في كتابه المعروف سوفسطائيي مائدة الغداء وهو حوار ممل في الأطعمة، ومرق التوابل، والعاهرات، والفلاسفة والمفردات اللغوية، يخفف من ملله ما تجده في بعض أجزائه من كشف عن عادة قديمة، أو ذكرى عظيم، وكتب لنجينس، وهو كاتب من بلميريا في أغلب الظن، رسالة لطيفة في "السمو" قال فيها أن اللذة الخاصة التي يبعثها الأدب في الإنسان، منشؤها أنها "تسمو" بالقارئ عن طريق الفصاحة التي يستمدها الكاتب من قوة اقتناعه، وإخلاصه ووفائه لأخلاقه . وشرع ديوكاسيوس ككيانس من أهل نيقية بيثينيا يكتب تاريخ روما (210؟) وهو في سن الخامسة والخمسين بعد أن قضى حياته يتقلب في مناصب الدولة. وأتم هذا الكتب في الرابعة والسبعين وقص فيه تاريخ المدينة من روميولوس إلى أيامه ولم يبقَ من هذا الكتاب إلا أقل من نصف أسفاره الثمانين، ولكن هذه الأسفار الباقية تشمل ثمانين مجلداً ضخماً. ويمتاز هذا العمل باتساع نطاقه أكثر مما يمتاز بعلو صفاته، وفيه قصص واضحة حية، وخطب مبينة، واستطرادات فلسفية ليست سخيفة المعنى رثّة العبارات مستمسكة بالقديم، ولكن النبوءات والنذر تفسد الكتاب كما تفسد كتاب ليفي، وهو مثل كتاب ناستس وصف مطول لمعارضة مجلس الشيوخ؛ وهو كجميع كتب التاريخ الرومانية يعنى أكثر ما يعنى بتقلبات السياسة والحرب كأن الحياة لم تكن في ألف عام إلا ضرائب وموت.

وأهم من هؤلاء الرجال الكرام في نظر مؤرخ العقل هو ظهور الرواية الغرامية في هذا القرن. وقد سبقها إعداد طويل تدرج من القيروبيديا Cyropaedia لزنوفون، إلى القصائد الغزلية لكليماخوس، إلى القصص الخرافية التي تجمعت حول الاسكندر، و"الحكايات الميلسية" التي يرويها أرستيديز وغيره في القرن الثاني قبل الميلاد وما تلا ذلك القرن من أجيال. وقد أعجب بهذه القصص التي تروي أخبار المغامرات والحب جمهرة الأيونيين اليونان بتقاليدهم، الشرقيين بمزاجهم، ولعلهم وقتئذ قد أصبحوا شرقيين بدمائهم. وتطورت الرواية المنمقة تطورات شتى على ايدي بترونيوس في رومة وأبوليوس في أفريقية، ولوشيان في بلاد اليونان، ويامبليكوس في سوريا، ولم تكن في بادئ الأمر تعنى بالحب عناية خاصة، حتى إذا كان القرن الأول بعد الميلاد امتزجت رواية المغامرات برواية الحب، ولعل هذا الامتزاج كان استجابة منهما لزيادة عدد القارئات من النساء.

وأقدم الأمثلة الباقية من هذه الروايات هي "الإثيوبيكا Aethiopica" أو القصص المصرية التي كتبها هليودورس الحمصي، وقد ثار الجدل الكثير حول تاريخ هذه القصص، ولكن في وسعنا أن نعزوها إلى القرن الثالث، وتبدأ بأسلوب خلع عليه قدم العهد ثوباً من الجلال:

"أفتر ثغر النهار عن بسمات البهجة، وأرسلت الشمس أشعتها فأنارت قلل التلال، حين وقف جماعة الرجال يبدو من أسلحتهم وظهرهم أنهم قراصنة، وأخذوا ينظرون إلى البحر بعد أن صعدوا إلى قمة أحد المنحدرات المطل على مصب النيل الهرقليوتي. ولكنهم لم يجدوا هناك شراع سفينة يبشرهم بالغنيمة فوجهوا أبصارهم نحو الشاطئ الممتد من تحتهم، وكان هذا هو الذي رأوه(37).

ونلتقي على حين غفلة بثياجينس Theagenes الشاب الغني الوسيم وبالأميرة كركليا Chsriclea الجميلة الباكية. وكان القراصنة قد قبضوا عليهما، وحلت بهما كثير من ضروب الشدائد المختلفة، من سوء التفاهم، والوقائع الحربية، والقتل واللقاء، تكفي لأن تكون مادة لجميع والقصص التي تصدر في فصل من فصول السنة في هذه الأيام.

وتختلف هذه القصة عن قصص بترونيوس وأبوليوس في أن عفة العذارى في رواية هليودورس مسألة غير ذات خطر كبير، ويمر عليها القارئ بسرعة، بينما هي عند بترونيوس وأبوليوس جوهر القصة ومحورها الذي تدور عليه فترى هليودورس يحافظ على عفة كركليز وينجيها من عشرات الأخطار ويدبج عدداً من العضات القوية المقنعة في جمال الفضيلة النسوية ووجوب المحافظة عليها. ولعلنا نجد هنا شيئاً من تأثير المسيحية؛ بل إن الرواية المتواترة تجعل مؤلف القصة أسقف سالونيكي المسيحي فيما بعد. ولقد كانت الأثيوببكا، على غير علم أو قصد من مؤلفها، منشأ عدد لا يحصى من الروايات التي نسجت على منوالها؛ فلقد كانت هي أنموذج قصة سرفنتيز Cervontes المسماة Pesileey Sigismunda وقصة كورندا في رواية إنقاذ أورشليم لتاسو، وقصص السيدة ده اسكوديري Mme de Scudery. ففي هذه الرواية نجد جريمة الحب، ودلائله، والتوجع والإغماء، والخاتمة السعيدة التي نجدها في مئات الآلاف من القصص الممتعة؛ وهنا نجد رواية كلارسا هارلو Clarissa Harlowe قبل كاتبها رتشاردسن Richardson بألف وخمسمائة عام.

وأشهر قصص الحب جميعها في النثر القديم قصة دافنيس وكلوي Daphnis and Chloe. ولسنا نعرف عن مؤلفها إلا اسمه لنجس Longus، كما اننا نظن مجرد ظن أنها ألقت في القرن الثالث بعد الميلاد. وتقول إن دفنيس عرض لتقلبات الجو القاسية وقت مولده، وإن راعياً أنقذه وعنى بتربيته وإنه أصبح هو الآخر راعياً. وفي القصة فقرات رائعة في وصف الريف توحي بأن لنجس كشف ما فيه من جمال بعد طول مقامه في المدينة، كما كشفه الشاعر ثيوكريتس الذي نسج هو على منواله. ويحب دفنيس فتاة حسناء أنقذت هي الأخرى بعد أن عرضت للجو القاسي في طفولتها. ويرعى الفتى والفتاة قطعانهما وتتوثق بينهما عرى الصداقة والألفة، ويستحمّان معاً وهما عريانين في طهر وبراءة، ويقبل كلهما الآخر أول قبلة يسكران منها. ويشرح لهما جارسنج نشوة حبهما، ويصف لهما ما لاقاه في أيام شبابه من آلام العشق فيقول: "لم أكن أفكر في طعامي، ولم أكن أذوق طعم الراحة، وهجر الكرا عيني، وأمضني الحزن، وأسرعت ضربات قلبي، وأحست أطرافي ببرودة الموتى(28). ويعرفهما أبواهما، وكان وقتئذ من أغنياء الناس، ويهبانهما الكثير من المال، ولكنهما لا يعبآن بالثراء، ويعودان إلى حياة الرعي المتواضعة. والقصة مكتوبة ببساطة الفن الجميل المصقول وقد ترجمها أميو Amyot إلى اللغة الفرنسية السلسلة المطواعة (1559) فكانت هذه الترجمة هي المثال الذي احتذاه سان بيير في بول وفيرجينيا كما أوحت بما لا يحصى من الرسوم والقصائد والقطع الموسيقية.

وشبيه بها قصيدة من الشعر تعرف باسم أمسية فينوس. ولا يعرف أحد اسم منشئها أو متى أنشأها، وأغلب الظن أنها من شعر ذلك القرن نفسه(39) وموضوعها هو موضوع خطب لكريشيوس التي تمتاز بما فيها من التفات، ورواية لونجوس الغرامية - وخلاصتها أن ربة الحب تلهب قلوب جميع الأحياء بالرغبة الجامحة، وأنها لهذا السبب هي خالقة العالم الحقة!


غداً سيحب مَن لم يطف به طائف الحب،

غداً سيحب مَن ذاق قبل طعم الحب،

لقد أقبل الربيع النظر، أخذ يغني غناء الحب،

وولدت الدنيا من جديد، وها هو ذا حب الربيع،

يدفع كل طير إلى قرينه، وها هي ذي الغابات المترقبة

تنثر غدائرها لتستقبل شآبيب الربيع،

غداً سيحب مَن لم يطف به طائف الحب،

وسيحب مَن ذاق قبل طعم الحب،


وعلى هذا النحو يسترسل الكاتب في شعره العذب الصافي، ويجد الحب في المطر المخصب وفي أشكال الزهر، وفي أهازيج الأعياد البهجة، وفي التجارب الصعبة التي يعانيها الشباب المشتاق، وفي مواعيد اللقاء الوجلة، وسط الغابات، وبعد كل مقطوعة يتردد الوعد القوي الجامع: "غداً سيحب مَن لم يطف به طائف الحب، وسيحب مَن ذاق قبل طعم الحب". وإنا لنجد هنا في آخر القصائد الغنائية الكبرى التي تغنت بها الروح الوثنية الوزن الشعري لترانيم العصور التي تستبق أنغام شعراء الفروسية الغرليين بعدة قرون.

الفصل الخامس: الملكية الشرقية

لما مات كلوديوس الثاني أثناء انتشار وباء كان يفتك بالقوط والرومان على السواء (270) اختار الجيش خليفة له ابن فلاح إليراي. وكان دومتيوس أورليانس Domitius Aurelianus قد ارتفع من أوطأ الطبقات بقوة الجسم والإرادة؛ وقد لقبوه من قبيل السخرية "يد على سيف" وكان مما يشهد بعودة العقل إلى الجيش أنه اختار رجلاً يطلب عند غيره من النظام ما يطلبه عند نفسه.

وبفضل قيادته صد أعداء روما عن حدودها في كل مكان عدا نهر الدانوب، فهناك نزل أورليان عن داشيا للقوط لعلهم بذلك يقفون حاجزاً بين الإمبراطوريّة وبين غيرهم من البرابرة. ولعل هذا الاستسلام قد شجع الألمان والوندال على غزو إيطاليا، ولكن أورليان انتصر عليهم في ثلاث معارك وشتت شملهم. وكان يفكر في القيام بحملات حربية على أجزاء قاصية، ويخشى أن يهاجم الأعداء روما في أثناء غيابه، فأقنع مجلس الشيوخ بأن يوافق على صرف المال اللازم لبناء أسوار جديدة حول العاصمة، كما أقنع النقابات الطائفية بأن تقوم بهذا العمل وأخذت المُدن في جميع أنحاء الإمبراطوريّة تشيد الأسوار حولها، وكان قيامها بهذا العمل شاهداً على ضعف قوة الرومان وخاتمة السلم الرومانية.

ورأى أورليان أن الهجوم أفضل من الدفاع، ولذلك اعتزم أن يعيد مجد الإمبراطوريّة بالهجوم على زنوبيا في الشرق، ثم على تتريكس Tetricus الذي اغتصب السيادة على غالة بعد بستيوس. واسترد بروبس Probus قائد أورليان مصر من ابن زنوبيا في الوقت الذي كان هو نفسه يخترق بجيوشه بلاد البلقان،

ويعبر الهلسبنت، ويهزم جيش هذه الملكة في حمص ويحاصر عاصمتها. وحاولت الملكة أن تفر، وتستنجد بالفرس ولكنها أسرت، واستسلمت المدينة ونجت من التدمير، ولكن لنجينس قُتل (272). وبينما كان الإمبراطور عائداً على رأس جيشه إلى الهلسبنت، ثارت تَدْمُر وقتلت الحامية التي تركها فيها. فعاد إليها مسرعاً كسرعة قصير، وحاصر المدينة مرة أخرى واستولى عليها بعد قليل من الوقت، وأباحها الجنود يسلبون ويعيثون فيها فساداً، ودك أسوارها، وقضى مرة أخرى على تجارتها، وتركها تعود قرية صحراوية، وهكذا ظلت من ذلك الحين إلى الوقت الحاضر. وسارت زنوبيا مكبلة بالأغلال تزين موكب أورليان وهو داخل منتصر إلى رومة؛ وسمح لها بأن تقضي البقية الباقية من عمرها حرة إلى حد ما في تيبور .

وفي عام 274 هزم أورليان تتريكس عند شالون Chalons وعاد بعدئذ إلى غالة. واغتبطت روما بعودة سيادتها إليها فرحبت بالقائد الظافر ولقبته "مرجع العالم" restittor orbis. ثم وجه عنايته إلى واجبات السلم، فأعاد إلى الإمبراطوريّة سيئاً من النظام الاقتصادي بإصلاح النقد الروماني، وأعاد تنظيم الأداة الحكومية بأن طبق عليها نفس النظام الصارم الذي رد به الحياة إلى الجيش. وكان يعزو بعض ما تعانيه روما من الفوضى الأخلاقية والسياسية إلى تعدد الأديان والمذاهب فيها ويسعى لأن يوحد الأديان القديمة والجديدة ويوجهها إلى عبادة إله واحد هو إله الشمس، والإمبراطور نائبه في الأرض ولما أظهر الجيش ومجلس الشيوخ تشككهما، أبلغهما أن الله، لا اختيارهما، هو الذي جعله إمبراطوراً. وأنشأ في روما هيكلاً للشمس رائع الجمال، كان يرجو أن يمتزج فيه بعل حمص وإله المثراسية. وكانت الملكية المطلقة والتوحد تسيران وقتئذ جنباً إلى جنب، وكانت كلتاهما تسعى لأن تستعين بالأخرى؛ وكانت سياسة أورليان الدينية توصي بأن قوة الدولة آخذة في الاضمحلال، وأن قوة الدين آخذة في الارتفاع، وقد أصبح الملوك وقتئذ ملوكاً بنعمة الله. وكانت هذه هي فكرة الشرقيين عن الحكومة وهي فكرة وجدت في مصر، وبلاد الفرس، وسوريا؛ فلما قبلها أورليان عجل التيار الذي كان يحول الملكية إلى حكومة شرقية، وهو التيار الذي بدأ من عهد إلجابالس وانتهى عن دقلديانوس وقسطنطين.

وبينما كان أورليان يقود جيشاً مخترقاً به تراقية ليحسم الأمر بينه وبين فارس إذ اغتاله في عام 275 جماعة من ضباطه لأنهم خدعوا فظنوا أنه ينوي إعدامهم. وارتاع الجيش لكثرة ما ارتكبه هو نفسه من الجرائم فطلب إلى مجلس الشيوخ أن يختار مَن يخلف الإمبراطور القتيل؛ ولم يكن أحد يرغب في هذا الشرف الذي ينذر بالقتل على الدوام؛ وانتهى الأمر بأن رضي به تاستس لأنه كان وقتئذ في الخامسة والسبعين من عمره. وكان تاستس هذا يدعي أنه من نسل المؤرخ المسمى بهذا الاسم، وكانت تتمثل فيه جميع الفضائل التي كان ينادي بها ذلك الكاتب الموجز المتشائم؛ لكنه قضى نحبه من فرط الأعياء بعد ستة أشهر من جلوسه على العرش، وندم الجند على ندمهم، فعادوا إلى الاستئثار بالسلطة ونادوا بِبروبس Probus إمبراطوراً (276).

وكان ذلك اختياراً موفقاً، كما كان بروبس خليقاً باسمه لأنه كان يمتاز بالشجاعة والاستقامة. فقد طرد الألمان من غالة، وطهر إليركم Illyricum من الوندال، وشاد سوراً بين الرين والدانوب، وأرهب الفرس بكلمة منه، واستمتعت الإمبراطوريّة كلها في أيامه بالسلم؛ وسرعان ما عاهد شعبه على ألا تكون في البلاد أسلحة، ولا جيوش، ولا حروب، وعلى أن يعم الأرض كلها حكم القانون.

وبدأ هذه الطوبى بأن أرغم جنوده على أن يصلحوا الأراضي البور، ويجففوا المستنقعات ويغرسوا الكروم، ويقوموا بضروب أخرى من الأعمال العامة. واستاء الجيش من هذا التسامي الذي لم يكن له به عهد، فاغتاله (283)، وحزن عليه؛ وأقام نصباً تذكارياً له.

ونادى برجل يدعى ديوقليز Diocles ابن معتوق دلماشي إمبراطوراً على الدولة. وكان ديوقليشيان أو دقلديانوس - وهو الاسم الذي اختاره بعد ذلك لنفسه - قد ارتقى بمواهبه الفذة ومبادئه الأخلاقية المرنة حتى عين، وحاكما في بعض الولايات، وقائداً لحرس القصر. وكان رجلاً عبقرياً أكثر دراية بشئون الحكم منه بالحرب. وقد جلس على العرش بعد عهد من الفوضى أشد من الفوضى التي عمت البلاد من أيام ابني جراكس إلى أيام أنطونيوس، ولكنه هدأ كل الأحزاب الثائرة المتنافرة، وصد الأعداء عن جميع الحدود، وبسط سلطان الحكومة وقواه، وأقام حكمه على تأييد الدين ورضاء رجاله. وكان ثالث ثلاثة تدين لهم الإمبراطوريّة بالشيء الكثير - أغسطس وأورليان؛ ودقلديانوس. وأما أغسطس فقد أنشأها، وأما أورليان فقد أنقذها، وأما دقلديانوس فقد نظمها تنظيماً جديداً.

وكان أول قراراته الحاسمة قراراً كشف عن المستور من أحوال الدولة وعن أفول نجم رومة، فقد هجر المدينة ولم يتخذها عاصمة لملكه، واتخذ مقامه في نيقوميديا وهي مدينة في آسية الصغرى تبعد عن بيزنطية بقليل من الأميال جهة الجنوب، وظل مجلس الشيوخ يعقد جلساته في روما كما كان يعقدها قبل، وظل القناصل يقومون بمراسمهم المألوفة، وظلت الألعاب الصاخبة تدور كسابق عهدها والشوارع تموج بمن فيها من الناس على اختلاف أجناسهم؛ ولكن السلطة والقيادة قد انتقلتا من هذه المدينة التي أضحت مركز الانحلال الاقتصادي والأخلاقي. وكان الذي دفع دقلديانوس إلى هذا العمل هو الضرورة الحربية. ذلك أنه كان لا بد من الدفاع عن أوربا وآسية، ولم يكن الدفاع عنهما مستطاعاً من مدينة في جنوب جبال الألب وتبعد عن تلك الجبال هذا البعد الشاسع. ولهذا أشرك معه في الحكم قائداً محنكاً يدعى مكسميان (286)، وعهد إليه الدفاع عن الغرب؛ ولم يتخذ مكسميان روما عاصمة له بل اتخذ بدلاً منها مدينة ميلان. وبعد ست سنين من ذلك العام اتخذ كلا الأغسطسين Augusyi "قيصراً" ليساعده في أعباء الحكم وليكون خليفة له من بعده. فاختار دبوقليشان جليريوس Galerius واتخذ هذا عاصمته مدينة سرميوم Sirmium وهي متروفيكا Mitrovica على نهر الساف Save، وعهد إليه حكم ولايات الدانوب؛ وعين مكسميان قنسطنطيوس طلورس Constantius Chlorus (الأصغر) خلفاً له. واتخذ هذا حاضرته مدينة أوغسطا ترفرورم Augusta Trevirorum (تريف Treves). وتعهد كل أغسطس أن يعتزل الملك بعد عشرين عاماً ليخلفه قيصره؛ وكان من حق هذا القيصر أن يعين هو الآخر "قيصراً" يعاونه ويخلفه. وزوج كل أغسطس ابنته "بقيصره" فأضاف بذلك رابطة الدم إلى رابطة القانون. وكان دقلديانوس يرجو بذلك أن يسد الطريق على حروب الوراثة، وأن يعيد إلى الحكومة استقرارها ودوامها، وسلطانها، وأن تكون الإمبراطوريّة متأهبة لملاقاة الأخطار في أربع نقاط هامة، سواء أكانت هذه الأخطار ناشئة من الثورات الداخلية، أم من الغزو الخارجي. لقد كان تنظيماً باهراً، جمع كل الفضائل إذا استثنينا فضيلتي الوحدة والحرية. فقد انقسمت الملكية، ولكنها كانت ملكية مطلقة، وكان كل قانون يصدره كل حاكم من الحكام الأربعة يصدر باسمهم جميعا، ويطبق في أنحاء الدولة، وكان قرار الحكام يصبح قانوناً ساعة صدوره، من غير حاجة إلى تصديق مجلس الشيوخ في روما. وكان الحكام هم الذين يعينون جميع موظفي الدولة، ومدت أداة بيروقراطية ضخمة فروعها في جميع أنحاء الدولة. وأراد دقلديانوس أن يزيد من قوة هذا النظم فحول عبادة عبقرية الإمبراطور إلى عبادة شخصه بوصفه تجسيداً لجوبتر، وتواضع لكسمليان فرضي أن يكون هو هرقول؛ وهكذا هبطت الحكمة والقوة من السماء لتعيدا النظام والسلم إلى الأرض، واتخذ دقلديانوس لنفسه تاجاً - عصّابة عريضة مرصعة باللآلئ - وأثواباً من الحرير والذهب؛ وأحذية مرصعة بالحجارة الكريمة، وابتعد عن أعين الناس في قصره، وحتم على زائريه أن يمروا بين صفين من خصيان التشريفات والحجاب وأمناء القصر ذوي الألقاب والرتب، وأن يركعوا ويقبلوا أطراف ثيابه. لقد كان في الحق رجلاً يعرف العالم حق المعرفة. وما من شك في أنه كان يضحك في السر من هذه الخرافات والأشكال ولكن عرشه كان يعوزه ما يخلعه الزمان عليه من شرعية، وكان يأمل أن يدعمه وأن يقمع اضطراب العامة وعصيان الجيش بأن يخلع على نفسه مظاهر الألوهية والرهبة. وفي ذلك يقول أورليوس فكتور: "واتخذ لنفسه لقب السيد Dominus، ولكنه كان يسير في الناس سيرة الأب"(40) وكان معنى إقامة هذا الطراز الشرقي من الحكم الاستبدادي على يد ابن عبد رقيق، وهذا الجمع بين الإله والملك في شخص واحد، كان معنى هذا عجز الأنظمة الجمهورية في العهود القديمة، والتخلي عن ثمار معركة مرثون، والعودة إلى مظاهر بلاط الملوك الأخمنيين، والمصريين، والبطالمة، والبارثيين، والملوك الساسانيين، وإلى النظريات التي كان يقوم عليها حكم هؤلاء الملوك كما عاد الاسكندر إليها من قبل. ومن هذه الملكية الشرقية الصبغة جاء نظام الملكيات البيزنطية والأوربية، وهو النظام الذي طل قائماً إلى أيام الثورة الفرنسية. ولم يبقَ بعد هذا إلا أن يتحالف الملك الشرقي في عاصمة شرقية مع دين شرقي. ولقد بدأت الخواص البيزنطية في الظهور أيام دقلديانوس.


الفصل السادس: اشتراكية دقلديانوس

وسار دقلديانوس في عمله بنشاط لا يقل عن نشاط قيصر، فأخذ يعيد تنظيم كل فرع من فروع الإدارة الحكومية. وبدل أحوال الأشراف بأن رفع إلى طبقتهم كثيرين من الموظفين المدنيين أو العسكريين، وبأن جعلها طبقة وراثية ذات مراتب مختلفة على النظام الشرقي، وألقاب كثيرة، ومراسم معقدة متعددة. وقسم هو وزملاؤه الإمبراطوريّة إلى ست وتسعين ولاية تتألف منها اثنتان وسبعون أبرشية، وأربع مقاطعات، وعين لكل قسم حاكم مدني وآخر عسكري، وأصبحت الدولة بذلك ذات حكومة مركزية صريحة، ترى أن الاستقلال الذاتي المحلي، وأن الديمقراطية نفسها، ترف لا يصلح إلا لأوقات الأمن والسلم، وتبرر سلطانها المطلق بحاجات الحرب القائمة أو المتوقعة. ودارت رحى الحرب في تلك الأيام فعلاً وأحرزت الدولة فيها انتصارات باهرة؛ فاستعاد قنسطنطيوس بريطانيا التي ثارت عليه، وأوقع جليريوس بالفرس هزيمة منكرة حاسمة أسلموا بعدها أرض النهرين وخمس ولايات وراء نهر دجلة، وصد أعداء رومت عن حدودها جيلاً من الزمان.

وواجه دقلديانوس وأعوانه في زمن السلم المشاكل الناشئة من الانحلال الاقتصادي، فأحل محل قانون العرض والطلب نظاماً اقتصادياً تسيطر عليه الدولة ليتغلب بذلك على الكساد ويمنع نشوب الثورات(41). ووضع نظاماً نقدياً سليماً بأن عين للعملة الذهبية وزناً وعياراً محددين، احتفظت بهما الإمبراطوريّة الشرقية حتى عام 1453، ووزع الطعام على الفقراء بنص ثمنه في السوق أو بغير ثمن على الإطلاق، وشرع يقيم كثيراً من المنشآت العامة ليوجد بذلك عملاً للمتعطلين(42)، ووضع عدداً كبيراً من فروع الصناعة والتجارة تحت سيطرة الدولة ليضمن بذلك حاجات المُدن والجيش؛ وبدأ هذه السيطرة الكاملة باستيراد الحبوب فأقنع أصحاب السفن والتجار والبحارة المشتغلين بهذه التجارة أن يقبلوا أشراف الدولة عليها نظير ضمان الحكومة لعدم تعطلهم ولأرباحهم(43). وكانت الدولة من زمن قديم تمتلك معظم مقالع الحجارة، ورواسب الملح، والمناجم، ولكنها خطت في ذلك الوقت خطوة أخرى فحرمت تصدير الملح، والحديد، والذهب، والخمر، والحبوب، والزيت، من إيطاليا، وفرضت نظاماً دقيقاً صارماً على استيراد هذه المواد(44). ثم انتقلت بعد ذلك إلى السيطرة على المؤسسات الصناعية التي تنتج حاجيات الجيش، وموظفي الدولة وبلاط الأباطرة، وحتمت على مصانع الذخيرة، والنسيج، والمخابز ألا يقل إنتاجها عن قدر معين، واشترت هذا القدر بالأثمان التي حددتها هي له، وألقت على جمعيات الصناع تبعات تنفيذ أوامرها ومواصفات منتجاتها، فإذا تبينت أن هذه الخطة لم تؤدِ إلى الغرض المقصود منها أممت هذه المصانع، وجهزتها بعمال فرضت عليهم أن يعملوا فيها(45). وبهذا وضعت الكثرة الغالبة من المؤسسات الصناعية والنقابات الطائفية في إيطاليا شيئاً فشيئاً تحت سيطرة الدولة المتحدة في عهد أورليان ودقلديانوس. وخضع القصابون والخبازون، والبناءون، وصناع الزجاج، والحديد، والحفارون خضع هؤلاء جميعاً لنظم مفصلة وضعتها لهم الحكومة(46). ويقول رستوفتزف Rostovizeff إن الهيئات الصناعية المختلفة كانت أشبه بمراقبات صغرى على مؤسساتها تقوم بهذا العمل نيابة عن الدولة وكانت أشبه بهذه المراقبات منها بمالكة المؤسسات. وكانت خاضعة لسلطان موظفي المصالح الحكومية المختلفة، ولقواد الوحدات العسكرية المتباينة(47). وحصلت جمعيات التجار والصناع من الحكومة على مزايا كثير متنوعة، وكثيراً ما كانت تؤثر تأثيراً كبيراً في خططها؛ وكانت في نظير هذه المزايا وهذا التأثير تعمل كأنها أعضاء في الإدارة القومية، فكانت تساعد الحكومة على وسائل من الإشراف الحكومي شبيهة بهذه الوسائل في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع إلى مصانع الأسلحة القائمة في الولايات، وإلى صناعة الأطعمة والملابس. وفي ذلك يقول بول-لوي Paul Louis: "وكان كل ولاية رقيب خاص يشرف على نواحي النشاط الصناعي، وأصبحت الدولة في كل مدينة كبيرة صاحب عمل وذات قوة كبيرة... تسيطر على جميع المصانع الخاصة التي كانت ترزح تحت أعباء الضرائب الفادحة"(49).

ولم يكن مستطاعاً أن يسيطر هذا النظام إلا إذا سيطرت الدولة على أثمان السلع، ولهذا أصدر دقلديانوس وزملاؤه في عام 301 قانون الأثمان الذي حددت به أقل الأثمان والإجور التي يجيزها القانون لجميع السلع أو الخدمات العامة في جميع أنحاء الإمبراطوري. وهاجم القرار في مقدمته الاحتكارات التي منعت البضائع من السوق في الوقت الذي "قلت فيه السلع" لكي ترتفع أثمانها.

"ومَن ذا الذي... خلا قلبه من العاطفة الإنسانية فلا يرى أن ارتفاع الأسعار ظاهرة عامة في أسواق مُدننا، وأن شهوة الكسب لا يحد منها وفرة السلع ولا أعوام الرخاء؟- ولهذا... يرى أشرار الناس أنهم يخسرون إذا ما توافرت الحاجات... إن من الناس مَن يجعلون همهم الوقوف في وجه الرخاء العام... والجري وراء الأرباح الباهظة القاتلة... لقد عم الشره جميع الجشعون الأثمان، ولم يكتفوا بالحصول على سبعة أضعاف الثمن المعتاد أو ثمانية أضعافه، بل زادوه إلى الحد الذي تعجز الألفاظ عن وصفه، حتى لقد يضطر الجندي إلى دفه مرتبه كله وإعانة الحرب في شراء سلعة واحدة، وبذلك يذهب كل ما يقدمه العالم كله لإمداد الجيش بحاجته في جيوب أولئك اللصوص الجشعين .

ولقد ظل هذا المرسوم حتى وقتنا الحاضر أعظم محاولة في التاريخ كله لاستبدال القرارات الحكومية بالقوانين الاقتصادية. ولكن التجربة أخفقت إخفاقاً عاجلاً كاملاً، فقد أخفى التجار ما عندهم من السلع وشحت البضائع أكثر من ذي قبل، واتهم دقلديانوس نفسه بالتغاضي عن ارتفاع الأسعار(52). وحدثت عدة اضطرابات؛ واضطرت الحكومة إلى التراخي في تطبيق المرسوم لإعادة الإنتاج والتوزيع إلى حالتهما الطبيعية(53)، وانتهى الأمر بإلغائه على يد قسطنطين.

وكانت علة ضعف هذا النظام الاقتصادي الخاضع للسيطرة الحكومية هي ما تطلّبه تنفيذه من نفقات. فقد بلغت البيروقراطية التي تطلّبها تنفيذه من الاتساع درجة وصفها لكتنيوس بأنها احتاجت إلى نصف السكان؛ ولا شك في أنه بالغ في هذا التقدير مبالغة كان الباعث عليها ميوله السياسية(54)، ووجد الموظفون آخر الأمر أن عملهم هذا مما تنوء به العدالة الإنسانية، وكانت رقابتهم متباعدة يستطيع الناس أن يقتلوا منها بما أوتوا من مكر ودهاء. وارتفعت الضرائب ارتفاعاً لم يكن له مثيل من قبل، وفرضت على كل شيء لأداء أجور الموظفين، ونفقات البلاط، والجيش، وبرنامج المنشآت العامة، وإعالة العجزة والمتعطلين، ولكن الدولة قد كشفت بعد طريقة الاستدانة لتخفي بها إسرافها وتؤجل يوم حسابها، فقد كانت أعمال كل عام ينفق عليها من إيراد العام نفسه، وأراد دقلديانوس أن يحتاط لما عساه أن يحدث من أداء الضريبة بعملة مخفضة، فأمر بأن تؤدى الضرائب عيناً كلما كان ذلك مستطاعاً، وحتم على دافعي الضرائب أن يؤدوا ما عليهم إلى مخازن حكومية، ووضع نظاماً شاقاً لنقل هذه الضرائب العينية من هذه المخازن إلى مقرها الأخير(55)، وجعل موظفي البلديات في كل بلدية مسئولين من الوجهة المالية عن كل تقصير في تحصيل الضرائب المفروضة على إقليمهم(56).

وإذ كان من طبيعة كل ممول أن يحاول الهروب من أداء ما عليه من الضرائب، فقد أنشأت الدولة قوة خاصة من الشرطة للفحص عن أملاك كل شخص ودخله؛ واستخدمت وسائل التعذيب مع الزوجات، والأطفال، والعبيد لإرغامهم على الكشف عن ثروة بيوتهم أو مكاسبها، وفرضت عقوبات صارمة على مَن يحاولون الهرب من أداء ما عليهم(57). ومع هذا كله فقد كاد الفرار من الضرائب أن يصبح وباء متفشياً في الإمبراطوريّة كلها في القرن الثالث، وأضحى أكثر تفشياً في القرن الرابع؛ فكان الأغنياء يخفون ثروتهم، وبدل الأشراف طبقتهم ووضعوا أنفسهم في عداد الطبقة الدنيا حتى لا يُختاروا للوظائف البلدية، وهجر الصناع حرفهم، وترك الزراع أرضهم المثقلة بالضرائب ليصبحوا أجراء عند غيرهم، وأقفرت كثير من القرى وبعض البلدان الكبيرة (مثل طبرية في فلسطين) من أهلها لفدح الضرائب المفروضة عليها(58)، فلما كان القرن الرابع اجتاز عدد كبير من الأهلين حدود الإمبراطوريّة ولجأوا إلى البرابرة فوراً من الضرائب الفادحة.

وأكبر الظن أن الذي حمل دقلديانوس على الالتجاء إلى تلك الأعمال، التي أوجدت واقع الأمر نظام الاسترقاق الإقطاعي في الحقول، والمصانع، والنقابات الطائفية، هو حرصه على منع هذه الهجرة التي تكلف الدولة كثيراً من النفقة، وعلى ضمان ورود العام بانتظام للجيش والمُدن، والضرائب لبيت المال. وبعد أن جعلت الحكومة مالك الأرض بما فرضته عليه من الضرائب النوعية مسئولاً عن حسن استغلال مزارعيه لأرضه، قررت أن يبقى الزارع في أرضه حتى يؤدي جميع المتأخر عليه من الديون أو العشور. ولسنا نعرف متى صدر هذا القرار التاريخي، ولكنا نعرف أن قسطنطين سن في عام 332 قانوناً يفترض وجود هذا القرار ويؤكده؛ ويجعل المستأجر "يرتبط كتابة" بالأرض التي يزرعها، لا يستطيع تركها إلا برضاء مالكها، فإذا بيعت الأرض بيع هو وأسرته معها(60). وليس فيما وصل إلينا من المعلومات ما يدل على أن الزّراع قد احتجوا على هذه القيود؛ ولعل هذا القانون قد قدّم إليه ضماناً لأمنه وسلامته، كما هو حادث في ألمانيا في هذه الأيام. وبهذه الطريقة وأمثالها انتقلت الزراعة في القرن الثالث من الاسترقاق إلى الحرية ثم الاسترقاق الإقطاعي، وبهذا النظام استقبلت العصور الوسطى.

واتبعت الصناعة وسائل من هذا النوع ليضمن بذلك استقرارها. فحرم على العمال تغيير عملهم، أو الانتقال من مصنع إلى مصنع إلا بموافقة الحكومة؛ وقصرت كل نقابة طائفية على حرفتها والعمل المقرر لها، وحرم على أي إنسان أن يغادر النقابة التي سجل اسمه فيها(61). وألزم كم مَن يعمل في الصناعة أو التجارة بأن ينضم إلى نقابة من هذه النقابات الطائفية، وحتم على الابن أن يشتغل بحرفة أبيه(62)، فإذا رغب إنسان في أن يستبدل بمكانه أو حرفته مكاناً آخر أو حرفة أخرى ذكرته الدولة بأن إيطاليا يحاصرها البرابرة وأن على كل رجل أو ابن يشتغل بحرفة أن يبقى حيث هو.

ولما استهل عام 305 نزل دقلديانوس ومكسيميان عن سلطتهما باحتفالين مهيبين أقيما في نيقوميديا وميلان، وأصبح جالريوس، وقنسطنطيوس أغسطسين إمبراطورين أولهما للشرق وثانيهما للغرب. ولم يكن دقلديانوس قد تجاوز وقتئذ الخامسة والخمسين من عمره، ولكنه اختفى في قصره الواسع القائم في أسبلاتا Spalata، وقضى فيه الثمانية الأعوام الباقية من حياته. وشهد بعينيه انهيار حكومته الرباعية في غمار الحرب الأهلية. ولما أن ألحّ عليه مكسميان أن يستولي على أزمة الحكم مرة أخرى، ويقضي على الشقاق والحب، قال إنه لو رأى مكسميان الكرنب الجيد الذي يزرعه في حديقته لما طلب إليه أن يضحي بهذه المتعة جرياً وراء متاعب السلطان(63). والحق أنه كان قميناً بكرنبه وراحته، فقد قضى على الفوضى التي دامت خمسين عاماً وأقر من جديد سلطان الحكومة والقانون، أعاد الاستقرار إلى الصناعة، ورد الأمن إلى التجارة، وأذل فارس، وخضد شوكة البرابرة، وكان بوجه عام مشترعاً أميناً مخلصاً، وحاكماً عادلاً إذا ضربنا صفحاً عن بحض الاغتيالات القليلة التي جرت على يديه.

ولسنا ننكر أنه أقام بيروقراطية باهظة الأكلاف، وقضى على الاستقلال الذاتي للولايات، وعاقب معارضيه أشد العقاب، واضطهد الكنيسة التي كان في وسعه أن يتخذها حليفة له فيما بذل من الجهود لإصلاح أحوال الدولة، وجعل سكان الإمبراطوريّة مجتمعاً من الطبقات، في أحد طرفيه زرّاع جهلاء وفي طرفه الآخر ملك مستبد مطلق السلطان، ولكن الظروف التي واجهتها روما لم تكن تسمح بانتهاج سياسة تقوم على مبادئ الحرية؛ وقد جرب ماركس أورليوس والكسندر سفيرس هذه السياسة وأخفقا فيها، ورأت الدولة الرومانية نفسها محاطة بالأعداء من كل جانب، ففعلت ما لابد أن تفعله الأمم جميعها في أوقات الحروب التي يتقرر فيها مصيرها، وقبلت طغيان زعيم قوي، ورضيت أن يفرض عليها ما لا تكاد تطيقه من الضرائب، وتخلت عن الحرية الفردية إلى أن تنال الحرية الجماعية، ولقد قام دقلديانوس بالأعمال التي قام بها أغسطس، وإن كانت قد كلفت أولهما أكثر مما كلفت الآخر، ولكنه والحق يقال قام بها في ظروف أقسى من ظروفه، وقد أدرك معاصروه ومَن جاءوا بعده الأخطار التي نجوا منها بفضل جهوده فلقبوه "أبا العصر الذهبي"، وسكن قسطنطين البيت الذي شاده له دقلديانوس.