قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 4 ج 24

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 3799

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> اليقظة الهلنستية -> مصر الرومانية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الرابع والعشرون: اليقظة الهلنستية

الفصل الأول: مصر الرومانية

كان خليقاً بمصر أن تكون أسعد بلدان الأرض قاطبة، لأن النيل يرويها ويغذّيها، ولأنها أكثر بلاد البحر الأبيض المتوسط قدرة على الإكتفاء بخيراتها- فهي غنية بالحب والفاكهة، وتنتج أرضها ثلاث غلات في العام، ولم يكُن يعلو عليها بَلَد آخر في صناعاتها، وكانت تصدّر الغلات والمصنوعات إلى مائة قطر وقطر، وقلما كان يزعجها ويقلق بالها حرب خارجية أو أهلية. ولكن يبدو أن "المصريين" برغم هذه الأسباب- أو لعلّهم لهذه الأسباب- "لم نعموا بالحرية يوماً واحداً في تاريخهم كلهم"(1) على حد قول يوسفوس. ذلك أن ثروتهم كانت تغري بهم الطغاة أو الفاتحين واحداً في إثر واحد مدى خمسين قرناً من الزمان كانوا فيها يستسلمون لأولئك الطغاة والفاتحين .

ولم تكن روما تعد مصر ولاية تابعة لها، بل كانت تعدّها من أملاك الإمبراطور نفسه، وكان يحكمها حاكم مسئول أمامه وحده. وكان موظفون من اليونان المتمصّرين يديرون أقسامها الثلاثة- مصر السفلى، ومصر الوسطى، ومصر العليا، ومقاطعاتها الست والثلاثين، وبقيت اللغة اليونانية في ذلك العهد هي اللغة الرسمية- ولم تبذل محاولة ما لتحضير السكان، فقد كانت وظيفة مصر في الإمبراطوريّة أن تكون المورد الذي تستمد منه روما ما يلزمها من الحبوب، ولهذا السبب انتزعت من الكهنة مساحات واسعة من الأرض وأعطيت للممولين الرومان أو الإسكندريين، وجُعلت ضياعاً واسعة يعمل فيها الفلاحون ويستغَلّون بلا رحمة. وظلت الرأسمالية الحكومية كما كانت في عهد البطالمة، وإن كانت في صورة أخف من عهدها السابق؛ لقد كانت تنظم كل خطوة من خطوات الأعمال الزراعية وتشرف على تنفيذها: فكان موظفون حكوميون مطردو الزيادة يعينون ما يزرع من المحاصيل، ومقدار ما يزرع منها، ويوزعون البذور على الزراع في كل عام، ويستولون على المحصولات ويودعونها في مخازن حكومية (thesauroi)، ويُصدّرون منها حصة روما، ويقتطعون الضرائب منها عينا، ويبيعون ما يتبقى بعد ذلك في السوق. وكان القمح والكتان محتكرين للحكومة من البذر إلى البيع؛ وكذلك كان شأن الطوب، والروائح العطرية وزيت السمسم في الفيّوم إن لم يكن في غيرها من الأقاليم، أما غير هذه من الميادين الاقتصادية فكان يُسمح فيها بمشروعات الاستغلال الخاصة، على أن يكون هذا الاستغلال خاضعاً لأنظمة دقيقة شاملة. وكانت مصادر الثروة المعدنية كلها ملكاً للدولة، وكان قطع الرخام واستخراج الحجارة الكريمة امتيازاً خاصاً للحكومة.

واتسع نطاق الصناعات المنزلية فانتشرت في المُدن- وكان قد مضى على قيامها في مصر زمن طويل، فاشتهرت بها مدائن بطليموئيس Ptolemais، ومنفيس وطيبة، وأكسيرهنكس Oxyrhynchus، وصان، وبسطة، ونقراطيس، وهليوبوليس (عين شمس)؛ وكانت هذه الصناعات في الإسكندرية المورد الذي تعتمد عليه نصف حياة العاصمة الصاخبة. ويبدو أن صناعة الورق كانت قد بلغت وقتئذ المرحلة الرأسمالية، فإن استرابون يحدثنا أن أصحاب مزارع البردي حددوا محصوله ليرفعوا سعره(3). وكان الكهنة يقيمون المصانع في حرم الهياكل، ويخرجون فيها نسيجاً رقيقاً من التيل، يصنعون منه ملابسهم، ويبيعون بعضه في الأسواق. وقلّما كان يوجد أرقّاء في مصر يعملون في غير الخدمات المنزلية، لأن العمّال "الأحرار" لم يكونوا يؤجرون أكثر مما يكفي لستر عورتهم وسد رمقهم. وكان هؤلاء العمال يضربون عن العمل (anachoresis) في بعض الأحيان- فكانوا يمتنعون عنه ويجتمعون بالهياكل حتى يخرجوا منها بتأثير الجوع أو الألفاظ المعسولة. وكان يحدث أحياناً أن ترفع الاجور، فترتفع الأثمان، وتعود الأمور كما كانت من قبل. وكان يُسمح بإنشاء النقابات الطائفية، ولكنها كانت في الأغلب الأعم خاصة بالتجار ومديري الأعمال، وكانت الحكومة تستخدمها في جباية الضرائب وفي تنظيم أعمال السخرة كإقامة السدود، وحفر الترع وتطهيرها، وإقامة المباني العامة.

وكانت التجارة الداخلية نشطة ولكنها بطيئة. فقد كانت الطرق رديئة، وكانت وسائل النقل البري هي الحمّالين، والحمير، والجمال- التي حلّت وقتئذ محل الخيل للجر والحمل في أفريقية. وكان جزء كبير من التجارة الداخلية يُنقل في نهر النيل أو القنوات. وكانت قناة كبرى يبلغ عرضها مائة وخمسين قدماً وتمت في عهد تراجان، تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي عن طريق النيل والبحر الأحمر. فكانت السفن تخرج في كل يوم من الثغور الواقعة على هذا البحر مثل أرسنوئي، وميوس‎هرموس Muos Hormos ويرنيس في طريقها إلى أفريقية أو الهند. وكان النظام المصرفي الذي يموّل الإنتاج خاضعاً بأكمله للرقابة الحكومية، وكان في حاضرة كل إقليم مصرف للدولة، يتسلّم الضرائب، وتودع فيه الأموال العامة. وكانت القروض تعقد للزراع وتشجيع الصناعة والتجارة والأعمال المالية، تقرضها الحكومة أو الكهنة من خزائن الهياكل، أو هيئات الإقراض غير الحكومية(4). وكانت الضرائب تفرض على جميع المنتجات، والعمليات الاقتصادية، والبيع، والإصدار، والاستيراد، بل وعلى القبور ودفن الأموات؛ وكانت قروض إضافية تُقرر من حين إلى حين، وتُجبى عيناً من الفقراء أو خدمات من الأغنياء. وكانت البلاد- أو كان سادتها- من عهد أغسطس إلى تراجان في رخاء؛ ثم أخذ هذا الرخاء، بعد أن وصل إلى ذروته في ذلم العهد، يفارقها بتأثير الخراج الذي لم يكن يُعرف له حد، والضرائب الفادحة، وما يعقبهما من كساد ونضوب في موارد البلاد، وما يؤدي إليه الاقتصاد المجند من تراخٍ وإهمال.

وبقيت مصر في خارج الإسكندرية ونقراطيس محتفظة بمصريتها عابسة صامتة، وقلّما اصطبغ فيها شيء بالصبغة الرومانية بعيداً عن مَصاب النيل؛ وهي مدينة الإسكندرية نفسها، التي كانت أعظم المدائن اليونانية، أخذت في القرن الثاني بعد الميلاد تصطبغ بصبغة الحواضر الشرقية في أخلاق أهلها ولُغاتهم وفي جوّها الشرقي. وكان يسكن عاصمة مصر 800.000 من جميع سكان البلاد البالغ عددهم 8.500.000(5) (وكان عدد سكانها في عام 1930 نحو 573.000)، ولم يكن يزيد عليها في عدد السكان سوى روما نفسها. أما من حيث الصناعة والتجارة فقد كانت أولى المُدن في الإمبراطوريّة. وقد ورد في خطاب يُعزى إلى هدريان- وإن كنا نشك في صحة نسبته إليه- أن كل شخص في الإسكندرية يعمل، وأن لكل إنسان فيها حرمة، وحتى العرج والعمى يجدون لهم عملاً فيها(6). وكان من بين مئات الصناعات القائمة في المدينة صناعة الزجاج، والورق، ونسج الكتان. وكانت هذه المصنوعات موفورة الإنتاج، وكانت الإسكندرية مركز صناعة الكساء والأزياء العصرية المستحدثة في ذلك الوقت، فكانت هي التي تضع طراز الملابس وهي التي تصنعها. وكان لمرفئها العظيم تسعة أرصفة، يخرج منها أسطولها التجاري ليمخر عباب عدة بحار. وكانت المدينة فوق ذلك مركزاً للسياح، فيها الفنادق، والأدلاء، والمترجمون لاستقبال الزائرين القادمين إليها لمشاهدة الأهرام والهياكل الفخمة في طيبة. وكذلك شارعها الرئيسي يبلغ عرضه سبعة وستين قدماً، وتقوم على جانبيه العُمَد، والبواكي، والحوانيت المغرية تعرض أجمل التحف التي تنتجها الصناعات القديمة. وكان عند كثير من ملتقى الشوارع ميادين واسعة أو دوائر يسمونها الطرق "الواسعة" (Plateai)- ومنها اشتقّت الكلمة الإيطاليّة Piazza والكلمتان الإنجليزيتان Place, Plaza. وكانت مباني ذات روعة تزين الشوارع الرئيسية- دار تمثيل كبرى، ومصفق، وهياكل لبسيدن، وقيصر، وزُحل، وسرابيوم أو هيكل لسرابيس ذائع الصيت، وطائفة من مباني الجامعة اشتهرت في العالم كله باسم المتحف (الميوزيوم Museum أو بيت ربات الفن Muses). وكانت المدينة مقسمة خمسة أقسام، خصّ قسم منها بأكمله تقريباً بقصور البطالمة، وحدائقهم، ومباني الإدارات الحكومية، وكان يقيم فيه في العصر الروماني حاكم المدينة. وفي هذا القسم دُفنت جثة الاسكندر الأكبر مؤسس المدينة في ضريح جميل الشكل، وقد وُضِعت في تابوت من الزجاج وحُفِظت من البلى في العسل.

وكان سكان المدينة خليطاً من اليونان، والمصريين، واليهود، والإيطاليين، والعرب، والفينيقيين، والفرس، والأحباش، والسوريين، والليبيين، والقليقيين، والسكوذيين، والهنود، والنوبيين، ومن شعوب البحر الأبيض كلّهم تقريباً. وكان يتألف منهم جميعاً خليط سريع الذوبان بعضه في بعض، سريع الالتهاب أيضاً، متشاحن، سيئ النظام، عظيم المهارة والذكاء، فكه غير محتشم، لا يستحي من فحش القول، متشكك، منحرف، غير مستمسك بالخلق الكريم، مرح، شديد الولع بالتمثيل، والموسيقى، والألعاب العامة. ويصف ديوكريستوم الحياة في المدينة بأنها (قصف دائم... للراقصات، والمصفرين، والقتلة"(8). وكانت القنوات غاصة على الدوام بمحبي المرح والطرب، يستقلون القوارب الصغيرة أثناء الليل، يقطعون فيها مسافة الأميال الخمسة التي توصلهم إلى كنوبس Canopus ضاحيتها المليئة بالملاهي وأسباب التسلية. وكانت تقام فيها مباريات موسيقية لا تقل عن سباق الخيل إثارة للمشاعر والتصفيق والضجيج.

وإذا جاز لنا أن نصدق فيلو(9) فيما يقوله عن سكان المدينة، فقد كان أربعون في المائة منهم من اليهود، وكانت كثرة يهود الإسكندرية تعمل في الصناعة والتجارة، وتعيش في فقر مدقع(10)، وكان كثيرون منهم تجاراً، وعدد قليل منهم مرابين، وبلغ بعضهم من الثراء درجة استطاعوا بها أن يحصلوا على مناصب يُحسدون عليها في الحكومة؛ وبعد أن كانوا في أول الأمر لا يشغلون إلا خُمس مساحة المدينة أصبحوا في الوقت الذي نتحدّث عنه يُشغلون خمسيها. وكانوا يحاكمون بمقتضى قوانينهم الخاصة على أيدي كبرائهم، وأيدت روما الامتيازات التي منحها إياهم البطالمة والتي يحق لهم بمقتضاها أن يتجاهلوا أي قانون يتعارض مع أوامر دينهم. وكانوا يفخرون بكنيسهم المركزي الفخم وهو باسقاً ذات عُمَد، بلغ من الاتساع حداً كان لابد معه من استخدام نظام للإشارات يضمن بها استجابة المصلين الذين لا يستطيعون- لبعدهم عن المحراب- أن يسمعوا صوت الحاخام(11). ويُستفاد من أقوال يوسفوس أن الحياة الأخلاقية ليهود الإسكندرية كانت مضرب المثل في الاستقامة إذا قيست إلى حياة السكان "الوثنيين" الشهوانية الطليقة(12). وكانت لهم ثقافة ذهنية نشيطة، كما كان لهم حظ كبير من الدراسات الفلسفية والتاريخية والعلمية في ذلك الوقت. وكانت المدينة تضطرب من حين إلى حين بالعداء العصري؛ وشاهد ذلك أننا نجد في النُبذة التي كتبها يوسفوس ضد أبيوق (وهو زعيم معادٍ للساميّة) جميع الأسباب، والحجج، والخرافات التي تعكّر العلاقات بين اليهود وغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى في هذه الأيام. وقد حدث في عام 38م. أن هاجم الغوغاء من اليونان معابد اليهود وأصرّوا على أن يضعوا في كل منها تمثالاً لكلجيولا ليتخذوه إلهاً. كذلك حرّم أفليوس فلاكس حاكم المدينة الروماني اليهود من حق المواطنية الإسكندرية وأمر من كانوا يعيشون منهم خارج القسم اليهودي الأصلي أن يعودوا إليه في خلال بضعة أيام من صدور الأمر، فلما انقضى الأجل المحدد لهذه العودة أحرق الغوغاء اليونان أربعمائة من بيوت اليهود، وقتلوا من كان منهم خارج ذلك الحي؛ وقبض على ثمانية وثلاثين من أعضاء الجروزيا (مجلس الشيوخ اليهودي، وجلدوا علناً في إحدى دور التمثيل، وطُرِد آلاف من اليهود من بيوتهم أو من أعمالهم أو حُرموا ما كانوا يدخرونه من أموالهم. وعَرَضَ الحاكم الذي خَلَفَ فلاكس أمرهم على الإمبراطور، وسافر إلى روما (عام 40م) وفدان مستقلان- أحدهما يتألّف من خمسة من اليونان والآخر من خمسة من اليهود- ليعرض كل منهما قضيته على كلجيولا، ولكن الإمبراطور قضى نحبه قبل أن يصدر حكمه، فلمّا جلس كلوديوس على العرش أعاد إلى يهود الإسكندرية ما كان لهم من حقوق، وأكّد لهم مواطنيتهم في المدينة، وأصدر أمراً مشدداً إلى الطائفتين المتنازعتين ألا تعكّرا صفو السلام.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني: فيلو

كان رئيس الوفد اليهودي إلى كليجولا هو الفيلسوف فيلو، وكان أخوه مدير تجارة الصدار اليهودية في الإسكندرية. ويصفه يوسيبوس Eysebius بأنه من أسرة عريقة من رجال الدين(13). ولا نكاد نعرف شيئاً غير هذا عن حياته ولكن تقواه وكرم أخلاقه يظهران واضحين في المؤلفات الكثيرة التي وضعها في شرح الدين اليهودي للعالم اليوناني. وقد نشأ الرجل في جوديتي، فكان شديد الوفاء لشعبه، ولكنه افتتن بالفلسفة اليونانية، فجعل هدفه في الحياة أن يوفق بين الكتاب المقدّس وعادات اليهود من جهة، والآراء اليونانية وبخاصة فلسفة أفلاطون "أقدس القدّيسين" من جهة أخرى. ولكي يصل إلى غرضه هذا لجأ إلى المبدأ القائل إن جميع الحادثات، والأخلاق، والعقائد، والشرائع المنصوص عليها في العهد القديم ذات معنيين أحدهما مجازي والآخر حرفي، وأنها ترمز إلى حقائق أخلاقية أو فلسفة؛ وكان في وسعه بهذه الطريقة أن يبرهن على صحة أي شيء يريد البرهنة على صحّته. وكان يكتب باللغة العبرية بأسلوب لا بأس به. ولكن أسلوبه في اليونانية بلغ من الجودة حداً جعل المعجبين به يقولون إن "أفلاطون كان يكتب كما يكتب فيلو"(14).

وكان فيلو فيلسوفاً أكثر مما كان رجل دين، وكان صوفياً استبقت تقواه الشديدة تقوى بلوتينس وعقلية العصور الوسطى. وكان الله في كتابات فيلو هو الكائن الجوهري في العالم، وهو كائن غير مجسّد، أزلي سرمدي، يجلّ عن الوصف؛ في وسع العقل أن يدرك وجوده، ولكنه لا يستطيع أن يخلع عليه صفة ما، لأن كل صفة تعني التحديد. والذين يتصوّرونه في صورة بشرية إنما يفعلون ذلك لتقريبه من خيال البشر الحسّي. والله موجود في كل مكان: "وهل ثمة مكان يستطيع الإنسان أن يجده وليس الله فيه؟"(15) ولكنه ليس كل شيء، فالمادة أيضاً سرمدي، وغير مخلوقة؛ ولكنها لا تكون لها حياة، ولا حركة، ولا صورة، حتى تنبعثُ فيها القوّة الإلهية.

ولكي يخلق الله العالم بأن يشكّل المادة، ويوجد الصلات بينه وبين الإنسان، إستخدم لذلك جمعاً من الكائنات الوسطى يسميها اليهود ملائكة ويسميها اليونان شياطين diamones ويسميها أفلاطون أفكاراً. ويقول فيلو إن في وسعنا أن نتصوّر هذه الكائنات في صورة أشخاص، وإن كانت في واقع الأمر لا وجود لها إلا في العقل الإلهي بوصفها أفكار الله وقواه(16) وهي مجتمعة تكون ما يسميه الرواقيون الكلمة أو العقل الإلهي خالق العالم وهاديه. وكان فيلو يتأرجح بين الفلسفة واللاهوت، وبين التجريد والتجسيد، ولهذا كان يفكر في العقل الإلهي مرة كأنه شخص وفي ساعة من ساعات نشوته الشعرية يسميه أول ما ولد الله"(17). وغبن الله من الحكمة العذراء(18)، ويقول إنه عن طريق الكلمة كشف الله عن نفسه للإنسان. وإذا كانت الروح في رأيه جزءاً من الله، فإن في وسعها أن تسمو عن طريق العقل فترى الكلمة رؤيا صوفية، وإن كانت لا ترى الله نفسه؛ وربما كان في وسعنا إذا تحررنا من دنس المادة والحس، وتدرّبنا على الزهد والتفكير الطويل، أن نصبح في ساعة من الساعات روحاً خالصة، وأن نرى الله نفسه في لحظة من لحظات النشوة(9).

ولقد كانت "عقيدة العقل الإلهي" التي يقول بها فيلو من الآراء ذات الأثر الأكبر في تاريخ التفكير البشري. ولرأيه هذا سابقات واضحة في فلسفة هرقليطس وأفلاطون، والرواقيين؛ وأكبر الظن أنه كان يعرف الآداب اليهودية التي نشأت في العصر القريب من عصره، والتي جعلت من حكمة الله بوصفه خالق الكون شخصاً محدداً مميزاً، وما من شك في أنه قد انطبعت في عقله تلك العبارات الواردة في سِفْر الأمثال (8:22) وما بعدها، والتي تقول فيها الحكمة، "الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مُسِحَت منذ البدء، منذ أوائل الأرض. إذ لم يكن غمر أبدئت إذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه. من قبل أن تقررت الجبال قبل التلال أبدئت إذا لم يكن قد صنع الأرض بعد".

وكان فيلو معاصراً للمسيح ويلوح أنه لم يسمع قط عنه، ولكنه قد أسهم على غير علم منه في تكوين اللاهوت المسيحي. ولم يكن أحبار اليهود راضين عن تفسيراته المجازية للكتاب المقدّس، لظنهم أن هذه التفسيرات قد تُتّخذ حجة لنبذ الطاعة الحرفية للشريعة اليهودية؛ وكانوا يرتابون في عقيدة الكلمة ويعدّونها ارتداداً عن عقيدة التوحيد، كما كانوا يرون في هيام فيلو بالفلسفة اليونانية نذيراً بضياع ثقافتهم، وفقدان الجزء الأكبر من خصائصهم العنصرية، وما ينشأ عن هذا وذاك من اختفاء اليهود المشتتين في بقاع الأرض. ولكن آباء الكنيسة المسيحية كانوا يعجبون بورع هذا الرجل اليهودي المنبعث عن تفكير عميق، وكثيراً ما كانوا يلجئون إلى آرائه وتعبيراته المجازية ليردّوا بها على من يتصدّون لنقد التوراة العبرية، وانضموا إلى جماعة العارفين ، ورجال الأفلاطونية الحديثة في القول بأن رؤيا الله الصوفية هي أسمى ما تصل إليه المحاولات البشرية. ولقد حاول فيلو أن يوفق بين اليهودية والفلسفة الهلينية؛ فأما من وجهة النظر اليهودية فقد أخفق في مسعاه وأما من وجهة النظر التاريخية فقد أفلح، وكانت ثمرة فلاحه هي الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا.


الفصل الثالث: تقدم العلوم

كانت الإسكندرية زعيمة العالم الهلنستي في العلوم لا ينازعها في هذه المكانة منازع، ومن أكبر علمائها في ذلك العصر كلوديوس بطليموس الذي يُعَد بلا جدال من أعظم علماء الفلك الأقدمين، وذلك لأن العالم لا يزال على الرغم من كشوف كوبرنيق يتكلّم في الفلك بلغة بطليموس. وكان مولد هذا العالم في بلدة بطليموئيس على شاطئ النيل (ومنها اشتق اسمه)، ولكنه عاش معظم حياته في الإسكندرية، وظل يرصد فيها الأجرام السماوية من عام 127م إلى عام 151م. وأهم ما يذكره به العالم إنه رفض نظرية أرستاركس القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس. وقد دوِّنت هذه الفلسفة الخالدة في كتاب بطليموس المعروف باسم النظام الرياضي Mathematike` Syntaxis للنجوم. وكان العرب إذا تحدّثوا عنه نعتوه بإسم التفضيل اليوناني المجسطي Al.megiste` "الأعظم". وحرّف الناس في العصور الوسطى هذا اللفظ فصارت الماجست Almagest وهو الاسم الذي يُعرف به الكتاب في التاريخ. وظلّت لهذا الكتاب السيطرة على السماء حتى قَلَبَ كوبرنيق العالم رأساً على عقب. ومع هذا فإن بطليموس لم يدّعِ أنه فعل أكثر من تنظيم أعمال من سبقوه من علماء الفلك وأرصادهم، وأخصهم بالذكر هباركس. وقد صوّر الكون في شكل كروي يدور مرة في كل يوم حول أرض كروية ثابتة لا تتحرك. ومع أن هذا القول يبدو لنا غريباً (وإن كنا لا نعرف ما سوف يفعله كوبرنيق آخر في المستقبل ببطالستنا المحدثين)، فإن النظرية القائلة بأن الأرض مركز الكون قد يسّرت في ضوء المعلومات الفلكية المعروفة في ذلك العصر تحديد مواضع النجوم والكواكب تحديداً أدق مما كانت تستطيعه النظرية القائلة بأن الشمس هي مركز العالم(20). وعرض بطليموس فوق هذا لنظرية (الانحرافات) ليفسر بها أفلاك الكواكب، واستطاع أن يكشف انحراف فلك القمر. وقاس بُعد القمر عن الأرض بطريقة الزيغان التي لا تزال مستخدمة إلى يومنا هذا، وقدّر هذا البعد بما يعادل نصف قطر الأرض تسعاً وخمسين مرة، وهو يعادل تقديرنا الحاضر بوجه التقريب؛ وإن كان بطليموس قد اتبع بسيدونيوس في تقدير طول قطر الأرض بأقل من طوله الحقيقي. وقد لخّص بطليموس في كتابه الموجز الجغرافي جميع ما كان يعرفه الأقدمون عن سطح الأرض، كما لخّص في نظامه الرياضي ما كانوا يعرفونه في الفلك وصاغه في صيغته الأخيرة. وهنا أيضاً أخطأ أخطاء جسيمة في أزياجه التي بذل فيها جهداً كبيراً والتي حدد فيها خطوط الطول ودوائر العرض لكبريات المُدن على سطح الأرض، وكان سبب هذا الخطأ قبوله تقدير بسيدونيوس حجم الأرض بأقل من حقيقته. ولكن هذه الغلطة المشجعة التي نقلها عنه بطليموس هي التي يرجع إليها الفضل في اعتقاد كولمبس أن من المستطاع الوصول إلى جزائر الهند في وقت قصير بالسير في اتجاه الغرب(21). وكان بطليموس أول من استعمل لفظي "متوازيات" (Parallela) و "خطوط الزوال" meridians في علم الجغرافية، وقد نجح في أن يصوّر على خرائطه جسماً كروياً على سطح مسوٍ. ولكنه كان في الواقع عالماً رياضياً أكثر منه فلكياً أو جغرافياً؛ وكان أهم جزء من عمله هو صياغته القوانين الرياضية. وقد وضع في كتاب النظام زيجاً دقيقاً لقياس الأقواس، وذلك بأن قسّم نصف قدر الأرض ستين قسماً أولي صغيرة Partes minutae primal، هي التي صارت الدقائق عندنا، ثم قسّم كل واحدة من هذه الدقائق "أقساماً صغيرة ثانية" "الثواني" عندنا.

ووقع بطليموس في أخطاء كثيرة، ولكنه كان له بلا ريب مزاج العلماء الحقيقيين وصبرهم. وقد حاول أن يعتمد في استنتاجاته على الأرصاد وقلما كان هو صاحبها وقد قام في أحد الميادين بسلسلة طويلة من التجارب، ووُصِفَ كتابه البصريات Optica وهو دراسة في انكسار الضوء بأنه "أعظم البحوث التجريبية في التاريخ القديم"(22). ومما هو جدير بالذكر أن هذا الرجل الذي يُعَد من أعظم العظماء في الفلك والجغرافية والرياضيات في عصره قد كتب أيضاً "أربعة كتب" Tetrabiblios فيما للنجوم من سلطان على حياة بني الإنسان. وفي هذه الأثناء كان أرخميدس أصغر يهيئ للعالم القديم فرصة ثانية للقيام بانقلاب صناعي. وكان هذا الرجل مخترعاً أو جامعاً بارعاً وإن كنا لا نعرف عنه إلا اسمه الوحيد هيرون Hero. وقد أصدر هذا لرجل وقتئذ في الإسكندرية سلسلة من الرسائل في الرياضة والطبيعة، بقي لنا عدد منها مترجماً إلى اللغة العربية وقد حذّر قرّاءه في صراحة بأن النظريات والاختراعات التي يعرضها عليهم ليست كلها من اختراعه، بل إنها قد تجمّعت على مدى القرون الطوال. ووصف في كتابه الديوبترا Dioptra آلة شبيهة بالمزواة Theodolite وصاغ عددا من القوانين لقياس الأبعاد التي بين الإنسان وبين النقط التي لا يستطيع الوصول إليها ومساحة هذه الأبعاد. وبحث في كتابه الحيَل Mechanisa في طريقة استخدام أدوات سهلة، والجمع بينها؛ ومن هذه الأدوات العجلة، ومحورها، والرافعة، والبكرة والاسفين، واللولب. ودرس في كتابة الهوائيات Pneumatica ضغط الهواء في سبع وثمانين تجربة معظمها من الحيل والالاعيب؛ منها أنه عرض كيف يمكن جعل كل من النبيذ أو الماء يخرج من فتحة صغيرة واحدة في قاع وعاء وذلك بسد ثقب أو آخر في أعلى الوعاء المقسّم قسمين. ثم تدرّج من هذه اللعب المسلّية لصنع مضخة رافعة، ومضخة لآلة إطفاء الحريق ذات مكبس وصمّامات، وساعة مائية، وأرغن مائي، وآلة بخارية. وفي هذا المخترع الأخير كان البخار الناشئ من الماء المسخّن ينتقل من خلال أنبوبة إلى كرة تدور في اتجاه مضاد لاتجاه البخار المطرود. وقد حال إحساس هيرون الفكاهي الشديد بينه وبين ترقية هذا المُخترَع حتى يمكن الاستفادة منه في الأغراض الصناعية. ومن أعماله أيضاً أنه استخدم البخار لوقف كرة في الهواء ومنعها من السقوط، وجعل طائر آلي يغرّد، وتمثال ينفخ في بوق. ودرسَ في كتابه المرايا Catoptrica انعكاس الضوء، وشرح كيف تصنع المرايا التي يستطيع الناظر فيها أن يرى ظهره، أو يظهر فيها ورأسه إلى أسفل، أو له ثلاث أعين، أو أنفان الخ. وعلّم المشعوذين كيف يقومون بالألعاب بأجهزة مخبأة عن الأعين. وقد جعل الماء يخرج من حوض إذا وُضِعت قطعة من النقود في فتحة فيه. وصنع آلة مخبأة تجعل الماء المسخن يفيض إلى جردل، ويفتح أبواب هيكل بما يزيد من وزنه، وبوساطة مكبرات. وبفضل هذه الأساليب ومائة أخرى من نوعها استطاع هيرون أن يكون مشعوذاً بارعاً، ولكنه عجز عن أن يكون مخترعاً من طراز جيمس وت James Watt.

وكانت الإسكندرية منذ زمن بعيد أهم مركز لدراسة الطب. نعم إنه كانت في مرسيليا، وليون، وسرقسطة، وأثينة، وأنطاكية، وكوس، وإيفوس، وأزمير، وبرجوم مدارس طب شهيرة ولكن طلاب الطب كانوا يهرعون إلى الإسكندرية من جميع ولايات الإمبراطوريّة، بل إنّا لَنَجد أميناس مرسلينس Ammianus Marcellinus في القرن الرابع الميلادي، حين أخذت مصر تسير في طريق الاضمحلال، يتحدّث عن الإسكندرية بقوله:

"حسب الطبيب تنويهاً ببراعته أن يقول إنه قد تعلّم في الإسكندرية"(24). وكان التخصص في الطب يسير قدما، وشاهد ذلك ما يقوله فلستراتس (حوالي 225م): "لا يستطيع إنسان أن يكون طبيباً لكل مرض، بل يجب إن يكون هنا أخصائيون في الجروح، والحميّات، والعلون، والسل"(25). وكان تشريح الجثث الميّتة يحدث في الإسكندرية، ويبدو أنه كان يجري فيها أياً تشريح للأحياء(26).

ولم تكن الجراحة في القرن الأول الميلادي أقل رُقيّاً في الإسكندرية منها في أي مكان في أوربا قبل القرن التاسع عشر. ولم تكن الطبيبات نادرات؛ وقد كتبت واحدة منهنّ تدعى مترودورا Metrodora رسالة في أمراض الرحم لا تزال باقية إلى اليوم(27). ويزدان تاريخ الطب في هذا العصر بأسماء عظيمة: منها روفس الافسوسي الذي وصف العين، وميّز أعصاب الحركة من أعصاب الحس، وحسّن طرق وقف النزيف في الجراحة، ومنها مرينس Marinus الإسكندري الذي اشتهر بجراحات الجمجمة، وأنتيلس Antylus أعظم الرمديين في عصره. وقد كتب ديوسكريدز Dioscorides القليقيائي (من 40 إلى 90م) كتاباً في العقاقير وصف فيه وصفاً علمياً ستمائة من النباتات الطبيّة وصفاً بلغ من الدقّة حداً أوصى في هذا الكتاب باستخدام "الصوفات) لمنع الحمل(8). وقد استخدم للتخدير وصفه لنبيذ البيروج Mandragora استخداماً ناجحا في عام 1874.

ونشر سورانس الافسوسي حوالي عام 116م رسالة في أمراض النساء، وفي مولد الأطفال والعناية بهم، ولا يعلو عن هذه الرسالة من المؤلفات الطبية القديمة الباقية إلى اليوم سوى مجموعات أبقراط ومؤلفات جالينوس. ويصف المؤلف فيها منظاراً مهبلياً وكرسياً للتوليد، ويصف الرحم من الناحية التشريحية أجود وصف، ويقدم نصائح عملية وغذائية لا تكاد تختلف عما يقدمه الأطباء في هذه الأيام، منها غسل عيني الطفل الحديث الولادة بالزيت(30)، ويذكر أسماء نحو مائة وسيلة لمنع الحمل معظمها أدوية للمهبل(31)، وهو يجيز الإجهاض إذا كان الوضع يعرض حياة الأم للخطر (على عكس ما يراه أبقراط)(32).

وقصارى القول أن سورانس كان أعظم الأخصائيين في طب النساء في الزمن القديم، ولم يفقه أحد في هذا العلم حتى جاء باريه Pare` بعده بخمسة عشر قرناً؛ ولو أن رسائله الأربعين قد بقيت إلى هذا اليوم لوضعاه في أكبر الظن في منزلة جالينوس.

وكان أعظم أطباء ذلك العصر ابن مهندس معماري من برجموم، وقد سماه جلينوس Galenus أي الهادئ المسالم، لأنه كان يأمل ألا يتخلّق بأخلاق أمه(33). ولما بلغ الشاب الرابعة عشرة من عمره شغف لأول مرة بالفلسفة، ولم يتحرر قد من غوايتها الخطرة؛ وفي السابعة عشرة تحوّل عنها إلى الطب، ودرسه في قليقية، وفينيقية، وفلسطين، وقبرص، وكريد، وبلاد اليونان والإسكندرية (وكان هذا الانتقال في طلب العلم من طبيعة العلماء الأقدمين)، ثم اشتغل جراحاً في مدرسة المجالدين في برجموم، ومارس صناعته فترة من الزمن (من 164 إلى 168م) في روما. وفي هذه المدينة أقبل عليه أغنياء المرضى لنجاحه في صناعته، كما أقبل عليه كثيرون من علية القوم ليستمعوا إلى محاضراته، وذاعت شهرته ذيوعاً جعل الناس يكتبون إليه من كافة الولايات يطلبون إليه النصائح الطبية، فكان يصف لهم العلاج الناجع بالبريد، وكان والده الصالح قد نسي ما كان يدور بخلده حين اختار له اسمه فنصحه ألا ينضم إلى شيعة أو حزب، وأن يكون صادقاً في كل ما يقول، وصدع جالينوس بأمر أبيه، وأخذ يُشهّر بجهل كثيرين من أطباء روما وشرههم حتى اضطر بعد سنين قلائل إلى الفرار من أعدائه. ولكن ماركس أورليوس إستدعاه ليعنى بكمودس الصغير (126)، وحاول أن يأخذه معه في إحدى الحملات المركمونية، ولكن جالينوس كان مت الدهاء بحيث استطاع أن يعود مسرعاً إلى روما. ومن هذا الوقت لا نعرف عنه غير مؤلفاته.

وتكاد هذه المؤلفات أن تبلغ من الكثرة ما بلغته مؤلفات أرسطو، وقد بلغت خمسمائة أو نحوها، وبقي منها 118 كتاباً تحوي عشرين ألف صفحة، تشتمل على جميع فروع الطب وعلى عدد من ميادين الفلسفة، وليس لهذه الكتب قيمة طبية في هذه الأيام. ولكنها تشتمل في مواضع منها متفرقة على معلومات تافهة، وتكشف عن روح قوية ذات حيوية عظيمة، مولعة بالبحث والجدل. وقد عوده ولعه بالفلسفة عادة سيئة هي استخلاصه نتائج كبرى من معلومات قليلة، وكثيراً ما ساقه إيمانه بعلمه وقواه إلى تعسّف لا يليق بعقلية العلماء، وكان سلطانه على من جاء بعده سبباً في بقاء أخطائه الشنيعة ذائعة قروناً عدة. لكنه كان على رغم هذه الأخطاء دقيق الملاحظة، كما كان أكثر الأطباء الأقدمين اعتماداً على التجارب العلمية. ومن أقواله في هذا المعنى: "إني لأعترف بذلك المرض الذي قاسيت منه الأمرّين طوال حياتي وهو أني لا أثق... بأي قول حتى أجرّبه بنفسي على قدر استطاعتي"(34). ولما حرّمت عليه الحكومة الرومانية أن يشرّح أجسام الآدميين أحياء كانوا أو أمواتاً، عمد إلى تشريح الحيوانات الحية والميّتة، وكثيراً ما كان يتعجّل فيطبّق على تشريح الجسم الآدمي ما تسفر عنه دراسته للقردة، والكلاب، والبقر، والخنازير.

وقد أفاد علم التشريح من جالينوس رغم قصوره أكثر مما أفاده من أي مشاهد آخر في التاريخ القديم؛ ذلك أنه وصف بغاية الدقة عظام الجمجمة والعمود الفقرة، والجهاز العضلي، والأوعية اللبنية، والغدة اللسانية، والغدة اللعابية تحت الفك الأسفل، وصمّامات القلب؛ وأثبت أن القلب إذا فُصِل عن الجسم يمكن أن يظل ينبض في خارجه، وبرهن على أن الأوردة تحتوي دماً لا هواء (كما ظلّت مدرسة الإسكندرية تعلم الناس مدى أربعمائة عام)، لكنه قد فاته أن يسبق هارفي إلى كشف الدورة الدموية، فقد ظن أن معظم الدم يسير في الأوردة إلى أجزاء الجسم المختلفة ثم يعود فيها أيضاً؛ وأن البقية الباقية منه التي تختلط بهواء الرئتين تسير في الشرايين إلى أجزاء الجسم وتعود منه في الشرايين نفسها. وكان هو أول من شرح الجهاز التنفسي، ودلّ على حصافة وبراعة حين قال إنه يظن أن العنصر الفعال في الهواء الذي نستنشقه هو نفسه العنصر الفعال في الاحتراق(35)؛ وميّزَ التهاب الرئة، ووصف الورم الوعائي ، والسرطان، والتدرّن، وعرّف ما في ثانيهما من خطر العدوى، وأهم من هذا كله أنه وضع أساس مبحث الأعصاب التجريبي، فهو أول من أجرى التجارب على قطاعات من النخاع الشوكي، وعيّن الوظيفة الحسّية والحركيّة لكل جزء منه، وعرف الأعصاب السمبثاوية، وميّزَ سبعة أزواج من الأثني عشر زوجاً من أعصاب الجمجمة، وعرف كيف يستطيع حبس النطق بقطع عصب الحنجرة، وبرهن على أن الضرر الذي يصيب أحد نصفي المخ يُحدث اختلالاً في النصف المضاد له في الجسم وعالج السفسطائي بوسنياس من خَدَرٍ في خنصر يده اليسرى وبنصرها بتنبيه الضفيرة العضدية التي يخرج منها العصب الزندي الذي يتحكّم في هاتين الإصبعين(36). وقد برع في بحث أعراض الأمراض براعة آثر معها أن يُشخّص علة المريض دون أن يوجّه إليه أسئلة(37). وكان كثير الاعتماد على التغذية، والرياضة، والتدليك ولكنه كان خبيراً في العقاقير، كثير الأسفار للحصول على الأدوية النادرة. وندّدَ باستخدام البراز والبول في العلاج، وكان ذلك لا يزال شائعاً عند بعض معاصريه(38)، وأوصى باستعمال الكداس الجاف لمعالجة المغص، ووضع روث المعز على الورم، وترك ثبتاً طويلاً بالأمراض التي يمكن علاجها بالترياق - وهو دواء ذائع الصيت في ذلك الوقت صنع لمثرداتس الأكبر ليقاوم به السم، وكان يقدّم لماركس أوليوس كل يوم ويدخل فيه لحم الأفاعي(39).

لكنه لوّث سجلّه الحافل بالتجارب وشهرته فيها بسيل من النظريات التي تعجّل في وضعها. وكان يسخر من السحر والرقى، ويقبل التنبؤ بالغيب عن طريق الأحلام، ويظن أن أوجه القمر تؤثر في أحوال المرضى؛ وصدّق فكرة أبقراط عن الأخلاط الأربعة (الدم، والبلغم، والسائل الصفراوي الأسود الأصفر) ، وعمل على سرعة انتشار عقيدة فيثاغورس في الأركان (العناصر) الأربعة (التراب، والهواء، والنار، والماء)، وحاول أن يرد الأمراض كلها إلى اختلال في تلك الأخلاط أو هذه الأركان. وكان قوي الاعتقاد بوجود الروح، مؤمناً بأن النفس (pneuma) أو النفَس الحيوي أو الروح تسري في كل جزء من أجزاء الجسم، وتبعث فيه النشاط والحركة. وكان كثيرون من الأطباء قد أخذوا يفسّرون نظريات علم الأحياء تفسيراً آلياً؛ ومن هؤلاء أسكلبياديز الذي كان يرى أن علم وظائف الأعضاء يجب أن يُنظر إليه على أنه فرع من الطبيعة، ولكن جالينوس اعترض على هذه الفكرة؛ وقال إن الآلة ليست إلا مجموعة أجزائها، وأما الكائن العضوي فإنه يشتمل أيضاً على الإشراف الغائي على جميع أجزاء الكل. وكما أن الغاية وحدها هي التي مكن بها تفسير منشأ الأعضاء وتركيبها، ووظيفتها؛ فكذلك يرى جالينوس أن الكون لا يمكن أن يُفهَم إلا على أنه تعبير عن خطّة إلهية وأداة لتنفيذ هذه الخطّة. لكن الله لا يعمل إلا بوساطة قوانين طبيعية، وعلى هذا ليس ثمة معجزات، وخير وحي هو الطبيعة نفسها.

وأحبّ المسيحيون جالينوس لإيمانه بالغائية وبالوحدانية في الدين، كما أحبه المسلمون بعدئذ لهذا السبب عينه؛ وقد فقدت أوربا كل كتاباته تقريباً في أثناء الفوضى التي أعقبت غزوات البرابرة، ولكنّ علماء العرب حفظوها لبلاد الشرق، ثم ترجمت هذه المؤلفات من اللغة العربية إلى اللاتينية في القرن السابع والقرون التي تلته، وأصبح جالينوس بعدئذ المرجع المعترف به الذي لا يوجّه إليه نقد، فكان هو أرسطو الطب في العصور الوسطى.

واختتم آخر عصر مبدع من عصور العلم اليوناني ببطليموس وجالينوس، ومن بعدهما انتهى عصر التجارب وساد عصر العقائد التحكّمية؛ وانحطّ علم الرياضة فأصبح مجرّد ترديد للهندسة، كما انحطّ علم الأحياء فأصبح ترديداً لأقوال أرسطو، وإنحطّت العلوم الطبيعية فأصبحت ترديداً لأقوال بلني؛ ووقف الطب جامداً حتى جاء أطباء العرب واليهود في العصور الوسطى فجددوا هذا العلم الذي يعدّ أشرف العلوم على الإطلاق.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرابع: الشعراء في الصحراء

تقع بلاد العرب في الناحية الشرقية من البحر الأحمر؛ وقد عجز الفراعنة، والأكمينيون، والسلوقيون، والبطالمة، والرومان عن فتح تلك الجزيرة الغامضة العجيبة، ولذلك ظلّت صحراء العرب لا تعرف إلا العرب البدو، لكن في جزئها الجنوبي الغربي سلسلة جبلية تسيل فيها عدّة مجارٍ مائية فتلطّف حرارتها، وتنبت فيها أشجار الفاكهة وتخلق منها بلاد العرب السعيدة Arabia Felix أو بلاد اليمن كما يسمونها في هذه الأيام. وقد قامت في خبايا تلك البلاد مملكة سبأ الصغيرة التي ورد ذكرها في التوراة والتي يكثر فيها الكندر، والمُر، والقشية (خيار شنير)، والقرفة، والصبر، والنردين، والسنا المكّي، والصمغ، والحجارة الكريمة. وقد استطاع أهلها أن يشيّدوا عند مأرب وغيرها من الأماكن مُدناً تزهو بهياكلها، وقصورها، وأروقتها المعمّدة(40). ولم يكتفِ تجّار العرب بأن يبيعوا محصولات بلادهم بأغلى الأثمان، بل كانوا يسيّرون فيها القوافل التجارية إلى بلاد شمالي آسية الغربي، وكانت لهم تجارة بحرية نشيطة مع مصر، وبارثيا، وبلاد الهند. وبعث أغسطس أبليوس جالس في عام 25 ق.م ليضم تلك المملكة إلى الإمبراطوريّة الرومانية، ولكن فيالقه عجزت عن الاستيلاء على مأرب وعادت إلى مصر بعد أن قضت الأوبئة وشدّة الحرارة على عدد كبير من رجالها. وحينئذ اكتفى أغسطس بتدمير مرفأ أدانا (عدن) العربي، فأمّن بذلك التجارة بين مصر والهند.

وكان أهم الطرق التجارية الممتدّة من مأرب إلى الشمال يخترق الطرف الشمالي الغربي من جزيرة العرب، المعروف عند الأقدمين باسم بلاد العرب البطرية نسبة إلى عاصمتها بطرة التي تبعد عن أورشليم بنحو أربعين ميلاً جهة الجنوب. وكان السبب في إطلاق هذا الاسم على المدينة أنا كانت قائمة وسط دائرة من الصخور الوعرة جعلتها أمنع من عقاب الجو. وفي هذا الجزء أقام العرب في القرن الثاني مملكة أخذت تزداد ثراءاً على مر الأيام حتى امتد سلطانها من لوس كوم Leuce Come على البحر الأحمر إلى دمشق، واشتملت على الجزء المصاقب لحدود فلسطين الشرقية وجراسا Gerasa وبُصرى.وبلغت هذه المملكة ذروة مجدها تحت حكم الملك أرتاس الرابع Aretas (9 ق.م 40م)، وأضحت بطرة في أيامه بلدة هلنستية، لغتها آرامية، وفنّها يوناني، وشوارعها في عظمة شوارع الإسكندرية. وتنتمي إلى هذا العصر القبور الضخمة المنقورة في الصخور القائمة في خارج المدينة، وهي ذات واجهات ساذجة خشنة ولكنها تُنئ عن القوّة، وعُمَد يونانية مزدوجة، يبلغ ارتفاعها في بعض الأحيان مائة من الأقدام. وبعد أن ضمّ تراجان المملكة الشمالية إلى إمبراطوريته (106) جعل بُصرى عاصمة ولاية بلاد العرب، فشادت تلك المدينة العمائر التي ترمز إلى ثرائها وسلطانها. واضمحلّت برطة بعد أن أصبحت طرق القوافل التجارية تلتقي عند بُصرى وتدمر Palmyra، وإنحطّ شأن المقابر العظيمة حتى أضحت "مذاود ليلية لقطعان البدو"(41).

وكان ابرز مظاهر الإمبراطوريّة العظيمة كثرة مدائنها العامرة بالسكان، ولم تنشأ مُدن في عصر من العصور التالية لذلك العصر، إذا استثنينا القرن الحالي، بالكثرة التي أنشئت بها في ذلك العهد، فقد كان لوكلس، وبمبي، وقيصر، وهيرود، والملوك الهلنستيون، والأباطرة الرومان يفاخرون بما يُنشئون من المُدن الجديدة وبتزيين المُدن القديمة، حتى لقد كان يصعب على الإنسان وهو ينتقل نحو الشمال محاذياً للشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط أن يسير عشرين ميلاً دون أن تلقاه مدينة رَفَح (رافيا)، وغزّة، وعسقلان، ويافا (جبا)، وأبلونيا، والسامرة، وقيصريّة. وكانت هذه المُدن رغم وجودها في فلسطين نصف يونانية في سكانها، تسودها لغة اليونان وثقافتهم وأنظمتهم. فكانت والحالة هذه بمثابة جسور تنتقل عليها الهلنستية في غزوها الوثني لبلاد اليهود. وأنفق هيرود أموالاً طائلة في جعل مدينة قيصرية خليق بأغسطس الذي سميّت باسمه، فأنشأ لها مرفأ صالحاً جميلاً، ومعبداً شامخاً، وملهى ومدرجاً، وأقام فيها قصوراً فخمة وصروحاً كثيرة من الحجر الأبيض(42). وأنشئت في داخل البلاد مُدن أخرى يونانية فلسطينية ليفياس Livias، وفلادلفيا، وجراسا، وجندارا (قطة Katra). وفي جراسا مائة عمود هي كل ما بقي من العُمَد التي كانت قائمة على جانبي شوارعها الرئيسية؛ وإن خرائب هياكلها، وملهاها، وحمّاماتها، ومجرى مائها لتنطق بما كانت عليه المدينة من الثراء في القرن الثاني بعد الميلاد.

وكانت جدارا، التي تتردد في خرائب ملهاها صدى ذكريات المسرحيات اليونانية، تشتهر بمدارسها، وأساتذتها، ومؤلفيها. وفيها عاش في القرن الثالث قبل الميلاد منبس Menippus الفيلسوف والفكاهي الكلبي الذي يعلم بهجائه أن كل شيء عدا الحياة الصالحة باطل، والذي كان مثالاً احتذاه لوسليوس، وفارو، وهوراس. وفي هذه المدينة "أثينة سوريا" أنشأ مليجر، أنكريون زمانه، قبل ميلاد المسيح بنحو ألف عام تلك المقطوعات الشعرية المصقولة التي كان يتغزّلُ فيها بجمال النساء والغلمان. وظلّ يكتب قصائد الحب حتى كلّ قلمه:


"ما أحلى ابتسام الكأس للحبيب العزيز، بعد أن مسّها فم



زنوفيلا Zenophila الجميل. وما أسعدني إذا وضعت شفتيها



الورديتين على شفتيَّ، وعبت روحي عباً في عناق طويل"(43).

وكان لهيب من هذا النوع، خبا قبل الأوان، يشتعل قوياً في ذاكرته ذلك هو هليودورا Heliodora التي أحبّها في صور:


سأجدلُ البنفسج الأبيض، والآس الأخضر، سأجدل النرجس،


والزنبق اللامع؛ سأجدل الرعفران الحلو، والسنبل البري


الأزرق؛ وسأجدل آخر الأمر الورد رمز الحب الأكيد، حتى


يتألف منها جميعا تاج من الجمال خليق بأن يزيّن غدائر هليودورا


الحلوة(44). والآن وقد اختطفها الموت ولوّث الثرى زهرتها


الناظرة، فإني أتوسّل إليكِ يا أمنا الأرض أن تكوني رحيمة


حين تضمينها إلى صدركِ(45).


وقد خلّد مليجر اسمه بأن جمع في "إكليل" (Sle`phamos) ما قاله شعراء اليونان في الرثاء من أيام سابفو Sapphs إلى أيام مليجر. ومن هذه المجموعة وأمثالها من المجموعات نشأت دواوين الشعر اليوناني . وفيها نجد أحسن المقطوعات الشعرية وأسوأها، فمنها ما هو مصقول كصقل الجواهر، ومنها ما هو أجوف كالغاز. ولم يكن من الحكمة أن تُقطف هذه "الأزهار" الأربعمائة من غصونها ليصنع منها هذا التاج الذابل.

ومن هذه الأبيات ما يحيي ذكرى بعض الموتى من عظماء الرحال، ومنها ما يخلّد ذكى تماثيل مشهورة، أو أقارب فارقوا هذه الدار. ومنها قبريات ذاتي، إذا صحّ ذلك التعبير. فقد كتبت إمرأة، ماتت وهي تلد ثلاثة أطفال في وقت واحد، تقول تلك المقالة السديدة: "وبعد هذا فلتطلب النساء الأبناء"(46). ومنها ما هو سهام موجّهة إلى صدور الأطباء، والنساء السليطات، ومجهّزي الموتى للدفن، ومعلّمي الأحداث، والديوثين، أو إلى صدر البخيل الذي أفاق من إغماءة لما شم رائحة فلس؛ أو النحوي الذي ظهر حفيدٌ له ذكراً ثم أنثى ثم شيئاً آخر هو ذكر وأنثى معاً(47)؛ أو الملاكم المحترف الذي اعتزل حرفته، وتزوّج، فكالت له زوجته ضربات أكثر مما كانت تكال له في حلبة الملاكمة؛ أو القزم الذي اختطفته بعوضة فظنّ أنه يعاني الآلام من اختطاف جلميدي. وثمّة مقطوعة تشيد بمدح "المرأة الشهيرة التي لم تضاجع إلا رجلاً واحداً"؛ ومقطوعات أخرى تقدّم بها القرابين للأرباب: ففي واحدة منها تُعلق ليس Lais مرآتها بعد أن أصبحت عديمة النفع لأنها لا تظهرها بالصورة التي كانت عليها من قبل، وفي أخرى نرى نيسياس Nicias تسلّم راضية منطقتها إلى فينوس بعد أن قضت في خدمة الرجال خمسين عاماً. وتمجّد بعض المقطوعات أثر النبيذ في توسع الشرايين وتقول إن هذا أحكم من الحكمة؛ ومنها واحدة تمجّد الزاني الذي يجمع في وقت واحد بين إثنتين والذي دُفن تحت الأنقاض بين ذراعي عشيقته؛ ومنها مراثي وثنية تصف قصر الحياة؛ ومنها توكيدات مسيحية ليوم البعث السعيد. ومعظمها، بطبيعة الحال، يمتدح جمال النساء والغلمان، ويتغنّى بنشوة الحب الموجعة. وإنك لَتَجد هنا كل ما ورد في الأدب بعد ذلك العصر عن آلام العاشقين وتجده موجزاً كاملاً، فيه من الأفكار أكثر مما في الشعر الإنجليزي في عصر إليزابث. من ذلك أن مليجر يتخذ بعوضة قوادة له، ويحملها رسالته إلى السيدة التي كان يحبها في تلك الساعة. وها هو ذا فلوديمس Philodemus ابن بلدته، والفيلسوف الذي يسدي النصح لشيشرون، يغنّي لمحبوبته زنثو Xantho أغنية حزينة فيقول:


يا ذات الخدين الأبيضين كلون الشمع، والصدر الناعم ذي العطر


الشجي، والعينين اللتين تعشّشُ فيهما ربات الفن، والشفتين


الحلوتين اللتين تفيضان بأكمل اللذات... غنّي لي أغنيتك


يا زنثو يا ذات الوجه الشاحب غنّي... ما أسرع ما تنقطع


الموسيقى. أعيدي النغمة الحلوة الحزينة مرة بعد مرة، ومسّي الوتر


بأصابعكِ العطرة؛ يا بهجة الحب، يا زنثو الشاحبة غنّي(48).

الفصل الخامس: السوريّون

تقوم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في جزئه الشمالي مُدن فينيقيا القديمة التي كانت هي وفلسطين جزءاً من ولاية سوريا الرومانية. وقد ظلّت هذه المُدن حية طوال الحقبة التي دامت ألف عام مليئة بالأحداث الجسام وذلك بفضل عمالها المجدّين البارعين في الصناعات اليدوية، وبفضل موقعها الذي جعل فيها على مر الأيام مرافئ تجارية هامة، وتجّارها المهرة الأغنياء الذين كانوا يرسلون سفنهم وعمّالهم إلى كل مكان معروف على ظهر الأرض. وكان في صور مبانٍ أعلى من مباني روما(49). وأحياء أقذر من أحيائها تفوح منها روائح مصانع الصباغة الكريهة، ولكنها كانت تُعزّي نفسها باعتقادها أن العالم كله يبتاع منسوجاتها ذات الألوان المتعددة الجميلة، وبخاصة حريرها الارجواني. والراجح أن صيدا قد كشفت طريقة صنع الزجاج بالنفخ، وأنها تخصصت وقتئذ في صناعة الزجاج والبرنز، واشتهرت برنيس (بيروت) بمدارس للطب والبلاغة والقانون، وأكبر الظن أن أبيان وبابنيان المشترعين العظيمين قد تخرّجا في جامعتها ثم انتقلا منها إلى روما.

ولم يكن في الإمبراطوريّة كلها ولاية تفوق سوريا في صناعاتها ورخائها، وكان يعمرها في زمن تراجان عشرة ملايين من الأنفس وإن كان سكانها الآن لا يزيدون على ثلاثة ملايين ولا يكادون يجدون ما يكفيهم من أسباب العيش(50). وكان في الولاية نحو خمسين مدينة تستمتع بالماء النقي، والحمّامات العامة، والمجاري الممتدة تحت الأرض، والأسواق النظيفة، ومدارس التدريب الرياضي، وساحات الألعاب، والمحاضرات، والموسيقى والمدارس، والحياكل، والباسلقات، والأروقة المعمّدة، والأقواس، والتماثيل العامة، ومعارض الفن العمومية، وهي المظاهر التي كانت تمتاز بها المُدن الهلنستية في القرن الأول بعد الميلاد(51). وكانت أقدم هذه المُدن كلّها مدينة دمشق القائمة وراء جبال لبنان المواجهة لصيدا، وكانت تحميها الصحراء المحيطة بها. وقد أحالتها إلى حديقة غناء روافد وفروع لذلك المجرى الذي سمّاه الأقدمون "نهر الذهب" اعترافاً منهم بفضله. وكانت تلتقي عندها كثير من طرق القوافل، وتفرّغ في أسواقها غلات قارات ثلاث.

وإذا عاد المسافر في هذه الأيام فعبر تلال لبنان الصغرى واتجه نحو الشمال في طرق متربة أدهشه أن يجد في قرية بعلبك الصغيرة بقايا هيكلين فخمين ومدخل عظيم، كانت في يوم من الأيام مما تفخر به هليوبوليس مدينة الشمس اليونانية - الرومانية - السوريّة. وأسكن أغسطس في ذلك المكان جالية رومانية صغيرة، ثم نمت المدينة وازدهرت وصارت مركز عبادة بعل إله الشمس وملتقى الطرق الذاهبة إلى دمشق، وصيدا، وبيروت، وأقام المهنسون والبنّاءون الرومان، واليونان، والسوريّون في مكان هيكل بعل الفينيقي القديم مزاراً فخماً لجوبتر الهليوبوليسي، أقاموا كل جدار من جدرانه من حجر واحد ضخم قطعوه من محجر يبعد عن موضعه مسافة ميل. وكانت إحدى كتله الحجرية تبلغ اثنتين وستين قدماً في الطول وأربع عشر في العرض، وإحدى عشرة في الارتفاع، وفيها من المادة الحجرية ما يكفي لبناء بيت رحب. وكانت إحدى وخمسون درجة من الرخام يبلغ عرض الواحدة منها مائة وخمسين قدماً تؤدي إلى المدخل الكورنثي العظيم، فإذا اجتاز الإنسان البهو الأمامي والبهو الذي يليه المعمّدين وجد البناء الرئيسي للهيكل، وقد بقي منه حتى الآن ثمانية وخمسون عموداً تعلو في الجو اثنتين وستين قدما. وبالقرب من هذا الهيكل الكبير بقايا هيكل أصغر منه، يُقال أحياناً إنه كان هيكل فينوس وأحياناً باخوس، وأحياناً دمتر. وقد أبقى الزمان على تسعة عشر عموداً من عُمَده، وعلى باب جميل دقيق النقش. وتتألق هذه العُمَد الفخمة المنعزلة في شمس السماء الصافية، وهي من أجمل ما بقي من مخلّفات العصور السالفة. وإن المرء حين يشاهدها ليحس، أكثر مما يحس حين يشاهد أي أثر من آثار روما، بعظمة الإمبراطوريّة الرومانية، وبما فيها من ثراء، وشجاعة، ومهارة، وذوق جميل أمكنها بها أن تشيّد في مُدنها الكثيرة المتفرّقة هياكل أعظم وأكثر فخامة مما عرفته العاصمة المزدحمة في أي عصر من عصورها.

وتقع على منظر كهذا عين السائح الذي يتجه نحو الشرق ويعبر الصحراء من حمص، إمسا Emessa القديمة، إلى تَدمُر التي ترجم اليونان اسمها إلى بلميرا Palmyra أي المدينة ذات الألف نخلة. وقد كانت أرضها الخصبة المحيطة بعينين نضاختين، وموقعها الحسن على الطريقين الممتدّين من حمص ودمشق إلى نهر الفرات، سبباً في ثرائها، فلم تلبث أن أصبحت من أكبر مدائن الشرق؛ وقد أمكنها بُعدها عن غيرها من المحلات أن تحتفظ باستقلالها الفعلي رغم تبعيّتها الاسمية للملوك السلوقيين أو للأباطرة الرومان. وكان على جانبي شارعها الأوسط الرئيسي أروقة ظليلة تحتوي على 454 عموداً، وفي مواضع تقاطعه الأربعة أقواس فخمة بقي منها واحد حتى الآن شاهداً على ما كانت عليه بقية هذه الأقواس من عظمة وجلال. وكان أجمل مباني المدينة كلها وأعظمها هيكل الشمس الذي شُيّد في عام 30م. للثالوث الأعظم بعل، وبرهبول (الشمس) وأجلبول (القمر). وكان حجمه أطراداً لتقاليد الأشوريين في الضخامة، وكان بهوه، وهو أكبر الأبهاء في الإمبراطوريّة الرومانية، يحتوي على صف من العُمَد لا مثيل له في بلد من بلادها، طوله أربعة آلاف قدم، وكان الكثير منها عُمَداً كورنثية مرتّبة صفوفاً في كل منها أربعة. وكان في داخل البهو والهيكل رسوم ملوّنة ومنحوتة يدلّ ما بقي منها على اقتراب تدمر من بارثية في الفن كقربهما في المكان.

ويبدأ من تدمر طريق رئيسي يتجه نحو الشرق ويصل إلى نهر الفرات عند دورا - أوربس Dura-Europus. وهنا اقتسم التجار (عام 100م) مكاسبهم مع الثالوث التدمري بأن شيدوا له هيكلاً كان مزيجاً من الفن اليوناني والهندي؛ وزيّن مصور شرقي جدرانه بمظلمات تدل أوضح دلالة على أن الفن البيزنطي والفن المسيحي الأول من أصل شرقي(52). وكان على النهر الأعظم شمال هذه المدينة مدينتان أخريان ذواتا شأن عند مُلتقى طريقين بريين كبيرين وهما مدينتا ثبساكس Thapsacus وزجما Zeugma. وإذا اتجه المسافر من ثبساكس نحو الغرب مرّ بمدينتي بروئيا Beroea (حلب) وأباما Apamea ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط عند لأوديسيا Laodicea - التي لا تزال تحتفظ باسمها القديم اللاذقية مع تحريف قليل فيه، ولا تزال أيضاً ثغراً ناشط الحركة. وبين هذه البلدة وأباميا يتجه نهر العاصي نحو الشمال وتمتدّ على شاطئيه ضياع غنية حتى يصل إلى إنطاكية عاصمة سوريا في ذلك الوقت. وكان النهر تعاونه شبكة عظيمة من الطرق البرية يحمل بضائع الشرق إلى إنطاكية، بينما كانت سلويا سبيريا Selluce Spieria ثغر البلاد الواقع على البحر الأبيض على بُعد أربعة عشر ميلاً من إنطاكيا نحو مصب النهر تأتي إليها بحاصلات الغرب. وكان الجزء الأكبر من المدينة يقوم على سفح الجبل ويشرف على نهر العاصي الذي يجري من تحته. وكانت المدينة ذات موقع جميل استطاعت إنطاكية بفضله أن تنافس رودس في أن تكون أجمل مدائن الشرق الهلنستي. وكانت شوارعها تضاء بالليل فتكسبها بهجة وجمالاً، وتؤمن سكانها على أنفسهم وأموالهم، وكان شارعها الرئيسي البالغ طوله أربعة أميال ونصف ميل مرصوفاً بالحجر الأعبل، ويقوم على جانبه صفّان من العُمَد المسقّفة، فكان في وسع الإنسان أن يسير راجلاً من أحد طرفي المدينة إلى طرفها الآخر وهو آمن من المطر وحر الشمس. وكان الماء النقي يصل بمقادير موفورة إلى كل بيت من بيوتها. وقد اشتهر سكانها البالغ عددهم 600.000 والذين كانوا خليطاً من اليونان، والسوريين، واليهود بإفراطهم في اللهو والمرح، يعبون اللذات عباً، ويسخرون من الرومان المتباهين الذين جاءوا ليحكموهم، والذين يقضون أوقاتهم بين حلبة الألعاب، والمدرج، والمواخير، والحمّامات، ويستمتعون بكل ما يتيحه لهم دافني Daphne بستانهم الشهير القائم في ضاحية المدينة. وكان للأهلين أعياد كثيرة، تستمتع أفرديتي بنصيب فيها كلها. وفي عيد بروماليا Brumalia الذي كان يدون معظم شهر ديسمبر، كانت المدينة كلها، كما يقول كاتب معاصر، تبدو كأنها حالة واحدة، وكانت الشوارع تعجّ طول الليل بالغناء والقص والمرح(52). وكان فيها مدارس لتعليم البلاغة، والفلسفة، والطب، ولكنها لم تكن مركزاً علمياً، ذلك أن أهلها كانوا يقضون يومهم كله في العمل، فإذا احتاجوا للذين لجأوا إلى المنجّمين، والسحرة، وصنّاع المعجزات، والمشعوذين.

والصورة التي تطالعنا لسوريا تحت حكم الرومان هي صورة البلد الرخي رخاء أدوَم من رخاء أي ولاية أخرى من ولايات الدولة الرومانية. وكان معظم أهلها من الأحرار إلا مَن كان يقوم منهم بالخدمة في البيوت. وكانت الطبقات العليا مصطبغة بالصبغة اليونانية، أما الطبقات الدنيا فقد احتفظت بطابعها الشرقي. وكان الفلاسفة اليونان يختلطون في المدينة الواحدة بعاهرات الهياكل والكهنة الفنيين، وقد ظلّ الأطفال حتى أيام هدريان يُضحّى بهم قرباناً للآلهة(54). وكانت التماثيل المنحوتة والصور الملونة ذوات وجوه وأشكال نصف شرقية، وعليها طابع العصور الوسطى. وكانت اللغة اليونانية اللغة السائدة في دور الحكومة وفي الأدب، ولكن لغات البلاد -وأهمّها الآرامية - لغة التخاطب بين الأهلين. وكان العلماء فيها كثيرين، وقد طبقت شهرتهم العالم كله فترة قصيرة من الزمان. فقد كان منهم نقولوس الدمشقي الناصح الأمين لأنطونيوس وكليوبطرة، وهيرود، والذي أخذ على عاتقه ذلك الواجب الثقيل المُمِل واجب كتابة تاريخ عام، وهو واجب يُشفق منه هرقول نفسه، على حد قوله(55). وقد أشفق الدهر عليه فدفن كل مؤلّفاته، كما سيدفن مؤلّفاتنا هذه على مهل.


الفصل السادس: آسية الصغرى

كان في شمال سوريا مملكة كمجيني Commagene التي كانت في أول الأمر منضمة للإمبراطوريّة الرومانية ثم أصبحت فيما بعد ولاية من ولاياتها؛ وكانت عاصمتها سموساتا Samosata التي قضى فيها لوشيان أيام طفولته، آهلة بالسكان. وكان في الناحية الأخرى من نهر الفرات مملكة أسرهوني Osrhoene الصغيرة؛ وقد حصّنت روما عاصمتها إذسا Edessa (أروفة) لتكون قاعدة لها ضد بارثيا؛ وسنسمع الكثير عنها في عصر المسيحية، وإذا اتجه المسافر غرباً من سوريا انتقل إلى قليقية (كما ينتقل الآن إلى تركيا) عند الكسندريا إسي Alexandria Issi (الإسكندرونة). وكانت هذه الولاية، وهي ولاية شيشرون، ذات حضارة راقية تمتد على الساحل الجنوبي لآسية الصغرى، ولكنها في جزئها الواقع على جبال طوروس لم تكن قد خرجت بعد من طور الهمجية. ولم تكن حاضرتها طرسوس "بالمدينة الحقيرة" كما يقول ابنها القدّيس بولص بل كانت تشتهر بمدارسها وفلاسفتها.

وكان أمام قليقية في البحر الأبيض المتوسط جزيرة قبرص تعمل كما كانت تعمل من أقدم الأزمنة في استخراج النحاس، وقطع أشجار السرو، وبناء السفن، وتتلقى صابرة ضربات الفاتحين، وكانت مناجمها الغنية مُلكاً لروما تستغلّها على أيدي الأرقاء. ويصف جالينوس في أيامه منجماً انهارَ على مَن فيه وقضى على حياة مئات من العمال- وتلك حادثة تتكرر آناً بعد آن في الأسس الجيولوجية لقوى الإنسان وأسباب راحته.

وكان إلى شمال قليقية ولاية كبدوكيا الجبلية القاحلة، الغنية بمعادنها النفيسة، والتي تنبت القمح وتربي الماشية والعبيد لتصدّرها إلى خارجها. وكان إلى غربها ولاية ليكاؤنيا Lycaonia التي يبدأ تاريخها بزيارات القدّيس بولص لدربي Derbe وليسترا Lystra وأيكونيوم Iconium، وفي شمال هذا الإقليم نجد جلاتيا Galatia التي استوطنها الغاليون وأطلقوا عليها هذا الاسم في القرن الثالث قبل الميلاد، وكان أهم ما أخرجته هو حجر بسينس Pessinus الأسود الذي أُرسل إلى روما ليكون رمزاً لسيبيل، وكانت أهم مُدنها في ذلك الوقت مدينة أنقورة Ancyra، (أنقرة) التي كانت عاصمة الحثيين منذ ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، والتي صارت عاصمة تركيا في هذه الأيام. وكان في ولاية بيسيديا Pisidia الواقعة غرب قليقية خمس مُدن جميلة مثل زنثوس التي كانت وقتئذ قد بدأت تستفيق من الإنتحارات الكثيرة قبل بروتس، وأسبندس Aspendus التي احتفظت بملهاها إلى درجة يسهل على الإنسان معها أن يتصوّره وقد امتلأ مرة أخرى ليستمع إلى منندر أو يوربديز.

وكان في شمال بيسيديا وغربها ولاية "آسية" بأقسامها الأربعة: فريجيا، وكاريا، وليديا، وميزيا Mysia. وكانت حضارة أيونيا لا تزال مزدهرة في هذه الولاية بعد أن بدأت فيها منذ ألف عام، وقد استطاع فيلوسترانس أن يحصي فيها خمسمائة بلدة يبلغ مجموع سكانها أكثر مما تكفيهم موارد الإقليم كلها في هذه الأيام. وكان ريفها خصباً وكانت الصناعات قد ازدادت دقة جيلاً بعد جيل، وكانت الثغور قد أفادت من قيام الأسواق الغنية في إيطاليا، وأفريقية، وأسبانيا، وغالة. ولقد كان فريجيا بلاداً جبلية، ولكنها كانت تزهو بمُدنها الكبيرة كأبميا سيليني Apamea Celenae- التي يقول أسترابون إنها لا يفوقها إلا أفسيس في "آسية"- ولؤديسيا التي أسعدها الحظ بفلاسفتها وأثريائها المحسنين الخيرين. وكانت نيدس Cuidus لا تزال على قدر من الغنى يمكنها من أن تحالف روما، أما هلكرنسس فكانت قد انحدرت فلم تنجب أرقى من ديونيشيس- وهي التي أنجبت هيرودوت- وكان ديونيشيس هذا ناقداً أدبياً بارعاً ولكنه كان مؤرخاً تعوزه القدرة على النقد والتمحيص. وكانت ميليتس قد جاوزت عهد شبابها، وإن كانت لا تزال ثغراً نشيطاً؛ وكان وحي أبلو في دديما Didyma القريبة منها لا يزال يجيب عن الأسئلة إجابات مُلغّزة، وكان القصّاصون في هذا الإقليم يُنسجون "القصص الميليتية" الغزلية ذات الخيال الوثّاب التي تطوّرت بعد قليل من الوقت فكانت هي الروايات اليونانية القصصية الطويلة. وكانت بريني Priens بلدة صغرى، لكن أهلها أخذوا يتبارون في تجميلها بالمباني الفخمة. وفي هذه المدينة انتُخِبَت في القرن الأول الميلادي امرأة تسمى فيلي Philie لتشغل أسمى المناصب في البلدة وذلك لأن نفوذ روما وثراءها قد أخذا يرفعان من منزلة المرأة في الأراضي الهيلينية. وكانت مجنيزيا القائمة على ضفة الميندر تضم هيكلاً يعدّه الكثيرون أقرب هياكل آسية إلى الكمال- وكان مخصصاً لعبادة أرتميس (129 ق.م)، وقد خططه هرموجنيز Hermogenes أعظم مهندسي ذلك العصر. وكان العامة من أهل ميكالي لا يزالون يجتمعون في كل سنة ليكون منهم اتحاد عام ومجلس ديني لأيونيا.

واشتهرت كوس إحدى الجزائر القريبة من ساحل كاريا بنسج الحرير وبمدرستها الطبية الغنية بتقاليد أبقراط؛ وكانت رودس (الوردة) حتى في إبان ضعفها أجمل مدائن العالم اليوناني. ولما أن أراد أغسطس بعد الحرب الأهلية أن يُخفّف من بؤس المُدن الشرقية بالسماح لها بإلغاء الديون كلّها، أبت رودس أن تفيد من هذا التيسير، وأدّت كل ما عليها من التزامات بصدق وأمانة، وكان من أثر هذا أن استعادت بعد زمن قليل مكانتها بوصفها المصرف المالي لتجارة بحر ايجة، وعادت كما كانت من قبل الميناء الذي ترسو فيه البواخر المسافرة بين آسية ومصر. وقد اشتهرت المدينة بتمثالها الضخم المحطّم، ومبانيها الجميلة، وتماثيلها الرائعة، وشوارعها المنظمة النظيفة، وحكومتها الأرستقراطية القديرة، ومدارس الفلسفة والخطابة الذائعة الصيت. وفي هذه المدارس علّم أبلونيوس مولو قيصر، وشيشرون تلك الأساليب الفنية التي أثرا بها في كل ما كتب بعدهما من نثر لاتيني.

وكان أشهر علماء رودس في ذلك العصر هو بوسيدونيوس صاحب أكبر عقل مُنشئ مبدع في التاريخ القديم كله. وكان مولده في إباميا Abamea من أعمال سوريا عام 135 ق.م، وكان أول ما اشتهر به سرعة عدوه في المسافات البعيدة، وبعد أن درس على بنيتيوس Panetius في أثينة اتّخذ رودس وطناً له، وعمل فيها حاكماً وسفيراً، وطاف بعدة ولايات رومانية، ثم عاد إلى رودس، واجتذب إلى محاضراتها في الفلسفة الرواقية عظماء الرجال أمثال بمبي وشيشرون. وذهب في الثالثة والثمانين من عمره ليعيش في روما ومات فيها في السنة التالية. ومن مؤلفاته كتاب التاريخ العام المفقود الذي يقص تاريخ روما وممتلكاتها من عام 144 إلى عام 82ق.م؛ وكان العلماء القدامى يضعونه في منزلة كتاب يولبيوس. وكان وصفه لرحلاته في غالة، ورسالته عن المحيط من المصادر التي استمدّ منها أسترابون كتاباته. وكان تقديره بُعد الشمس عن الأرض 52.000.000 أقرب إلى تقدير هذه الأيام من تقدير أي عالم قبله. وقد سافر إلى قادس Cadiz ليدرس المد والجزر، وفسر هذه الظاهرة بأنها من فعل الشمس والقمر مجتمعين. وقد عرض المحيط الأطلنطي بأقل من عرضه الحقيقي، وتنبأ بأن في مقدور المسافر من أسبانيا أن يصل إلى الهند بعد أن يقطع ثمانية آلاف ميل. وكان رغم إلمامه بالعلوم الطبيعية يؤمن بكثير من الأفكار الروحية السائدة في عصره- فكان يعتقد بالشياطين والقدرة على معرفة الغيب، وبالتنجيم، وقراءة الأفكار، وبقدرة الروح على أن ترقى حتى تتحد اتحاداً صوفياً بالله؛ وعرف الله بأنه القوة الحيوية للعالم. وقد عدّه شيشرون أعظم الفلاسفة الرواقيين وكان في هذا مبالغاً في كرمه، وفي وسعنا نحن أن نعده من رواد الأفلاطونية الجديدة، وأن نرى فيه قنطرة انتقال من زيتون الى أفلوطينس.

وإذا سار المسافر محاذياً ساحل آسية وميمماً شطر الشمال من كاريا دخل ليديا وأقبل على إفسوس أعظم مدائنها. وقد ازدهرت في أيام الرومان كما لم تزدهر من قبل. ومع أن برجموم كانت العاصمة الرسمية لولاية "آسية" الرومانية فإن إفسوس أضحت مقر الحاكم الروماني والموظفين التابعين له؛ هذا إلى أنها كانت أهم ثغور الولاية، ومكان اجتماع جمعيتها الوطنية. وكان سكانها خليطاً من أجناس مختلفة، بلغ عددهم 225.000 ويختلفون من السفسطائيين الخيرين المحبين للإنسانية إلى الغوغاء الصخّابين المخرفين. وكانت شوارع المدينة حسنة الرصف والإضاءة. وكانت لها بواك مظللة تمتدّ أميالاً عدة. وكان فيها كثير من المباني العامة التي توجد في غيرها من المُدن، وقد كشف بعضها من تاريخ قريب لا يبعد عن عام 1894: ومن هذه المباني "متحف" أو مركز علمي، ومدرسة طب، ودار كتب ذات واجهة عجيبة مسرفة في النقش والزينة، وملهى يتّسع لستة وخمسين ألف من النظارة. وهنا أثار دمتريوس صانع التماثيل العامة على القدّيس بولص بعد هذا العهد. وكان يحيط به 128 عموداً كل واحد منها مُهدى من أحد الملوك. وكان يقوم على خدمة كهنته الخصيان قسّيسات عذارى وحشد من الأرقاء، وكانت طقوسهم مزيجاً من طقوس الشرقية اليونانية. وكان للتمثال البربري الذي يمثّل هذه الإلهة صفّان من الأثداء الكثيرة العدد ترمز إلى الخصوبة. وكان الاحتفال بعيد أرتميس يجعل أيام مايو كلها أيام بهجة، ومرح، وحفلات، وألعاب.

وكان جو أزمير أطيب من جو غيرها من البلدان رغم كثرة من كان فيها من صيّادي السمك. وقد وصفها ابولونيوس التيانائي Apollonius of Tyana الذي كان جواب آفاق بأنها "أجمل مدينة تحت الشمس"(59). وكانت تزدهي على غيرها من المُدن بشوارعها الطويلة المستقيمة، وأعمدتها ذات الطبقتين من القرميد، ومكتبتها، وجامعتها. وقد وصفها رجل من أشهر أبنائها وهو إيليوس أرستيديز Aelius Arisitides (117- 187م) وصفاً يكشف عما كانت عليه المُدن الرومانية الهلنستية من روعة وبهاء، فقال:

سر فيها من الشرق إلى الغرب تمرُّ بهيكل في إثر هيكل، ومن تل في إثر تل، مُخترقاً شارعاً أجمل من اسمه (الطريق الذهبي). ثم قِفْ فوق حصنها ترَ البحر يمتد تحتك، والضواحي تنتشر حولك. والمدينة إذا نظرت إليها ثلاث نظرات ملأت قلبك سروراً وغبطة... وكل شيء فيها من طرفها الداخلي إلى شاطئ البحر كتلة برّاقة من ساحات للألعاب، وأسواق، وملاهٍ... وحمّامات بلغت من الكثرة حداً لا يسهل عليك معه أن تعرف في أيها تستحم، وفوارات وطرقات عامة، ومياه جارية في كل بين من بيوتها. وإن ما فيها من مناظر جميلة، ومباريات، ومعارض ليجل عن الوصف؛ أما الصناعات اليدوية فحدث عن كثرتها ولا حرج. وهذه المدينة هي أنسب المدائن كلها لمن يريدون أن يعيشوا في هدوء وطمأنينة ليكونوا فلاسفة لا يعرفون الغش والخداع(60).

وكان إيليوس واحداً من كثيرين من البلغاء والسفسطائيين الذين اجتذبت شهرتهم الطلاب إلى أزمير من جميع بلاد هلاس؛ وكان معلّمه بوليمو Polimo رجلاً بلغ من العظمة- كما يقول فيلوستراتس- "درجة جعلته يتحدّث والمدائن أقل منه، والأباطرة لا يعلون عليه، والآلهة أنداد له"(61). وكان إذا حاضر في أثينة استمع إليه هرودس أتكس Herodes Atticus أعظم منافسيه في البلاغة، وكان من تلاميذه المعجبين به. وأرسل إليه هرودس 150.000 درخما (90.000 ريال أمريكي) نظير استمتاعه بميزة الاستماع إلى محاضراته؛ ولما لم يشكر له بوليمو عمله هذا، قال له أحد الأصدقاء إن المحاضر قد استقلّ المبلغ، فبعث إليه هرودس مائة ألف أخرى، قبلها بوليمو في هدوء على أنها حقٌّ له. وقد استخدم بوليمو ثروته في تزيين المدينة التي اتخذها وطناً له؛ وإشترك في حكمها، ووفّق بين أحزابها، وكان سفيراً لها. وتقول الرواية المأثورة إنه أيقن أنه لا يطيق الصبر على داء المفاصل الذي كان مصاباً به، فدفن نفسه في قبر أسلافه في لأوديسيا، وأمات نفسه جوعاً في سن السادسة والخمسين(62).

وكانت سرديس، عاصمة كروسس القديمة، لا تزال "مدينة عظيمة" غي عهد أسترابون. وقد تأثر شيشرون بعظمة متليني وجمالها ووصفها لنجس Longus في القرن الثالث وصفاً يذكرنا بجمال مدينة البندقية(63). وكانت برجموم يتلألأ فيها المذبح العظيم، والمباني الفخمة التي شادها ملوكها من أسرة أتالس Attalus، وأنفقوا عليها من الخزائن التي امتلأت بالمال من كدح العبيد في غابات الدولة، وحقولها، ومناجمها، ومصانعها. وقد استبق أثالس الثالث التوسّع الروماني والانقلاب الاجتماعي بأن أوصى بمملكته إلى روما في عام 133 ق.م؛ غير أن أرستنكس ابن الملك يومنيز الثاني من إحدى المحظيات نفض الوصية وقال إن أتالس أرغم عليها؛ ثم حرّض العبيد والأحرار الفقراء على الثورة، وهزمَ جيشاَ رومانياً (132)، واستولى على عدد كبير من المُدن، ووضع قواعد دولة اشتراكية بمعونة بلوسيوس Blossius معلّم أبنى جراكس. وانضم إلى روما ملكا بيثينيا وبنتس المجاورتين لبرجموم، كما إنضم إليها طبقات رجال الأعمال في المُدن المحتلّة، فأخمدت روما بمعونتها هذه الثورة ومات أرستنكس في أحد السجون الرومانية. وعاقت الثورة والحروب المثرداتية حياة بجرموم الثقافية مدى نصف قرن من الزمان، ونهبَ أنطونيوس مكتبتها الشهيرة ليُعوّض بها الإسكندرية عن الكتب التي احترقت منها أثناء إقامة قيصر فيها. وما من شك في أن بجرموم قد انتعشت قبيل عهد فسبازيان، وشاهد ذلك أن بلني الأكبر حكم بأنها أكثر مدائن آسية ازدهاراً وقامت فيها أيام الأنطونينيين حركة بناء جديدة، ونشأت في الإسكالبيوم مدرسة طبيّة خرج منها جالينوس ليُداوي أمراض العالم.

واستحالت إسكندرية تراوس Alexaudria Troas على يد أغسطس مستعمرة رومانية تخليداً لأصل روما الطروادي المزعوم، وقد استندت روما إلى هذا الأصل المزعوم في مطالبتها بجميع البلاد التي وصفناها في هذا الفصل. وقد أحيد بناء طروادة القديمة على تل قريب من هذه البلدة (حصار لك)، وسُمّيت باسم إليوم Illium الجديدة، وأضحت بعد بنائها مقصدا للسيّاح، وكان الأدلاء يرشدونهم إلى كل بقعة حدثت فيها إحدى الحوادث الواردة في الإلياذة، ويُطلعونهم على الكهف الذي حاكمَ فيه باريس هيرا، وأفرديتي، وأثينة. وقد بنى سزكس Cyzicus سفناً على البروبيتس وأرسل منها جميع البحار المعروفة أسطولاً تجارياً لم يكن ينافسه إلا أسطول رودس. وهنا شاد هدريان هيكلاً لبرسفني، وكان من أعظم الهياكل التي تفتخر بها آسية. ويقول ديوكاسيوس إن قطر كل عمود من أعمدته كان ست أقدام وارتفاعه خمسة وسبعين قدماً، ومع هذا فقد كان العمود منحوتاً من كتلة واحدة من الحجر(64). وكان هذا الهيكل قائماً على ربوة، لهذا بلغ من الارتفاع حداً رأى معه إيليوس أن لا ضرورة لإقامة منارة لهداية السفن.

وقامت في أيام السلم الرومانية مائة مدينة مزدهرة على الطريق الممتد من البحر الأحمر إلى البحر الأسود.

الفصل السابع: مثرداتس العظيم

كانت بيثينيا وبنتس تمتدان على السواحل الشمالية لآسية الصغرى؛ وكانت أرضهما جبلية في الداخل؛ لكنها كانت غنية بالخشب والمعادن. وقد طغى على سكّانها الحثيين الأقدمين خليط من التراقيين، واليونان، والإيرانيين وحكمت بيثينيا أسرة ملكية يونانية- تراقية، وشادت لها عاصمة في نيقوميديا، ومدينتين كبيرتين في بروصة Prusa ونيقية. وأقام شريف إيراني سمّي مثرداتس دليلاً على التقى والورع مملكة له حوالي عام 302 ق.م شملت كبدوكيا وبنتس، وأنشأ أسرة من الملوك البواسل نشروا الثقافة اليونانية في البالد، وإتخذوا كومانا بنتيكا Comana Pontica وسينوب عاصمتين له وانتشر ملكهم حتى اصطدم بمصالح روما الاقتصادية والسياسية؛ فشبّت على أثر ذلك نار الحروب المثرداتية التي سميّت بهذا الاسم الموائم كل المواءمة نسبة إلى الملك الجبار الذي جمع آسية الغربية وبلاد اليونان الرومانية، ونشر فيها جميعاً لوء فتنة صمّاء لو أنها نجحت لبدّلت تاريخ أوربا تبديلاً.

وكان مثرداتس السادس قد ورث عرش بنتس وهو غلام في الحادية عشرة من عمره، وحاولت أمه هي والأوصياء عليه أن يقتلوه لتجلس هي على العرش مكانه، لكنه قفز من قصره، واختفى عن الأبصار، وعاش أحد عشر عاماً في الغابات يصطاد الوحوش، ويتّخذ من جلودها لباساً. وحدث في عام 115 ق.م انقلاب سياسي مفاجئ أدى إلى خلع أمه وإعادته إلى ملكه. وكانت تحيط به المؤامرات التي هي من خصائص القصور الشرقية ، فاحتاط لها بأن كان يتجرّع قليلاً من السم في كل يوم، حتى كانت له حصانة من معظم أنواع السم التي كانت في متناول المقرّبين إليه. وقد كشف في أثناء تجاربه هذه كثيراً من العقاقير المضادة للسم والشافية منه. ثم امتدّت هواياته من هذا إلى الطب بوجه عام، فجمع فيه معلومات بلغ من قيمتها أن أمر بمبي بترجمتها إلى اللغة اللاتينية وكانت حياته البرية الصارمة قد أكسبته قوة في الجسم وفي الإرادة؛ وأن بلغ من الفخامة درجة رأى معها أن يُرسل دروعه السابقة إلى دلفي ليشاهدها العابدون. وكان فارساً ماهراً، ومحارباً شجاعاً، ويؤكّد لنا عارفوه أنه كان في مقدوره أن يعدو بسرعة يدرك به ظباء الفلاة، وأنه يستطيع أن يسوق عربة يجرّها ستة عشر جواداً، ويقطع مائة وعشرين ميلاً في اليوم الواحد(65). وكان يفخر بقدرته على أن يأكل أكثر مما يأكل أي إنسان آخر ويشرب أكثر مما يشرب، وكان له عدد كبير من النساء. ويقول المؤرخون الرومان إنه كان قاسي القلب، غدّاراً، وإنه قتل أمه، وأخاه، وثلاثة من أبنائه، وثلاثاً من بناته(66)، ولكن روما لم تنقل لنا ما عسى أن يقوله هو دفاعاً عن نفسه. ولقد كان مثقّفاً بعض الثقافة، في مقدوره أن يتكلّم اثنتين وعشرين لغة، ولم يستخدم قط مترجماً بينه وبين من يتحدّث إليه من الأجانب(67). وقد درس الآداب اليونانية، وكان مولعاً بالموسيقى اليونانية، وأغنى بالمال والنفائس الهياكل اليونانية، وكان في بلاطه عدد كبير من علماء اليونان، وشعرائهم، وفلاسفتهم وقد جمع كثيراً من التحف الفنية، وسكَّ نقوداً ذات أشكال جميلة ممتازة. ولكنه لم يتورّع عن الشهوانية والفضفاضة التي كان يمتلئ بها جوّه النصف الهمجي، وصدّق خرافات أهل زمانه. ولم يكن يحمي نفسه من روما بما كان خليقاً أن يقوم به القائد أو السياسي العظيم من حركات صادرة عن نفاذ البصيرة وبعد النظر، بل كان يحميها بالشجاعة الارتجالية التي يعمد إليها الحيوان إذا وقع في المحظور.

ومثل هذا الرجل لا يمكن أن يقنع بالمملكة الصغيرة التي خلفتها له أمه. ولهذا فتح أرمينية وبلاد القوقاز مستعيناً على ذلك بضباط وجنود مرتزقين من اليونان، ثم عبر نهر قوبان ومضيق كرتش إلى بلاد القرم وأخضع لحكمه جميع المُدن اليونانية القائمة على سواحل البحر الأسود الشرقية، والشمالية، والغربية. وإذا كان انهيار قوّة اليونان العسكرية قد ترك هذه الجماعات وهي تكاد تكون عاجزة كل العجز عن حماية نفسها من البرابرة الذين يجاورونها من خلفها، فإنها قد استقبلت جيوش مثرداتس اليونانية استقبال الحُماة المنقذين. وكانت من المُدن التي خضعت له سينوب، وطربزون، وبنتيكبيم Panticapeum (كرتش)، وبيزنطية. ولكن سيطرت بيثينيا على الهلسينت (الدردنيل) تركت تجارة بنتس في البحر الأبيض المتوسط تحت رحمة الملوك المعادين لها. فلما مات نيقوميدس الثاني ملك بيثينيا (94 ق.م) تنازع ولداه العرش، واستغاث الثاني وهو سقراط بملك بنتس. وانتهز مثرداتس فرصة النزاع الحزبي في إيطاليا فغزا بيثنيا لكي يجلس سقراط على العرش. ولم تشأ روما أن ترى البسفور في أيدي أعدائها فأمرت مثرداتس وسقراط أن يخرجا من بيثينيا. وصَدَع مثرداتس بالأمر أما سقراط فرفضه، فلم يكن من حاكم آسية الروماني إلا أن خلعه وتوّج نيقوميدس الثالث. وغزا الحاكم الروماني الجديد بنتس وشجّعه على ذلك منيوس أكوليوس Manius Aquiius الحاكم الروماني، وبدأت بذلك الحرب المثرداتية الأولى (88- 84 ق.م).

وأحسّ مثرداتس أن الفرصة الوحيدة التي تتيح له البقاء هي إثارة الشرق الهيني على سادته الإيطاليين، فأعلن أنه منقذ هلاس وسيّر جيوشه لتحرير المُدن اليونانية في آسية بالقوة إذا كان لابد من استخدامها؛ ولما أن قاومته طبقات رجال الأعمال في المُدن ولى وجهة شطر الأحزاب الديمقراطية، وأخذ يمنيها بإصلاحات شبه اشتراكية. وفي هذه الأثناء كان أسطوله المكون من أربعمائة سفينة قد دمّر القسم المرابط في البحر الأسود من الأسطول الروماني وأوقع جيشه المؤلف من 290.000 رجل هزيمة منكرة بقوات نيقوميدس وأكوليوس. وأراد الملك الظافر أن يعبّر عن احتقاره لشراهة الرومان وبخلهم(68) فصبّ الذهب المصهور في أفواه أكوليوس الأسير- ولم يكن قد مضى على انتصاره على أرقاء صقلية الثائرين إلا وقت قصير. ورأت المُدن اليونانية في آسية الصغرى أن الرومان أصبحوا عاجزين عن حمايتها، ففتحت أبوابها لجيوش مثرداتس، وأعلنت ولاءها له وللقضية التي نصّب نفسه للدفاع عنها، وقامت في يوم حدده لها، وبناء على أمره، بقتل كل من فيها من الإيطاليين رجالاً كانوا أو نساء أو أطفالاً وقد بلغ عددهم ثمانين ألفاً (88 ق.م) وفي ذلك يقول أبيان:

"ومزق الإفسوسيون أجسام الفارين الذين احتموا في هيكل أرتميس وأمسكوا بصورة المعبودة، ثم جزّو رؤوسهم. ورمى أهل برجموم بالسهام الرومان الذين احتموا في معبد اسكلبيوس AESCULPIUS. واقتفى أهل أدرميتيوم Adramyttium من أراد النجاة بالسباحة في البحر وقتلوهم وأغرقوا أطفالهم. وطارد أهل كونس Canus (في كاريا) الإيطاليين الذين احتموا حول تمثال فستا، وقتلوا الأطفال أمام أعين أمهاتهم، ثم اتبعوهم بالأمهات، ثم بالرجال... وقد اتضح من هذه الأعمال أن الذي دفعهم إلى ارتكاب هذه الفظائع لم يكن خوفهم من مثرداتس فحسب بل كان أيضاً كرههم للرومان"(69).

وما من شك في أن الطبقات الفقيرة التي قاست أكثر من غيرها مظالم الحكم الروماني كانت لها اليد الطولى في هذه المذابح الجنونية، وما من شك أيضاً في أن طبقات الملاّك التي ظلت زمناً طويلاً تتمتع بحماية الرومان لها قد استولى عليها الرعب حين أبصرت هذا الانتقام الرهيب. وأراد مثرداتس أن يهدّئ ثائرة الطبقات الغنية بإعفاء المُدن اليونانية من الضرائب مدة خمس سنين ويمنحها الاستقلال الذاتي التام، لكنه "أعلن" في الوقت نفسه، كما يقول أبيان "إلغاء الديون، وحرر العبيد، وصادر كثيراً من الضياع، وأعاد توزيع الأراضي الزراعية على السكان" ودبر زعماء العشائر مؤامرة لإغتياله، فما كشف سرّها أمر بقتل ألف وستمائة من هؤلاء الزعماء. واستولت الطبقات الدنيا يساعدها الفلاسفة وأساتذة الجامعات(71) على زمام السلطة في كثير من المُدن اليونانية، ومنها أثينة وإسبارطة نفسهما، وأعلنت الحرب على روما وعلى الطبقات الغنية معاً، وقتل يونان ديلوس في نشوة الحرية عشرين ألف إيطالي في يوم واحد. واستولى أسطول مثرداتس على جزائر سكلديز كما استولى جيشه على عوبية، وتساليا، ومقدونية، وتراقية. وكان خروج "آسية" الغنية عن سيطرة الرومان سبباً في وقف الخراج الذي كان يُرسل منها إلى الخزانة الرومانية، وفوائد الأموال التي كان يحصل عليها المستثمرون الرومان، فانتابت إيطاليا أزمة مالية كانت ذات أثر في الحركة الثورية التي قام بها سترنينس Satrurninus وسنا Cinua وانقسمت إيطاليا على نفسها لأن السمنينين واللوكانيين عرضوا على ملك بنتس أن يعقدوا معه حلفاً.

ورأى مجلس الشيوخ الروماني الحرب والثورة تواجهانه في كل مكان، فباع ما تجمع في الهياكل الرومانية من الذهب والفضة ليموّل بها جيوش صلا. ولسنا نرى من واجبنا أن نعيد هنا كيف استولى صلا على أثينة، وهزم جيوش الثوّار، وأنقذ الإمبراطوريّة لروما، وعقد مع مثرداتس صلحاً قوامه اللين انسحب الملك على أثره إلى عاصمة بنتس، يجهّز في هدوء جيشاً وأسطولاً جديدين، وقرر مورينا Murena المبعوث الروماني في آسية أن يهاجمه قبل أن يشتد ساعده؛ فلما أن هزم مورينا في هذه الحرب المثرداتية الثانية (83- 81) لامه صلا على خرقه شروط المعاهدة وأعلن انتهاء الأعمال العدوانية. وبعد ثلاث سنين من ذلك الوقت أوصى نيقوميدس الثالث بيثينيا إلى روما، وأدرك مثر داتس أن مملكته نفسها ستبتلعها روما عن قريب إذا امتد سلطانها إلى حدود بفلجونيا وبنتس بعد أن سيطر على البسفور. وبذل في الحرب المثرداتية الثالثة (75- 63) آخر جهوده، وحارب لوكلس وبمبي اثني عشر عاماً وغدر به أحلافه وأعوانه ففر إلى بلاد القرم، وحاول الجندي الشيخ، وكان وقتئذ في التاسعة والستين من عمره، أن يعد جيشاً يخترق به بلاد البلقان، ويغزو إيطاليا من الشمال، ولكن ابنه فرناسس شقّ عصا الطاعة عليه، وأبى أن يُساق إلى المغامرة؛ وحاول الملك بعد أن تخلى عنه الجيش أن ينتحر، ولكن السم الذي تجرّعه لم يكن له أثر فيه لما كان قد كسبه قبل من الحصانة، وكانت يداه أضعف من أن تضغط على النصل الذي أراد أن يقتل به نفسه، ثم أجهز عليه أصدقاؤه ومحاسبيه الذين أمرهم ولده أن يقتلوه بأن طعنوه بسيوفهم وحرابهم.

الفصل الثامن: النثر

مما يذكر بالحمد للحكم الروماني أن مُدن آسية الصغرى لم يمضِ عليها إلا قليل من الوقت حتى أفاقت من حمى هذه الحروب المتقطعة. وصارت نيقوميديا عاصمة ولاية بيثينيا- بنتس، ثم أضحت عاصمة الإمبراطوريّة في عهد دقلديانوس؛ وخلّد اسم نيقية فيما بعد أن انعقد فيها أخطر مجلس في تاريخ الكنيسة المسيحية، وأخذت المدينتان تتنافسان في تشييد المباني منافسة اضطر معها تراجان أن يرسل بلني الأصغر ليحول بينهما وبين الإفلاس. وأهدت نيقوميديا إلى الأدب ابنها فلافيوس أريانس الذي سجّل أحاديث ابكتتس، كما سبق القول. وكان أريان هذا حاكماً على كبدوكيا ست سنين، وأركونا لأثينة سنة واحدة، ولكنه رغم هذه المشاغل وجد متّسعاً من الوقت لكتابة عدة كتب في التاريخ لم يبقَ منها إلا زحف الاسكندر المذيل بالانديكا Indica. وقد كتبه بلغة يونانية واضحة سهلة بأنه اتخذ أكسنوفون مثلا له في أسلوبه، كما اتخذه مثلاً له في حياته، ويقول هو عن كتابه مفتخراً به كما يفخر الأقدمون:

"لقد كنت منذ صباي أنزل هذا الكتاب منزلة الوطن والأسرة والمنصب العام ولهذا فإني لا أرى نفسي غير خليق بأن أعدّ بين أعظم المؤلفين في اللغة اليونانية"(72).

وكانت هناك مُدن أخرى على شاطئ البحر الأسود ذات مياه عظيمة وعلماء ذائعي الصيت. كان منها ميرليا Myrlea التي بلغ عدد سكانها 2.320.000(73) وأمسارتس Amsartis (أمسرا Amsara) التي وصفها بلني بأنها "مدينة أنيقة جميلة"، والتي اشتهرت بما كان فيها من أشجار البقس الجميلة، وسينوب التي كانت مركزاً غنياً لصيد السمك ومنفذاً لخشب الإقليم المجاور لها ومعادنه، وأميسس Amisus (سمسون) وطربيزس (طربزون) وكان أهلهما يكسبون عيشهم بالاتجار مع سكوذيا (جنوبي روسيا) المقابلة لهما على شاطئ البحر، وأماسيا Amasea التي وُلِد وعاش فيها أسترابون أعظم الجغرافيين الأقدمين. وكان أسترابون ينتمي إلى أسرة غنية تنحدر، كما يؤكد هو، من ملوك بنتس. وكان مصاباً بحَوَلْ غريب لا يزال يسمى باسمه حتى الآن(74). وكان كثير الأسفار، ويلوح أن أسفاره كانت في بعثات دبلوماسية، وكان ينتهز كل فرصة مستطاعه لجمع المعلومات الجغرافية والتاريخية. وكَتَبَ تاريخاً مكملاً لتاريخ بولبيوس ولكنه فُقِد؛ ثم أخرج في عام 7 ق.م كتابه العظيم الجغرافية الذي حفظت لنا الأيام جميع أجزائه السبعة عشر تقريباً. وقد بدأه كما بدأ أريان كتابه بالتحدّث عن مزاياه فقال:

"إني استسمح قرّائي، وأطلب إليهم ألا يلوموني لطول بحثي بدل أن يلوموا أولئك الذين يحرصون أشد الحرص على معرفة كل ما هو شهير وقديم... ولابد لي في هذا الكتاب من أن أغفل الصغير من الأشياء، وأن أخص بالعناية ما هو نبيل وعظيم... سواء كان نافعاً، أو ذائع الصيت، أو باعثاً للبهجة والمتعة. وكما أننا إذا أردنا أن نحكم على قيمة تمثال ضخم لا نبحث كل جزء من أجزائه بدقة وعناية، بل ننظر إلى الأثر العام الذي ينطبع في أذهاننا منه... فكذلك يجب أن يُحكم على كتابي هذا بالطريقة عينها. ذلك بأنه هو أيضاً عمل ضخم... خليق بأن يكون من عمل فيلسوف"(75). وهو يعترف في صراحة بأنه يأخذ عن بولبيوس وبسيدونيوس، ولكنه أقل صراحة فيما يأخذ من أرتسشنيز، ويشتدّ عليهم جميعاً في نقد أخطائهم، ويقول إن أخطاءه هو يجب أن يُلام عليها من أخذ عنهم(76). وهو يعترف بالمراجع التي أخذ عنها في صراحة نادرة ويختار هذه المراجع في العادة بدقة وحسن تمييز. ومن أقواله أن امتداد الإمبراطوريّة الرومانية قد وسع المعلومات الجغرافية، وإنه يعتقد مع ذلك أن قارات بأكملها لا تزال مجهولة- وبرما كانت هذه القارات في المحيط الأطلنطي- وأن الأرض شبه كرة، (ولكن اللفظ اليوناني قد يكون معناه "كريا") وأن الإنسان إذا سافر من أسبانيا متجهاً نحو الغرب وصل بعد وقت ما إلى الهند. ويقول عن شواطئ البحار إنها في تغيّر دائم بفعل التعرية أو الانفجار؛ ويظن أن اضطراب باطن الأرض قد يشق برزخ السويس ويل البحرين. وكان كتابه تلخيصاً جريئاً لما يعرفه الناس في عصره عن الأرض، وما من شك في أنه من جلائل الأعمال في العلم القديم.

وكان ديوكريسستوم- ديو ذو الفم الذهبي- (40-120م) أعظم شهرة في عصره من استرابون. وكانت أسرته قد اشتهرت في بروصة من زمن طويل؛ فقد أفنى جدّه ثروته بما قدّمه من الهبات لمدينته، ثم جمع بعدئذ ثروة جديدة؛ وحذا أبوه حذو جدّه؛ وفعل ديو ما فعله الأب والجد(77). ولما كبر صار خطيباً وسفسطائياً، وسافر إلى روما، واعتنق مذهب الرواقية على يد موسنيوس روفس، ونفاه دومتيان من إيطاليا وبيثينيا في عام 82؛ ولما حرّم عليه أن ينتفع بملكه أو دخله، أخذ يضرب في الأرض ثلاثة عشر عاماً وينتقل من قطر إلى قطر انتقال الفيلسوف المفلس، يأبى أن يتقاضى أجراً على خُطَبِه، ويكسب قوته في معظم الأحوال بعمل يديه. ولما جلس نيرفا على العرش بعد دومتيان، تبدّنل نفي ديو تكريماً، فقد اصطفاه نيرفا وتراجان ووهبا مدينته هبات جمة إجابة لطلبه ولما عاد إلى بروصة أنفق معظم ثروته في تجميلها، وإتهمه فيلسوف آخر بإختلاس الأموال العامة فحاكمه بلني، ويلوح أنه بريء من هذه التهمة.

وخلف ديو وراءه ثمانين خطبة. ويبدو لنا في هذه الأيام أن معظمها ألفاظ جوفاء ليس فيها كثير من المعاني، ويُؤخذ عليها ما فيها من إطناب، وتشبيهات خدّاعة، وحيَل بيانية، فهي تمط نصف المعنى حتى تملأ به مائة صفحة؛ فلا عجب بعدئذ إذا صاح أحد المستمعين بعد أن سئم هذا الطول: "إنك قد جعلت الشمس تغرب من طول أسئلتك التي لا آخر لها"(78). ولكن الرجل كان فصيح اللسان ساحر البيان، ولولا ذلك لصعب عليه أن يكون أشهر خطباء القرن الذي عاش فيه، ولما كانت الحروب تقف لكي يستمع الناس إلى خطبه وقد قال له تراجان في يوم من الأيام قولاً صادقاً صريحاً: "لَستُ أفهم ما تقول ولكنني أحبك بقدر حبي لنفسي"(79). وكان البرابرة الضاربون على ضفتي البورسثنيز Borysthenes (الدنيبر) يستمعون إليه في ابتهاج لا يقل عن ابتهاج اليونان وهو مجتمعون في أولمبيا، أو ابتهاج أهل الإسكندرية المعروفين بسرعة الانفعال. وحدث أن جيشاً أوشك أن يتمرّد على نيرفا، فهدأت ثورته بعد أن استمع إلى خطبة ارتجلها الخطيب الطريد النصف العاري.

وأكبر الظن أن الذي أغرى الناس بالالتفاف حوله لم يكن أسلوبه اليوناني الأنكي الجميل بل كان هو جرأته في التشهير، ويكاد أن يكون هو الخطيب الوحيد في العهود الوثنية القديمة الذي ندد بالدعارة؛ وما أقل كتّاب زمانه الذين هاجموا نظام الاسترقاق بمثل ما هاجمه هو من القوة والصراحة. (بيد انه غضب بعض الغضب حين وجد أن عبيده فرّوا منه)(80). وكانت خطبته في أهل الإسكندرية تنديداً عنيفاً بترفهم، وتخريفهم، ورذائلهم. وقد وقف يوماً في اليوم Ilium وألقى خطبة قال فيها إن طروادة لم توجد قط، وإن "هومر كان أجرأ كاذب في التاريخ"؛ ثم وقف يوماً آخر في قلب روما وأخذ يذكر فضائل الريف على المُدن، وصوّر فقر الريف تصويراً مؤثراً في أسلوب قصصي واضح جذّاب، وأنذر مستمعيه أن الناس أخذوا يهملون الأرض، وأن الأساس الزراعي للحضارة قد انهار. ووقف مرة في أولمبيا ليخطب في جمع كبير من الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، وأخذ يصف أهل ذلك العصر من الأبيقوريين والملحدين. وكان مما قاله في هذه الخطبة، إن الصورة التي لدى الناس عن الإله قد تكون باطلة سخيفة، ولكن الرجل العاقل يدرك أن العقل الساذج يحتاج إلى أفكار ساذجة ورموز تصويرية. والحق أن أحداً من الناس لا يستطيع أن يدرك صورة الكاهن الأعلى، وحتى التمثال الجليل الذي نحته فدياس نفسه لم يكن إلا فرضاً مجسّداً لا يليق بمقامه كما لا يليق به تصويره نجماً أو شجرة. ونحن وإن كنا لا نعرف حقيقة الله، ندرك بفطرتنا أنه موجود، ونشعر أن الفلسفة بغير الدين شيء مظلم لا يرجى منه خير، وأن الحرية الحقة الوحيدة هي الحكمة- أي أن يعرف الإنسان ما هو حق وما هو باطل؛ وأن سبيل الحرية ليست هي السياسة أو الثورة، بل أن سبيلها هي الفلسفة، وليست الفلسفة الحقة هي الأفكار التي في بطون الكتب، بل هي إتباع طريق الشرف والفضيلة كما ينادي بها من داخلنا صوت هو كما يقول المتصوّفة كلمة الله مستكنة في قلب الإنسان(81).


الفصل التاسع: التيار الشرقي الجارف

استعاد الدين في القرن الثاني بعد الميلاد ما كان له من سلطان منذ أقدم العهود حين أقرت الفلسفة بعد أن غلبتها الأبدية والآمال البشرية بعجزها عن تحقيق تلك الأبدية وهذه الآمال، فتخلت عما كان لها من سلطان. وكان الدين قبل أن يستعيد سلطانه هذا قد انزوى وأخذ يغذي جذوره ويترقب الفرص المواتية به. ولم يكن الناس أنفسهم قد فقدوا إيمانهم، فقد قبلت كثرتهم الغالبة مجمل ما وصف به هو من الحياة الآخرة(82). وكانت تقرّب القرابين في خشوع قبل البدء برحلة من الرحلات، وتضع أبلة في فم الميت ليؤدى بها أجر عبوره نهر استيكس كما كانت تفعل في الزمن القديم. وكانت سياسة الحكم الرومانية ترحّب بالعون الذي تلقاه من الكهنة الرسميين وتسعى للحصول على تأييد الشعب بإقامة الهياكل الفخمة للآلهة المحليّة، وظلت ثروة الكهنة تزداد زيادة مطردة في جميع أنحاء فلسطين وسوريا، وآسية الصغرى؛ وظل السوريّون يعبدون هداد Hadad وأترجاتس Atargatis، وكان لهذين الإلهين مزار رهيب في هيرابوليس؛ وبقيت مُدن سوريا ترحّب ببعث الإله تموز وتنادي قائلة "لقد قام أدنيس (الرب)"، وتحتفل في آخر مناظر عيده بارتفاعه إلى السماء(83). وكانت مواكب أخرى من هذا النوع تخلّد آلام ديونيس وموته وبعثه بطقوس يونانية. وانتشرت عبادة الإلهة ما Ma من كبدوكيا إلى أيونيا وإيطاليا، وكان كهنتها (المسمون بالهيكليين fanatice أي المنتمين إلى الفانوم fanum أو الهيكل) يرقصون في نشوة عديدة على أصوات الأبواق والطبول، ويطعنون أنفسهم بالمدي، ويرشّون دماءهم على الإلهة وعبادها المخلصين(84) ودأب الناس على خلق آلهة جدد؛ فألهّوا قيصر، والأباطرة، وأنطنيوؤس، وكثيراً من العظماء، وكثيراً من العظماء المحليين في حياتهم وبعد مماتهم. وأخذت هذه الآلهة يمتزج بعضها ببعض بتأثير التجارة والحرب فيزداد عددها ويعظم شأنها في كل مكان، وتُقام الصلاة بألف لغة لألف إله أملاً في النعيم والنجاة< فلم تكن الوثنية والحالة هذه ديناً واحداً، بل كانت أجمة من العقائد المتشابكة، المتناقضة، المتنافسة؛ وكثيراً ما كان يتدخّل بعضها في بعض وتختلط اختلاطاً متعمّداً مختاراً.

وثبتت عبادة سيبيل في ليديا وفريجيا، وإيطاليا، وأفريقية، وغيرها من الأقاليم، وظل كهنتها يخصون أنفسهم كما فعل حبيبها أتيس؛ فإذا أقبل عيدها الربيعي صام عبادها، وصلّوا، وحزنوا لموت أتيس؛ وجرح كهنتها سواعدهم، وشربوا دماءهم، وحمل الإله الشاب إلى مثواه باحتفال مهيب. فإذا كان اليوم الثاني ضجت الشوارع بأصوات الفرح الصادرة من الأهلين المحتفلين ببعث أتيس وعودة الحياة إلى الأرض من جديد، وعلا صوت الكهنة ينادي أولئك العباد: "قووا قلوبكم أيها العباد المتصوّفون، لقد نجا الإله، وستكون النجاة حظكم جميعاً"(85). وفي آخر يوم من أيام الاحتفال تحمل صورة الأم العظمى في موكب للنصر، ويخترق حاملوها صفوف الجماهير تحييها وتناديها في روما باسم "أمنا"(86) (Nostra Domina).

وكانت إيزيس الإلهة المصرية، والأم الحزينة، والمواسية المحبة، وحاملة هبة الحياة الخالدة، كانت هذه الإلهة تلقى من التكريم أكر مما تلقاه سيبيل؛ وكانت كل شعوب البحر الأبيض المتوسط تعرف كيف مات زوجها العظيم، وكيف قام بعدئذ من بين الموتى؛ وكان يُحتفل بهذا البعث السعيد في كل مدينة كبيرة قائمة على شواطئ هذا البحر التاريخي أروع احتفال وأفخمه؛ وكان عباده المبتهجون ينادون: "لقد وجدنا أوزريس من جديد"(87). وكانوا يرمزون إلى أيزيس بصور وتماثيل تحمل بين ذراعيها حورس ابنها الإلهي، ويسمونها في الأوراد والأوعية "ملكة السماء"، و "نجم البحر"، و "أم الإله"(88). وكانت هذه الطقوس أقرب العبادات الوثنية إلى المسيحية، لما انطوت عليه قصة الإلهة من الحنو والرأفة، وما اختصّت به طقوسها من الرقّة، وما كان يسود هياكلها من جو مرح خالٍ من العنف، وما تشتمل عليه صلواتها المسائية من ألحان موسيقية مؤثرة، وما يقوم به كهنتها حليقو الرؤوس ذوو الثياب البيض من أعمال البر والخير(89)، وما كانت تتيحه هذه الإلهة لهؤلاء الكهنة من فرص لمواساة النساء وإدخال السرور على قلوبهنّ، ولترحيبها الشامل بالناس جميعاً على اختلاف أممهم وطبقاتهم. وانتشر دين إيزيس من مصر إلى بلاد اليونان في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم انتشر إلى صقلية في القرن الثالث، وإلى إيطاليا في القرن الثاني، ثم انتشر بعدئذ في جميع أجزاء الإمبراطوريّة. وقد عُثر على صورها المقدّسة على ضفاف نهري الدانوب والسين، وكُشف عن آثار معبد لها في لندن(90).

وقصارى القول أن شعوب البحر الأبيض المتوسط لم تنقطع قط عن عبادة لم للنساء من قوة مقدّسة خلاقة، وما يتصفن به من رعاية للأمومة.

وكانت عبادة مثراس Mithras الإله الذكر تنتقل في هذه الأثناء من فارس إلى أقصى تخوم الإمبراطوريّة الرومانية؛ وكان مثراس هذا في المراحل المتأخرة من الدين الزرادشتي إبن أهورا- مزدا إله النور، وكان هو أيضاً إلهاً للنور، والحق، والطُهر، والشرف؛ وكان يُقال أحياناً إنه هو الشمس، وإنه يقود الحرب العالمية ضد قوى الظلمة، وإنه يشفع على الدوام لأتباعه عند أبيه، ويحميهم، ويُشجّعهم في كفاحهم الدائم للشر والكذب، والدَنَس، وغيرها من أعمال أهرمان أمير الظلام. ولمّا أن نقل جنود بمبي هذا الدين من كبدوكيا إلى أوربا صوّر فنان يوناني مثراس راكعاً على ظهر ثور يطعنه في خنجر في عنقه، وأضحت هذه الصورة هي الرمز الرسمي لذلك الدين.

وكان اليوم السابع من كل أسبوع يوماً مقدساُ لإله الشمس، وكان أتباعه يحتفلون في الأيام الأخيرة من ديسمبر بمولد مثراس "الشمس التي لا تُغلَب" والإله الذي نال نصره السنوي على قوى الظلمة في يوم الانقلاب الشتائي، والذي بدأ من ذلك اليوم يفيض على العالم ضياء يزداد يوماً بعد يوم(91). ويحدّثنا ترتليان Tertullian عن كهنة مثراسيين على رأسهم "حبر أكبر"، وعن عزّاب وعذارى في خدمة الإله؛ وكانت القرابين تقرب إليه على مذبحه في كل يوم، كما كان عباده يشتركون في تناول طعام مقدّس من الخبز والنبيذ؛ وكانت الإشارة التي يختتم بها عيده هي دقّات ناقوس(92). وكان يُحتفظ على الدوام بنار متّقدة أما القبو الذي يمثل فيه الإله الشاب يطعن الثور بخنجره. وكان الدين المثراسي يحضَ على الخلق الكريم، ويطلب إلى "جنوده" ألا ينقطعوا طول حياتهم عن محاربة الشر في جميع أنواعه. ويقول كهنته أن الناس كلّهم سيحشرون لا محالة أمام مثراس ليحكم بينهم، ثم تسلّم الأرواح الدنسة إلى أهرمان لتعذب على يديه عذاباً أبدياً، أما الأرواح الطاهرة فترتفع خلال طباق سبعة حتى تصل إلى بهاء السماء حيث يستقبلها أهورا-مزدا نفسه(93). وانتشرت هذه الأساطير التي تبعث في نفس أصحابها الأمل والقوة في القرنين الثاني والثالث من التاريخ الميلادي في غربي آسية، وانتقلت منه إلى أوربا (متخطّية بلاد اليونان)، وشادت معابدها متجهة نحو الشمال حتى وصلت إلى سور هدريان. وروع الآباء المسيحيين ما وجدوه من أوجه الشبه بين دينهم وبين المثراسية، وقالوا إن الثانية قد سرقت هذه العبادات عن المسيحية، أو أنها في المثراسية حيل مضللة احتال بها عليهم الشيطان (صورة من أهرمان). وليس من السهل أن تعرف أي الدينين أخذ عن الآخر، ولعل الاثنين قد تسربت إليهما أفكار كانت وقتئذ منتشرة في جو بلاد الشرق.

وكان في كلا الدينين العظيمين اللذين يسودان إقليم البحر الأبيض المتوسط "طقوس خفية" تتخذ عادة صورة احتفالات تطهير، وتضحية، وتثبيت، ووحي، تدور كلها حول موت الإله وبعثه. وكان الأعضاء الجدد يدخلون في دين سيبيل بوضعهم عراة في حفرة يُذبح فوقها ثور، فيسقط دم الحيوان الذبيح على الطالب الجديد ويطهره من خطاياه ويهبه حياة روحية جديدة خالدة إلى أبد الدهر. وكانت أعضاء التذكير في الثور، وهي التي تمثل الخصوبة المقدسة، توضع في إناء خاص، وتُهدى إلى الإلهة(94). وكان في المثراسية طقس شبيه بهذا يعرفه العالم اليوناني والروماني القديم باسم الثوربليوم Taurobolium أو رمى الثور. ويصف أبوليوس في عبارات جزلة رائعة المراحل التي يمر خلالها خادم إيزيس- فترة الصوم المبدئية الطويلة، والورع والتقشّف، والتطهير بالانغماس في الماء المقدس، ثم تظهر له في آخر الأمر الرؤيا الصوفية للإلهة لتهبه النعيم الأبدي. ويلتزم الطالب في إلوسس أن يعترف بخطاياه (وقد كان هذا مما أخاف نيرون وأفقده شجاعته)، وأن يصوم بعض الوقت عن أنواع خاصة من الأطعمة، ويستحم في الخليج ليتطهر من الدَنَس الجسمي والروحي، ثم يقرّب القربان، وهو في العادة خنزير. وفي عيد دمتر كان الطلاب المبتدئون يندبون معها اختطاف ابنتها إلى الجحيم، ويختصرون في أثناء حزنهم هذا على تناول الكهك المقدس، وخليط رمزي من الدقيق والماء والنعناع. وفي الليلة الثالثة تعرض مسرحية دينية تمثّل بعث برسفوني، ويعد الكاهن الذي يقوم بالخدمة الدينية كل من تطهرت روحه بأن يبعث كبرسفوني بعثاً جديداً(95). وقد صوّرت الطائفة الأرفية، متأثرة بالآراء الهندوكية أو الفيثاغورية، موضوع هذه الطقوس في جميع الأراضي اليونانية، فقالت ان الروح تحبس في طائفة متسلسلة من الأجساد المذنبة، وإن في مقدورها أن تنطلق من هذا التجسد الثاني المشين بأن تسمو حتى تتحد اتحاداً هيامياً بديونيشس. وكان الإخوان الأرفيون في اجتماعهم يشربون دم ثور يضحّون به للمنقذ الميّت الذي يكفّر عن خطاياهم ويوحّدون بينه وبين هذا المنقذ. وكان الاشتراك الجماعي في تناول الطعام والشراب المقدّسين من المظاهر الكثيرة الحدوث في أديان البحر الأبيض المتوسط، وكثيراً ما كان أهل هذه الأديان يعتقدون أن هذا الطعام ستحل فيه بهذا التقديس قوى الإله، ثم تنتقل منه بطريقة سحرية خفية إلى المشتركين في تناوله(96).

وكانت الشِيَع الدينية كلها تؤمن بالسحر، فقد نشر المجوس فنهم هذا في أنحاء الشرق وسموا الشعوذة القديمة باسم جديد؛ وكان عالم البحر الأبيض المتوسط غنياً بمن فيه من السحرة، وصانعي المعجزات، والمتنبئين، والمنجّمين، والزهّاد القدّيسين، ومفسّري الأحلام العلميين. وكانت كل حادثة غير عادية تُتّخذ نذيراً إلهياً بما سيقع من الحوادث في المستقبل، وأصبح لفظ أسكسيز Askesis، الذي كان معناه عند اليونان تدريب الجسم تدريباً رياضياً، يقصد به وقتئذ إخضاع الجسم لسلطان الروح؛ فكان الناس يضربون أنفسهم بالسياط، ويبترون أعضاءهم، ويجيعون أنفسهم، أو يقيدون أجسامهم بالسلاسل في كل مكان. ومنهم من كانوا يموتون نتيجة لهذا التعذيب أو الحرمان(97) الذاتي. ولجأ جماعة من اليهود وغير اليهود رجالاً ونساء إلى الصحراء المصرية القريبة من بحيرة مريوط. يعيشون فيها منفردين في صوامع وبيَع، ويحرّمون على أنفسهم جميع العلاقات الجنسية، ويجتمعون في يوم السبت للصلاة الجامعة ويسمون أنفسهم معالجي النفوس (Therapeutae)(98). وقال الملايين من الناس إن الكتابات المعزوة إلى أرفيوس، وهرمس، وفيثاغورس، والعرافات ومن إليهم قد أملاها أو أوحى بها إله من الآلهة. وكان الوعاظ الذين يدعون أن الوحي قد هبط عليهم من السماء يجوبون الأقطار متنقلين من مدينة إلى مدينة، يعالجون الناس بما يبدو في نظرهم أنه من المعجزات. من ذلك أن الاسكندر الأبونوتيكي Alexander of Abonoteictus قد درّب أفعى على أن تخفي رأسها تحت ذراعه، وتقبل أن يثبت في ذيلها قناع شبيه بوجه الإنسان، ثم أعلن أن الأفعى هي الإله أسكلبيوس، وأن هذا الإله قد جاء إلى الأرض لينبئ الناس بما سوف يقع في المستقبل، وقد استطاع أن يجمع ثروة طائلة بتفسير الأصوات الحادثة من الأعشاب التي يضعها في رأسها المستعار(99).

وأكبر الظن أنه كان إلى جانب هؤلاء المشعوذين آلاف من المبشرين المخلصين المؤمنين بالعقائد الوثنية. وقد صوّر فيلوستراتس في أوائل القرن الثالث صورة مثالية لأحد هؤلاء المبشرين في كتابه حياة أبولونيوس التيانائي of Tyana؛ فوصفه بأنه حين بلغ السادسة عشرة من عمره قيد نفسه بقيود الأخوان الفيثاغوريين الصارمة، فحرّم على نفسه الزواج، وأكل اللحم، وشرب الخمر، ولم يحلق لحيته قط، وامتنع عن الكلام خمس سنين كاملة(100)، ووزع المال الذي تركه ولده والده على أقاربه، وأخذ يطوف، كما يطوف الرهبان المعدمون، في فارس ومصر، وغربي آسية، وبلاد اليونان، وإيطاليا؛ وأتقن علوم المجوس، والبراهمة، والزهّاد المصريين. وكان يزور هياكل الأديان على اختلافها، ويدعو كهنتها إلى الامتناع عن التضحية بالحيوان، ويعبد الشمس؛ ويؤمن بجميع الآلهة، ويعلم الناس أن من ورائها كلها إله واحد أعلى لا يحيط به العقل، وكانت حياة التقى وإنكار الذات التي فرضها على نفسه مما جعل أتباعه يدّعون أنه إبن إله، أما هو فلم يكن يصف نفسه بأكثر من أنه إبن أباونيوس. وتعزو إليه الروايات المتواترة كثيراً من المعجزات: فقد كان الناس يقولون إنه من خلال الأبواب المغلقة، ويفهم جميع اللغات، ويطرد الشياطين، وإنه رفع بنتاً من بين الأموات(101). لكنه في واقع الأمر فيلسوفاً أكثر منه ساحراً، يعرف الأدب اليوناني ويحبه، ويدعو إلى مبادئ أخلاقية بسيطة ولكنها صارمة. وكان يتوسل إلى الآلهة بقوله: "علّميني ألا يكون لي إلا القليل وألا أرغب في شيء" ولما سأله أحد الملوك أن يختار لنفسه هدية يهديها إليه أجابه بقوله: "الفاكهة اليابسة والخبز"(102). وكان يبشر بتجسد الروح بعد مفارقتها الجسد، ولهذا أمر أتباعه ألا يؤذوا مخلوقاً حياً، وأن يمتنعوا عن أكل اللحم؛ وحضهم على تجنب العداء، واغتياب الناس، والغيرة، والكراهية؛ ومن أقواله لهم: "إذا كنا فلاسفة، فلن نستطيع أن نكره بني جنسنا"(103). ويقول فيلوستراتس إنه "كان في بعض الأحيان يناقش المبادئ الشيوعية ويعلم الناس أن من واجبهم أن يعين بعضهم بعضاً". ولما اتُّهم بأنه يثير نقع الفتنة، ويعلم الناس السحر، جاء طائعاً إلى روما ليبرئ نفسه أمام دومتيان من هاتين التهمتين، فسُجن، ولكنه فرّ من سجنه. ومات حوالي سنة 98م. بعد أن عمّر طويلاً. وادعى أتباعه أنه ظهر لهم بعد موته وأنه رفع بعدئذ إلى السماء(105).

ترى ما هي الصفات التي جعلت نصف روما ونصف الإمبراطوريّة ينضويان تحت ألوية هذه الأديان الجديدة؟ من هذه الصفات ما تنظوي عليه هذه الأديان من عدم التفرقة بين الأجناس والطبقات؛ فقد كانت تقبل بين أتباعها خلائق من جميع الأمم، وجميع الأحرار، وجميع الأرقّاء، ولا تلقى بالاً إلى ما بين الناس من فروق في الأنساب أو الثراء، وكان هذا من أسباب السلوى لهؤلاء الأتباع. وقد بُنيت هياكلها بحيث تتسع لكل من يؤمها من الخلائق العباد وللإله المعبود. وكانت سيبيل وإيزيس إلهتين أمين ثاكلتين ذاقتا مرارة الحزن كما ذاقته ملايين الأمهات الثاكلات، وكان في مقدورهما أن تدركا ما لا تستطيع أن تدركه الآلهة الرومانية- ألا وهو فراغ قلوب المغلوبين. إن الرغبة في العودة إلى أحضان الأم أقوى من غريزة الاعتماد على الأب، واسم الأم هو الذي يخرج من تلقاء نفسه إلى الشفتين إذا ما صادف الإنسان سرور عظيم أو حلّت به كارثة أليمة. ومن أجل هذا كان الناس رجالهم ونساؤهم على السواء يجدون لهم سلوى وملجأ في إيزيس وسيبيل، بل ان العابد التقي في بلاد البحر الأبيض المتوسط في هذه الأيام يلجأ إلى مريم أكثر مما يلجأ إلى الأب أو الإبن، وإن الصلاة المحببة التي يرددها أكثر من سائر الصلواة هي الصلاة التي لا يوجهها إلى العذراء بل إلى الأم التي بورك فيها بمن ولدته من بطنها.

ولم تكن قوة الأديان الجديدة مقصورة على أنها أعمق أثراً في قلوب الناس بل كان من أسباب قوتها فوق ذلك أنها أعظم أثراً في خيال الناس وحواسهم لما فيها من مواكب، وترانيم، تتنقل من الحزن إلى السرور، وما تحتويه من طقوس ذات رموز تنطبع في الخيال وتبعث الشجاعة من جديد في النفوس التي أثقلتها الحياة الرتيبة المملّة. ولم تكن مناصب الكهانة الجديدة يملؤها ساسة يرتدون الثياب الكهنوتية من حين إلى حين، بل كان يشغلها رجال ونساء من كافة الطبقات، يتدرّجون فيها من المبتدئ المتقشّف الزاهد إلى الخادم الديني الذي لا ينقطع عن مواساة الناس. وكان في مقدور الروح التي تدرك ما ارتكبته من ذنوب أن تتطهّر منها، وكان يستطاع في الأحيان شفاء الجسم الذي أنهكته العلة، بكلمة أو طقس موج؛ وكانت المراسم السرية الخفية التي يمارسونها ترمز إلى ما يتردد في صدور الناس من رجاء في أن يتغلّبوا على كل شيء حتى الموت نفسه.

لقد سما الناس في وقت من الأوقات بما كانوا يتوقعون له من عظمة وخلود، فجعلوهما مرتبطين بمجد الأسرة والقبيلة والإبقاء عليهما، ثم انتقلوا بهما إلى مجد الدولة التي كانت من صنعهم والتي هي نفوسهم مجتمعة. أما في الوقت الذي نتحدث فكانت الحدود الفاصلة بين القبائل تذوب في حركة السلم الجديد، ولم تكن الدولة الإمبراطوريّة تعبر إلا عن الطبقات العليا السائدة، ولم تكن تمثل جماهير الشعب التي لا حول لها ولا طول. وكان على رأس الدولة ملكية مطلقة تحول بين المواطن وبين اندماجه فيها واشتراكه في أعمالها، وكانت تخلق بعملها هذا الفردية في أسفلها وتشيعها بين الدهماء من السكان، وكان ما في الأديان الشرقية وما في المسيحية، التي أخذت منها خلاصتها ثم امتصتها وقضت عليها من وعد بالخلود الشخصي، وبالسعادة الدائمة بعد حياة المذلّة، والفاقة، والمحن، والكدح، كان هذا كله إغراء لا تستطيع الدهماء مقاومته، ولاح أن العالم كله أخذ يأتمر ليمهّد السبيل إلى المسيح.