قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 4 ج 25

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 3858

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> رومة اليهودية -> بارثيا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الخامس والعشرون: رومة واليهودية 132 ق.م - 135 م

الفصل الأول: بارثيا

بين بحر بنتس وجبال القوقاز تقوم جبال أرمينية ذات القلل الشعثاء التي رست عليها سفينة نوح، كما تقول قصة الطوفان، وفي أوديتها الخفية كانت تمتد الطرق التي تصل بارثيا وأرض الجزيرة بالبحر الأسود، ومن أجل هذا كانت الإمبراطوريات تتنافس على امتلاك أرمينية. وكان سكانها من الجنس الهندوربي يمتّون بصلة القربى للحثيين والفريجيين، ولكنهم ظلوا محتفظين بأنفهم الأناضولي. وكانوا في الأيام الماضية شعباً قوياً صبوراً على أعمال الزراعة، يحذق الصناعات اليدوية، ولا يجابهه شعب آخر في براعته التجارية، استغلوا أرضهم الضنينة أحسن استغلال، وأنتجوا من الثروة ما يكفي لأن يعيش ملوكهم عيشة الترف، وإن لم يكسبهم الكثير من القوة والسلطان. وقد ذكر دارا الأول في نقش بهستون (521 ق.م) اسم أرمينة بين الولايات التابعة لبلاد الفرس، وكانت فيما بعد تابعة تبعية اسمية لدولة السلوقيين ثم تداولتها أيدي بارثيا ورومة مراراً عدة، ولكنها استطاعت لبعدها أن تحتفظ باستقلالها الفعلي. وكان أشهر ملوكها ترجرانس Tirgranes الأكبر (94- 65 ق.م) الذي فتح كبدوكيا وأضاف إلى أرتكساتا Artaxata عاصمة ثانية هي ترجانوسترا Triganocetra، وانضم إلى مثرداتس في ثورته على رومة؛ ولما أن قبل بمبي عذره، أهدى إلى القائد المنتصر 600 وزنة (21.600.000 ريال أمريكي)، و10.000 درخمة (6000 ريال أمريكي) لكل قائد مائة، وخمسين درخمة لكل جندي في الجيش الروماني. واعترفت أرمينية بسيادة رومة في عهد قيصر وأغسطس ونيرون وأصبحت في فترة من الزمان في عهد تراجان ولاية رومانية. لكن ثقافتها كانت رغم هذا ثقافة إيرانية، وكانت ميولها في العادة نحو بارثيا.

وكان الباثيون قد ظلوا عدة قرون يحتلون الإقليم الواقع جنوب بحر الخزر بوصفهم رعايا الملوك الأخمينيين ثم الملوك السلوقيين. وكان هؤلاء البارثيون من العنصر السكوذي- التوراني أي أنهم من جنس الشعوب الضاربة في الجنوب الشرقي من روسيا وفي بلاد التركستان. وفي عام 248ق.م خرج زعيم سكوذي يدعى أرساسيس على حكم السلوقيين، وجعل بارثيا دولة مستقلّة ذات سيادة، وأنشأ فيها أسرة أرساسية مالكة. ولما ضعف الملوك السلوقيون على أثر هزيمة رومة لأنتيخوس الثالث (189 ق.م) عجزوا عن حماية بلادهم من البارثيين الهمج المتهورين، فلم يَكَد يختتم القرن الثاني قبل الميلاد حتى كانت أرض الجزيرة وفارس بأكملها قد ضمت إلى الإمبراطوريّة البارثية الجديدة. وكان للملوك البارثيين الجدد ثلاث عواصم يقيمون فيها في فصول السنة المختلفة: هكتومبيلس Hecatompylus في بارثيا، وإكبتانا (محل همذان) في نيديا، وطشقونة Ctesiphon على المجرى الأدنى لنهر دجلة. وعلى الضفة الأخرى للنهر المقابل لطشقونة كانت تقوم العاصمة السلوقية القديمة وهي مدينة سلوقيا التي ظلّت عدة قرون مدينة يونانية في مملكة بارثية: وقد احتفظ الحكام الأرساسيون بالنظام الإداري الذي أقامه السلوقيون، ولكنهم غشوه بنظام إقطاعي أخذوه عن الملوك الأكيمينيين. وكانت جمهرة الشعب تتألف من أقنان الأرض والرقيق؛ وكانت الصناعة متأخرة وإن كان صاهرو الحديد البارثيون قد استطاعوا أن يخرجوا منه نوعاً جيداً، وكانت "صناعة عصر الخمر تدر أرباحاً طائلة"(2). وكان جزء من ثروة البلاد يأتي عن التجارة التي تُنقل في الأنهار الكبرى، ويُنقل بعضها في طرق القوافل التي تجتاز بارثيا في طريقها بين أقاصي آسية وبلاد الغرب. واشتبكت روما مع بارثيا في حرب بعد حرب من سنة 53 ق.م حين هزم البارثيون كراسس Crassus في كاري Carrhae إلى سنة 217م حين ابتاع مكرينس Macrinus الصلح من أرتبانس Artabanus، بغية السيطرة على هذه الطرق وعلى البحر الأحمر.

وكان البارثيون أعنى أو أفقر من أن يهتموا بالأدب؛ فقد كان الأشراف، يفضلون فن الحياة على حياة الفن كشأنهم في كل العصور؛ وكان أقنان الأرض أميين لا يعرفون للآداب معنى، وكان الصنّاع منهمكين في عملهم لا يجدون متّسعاً من الوقت للاهتمام بالأدب، وكان التجّار مشغولين بتجارتهم عن إنتاج فن عظيم أو كتب قيمة. وكان الأهلون يتكلمون اللغة الفهلوية، ويكتبون بالآرامية على الجلود، وكانت الآرامية قد حلّت وقتئذ محل الكتابة المسمارية. ولم تبقي لنا الأيام سطراً واحداً من الآداب البارثية، لكننا نعلم أن المسرحيات اليونانية كانت تُمثل في طشقونة كما كانت تُمثل في سلوقيا، وذلك لأن رأس كراسس قد ظهر في أحد أدوار الباحيين ليوربديز. أما الصور والتماثيل التي كُشفت في تدمر، ودور- أوربس، وأشور فكانت في أكبر الظن من صنع الفنانين الإيرانيين؛ وكان امتزاج الطرازين اليوناني والشرقي ذلك الامتزاج الساذج ذا أثر في فن العصور التي تلت ذلك العصر في جميع بلاد آسية من الصين إلى القسطنطينية. وقد بقي لنا نقش واضح يُمثل رامياً بالسهام على ظهر جواد، ويوحى بأنه لو بقي لنا من فن البارثيين أكثر مما عثرنا عليه منه لكان تقديرنا لهذا الفن أعلى من تقديرنا الحالي(3). وقد شاد أمير إقطاعي عربي من أتباع ملك بارثيا قصراً من حجر الجير في حترا Hatra القريبة من الموصل (88 ق.م) يحتوي على سبعة أبهاء ذات عقود وقباب، وشاده على طراز قوي ولكنه همجي. غير أن أعمالاً فنية بارثية من طراز حسن قد بقيت لنا في الأدوات الفضية وفي الحلي.

ولكن البارثيين نبغوا في الفن المحبب إلى فن الإنسان- ونعني به زينة الأجسام. لقد كان رجالهم ونساؤهم على السواء يعقصون شعورهم، وكان الرجال يطيلون لحاهم المجعّدة وشواربهم المتهدّلة، ويرتدي الواحد منهم قميصاً وسروالاً منتفخاً يعلوهما في العادة ثوب متعدد الألوان. وأما النساء فكنّ يرتدين أثواباً مطرّزة تطريزاً دقيقاً جميلاً، ويزين شعرهنّ بالأزهار. وكان أحرار البارثيين يسلون أنفسهم بالصيد، ويكثرون من الطعام والشراب، ولا يمشون على أقدامهم إذا استطاعوا الركون. وكانوا محاربين شجعاناً، وأعداء شرفاء، يحسنون معاملة الأسرى، ويقبلون الأجانب في المناصب الكبرى، ويحمون اللاجئين، غير أنهم كانوا في بعض الأحيان يبترون أعضاء المدني من الأعداء، ويُعذبون الشهود، ويُعاقبوا على الذنوب الصغيرة بضرب السياط. وكان من عادتهم تعدد الزوجات إذا أمكنتهم مواردهم من ذلك التعدد، وكانت نساؤهم محجبات معزولات عن الرجال، وكانوا يعاقبون نساءهم على الخيانة الزوجية بأقصى العقوبات، ولكنهم يبيحون الطلاق للرجال والنساء على السواء لا يكادون يقيمون في سبيله عقبة ما(3) ولما أن زحف سرينا Surena القائد البارثي بجيشه على كراسس اصطحب معه مائتي حظية وألف بعير محملة بلوازمه(4). والصورة التي تنطبع في أذهاننا عن البارثيين في جملتهم هي أنهم كانوا أقل حضارة من الفرس الأكيمينيين، وأشرف وأكرم أخلاقاً من الرومان. فقد كانوا متسامحين مع مَن يخالفونهم في الدين، يُجيزون لليونان واليهود، والمسيحيين المُقيمين بين ظهرانيهم أن يقيموا شعائر دينهم دون أن يتدخّلوا في شئونهم. أما هُم أنفسهم فقد انحرفوا بعض الانحراف عن الزرادشتية الصحيحة، فكانوا يعبدون الشمس والقمر، ويُفضلون مثراس عن أهورا- مزدا فكانوا من هذه الناحية كثيري الشبه بالمسيحيين إذ يُفضلون المسيح على يهوه. وقد كان لكهنة المجوس يَد في القضاء على الأسرة الأرساسية لأنهم لم يلقوا من ملوكها المتأخرين ما كانوا يتطلّعون إليه من الرعاية.

ولما توفي ملكهم فلوجاسس الرابع (209م) تنازع ولداه فلوجاسس الخامس وأرتبانس الرابع على عرش المملكة. وانتصر أرتبانس في هذا النزاع ثم هزم الرومان في نزيب Nisibis. ودامت الحرب بين الإمبراطوريتين ثلاثة قرون ثم انتهت بانتصار البارثيين نصراً غير حاسم لأن سهول أرض الجزيرة كانت توائم خيّالة البارثيين أكثر مما توائم فيالق الرومان. ثم تورّط أرتبانس بعدئذ في حرب داخلية لقي فيها حتفه وأعلن أرتحشتر الشريف الإقطاعي في بلاد الفرس والذي غلبه على أمره ملك الملوك (127م) وأسس الأسرة الساسانية. وعاد الدين الزرادشتي إلى سابق عهده، وبدأ في بلاد الفرس عهد من أعظم العهود التي مرّت بها في تاريخها الطويل.

الفصل الثاني: الهشمونيون

انتهز سيمون مكابي في عام 143 ق.م فرصة النزاع القائم بين البارثيين، والسلوقيين، والمصريين، والرومان، فانتزع استقلال بلاد اليهود من أيدي الملوك السلوقيين. واختارته جمعية وطنية قائداً وكاهناً أعلى للدولة اليهودية الثانية (142 ق.م- 70م)، وجعلت ثاني المنصبين وراثياً في أسرته الهسمونية، وصارت بلاد اليهود مرة أخرى دولة دينية تحكمها هذه الأسرة أسرة الكهنة- الملوك، ذلك أن من أخص خصائص المجتمعات السامية ارتباط السلطتين الروحية والزمنية في الأسرة وفي الدولة لأنها تأبى أن يكون لها سيد إلا الله وحده.

وأدرك الهسمونيون ضعف مملكتهم الصغيرة فقضوا جيلين كاملين يوسعون حدودها بالدبلوماسية تارة وبالقوة تارة أخرى، فلم يحل عام 78 ق.م حتى كانوا قد ضموا إليهم السامرة رإدون، ومؤاب، والجليل، وإدوميا، وما وراء نهر الأردن، وجدارا، وبلا، وجراسا، ورافيا (رفح)، وغزّة، ووسعوا حدود فلسطين إلى ما كانت عليه في عهد سليمان. وفرض خلفاء هؤلاء المكابيين البواسل الذين قاتلوا دفاعاً عن حريتهم الدينية الدين اليهودي والختان على رعاياهم الجدد بحد السيف(5). وفقد الهسمونيون في الوقت نفسه غيرتهم الدينية، واستسلموا شيئاً فشيئاً لما كان في العناصر التي ضموها إلى بلادهم من نزعة هلنستية رغم احتجاج الفريسيين الشديد. غير أن الملكة شالوم اسكندرة (78- 69 ق.م) عكست هذا الاتجاه، وعقدت الصلح مع الفريسيين، لكن ولداها هركانس الثاني، وأرستبولس الثاني أخذا يتنازعان العرش قبل موتها، وعرضت الطائفتان أمرهما على بمبي، وكان وقتئذ واقفاً على رأس فيالقه المنتصرة في دمشق (63 ق.م)، فلما انتصر بمبي لهركانس تحصّن أرستبولس وجيشه في بيت المقدس، فحاصر بمبي تلك العاصمة، واستولى على أجزائها السفلى؛ ولكن أتباع أرستبولس إحتموا بأفنية الهيكل المسورة، وظلوا يقاومون بمبي ثلاثة أشهر. ويقول المؤرخون إن تقواهم أعانت بمبي على هزيمتهم، فقد شاهد أنهم لا يحاربون في يوم سبتهم، فأمر رجاله بأن يُعدوا في كل سبت الربا والكباش الهدّامة التي سيستخدمها في اليوم التالي، ولم يكونوا يلقون مقاومة من اليهود في ذلك الاستعداد، بل كان الكهنة يقضون يومهم في الهيكل يبتهلون ويُقربون القرابين كعادتهم في كل الأوقات. فلما أن تهدّمت الأسوار ذبح من اليهود اثني عشر ألفاً، ولم يقاوم منهم إلا عدد قليل، ولم ينجُ منهم أحد، وقفز الكثيرون من فوق الأسوار فلاقوا حتفهم(6). وأمر بمبي رجاله بألا يمسّوا ما في الهيكل من كنوز، ولكنه فرض على الأمّة اليهودية غرامة قدرها عشرة آلاف وزنة (3.600.000 ريال أمريكي)، ونقلت المُدن التي كان الهسمونيون قد فتحوها من حكم اليهود إلى حكم الرومان، ونصب سركانس الثاني حاخاماً أعظم، وحاكماً بالاسم على بلاد اليهود ولكنه كان في حراسة أنتباتر الإيدوميني الذي أعان روما في هذه الحرب. وهكذا قضى على المملكة المستقلة وأصبحت بلاد اليهود جزءاً من ولاية سوريا الرومانية.

وبينما كان كراسس في طريقه إلى طشقونة في عام 54 ق.م- وهي الحملة التي قُطع فيها رأسه وجيء به ليمثل في بلاط ملك البارثيين دور بنيثوس في مسرحية الباخيين- نهب ما أبقى عليه بمبي من كنوز الهيكل، وكان يبلغ مقدارها عشرة آلاف وزنة. ولما أن جاء البشير بأن كراسس هُزم وقُتل اغتنم اليهود هذه الفرصة ليستعيدوا حريتهم، ولكن لنجينس الذي عُين والياً على سوريا بعد كراسس أخمد الثورة وباع ثلاثين ألفاً من اليهود في أسواق الرقيق (43 ق.م)(7). ومات أنتباتر في تلك السنة، وزحف البارثيون على بلاد اليهود مخترقين الصحراء وعينوا أنتجونس آخر الهسمونيين ملكاً على البلاد يأتمر بأمرهم ويخضع لمشيئتهم، وقابل أنطونيوس وأكتافيان هذا العمل بتعيين هيرود بن أنتباتر ملكاً على بلاد اليهود وأعانوا جيشه اليهودي بالأموال الرومانية. فطرد هيرود البارثيين من البلاد وحمى أورشليم من السلب والنهب، وأرسل أنتجونس إلى أنطونيوس ليعدمه، وذبح جميع زعماء اليهود الذين عاونوا الملك الصوري، وتهيأت له بذلك أسباب حكم يُعَد من أكثر العهود إشراقاً في التاريخ (37- 4 ق.م).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: هيرود الأكبر

كانت أخلاقه مثالاً من أخلاق عصره الذي أنجب كثيراً من الرجال الذين كانوا أذكياء لا أخلاق لهم، قادرين لا ضمير لهم، شجعاناً مجردين من الشرف. لقد كان صورة مصغرة من أغسطس في بلاد اليهود: فعل فيها ما فعله أغسطس في روما فاستبدل بفوضى الحرية نظاماً دكتاتورياً، وجمّل عاصمته بالمباني والتماثيل اليونانية الطراز، ووسّع رقعة مملكته، ونشر فيها الرخاء، والكسبة بالختل والسياسة أكثر مما كسبه من قوة السلاح، وتزوج كثيراً من النساء، وقضت عليه خيانة أبنائه، واستمتع بكل ما يتيحه له الحظ المواتي عدا السعادة. ويصفه يوسفوس بأنه رجل قوي البأس، عظيم المهارة، بارع في رمي السهام والحراب، صيّاد عظيم، اقتنص في يوم واحد أربعين وحشاً. وكان "مُحارباً لا يستطيع إنسان أن يقف في وجهه"(8). وما من شك في أنه أضاف إلى هذه الصفات شخصية جذابة، فقد كان في وسعه على الدوام أن يتغلّب بقوة الحجة أو بكثرة الرشا على أعدائه الذين حاولوا أن يشوا به عند أنطونيوس أو كليوبطرة، أو أكتافيان. وقد خرج من كل الأزمات التي حدثت بينه وبين الحكومة الثلاثية في روما وهو أقوى سلطاناً وأوسع مُلكاً مما كان، وسرعان ما اقتنع أغسطس بأن له "روحاً أعظم من أن تسعها أملاكه الصغيرة"، فأعاد إلى مملكته مدائن فلسطين الهسمونية، وتمنى لو أن هيرود قد حكم سوريا ومصر بالإضافة إلى أملاكه(9). ولقد كان "الإديومي Idumean" رجلاً كريماً خلا قلبه من الرحمة، أفاد على رعاياه من النعم ما لا يعادله إلا ما أصابهم به من الأذى. ولقد كان من العوامل التي شكّلت أخلاقه، ما كان يُضمره له الذين غلبهم على أمرهم أو قتل أهلهم من بغض شديد، وما يكنه له الشعب الممتعض من طغيانه والمشمئز من أصله الأجنبي من عداء واحتقار. وقد ارتفع إلى العرش بمساعدة روما وأموالها، وبقى إلى آخر عمره صديقاً وخاضعاً للسلطة التي كان الشعب يأتمر بالليل وبالنهار ليخلع عنه نيرها ويسترد حريته منها. وقد ثقُل عبء الضرائب التي فرضها على بلاده ذات الموارد الاقتصادية الضئيلة ليستمتع بها بلاطه المترف ويُحقق بها منهاجه الضخم في البناء الذي لا تطيقه الثروة القومية. وما لبث هذا العبء الثقيل أن قصم ظهرها واستنزف جميع مواردها. وحاول هيرود أن يهدئ ثائرة شعبه بمختلف الوسائل، لكن جهوده كلها لم تجده نفعاً. من ذلك أنه نزل عن المتأخر من الضرائب عن السنين الماضية، وأقنع روما بأن تخفض مقدار الجزية المفروضة على بلاده، وحصل لليهود على مزايا في البلاد الأجنبية، وأنقذ البلاد إنقاذاً عاجلاً من القحط وغيره من الكوارث، وحافظ على الأمن والنظام في الداخل وسلامة البلاد من الأعداء من الخارج، ونمى موارد البلاد الطبيعية. وفي عهده قضى على اللصوص وقطاع الطرق، ونشطت التجارة ودب دبيب الحياة في الأسواق والثغور. لكن الملك في الوقت نفسه أثار غضب الشعب بفساد أخلاقه، وقسوته في العقاب، وموت أرستبولس حفيد هركانس الثاني والوارث الشرعي لعرش البلاد غريقاً "مصادفة" في الحمام. وأخذ الكهنة الذين قضى على سلطتهم، والذين عين هو رؤساءهم، يأتمرون به، وحدّ عليه الفريسيون لما بدا من أنه يعتزم صبغ بلاد اليهود بالصبغة اليونانية.

ذلك أن هيرود كان يحكم كثيراً من المُدن التي كانت يونانية أكثر منها يهودية في سكانها وثقافتها؛ وقد تأثر بما تمتاز به الحضارة الهلنية من رقة وتنوّع؛ هذا إلى أنه لم يكن يهودياً في أصله أو مؤمناً بهذا الدين عن عقيدة؛ وقد دعا هذا كله بطبيعة الحال إلى العمل على توحيد ثقافة مملكته، وخلع مظاهر الروعة والجلال على حكمه بتشجيع أساليب الحياة والملابس، والأفكار، والآداب، والفنون اليونانية. وقد أحاط نفسه بالعلماء اليونان، وعهد إليهم الإشراف على الشؤون العليا في الدولة، وعيّن نقولاس الدمشقي، وهو رجل يوناني، مستشاره ومؤرّخه الرسمي. وقد أنشأ في أورشليم داراً فخمة للتمثيل ومدرجاً زينهما بتماثيل لأغسطس وغيره من الوثنيين، وأنفق في ذلك أموالاً طائلة، وأدخل في بلاده الألعاب الرياضية والمباريات الموسيقية اليونانية، وصراع المجتلدين الروماني(10)، وجمّل أورشليم بمبانٍ أخرى على طراز معماري بدا للشعب أنه طراز أجنبي، وأقام في الأماكن العامة تماثيل يونانية أثارت دهشة اليهود وغضبهم بعريها كما أثار غضبهم عري المصارعين في الألعاب الرياضية. وقد شاد لنفسه قصراً أقامه بلا ريب على الطراز اليوناني وملأه بالذهب والرخام والأثاث الفخم الثمين، وأحاطه بحدائق واسعة محتذياً في ذلك حذو أصدقائه الرومان. وقد صدم مشاعر الشعب بقوله إن الهيكل الذي شاده زرب بابل منذ خمسة قرون كان ضيقاً، وإنه يعتزم أن يهدمه ويقيم في مكانه هيكلاً أوسع منه. ولم يبالِ باحتجاج الأهلين ومخاوفهم، وحقق رغبته بأن أقام المعبد الفخم الذي دمّره تيتس فيما بعد.

وقد سوى على جبل موريا أرضاً تقرب مساحتها من سبعمائة وخمسين قدماً مربعة، وأقام على أطرافها أروقة ذات سقف من خشب الأرز "ذات نقوش عجيبة" تعتمد على صفوف متعددة من العُمَد الكورنثية، كل عمود من كتلة واحدة من الحجر تبلغ من الضخامة حداً يصعب منعه على ثلاثة رجال أن يطوقوها بأذرعهم. وكان في هذا البهو الرئيسي مظلات للصرافين، الذين يُبدلون نقود الأجانب بالنقود التي تُقبل في الهيكل. وكان فيها أيضاً المرابط التي يستطيع الإنسان أن يشتري منها ما يريد أن يقرّبه من الحيوانات، والغرف أو الأروقة التي يجتمع فيها الطلاب لتعلّم اللغة العبرية والشريعة، والمتسولون الصاخبون الذين لا مفر من وجودهم في كل مكان. ومن هذا "الهيكل الخارجي" يصعد بمجموعة من الدرج إلى فضاء داخلي مسوّر يحرم على غير اليهود أن يدخلوه. وكان في هذا الفضاء "بهو النساء" يأوى إليه الطاهرون من الرجال مع نسائهم(11). ومن هذا الحرم الثاني يصعد العابد على مجموعة أخرى من الدرج ويمر خلال أبواب مصفّحة بالفضة والذهب إلى "بهو الكهنة" حيث يقوم في الهواء الطلق المذبح الذي تُقرّب فيه المُحرَقات إلى يهوه. وتلي هذه درج أخرى يمر الصاعد فوقها خلال أبواب من البرنز يبلغ ارتفاعها خمساً وسبعين قدماً واتساعها وأربعاً وعشرين، تعلوها كرمة ذهبية ذائعة الصيت، وتؤدي إلى بناء الهيكل الرئيسي الذي لا تفتح أبوابه إلا للكهنة وحدهم. وقد شُيّد هذا البناء كله من الرخام الأبيض على هيئة طباق تتدرج في الصغر كلما علت، وصفحة واجهته بالذهب، وقسم داخله قسمين يفصلهما ستار مزركش يمتد في عرض فراغه، فيه من الألوان الأزرق والأرجواني والقرمزي. وأمام هذا الستار كانت الماثلة الذهبية ذات الفروع السبعة، ومذبح البخور والمائدة وعليها "خبز التقدمة" غير المختمر الذي يقدمه الكهنة ليهوه ومن خلف الستار قدس الأقداس. وكان الهيكل القديم يحتوي على مبخرة ذهبية وعلى تابوت العهد، ولكن هذا التابوت لم يكن يحتوي على "شيء قط" كما يقول يوسفوس. ولم تكن قدم الإنسان تطأ هذا المكان إلا مرة واحدة في العام وذلك في اليوم الكفارة حين يدخله الكاهن الأكبر وحده. وقد استغرق بناء الأجزاء الرئيسية من هذا الصرح التاريخي ثمانية أعوام. أما أعمال نقشه وتزيينه فقد ظلت قائمة ثمانين عاماً، ولم تتم إلا قبيل مجيء فيالق تيتس(12).

وكان الناس يفخرون بهذا الهيكل العظيم الذي كان يعد من عجائب العالم عهد أغسطس، وكادوا لعظمته وبهائه يتجاوزون عن وجود عمده الكورنثية القائمة عند أبوابه، وعن النسر الذهبي الذي يتحدى عقيدة اليهود في تحريم الصور المنحوتة، والذي كان يرمز عند مدخل الهيكل لروما عدوة اليهودية وسيدتها. وكاد اليهود العائدون إلى مدائن فلسطين ينقلون أنباء العمائر اليونانية الخالصة التي كان هيرود يحدد بها تلك المدائن، وكيف ينفق أموال الأمة والذهب (كما تقول الشائعات) الذي كان مخبوءاً في قبر داود(13) في إنشاء مرفأ عظيم عند قيصرية، وفي إهدائه بسخاء للمُدن الأجنبية أمثال دمشق، وببلوس، وبيروت، وصور، وصيدا، وإنطاكية، ورودس، وبرجموم، وإسبارطة، وأثينة. واتضح لهم أن هيرود يريد أن يكون معبود العالم اليوناني لا ملك فحسب، ولكن اليهود كانوا يعيشون بدينهم، وبإيمانهم بأن يهوه سينقذهم من الرق والظلم في يوم من الأيام؛ ومن أجل هذا كان انتصار الروح الهلنية على الروح العبرانية في شخص حاكمهم نذيراً لهم بكارثة مدلهمة لا تقل عما حل بهم من الاضطهاد على يد أنتيخس. ولذلك أخذوا يحيكون المؤامرات لقتل هيرود، وكشف هو هذه المؤامرات وقبض على المشتركين فيها وعذّبهم وقتلهم، ولم يكتفِ بقتلهم وحدهم بل قتل أسرهم كلها في بعض الأحيان(14). وأطلق عيونه بين الشعب وتخفى ليتجسس بنفسه على رعاياه، وكان يعاقبهم على كل كلمة تشتم منها رائحة العداة له(15).

واستطاع أن يرد كيد أعدائه في نحورهم عدا كيد أزواجه وأبنائه. وكان له من الأزواج عشرة اجتمعت منهن تسع في وقت واحد، أما الأبناء فكان له منهم أربعون. وكانت مريمنى Mariamne زوجته الثانية حفيدة هركانس الثاني وأخت أرستبولس اللذين قتلهما هيرود. ويصفها يوسفوس بأنها امرأة عفيفة، ولكنها فظة بعض الفظاظة بغريزتها، تعامل زوجها بغطرسة وكبرياء لأنها رأته مغرماً بها غراماً يخضعه لها كأنه مُلكَ يمينها... وكانت فضلاً عن فظاظتها تشهّر بأمه وأخته علناً، لأنهما من أصلٍ حقير. وتستطيل في عرضهما إلى حد "امتلأت معه القلوب" في بيت الملك "بغضاً وحقداً". واستطاعت أخت هيرود أن تقنعه بأن مريمنى تأمر به لتدس له السم، فوجه هذه التهمة لزوجته أمام أعضاء المحكمة، فحكموا عليها بالإعدام ونُفّذ فيها الحكم. غير أن هيرود كان يرتاب في جريمتها، فجنّ جنونه في فرط الندم فترة من الزمان، وأخذ يردد اسمها جهرة، ويرسل خدمها ليستدعوها، واعتزل المناصب العامة، وآوى إلى الصحراء "يعذّب فيها نفسه أشد العذاب" حتى جيء به إلى قصره محموماً شارد العقل. واشتركت أم مريمنى مع جماعة آخرين في مؤامرة ترمي إلى خلعة، ولكنه استرد قواه العقلية وعرشه فجاءة، وأعدم المتآمرين. وبعد قليل من ذلك الوقت قدم له أنتباتر ابنه من زوجته الأولى أدلة تثبت وجود مؤامرة دبرها ولداه من مريمنى الاسكندر وأرستبولس، فعرض الأمر على مجلس مؤلف من مائة وخمسين رجلاً حكموا على الشابين بالإعدام (6 ق.م). ولم يمضِ على ذلك عامان حتى اتهم نيقولاس الدشقي أنتباتر نفسه بأنه يتآمر على انتزاع العرش من أبيه. وأمر هيرود بابنه فجيء به إليه. "وأخذ يبكي ويذكر ما لقيه من النكبات على يد أبنائه"(16) وطاف بقلبه طائف الرحمة ساعة من الزمان أمر فيها بسجن ولده.

وكانت قوى الملك الشيخ في هذه الأثناء تنهار بأثير الحزن والمرض؛ فقد أصيب بداء الاستسقاء؛ والقروح، والحمى، والتشنج، والنفس الكريه الرائحة. وحاول أن يقتل نفسه بعد أن أحبط من المؤامرات لاغتياله، ولكنه منع تنفيذ قصده. ولما سمع أن أنتباتر يحاول إرشاء حراسه ليطلقوا سراحه أمر هيرود بقتله، ولم تمضِ على ذلك إلا خمسة أيام حتى مات هيرود نفسه (3ق.م) في التاسعة والستين من عمره مكروهاً من جميع شعبه. ويقول أعدائه عنه إنه "تسلل إلى العرش تسلل الثعلب، وحكم حكم النمر، ومات ميتة الكلب".


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرابع: الشريعة وأنبياؤها

أوصى هيرود قبل وفاته أن تقسم مملكته بين أبنائه الثلاثة الباقين أحياء. فحكم فيليب الإقليم الشرقي المعروف باسم بنتانيا Bantanea، الذي يحتوي على مدائن بيت سيده، وكبتولياس، وجراسا، وفلدلفية، وبصرى. وحكم هيرود أنتيباس بيريا Peraea (الأرض الواقعة وراء نهر الأردن)، والجليل في الشمال حيث توجد أزدريلا، وطبرية، والناصرة. وكان نصيب أركلوس سمريتس، وغيدوميا، ويهوذا. وكان في هذا القسم الأخير كثير من المُدن والبلدان الشهيرة أمثال بيت لحم، وحيرون، وبير سبع، وغزّة، وجدارا، وإموس، ويمنيا، ويافا، وقيصرية، وأريحة، وأورشليم. وكانت بعض المُدن الفلسطينية تغلب عليها الصبغة اليونانية، وبعضها تغلب عليه الصبغى السورية، وبدل وجود الخنازير في جدارا على وجود غير اليهود فيها. وكان الوثنيون هم الكثرة الغالية في المُدن الساحلية ما عدا يافا، ويمنيا في "المدن العشر" القائمة على شاطئ نهر الأردن، أما في الداخل فيكاد السكان أن يكونوا كلهم من اليهود. وكان هذا الانقسام العنصري، غير المحبب إلى روما، مأساة فلسطين. وإذا أردنا أن نفهم سبب اشمئزاز اليهود الصالحين من شرك المجتمع الوثني وما كان يسوده من فساد خلقي فعلينا أن نرجع إلى زمن المتطهّرين المتزمّتين في إنكلترا. لقد كان الدين عند اليهود مصدر شريعتهم، ودولتهم، وآمالهم؛ وكانوا يظنون إنهم إذا رضوا أن يذوب هذا الدين في نهر الهلنية الجارف كان هذا بمثابة انتحار لقوميتهم؛ ومن ثم نشأت تلك البغضاء بين اليهود وغير اليهود حتى جعلت تلك الأمّة الصغيرة تقضي حياتها كلها في نزاع عصري واضطراب سياسي، وحروب متقطّعة، تخبو نارها كلها تارة ثم تعود فتلتهب من جديد. يُضاف إلى هذا أن يهود يهوذا كانوا يحتقرون أهل الجليل ويصفونهم بالمروق من الدين، بينما كان أهل الجليل يحتقرون أهل يهوذا ويصفونهم بأنهم أرقّاء وقعوا في شراك أهل الشريعة. هذا إلى ما كان هناك من نزاع لا ينقطع بين أهل يهوذا والسامريين لأن هؤلاء يدعون أن يهوه لم يختر صهيون موطناً له بل اختار موطنه تل جرزين الواقع في بلادهم، وإلى رفضهم جميع أسفار الكتاب المقدّس ما عدا أسفار موسى الخمسة(15). وكان الذي يجمع بين هذه الأحزاب كلها هو كراهيتها لسيطرة الرومان، التي كانت تتقاضى من البلاد ثمناً باهظاً نظير ميزة السلم غير المحببة إليهم.

وكان يسكن فلسطين وقتئذ نحو مليونين ونصف مليون من الأنفس يقيم منهم في أورشليم وحدها نحو مائة ألف(19). وكان معظمهم يتكلمون اللغة الآرامية وكان كهنتهم وعلمائهم يفهمون العبرية؛ أما الموظفون والأجانب ومعظم المؤلّفين فكانوا يستعملون اللغة اليونانية. وكان معظم السكان يشتغلون بالزراعة، يحرثون الأرض ويسقون الزرع، ويعنون بالحدائق والكروم، ويرعون الضأن. وكانت فلسطين في حياة المسيح تنتج من القمح ما يكفي أهلها وتبقى منه فضلة تصدر منها إلى الخارج(20). وكان بلحها، وتينها، وعنبها، وزيتونها، ونبيذها، وزيتها غالية الثمن يبتاعها الناس في جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط؛ وكان أهلها لا يزالون يعملون بالأمر القديم الذي يحتّم عليهم أن يتركوا الأرض بوراً في السنة السبتيّة . وكانت الصناعات اليدوية وراثية في أغلب الأحيان، وكان الصنّاع ينتظمون عادة في طوائف. وكان اليهود يعظّمون العامل وكان معظم العلماء يعملون بأيديهم كما يعملون بألسنتهم. وكان الأرقاء أقل عدداً منهم في أي بلد آخر من بلدان البحر الأبيض المتوسط. وازدهرت التجارة الصغرى في البلاد، ولكن عدد التجار اليهود ذوي الثراء والتجارة الواسعة كان لا يزال قليلاً فيها.

وفي ذلك يقول يوسفوس: "لسنا أمّة تجارية؛ فنحن نعيش في بلد (بلاد اليهود الشرقية) عديم السواحل، ولا نميل إلى الاشتغال بالتجارة (الخارجية")(22). وظلت الأعمال المالية ضيقة النطاق حتى ألغي هلل Hillel القانون الوارد في سفر تثنية الإشتراع (الاصحاح الخامس عشر 1-11) والذي يطلب فيه إلغاء الديون مرة كل سبع سنين، وكان الهيكل نفسه مصرفهم القومي.

وكان في داخل الهيكل بهو الجازيث، ملتقى السنهدرين أو المجلس الأعظم المكون من كبراء إسرائيل. وأكبر الظن أن هذا المجلس قد نشأ في أثناء حكم السلوقيين (حوالي عام 200ق.م) ليحل محل المجلس الأول الوارد ذكره في سفر العدد (الآية السادسة عشرة من الاصحاح الحادي عشر) والذي يسدى فيه النصح لموسى. وكان الحاخام الأعظم هو الذي يختار في بداية الأمر أعضاء المجلس من بين طبقة الأشراف الكهنوت، ثم أصبح من حقه في عهد الرومان أن يختار أعضاؤه لعضويته عدداً متزايداً من الفريسيين، وعدداً قليلاً من فقهاء الشريعة الموسوية المحترفين(23). وكان أعضاؤه البالغ عددهم واحداً وسبعين عضواً يُدعون أنهم أصحاب السلطة العليا على جميع اليهود أياً كان موطنهم، وكان اليهود المستمسكون بدينهم في كل مكان على الأرض يعترفون لهم بهذه السلطة؛ أما الهسمونيين؛ وهيرود، وروما فلم يكونوا يعترفون لهم إلا بسلطانهم على من يخرج على الشريعة اليهودية من يهود بلادهم الأصلية، فقد كان في وسعهم أن يحكموا بالإعدام على من فيها من اليهود إذا ارتكبوا جريمة دينية، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون تنفيذ الحكم إلا إذا وافقت عليه السلطة المدنية(24).

وكان في الجمعية حزبان يتنازعان السيطرة عليها، كما يتنازعان السيطرة على معظم الجمعيات الأخرى، أحدهما حزب المحافظين الذين يتزعمهم كبار الكهنة والصدوقيون ، والذين سموا بهذا الاسم نسبة إلى صدوق مؤسس هذه الطائفة وكان أعضاؤه وطنيين في مبادئهم السياسية، مستمسكين بدينهم، ينادون بفرض التوراة أو الشريعة المكتوبة على الأمّة اليهودية، ولكنهم كانوا يرفضون ما عدا هذا من العقائد أمثال الأحاديث والقصص الشفوية التي يتناقلها رجال الدين، والتفاسير الطليقة التي يقول بها الفريسيون. وكانوا يرتابون في خلود الروح، ويقنعون بامتلاك طيبات هذا العالم.

وكان الصدوقيون هم الذين سموا الفريسيين بهذا الاسم (البروشم أي الانفصاليين)، ويقصدون بهذه التسمية أنهم قد فصلوا أنفسهم (كما انفصل البراهمة الصالحون) عن الذين تدنسوا بإهمال ما تفرضه عليهم طقوس التطهير(25) وكانوا هم حلفاء الكسديم أو نسّاك العصر المكابي الذين كانوا ينادون بوجوب التزام قواعد الشريعة الموسوية إلى أبعد الحدود. وقد عرّفهم يوسفوس، وهو منهم، بأنهم "شيعة من اليهود يجهرون بأنهم أكثر استمساكاً بالدين من سائر أبناء ملّتهم، وبأنهم أدق من غيرهم في تفسير شرائعهم"(26). ولكي يصلوا إلى ما يبغونه من هذا التفسير الدقيق أضافوا إلى أسفار موسى الخمسة المكتوبة الأحاديث والروايات الشفوية المشتملة على التفسيرات والأحكام التي وردت على ألسنة معلمي الشريعة المعترف بهم. ويرى الفريسيون أن هذه التفاسير ضرورية لإزالة ما في قوانين موسى من غموض، ولبيان طريقة تطبيقها على الحالات الفردية، ولتعديل حرفيتها في بعض الأحيان حسب ضروريات الحياة وظروفها الدائمة التغير.

وقد جمع هؤلاء الناس بين الصرامة واللين، فكانوا يخففون من صرامة الشريعة في بعض المواضع كما فعلوا في أوامر هلل الخاصة بالربا، ولكنهم كانوا يحتّمون على الناس أن يتقيّدوا بالروايات الشفوية كما يتقيّدون بالتوراة المنزّلة نفسها. ذلك أنهم كانوا يحسون بأن لا نجاة لليهود من انقراضهم وامتصاص الشعوب الأخرى لهم إلا بإطاعة هذه الأوامر المطوّرة والمتواترة. وإذ كان الفريسيون قد ارتضوا أن يخضعوا لسلطان الرومان فقد كانوا يطلبون السلوى فيما يأملونه من الخلود الجثماني والروحي. وكانوا يحيون حياة بسيطة، يبتعدون فيها عن الترف وينددون به، ويكثرون من الصوم، ويعنون بالاغتسال، ويتباهون من حين إلى حين باستمساكهم بالفضيلة مباهاة تضايق السامعين. ولكنهم كانوا يمثلون قوة اليهود الأخلاقية، وقد نالوا تأييد الطبقات الوسطى، وغرسوا في نفوس أتباعهم إيماناً وأحكاماً أنقذتهم من الانحلال والتضعضع حين ألمّت بهم المصائب. ولما أن خرب الهيكل (70م) فقد الكهنة نفوذهم، وأصبح الفريسيون عن طريق الأحبار هم المعلمين والرعاة لذلك الشعب الذي تشتت في بقاع الأرض ولكنه لم تحق به الهزيمة.

وكانت أكثر شيع اليهود تطرفاً شيعة الإسينية التي أخذت تقواها عن الكسديمية، وأكبر الظن أن اسمها مشتق من اللفظ الكلدي أسشاي Aschai (المستحم)، وأن أعضاءها أخذوا عقائدهم وعباداتهم من نظريات الزهّاد ونظمهم التي كانت منتشرة في العالم في القرن الأول قبل المسيح. ولعلهم قد تأثروا أيضاً بآراء البراهمة، والبوذيين، والمجوس عبدة النار، والفيثاغوريين، والكلبيين، وهي جاءت إلى أورشليم ملتقى الطرق التجارية في غرب آسية. وكان عددهم في فلسطين يبلغ أربعة آلاف، وقد نظموا أنفسهم في هيئة مستقلة عن غيرها، وكانوا يستمسكون أشد الاستمساك بالشريعة المكتوبة وغير المكتوبة ويعيشون معاً عيشة العزّاب الزاهدين، يزرعون الأرض في واحة إنجادي Engadi وسط الصحراء الواقعة غرب الميّت. وكانوا يسكنون منازل تمتلكها الجماعة التي ينتسبون إليها، ويطعمون مجتمعين وهم صامتون، وينتخبون زعماءهم بالاقتراع العام؛ ويخلطون متاعهم ومكاسبهم في بيت مال مشترك، ويعملون بالشعار: "مالي ومالك ملك لك"(27).

ويقول يوسفوس إن حياة الكثيرين منهم كانت تطول أكثر من مائة عام، بفضل طعامهم البسيط، وحياتهم المنتظمة(28). وكان الرجل يلبس ثياباً من نسيج التيل الأبيض، ويحمل معه فأساً صغيرة ليغطي بها فضلاته، ويغتسل بعدها كما يغتسل البراهمة، ويرى أن التبرّز في يوم السبت من أعظم الكبائر(29).

وكانت قلة منهم تتزوج وتعيش في المُدن العامرة، ولكنهم كانوا يسيرون على القاعدة التي وضعها تولستوي وهي أنهم لا يضاجعون أزواجهم إلا بقصد إنجاب الأطفال. وكان أعضاء هذه الشيعة يبتعدون عن جميع الملذات الجسمية، ويسعون إلى الاتصال الصوفي بالله عن طريق التأمل والصلاة. وكانوا يأملون أن ينالوا بتقوى الله وبصيامهم واستغراقهم في التأمل والتفكير علم الغيب وقوة السحر. وكانوا كمعظم معاصريهم يؤمنون بالملائكة، والشياطين، ويعتقدون أن المرض ناشئ من تسلّط الأرواح الخبيثة على الآدميين، فكانوا لذلك يحاولون طرد هذه الأرواح بالتعاويذ السحرية. ومن "عقيدتهم السرية" جاءت بعض "أجزاء القبلة" . وكانوا ينتظرون نزول المسيح لينشئ على الأرض مملكة شيوعية سماوية (ملسوس شمايم) يتمتع الناس كلهم فيها بالمساواة، ولا يدخلها إلا من كانت حياته تقية طاهرة(31). وكانوا شديدي التحمّس في الدعوة إلى السلام، يأبون أن يصنعوا شيئاً من أدوات الحرب؛ غير أنهم انضموا إلى غيرهم من الشيَع اليهودية في الدفاع عن مدينتهم وهيكلها حين هاجمت فيالق تيتس بيت المقدس والهيكل، وظلوا يقاتلون حتى لم يكد يبقى منهم أحد. وإذا ما قرأنا وصف يوسفوس لعاداتهم وآلامهم وجدنا أننا قد دخلنا في جو المسيحية:

"ومع أنهم قد عُذبوا، وحُرقوا، وقُطّعت أجسامهم، ولاقوا جميع ألوان العذاب لكي يُرغَموا على التجديف في حق صاحب شريعتهم، أو أكل ما نهوا عن أكله، فإنهم أبوا أن يفعلوا هذا أو ذاك؛ أو أن يتملّقوا معذّبهم، أو تنحدر من أعينهم دمعة واحدة، بل إنهم كانوا يتبسّمون وسط آلامهم المبرحة، ويضحكون ساخرين ممن يعذبونهم، ويجودون بأرواحهم وهم مبتهجون، كأنهم يتوقعون أن تعود لهم هذه الأرواح مرة أخرى"(32).

أولئك هم الصدوقيون، الفريسيون، والإسينيون، أشهر الشيع الدينية اليهودية في الجيل السابق لميلاد المسيح. أما الحكمون (Scribes) الذين يضمهم يسوع إلى الفريسيين في كثير من الأحيان فلم يكونوا شيعة من شيع اليهود بل كانوا أبناء مهنة خاصة؛ كانوا علماء متفقّهين في الشريعة، يحاضرون فيها في البيَع، ويعلمونها في المدارس، ويناقشونها في المجتمعات العامة والخاصة، ويطبقونها على الأحكام في القضايا المختلفة. وكان عدد قليل منهم أحباراً، وبعضهم صدوقيين، وكثرتهم فريسيين. وكانوا في القرنين السابقين لهلل كما كان الأحبار من بعده. كانوا هم فقهاء القانون في بلاد اليهود، وقد صارت فتاواهم القانونية، التي صفاها الزمان، وتداولتها الألسن، وانتقلت بالسمع من المعلم إلى التلميذ، صارت هذه الفتاوى جزءاً من الأحاديث الشفوية التي كان يعظمها الفريسيون كما يعظمون الشريعة المكتوبة، وبفضل ما كان لهم من نفوذ وسلطان نمت شرائع موسى حتى ضمت آلافاً من التعاليم المفصلة التي تواجه كل ظروف الحياة وأحوالها.

وأقدم شخصية واضحة معروفة بين معلمي القانون من غير رجال الدين هي شخصية هلل، وحتى هذه الشخصية الواضحة تكاد تخفي معالمها في ذلك النسيج الواهي من الخرافات التي حاكها حول اسمه الخلف المفتتن به. ويقول مؤرخوه انه ولد في مدينة بابل (75 ق.م) من أسرة كريمة معروفة أخنى عليها الدهر. ثم جاء إلى أورشليم بعد أن اكتملت رجولته، وأخذ يعول زوجته وأبناءه بالعمل اليدوي. وكان يؤدي نصف أجره اليومي ثمناً لقبوله في المدرسة التي كان فيها أستاذان شهيران هما شمايا وأبتوليم يشرحان الشريعة. وعجز يوماً من الأيام عن أداء هذا الأجر، فلم يُسمح له بالدخول، فتسلق العتبة السفلى لإحدى النوافذ "لكي يستمع إلى ألفاظ الإله الحي". وتقول القصة إن جسمه تجمّد من شدة البرد، فسقط فوق الثلج، وعُثر عليه في صباح اليوم الثاني وهو بين الحياة والموت(33). وصار هو فيما بعد حرّاً محترماً، اشتهر بتواضعه، وجَلَده، ودماثة أخلاقه. وتقول إحدى القصص إن بعض الناس راهن على أن يُغضب هلل وإنه خسر الرهان(34). وقد وضع ثلاث قواعد ليهتدي بها الناس في حياتهم: حُب الناس، وحُب السلم، وحُب الشريعة ومعرفتها. وسأله رجل يريد أن يهتدي أن يفسّر الشريعة فيما لا يزيد من الزمن على الوقت الذي يستطيع أن يقف فيه على قدم واحدة، فأجابه بقوله: "لا تفعل مع غيرك ما تكرهه لنفسك" . وكان هذا القول صورة سلبية حذرة من تلك القاعدة الذهبية التي صاغها اللاويون في صيغتها الموجبة من زمن بعيد.

ومن تعاليم هلل الأخرى قوله: "لا تحكم على جارك حتى تكون أنت في مكانه"(37). وقد حاول أن يهدئ ثائرة الشيع المتنازعة بوضعه سبع قواعد لتفسير الشريعة. وكانت تفسيراته هي نفسها قائمة على الحرية والتسامح، وأهم ما فيها أنه يسّرَ إقراض المال، والحصول على الطلاق. وكان هو نفسه ناشراً للسلام مصلحاً.

وكان من نصائحه للشبان الثائرين في عصره: "لا تخرجوا على الجماعة". وقد قبل هيرود على أنه شرٌّ لابد منه، وعين في عهده رئيساً للسنهدرين (30 ق.م) وأحبّته الأغلبية الفريسية حباً أبقاه رئيساً للمجلس الكبير إلى يوم وفاته (10م). ثم جعل هذا المنصب من بعده وراثياً في أسرته مدى أربعمائة عام تعظيماً لذكراه.

وخصّ المجلس مكان الشرف الثاني فيه لمنافس هلل، وهو الحبر شماي المحافظ. وكان يفسّر الشريعة تفسيراً أدق وأضيق من تفسير هلل، ولا يجيز الطلاق، ويُطالب بتطبيق التوراة تطبيقاً حرفياً، لا يراعي فيه تغيير الظروف. وكان انقسام المعلمين اليهود إلى محافظين وأحرار قائماً قبل هلل بمائة عام وظل قائماً حتى خرب الهيكل.


الفصل الخامس: الأمل الأكبر

تكاد الآداب اليهودية التي وصلت إلينا من ذلك العصر تكون كلها آداباً دينية. ذلك أنه قد بدا لليهودي المتمسّك بدينه أن من الخطأ أن يكتب في الفلسفة أو الأدب إلا إذا كان الغرض النهائي من هذه الكتابة أن يحمد الله ويُمجّد الشريعة؛ كما كان يبدو له أن صنع التماثيل للإله إثم كبير وأن تزيين الهياكل بالفنون التشكيلية امتهان لها وانتهاك لحرمتها. ولا حاجة إلى القول بأن هناك بعض حالات استثنيت من هذا التحريم قد تكون قصة سوزانة الطريفة مثلاً لها. وخلاصة هذه القصة أن كبيرَين تنقصهما المعرفة التامة اتهمها زوراً فتاة يهودية جميلة بسوء السيرة، وأنها برئت بفضل براعة شاب يدعى دانيال في مناقشة الشهود، وقد وجدت هذه القصة طريقها إلى بعض طبعات سفر دانيال.

وقد يكون سفر يشوع بن سيراخ الذي نسميه سفر الحكمة مما كتب في ذلك العهد المتأخر، وهو واحد من أسفار كثيرة تسمى الأبوكريفا - أي "الخفية" أو غير الموثوق بها والتي لا يعترف اليهود بها ضمن أسفار العهد القديم المنزلة. وهي ملآى بالجمال والحكمة، ومن أجل هذا فهي غير جديرة بأن تُطرد من صحبة سفر الشريعة وسفر أيوب. ونجد في إصحاحاتها الأربعة والعشرين ما نجده في الإصحاح الثامن من سفر الأمثال عن عقيدة الكلمة المجسّدة: "الرب قناني أول طريقة من قبل أعماله منذ القدم: منذ الأزل مسحت، منذ البدء منذ أوائل الأرض". وبين عامي 130 ق.م، 40م نشر يهودي إسكندري - أو عدد من اليهود الهلنستيين - سفر أمثال سليمان، وهو سفر يحاول، كما حاول فيلو، أن يوفق بين اليهودية والأفلاطونية، ويهيب باليهود الذين ينادون بالاندماج في الثقافة اليونانية أن يعودوا إلى الشريعة، كل هذا في نثر لا يقل في جزالته وقوّته عن أي نثر آخر منذ عهد اشعيا. وأقل من هذا السفر قوة وجزالة سفر مزامير سليمان (حوالي 50 ق.م)، ويكثر فيه التنبؤ بظهور منقذ لإسرائيل.

ويسري هذا الأمل في النجاة من روما ومن العذاب الدنيوي على يد منقذ إلهي في كل ما كتب في هذا العصر من أدب يهودي إلا القليل النادر منه واتخذ الكثير منه صورة رؤى تهدف إلى إيضاح الماضي والتسامح فيه بعرضه على صورة إعداد لمستقبل مجيد يظهره الله على لسان رسول من عنده. وكان كتاب دانيال الذي كتب في عام 165 ق.م ليشجع إسرائيل على الوقوف في وجه أنتيخس إبفانيس، لا يزال ذائعاً بين اليهود الذين لم يكونوا يعتقدون أن يهوه سيتركهم طويلاً تحت سيطرة الوثنيين. واتخذ كتاب أخنوخ، وهو في أكبر الظن من عمل عدة مؤلفين بين عامي 170، 66 ق.م صورة رؤى نزلت على الأب الأكبر الذي "سار مع الرب" في سفر التكوين (الآية 24 من الإصحاح الخامس) ويقصّ هذا السفر سقوط الشيطان ومن معه، وما أدى إليه ذلك من حلول الشر والألم في حياة البشر، ثم نجاة بني الإنسان على يد المسيح، وحلول مملكة السماء. وحوالي عام 150 ق.م شرع كاتب يهودي بنشر نبوءات سيبيلية صوّر فيها نبيّات تنتصر لليهودية على الوثنية، وتتنبأ بفوز اليهود النهائي على أعدائهم.

والراجح أن فكرة الإله المنقذ قد جاءت إلى غربي آسية من بلاد فارس أو بابل(38). فالتاريخ كله والحياة كلها قد صورا في الديانة الزرادشتية في صورة صراع بين قوى النور المقدسة وقوى الظلمة الشيطانية؛ ثم يأتي في آخر الأمر منقذ - شؤسيانت أو مثراس - ليحكم بين الناس ويقيم حكم العدالة والسلام الدائمين. وكان يبدو للكثيرين من اليهود أن حكم روما جزء من انتصار الشر القصير الأجل، ولهذا كانوا ينددون بما في حضارة "الكفار" من شراهة، وغدر، ووحشية، ووثنية، وما في العالم الأبيقوري من "كفر بالله" وعبادة الشهوات. وقد جاء في سفر الحكمة أن المنافقين قالوا في أنفسهم مفتكرين إفتكاراً غير مستقيم:

"إن عمرنا هو يسير ومحزن، ووفاة الإنسان ليس شفاء، ولم يعرف قط المحلول من الجحيم، لأننا ولدنا من لا شيء، وبعد هذه نكون كأننا لم نكن لأن النسمة دخان في أنوفنا، والنطق شرارة في تحريك قلوبنا، وإذا أطفأت يصير الجسم رماداً والروح ينسكب كالهواء المبثوث. واسمنا سينسى في الزمان، ولا يذكر أحد أعمالنا، ويزول عمرنا كزوال أثر الغمام، ويضمحل كالضباب الذي بدده شعاع الشمس وتثقله حرارتها، لأن عمرنا ظل عابر وليس لأجلنا إبطاء لأنه أمر محتوم ولن يردّه أحد. فهلمّ إذا نتمتع بالخيرات الموجودة، ونستعمل الملذات في البرية ما دام زمان الشبوبية، فنمتلئ من الخمر الفائقة والطيوب، ولا يفوتنا نسيم زهر الربيع. نتكلل بفقاح الورد قبل ذبوله، ولا يكون مرج إلا يجوز عليه تنعمنا"(39).

ويقول صاحب هذا السفر إن ثلاثة من الأبيقوريين يدلون بحجج باطلة. وإنهم يربطون عربتهم بنجم ساقط لأن اللذة شيء باطل زائل:

"لأن رجاء المنافق كغبار تحمله الرياح، وكرغوة رقيقة تقدها الزوبعة، وكدخان ينحل في الرياح، وكذكر ضيف مكث يوماً واحداً وإرتحل. أما الصدوقيون فيحيون إلى الدهر، وعند الرب ثوابهم، وعند العلى اهتمامهم. فلهذا يتقلّدون مملكة البهاء وتاج الكمال من يد الرب"(40).

وسيقضى على هذا الشر والإثم - كما تقول أسفار الرؤيا- إما بتدخل الله نفسه، أو بإرساله إلى الأرض ابنه أو ممثله المسيح . أولم يُنبئ به النبي إشعيا قبل ذلك العهد بمائة عام إذ يقول: "لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام"(41).

وكان كثيرون من اليهود يتفقون مع إشعيا (11 : 1) فيما وُصِف به المسيح بأنه ملك دنيوي يولد من بيت داود الملكي؛ ومنهم من يسمونه بإسم إبن الإنسان كأخنوخ ودانيال، وصوروه بأنه سينزل من السماء. أما الفيلسوف صاحب سفر الأمثال والشاعر صاحب حكمة سليمان(42) فلعلهما قد تأثرا بأفكار أفلاطون أو بروح الأرض التي يقول بها الرواقيون فتصوروه الحكمة مجسدة التي هي أول شيء "قناها الرب"، وهي الكلمة أو العقل (Logos) التي لن تلبث أن يكون لها شأن عظيم في فلسفة أفلاطون، ويكاد مؤلفو سفر الرؤيا كلهم يجمعون على أن المسيح سينتصر انتصاراً سريعاً، ولكن إشعيا تصوره في فقرة من أروع فقراته بأنه: محتقَرٌ ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن... لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمّلها... وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا... وبجبره شفينا... والرب وضع عليه إثم جميعنا... من الضغطة ومن الدينونة أخذ وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء... وهو حملَ خطيئة كثيرين وشفع في المذنبين"(43). بيد أنهم جميعاً متفقون على أن المسيح سيُخضِعْ الكفار في آخر الأمر، ويحرر إسرائيل(44) ويتخذ أورشليم عاصمة له، ويضم إليه الناس جميعاً ليؤمنوا بيهوه والشريعة الموسوية(45). ويسود بعد ذلك "عصر طيب" تسعد به الدنيا بأجمعها فتكون الأرض كلها خصبة، وتحمل كل حبة قدر ما كانت تحمله ألف مرة، ويصير الخمر موفوراً، ويزول الفقر، ويصبح الناس كلهم أصحاء، مستمسكين بالفضيلة، وتسود العدالة والصداقة والسلام في الأرض(46).

وكان بعض الناس يظنون أن هذا العهد الصالح ستتخلله عهود غير صالحة وأن قوى الظلمة والشر ستبذل جهدها الأخير للهجوم على هذه المملكة السعيدة، وأن العالم سيحترق في الفوضى واللهب؛ وسيقوم الموتى في "يوم الدينونة الأخير" ليحاسَبوا أمام "قديم الأيام" (يهوه) أو أمام "إبن الإنسان"، وسيكون له السلطان المطلق الأبدي على العالم بعد أن تجدد وصلح، أي على مملكة الله؛ وسيُلقى الأشرار وهم صامتون "في الجحيم"، أما الأخيار فسيُستقبلون في دار النعيم الأبدي.

ولقد كانت الحركة الفكرية في بلاد اليهود في جوهرها مماثلة للحركة الفكرية الدينية الوثنية المعاصرة لها: شعبٌ كان فيما مضى إذا فكر في المستقبل يحصر تفكيره فيما سوف يؤول إليه مصيره القومي، ثم فقد الآن ثقته بالدولة التي ينتمي إليها، وأخذ يفكر في النجاة الروحية الفردية. وكان الدين ذو الطقوس الخفية الغامضة قد بعث هذا الأمل في صدور الآلاف المؤلفة من اليونان، وفي بلاد الشرق الهلنستي وإيطاليا؛ ولكن هذا الأمل أو الحاجة إليه لم يكونا في بلد من البلاد أقوى مما كان في بلاد اليهود. فلقد كان الفقراء أو المحرومون، والمظلومون أو المُحتقَرون في هذه الأرض يتطلعون إلى أن يُرسل لهم الله من ينجيهم ويرفع عنهم نير الذل والعذاب. وتقول أسفار الرؤيا إن هذا المنقذ لن يطول غيابه وإنه حين ينتصر سيرتفع إلى الجنة كل العادلين، حتى من كان منهم في القبور، ليتمتعوا فيها بالنعيم السرمدي، وكان القديسون الشيوخ، أمثال شمعون، وكانت النساء المتصوفات أمثال أنا إبنة فانيول يقضون حياتهم حول المعبد، صائمين يترقبون، ويصلون، ويتضرعون لعلهم يرون هذا المنقذ قبل وفاتهم. وكان هذا الترقب يملأ قلوب الناس.

الفصل السادس: الثورة

ظل اليهود يكافحون قروناً طويلة، ولما أن مات هيرودس الأعظم نبذ الوطنيون نصائح هلل السلمية وأعلنوا الثورة على خليفته أركلوس وعسكروا في خيام حول المعبد. فقتل جنود أركلوس ثلاثة آلاف، كان كثيرون منهم قد جاءوا إلى أورشليم ليحتفلوا بعيد الفصح (4 ق.م)، لكن الثوار عادوا إلى التجمع في عيد العنصرة وتعرضوا في هذه المرة إلى ما تعرضوا له من قبل من قتل، وحُرقَت أروقة الدير ونهب الجنود ما فيه من الكنوز، واستحوذ اليأس على الكثيرين من اليهود فقتلوا أنفسهم. ثم تألفت عصابات من الوطنيين في الريف وهددوا حياة كل من يؤيد روما، ومن هذه العصابات واحدة تحت قيادة بوداس الجولوني استولت على صفورة عاصمة الجليل. وزحف قارس حاكم سوريا على فلسطين بعشرين ألفاً من رجاله، وهدم مئات من بلدانها، وصلب ألفين من الثوار، وباع ثلاثين ألفاً من اليهود في أسواق الرقيق. وذهب وفد من زعماء اليهود إلى روما وطلب إلى أغسطس أن يلغي الملكية في بلاد اليهود. فاستجاب أغسطس لطلبه وعزل أركلوس وجعل البلاد ولاية رومانية من الدرجة الثانية وعين عليها حاكماً مسئولاً أمام والي سوريا(36).

ونعمت هذه البلاد المضطربة بفترة صغيرة من السلام في عهد تيبيريوس، فلما جلس كلجيولا على العرش أراد أن يجعل عبادة الإمبراطور ديناً يوحد به أجزاء الإمبراطوريّة المختلفة فأمر أن تشمل كل العبادات قرباناً يقرب لصورته وأصدر تعليماته إلى الموظفين في أورشليم أن يضعوا تمثاله في الهيكل.

وكان اليهود في عهد أغسطس وتيبيريوس قد خطوا نصف الطريق إلى ترضية الأباطرة بأن كانوا يضحون ليهوه باسم الإمبراطور، ولكنهم كانوا ينفرون أشد النفور من وضع تمثال منحوت لرجل وثني في هيكلهم، وبلغ هذا النفور درجة دفعت آلافاً منهم - على حد قول الرواية المأثورة- إلى أن يذهبوا إلى حاكم سوريا ويطلبوا إليه أن يذبحهم وإن لم يرتكبوا ذنباً قبل أن ينفذ هذا المرسوم(49). وحل كلجيولا هذا المشكل بموته. وأقنع أجربا حفيد هيرودس الإمبراطور كلوديوس فعينه ملكاً على فلسطين كلها تقريباً(41)؛ فلما مات أجربا انطلقت الفتنة مرة أخرى من عقالها، وأعاد كلوديوس البلاد إلى ما كانت عليه في عهد أغسطس وعين عليها حاكماً من قبل رومة(44). وكان معظم الرجال الذين اختارهم معاتيقه ليشغلوا هذا المنصب عاجزين أو سفلة. ومن هؤلاء فليكس الذي عينه أخوه بلاس Pallas والذي "حكم بلاد اليهود" - كما يقول تاستس - "بقوة الملك وروح الرقيق"(50). وكان فستس Festus أعدل من فليكس، ولكنه توفي أثناء هذه المحاولة. وجد ألبينس Albinus - إذا جاز لنا أن نصدق يوسفوس - في النهب وفرض الضرائب، وجمع ثروة طائلة بإطلاق المجرمين من السجون نظير أجر يتقاضاه منهم حتى "لم يبقَ أحد في السجن إلا من لم يتقاضَ منه شيئاً"(51). وسلك فلورس Florus - كما يقول هذا الكتاب صديق الرومان المعجب بهم - مسلك "الجلاّد لا مسلك الحاكم" فنهب مُدناً بأكملها، ولم يكتفِ بأن يسرق هو نفسه، بل تغاضى عن سرقات غيره إذا نال سهماً من الغنيمة. بيد أن هذه الأقوال يُشتَم منها رائحى العداوة الحزبية؛ وما من شك في أن الحكام هُم الآخرون كانوا يشكون من أن اليهود شعب مشاكس ليس من السهل إخضاعه.

وتألفت عصابات من "المتحمسين" و "الفدائيين" ليحتجوا على هذا الفساد. وأقسم أعضاؤها أن يغتالوا كل يهودي خائن، فكانوا يندسون وسط الجماعات في الشوارع ويطعنون ضحاياهم من خلفهم، ثم يختفون بين الجماهير في الفوضى التي تعقب عملهم هذا(52). ولما أن اغتصب فلورس سبع عشر وزنة (61.200 ريال أمريكي) من كنوز الهيكل، اجتمع أمامه جمهور غاضب يطلبون عزله؛ وأخذ جماعة من الشبان يطوفون بالمدينة وبأيديهم سلاّت يطلبون الصدقات له لأنه يعاني مرارة الفقر. لكن فيالق فلورس بددت شمل المجتمعين، ونهبت مئات من البيوت، وذبحت ساكنيها، وقبض على زعماء الفتنة، وجُلدوا وصُلبوا. ويقول يوسفوس إن 3.600 يهودي قتلوا في ذلك اليوم(53). وأخذ شيوخ العبرانيين وأثرياؤهم يدعون الناس إلى الصبر، وحجتهم في هذا أن الثورة على هذه الإمبراطوريّة القوية ليست إلا انتحاراً قومياً؛ أما الشبان والفقراء فكانوا يتهمون هؤلاء بخور العزيمة ومحاباة الظالمين.

وانقسمت المدينة، وانقسمت كل أسرة تقريباً بين هذين الحزبين، فاستولى أحدهما على الجزء الأعلى من أورشليم، واستولى الآخر على جزئها الأدنى، كلاهما يهاجم الآخر بكل ما يصل إلى يده من سلاح. ووصل الأمر في عام 68 إلى نشوب معركة دامية بين الحزبين انتصر فيها المتطرفون وقتلوا 12.000 يهودي من بينهم الأغنياء كلهم تقريباً(54). وهكذا استحالت الفتنة ثورة. وأحاطت قوة من العصاة بالحامية الرومانية المعسكرة في مسادا Massada، وأقنعتها بأن تلقي سلاحها، ثم قتلت رجالها عن آخرهم. وفي ذلك اليوم نفسه حدثت في قيصرية عاصمة فلسطين مذبحة هائلة ذبِح فيها غير اليهود من السكان عشرين ألفا من اليهود، وبيع آلاف غيرهم بيع الرقيق. وذبح غير اليهود من سكان دمشق عشرة آلاف يهودي في يوم واحد(55). وقام اليهود المختفون بتدمير عدد كبير من المُدن اليونانية في فلسطين وسوريا، وأحرقوا بعضها عن آخرها، وقتلوا عدداً كبيراً من أهلها كما قُتل منهم هم أيضاً كثيرون؛ ويقول يوسفوس في هذا: "وكان من المناظر المألوفة في ذلك الوقت أن نرى المُدن مملوءة بجثث الموتى... مُلقاة فيها دون أن تدفن، وأن نشاهد جثث الشيوخ إلى جانب جثث الأطفال وبينها جثث النساء عارية من كل غطاء"(56). وقبل أن يحل شهر سبتمبر من عام 66 كان الثوار قد استولوا على أورشليم وعلى فلسطين كلها تقريباً؛ وخذل حزب السلم وفقد أنصاره، وانضم معظم أعضائه إلى الثوار.

وكان من بين هؤلاء كاهن يدعى يوسفوس، وكان وقتئذ شاباً في الثلاثين من عمره، ونشيطاً، نابهاً، وُهِبَ من الذكاء ما يستطيع به أن يحيل كل شهوة من شهواته فضيلة. وكلّفه الثوار بتحصين الجليل، فدافع عن حصنها جوتوباتا ضد قوات فسبازيان المحاصرة لها، حتى لم يبق من حاميتها اليهودية على قيد الحياة غير أربعين جندياً اختبئوا معه في كهف من الكهوف. وأراد يوسفوس أن يسلم لجنود فسبازيان، ولكن رجاله أنذروه بالقتل إن حاول التسليم. وإذ كانوا يفضلون الموت على الأسر، فقد أقنعهم بأن يحددوا بطريق القرعة الترتيب الذي يقتل به كل منهم على يد من يليه. ولما ماتوا جميعاً ولم يبق إلا هو وواحد منهم أقنعه بأن ينضم إليه في الاستسلام للعدو. وقبيل أن يرسلا إلى روما مكبلين بالأغلال تنبأ يوسفوس أن فسبازيان سيصبح إمبراطوراً فأطلقه فسبازيان من الأسر، وقرّبه إليه شيئاً فشيئاً وجعله ناصحاً أميناً له في حربه ضد اليهود. ولما سافر فسبازيان إلى الإسكندرية صحب يوسفوس تيتس في حصار أورشليم.

وكان اقتراب الفيالق الرومانية إيذاناً بضم صفوف اليهود وتأليفهم وحدة حانقة متعصبة وإن جاء ذلك بعد فوات الأوان. ويقول تاستس إن 60.000 من الثوار تجمعوا في المدينة، وإن "كل من يستطيع الانخراط في سلك الجندية قد تسلح ونزل إلى الميدان"، وإن الروح العسكرية في النساء لم تكن أقل منها في الرجال(57). ونادا يوسفوس من بين صفوف الرومان أهل المدينة المحاصرين إلى الاستسلام، ولكنهم اتهموه بالخيانة، وحاربوا إلى آخر رجل فيهم. وحاول اليهود بعد أن نفدت مئونتهم اختراق الصفوف للحصول على الطعام، فأسر الرومان آلافاً منهم وصلبوهم، ويقول يوسفوس إن "هؤلاء بلغوا من الكثرة حداً لم تتسع معه الأرض لإقامة الصلبان، ولم يوجد من الصلبان ما يكفي لأجسامهم". وازدحمت شوارع المدينة بجثث الموتى في المراحل الأخيرة من الحصار الذي دام خمسة أشهر. وكانت جماعات من النهابين تطوف بالموتى وتقطع أجسامهم وتنهب مالهم، ويُقال إن 116.000 جثة ألقيت من فوق أسوار المدينة، وإن بعض اليهود بلعوا قطعاً من الذهب وخرجوا خلسة من أورشليم، وإن الرومان أو السوريين الذين قبضوا عليهم شقوا بطونهم أو بحثوا في برازهم ليحصلوا على ما ابتلعوه من الذهب(58). ولما استولى تيتس على نصف المدينة عرض على الثوار شروطاً ظنها لينة، فلما رفضوها أضرمت فرق الحراقين الرومان النار في الهيكل فلم يلبث هذا الصرح العظيم، وكان معظمه مشيداً من الخشب، أن احترق بأكمله. وقاتل الباقون من المدافعين عن المدينة قتال الأبطال، فخورين كما يقول ديو بموتهم في حرمه(59). فمنهم من قتل بعضهم بعضاً، ومنهم من ألقوا بأنفسهم على سيوفهم، ومنهم من قفزوا في اللهب. ولم يرحم المنتصرون أحداً، بل قتلوا كل من استطاعوا أن يقبضوا عليه من اليهود. وقد قبض على 97.000 وبيعوا في أسواق الرقيق، ومات كثيرون منهم في المجتلدات بعد أن سيقوا مرغمين إلى الألعاب التي أقيمت ضمن احتفالات النصر في بيروت، وقيصرية، وفلباي، وروما. ويقدّر يوسفوس عدد من هلك من اليهود في هذا الحصار وما أعقبه من حوادث بمليون ومائة وسبعة وتسعين ألفاً، أما تاستس فيقدّرهم بستمائة ألف (70م)(60).

ودامت المقاومة في أماكن متفرقة حتى عام 73، ولكن تدمير الهيكل كان في واقع الأمر نهاية الفتنة ونهاية الدولة اليهودية. وصودرت أملاك الذين اشتركوا فيها وبيعت، وكادت الدولة اليهودية أن تخلو من اليهود، وعاش من بقي منهم فيها عيش الكفاف. وكان أفقر فقرائهم يُرغم على أن يؤدي للهيكل الوثني في روما نصف الشاقل الذي كان العبرانيون الصالحون يؤدونه في كل عام لصيانة هيكل أورشليم. وأُلغيت مناصب كبار الكهنة والسنهدرين: واتخذت اليهودية الصورة التي احتفظت بها إلى أيامنا هذه: صورة دين بلا معبد مركزي، ولا كهنوت مسيطرين عليه، ولا قرابين. واختفت طائفة الصدوقيين، وأصبح الفريسيون والأحبار زعماء شعب لا وطن له، لم يبقَ له إلا معابده.


الفصل السابع: التشتيت

لقد كانت هجرة مليون من اليهود أو تشريدهم مما عجل انتشارهم في جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط، ومن أجل هذا أرّخ علماؤهم تشتيتهم من الوقت الذي دمر فيه هيرودس الهيكل. ولقد رأينا أن هذا التشتيت بدأ بالسبي أو الأَسْر البابلي قبل ذلك الوقت بستة قرون وانه تجدد باستيطانهم في الإسكندرية. وإذا كانت كثرة التناسل مما يحتمه الدين اليهودي والشريعة اليهودية على الصالحين المتقين، وإذ كان وأد الأطفال محرماً عليهم فإن انتشار اليهود كانت له أسباب من علم الأحياء نفسه فضلاً عن أسباب اقتصادية؛ وكان لا يزال لليهود بعض الشأن القليل في تجارة العالم. وقد قال عنهم استرابون قبل سقوط أورشليم بخمسين عاماً قولاً لا يخلو من المغالاة التي أملتها عليه نزعته المعادية للسامية: "يصعب على الإنسان أن يجد في العالم المعمور كله مكاناً واحداً خالياً من هذا الجنس من الناس، أو خير مملوك له"(61). ووصف فيلو قبل التشتيت بعشرين عاماً "القارات... الملآى بالمحلات اليهودية ومثلها... الجزائر وبلاد بابل كلها تقريباً"(62). وما وافى عام 70 من بعد الميلاد حتى كان آلاف من اليهود في سلوقية على نهر دجلة وفي غيرها من مدائن جارثية. وكانوا كثيري العدد في بلاد العرب، ومنها عبروا البحر إلى بلاد الحبشة. وكانوا في سوريا وفينيقية وكانت لهم جالية كبيرة في طرسوس، وأنطاكية، وميليتس، وإفسوس، وسرديس، وأزمير. وكانوا أقل من ذلك بعض الشيء في ديلوس، وكورنثة، وأثينة، وفلباي وبيرية، وسلانيك. أما في غرب البحر الأبيض كانت هناك جماعات من اليهود في قرطاجنة، وسرقوسة، وبتيولة، وكبوة، وبمبي، وروما، وحتى فنزويا موطن هوراس نفسها لم تكن تخلو من اليهود. وفي وسعنا أن نقدر عدد اليهود في الإمبراطوريّة الرومانية إجمالاً بنحو سبعة ملايين أي نحو 7% من سكانها وضعفي نسبتهم إلى سكان الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأيام(63).

وقد أثاروا بكثرة عددهم، ولباسهم، وطعانهم، وختانهم، وفقرهم، وطمعهم، ورخائهم، وعزلتهم، وذكائهم، ونفورهم من الصور وتشددهم في مراعاة السبت رغم ما يسببه ذلك من العنت لهم، أثاروا بهذا كله حركة عداء للسامية تختلف من المزاح في الملاهي، والسخرية بهم في أقوال جوفنال وتاستس، إلى ذبحهم فرادى في الشوارع، وقتلهم زرافات في المذابح المدبرة. وقد نصب أبيون الإسكندري نفسه مدافعاً عن هذه الهجمات، ورد عليه يوسفوس برسالة صارمة شديدة اللهجة .

وسافر يوسفوس مع تيتس إلى روما بعد سقوط أورشليم، وصحب قاهر بني جنسه في موكب نصر عرض فيه أسرى اليهود والمغانم اليهودية. ومنحه فسبازيان حق المواطنية الرومانية، ووظف له معاشاً وخصص له مسكناً في قصره وأقطعه أرضاً خصبة في بلاد اليهود(65). وتسمى يوسفوس نظير هذا باسم آسره فسبازيا، وهو فلافيوس، وكتب تاريخ حرب اليهود (حوالي عام 75)، ليدافع عن أعمال تيتس في فلسطين. ويبرز انشقاقه على بني جنسه، ويثبط عزائم اليهود إذا ما فكروا في الخروج على روما مرة أخرى بإظهار قوتها وبأسها. واشتد إحساسه بعزلته في شيخوخته فألّف كتاباً في قدم اليهود أراد به أن يستعيد عطف بني جنسه بأن يصور لغير اليهود ما قام به هذا الشعب من جلائل الأعمال، ويصف عاداتهم وأخلاقهم. وقصصه في هذا الكتاب واضح قوي، ووصفه لهيرودس الأكبر لا يقل امتعاناً عن وصف أفلوطرخس، ولكن تحيزه، والغرض الذي يكتب من أجله يفسدان موضوعية الكتاب. وقد تطلب قدم اليهود عدة سنين وأنهك قوى المؤلف، فلم يستطع أن يتمه، وكتب أمناء سره الكتب الأربعة الأخيرة من العشرين كتاباً التي يتألف منها هذا المجلد الضخم مستعينين على كتابتها بمذكراته(66). ولم يكن يوسفوس قد جاوز الخامسة والستين من عمره حين نشر الكتاب، ولكنه كان قد ضعفت قواه متأثرة بحياة المغامرات، والجدل، والعزلة الأخلاقية.

واستطاع اليهود أن يعيدوا بالتدريج بناء حياتهم الاقتصادية والثقافية في فلسطين. وبينما كان الحصار مضروباً على أورشليم فر من المدينة تلميذ شيخ من تلاميذ هلل يدعى يوهنان بن زكاي لأنه خشي أن يبيد المعلمون كلهم في المذبحة فلا يبقى من ينقذ الأحاديث الشفوية. ولما خرج من المدينة أقام مجمعاً علمياً في كرم عند يبنى أو يمنيا قرب شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ولما سقطت أورشليم نظم يوهنان سنهدريناً جديداً في يمنيا، ولم يؤلفه من الكهنة، وسياسيين، والأثرياء، بل ألفه من الفريسيين والأحبار أي معلمي الشريعة. ولم يكن لهذا المجلس المعروف باسم بيت الدين أية سلطة سياسية، ولكن معظم يهود فلسطين كانوا يعترفون بسلطانه في جميع الشئون المتعلقة بالدين والأخلاق. وكان الحاخام الذي يختاره المجلس رئيساً له يعين الموظفين الإداريين المشرفين على الجماعات اليهودية، وكان من حقه أن يخرج من حظيرة الدين مَن لا يرضى عنهم من اليهود. وكان من أثر النظام الصارم الذي فرضه الحاخام جماليل الثاني (حوالي سنة 100م) أن توثقت الرابطة بين أعضاء المجلس أولاً، ثم بين يهود يمنيا، ثم بين يهود فلسطين كلها فيما بعد. وحدث في أيامه أن أعيد النظر في التفسيرات المتناقضة للشريعة وهي التفسيرات التي نقلها هلل وشماي، ثم أخذ الرأي عليها، وكانت النتيجة أن قبلت معظم تفسيرات هلل وفرض على اليهود جميعهم أن يعملوا بها.

وإذا كانت الشريعة قد أصبحت وقتئذ الرابطة القوية التي لا غنى عنها والتي تؤلف بين اليهود المشتتين الذين لا تؤلف بينهم دولة، فقد أصبح تعليم هذه الشريعة أهم عمل تقوم به الكنائس في جميع البلاد التي شتتت فيها اليهود. وحل المجمع محل الهيكل، كما حلت الصلاة محل التضحية، وحل الربان محل الكاهن. وأخذ الشراح (التنايم) يفسرون مختلف القوانين اليهودية المنقولة بطريق السماع (هلاكا) وكانوا يؤيدون شروحهم في العادة بعبارات يقتبسونها من الكتاب المقدس، يضيفون إليها قصصاً وعضات أو غيرها من المواد (هجاداً) ويوضحونها بها في بعض الأحيان. وأشهر هؤلاء التنايم هو الربان عكيبا بن يوسف. وقد انضم هذا الربان، وهو في سن الأربعين، إلى ابنه البالغ من العمر خمس سنين، وذهبا معاً إلى المدرسة فتعلم القراءة، واستطاع في زمن قليل أن يتلو عن ظهر قلب جميع أسفار موسى. وبعد دراسة دامت ثلاثة عشر عاماً افتتح له مدرسة تحت شجرة تين في قرية قريبة من يمنيا. وقد كانت حماسته، ومثاليته، وشجاعته، وفكاهته، بل وتعسفه الشديد سبباً في التفاف كثيرين من الطلاب حوله. ولما جاءت الأنباء في عام 95، أن دومتيان سيتخذ إجراءات جديدة ضد اليهود، اختير أكيبا وجماليل واثنان آخران من اليهود ليتصلا اتصالاً شخصياً بالإمبراطور. وبينما هم في روما إذ توفي دومتيان. واستمع نيرفا إلى رسالتهم وأظهر العطف على مطالبهم، وألغى الضريبة المفروضة على اليهود لإعادة بناء روما.

ولما عاد أكيبا إلى يمنيا أخذ على عاتقه أن يقوم بذلك العمل الشاق الذي قضى فيه بقية حياته ونعني به تقنين الهلاكا، وأتم هذا العمل من بعده تلميذه الربان مير Meir وخليفتهما الأب يهوذا (حوالي 200م). وقد بقيت الهلاكا حتى في هذه الصورة المصنفة جزءاً من الأحاديث الشفوية، يتناقلها العلماء والحفاظ المحترفون جيلاً بعد جيل - فكانوا هم النصوص الحية للشريعة الموسوية.

وكان في الطرق التي جرى عليها أكيبا من السخف بقدر ما في النتائج للتي وصل إليها من الصحة. وقد فسر الشريعة المسطورة تفسيراً عجيباً إذ جعل لكل حرف من حروفها معنى خفياً ثم استمد من هذا التفسير مبادئ حرة؛ ولعل للباعث له على هذا التفسير ما لاحظه من أن الناس لا يقبلون الشيء المعقول إلا إذا كان في صورة غامضة خفية. وعن أكيبا أخذ هذا التنظيم وذاك العرض لعلمي الدين والأخلاق اللذين انتقلا عن طريق التلمود إلى ابن ميمون، ثم انتقلا آخر الأمر إلى أساليب الفلاسفة المدرسيين.

ولما بلغ أكيبا سن التسعين وضعفت قواه وأصبح من الرجعيين ألفى نفسه، كما كان في أيام شبابه، محوطاً بالثورة من كل الجوانب. ذاك أن يهود قورينة، ومصر، وقبرص، وأرض الجزيرة، رفعوا لواء الثورة على روما مرة أخرى في عامي 115 - 116، وأخذ اليهود يقتلون غير اليهود، وهؤلاء يقتلون أولئك حتى أصبح التقتيل هو العادة المألوفة في تلك الأيام. ويقول ديو إن 220.000 قتلوا في قورينة، و240.000 في قبرص. وتلك أرقام لا يقبلها العقل بطبيعة الحال، ولكنا نعرف أن قورينة لم تنتعش قط بعد هذا التخريب، وأن اليهود ظلوا عدة قرون بعد ذلك الوقت لا يسمح لهم قط بدخول قبرص. ثم أخمدت الفتن، ولكن من بقي من اليهود ظلوا محتفظين بأملهم القوي في ظهور مسيح يعيد بناء الهيكل ويعيدهم هم ظافرين إلى أورشليم. وأشعل الرومان، بحمقهم وبآلهتهم، نار الثورة من جديد. ذلك أن هدريان أعلن في عام 130 أنه يعتزم بناء ضريح لجوبتر في مكان الهيكل، ثم أصدر في عام 131 مرسوماً بتحريم الختان وتعليم الشريعة اليهودية علناً(67). وكانت آخر وقفة وقفها اليهود في التاريخ القديم لاستعادة حريتهم في عام 132 بزعامة شمعون باركوخبا الذي ادعى أنه هو المسيح. وبارك أكيبا هذه الثورة رغم أنه كان طوال حياته يدعو إلى السلم، وذلك حين إعترف باركوشيبا أنه هو المنقذ.

وظل الثوار ثلاث سنين مستبسلين في قتال الفيالق الرومانية حتى هزموا آخر الأمر بعد أن نفذ طعامهم وعتادهم. ودمر الرومان 985 مدينة في فلسطين وذبحوا 580.000 يهودي ويقال إن الذين ماتوا من الجوع والمرض والحريق كانوا أكثر من هذا العدد. وخربت بلاد اليهود كلها تقريباً، وخرَّ باركوشيبا نفسه صريعاً أثناء دفاعه عن بيثار. وكان الذين بيعوا من اليهود في أسواق الرقيق من الكثرة بحيث انخفض ثمن الواحد منهم حتى ساوى ثمن الحصان. واختبأ الآلاف منهم في سراديب تحت الأرض مفضلين ذلك على الأسر؛ ولما أحاط بهم الرومان هلكوا من الجوع واحداً بعد واحد، وكان الأحياء منهم يأكلون جثث الموتى(68). وأراد هدريان أن يقضي على ما في اليهودية من رجولة وقدرة على الانتعاش، فلم يكتفِ بتحريم الختان بل حرم معه الإسبات والاحتفال بأي عيد من أعياد اليهود أو إقامة أي طقس من الطقوس اليهودية علناً(69). وفرضت ضريبة شخصية جديدة أكبر من الضريبة السابقة على جميع اليهود، وحرم عليهم دخول بيت المقدس إلا في يوم واحد محدد في العام يسمح لهم فيه بالمجيء إلى دمشق ليبكوا أمام خرائب الهيكل. وقامت في مواضع أورشليم مدينة إبليا كبتولينا الوثنية، وشيد فيها ضريحان لجوبتر وفينوس، وساحات للرياضة وملاهٍ وحمّامات، وحل مجلس يمنيا وحرم أعضاؤه الاجتماع، وأجيز لمجلس عاجز أصغر منه أن يجتمع في لدا Lydda. أما تعليم الشريعة جهرة فقد منع منعاً باتاً، وأنذر كل من خالف ذلك بالإعدام، وأعدم بالفعل عدد من الأحبار الذين خالفوا. وأصر أكيبا، وكان وقتئذ في الخامسة والتسعين من عمره على أن يعلم تلاميذه، فزج في السجن ثلاث سنين، ولكنه لم ينقطع عن التعليم في سجنه، فحوكم، وأدين، وأعدم وهو ينطق بالعقيدة اليهودية الأساسية: "اسمعي يا إسرائيل، الرب إلهنا، والرب واحد"(70).

وظل اليهود قروناً عدة يعانون آثار النكبة التي حلت بهم بعد ثورة باركوخبا، وإن كان أنطونينس بيوس قد خفف من صرامة مراسيم هدريان، ودخلوا من هذه اللحظة في دور الكهولة، وتخلوا عن كل العلوم الدنيوية ما عدا الطب، ونبذوا الهلنستية على اختلاف صورها، ولم يتلقوا السلوى أو الوحدة إلا من أحبارهم، وشعرائهم الصوفيين وشريعتهم. ولسنا نعرف شعباً آخر قد طال نفيه كما طال نفي اليهود، أو عانى من الأهوال مثل ما عانوا. لقد حرم عليهم أن يدخلوا المدينة المقدسة، وأُرغموا على تسليمها للوثنية ثم للمسيحية، وشُردوا في كل ولاية من ولايات الدولة الرومانية وإلى ما وراء حديد تلك الدولة، وضُربت عليهم المذلة والمسكنة، ولم يجدوا لهم صديقاً حتى بين الفلاسفة والقديسين، فابتعدوا عن المناصب العامة وعكفوا في عزلتهم على الدرس والعبادة، واستمسكوا أشد الاستمساك بأقوال علمائهم، وأخذوا يتأهبون لكتابتها آخر الأمر في تلمود بابل وفلسطين. وهكذا اختبأت اليهودية في ظلمات الخوف والفزع، بينما كانت وليدتها المسيحية تخرج لفتح العالم وسيادته.