قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 3 ب 17

من معرفة المصادر

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> رومة الأببيقورية -> الشعب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب السابع عشر: رومة الأبيقورية 30 ق.م.-96 م

الفصل الأول: الشعب

والآن فلندخل تلك المساكن، والهياكل، ودور التمثيل، والحمامات لنرى كيف كان يعيش الرومان، وسنراهم حين ندخلها ممتعين أكثر من فنونهم. وعلينا أن نذكر من بادئ الأمر أن أولئك القوم قد صاروا قبل عهد نيرون رومان من الوجهة الجغرافية فحسب، ذلك أن الظروف التي عجز أغسطس عن التغلب عليها، وهي ما سرى بين الأسر القديمة من عادات الامتناع عن الزواج، وعن التناسل، ومن قتل الأطفال، وتحرير الأرقاء، وما كانت تتصف به الأسر الجديدة من خصوبة نسبية، كل هذا قد غير أحوال الشعب الروماني من الناحية العنصرية، والأخلاقية، والجسمية.

لقد كان الرومان في العهد القديم تدفعهم الغريزة الجنسية إلى كثرة النسل، كما كانت تدفعهم إليها رغبتهم في أن يكون لهم من بعدهم من يعني بقبورهم؛ أما في الوقت الذي نتحدث عنه، فقد عرفت طبقاتهم العليا والوسطى كيف تفصل الغريزة الجنسية عن الأبوة، فتشبع الأولى دون أن يؤدي ذلك الإشباع إلى الثانية، كما أصبحت هذه الطبقات ترتاب في عقيدة الدار الآخرة.

وكانت تربية الأبناء في الزمن الأول واجباً على الآباء للدولة يحتمه عليه الشرف ويلزمهم به الرأي العام؛ أما الآن فقد بدا من أسخف الأشياء أن يطلب إلى الآباء أن يزيدوا عدد سكان المدينة التي ضاقت بمن فيها؛ وكان المنافقون المداهنون لا ينفكون يتملقون العُزّاب ومن لا أبناء لهم من المتزوجين يطلبون إليهم أن يوصوا لهم بأموالهم بعد وفاتهم. وقد وصف جوفنال هذه الحال بقوله: إن أكثر ما يحبب فيك أصدقاءك أن تكون لك زوج عقيم(1)". وقد ورد على لسان شخصية من شخصيات بترونيوس: "ليس في أقرطونا إلا طبقتان من السكان-متملقون ومتملقون، والجريمة الوحيدة فيها أن تلد أبناء يرثون مالك من بعدك. فهي أشبه بميدان قتال في فترة راحة: ليس فيه إلا جيف وطيور جارحة تلتهمها(2)". وفقدت أم ولدها الوحيد فعزاها سنسكا بقوله إنها ستصبح محببة عند الناس مكرمة لأن "الثكل عندنا يزيد سلطان الثكلى أكثر مما ينقصه"(3) وكان في أسرة جراكس اثنا عشر طفلاً، ولكننا لا نعتقد أنه كان بين طبقتي الأشراف والفرسان في رومة على عهد نيرون خمس أسر من هذا النوع. وكان الزواج في العهد القديم رباطاً اقتصادياً يدوم مدى الحياة، أما الآن فقد أصبح في نظر مائة ألف روماني مغامرة قصيرة الأجل، خالية من كل معنى روحي، وعقداً ضعيفاً يسهل التحلل منه غايته الحصول على اللذة الجسمية أو السلطة السياسية. ولكي تلفت النساء من القيود المفروضة على العُزّاب في الوصايا والهبات كان بعضهن يتزوجن بالخصيان حتى لا يحملهن(4)، ومنهن من كن يعتقدن زيجات صورية على رجال فقراء مشترطات ألاّ يطلب إليهن أن يحملهن، وأن يكون لهن من العشاق بقدر ما يرغبن(5). وكانت موانع الحمل بنوعيها الآلي والكيميائي واسعة الانتشار(6) فإذا لم تفلح أسعفهن الإجهاض بأشكاله الكثيرة. نعم إن الفلاسفة والمشترعين كانوا يحرمونه، ولكن أرقى الأسر كانت تلجأ إليه. وفي ذلك يقول جوفنال: "إن الفقيرات من النساء يقاسين آلام الوضع ومتاعب تربية الأبناء، أما الفرش المذهبة فقلّما تضم امرأة حاملاً؛ ألا ما أشد حذق المجهضين وما أقوى العقاقير المجهضة!" ولكنه مع هذا يقول للزوج "أعطها الدواء وأنت مغتبط، فإنك قد تجد نفسك، إن ولدت، أباً لطفل حبشي"(7). وأما قتل الأطفال فقد كان نادراً في هذا المجتمع المستنير.

على أن قلة نسل الطبقات المثرية في رومة والإمبراطورية الرومانية كان يقابله من الناحية الأخرى كثرة الهجرة وخصب الطبقات الفقيرة، ولذلك ظل سكان رومة والإمبراطورية في ازدياد مستمر. وقد قدر بلوك Belcok سكان رومة في عهد الإمبراطورية الأول بثمانمائة ألف، وقدرهم جين بمليون ومائتي ألف، وقدرهم ماركوارت Marquardt بمليون وستمائة ألف. وقدر بلوك سكان الإمبراطورية بأربعة وخمسين مليوناً، كما قدرهم جبن بمائة وعشرين مليوناً(11). وظل عدد الأشراف كما كان من قبل، ولكنهم كانوا كلهم تقريباً يختلفون في أصولهم عن الأشراف القدامى؛ فلم نعد نسمع عن أسر إيمليوس، وكلوديوس، وفابيوس، وفليريوس؛ ولم يبق من العشائر القديمة التي ظلت من عهد قيصر تفخر بأصولها وتختال في رومة إلا أسرة كرنليوس. فمن هذه الأسر من حصدته الحروب أو الاغتيالات السياسية، ومنها من قضت عليه قيود الزواج وتحديد النسل، والعجز الجنسي، ومنها من افتقر حتى أصبح في عداد الطبقات الدنيا. وحل محل هذه الأسر في رومة رجال الأعمال الرومان، وأعيان البلدان الإيطالية، وأشراف الولايات النائية. وقد قال عضو في مجلس الشيوخ عام 56 م. إن "الكثرة الغالبة من الفرسان، والعدد الكبير من أعضاء مجلس الشيوخ، من نسل الأرقاء"(12). ولم يمض على هؤلاء الأعيان الجدد إلا جيل أو جيلان حتى تخلقوا بأخلاق من سبقوهم، فقلّ نسلهم، وزاد ترفهم، واستسلموا لتيار المهاجرين من الشرق.

وكان أول القادمين هم اليونان- ولم تكن كثرتهم من بلاد اليونان الأصلية، بل كانت من شمال أفريقية، ومصر، وسوريا، وآسية الصغرى، وكانوا على جانب كبير من الحماسة، والنشاط، ولين العريكة، أشبه بأهل الشرق؛ وكانت كثرتهم من صغار التجار أو المستوردين؛ وكان بعضهم علماء، وكُتّاباً، ومعلمين، وفنانين، وأطباء، وموسيقيين، وممثلين؛ وكان بعضهم يشتغلون بالفلسفة حباً في دراستها أو طعماً فيما يعود عليهم من المال من هذه الدراسة؛ وكانت كثرتهم من الموظفين الإداريين ورجال المال القادرين، وكان الكثيرون منهم لا يرعون عهداً ولا ذمة، وكلهم تقريباً لا يؤمنون بدين. وقد أتى معظمهم في الأصل أرقاء، ولم يكونوا ممتازين في شيء، وحافظوا بعد تحررهم على مظاهر الذلة والخنوع وعلى ما كانوا يبطنونه من حقد على أغنياء الرومان، الذين أصبحوا من الناحية الذهنية كلاً على التراث الثقافي لليونان الأقدمين، واستهزاءً بهم. وغصت شوارع العاصمة باليونان الثرثارين الكثيري الجلبة والحركة، وكان السائر فيها يسمع اللغة اليونانية أكثر مما يسمع اللغة اللاتينية، وكان على الكاتب إذا أراد أن تقرأ جميع طبقات الأمة كتابته أن يكتبها باليونانية. وكان المسيحيون الأولون في رومة كلهم تقريباً يتكلمون اللغة اليونانية، وكذلك كان السوريون والمصريون، واليهود. وكانت جالية كبيرة من المصريين- تضم تُجّاراً وصُنّاعاً وفنانين- تعيش في ميدان المريخ. أما السوريون، النحاف الأجسام، الوادعون الظرفاء، الماكرون الدهاة، فكان الإنسان يلتقي بهم في كل مكان من العاصمة يشتغلون بالتجارة، والصناعات اليدوية، والأعمال الكتابية، والشئون المالية، والاحتيال على الناس.

وأصبح اليهود من عهد قيصر عنصراً قوياً من عناصر السكان في العاصمة وقد وفد منهم إليها عدد قليل من عهد ماض يرجع إلى عام 140 ق. م(13)، وجيء بعدد كبير منهم إلى رومة أسرى حرب بعد حروب بمبي التي شبت في عام 63 ق. م، ولم يلبث هؤلاء أن تحرروا من الرق، لجدهم واقتصادهم، أو لأن استمساكهم الشديد بأوامر دينهم كان يضايق سادتهم. ولم يحل عام 59 ق. م حتى كان عددهم في الجمعية قد ازداد إلى حد جعل شيشرون يصف معارضتهم بأنها مجازفة سياسية غير مأمونة العاقبة(14). ويمكن القول بوجه عام إن الحزب الجمهوري كان معادياً لليهود، وإن الشعب والأباطرة كانوا من أصدقائهم وقبل أن ينصرم القرن الأول كان عددهم في العاصمة قد بلغ 20.000(18)، وكانت كثرتهم تسكن على الضفة الغربية من نهر التيبر، وكانت تعاني الأمرين من جرّاء الفيضان الموسمي لهذا النهر. وكانوا يعملون في أحواض السفن القريبة من مساكنهم، ويشتغلون بالصناعات اليدوية وبتجارة الأشتات في الحوانيت، أو بالتنقل في أحياء المدينة. وكان منهم أغنياء، ولكن لم يكن من بينهم إلا عدد قليل من كبار التُجّار، فقد كان السوريون واليونان هم المسيطرين على التجارة الدولية. وكان لهم في رومة عدد كبير من المعابد، لكل واحد منها مدرسته، وكتبته، ومجلسه المكون من شيوخهم(19)، والمعروف باسم الجروسيا Gerousia. وكانت نزعة اليهود الانفصالية، واحتقارهم بالشرك وعبادة الأوثان، وتزمتهم الخلقي، وامتناعهم عن الذهاب إلى دور التمثيل أو مشاهدة الألعاب، وعاداتهم وطقوسهم الدينية الغربية، وفقرهم وما نتج عنه من قذارة، كان كل هذا سبباً في كراهية العناصر الأخرى لهم، وهي الكراهية المألوفة في تاريخهم الطويل. وقد ندد جوفنال بكثرة تناسلهم، كما ندد تاستس بوحدانيتهم الدينية وأميانس مرسيلس Ammianus Mareellinus بشغفهم بالثوم(20). وزادت البغضاء بينهم وبين غيرهم من الطوائف بعد استيلاء الرومان على بيت المقدس وسط معارك دموية، ومثلت في موكب النصر الذي استقبل به تاستس جماعة كبيرة من الأسرى اليهود والغنائم المقدسة، كما مثلت رموز من هذا النوع على ما أقيم له من أقواس النصر، وأضاف فسبازيان إلى أذاهم السخرية منهم وأمر أن يخصص من ذلك الوقت نصف الشاقل، الذي كان يرسله اليهود المشتتون لصيانة الهيكل، لتعمير رومة. على أن كثيراً من الرومان المتعلمين كانوا يعجبون بعقيدة التوحيد اليهودية، ومنهم من اعتنق هذا الدين، وكان الكثيرون منهم حتى من بين الأسر الغنية يتخذون يوم السبت اليهودي يوم عبادة وراحة.

وإذا ما أضفنا إلى اليونان، السوريين، والمصريين، واليهود، وبعض التوميديين، والنويين، والأحباش الأفريقيين؛ وقليلاً من العرب، والبارثيين والكبدوكيين، والأرمن، والفريجيين، والبثينيين الأفريقيين؛ و "البرابرة" الأقوياء من دلماشيا، وتراقية، وداشيا، وألمانيا، والأشراف ذوي الشوارب من غالة، والشعراء والفلاحين من أسبانيا؛ "والمتوحشين ذوي الوشم من بريطانيا" إذا ما أضفنا هؤلاء كلهم إلى اليونان كانت لنا صورة من الأجناس المختلفة التي تتكون منها رومة الدولية. وقد دهش مارتيال أشد الدهشة من قدرة عاهرات رومة على أن يكيفن لغتهن ومفاتنهن حسب أجناس من يترددون عليهن من هذا الخليط، وحسب أهوائهم(23). وكان جوفنال يقول وهو متألم إن نهر العاصي، أكبر أنهار سوريا يصب في نهر التيبر(24)، ووصف تاستس العاصمة بأنها "بالوعة أقذار العالم"(25). وكانت وجوه الشرقيين، وأساليبهم، وملابسهم، وألفاظهم، وحركاتهم، وإشاراتهم، ومنازعاتهم، وأفكارهم، وعقائدهم، عنصراً كبيراً من حياة المدينة الزاخرة، وما وافى القرن الثالث بعد الميلاد حتى كانت حكومة المدينة ملكية مطلقة كحكومات البلاد الشرقية، وما وافى القرن الرابع حتى كان دين رومة ديناً شرقياً، وحتى خر سادة رومة سجداً لإله الأرقاء. على أن هذا الحشد الخليط لم يخل من عناصر النبل والكرامة، فقد هجر بسخطه على بوبيا عشيقة نيرون في الوقت الذي صمت فيه الشيوخ فلم يجرؤا على النطق بكلمة؛ وهاجم مجلس الشيوخ ليحتج على قتل أرقاء بدونيوس سكندس جملة(26)، ولم تكن الفضائل البسيطة التي يتحلى بها الرجل العادي معدومة في هذا المجتمع؛ فقد كانت حياة الأسرة اليهودية مثلاً يحتذي في الحياة الصالحة؛ وكانت الطائفة المسيحية القليلة العدد تقض بتقواها ورقة حاشيتها مضاجع العالم الوثني المنهمك في ملذاته وشهواته. لكن معظم الوافدين إلى رومة قد فسدت أخلاقهم بلا ريب حين انتزعوا من بيئاتهم، وثقافاتهم، وقوانينهم الأخلاقية التي نشأوا فيها ودرجوا عليها. وقضت أعوام الاستعباد الطوال على ما كانوا يتصفون به من احترام الذات الذي هو عماد الاستقامة والخلق الطيب، وجردهم احتكاكهم في كل يوم بطوائف من الخلائق مختلفي العادات والمشارب من كثير مما بقي لهم من أخلاق كريمة تأصلت في نفوسهم بحكم العرف المألوف والعادة. ولو أن رومة لم تبتلع هذا العدد الكبير من الناس في هذا الوقت القصير، ولو أنها ألحقت هؤلاء الوافدين كلهم بمدارسها بدل أن تلحقهم بأقذر أحيائها، ولو أنها عاملتهم على أنهم رجال ذوو مزايا كامنة في نفوسهم تستطيع الكشف عنها والانتفاع بها، ولو أنها أغلقت أبوابها حيناً بعد حين في وجه الوافدين حتى تستطيع عملية الهضم والتمثيل أن تجاري عملية الهجرة وتلاحقها، لو أنها فعلت هذا لكان في مقدورها في أكبر الظن أن تكسب من هذا الاندماج قوة عنصرية وأدبية جديدة، ولبقيت رومة رومانية، ولظلت حصن الغرب الحصين الناطقة بمبادئه والمعبرة عن آرائه. أما وهي لم تفعل هذا فقد كان ذلك الواجب شاقاً عليها لا تستطيع الاضطلاع به. وقضت على المدينة الظافرة سعة ملكها واختلاف الأجناس الخاضعة لحكمها، ورق دمها الوطني وخف في محيط رعاياها الزاخر، وانحطت طبقاتها المتعلمة إلى ثقافة من كانوا عبيداً لها، لأنهم لكثرتهم كانوا أقوى من سادتهم، فغلبت كثرة هؤلاء على فضائل أولئك ومميزاتهم؛ وأصبح المغلوبون المخصبون سادة في بيوت الأسياد العقيمين المجدبين.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني: التعليم

لسنا نعرف الشيء الكثير عن أطفال الرومان، ولكن في وسعنا أن نحكم، استناداً إلى الفن الروماني وشواهد القبور الرومانية، أن الأطفال كانوا بعد أن يولدوا يصبحون موضع الحب المفرط غير الحكيم. ونرى جوفنال يخرج أحياناً عن غضبه ليكتب قطعة رقيقة تفيض بالعاطفة عن المثل الطيبة التي يجب علينا أن نعرضها على الأطفال، وعن المناظر السيئة والأصوات المنفرة التي يجب أن نبعدهم عنها، وعن مظاهر الاحترام التي يجب أن نتحلى بها أمامهم في جميع الأوقات حتى الأوقات التي نظهر لهم فيها منتهى الحب(27). ويطلب فافورينوس، في مقاله لو أن كتب بعد عهد روسو لكان تقليداً ساخراً له، إلى الأمهات أن يرضعن أولادهن(28). ويضرب سنكا وأفلوطرخس على هذه النغمة نفسها وإن لم يستمع إليهما إلا عدد قليل، فقد كان استخدام المراضع هو القاعدة المتبعة لدى جميع الأسر التي تمكنها مواردها من استخدامهن، ويبدو أن هذه العادة لم تنشأ منها مآس لهذه الأسر.

وكانت التربية الأولى تقوم بها المراضع، وكن في العادة يونانيات. وكن يقصصن عليهم قصصاً خرافية تبدأ عادة بهذه العبارة: "يحكى أن ملكاً وملكة..." وكان التعليم الابتدائي لا يزال من المشروعات الفردية، وكثيراً ما كان الأغنياء يستأجرون المربين لأبنائهم، ولكن كونتليان حذرهم من هذا العمل كما حذر منه إمرسن Emerson لأنه يحرم الطفل صداقة زملائه التي لا غنى له عنها في نشأته، كما يحرمه عامل المنافسة التي تنبه قواه وتنشطها. وكان أبناء الطبقات الحرة وبناتها يدخلون المدرسة الأولية عادة في سن السابعة، يصحب كلاً منهم في غدوه ورواحه "مرشد الطفل" (بداجوج Paedagogue) ليحافظ عليه من الناحيتين الجسمية والخلقية. وانتشرت هذه المدارس في جميع أنحاء الإمبراطورية فلم تخل منها بلدان الريف الصغيرة. وتوحي الكتابة المخرفشة التي كشف على جدران بمبي بأن أهلها لم يكن بينهم أميون، وأكبر الظن أن التعليم كان وقتئذ منتشراً في عالم البحر الأبيض انتشاراً لا يقل عنه في أي وقت سابق لهذا العهد أو لاحق. وكان المرشد (البدجوج) والمعلم (لودي مجستر Ludi Magister) من اليونان الأرقاء أو المحررين. وكان كل تلميذ في أيام هوراس وفي البلدة التي كان يعيش فيها يؤدي للمدرس في كل شهر ثمانية آسات (48slash100 من الريال الأمريكي)(30). وبعد ثلثمائة وخمسين سنة من ذلك الوقت جعل دقلديانوس الحد الأعلى للمدرس في المرحلة الأولية من مراحل التعليم خمسين ديناراً (20 ريالاً أمريكياً) عن كل تلميذ في كل شهر؛ وفي وسعنا أن نحكم من هذا على ارتفاع قدر المدرس أو انخفاض قيمة الآس. فإذا بلغ التلميذ (أو التلميذة) الثانية عشرة من عمره، وكان ناجحاً، أدخل مدرسة ثانوية أو عالية، وكان في رومة مائة وثلاثون مدرسة من هذا النوع. وكان التلاميذ يدرسون فيها قدراً أوفى من النحو، واللغة اليونانية، والآداب اليونانية واللاتينية، والموسيقى، والفلك، والتاريخ، والأساطير، والفلسفة؛ وكانت الطريقة المألوفة في هذه الدراسة هي المحاضرات التي تشرح أقوال الشعراء الأقدمين. ويلوح أن منهج الدراسة حتى هذه المرحلة كان واحداً للذكور والإناث على السواء، ولكن البنات كثيراً ما كن يتلقين فضلاً عن هذا دروساً في الموسيقى والرقص. وإذ كان المدرسون في المدارس الثانوية (جرماتيشي Grammatici) من المحررين اليونان على الدوام، فقد كانوا يوجهون معظم اهتمامهم إلى آداب اليونان وتاريخهم بطبيعة الحال؛ ومن أجل هذا اصطبغت الثقافة الرومانية بالصبغة اليونانية، حتى إذا ما أشرف القرن الثاني الميلادي على نهايته، كانت اللغة اليونانية لغة التعليم العالي كله تقريباً، وضاعت الآداب اللاتينية في غمرة علوم ذلك العصر وثقافته.

أما الدراسات التي تعادل الدراسات في الكليات والجامعات في هذه الأيام فكان مقرها مدارس الخطباء. ولم يكن في الإمبراطورية مكان يخلو من الخطباء الذين يدافعون عما يستأجرونهم في دور القضاء أو يكتبون لهم الخطب، أو يلقون المحاضرات العامة، أو يعلمون التلاميذ فن الخطابة، أو يقومون بهذه الأعمال كلها. وكان الكثيرون منهم ينتقلون من مدينة إلى مدينة، يتحدثون في الأدب، أو الفلسفة أو السياسة، ويعرضون على المستمعين كيف يطرقون أي موضوع بمهارة الخطباء البلغاء. ويحدثنا بلني الأصغر عن إسيوس Isaeus اليوناني وكان وقتئذ في الثالثة والستين من عمره فيقول:

كان يعرض على سامعيه عدة أسئلة للمناقشة ويترك لهم الحرية الكاملة في اختيار أيها يشاءون، بل كان يطلب إليهم أحياناً أن يختاروا له الناحية التي يجب أن يؤيدها، ثم يقوم، ويرتدي ثوبه ويبدأ حديثه... وكان يعرض موضوعه عرضاً لبقاً جميلاً، وكان قصصه واضحاً، ونقاشه متيناً قوياً يشهد بالذكاء والفطنة، ومنطقه قوياً، ولغته بليغة إلى أقصى حدود البلاغة(13).

وكان يسمح لهؤلاء الرجال أن يفتتحوا المدارس، ويستخدموا فيها مساعدين لهم، ويجمعوا عدداً كبيراً من الطلاب. يدخلونها حوالي لسنة السادسة عشرة من العمر، ويدفعون من الأجور ما يصل أحياناً إلى ألفي سسترس عن كل منهج في مادة من مواد الدراسة. وكانت أهم موضوعات الدرس هي الخطابة، والهندسة النظرية، والفلك، والفلسفة-وكانت هذه المادة الأخيرة تشمل الكثير مما يطلق عليه الآن اسم العلوم الطبيعية. ويتكون من هذه المواد ما يعرف "بالتعليم الحر" أي المخصص لأبناء الأغنياء الأحرار (Homoliber)، وهم الذين لم يكونوا في أغلب الظن يقومون بأي عمل جثماني. وقد شكا بترونيوس، كما يشكو كل جيل، من أن التعليم لا يؤهل الشبان لمواجهة ما سوف يعترضهم من المشاكل في مستقبل حياتهم فيقول: "إن المدارس هي الملومة فيما يتصف به شبابنا من سخف وبلاهة، لأنهم لا يستمعون فيها إلى شيء من شئون الحياة اليومية"(32). وكل ما نستطيع أن نقوله نحن عنها كانت تربى في الطالب المجد ملكة التفكير الواضح السريع، الذي امتازت بها مهنة القضاء في جميع العصور، وعلمتهم تلك البلاغة الخلاّبة التي لا تتقيد بالقويم من المبادئ أو الأخلاق، والتي امتاز بها خطباء الرومان. ويبدو أن هذه المدارس لم تكن تمنح خريجيها إجازات علمية؛ وكان في وسع الطالب أن يبقى فيها ما يشاء، وأن يختار من المواد ما يريد؛ من ذلك أن لوس جليوس Aulus Gellius بقى في إحداها حتى بلغ الخامسة والعشرين. وكانت مفتحة الأبواب للنساء حتى المتزوجات منهن. ومن شاء من الطلاب أن يستزيد من التعليم انتقل إلى أثينة لدراسة الفلسفة من منابعها الفياضة، أو إلى الإسكندرية لدراسة الطب، أو إلى رودس لدراسة آخر دقائق علوم البلاغة. وكان شيشرون يدفع عن ابنه في جامعة أثينة ما قيمته أربعة آلاف ريال أمريكي في كل عام.

وكانت مدارس البلاغة حين جلس فسبازيان على العرش قد بلغت من الكثرة وقوة النفوذ درجة رأى معها هذا الإمبراطور الداهية أن من الحكمة أن ينقل كبرياتها إلى العاصمة، وأن يضعها تحت إشراف الحكومة، وذلك بأن يدفع إلى كبار الأساتذة فيها مرتبات من قبل الدولة، بلغ أعلاها مائة ألف سسترس (نحو عشرة آلاف ريال أمريكي) في كل هام. ولسنا نعرف كم عدد الأساتذة الذين خصهم فسبازيان بهذه المرتبات أو عدد المدن التي فاضت عليها أمواله. ولكننا نسمع بالإضافة إلى هذا عن هبات من الأفراد للتعليم العالي، كما فعل بلني الأصغر في كومم Comum(33). وأعطى تراجان رواتب لخمسة آلاف طالب، كان لهم من العقل أكثر مما لهم من المال. فلما جلس هدريان على العرش كانت البلديات هي التي تنفق على المدارس الثانوية في معظم مدائن الإمبراطورية؛ وخصص معاش للمدرسين بعد تقاعدهم. وأعفى هدريان وأنطونيوس كبار الأساتذة في كل مدينة من الضرائب وغيرها من الأعباء العامة. وبلغ التعليم ذروته في الوقت الذي انتشرت فيه الخرافات، وفسدت الأخلاق وذوي غصن الآداب.


الفصل الثالث: الرجال والنساء

كانت الحياة الخلقية خاضعة للرقابة الشديدة عند البنات وللإشراف مع الرفق عند الشبان. وكان الرومان، كما كان اليونان، يتقاضون عن اتصال الرجال بالعاهرات. وكانت هذه المهنة ينظمها القانون ويخضعها لإشرافه، فكان يحتم ألا توجد المواخير إلا في خارج المدن، وألاّ تفتح إلا ليلاً، وكان يناط بالإيديل تسجيل أسماء العاهرات، ويحتم عليهن أن يلبسن الطوغة Toga بدل الاستولا Stola . وكان بعض النساء يسجلن أسماءهن في سجل العاهرات ليتخلصن من ضروب العقاب التي يفرضها القانون على الزانيات. وكانت الأجور تحدد بحيث لا ترهق أي طبقة من الطبقات. فقد وصلت إلينا أنباء عن "نساء يؤجرن بربع آس". ثم نشأت طائفة مطردة الزيادة من السراري المثقفات اللائي يسعين لكسب الأنصار بإنشاد الشعر، والغناء، والموسيقى، والرقص، والحديث المثقف. ولم يكن الإنسان في حاجة إلى الخروج من أسوار المدينة للبحث عن هاته النسوة أو عن غيرهن من السيدات الطيعات؛ ويؤكد لنا أوفد لنا أن من السهل أن يلقاهن تحت الأروقة ذات العمد، وفي حلبات المصارعة، وفي دور التمثيل، وأنهن "لم يكن أقل عدداً من نجوم السماء"(34). وقد التقى جوفنال بهن بجوار المعابد وخاصة معبد إيزيس الآلهة الرؤوفة بالعاشقين(35). ويتهم المؤرخون المسيحيون الرومان بأن الدعارة كانت تمارس داخل الهياكل الرومانية وبين مذابحها(36).

وكان في البلاد أيضاً رجال مخنثون. وكان اللواط محرماً بحكم القانون ولكنه كان مباحاً بحكم العادة، واسع الانتشار لا يرى فيه مسبة ولا عار. انظر إلى قول هوراس: "لقد أصاب قلبي سهم الحب"، فهل يعرف القارئ من الذي رمى الشاعر بهذا السهم؟ إنه "ليسيكوس الذي لا تضارعه أية امرأة في رقته"؛ ولا شيء يشفي الشاعر من هذه العاطفة القوية "إلا شعلة أخرى من نار الحب تشعلها بين جوانحه فتاة جميلة أو يشعلها فتى آخر نحيل"(37). وتدور خير نكات مارتيال الشعرية حول اللواط. ومن قصائد جوفنال في الهجو قصيدة لا يليق نشرها تردد شكوى إحدى النساء من هذه المنافسة المرذولة منافسة الغلمان للنساء(38). وكان الغزل الشعري في الذكور والإناث على اختلاف قيمته واسع الانتشار بين الشباب والفتيان الذين لم تنضج أجسامهم بعد.

وكان ثمة صراع شديد بين الزواج وبين هذه المنافذ الجنسية المنافسة له، وكان يجد له أنصاراً من الذين يتوقون لأن يكون لهم أبناء، ومن سماسرة الزواج، وبفضل هذا العون كان في وسع كل فتاة تقريباً أن تجد لها زوجاً مؤقتاً على الأقل. وكانت النساء غير المتزوجات اللاتي يجاوزن التاسعة عشرة من العمر يعتبرن عوانس ولكن عددهن كان قليلاً. وقلّما كان الخطيب يرى خطيبته قبل الزواج، ولم تكن هناك مغازلة وتحبب، وليس في لغة الرومان لفظ للتعبير عن هذا المعنى. وقد شكا سنكا من أن كل شيء يجرب قبل الشراء عدا الزواج فإن العريس لا يجرب عروسه(39). ولم تكن الرابطة العاطفية قبل الزواج مألوفة، وكان الشعر الغزلي يخاطب به النساء المتزوجات أو النساء اللائي لا يفكر الشاعر قط في أن يتزوج بهن. وكانت مداعبة النساء تأتي بعد الزواج، كما كان يحدث في الظروف المشابهة لظروف الرومان في فرنسا في العصر الوسيط وفي هذه الأيام. وكان سنكا الأكبر يعتقد أن الزنى منتشر بين نساء الرومان في أوسع نطاق(40)، وكان ابنه الفيلسوف يظن المرأة المتزوجة التي تقنع بعاشقين تعد آية في الإخلاص لزوجها(41). ويقول أوفد الساخر: "ليس ثمة نساء طاهرات إلا اللاتي لم يطلبهن أحد، وإن الرجل الذي يغضب من صلات زوجته الغرامية رجل جلف"(42). قد لا تكون هذه إلا أساليب أدبية مما يلجأ إليها الكُتّاب، ولعل أصدق منها تلك القبرية التي كتبها كونتس فسبلو Quintus Vespillo على قبر زوجته: "قلّما يدوم زواج حتى الموت من غير طلاق، ولكن زواجنا ظل زواجاً سعيداً إحدى وأربعين سنة"(43). ويحدثنا جوفنال عم امرأة تزوجت ثماني مرات في خمس سنين(44)؛ وسبب ذلك أن الرابطة بين الزوجين لم تكن في بعض الأحيان هي الحب بل كانت المال أو السياسة، ومن أجل ذلك كانت بعض النساء يرين أنهن قد أدين واجبهن كاملاً إذا ما أسلمنا بائذتهن إلى أزواجهن وأجسامهن إلى عشاقهن. ويقول جوفنال على لسان زانية تخاطب زوجها الذي فاجأها على غير انتظار: "ألم نتفق على أن يفعل كل منا ما يحلو له؟"(45). وكان للمرأة في ذلك العهد مثل ما لها الآن من "الحرية" الكاملة إذا ما استثنينا من ذلك الحقوق السياسية الشكلية وحرفية القوانين الميتة. لقد كان التشريع يبقي المرأة خاضعة أسيرة، ولكن العادة جعلتها حرة طليقة.

وكان معنى هذا التحرر في بعض الأحيان أن تقوم بنصيبها من العمل كما هي الحال في هذه الأيام؛ فمنهن من كن يعلمن في الحوانيت أو المصانع وخاصة في الحرف المتصلة بالنسيج، ومنهن من أصبحن محاميات أو طبيبات(46)، وأصبح لبعضهن سلطان سياسي قوي؛ وكانت زوجات حُكّام الأقاليم يستعرضن الجند ويخطبنهم(47). وكانت العذارى الفستية يتوسطن لأصدقائهن في الحصول على المناصب السياسية، وكانت نساء بمبي ينقشن على الجدران أسماء من يفضلن من الرجال لتولي هذه المناصب. وكان المحافظون يبدون الألم والشماتة حين ظهر لهم أن قد وقع ما حذرهم منه كاتو حين قال إن النساء إذا ما تساوين بالرجال سيحولن هذه المساواة إلى سيادة لهن. وقد ارتاع جوفنال رأى من النساء ممثلات، ورياضيات، ومصارعات وشاعرات(48)، ويصفهن مارتيال بأنهن يصارعن الوحوش، ومنها السباع في المجتلد(49). ويحدثنا استاتيوس عن نساء قتلن في هذه المصارعات(50). وكانت النساء ينتقلن في الشوارع محمولات في الهوادج: "يعرضن أنفسهن من كل ناحية للناظرين"(51). وكن يتحدثن إلى الرجال في الأروقة، والمتنزهات والحدائق، وساحات المعابد؛ ويرافقنهم إلى المآدب العامة والخاصة، وإلى المدرجات، ودور التمثيل، حيث "تكون أكتافهن العارية" كما يقول أوفد "من المناظر التي تسر العين وتبعث على التفكير"(52). والحق أن المجتمع الروماني في ذلك العهد كان مجتمعاً مرحاً، متعدد الألوان، مختلط الصلات الجنسية، لو شهده اليونان في عصر بركليز لتولتهم منه الدهشة. وكانت نساء الطبقات الراقية في فصل الربيع يملأن القوارب، والشواطئ، والبيوت الريفية ذات الحدائق في بايي Baiae وغيرها من المصايف تعج بضحكهن، ويعرضن فيها جمالهن، ومغامرات عشقهن، ودسائسهن السياسية. وكان الطاعنون في السن من الرجال ينددون بهذه الفعال وهم يتمنون أن لو استطاعوا الاستمتاع بها.

وكانت النساء الطائشات أو الفاسدات يؤلفن وقتئذ كما يؤلفن الآن أقلية ظاهرة تقع عليها العين في كل مكان. وكان ثمة عدد يماثلهن- وإن لم يكن على الدوام ظاهرات مثلهن- من النساء اللائي يعشقن الفن أو الدين أو الأدب. فقد كان الرومان يرون أن شعر سابيشيا Sulpicia جدير بأن يتناقله الناس كشعر تيبلس Tibullus سواء بسواء. وكان شعرها غرامياً متطرفاً في الغرام، ولكنه كان موجهاً إلى زوجها ولهذا لا تكاد ترى فيه ما يبعده عن الفضيلة(53). وكانت ثيوفيلا Theophila صديقة مارتيال فيلسوفة، متمكنة من مبادئ الرواقيين والأبيقوريين، وكانت بعض النساء يشغلن وقتهن في الأعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية، ومنهن من أنشأن في مدنهن المعابد، ودور التمثيل، والأروقة ذات العمد، وكن يناصرن جماعات الكهنة. وفي نقش عند لنورفيوم Lanurvium حديت "عن جمعية النساء" (Curia Mulierum). وكان في رومة ناد للسيدات، ولا يبعد أن إيطاليا كان بها اتحاد أهلي لنوادي النساء. ومهما يكن من أمر هذه النوادي والمجتمعات فإننا بعد أن نقرأ ما كتبه عنها مارتيال وجوفنال لا نكاد نصدق أنه كان في رومة هذا العدد الكبير من فضليات النساء. كان فيها أكتافيا التي ظلت وفيه لأنطونيوس رغم خياناته الكثيرة لها، تربى أبناءه من زوجات أخرى؛ وكان فيها أنطونيا ابنتها المحبوبة وأرملة دروسس الطاهرة وأم جرمانكوس الكاملة؛ وملونيا Mallonia التي أنبت تيبيريوس على ملأ من الناس لكثرة آلامه ثم قتلت نفسها، وأريابيتا Arria Paeeta التي طعنت صدرها بالخنجر حين تلقى زوجها كاسينا بيتس Caecina Paetus أمر كلوديوس بأن يقتل نفسه ثم أسلمت هذا الخنجر وهي تحتضر إلى زوجها وهي تؤكد له "أنه لا يؤلم(45)"، وبولينا التي حاولت أن تموت مع سنكا؛ وبولتا التي حاولت أن تموت جوعاً حين أمر نيرون بقتل زوجها، ثم انتحرت مع أبيها، لما أن صدر أمر نيرون بقتله(55). وإبكارس Epicharis المعتوقة التي تحملت كل أنواع العذاب ولم تكشف عن مؤامرة بيزو Piso. وإن تنس لا تنس النساء الكثيرات اللاتي أخفين أزواجهن وحمينهن في عهد القتل والتعذيب والتشريد، واللاتي رافقنهم في المنفى، أو دافعن عنهم كما دافعت فانيا Fannia عن زوجا هلفديوس Helvidius، وعرضن أنفسهن لأشد الأخطار" إن هؤلاء وحدهن إذا وزن في ميزان مع العاهرات اللاتي ورد ذكرهن في نكات مارتيال وقوارص جوفنال ليرجحن عليهن بلا ريب.

وكان من وراء هؤلاء النسوة اللاتي اشتهرن ببطولتهن كثيرات من النساء المغمورات اللائي لم يذكر التاريخ أمرهن واللائي كان وفاؤهن لأزواجهن وتضحياتهن في سبيل أبنائهن الدعامة القوية التي أبقت على صرح الحياة الرومانية. لقد ظلت الفضائل الرومانية القديمة- فضائل التقي والوقار والبساطة- والإخلاص المتبادل بين الأبناء والآباء، والشعور بالتبعة الصادرة عن تعقل ورزانة، والابتعاد عن الإسراف والتظاهر الكاذب، ظلت هذه الفضائل كلها باقية في البيوت الرومانية. إن الأسر المهذبة الرقيقة السليمة التي يصفها بلني في رسائله لم تبدأ فجأة في عهد نيرفا وتراجان، بل كانت باقية هادئة في أيام الطغاة المستبدين، حافظت على كيانها رغم تجسس الأباطرة، وتسفل الشعب المهين الذليل، وانحطاط الفسقة والأراذل والمومسات. وإنا لنلمح ومضات من ضياء هذه البيوت في القبريات التي يكتبها الأزواج لأزواجهم والأدباء لأبنائهم. وهاك واحدة منها: "هنا تثوي عظام أربليا Urbilia زوجة بريمس Primus. لقد كانت أعز عليّ من حياتي نفسها، لقد قضت نحبها في الثالثة والعشرين من عمرها محبوبة من الجميع. وداعاً يا سلوتي!" وجاء في قبرية أخرى: "إلى زوجتي العزيزة التي عشت معها ثمانية عشر عاماً سعيدة. ولقد لأقسمت من فرط حبي لها ألاّ أتزوج قط غيرها"(56). وفي وسعنا أن نتصور أولئك النساء في بيوتهن-يغزلن الصوف، يعذرن أبناءهن ويعلمنهم، ويرشدن الخدم إلى واجباتهم، ويحسن القيام على مصروفهن القليل، ويشتركن مع أزواجهن في عبادة آلهة البيت التي اعتدن أن يعبدنها من أقدم الأزمان. ولقد كانت رومة رغم ما فيها من فساد، لا بلاد اليونان، هي التي رفعت شأن الأسرة وسمت بها في مدارج الرقي الجديدة في العالم القديم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرابع: الثياب

إذا جاز لنا أن نحكم على الرومان من بضع مئات من التماثيل، قلنا إن رجال الرومان في عهد نيرون كانوا أكثر بدانة، وألين أجساماً، وأرقى ملامح من أمثالهم في عصر الجمهورية الناشئة. لقد كانت سيطرة الرومان سبباً في احتفظ الكثيرين منهم بالصلابة وشدة المراس، يخشاهم الناس أكثر مما يحبونهم؛ ولكن الطعام والخمر والكسل أثرت في أجسام غير هؤلاء فأكسبتهم بدانة لو أنها كانت في أسرة سبيو لجللتها العار. وكانوا لا يزالون يحلقون لحاهم- أو على الأصح كان لهم حلاًقون (Tensores) يحلقون على لحاهم. وكان اليوم الذي يحلق فيه الشاب لحيته أول مرة يوم يحتفل به في حياته. وكثيراً ما كان يهب شعر عارضية الأول إلى إله من الآلهة دليلاً على ورعه وتقواه(57). وقد احتفظ العامة من الرومان بعادتهم التي كانوا عليها في عهد الجمهورية عادة تقصير شعر رؤوسهم، أو إزالته كلها، ولكن عدداً متزايداً من الغنادرة كانوا يقصون شعرهم. وهكذا يمثل لنا ماركس أنطونيوس ودومتيان. وكان كثير من الرجال يتحلون بالشعر المستعار، ومنهم من كانوا ينقشون على قحوف رؤوسهم ما يشبه الشعر(58). وكانت جميع الطبقات في العهد الذي نتحدث عنه تلبس داخل البيوت وخارجها اللفاعة البسيطة Tunic أو الصدرة الواسعة Blouse؛ أما الطوغة (Toga) أو الجبة الرومانية فلم تكن تلبس إلا في المناسبات الرسمية، وكان يلبسها الموالي حين يستقبلهم الشريف الذي يحميهم، والأشراف إذا ذهبوا إلى مجلس الشيوخ أو مشاهدة الألعاب. وكان قيصر يلبس طوغة أرجوانية ويتخذها شعاراً لمنصبه، وقد حذا حذوه في هذا كثيرون من كبار الموظفين، ولكن الطوغة الأرجوانية لم تلبث أن أصبحت امتيازاً خاصاً بالأباطرة. ولم يكونوا يعرفون السراويل (البنطلون) التي تضايقنا في هذه الأيام، ولا الأزرار الخدّاعة التي لا فائدة للكثير منها، ولا السراويل المنتفخة الضيقة عند الركبتين. لكن الرجال بدءوا في القرن الثاني يلفون أرجلهم باللفافات العريضة Fasciae، أما الأحذية فكانت تختلف من الخف البسيط- وهو نعل من الجلد أو الفلين مشدود بشريط من الجلد بين الإصبع الكبرى والتي تليها كما يفعل أهل نيبون Nippon- إلى الحذاء الكامل المصنوع كله من الجلد أو الجلد والقماش. وكانوا ينتعلونه عادة مع الطوغة في المناسبات التي تتطلب ارتداء الثياب الكاملة.

أما النساء الرومانيات في عهد الإمبراطورية الأول، كما نشاهدن في المظلمات وفي التماثيل وعلى النقود، فقد كن ذوات شبه قريب بنساء الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن العشرين إذا استثنينا من هذا التعميم أنهن كلهن تقريباً كن ذوات بشرة سمراء. وكانت أجسامهن متوسطات في النحافة، وكانت أثوابهن تخلع عليهن قواماً رشيقاً فاتناً، وكن يدركن قيمة ضياء الشمس، والرياضة، والهواء الطلق، وما لها من أثر في صحة الجسم واعتدال القوام، وكان منهن من يمارسن الألعاب الرياضية بالأثقال، ومنهن من لا ينقطعن عن السباحة، ومن يعشن على نظام خاص من الطعام. وكان بعضهن يربطن صدورهن بالمشدات(59). وكانت النساء في العادة يمشطن شعرهن ويعقدنه خلف العنق، وكن في الغالب يغطينه بالشباك، ويربطنه بشريط فوق الرأس. وتطلبت الأزياء المستحدثة بعدئذ تنظيماً جديداً للشعر أرقى من هذا التنظيم القديم، فكان يرفع أحياناً فوق أسلاك معدنية، وتضاف إليه غدائر مستعارة شقراء اللون مأخوذة من شعر الفتيات الألمانيات(60). وكانت المرأة المتطرفة على الطراز الحديث تستخدم عدداً من الجواري ساعات طوالاً في تدريم أظافرها وتصفيف شعرها(61).

وكانت أدهان الوجه والشعر كثيرة كثرتها في هذه الأيام. ويقول جوفنال إن "التجميل" كان من أهم فنون ذلك العصر، وقد كتب فيه الأطباء، والملكات، والشعراء، مجلدات(62). وكان صوان السيدة الرومانية مستودعاً غاصاً بالأدوات- من ملاقط، ومقصات، وأمواس، ومبارد، وفراجين، وأمشاط، ومكاشط، وشباك للشعر، وضفائر مستعارة- وأباريق أو قناني للعطور، والأدهان والزيوت والمعاجين، وحجارة الخفاف، والصابون. وكانت الجموش تستخدم لإزالة الشعر، والمراهم المعطرة لتمويجه أو تثبيته. وكانت كثيرات من النساء تضع على أوجههن في الليل غماء من العجين ولبن الأتان وهو مزيج اصطنعته بوبيا Poppea لأنها وجدت فيه عوناً لها على إخفاء عيوب وجهها. ومن أجل هذا كانت الأتانات تصحبها أينما سافرت، وكانت أحياناً تصطحب قطيعاً كاملاً منهن وتستحم بلبنهن(63). وكانت النساء يطلين وجوههن بالمساحيق والمعاجين البيضاء أو الحمراء، ويصبغن حواجبهن ورموشهن، أو يطلينها باللون الأسود؛ وكانت الأوعية الدموية في الصدغين ترسم فوقها أحياناً خطوط دقيقة زرقاء(64). وكان مما يشكو منه جوفنال أن المرأة الغنية "تكثر من مراهم بوبيا التي تلتصق بشفتي زوجها المنكود الحظ"، الذي لا يرى وجهها قط. وكان أوفد يرى هذه الفنون كلها خداعاً في خداع، وينصح السيدات أن يخفينها كلها عن عشاقهن عدا تمشيط شعرهن الذي يسبي عقله(66). وأضيفت الثياب الكتانية الرفيعة في ذلك العهد إلى أثواب النساء البسيطة التي كن يلبسنها قبل حروب هنيبال. وكانت خمرهن تسدل فوق أكتافهن، والبراقع تخفي الوجوه فتزيدهن إغراء وفتنة. وكانت الثريات من النساء يلبسن في الشتاء أثواباً من الفراء تزيدهن جمالاً على جمالهن. أما الحرير فكان واسع الانتشار يلبسه الرجال والنساء على السواء. وكان هو والتيل يصبغ بالأصباغ الغالية، وكثيراً ما كان الثري الروماني يدفع ألف دينار ثمناً لرطل من صوف صور المزدوج الصباغة(67). وكان التطريز بخيوط الذهب والفضة يستخدم لتزيين الثياب، والسجف، والطنافس، وأغطية، الفرش. وكانت أحذية النساء تصنع من الجلد اللين الرقيق أو القماش، وتفصل أحياناً تفصيلاً جميلاً، وكانت مفتوحة من أعلاها، تزركشن أحياناً بالذهب وتحلى بالجواهر(68)، وتضاف إليها الكعوب العالية أحياناً لتعوضهن ما حرمتهن منه الطبيعة.

وكانت الجواهر عنصراً هاماً في جهاز النساء، فكانت الخواتم، والأقراط وعقود العنق والصدر، والتمائم، والأساور، والمشابك، من مستلزمات الحياة. وقد ارتدت لوليا بولينا Lollia Poulina يوماً ما ثوباً مغطى من رأسها إلى قدمها بالزمرد واللؤلؤ، وكانت تحتفظ معها بالإيصالات الدالة على أن هذه الجواهر قد كلفتها أربعين مليون سسترس(69). ويصف بلني أكثر من مائة نوع مختلفة من الحجارة الكريمة المعروفة في رومة. وكان تقليد هذه الجواهر تقليداً محكماً صناعة رائجة يشتغل بها عدد كبير من الصناع. وكان "الزمرد" الروماني المصنوع من الزجاج أرقى كثيراً من مثيله في هذه الأيام، وقد ظل بائعو الجواهر يبيعونه على أنه زمرد حقيقي حتى القرن التاسع عشر بعد الميلاد(70). وكان الرجال والنساء على السواء مولعين باقتناء الحجارة الكبيرة التي تستلفت النظر؛ وقد وضع أحد أعضاء مجلس الشيوخ في خاتم له "عين هر" في حجم البندقة، ولما سمع بذلك أنطونيوس، أمر بأن يدون اسمه في سجل المحكوم عليهم بالنفي؛ ولكن الشيخ فر وفي إصبعه مليونا سسترس. وما من شك في أن الجواهر كانت في ذلك الوقت- كما كانت في كثير من الأحيان- وقاية من التضخم المالي أو الثورة. وكانت الصحافة الفضية وقتئذ مألوفة عند جميع الطبقات إلا أفقرها. وقد أصدر تيبيريوس وغيره من الأباطرة الذين جاءوا بعد عدة مراسيم تحرم الترف، ولكنه لم يكن في وسعه إرغام الناس على طاعتها، وسرعان ما أغفل أمرها. وخضع تيبيريوس للأمر الواقع وأقر بأن تبذير الأشراف والحديثي النعمة يحول بين الصناع في رومة والشرق وبين التعطل، ويساعد على تسرب خراج الأقاليم من العاصمة. ويقول "كيف تستطيع رومة، وكيف تستطيع الولايات، أن تعيش بغير الترف؟".

ولم تكن ثياب النساء والرجال في رومة أكثر ترفاً من ثياب نساء هذه الأيام، أو أكثر فخامة أو غلى ثمناً من ثياب الأشراف في العصور الوسطى. ولم تكن الأزياء تتبدل في رومة بالسرعة التي تتبدل بها في المدن الحديثة، بل كان الثوب الحسن يبقى مدى الحياة في بعض الأحيان دون أن يصبح زياً عتيقاً. ولكننا إذا وازنّا بين حياة الطبقات العليا في رومة وبينها في عصر الجمهورية قبل أن يأتي بمبي لوكلس بغنائم الشرق وملذاته، حكمنا بأن رومة أضحت في العصر الذي نتحدث عنه جنة ينعم بها المترفون بأفخر الثياب وأشهى الطعام المختلف الأنواع، وأجمل الأثاث، وأفخم البيوت. ولما أن جرد الأشراف مما كان لهم من زعامة سياسية، وكادوا يحرمون كل سلطان سياسي، وانسحبوا من الجمعيات السياسية إلى قصورهم، ولم يكن عليهم من أنفسهم وازع من الأخلاق اللهم إلا وازع الفلسفة، أطلقوا العنان لشهواتهم وأخذوا يسعون لاغتراف اللذة والتنعم بفن الحياة.


الفصل الخامس: يوم في حياة روماني

لقد سار الترف في المنزل أسرع من سير الترف في الملابس، وحسبنا أن نذكر من بين مظاهر الترف التي كانت تزدان بها القصور في عصر نيرون أرضها المصنوعة من الرخام والفسيفساء، وأعمدتها المقامة من الرخام والمرمر والجزع المختلف الألوان، وجدرانها المزدانة بالصور الزاهية أو المطعمة بالحجارة الغالية الثمن، وسقفها المصفحة بالذهب(71) أو المغطاة بألواح الزجاج السميك(72)، ونضدها المصنوعة من خشب الليمون وأرجلها من العاج، وآرائها المنقوشة بأصداف السلاحف أو العاج أو الفضة أو الذهب، والاستبرق الإسكندري أو الأغطية البابلية التي كان يدفع فيها الأثرياء العاديون ثمانمائة ألف سسترس ويدفع فيها نيرون أربعة ملايين(73)، والأسرة البرونزية ذات الكلال، والثرييات من البرونز أو الرخام أو الزجاج، والتماثيل، والصور الملونة، والتحف الفنية، والمزهريات المصنوعة من البرونز الكورنثي أو الزجاج المرهيني؛ حسبنا أن نذكر هذه ليتبين القارئ ما كان ينعم به الأثرياء في ذلك العهد.

لقد كانت القصور أشبه الأشياء بالمتاحف، وكان لا بد من استيراد العبيد ليحرس بعضهم هذه الثروة الطائلة، ويحرس البعض الآخر هؤلاء الحراس؛ وكان في بعض البيوت أربعمائة من هؤلاء العبيد، يخدمون صاحب البيت وأسرته، أو يشرفون على بيته، أو يشتغلون ببعض الصناعات المنزلية؛ وكانت حياة الرجل حتى في أخص خصائصها يطلع عليها هؤلاء العبيد. لقد كان يأكل والأتباع عن يمينه وشماله، ويخلع ملابسه وعند كل حذاء من حذاءيه عبد، ويضطجع ليستريح وعند كل باب من أبوابه خادم. لم تكن هذه هي الجنة بل كانت هي الشقاء كل الشقاء؛ وكأنما أراد الثري الروماني العظيم أن يزيد حياته شقاء على شقائها، فكان يبدأ يومه حوالي الساعة السابعة باستقبال "مواليه" والمتطفلين عليه يعرض عليهم خدمه ليقبلوهما، ثم يفطر بعد ساعتين أو نحوهما من ذلك الوقت، ويستقبل من يزورونه من أصدقائه أو يرد لهم الزيارات. وكانت آداب اللياقة تحتم على الرجل أن يرد الزيارة لكل صديق يزوره، ويساعده في قضاياه وفي قضايا مطالبه، ويشهد الاحتفال بخطبة ابنته وبلوغ ابنه سن الرشد، وقراءة قصائده والتوقيع على وصيته. وكان يؤدي وغيرها من الواجبات الاجتماعية بأدب ومجاملة لا يفوقهما أدب أو مجاملة في أية حضارة من الحضارات. ثم يذهب الرجل العظيم إلى مجلس الشيوخ، أو يعمل في إحدى اللجان الحكومية، أو يشرف على شئونه الخاصة. أما حياة الرجل صاحب الثروة المتواضعة فكانت أبسط من هذه الحياة السابق وصفها، ولكنها لم تكن أقل منها مشقة، فكان إذا انتهى من زيارات الصباح الاجتماعية عني بأعماله الخاصة حتى منتصف النهار. وكان عامة الناس يبادرون بالذهاب إلى أعمالهم من مطلع الشمس، ذلك أن الروماني العادي كان ينتفع بيومه على أكمل وجه لأنه لم يكن يشترك في الحياة الاجتماعية في أثناء الليل. وكان يتناول وقت الظهيرة غذاء خفيفاً، ويتناول وجبة كاملة في الساعة الثالثة أو الرابعة، وتتأخر هذه الوجبة كلما كان الرجل أرقى منزلة. وكان الفلاح أو العامل الأجير بعد أن يتغدى ويغفو قليلاً يعود إلى عمله إلى قرب الغروب، أما غير الفلاّح والأجير فكانوا يخرجون إلى التنزه في الخلاء أو في الحمامات العامة. وكان الرومان في عهد الإمبراطورية يرون الاستحمام أوجب عليهم من عبادة الآلهة، وكانوا كاليابانيين يطيقون الروائح العامة أكثر مما يطيقون رائحتهم الخاصة، ولم يكن يضارعهم شعب آخر في نظافة الجسم غير المصريين. وكانوا يحملون معهم مناديل (Sudaria) ليمسحوا بها عرقهم(74)، ويصطنعون الفرجون لتنظيف أسنانهم بالمساحيق والمعاجين. وكانوا في عهد الجمهورية الأول يكتفون بالاستحمام مرة كل ثمانية أيام، أما في الوقت الذي نتحدث عنه فكان الروماني يستحم كل يوم وإلا نالته نكتة من نكات مارتيال. ويقول جالينوس إن القرويين أنفسهم كانوا يستحمون كل يوم(75). وكان في معظم البيوت أحواض للإستحمام، أما بيوت الأغنياء فكان فيها حمامات وتوابعها يتلألأ فيها الرخام والزجاج والصنابير وصفائح الفضة المثبتة على الجدران(76). لكن الكثرة الغالبة من أحرار الرومان كانت تعتمد على الحمامات العامة.

وكانت هذه الحمامات في العادة ملكاً للأفراد، وكان عددها في رومة عام 33 ق. م مائة وسبعين حماماً، وفي القرن الرابع بعد الميلاد كان فيها 856 حماماً عدا حمامات السباحة العامة البالغ عددها 1332(77). وكان أهم من هذه وتلك وأكثر اجتذاباً للشعب الحمامات العظيمة التي أقامتها الدولة وعهدت إدارتها إلى ملتزمين، وعبئت فيها مئات من الرقيق. وكانت هذه "الحمامات الحارة" (Thermae) التي شادتها أجربا وشادها من بعدها نيرون، وتيتس، وتراجان، وكركلا، وإسكندر سفيرس، ودقلديانوس، وقسطنطين، منشآت ضخمة فخمة تطبع الدولة بالطابع الاشتراكي. وكان في حمام نيرون 1600 مقعد من الرخام، وكان يتسع لألف وستمائة مستحم في وقت واحد. أما حمامات كركلا ودقلديانوس فكان الواحد منها يتسع لثلاثة آلاف. وكانت مفتحة الأبواب لكل روماني، ولم يكن أجرها يزيد على ما يعادل 3slash200 من الريال الأمريكي(78)، وكانت الحكومة تسد العجز من أموال الدولة؛ ويلوح أن هذا الأجر كان يشمل الزيت وخدمة المستحمين. وكانت الحمامات تفتح من مطلع الفجر إلى الساعة الواحدة بعد الظهر لاستقبال النساء، ومن الساعة الثانية إلى الثامنة لاستقبال الرجال، ولكن معظم الأباطرة كان يبيح للرجال والنساء أن يستحمو معاً. وكانت العادة المألوفة أن يذهب الزائر أولاً إلى حجرة خاصة يبدل فيها ثيابه، ثم ينطلق إلى مكان التمارين العضلية ليلاكم، أو يصارع، أو يستبق، أو يقفز، أو يقذف القرص أو الحربة، أو يلعب الكرة. وكانت ألعاب الكرة على أنواع منها نوع شبيه بلعبة "الكرة الطبية" عندنا، ومنها نوع آخر تتنازع الكرة فيها طائفتان وتعدو بها كل طائفة إلى الأمام بحماسة لا تقل عن حماسة اللاعبين من طلبة الجامعات في هذه الأيام(79). وكان لاعبو الكرة المحترفون يأتون أحياناً إلى الحمامات ليعرضوا ألعابهم على روادها(80). أما كبار السن الذين يكتفون بأن يشاهدوا ألعاب غيرهم فكانوا يذهبون إلى حجرات التدليك حيث يزيل لهم العبيد ما تراكم في أبدانهم من الدهن.

ثم ينتقل المستحم إلى الحمام ذاته، فيدخل أولاً حجرة متوسطة الحرارة يسخنها هواء دفيء، ثم يخرج منها إلى الحجرة الحارة ذات الهواء الحار، فإذا أراد أن يتصبب عرقه أكثر مما تصبب في هاتين الحجرتين انتقل إلى حجرة أخرى فيها بخار شديد الحرارة. ثم يستحم بالماء الساخن ويغسل جسمه بشيء جديد تعلمه من الغاليين- وهو صابون مصنوع من الشحم ورماد خشب الزان والدردار(81) وهذه الحجرات الساخنة كانت أحب الحجرات إلى الشعب، وهي التي سمى اليونان الحمامات باسمها؛ ولعلها كانت هي المحاولة التي بذلها الرومان لتخفيف وطأة داء الرثية وأوجاع المفاصل(82). ويتنقل المستحم بعدئذ من حجرة إلى حجرة كل منها أقل حرارة من سابقتها، حتى يصل إلى الحجرة الباردة فيغتسل فيها بالماء البارد، ويستطيع إذا شاء أن يغطس في حمام السباحة. ثم يدلك بالزيت أو بعض المراهم المصنوعة في العادة من زيت الزيتون. ولم تكن هذه الزيوت والمراهم تغسل عن الجسم، بل كان يكتفي بحكها بمكشط ثم يجفف الجسم بقطيلة، وذلك لكي يعود بعض الزيت إلى الجسم بدل الشحم الذي أزاله منه الحمام الحار.

وقلّما كان المستحم يغادر الحمّام بعد أن يصل إلى هذا الحد، لأن هذه الأماكن لم تكن حمّامات فحسب، بل كانت بالإضافة إلى هذا نوادي، فيها حجرات للألعاب كلعب النرد والشطرنج(83)، ومعارض للصور والتماثيل ومنصات يجلس عليها الأصدقاء ليتحدثوا، ومكتبات وحجرات للمطالعة، وأبهاء يجلس فيها موسيقى يعزف أو شاعر ينشد بعض قصائده، أو فيلسوف يفسر أسرار العالم. وكان المجتمع الروماني يلتقي في هذه الساعات التي يقضيها في هذه الحمّامات بعد الظهيرة، ويختلط فيها النساء والرجال بلا قيد، ويلهون، ويتناقشون، ويتغازلون على سجيتهم، ولكنهم لا يخرجون عن جادة الأدب. في هذه الأماكن وفي الملاعب كان الرومان يشبعون شهوتهم في الحديث وحبهم للثرثة وتتبع الأنباء، ويعرفون كل ما يحدث داخل البيوت من حوادث وفضائح. وكان في وسعهم إذا شاءوا أن يتناولوا طعامهم في مطعم الحمام، ولكن كثرتهم كانت تفضل الطعام في البيت. ولعل السبب في نشوء عادة النوم بعد هذه الوجبة هو ما يعتريهم من تراخ وكسل بسبب الجهد والحمّام الحار. وكانت النساء في بادئ الأمر يجلسن بمعزل عن الرجال حين يضطجع هؤلاء، أما في العصر الذي نتحدث عنه فقد كانت النساء تضطجع إلى جوار الرجال، وقد سميت حجرة الطعام المسماة عندهم "تركلينيوم أي ذات المضاجع الثلاثة" بهذا الاسم لأنها كانت تحتوي في العادة على ثلاثة مضاجع حول الخوان يتسع كل واحد منها عادة لثلاثة أشخاص. وكان من يتناول الطعام يسند رأسه على ذراعه اليسرى وذراعه على وسادة، ويمد جسمه في خط مستقيم متجه إلى الجهة المقابلة للمائدة.

وظلت الطبقات الفقيرة تعيش أكثر ما تعيش على الحبوب، ومنتجات الألبان، والخضر، والفاكهة، والنقل. ويذكر بلني أنواعاً كثيرة من الخضر التي يطعمها الروماني تختلف من الثوم إلى السلجم. وكان الأغنياء يأكلون اللحم ويكثرون من أكله إكثار النهمين المستهترين، وكان أحبه إليهم لحم الخنزير. ويمتدح بلني الخنازير لأنها تمد الرومان بخمسين نوعاً مختلفاً من الأطعمة(84).


وكانت أمعاء الخنازير المحشوة Potule تباع في الشوارع في أفران متنقلة كما تباع في طرقاتنا العامة اليوم.

وكان الروماني، إذا دعى إلى وليمة، ينتظر أطعمة أندر من هذه الأطعمة السالفة الذكر. وكانت الوليمة تبدأ في العادة في تمام الساعة الرابعة وتدوم إلى وقت متأخر من الليل أو إلى صباح اليوم التالي. وكانت الأزهار والبقدونس تنثر على المائدة، والهواء يعطر بالأرواح المحضرة من خارج البلاد، والمضاجع تغطى بالوسائد اللينة الناعمة، وكان الخدم يرتدون أزياء خاصة متماثلة. وتقدم أولاً المشهيات (Gustatio)، ثم تأتي بينها وبين الحلوى المسماة عندهم Secunda Mensa أو المائدة الثانية الأصناف الشهية النادرة التي يفخر بها المضيف ورثيس طهاته. وكانت أنواع السمك والطيور والفاكهة النادرة تشبع غريزة التشوف ولذة الحلق معاً، فكان سمك البيّاح يبتاع بألف سسترس للرطل الواحد، وقد ابتاع أسنيوس سلر Asinius Celer سمكة من هذا النوع بثمانية آلاف سسترس. ويقول جوفنال وهو غضبان أسف إن الصياد كان أقل قيمة من السمكة. وكان مما يزيد من بهجة الضيوف أن تحضر السمكة حية وتطهي أمام أعينهم، حتى يستمتعوا بمختلف الأوان التي تتلون بها وهي تعالج سكرات الموت(85). وكان فديوس بليو Vedius Pollis يربى هذا السمك، الذي يبلغ طول الواحدة منه قدماً ونصف قدم، في حوض كبير ويطعمه لحم المغضوب عليهم من العبيد(86). وكان سمك الجريث Eel والحلزون Snails عندهم من الأطعمة الشهية، ولكن القانون كان يحرم أكل الزغبة (الدرموس Dormouse) . وكانت أجنحة النعام، وألسنة (البشروش) (Flamingo)، ولحوم الطيور المغردة وأكباد الإوز، من أشهى الأطعمة الرومانية. وقد اخترع أبسيوس Apicius- وهو من مشهوري الأبيقوريين في عهد تيبيريوس- "فطائر الأكباد السمان" وذلك بزيادة سمنة أكباد الخنازير بإطعامها التين . وكان العرف يبيح للطاعم أن يفرغ معدته من الطعام بتناول مقيئ بعد الوليمة الثقيلة. وكان بعض النهمين يفعلون هذا في أثناء الوليمة ثم يعودون إليها ليشبعوا جوعهم. وقد قال سنكا في هذا "إنهم يتقايئون ليأكلوا ويأكلون ليتقايئوا"(90) (Vomunt Set Edant, Ant, Edant Ut Vomant). لكن هذا كان مسلكاً شاذاً، وليس هو أسوأ من مسلك مدمني الخمر من الأمريكيين. وكان أظرف من هذه العادة عادة تقديم الهدايا إلى الضيفان أو إسقاط الأزهار أو العطور عليهم من سقف الحجرات، أو تسليتهم بالأنغام الموسيقية، أو الرقص، أو الشعر، أو التمثيل وكانت الليالي تختتم بالحديث فتنطلق الألسن من عقالها بسبب الخمر، ويثيرها وجود النساء في المآدب.

وليس لنا أن نظن أن هذه المآدب كانت هي الخاتمة العادية التي يختتم بها كل يوم من حياة الروماني، أو أنها كانت أكثر في حياتهم من مآدب هذه الأيام. إن التاريخ، كالصحف، يسيء تصوير الحياة، لأنه مولع بالشاذ من كل شيء، ويتجنب حياة الرجل الشريف التي لا أخبار فيها، والحياة اليومية الهادئة الرتيبة السوية. لقد كان معظم الرومان خلقاً عاديين أشبه الناس بنا وبحيرتنا، يستيقظون من النوم كارهين، ويفرطون في الأكل، وفي العمل، ولا يلعبون إلا قليلاً، ويحبون كثيراً، وقلّما يكرهون، ويتشاجرون بعض الشيء، ويكثرون من الكلام، ويحلمون أحلام اليقظة وينامون.


الفصل السادس: يوم عطلة روماني

1- المسرح

كان لرومة أيام عطلة كثيرة، كانت في أيامها القديمة مطبوعة بطابع الوقار الديني، وفي الأيام التي نتحدث عنها مرحلة ملؤها المباهج الدنيوية. وترجع هذه الكثرة إلى تعدد آلهتهم وكثرة الأقاليم التي تمتص خيراتها. وكان الكثيرون من فقرائها يفرون في الصيف من حرارتها ورطوبتها إلى حانات الضواحي وشواطئ البحر وأيكها، يشربون، ويأكلون، ويرقصون، ويعشقون في الهواء الطلق. وكان ذوو اليسار منهم يذهبون إلى شواطئ الاستحمام المنتشرة على الساحل الغربي، أو إلى خليج بايا Baiae مع واسعي الثراء. وكان من أشد ما يرغب فيه كل من يعتد بطبقته أن يذهب إلى الجنوب- إلى رجيوم Rhegium أو تارنتم إن استطاع- ويعود منه وقد لفحت الشمس جلده ليثبت أنه من ذوي اليسار. ولكن الذين يبقون في رومة لم يكونوا يعدمون فيها الكثير من ضروب اللهو والتسلية القليلة الكلفة. لقد كانوا يجدون فيها تلاوة الشعر، والمحاضرات والحفلات الموسيقية، والكثير من المجون، والمسرحيات، والمباريات الرياضية والاقتتال لنيل الجوائز، وسباق الخيل، والعرباتـ والصراع المميت بين الرجال والرجال أو بين الرجال والوحوش، والمعارك البحرية الصاخبة الزائفة في البحيرات الصناعية- وقصارى القول أن رومة لم تكن تضارعها قبلها مدينة أخرى في كثرة ضروب اللهو والتسلية.

وكان لرومة في عهد الإمبراطورية الباكر خمسة وسبعون عيداً تقام فيها الألعاب، منها خمس وخمسون تخصص للمسرحيات أو ألعاب المجون، و22 للألعاب في الحلبات أو المضامير أو المدرجات. وازداد عدد الألعاب حتى أصبحت في عام 354 م تعرض في 175 يوما(91)؛ ولم يصحب هذه الزيادة زيادة في المسرحيات الرومانية؛ بل حدث عكس هذا، حدث أن اضمحلت المسرحيات في الوقت الذي ازدهر فيه المسرح، وكانت المسرحيات الجديدة تكتب الآن لتقرأ لا لتمثل، واكتفت دور التمثيل بالمآسي القديمة الرومانية واليونانية، والمسالي والمساخر القديمة الرومانية. وكان نجوم التمثيل يسيطرون على المسرح ويجمعون من عملهم أموالهم طائلة؛ فقد ترك إيسبس Aasopus ممثل المآسي عشرين مليون سسترس بعد حياة من الإسراف والبذخ؛ وكان رسيوس Roscuis الممثل الهزلي يكسب خمسمائة ألف سسترس في العام، وقد بلغ من الثراء حداً جعله يمثل في عدة مواسم من غير أجر- وكان هذا احتقاراً للمال جعل هذا العبد المحرر واسطة العقد في مجالس الأشراف. أما الألعاب التي كانت تدور في الحلبات والمدرجات فكانت تستحوذ على اهتمام الجمهور وتفسد أذواقه، وقد مات التمثيل الروماني ودفن في المجتلدات، وكان شهيداً آخر من شهداء أيام الأعياد الرومانية.

ولما زاد الاهتمام في التمثيل بحركات الممثلين وبالمناظر بدل الحبكات والأفكار تخلى التمثيل عن مكانه في المسرح إلى التهريج والمساخر. وكانت المساخر لا تحتوي إلا على القليل من الحوار، وكانت تختار موضوعاتها من حياة أحط الطبقات، وتعتمد على تصوير الشخصيات تصويراً بارعاً في التقليد الساخرز وبعد أن قضى على حرية القول في الجمعيات وفي السوق بقيت بعض الوقت في هذه المهازل القصيرة، حيث كان في وسع الماجن أن يجازف برفع رأسه وإطلاق لسانه لينال بذلك تصفيق الجماهير بتورية يسددها إلى الإمبراطور أو الملتفين حوله. وقد أمر كلجيولا بحرق أحد الممثلين حياً في المدرج عقاباً له على إشارة من هذا النوع(92). وفي اليوم الذي دفن فيه فسبازيان الشحيح مثلت مهزلة قلدت فيه جنازته تقليداً ساخراً، كان من مناظرها أن جلست الجثة في أثناء موكب الجنازة وسألت كم أنفقت الدولة على هذه الجنازة؛ ولما قيل لها إنها أنفقت "عشرة ملايين سسترس" أجابت بقولها "أعطوني مائة ألف فقط ألقوني في نهر التيبر"(93). ولم يكن يسمح للنساء بالتمثيل إلا في هذه المهازل، وإذ كانت هذه النسوة يعتبرن بهذا العمل من العاهرات فإنهن لم يكن يخسرن شيئاً بما ينطقن به من بذيء اللفظ. وكان النظارة في بعض المناسبات الخاصة كعيد فلورا ربة الزهر يطلبن إلى أولئك الممثلات أن يخلعن جميع ملابسهن(94). وكان الرجال والنساء يشهدون هذا الضرب من التمثيل كما يشهدونه الآن وقد وجد شيشرون فيه عرائس له كما عثر العرائس عليه فيه.

ولما منع الكلام في هذه المهازل منعاً باتاً، وارتفعت موضوعاتها فأصبحت تستمد من الآداب القديمة، تطورت المهازل الماجنة إلى استعراضات صامتة. وكان في ترك الكلام على هذا النحو كسب للجمهور. ذلك أن سكان رومة المختلفي الأجناس كانت كثرتهم لا تفهم إلا اللغة اللاتينية البسيطة إلى أقصى حد، ومن أجل هذا أصبح في استطاعتها أن تتبع حركات الممثلين بعد أن لم تعد مثقلة بعبء الألفاظ. وفي عام 21 م قدم إلى رومة ممثلان أحدهما من قليقية ويدعى بيلاديس Pylades، والآخر من الإسكندرية ويسمى باثيلس Bathylus؛ وأدخلو فيها التمثيل بالإيمان والحركة- وكان قد انتشر في الشرق الهلنستي. وقد مثلا فيه مسرحيات من فصل واحد ليس فيها إلا الموسيقى، والحركات، والإيماءات والرقص. ورحبت رومة بهذا الفن الجديد لأنها سئمت المسرحيات المؤلفة بالشعر القديم الطنان الرنان، وأعجبت إيما إعجاب بحذق الممثلين ورشاقتهم، وسرت بفخامة ملبسهم وجمال أقنعتهم أو ظرفها، وبأجسامهم المدربة التي أعد للعمل بالغذاء المناسب المنتقى، وبحركات الأيدي التي تحسن التعبير عن المعاني على الطريقة الشرقية البارعة، وسرعة تقليدهم للشخصيات على اختلاف مشاربها، وتمثيلهم مناظر العشق المثيرة للغرائز الجنسية. وكان النظارة ينقسمون طوائف وجماعات تؤيد كل منها الممثلين المتنافسين، وكثيراً ما كانت نساء الطبقات العليا يقعن في حب الممثلين ويتعقبنهم بالهدايا والعناق، حتى قطعت رأس واحد منهم بسبب علاقته بزوجة دومتيان. وما لبث هذا التمثيل الصامت أن طرد من المسرح الروماني كل ما عداه من أنواع التمثيل ما عدا المساخر الماجنة. وحلت المراقص والمساخر محل المسرحيات الجدية.


2- الموسيقى الرومانية

وكان تطور الموسيقى والرقص ورقيهما هما اللذين جعلا هذا الفوز مستطاعاً. فقد كان ينظر إلى الرقص في عهد الجمهورية على أنه عمل مرذول يجلل الراقص العار. وكان سبيو الأصغر قد أرغم الدولة على أن تغلق المدارس التي تعلم الموسيقى والرقص(95)، وكان مما قاله في هذا "أن الذي ذهب عقله هو وحده الذي يرقص وهو غير سكران"(96). ولكن المسرحية الصامتة جعلت الرقص طرازاً حديثاً مرغوباً فيه، ثم جعلته بعدئذ شهوة قال عنها سنكا: "لا يكاد يخلو بيت واحد من مرقص يردد أصداء وقع أقدام الرجال والنساء؛ وأصبح الآن في بيوت كل ثري معلم للرقص كما فيه طاه وفيلسوف، وأضحى وجود هذا المعلم من مستلزمات هذه البيوت. وكان الرقص في صورته المألوفة في رومة يتطلب حركات منتظمة باليدين والجزء الأعلى من الجزع أكثر مما يتطلبه من حركات الأرجل والأقدام. ولم يكن النساء يتعلمن هذا الفن ويمارسنه لما يكسبهن من جاذبية فحسب، بل لأنه يكسب الجسم مرونة ورشاقة.

وكان الرومان يحبون الموسيقى حباً لا يفوقه إلا حبهم للسلطان، والمال، والنساء، والدماء. وأخذ الرومان موسيقاهم، كما أخذوا كل شيء سواها في حياتهم الثقافية، عن بلاد اليونان؛ وكان لا بد لهذه الموسيقى أن تشق طريقها وسط مقاومة المحافظين الذين لا يفرقون بين الفن والانحطاط. ذلك أن الرقباء كانوا قبل عام 115 ق. م قد حرموا العزف على أية آلة موسيقية أو النفخ فيها ما عدا الناي الإيطالي القصير، وكان سنكا الأكبر بعد قرن كامل من ذلك الوقت لا يزال يعد الموسيقى غير جديرة بالرجال؛ ولكن فارو Varro كان قبل ذلك الوقت قد خص إلهة الموسيقى De Musica بكتاب من قلمه؛ وأصبحت هذه الرسالة، هي والمصادر اليونانية التي استمدت منها، معيناً لا ينضب لمؤلفات رومانية كثيرة في النظريات الموسيقية(97). وما لبثت الأنغام الموسيقية الخصبة الشهوانية، والآلات اليونانية، أن تغلبت آخر الأمر على الأنغام والآلات الرومانية الساذجة السمجة، وأصبحت الموسيقى عنصراً أساسياً في تعليم النساء، وكثيراً ما كانت عنصراً هاماً في تعليم الرجال أيضاً. وما وافى عام 50 م حتى عمت جميع الطبقات، وتعلمها الذكور والإناث، فكان الرجال والنساء يقضون أياماً كاملة في الاستماع إلى الأنغام أو تأليف المقطوعات أو غنائها. وانتهى الأمر بأن أصبح الأباطرة أنفسهم من الموسيقيين، فكان هدريان الفيلسوف ونيرون المخنث ممن يزدهون بحذقهم العزف على القيثارة. وكان المقصود من قرض الشعر الغنائي أن يغني بمصاحبة الموسيقى، وقلما كانت الألحان الموسيقية توضع إلا للشعر؛ ذلك أن الموسيقى القديمة كانت خاضعة للشعر، عكس ما هي عليه اليوم إذ أنها تنزع إلى السيطرة على الألفاظ وتخضعها لها. وكانت الموسيقى الجماعية منتشرة محبوبة وكثيراً ما كانت تعزف في حفلات الزواج والألعاب والجنائز، وفي الاحتفالات الدينية. وقد تأثر هوراس أشد التأثر بأصوات الفتية والعذارى وهو يغنون Carmen Secul Are، وكان المغنون جميعهم في هذه الأغاني الجماعية يغنون نغمة واحدة وإن اختلفت مقاماتها، ويلوح أن الغناء الانفرادي لم يكن معروفاً عندهم. وكانت الآلتان الرئيسيتان عندهم هما الناي والقيثارة، ولا تزال آلات النفخ والآلات الوترية عندنا مجرد تحوير وتعديل لهاتين الآلتين، فأقوى السمفونيات عندنا ليست إلا تأليفاً حكيماً بين النفخ والجذب، والحك، والضرب. وكان الناي يصحب التمثيل، وكان يظن أنه يثير العواطف؛ أما القيثارة فكانت تصحب الغناء، وكان يرجى منها أن تسمو بالروح. وكان الناي طويلاً، ذا ثقوب كثيرة، وأوسع مدى في التعبير من ناي هذه الأيام. أما القيثارة فكانت أشبه بقيثارتنا ولكنها كانت على أنواع وأشكال كثيرة، فكانت عند اليونان ذات حجم صغير ولكن الرومان زادوه إلى حد جعل أميانوس يصف القيثارة بأنها "كبيرة كالعربة"(98) ويمكن القول بوجه عام إن الآلات الموسيقية الرومانية نشأت كما نشأت آلاتنا نحن مما أدخل من تحسين على الآلات القديمة وخاصة على رنينها وحجمها. وكانت أوتار القيثارة تصنع من أمعاء الحيوان أو أوتار أجسامها، وقد بلغ عددها ثمانية عشر وتراً. وكانت تشد عند العزف عليها بمضراب (ريشة) أو بالأصابع، وكانت الأصابع وحدها هي التي تستطيع إخراج سلسلة الأنغام السريعة. وجاء من الإسكندرية في أوائل القرن الأول الأرغن المائي المتعدد النغمات والأنابيب، وقد وقع في قلب نيرون وتأثر كونتليان الهادئ بقوته وتعدد نغماته.

وكانت تقام من آن إلى آن حفلات موسيقية رسمية، وكان للمباريات الموسيقية شأن في بعض الألعاب العامة، بل إن الولائم المتواضعة كانت تتطلب قدراً ولو قليلاً من الموسيقى. وكان مارتيال يعد ضيفه بالاستماع إلى نافخ في الناي على الأقل(99). أما في حفلات تريملكيو Trimalchio فكان الطعام يرفع عن المائدة على أصوات المغنين. وكان لكلجيولا فرقة موسيقية وجوقة من المغنين تطربه في قارب نزهته. وفي التمثيل الصامت كان الغناء الجماعي والرقص يصحبان عزف الفرقة الموسيقية. وكان الممثل في بعض الأحيان يغني أدواره الإنفرادية، وكان يحدث أحياناً أن يغن مغن محترف ألقاط الدور بينما كان الممثل يقوم بالحركات التمثيلية أو الرقص. ولم يكن من الأمور الشاذة النادرة أن يصحب التمثيل الصامت ثلاثة آلاف راقص(100). وكان قوام الفرقة الموسيقية النايات تساعدها القيثارات، والصنج، والمزامير، والأبواق، والاسكابلا Scabella وهي ألواح معدنية تشد إلى أقدام بعض أفراد الفرقة يضربونها بها فتحدث أصواتاً أشد إزعاجاً من أصوات الفرق الموسيقية الحديثة في أعلى قوتها. ويشير سنكا إلى الإيقاع في عزف الأفراد(101)، ولكنا لا نجد ما يدل على وجوده عند الفرق الموسيقية القديمة. وكانت الموسيقى التي تصحب الغناء تعلو عنه في النغمة عادة ولكن مبلغ علمنا أنها لم تكن تسير على نظام متدرج متتابع واضح.

وكان مهرة الموسيقيين كثيرين، وكذلك كان غير الماهرين، فقد كان ذوو المواهب يهرعون إلى مركز الذهب في العالم من جميع الولايات، وكان نظام الاسترقاق يسمح بتدريب فرق المغنين والعازفين في نطاق واسع وإن كان كثير النفقات. وكان للكثير من الجماعات والهيئات الفنية موسيقيون تختص بهم، وكانت ترسل من تتوسم فيهم النبوغ منهم إلى مهرة الأساتذة لرفع مستواهم، فمنهم من تخصصوا في العزف على القيثارة وأقاموا الحفلات يغنون فيها ويعزفون؛ ومنهم من تخصصوا في الغناء وكان هؤلاء في العادة يؤلفون أغانيهم، وآخرون منهم كانوا يقيمون الحفلات يعزفون فيها على الأرغن وينفخون في الناي، ومن هؤلاء كانوس Cannus الذي كان يفخر كما يفخر بيتهوفن بأن موسيقاه تستطيع تخفيف الحزن وزيادة الفرح، وتعين على التقي وتلهب نار الحب في الصدور(102). وكان هؤلاء الموسيقيون المحترفون يطوفون الولايات النائية في الإمبراطورية، يكسبون المال والثناء وتقام لهم التماثيل ويفتتن بهم النساء، ومنهم على حد قول جوفنال، من كانوا يبيعون حبهم ليزيدوا بذلك أجورهم(102). وكانت النساء يتنافسن في الحصول على الريشة التي يمس بها مشهورو الموسيقيين أوتار آلاتهم، ويقربن القرابين على المذابح ليفوز من يحببن من الموسيقيين في الألعاب النيرونية والكبتولية. وفي وسعنا أن نرسم في الخيال صورة وإن تكن غير واضحة للمنظر الرائع الذي يجمع الموسيقيين والشعراء من جميع أنحاء الإمبراطورية، وهم يتبارون أما الجموع المحتشدة، والذي يتقدم فيه الفائزون المجهدون ليضع الأباطرة بأيديهم أكاليل أوراق البلوط على رؤوسهم.

ولسنا نعرف عن الموسيقى الرومانية ما يكفي لبسط القول في وصفها. ويلوح أنها كانت أرقى، وأكمل، وأكثر عجيجاً من الموسيقى اليونانية. وقد دخلت عليها من صبغة شرقية من مصر وآسية الصغرى وسوريا. وكان المتقدمون في السن من الرومان يأسفون لأن المؤلفين المحدثين أخذوا يهجرون ما يمتاز به النمط القديم من تمنع ووقار، وأنهم كانوا يتلفون أرواح الشباب وأعصابهم بالأنغام الشاذة والآلات الصاخبة. والذي لا جدال فيه أنه ما من شعب قديم أحب الموسيقى كما أحبها الرومان. فقد كانت أغاني المسرح تتلقفها الجماهير المرحة السريعة الحركة فتردد أصداءها في شوارع رومة ونوافذ بيوتها، وكانت أغاني التمثيل الصامت المعقدة تنطبع في ذاكرة المعجبين بها انطباعاً بلغ من قوته أن كان في مقدورهم إذا سمعوا أولى نغماتها أن يقولوا لك من أية مسرحية هي، ومن أي فصل في المسرحية. على أن رومة لم تفد الموسيقى فائدة حقة اللهم إلا ما عسى أن تكون قد فعلته من تنظيم اللاعبين إلى فرق كبيرة تنظيماً أحسن مما كان عند من سبقهم من الأمم. ولكنها كرمت الموسيقى بإشاعة استخدامها، وبالاستجابة إليها والتأثر بها، يضاف إلى هذا أنها جمعت التراث الموسيقي للعالم القديم في هياكلها، ودور تمثيلها، وبيوتها؛ ولما أن سقطت أورثت الكنيسة الآلات والعناصر المستخدمة في الموسيقى التي تتأثر بها نفوسنا وتحرك مشاعرنا في هذه الأيام.


3- الألعاب

ولما لم يعد للحرب أثر في هذا العهد، أصبحت الألعاب العظيمة أكثر حوادث العام إثارة لمشاعر الرومان. وكانت تقام، أكثر ما تقام، في الاحتفال بالأعياد الدينية- كعيد الأم العظمى، وعيد سيريس Ceres، وعيد فلورا ربة الأزهار، وعيد أبلو، وعيد أغسطس. وقد تكون أحياناً "ألعاب العامة" التي تقام لتسلية الطبقات الدنيا، وقد تكون "الألعاب الرومانية" التي تقام تكريماً للمدينة وإلهتها روما. وكانت تقام أحياناً احتفالاً بنصر، أو نيل منصب رئيسي، أو فوز في انتخاب، أو بمناسبة أحد الأعياد الإمبراطورية. وربما أقيمت احتفلاً بمرور فترة معينة في التاريخ الروماني. وكانت ألعاب إيطاليا في بادئ الأمر تقام زلفي للأموات وتكريماً لهم، شأنها في هذا شأن الألعاب التي أقامها أخيل تكريماً لبتروكلس. من ذلك أنه لما مات بروتس بيرا Brutus Pera في عام 264 ق. م عرض ابنه ثلاث مبارزات؛ ودارت في جنازة ماركس لبدس Marcus Lepidus عام 216 ق. م اثنتان وعشرون معركة، وفي عام 174 احتفل تيتس فلامنيوس Titus Flaminius بجنازة أبيه بأن أقام صراعاً في مجتلد اقتتل فيه اثنان وعشرون رجلاً.

وكانت أبسط الألعاب العامة هي المباريات الرياضية التي تقام في ملعب عام. وكان معظم اللاعبين من المحترفين والغرباء، وكانوا يتبارون في العدو، وقذف القرص، والمصارعة، والملاكمة. ولكن جمهرة الرومان الذين اعتادوا ألعاب المجتلد الدموية لم يكونوا يحبون هذه الألعاب الرياضية إلا قليلاً، وكانوا مولعين بالقتال لنيل الجوائز وهو القتال الذي كان اليونان ينهمكون فيه حتى يكادوا يخرون صرعى، وقد لبسوا في أيديهم قفازات مقواة عند البراجم بأطواق من الحديد يبلغ سمكها ثلاثة أرباع بوصة. ويصف فرجيل- وهو الرجل الرقيق- حفلة ملاكمة غير شديدة في لغة لا تكاد تفترق عن لغة هذه الأيام فيقول:

"ثم جاء ابن أنكيسيز Anchises بقفازات من الجلد متساوية في الوزن، وربط بها أيدي الملاكمين... ووقف كلاهما في موضعه معتمداً على أطراف أصابع قدميه، ورافعاً ذراعه... ثم يبعد رأسه إلى الوراء ليتقي ضربات خصمه ويبدأ التلاكم باليدين، ويسدد كل منهما ضربات قوية همجية إلى صدر الآخر، وجنبيه، وأذنيه، وجبهته، وخديه، يردد الهواء صداها. ويمد إنتلس Entellus يمناه، وينحرف دارس Dares إلى أحد الجانبين بحركة رشيقة... ويهاجم أنتلس دارس بقوة، ويطرحه على أرض المجتلد، ويكيل له الضربات بيمناه تارة وبيسراه تارة أخرى... ثم يجيء إينياس وينهي المعركة، ويقبل رفقاء دارس ويقودونه إلى السفن تصطك ركبتاه ويتأرجح رأسه من ناحية إلى أخرى وفمه تخرج منه الأسنان والدماء.

وكان السباق في الحلبة الكبرى Circus Maximus أكثر من هذه الملاكمات إثارة لمشاعر النظارة. وكانت أربعون سباقاً تقام في يومين متتاليين منها سباق الخيل يركبها راكبون محترفون؛ ومنها سباق العربات الخفيفة ذات العجلتين يجرها جوادان أو ثلاثة جياد أو أربعة مشدودة إليها جنباً إلى جنب. وكانت الاصطبلات المتنافسة التي يملكها الأغنياء هي التي تؤدي نفقات السباق. وكان الراكبون المحترفون وسائقو المركبات يلبسون حللاً تختلف ألوانها وتطلى المركبات نفسها بألوان مختلفة لكل اصطبل لون خاص يميزه من غيره من الاصطبلات: منها الأبيض والأخضر والأحمر والأزرق. فإذا اقترب موعد هذه المباريات انقسمت رومة كلها شيعاً تسمى كل شيعة باسم اللون الذي تناصره وخاصة اللونين الأحمر والأزرق. وكان نصف الأحاديث في المنازل، والمدارس، والمحاضرات، والسوق الكبرى يدور حول راكبي الخيل المحترفين، وراكبي العربات، وتعلق صورهم في كل مكان، وتعلن أنباء فوزهم في النشرة اليومية. ومنهم من كان يجني من وراء ذلك ثروات طائلة، ومنهم من كانت تقام له التماثيل في الميادين العامة. وإذا أقبل يوم السباق سار مائة وثمانون ألفاً من الرجال والنساء في حللهم ذوات الألوان الزاهية إلى المضمار الرحب الكبير. وهناك ترتفع حماسة النظارة إلى حدالجنون، فترى أشياع كل جواد يشمون روثه ليتأكدوا من أن ذلك الجواد قد أطعم الطعام الذي يليق به(105). وكان النظارة يمرون بالحوانيت والمواخير الممتدة على طول أسوار المضمار الخارجية، ثم يدخلون من مئات الأبواب ويوزعون أنفسهم على المقاعد المنظمة على شكل حذاء الفرس، والعرق يتصبب من جباههم من فرط الشوق والقلق، والبائعون يبيعون الوسائد لأن المقاعد كانت تصنع في العادة من الخشب الصلب، ولأن السباق كان يستمر طول النهار. وكان لأعضاء مجلس الشيوخ وغيرهم من العظماء مقاعد خاصة من الرخام مزينة بالبرونز، وكان من خلف مقصورة الإمبراطور طائفة من الحجر الفخمة يستطيع- إذا شاء- أن يأكل فيها ويشرب، ويستريح، ويستحم وينام. وكانت حمى المراهنات ترتفع إلى أقصى حد، والثروات تنتقل من يد إلى يد كلما تقدم النهار. وكانت الخيل وراكبوها، والعربات وسائقوها، تخرج من فتحات تحت المقاعد، وكلما بدا لون منها قابله أنصاره بتصفيق ترتج المقاعد من شدته. وكان سائقو العربات- ومعظمهم من العبيد- يلبسون جلابيب زاهية الألوان ويضعون على رؤسهم خوذاً براقة، ويمسك كل منهم بإحدى يديه سوطاً، وفي منطقته سكين يقطع بها السيور المربوطة في وسطه، إذا حدثت له حادثة. وكان شكل المضمار إهليجياً تمتد في وسطه "الشوكة" (Spina) وهي جزيرة طولها ألف قدم تزدان بالتماثيل والمسلات، وفي طرف من أطراف المضمار تقوم "المقاييس" (Metae) وهي عمد مستديرة ينتهي عندها السباق. وكان طول سباق المركبات سبع دورات في العادة، أي حوالي خمسة أميال. وكان مقياس مهارة السائق هو قدرته على أن يدور حول الأهداف (العمد) بأسرع وأحد ما يستطيع من غير أن يتعرض للخطر, وكثيراً ما كان المتسابقون يصطدمون في هذه الأماكن فتقع المآسي المروعة التي يكون ضحاياها الرجال والمركبات والحيوانات. فإذا ما وصلت الخيل أو المركبات إلى أهدافها قام النظارة، وكأنهم قد استيقظوا من سبات عميق، وماج بهم المكان كما يموج البحر المتلاطم، وأخذوا يشيرون بأيديهم وأجسامهم، ويلوحون بمناديلهم، ويصيحون، ويبتهلون، ويثنون، ويلعنون، ويهللون وهم في نشوة غير طبيعية. وكان التصفيق الذي يحيا به الفائز يسمع على مسافة بعيدة خارج أسوار المدينة.

وكان أعظم المناظر روعة وفخامة منظر الاحتفالات الرومانية التي تمثل فيها المعركة البحرية الرائمة. وكانت أول معركة بحرية كبيرة من هذا النوع هي التي دارت بأمر قيصر في حوض كبير احتفر لهذا الغرض خاصة في خارج حدود المدينة. ولما أراد أغسطس أن يهدي الهيكل الذي أقامه "للمريخ المنتقم" إلى هذا الإله أمر أن تدور معركة بحرية تمثل معركة سلاميس بين ثلاثة آلاف مقاتل في مياه بحيرة صناعية طولها ألف وثمانمائة قدم وعرضها ألف ومائتا قدم. وقد سبق القول إن كلوديوس احتفل بإتمام نفق فوسين Fucine بتمثيل معركة اقتتلت فيها سفن من ذوات الصفوف الثلاثة والأربعة من المجاديف، عليها نحو تسعة عشر ألف رجل. ولكن القتال جرى في رقة أغضبت الإمبراطور واضطرته إلى أن يرسل جنوداً إلى السفن لكي يضمن قدراً كافياً من سفك الدماء(106). ولما احتفل بتدشين الكولوسيوم أمر تيتس بأن تغرق حلبتها بالماء وأن تمثل فيها معركة الكورنثيين والكرثينيين التي أعقبتها حرب البلوبونيز. وكان المقتتلون في هذه المعارك من أسرى الحروب أو المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام؛ وكانوا يقتتلون بحق ويقتل بعضهم بعضاً حتى يفنى أحد الفريقين؛ فإذا ما تبين أن الفريق الفائز أظهر الشجاعة المطلوبة في التقتيل أمر أن يحرر من الأسر أو ينجو من الإعدام.

وكانت هذه الألعاب تصل إلى غايتها في صراع الحيوانات والمجالدين في المجتلد أو في الكولسويم بعد أيام فسبازيان. وكان المجتلد أرضاً من الخشب فرش عليها الرمل. وكان في الإمكان خفض أجزاء من هذه الأرض ثم رفعها على الفور إذا أريد تغيير المنظم، أو غمر الأرض كلها بالماء بمجرد إشارة تصدر بهذا. وكانت غرف كبيرة تحت أرض المجتلد تحتوي الوحوش، والآلات، والرجال استعداداً لذلك اليوم. وكان من فوق سور المجتلد شرفة من الرخام صفت فيها مقاعد مزينة يجلس عليها الشيوخ والكهنة وكبار الموظفين. وكان فوق هذه الشرفة مقصورة عالية (Suggestum) يجلس فيها الإمبراطور والإمبراطورة على عرشين من العاج والذهب، ومن حولهما أعضاء الأسرة الإمبراطورية والحاشية. ومن خلف هذه الدائرة الممتازة، دائرة الأشراف، يجلس فيها أفراد طبقة الفرسان في عشرين صفاً من المقاعد. ويفصل سور عال مزدان بالتماثيل الطبقات العليا عن السفلى في المقاعد العالية. وكان في وسع أي شخص من الأحرار ذكراً كان أو أنثى أن يشهد الجلاد، ويلوح أنه لم تكن ثمة رسوم تؤدي عن الدخول، وكانت الجماهير تنتهز فرصة وجود الإمبراطور في المجتلد وفي مضمار السباق لتسمعه رغبتها- في العفو عن أسير أو مصارع مهزوم، أو تحرير عبد شجاع، أو حضور مجالد محبوب، أو إصلاح غير ذي بال. وكانت مظلات تنشر فوق المجتلد عند الحاجة إليها، وتمتد على مكان في السور إلى حواجز المجتلد لتظليل ما يتعرض من أجزائه لأشعة الشمس. وكانت في أماكن متفرقة منه تقذف الماء المعطر لتبريد الهواء. فإذا انتصف النهار أسرع معظم النظارة إلى أسفله ليتناولوا غداءهم، وكانوا يجدون حاجتهم من الطعام والشراب والحلوى عند أناس رخص لهم ببيعها في هذا المكان. وكان يحدث في بعض المناسبات أن يأمر الإمبراطور بإطعام الجماهير المحتشدة كلها من خيراته، وأن تنثر الأطعمة الشهية والهدايا على الجماهير فتتلقفها أيديهم. وإذا ما أقيمت الألعاب في الليل، وكان هذا يحدث أحياناً، كان في الاستطاعة إنزال دائرة من النور فوق المجتلد والنظارة. وكانت فرق موسيقية تطرب المجتمعين في الفترات التي تتخلل الألعاب؛ وفي الأوقات التي تبلغ المباريات حدتها، كانت الموسيقى تعزف أنغاماً مهيجة مثيرة مطردة العلة في النغمة.

وكانت أبسط الحوادث التي تشاهد في المدرج عرض حيوانات أجنبية تجمع من جميع أنحاء العالم المعروف: من فيلة، وأساد، ونمورة رقط وسود، وتماسيح، وأفراس بحر، وأويسات، وقردة، وفهود، ودببة، وخنازير برية، وذئاب، وزرافات، ونعام، ووعول، وغزلان، وطيور نادرة الوجود. وكان يحتفظ بهذه كلها في حدائق الحيوان التي يملكها الأباطرة والموثرون من الأهلين، وتدرب على القيام بألعاب مضحكة. فكانت القردة تعلم ركوب الكلاب وسوق المركباب، والتمثيل في المسرحيات؛ والثيران تدرب على ترك الغلمان يرقصون فوق ظهورها، وآساد البحر تدرب على النباح إذا ذكرت أسماؤها، والفيلة ترقص على صوت صنوج تضربها فيلة أخرى، أو تمشي على حبل، أو تجلس حول مائدة الطعام، أو تكتب حروفاً يونانية أو لاتينية. وكان يكتفي في بعض الأحيان بعرض هذه الحيوانات في حلل زاهية أو مضحكة، ولكنها في العادة كانت تقتل بعضها بعضاً، أو تقاتل الرجال، أو تضرب بالسهام والحراب حتى تموت. وقد حدث في أيام نيرون أن اقتتل أربعمائة نمر مع ثيران وفيلة، وقتل في يوم آخر من أيام كلجيولا أربعمائة دب، ومات في يوم تدشين الكولوسيوم خمسة آلاف حيوان(107). وإذا تبين أن الحيوانات قد فترت غريمتها عن القتال ضربت بالسياط، أو رميت بالسهام، أو كويت بالحديد المحمي ليثار غضبها فتنفر للقتال. وقد أرغم كلوديوس فرقة من الحرس البريتوري على قتال الفهود، وأرغم نيرون فرقة أخرى على أن تقاتل أربعمائة دب وثلثمائة أسد(108).

وأدخل قيصر إلى رومة عادة صراع الثيران والآدميين، وهي العادة التي كانت شائعة في كريت وتساليا من قبله بزمن طويل، وأصبحت منذ عهده من المناظر المألوفة في المدرجات(109). وكان المجرمون المحكوم عليهم بالإعدام يلقون إلى الحيوانات التي استوحشت لهذا الغرض خاصة، وكثيراً ما كان هؤلاء الرجال يغطون بجلود لكي يشبهوا الحيوانات. وكانوا يعانون في أثناء موتهم أشد أنواع الآلام، وكانت جراحهم تتعمق أحياناً في أجسامهم حتى كان الأطباء يستخدمون هذه الأجسام لدراسة تشريحها الداخلي. وليس في العالم من يجهل قصة أندركليز Androcles العبد الآبق، وكيف ألق به إلى أسد في المجتلد بعد أن قبض عليه، ولكن الأسد كما تقول القصة تذكر أن أندركليز خرج في ذات يوم شوكة من مخلبه، فأبى أن يمسه بسوء، وكيف عفى عن أندركليز بعدئذ وظل يكسب عيشه بعرض أسده المتحضر في الحانات(110). وكان يطلب إلى المقضي عليه بالموت في بعض الأحيان أن يمثل تمثيلاً واقعياً دوراً مشهوراً في إحدى المآسي: فقد يمثل دور منافسة ميديا، فيرتدي ثوباً جميلات يلتهب فجأة ويحرقه؛ وقد يمثل هرقل فيحرق حياً فوق كومة من الحطب، وقد تجب خصيتاه علناً كما فعل بأرتيز (إذا صدقنا قول ترتليان Tertullian)، وقد يمثل دور موسيوس اسكافولا Mucius Scaevola فيبسط يده فوق نار فحم حتى تحترق؛ وقد يمثل دور إكارس Icaeus فيسقط من السماء، لا في بحر رحيم، بل بين قطيع من الوحوش الضاربة، وقد يكون باسفيا Pasipha(، فيحتضن ثوراً. وألبس أحد الضحايا مرة ثياباً كثياب أرفيوس Orpheus، وبعث به ومعه قيثارة إلى مجتلد مثلث فيه أيكة جميلة من الأشجار والجداول، ثم أطلقت من خبايا المجتلد على حين غفلة وحوش جياع ومزقه إرباً(111). وصلب لص يدعى لوريولس Laureolus في المجتلد ليتسلى النظارة برؤيته؛ ولما لم يلفظ آخر أنفاسه بالسرعة المطلوبة جيء إليه بدب وسلطوه عليه ومازالوا يغرونه به حتى أكله قطعة بعد قطعة وهو معلق في الصليب. ويصف مارتيال هذا المنتظر وصف المعجب به الراضي عنه(112).

وكانت أروع الحادثات في هذه الألعاب هي قتال الرجال المسلحين، إما في صورة مبارزات فردية أو معارك جماعية. وكان المتقاتلون في هذه الحالة من أسرى الحروب، أو المجرمين المذنبين، أو العبيد العاصين. وكان حق المنتصرين في أن يقتلوا أسراهم من الحقوق المعترف بها عادة في العهود القديمة جميعها، ومن أجل هذا كان الرومان يرون أنهم رحماء كرام حين يتيحون لأسراهم فرصة ينجون فيها من الموت بإرسالهم إلى المجتلد. كذلك كان المحكوم عليهم في الجرائم الكبرى يرسلون من كافة أنحاء الإمبراطورية إلى رومة، فيلحقون بمدارس المجالدين ولا يلبثون أن يظهروا في الألعاب، فإذا ما أظهروا في الصراع شجاعة نادرة فقد يحررون من فورهم. وأما إذا نجوا من القتل من غير أن يظهروا هذه الشجاعة فكانوا يرغمون على القتال مرة بعد مرة في الأعياد والمواسم المتوالية؛ فإذا ظلوا أحياء ثلاث سنين استبدل الاسترقاقي بالإعدام؛ وإذا ما أرضوا سادتهم عامين نالوا حريتهم. وكانت الجرائم التي يحكم على مرتكبيها بحياة المجالدين مقصورة على القتل، والسرقة، والتسميم، وتدنيس الأماكن المقدمة، والتمرد؛ ولكن حكام الأقاليم المجدين كانوا يحرصون في بعض الأحيان على سد حاجة الأباطرة إلى أمثال هؤلاء الناس، فيتخطون هذه القيود إذا نقص عدد المجالدين(113). وكان الفرسان وأعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم يحكم عليهم أحياناً بأن يقاتلوا في المجتلد؛ بل إن شهوة الثناء وحب التصفيق كانت في بعض الأحيان تدفع أفراداً من طبقة الفرسان لأن يتطوعوا لهذا القتال مختارين، ومن الناس عدد غير قليل كانوا بدخول مدارس المجالدين حباً في المغامرة ومغالبة الأخطار.

وقد وجدت هذه المدارس في رومة من عام 105 ق. م. وكان فيها أربع مدارس من هذا النوع في عهد الإمبراطورية، عدا ما كان منها في أنحاء إيطاليا وكانت واحدة في الإسكندرية، وكان للأغنياء في أيام قيصر مدارس أنشأوها لأنفسهم ليعدوا فيها العبيد ليكونوا مجالدين، وكانوا يتخذون خريجيها حرساً خاصاً لها في زمن السلم وجنوداً في وقت الحرب، ويؤجرونهم للقتال في المآدب الخاصة، ويعيرونهم للقتال في الألعاب. وكان الكثيرون ممن يدخلون مدارس المجالدين المحترفين يقسمون عند دخولهم يميناً بأن "يقبلوا الضرب بالعصي والحرق بالنار، والقتل بحد السنان"(114). وكان التدريب والنظام فيها صارمين، وكان الأطباء يراقبون ما يقدم فيها من الطعام، ويصفون للطلاب أكل الشعير ليقووا بأكله عضلاتهم. وكان عقاب من يخرج على القواعد والنظم الموضوعة الجلد، والكي، والسجن والأغلال. ولم يكن طلاب الموت هؤلاء جميعهم غير راضين عن مصيرهم، فمنهم من كانوا يزدهون بما سوف يحرزون من نصر، وكانوا يفكرون في شجاعتهم أكثر من تفكيرهم فيما يتعرضون له من الأخطار(115)، ومنهم من كان يشكو أنه لم تتح له فرص كافية للقتال، وكان هؤلاء يحقدون على تيبريوس لأنه لا يكثر من إقامة الألعاب. لقد كان يعزيهم عن الخطر الذي يتعرضون له، ويغريهم بركوب هذا الخطر، ما سوف ينالون من الشهرة، فقد كان المعجبون بهم يكتبون أسماءهم على جدران المباني العامة، وكانت النساء تعشقهم، وكان الشعراء يغنون بمدحهم، والمصورون يصورونهم، والمثالون يخلدون للأجيال المقبلة صور عضلات أذرعهم الحديدية، وعبوسة وجوههم الرهيبة. على أن منهم كثيرين كانوا يألمون لسجنهم الطويل، وحياتهم الوحشية الرتيبة، وما يتوقعون لأنفسهم من آجال قصيرة، ومنهم من كانوا ينتحرون، وقد انتحر واحد منهم بأن كتم نفسه بإسفنجة كان يستخدمها في تنظيف أعضائه السرية، وانتحر آخر بوضع رأسه بين أنصاف محاور عجلة تتحرك، وانتحر كثيرون منهم بشق بطونهم في المجتلد(116).

وكانوا في الليلة السابقة للقتال تولم لهم وليمة طيبة؛ فمن كان منهم فظاً خشن الطباع ملأ بطنه بلذيذ الطعام والشراب، ومنهم من كان يودع زوجته وأبناءه وهو حزين كظيم؛ وكان المسيحيون منهم يجتمعون ليتناولوا معاً "طعام المحبة" (Agap(). وكان هؤلاء وأولئك يأتون إلى المجتلد في اليوم الثاني في حلل فاخرة ويذرعونه من أوله إلى آخره، وكانوا يسلحون في العادة بالسيوف، أو الرماح، أو الخناجر، ويلبسون خوذاً من البرونز، ودروعاً، ووقايات للأكتاف وتروساً وجراميق. وكانوا يصنفون حسب أسلحتهم؛ فمنهم أصحاب الشباك الذين يوقعون خصومهم في الأحابيل ثم يقضون عليهم بطعنات الخناجر، ومنهم من يحذقون مطاردة مقاتليهم بالتروس والسيوف؛ ومنهم من يرمون بالمقالع، ومنهم من يقاتل الواحد منهم بسيف قصير في كلتا يديه، ومنهم من يقاتلون في المركبات، ومنهم من يصارعون الوحوش. وكان المجالدون فضلاً عن هذه المغامرات كلها يتبارزون مثني مثني أو جماعات، وإذا جرح أحد المتبارزين جرحاً شديداً في مبارزة فردية طلب من أقام المباراة إلى النظارة أن يدلوا برأيهم، فإذا رفعوا إبهامهم أو لوحوا بمناديلهم كان ذلك دليلاً على أنهم يريدون الرحمة بالجريح، وإذا ما خفضوا إبهامهم عرف أنهم يطلبون إلى الفائز أن يقتل المغلوب من فوره(117). وإذا أظهر أحد المقاتلين أنه لا يحب أن يموت أثار بذلك غضب النظارة وأثيرت حميته وشجاعته بوخزه بالحديد المحمي(118).وإذا أريدت مجازر كبيرة هيئت معارك جماعية يقتتل فيها آلاف الرجال بوحشية المستيئسين. وقد اشترك في الثمان المعارك التي أعدها أغسطس عشرة آلاف مقاتل اقتتلوا فيها مجتمعين. وكان رجال في ثياب كارون Charon ينخسون من يسقطون في المعركة بأسنان العصى الحادة ليعرفوا هل ماتوا حقاً أو أنهم يتصنعون الموت. فإذا وجدودهم يتصنعوه قتلوهم بضربات المطارق على رؤوسهم.

وكان هناك رجال آخرون في ثياب عطارد رسول الآلهة يجرون أجساد الساقطين بخطاطيف في الوقت الذي يجمع فيه عبيد من المغاربة التراب المبلل بالدماء في مجارف، ويفرشون الرمل على الأرض لاستقبال من يأتون بعدهم من الأموات.

وكان معظم الرومان يدافعون عن الألعاب في المجتلدات بقولهم إن الضحايا كانوا من المحكوم عليهم بالإعدام لما ارتكبوه من الجرائم الشنيعة، وإن ما يلقون بالعذاب يحول بين غيرهم وبين ارتكاب أمثال هذه الجرائم، وإن الشجاعة التي يدرب عليها المقضي عليهم ليلاقوا بها الجراح والموت تغرس في قلوب الشعب الفضائل العسكرية، وإن اعتياد العين رؤية الدماء والمعارك الحربية تعود الرومان مطالب الحرب والتضحية بالنفس. وها هو ذا جوفنال الذي ندد بكل شيء عدا هذه الألعاب قد تركها من غير تجريح، وامتدح بلني الأصغر، وهو الرجل الراقي المتحضر، تراجان لأنه عرض على الشعب مناظر تثير في الناس رغبة أن يُثخنوا "بالجراح الشريفة والاستهزاء بالموت"(119). وكان تاستس يرى أن الدماء التي تراق في المجتلد، أياً كان شأنها، هي "الدماء الرخيصة" التي تجري في عروق العامة(120). أما شيشرون فكانت نفسه تتقزز من هذه المجازر وهو يسائل الناس "أية تسلية يمكن أن تتسلى بها الروح الرقيقة الإنسانية حين ترى وحشاً شريفاً يطعنه الصائد في قلبه بلا رحمة، أو ترى إنساناً يمزقه وحش ضار أقوى منه جسماً؟" ولكنه يضيف إلى ذلك قوله. "إذا ما اضطر المجرمون إلى القتال فإن العين لا تشهد طريقة تهيئ الإنسان لملاقاة العذاب واستقبال الموت خيراً من هذه الطريقة"(121). وأقبل سنكا على الملاعب في وقت الظهيرة حين خرجت كثرة النظارة للغداء، فهاله وحز في نفسه أن يرى مئات المجرمين يساقون ليتسلى من بقوا فيها برؤية دمائهم المراقة:

"وأعود إلى منزلي أكثر مما كنت نهماً وقسوة ووحشية، لأني كنت بين آدميين. لقد شاهدت بمحض المصادفة معرضاً مقاماً في وقت الظهيرة، وكنت أتوقع أن أرى بعض ما يبعث السرور أو الفكاهة أو يروح عن النفس بعض متاعبها... وتستطيع عين الإنسان أن تستريح به من رؤية المجازر التي تذهب فيها حياة أخيه الإنسان... ولكني رأيت عكس هذا... إن هؤلاء المحاربين في وقت الظهيرة يخرجون وليس عليهم دروع من أي نوع كان، أجسامهم معرضة للطعنات، في كل جزء من أجزائها، فكل طعنة تصيبهم في الصميم... إنهم في الصباح يلقون الناس أمام الآساد، أما في الظهيرة فيقذف بهم أمام النظارة، فترى الجماهير تطلب إلى المنتصر الذي قتل خصيمه أن يقاتل الرجل الذي سوف يقتله، ويحتفظ بالمنتصر الأخير ليُقتل قتلة أخرى... وهذه الأمور وأمثالها تحدث والمقاعد تكاد تكون خالية... إن الآدمي الذي لا يحل للإنسان قتله، يقتل لعباً ولهواً وجلباً للمسرة"(122).


الفصل السابع: العقائد الجديدة

رضى الدين عن الألعاب وعدها الصور الصحيحة للاحتفالات الدينية، ولذلك كانت تبدأ بمواكب فخمة وقورة، وكان الكهنة والعذارى الفستية يحتلون أماكن الشرف في دور التمثيل، وفي مضامير السباق وأمام المجتلد، وكان الإمبراطور الذي يرأس هذه الاحتفالات هو الكاهن الأكبر لدين الدولة.

وقد بذل أغسطس وخلفاؤه كل ما وسعهم من جهد ليعيدوا الحياة إلى الدين القديم، إلا عنصراً من عناصره وهو الحياة الأخلاقية الفاضلة؛ وحتى أشد الأباطرة كفراً بهذا الدين أمثال كلجيولا ونيرون كانوا يؤدون جميع المراسم والطقوس الواجبة للآلهة الرسمية، وظل اللوبرسي يرقصون في الشوارع في يوم عيدهم، كما ظل إخوان أرفال Arval ينطقون بالدعوات والصلوات للمريخ بلغة لاتينية قديمة لا يفهم أحد معناها. وكان التنبؤ بالغيب وزجر الطير من الأعمال التي لا ينقطع الناس عن ممارستها والثقة العظيمة بها، وكان الأباطرة الذين يخرجون المنجمين من البلاد يستشيرونهم في مهام الأمور. وأدخل السحر والشعوذة والخرافات والأوهام الباطلة، والرقي، والتعاويذ، والتفاؤل، والتطير، وتفسير الأحلام في نسيج الحياة الرومانية حتى أصبحت لحمتها وسداها، وكان أغسطس يدرس أحلامه دراسة جدية لا تقل عن دراسة علماء النفس في هذه الأيام؛ ويحدثنا سنكا أنه شاهد بعينيه نساء يجلسن على درج الكبتول ينتظرن أن يستمتع بهن جوبتر لأنهن رأين في أحلامهن أن الإله راغب فيهن(123). وكان كل قنصل يحتفل بتقلده منصبه احتفالاً يضحي فيه بعدد من العجول؛ وحتى جوفنال نفسه، وهو الذي كان يسخر بكل ما عدا هذه الأعمال، قطع بيده في تقي وخشوع أعناق حملين وعجل حنيز شكراً للآلهة على أن صديقاً له عاد من رحلته سالماً. وغصت الهياكل بقرابين الذهب والفضة؛ وكانت الشموع تضاء أمام المذابح، وقد بليت شفاه التماثيل المقدسة وأيديها وأقدامها من كثرة ما طبعه عليها الأتقياء الصالحون من قبلات. وقصارى القول أن الدين القديم بدا وكأنه لا يزال محتفظاً بقوته، وظل يخلق آلهة جدداً مثل أنونا Anona (جامعة حبوب العالم إلى رومة)، ويبعث حياة جديدة في عبادة فورتونا Fortuna وروما Roma ويؤيد القانون، والنظام، والاستبداد أقوى تأييد. ولو أن أغسطس بعث حياً بعد عام واحد من وفاته لما كان عليه حرج إن قال إن ما بذله من هود لإحياء الدين قد نجح أعظم نجاح.

لكن الدين القديم، رغم هذه المظاهر الخارجية، دب فيه دبيب الفناء من أعلاه ومن أسفله على السواء. ولم يكن تأليه الأباطرة دليلاً على إجلال الطبقات العليا لحكامها، بقدر ما كان شاهداً على قلة إجلالها لآلهتها. وأخذت الفلسفة تمحو العقائد الدينية من قلوب المتعلمين وإن كانت في الوقت نفسه تبسط على هذه العقائد حمايتها، ولم تكن كتابات لكريشيوس Lucritius عديمة الأثر في العقول؛ نعم إن الناس لم يكونوا يذكرونه، ولكن إغفالهم ذكره لم يكن له من سبب إلى أن الانغماس في الأبيقورية كان أسهل عليهم من دراسة أبيقور أو شارحه المتحمس لمبادئه. ولم يجد الشبان الأثرياء الذين ذهبوا ليتزودوا بالدراسات العليا في أثينة والإسكندرية ورودس ما يزيد إيمانهم بالدين الروماني وعقائده. وكان الشعراء اليونان يسخرون من آلهة الرومان، وسرعان ما أخذ شعراء الرومان أنفسهم يحذون حذوهم، فكانت قصائد أوفد تفترض أن الحديث عنهم هزل لا جد فيه. ويلوح أن أحداً لم يشك من هذا أو يعترض عليه، وقام شخص وطرد ديانا من المسرح بعد أن انهال عليها ضرباً بالسياط، وجاء آخر فمثل جوبتر وهو يوصي بوصيته استعداداً للموت(124). ولاحظ جوفنال ما لاحظه أفلاطون قبل عهده بخمسة قرون، وما نلاحظه نحن بعده بثمانية عشر قرناً، أن خوف إله رقيب مطلع على السرائر لم يعد له من القوة ما يستطيع به أن يكشف الحنث على الإيمان(125). وحتى شواهد القبور نفسها تقرأ عليها ما يدل على ازدياد التشكك في الدين وعلى الانغماس الصريح في الشهوات. فقد كتبت على واحد منها هذه العبارة: "لم أكن، لقد كنت، ولست بكائن، ولا أبالي". وكتب على شاهد آخر: "لم أكن قد وجدت، لست موجوداً، لست أدري"، وعلى شاهد ثالث: "لم يكن لي إلا ما أكلت وشربت؛ لقد تمتعت بحياتي"(126). وكتب على شاهد آخر: "لا أومن بشيء وراء القبر". ويؤكد شاهده غير أن "ليس ثمة جحيم ولا كارون، ولا سربس Cerebus". وكتبت نفس قلقة كدرة: "لا حاجة لي الآن بأن أخشى الجوع، ولا حاجة لي بأن أؤدي الريع، ولقد تحررت من وجع المفاصل على الأقل". وكتب شخص نكد من أتباع لكريشيوس عن جثته المدفونة يقول: إن "العناصر التي تكونت منها تعود مرة أخرى إلى أصولها، إن الحياة عارية تعار للإنسان، وليس في مقدوره أن يحتفظ بها إلى أبد الدهر، وهو إذا مات يرد ما عليه من دين إلى الطبيعة"(127).

لكن الشك مهما يكن فيه من إخلاص لا يمكن أن يحل محل الإيمان، ولم يجد ذلك المجتمع بين ملذاته كلها سعادة ما، بل سئم ما فيه من تنعم، واستنفد قواه فيما ساده من دعارة، وظل الفقراء والأغنياء على السواء معرضين للألم والحزن والموت، ولم تستطع الفلسفة بجميع أنواعها، وخاصة تلك العقيدة الباردة السامية عقيدة الرواقية، أن تهب الرجل العادي إيماناً يخفف عنه شعوره بفقره، ويشجعه على تهذيب خلقه، ويواسيه في أحزانه، ويبعث الأمل في قلبه. لقد كان الدين القديم يؤدي لوظيفة الأولى من هذه الوظائف الثلاث، وعجز عن أداء الوظيفتين الأخريين. ذلك أن الناس كانوا يحتاجون إلى وحي يوحي إليهم، ولكن الدين لم يهبهم إلا طقوساً ومراسم؛ وكانوا يطلبون خلوداً وحياة بعد الموت، ولكن دينهم جاء لهم بدل هذا بألعاب. كذلك شعر الناس الذين جاءوا من بلاد أخرى عبيداً أو أحراراً أنهم محرومون من هذه العبادات القومية، ومن أجل هذا جاءوا معهم بآلهتهم، وأقاموا لها هياكل خاصة بها، ومارسوا شعائرهم الخاصة؛ وغرسوا في قلب بلاد الغرب دين الشرق. وبدأت بين عقائد الفاتحين وإيمان المهزومين، حرب لم تنفع فيها أسلحة الجحافل الرومانية؛ وكانت حاجات القلوب هي التي قررت لمن يكون الفوز.

وجاء الأرباب الجدد مع أسرى الحروب، ومع الجنود العائدين من ميادين القتال ومع التجار. وأقام التجار الوافدون من آسية ومصر هياكل في بتيولي Puteoli، وأستيا Ostia رومة ليعبدوا فيها آلهتهم التقليدية. وكانت الحكومة الرومانية تنظر إلى هذه الأديان الأجنبية نظرة التسامح في العادة؛ ذلك أنها لم تكن تريد أن تسمح للأجانب أن يشاركوا الرومان في عباداتهم، ومن أجل هذا كانت ترى أن ممارستهم شعائر دينهم الذي جاءوا به معهم أفضل من تركهم بلا دين. وكانت تطلب إليهم في نظير هذا أن يكون كل دين أجنبي متسامحاً كذلك مع غيره من الأديان، وأن تتضمن طقوسه ما يشعر بالخضوع إلى "عبقرية" الإمبراطور، وإلى الآلهة "روما" ليعبروا بذلك عن ولائهم للدولة؛ وشجع هذان التساهل والتسامح الأديان الشرقية، وكانت قد استقرت في رومة، فأضحت هذه الأديان الكبرى المنتشرة بين العامة. وأراد كلوديوس أن يهذب هذه العبادات الشرقية فرفع القيود المفروضة على عبادة الأم العظمى، وأجاز للرومان أن يكونوا لها كهنة لها وقائمين على خدمتها، وقرر لها عيداً رسمياً حوالي الاعتدال الربيعي بين 5 و 27 مارس. وكانت منافستها الكبرى في القرن الأول الميلادي هي إيزيس المصرية إلهة الأمومة، والإخصاب، والتجارة. وكانت الحكومة قد حرمت المرة بعد المرة عبادة هذه الآلهة الأجنبية في رومة، ولكنها لم تكن تلبث أن تعود بعد كل تحريم لأن تقوى عبادها كانت أقوى من سلطان الدولة، وأيد كلجيولا استسلام الدولة لها بأن شاد لها من الأموال العامة ضريحاً فخماً في ميدان المريخ. واشترك أتو Otho، ودومتيان في الاحتفالات الإيزيسية، ومشى كومودس عاري الرأس خلف كهنتها يمسك بيديه في خشوع تمثالاً لأنوبيس Anubis القرد إله المصريين.

وزاد شأن هذا الغزو الديني عاماً بعد عام، فجاءت من جنوبي إيطاليا عبادة فيثاغورس-وهي الاقتصار على أكل الخضر، والاعتقاد بعودة الأرواح إلى التجسد. وجاءت من هيربوليس Hierapolis الإلهة أترجانس Atargatis المعروفة عند الرومان "بالإلهة السورية"، كما جاء منها أيضاً أزيز Aziz المعروف "بزيوس دلوكي Dolochi" وغيره من الأرباب العجيبة. ونشر التجار والأرقاء السوريون عبادة هذه الآلهة، وما زال عبادها يقوون حتى اعتلى العرش آخر الأمر من شاب كهنة "بعل" السوري وتسمى باسم إلجبالس Elagabalus-عابد إله الشمس. وجاءت من بارثيا عدوة رومة عبادة إلهة من إلهات الشمس هي مثرا Mithra. وكان عبادها يعتقدون أنهم جنود في الحرب الكونية العظيمة حرب الضياء على الظلام، وحرب الخير على الشر. وكان في هذا الدين كثير من صفات الرجولة، ولهذا كان أكثر أنصاره من الرجال لا من النساء، وأعجبت به الفيالق الرومانية المرابطة عند الحدود النائية حيث كان يصعب عليهم أن يسمعوا أصوات آلهتهم القومية. وجاء من بلاد اليهود إلههم يهوة إله الموحدين الذين لا يقبلون معه شريكاً، والذي كان دينه يتطلب من أهله حياة شاقة من التقي ورعاية القواعد والنظم، ووضع لهم قانوناً أخلاقياً صارماً، وأكسبهم شجاعة كانت لهم عوناً فيما نزل بهم من محن، وأسبغت على حياة أفقر الفقراء وأقلهم جاهاً جلباباً من النبل والشرف. وكان بين اليهود الرومان أتباع هذا الدين طائفة لم تكن قد تميزت بعد من سائر الطوائف تمييزاً واضحاً، كانت تعبد ابنه الذي حلت فيه روحه والذي بعث حياً.