قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 3 ب 16

من معرفة المصادر

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> رومة وفنونها -> ما تدين به اليونان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب السادس عشر: رومة وفنونها 30 ق.م - 96م

الفصل الأول: ما تدين به لليونان

لم يكن الرومان بطبعهم شعباً فنياً، فقد كانوا قبل أغسطس محاربين وكانوا بعده حكاماً، يرون أن استقرار النظام واستتباب الأمن على أيدي الحكام خير أعظم وواجب أنبل من الخلق والجمال أو الاستمتاع به. وكانوا يبتاعون أعمال الأساتذة الموتى بأعلى الأثمان، ولكنهم كانوا يحتقرون الفنانين الأحياء ويحشرونهم في زمرة الخدم. ومن اقوال سنكا وهو الرجل الرحيم الشفيق: "إنا وإن كنا نعبد التماثيل لنحتقر الذين يصنعونها"، وكان يبدو لهم أن أشرف سبل الحياة سبيل القانون والسياسة؛ أما الفنون البدوية فكان أشرفها لديهم الزراعة (إذا صح أن تعد الزراعة فناً من الفنون). وكان معظم رجال الفن في رومة، إذا استثنينا المهندسين المعماريين، من اليونان الأرقاء أو المحررين أو المستأجرين، وكانوا كلهم يعملون بأيديهم ويعدون من طبقة الصناع، ولم يعن المؤلفون اللاتين قط بذكر أسمائهم أو حوادث حياتهم، ومن أجل هذا يكاد رجال الفن الروماني كلهم أن يكونوا مجهولي الأسماء، فليس ثمة شخصيات حية تصبغ تاريخه صبغة إنسانية أو تضيئها كما يضيء ميرون Myron، وفدياس، وبركستيلز Praxiteles، وبروتوجنيس Protogenes قصة الفنون الجميلة في بلاد اليونان. ففيه يضطر المؤرخ إلى الحديث عن الأشياء لا عن الأشخاص، وأن يحصي النقود، والآنية، والتماثيل، والنقوش، والصور، والمباني، ويبذل في ذلك جهد اليائس لعله يستطيع بما يبذله من الكد في جمعها أن يصور للقارئ صورة عظمة رومة المليئة بأسباب العظمة. ذلك أن منتجات الفن تستهوي العين أو الأذن، أو اليد، أكثر مما تستهوي العقل، ويذهب جمالها أو يكاد إذا خففته فأحلته أفكاراً وألفاظاً. وليس عالم التفكير إلا واحداً من عوالم كثيرة لكل فكرة عالمها الخاص، ومن أجل هذا كان لكل فن وسيلته الخاصة التي ينفذ بها إلى النفوس، والتي لا يمكن أن تستحيل ألفاظاً وكلاماً، وحتى الفنان نفسه إذا كتب عن الفن فإنه يعجز عن تصويره.

وثمة سحابة قائمة مشئومة تغشي سماء الفن الروماني خاصة: تلك هي أننا نصل إليه عن طريق الفن اليوناني الذي يبدو في أول الأمر أنه المثل الذي احتذاه، والمرشد الذي اهتدى بهديه. وكما أن مشاعرنا تضطرب لما نشاهده في فن الهند من صور وأشكال غريبة، فكذلك تخمد جذوة عواطفنا لما في الفن الروماني من تكرار ممل للصور والأشكال المألوفة، ولقد تحدثنا من قبل عن الأعمدة والتيجان الدُّورية والأيونية والكورنثية، كما تحدثنا عن النقوش الملساء التي اتخذت مثلاً أعلى يحتذى؛ وقد كانت التماثيل النصفية للشعراء والحكام والآلهة، والمظلمات المدهشة التي تكشفت عنها آثار بمبي منقولة كما يقول لنا المختصون عن أصول يونانية. ولم يكن هناك فن روماني الأصل سوى الطراز "المركب"، وهو الذي ننفر منه لتعارضه مع فكرتنا عن الوحدة والبساطة والتقيد التي ألفناها في الفن القديم. وما من شك في أن فن رومة في عصر أغسطس كان فناً يونانياً بقضه وقضيضه، فقد انتقلت أشكال الجمال وطرائقه ومثله العليا من بلاد اليونان إلى الفن الروماني عن طريق صقلية وإيطاليا اليونانية، وعن طريق كمبانيا وإتروريا، وأخيراً من بلاد اليونان نفسها والإسكندرية والشرق المصطبغ بالصبغة اليونانية؛ ولما أن أصبحت رومة سيدة بلاد البحر الأبيض المتوسط أقبل الفنانون اليونان إلى مركز الثروة والرعاية الجديد وأخرجوا صوراً لا حصر لها من روائع الفن اليوناني للهياكل والقصور والميادين الرومانية، وكان كل فاتح يحمل معه إلى بلاده نماذج من هذه الروائع، وكل موظف كبير ينقب في المدائن عما كان باقياً فيها من كنوز الصناعة اليونانية؛ حتى أصبحت إيطاليا على مر الأيام متحفاً للرسوم والتماثيل المشتراة أو المسروقة التي صارت النسق الذي يحتذيه الفن الرماني مدى قرن كامل. وقصارى القول أن رومة قد ابتلعها العالم المتأغرق من الناحية الفنية.

على أن هذا كله ليس إلا نصف الحقيقة. أما النصف الآخر فهو أن تاريخ الفن الروماني، كما سنرى فيما بعد، كان من ناحية نزاعاً بين العقود والعوارض المركبة على الأعمدة، ومن الناحية الأخرى نزاعاً بين الفن الواقعي الإيطالي الأصل الذي يحاول أن يسترد ما فقده لما أن غزا شبه الجزيرة الفن اليوناني الذي كان يصور الآلهة لا الناس، وبين الطراز الأفلاطوني والفكرة الأفلاطونية المجردة لا الفرد الأرضي الدنيوي الذي كان يسعى إلى تمثيل الكمال النبيل في الشكل بدل الحقيقة في الإدراك والقول. لقد أصابت الفن الروماني القوي الأصيل الذي أعان على نحت الصور على القبور التسكانية سنة من لنوم بين فتح بلاد اليونان وافتتان نيرون بفنونها؛ ولكنه في آخر الأمر حطم القالب اليوناني الصبغة وأحدث في الفن القديم انقلاباً كاملاً بما أدخله فيه من النحت الواقعي، وبفضل جمالها المستعار، العاصمة الفنية للعالم الغربي، وظلت كذلك ثمانية عشر قرناً من الزمان.


الفصل الثاني: رومة الكادحة

كان الرحالة القديم، الذي يطوف برومة في عهد الأسرة الفلافية، إذا سار صعداً في نهر التيبر من أستيا متجهاً إلى الشمال، يشاهد من بادئ الأمر سرعة التيار المحمل بالغرين الذي يأتي به من التلال والوديان ويلقيه في البحر. وهذه الحقيقة البسيطة هي منشأ مأساة التحات البطيئة، والصعاب التي تعترض التجارة الصاعدة في النهر والمنحدرة فيه، وانطمار فن التيبر من حين إلى حين، والفيضانات التي كانت في كل ربيع تقريباً تطغى على أرض رومة المستوية، وتقصر المساكن على الطبقات العليا التي يصل إليها ساكنوها بالقوارب، وتتلف الحبوب المخزونة في الأهراء على أرصفة الميناء؛ فإذا انحسرت المياه جرفت معها المنازل ودمرتها وأهلكت الحرث والنسل.

فإذا اقترب الزائر من المدينة استرعى نظره الحي التجاري الذي كان يمتد مدى ألف قدم محاذياً ضفة النهر الشرقية، وكان يعج بضجيج العمال والحوانيت والأسواق والسلع الرائحة والغادية. وكان يقوم من ورائه التل الأفنتي Aventine الذي "استقر عليه" العامة الغضاب حين غادروا رومة مضربين في عامي 494 و449 ق. م. وعلى ضفة النهر اليسرى في هذه البقعة كانت الحدائق التي أوصى بها قيصر للشعب، ومن ورائها الجانكيولم Janiculum. وكان بالقرب من الضفة الشرقية عند جسر إيماليوس الجميل سوق الماشية ومعبداه (القائمان إلى هذا الوقت) المقامان للحظ وإلهة الفجر. وإلى شمال هذه السوق على الضفة اليمنى يظهر تل بلتين وتل كبتلين المليئان بالقصور والهياكل. وقامت على الضفة اليسرى حدائق أجربا ومن ورائها تل الفاتكان، وإلى شمال وسط المدينة بالقرب من شاطئ البحر الشرقي كانت تمتد الخمائل الواسعة والمباني الفخمة الجميلة التي يزدان بها ميدان المريخ حيث أثيم ملهى بلبس، وملهى بمبي، وحلبة فلامينوس، وحمامات أجربا، وملعب دومتيان. وهنا كانت الفيالق تتدرب على الحركات العسكرية، ويتبارى المتبارون في الألعاب الرياضية، وتستبق المركبات، ويلعب اللاعبون الكرة(3)، وتعقد الجمعية جلساتها برياسة الأباطرة لتبحث القرارات التي يتمخض عنها شبح الدمقراطية.

فإذا نزل الزائر إلى المدينة عند طرفها الشمالي أبصر بقايا السور الذي يعزى إلى سرفيوس تليوس، وأكبر الظن أن رومة قد أعادت بناءه بعد أن أغار الغاليون عليها في عام 390 ق. م، ولكن الرومان تركوا هذا السور يتهدم اعتماداً على قوة الجيوش الرومانية وعلى مناعة العاصمة. ولم يشيد سور آخر إلا في عهد أورليان (سنة 270 م)، فكان ذلك دليلاً على ذهاب هذه المتعة. وكانت قد فتحت في الجدار أبواب ذات أقواس مفردة أو ثلاثية لتنفذ منها الطرق الكبرى التي سميت بأسمائها. وإذا طاف الزائر بحدود المدينة من شرقيها إلى جنوبيها شاهد حدائق سالست الغناء، ومعسكر الحرس البريتوري المتعب، وعقود مجاري الماء التي أقامها مارسيوس وأبيوس وكلوديوس، وأبصر عن يمينه التلال البنسيانية والكويريتالية، والفيمينالية، والاسكويلينية، والكئيلية يتلو بعضها بعضاً. فإذا ما ابتعد عن الأسوار واتجه نحو الشمال الغربي عن طريق أبيوس اجتاو باب كابينا ومر بالسفح الجنوبي من تل بلاتين إلى الشارع الجديد Nova Via، ثم اتجه بعدئذ شمالاً مجتازاً متاهة من العقود والمباني حتى يصل إلى السوق القديمة رأس رومة المفكر وقلبها النابض.

وكانت هذه السوق في بادئ الأمر سوقاً حقة للبيع والشراء، طولها ستمائة قدم، وعرضها مئتان؛ أما في الوقت الذي نتحدث عنه (96 م) فكان الباثعون قد غادروها إلى الشوارع القريبة منها أو إلى غيرها من الأسواق، ولكن الناس كانوا في الباسلقات المجاورة يبيعون الأسهم في اتحادات الخمارين، ويتعاقدون مع الحكومة، ويدافعون عن أنفسهم في المحاكم، أو يستشيرون المحامين ليرشدوهم إلى أهون السبل للفرار من القانون.

وكانت قد أقيمت حول السوق، كما أقيمت حول وول استريت Wall Street في نيويورك الحديثة، هياكل متواضعة للآلهة، وصروح كبيرة للأعمال المالية، وازدانت بعدد كبيرمن التماثيل. وكان المارة يجدون من ظلال العمد المقامة في العمائر العظيمة ما لا يجدونه من ظلال الأشجار القديمة. وظلت من عام 145 ق. م إلى أيام قيصر مكان انعقاد الجمعيات، فكان في كل طرف من طرفيها منصة للخطباء تسمى المنطح لأن واحداً منها قد زين من قبل بمناطح السفن التي استولى عليها الرومان في أنتيوم عام 338 ق. م. وكان عند طرفها الغربي "الحجر الذهبي" وهو عمود من البرونز المذهب أقامه أغسطس علامة على التقاء عدة طرق قنصلية وعلى بدايتها، وقد نقشت عليه أسماء المدن الكبرى التي توصل إليها هذه الطرق، وبعد كل منها عن رومة. وكان يسير بحذاء جانبه الشمالي الغربي الطريق المقدس Sacra Via الموصل إلى هيكل المشتري وهيكل زحل وعلى تل الكبتول. وإلى شمال هذه السوق يجد الزائر سوقاً أخرى أكبر منها وهي سوق لوليوم Lulium التي أنشأها قيصر ليخفف بها الضغط الواقع على السوق القديمة؛ وكان بالقرب منها أسواق ثانوية أنشئت لأجل أغسطس وفسبازيان، ثم عَمَد تراجان بعد قليل من الوقت إلى توسيع أكبر هذه الأسواق وتزيينها.

ولم يكن يسع السائح حتى في هذا التجوال السريع إلا أن يحس بما بين أهل المدينة من فوارق جمة، وبأن كثيراً من الأجناس المختلفة قد حشرت فيها حشراً وأن شوارعها قد شقت فيها على غير نظام موضوع، لذلك كانت عاجزة عن الوفاء بأغراض السكان عجزاً يضايقهم ويسبب لهم أشد المتاعب والآلام. لقد كان عدد قليل من هذه الشوارع يختلف عرضه بين ست عشرة وتسع عشرة قدماً، أما كثرتها فكانت أزقة ملتوية من الطراز الشرقي. ويشكو جوفنال من أن عربات النقل التي تعج بها الشوارع المرصوفة أثناء الليل تجعل لنوم مستحيلاً، وأن الجماهير التي تزدحم بها طرقات المدينة تجعل السير فيها بالنهار أشبه الأشياء بالحرب والكفاح؛ "فهمها أسرعنا سد عليها الطريق جيش لجب من أمامنا، وكتل بشرية كثيفة تدفعنا دفعاً من خلفنا، فمنهم من يضربني بمرفقه، ومنهم من يدفعني بعمود هودج، هذا يسقط على أم رأسي كتلة خشبية، وذاك قارورة خمر؛ ورجلاي يغطيهما الوحل، وتطؤني أرجل ضخمة مقبلة من جميع الجهات. وهذا جندي يطأ أصابع قدمي بمسامير حذائه"(4). وكانت الشوارع الرئيسية في المدينة مرصوفة بكتل من الحمم البركانية خماسية الأضلاع مثبتة في الأرض بقوة أمكنتها من البقاء في مكانها إلى اليوم. ولم تكن لشوارع تضاء، ولذلك كان كل من يجرؤ على الخروج من منزله ليلاً يحمل بيده مصباحاً أو يسير خلف عبد يحمل مشعلاً، ولم يكن في كلتا الحالتين بمأمن من اللصوص، وما كان أكثر عددهم في طرقات المدينة المظلمة. وكانت الأبواب تغلق بالأقفال والمفاتيح، والنوافذ تشد بالمزالج ليلاً، وما كان منها في الطابق الأرضي تحميه قضبان من الحديد كالتي تشاهد في أمثالها من نوافذ هذه الأيام. ويضيف جوفنال إلى هذه الأخطار ما كان يلقي على المارة من السوائل والجوامد من نوافذ الطبقات العليا، ويختتم حديثه بقوله إن الأبله وحده هو الذي كان يخرج من بيته للعشاء دون أن يكتب وصيته(5).

ولم يكن بالمدينة مركبات عامة تنقل العمال من مساكنهم إلى مقر أعمالهم، ومن أجل ذلك كان معظم السوقة يقيمون في مساكن عامة من الأجر بالقرب من وسط المدينة أو في حجرات خلف حوانيتهم أو في أعلاها. وكان كل مسكن عام يشعل في العادة مربعاً كاملاً من الأرض، ولذلك كان يطلق عليه لفظ إنسولا Insula أو جزيرة. وكان الكثير من هذه المباني يعلو ستة طباق أو سبعة، وكانت ضعيفة البناء ضعفاً جعل الكثير منها ينهار على من فيه ويقضي على حياة مئات منهم. وقد حدد أغسطس ارتفاع واجهات المباني بسبعين قدماً رومانية، ولكن يبدو أن هذا القانون كان يسمح بارتفاع الأجزاء الخلفية منها إلى أكثر من هذا القدر لأن مارتيال يحدثنا عن "بائس مسكين يسكن حجرة عليها يرتقي إليها بمائتي درج"(6). وكان في الطبقات السفلى لكثير من المساكن حوانيت، وكان لبعضها شرفات في الطبقة الثانية، وكان قليل منها يصلها من أعلاها بالمساكن المقابلة لها في الشارع ممرات ذات عقود تحتوي حجرات إضافية تتخذها بعض العامة منازل لهم غير مأمونة. وكانت هذه الجزائر تكاد غص بها الطريق الجديدة النوفافيا Novavia، والكليفس فكتوريا Clives Victoriae (تل النصر)، في أعلى تل البلاتين، وحي الصابورا وهو حي صاخب مليء بالمواخير بين الفمنال Viminal والإسكويلين Esquiline حيث كان يسكن صيادو الأسواق وقصابو مسيلوم Macellum وبائعو السمك من رجال سوق السماكين، وبائعو الماشية أهل سوق البقر، وبائعو الخضر أهل سوق الخضر، وجميع عمال رومة كتبتها وأهل الحرف فيها. وكانت أحياء رومة الفقيرة تمتد إلى أطراف السوق العامة الكبرى.

وكانت الحوانيت تقوم على جانبي هذه السوق، وكانت تترد فيها أصداء ضجيج العمال ولجاجة المساومين، وكان بائعو الفاكهة، والكتب، والعطور، والطحانون، والصباغون، وتجار الزهور والآلات الحادة والأقفال، والصيادلة، وغيرهم من يقضون حاجات الناس وشهواتهم وأسباب غرورهم وكبريائهم، كان هؤلاء جميعاً يزحمون الشوارع بمظلاتهم وأكواخهم الممتدة فيها. وكان الحلاّقون يمارسون مهنتهم في الهواء الطلق حيث يستطيع الناس جميعاً أن يستمعوا لثرثرتهم. وبلغت حانات الخمر من الكثرة درجة خيل معها إلى مارتيال أن رومة حجرة استقبال واحدة ضخمة(7). وكان أهل كل حرفة ينزعون غلى التجمع في حي أو شارع واحد وكثيراً ما كان يطلق اسم هذه الحرفة على الحي أو الشارع الذي تستقر فيه. فكان صناع الأحذية ذات السيور (الصنادل) يتجمعون في الفيكس سندلريوس Vicus Sandalarius، وصناع السروج في الفيكس لوراريوس Vicus Lolarius، وصناع الزجاج في الفيكس فتراريوس Vicus Vitrarius، والصياغ في الفيكس مرجرتريوس Vicus Margaritarius.

وفي هذه الحوانيت وأمثالها كان الفنانون الطليان يقومون بأعمالهم لا يستثنى منهم أحد إلا أعظمهم شأناً ممن كانوا يؤجرون على أعمالهم أسخى الأجور، ويحيون حياة الترف والتجوال أمثال أرسسلوس Arcesilaus الذي منحه لوكلس مليون سسترس لكي يصنع تمثالاً للإلهة بلستاس Pelicitas، وزندورس Zenordorus الذي أعطى 400.000 ليقيم تمثالاً ضخماً لعطارد(8). وكان المهندسون المعماريون والمثالون يقدرون كما يقدر الأطباء، والمدرسون، والكيميائيون لأنهم جميعاً يمارسون فنون الأحرار Artes Liberales؛ مع أن الذين يقومون بمعظم الأعمال الفنية في رومة كانوا إما عبيداً أو محررين، وكان بعض من يملكون العبيد يعلمونهم النحت والتصوير وغيرهما من الفنون التي تتطلب الحذق، وكانوا يبيعون ما يخرجونه لهم في إيطاليا وفي خارجها. وكان العمال في هذه الحوانيت منقسمين أقساماً متباينة كل التباين ومنفصلة بعضها عن بعض، فمنهم الإخصائيون في صنع آية النذور، ومنهم من يصنعون مظلمات الزينة، ومنهم من يقطعون الأعين الزجاجية للتماثيل، ومن الرسامين من كان يصنع النقوش على الطراز العربي أو الأزهار أو المناظر الطبيعية، أو الحيوانات، أو الرجال؛ وكان يحدث أن يعمل عدد من هؤلاء بالتناوب في الصورة الواحدة. وقد برع جماعة من الفنانين في تزييف التحف الفنية، فكانوا يقلدون ما صنع منها في عصر من العصور القديمة التي يرغب الناس في اقتناء مخلفاتها(9). وكان أهل القرن الأول قبل الميلاد يخدعون بسهولة في هذه المخلفات، لأنهم كغيرهم من الأغنياء المحدثين يميلون إلى تقويم الأشياء حسب أثمانها وندرتها، بدل أن يقوموها حسب جمالها ومنافعها. ولما أضحى الثراء من غير المميزات في عهد الإمبراطورية صلحت أذواق الناس وجاء حب الجمال والجودة الحقة إلى آلاف عدة من الأسر بالآنية الرقيقة والتحف الجميلة التي لم يعرف أمثالها في مصر وأرض الجزيرة واليونان إلا عدد قليل من الناس. وكان شأن الفن في الزمن القديم كشأن المنتجات الصناعية في هذه الأيام. نعم إن الناس لم يكونوا ينعمون بالمنتجات الكثيرة النافعة التي تخرجها آلاتنا في هذه الأيام، ولكنهم كان في وسعهم، إذا شاءوا، أن يحيطوا أنفسهم شيئاً فشيئاً بالتحف التي عنى الفنانون أشد العناية بصنعها وصقلها، والتي كانت تهب ما يقتنيها كل ما تهبه الروائع الفنية الجميلة من أسباب السعادة الخفية الهادئة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: بيوت العظماء

لو أن زائراً في ذلك الوقت أراد أن يدرس مساكن الطبقة الوسطى من سكان رومة لوجدها بعيدة عن وسط المدينة على جانبي الطرق الرئيسية المتفرعة منه إلى أطرافها. وكانت جدرانها الخارجية المقامة من الآجر والجبس لا تزال تبنى كما كانت تبنى قبل على النمط البسيط المتين الذي تحتمه ضرورات الأمن وحرارة الجو؛ ولم يكن أهل الطبقة الوسطى من الرومان أسخياء بما عندهم من الفن يضيعونه لكي يتمتع به من يمرون بيوتهم. وقلّما كانت البيوت تعلو أكثر من طابقين، وكانت السراديب التي تتخذ لخزن المؤن نادرة، والسقوف تتلألأ عليها قطع القرميد، والنوافذ ذات مصاريع أو ألواح من الزجاج في بعض الأحيان. وكان لمدخل الدار في العادة باب ذو مصراعين يدور كل منهما على عقبين من المعدن، وكانت أرض الدار تصنع من مزيج متماسك من الكلس والحصا والرمل أو من القرميد؛ وكثيراً ما كانت تصنع ن مربعات الفسيفساء، ولم تكن تفرش عليها طنافس. وكانت الحجرات الرئيسية في البيت تجمع حول الردهة الوسطى. وهذا النظام هو الأصل الذي نشأت منه هندسة الأديرة والساحات المربعة المحاطة بالأبنية في مقر المجامع العلمية. وكانت إحدى الحجرات في بيوت الأغنياء من أهل هذه الطبقة تستخدم للاستحمام، وذلك في أحواض شبيهة كل الشبه بما نستخدمه منها الآن. أما الأدوات الصحية فقد بلغت عند الرومان درجة من الرقي لا نظير لها قبل القرن العشرين. فقد كانت أنابيب من الرصاص تحمل الماء من القنوات المائية المبنية ومن الأحواض الرئيسية إلى معظم المباني والمساكن، وكانت الصنابير والمحابس تصنع من البرونز ويشكل بعضها أشكالاً جميلة. وكانت الأنابيب والميازيب المتخذة من الرصاص تحمل الماء من أسطح المباني؛ وقلّما كانت الحجرات تدفأ تدفئة صناعية، فإذا أرادوا تدفئتها اتخذوا لذلك مواقد متنقلة يحرقون فيها فحم الخشب. وكان عدد قليل من البيوت، وكثير من منازل الضواحي ذات الحدائق، وقصور الأغنياء والحمامات العامة، كانت هذه كلها تستمتع بمراكز رئيسية للتدفئة ذات أفران يحرق فيها الخشب أو فحمه، وتمد عدداً كبيراً من الحجرات بالهواء الساخن يسير في أنابيب من القرميد أو في ممرات في أرض المنزل وجدرانه.

ثم أضيفت إلى بيوت الأغنياء في أوائل عهد الإمبراطورية متعة جديدة مأخوذة عن اليونان. ذلك أن الأغنياء لحرصهم على أن يهيئوا لأنفسهم مكاناً منعزلاً لا يجدونه في الردهة الوسطى كانوا يبنون خلفها بهواً من غير سقف يغرسون فيه الأشجار والشجيرات، ويزينوه بالتماثيل، ويحيطونه بالأروقة ذات العمد، وينشئون في وسطه فسقية أو بركة للاستحمام. وكانوا يشيدون حول هذا البهو طائفة جديدة من الحجرات: واحدة للطعام، و "بيتاً" للنساء، ومتحفاً لمجموعاتهم الفنية، ومكتبة لكتبهم، وهيكلاً لآلهة بيوتهم. وقد يكون لهم أيضاً حجرات إضافية للنوم، وقباب صغيرة بارزة في الحجرات تتخذ أيضاً مخادع في الليل وترفع منها الأسرة بالنهار. وأما البيوت التي لا يبلغ أصحابها من الثراء مبلغ أصحاب البيوت السابقة فكانوا يستبدلون بذلك البهو الكبير حديقة، وإذا لم يجدوا فيها متسعاً لها وضعوا أصص الأزهار في النوافذ، أو غرسوا الأزهار والشجيرات على أسطح الدور. ويقول سنكا إن بعض الأسطح الكبيرة كان فوقها عرائش كروم وأشجار فاكهة، وأشجار للظل مغروسة في صناديق ملأى بالطين(12). وكان لعدد غير قليل منها مشامس يعرض فيها أصحابها أجسامهم لأشعة الشمس.

ومن الرمان عدد كبير سئموا حياة الضجيج والسرعة في رومة ففروا منها إلى هدوء الريف وسكونه. وقد نشأ عند الأغنياء والفقراء على السواء ميل شديد إلى الطبيعة يفوق كل ما عرفناه عن هذا الميل عند اليونان. وكان جوفنال يرى أن الأحمق وحده هو الذي يسكن في العاصمة، وفي وسعه أن يبتاع بالأجر الذي يؤديه في عليه مظلمة في رومة، بيتاً جميلاً في بلدة إيطالية هادئة، تحيط به "حديقة أنيقة خليقة بأن يقيم فيها مأدبة لمائة من أتباع فيثاغورس"(13). وكان أغنياء رومة يتركونها في بداية الصيف ليقيموا في بيوت خلوية على سفوح الأبنين أو على سواحل البحر أو البحيرات. وقد ترك لنا بلني الأصغر وصفاً ممتعاً لبيته الريفي في لورنتم على ساحل لاتيوم. ويقول عنه إنه من السعة بالقدر الذي يستريح له، وإن نفقاته لا ترهقه؛ ولكنه بعد أن يستمر في وصفه يخيل إلينا أن في هذا الوصف شيئاً من التواضع، فهو يحدثنا فيه عن مدخل من فوقه نوافذ زجاجية وتعلوه طنف... وبه حجرة جميلة للطعام تعانقها آخر أمواج البحر عناقاً خفيفاً، وتضيؤها نوافذ واسعة تطل على البحر من ثلاث جهات فتحسبه ثلاثة أبحر مختلفة، وبه ردهة كبرى "يمتد بصر من فيها إلى الغابات والجبال"، وحجرتا استقبال ومكتبة على شكل نصف دائرة تستقبل نوافذها الشمس طول النهار"، وحجرة للنوم. وعدة حجرات للخدم. وكان للبيت جناح منفصل عنه يحتوي "حجرة استقبال ظريفة"، وحجرة أخرى للطعام وأربع حجرات صغيرة، وحماماً، وتوابعه وتشمل "حجرة جميلة لخلع الملابس"، وحماماً بارداً، وحماماً فاتراً به ثلاث برك مختلفة حرارتها، وحماماً ساخناً، تسخنها كلها أنابيب من الهواء الحار. وكان في خارج البيت بركة للسباحة، وساحة للعب الكرة، ومخزن، وحديقة متنوعة الغروس، وحجرة خاصة للمطالعة، وردهة للمآدب، وبرج للأرصاد يحتوي على شقتين وحجرة للطعام.

ويختتم بلني هذا الوصف بقوله: "والآن حدثوني: ألست على حق إذا آثرت هذا الملجأ اللطيف بوقتي وحبوته بعطفي؟"(14). وإذا كان في مقدور عضو في مجلس الشيوخ أن يكون له هذا المسكن الريفي على شاطئ البحر، ومسكن آخر على بحيرة كومو، فإن في وسعنا أن نتصور ما كان عليه قصر تيبيريوس في ضيعته عند كبرى أو قصر دومتيان عند ألبالنجا، دع عنك قصر هدريان الذي أنشأه في تيبور Tipur بعد قليل من هذا الوقت الذي نتحدث عنه.

وإذا أراد الزائر أن يجد مثيلاً لهذا الإسراف فما عليه إلا أن يتخذ سبيله إلى قصور الأثرياء والباطرة على تل البلاتين. ولم يكن الرومان يحرصون في هندسة منازلهم على محاكاة هندسة بلاد اليونان القديمة حيث كانت البيوت المتواضعة وحيث لم يكن يوجد من الأبنية الفخمة إلا القصور، بل شادوا قصورهم على نمط قصور الملوك الذين كانوا يحكمون البلاد المصطبغة بالصبغة اليونانية، والذين تأثروا أشد التأثر بالعادات والأنماط الشرقية. فقد جاءت أنماط البطالمة إلى رومة مع ذهب كليوبطرة، ورافقت هندسة البناء الملكية أساليب الملوك السياسية. وقد اتسع فصر أغسطس الذي سمي باسم التل المقام فوقه بما أضيف إليه من الملحقات حين تضاعفت الشئون الإدارية الخاصة بالقصر الإمبراطوري. وشاد معظم خلفائه قصوراً إضافية لهم ولموظفيهم، فشاد تيبيريوس قصره المسمى دومس تيبيريانا Domus Tiberiana وكلجيولا قصره المعروف باسم دومس جيانا Domus Giana وشاد نيرون دومس أوريا Domus Aurea أي القصر الذهبي.

وأضحى هذا القصر الذهبي أعجوبة الأعاجيب في رومة، فقد أقيمت مبانيه وحدها على مساحة قدرها تسعمائة ألف قدم مربعة، ولم تكن هذه إلا جزءاً صغيراً من القصر الذي انتشر من تل البلاتين إلى التلال المجاورة له. وكان يحيط به بستان عظيم يشمل حدائق وخمائل وبركاً للسمك. ومسارح لحيوان الصيد، وأبراجاً للطير وكروماً، ومجاري مائية، وعيوناً فوارة، ومساقط مائية، وبحيرات وسفائن إمبراطورية، وبيوتاً للهو، ومصايف، ومشاتل لتربية الأزهار، وأروقة ذات عمد يبلغ طولها ثلاثة آلاف قدم. وقد حفر أحد الفكهين على جدار من جدران هذا القصر هذه العبارة العظيمة الدلالة: "لقد أصبحت رومة كلها مسكن رجل واحد، وآن أن تهاجروا أيها المواطنون إلى فياي-إلا إذا كانت فياي نفسها سيحتويها بيت نيرون"(15). أما داخل القصر فكان يتلألأ فيه الرخام والبرونز والذهب فضلاً عن المعادن المذهبة التي تغطى تيجان العمد الكورنثية، ومعها آلاف التماثيل والنقوش البارزة، والرسوم الملونة، وروائع الفن التي جيء بها من أنحاء العالم القديم أو نهبت منها نهباً، ومنها اللاؤكون Laocoon. وكانت بعض الجدران مرصعة باللؤلؤ وغيره من الجواهر الغالية، وكان سقف حجرة المآدب مغطى بأزهار من العاج، يسقط منها بإشارة من الإمبراطور رشاش من العطر على الضيوف. وكان لحجرة الطعام سقف كري من العاج، منقوش بحيث يمثل السماء والنجوم، تحركه حركة بطيئة دائمة آلات مختفية عن الأبصار. وكانت بالقصر طائفة من الحجرات بها حمامات حارة وأخرى باردة أو فاترة المياه، وحمامات ذات مياه بحرية وأخرى كبريتية. ولما كاد المهندسان الرومانيان سلر Celer وسفيرس Severus يفرغان من تشييد هذا الصرح العظيم ودخله نيرون قال: "لقد سكنت آخر الأمر". وبعد جيل من ذلك الوقت أهمل هذا القصر العظيم الذي يحاكي قصور فرساي في العصر الحديث لكثرة ما يتطلبه الاحتفاظ به من النفقات، وما يتعرض له من الأخطار، وما يحيط به من الفقر، وشاد فسبازيان على أنقاضه الكلوسيوم كما شاد عليها تيتس وتراجان حماماتهما الضخام.

وشارك دومتيان نيرون في جنون البناء، فقد شاد له ربريوس Rabirius قصره المعروف ببيت فلافيا Domus Flavia. ولم يبلغ هذا البيت من الضخامة مبلغ متحف نيرون، ولكنه لم يكن ينقص عنه في الروعة والزينة. وكان في جناح واحد منه باسلقا واسعة الأرجاء، ولعلها هي البهو الذي كان الإمبراطور ينظر فيه القضايا التي تستأنف إليه في مرحلتها الأخيرة. وكان هذا الجناح نفسه يضم رواقاً سعته ثلاثون ألف قدم مربعة، تجاوره حجرة للمآدب أرضها من الرخام البرفيري الأحمر والحجر الملوي الأخضر الذي لم يقو الزمان حتى الآن على إبادته فيما أباد من الستائر الرخامية الرقيقة والنوافذ ذات العمد الجميلة التي كان المدعوون بعد فراغهم من الطعام يشاهدون من خلالها الماء يسقط في الأحواض الرخامية من الفوارات القائمة في خارجها. وجدير بنا أن ننبه القارئ إلى أن دومتيان لم يكن يستخدم هذا القصر إلا في الحفلات وفي الأعمال الإدارية، أما مسكنه فكان في قصر أغسطس الذي يقل عن هذا القصر ضخامة وفخامة. وما من شك في أن هذه الصروح الملكية كانت جزءاً من المظاهر الخارجية للإمبراطورية الرومانية، قصد بها أن تلقي الروع في قلوب الأهلين والزائرين والسفراء، أما الأباطرة أنفسهم-مع جواز استثناء كلجيولا ونيرون- فكانوا يضيقون ذرعاً بالمراسم التي تجري في قاعات الحفلات، فيفرون منها إلى الدعة والألفة في مساكن أسرهم، حيث يستمتعون "بلذة كونهم رجالاً" على حد قول أنطونينس بيوس Antoninus Pius.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرابع: الفنون والنقوش

وكانت مئات الفنون تستخدم في هذه القصور وفي بيوت الأغنياء لتجعل كل شيء فيها عظيم النفقة إن فاتها أن تجعله جميلاً. فقد كانت أرضها في الغالب من الرخام المتعدد الألوان، أو الفسيفساء الذي عني فيه صانعوه بجمع المكعبات الصغيرة الكثيرة الألوان Cesserae، وبذلوا في ذلك الكثير من الجهد والوقت، فأخرجوا منها رسوماً مدهشة في واقعيتها وثباتها. وكان أثاث هذه القصور أقل عدداً من أثاث بيوتنا وأقل منه مجلبة للراحة، ولكنه يفوق في فخامة نقشه ودقة صنعه. فكانت المناضد، والكراسي، والمقاعد، والمضاجع، والأسرّة، والمصابيح، والأواني، كلها تصنع من المواد المتينة، كما كانت كثيرة الزينة. وكانت خير أنواع الخشب، والعاج، والرخام، والبرونز، والفضة، والذهب تخرط وتصقل بمنتهى الدقة والعناية، وتنقش عليها صور لأنواع النبات والحيوان، أو ترصع بالعاج، والفيروز، والصدف، والبرونز المنقوش، أو الحجارة الكريمة. وكانت المناضد تصنع أحياناً من خشب السرو أو الليمون الغالي، وكان بعضها يصنع من الذهب أو الفضة، والكثير منها يصنع من الرخام أو البرونز. أما المقاعد فكانت على أشكال لا حصر لها، منها مقاعد تطوى إلى عروش للأباطرة ولكنها كانت أقل تشويهاً للعمود الفقري من مقاعد هذه الأيام. وكانت الأسرّة تتخذ من الخشب أو المعدن، وكانت ذات أرجل رفيعة ولكنها ثابتة متينة تنتهي في كثير من الأحيان برؤوس الحيوانات أو أقدامها، وكانت عليها شبكة برونزية تحمل حشية القش أو الصوف بدل الشبكات اللولبية التي تستخدم في هذه الأيام. وكانت نضد رشيقة ذات ثلاثة أرجل تستخدم في الأغراض التي تستخدم فيها نضدنا، وكانوا يضعون في أماكن مختلفة من الحجرات خزانات ذات عيون لتوضع فيها الكتب الملفوفة. وكانت مواقد من البرونز تدفئ الحجرات، ومصابيح من البرونز تضيئوها. وكانت المرايا تصنع أيضاً من البرونز، وتصقل صقلاً جيداً، وتنقش عليها أو تحفر فيها أزهار أو صور خرافية. وكان بعضها محدباً أو مقعراً أفقياً أو رأسياً لكي يغير من الصور المعكوسة عليها فيجعلها رقيقة أو ضخمة تثير الضحك.

وكانت مصانع كمبانيا تستخدم منتجات المناجم الأسبانية الفنية فتصنع الكثير من الآنية الفضية لتباع في الأسواق، وبذلك انتشرت صحاف الطعام الفضية في بيوت الطبقتين الوسطى والعليا. وقد عثر أحد الحفارين في عام 1895 في حوض لبيت ريفي في بسكوريل Boscoreale على مجموعة عجيبة من الآنية الفضية لعل مالكها قد وضعها فيه قبل أن ينجو بحياته من نيران بركان ويزوف حين ثار في عام 79 م، ووجدت على أحد الأقداح نقوش لا يكاد يمسسها أذى لأوراق نباتية بسيطة، ووجد على قدحين صورة هيكلين عظيمين بارزين، وعلى إناء آخر صورة أغسطس بين الزهرة والمريخ وهما الإله والآلهة اللذان يتنازعان فيما بينهما السيطرة على الجنس البشري، ومنها قدح يدل على شدة الخبث والدهاء وعليه نقش يمثل زينون الفيلسوف الرواقي يشير في سخرية إلى أبيقور وهو يلتهم قطعة كبيرة من الفطائر، وإلى جانبه خنزير رافع ساقه الأمامية يسأله في أدب جم أن يعطيه قطعة منها.

ويدل على ما وجد من النقود والجواهر في عصر الإمبراطورية الأول على ما وصل إليه فن الحفر من رقي. ويدل على ما وجد منها من عصر أغسطس على نفس الذوق الجميل الذي تدل عليه الرسوم التي يشاهدها الإنسان على مذبح السلام كما يحتوي أحياناً على نفس هذه الرسوم. وكانت الأحجار الكريمة المستوردة من أفريقية وبلاد العرب والهند تقطع وتركب في الخواتم، ودبابيس الصدور، والعقود، والأساور، والأقداح، بل وفي الجدران أحياناً. وكان لبس خاتم في إصبع واحدة على الأقل من الضرورات الاجتماعية التي لا غنى عنها، وكان من المتظرفين عدد قليل يلبسون خواتم في جميع أصابعهم عدا واحدة منها. وكان الروماني يطبع إمضاءه بخاتمه، ولهذا كان يحرص على أن يكون هذا الخاتم فريداً في رسمه. وكان من بين الفنانين الذين ينالون أعلى الأجور عدد من قاطعي الجواهر أمثال آل دسكوريدس الذين صنعوا خاتم أغسطس. وقد وصل العصر الذهبي في قطع حجر القمو إلى مستوى من الرقي لم يفقه فيه عصر آخر، ولا يزال أجمل ما وجد في العالم من جواهر جوهرة أغسطس Gemma Augusta المحفوظة في فينا. وكان جمع الجواهر والحلي ذات النقوش البارزة هواية أثرياء الرومان-ومنهم بمبي وقيصر وأغسطس. وقد ظل ما في خزائن الأباطرة من جواهر يتكاثر على مر الزمن بما ورثوه منها عن أسلافهم حتى باعه ماركس أورليوس لينفق من ثمنه على حربه ضد المركوماني. وقد أخذت إنجلترا منصب حافظ الخاتم الأكبر أو الخاص عن منصب حارس الأختام والجواهر الإمبراطورية في أيام الرومان.

وفي هذه الأثناء كان خزافو كبوا، وبتيولي، وكومية، وأرتيوم يملأون بيوت الإيطاليين بجميع أنواع الآلية الخزفية. وكان في أرتيوم خوابي للخلط تتسع لعشرة آلاف جالون. وقد ظل ما تصنعه من صحاف الطعام المطلية بقشرة زجاجية حمراء مدى قرن كامل أكثر الصحاف انتشاراً في إيطاليا. ووجدت بعض هذه الصحاف في إيطاليا بأجمعها فلم يكد يخلو منها مكان واحد فيها. وكانت الأختام الحديدية البارزة الحفر تستخدم في طبع كل مزهرية ومصباح وقطعة من القرميد باسم صانعها، وكان يطبع عليها أحياناً اسما القنصلين الحاكمين دلالة على تاريخ صنعها.

هذا هو الحد الذي بلغه علم القدماء بفن الطباعة، وقد تركوه دون أن يرتقوا به إلى ما فوق هذا القدر، لأن النسّاخين الأرقاء كانوا يتقاضون أجوراً قليلة(18).

وانتقل صناع كومية، ولترنوم، وأكويليا، من صنع الخزف إلى صنع الزجاج الفني الجميل . ومن أشهر أمثلة هذه الآنية الزجاجية مزهرية بورتلاند وأجمل منها "المزهرية الزجاجية الزرقاء" التي عثر عليها في بمبي والتي نقش عليها عيد خمري لباخوس نقشاً جميلاً ينبض بالحياة(19). ويقول بلني واسترابون(20): إن فن صنع الزجاج قد نقل في عهد تيبيريوس من صيدا والإسكندرية إلى رومة، وسرعان ما أخرج فنانوه قنينات صغيرة، وقداحاً وطاسات، وأواني أخرى متعددة الألوان دقيقة الصنع، جميلة المنظر أصبحت في وقت ما مطلب الأثرياء وجامعي الروائع الفنية. وقد عرض في عهد نيرون ستة آلاف سسترس ثمناً لقدحين صغيرين من الزجاج المعروف في هذه الأيام باسم "ميل فيوري Mlliefiori أو "الزهرات الألف"، صنعا بصهر عصى زجاجية مختلفة اللون. وكان أغلى من هذين ثمناً مزهريات "مورهين" Murrhine التي جيء بها من آسية وأفريقية. وكانت تصنع بوضع خيوط رفيعم من الزجاج الأبيض والأرجواني بعضهما بجوار بعض للحصول على الرسم المطلوب، ثم إشعال النار فيها، أو ترصيع جسم أبيض شفاف بقطع من الزجاج الملون، وقد جاء بمبي بروائع من هذا النوع إلى رومة بعد انتصاره على مثرداتس. واحتفظ أغسطس لنفسه بكأس كليو بطرة المصنوعة من زجاج مرهين، وإن كان قد صهر صحافها الذهبية. وقد دفع نيرون مليون سسترس ثمناً لقدح من هذا النوع، وكسر بترونيوس قدحاً آخر وهو يحتضر حتى لا يقع في يد نيرون. ويمكن القول بوجه عام إن الرومان لم يفقهم أحد في صنع الزجاج؛ وقلَّ أن يوجد في العالم مجموعات فنية أثمن من مجموعة الآنية الزجاجية الرومانية المحفوظة في المتحف البريطاني وفي متحف العاصمة الفني بنيويورك.


الفصل الخامس: النحت

انتقل فن الخزف إلى النحت عن طريق الصلصال المحروق-من نقوش بارزة، وتماثيل صغيرة، ولعب، ومحاكاة للفاكهة والعنب والسمك-حتى وصل آخر الأمر إلى تماثيل بالحجم الطبيعي. وقد وجد الشيء الكثير من هذه في خرائب بمبي. وكانت قواصر الهياكل وطنفها تزينها نقوش تمثل سعف النخل ومثقفات وميازيب في صورة رؤوس حيوانات ونقوش بارزة. وكان اليونان يسخرون من هذه الحليات، وقد أصبحت في عهد الإمبراطورية من الطرز العتيقة، ولم يكن أغسطس ممن يحبون أن تزين القصور بالطين محروقاً كان أو غير محروق.

ولعل ذوقه الأتيكي هو الذي سما بفني النقش والنحت حتى بلغا من الروعة في رومة منزلة تضارع ما بلغته أحسن النقوش والتماثيل في البلاد التي امتدت إليها الحضارة اليونانية؛ فقد ظل الفنانون في رومة جيلاً ينحتون الفساقي، وشواهد القبور، والعقود، والمذابح نحتاً تبدو فيه رقة الشعور، ودقة العمل، وروعة الشكل، وهدوؤه، كما يبدو فيه قدر من التشكيل ومراعاة المنظور يرفع النقوش الرومانية إلى مستوى الآيات الفنية العالمية.

أما النحت فحسبنا أن نقول فيه إن مجلس الشيوخ احتفل بعودة أغسطس إلى رومة في عام 13 ق. م بعد أن أعاد السلام إلى أسبانيا وغالة بأن أمر بإقامة "مذبح السلم الأغسطية Ara Pacis Augustae" في ميدان المريخ. وهذا المذبح أفخم ما بقي من أعمال النحت في رومة، ولعل شكل مأخوذ عن مذبح برجموم Pergamum، ولعل فكرته مأخوذة عن طنف البارثنون المنقوش. وقد أقيم المذبح على مرتفع قليل في مساحة مسورة شيد بعض أسوارها من المرمر المنقوش. وكل ما بقي ن هذا الهيكل قطع من هذه الأسوار . وتمثل إحداها تلس Tellus-الأم الأرض-وبين ذراعيها طفلان، وإلى جانبها ينمو الحب والزهر، وعند قدميها ترقد حيوانات وادعة راضية. وتلك هي المبادئ الرئيسية التي قامت عليها إصلاحات أغسطس: عودة السرة إلى أحضان والديها، وعودة الأمة إلى الزراعة، وعودة الإمبراطورية إلى السلم. والرسم الأوسط لا يكاد يفوقه رسم آخر مهما عظم، والحق أن فيما جمعه من الأمومة الناضجة، والجمال الأنثوي، ورقة القلب، ورشاقة الشكل، لكمالاً ورقة لا ترقى إليهما آلهات البارثنون الفخمة العظيمة. "وكان لطنف السور الخارجي بروز سفلي ذو درج مسنفة ، أو منقوش عليها تويجات الفاوانيا والخشخاش العريضة، وعناقيد كبيرة من ثمار اللبلاب. وهذه أيضاً نجد لها نظيراً في غير هذه التحفة الفنية. وعلى بروز آخر نقش موكبان يتحركان في اتجاهين متضادين ليلتقيا أمام مذبح آلهة السلام. وفي هذه المجموعات صور هادئة وقورة لعلها صور أغسطس وليفيا والأسرة الإمبراطورية، ومعها عدد من النبلاء والكهنة والعذارى الفستية والأطفال. وصور الأطفال واقعية جذابة تستلفت النظر بحيائها وطهرها. ومن بينها طفل رضيع يحبو كأنه لا يجد لذة في هذا الاحتفال، وآخر وهو ولد يفخر بما بلغه من العمر، وطفلة صغيرة بيدها طاقة زهر، وأخرى تؤنبها أمها على عمل خبيث ومن ذلك الحين بدأ الأطفال يكون لهم شأن متزايد في الفن الإيطالي؛ ولكن فن النحت الروماني لم يصل في يوم من الأيام إلى ما وصل إليه وقتئذ من قدرة على تصوير السجف، والمجموعات الطبيعية القوية المؤثرة، وتنظيم الأضواء والظلال تنظيماً أوفى على الغية في الإتقان. وقد وجد الإيطاليون في هذا النقش كما وجدوا في شعر فرجيل أكمل وسيلة للدعاوة لأنفسهم وإذاعة مجدهم في أنحاء العالم.

وليس ثمة نقوش رومانية تضارع هذه النقوش إلا النقوش المنحوتة على الأقواس التي كانت تقاوم عند دخول القواد الظافرين. وأجمل ما بقي من هذه الأقواس قوس تيتس الذي بدأه فسبازيان وأتمه دومتيان لتخليد ذكرى فتح بيت المقدس، ويمثل أحد هذه النقوش المدينة المحترقة، وأسوارها المهدمة، وأهلها الذين استولى عليهم الرعب، وثروتها التي تنتهبها الفيالق الرومانية. ويمثل نقش آخر تيتس يسير إلى رومة في مركبته بين الجنود، والحيوانات، وكبار الحكام، والكهنة، والأسرى، ومن ورائه ثرييات الهيكل المقدسة وغيرها من غنائم الحرب على اختلاف أنواعها. وقد كان الفنانون الذين حفروا هذه الرسوم جد جريئين في تجاربهم: فقد حفروا صوراً تختلف باختلاف المستويات، ووزعوها على سطوح متفاوتة الارتفاع، ونحتوا خلفية الصورة بحيث تمثل العمق، ولونوا الصورة كلها لتحمل إلى الرائي درجات مختلفة من الاكتظاظ والبعد، فوق ما تحمل من المعاني الأخرى. وأما الأعمال التي تمثلها الصورة فلا تظهر كأنها حوادث متفرقة بل تبدو مستعمرة دائمة، كما تبدو في طنف بلاد النهرين ومصر، وكما تبدو فيما بعد على أعمدة الإمبراطورين تراجان وأورليوس؛ وبذلك استطاعت أن تمثل معنى الحركة والحياة على خير وجه. كذلك لم يعمل العرف والمثل الأعلى عملهما في الصورة فيخرجاها عن الواقعية ويفرضا عليها ما فرضه الفن الأتيكي على صور "مذبح السلام" اليوناني؛ بل إن أناسه أناس واقعيون من لحم ودم وأقذار نحتوا على سنن التقاليد الإيطالية تقاليد الواقعية والحيوية. ولم يكن موضوعها هو الآلهة المكملة بل كان هو الآدميين الأحياء.

وهذه الواقعية القوية هي التي تميز فن النحت الروماني. ولولا إخلاص الرومان المتواتر لهذه النزعة المتأصلة في نفوسهم لما أضافوا إلا القليل لعالم الفن. وقد حدث في عام 90 ق. م أن جاء غلى رومة رجل يوناني من أهل إيطاليا الجنوبية يدعى بستليز Pestiles، وأقام فيها ستين عاماً كاملة، أخرج فيها تحفاً فنية من الفضة والعاج والذهب، وجاء إليها بالمرايا الفضية، وأخرج نسخاً متعددة من روائع الفن اليوناني، وكتب خمسة مجلدات عن تاريخ الفن. فكان بذلك فساري وسليني زمانه في آن واحد. كذلك قدم يوناني آخر يدعى أرسسلوس لقيصر تمثالاً ذائع الصيت لفينوس جنتركس. ونحت أبولونيوس الأثيني تمثال الترسو بلفدير Torso Belvedere في الفاتيكان، وهو تمثال خلت فكرته من الغلو، فليس فيه عضلات بارزة، بل يمثل رجلاً في كمال القوة وصحة الجسم، ولعل نحته في رومة نفسها. وكل ما نستطيع أن نقوله عن هذا التمثال أنه بلغ الكمال غلى الحد الذي كان يبغي صاحبه أن يمثله فيه. وقد ظلت مناحت الفنانين وقتاً ما تعمل جاهدة في إعطاء الآلهة الإيطالية صوراً يونانية، ولم تستثن من ذلك التجريدات القدسية كالفرصة والعفاف. ويغلب على الظن أن جليكون Glycon الأثيني نحت في هذا الوقت نفسه وفي مدينة رومة تمثال هرقل الفرنيزي. ولسنا نعرف متى صنع تمثال أبلو بلفدير ولا متى صنع، ولعله صورة رومانية لتمثال أصيل نحته ليوكارس Leochares الأثيني. ويعرف كل طالب علم كيف آثار جماله الهادئ نشوة ونكلمان Winkelmann الأورانية(21). ونحت ليونو في ذلك الوقت تمثالين هما تمثال يونو الفرنيزية المنحوت من حجر السماق والمحفوظ في متحف نابلي، وتمثال يونو اللدفيزية المحفوظ في ترم Terme-وهو تمثال فاتر، عابس، ينم عن الاستقامة والعدالة؛ إذا نظر إليه الإنسان بدأ يفهم طواف جوف وتجواله.

كانت هذه التماثيل كلها كما كان تمثال برسيوس واندرمدا Perseus and Andromeda الجميل المحفوظ في متحف الكبتول من الطراز اليوناني الذي اتخذ طرازاً عاماً في النقش ومثلاً أعلى له، وقدس تقديساً يبعث على الأمل والسآمة. وأكثر من هذه النقوش إلفاتاً للنظر واسترعاء للانتباه التماثيل النصفية التي هي بمثابة معجم من البرونز والرخام لجميع وجوه الزمان من عهد بمبي إلى عهد قسطنطين. وهذه أيضاً قد اتخذ بعضها مثلاً أعلى وخاصة رأسا يوليوس وكلوديوس، ولكن النزعة الواقعية التسكانية القديمة ومغميات الموتى التي لم يكن فيها شيء من المجاملة والملق، والتي لم تكن تغيب قط عن أعين المثالين، قد جعلت الرومان لا يستنكفون قط أن يمثلوا بمعارف قبيحة على شرط أن يظهروا في تماثيلهم أصحاء أقوياء. وقد أوصى الكثيرون منهم بتماثيلهم للميادين والأماكن العامة، وبلغت هذه التماثيل الموصى بها من الكثرة حداً خيل معه في وقت من الأوقات أن الذين يملكون رومة من الموتى أكثر ممن يملكونها من الأحياء؛ وقد بلغ من حرص بعض الكبراء على أن توضع تماثيلهم في الأماكن أنهم لم يصبروا حتى تنصرم آجالهم، فأقاموا لأنفسهم تماثيل قبل وفاتهم. ودفعت الغيرة الأباطرة إلى تحريم هذه العجلة في التخليد حتى تتسع رومة للأحياء من أبنائها.

وأعظم التماثيل النصفية الملونة هو التمثال المعروف باسم "رأس قيصر" المصنوع من حجر البازلت والمحفوظ في متحف برلين. ولسنا نعرف من الذي يمثله هذا التمثال النصفي رغم هذه التسمية، ولكن شعره القليل، وذقنه المحدد، ووجهه الرفيع البارز العظام، وما فيه من خطوط عميقة دالة على كثرة القلق والتفكير، والعزيمة المستسلمة للحقائق بعد أن زالت عن الأعين غشاوتها وعن العقول أوهامها، كل هذه تتفق مع صفات قيصر الذي تعزو إليه الرواية هذا التمثال. ويلي هذا التمثال النصفي في القدر مباشرة التمثال الضخم الذي يمثل رأس قيصر والمحفوظ الآن في نابلي: وفي هذا التمثال تعمقت أخاديد الوجه حتى نمت عن حقد ومرارة، كأن هذا الجبار قد عرف آخر الأمر أن ليس في العالم عقل بلغ من السعة قدراً يمكنه من فهم العالم دع عنك حكمه. وترى الواقعية التي تصل إلى حد يبعث على الاشمئزاز بادية في تمثال بمبي المقام في ناي كارلسبرج جلبتوتك Ny Carlsberg Gluptotek بكوبنهاجن Copenhagen: وينطق هذا التمثال بأن صاحبه قد نسي في البداية الكهولة وهزائمها ما ناله بشجاعته من مجد ونصر في عهد الشباب. ولدينا لأغسطس نحو مائة تمثال، كثير منها جيد غاية الجودة، متقن غاية الإتقان: منها تمثال أغسطس الغلام (المحفوظ في الفاتيكان) والذي يبدو فيه صاحبه جاداً ثاقب البصر نبيلاً-وهو أجمل صورة لغلام حقيقي في جميع عصور التاريخ على الإطلاق. ومنها تمثال أغسطس في الثلاثين من عمره (المحفوظ في المتحف البريطاني)-وهو تمثال من البرونز تبدو فيه العزيمة القوية الصادقة، ويذكرنا بقول ستونيوس إن الإمبراطور كان يسعه أن يطفئ نار الفتنة بنظره؛ ومنها تمثال أغسطس القس (في متحف ترم) ذو الوجه الدال على التفكير العميق بارز من السجف المحيطة به من كل جانب؛ وتمثال أغسطس القائد الذي عثر عليه في خرائب قصر ليفيا الريفي في بريما بورتا Prima Porta والمحفوظ في الفاتيكان؛ وقد غطى الدرع البرونزي الذي يحمل صدر هذا التمثال الشهير بنقوش غريبة تربك الناظر وتحوله عن تأمل التمثال نفسه . ووقفة أغسطس كما يصورها هذا التمثال ثابتة قوية، وساقاه أقوى ما تكونان لشخص عليل مثله؛ ولكن الرأس يمثل القوة الهادئة، والثقة بالنفس تكشف عن يد الفنان العظيم ونفسيته.

وكانت ليفيا حسنة الحظ إذا سخرت الأقدار فناناً عظيماً لصنع رأسها المحفوظ في كوبنهاجن. ترى في هذا الرأس الشعر الجميل، والأنف الروماني الأقني الذي ينم عن قوة الخلق، والعينين الدالتين على الحنان والتفكير، والشفتين الجميلتين الدالتين على القوة والثبات. وتلك هي المرأة التي وقفت وراء عرش أغسطس تدعمه بهدوئها، والتي غلبت جميع منافسيها وأعدائها، وسيطرت على الناس جميعاً عدا ولدها. وكان تيبيريوس هو الآخر رجلاً محفوظاً. ذلك أن تمثاله الجالس المحفوظ في متحف لاتران، وإن نحت على طراز مثل أعلى موضوع، يعد آية فنية أخرجتها يد مثال لا يقل براعة عن المثال الذي نحت من حجر الديوريت تمثال خفرع المحفوظ في المتحف المصري. أما كلوديوس فلم يكن حظه حظ من سبقوه، وما من شك في أن المثال كان يسخر منه، أو أنه كان يمثل الصفات التي وصفه بها سنكا في هجائه المشهور. فقد صوّره في صورة جوبتر المتعب المتضجر، بديناً، ظريفاً، أبكم. وأجهد نيرون نفسه في أن ينمي حاسة الإحساس بالجمال؛ ولكن أعظم ما كان يرغب فيه هو الشهرة والضخامة، ومن أجل هذا لم ير لزنودوتس Zenodotus اسكوباس Scopas زمانه شيئاً أفضل من أن يقضي وقته في نحت تمثال له في صورة أبلون يعلو مائة وسبع عشرة قدماً . وأمر هدريان أن يوضع هذا التمثال في صدر المدرج الفلافي، ومن ثم سمى هذا المدرج باسم الكلوسيوم Collosseum لضخامة هذا التمثال(22).

وعاد فن النحت إلى واقعيته في عهد فسبازيان الأمين، فسمح لمثاليه أن يكونوا صادقين في تصويره في صورة السوقي الحق، ذي معارف غليظة خشنة، مغضن الجبهة، أصلع الرأس ضخم الأذنين. وخير من هذا وأكثر منه دلالة على الرحمة التمثال النصفي المحفوظ في ترم Terme، والذي يدل على نفس شغلتها شئون الدولة عن نفسها؛ ووجه رجل الأعمال الذي يطل على الناظر إليه من الأس الضخم المحفوظ في متحف نابلي. ويصل إلينا تيتس في جمجمة كالسابقة مكعبة الشكل، ووجه غير جميل. وإن المرء ليصعب عليه أن يعتقدا أن هذا الشخص الذي يبدو في تمثاله كأنه من الباعة المتنقلين هو حبيب البشر أجمعين. وقد أوتي دومتيان من بعد النظر في العصر الفلافي ما جعله يعمل على أن يبغضه الشعب في حياته فيحطم جميع تماثيله بعد وفاته. ولما خرج الفنان من القصر وأخذ يجول في الشوارع استطاع أن يطلق العنان للنزعة الإيطالية الخبيثة، نزعة الحقيقة الفكهة المضحكة. وما من شك في أن شيخاً طاعناً في السن أقل حكمة ومالاً من الوزير الفيلسوف هو الذي يصوره التمثال الهزيل الكث الشعر الذي كانوا يقولون عنه من قبل غنه تمثال سنكا. واستطاع الفنانون المشهورون في فترة من الزمن أن يمثلوا عضلات الرياضيين تمثيلاً يخلدها على مدى العصور. وشقت تماثيل المصارعين طريقها إلى أكبر البيوت، سواء كانت بيوت الأثرياء الريفية أو قصور الكبراء في الحواضر. وكان المثالون الرومان رحماء وهم ينحتون تماثيل النساء: فتراهم بين الحين والحين ينحتون تمثالاً لامرأة سليطة حمقاء، ولكنهم صنعوا بالإضافة إلى هذا تماثيل لبعض العذاري الفسقية، ومثلوا وقارهن ورشاقتهن أحسن تمثيل، كما صنعوا في بعض الأحيان تماثيل تتجلى فيها رقة القلب مجسمة كتماثيل الكليتي Clytie المحفوظة في المتحف البريطاني، وأخرى لنساء من الأشراف هشة لينة تسحر اللب سحر دُمَى وتو Watteau أو فروجونارد Frogonard(23). وكانوا جد بارعين في تمثيل الأطفال كما يدل على ذلك تمثال الغلام البرونزي المحفوظ في متحف نيويورك، أو تمثال الطفلة البريئة المحفوظ في متحف الكبتول. وكان في وسعهم أن ينحتوا أو يصبوا تماثيل حيوانات مدهشة في دقتها ووضوح معالمها، كما نرى ذلك في رؤوس الذئاب التي وجدت في نيمي عام 1929، أو الخيل الواثبة في سانت مارك St. Mark. نعم إنهم لم يبلغوا قط ما بلغته مدرسة بركليز الفنية من كمال وبراعة في الصقل؛ ولكن منشأ هذا النقص أنهم كانوا يحبون الفرد أكثر مما يحبون الطراز، وأنهم كانوا يعتزون بالنقائص الحقيقية التي هي سمة الحياة. وقصارى القول أن هؤلاء الفنانين رغم قصورهم قد سموا إلى أعلى مكانة في تاريخ الفن التصويري.


الفصل السادس: التصوير

لقد كان من يزور رومة في الزمن القديم يجد فن التصوير أكثر انتشاراً من فن النحت في هياكلها ومساكنها، وأروقتها، ذات العمد، وميادينها؛ وكان يعثر فيها على الكثير من أعمال كبار الفنانيين الأقدمين أمثال بولجنوتس Polygnotus وزيوكسيس Zeuxis، وأبليز Appeles، وبروتجنيس Protogmese وغيرهم. ولم تكن الأعمال أقل قيمة أو أقل تقديراً في الإمبراطورية الواسعة الثراء من صور عهد النهضة الأوربية في أمريكا الغنية في هذه الأيام؛ وكان يجد أعمال رسامي الإسكندرية ورومة أعظم وفرة في رومة القديمة من صور النهضة في أمريكا الحديثة وذلك لحسن تعهدها وشدة العناية بحفظها. لقد كان الفن قديماً في إيطاليا حيث كان كل جدار يتطلب الفن، والتجميل. وأتى على إيطاليا حين من الدهر كان نبلاؤها أنفسهم يمارسون هذا الفن، ولكن تيار الحضارة الهلنستية الجارف جعل التصوير يوناني الطابع شديد الخضوع للعرف والتقاليد حتى أنتهى الأمر بأن عجب فالريوس مكسمس Valerius Maximus من ان فابيوس بكتور Fabius Pictor ينزل من علائه فيصور على جدرانه "هيكل الصحة"(24). غير أنا نجد حالات شاذة لا ينطبق عليها هذا التعميم: من ذلك أن أرليوس Arellius قد ذاع صيته في أواخر عهد الجمهورية لأنه كان يستأجر العاهرات ليكن نماذج لصور الآلهات؛ وحدث في عهد أغسطس أن اشتغل بالتصوير شريف أبكم يدعى كونتس بديوس Quintus Pedius لأن عاهته قد سدت في وجهه جميع سبل الأعمال الأخرى؛ واستخدم نيرون لتزيين بيته الذهبي مصوراً يدعى أمليوس Amulius كان "يرسم في وقار جم وهو مرتد جبته(25).

ولكن هؤلاء الرجال كانوا متفرقين في بحر المصورين اليونان الخضم الذين أخذوا يخرجون في رومة وبمبي وسائر أنحاء الجزيرة نسخاً من الرسوم اليونانية مطابقة لها أو مختلفة بعض الشيء عنها، تمثل موضوعات يونانية أو مصرية. وكاد فن التصوير في رومة أن يكون مقصوراً على المظلمات والألوان المائية الممزوجة بمادة غروية لاصقة توضع فوق سطح جاف. وكان المصورون يلجأون في بعض الأحيان غلى تثبيت الألوان بالحرارة، وذلك بإذابتها في الشمع الشديد الحرارة. أما من حيث حجم الصور فإنا نذكر أن نيرون أمر بأن ترسم صورته على قطعة من القماش يبلغ ارتفاعها مائة وعشرين قدماً- وهذه الصورة أول ما لدينا من صور استخدم فيها قماش التصوير. وقد سبق القول إن الألوان كانت تستخدم في تلوين التماثيل، والهياكل، والمناظر المسرحية، والصور الكبيرة المرسومة على الأقمشة التيلية لعرضها في السوق العامة في أوقات الاحتفال بالنصر، ولكن مواضعها المحببة كانت هي الجدران الخارجية في المباني. وقلّما كان الرومان يضعون الأثاث مستنداً إلى الجدران أو يعلقون عليها الصور، ذلك أنهم كانوا يفضلون أن يستخدموا الجدار كله ليرسموا عليه صورة واحدة أو مجموعة من الصور المتصلة بعضها ببعض في موضوعها. وبهذه الطريقة أضحت الصورة الجدارية جزءاً متمماً للبيت وعنصراً أساسياً في هندسته المعمارية.

وقد حفظت لنا أبخرة فيزوف الحارقة نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة مظلم- وهي يزيد عددها في بمبي وحدها على عدد كل ما وجد منها في سائر أنحاء العالم القديم. وإذ كانت بمبي في أيامها من المدن المتوسطة الحجم غير العظيمة الشأن فإن في وسعنا أن نتصور عدد الرسوم الجدارية التي كانت تزدان بها المنازل والأضرحة في إيطاليا القديمة. وقد نقل أحسن ما بقي من هذه الرسوم إلى متحف نابلي، ولا يزال لجمالها الهادئ رغم انتقالها إلى مكانها الجديد أعظم الأثر في نفس من ينظر إليها؛ ولكن الأقدمين وحدهم هم الذين كانوا يعرفونها في عمق ألوانها وفيما بها من إطار هندسي يجعل لكل صورة من هذه الصور معنى خاصاً وموضعاً خاصاً. وقد تركت الصور الجدارية التي في بيت فتاي في أماكنها الصلية، فترى في المطعم ديونيشس يفاجئ أدرياني النائمة، وترى على الجدار المقابل لهذه الصورة ديدالس Daedalus يعرض بقرته الخشبية على باسفائي؛ Pasifa( وفي الطرف الأقصى من الجدار ترى هرمس ينظر في هدوء إلى هفيستس Hephaestus وهو يشد إكسيون Ixion إلى عجلة التعذيب. ونشاهد في حجرة ثانية مظلمات مضحكة متتابعة فيها صور متعددة لكيوبد إله الحب يسخر مما في بمبي من صناعات بما فيها صناعة الخمر في فتاي. وقد عدت عوادي الأيام على هذه الصورة التي كانت من قبل ناضرة براقة، ولكن ما بقي منها يكفي لأن يشعر الزائر بما يجب أن يكون عليه من تواضع وحياء، فصور الأجسام البشرية تكاد تبلغ الغاية في الإتقان والجودة، وتكاد تنبض بالحياة وتثير دم الشهوة في عروق الأحياء من بني الإنسان.

ولقد حاول الخبراء أن يفهموا ماهية فن التصوير في إيطاليا القديمة ويصنفوا عصوره وأنماطه بالاعتماد على ما وجدوه من نماذج له في إيطاليا القديمة. وهذه الطريقة في التصنيف خطرة غير مأمونة لأن بمبي نفسها كانت يونانية أكثر منها لاتينية؛ ولكن ما بقي في رومة وضواحيها من رسوم قديمة يتفق غلى حد كبير مع تطور فن التصوير في بمبي. ففي الطراز الأول (القرن الثاني قبل الميلاد) حين كانت الجدران تغطي بقشرة كاملة قبل الرسم عليها، كانت الجدران في أغلب الأحيان تلون بحيث تبدو كأنها مطعمة بألواح من الرخام كما تشاهد في "بيت سلت" في بمبي. وفي الطراز الثاني أو الطراز المعماري (القرن الأول قبل الميلاد) كان الجدار يطلى ليمثل بناء أو واجهة أو بهواً ذا عمد، وكثيراً ما كانت العمد ترسم كما تبدو للناظر إليها من الداخل، وبينها مظاهر الريف الخلوية، وبهذه الطريقة كان الفنان يضفي على الغرفة التي لا نوافذ لها في أغلب الظن محيطاً ذا نسيم عليل من الأشجار والأزهار والحقول، والجدول، والحيوانات الهادئة أو المرحة اللاعبة.

وكان في وسع ساكنها السجين فيها أن يتخيل أنه مقيم في حدائق لوكلس، ولم يكن ذلك ليكلفه أكثر من النظر إلى الجدران كما كان في وسعه أن يصيد السمك، أو يقتنص الحيوان، أو يداعب الطيور ويدللها، ويعتز بها في غير فصولها وأيامها، وذلك لأن الطبيعة كانت تنقل إليه في منزله فلا يتحمل هو مشقة الانتقال إليها. وفي الطراز الثالث أو طراز التحلية (1- 50 م) كانت الأشكال الهندسية المعمارية للزينة لا غير، وكانت تضع المناظر الطبيعية في المنزلة الثانية بعد صور الآدمييين. وفي الطراز الرابع المختلط المعقد كان الفنان يترك العنان لخياله يخترع تراكيب وأشكالاً غريبة، ويضعها في مواضعها وهو مرح ساخر مما تتطلبه الحشمة والوقار، ويكدس في صورته الحدائق والعمد والبيوت الريفية والجواسق بعضها فوق بعض كتشويش الرسوم في هذه الأيام(26)؛ وكثيراً ما كان يحصل بهذا على الأثر الذي تحدثه في الناظر صورة تكملها ذكريات لا وعيية سلطت عليها الأضواء. وكان فن العمارة في جميع هذه الطرز المتقاربة إما خاضعاً للتصوير ومسيطراً عليه يخدمه ويستخدمه، فأنشأ فيه بذلك تقاليد عادت إلى اليقظة بعد ستة عشر قرناً على يدي نقولاس بوسن Nicholas Poussin. ومن دواعي الأسف أن ما بقي من موضوعات الرسوم الكبرى قلّما يتعدى الأساطير اليونانية؛ فالآلهة، وجن الحراج، والأبطال، والخاطئون المذنبون- زيوس، والمريخ، وديونيشس، وبان، وأخسيل، وأديسيوس، وإفجينيا، وميديا هذه كلها تتكرر تكراراً يبعث على الأمل والسآمة، وإن كانت هذه التهمة بعينها يمكن توجيهها إلى فن النهضة. وثمة صور قليلة تمثل الحياة الهادئة الساكنة، كما أننا نعثر في مواضع متفرقة على مطرقة أو صاحب حانة أو قصّاب يلتمع فوق جدران بمبي. وكثيراً ما يسيطر الحب على المنظر برمته فترى فتاة مطرقة يتنازعها شوق كمين ليس معدوم الصلة بإيروس إله العشق الواقف إلى جانبها، وترى الفتيات والشبان يمرحون على الكلأ يتبادلون نظرات الوجد والهيام، وأرباب الخمر والفسق يلعبون كأن المدينة لم تعرف في حياتها شيئاً غير الحب والخمر؛ وإذا ما حكمنا على نساء بمبي من صورهن التي على الجدران كانت هؤلاء النسوة خليقات بأن يكون جمالهن محور الحياة بأجمعها في تلك المدينة، فنحن نراهن منهمكات في لعبة "الكعاب" أو متكئات في رشاقة على القيثارات، أو نشاهدهن يقرضن الشعر والأقلام بين شفاههن، ودلائل التفكير بادية على ملامحهن، ووجوههن هادئة من أثر النضوج، وأجسامهن سليمة صحيحة كاملة النمو، وأثوابهن مسبلة عليهن، فضفاضة أنيقة كأنها من نحت فدياس، يمشين كأنهن كلهن هلن اليونانية التي سلبت عقل باريس بن بريام، مدركات قداستهن. وترى إحداهن ترقص رقصة باخوسية لعلها في هواء رقيق، وذراعها ويدها وقدمها اليمنى من أجمل ما رأته العين في تاريخ التصوير. ويحب أن تضم إلى هذه الروائع بعض صور الرجال أيضاً كصورة تسيوس Theseus وهو ينتصر على المونوتور Minotaur وهرقل وهو ينجي ديانيرا Deianira أو يتبنى تلفوس Telephus، وأخيل يسلم وهو غضبان آسف برسيس Briseis المتمنعة الآبية. وكل شكل رسم في هذه الصورة الأخيرة يكاد يبلغ الغاية في الكمال ويصل فيه التصوير البمبياثي إلى ذروة الإبداع. وللفكاهة أيضاً نصيبها من التصوير؛ فهذا زعيم أشعت يتمثر على عكازته، وهذا جني ظريف يهز ساقيه في مرح تهكمي، وهذا سلينس Silenus أصلع بذيء يصور وهو في نشوة موسيقية. وللحانات والمواخير أيضاً مكانها في زينة الجدران، ولا يجد السائح المتقصي حاجة لأن يقال إن بريابس Priapus لا يزال يزهو بقواه الثمينة على جدران بمبي. وفي الطرف الآخر من هذه السلسلة حيث توجد بيوت الضواحي نرى طائفة من الصور الدينية توحي بأن المكان كان يستخدم للاحتفال بالطقوس الديونيشية الخفية؛ ففي أحد المظلمات نشاهد بنتاً أمعنت في تقواها بغير رفق حتى شلت حركتها، تقرأ في كتاب يبدو أنه كتاب مقدس؛ وفي مظلم آخر يتقدم موكب من الفتيات ينفخن في الأبواق، ويأتين بالقرابين؛ وفي مظلم ثالث نرى سيدة عارية ترقص على أصابع قدميها وإلى جوارها راهبة مبتدئة راكعة على ركبتيها، منهوكة القوى من شدة ما قاست في أحد الطقوس الدينية(27). وأجمل من هذه كلها نقش جداري عثر عليه في خرائب ستابيا Stabiae من نوع نقوش بتيشلي Botticelli ومتقدم عليها، ويسمي هذا النقش الربيع: وهو يمثل امرأة تمشي في حديقة على مهل تقطف الأزهار، ولا يرى منها إلا ظهرها ورأسها تديره بخفة ورشاقة إلى خلفها؛ وقلّما استطاع فن من الفنون أن يصور ما في هذا الموضوع السهل من شاعرية تصويراً مؤثراً في النفس مثيراً للعواطف كما صوره هذا الفنان.

وأقوى ما وجد من الصور في هذه الخرائب صورة ميديا التي عثر عليها في هركيولانيم Herculaneum وحفظت في متحف نابلي، وهي تمثل امرأة مطرقة عليها ثياب فاخرة تفكر في مقتل أبنائها؛ ويلوح لنا أن هذه صورة منقولة عن الصور التي أجاز عليها قيصر مصورها تموماكس Timomachus البيزنطي بأربعين ألف وزنة (تالنت) أي 144000 ريال أمريكي(27)؟ ولم يوجد في رومة إلا القليل من الصور التي تبلغ هذه المنزلة، ولكن عثر في بيت ليفيا المقام في بريما بورتا Prima Porta على مثل رائع من صور المناظر الطبيعية التي تسمو فيها إيطاليا على بلاد اليونان، فيه تخدع العين فيظن الإنسان أنه يجتاز بهواً إلى تكعيبة في أرض رخامية من ورائها أجمة من النبات والأزهار بلغت من الإتقان حداً يمكن العالم النباتي في هذه الأيام من أن يتبينها ويصتفها؛ فكل ورقة من أوراقها رسمت بشكلها ولونها الطبيعيين، والطيور تجثم على مواضع متفرقة منها كأنها تحط عليها إلى وقت ما، والديدان تزحف بين الأغصان والأوراق. ويقرب من هذه الصورة في روعتها ورقتها عرس الديرنديتي التي وجدت في التل الإسكويلي في عام 1606 والتي درسها روبن Rubens وفان ديك وجيتة بحماسة بالغة. وقد تكون هذه منقولة عن صورة يونانية، وقد تكون صورة أصلية من عمل رسام يوناني استوطن رومة، أو من عمل روماني أصيل. وكل ما نستطيع أن نقوله واثقين أن ما عليها من صور الأشخاص- كصورة العروس الهادئة الحيية، والآلهة التي تسديها النصيحة، والأم المنهمكة في الاستعداد للعرس، والعذارى ينتظرن ليعزفن على القيثارة ويغنين- كل هذه قد رسمت برقة وحساسية ترفعان هذا الرسم الجداري إلى منزلة الآثار الفنية القديمة الممتازة.

على أن فن التصوير الروماني يخلو من عنصر الابتكار، وسبب ذلك أن الفنانين اليونان نقلوا معهم تقاليدهم وأساليبهم إلى كل مكان نزلوا فيه، وحتى النزعة الثائرية الغامضة التي في هذه الصور قد تكون من أثر مهارة الفنانين الاسكندريين؛ ولكن فيها مع ذلك دقة في الخطوط، وغزارة في اللون نعرف منهما لم بلغ المصورون أمثال أبليز Applles وبروتوجنيز Protogenes من الشهرة مثل ما بلغه منها المثالون من طراز بولكليتس وبركستليز. واللون في بعض الأحيان واضح غزير كما لو كان جيورجيون Giorgione هو الذي وضعه، كما أن تدرج الأضواء والظلال يوحي في بعض الأحيان أنه من عمل رمبرانت Remebrandt. وترى تارة رسماً خالياً من الدقة يذكر الإنسان بواقعيه فان جونج المنفرة. وفن المنظور في الرسم غير صحيح كما أن السرعة في العمل تفسد نضج التفكير. ولكن ما في الرسوم من حيوية نضرة يغطي على هذه الأغلاط كلها، فتناسب الثياب يخدع العين، ومناظر الغابات والأشجار كانت بلا ريب من أسباب البهجة لسكان المدن المكتظة بالسكان. ويجب ألا ننظر إلى هذه الرسوم بعين هذه الأيام، فأذواقنا اليوم أقل تحرراً وأكثر تحفظاً من أذواق الأقدمين، ونحن نفضل أن نترك الجدران كما هي مقصورة على وظيفتها، وقد كنا حتى الأمس القريب نتردد في أن نغطيها بالألوان. أما الإيطالي فكان الجدار له بمثابة السجن، وقلّما كان يطل منه على العالم من خلال نافذة؛ ولهذا كان يرغب في أن ينسى هذا الحاجز القائم أمام عينيه، وأن ينخدع بطريق الفن إلى جنان السلام المخضرة الناضرة. ولعله كان في تفكيره هذا على حق، فإن شجرة مرسومة على جدار الخير من منظر يتألف من ألف قمة من قمم سطوح المنازل الخشنة غير المصقولة التي تشوه جمال السماء كأنها قرح خبيثة في الشمس، ويطل عليها المرء من نافذة مسحورة في جدار.


الفصل السابع: العمارة

1- أصولها، موادها، أشكالها

لقد احتفظنا إلى آخر هذا الباب بأهم ما نستطيع أن نعرضه في رومة على زائرها الذي نسيناه في أثناء حديثنا الطويل عن فني النقش والتصوير. أما وقد وصلنا إلى هذا الفصل الأخير فلنعرض على هذا الزائر أهم الفنون الرومانية على الإطلاق وهو فن العمارة الذي استطاعت به أن تحمي نفسها من غزو اليونان، والذي أظهرت فيه قدرتها على الابتكار وجرأتها وقوتها. على أن الابتكار لا يكون بغير لقاح فهو كالنسب مزيج جديد من عناصر موجودة من قبل؛ والثقافات جميعها انتقائية في حداثة عهدها لأن التعليم يبدأ بالتقليد، فإذا ما بلغت الروح أو الأمة أشدها طبعت بطابعها-إن كان لها طابع-جميع أعمالها وألفاظها. لقد أخذت رومة، كما أخذ غيرها من مدائن البحر الأبيض المتوسط، نظم العمد الدورية والأيونية والكورنثية من مصر وبلاد اليونان، ولكنها أخذت نظام العقود والأقواس والقباب من آسية، ومن مزيجهما أقامت مدينة من القصور، والأروقة ذات العمد، والمدرجات، والحمامات لم ير العالم مثيلاً لها من قبل. ولقد أضحى فن العمارة الروماني هو التعبير الفني عن الروح الرومانية والدولة الرومانية: فهو يمثل الجرأة، والتنظيم، والفخامة، وقد رفعت القوة العضلية هذه الصروح المنقطعة النظير فوق التلال فكانت هي الروح الرومانية ممثلة في الجلاميد الصم.

وكان معظم كبار المهندسين المعماريين في رومة رومانيين لا يونان، وقد كتب أحد هؤلاء المهندسين واسمه ماركس فتروقيوس بليو Marcus Vitruvius Pallio كتاباً في العمارة يعد من مهمات الكتب العالمية القديمة في هذا الفن (حوالي 27 ق. م) . ذلك أنه بعد أن قضى فترة من الزمن مهندساً حربياً يعمل تحت إمرة قيصر في أفريقية، ومهندساً معمارياً في عهد أكتافيان، اعتزل العمل الرسمي في شيخوخته ليضع أصول أعظم الفنون الرومانية وأسماها منزلة. وهو يقول عن نفسه "إن الطبيعة لم تهبني طول القامة، ولم تبق السنون على شيء من جمال وجهي، وسلبني المرض قوة جسمي؛ ولهذا أرجو أن أكسب رضاء الناس بعلمي وبكتابي"(29). وكما أن شيشرون وكونتليان قد جعلا الفلسفة من مستلزمات الخطيب، كذلك رآها فتروفيوس من مستلزمات المهندس المعماري، فهي تحسن أغراضه كما يحسن العلم وسائله وأدواته، وهي "تسمو بمداركه وتجعله رقيق الحاشية، عادلاً، وفياً، غير شره، ولا يمكن أن يتم عمل صالح من غير إيمان قوي ويدين طاهرتين"(30). وقد وصف مواد البناء، والأعمدة، وأجزاءها، ومختلف أنماط المباني في رومة، وأضاف إلى الكتاب بحوثاً في الآلات، والساعات المائية، ومقاييس السرعة ، ومجاري مياه الشرب المسقوفة، وتخطيط المدن والصحة العامة. وقد أشار فتروفيوس باستعمال النظام الإشعاعي في تخطيط المدن (وهو النظام الذي خططت عليه المدينة الإسكندرية القديمة وواشنجتن الحديثة) بدل النظام المربع الذي ثبت قواعده هبودامس Hippodamus في كثير من المدن اليونانية، أشار فتروفيس باستعمال هذا النظام الإشعاعي ولكن الرومان ظلوا يخططون مدنهم على النظام المربع نظام معسكراتهم. ومما يؤثر عنه أنه حذّر إيطاليا من أن الماء الذي تشربه في كثير أجزائها يؤدي إلى تضخم الغدة الدرقية، وقال إن التسمم قد ينتج من الاشتغال بالرصاص، وفسر الصوت بأنه حركة اهتزازية في الهواء، وكتب أول بحث باق حتى الآن في علاقة هندسة البناء بالأصوات. وقد كان لكتابه الذي كشف من جديد في عصر النهضة أعمق الأثر في ليوناردودافنشي، وبلاديو Palladio وميكل أنجلو.

ويقول فترفيوس إن الرومان يبنون بالخشب والآجر، والجبس الناعم والمسلح والحجر والرخام. وكان الآجر المادة الشائعة الاستعمال في الجدران، والعقود والأقواس، وكثيراً ما كان يستعمل هو والجبس لتغطية الملاط. وكان الآجر يصنع من الرمل، والجير، وتراب الرخام، والماء، ويصقل صقلاً جيداً ويوضع طبقات بعضها فوق بعض، يصل سمكها في بعض الأحيان إلى ثلاث بوصات. ومن أجل هذا استطاع ذلك الآجر أن يحتفظ بشكله تسعة عشر قرناً كما نشاهد ذلك في الكلوسيوم أما المسلح فلم تبلغ أمة من الأمم إلى وقتنا هذا ما بلغه الرومان في صنعه واستخدامه، فقد كانوا يأخذون الرماد البركاني الكثير بقرب نابلي، ويخلطونه بالجير والماء، ويضعون فيه قطعاً من الآجر، والفخار، والرخام، والحجارة، ويخرجون منها منذ القرن الثاني قبل الميلاد ملاطاً في صلابة الصخور، يمكن أن يصعب في أي قالب، ولا يكاد يستعصي عليه أي شكل يراد أن يشكل به. وكانوا يصبونه كما نصبه الآن في أحواض مصنوعة من ألواح خشبية. وبفضله استطاعوا أن يغطوا مسافات كبيرة لا عمد فيها بقباب صلبة خالية من الأكتاف الجانبية التي تحمل السقف المقوس. وهذه هي الطريقة التي شادوا بها قمة البانثيون، وقمم الحمّامات الكبرى. واستخدمت الحجارة في تشييد معظم الهيكل وبيوت الكبراء، وكان من أنواعها نوع نصف شفاف يستخرج من كبدوكية ينفذ الضوء من خلاله، حتى أن هيكلاً بنى به كان ينال كفايته من ضوء النهار وجميع نوافذه مغلقة(32). وبدأت رغبة الرومان في استخدام الرخام على أثر فتح بلاد اليونان، وقد أشبعوا هذه الرغبة باستيراد العمد أولاً، ثم باستيراد الرخام، ثم باستخراجه من محاجر كرارا القريبة من لونا Luna. وكان استخدام الرخام قبل أيام أغسطس مقصوراً على الأعمدة والألواح المستوية، ثم استخدم في عهده لتغطية الآجر والمسلح؛ وإذا ما قال إنه ترك رومة مدينة من الرخام فيجب ألا يفهم من قوله هذا أكثر من المعنى السالف الذكر، وهو أن بعض ما فيها من آجر ومسلح في أجزاء متفرقة منها قد غطى بألواح من الرخام. أما الجدران المشيدة من الرخام المصمت فكانت نادرة، وكان الرمان يميلون إلى أن يجمعوا في البناء الواحد بين حجر مصل الأعبل الأحمر والرمادي، وحجر عوبية البصلي ذي اللون الأخضر، ورخام نوميديا الأسود والأصفر، وبين رخامهم الأبيض المستخرج من محاجر كرارا وأحجار البازلت، والمرمر، والحجر السماقي؛ ولم تبلغ مواد البناء في عصر من العصور ما بلغته في رومة من تعدد في الأنواع والألوان.

وقد أضافت رومة إلى الطرز الدورية، والأيونية، والكورنثية الأنماط التسكانية والأنماط المركبة من خليط من هذه كلها أو من بعضها بصورها الأصلية أو بتعديل فيها. وكثيراً ما كانت العمد تقام من حجر واحد بدل أن تكون من حجارة مثقوبة يرتكز بعضها فوق بعض. وكانت للعمد الدورية قواعد أيونية، واتخذت لها شكلاً جديداً رفيعاً خالياً من الثنايا، وقد تكون للتيجان الأيونية التي تعلو الأعمدة أربع تلافيف في بعض الأحيان حتى يكون منظرها واحداً من جميع الجوانب؛ أما العمد والتيجان الكورنثية فقد بلغت في تطورها حداً من الجمال والرقة لم تبلغه نظائرها اليونانية وإن كان الإفراط في التجميل والتنميق قد أفسد هذا الطراز من العمد في العصور المتأخرة. ومثل هذا يقال عن الإفراط في رسم الأزهار فوق التلافيف الأيونية لصنع التيجان المركبة من طرز مختلفة كما نشاهد ذلك في قوس تيتس. وكانت التلافيف تنتهي أحياناً بأشكال حيوانية أو آدمية توهم الرائي بأنها ميازيب على صورة حيوانات أو أناس على غرار ما صنع منها بعدئذ في العصور الوسطى. وكثيراً ما كان الرومان المسرفون يخلطون بين طرز مختلفة في البناء الواحد، كما نشاهد ذلك في ملهى مارسلس؛ يضاف إلى هذا أنه قد بلغ بهم الشح في بعض الأحيان حداً جعلهم يتركون العمد الجانبية ملتصقة بجسم الهيكل نفسه كما نشاهده في البيت المربع Maison Carr(e في نيمز Nimes. وظل الرومان يضيفون العمد إلى مبانيهم يزينوها بها ولو لم يعد لها عمل أصيل بعد أن سلبها تطور العقود ما كان لها من شأن قديم في استناد هذه المباني إليها-وبقيت هذه العادة قائمة إلى عصرنا الحاضر دون أن يعرف مصدرها الذي أخذت عنه.

2- هياكل رومة

لقد احتفظت رومة في جميع هياكلها إلا قلة ضئيلة منها بنظام الأروقة ذات العمد، المبسوطة عليها عوارض رئيسية تحمل السقف. وكان أغسطس متحفظاً في الفن شأنه في كل شيء سواه، ولذلك استمسكت جميع الأضرحة التي بنيت بأمر منه بالتقاليد الصحيحة القديمة. ثم أخذ الأباطرة من بعده يضاعفون عدد الهياكل التي يقيمونها لآلهتهم التي تنافسهم في السلطان والجاه، ويغشون فجورهم بستار من التقي المعماري، حتى ازدحمت التلال وسدت الشوارع بالمزارات المقرمدة المذهبة. وكان جوبتر بطبيعة الحال صاحب النصيب الأوفر منها، فكان من بين هياكله الكثيرة هيكل جوبتر المرعد، وهيكل جوبتر المثبت الذي ثبت أقدام الرومان وأوقف هربهم في القتال، واقتسم مع يونو ومنيرفا أقدس مزارات رومة فوق تل الكبتول. فقد أقيم في الحجرة الوسطى تمثال ضخم من الذهب والعاج لجوبتر الأفضل والأعظم Jupiter Optimus Maximus يحيط به من الجانبين رواق معمد ذو ثلاثة طبقات. وتعزو الرواية التاريخية أول صورة من صور هذا الصرح الأعظم من الصروح الرومانية المقدسة إلى تاركونيوس بسكس، وقد دمرته النار عدة مرار، وكان في كل مرة يعاد بناؤه بعد تدميره. واختلس استلكو في عام 404 م أبوابه البرونزية المذهبة ليؤدي بها رواتب جنده، ونهب الوندال قراميد السقف المصفحة بالذهب، ولا تزال بعض قطع من أرضيته باقية إلى اليوم.

وكان يقوم على القمة الشمالية من قمم هذا التل نفسه هيكل يونو المنذرة أو الحارسة Juno Moneto، وهناك كانت دار سك العملة. ولا حاجة إلى أن نذكر للقارئ أن اسم دار السك (Mint) والنقود (Money) مصدر كثير من المطامع، مشتق من لفظ منيتو الذي كانت تلقب به يونو. وعلى المنحدر الجنوبي من منحدرات هذا التل كان يقوم معبد ساترن (زحل) أقدم آلهة لكبتول. ويرجع الرومان تاريخ بناء هذا الهيكل لذلك الإله إلى عام 497 ق. م؛ وقد بقي منه حتى الآن ثمانية عمد أيونية وعارضة واحدة فوق بعض هذه العمد. وفي السوق الكبرى عند سفح التل كان المعبد الصغير المخصص ليانوسJanus إله البدايات كلها. وكانت أبوابه لا تفتح إلا في زمن الحرب ولم تغلق في أثنائها إلا ثلاث مرات في تاريخ رومة القديم. وفي الركن الجنوبي الشرقي من أركان السوق كان هيكل كاستر وبلكس Castor And Pollux الذي شيد في عام 495 ق. م؛ وقد وصلت إلينا من بقايا الهيكل الذي جدده تيبيريوس ثلاثة عمدة كورنثية رفيعة، وهي بإجماع الخبيرين أجمل العمد الرومانية على الإطلاق.

وأضاف أغسطس إلى هذه الهياكل في سوقه هو هيكلاً للمريخ المنتقم Mars Ultor وفاء بنذره قبل فلباي Philippi، وى تزال ثلاثة من عمده الفخمة قائمة في مكانها إلى اليوم. وكان أحد أطراف ساحته الوسطى عبارة عن نصف دائرة ذات سقف مقبب، وهي طراز معماري أصبح فيما بعد طراز محراب الكنائس المسيحية الأولى. وأقام أغسطس على تل البلاتين هيكلاً فخماً من الرخام الخالص للإله أبلون نظير معونته له في أكتيوم، وزينه بتماثيل من صنع ميرون Miron واسكوباس Scopas، وأضاف إليه مكتبة فخمة ومعرضاً فنياً، وبذل كل ما في وسعه ليشعر الناس أن الإله قد غادر بلاد اليونان وجاء إلى رومة يحمل معه إليها زعامة العالم الروحية والثقافية؛ بل إن أصدقاء أغسطس، بعد أن زالت أسباب التحرج من هذا النمس بوفاة والدة أغسطس، قالوا إن أبلو متخفياً في صورة ثعبان رشيق سريع الحركة هو الذي استولدها هذا الزعيم الداهية. وكان في الجزء الشمالي الغربي في المدينة هيكل عظيم لإيزيس Issis وعلى تل البلاتين مزار فسيح لسيبيل. وكانت فيه، ملاذات لبعض المعاني المجردة مجسدة-كالصحة، والشرف، والفضيلة، والوئام، والوفاء، والحظ، وكثير من أمثالها. وكانت كل هذه الهياكل تقريباً تحتوي ساحات ملأى بالتماثيل والرسوم الملونة. وقد جمع فسبازيان في معبد السلم العظيم الذي أقامه كثيراً ن الكنوز الفنية التي كانت في بيت نيرون الذهبي، وبعض المخلفات التي جاء بها من أورشليم وأباح للناس مشاهدتها. ويمتاز هيكل فرتونا فريلس Fortuna Virilis القائم في سوق بريوم Forum Boarium بأنه أكمل بناء في رومة من عهد ما قبل أغسطس احتفظ بأجزائه إلى اليوم. وكانت نساء العاصمة يترددون كثيراً على هذا الهيكل للعبادة فيه، فقد كن يعتقدن أن الآلهة تعلمهن كيف يخفين عيوبهن عن أعين الرجال.

وقد أضاف مهندسو رومة إلى هذه الهياكل وإلى العشرات العشرات من الهياكل الأخرى المشيدة على الطراز المربع القديم، أضافوا إليها عدة هياكل دائرية الشكل تكشف عن سيطرتهم الحديثة على مشكلة تشييد القباب. وتقول الرواية التاريخية إن هذا الطراز من البناء مأخوذ على كوخ رميولوس المستدير الذي احتفظ به كما يحتفظ بالآثار الدينية على تل البلاتين قروناً طوالاً.

ولا يكاد يقل عنه في القدم بيت فستا Aedes Vestae الجميل المجاور لهيكل كاستروبلكس؛ وكانت ساحته الوسطى المغطاة جدرانها بالرخام الأبيض تحيط بها عمد كورنثية جميلة، وكان سقفها قبة من الشبهان المذهب. وكان إلى جوارها قصر العذارى الفستية-ويتكون من أربع وثمانين حجرة مشيدة على نظام الأديرة حول بهو ذي عمد. ولم يكن البانثيون قد أصبح بعد هيكلاً مستدير الشكل؛ فقد كان في صورته التي أقامه عليها أجربا مستطيلا، ولكن كانت له ساحة مستديرة أمامه. وقد أقام مهندسو هدريان فوق هذه الساحة الهيكل المستدير والقبة الضخمة اللذين لا يزالان حتى الآن أعظم شاهدين على جرأة الإنسان وشجاعته.

3- التحول الفجائي إلى الطراز المقوس

لقد كانت رومة في عمارتها الدنيوية أعظم منها في عمارتها الدينية، ذلك بأنه كان في وسعها في أول العمارتين أن تتحرر من قيود التقاليد، وأن تجمع بين الهندسة والفن-بين المنفعة والقوة من جهة، والجمال والشكل من جهة أخرى-بطريقة اختصت بها هي لا يشاركها فيها غيرها من المدن. لقد كان الأساس الذي قامت عليه العمارة اليونانية هو الخط المستقيم (مهما أدخل عليه من التنظيم الدقيق كما يشاهد في البارثنون): كالعمود الرأسي، والعارضة الأفقية، والقوصرة المثلثة الشكل؛ أما أساس هندسة البناء الرومانية الخالصة فقد أصبحت الخط المنحني؛ ذلك أن الرومان كانوا ينشدون العظمة، والإقدام، والضخامة، ولكنهم لم يكن في وسعهم أن يسقفوا مبانيهم الواسعة على مبادئ الخطوط المستقيمة والأروقة ذات العمد إلا إذا أقاموا فيها مجموعة من العمد التي تعترض طرقاتها، وكانت سبيلهم للتغلب على هذه المشكلة هي الأقواس بشكلها المستدير في الغالب؛ وما العقود إلا أقواس استطالت، وما القباب إلا أقواس تحركت ودارت؛ ولعل القواد الرومان وأعوانهم قد ألفوا في مصر وآسية الأشكال المقوسة، وإزدادت ألفتهم لها على مر الأيام، فأيقظوا في مواطنيهم التقاليد الرومانية والتسكانية القديمة التي طال العهد بطغيان الأنماط اليونانية عليها، فأخذت رومة تستخدم العقود استخداماً بلغ من اتساعه أن اشتق منه فن البناء كله اسم جديد أصبح علماً عليه ولم يفارقه قط. وقد أنشأ الرومان القبوة المفصلية بوضع شبكة من الأضلاع المكونة من الآجر على طول خطوط الالتواء قبل أن يصب الملاط المسلح في الإطار الخشبي لعمل السقف؛ ثم أنشئوا، بوضع قبوتين اسطوانيتين متعامدين، شبكة من الأضلاع والحنيات تستطيع أن تتحمل فوقها بناء أثقل منها كما تستطيع أن تتحمل دفعاً قوياً من الجانبين. هذان هما المبدآن اللذان قام عليهما الانقلاب الفجائي في فن العمارة الرومانية وتحوله من طراز الخطوط إلى طراز الأقواس.

وبلغ الطراز الجديد كماله في الحمامات والمدرجات الكبرى، وكانت حمامات أجربا، ونيرون، وتيتس الحلقة الأولى من سلسلة طويلة انتهت بحمامات دقلديانوس، فقد كانت هذه صروحاً من الملاط المسلح مغطاة بالجبس أو الآجر تعلو علواً شاهقاً في الهواء. وكانت مزينة من داخلها بفساقي من الرخام والفسيفساء، وبأعمدة مختلفة الألوان، وسقف مزخرفة، وصور ملونة وتماثيل. وكان فيها حجرات لخلع الملابس، وحمامات ساخنة وباردة، وحجرة وسطى ذات هواء دفيء، وبرك للسباحة، ومواضع للتمرينات الرياضية، ومكتبات وحجر للمطالعة، وأخرى للبحث، وأرائك للراحة، وأكبر الظن أنها كانت تحتوي أيضاً على معارض فنية. وكانت أغلب الحجرات تسخن من مركز عام تمتد منه أنابيب كبيرة من الصلصال، وتسير تحت أرض الحجرات وفي داخل الجدران. وكانت هذه الحمامات الحارة أوسع وأفخم ما شيد من المباني العامة، ولم يوجد لها قط نظائر من نوعها في العالم كله. وكانت جزءاً من الاشتراكية في الترفيه عن الشعب حاولت به الزعامة أن تبرر سلطانها المطلق المتزايد. وكانت هذه النزعة نفسها هي الحافز على بناء أعظم دور التمثيل في التاريخ كله. وكان عدد هذه الدور في رومة أقل منها في العواصم الحديثة، ولكنها كانت أوسع منها رقعة. وكان أصغرها هو الملهى الذي شاده كورنليوس بلبس Cornelius Balbus في ميدان المريخ (13 ق. م)، والذي كان يتسع لسبعة آلاف وسبعمائة من النظارة؛ وقد أعاد أغسطس بناء ملهى بمبي الذي كان يتسع لسبعة عشر ألفاً وخمسمائة، وأتم بناء ملهى آخر سماه باسم مرسلس Marcellus ويتسع لعشرين ألفاً وخمسمائة. وكانت هذه الدور تختلف عن مثيلاتها في بلاد اليونان في أنها كانت مسورة، وفي أن مقاعد النظارة كانت تستند في أبنية ذات أقواس وقباء بدل أن تستند إلى منحدرات التلال. وكان المسرح وحده هو المسقف، ولكن النظارة كانوا يتقون الشمس بمظلو من نسيج التيل (Velarium) كانت في ملهى بمبي تغطي مساحة عرضها 550 قدماً. وكانت فوق المداخل مقصورات للأعيان وذوي المناصب الكبرى في الدولة، وكان لبعض المسارح ستائر لم تكن ترفع إلى أعلى إذا بدأ التمثيل بل كانت تنزل في فتحات معدة لها. وكان المسرح يرتفع عن أرض الملهى بنحو خمس أقدام، وكان الجزء الخلفي منه يتخذ في العادة شكل بناء أنيق يمتد من أحد جانبيه إلى الجانب الآخر، فيمكن الممثلين بذلك من أن يسمعوا أصواتهم للعد الجم من النظارة الذين يضمهم الملهى. ويحدثنا سنكا عن "صنّاع المسارح الذين يخترعون حمالات ترتفع من نفسها أو أرضيات ترتفع في سكون من الهواء"(32أ). وكان تغيير المناظر يحدث بوساطة مناشير دوارة أو بتحريك مجموعة منها إلى طرفي المسرح أو إلى أعلاه فتنكشف بذلك المجموعة التي تليها. وكان يستعان على إسماع النظارة أصوات الممثلين بوضع جرار فارغة في أرض المسرح وجدرانه(32ب). وكانت أمكنة النظارة تبردها جداول مائية تجري في ممراتها، وكان مزيج من الماء والنبيذ وعصير الزعفران ينقل أحياناً إلى أعلى المقاعد في أنابيب ثم يرش على النظارة في هيئة رشاش عطر(32ج) وكان داخل الملهى يزداد بالتماثيل وكانت صور كبيرة ترسم على المسرح بدل المناظر المتغيرة في هذه الأيام. ولعلنا لا نجد الآن في العالم كله ملهى مهما عظم يبلغ في الاتساع والفخامة ما بلغه ملهى بمبي في رومة.

وكانت حلبة الألعاب ومضمار الركض والمدرج أحب إلى الشعب من دار التمثيل. وكان في رومة عدة مضامير تستخدم أكثر ما تستخدم في المباريات الرياضية. وكان سباق الخيل والعربات وبعض الألعاب الأخرى تعرض في حلبة فلامنيوس في ميدان التاريخ أو في الحلبة الكبرى التي جدد قيصر بناءها بين تلي بلاتين وأفنتين. وكانت هذه الحلبة في شكل قطع ناقص طوله 2200 قدم وعرضه 705، وكان فيها مقاعد خشبية في ثلاث جهات منها تتسع لمائة وثمانين ألفاً من النظارة(33). وفي وسعنا أن نقدر ثروة رومة إذا عرفنا أن تراجان أعاد بناء هذه المقاعد من الرخام.

وكان بناء الكلوسيوم بناء متواضعاً إذا قيس إلى هذه الحلبة الكبرى، فقد كانت مقاعده لا تتسع لأكثر من خمسين ألفاً، ولم يكن تصميمه جديداً؛ لأن مدن إيطاليا اليونانية كانت من زمن بعيد تحتوي مدرجات مثله؛ فقد أنشأ كوريو Curio كما قلنا من قبل مدرجاً في عام 53 ق. م، وبنى قيصر مدرجاً آخر في عام 46، وبنى استاتليوس تورس Statilius Taurus مدرجاً ثالثاً في عام 29 ق. م. وكان فسبازيان هو الذي بدأ المدرج الفلافي- وهو الاسم الذي كان الرومان يطلقونه على الكلوسيوم- كما كان تيتس هو الذي أتمه في عام 80 م، ولا نعرف اسم المهندس الذي أشرف على بنائه. وقد اختار فسبازيان لبنائه البحيرة التي كانت في قصر نيرون بين التل الكئيلي Caelian والتل البلاتيني. وقد شيد من الحجر الترافتيني على شكل إهليلجي يبلغ طول محيطه 1700 قدم. وكان ارتفاع سوره الخارجي 157 قدماً، وكان مقسماً إلى ثلاثة أطباق يقوم بعض طابقه الأول على أعمدة تسكانية-دورية، ويقوم طابقه الثاني على عمد أيونية، والثالث على عمد كورنثية، وبين كل عمودين عقد. وكانت الدهاليز الرئيسية مسقوفة بأقبية اسطوانية تتقاطع في بعض المواضع على طراز أديرة العصور الوسطى. وكان داخله مقسماً أيضاً إلى ثلاث طبقات تستند كل منها إلى أعمدة، وتنقسم إلى الحلقات من المقصورات والمقاعد، متحدة في مركزها تقطعها طرقات ذات درج فتقسمها إلى "أوتاد" Cunei. ويبدو داخله للناظر إليه في هذه الأيام كأنه كتلة ضخمة من البناء قطع فيه صانع جبار عقوداً وطرقات ومقاعد. وكان داخله يزدان بالتماثيل وغيرهما من وسائل التجميل، وكانت كثير من صفوف المقاعد مصنوعة من الرخام، وكان للمدرج ثمانون مدخلاً خصص أثناء منها للإمبراطور وحاشيته. وكانت هذه المداخل والمخارج Vomitoia تكفي لإخراج الجماهير الغفيرة التي تملأ هذا المدرج الضخم في دقائق معدودات. وكان يحيط بالحلبة التي يبلغ اتساعها 287 قدماً في 180 سور يبلغ ارتفاعه خمس عشر قدماً يعلوه دبرزون يحمي وحوشه الآدميين من وحوش الغاب. وليس الكلوسيوم من المباني الجميلة المنظر، وإن ضخامته نفسها لتنم عما في الطبيعة الرومانية من خشونة، كما تكشف عما فيها من عظمة. وكل ما يمكن أن يقال في مديحه أنه أكثر الخرائب التي خلفها العالم الروماني القديم روعة. لقد كان الرومان يبنون كما يبني الجبابرة، ولو أننا طلبنا إليهم أن يصقلوا مبانيهم كما يصقل الصياغ الحلي لكلفناهم ضد طباعهم.

لقد أنشأ الفنانون الرومان فنهم من خليط مختار من الطرز الأتيكية، والآسيوية، والإسكندرية، فجمعوا فيه بين التحفظ والضخامة والرشاقة. غير أنهم لم يمزجوا في يوم من الأيام هذه الصفات لينشئوا منها تلك الوحدة الأساسية التي هي أساس من أسس الجمال. وإن فيما تتصف به المباني الرومانية الخالصة من قوة وفجاجة لمسحة شرقية، فهي تبعث في النفس الرهبة لا الجمال؛ وإن بنثيون هدريان نفسه ليعد ن عجائب الصروح أكثر مما يعد من روائع الفن؛ فليس لنا أن نتطلع في الفن الروماني إلى رقة الشعور ودقة التنفيذ اللهم إلا في حالات نادرة كالنقوش والتحف الزجاجية الباقية من عصر أغسطس. بل يجب أن نتوقع هنا وجود فن هندسي يهدف إلى الغاية في الصلابة والاقتصاد والمنفعة، إلى افتتان العصامي بالضخامة والزينة وإصرار الجندي على الواقعية، وإلى فن المحارب ذي القوة الباطشة. وإذا كان الرومان لم يصقلوا فنهم صقل الصياغ فما ذلك إلا لأن الفاتحين لا يصبحون قط صياغاً، ولذلك صقلوه صقل الفاتحين.

وما من شك في أنهم قد أنشأوا أكثر المدن فتنة وروعة في التاريخ، وأوجدوا فناً مرناً، تصويرياً ومعمارياً في مقدور كل إنسان أن يفهمه، وشادوا مدينة يستطيع كل مواطن أن يعيش فيها وينتفع بها. لقد كانت جماهير الأحرار في تلك المدينة فقيرة كثيرة الثراء، ولكنها كانت إلى حد ما تمتلك كثيراً من ثروتها: فقد كانت تأكل حب الدولة، وتجلس بغير أجر، أو بأجر هو والعدم سواء، في دور التمثيل، وفي حلبات الألعاب، وفي المدرجات وميادين السباق. وكانوا يمارسون ضروباً من الرياضة البدنية، ويتناولون المرطبات، ويستمتعون بضروب التسلية، ويتعلمون في الحمامات؛ ويتفيئون ظلال مئات من الأروقة ذات العمد، ويمشون تحت القباب والعقود المنقوشة المزينة التي كانت تغطي أميالاً كثيرة من شوارع رومة، وتغطي ثلاثة أميال في تاريخ المريخ وحده، ولم يشهد العالم قبل رومة عاصمة مثلها، فقد كان في وسطها سوق عجابة صخابة تدور فيها رحى العمل بلا انقطاع، وتتردد في جنباتها أصداء أصوات الخطباء، وتدور فيها المناقشات التي تزلزل قواعد الإمبراطورية، ومن حولها حلقة من الهياكل، والباسلقات، والقصور، ودور التمثيل، والحمامات، في كثرة منقطعة النظير؛ وتحيط بهذه الحلقة حلقة أخرى من الحوانيت مكتظة بالبائعين والمشترين، تدوي فيها أصواتهم، وتليها حلقة ثالثة من البيوت والحدائق، فخلقة رابعة من المعابد والحمامت مرة ثانية، وتنتهي بدائرة من القصور الريفية الصغيرة ذات الحدائق، ثم الضياع التي تدفع بأطراف المدينة إلى الريف وتربط الجبال بالبحر. هذه هي رومة القياصرة-مزهوة، قوية، براقة، مادية، قاسية، ظالمة، مشوشة غير منظمة، سامية رفيعة الذرى.