قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 3 ب 14

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 3397

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> العصر الفضي -> المولعون بالفنون

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الرابع عشر: العصر الفضي 14-96م

الفصل الأول: المولعون بالفنون

أطلقت الرواية المتواترة على الآداب اللاتينية فيما بين 14، 117م اسم العصر الفضي للدلالة على أن هذه الآداب قد نزلت عن المستوى الثقافي الرفيع الذي بلغته في عصر أغسطس؛ والرواية هي صوت الزمان، والزمان هو الوسط الذي يختار فيه بين الطيب والخبيث، والعقل الحذر يجل حكمها لأن الشباب وحده هو الذي يعرف ما لا تعرفه عشرون قرناً من الزمان. على أننا نرجو أن يؤذن لنا بأن نرجئ حكمنا على هذا العصر، وأن نستمع بلا تحيز إلى ما يقوله عنه لو كان، وبترونيوس، وسنكا، وبلني الأكبر، وسلسس Celsus، واستاتيوس Statius ومارتيال، وكونتليان، وأن نستمع في أبواب أخرى من هذا الكتاب إلى أقوال تاستس، وجوفنال، وبلني الأصغر، وإبكتنس Epictetus، وأن نستمتع بأقوالهم استمتاع من لم يسمعوا قط بأنهم عاشوا في عصر من العصور الاضمحلال. ذلك أنا نجد في كل عصر شيئاً يضمحل وشيئاً ينمو؛ فالمقطوعات الشعرية الفكهة، والهجاء، والروايات القصصية، والتاريخ، والفلسفة، بلغت كلها في العصر الفضي ذروة مجدها، كما أن فن النحت الواقعي، والعمارة الضخمة قد بلغا فيه ما لم يبلغاه في عصر آخر من عصور الفن الروماني.

وفي هذا العصر دخل حديث الشارع مرة أخرى في الأدب، وأهملت بعض قواعد النحو والصرف، وحذت الحروف الساكنة من أواخر الكلمات، ولم يعبأ بها الرومان أكثر مما كان يعبأ بها الغاليون. وحدث في منتصف القرن الأول أو حواليه أن رقق الحرفان الاتينيان V (وكان ينطق كما ينطبق حرف W (و) في اللغة الإنكليزية)، B (إذا كان بين حرفين متحركين) حتى أصبحا مماثلين في النطق لحرف V الإنكليزي. وهكذا أصبحت كلمة Babere ومعناها التملك ينطق بها Bavere، وكان هذا تمهيداً للكلمة الإيطالية avere، والفرنسية Avoir؛ وأخذت كلمة Vinum ومعناها النبيذ أو الخمر تقترب في النطق من كلمة Vino الإيطالية، وكلمة Vin الفرنسية وذلك بإهمال الحرف الساكن الأخير المتغير. وقصارى القول أن اللغة الاتينية شرعت تمهد السبيل للغات القومية الإيطالية والأسبانية والفرنسية.

وجدير بنا أن نعترف في هذا المقام بـأن الخطابة ازدهرت وقتئذ على حساب البلاغة، وأن النحو ارتقى على حساب الشعر؛ وأن لمقتدرين الكفاة وجهوا كل جهودهم إلى دراسة شكل اللغة وتطورها ودقائقها، وإلى نشر اللصوص التي أصبحت في ذلك العهد نصوصاً "فصحى"، وإلى صياغة قواعد الكتابة الأدبية الراقية والخطب القضائية، وأوزان الشعر، وتقاسيم الجمل في النثر. وحأول كلوديوس أن يدخل بعض الإصلاح على الحروف الهجائية، وجعل نيرون الشعر طراز العصر المحبب، وألف سنكا الأكبر كتباً في البلاغة، وحجته في هذا أن الفصاحة تزيد كل قوة إلى ضعفيها؛ ولم يكن أحد يرقى في رومة بغير الفصاحة إلا قواد الجند وحدهم، وحتى هؤلاء القواد كان يجب أن يكونوا خطباء. واستحوذ جنون البلاغة على جميع أشكال الأدب: فأصبح الشعر خطابياً، والنثر شعرياً، وحتى بلني نفسه كتب صفحة بليغة في المجلدات الستة من كتابه في التاريخ الطبيعي. وأخذ الناس يغلون أنفسهم باتزان عباراتهم، وتناغم جملهم، وأضحت التواريخ خطباً حماسية، وأخذ الفلاسفة يجهدون أنفسهم في البحث عن النكات، وشرع كل إنسان يكتب أمثالاً مركزة موجزة، وصار الأدباء كلهم يكتبون الشعر ويقرؤونه لأصدقائهم حول مناضد في ردهات أو دور تمثيل يستأجرونها لهذا الغرض، بل إنهم كانوا يقرؤونه في الحمامات نفسها، حتى شكا من ذلك مارتيال مر الشكوى. وعقدت مباريات عامة للشعراء، ينال الفائزون فيها جوائز وتحتفل بهم المجالس البلدية، ويضع الأباطرة عل رؤوسهم أكاليل النصر. وكان الأشراف والزعماء يرحبون بأن تُهدى إليهم المؤلفات أو يُثنى عليهم فيها، وكانوا يجيزون صحبها بالولائم أو الأموال. وكانت شهوة الشعر مما أكسب هذه الفترة وتلك المدنية اللتين دنستهما الإباحية الجنسية وعهود الإرهاب المتكررة نقول كانت هذه الشهوة مما أكسب هذه الفترة ذلك الجمال الذيؤ يخلعه المؤلفون الهواة على العصر الذي يعيشون فيه.

واجتمع الشعر والإرهاب في حياة لوكان، وكان سنكا الكبير جده، وسنكا الفيلسوف عمه. وقد ولد في قرطبة عام 39 وسمي ماركس أنيوس لوكانس Marcus Annaeus Lucanus، وجيء به في طفولته إلى رومة ونشأ في بيئة أرستقراطية يصطرعفيها الشعر والفلسفة مع دسائس الحب ومع السياسة في سبيل الغلبة والمكانة السامية في الحياة. ولما بلغ الحادية والعشرين من عمره اشترك في المباريات التي عقدت أثناء الألعاب النيرونية، وتقدم إليها بقصيدة "في مدح نيرون" نال عليها جائزة. وأدخله سنكا في بلاط الإمبراطور، وسرعان ما أخذ الشاعر والإمبراطور يتطارحان الملاحم. وأرتكب لوكان غلطة شنيعة إذ كسب الجائزة الأولى في مباراة شعرية مع الزعيم، فما كان من نيرون إلا أن أمره بألا ينشر بعدها شعراً، وانسحب لوكان ليثأر لنفسه سراً بتأليف ملحمة قوية ولكنها خطابية سماها فرساليا رأى فيها الحرب الأهلية بعين الأرستقراطية البمبية. ولم يبخس لوكان في هذه الملحمة قيصر حقه، وقد وصفه فيها بتلك العبارة البليغة "Nil actum credens cum quid superssent agendum يظن أنه لم يفعل شيئاً إذا ما بقي ما لم يفعله"(1)، ولكن البطل الحقيقي في هذه الملحمة هو كاتو الأصغر الذي يضعه لو كان في مصاف الآلهة في سطر مشهور من سطور كتابهِ "Victrix causa deis placiut sed victa catoni إن القضية الرابحة سرت الآلهة، ولكن القضية الخاسرة كاتو"(2). وقد أحب لوكان أيضاً القضية الخاسرة، ومات في سبيلها. فقد اشترك في مؤامرة ليحل بيزو محل نيرون، وقبض عليه، فخارت قواه (ولم يكن قد جأوز السادسة والعشرين من عمره)، وباح بأسماء شركائه في المؤامرة، حتى اسم أمه نفسها-على حد قول المؤرخين. ولما أيد نيرون حكم الإعدام الذي صدر عليهِ، استعاد شجاعته، ودعا أصدقاءه إلى وليمة، وأكل معهم حتى شبع، ثم فتح بعض أورته، وأنشد ما قاله من الشعر في هجو الظلم والطغيان بينما كان دم الحياة ينزف من جسمه.


الفصل الثاني: بترونيوس

ولسنا واثقين من أن بترونيوس الذي لا يزال كتابه المسمى الساتريكون Satyricon يجد له كثيراً من القراء هو نفسه كيوس بترونيوس Caius Petronius الذي قُتل بأمر نيرون بعد عام من مقتل لوكان. وليس في الكتاب كله كلمة واحدة يمكن أن يُستدل منها على هويته؛ ولا يذكر تاستس في وصفه القوي البليغ لهذا "الحاكم الظريف" كلمة واحدة عن هذه الآية الأدبية التي بلغت في سوء السمعة. وتعزى نحو أربعين مقطوعة فكهة إلى كاتب يدعى بترونيوس ومنها بيت يكاد يمثل فلسفة لكريوشيوس كلها وهو: "إن الخوف هو الذي أوجدالآلهة في العالم أول الأمر"(3) ولكن هذه النتف أيضاً لا تذكر شيئاً يفصح عن حقيقة مؤلفها.

وكتاب الساتريكون مجموعة من الهجاء يغلب على الظن أنها كانت في ستة عشر كتاباً لم يبق منها إلا الكتابان الأخيران، وحتى هذين الكتابين ناقصان. واسمها مشتق من ساتوري Saturae اللاتينية ومعناها "خليط"-وهي تارة نثر وتارة شعر، وتختلط فيها المغامرت في الفلسفة، وجراحة المعدة بالصيد، وهي مدينة في صورتها هذه لكتب منبس Menippus الهجائية؛ ومنبس هذا فيلسوف سوري كلبي Cynic كان يقيم في جدارا Gadara وفيها كتب مؤلفه عام 60 ق.م، ومنها "القصص الميليزية" Milesian أو الروايات الغرامية التي انتشرت في العالم ذي الحضارة اليونانية. وإذ كان ما لدينا من أمثلة أهذا النوع من الكتابات إنما يرجع إلى ما بعد عصر بترونيوس فإن كتاب الساتريكون يمتاز عن أمثاله من الكتب بأنه أقدم رواية قصصية معروفة.

ولا يكاد الإنسان يصدق أن رجلاً مترفاً أرستقراطياً نبيلاً، اشتهر بذوقهِ الراقي، ينزل إلى الدرك الذي نزل إليه كتاب الساتريكون. إن كل ما فيهِ من الشخصيات تالعاملة من العامة، والأرقاء السابقين، وكل ما فيه منم المناظر مأخوذ من أسفل أنواع الحياة؛ وبه ينتهي فجاءة العهد الأغسطي الذي كانت تؤخذ فيه موضوعات الأدب من حياة الطبقات العليا. فإنكلبيوس Encolpius الذي تروى القصة على لسانهِ زان، مخنث، كاذب، لص، يرى من الطبيعي أن يكون كل ذي عقل على شاكلته. وهو يقول عن نفسه وعن صديقه: "لقد اتفقنا فيما بيننا على أن نختلس كل ما تصل إليه أيدينا كلما أتيحت لنا فرصة الاختلاس، لنملأ به خزينتنا المشتركة"(4). وتبدأ القصة في بيت للدعارة، يلتقي فيه إنكلبيوس بأسيلتوس Ascyltos بعد أن لجأ هذا إلى ذلك المكان فراراً من محاضر في الفلسفة، ومغامراتهما بين مدن إيطاليا الجنوبية وكهوفها هي الرباط الذي يربط أجزاء القصة المبعثرة، كما أن تنازعهما على جبتون Giton الغلام الرقيق الوسيم هو الذي يفرق بينهما في قصة اللصوص الغرامية. ويصل الرجلان آخر الأمر إلى بيت التاجر تريملكيو Trimalchio، ثم يدور الجزء الباقي لدينا من الكتاب حول وصف السنا تريملكيونس Cina Trimalchionis وهو أعجب غداء في الأدب كله. وتريملكيو هذا عبد سابق جمع ثروة طائلة واشترى ضياعاً واسعة، يحيا حياة المترفين الحديثي النعمة، بين جدران قصر وفي جو ملئ بالاضطراب. وقد بلغت ضياعه من الاتساع حداً لا بد معه من كتابة صحيفة يومية يعرف بها مكاسبه، وهو يطلب إلى ضيوفه أن يشربوا ويقول:

"إذا لم يعجبكم الخمر استبدلت به غيره، ولست مضطراً إلى شرائهِ وذلك ما أحمده للآلهة. إن كل ما يُسيل لعابكم في هذا المكان قد جاءني من إحدى مزارعي التي لم أرها بعد؛ ولكنهم يقولون لي إنها في طريق ترسينا Terracina وتارنيم، وإني أفكر في أن أضم صقلية لأملاكي الصغيرة الأخرى، حتى إذا ما أردت أن أسافر إلى أفريقية استطعت أن أسير مجأوراً لشواطئ أملاكي...وإذا ما حدثتكم عن الفضة فإني أحدثكم عنها حديث الخبير؛ فعندي منها أقداح في حجم دنان الخمر...وعندي ألف جفنة تركها مميوس Mummius لسيدي...وأنا أشتري الأشياء بأبخس الأثمان وأبيعها بأغلاها؛ وقد يكون لغيري من الناس آراء غير هذه الآراء(5). وهو رغم هذا رجل ظريف، يسب عبيده ولكنه يعفو عنهم من فوره، وهم من الكثرة بحيث لا يعرف صورته منهم إلا عشرهم، وهو لا ينسى أنه في الأصل عبد مثلهم ولذلك يقول عنهم قولاً كريماً: "إن العبيد رجال قد رضعوا اللبن الذي رضعناه...وسوف يشرب عبيدي إذا طال بهم العمر الماء الذي يشربه الأحرار". وهو يبرهن على حسن نواياه بأن يأمر بإحضار وصيته وقراءتها على ضيوفه فيجدون فيها أموالاً مخصصة لقبريته التي يختمها بقولهِ مفتخراً إنه "اغتنى من لاشيء، وإنه ترك وراءه ثلاثين مليون سسترس، وإنه لم يستمع قط إلى فيلسوف"(6).

واختص وصف العشاء بأربعين صفحة، وإن عدداً قليلاً من الجمل لتكفي لوصف نكهته:

وكانت لدينا صينية مستديرة نقشت على أطرافها أبراج النجوم، وقد وضع الخادم على كل برج خير مايلائمه من الطعام؛ فوضع جلبان الضأن على برج الحمل ولحم البقر على برج الثور...ورحم خنزيرة لم تلد على برج السنبلة...ووضع على برج الميزان كفتين في إحداهما فطيرة وفي الأخرى كعكة...وأقبلت أربعة راقصات مسرعات ليرفعن الغطاء عن الطعام. وكان من تحته طيور محشوة، وبطون خنازير، يتوسطها أرنب، وفي الجوانب أربعة تماثيل لمارسياس Marsyas يخرج من مثاناتها حساء متبل يقع على سمك يسبح في الصحاف...ثم جاءت صينية أخرى عليها خنزيرة، علقت في أنيابها سلال مثقلة بالبلح، ومن حولها صغارها مصنوعة من الفطائر... ولما دفع الخادم السكين في جانب الخنزيرة طار منها طير السماني وحط كل واحد على ضيف من الأضياف(7).

ثم تدخل الحجرة أربعة خنازير بيضاء ويختار الضيوف ما يريدون أن يطهى لهم منها؛ ويشوى لهم ما يختارونه وهم يطعمون؛ ويؤتى لهم به، فإذا قطع خرجت من بطنه أمعاؤه المحشوة والفطائر. وإذا قدمت الحلوى لم يجد أنكلبيوس لديه شهية لنتأولها، ولكن ترملكيو يحث ضوفه على الأكل ويؤكد لهم أن الحلوى قد صُنعت كلها من لحم الخنزير. ويدلى خطاف من السقف، يحمل لكل ضيف إبريقاً من المرمر مملوءاً بالعطر ويملأ العبيد أقداحاً فارغة بالخمر المعتق. وتذهب الخمر بعقل تريملكيو فيغازل غلاماً، وتحتج عليه زوجته البدينة، ويقذفها بكأس في رأسها ويقول: "إن هذه العاهر السورية الرقاصة ضعيفة الذاكرة، فلقد انتشلتها من سوق النخاسة وجعلتها امرأة، وهاهي ذي تنفخ أوداجها كالضفدعة....وهذه سنة الخلق إذا ولدت في علية تحت سطح منزل، فلن تستطيع أن تنام في قصر"(8) ثم يامر قهرمانه أن يبعد تمثالها عن قبره "وإلا فإنها ستؤنبني حتى بعد أن اموت".

هذا كتاب في الهجاء القوي المقذع، واقعي في تفاصيله وحدها، ولا يصدق إلا على قسم صغير من الحياة الرومانية. وإذا كان كاتبه هو بترونيوس الذي عاش في عهد نيرون، وجب علينا أن نعده هجاء مقذعاً للأغنياء المحدثين من الأرقاء المحررين، كتبه رجل من الأشراف، ولم يكسب قط بعملهِ ما كان له من المال. والكناب كله خلو من الرحمة ليس فيهِ شيء من العطف على الناس، ولا يهدف إلى مثل أعلى، ويرى كاتبه أن الفساد وسوء الخلق أمر طبيعي لا غبار عليهما، وتعرض فيه حياة السوقة من الناس عرض من يستمتع بها ويعجب بها ولا يعلق بكلمة ما عليها. وفي هذا الكتاب تنساب الأقذار انسياباً سريعاً إلى الأدب الروماني، وتحمل إليه أحكام أصحابها، وأذواقهم، وألفاظهم الوقحة، وحيويتهم المرحة. وترى القصة أحياناً تصل إلى أعلى درجات السخف والبذاءة والسباب لتي تتوج ملحمة جرجنتوا وبنترجول، وتعد تمهيداً لقصة "الأتان الذهبية" لأبوليوس Apuleius وتضارعها جيل بلاس Gils Blas التي كُتبت بعدها بسبعة عشر قرناً، وتواصل قصتنا ترسترام شاندي Tristram Shandy، وت جونز Tom Jones ما في قَصَصِها من التواء، وجملة القول أن هذا الكتاب هو أعجب كتاب في الأدب الروماني كله.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: الفلاسفة

في هذا العصر الشديد التعقيد والانحلال، الذي فرضت فيه على الحرية أضيق القيود وتحررت فيه الحياة من كل قيد، في هذا العصر ازدهرت الفلسفة إلى جانب الفسق والفجور، ولم تتفرعا قط عن التعأون والاتفاق. لقد ترك ما طرأ على الدين القومي من انحلال ثغرة في الأخلاق حأولت الفلسفة أن تسدها، فكان الآباء يرسلون أبناءهم، وكثيراً ما كانوا يذهبون هم أنفسهم، ليستمعوا إلى محاضرات رجال يعرضون عليهم قانوناً عقلياً للأخلاق الصالحة، أو ستاراً رسمياً للشهوات المكشوفة، وكان بعض من أوتوا سعة من المال يستأجرون الفلاسفة ليعيشوا معهم، وليعلموهم، وليكونوا لهم مستشارين روحيين، وأصحاب هكذا كان أتيوس لأغسطس، لا يكاد يبرم أمراً حتى يستشيره فيهِ، ومن أجله (إذا كان لنا أن نصدق الحكام فيما يقولون) لم يقس على مدينة الإسكندرية، ولما مات دروسس استدعت ليفيا "فيلسوف أبيها"-وهذا نص عبارة سنكا-"ليعينها على تحمل أحزانها". وكان لنيرون، وتراجان وأورليوس بطبيعة الحال فلاسفة يقيمون معهم في بلاطهم، كما للملوك أمناء في هذه الأيام. وكان الناس في الساعات الخيرة من حياتهم يستدعون الفلاسفة، ليمهدوا لهم طريق الموت، كما جرت العادة بعدئذ أن يستدعي الناس القسأوسة(10).

ولم يكن الشعب ليغفر لهؤلاء الفلاسفة أنهم يتقاضون على أعمالهم هذه مرتبات أو أجوراً، بل كان يرى أن الفلسفة قي حد ذاتها تغني عن الطعام والشراب؛ وكان الفلاسفة الذين لا يقدرون مهنتهم حق قدرها عرضة لسخرية الشعب، وانتقاد كونتليا Quintilian، وهجو لوشيان Lucian وعداء الأباطرة. والحق أن الكثيرين منهم كانوا جديرين بهذا كله، لأنهم كانوا يلبسون لباس الفلاسفة الخشن، ويطلقون لحاهم طويلة، لبستروا بثوب العلم نهمهم، وأطماعهم، وبخلهم، وغرورهم. وفي ذلك يقول أحد الأشخاص للوسيان إن:

"دراسة قصيرة للحياة قد أقنعتني بما في جميع الأغراض الدنيوية من سخف وحقارة...وخير ما أستطيع أن أفكر فيه وأنا في هذه الحالة النفسية هو أن أعرف حقيقة الحياة كلها من الفلاسفة...ومن اجل هذا أخترت أحسنهم-إذا كان وقار المنظر، واصفرار الوجه، وطول اللحية هي المقياس الذي يعتمد عليه في هذه الحال...ثم وضعت نفسي بين أيديهم. وطلبت إليهم أن يعلموني نظام الكون في نظير مبلغ كبير من المال أؤديه إليهم فوراً، ومبلغ آخر أؤديه إليهم حين أصل إلى الغاية في الحكمة. ولكن الذي حدث لسوء الحظ أنهم لم يبددوا ما كنت فيه من جهل، بل زادوا عقلي ارتباكاً فوق ارتباكه بما جرعوني من بدايات وغايات، ودرات وفراغ، ومواد وأشكال. وكان أصعب ما لقيته أنهم جميعاً كانوا يريدون أن أصدقهم، رغم ما بينهم من خلاف، ورغم ما كان في اقوالهم كلها من تناقض؛ فكان كل واحد منهم يجذبني نحوه...وكثيراً ما كان يعجز عن أن يخبرك بما بين مجارا وأثينة من أميال، ولكنه لا يتردد مطلقاً في أن يخبرك بما بين الشمس والقمر من أقدام(11). وكان معظم الفلاسفة الرومان من أتباع المذهب الرواقي، أما لأبيقوريين فلم تترك لهم االخمر ولنساء والطعام وقتاً للنظريات الفلسفية. وكان في أماكن قليلة من رومة متسولون يَدْعون إلى الفلسفة الكلبية، لا يعنون بالتفكير، ويدعون الناس إلى البساطة والتقشف، ويذعنون لما يطلبه الشعب إلى الفلاسفة أن يكونوا فقراء، ومن أجل هذا كانوا أقل طوائف الفلاسفة احتراماً. ولكن سنكا اتخذ واحداً من هؤلاء صديقاً وفياً له؛ وقال في هذا متسائلاً: "ولم لا أجل دمتريوس وأعظمه؟ لقد وجدته كاملاً لا ينقصه شيء. وقد دهش الحكيم صاحب الملايين حين رفض الفيلسوف الكلبي، الذي لم يكد يجد عنده ثوباً يستر به عورته، عطية من كالجيولا مقدارها مائتا ألف سسترس(12).

وإذ كان الرواقي الروماني رجل قتال لا رجل تأمل وتفكير، فقد كان يتجنب ما وراء الطبيعة، ويرى ذلك من المطالب الميئوس منها، وكان يجد في الرواقية فلسفة أخلاقية تقوم على الآداب الإنسانية، وتضم شمل الأسرة، وتثبت النظام الاجتماعي من غير حاجة إلى رقابة علوية وسيطرة إلهية. وكان جوهر قانونه الأخلاقي هو سيطرة المرء على نفسهِ: فكان يدعو إلى إخضاع الشهوات للعقل، وكان يعوَّد إرادته ألا تطلب شيئاً يجعل راحته النفسية تعتمد على الطيبات الخارجية. وكان في الناحية السياسية يعترف بأخوة البشر الخاضعين لأبوة الله. وكان في الوقت نفسه يحب بلده وتراه على الدوام مستعداً لأن يضحي بحياته لكي يرد عنها وعن نفسه المذلة والعار. وكانت الحياة على الدوام رهن تصرفه، له أن يغادرها حين تصبح نقمة عليه لا نعمة له، وكان الرواقي يسعى لأن يكون ضمير الإنسان أقوى من كل قانون، وكانت الملكية في رأيه شراً لا بد منه لحكم الأقطار الشاسعة المتباينة، ولكن قتل الطاغية المستبد كان أمراً طيباً مرغوباً فيهِ كل لرغبة.

وقد استفادت الرواقية الرومانية أول الأمر من الزعامة، ذلك أن القيود التي فرضت على الحرية السياسية دفعت الناس من السوق إلى الدرس، وبعثت في أرق هؤلاء الناس وأظرفهم نزعة إلى الفلسفة التي تجعل الشخص المسيطر على نفسه ذا سلطان أقوى من سلطان الملك الثائر المنفعل. ولم تقيد الحكومة حرية الفكر أو العقول ما دامت الأفكار والأقوال لا تتجه علناً إلى مهاجمة الإمبراطور وأسرته، أو إلى الطعن على الآلهة الرسمية. فلما أن شرع الأساتذة وأولياؤهم من الشيوخ ينددون بالظلم والاستبداد شبت بين الفلسفة والحكم المطلق حرب عوان، دامت حتى جمع بينهما الأباطرة المتبنَّون فوق العرش ولما أمر ثراسي Thrasea بأن يقتل نفسه (65) نفي في الوقت نفسه موسونيوس روفس Musonius Rufus صديق ثراسي، وأخلص فلاسفة رومة الرواقيين في القرن الأول عقيدة، وأشدهم عملاً بفلسفتهِ. وكان روفس قد عرف الفلسفة بأنها هي البحث عن السلوك الطيب، وشرع في هذا البحث بجد ومثابرة. وقد شهر بالتسري رغم شريعته، وكان يطلب إلى الرجال أن يحافظوا في أخلاقهم الجنسية على المستوى الذي يطالبون به النساء. وكان الرجل التولستوي النزعة يقول إن العلاقات الجنسية لا تباح إلا في حالة الزواج وللمحافظة على النسل. وكان يعتقد بوجوب تكافؤ الفرص التعليمية للرجال والنساء عل السواء يرحب بوجود النساء في محاضراته، ولكنه يأمرهن أن يبحثن في الزينة والفلسفة عن الوسائل التي يكملن بها أنوثتهن(13). وكان الأرقاء أيضاً يشهدون محاضراته. وقد شرف أحد هؤلاء وهو Epictetus أستاذه بأن تفوق عليهِ. ولما أن شبت نار الحرب الأهلية في رومة بعد موت نيرون خرج موسونيوس للجيش المهاجم، وأخذ يخطب فيه ويشرح له فوائد السلم وفضائع والحرب. وسخر منه جنود أنطونيوس وعادوا إلى تحكيم السيف. ولما أن طرد فسبازيان الفلاسفة من رومة استثنى منهم روفس، ولكنه احتفظ بسراريه.


الفصل الرابع: سنكا

وجدت الفلسفة الرواقية في حياة لوسيوس أنيوس سنكا Lneius Annaeus Seneca أكثر مظاهرها مدعاة إلى الريبة، كما وجدت في كنايته أصدق تعبير عنها. وكان مولده في قرطبة (Corduba) حوالي العام الرابع قبل الميلاد، وسرعان ما حيء به إلى رومة وتلقى فيها كل ما كان يستطيع أن يتلقاه من تربية وتعليم. وقد تشرب الفلسفة من أبيه، والرواقية من أتالس Attalus والفيثاغورية من سوتيون Sotlon، والفلسفة العملية من زوج عمته حاكم مصر من قبل الرومان. وحأول مدى عام أن يعيش على الأطعمة النباتية، ثم عدل عن هذا، ولكنه ظل طوال حياته مقلاً من الطعام والشراب، فكان من ذوي الملايين في بيئته لا في عاداته. وقد عانى كثيراً من مرض الربو وضعف الرئتين، حتى فكر في بعض الأحيان في الانتحار. ومارس مهنة المحاماة، واختير كوسترا في عام 33م، وبعد عامين من ذلك الوقت تزوج بمبيا بولينا Pompeia Paulina وعاش معها عيشة مستمرة عجيبة حتى مماته.

ولما ورثت ثروة أبيه، ترك مهنة المحاماة، واشتغل بالكتابة. ولما أرغم كالحيولا كرمتيوس كوردس Cremutius Cordus على أن يقتل نفسه (40) كتب سنكا إلى أبنته مقالة تعزية Consolatis، وكانت هذه المقالات من الموضوعات التي يكتبها الخطباء والفلاسفة في تلك الأيام. وأراد كالجيولا أن يقتله عقاباً له على وقاحته، ولكن أصدقاءه أنجوه من القتل بقولهم إنه لن يلبث أن يموت من السل إذا ما ترك وشأنه. وبعد قليل من ذلك الوقت اتهمه كلوديوس بوجود علاقات غير شريفة بينه وبين يوليا ابنة جرمنكوس، وحكم عليه مجلس الشيوخ بالإعدام، ولكن كلوديوس استبدل بهذا الحكم النفي في جزيرة كورسكا. وفي هذه الجزيرة الصخرية الوعرة قضى الفيلسوف في عزلته ثماني سنين (41-49) بين أقوام لم يرتفعوا قط عن بدائتهم التي وصفهم بها أوفد في تومي Tomi. وصبر في أول الأمر على هذه الكارثة صبر الرواقيين الحقيقيين، وكتب إلى أمه مقالاً يواسيها فيه "Consolatio ad Helviam"، فلما أن توالت عليه أعوام الشقاء، ضعفت نفسيته واستولى عليه اليأس، فكتب إلى أمين سركلوديوس مقالة Consolatio ad Polybium يرجوه فيها متذللاً أن يعفو عنه، ولما لم يفده هذا الرجاء حأول أن يحفف من آلامه بكتابة المآسي.

وأكبر الظن أن هذه المسرحيات العجيبة التي يكاد كل شخص فيها أن يكون خطيباً، وإنما كتبت لتقرأ وتدرس لا لتمثل على المسرح، وذلك أننا لم نسمع أن واحدة منها مثلت، وغاية ما في الأمر أن بعض الحادثات ذات الروعة أو بعض الخطب الطنانة الرنانة، لُحنت ومثلت تمثيلاً هزلياً. ونرى الفيلسوف الرقيق في هذه المسرحيات يجري الدماء على المسرح كأنه يريد ألا يكون هذا المسرح أقل بشاعة وسفكاً للدماء من الاحتفالات والألعاب. على أنه رغم ما بذله فيها من جهود جبارة، لم ينجح في مسرحياته لانصرافه فيها إلى التفكير أكثر من انصرافه إلى الإخراج المسرحي، فهو يفضل الأفكار على الرجال، ولا يدع فرصة تمر دون أن يشغلها بالتأملات والعواطف والفكاهة. ولسنا ننكر أن في مسرحياته أبياتاً جميلة، ولكن الإنسان لا يلام إذا لم يعلق شيء منها بذاكرته بعد سماعها. على أننا يجب أن نضيف إلى هذا أن كثيرين ممن يعتد بحكمهم لا يتفقون معنا في الرأي، ومن هؤلاء اسكلجر Scaliger سيد النقاد جميعاً في عصر النهضة والذي يفضل سنكا عن يوربديز. ولما أن عادت الآداب القديمة إلى الحياة، كان سنكا هو الذي اتُّخذ نموذجاً لأولى المسرحيات التي كتبت باللغات الحديثة، وعنه أخذت الصيغ الفصيحة، ووحدة الزمان والمكان التي امتازت بها مسرحيات كورني Corneille وراسين Racine، والتي ظلت مسيطرة على المسرح الفرنسي حتى القرن التاسع عشر. ولقد كانت ترجمة هاي وود Heywood (1559) لمسرحيات سنكا في إنجلترا، التي كانت أقل البلاد تأثراً بنفوذه، المثال الذي نسجت على منواله مأساة بودك Gorboduc أولى المآسي الإنجليزية، كان لهذه المآسي أثرها في مسرحيات شكسبير.

وحدث في عام 48 أن حلت أجربينا الصغرى محل مسالينا في السيطرة على كلوديوس وعلى رومة، وكانت تتوق إلى أن تجعل من ابنها نيرون، وكان وقتئذ في الحاديى عشر من عمره، اسكندراً ثانياً، فأخذت تتلفت حولها تبحث له عن أرسطاطاليس، حتى وجدته في جزيرة كورسكا، فأمرت باستدعاء سنكا وأعادته إلى مكانه في مجلس الشيوخ، وظل خمس سنين يعلم تلميذه الشاب، وخمس سنين أخرى يرشد الإمبراطور ويمسك بزمام الدولة. وكان طوال هذه العشر السنين يدبج الرسائل لإصلاح شأن نيرون، كما كتب عدة رسائل مختلفة يعرض فيها الفلسفة الرواقية عرضاً ظريفاً. ومن هذه الرسائل رسائله: في الغضب، وفي قصر الحياة، وفي هدوء الروح، وفي الرحمة، وفي الحياة السعيدة، وفي ثبات المسرح، وفي حسن التدبير. وهذه الرسائل التي تعنى أكثر ما تعنى بالشكل والمظهر لا تبرز أحسن مواهب سنكا، فهي كمسرحياته ملى بالنكات، ولكن هذه النكات التي يجدها القارئ منثورة غير ارتباط في صحف الكتاب كلها تفقد بهجتها آخر الأمر وتبعث الملل في نفس اللقارئ. على أن قراء سنكا مع ذلك كانوا يقرؤون هذه المقالات من حين إلى حين، ولم يكونوا يشمئزون من النكات المرحة التي أغضبت كونيان الصارم(14) المتزمت(14)، ولا من المحسنات اللفظية التي لم يرض عنها ذوق فرنتو Fronto العتيق. لقد كان يسر أولئك القراء أن وزيرهم الأول ينطق بأقواله الظريفة، وأنه يحأول كما يحأول تلميذه بكل ما أوتي من جهد ا، يكسب ثناءهم عليه. وقد ظل سنكا كثيراً من السنين حامل لواء الكتاب، والساسة، وزارع الكروم في إيطاليا.

وضاعف ما ورثه عن أبيه من ثروة باستثمارها استثماراً استعان عليه فيما يظهر بمنصبه الرسمي وعلمه الواسع؛ وإذا كان لنا أن نصدق ديو فإنه كان يقرض المال لأهل الولايات بربا فاحش أثار الفزع والفتنة في بريطانيا حين فاجأ مدينته فيها بطلب أمواله البالغ قدرها 40.000.000 سسترس(15). ويقال إن ثروته بلغت 300.000.000 سسترس أي (30.000.000 ريال أمريكي)(16). وقد اتهمه جاسوس من أصدقاء مسالينا يدعى ببليوس سوليوس Publius Sullius علناً بأنه "منافق، زان، خليع، يذم حاشية الإمبراطور ولا يفارق قصره، ويذم الترف، ويتباهى بأن له خمسمائة خوان من الأرز والعاج، ويندد بالثروة ويستنزف دماء الولايات بالربا الفاحش"(17). وقنع سنكا كما قنع قيصر بمقارعة الحجة بالحجة، وكان في وسعه أن يأمر بإعدام خصمه. ولقد أعاد ذكر هذه التهم في مقاله "عن الحياة السعيدة" ورد عليها بأن الحكيم لا يتحتم عليه أن يكون فقيراً، فإذا جاءه المال من طريق شريف كان في وسعه أن يقبله، ولكن يجب أن يكون في مقدوره أن يتخلى عنه متى شاء دون أن يندم عليهِ"(18)، وكان في هذه الأثناء يعيش عيشة الزهد والتقشف بين أثاثه الجميل، ينام على خشبة صلبة خشنة، ولا يشرب إلا الماء القراح، ولا يتنأول إلا القليل من الطعام، حتى ضمر جسمه من قلة التغذية قبل وفاته(19). وكتب في ذلك يقول: "إن كثرة الطعام تذهب بالذكاء، والإفراط فيه يخنق الروح"(20). أما ما اتهم به من الشذوذ الجنسي فلعله كان يصدق عليه أيام شبابه، ولكنه اشتهر بعطفه الدائم على زوجته. والحق أنه لم يقرر في حياته أيهما إليه الفلسفة أو السلطة، الحكمة أو السعادة؛ ولم يقنع في يوم من الأيام بتعارض الفلسفة مع السلطة، أو الحكمة مع السعادة؛ وكان يعترف بـأنه حكيم جد ناقص، ومن أقواله في هذا: "أني لا أمتدح الحياة التي أحياها بل االحياة االتي يجب أن أحياها، وهي الحياة التي أحبو إليها حبواً، وهي بعيدة عني كل البعد"(21)، وأينا لا يصدق عليه هذا الوصف؟ وإذا لم يكن مخلصاً في قوله إن "الرحمة لا تزين أحداً من الناس بقدر ما تزين الملك أو الزعيم"(22)، فلا أقل من أنه قد وصفق هذه العاطفة وصفاً لا يقل جمالاً عن وصف بورشيا Portia لها . وقد ندد بمعارك المجتلدات التي كانت تنتهي بقتل المصارعين(24)، وكان من أثر ذلك أن حرمها نيرون، وخفف من حدة النقد في أيامه بما يسميه تاستس: "كياسته في تلقين الحكمة"(25)، ولم يكن في حياته يتطلب الكمال، كما لم يكن يمارسه عملياً.

ولقد سبق القول بأنه خكم الإمبراطور حكماً صالحاً وأنه أساء إلى سمعته بالتغاضي عن شر ما ارتكبه نيرون من الجرائم، و "السماح بارتكاب الكثير من الشر حتى يكون في مقدوره أن يفعل القليل من الخير"(27). وكان يحس بما في منصبه الرسمي من ذلة ومهانة، ويتوق إلى التحرر من عبوديته، ووصف قصر الإمبراطور بأنه "سجن يشقى فيه العبيد". وكان يتمنى أن لو قضى حياته كلها في دراسة الحكمة، وتجنب دياجير السلطان. وكان يسره أن يتخلى من حين إلى حين عم مشاغله السياسية، وأن يستمع وهو في سن الستين إلى محاضرات متروناكسMetronax في الفلسفة كما يستمع إليها الصبي الحريص على الإفادة منها. وطلب في عام 22-وكان وقتئذ في السادسة والستين من عمره-أن يؤذن له باعتزال منصبه في القصر، وكان وقتئذ أقل شأناً من منصبه الأول، ولكن نيرون لم يجبه إلى طلبه. ولما طلب نيرون إلى جميع من في الإمبراطورية أن يكتتبوا في إعادة بناء رومة بعد الحريق العظيم الذي دمرها في عام 64، تبرع هو بالجزء الأكبر من ثروته لهذا الغرض. واستطاع فيما بعد أن ينسحب شيئاً فشيئاً من بلاط الإمبراطور، وأن يقضي جزءاً متزايداً من وقته في بيوته في كمبانيا، لعله يستطيع بعزلته الشبيهة بعزلة النساك أن يفر من الإمبراطور ومن جواسيسه. وظل وقتاً ما لا يطعم إلا التفاح البري ولا يشرب إلا الماء الجاري خشية أن يدس له السم في الطعام.

وفي هذا الجو المليء بالرعب والفزع دوّن بين عامي 63، 65 دراساته في التاريخ الطبيعي Questiones Naturales كما كتب ألطف كتاباته كلها وهي رسائله الأخلاقية Epistulae Morales. وهذه الرسائل احاديث عارضة شخصية موجهة إلى صديقه لوسليوس وإلى صقلية المثري، الشاعر، الفيلسوف والأبيقوري الصريح. وقل أن يجد الإنسان في الأدب الروماني كتباً تبعث على السرور خيراً من هذه المحأولات الطريفة لتكييف الرواقية حسب حاجات الرجل الواسع الثراء. وتعد هذه الرسائل بداية المقالة الخالية من التكلف والصنعة التي أمست فيما بعد الوسيلة التي لجأ إليها أفلوطرخس، ولوسشيان، ومنتاني، وفلتير، وروسو، وبيكن، وأدسن واستيل للتعبير عن آرائهم. وإن القارئ ليشعر وهو يقرأ هذه الرسائل بأنه على اتصال بروماني مستنير، رحيم، متسامح، سما إلى الذروة وتعمق إلى أبعد حد في الأدب، والسياسة، والفلسفة، ويحسن كأن زينون يتحدث فيها برقة أبيقور وتسامحه وبسحر أفلاطون. ويعتذر سنكا للوسليوس عن أسلوبه المهلهل الذي ر يبدو فيه كبير أثر للعناية (وهو مع ذلك أسلوب لاتيني رائع الحسن)؛ ويقول في اعتذاره هذا: "وأحب أن تكون رسائلي إليك هي عين حديثي، إذا ما جلسنا أو سرنا معاً"(30). ويضيف إلى ذلك قوله:

"لست أكتب هذا لجمهرة الناس، بل أكتبه إليك، فحسبي وحسبك أن يستمع كل منا للآخر Satis magnum alteri theatrum sumus"، وإن كان السياسي الشيخ يرجو بلا ريب أن يسترق الناس هذا الحديث. وهو يصف ربوه وصفاً رائعاً وإن كان لا يرثي فيه لنفسه، ويسمي هذا المرض تسمية مرحة ظريفة فيقول إنه "التدريب على الموت" بأخذ "أنفاس أخيرة" متقطعة تدوم كل منها ساعة, وكان وقتئذ في السابعة والستين من العمر ولكنه لم يبلغها إلا بجسمه، أما "عقلي فقوي يقظ، يجادلني في موضوع الشيخوخة، ويجهر بأنها فترة ازدهار"(32). وهو يبتهج إذ واتته الفرصة آخر الأمر لقراءة الكتب القيمة التي اضطر إلى إغفالها زمناً طويلاً. ويلوح انه في ذلك الوقت قد عاد إلة قراءة كتب أبيقور، لأنه ينقل عنها فقرات كثيرة وينقلها بحماسة تزري بأمثاله من الرواقيين، ويستولي عليه الرعب حين يشهد تطرف كاليجولا، ونيرون، وآلاف غيرهما من الرومان في نزعتهم الفردية وفي الجري وراء شهواتهم؛ يريد أن يجد وسيلة يقأوم بها المغريات التي تحيط بمن يتحرر عقله قبل أن ينضج خلقه، ويبدو أنه أخذ على نفسه أن يرد على الأبيقوريين ويفحمهم بأقوال نطق بها زعيمهم الذي دنسوا اسمه بأعمالهم، والذي لا يجرؤون على فهم تعاليمه.

وأول درس يلقيه على الناس في الفلسفة هو أننا لا نستطيع أن نكون عقلاء حكماء في كل شيء، وأنا لسنا في حقيقة أمرنا إلا قطعاً متناثرة في الفضاء اللانهائي، ولحظات قصيرة في الأبدية، وإن محأولة هذه الذرات المتشعبة أن تصف الكون، أو الكائن الأعلى، لعمل ترتج من الكواكب سخرية ومرحاً. ومن اجل هذا فإن سنكا لم يكن في حاجة إلى الدين أو إلى علم ما وراء الطبيعة؛ وفي وسع الإنسان أن يثبت من كتاباته أنه كان من الموحدين، أو المشركين، أو الكافرين، أو الماديين، أو الأفلاطونيين، أو القائلين بوحدة الوجود، أو ثنائيته. وهو يرى في بعض الأحيان أن الله قوة مدبرة شخصية، تهيمن على كل شيء، "تحب الصالحين من الناس"(33)، وتستجيب إلى دعواتهم، وتعينهم بلطفها الإلهي(34). ثم تراه في فقرات أخرى يقول إن الله هو العلة الأولى في سلسلة متصلة من الحلقات من العلل والمعلومات، وإن القوة النهائية هي القدر وهو علة لا تزد ولا تنقص، تصرف شؤون البشر والآلهة على السواء...تقود الطائعين وتجر الغاضبين"(36). وهذا التردد نفسه يطمس فكرته عن النفس البشرية، فهي عنده نسمة مادية رقيقة تبعث الحياة في الجسد ولكنها أيضاً "إله يسكن" في الهيكل البشري "كما يسكن الضيف" عند مضيفه(37). وهو يتحدث حديث المرتجي عن حياة بعد الموت، تكمل فيها المعرفة والفضيلة(38)؛ ويسمي الفساد الخلقي كما يسميه من قبل "حلماً جميلاً"(39). وحقيقة الأمر أن سنكا لم يفكر في هذه المسائل تفكيراً يصل به إلى نتيجة متسقة (أو عامة)، بل هو يتحدث عنها حديث السياسي المذبذب الذي يوافق الناس جميعاً. ذلك أنه عمل بدروس أبيه الخطابية فنجح فيما كان يبغيه نجاحاً فوق ما يجب، واستطاع أن يعبر عن جميع الآراء المتناقضة بعبارات بليغة لا يستطيع القارئ أن يقأوم أثرها في نفسه.

وهذا التردد عينه يفسد فلسفته ويجملها معاً، فهو مسرف في رواقيته إلى حد يجعل فلسفته غير عملية، وهو لين إلى حد لا يستطيع معه أن يكون رواقياً حقيقياً؛ وهو يرى م حوله فساداً خلقياً ينهك الجسم ويزري بالنفس، ولا يرضى هذا أو ذاك؛ ويرى أن الشره والترف قد قضيا على الطمأنينة والصحة، وأن كل ما أفاده الإنسان من القوة أن صار وحشاً أقدر على الأذى من سائر الوحوش فهل من سبيل إلى نجاة الإنسان من هذا الاضطراب الشائن المذل؟ ولقد قرأت اليوم قول أبيقور: "إذا شئت أن تستمتع بالحرية الحقة، وجب عليك أن تكون عبداً للفلسفة، ذلك أن الرجل الذي يخضع لها يتحرر لساعته... إن الجسم إذا شفي من مرضه مرة كثيراً ما ينتابه المرض مرة أخرى...

أما العقل، فإذا شفي، فلن يعود إليه المرض أبداً، وسأحدثكم عما أعنيه بالصحة: إن الصحة في رأيي أن يكون عقل الإنسان راضياً واثقاً، يدرك أن الأشياء التي يسعى إليها الناس جميعاً، وكل الفوائد التي يعملون لها أو ينالونها، لا أثر لها في الحياة السعيدة... وسأدلكم على قاعدة تقيسون بها أنفسكم وتحولكم من حال إلى حال! إنكم تصلون إلى ما تبغونه لأنفسكم في ذلك اليوم الذي تدركون فيه أن الناجحين هم أكثر الناس شقاء.

"والفلسفة هي علم الحكمة، والحكمة هي فن العيش، والسعادة هي الغرض الذي نبتغيه، ولكن الطريق إليها هو الفضيلة لا اللذة. والحِكَم القديمة التي يهزأ بها الناس صحيحة صادقة تثبت التجارب صدقها في كل يوم. وسوف ننال آخر الأمر بالشرف، والعدالة، والحلم، والرأفة، قدراً من السمادة أكثر مما نناله بالجري وراء اللذة. وما من شك في ان اللذة طيبة مستحبة، ولكنها لا تكون كذلك إلا إذا اتفقت مع الفضيلة؛ وليس في مقدور الرجل العاقل أن يتخذها هدفاً له، ومثل الذين يجعلونها غرضهم في الحياة كمثل الكلب الذي يختطف كل قطعة من اللحم تُلقى إليه، ويبتلعها كلها، وهو بعدئذ لا يستمتع بها، بل يقف فاغراً فاه يتلهف على قطعة أخرى.

ولكن كيف يحصل الإنسان على الحكمة؟ إن السبيل إلى ذلك أن تمارسها كل يوم بقدر مهما يكن ضئيلاً، وأن تمتحن سلوكك في آخر كل يوم، وأن تكون قاسياً على أغلاطك ليناً على أغلاط غيرك، وأن تصاحب من هم أعظم منك حكمة وفضيلة، وأن تتخذ لنفسك رجلاً لا تراه عينك مشهوداً له بالحكمة ليكون لك ناصحاً وقاضياً تحتكم إليه في شئونك، ويساعدك على الوصول إليه أن تقرأ كتب الفلاسفة، ولست أقصد بهذه الكتب قصص الفلسفة الموجزة، بل أقصد بها مؤلفات الفلاسفة أنفسهم، "ولا ترْجُ قط أنك ستستطيع في يوم من الأيام أن تحصل على زبد حكمة النابهين من الرجال بقراءة خلاصات موجزة لهذه الحكمة"(42)، "إنك ستغادر كل واحد منهم أسعد مما كنت وأشد رغبة في حكمته، ولن يتركك واحد منهم تفارقه صفر اليدين...ألا ما أعظم تلك السعادة، وما انبل تلك الشيخوخة اللتين تنتظران ذلك الرجل الذي يحتمي بحماهم ويتخذهم سادة له وأنصاراً!"(43). اقرأ الكتب الطيبة مراراً، فذلك خير لك من قراءة الكتب الكثيرة؛ وسافر سفراً بطيئاً، ولا تسرف في الأسفار، لأن "الروح لا تنضج وحدتها إلا إذا كبحت جماح تشوفها وتجوالها"(44). وأولى سمات العقل المنظم أن يكون صاحبه قادراً على أن يبقى في مكان واحد، وأن يطيل المكث مع أصدقائه(45). وإياك والجموع الكبيرة فإن "الناس وهم مجتمعون أخبث منهم وهم فرادى، فإذا اضطررت أن تكون في حشد كبير، فأنت أشد ما تكون في حاجة إلى الانطواء على نفسك"(46).

وآخر درس يتعلمه الرواقي هو احتقار الحياة وإيثار الموت. ذلك أن الحياة ليست على الدوام ممتعة إلى الحد الذي يجعلها جديرة بأن يطول أجلها؛ ومن الخير للإنسان بعد حمى الحياة ونوباتها أن ينام ليستريح. "وهل ثمة شيء أحط من أن يضطرب الإنسان ويغضب وهو على عتبة ابسلام؟"(47). وإذا وجد الإنسان الحياة محزنة، واستطاع أن يغادرها دون أن يضر ذلك ضرراً بليغاً بغيره من الناس، فعليه بأن من حقه أن يختار الوقت الذي يغادرها فيه والطريقة التي يغادرها بها. ويحبذ سنكا للوسليوس الانتحار كأنه سيكون هو وريثه فيقول:-

"من الأسباب التي لا يستطيع معها أن يتذمر من الحياة أنها لا تستبقيه فيها رغم إرادته...كم من مرة قطع لك وريد ليقل بذلك وزنك! وإذا ما طعنت نفسك في قلبك فإنك لن تكون في حاجة إلى جرح واسع حتى تموت؛ وإن مشرطاً يشق لك الطريق إلى الحرية، وفي وسعك أن تشتري راحتك بوخزة إبرة...(48) وحيثما أدرت بصرك وجدت الوسيلة التي تقضي بها على متاعبك. فهل ترى هذه الربوة الشديدة الانحدار. إنها تهبط بك إلى الحرية؟ أو هل ترى هذا النهر أو ذاك الحوض أو ذاك البحر؟-إن الحرية في أعماقها(50)...ولكنني تحدثت فأطلت الحديث، وكيف يستطيع الإنسان أن يختم حياته إذا لم يكن في وسعه أن يختم رسالة يكتبها؟(51)...أما أنا يا عزيزي لوسليوس فقد بلغت أرذل العمر، وقد عشت كفايتي، وها أنا ذا في انتظار الموت. وداعاً أيها الصديق"(52).

واستجابت الأقدار لدعائه، فقد أرسل إليه نيرون تربيوناً يستجوبه فيما اتهم به من أنه يتآمر على جعل بيزو إمبراطوراً؛ فأجاب الرسول بأنه لم يعد يهتم بالسياسة، وأنه لا ينشد غير السلام، وأن تتاح له الفرصة للعناية "ببنيته المتهدمة الضعيفة". ويقول التربيون: "إنه لم تظهر عليه أعراض الخوف أو أمارات الحزن...وإن أقواله ونظراته كانت تنم عن عقل هادئ قويم ثابت". وقال نيرون للتربيون: "عد إليه وقل له أن يموت" ويقول تاستس إن "سنكا تلقى النيأ بهدوء واطمئنان"، ثم عانق زوجته، وطلب إليها أن تتخذ من حياته الشريفة النبيلة ومن دروس الفلسفة سبباً للسلوى والاطمئنان. ولكن بولينا أبت أن تعيش بعد مماته، فلما أن فتحت أوردته، أمرت هي الأخرى بفتح أوردتها، ثم استدعى أحد أمناء سره وأملى عليه رسالة وداع للشعب الروماني. وطلب بعدئذ قدحاً من شراب السكران، فجيء له به، كأنه اعتزم أن يموت ميتة سقراط. ولما أن وضعه الطبيب في حمام فاتر ليخفف به ألمه، رش الماء على أقر الخدم له وهو يقول: "هذا ماء ساكب لجوف المنقذ"، ثم فارق الحياة بعد آلام مريرة (65)، وأمر نيرون الطبيب بأن يربط معصمي بولينا على الرغم منها، ويمنع خروج الدم من أوردتها ففعل، وبذلك عاشت بعد زوجها بضع سنين؛ ولكن امتقاع لونها الدائم كان يدل على عزمها القوي الثابت.

ورفع الموت من قدر سنكا وأنسى جيلاً من الأجيال مواقفه وتذبذبه. وكان ككل الرواقيين يستخف بالسلطة ولا يقدر قوة الوجدان والعواطف حق قدرها، ويغاليه في قيمة العقل ويفرط في الاعتماد عليه، ويثق فوق ما يجب بالطبيعة وهي منبت جميع أزاهير الشر والخير على السواء. ولكنه جعل الرواقية فلسفة بشرية وأنزلها من عليائها حتى أضحت فلسفة حية في متنأول بني الإنسان ومهد بها للمسيحية. ولقد كان تشاؤمه، وتنديده بفساد الأخلاق في أيامه، ودعوته الناس أن يقابلوا الغضب بالحلم(54)، وانشغاله بأمر الموت(55)، كان كل هذا مما حمل ترتليان Tertullian على أن يقول عنه إنه "منّا"(56)، كما حمل أوغسطين على أن يقول فيه "ماذا يستطيع المسيحي الصميم أن يقول أكثر مما قاله هذا الوثني؟"(57). نعم إن سنكا لم يكن مسيحياً، ولكنه في القليل طالب بالقضاء على القتل والسلب، ودعا إلى الحياة البسيطة المهذبة، وقلل ما كان هناك من فروق بين الرجل الحر والمحرر والرقيق حتى أضحت هذه الفروق لا تزيد على "الألقاب التي خلقتها المطامع أو الأخطاء"(58). وكان الذي استفاد أكبر فائدة من تعاليم سنكا عبداً في بلاط نيرون وهو إبكتتس. كذلك صاغت كتاباته نرفا Nerva وتراجان إلى حد ما، وكانت أعماله مثالاً يُحتذى في السياسة الإنسانية القائمة على الإخلاص وإرضاء الضمير. وقد ظل إلى آخر العهود القديمة كما ظل طوال العصور الوسطى محبباً للجماهير؛ ولما حل عهد النهضة وضعه بترارك في المرتبة الثانية بعد فرجيل، وصاغ نثره على مثال نثر سنكا. وتجم صهر منتاني كتاباته إلى اللغة الفرنسية، وكان منتاني نفسه يقتبس من أقواله كما يقتبس سنكا من أبيقور. وكان إمرسن يقرأ مؤلفاته مراراً وتكراراً(59)، حتى أضحى سنكا الأمريكيين. نعم إن الإنسان قلما يجد في أقوال سنكا أفكاراً جديدة مبتكرة، ولكن هذا يغتفر له، لأن كل الحقائق الفلسفية قديمة، ولا شيء فيها مبتكر إلا الخطأ، ولقد كان رغم أخطائه كلها أعظم الفلاسفة الرومان، كما أنه كان في كتبه على الأقل أرجحهم عقلاً وأرقهم قلباً؛ وكان بعد شيشرون أحب المنافقين إلى القلوب في التاريخ كله.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الخامس: علوم الرومان

لقد أطلنا الكلام فيه أكثر مما يجب؛ ولكننا مع ذلك لم نفرغ منه بعد، فقد كان عالماً طبيعياً أيضاً. ذلك انه أخذ يسلي نفسه في السنين الخصيبة الواقعة بين اعتزاله شؤون الحكم وموته بالتفكير في المسائل الطبيعية كالبحث عن تفسير للمطر، والبرد، والرياح، والمذنبات، وأقواس قوس قزح والزلازل، والأنهار، والينابيع، وقد أشار في مسرحية ميديا Medea إلى الوجود قارة أخرى على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي(60). وبنفس هذه اللقانة الطبيعية كتب وهو يتأمل ملايين النجوم في السماء: "كم من كرات تتحرك في أعماق الفضاء لم تصل بعد إلى عيون بني الإنسان"(61). ثم يضيف إلى هذا وكأنه قد كشف عن بصره الغطاء: "كم من أشياء سيتعلمه أبناؤنا ولا نستطيع الآن أن نتصورها في خيالنا!-وكم من أشياء أخرى ستظل مجهولة مئات السنين بعد أن تنسى أسماؤنا!...ويدهش أبناؤنا من جهلنا"(62)، ولقد صدق في قوله هذا، فنحن يدهشنا جهله. ذلك أن سنكا رغم بلاغته لا يضيف شيئاً إلى ما قاله أرسطاطاليس وأراتس Aratus، وهو يستعير الشيء الكثير من بوسيدونيوس Poseidonius. ويؤمن بأن في مقدور الإنسان أن يتنبأ بالغيب بالرغم من معارضة شيشرون لهذه العقيدة، ويتورط في بيان العلل النهائية للمعلولات مخالفاً بذلك عقيدة لكريشيوس، وكثيراً ما يقطع أقواله العلمية بما يضيفه فيها من وصايا أخلاقية، فهو بنتقل بحذق عظيم من الكلام على بلح البحر إلى الكلام في الترف، ومن المذنبات إلى أسباب الانحطاط. وكان آباء الكنيسة يحبون هذا الخلط بين الأجرام السمأوية والأخلاق، ولذلك جعلوا كتاب المسائل الطبيعية أشهر كتاب علمي في العصور الوسطى.

وكان في رومة عدد قليل من الرجال ذوي النزعة العلمية والولع بالعلوم، ومن هؤلاء فارو، وأجربا، وبمبنيوس ميلا Pomponius، وسلسس Celsus، ولكن علمهم لم يكن يتعدى نطاق تقويم البلدان، وفلاحة البساتين، والطب.أما فيما عدا هذا فلم يكن العلم الطبيعي قد انفصل بعد عن السحر، والخرافات، والدين، والفلسفة، وكان قوامه ما تجمع من المشاهدات والروايات؛ وقلما كان يشمل بحوثاً جديدة عن حقائق الأشياء، وكانت التجارب فيه جد نادرة. وبقي الفلك حيث تركه البابليون واليونان، فكان الوقت يقاس بالساعات المائية، وبالمزأول، وبالمسلة الكبرى التي اختلسها أغسطس من مصر وأقامها في ميدان المريخ؛ وكان ظلها يقع على طوار نقشت عليه علامات من نحاس، تدل على ساعات النهار وعلى فصول السنة(63). وكان النهار والليل يحددان بشروق الشمس وغروبها، وينقسم كل منها إلى اثنتي عشرة ساعة، وبذلك كانت تطول ساعة النهار، وتقصر ساعة الليل في فصل الصيف عنها في فصل الشتاء. وكان التنجيم من المعتقدات الشائعة التي يكاد يؤمن بها كل إنسان. وفي هذا يقول بلني ان الناس كلهم في أيامه (70م) - السذج منهم والمتعلمون - يعتقدون ان مصير الانسان يقرره النجم الذي يولد هو ساعة مطلعه(64). وكانوا يؤيدون هذه العقائد بـحجج طلية كقولهم إن نمو النبات، مرده إلى الشمس ، ولعل فصول التزأوج عند الحيوانات مردها إليها كذلك، وإن خصائص الناس الجسمية والخلقية تتأثر بعوامل المناخ التي تتأثر هي أيضاً بالشمس، وإن أخلاق الأفراد ومصائرهم لا تختلف عن هذه الظواهر العامة في أنها نتيجة لأحوال جوية لا نعرفها حق المعرفة. ولم يرفض أحد التنجيم إلا المتشككون أتباع الأقدمية المتـأخرة الذين أنكروا ما يدعيه رجاله من علم، والمسيحيون الذين سخروا منه وأعدوه ضرباً من الوثنية. أما الجغرافية فكانت دراستها أكثر واقعياً وكان الغرض منها ان يستعان بها على الملاحة. وقد نشر بمبنيوس ميلا Mela Pomponius (43م) خرائط قسم فيها سطح الأرض إلى منطقة حارة في الوسط، ومنطقتين معتدلتين شمالية وجنوبية. وكان الجغرافيون الرومان يعرفون أوربا وشمالي آسيا الغربية، وشماليها الشرقي، أما سائر أجزاء العالم فكانت لديهم عنها أفكار غامضة، وأقاصيص خرافية غريبة. وقد وصلت السفن الأسبانية والأفريقية الصغيرة إلى جزائر مديرة Madeira وقناريا أو الخالدات (Canary) (65)، غير انه لم يقم في ذلك الوقت رجل مثل كولمبس ليحقق حلم سنكا.

وكان أوسع المنتجات العلمية الإيطالية وأكثرها دلالة على الجد، وأبعدها عن العلم الصحيح كتاب التاريخ الطبيعي Historia Naturalis(67) الذي وضعه كيوس بلنيوس سكندس Caius Plinius Secondus. وقد قضى كيوس حياته كلها تقريباً جندياً، ومحامياً، ورحالة، وحاكماً، وقائداً للأسطول الروماني في غربي البحر المتوسط، ولكنه رغم هذه المشاغل كلها ألف رسائل في الخطابة، والنحو، والحرب، وكتب تاريخاً لروما، وتاريخاً أخر لحروب روما في ألمانيا، وسبعة وثلاثين "كتاباً" في التاريخ الطبيعي هي كل ما بقي من هذا الفيض العظيم من المؤلفات. أما كيف استطاع ان يفعل هذا كله في خمس وثلاثين سنة فيفسره خطاب كتبه ابن أخيه يقول فيه:

لقد كان سريع الفهم، متحمساً حماسا لا يكاد يصدقها العقل، وله القدرة على ترك النوم منقطعة النظير. وكان يستيقظ من نومه في منتصف الليل أو في الساعة الواحدة صباحاً، ولم يحدث قط أن ظل نائماً إلى ما بعد الساعة الثانية، ثم يبدأ عمله الأدبي... وقبل أن يطلع النهار يمثل بين يدي فسبازيان، وكان هو أيضاً يختار ذلك الوقت لتصريف شؤون الدولة. فإذا انتهى من الأعمال التي عهدها إليه الإمبراطور عاد إلى منزله وواصل الدرس. وكان يتنأول في الظهيرة... وجبة خفيفة لا تستغرق إلا القليل من الوقت، فإذا كان الفصل صيفاً... فإنه كثيراً ما يستريح قليلاً في الشمس؛ ولكنه كان في أثناء ذلك يستمع إلى كتاب يقرأ له، ويقتبس منه بعض عبارات، ويكتب عنه بعض مذكرات... وتلك كانت عادته في كل ما يقرأ. وكان بعد ذلك يستحم عادة بالماء البارد، ويتنأول بعض المرطبات الخفيفة، ويستريح قليلاً، ثم يواصل الدرس حتى موعد العشاء، كأنه يبدأ يوما جديداً. وفي أثناء العشاء يقرأ له كتاب آخر يكتب عنه مذكرات... تلك كانت خطته في الحياة وسط ضجيج المدينة وصخبها. أما في الريف فكان يقضي وقته كله في الدرس اللهم إلا حين كان يستحم فعلاً. وحتى في ذلك الوقت الذي كان يدلك فيه جسمه ويجفف كان يستمع فيه إلى كتاب يقرأ له أو يملي هو شيء من عنده. وكان يرافقه في أسفاره على الدوام كاتب ملم بطريقة الاختزال يجلس معه في عربته أو في هودجه... وقد لامني في يوم من الأيام على المشي وقال لي: "لم يكن لك ان تضيع هذه الساعات" لأنه كان يرى أن كل وقت لا يصرف في الدرس وقت ضائع(66).

وكتابه هذا في جملته وتفصيله دائرة معارف كتبها رجل واحد، وجمع فيها خلاصة علم زمانه وأخطائه. زفي ذلك يقول: "إن الغرض الذي أرمي إليه هو أن أعرض وصفاً عاماً لكل ما نعرف أنه موجود على سطح الأرض"(67). فهو يبحث في عشرين ألف موضوع ويعتذر عما تركه من الموضوعات الأخرى، ويشير في هذا الكتاب إلى ألفي مجلد كتبها 473 مؤلفاً، ويعترف بدينه إلى من رجع إليهم من الكتاب ويذكر أسمائهم جميعا بصراحة لا نظير لها في الأدب القديم، ويشير عرضاً إلى انه وجد أن كثيراً من المؤلفين نقلوا أقوال من سبقوهم بنصها دون أن يعترفوا بهذا النقل. أما أسلوب الكتاب فثقيل ممل وان كان منمقاً في بعض المواضيع؛ ولكننا ليس من حقنا أن ننتظر أن تكون دوائر المعارف جذابة الأسلوب ساحرته.

ويبدأ بلني بالكفر بالآلهة، ويظن أنها لا تعدو أن تكون ظواهر طبيعية، أو كواكب سيارة، أو خدمات جسدت وألهت. والإله الأوحد في رأيه هو الطبيعة، أي مجموع القوى التي في الكون، ويلوح أن هذا الإله لا يعنى عناية خاصة بالشؤون الدنيوية(68). ويرفض بلني في تواضع أن يقيس الكون، وليس ما يورده من معلومات فلكية إلا خليطا من السخافات والمستحيلات (كقوله "إن الشمس في أيام الحرب التي شبت بين أكتافيان وأنطونيوس ظلت قائمة ما يقرب من عام كامل"(69))، ولكنه يشير إلى الشفق القطبي ويقدر الزمن الذي يستغرقه كل من المريخ، والمشتري، وزحل في دورته بسنتين واثنتي عشرة سنة وثلاثين سنة على التعاقب، ويورد بعض البراهين على كرية الأرض(71). ويحدثنا عن جزائر خرجت من قاع البحر الأبيض المتوسط في أيامه، ويظن أن صقلية وإيطاليا؛ وبوشيا وعوبيا؛ وقبرص وسوريا قد انفصلت كل واحدة من الثانية بفعل مياه البحر على مدى الأحقاب الطوال(72). ويتحد عن أعمال التعدين الشاقة المذلة ويذكر في ألم وحسرة ان "كثيراً من الأيدي تبلى لكي يزين مفصل صغير(72)، ويتمنى ان لو كان الناس لم يعثروا على الحديد، لأنه جعل الحرب أشد هولاً مما كانت عليه قبل ان يعثروا عليه، "كأننا أردنا ان نعجل بموت الناس، فجعلنا للحديد أجنحة وعلمناه الطيران"(74) وهو يشير بقوله هذا إلى القذائف الحديدية التي تجهز بريش من الجلد يساعدها على الاحتفاظ بخط سيرها. ويذكر كما يذكر ثيوفراستس Theophrastus تحت اسم انتراسيت Anthracitis "حجراً يحترق"(75)، ولكنه لا يذكر عن الفحم شيئاً غير هذا. ويشير إلى نوع من "الكتان لا يحترق" يطلق عليه اليونان اسم أزبستنون Asbestinon "ويستخدم فيه تحنيط جثث الملوك"، ويصف كثيرا من الحيوانات ويورد قوائم باسم حيوانات أخرى ويمتدح ذكاءها، ويذكر الطريقة التي يستطاع التحكم في نسلها، فنجعلها ذكوراً أو إناثاً طبقاً لإرادتنا: "فإذا أردت أن تكون صغارها إناثاً فلتولي الأم وجهها نحو الشمال في أثناء الوثب"(76). وله أثنا عشر كتاباً عجيباً في الطب، أي في القيمة العلاجية لمختلف المعادن والنباتات، فالكتب المرقومة من 20 إلى 25 كلها في النباتات الرومانية، التي انتقلت من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، وأضحت بداية المعلومات النباتية في الطب الحديث. وعنده علاج لكل شيء من السُّكر والبَخَر(77) إلى "آلام العنق"(78). ويصف بعض منبهات الغريزة الجنسية(79). ويحذر النساء من العطس بعد الجماع خشية ان يجهضن لساعتهن، قبل ان يقمن من مقامهن(80). ويصف الجماع علاجاً للتعب، وبحة الصوت، وآلام الحقوين، وضعف البصر، والاكتئاب، واختلال القوى العقلية(81).

وقصارى القول أن في هذا الكتاب دواء لكل داء وانه من هذه الناحية يضارع ما قاله الأسقف بيركلي في فوائد ما القطران. ولكننا نجد في وسط هذا الهراء كثيراً من المعلومات النافعة وخاصة ما كان منها متصلاً بالصناعات القديمة والأخلاق والعقاقير، وفيه إشارات طريفة لعقيدة التأسل في الوراثة Atavism وإلى الزيت المعدني، وإلى تغيير الشخص بعد مولده من ذكر إلى أنثى أو العكس.

ويحدثنا مسيانس Muscianus انه رأى في أرجوس Argos يوما من الأيام شخصاً كان يسمى وقتئذ أرسكون Arescon ولكنه كان يسمى قبل أرسكوزا Arescusa؛ وان هذا الشخص تزوج من قبل برجل، ولكنه لم يلبث ان نبتت له لحية، وبعض خصائص الذكران الأخرى، وانه اتخذ لنفسه بعدئذ زوجة(82). ونجد في مواضيع متفرقة من الكتاب بعض إشارات قيمة. من ذلك أن هلمي Hilmy (1800) حين قرأ في كتاب بلني فقرة (83) عن استخدام عصير اللبين (Anagalis) قبل عملية الكتركتا (إظلام العين)(84) حمله ذلك على أن يبحث عن مفعول نباتي السكران Jusquiamus، و "ست الحسن" Belladonna في إنسان العين. وفي الكتاب أيضاً فصول قيمة عن التصوير والنحت تعد أقدم وأهم ما وصل إلينا من وصف الفن القديم. ولم يقنع بلني بدراسة التاريخ الطبيعي، بل أراد بعد ذلك أن يكون فيلسوفاً، ولذلك تراه ينثر في جميع صحف كتابه معلومات عن الآدميين. ويرى ان حياة الحيوان أفضل من حياة الإنسان لأنها "لا تفكر قط في المجد أو المال أو المطامع أو الموت"(85)، ولأن في وسعها ان تتعلم دون حاجة إلى معلم، وأنها لا تضطر إلى ارتداء الملابس، ولا تشن الحرب على أبناء جنسها، وهو يقول إن اخترع النقود كان ضربة قاضية على سعادة بني الإنسان، فهي التي أوجدت الربا، وبه استطاع بعض الناس أن يعيشوا من كد غيرهم، دون أن يقوموا بعمل ما(87). وكانت نتيجة ذلك ان وجدت الضياع الواسعة التي يمتلكها الكبراء الغائبون عنها، وان حلت المراعي محل الزراعة فجر ذلك على الأهلين الخراب والدمار. ويقول بلني إن الحياة تجلب للإنسان من الحزن والألم أكثر مما تجلبه من السعادة، وان الموت والنعمة الكبرى(88)، وان ليس شيء قط وراء الموت.

وكتاب التاريخ الطبيعي أثر خالد لجهل الرومان، ففيه يجمع بلني الخرافات والتنبؤات، ورقى الحب، والعلاج بالسحر، ويجدّ في جمعها كجده في غيرها من المعلومات. ويلوح انه يؤمن بمعظمها، فهو يضن مثلاً ان في مقدور الإنسان-وخاصة إذا كان صائماً-أن يقتل الأفعى إذا بصق في فمها(89). "ومن المعروف جيداً ان إناث الخيل تحمل في في لوزنانيا Lusitania بفعل ريح الشمال(91). وهي مسألة غفل عنها شلي Shelley في أغنيته. ويندد بلني بالسحر ولكنه يقول لنا انه "إذا أقبلت المرأة الحائض حَمض عصير العنب وفسدت البذور التي تلمسها فلا تنبت، وسقطت الثمار من الشجرة التي تجلس تحتها؛ وإذا نظرت إلى الصلب تثلم حده، وإلى العاج ذهب لمعانه وصقله؛ وإذا سقطت على ثول من النحل مات من فوره"(92). وهو لا يؤمن بالتنجيم ولكنه يملأ صفحات من كتابه بالحوادث "المنذرة" المستمدة من مظاهر الشمس والقمر(93). كقوله: "حدث في عهد قنصلية م. اسليوس M. Acilius وفي عهود أخرى كثرة أن أمطرت السماء لبناً ودماً"(94)، وإذا ما ذكرنا ان هذا الكتاب هو وكتاب المسائل لسنكا أهم ما خلفه الرومان للعصور الوسطى من علم التاريخ الطبيعي، ثم فاضلنا بينهما وبينما يماثلهما من كتب أرسطو وثيوفراطس وبين عقلية هذين الرجلين وقد عاشا قبل عهد بلني وسنكا بأربعمائة عام، إذا ما فعلنا ذلك بدأنا نشعر بالمأساة المروعة مأساة موت الثقافة موتاً بطيئاً. لقد فتح الرومان العالم اليوناني، ولكنهم خسروا قبل فتح أثمن تراث في العالم.


الفصل السادس: الطب عند الرومان

أما في الطب فكانوا خيراً منهم في التاريخ الطبيعي. فلقد أخذوا علم الطب أيضاً عن اليونان، ولكنهم أحسنوا صياغته، وتنظيمه، وطبقوه على الصحة، العامة والخاصة، ولقد كانت روما تحيط بها من جميع جهاتها تقريبا مناقع واسعة، وكانت معرضة للفيضانات الوبائية، فكالنت بذلك في أشد الحاجة إلى العناية في الصحة العامة، فنحن نسمع أن الملاريا كانت منتشرة في روما في القرن الثاني قبل الميلاد، وان بعوضة الأنوفيل كانت في ذلك الوقت مستقرة في مناقع بنتين Pontine(95). وانتشر داء النقرص بانتشار الترف، وفي ذلك يحدثنا بلني الاصغر أن صديقه كورليوس روفس Corellius ظل يعاني آلامه من السنة الثالثة والثلاثين إلى السابعة والستين قبل ان ينتحر بعد ان استمتع بلذة البقاء حيات يوما واحدا بعد موت "ذلك اللص دومتيان"(96). وتدل بعض الفقرات في كتابات الهجائين الرومان على ظهور الزهري في القرن الأول بعد الميلاد(97). واجتاحت الأوبئة الفتاكة إيطاليا الوسطى في عام 23 ق.م وفي أعوام 95، 79، 166 ميلادية. وكان الناس من أقدم الأزمنة يحاولون التغلب على المرض والطاعون بالسحر والصلوات، وحتى في ذلك الوقت الذي نتحدث عنه طلبوا إلى فسبازيان المتشكك اللين الجانب أن يداوي عماهم ببصاقه، وعرجهم بمس قدمه(98). وكانوا يحملون مرضاهم وقرابينهم إلى هيكل إيسكلبيوس. Aesculapius ومنيرفا، وكان الكثيرون منهم يتركون فيهما الهدايا شكراً على نعمة الشفاء. فلما أن حل القرن الأول قبل الميلاد أخذت عنايتهم بالطب الدنيوي تزداد شيئاً فشيئاً. ولم تكن الدولة في ذلك الوقت قد وضعت نظاماً لممارسة مهنة الطب، فكان الحذاؤون، والحلاقون، والنجارون يمارسون مع مهنهم الأصلية إذا شاءوا، ويستعينون بالسحر، ويخلطون عقاقيرهم بأنفسهم ويبيعونها للناس(99). ولم تخلُ تلك الأيام من التقريع والشكاوى المألوفة. وقد كرر بلني تنديده بأطباء اليونان الذين "يغوون زوجاتنا، ويجمعون الثروات الطائلة بتسميمنا، ويتعلمون بتعذيبنا ويتدربون بقتلنا"(100). واشترك بترونيوس، ومارتيال، وجوفنال في هذا الهجوم العنيف، وبعد قرن من ذلك الوقت نرى لوسيان يندد بعجز من يمارسون مهنة الطب، والذين يخفون هذا العجز بجمال أجهزتهم وأدواتهم(101).

وفتحت في عهد فسبازيان مستمعات Auditoria لتعليم الطب يتولى التعليم فيها أساتذة تعترف بهم الدولة وتؤدي إليهم رواتبهم، وكانت اللغة اليونانية لغة التعليم في هذه المعاهد كما أن اللغة اللاتينية هي اللغة التي تكتب بها تذاكر الدواء في هذه الأيام، وللسبب عينه-وهو أن اللغة اليونانية كانت وقتئذ اللغة التي يفهمها أصحاب اللغات المختلفة. وكان يطلق على خريجي هذه المعاهد اسم أطباء الجمهورية، وكانوا هم وحدهم الذين يستطيعون ممارسة الطب بصفة قانونية في رومة بعد عهد فسبازيان(103). ونص في قانون أكوليا Les Aquilia على أن تشرف الدولة على الأطباء، كما نص فيه على وجوب تحملهم تبعة إهمالهم. وكان قانون كرنليا Les Cornelia يفرض أشد العقوبات على من يتسببون في موت المرضى بسبب إهمالهم أو خطئهم الناشيء من جلهم بأعمالهم(104). ومع هذا فإن الدجالين ظلوا يمارسون دجلهم، ولكن عدد الأطباء المتعلمين ظل يزداد شيئاً فشيئاً. وكانت كثرة الرومان ممن أخرجتهم القابلات إلى هذا العالم، ولكن هاته النسوة كن مدربات على عملهن أحسن تدريب(105). وقد وصل الطب العسكري في عام 100م إلى أرقى ما وصل إليه في الزمن القديم: فكان في كل فيلق أربعة وعشرون جراحاً، كما كان له هيئة للإسعاف الأولي ونقالات ميدان منظمة أحسن تنظيم، وكان بالقرب من كل معسكر هام مستشفى عسكري(106). وافتتح الأطباء مستشفيات خاصة، Valetudinaria، كانت هي التي تطورت منها المستشفيات العامة في العصور الوسطى. وكانت الدولة تعين الأطباء لمعالجة الفقراء مجاناً وتؤدي لهم أجورهم(107)، أما الأغنياء فكان لهم أطباؤهم الخصوصيون وكان "رؤساء المداوين Archiarti" يعنون بالإمبراطور وأسرته، وخدمه وأعوانه، وتؤدى لهم على ذلك أجور طيبة. وكانت بعض الأسر تتعاقد أحياناً مع بعض الأطباء على أن يعنوا بصحتها ويداوها من أمراضها مدة معينة، وكان كونتس استرتنيوس يكسب بهذه الطريقة 600.000 سسترس في العام(108). وأدى الجراح الكون Alcon الغرامة التي فرضها عليه كلوديوس ومقدارها 10.000.000 سسترس من أجوره في بضع سنين(109).

وبلغت مهنة الطب في ذلك الوقت درجة عظيمة من التخصص، فكان في لبلاد أخصائيون في المجاري البولية، وفي أمراض النساء، وكان فيها أطباء مولدون وأطباء رمديون، وأخصائيون في أمراض العين والأذن، وأطباء بيطريون، وجراحو أسنان، وكان في وسع الرومان أن تكون لهم أسنان صناعية من ذهب، وأسنان مرتبطة بأسلاك، وكباري وأسنان ذات قشرة(110) ذهبية. وكان لديهم عدد كبير من الطبيبات، وقد كتبت الكثير منهن كتباً في الإجهاض كانت واسعة الانتشار بين سيدات الطبقات الراقية وبين العاهرات. وكان الجراحون يتخصصون في فروع الجراحة المختلفة وقلما كان يوجد جراح غير متخصص في فرع خاص. وكان عصير اليبروح (المندراغورا) والأتروبين يستعملان في التخدير(111)، وقد وجدت في خرائب بمبي أكثر من مائتي أداة جراحية مختلفة. وكان تشريح جثث الآدميين عملاً غير مشروع ولكنهم كانوا يستعيضون عن ذلك بالفحص عن أجسام المجالدين المجروحين أو المحتضرين.

وكان العلاج بمياه العيون واسع الانتشار وكانت العيون الحارة الكبرى وعاهد للعلاج والاستشفاء. وقد جمع شارميس Charmis المرسيلي ثروة طائلة بإدارة حمامات باردة. وكان المصابون بالسل يرسلون إلى مصر أو شمالي إفريقية. وكان الكبريت يُستخدم لعلاج الأمراض الجلدية ولتبخير الحجرات بعد انتشار الأمراض المعدية(112). وكانت العقاقير آخر ما يلجأ إليه الناس من وسائل العلاج، ولكنهم كانوا يلجأون إليها في كثير من الحالات، وكان الأطباء يصنعونها بأنفسهم بطرق يحتفظون بسريتها ولا يطلعون الجماهير عليها، ويبيعونها بأغلى الأثمان التي يطيقها المرضى(113). وكانت العقاقير الكريهة ذات منزلة كبيرة، فكانت فضلات العظام تُستخدم مسهلات، وكانت احشاء الآدميين توصف أحياناً؛ وقد وصف أنطونيوس موسى براز الكلاب لعلاج مرض الذبحة، واستخدم جالينوس براز الغلمان لعلاج أورام الحلق(114). وفي مقابل هذه الأدوية الكريهة عرض أحد الدجالين المرحين أن يداوي بالخمر كل داء تقريباً(115).

وليس بين الكتاب المعروفين في علم الطب في هذا العهد كاتب من أصل روماني إلا واحد فقط، وحتى هذا الكاتب لم يكن طبيباً. لقد كان أورليوس كرنليوس سلسس Aurelius Cornelius Celsus من أبناء الأشراف، جمع حوالي عام 50م في دائرة المعارف كل ما درسه عن الزراعة، والحرب، والخطابة، والقانون، والفلسفة، والطب. وقد ضاع كل مل كتبه إلا القسم الخاص بالطب، ويعد كتابه في هذا العلم أعظم مؤلف وصل إلينا من القرون الستة المحصورة بين أبقراط وجالينوس، ويمتاز فوق هذا بأنه كتب بلغة لاتينية فصحى نقية لُقب سلسس من أجلها بشيشرون الطب. ولقد ظلت الأسماء اللاتينية التي ترجم بها المصطلحات الطبية اليونانية تسيطر على علم الطب من ذلك الوقت إلى أيامنا هذه. ويدل الكتاب السادس من كتبه على علم بالأمراض السرية يعد في ذلك العهد القديم علماً واسعاً غزيراً. ويصف الكتاب السابع في جلاء ووضوح بعض الجراحات، ويحتوي أقدم وصف معروف للأربطة، ويصف عملية قطع اللوز، واستخراج حصى المثانة بشق الجنب، وجراحة الترقيع، وعملايات إظلام عدسة العين (الكتاركتا). وهذا الكتاب في مجموعه هو خير ما ألف في الآداب العلمية الرومانية، وإنه ليوحي إلينا بأنه لو لم يبقِ الدهر على كتاب بلني لكان تقديرنا للعلوم عند الرومان أعلى في الوقت الحاضر. ومما يؤسف له أن العلماء قد أجمعوا على أن كتاب سلسس ليس في أكثر أجزاءه إلا جمعاً أو شرحاً للنصوص اليونانية القديمة(116). وقد فقد هذا الكتاب في العصور الوسطى، ثم عثر عليه مرة أخرى في القرن الخامس عشر، وأعيد طبعه قبل أن يطبع كتاب أبقراط أو جالينوس، وكان له شأن أيما شأن في إحياء علم الطب في العصر الحديث.


الفصل السّابع: كونتليان

لما انشأ فسبازيان كرسياُ رسمياً للبلاغة في رومة عين في هذا المنصب رجلاً من أصل أسباني، وكان كثير من المؤلفين في العصر الفضي من أبناء تلك البلاد. وقد ولد ماركس فابيوس كونتليانس Marcus Fabius Quintilianus في كلاجوريس Calagurris (عام 53؟م) ثم رحل إلى رومة ليدرس فن الخطابة وافتتح مدرسة لتدريس البلاغة كان من بين طلابها تاستس وبلني الأصغر. ويصفه جوفنال بأنه كان في أيام شبابه وسيماً، نبيلاً، حكيما، حسن التربية، ذا صوت رخيم، ولقاء جميل، وهابه كمهابة أعضاء مجلس الشيوخ. وآثر العزلة في الشيخوخة ليكتب كتاباً يرشد فيه ولده إلى الطرقة المثلى لمعالجة فن الخطابة، واسم هذا الكتاب Institutio Oratoria(96) "ظننت أن هذا الكتاب سوف يكون أثمن ما يرثه ولدي، وقد أظهر م الكفاية النادرة العجيبة ما أوجب على أبيه أن يحرص الحرص كله على تثقيفهِ...وقد واصل الليل بالنهار سعياً وراء هذه الغاية، وعجلت بإتمامها خشية أن ينصرم أجلي فيحول الموت بيني وبين إتمام هذا الواجب. ثم حلت بي الكارثة فجأة فأضحى نجاحي في عملي لا يهم إنساناً آخر أقل مما يهمني أنا نفسي...ذلك أني فقد من كان معقد آمالي ومن كنت أرجو أن يكون سلوة لي في شيخوختي(117)".

وكانت زوجته قد توفيت في سن التاسعة عشرة، وخلفت ولدين، توفي أحدهما في سن الخامسة "وكأنني قد فقدت بفقده إحدى عيني"، ولآن يختطف الموت ولده الثاني ويترك المعلم الشيخ "يعاني ألم فراق أقرب الناس إليه وأعزهم عليه".

وهو يعرف البلاغة بأنها العلم الذي يؤدي إلى أحسن الكلام، ويقول إن تدريب الخطيب يجب يبدأ قبل مولده، إذ يحسن أن يولد لأبوين متعلمين، حتى يتنفس الكلام الصحيح والأخلاق الطيبة من الهواء الذي يستنشقه، ذلك أنه من المستحيل أن يصبح الإنسان متعلماً ومهذباً معاً في جيل واحد. ويجب على من يريد أن يكون خطيباً أن يدرس الموسيقى، حتى يستطيع تمييز الأصوات المتناسقة المتناغمة؛ كما يجب عليه أن يتعلم للرقص ليكسب الرشاقة والاتزان، والتمثيل لكي يبعث الحياة في خطبه بما يبثه فيها من حركات اليدين والجسم؛ والألعاب الرياضية لكي يستطيع الاحتفاظ بصحته وقوته؛ والأدب ليصلح به أسلوبه ويدرب به ذاكرته، ويمده بكنز من الآراء العظيمة؛ والعلوم لكي يدرك بها أسرار الطبيعة؛ والفلسفة لكي يصوغ نفسه حسبما يمليه عليه العقل ونصائح الحكماء. ذلك لأن كل إعداد سيذهب أدراج الرياح إذا خلا من استقامة الخلق وسمو الروح وهما اللذان لا غنى عنهما لوجود الإخلاص في الحديث،وهو قوة لا يمكن قط أن تقاوم. وعلى الطالب بعد ذلك أن يكتب أكثر ما يستطيع وأن يبذل في كتابته أقصى ما في وسعه من العناية. ويقول كونتليان: إن هذا تدريب شاق "ويقيني أن أحداً من قرائي لن يفكر قط في احتساب قيمته المالية(118)".

وللخطابة في رأيه خمسة اوجه: التفكير، والتنظيم، والأسلوب، والذاكرة، والإلقاء. فإذا ما أختار الخطيب موضوعه، وحدد غرضه بوضوح، وجب عليه بعدئذ أن يجمع مادته بالمشاهدة والبحث، ومن الكتب، فإذا تم له ذلك وجب عليه أن ينظمه تنظيماً منطقياً ونفسياً حتىيكون كل جزء منه في موضعه الصحيح مؤدياً إلى ما بعده أداءً طبيعياً كأنه جزء من برهان نظرية هندسية(119). وكل خطبة حسنة التنظيم تتألف من مقدمة (Exordium)، وقضية، وبرهان، ودحض، وختام. ويجب أن لا تُكتب الخطبة كلها إلا إذا أريد حفظها بأجمعها عن ظهر قلب، أما حفظ بعض الأجزاء المكتوبة دون البعض الآخر فإنه يُفسد الأسلوب الارتجالي ويعوقه، وإذا كتبت الخطبة فلتكتب بعناية "فإذا أسرعت في الكتابة، فإنك لن تحسنها أبداً،وإذا أحسنت الكتابة فإنك لن تلبث أن تكتب بسرعة"؛ تجنب "ترف الإملاء الذي أخذ ينتش بين الكتاب في هذه الأيام"(120)، والذي يدل على التهاون والكسل، "والوضوح ألزم الأشياء للخطب، ثم يليه الإيجاز والجمال والقوة.وعليك أن تصحح أخطائك المرة بعد المرة ولا تبال بما يصيبك في هذا من عنت.

"وليس المحو بأقل أهمية من الكتابة، امح كل ما لا ضرورة له، واسم بكل ما هو عادي ورتب ما تراه مضطرباً، واجعل العبارات متزنة إذا ما وجدتها خشنة غير رقيقة، وخففها إذا وجتها دسمة اكثر مما يجب...وخير طريقة للإصلاح أن يغفل الإنسان ما كتبه بعض الوقت، حتى إذا عاد إليه بعدئذ بدا عليه مظهر الجدة، كأنه من عمل لإنسان آخر؛ وبهذه الطريقة لا يكلف الإنسان بكتابته كلفه بطفله الحديث الولادة(121).

ويجب يضرب الإلقاء والكتابة على أوتار العواطف والقلوب، ولكن عليك أن لا تسرف في الحركات والإشارات، لأننا "لا نكون بلغاء إلا بالوجدان وقوة الخيال". أما إذا "صرخت، وخُرت، ورفعت يدك، ولهثت، وهززت رأسك، بيديك، وضربت فخذك وصدرك وجبهتك، فإنك ستهوي من فورق إلى قلوب احط من يستمعون إليك(122)".

ويضيف كونتليان في كتابه الثاني عشر إلى هذه النصائح القيمة خير نقد أدبي بقي لدينا من أيام الأقدمين، فهو يدلي بدلوه، وهو أشد ما يكون حماسة، في ذلك الصراع القديم والحديث بين القدامى والمحدثين، ويجد الحقيقة تتأرجح في الوسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ وهو لا يرغب كما يرغب فرنتو Franto في أن يعود إلى البساطة والخشونة اللتين ينادي بهما كاتو وإنيوس؛ ولكنه أقل من ذلك رغبة في أن يجرفه أسلوب سنكا "الفخم المتكلف"، ويرى أن يكون المثل ال1ذي يجب على طالب البلاغة أن يحتذيه هو أسلوب شيشرون في خطبه القوية المهذبة، ويقول: إن شيشرون هو الكاتب الروماني الوحيد الذي فاق اليونان في مجال الخطابة(123). أما أسلوب كونتليان نفسه فهو في كثير م المواضيع أسلوب المدرس، تخنقه التعاريف، والتصاريف، وتحديد الفروق، ولا يرقى إلى مستوى عالٍ من البلاغة إلا حين يطعن على سنكا. ولكنه مع ذلك أسلوب قوي يخفف من جلاله حيناً بعد حين قليلاً من الفكاهة ومن العطف على الإنسانية، ويحس الإنسان على الدوام أن وراء معنى الألفاظ الجميل طيبة الرجل الهادئة، وإن قراءته لحافز قوي إلى الخلق الطيب الكريم. ولعل الرومان الذين أسعدهم الحظ بالاستماع له قد أخذوا عنه بعض ذلك التجديد الذي سما بعصر بلني الأصغر وتاستس أكثر مما سما به الأدب الرفيع.


الفصل الثامن: استاتيوس ومارتيال

لقد استبقينا إلى آخر هذا الكتاب شاعرين عاشا في وقت واحد، وسعيا للخطوة لدى إمبراطور واحد وأنصار بعينهم، ومع ذلك فكلاهما لا يذكر اسم الآخر: وكان احدهما أعف شاعر في تاريخ روما الإمبراطورية كما كان الآخر أفحش شاعر فيه. فأما أولهما فهو ببليوس بابنيوس استاتيوس Publius Papinius Statius وهو ابن شاعر ونحوي من مدينة فابلي. وقد هيأت له بيئته وتربيته كل شيء يطمع فيه عدا المال والعبقرية. فكان يعاني قرض الشعر، ويفاجيء الندوات بما يرتجله منه، وكتب منه ملحمة تدعي الطيبية Thebaid في خرب السبع المدن في طيبة. ولسنا نستطيع قراءتها في هذه الأيام لأن أبياتها تزدحم بأسماء الآلهة الموتى، ولأن الإنسان لا يطيق ما لأشعارها السلسة من قدرة على التحذير؛ ولكن معاصريه كانوا يغرمون بها، وكانت الجموع تهرع لتستمع إليه وهو ينشدها في أحد ملاهي مدينة نابلي؛ وكانوا يفهمون ما تحتويه من أساطير ويعجبون برقة إحساساته، ويجدون أشعاره تجري سهلة على ألسنتهم، وقد منحه المحكمون في مباريات الشعر في أولبان الجائزة الأولى، وكان الأثرياء يخطبون وده ويعينونه على التخلص من فقره(124)، ودعاه دومتيان Domitian نفسه في قبة فلافيا Flavia وجازاه استاتيوس على فعله هذا بأن شبه القصر بالجنة والإمبراطور بالإله.

ووجه استاتيوس ألطف قصائده وأبعثها للسرور إلى دومتيان وغيره من نصرائه. وكانت هذه القصيدة وهي قصيدة سلفا Silva تشتمل عل طائفة من المدح ومن أناشيد الرعاة في شعر خفيف ظريف في الدرجة الوسطى من الجودة. على أنه لم يكسب الجائزة الأولى في مباريات الكبتولين بل نالها شاعر آخر. وأخذ نجمه في الأفول في رومة المتقلبة، فما كان منه إلا أن أقنع زوجته بمغادرة المدينة والعودة معه إلى البلد الذي قضى فيهِ حداثته. وفي نابلي شرع يكتب ملحمة أخرى هي الأخيلية Achelleid ولكن المنية فاجأته في عام 96 فتوفي ولما يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره. ولم يكن استاتيوس عظيماً ولكنه كان يضرب على نغمة من الرأفة والحنان محببة إلى النفوس في وسط أدب كثيراً ما تغلب عليه السخرية والحقد المرير، وفي مجتمع بلغ من الفساد والفحش درجة لم يكن لها من قبل مثيل، ولو أنه بلغ من الدناءة ما بلغه مارتيال لكان خليقاً بأن ينال ما ناله من الشهرة.

وولد ماركس فليريوس مارتيالس في بليليس من أعمال أسبانيا في السنة الأربعين بعد الميلاد، ولما بلغ الرابعة والعشرين من عمره جاء إلى رومة وعقد أواصر الصداقة مع لوكاس وسنكا، وأشار عليه كونتليان أن يتخذ المحاماة وسيلته للثراء، ولكنه فضل عليها الشعر مع الإملاق. وأطاحت مؤامرة بيزا فجاءة بأصدقائه فاضطر توجيه قصائد للموسرين الذين يستطيعون أن يطعموه إذا قال لهم نكتة شعرية. وكان يسكن في علية في الطابق الثالث، وأكثر الظن أنه كان يعيش فيها وحيداً؛ نقول هذا لأنه وأن كان يوجه قصيدتين من قصائده لامرأة يقول عنها إنها زوجته فإن ما في القصيدتين من فحش لا يترك مجالاً للشك في أن هذه المرأة إما أن تكون اختراعاً من عنده وإما أن تكون قوادة(126).

وهو يخبرنا بأن قصائده كانت تقرأ في جميع أنحاء أوربا لا يستثني منها القوط أنفسهم. وهو يغتبط إذ يعلم أنه اشتهر فيها شهرة جواد السباق، ولكنه كان يؤلمه أن يرى الناشر الذي يبيع كتبه يجمع الثروة الطائلة، وأنه هو لا يجني منها شيئاً. وأشار مرة في إحدى قصائده إلى أنه في اشد الحاجة إلى جبة رومانية، فلما أرسلها إليه بارثنيوس الثري معشوق الإمبراطور رد عليه بمقطوعتين مدح في إحداهما جدة الجبة وندد في الثانية بحقارتها ورخص ثمنها. على أنه عثر بعد قليل على نصراء أكرم من بارثنيوس وأكثر منه سخاءً وأهدى إليه أحدهم ضيعة صغيرة في نومنتم Nomentum، واستطاع بطريقة ما أن يجمع مالاً يكفي لشراء منزل بسيط في تل الكورنيال Quirinal. وصار في ذلك الوقت يضع نفسه تحت رعاية عظيم بعد عظيم، يقوم بخدمتهم في الصباح، ويتلقى منهم الهدايا في بعض الأحيان؛ لكنه ما لبث أن أحس بحطة منزلته هذه، وأخذ يتحسر لأنه لم يؤت من الشجاعة ما يجعله يقنع بفقره فيحرر نفسه من ذل التبعية(127). غير أنه لم يكن في وسعه أن يعيش فقيراً لأنه كان مضطراً إلى الاختلاط بمن يستطيعون أن يكافئوه على شعره، فأخذ يبعث لدومتيان بالقصيدة تلو القصيدة يمدحه بها ويمجده، ويقول إنه لو دعاه جوبتير ودومتيان إلى الطعام في يوم واحد لرفض دعوة الإله وأجاب دعوة دومتيان؛ ولكن الإمبراطور كان يفضل عليه استاتيوس فدبت الغيرة من الشاعر الشاب في قلب مارتيال، وقال في إحدى قصائده: إن نكته حية أغلى قيمة من ملحمة ميتة(128).

وكانت القصائد الموجزة ذات النكت مما يقال في كل موضوع سواء كان إهداء أو تحية، أو قبرية، ولكن مارتيال هذبها فجعلها أقصر وأعظم حدة مما كانت، وأضاف إليها الكثير من الهجاء اللاذع. وإنا لنظلمه إذا قرأنا قصائده ذات النكت البالغ عددها 1516 قصيدة في جلسات قليلة. فلقد صدرت هذه القصائد في اثنى عشر كتاباً في أوقات مختلفة، ولم يكن ينتظر من القارئ أن يلتهمها كما يلتهم طعام الوليمة، بل كان ينتظر منه أن يتناولها تناول المشهيات قبل الطعام. ويبدو الكثير منها غثاً تافها في هذه الأيام، ذلك أن ما فيها كان خاصاً بهذين الزمان والمكان، فكان لذلك قصير الأجل غير جدير بالبقاء. ولم يكن مارتيال نفسه يقدرها كثيراً، ولم يكن يجادل في أن الغث منها يزيد على الثمين، ولكنه كان مرغماً على أن يملأ بها مجلداً في إثر مجلد(129). وهو رجل قادر على قرض الشعر، عارف بجميع أوزانه وبجميع ما يتطلبه من حيل وأساليب، ولكنه يتجنب فنون الخطابة ويفخر بهذا كما يفخر به بترونيوس الشريف الذي كان مقامه في النثر يضارع مقام مارتيال في الشعر. ولم يكن يعنى أقل عناية بالأساطير التي كانت تغص بها آداب تلك الأيام، بل كان أكبر همه رجال ذلك العهد ونساؤه وحياتهم الخاصة، وهو يصف هذه الحياة وصفاً ينم عن ضغن ومسرة. ويقول في إحدى قصائده "إن صفحاتي تطالعك بالرجال"(130)، ولقد كان في وسعه أن "يتناول" أحد الأشراف الفظاظ، أو الأثرياء البخلاء، أو المحامين المزهوين، أو الخطباء المشهورين. ولكن أكثر من يحب التحدث عنهم هم الحلاقون والأساكفة، والبائعون الجوالون، ومدربو الخيل، واللاعبون على الحبل، والدلالون، وناقعو السم، والمفسدون والعاهرات. وليست المناظر التي يضعها مأخوذة من بلاد اليونان القديمة بل يستمدها من الحمامات، ودور التكثيل، والشوارع، والملاعب ومنازل رومة، ومساكن فقرائها، وقصارى القول أنه شاعر السفلة والرعاع.

وهو يعنى بالمال أكثر مما يعنى بالحب، وإذا فكر في الحب فإن أكثر ما يفكر فيه هو حب الرجال للرجال، أو النساء للنساء. على أن شعره لا يخلو من العاطفة، وهو يحدثنا في إحدى قصائده حديثاً ملؤه الحنو والأسى على أبن صديق له عاجلته المنية؛ ولكن كتبه كلها لا يوجد فيها بيت واحد ينم عن المروءة والشهامة، أو عن الغضب الشريف. وهو يرتل قصائده ترتيلاً تفوح منه اخبث الروائح ويقول عنها "إنني أفضل هذه الروائح الكريهة على قصائدك كلها يا بسا Bassa"(131). ويصف إحدى خليلاته بقوله:

"إن ضفائرك يا جلا Gella قد صنعت في مكان بعيد وإنك لتخلعين أسنانك في الليل كما تخلعين أثوابك الحريرية، وأنت ترقدين مختزنة في مائة برميل، ولكن وجهك لا ينام معك؛ وتغمزين بحاجب جيء به إليك في الصباح وقد تجردت من كل احترام لجيفتك الباليةالتي تستطيعين أن تعديها لقدمها جيفة جدة من جداتك. وهو يتحدث في حقد غير خليق بالرجال على النساء اللاتي أبين أن يخضعن له، ويلقي عليهن نكاته القذرة كما يلقي الكناس الأقذار. ويوجه أغانيه الغزلية للغلمان، وتتملكه النشوة من عبير "قبلاتك أيها الغلام"(133). وقد قلد أخد شعراء الإنجليز إحدى قصائده التي قال فيها:


لا أحبك يا سبيديوس، ولست أعرف لذلك سبباً؛


وكل ما أستطيع أن أقوله أني أبغضك أشد البغض.

والحق أن الذين لا يحبهم مارتيال كثيرون وهو يصفهم بعد أن يطلق عليهم أسماء مستعارة لا تخفي حقيقتهم وبألفاظ لا يجد الإنسان لها مثيلاً إلا على جدران مراحيض المواخير(135). ولست تجده إلا هاجياً لأعدائه كما لا تجد استاتيوس إلا مادحاً أصدقاءه. وقد أراد بعض ضحاياه أن ينتقموا لأنفسهم منه فنشروا بإمضائه قصائد أشد قذارة من قصائده الحقيقية، أو هاجموا باسمه بعض من كان مارتيال يحرص على إرضائهم. وفي وسع الإنسان أن يؤلف من هذه النكات الشعرية التي أوفت على الغاية من الناحية الفنية معجماً كاملاً يحوي أقذر ما في اللغة من ألفاظ.

غير أن في مقدور الإنسان أن يعفو بعض الشيء عن بذاءة مارتيال، فهو يشترك فيها مع خلق عصره، ولا يشك في أن فتيات الأسر الراقية يسرهن أن يقرأنها في عرائش قصورهن. "واستحت لكريشا وعلت وجهها حمرة الخجل وألقت بكتابي، وكان بروتس حاضراً فابتعد عنها يا بروتس؛ إنها ستقرؤه"(136) ذلك أن ما كان يطلقه هذا العصر للشعر من حرية مفرطة يسمح بكل ضروب البذاءة على شريطة أن تكون الأوزان والألفاظ صحيحة. بل إن مارتيال ليفخر بفجوره أحياناً فيقول في أحد كتبه "لا تخلوا صحيفة من صحفي من الفجور"(137). لكنه في أكثر الأحيان يستحي قليلاً من فجوره، ويطلب إلينا أن نعتقد أن حياته أطهر من شعره.

ومل آخر الأمر من ابتياع الطعام والشراب بالمديح والهجاء، وتاقت نفسه إلى حياة اهدأ من حياته السابقة وأطهر منها، وحن إلى موطنه في أسبانيا. وكان وقتئذ قد بلغ السابعة والخمسين من عمره، وسرى الشيب في شعر رأسه، وأطال لحيته، واسمرت بشرته، حتى ليستطيع أي إنسان-على خد قوله-بمجرد النظر إليه أن يدرك أنه ولد بالقرب من نهر التاجة Tagus. وأرسل طاقة شهرية إلى بلني الأصغر فأرسل هذا بدلاً منها مبلغاً من المال يكفي نفقات سفره إلى بلبليس. ورحبت به تلك البلدة الصغيرة، وعفت عن سوء أخلاقه بسبب ما نال من الشهرة. ووجد نصراء ومعينين لم يبلغوا من الثراء مبلغ من كانوا يناصرونه في رومة ولكنهم كانوا أندى منهم يداً. وأهدت إليه سيدة رحيمة بيتاً ريفياً متواضعاً ذا حديقة قضى فيه ما كان باقياً له من سنين قليلة. وفي عام 101 كتب بلني يقول: "لقد سمعت تواً بموت مارتيال، وقد أحزنني النبأ وأقضى مضجعي، فلقد كان مارتيال ذا فكاهة قوية لاذعة، يمزج في شعره الملح بالشهد، وأظهر ما يمتاز به هو الصراحة"(138). وإذا كان بلني أحب هذا الرجل فلا بد أن كانت فيه فضيلة خافية على سائر الناس.