قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 2 ب 9

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 3161

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الثورة -> قيصر -> الرقيع

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب التاسع: قيصر 100-44 ق.م

الفصل الأول: الرقيع

يقول يوليوس قيصر إنه ينتمي إلى يولوس أسكانيوس Iulus Ascanius ابن إينياس Aeneas ابن فينوس Venus الزهرة) ابنة جوبتر: أي أنه بدأ حياته إلهاً واختتمها إلهاً. وكال آل يوليوس من أقدم الأسر في إيطاليا وأعلاها شرفاً، وإن كان الدهر قد عدا عليها فذهب بمالها وأفقرها. فقد كان أحد أفراد هذه الأسرة يوليوس قنصلاً في عام 489، كان منها قنصل آخر في عام 482، وكان فوبسكس يوليوس Vopiscus Julius قنصلاً في عام 473، وسكستس يوليوس Sextus Julius في عام 157، وآخر في عام 91(1). وقد ورث عن عم لزوجته يدعى ماريوس- كما يرث الناس في بعض الأحيان عن أعمامهم- ميلاً إلى المبادئ السياسية المتطرفة. وكانت أمه أورليا سيدة وقورة حكيمة مقتصدة في تدبير شؤون بيتها الصغير، وكان هذا البيت في حي سابورة- وهو حي من الطراز القديم، ومن الأحياء التي تكثر فيها الحوانيت والحانات والمواخير. في هذا البيت ولد قيصر في عام 100ق.م، وكان مولده نتيجة لجراحة هي التي كانت سبباً في تسميته باسمه الأول .

ويقول سيوتونيوس Suetnius فيما نقله عنه هلند Holland إن قيصر هذا كان شخصاً مطيعاً سلس القياد إلى حد يدعو للعجب، كما كان الميل إلى التعلم". وكان المعلم الذي يتولى تعليمه اللغتين اللاتينية واليونانية وعلوم البلاغة رجلاً من الغاليين. وشرع قيصر مع هذا المعلم يعد نفسه على غير علم منه للفوز بأعظم فتوحه كلها. ذلك أن الشاب أظهر استعداداً عظيماً للخطابة، وبدأ في شبابه يكتب ويؤلف. ثم أنقذه من هذه النزعة تعيينه ياوراً حربياً لماركس ثرمس Marcus Thermus في آسيا. وأحبه نقوميدس Nicomedes والى بيثينيا Bithynia حباً دفع شيشرون وغيره من الثرثارين المغتابين إلى أن يعيروه بأنه "أسلم عذرته لملك"(2). ولما عاد إلى رومه في عام 84 تزوج كوساتيا Cossutia استجابة لرغبة أبيه. فلما أن توفي والده بعد زواجه منها بزمن قليل طلقها وتزوج كرونليا Cornelia ابنة سنا Cinna الذي تولى قيادة الثورة بعد ماريوس. ولما تولى صلا زمام السلطة أمر قيصر أن يطلق كورنليا، فلما أبى أن يطيع هذا المر صادر صلا أملاكه التي ورثها عن أبيه كما صادر بائنة كورنليا وسجل اسمه في المحكوم عليهم بالإعدام.

ولما علم قيصر بذلك هرب من إيطاليا وانضم إلى الجيش المحارب في قليقية، حتى إذا مات صلا عاد إلى رومه (75). ولما رأى أن أعداءه هم أصحاب الأمر والنهي فيها غادرها مرة أخرى إلى آسيا. وأسره القراصنة في الطريق واقتادوه إلى كمين لهم في قليقية، وعرضوا عليه أن يطلقوا سراحه نظير فدية قدرها عشرون تالنتا (72.000 ريال أمريكي)، فلما سمع ذلك لاسهم على أنهم لم يقدروه حق قدره، وعرض عليهم هو نفسه أن يعطيهم خمسين تالنتا. وأرسل خدمه ليأتوه بالمال، وأخذ في هذه الأثناء يسلي نفسه بكتابة القصائد وقراءتها على آسريه. فلما لم تعجبهم قصائده سماهم برابرة همجاً، وأوعدهم بأنه سيشنقهم في أول فرصة تتاح له. ولما جاءه الفداء أسرع بالذهاب إلى ميليطس Miletus وأعد السفن والملاحين، وطارد القراصنة وقبض عليهم، واستعاد منهم الفداء، وصلبهم؛ ولكنه وهو الرجل الشفيق الرحيم قطع رقابهم أولاً(3). وذهب بعدئذ إلى جزيرة رودس ليدرس فيها البلاغة والفلسفة.

ولما عاد إلى رومه وزع جهوده بين السياسة والحب. وكان وسيم الوجه وإن كان سقوط شعر رأسه في هذه السن المبكرة أخذ يشغل باله. ولما توفيت كرنليا في عام 68 تزوج بمبا ابنة حفيدة صلا. وإذ كان هذا الزواج زواجاً سياسياً محضاً فإنه لم يتورع عن العلاقات الجنسية غير المشروعة حسب عادة ذلك الوقت؛ ولكن هذه العلاقات بلغت من الكثرة ومن التنوع الشاذ حداً جعل كوريا Curia (والد قائده الأخير) يصفه بقوله إنه "زوج كل امرأة وزوجة كل رجل ommium mulierum vir et ommium virorum mulier" (4). وظل يتبع هذه العادات نفسها في حروبه فيبعث مع كيلوبطرة في مصر، ومع الملكة إيونو Eunoe في نوميديا، ومع كثيرات من النساء في غالة، حتى كان جنوده يلقبونه في مزاحهم بلقب "الزاني الأصلع". ولما تم له النصر في بلاد الغاليين أخذ جنوده ينشدون بيتين من الشعر المقفى يحذرون فيهما جميع الأزواج بقولهم إن عليهم أن يغلقوا الأبواب على زوجاتهم ما دام قيصر في المدينة. وكان الأشراف يحقدون عليه لسببين أولهما أنه قضى على امتيازاتهم، وثانيهما أنه أفسد زوجاتهم؛ وطلق بمبي زوجته لاتصالها بقيصر، ولم تكن كراهية كاتو الشديدة له منبعثة عن أسباب فلسفية خالصة بل كان من أسبابها أن أختاً له غير شقيقة تدعى سرفليا Servilia كانت أحب عشيقات قيصر له. ولما ارتاب كاتو في صلات قيصر بكاتلين وظنه شريكاً له في مؤامراته طلب إليه في مجلس الشيوخ أن يقرأ جهرة رسالة جئ بها إليه في تلك اللحظة، فما كان من قيصر إلا أن أوصلهما إليه دون تعليق عليها، فإذا هي رسالة حب بعثت بها إليه سرفليا(5). وظلت تهيم بحبه طوال حياته؛ وكانت ألسنة السوء القاسية تتهما في أخريات أيامها بأنها أسلمت ابنتها ترشيا Tertia إلى قيصر لتشبع شهواته. وحدث في مزاد علني أثناء الحرب الأهلية أن باع قيصر إلى سرفليا ضياعاً صادرها من جماعة من الأشراف المعاندين بثمن أسمى زهيد. ولما أظهر بعضهم دهشته من ضآلة الثمن قال شيشرون في سخرية لاذعة كانت خليقة بأن تطيح برأسه إنه tertia deducta، وهي عبارة تحتمل معنيين فقد يكون معناها أن الثمن "ينقص ثلثه" وقد تكون إشارة منه إلى الإشاعة الرائجة وقتئذ وهي أن سرفليا قد جاءت بابنتها ترشيا إلى قيصر. وأصبحت ترشيا فيما بعد زوجاً ليكيوس القاتل الأول لقيصر، وهكذا يختلط عشق الخلائق بالفتن التي تندلع نيرانها في الدول.

ولعل هذه الظروف قد ساعدت على رفع قيصر إلى أعلى الدرجات، ولعلها أيضاً قد عانت على سقوطه. فقد كانت كل امرأة فاز بحبها صديقة له عظيمة النفع، وخاصة في معسكرات الأعداء؛ وقد حافظت معظمهن على وفائهن له حتى بعد أن هدأت عاطفة حبه لهن وأضحت لا تزيد على المجاملات المألوفة من الرجال إلى النساء. من ذلك أن كراسس أقرض قيصر أموالاً طائلة ليستخدمها في الدعاية لنفسه وهو يطالب بالقنصلية فيرشو بها الشعب، ويقيم له الألعاب، وذلك على الرغم مما كان يشاع وقتئذ من أن زوجته ترتلا كانت تعشق قيصر.

وحسبك دليلاً على مقدار هذه الأموال أن قيصر كان يوم ما مديناً له بثمانمائة تالنت (2.800.000 ريال أمريكي). ولم يكن الباعث على هذه القروض هو الكرم والصداقة، بل كانت بمثابة اشتراك من أصحابها في الحملات تود إليهم في صورة مساعدات سياسية أو غنائم حربية؛ فقد كان كراسس- كما كان أتكس- في حاجة إلى من يحمي ملايينه وتتيح له فرص استثمارها. وكان معظم الساسة الرومان في ذلك الوقت ينوءون بمثل هذه "الديون". فقد كان ماركس أنطونيوس مثلاً مديناً بنحو 40.000.000 سسترس، وشيشرون بستين مليوناً، وميلو Milo بسبعين مليوناً على أن من الجائز أن تكون هذه الأرقام افتراء على هؤلاء الساسة.

وجملة القول أن علينا أن نتمثل في أول حياته في صورة السياسي الذي لا ضمير له، والرقيع المستهتر، الذي بدلته السنون والتبعات شيئاً فشيئاً فجعلته من أقدر رجال الحكم وأرعاهم للحرمات في تاريخ العالم. وينبغي لنا- ونحن نطرب من عيوبه ونقائصه- ألا ننسى أنه كان رجلاً عظيماً على الرغم من هذه العيوب والنقائص. وليس في وسعنا أن نسوي بين أنفسنا وبين قيصر بقولنا إنه كان يضلل بالنساء، ويرشو الزعماء، ويؤلف الكتب.


الفصل الثاني: القنصل

بدأ قيصر حياته السياسية بأن تحالف مع كاتلين سراً واختتمها بأن أعاد الحياة إلى رومه. ذلك أنه لم يكد يمضي عام واحد على موت صلا حتى قدم للمحاكمة نيوس دلابلا Gnaeus Dolabella أحد العاملين في حركة صلا الرجعية، وكان قرار المحلفين على غير ما يشتهيه قيصر، ولكن العامة هللت له حين هاجم ذلك القرار في خطبة بليغة ردد فيها المبادئ الديمقراطية. نعم إنه لم يكن يضارع شيشرون في تحمسه وفكاهته، أو في جمله الموزونة القوية، أو في حدة لسانه. والحق أن قيصر كان يبغض أسلوب شيشرون "الأسيوي" لأنه اعتاد من أول الأمر ذلك الأسلوب الموجز القوي ذا البساطة الصارمة التي امتازت بها فيما بعد "تعليقاته" على الحربين الغالية والأهلية. على أنه رغم هذا كله لم يلبث أن صار أفصح الفصحاء في رومه إذا استثنينا شيشرون نفسه(6).

واختير قيصر كوسترا في عام 68، وأرسل للعمل في أسبانيا حيث تولى قيادة الحملات العسكرية التي سيرت لتأديب القبائل الوطنية، فخرب مدنها، ونهب من الأموال ما استطاع أن يوفي به بعض ما عليه من الديون. على أن هذه المدن قد حمدت له في الوقت نفسه أن خفض فوائد قروضها من الماليين الرومان، ولما قدم إلى مدينة جادز وشاهد فيها تمثالاً للإسكندر الأكبر أخذ يلوم نفسه على أنه لم يعمل إلا القليل في مثل السن التي فتح الفتى المقدوني حين بلغها نصف عالم البحر الأبيض المتوسط.

ثم عاد بعدئذ إلى رومه واندفع في الصراع القائم وقتئذ في سبيل المنصب والسلطان. فاختير إيديلا أو مشرفاً على المباني العامة في عام 65، وأنفق أمواله- أي أموال كراسس- في تزيين السوق العامة بما أقامه فيها من المباني والأعمدة الجديدة؛ وأخذ يتودد إلى العامة بما كان ينفقه عن سعة على الألعاب. وكان صلا قد أزال من الكبتول ما جمعه فيه ماريوس من شارات النصر كالأعلام والصور والمغانم التي تمثل صفات الرجل المتطرف القديم وانتصاراته، فأعادها كلها قيصر إلى مواضعها واغتبط بعودتها جنود ماريوس القدامى أشد الاغتباط، وأظهر بهذا العمل وحدة سياسته المناقضة لسياسة ماريوس. واحتج المحافظون على هذه السياسة، وعرفوا من ذلك الوقت أنه رجل يجب عليهم أن يعملوا للقضاء عليه.

وكان في عام 64 ق.م رئيساً لإحدى اللجان التي عينت للنظر في بعض قضايا القتل، فاستدعى للمثول أمام اللجنة من كان حياً من عمال صلا الذين عاونوه على وضع قوائم من حكم عليهم هذا القنصل، وقضى على الكثيرين من هؤلاء العمال بالنفي أو الإعدام. وفي عام 63 ق.م اقترع في مجلس الشيوخ ضد إعدام من اشتركوا مع كاتلين، وقال في عرض خطابه إن الشخصية البشرية لا بقاء لها بعد الممات(7)؛ ويلوح أن قوله هذا كان الجزء الوحيد من خطابه الذي لم يسيء فيه إلى أحد. واختير في تلك السنة نفسها رئيساً أعلى الدين الروماني pontifex maximus ثم اختير في عام 62 بريتورا praetor وأمر في ذلك العام بمحاكمة أحد زعماء المحافظين لاختلاسه بعض الأموال العامة. وفي عام 61 عين والياً على أسبانيا ولكن دائنيه حالوا بينه وبين السفر إليها، وأقر في ذلك الوقت أنه في حاجة إلى 25.000.000 سسترس إذا أراد ألا يمتلك شيئاً قط، فتقدم كراسس لمعونته وضمنه في جميع ديونه. وبذلك استطاع أن يسافر إلى أسبانيا، ويشن حملات حربية مروعة على القبائل الثائرة ذات النزعة الاستقلالية. وعاد بعدها إلى رومه ومعه من الغنائم ما يكفي لأداء ديونه وملء خزائن الدولة بالمال، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن اقترح أن يقام له احتفال بنصره العظيم. ولعل الأشراف قد أظهروا بعملهم هذا كثيراً من الهاء وحصافة الرأي، فقد كانوا يعرفون أن قيصر سيرشح نفسه لمنصب القنصلية، وأن القانون ينص على ألا يرشح لها من كان غائباً عن البلاد، وأن من يقام له احتفال بالنصر يحب أن يظل بحكم القانون بعيداً عنها إلى يوم الاحتفال- وحرص مجلس الشيوخ على أن يحدده بعد موعد الانتخاب. ولكن قيصر استبق يوم الاحتفال بنصره، ودخل المدينة وأدار المعركة الانتخابية بجد ومهارة عجز معارضوه عن مقاومتها.

وكان سبب نجاحه مهارته في ضم بمبي إلى قضية الحرية. وكان بمبي قد عاد تواً من بلاد الشرق بعد أن قام فيها بسلسلة من الأعمال الحربية والسياسية المجيدة، فقد طهر البحر من القراصنة، وأمن بذلك سبل التجارة في البحر الأبيض المتوسط، وأعاد الرخاء إلى المدن التي كان رخاؤها يعتمد على هذه التجارة. وكان قد أرضى أصحاب المال في رومه بفتح بيثينيا وبنتس وسوريا، وكان قد خلع ملوكاً وأجلس على العرش آخرين، وأقرضهم الأموال من غنائمه الحربية بفوائد باهظة، وقبل رشوة كبيرة من ملك مصر الذي دعاه إلى القدوم إليها لإخماد فتنة اندلع لهيبها في تلك البلاد. ثم عاد فامتنع ما اتفق عليه بحجة أنه عمل غير مشروع(9)؛ ونشر لواء السلام في ربوع فلسطين وجعلها ولاية خاضعة لنفوذ رومه، وأنشأ تسعا وثلاثين مدينة جديدة، وأقر حكم القانون والنظام والسلام. وقصارى القول أنه كان قد سلك قبل ذلك الوقت مسلك السياسي الحكيم والحاكم القدير وأن مسلكه عاد على البلاد بالمال الوفير. فلما رجع إلى رومه حمل إليها ثروة عظيمة من الضرائب، والخراج، والبضائع التي غنمها في حروبه، ومن الأموال التي افتدى بها الأرقاء أو بيعوا بها، فاستطاع بذلك أن يعمر خزانة الدولة بمائتي مليون سسترس، وأن يضمن لها إيراداً سنوياً قدره ثلاثمائة وخمسون مليوناً، وأن يوزع على جنوده ثلاثمائة وأربعة وثمانين مليوناً، وأن يستبقي لنفسه رغم هذا كله من المال ما ينافس به كراسس فيكون أحد رجلين هما أغنى أغنياء رومه.

وكان خوف مجلس الشيوخ من هذه الأعمال أكثر من سروره منها، فلما علم أن بمبي قد نزل في برندزيوم(62) ومعه جيش يدين له بالولاء والإخلاص، ويستطيع بكلمة من قائده أن يجعله حاكماً بأمره على البلاد، لما علم مجلس الشيوخ ذلك تملكه الرعب. ولكن بمبي كان رجلاً كريماً عظيماً، فسرح جنوده ودخل رومه وليس معه إلا أتباعه الأخصاء. ودام الاحتفال بنصره يومين كاملين، ولكن هذه الفترة على طولها لم تكف لعرض الحفلات التي تصور انتصاراته وتظهر مغانمه. وكان مجلس الشيوخ حقوداً ضنيناً، فرفض طلبه القاضي بتوزيع الأرض على جنوده، ولم يقر الاتفاقات التي عقدها مع الملوك المغلوبين، وأعاد النظم التي أقامها من قبله لوكلس في بلاد الشرق والتي أغفلها بمبي. وكانت نتيجة هذه العمال أن تمزق اتفاق شيشرون المعروف بحلف الطبقات Concordi ordinum، وأن ألقى بمبي والرأسماليين في أحضان الطبقات الدنيا واغتنم قيصر هذه الفرصة السانحة فألف منه ومن بمبي وكراسس الحكومة الثلاثية الأولى(63) وتعهدوا جميعاً أن يقاوموا كل تشريع لا يرضى عنه أي واحد منهم. واتفق بمبي أن يساعد قيصر في أن ينتخب قنصلاً، كما تعهد قيصر، إذا ما اختير لهذا المنصب، أن ينفذ الاقتراحات التي عرضها ورفضها مجلس الشيوخ.

وكانت الحملة الانتخابية شديدة مريرة استخدمت فيها الرشوة من كلا الجانبين. ولما سمع كاتو زعيم المحافظين أن حزبه يبتاع أصوات الناخبين تحلل من مبادئه الأولى ووافق على هذا العمل بحجة أنه وسيلة إلى غرض نبيل، واختار العامة قيصر كما اختار الأشراف ببياوس Pibulus.

وما كاد قيصر يتسلم مقاليد منصبه (59) حتى عرض على مجلس الشيوخ المطالب التي تقدم بها بمبي: وهي توزيع الأرض على عشرين ألفاً من المواطنين الفقراء ومنهم جنود بمبي، والتصديق على الاتفاقات التي عقدها بمبي في بلاد الشرق، وتخفيض المبالغ التي تعهد الملتزمون بجمعها من ولايات آسيا بمقدار ثلثها.

ولما عارض المجلس كل مطلب من هذه المطالب بجميع ما لديه من وسائل فعل قيصر ما فعله ابنا جراكس، فعرضها على الجمعية مباشرة. واستطاع المحافظون أن يقنعوا ببيلوس، كما أقنعوا العرافين بأن يعلنوا أن الحظ غير موات لإجابتها. ولم يأبه قيصر لأقوال العرافين، وحمل الجمعية على أن تتهم ببيلوس بالخيانة، وقام رجل متحمس من العامة فأفرغ وعاء من البراز على رأس ببيلوس.

ثم وافقت الجمعية على مشروعات قيصر، وكانت تجمع، كما تجمع مشروعات ابني جراكس، بين السياسة وخطة مالية ترضي رجال الأعمال. وأعجب بمبي بوفاء قيصر بعهده، واتخذ يوليا ابنته زوجة رابعة له، وأصبح الاتفاق بين العامة والطبقة الوسطى رابطة حب وصداقة. وتعهد أعضاء الحكومة الثلاثية للنجاح المتطرف من أتباعهم أن يؤيدوا ببيلوس كلوديوس Publius Clodius في أن ينتخب تربيوناً في خريف عام 59، وأخذوا يعملون من ذلك الحين للمحافظة على رضاء الناخبين بما يقدمونه لهم من ضروب اللهو والألعاب الكثيرة.

وتقدم قيصر بمشروعه الثاني الخاص بتوزيع الأراضي في شهر إبريل من ذلك العام نفسه. وكان هذا المشروع يقضي بتوزيع الأراضي التي تملكها الدولة في كمبانيا على من كان له ثلاثة أبناء من المواطنين الفقراء؛ وتجاهل قيصر مجلس الشيوخ مرة أخرى، وأجازت الجمعية المشروع، وبذلك تمت الموافقة على سياسة ابني جراكس بعد جهود دامت مائة عام كاملة. ولزم ببليوس Bibulus في ذلك الوقت بيته واكتفى بأن أخذ يصدر من حين إلى حين تصريحات يقول فيها إن الطوالع غير مواتية للتشريعات الجديدة. أما قيصر يصرف الشؤون العامة من غير أن يستشيره فيها، وبلغ من إهماله إياه أن كان الفكهون من أهل المدينة يصفون هذا العام بأنه "قنصلية يوليوس وقيصر". وأراد أن يفرض رقابة الشعب على مجلس الشيوخ، فأنشأ أول صحيفة إخبارية، بأن جعل الكتبة يسجلون أعمال الشيوخ وغيرهم، مضافة إلى الأخبار اليومية، ثم تعلق هذه "الأعمال اليومية" ويحملها إلى جميع أجزاء الإمبراطورية رُسل يخصصون لهذا العمل.

وقبل أن تنتهي فترة هذه القنصلية التاريخية أفلح قيصر في أن يعين والياً على بلاد الغالة الجنوبية وغالة ناربونة في الخمس السنين التي تلي سنة القنصلية. وإذ كان القانون يحرم إقامة الجنود في إيطاليا نفسها فإن قيادة الفيالق المقيمة في شمال إيطاليا قد جعلت لصاحبها السيطرة العسكرية على شبه الجزيرة بأكملها. وأراد قيصر أن يستوثق من بقاء تشريعاته السابقة، فعمل على أ ينتخب صديقاه جابنيوس Gabinius وبيزو Piso قنصلين في عام 58، وتزوج كلبيرنيا Calpurnla ابنة بيزو؛ ولكي يضمن استمرار العامة على تأييده بذل جهوده الموفقة لانتخاب كلوديوس تربيوناً في عام 58. ولم يحز لنسفه أن تتأثر مشروعاته بطلاقة الحديث لزوجته الثالثة بمبيا بسبب ارتيابه في صلاتها غير المشروعة بكلوديوس.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: الأخلاق والسياسة

كان ببليوس كلوديوس بلشر Publius Claudius Pulcher أيببليوس كلوديوس الجميل فرعاً من دوحة آل كلوديوس. وكان شاباً أرستقراطياً باسلاً لا يهاب الردى ولا يتورع من الناحية الخلقية عن اقتراف أية موبقة. وقد نزل من مرتبته السامية، كما نزل منها كاتلين وقيصر، ليقود العامة في كفاحهم ضد الأغنياء، وأراد أن يكون من حقه أن يختار تربيوناً فأقنع إحدى الأسر الفقيرة في أن تتبناه، وأراد أن يعيد توزيع الثروة التي تجمعت في أيدي بعض الطبقات في رومه، وأن يقضي على شيشرون- وكان قد استطال في عرض أخته كلوديا وأخذ يدليع عن حرمة الملكية- فعمل جندياً عادياً تحت إمرة قيصر حتى يستطيع أن يستولي على زمام السلطة. وكان يعجب بخطط قيصر ويعشق زوجته، واحتال للوصول إليها بأن تزيى بزي امرأة ودخل بيت قيصر، ثم تزيى بزي كاهن واشترك في المراسم الدينية التي يقيمها النساء وحدهن إلى الآلهة الطيبة Bona Dea. ثم افتضح سره ووجهت إليه تهمة الاعتداء على حرمة الإلهة وأسرارها، وحوكم على هذه التهمة. ولما نودي على قيصر ليشهد عليه قال إنه لا يوجه تهمة ما إلى كلوديوس. فلما سأله المدعي العمومي عن سبب طلاقه بمبيا قال إن سبب هذا الطلاق هو "أن زوجتي يجب أن تكون بعيدة عن الشبهات".

وكانت هذه إجابة لبقة تسيء إلى ذلك العون السياسي القيم، ولا تسيء إليه هو، وشهد كثيرون من الشهود بأن كلوديوس من الشهود كان على اتصال بكلوديا، وأنه ضاجع أخته ترشيا بعد زواجها من لوكس: واحتج كلوديوس بانه كان غائباً عن رومه في ذلك اليوم الذي يعزى إليه فيه ذلك الاتهام المزعوم الدنيء، ولكن شيشرون شهد بان كلوديوس كان معه في رومه في ذلك اليوم نفسه. وظن الشعب أن المسألة كلها مؤامرة من مجلس الشيوخ للقضاء على زعيم من زعمائه، وأخذ يطالب ببراءته من التهمة الموجهة إليه. ورشا كراسس عدداً من القضاة- بتحريض قيصر كما يقول بعضهم- ليحكموا في صالح كلوديوس، واستطاع المتطرفون للمرة الأولى أن يقدموا من المال أكثر مما يقدمه المحافظون، وبرئ كلوديوس. ولم يدع قيصر هذه الفرصة السانحة تفلت من يده فاستبدل بزوجة من أبناء المحافظين ابنة أحد الشيوخ المناصرين لقضية الشعب.

ولم يكد قيصر يعتزل منصبه حتى اقترح بعض المحافظين إلغاء كل التشريعات التي أصدرها إلغاء تاماً. ولم يكتم رايه في هذه "القوانين اليوليوسية" وطلب بمحوها من سجلات القوانين الرومانية. وتردد مجلس الشيوخ في الاستجابة إلى هذا التحدي الصريح لقيصر ومن ورائه الجحافل الرومانية، ولكلوديوس المسيطر على التربيونية. وكان كاتو في عام 63 قد خطب ود الشعب وحاول ضمه إلى جانب المحافظين بإعادة النظام القاضي بتوزيع الغلال على الأهلين بثمن بخس. وأراد كلوديوس أن يكون أكثر منه استرضاء للعامة فأخذ يوزع الغلال من غير ثمن على كل من يطلبها، وأقرت الجمعية بناء على طلبه مشروعات قوانين تحرم رفض الإجراءات التشريعية بالاستناد إلى الحجج الدينية وتجعل تأليف الهيئات النقابية من الحقوق المشروعة، وكان مجلس الشيوخ قد حاول من قبل حلها. وقد أعاد هو تنظيم هذه الهيئات وجعل لها حق الاقتراع مجتمعة، وكسب بذلك ولاءها وإخلاصها له، فعينت له من أعضائها حرساً مسلحاً. وإذ كان يخشى أن يحاول كاتو وشيشرون، بعد أن تنتهي فترة توليه منصبه، إلغاء ما قام به قيصر من الأعمال فقد أقنع الجمعية بتعيين كاتو مندوباً رومانياً في قبرص وإصدار قرار يقضي بنفي كل من يتسبب في قتل أي مواطن روماني دون أن يحصل على موافقة الجمعية، كما تتطلب ذلك قوانين الدولة. ورأى شيشرون أنه هو المقصود بهذا القانون، ففر إلى بلاد اليونان حيث أخذت المدن والشخصيات الكبيرة تتنافس في تكريمه والاحتفاء بمقدمه. وكان رد الجمعية على هذا القرار أن قررت مصادرة أملاك شيشرون، وهدم بيته القائم على تل البلاتين Palatine.

وكان من حسن حظ شيشرون أن كلوديوس قد غمره ما ناله من نصر، فأخذ يهاجم بمبي وقيصر، ويحاول الانفراد بزعامة الشعب. وكان جواب بمبي على خطط كلوديوس أن أيد الطلب الذي تقدم به كونتس Quintus أخو شيشرون بالسماح لخطيب رومه أن يعود إليها. ودعا مجلس الشيوخ جميع المواطنين الرومان إلى الاجتماع في عاصمة الدولة ليبدوا رأيهم في هذا الاقتراح. وجاء كلوديوس بعصابة مسلحة إلى ميدان المريخ لتشرف على عملية الاقتراع، واستخدم بمبي رجلاً فقيراً من الأشراف يدعى أنيوس مليو Annius Milo لتنظيم عصابة أخرى لمناوأتها، وكانت نتيجة ذلك حدوث شغب واضطراب سفكت فيه الدماء، فقتل عدد كبير من الناس ولم ينج كونتس نفسه من القتل إلا بمعجزة من المعجزات. على أنه أفلح فيما كان يرمي إليه، وعاد شيشرون ظافراً إلى رومه بعد نفي دام عدة شهور (57)، وحيته في طريقه من برنديزيوم إلى رومه جماهير غفيرة بلغت من الكثرة حداً تظاهر معه شيشرون بالخوف من أن يتهم بأنه قد دبر أمر نفيه ليحظى بهذا التكريم العظيم عند عودته(11).

ويلوح أنه قد تعهد بمناصرة بمبي، ولعله أيضاً قد تعهد بمناصرة قيصر، نظير سماحمها بعودته. وشاهد ذلك أن قيصر أقرضه أموالاً كثيرة لينظم بها شؤونه المالية من جديد، وأبى أن يتقاضى عليها فائدة(12). وظل شيشرون بعد عودته عدة سنين المدافع عن أقطاب الحكومة الثلاثية والناطق بلسانهم مجلس الشيوخ.

ولما لاح في أفق رومه خطر نقص الحبوب مرة أخرى (57) استطاع أن يحصل لبمبي على تفويض عجيب، هو أن تكون له السلطة الكاملة مدى ست سنين على كل موارد الطعام في رومه، وعلى جميع الدولة وتجارتها الخارجية. واستطاع بمبي مرة أخرى أن يفيد من هذه السلطة أعظم إفادة، ولكن دستور الجمهورية أصيب مرة أخرى بطعنة نجلاء، وظل حكم الأفراد يحل محل حكم القانون. وكذلك استطاع شيشرون أن يقنع مجلس الشيوخ بالموافقة على اقتراح عرض عليه بتقديم مبلغ كبير من المال لأداء مرتبات جنود قيصر في غالة. وفي عام 54 أفلح في دفاعه عن حكم أولس جابنيوس Aulus Gabinius، حاكم إحدى الولايات وصديق رجال الحكومة الثلاثية، حتى برئ من تهمة ابتزاز أموال الولايات واستخدام العنف في الحصول عليها. وفي عام 55 خسر كل ما كسبه من عطف قيصر ومعونته بهجومه العنيف على وال روماني آخر يدعى كلبيرنيوس بيزو Calpurnius Piso. ذلك أنه لم ينس قط أن بيزو هذا كان من الذين اقترعوا على نفيه، ونسي أن ابنة بيزو كانت زوجة قيصر.

ولما عاد كاتو من قبرص عام 57 ق.م بعد أ أعاد تنظيم شؤونها على خير وجه شرع المحافظون يلمون شعثثهم ويعيدون تنظيم صفوفها، وكان كلوديوس قد أضحى وقتئذ عدو بمبي الألد فقبل ما عرضه عليه الأشراف من أن يعيرهم محبة الشعب وعصاباته السفاحة. واتجه الأدب من ذلك الوقت وجهة معادية لقيصر وأخذت قصائد كلفس Clavus وكاتلس Catullus الهجائية تصّوب كالسهام المسمومة معسكر الحكومة الثلاثية. وكلما توغل قيصر في بلاد الغاليين، وتواترت أنباء ما كان يلاقيه فيها من الأخطار الكثيرة، أخذ الأمل يدب من جديد في صدور الشخصيات النبيلة، وقال شيشرون وقتئذ إن "من لم يمت بالسيف مات بغيره".


وإذا جاز لنا أن نصدق ما قاله قيصر، فإن عدداً من المحافظين قد أخذوا يأتمرون مع أربوفستس Ariovistus القائد الجرماني على اغتيال قيصر(13). وسارع دميتوس Domitius يرشح نفسه للقنصلية، ويعلن أنه إذا ما فاز بها فسيقترح من فوره على المجلس استدعاء قيصر- أي أن قيصر سيتهم ويحاكم. وتلونّ شيشرون بلون الزمان، فاقترح أن ينظر مجلس الشيوخ في يومي 25، 26 من شهر مايو في إلغاء قوانين قيصر الخاصة بالأراضي الزراعية.


الفصل الرابع: فتح بلاد غالة

تسلم قيصر في عام 58 ق.م مهام منصبه، منصب حاكم بلاد غالة الجنوبية والنربونية، أي شمالي إيطاليا وجنوبي فرنسا. وكان أريوفستس قد سار في عام 71 ق.م على رأس خمسة ألفاً من الجرمان إلى بلاد الغالة حين استعانته إحدى قبائلها على قبيلة أخرى. وقدم لها قائد الألماني المعونة التي طلبتها ولكنه لم يغادر البلاد، بل بقي فيها ليبسط حكمه على جميع القبائل الضاربة في شمالي غالة الشرقي. واستنجدت قبيلة الإيدوي Aedui إحدى هذه القبائل برومه لتعينها على الألمان (61). وخولّ مجلس الشيوخ الحاكم الروماني على بلاد غالة النربونية حق إجابة هذا الطلب، ولكنه في الوقت نفسه تقريباً ضم أريوفستس إلى طائفة الحكام الموالين لرومه. وكان مائة وعشرون ألفاً من الألمان قد عبروا في هذه الأثناء نهر الرين، واستقروا في فلاندرز فشدوا بذلك أزر أريوفستس، وأخذ يعامل أهل البلاد معاملة الشعوب المغلوبة، وشرع يمني نفسه بالاستيلاء على بلاد غالة بأجمعها(14).

وبدأت في الوقت عينه قبائل الهلفتي Helvetti الضاربة حول جنيفا تهاجر نحو الغرب، وكانت عدتها نحو 368.000، وأنذر قيصر بان هذه القبائل تعتزم اختراق بلاد غالة النربونية في طريقها إلى جنوبي فرنسا الغربي. ويصف ممسن Mommsen حركات هذه القبائل بقوله: "لقد كانت القبائل الألمانية الضاربة تتحرك في جميع الأصقاع الممتدة من نهر الرين إلى المحيط الأطلنطي، وكانت هذه اللحظة شبيهة باللحظة التي انقضت فيها قبائل الألماني والفرنجة على إمبراطورية القياصرة المتداعية.. بعد خمسمائة عام من ذلك الوقت"(15) وأخذ قيصر يحتال لإنقاذ رومه بينا كانت رومه نفسها تدبر المؤامرات للقضاء عليه.

وجند قيصر من ماله الخاص. ومن غير أن يرجع في ذلك إلى مجلس الشيوخ- وكان الدستور يحتم عليه الرجوع إليه- نقول جند ثلاث فرق جديدة كاملة العدة زيادة على الأربع الفرق التي كانت تحت إمرته. ثم أرسل يدعو أريوفستس ان يحضر إليه من فوره ليبحث الموقف معه. ورفض أريوفستس الدعوة كما كان قيصر يتوقع. وأقبلت وقتئذ على قيصر وفود كثيرة من القبائل الغالية تتطلب إليه حمايتها، فأعلن الحرب على أريوفستس وقبائل الهلفتي، واتجه بجيوشه نحو الشمال ودارت بينه وبين جحافل الهلتي معركة حامية عند ببركتي Bibracte عاصمة الإيدوي، ومكانها الآن بالقرب من بلدة أوتون Autun الحالية. وانتصرت جيوش قيصر في هذه المعركة انتصاراً غير حاسم، أقرب ما يكون إلى الهزيمة، كما يقول قيصر نفسه، ونحن مضطرون أن نأخذ عنه هو معظم هذه الأنباء. وعرض الهلفتي أن يعودوا إلى موطنهم في سويسرا، ووافق قيصر على أن يؤمنهم في عودتهم إليه، ولكنه اشترط عليهم أن تخضع البلاد التي كانوا يحتلونها إلى حكم رومه. وبعثت بلاد الغالة جميعها وقتئذ تشكر له تخليصها من أعدائها، وترجوه أن يساعدها على طرد أريوفستس. والتقى قيصر بالألمان عند أسثيم Astheim ، ودارت بينه وبينهم معركة انتهت بقتلهم أو أسرهم عن آخرهم تقريباً، كما يقول هو نفسه (58). وفر أريوفستس من الميدان ولكنه مات بعد ذلك بقليل.

واعتقد قيصر أن تحرير غالة من أعدائها لا يفترق في شيء عن فتحها، فشرع من فوره يعيد تنظيمها على أساس خضوعها لسلطان رومه، وحجته في ذلك أن هذا التنظيم هو الوسيلة الوحيدة لحمايتها من الألمان. ولم تقنع هذه الحجة بعض الغاليين فثاروا، واستعانوا عليه البلجي Belgae وهو قبيلة ألمانية كلتية قوية تسكن شمال غالة بين نهري السين والرين. والتقى بهم قيصر على شاطئ نهر الآين Aisne وهزمهم، ثم سار بسرعة خاطفة لم تمكن أعداءه من لم شعثهم، والتقى بالسويسيون Suissiones، والأمبياني Ambiani، والنرفياي Nervii، والأدوتيشي Aduatici. وهزم كلاً منهم على انفراد، ونهب بلادهم، وباع أسرارهم لتجار الرقيق الإيطاليين. وأعلن في ذلك الوقت فتح بلاد الغالة، وكان في إعلانه هذا متعجلاً بعض الشيء، وجاراه مجلس الشيوخ فأعلن أن غالة ولاية رومانية، ورفع العامة في رومه- ولم يكونوا يقلون في نزعتهم الاستعمارية عن أي قائد من القواد- عقيرتهم يمجدون بطلهم البعيد. وعاد قيصر فعبر الألب إلى بلاد غالة الجنوبية، وأخذ يعمل على تنظيم شؤونها الإدارية، وسد ما حدث من النقص في فيالقه، ودعا بمبي وكراسس أن يقابلاه في لوكا ليضع معهما خطة مشتركة للدفاع عن أنفسهم ضد الحركة الرجعية التي يقوم بها المحافظون.

وأرادوا أن يقطعوا الطريق على دمتيوس Domitius فاتفقوا على أن يتقدم بمبي وكراسس للقنصلية في عام 55 ق.م منافسين له، وعلى أن يعين بمبي والياً على أسبانيا وكراسس على سوريا لمدة خمس سنين (54-50)؛ وأن يظل قيصر والياً على غالة خمس سنين أخرى (53-49)، وعلى أن يسمح له بعد انتهاء هذه الفترة أن يتقدم مرة أخرى للقنصلية. وأمد قيصر زميليه وصديقيه بما يلزمهما من الأموال التي غنمها من الغاليين لخوض المعركة الانتخابية؛ وبعث أيضاً بمبالغ طائلة إلى رومه ليوجد ببعضها أعمالاً للمتعطلين، ويدفع منها مكافآت لمؤيديه، وليرفع ببعضها مكانته في أعين الشعب بالإقدام على تنفيذ منهاج واسع من المنشآت العامة. وحيا الشيوخ الذين جاءوا ليفحصوا عن غنائمه بالرشا السخية، فأدى ذلك إلى إخفاق الحركة التي كانت ترمي إلى إلغاء ما أصدره من القوانين. واختير بمبي وكراسس قنصلين بعد أن قدما الرشا السخية المعتادة، وعاد قيصر يعمل على إقناع الغاليين أن السلام أحلى من الحرية.

وأخذت الأحوال على نهر الرين شمالي كولوني تنذر بالشر المستطير. فعبرت النهر قبيلتان ألمانيتان إلى غالة البلجيكية، وزحفتا فيها إلى أن وصلتا لييج Liege، واستعانهما الحزب الوطني في غالة على الرومان، والتقى قيصر بالغزاة عند أكسانتن Xanten (55)، وصدهم إلى نهر الرين، وقتل منهم كل من لم يمت في النهر غرقاً رجالاً كانوا أو نساءً أو أطفالاً. ثم أقام مهندسوه في عشرة أيام جسراً على النهر العظيم، وكان عرضه وقتئذ 1400 قدم، وعبرت عليه فيالق قيصر، وحاربت أعداءها في الأراضي الألمانية زمناً يكفي لجعل نهر الرين حداً آمناً للدولة الرومانية،ثم عاد بعد أسبوعين إلى بلاد غالة. ولسنا نعرف السبب الذي حدا به إلى غزو بريطانيا في ذلك الوقت، ولعله قد أغراه بهذا الغزو ما وصل إلى علمه من الشائعات عن كثرة الذهب واللؤلؤ فيها، أو لعله كان يرغب في الاستيلاء على ما في بريطانيا من قصدير وحديد لتصدره رومه إلى البلاد الخارجية، أو لعله قد أغضبه ما قدمته بريطانيا من عون إلى الغاليين، وأنه رأى أن يجعل السلطة الرومانية في غالة آمنة من جميع جهاتها. ومهما يكن السبب فقد سار على راس قوة صغيرة عبر بها بحر المنش في أضيق أجزائه، وهزم البريطانيين الذين لم يكونوا مستعدين لحربه، وأخذ عن البلاد بعض المعلومات القليلة، ثم قفل راجعاً (55). لكنه عبر البحر إليها مرة أخرى في العام الثاني وهزم البريطانيين بقيادة كسفلونس Cassivelaunus، ووصل إلى نهر التايمز، وانتزع من أهل البلاد وعداً بأن يعطوا الجزية، ثم رجع إلى غالة.

ولعل سبب رجوعه أن سمع أن الثورة يكاد يندله لهيبها مرة أخرى بين القبائل الغالية، فلما عاد أخضع أولاً الإبورون Eburones. ثم زحف على ألمانيا (53). ولما عاد منها ترك الجزء الأكبر من جيشه في غالة الشمالية، ثم ذهب مع من بقي من هذا الجيش ليقضي الشتاء في شمالي إيطاليا، وكان يرجو أن يخصص بضعة شهور لإصلاح أسواره في رومه، ولكنه سمع في أوائل عام 52 أن فرسنجتركس Vercingetorix أقدر الزعماء الغاليين قد حشد كل القبائل الغالية تقريباً في حرب تبغي بها أن تستعيد استقلالها. وبذلك أصبح مركز قيصر شديد الحرج لأن الجزء الأكبر من جيشه كان في شمال إيطاليا، والأقاليم الواقعة بينه وبين هذا الجيش في أيدي الثوار. ولكنه سار على رأس قوة صغيرة فوق ثلوج السفن Cevennes وهاجم مدينة أوفرني Auvergne. ولما جاء فرسنجتركس بقوته ليدافع عنها ولي قيصر دسمس بروتس Decimus Brutus قيادة جنوده الذين كانوا يهاجمونها، وسار هو متخفياً ومعه عدد كبير من الفرسان مخترقاً بلاد غالة من الجنوب إلى الشمال، وانضم إلى جيشه الرئيسي، وقاده من فوره إلى القتال، وحاصر أفريكوم Avaricum (بورج Bourgas) وسنابوم Cenabum (أورليان Orleans)، واستولى عليهما، وأعمل فيهما السلب والنهب، وقتل أهلهما، وملأ بكنوزهما خزائنه الخاوية. ثم زحف بجيشه على جرجفيا Gergovia حيث قاومه الغاليون مقاومة عنيفة اضطرته إلى الانسحاب وفي ذلك الوقت تخلى عنه الأدويون الذين أنجاهم قبل من الألمان، والذين بقوا حتى ذلك الوقت أنصاراً له وحلفاء، ثم استولوا على قواعده ومخازن ميرته في سواسون Soissons، وشرعوا يستعدون لرده إلى البلاد غالة النربونية.

وكان هذا هو الوقت الذي ساءت فيه أحوال قيصر كما لم تسوء من قبل ولا من بعد، ومرت به بعض الأيام فقد فيها كل أمل في النجاة. وفي هذا الوقت العصيب ضرب الحصار على أليزيا Alesia (أليز سنت رين Alise ste- Reine)، وجازف بكل شيء في هذا الحصار لأن فرسنجتركس جمع فيها ثلاثين ألفاً من جنوده. وما كاد قيصر يوزع مثل هذا العدد من الجند حول المدينة حتى وصلته الأنباء بأن 250.000 من الغاليين بدءوا يزحفون نحو المدينة من الشمال. فما كان منه إلا أن أمر جنوده بأن يقيموا حول المدينة سورين دائريين من التراب، أحدهما من أمامهم والآخر من خلفهم، وانقضت جيوش فرسنجتركس وحلفائه على هذين السورين وعلى الجيوش الرومانية الباسلة وهاجمتها المرة بعد المرة، ولكنها باءت في كل هجماتها بالخسران. وواصل الجيش المنقذ هجماته على هذا النحو أسبوعاً كاملاً، ثم تبدد شمله لاختلال نظامه ونقص طعامه وعتاده، واستحال هذا الجيش فلولاً لا حول لها ولا طول في الساعة التي نفذت فيها موارد الرومان، ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى بعثت المدينة الجائعة فرسنجتركس نفسه بناء على طلبه إلى قيصر أسير الحرب، ثم استسلمت للرومان ووضعت نفسها تحت رحمتهم (52). وعفا قيصر عن المدينة فلم يمسسها بسوء، ولكنه أسلم جنودها لرجال جيشه ليكونوا رقيقاً لهم. وسيق فرسنجتركس مكبلاً بالأغلال إلى رومه حيث سار فيما بعد يزين موكب نصر قيصر، وجوزي بالقتل على حبه للحرية.

وقرر حصار إليزيا مصير بلاد غالة، كما قرر خصائص الحضارة الفرنسية. ذلك أنه أضاف إلى الإمبراطورية الرومانية بلاداً تبلغ مساحتها ضعفي مساحة إيطاليا وفتح خزائن خمسة ملايين من الناس وأسواقهم إلى التجارة الرومانية. يضاف إلى هذا أن ذلك الحصار أنجى إيطاليا وعالم البحر الأبيض المتوسط مدة أربعة قرون من غارات البرابرة، وانتشل قيصر مرة أخرى من حافة هاوية الخراب إلى ذروة المجد والثروة والسلطان. وظلت بلاد غالة عالماً آخر تثور ثورات متفرقة عقيمة، أخمدها قيصر بقسوة لم تألفها منه، ثم خضعت لرومه وأسلمت لها أمورها. وما كاد يتم له النصر حتى عاد قيصر كما كان الفاتح الشهم الكريم، فعامل القبائل المغلوبة معاملة لينة كان من آثارها أن هذه القبائل لم تتحرك قط لتخلع عن كاهلها نير رومه حين شبت فيها نار الحرب الأهلية، ولم يكن في مقدورها ولا في مقدور قيصر أن يؤدبا هذه القبائل. وظلت بلاد غالة بعدئذ ثلاثمائة عام ولاية رومانية يعمها الرخاء في ظلال السلم الرومانية، وتعلمت من خلالها اللغة اللاتينية، وأدخلت عليها كثيراً من التغيير حتى أصبحت الأداة التي نقلت بها ثقافة العهود الغابرة إلى شمالي أوربا. ولا جدال في أن قيصر ومعاصريه لم يكونوا يدركون ما سوف تتمخض عنه انتصاراته الدموية من نتائج بعيدة المدى، فقد كان أقصى ما يظنه أنه أنقذ إيطاليا، وضم لها ولاية جديدة. وأنشأ لها جيشاً قوياً، لكنه لم يدر بخلده أنه منشئ الحضارة الفرنسية.

ودهشت رومه إذ وجدت أن قيصر إداري قادر لا يعتريه ملل، وقائد محتك واسع الحيلة، بعد أن لم تكن تعرف عنه أكثر من أنه رجل متلاف رقيع، وسياسي، ومصلح. ثم أدركت في الوقت عينه أنه مؤرخ عظيم. ذلك أنه وهو في ميادين القتال تقض مضجعة الهجمات المتوالية عليه من رومه، كان يسجل فتوحه في غالة، ويدافع عن هذه الفتوح في شروحه Commentaries، وقد سما بها إيجازها العسكري- إذا جاز أن نصفها بهذا الوصف- وبساطتها الفنية من منزلة النشرات الحزبية إلى أسمى مكان في الأدب اللاتيني. وحتى شيشرون نفسه، بعد أن تقلب مرة أخرى في مبادئه السياسية، أخذ يتغنى قيصر ويستعجل في ذلك الوقت ما حكم به عليه التاريخ فيما بعد إذ قال:

ليست معاقل الألب المنيعة، ولا مياه الرين الفياضة الصاخبة، هي الدرع الحقيقي الذي صد عنا غارات والقبائل الألمانية الهمجية، بل الذي صدها في اعتقادي هو قيادة قيصر وقوة ساعديه. ولو أن الجبال دكت وسويت بالسهول، والأنهار جفت، لاستطعنا أن نحتفظ ببلادنا حصينة منيعة بفضل ما نال قيصر من نصر مؤزر وما قام به من أعمال مجيدة. ألا ما اعظم فضله علينا(16). ويجب أن نضيف إلى هذا ما أثنى به عليه ألماني عظيم إذ قال:

إذا كان ثمة جسر يربط ماضي هلاس ورومه المجيد بتاريخ أوربا الحديث، الذي هو أعظم منه مجداً وأسمى قدراً، وإذا كان غرب أوربا رومانياً، وإذا كانت أوربا الألمانية قد صبغت بالصبغة اليونانية والرومانية القديمة.. فما ذلك كله إلا من عمل قيصر. وإذا ما أوجده سلفه العظيم في بلاد الشرق قد كادت تمحو معالمه كلها زعازع العصور الوسطى، فإن الصرح الذي شاده قيصر ظل قائماً آلاف السنين التي تبدلت فيها الأديان وتغيرت الدولة(17).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الخامس: فساد الدمقراطية

انحطت السياسة الرومانية في خلال الخمس السنين الثانية من ولاية قيصر على غالة إلى الدرك الأسفل من الفساد والعنف، فقد كان القنصلان بمبي وكراسس يسيران في حكمهما على خطة شراء أصوات الناخبين، وإرهاب المحلفين، والالتجاء إلى القتل في بعض الأحيان(18). ولما انقضت مدة ولايتهما جند كراسس جيشاً كبيراً وأبحر به إلى سوريا، ثم عبر نهر الفرات، والتقى بالبارثيين عند كرهية Carrhae، ودارت الدائرة عليه لتفوق فرسان البارثيين، وقتل ولده في المعركة. وبينا كان كراسس يرتد بقواته بنظام، دعاه قائد البارثيين إلى الاجتماع به، فأجاب الدعوة، ولكن القائد البارثي غدر به وقتله، وأرسل رأسه ليمثل به دور بنيثيوس Bentheus في احتفال في بلاط ملك البارثيين، مثلث فيه مسرحية باخية Bacchae ليوربديز Euripidis. وأصبح جيشه بغير قيادة، وكان قد مل القتال، فانحلت عراه وتبدد شمله (53).

وكان بمبي في هذه الأثناء قد جمع له جيشاً، ولعله كان يبغي به إتمام فتح أسبانيا، ولو أن قيصر نجح في خططه لفتح بمبي أسبانيا القاصية، ولأخضع كراسس أرمينية وبارثيا، ولبسطت رومه سلطانها على هذه البلاد جميعها في الوقت الذي فيه قيصر يمد حدود الإمبراطورية الرومانية إلى نهري التاميز والربن. ولكن بمبي أبقى فيالقه في إيطاليا بدل أن يقودها إلى أسبانيا، إلا فيلقاً واحداً أعاره قيصر إبان الأزمة التي نجمت عن ثورة الغاليين. وحدث في عام 54 أن انفصمت العروة الوثقى التي كانت تربطه بقيصر على أثر وفاة زوجته يوليا في أثناء الوضع، وعرض عليه قيصر أن يزوجه أكتافيا حفيدة أخيه وأقرب قريباته في ذلك الوقت، وطلب أن يتزوج هو بابنة بمبي، ولكنه رفض كلا العرضين. وأخلت النكبة التي حلت بكراسس وجيشه في العام التالي من الميدان قوة أخرى كانت تعمل على إيجاد التوازن فيه. ذلك أن نجاح كراسس كان من شأنه أن يحول دون طغيان قيصر أو بمبي. وعقد بمبي من ذلك حلفاً صريحاً مع المحافظين، ولم يبق أمامه لنجاح خططه التي كان ينبغي بها الحصول على السلطة العليا بالطرق المشروعة في الظاهر إلا عقبة واحدة، هي مطامع قيصر وجيشه. وكان يعرف أن قيادة قيصر للجيش تنتهي في عام 49، فاستصدر مراسيم تقضي بمد أجل قيادته هو إلى آخر عام 46، وطلب إلى جميع الإيطاليين القادرين على حمل السلاح أن يحلفوا يمين الولاء العسكري له هو شخصياً، وكان يعتقد بعد هذا أن الزمن كفيل بأن يجعله سيد رومه(19).

وبينا كان القائدان اللذان يبغي كلاهما أ، يكون الحاكم بأمره في رومه يضعان خططهما على هذا النحو كانت الدمقراطية تحتضر في عاصمة البلاد، فكانت الأحكام القضائية، ومناصب الدولة، وعروش الملوك الخاضعين لسلطانها، تباع إلى من يعرض فيها أغلى الأثمان. من ذلك أن القسم الأول من المقترعين في الجمعية قد استولى في عام 53 على عشرة ملايين سسترس ثمناً لأصوات أفراده(20). ولما لم ينفع المال لم يتورع ذوو الشأن عن الالتجاء إلى الاغتيال(21) أو كشف الستار عن ماضي الناس، والتهديد بالكشف عن فضائحهم، فلم يروا أمامهم سبيلاً غير الإذعان. وفشا الإجرام في المدينة كما انتشرت السرقات في الأقاليم، ولم يكن في هذه ولا في تلك قوة من الشرطة تطمئن الناس على أنفسهم أو أموالهم، فكان الأغنياء يستأجرون عصابات من المجالدين يدفعون عنهم الأذى أو يؤيدونهم في الجمعية. واستهوت رائحة المال أو هبات الحبوب أحط الطبقات في إيطاليا فهرعت إلى رومه، وجعلت اجتماعات الجمعية مهزلة من المهازل، فكان كل من يقبل الاقتراع كما يطلب إليه يؤذن له بدخولها سواء كان من مواطني رومه أو من غير مواطنيها. وكان يحدث في بعض الأحيان ألا يكون من بين من أعطوا أصواتهم إلا أقلية هي التي لها حق الاقتراع. وكثيراً ما كان الخطباء يحصلون على حق الخطابة في الجمعية بالهجوم على المنصة والاستيلاء عليها قوة واقتداراً. وأضحت العصابة التي ترفعها قوتها على سائر العصابات المنافسة لها هي التي تشرع للدولة، كما كان الذين يقترعون على غير هواها يضربون حتى يكاد يقضي عليهم، ثم تشعل النار بعد الضرب في بيوتهم. وقد كتب شيشرون بعد جلسة من هذه الجلسات يقول:

"لقد امتلأ التييبر بجثث المواطنين كما سدت بها البالوعات العامة، واضطر الأرقاء إلى امتصاص الدم بالإسفنج من السوق العامة"(22).

وكان كلوديوس وميلو أعظم الخبراء الممتازين في هذه المهزلة البرلمانية، فقد كانا ينظمان عصابات من أحط الطبقات ليصلوا بها إلى أغراضهم السياسية، وقلما كان يوم واحد يمر دون أن توضع قوة هذه العصابات موضع الاختبار. من ذلك أن كلوديوس هاجم شيشرون في أحد شوارع المدينة في يوم من الأيام، وحرق أجراؤه بيت مليو في يوم ثان، ثم قبضت عصابات ميلو على كلوديوس نفسه في يوم آخر وقتله (52). غير أن صعاليك المدينة الذين لم يكونوا يجهلون ما يدبره من المؤامرات رفعوه إلى مقام الشهداء، واحتفلوا بجنازته احتفالاً عظيماً، وجاءوا بجثته إلى مجلس الشيوخ، وحرقوا البناء فوقها كأنه كومة الحطب التي تحرق عليها جثث الموتى.

وجاء بمبي بجنوده ففرقوا الغوغاء، ثم طلب إلى المجلس جزاء له على عمله هذا أن يعينه "قنصلاً بغير زميل"، وهي عبارة نصح بها كاتو وقال إنها أخف على السمع من لفظ دكتاتور. ثم عرض بمبي على الجمعية، بعد أن أرهبها بجنده، عدة اقتراحات يبغي بها القضاء على الرشوة والفساد السياسيين المنتشرين في البلاد، كما عرض عليها اقتراحاً بإلغاء حق المرشح لمنصب القنصل أن يفعل هذا وهو غائب عن رومه، (وكانت الجمعية قد منحت قيصر هذا الحق بناء على مشروع قانون عرضه عليها بمبي نفسه في عام 55). وأخذ يشرف بنفسه على قوة الدولة العسكرية، وعلى أعمال المحاكم؛ ولم يؤخذ عليه في هذا الإشراف شيء من الهوى أو المحاباة. وحوكم مليو على جريمة قتل كلوديوس وأدين على الرغم من دفاع شيشرون عنه ثم هرب إلى مرسيليا. وغادر شيشرون رومه ليحكم قليقية (51)، وحكمها بكفاية ونزاهة أدهشتا أصدقاءه وأغضبتهم عليه. ثم استسلمت عناصر الثروة والنظام كلها في عاصمة البلاد إلى دكتاتورية بمبي، أما الطبقات الفقيرة فظلت صابرة تتلهف على عودة قيصر.


الفصل السادس: الحرب الأهلية

دامت الفتن والثورات في الدولة الرومانية مائة عام، حطمت في خلالها كيان الطبقة الأرستقراطية الأنانية القليلة العدد التي كانت تتولى شؤون الحكم في البلاد، ولكنها لم تحل حكومة أخرى محلها. فأما الجمعية فقد أفسدها التعطل والرشوة والخبز ومجالدة الوحوش، فأحالتها إلى جماعة من الغوغاء الجهلة تسيطر عليهم أهواؤهم وشهواتهم، فكانت بذلك عاجزة أشد العجز عن حكم نفسها بله حكم إمبراطورية واسعة الرقعة. وانحطت الديمقراطية حتى أضحت وكأنها هي المعنية بقول أفلاطون: "صارت الحرية إباحية، وأخذت الفوضى تتوسل أن يوضع حد للحرية"(24). ولم يختلف قيصر مع بمبي في أن الجمهورية قد ماتت، وأنها أصبحت على حد قوله: اسماً على غير مسمى لا جسم لها ولا صورة"(25). ولم يكن ثمة مفر من الدكتاتورية، ولكنه كان يريد أن يضع أزمة الأمور في أيدي قيادة تعمل لتقدمها ورقيها، قيادة غير جامدة لا تبقي البلاد على حالها التي تردت فيها، بل تبذل جهودها لتخفيف ما يتغلغل فيها من مفاسد ومظالم وفاقة أفسدت الديمقراطية وهوت بها إلى الحضيض. وكان قيصر وقتئذ في الرابعة والخمسين من عمره، وما من شك في أنه قد أوهنته حروبه الطويلة في غالة، وأنه لم يكن يحب أن يتورط في محاربة مواطنيه وأصدقائه السابقين، ولكنه كان على علم بالمؤامرات التي تحاك له، والفخاخ التي تنصب لاقتناصه، وكان يؤلمه أشد الألم أن تكون هذه المؤامرات والفخاخ هي الجزاء الذي يجزي به من أنجى إيطاليا من الدمار والخراب. وكانت مدة حكمه في غالة تنتهي في اليوم الأول من شهر مارس سنة 49 ق.م، ولم يكن في وسعه أن يتقدم للقنصلية إلا في خريف ذلك العام، وفي الفترة الواقعة بين الزمنيين يفقد الحصانة التي يسبغها عليه منصبه، ولا يستطيع دخول رومه دون أن يعرض نفسه للاتهام بأنه خارج على القانون، وهو السلاح المألوف الذي كانت تلجأ إليه الأحزاب المختلفة في رومه في نزاعها على السلطة. وكان ماركس مارسلس Marcus Maecellus قد عرض قبل ذلك الوقت على مجلس الشيوخ أن يعزل قيصر من الولاية قبل انتهاء مدتها، ومعنى هذا الغزل هو البقاء خارج البلاد أو المحاكمة، وكان التربيونان قد أنجياه من هذه المكيدة باستخدام ما لهما من حق الاعتراض، ولكن مجلس الشيوخ كان بلا ريب راضياً عن هذا الاقتراح، وقال كاتو بصريح العبارة إنه يرجو أن توجه التهمة إلى قيصر، وأن يحاكم وينفى من إيطاليا.

أما قيصر نفسه فلم يدخر جهداً في العمل على إزالة أسباب النزاع بينه وبين خصومه. فلما أن طلب مجلس الشيوخ بإيعاز بمبي أن يتخلى له كلا القائدين عن فيلق يرسله لقتال بارثيا، أجابه قيصر من فوره إلى طلبه، وإن لم تكن القوة الني لديه كبيرة. ولما طلب بمبي إلى قيصر أن يعيد إليه الفيلق الذي أرسله له قبل عام من ذلك الوقت، بادر أيضاً بإرساله إليه، وإن كان أصدقاؤه قد أبلغوه أن الفيلقين لم يرسلا إلى بارثيا بل بقيا في كابوا. وطلب قيصر على لسان مؤيديه في مجلس الشيوخ أن يعاد العمل بقرار الجمعية السابق الذي كان يجيز له أن يرشح نفسه لمنصب القنصلية وهو غائب عن رومه، ولكن المجلس رفض الاقتراح وطلب إلى قيصر أن يسرح جنوده. وأحس هو أن ليس له سند يحميه إلا فيالقه، ولعله لم يكن يعمل لكسب ولائهم له إلا ليقفوا إلى جانبه في مثل هذه الأزمة. غير أنه في ذلك الوقت عرض على مجلس الشيوخ أن يعتزل هو وبمبي منصبيهما- وبدا هذا العرض معقولاً لا غبار عليه في نظر الشعب، حتى أنه كلل جبين رسوله بالأزهار. ووافق المجلس على هذه الخطبة بأغلبية 370 ضد 22، ولكن بمبي أبى أن يخضع لهذا القرار، حتى إذا أشرف عام 50 على الانتهاء ولم يبق منه إلا بضعة أيام، أعلن أن قيصر عدو الشعب إذ لم يتخل عن القيادة قبل اليوم الأول من شهر يوليا. وفي أول عام 49 قرأ كوريو Curio على المجلس رسالة من قيصر يعلن فيها استعداده لتسريح جيشه كله عدا فيلقين اثنين إذا سمح له بأن يظل والياً على غالة حتى عام 48، ولكنه أفسد هذا العرض بأن أضاف إليه أنه يرى في رفضه إعلاناً للحرب عليه. ودافع شيشرون عن هذا الاقتراح، ووافق عليه بمبي، ولكن القنصل لنتولس Lentulus تدخل في الأمر وأخرج كوريو Curio وأنطونيوس نصيري قيصر من المجلس(26)، وبعد نقاش طويل أصدر المجلس على كره منه وبإلحاح لنتولس وكاتو ومارسلس إلى بمبي أمراً وسلطة "يعمل بهما على ألا تصاب للدولة بسوء". وتلك عبارة رومانية معناها الدكتاتورية والحكم العسكري.

وتباطأ قيصر وتردد أكثر مما كانت عادته. فقد كان مجلس الشيوخ من الوجهة القانونية على حق فيما فعل، ولم يكن من حقه هو أن يعرض الشروط التي تعتزل بمقتضاها منصبه وقيادته. وكان يعرف أن الحرب الأهلية قد تثير الفتنة في غالة وتخرب إيطاليا بأجمعها، ولكنه كان يعلم أيضاً أن استسلامه معناه إسلام الإمبراطورية للعجز وللرجعية، وترامي إليه في أثناء تفكيره أن صديقاً من أقرب الأصدقاء إليه ومن أقدر مؤيديه وهو تيتس لبيينس Titus Labienus قد انشق عليه وانضم إلى بمبي، فما كان منه إلا أن استدعى الفيلق الثالث عشر، أكثر فيالقه ولاء له وأحبها إلى قلبه، وعرض المر كله على رجاله. وكانت أول كلمة نطق بها أمامهم وهي "زملائي الجنود. Commilitones" كافية لكسب قلوبهم، ولم يكونوا ينكرون عليه حقه في استعمال هذا اللفظ لأنهم رأوه من قبل يشترك معهم في الصعاب ويتعرض معهم للأخطار، وكثيراً ما شكوا هم أنفسهم من أنه يجازف بحياته ويعرضها للخطر فوق ما يجب. وكان هو على الدوام يخاطبهم بهذا اللفظ بدل اللفظ المقتضب الجاف الذي كان ينطق به من هم أقل منه مجاملة من القواد. وكان معظم رجاله من بلاد الغالة الجنوبية، وهي البلاد التي جعل لأهلها حق المواطنين الرومان، وكانوا يعرفون أن مجلس الشيوخ قد أبى أن يعترف لهم بهذه المنحة، وأن أحد أعضائه قد جلد رجلاً من أهلها ليدل بذلك على احتقاره لعمل قيصر، على الرغم من أن جلد المواطن الروماني كان عملاً لا يجيزه القانون. وكان قيصر قد علمهم في أثناء حروبهم الطويلة أن يحترموه- بل أن يحبوه على طريقتهم الخشنة الصامتة في الحب. وكان قاسياً على الجبناء ومن لا يرعون النظام، ولكنه كان سمحاً ليناً لا يقسو عليهم جزاء لهم على أغلاطهم التي تدفعهم إليها طبيعتهم البشرية، وكان يتغاضى عن أخطائهم الجنسية ويجنبهم ما لا ضرورة له من الأخطار، وكثيراً ما أنجاهم من الهلاك بحنكته وحسن قيادته. وهذا إلى أنه ضاعف أجورهم، ووزع عليهم كثيراً من غنائمه الحربية، ولما جاءوا إليه شرح لهم ما عرضه على مجلس الشيوخ، وكيف قابل المجلس هذه العروض، وذكر لهم أن الأرستقراطية المتعطلة الفاسدة لا تستطيع أن توفر لرومه النظام والعدالة والرخاء، وسألهم هل يتبعوه؟ فلم يعارض واحد منهم، ولما قال لهم إنه ليس لديه مال يؤدي منه أجورهم جاءوا إلى خزائنه بكل ما كان مدخراً لديهم.

وفي اليوم العاشر من شهر يناير نت عام 49 ق.م. عبر بأحد فيالقه الروبيكون وهو مجرى صغير بالقرب من أريمينوم Ariminum كان هو الجنوبي لغالة الجنوبية. ويقال إنه قد نطق في ذلك الوقت بقوله المأثور: "لقد قضي الأمر" Iacta est alea(27)، وخيل إلى الناس أن هذا العمل هو الحمق بعينه لأن الفيالق الخمسة الباقية من جيشه كانت لا تزال بعيدة عنه في بلاد غالة لا تستطيع اللحاق بعه إلا بعد عدة أسابيع، على حين أن بمبي كان لديه عشرة فيالق، أي ستون ألف جندي، وكان من حقه أن يجند ما يشاء من الفيالق الأخرى، ولديه من المال ما يكفي لتسليحهم وإطعامهم. وانضم بعدئذ إلى قيصر الفيلق الثاني عشر من فيالقه عند بسينوم Picenum، والفيلق الثامن عند كورفنيوم Corfinium، ثم أنشأ ثلاثة فيالق جديدة من أسرى الحرب ومن المتطوعين ومن أهل البلاد؛ ولم يكن يلقي صعوبة في جمع الجنود لأن إيطاليا لم تكن قد نسيت بعد ما قاسته في الحرب الاجتماعية (88)، كانت ترى في قيصر البطل المدافع عن حقوق الإيطاليين. فكانت مدائنها تفتح أبوابها لاستقباله واحدة بعد أخرى، وكثيراً ما خرج سكان بعض هذه المدائن على بكرة أبيهم ليحيوه ويرحبوا به(28)، وقد كتب شيشرون في ذلك يقول: "إن المدن تحييه كأنه إله معبود"(29). وقاومت كورفنيوم مقاومة قصيرة الأجل، ثم استسلمت له ولم يسمح لجنوده أن ينهبوها، وأطلق سراح منه قبض عليهم من الضباط، وبعث إلى معسكر بمبي بكل ما تركه لبيينس Labienus من المال والعتاد. ولم يشأ أن يصادر ضياع من وقع في يده من الأعداء وإن كان في ذلك الوقت معدماً فقيراً لا يكاد يملك شيئاً من المال- وكانت هذه خطة حميدة يمتاز بها قيصر، كان من أثرها أن وقفت كثرة الطبقة الوسطى من الأهلين على الحياد. وأعلن في ذلك الوقت أنه سيعد كل المحايدين أصدقاء له وأنصاراً. وكان في كل خطوة يخطوها إلى الأمام يعرض عروضاً للصلح على أعدائه. من ذلك أنه أرسل إلى لنتولس Lentulus رسالة يرجوه فيها أن يستخدم ما يخلعه عليه منصب القنصل من نفوذ ليعيد السلم إلى البلاد، وعرض رسالة كتبها إلى شيشرون استعداده لاعتزال الحياة العامة وترك المجال إلى بمبي على شرط أن يسمح له بأن يعيش آمناً على حياته(30). وبذل شيشرون جهده في التوفيق بين القائدين، ولكن منطقه لم يجده نفعاً أمام تعسف الثورة ودعاواها المتعارضة(31).

ولما تقدم قيصر نحو العاصمة انسحب بمبي هو وجنوده منها وإن كانت جيوشه وقتئذ لا تزال أكثر من جيوش قيصر عدداً. وانسحب من ورائه في غير نظام عدد كبير من الأشراف تاركين وراءهم زوجاتهم وأبناءهم تحت رحمة قيصر. ورفض بمبي عروض الصلح جميعها، وأعلن أنه سيعدّ كل من لم يغادر رومه وينضم إلى معسكره عدواً له. ولكن الكثرة العظمى من أعضاء مجلس الشيوخ بقيت في رومه، وتذبذب شيشرون بين الفريقين، وكان يحتقر تردد بمبي وخور عزيمته، فقسم وقته بين ضياعه في الريف وسار بمبي إلى برنديزيوم وعبر بجنوده البحر الأدرياوي. وكان يعرف أن جيشه يعوزه النظام، وأنه في حاجة إلى كثير من التدريب قبل أن يستطيع الصمود في وجه فيالق قيصر، وكان يرجو أن يستطيع الأسطول الروماني الذي يسيطر هو عليه أن يجوع إيطاليا في هذه الأثناء ويدفعها إلى إبادة عدوه.

ودخل قيصر رومه في اليوم السادس عشر من مارس دون أن يلقى في دخولها أية مقاومة، ودخلها وهو مجرد من السلاح لأنه ترك جنوده في البلدان المجاورة لها؛ وأعلن حين دخولها العفو العام عن جميع أهلها، وأعاد إليها الإدارة البلدية والنظام الاجتماعي. ودعا التربيونان مجلس الشيوخ إلى الانعقاد وطلب إليه قيصر أن يعينه حاكماً بأمره (دكتاتوراً)، ولكن المجلس لم يجبه إلى طلبه، ثم عرض على المجلس أن يبعث رسلاً إلى بمبي ليفاوضوه في عقد الصلح فرفض ذلك أيضاً. فطلب المال من الخزانة العامة فوقف في سبيله التربيون لوسيوس متلس Lucius Metellus فلما قال قيصر إن النطق بعبارات التهديد أصعب عليه من تنفيذها خضع متلس. واستطاع من ذلك الوقت أن يكون حر التصرف في أموال الدولة، ولكنه كان نزيهاً كل النزاهة، فأودع في الخزانة العامة كل ما غنمه من الأموال في حروبه الأخيرة. ولما تم له ذلك عاد إلى جنوده واستعد لملاقاة الجيوش الثلاثة التي كان بمبي وأنصاره يعدونها في بلاد اليونان وأفريقيا وأسبانيا، وأراد أن يضمن لإيطاليا كفايتها من الحبوب التي تعتمد عليها في حياتها، فأرسل كوريو Curio المتهور العنيف ومعه فيلقان من جيشه ليستولي على صقلية، فلما نزل في الجزيرة سلمها إليه كاتو وانسحب منها إلى إفريقيا، فاندفع وراءه كوريو اندفاع رجيولوي Regulus، واشتبك معه في معركة لم يكن قد كمل استعداده هو لها، فهزم وقتل في ميدان القتال، ولم يندم عند وفاته على ما أصابه بل ندم أشد الندم على ما ألحقه من الأذى بقيصر.

وكان قيصر في هذه الأثناء قد سار على رأس جيش إلى أسبانيا وكان غرضه من هذا الزحف أن يضمن عودتها إلى تصدير الحبوب إلى إيطاليا، وأن يحول بينها وبين الهجوم على مؤخرته حين يزحف لملاقاة بمبي، وارتكب في إيطاليا كما ارتكب في غالة عدة أغلاط عسكرية فنية(32)، كانت عاقبتها أن تعرض جيشه- الذي كان أقل من جيش أعدائه عدداً- للهزيمة وللهلاك جوعاً. ولكنه أنجاه وأنجى نفسه، كمألوف عادته، بسرعة خاطره وشجاعته(33)، فقد حول مجرى أحد الأنهار واستحال الحصار الذي كان مضروباً عليه حصاراً على أعدائه، وظل صابراً زمناً طويلاً حتى يستسلم له الجيش المحاصر وإن كان جنوده قد ملوا الانتظار طويلاً يطالبون بالهجوم على العدو. ثم استسلم أنصار بمبي آخر الأمر وخضعت أسبانيا كلها إلى قيصر (أغسطس سنة 49). وعاد بعدئذ إلى إيطاليا براً، ولكنه وجد الطريق مغلقاً في وجهه عند مرسيليا، وقد وقف أمامه جيش يقوده لوسيوس دمتيوس Lucius Domitius وهو القائد الذي أسره في كورفنيوم ثم أطلق سراحه. واستولى قيصر على المدينة بعد أن حاصرها حصاراً شديداً، ثم أعاد تنظيم الإدارة في غالة، ولم يحل شهر ديسمبر حتى عاد ظافراً إلى رومه.

وقوت هذه الحملات مركزه السياسي، كما طمأنت البطون المتخوفة في العاصمة على كفايتها من الطعام، فلم يمانع مجلس الشيوخ وقتئذ في أن يعينه دكتاتوراً. ولكن قيصر تخلى عن هذا اللقب بعد أن اختير أحد القنصلين في عام 48 ق.م. ولما وجد أزمة النقد مستحكمة في إيطاليا، لأن اختزان النقود قد سبب انخفاض الأثمان، وأبى المدينون أن يؤدوا بالنقود الغالية ما استدانوه بالنقود الرخيصة- لما وجد هذا أصدر قراراً يهيج أداء الديون سلعاً بقدر أثمانها محكمون من قبل الحكومة كما كانت تقدر قبل الحرب. وكان يرى أن هذه "خير وسيلة للاحتفاظ بشرف المدينين ولتبديد أو تقليل الخوف الذي كان يساور البعض من أن تلغى هذه الديون إلغاء تاماً، وهو الإلغاء الذي يحتمل حدوثه في أعقاب الحروب"(34).

ومن الشواهد الدالة على بطئ سير الإصلاح في رومه قبل ذلك العهد أنه اضطر مرة أخرى أن يحرم استعباد المدين إذا لم يؤد دينه، وأنه أباح خصم الفوائد التي دفعت قبل ذلك الوقت من أصل الدين، وحدد سعر الفائدة بواحد في المائة كل شهر. وأرضت هذه الإجراءات معظم الدائنين لأنهم كانوا يخشون أن تصادر أموالهم، ولكنها أغضبت المتطرفين الذين كانوا يرجون أن يسير قيصر على خطة كاتلين فيلغى الديون كلها ويعيد توزيع الراضي على السكان. ووزع قيصر الحبوب على المعوزين وألغى جميع أحكام النفي ما عدا الحكم الصادر على ميلو، وعفا عن كل من يعود إلى البلاد من الأشراف. ولكن أحداً لم يحمد له اعتداله، ذلك أن المحافظين الذين عفا عنهم عادوا يأتمرون به ليقتلوه، وبينا كان يواجه بمبي في تساليا Thessaly تخلى عنه المتطرفون وانضموا إلى كئيليوس Caelius بعد أن وعدهم بإلغاء الديون إلغاء تاماً، وبمصادرة الأملاك الواسعة، وتوزيع الأراضي على الأهلين توزيعاً جديداً.

وفي أواخر عام 49 انضم قيصر إلى الجنود والى الأسطول اللذين جمعهما لصاره في برنديزيوم. وكان عبور جيش من الجيوش البحر الأدرياوي شتاء في تلك الأيام عملاً لم يسمع به من أحد قط. ولم يكن في استطاعة الاثنتي عشرة سفينة التي تحت تصرفه أن تقل من جنوده إلا ستين ألفاً في كل مرة، وكانت أساطيل بمبي التي تفوقها عدة وعدداً تغدو وتروح بين ثغور الشاطئ المقابل له والجزائر المجاورة لهذا الشاطئ. ولكن قيصر رغم هذا أقلع بجنوده، ونزل في إبيروس ومعه عشرون ألفاً منهم. غير أن سفنه تحطمت وهي عائدة إلى إيطاليا. ولم يعرف قيصر السبب الذي أخر بقية جيشه، فحاول أن يعبر البحر مرة أخرى في زورق صغير. وأخذ الملاحون يجدفون والموج يعاكسهم حتى كادوا يغرقون، ولكن قيصر لم تهن عزيمته رغم ما كان يحيط به من أهوال جسام، وأخذ يقوي قلوبهم بهذه العبارة التي لا يبعد أن تكون من نسج خيال المؤلف:

"لا تخافوا إنكم تحملون قيصر وحظه"(35)،

ولكن الريح والموج قذفا بالقارب إلى الشاطئ الذي بدأ منه، واضطر هو أن يعود من حيث أتى. وكان بمبي في هذه الأثناء قد استولى بأربعين ألفاً من رجاله على درشيوم Dyrrhachium ومخازنها الغنية، ولكنه عجز عن مهاجمة جيش قيصر الذي تناقص عدده وقلت مؤونته، وكان بمبي في تلك الأيام قد سمن وابتلى بالتردد وخور العزيمة. وبينا كان هو في تردده جمع ماركس أنطونيوس أسطولاً جديداً حمل عليه ما كان باقياً من جيش قيصر في إيطاليا.

وبذلك أصبح قيصر متأهباً للقتال، ولكنه ما زال يكره أن يقاتل الروماني رومانياً، فأرسل رسولاً إلى بمبي يعرض عليه أن يتخلى القائدان كلاهما عن قيادتهما، ولكن بمبي لم يرد عليه فهاجمه وأخفق في هجومه، غير أن بمبي عجز أن يتبع النصر بمطاردة عدوه. ثم قتل ضباط بمبي جميع من وقع في أسرهم من أعداءهم الضباط على الرغم من نصيحة قائدهم الأعلى، أما قيصر فلم يقتل أحداً من أسراه(37)، وهو عمل رفع من قوة جنوده المعنوية بقدر ما أضعف من قوة بمبي. وطلب رجال قيصر إلى قائدهم أن يعاقبهم على ما أظهروه من الجبن في حربهم الأولى ضد الفيالق الرومانية، فلو لم يجبهم إلى ما طلبوه توسلوا إليه أن يعود بهم إلى ساحة القتال، ولكنه رأى من الحكمة أن يرتد إلى تساليا ليستريحوا فيها بعض الوقت.

واستقر رأي بمبي وقتئذ على القرار الذي قضى على حياته. فقد أشار عليه أفرانيوس Afranius أن يعود إلى إيطاليا الخالية من وسائل الدفاع ويستولي عليها؛ ولكن معظم مستشاريه ألحوا عليه أن يطارد قيصر ويقضي عليه. وبالغ الأشراف الذين كانوا في معسكر بمبي فيما أحرزه من النصر في درهشيوم وظنوا أن القضية الكبرى قد فصل فيها في ذلك المكان. وهال شيشرون- وكان قد انضم إليهم آخر الأمر- أن يسمعهم يتنازعون فيما سيعود على كل منهم بعد أن يعودوا إلى ما كانوا فيه، وأن يرى ما يتقلبون فيه من الترف وهم في ميدان القتال، فقد كان الطعام يقدم لهم في صحاف من الفضة، وكانت خيامهم مفروشة بالطنافس الوثيرة تزينها الصور الرائعة وطاقات الزهر الجميلة.

وكتب شيشرون في ذلك يقول: "وكان البمبيون، ما عدا بمبي نفسه، يحاربون بوحشية شديدة، وينطقون في أحاديثهم بمبادئ القسوة، حتى كان الرعب يستولي عليَّ إذا ما فكرت في نصرهم... إنهم قوم ليس فيهم ما هو خير إلا قضيتهم.. لقد كانوا يفترضون أن يعدم أعداؤهم جملة لا أفراداً متفرقين.. وقدر لنتلس نفسه أن يستولي على بيت هورتنسيوس وعلى حدائق قيصر وباياني"(38). وكان بمبي نفسه أميل إلى التريث وعدم الاشتباك في معركة فاصلة، ولكنه اضطر إلى اعمل برأي مستشاريه لما أن عيروه بالجبن والخور، فأصدر أمره بالزحف.

ودارت رحى المعركة الفاصلة في فارسالس في اليوم التاسع من شهر أغسطس عام 48 ق.م، وكانت معركة طاحنة دام فيها القتال حتى نهايتها المريرة. وكان جيش بمبي يتألف من ثمانية وأربعين ألفاً من المشاة، وسبعة آلاف من الفرسان؛ أما جيش قيصر فلم يكن يزيد على اثنين وعشرين ألفاً من المشاة؛ وألف من الفرسان. ويقول أفلوطرخس تعليقاً على هذا الموقف. "وكان عدد قليل من أنبل رجال رومه يشاهدون المعركة عن كثب.. ويفكرون فيما صارت إليه الإمبراطورية بسبب المطامع الشخصية..لقد التقت في هذا المكان زهرة شباب المدينة الواحدة وعماد قوتها في صراع عنيف، وحسبنا هذا برهاناً قاطعاً على ما في الطبيعة البشرية من عمى وجنون إذا ما أثيرت شهواتها"(40).

لقد كان أقرب الأقارب، بل كان الأخوة أنفسهم، يقاتل بعضهم بعضاً في الجيشين المتعاديين. وقد أمر قيصر رجاله أن يبقوا على حياة كل من يستسلم من الرومان، أما الشباب الأرستقراطي ماركس بروتس فقد أمرهم قيصر أن يقبضوا عليه دون أن يصيبوه بأذى، فإذا لم يجدوا سبيلاً إلى هذا فليسمحوا له بالفرار(41). وروع البمبيون لتفوق أعدائهم القيادة، والتدريب، والقوة المعنوية. وقُتل منهم وجُرح خمسة عشر ألفاً، واستسلم عشرون ألفاً، وولى الباقون الأدبار. ونزع بمبي شارة القيادة عن رجاله وفر مع من فروا من رجاله. ويخبرنا قيصر أنه لم يفقد من رجاله إلا مائتين(42)- وهو قول يحملنا على الشك في كتبه كلها. وأخذ رجاله يتندرون بما في خيام أعدائهم من وسائل الزينة، وبما وجدوه فيها من الموائد المثقلة بالطعام الشهي الذي أعد لساعة الاحتفال بالنصر. وأكل قيصر عشاء بمبي في خيمة بمبي نفسه.

وسار بمبي على ظهر جواده الليل كله حتى وصل إلى لارسا Larissa، وركب منها سفينة أقلته إلى الإسكندرية، وعرج في طريقه على متليني Mytilene حيث انضمت إليه زوجته، وطلب إليه سكانها أن يقيم معهم، ولكنه رفض طلبهم في أدب ومجاملة، ونصحهم أن يستسلموا للفاتح في غير خوف لأن "قيصر" على حد قوله "رجل عامر القلب بالصلاح والرحمة"(43). وفر بروتس أيضاً إلى لارسا، ولكنه أطال المكث فيها ووجّه منها رسالة إلى قيصر. وأبدى القائد المنتصر أشد الاغتباط حين سمع أن بروتس، حي يرزق، وعفا عنه من فوره، كما عفا عن كاسيوس استجابة لرغبة بروتس. وكان كذلك ليناً في معاملة أمم الشرق التي أيدت بمبي مدفوعة إلى ذلك بمشيئة الطبقات العليا المسيطرة عليها. ووزع ما جمعه بمبي من الحبوب على سكان بلاد اليونان الجياع، ولما جاءه الأثينيون يطلبون إليه أن يعفو عنهم، أجابهم وعلى شفتيه ابتسامة اللوم بقوله: "إلى متى ينجيكم مجد آباءكم الأولين من موارد الهلاك التي توردونها أنفسكم؟"(44).

وأكبر الظن أن بعضهم قد حذر قيصر من أن بمبي يفكر في معاودة القتال معتمداً على جيش مصر ومواردها، وعلى القوة التي كان كاتو ولبينس Labienus ومتلس يعدونها في يتكا Utica. ولكن حدث بعد أن وصل بمبي إلى الإسكندرية أن أمر بوثينس Pothinus خصى الشاب بطليموس الثاني عشر ووزيره خدمة أن يقتلوه، ولعله فعل ما فعل رجاء أن يكافئه عليه قيصر. فقد طعن القائد طعنة نجلاء حين وطئت قدماه شاطئ مصر، بينا كانت زوجته تنظر إليه في هلع وهي على ظهر السفينة التي أقلتهما إلى تلك البلاد. فلما جاء قيصر أهدى إليه رجال بوثينس رأس القائد الذي فصل عن جسده، فولى وجهه عنهم في هلع، وأخذ يبكي من فرط تأثره بهذا الشاهد الجديد على أن الناس كلهم يلقون مصيراً واحداً، وإن اختلفت الوسائل المؤدية إلى هذا المصير. ونزل قيصر في قصر البطالمة الملكي وشرع ينظم شؤون تلم المملكة القديمة.


الفصل السابع: قيصر وكيلوبطرة

وأخذت مصر بعد وفاة بطليموس السادس (145) تسير مسرعة في طريق الاضمحلال وعجز ملوكها عن الاحتفاظ بنظامها الاجتماعي أو حريتها القومية؛ وأخذ مجلس الشيوخ الروماني يقوي فيها سلطانه ويملي عليها إرادته، بل إنه أقام حامية رومانية في الإسكندرية. وكانت مقاليد الحكم قد آلت بعد وفاة بطليموس الحادي عشر الذي أجلسه بمبي وجابنيوس على العرش إلى أبنه بطليموس الثاني عشر وابنته كيلوبطرة، وذلك لأن والدهما قد أوصى قبل وفاته أن يرثا الملك من بعده، وأن يتزوج الأخ أخته ويشتركا في حكم البلاد معاً.

وكانت كليوبطرة من أصل يوناني مقدوني، وأكبر الظن أنها كانت أقرب إلى الشقرة منها إلى السمرة(45). ولم تكن بارعة الجمال ولكن قوامها الرشيق المعتدل. وخفة روحها، وتنوع ثقافتها"، ودماثة خلقها، وحسن صوتها، مضافة إلى مقامها الملكي قد جعلتها فتنة لكل من رآها تسلبه لبه وإن كان قائداً رومانياً. وكانت على علم بتاريخ اليونان وآدابهم وفلسفتهم، تجيد الحديث باللغات اليونانية والمصرية والسورية، ويقال إنها كانت تتقن لغات أخرى غير هذه. وقد جمعت إلى فتنة أسبازيا الذهنية فتنة المرأة المتحللة إلى أقصى حد من القيود الخلقية. ويقال إنها ألفت رسالة في مستحضرات التجميل، وأخرى في المقاييس والموازين والنقود المصرية، وموضوع الرسالة الثانية موضوع مغر جذاب(46). وكانت إلى هذا حاكمة قديرة وإدارية ماهرة، نجحت في نشر التجارة المصرية، وارتقت على يديها الصناعة؛ وكانت تجيد تدبير الشؤون المالية حتى في الوقت الذي كانت تنصب فيه شراك الحب. وقد جمعت إلى هذه الصفات شهوة جسدية قوية، ووحشية عنيفة تصب على أعدائها العذاب والموت صباً، ومطامع سياسية بعيدة، تحلم ببناء إمبراطورية واسعة، ولا تحترم في سبيل الوصول إلى غايتها قانوناً إلا قانون النجاح. ولو أنها لم يجر في عروقها دم البطالمة المتأخرين الداعرين لكان من الجائز أن تحقق غرضها وتصبح ملكة تحكم دولة واسعة الرقعة تضم بلاد البحر الأبيض المتوسط. وكانت تدرك أن مصر لم تعد قادرة على البقاء مستقلة عن الدولة الرومانية، ولم تر ما يمنعها أن تكون هي المسيطرة على الدولة المتحدة.

وقد استاء قيصر حين عرف أن بوثينس نفى كيلوبطرة، ونصب نفسه نائباً عن بطليموس الشاب يحكم باسمه، ولذلك أرسل إليها سراً، وجاءته سراً وقد احتالت على الوصول إليه بأن أخفت نفسها في فراش حمله تابعها أبولودورس Apollodorus إلى مسكن قيصر. وذهل القائد الروماني حين رآها، وأسرته بشجاعتها وسرعة بديهتها، وهو الذي لم يدع انتصاراته في ميدان القتال تربى على انتصاراته في ميادين الحب. ووفق بينها وبين بطليموس وأجلسها هي وأخاها على عرش مصر كما كانا من قبل. وعرف قيصر من أخيه أن بوثينس هو والقائد المصري أخلاس Achillas كانا يأتمران به ليقتلاه ويبيدا القوة العسكرية الصغيرة التي جاءت معه إلى مصر، فدبر في الخفاء اغتيال بوثينس، وفر أخلاس، واتصل بالجيش المصري، وحرضه على الثورة. وسرعان ما امتلأت الإسكندرية بالجنود ينادون بالويل والثبور لقيصر، ويحرض ضباط الحامية الرومانية التي وضعها مجلس الشيوخ في تلك المدينة على الانضمام إلى الجيش الثائر ضد هذا الدخيل الخائن الذي سولت له نفسه أن يقرر وراثة عرش البطالمة، وأن يعمل على أن يولد من صلبه من يرث هذا العرش في المستقبل.

وعمل قيصر في هذا الظرف الحرج ما كانت تسعفه حيلته، فأحال القصر الملكي والملهى المجاور له إلى قلعتين تحصن فيهما هو ورجاله. ثم أرسل يطلب المدد من آسيا الصغرى وسوريا ورودس. ولما أدرك أن أسطوله الضعيف الذي لم يكن فيه من يحميه لن يلبث أن يقع في يد أعدائه، أمر به فحرق والتهمت النار جزءاً من مكتبة الإسكندرية لا نعرفه على وجه التحديد. ورأى أن لابد له من الاستيلاء على جزيرة فاروس لأنها هي المدخل الذي يمكن أن يصل إليه منه المدد المنتظر، فهاجمها هجوم اليائس، واستولى عليها، ثم جلا عنها، ثم عاد فاستولى عليها. وحدث في إحدى هذه المعارك أن اضطر إلى السباحة في البحر لينجو من الموت بعد أن صوبت إليه عاصفة من السهام، وذلك حين قذف المصريون به وبأربعمائة من رجاله إلى البحر بعيداً عن الحاجز الذي كان يصل الجزيرة بأرض المدينة. وظن بطليموس الثاني عشر أن الثوار قد حالفهم النصر، فخرج من القصر وانضم إليهم واختفى من التاريخ. ولما جاء المدد إلى قيصر هزم به المصريين وحامية مجلس الشيوخ في معركة النيل، وكافأ كليوبطرة على إخلاصها له في هذه الأزمة بأن عين أخاها الأصغر بطليموس الثالث عشر ملكاً معها على مصر، فجعلها بذلك حاكمة البلاد الحقيقية.

ويصعب علينا أن ندرك السر في بقاء قيصر تسعة أشهر في الإسكندرية، والجيوش تجيش لقتاله في يتكا Utica، ورومه في أشد الحاجة إلى يده الصناع، لأن كئيليوس Caelius وميلو ينفخان فيها نار الثورة عليه. فلعله كان يحس بأنه جدير ببعض الراحة واللهو بعد حروب دامت عشر سنين؛ وفي هذا يقول سيوتونيوس Suetonius إنه كثيراً ما كان يقضي الليل كله حتى مطلع الفجر يلهو مع كيلوبطرة، وكان بوده أن يسير معها في قاربها من أقصى مصر إلى أقصاها حتى يصلا إلى بلاد الحبشة لولا أن هدده جنوده بالخروج عليه" (47)، لأن كل واحد منهم لم يجد له فتاة لعوباً. أو لعل شهامته قد أجبرته على أن ينتظر حتى تفيق كيلوبطرة من آلام الوضع، فقد وضعت طفلاً في عام 47 ق.م سمي قيصريون Caesarion، ويقول ماركس أنطونيوس إن قيصر اعترف بأنه ولده(48). ولا يبعد أن تكون قد أسرت إليه تلك الفكرة الجميلة فكرة أن يكون ملكاً ويتزوجها فيجتمع بذلك عالم البحر الأبيض المتوسط تحت فراش واحد.

ذلك كله ظن وهو إلى ذلك إثم؛ فليس ثمة ما يؤده إلا ما نستخلصه من الشواهد والقرائن المفصلة. وما من شك في أنه عاد إلى نشاطه حين عرف أن فرناسس Pharnaces بن مثرداتس قد استولى مرة أخرى على بنتس Pontus وأرمينيا الصغرى، وأنه أخذ يدعو بلاد الشرق إلى الثورة من جديد على رومه المنقسمة على نفسها. ووضحت في ذلك الوقت حكمته في "تهدئة" أسبانيا وغالة قبل لقائه بمبي؛ فلو أن الغرب ثار عليه وقت أن ثار الشرق لكان من المرجح أن تتصدع أركان الدولة وأن يزحف "البرابرة" نحو الجنوب، وألا تشهد رومه قط عصر أغسطس. لكن قيصر حال دون ذلك كله؛ فقد بدأ بإصلاح أمر فيالقه الثلاثة، ثم غادر مصر في شهر يونية من عام 47 ق.م، وسار بسرعته المعتادة على طول شواطئ مصر وسوريا وآسيا الصغرى إلى بلاد بنتس وهزم فرناسس في واقعة زيلا Ziela (2 أغسطس)، وبعث من ميدان القتال إلى صديق لع بهذا الخبر القصير البليغ: "جئت، ورأيت، وهزمت" vein, vidi, vici(49). وقابله شيشرون عند تارنيم (26 سبتمبر)، وطلب إليه أن يعفو عنه وعن غيره من المحافظين، فأجابه إلى ما طلب وأظهر له الرضا والود، وهاله بعد أن عاد إلى رومه أن الحرب الأهلية قد استحالت في العشرين شهراً التي قضاها بعيداً عنها إلى ثورة اجتماعية، وأن دلابلا Dolabella زوج ابنة شيشرون انضم بقوته إلى كئيليوس وعرض على الجمعية مشروع قانون بإلغاء جميع الديون، وأن أنطونيوس أطلق جنوده على صعاليك دلابلا المسلحين، وأن ثمانمائة من الرومان قتلوا في السوق العامة. وكان كئيليوس قد استخدم سلطته وهو بريتور Praetor فأعاد ميلو إلى رومه، ونظما معاً جيشاً في جنوبي إيطاليا، وطلبا إلى الأرقاء أن ينضموا إليهما في ثورة جائحة على النظام القائم. ولم يلقيا في هذه الثورة إلا قليلاً من النجاح، ولكن روح الثورة كانت قد أشربت بها جميع النفوس، فكان المتطرفون في رومه يحتفلون بذكرى كاتلين وينثرون الأزهار مرة أخرى على قبره. وكان جيش بمبي في إفريقيا قد ازداد عدده حتى أضحى في قوة الجيش الذي هزم في فرسالس. وكان سكستس Sextus بن بمبي قد أنشأ في أسبانيا جيشاً جديداً، وتعرضت إيطاليا مرة أخرى لخطر انقطاع الحبوب عنها. تلك هي الأحوال التي كانت قائمة في شهر أكتوبر من عام 47 حين عاد قيصر إلى رومه والى زوجته كلبيرنيا calpurnia ومعه كيلوبطرة وأخوها- زوجها الغلام وقيصرون.

وشرع في الأشهر القليلة التي أتيحت له بين الحروب يعيد النظام إلى رومه.ولما عين حاكماً بأمره من جديد استرضى المتطرفين إلى حين بإلغاء القانون الأخير من قوانين صادرة، وألغي في رومه كل ما قل عن ألفي سسترس من أجر الأراضي. وحاول في الوقت نفسه أن يهدئ مخاوف المحافظين فعين ماركس بروتس حاكماً على بلاد غالة الجنوبية. وأكد لشيشرون وأتكس أنه لن يثير حرباً على نظام الملكية، وأمر بإعادة تماثيل صلا التي حطمها الرعاع. ولما وجه أفكاره نحو بمبي وأنصاره ساءه وثبط من همته أن يسمع أن أكثر جنوده ولاء له قد ثاروا عليه، لأنهم لم يتسلموا مرتباتهم من زمن بعيد وأنهم يرفضون الإنجاز إلى أفريقيا. وكانت خزائن الدولة وقتئذ خاوية أو شبه خاوية، فجمع ما يحتاجه من المال بمصادرة أموال الأشراف الذين خرجوا عليه وبيعها. ولما سئل في ذلك قال غنه قد تعلم أن الجند يعتمدون على المال، وان المال يعتمد على القوة، والقوة تعتمد على الجند. ثم ظهر فجاءة بين الجنود المتمردين، وجمعهم حوله وقال لهم في هدوء إنه قد سرحهم، وإن في مقدورهم أن يعودوا إلى منازلهم، وإنه سيؤدي إليهم كل ما تأخر من رواتبهم بعد أن يتم له النصر في أفريقيا على يد "غيرهم من الجنود". ويقول أبيان إنهم "لما سمعوا هذا القول استولى عليهم الخجل جميعاً لأنهم تخلوا عن قائدهم في الساعة التي يحيط به العدو من كل جانب.. فصاحوا بأنهم نادمون على خروجهم عليه، وتوسلوا إليه أن يحتفظ بعم في خدمته"(51) فأجابهم إلى ما طلبوا في إباء ساحر، وأبحر بهم إلى أفريقيا.

والتقى في اليوم السادس من شهر إبريل سنة 46 ق.م بقوى متلس سبيو Metellus Scipio في ثبسوس ولبينس Labienus وجوبا الأول Juba 1 ملك نوميديا مجتمعة. وخسر المعركة الأولى في هذه المرة أيضاً، ولكنه فعل ما فعله من قبل، فأعاد تنظيم صفوفه وهجم بها على عدوه وانتصر عليه. ولامه جنوده المتعطشون للدماء على ما أظهره من رأفة بأعدائه في فرسالس، واعتقدوا أنه لولا هذه الرحمة لما اضطروا إلى قتال هؤلاء الأعداء مرة أخرى، ولذلك قتلوا من جنود بمبي الثمانين ألفاً نحو عشرة آلاف ولم تأخذهم بهم رأفة، لأنهم لم يريدوا أن يلتقوا بهؤلاء الجنود مرة أخرى في ميدان القتال. وانتحر وفر سبيو ومات في مناوشة بحرية، وهرب كاتو ومعه سرية من جنوده إلى بُتِكا.

ولما اقتفى أثره وأراد الضباط أن يصدوه عن المدينة، أقنعهم كاتو بأنه لا جدوى من عملهم هذا، وأعد المال لمن أرادوا القتال، ولكنه أشار على ابنه بالاستسلام لقيصر. أما هو نفسه فقد رفض كلتا الخطتين، وقضى السهرة في بحوث فلسفية. ثم آوى إلى حجرة نومه، وقضى شطراً من الليل يقرأ فيدون Phaedo لأفلاطون. وأيقن أصدقاؤه أنه سيقتل نفسه فأخذوا سيفه من جانبه. فلما غفلت أعينهم أمر خادمه أن يأتيه بالسيف، وتظاهر بالنوم ساعة من الليل، ثم قام وأمسك بسيفه وبقر به بطنه؛ وهرول إليه أصدقاؤه، وأعاد الطبيب أحشاءه إلى بطنه، وخاط الجرح، وضمده، ولكنهم لم يكادوا يخرجون من الحجرة حتى رفع كاتو الضمادات عن الجرح وأعاد فتحه وأخرج منه أحشاءه، وقضى نحبه.

ولما جاء قيصر كان أشد ما أحزنه أن لم تتح له الفرصة للعفو عن كاتو، وأن كل ما يستطيع أن يفعله عن ولده. وشيع أهل يُتِكا الرواقي المنتحر في مشهد حافل كأنهم يعرفون أنهم يدفنون معه جمهورية كادت تبلغ من العمر خمسة قرون.


الفصل الثامن: قيصر الحاكم

عاد قيصر إلى رومه في خريف عام 46 بعد أن نصب سلست والياً على نوميديا، وأعاد تنظيم ولايات أفريقيا. وأوجس مجلس الشيوخ خيفة من هذه العودة، وأدرك أن البلاد مقبلة على الحكم الملكي المطلق، فاختاره حاكماً بأمره مدة عشر سنوات. واحتفلت رومه بعودته احتفالاً لم تشهد له مثيلاً من قبل، وكافا قيصر كل جندي من جنوده بخمسة آلاف درخمة أتيكية (حوالي ثلاثة آلاف ريال أمريكي)، أي أكثر كثيراً مما كان قد وعدهم به، وأولم وليمة كبرى للمواطنين الرومان احتوت على اثنين وعشرين ألف مائدة. وأعد لتسليتهم معركة بحرية صورية، اشترك فيها عشرة آلاف رجل. ثم غادر رومه إلى أسبانيا في أوائل عام 45 وهزم آخر جيش من جيوش بمبي عند مندا Munda. ولما عاد إلى رومه في شهر أكتوبر وجد إيطاليا كلها تسودها الفوضى. ذلك أن الحكم الألجركي الفاسد، والثورات التي دامت مائة عام كاملة، قد أشاعا الاضطراب والفوضى في الأعمال الزراعية والصناعية والمالية والتجارية. أضف إلى هذا أن استنزاف موارد الولايات، وحبس رؤوس الأموال، وزعزعة أركان الاستثمار، أدت كلها إلى اضطراب سوق المال. هذا إلى أن آلاف الضياع قد حل بها الخراب، لأم مائة ألف من الرجال سيقوا من الأعمال المنتجة إلى ميادين القتال، وأن آلافاً مؤلفة من الزراع أرغمتهم منافسة الحبوب المستوردة من خارج البلاد أو التي تنتجها الضياع الكبرى التي يعمل فيها العبيد على الانضمام إلى صعاليك المدن والاستماع وبطونهم خاوية إلى الوعود التي يمنيهم بها الزعماء المهرجون. وأخذ من أبقت عليهم رحمة قيصر من الأشراف يأتمرون به في قصورهم ونواديهم، ولما أن طلب إليهم في مجلس الشيوخ أن يعترفوا بضرورة الدكتاتورية ويعانوه على أن يعيد النظام إلى البلاد ويأسو جراحها، سخروا مما يعرضه عليهم هذا المغتصب وبسطوا ألسنتهم في استضافته لكيلوبطرة في رومه، وأخذوا يشيعون سراً أنه يعيد العدة ليكون ملكاً، ولينقل عاصمة الدولة إلى الإسكندرية أو إلى إليوم llium. ومن أجل ذلك شرع قيصر، وقد أدركته الشيخوخة ولما يتجاوز بعد الخامسة والخمسين من عمره، ويعمل بهمة الرومان الأصيل ليحيي موات الدولة الرومانية. وكان يعلم أن انتصاراته لن تكون لها قيمة إن لم يكن في مقدوره أن يشيد في مكان الحطام التي أزلها صرحاً أحسن منها وأثبت دعامة. ولما أن مد أجل دكتاتوريته في عام 44 من عشر سنين إلى دكتاتورية تدوم مدى الحياة لم ير فرقاً كبيراً بين الحالين، وإن لم يكن قد أدرك في ذلك الوقت أن أجله لن يطول أكثر من خمسة شهور. وأخذ مجلس الشيوخ يتملقه وحباه بكل ما يستطيع من ألقاب التعظيم، ولعله كان يهدف بذلك إلى أن يشيع كراهيته في قلوب الشعب الذي كان يبغض الملكية ولا يطيق حتى اسم الملك. وأجاز له المجلس أن يلبس إكليل الغار الذي كان يوارى به صلعته، وأن يحمل حتى في وقت السلم رمز سلطات الإمبراطور imperator. وبفضل هذه السلطات كان يسيطر على خزائن المال، كما كان منصب الحبر الأكبر Pontifex Maximus يمكن من السيطرة على الشؤون الدينية في البلاد، وكان له، بوصفه قنصلاً، أن يقترح القوانين وينفذها، وبوصفه تربيوناً كانت ذاته مصونة لا تمس، وبوصفه رقيباً كان له أن يعيّن أعضاء مجلس الشيوخ ويسقطهم. واحتفظت الجمعيات بحقها في الاقتراع على القوانين المعروضة عليها، ولكن دلابلا وأنطونيوس رجلي قيصر كانا يسيطران عليها، وكانت توافق عادة على سياسته. وكان هو من ناحيته يجتهد في أن يقيم دكتاتورية على محبة الشعب له ورضائهم عنه شأنه في هذا شأن غيره من الطغاة الحاكمين.

وأنزل مجلس الشيوخ حتى صار أشبه شيء بمجلس استشاري له، ورفع عدد أعضائه من ستمائة عضو إلى تسعمائة، وكان يجدده على الدوام باستبدال أربعمائة عضو جديد بمثل عددهم من أعضائه السابقين. وكان كثيرون من هؤلاء الأعضاء الجدد من رجال العمال، وكثيرون منهم من المواطنين البارزين في المدن الإيطالية أو مدن الولايات الرومانية، ومنهم من كانوا من أعضاء المئين أو الجنود أو أبناء العبيد. وارتاع الأشراف حين رأوا زعماء غالة المغلوبة يدخلون مجلس الشيوخ وينضمون إلى حكام الإمبراطورية، بل عن الماجنين من أهل العاصمة قد ساءهم هذا التصرف ونشروا في طول المدينة وعرضها مقطوعة شعرية يقولون فيها "إن قيصر يقود الغاليين في موكب نصره، ثم يدخلهم مجلس الشيوخ؛ لقد خلع الغاليون سراويلهم القصيرة ولبسوا المئزر العريض الأطراف" الذي يلبسه الشيوخ(52).

ولعل قيصر قد تعمد أن يجعل المجلس الجديد هيئة ضخمة عاجزة عن المداولة الجدية المنتجة أو المقاومة الموحدة. ولذلك اختار طائفة من أصدقائه هم بلبس balbus، وأبيوس Oppius، وماتيوس Matius وغيرهم، ليتخذ منهم وزراء له غير رسميين ينفذون سياسته؛ وأدخل النظام البيروقراطي في الدولة بأن وضع الشؤون الكتابية في دولاب الحكومة ودقائق الأعمال الإدارية في أيدي من كان في بيته من المحررين والرقيق. وسمح للجمعية أن تختار نصف كبار الحكام في المدينة، واختار هو النصف الباقي بطريق التوصية، وكانت الجمعية تأخذ بهذه التوصيات على الدوام. وكان من حقه، بوصفه تربيوناً، أن يعترض على قرارات غيره من التربيونين والقناصل ويبطلها، ورفع عدد البريتورين Praetors إلى ستة عشر، والكوسترين Quaestor إلى أربعين لينجز بذلك أعمال البلدية والأعمال القضائية، وراقب بنفسه شؤون المدينة كلها على اختلاف أنواعها، وقضى عل كل ما كان فيها من عجز وفساد وإتلاف، ونص في جميع العهود التي منحها للمدينة على الأوامر الصريحة والعقوبات الشديدة التي يتعرض لها كل من يحاول إفساد الانتخابات أو الوظائف العامة. وأراد أن يقضي على السنة القديمة سنة السيطرة على الشؤون السياسية بابتياع أصوات الناخبين جملة. ولعله أراد أيضاً أن يحصن نفسه من ثورة الرعاع. فألغى الاتحادات والنقابات ولم يبق منها إلا ما كان ذا أصل قديم، وإلا الجماعات اليهودية ذات الأغراض الدينية الخالصة. وقصر وظائف المحلفين على الطبقتين العليين واحتفظ لنفسه بحق النظر في أهم القضايا وأخطرها شأناً، وكثيراً ما كان يجلس للقضاء بنفسه. وليس ثمة من ينكر ما تتصف به أحكامه من حكمة ونزاهة. وقد اقترح على المشترعين في أيام أن يجمعوا القوانين الرومانية المعمول بها وقتئذ في كتاب واحد منظم، ولكن موته العاجل حال دون إتمام هذا المشروع.

ثم سار على خطة ابني جراكس، فوزع الأرض على جنوده القدامى وعلى الفقراء، وسار أغسطس نفسه على هذه السياسة، فهدأت الاضطرابات بين الزراع كثيراً من السنين. وأراد أن يمنع عودة الملكية الزراعية إلى التركز فحرم بيع الراضي الجديدة قبل مضي عشرين عاماً، كما أمر أن يكون ثلث العمال في المزارع من الأحرار، وذلك لكي يحول دون استغلال الأراضي كلها على أيدي الأرقاء. وكان من قبل قد أنقص عدد الرعاع المتعطلين في المدينة بمن جنده منهم في الجيش، وبإقطاعهم الأرض الزراعية بعد تسريحهم. ثم أنقص عددهم مرة أخرى بأن أرسل ثمانين ألفاً من المواطنين ليستعمروا قرطاجنة وكورنثة وأشبيلية وأرليس وغيرهما من المراكز. ولم يكتف بهذا بل أراد أن يضمن العمل للباقين من المتعطلين فوضع برنامجاً ضخماً للبناء رصد له 160.000.000 سسترس. من ذلك أنه أمر بإنشاء بناء جديد في ميدان المريخ لاجتماع الجمعيات، وإضافة مبنى جديد للسوق العامة يدعى سوق أبوليوم لتخفيف الزحام عن السوق القديمة. ثم جمل كثيراً من المدن في إيطاليا وأسبانيا وغالة وبلاد اليونان. وبعد أن خفف أعباء الفقر بهذه الوسائل أراد أن يعرف أثرها في الناس، فطلب إلى من شاء الفقراء أن يتقدم إلى الدولة بالحصول على إعانات من الحبوب، فوجد أن عدد الطالبين قد نقص على الفور من 32.000 إلى 150.000.

وقد ظل حتى ذلك الوقت نصيراً للعامة، يهدف إلى إسعادهم في جميع ما وضعه من المشروعات. ولكنه كان يعلم أن الثورة الرومانية ثروة زراعية أكثر منها صناعية، وأنها موجهة في الغالب إلى طبقة الأشراف التي تسخر لخدمتها الأرقاء، ثم إلى المرابين، وأنها لم يوجه إلا القليل منها لرجال الأعمال. فواصل خطة ابني جراكس الزراعية، ودعا رجال الأعمال إلى تأييد الثورة الزراعية والمالية.

وكان شيشرون قد حاول أن يعقد حلفاً بين الطبقات الوسطى والأشراف، أما قيصر فحاول أن يؤلف بين أولئك وبين العامة، وأمده بالمال كثيرون من الممولين على اختلاف درجاتهم من كراسس إلى بلبس، كما أمد الكثيرون من أمثالهم بالمال للثورتين الأمريكية والفرنسية. ولكن قيصر رغم هذه المعونة قضى على مصدر من أكبر مصادر الاستغلال المالي والربح غير المشرع- وهو جباية الضرائب في الولايات على أيدي جماعات الملتزمين. ثم خفض الديون بدرجات متفاوتة، وسن قوانين صارمة لتحريم الربا الفاحش. وأسعف العاجزين عجزاً شديداً عن الوفاء بديونهم بوضع قانون للإفلاس لا يختلف في جوهره عن القانون المعمول به في هذه الأيام. وأعاد إلى العملة استقرارها بجعل الذهب أساساً لها، وبصك قطعة ذهبية تدعى أوريوس Aureus كانت تساوي في قوتها الشرائية الجنيه الإسترليني في القرن التاسع عشر، وكانت صورته تطبع على النقود الحكومية وتزيين برسوم لم تعرفها رومه من قبل.

وقد نظمت الإدارة المشرفة على مالية الدولة تنظيماً جديداً، وطمعت بكفايات جديدة كانت نتيجتها أن وجد في خزائنها حين قتل قيصر 700.000.000 سسترس، وفي خزينته الخاصة 100.000.000.

وأراد أن يقيم نظام الضرائب والإرادة على أساس علمي سليم، فأجري إحصاء عاماً في إيطاليا وأعد العدة لإحصاء عام مثله في سائر أنحاء الإمبراطورية، ثم أراد أن يعوض النقص الكبير الذي أحدثته الحروب في عدد المواطنين الرومان، فتوسع إلى أقصى حد في منح حق المواطنية الرومانية- وكان ممن شملهم هذا الحق الأطباق والمعلمون في رومه. وكان النقص المطرد في المواليد قد أقض من قبل مضجعه، فقرر في عام 59 ق.م أن تكون الأولوية في امتلاك الأراضي التي توزعها الحكومة لآباء الثلاثة الأبناء. والآن قرر منح مكافآت للأسر الكبيرة، وحرم على من ليست لهن أبناء من النساء أن يركبن المحفات أو يتحلين بالجواهر- وكان هذا التشريع أضعف تشريعاته كلها وأقلها نفعاً. وظل قيصر كما كان رجلاً لا أدريا وإن لم يكن عقله بعيداً كل البعد عن الخرافات(53). ولكنه بقي الرئيس الأعلى لدين الدولة ولم يبخل على هذا الدين بما يحتاجه من الأموال، فأعاد بناء الهياكل القديمة وأنشأ هياكل أخرى جديدة. وكانت فينوس أمه الحنون تلقى منه أعظم ضروب التكريم، لكنه مع هذا كان يطلق للناس كامل الحرية في الفكر والعبادة، وألغى ما كان قد صدر من الأوامر بتحريم عبادة إيزيس، ومنع التعرض لليهود في ممارسة شعائر دينهم. ولما رأى أن تقويم الكهنة لم يعد يتفق مطلقاً مع فصول السنة أمر سوسجينس Sosigenes العالم اليوناني الإسكندري السنة من ذلك الحين تشتمل على 365 يوماً، يضاف إليها يوم في آخر شهر فبراير كل أربع سنين. وأخذ شيشرون يشكو من هذا التغيير ويقول إن قيصر لم يقنع بحكم الأرض فتطاول إن تنظيم النجوم والتحكم في شؤونها، ولكن مجلس الشيوخ قبل هذا الإصلاح أحسن قبول، وأطلق اسم يوليوس وهو اسم أسرة قيصر على شهر كونكتيلس Quinctilis (الشهر الخامس) وكان هذا الشهر هو الشهر الخامس حين كان شهر مارس بداية العام. ولك تكن الأعمال التي شرع فيها قيصر أو فكر فيها ووقفت بسبب قتله أقل شأناً من الأعمال التي تمت فعلاً. ومن هذه الأعمال الأولى أنه وضع أساس ملهى عظيم، ومعبد للمريخ يتفق وما عرف عن هذا الإله من شره ونهم، وعين فارو على رأس هيئة تعمل لإنشاء دور كتب عامة. وعمل على إنقاذ رومه من وطأة الملاريا بتجفيف بحيرة فوسينس Fucinus ومنافع بنتين Pontine، واستصلاح الأراضي المجففة وزرعها. وأشار ببناء جسور حول التيبر ليمنع طغيان مياهه على الأراضي المجاورة له، واقترح تحويل مجرى هذا النهر لإصلاح ميناء أستيا Ostia الذي كان غرين النهر يسده من آن إلى آن. وأمر مهندسيه بأن يعدوا مشروعاً يرمي إلى إنشاء طريق يخترق وسط إيطاليا من الشرق إلى الغرب والى حفر قناة في برزح كورنثة Corinth.

وكان أشد ما أغضب أهل رومه من أعماله أن منح أحرار الإيطاليين كلهم ما لأهل رومه نفسها من حقوق، وأهن سوي بين الولايات وبين إيطاليا. ذلك أنه منح حق الانتخاب لأهل غالة الجنوبية في عام 49، ثم وضع في عام 44 ميثاقاً يدل ظاهرة على أنه لجميع مدن إيطاليا وانه يسوي بين هذه المدن وبين رومه، ولكن أكبر الظن أنه كان يفكر في إقامة حكومة نيابية من نوع ما تجعل لهذه المدن نصيباً ديمقراطياً في حكومته الملكية(55). ثم انتزع حق تعيين الولاة من مجلس الشيوخ المرتشي الفاسد، ورشح هو لهذه المناصب رجالاً عرفوا بالمقدرة والكفاية، وجعلهم في كل آن عرضة للعزل بأمر منه وحده، وخفض الضرائب في الولايات إلى ثلثي ما كانت عليه، وعهد جبايتها إلى موظفين مسؤولين أمامه. ولم يأبه باللعنات القديمة التي كانت تصب على من يعيد بناء كبوا وقرطاجنة وكورونثة؛ وأتم في هذه الناحية أيضاً ما شرع فيه ولدا جراكس، وأعطى حقوق الرومان أو اللاتين للمستعمرين الذين أرسلهم لإنشاء عشرات المدن الممتدة من جبل طارق إلى البحر السود، أو لتعمير ما كان قائماً منها من قبل. ولا جدال في أنه كان يريد أن يمنح حق المواطنية الرومانية لجميع الذكور الراشدين في الإمبراطورية كلها، وبذلك لا يكون مجلس الشيوخ ممثلاً لطبقة واحدة في رومه بل يكون ممثلاً لعقلية الولايات جميعها وإرادتها. وهذه الفكرة التي سيطرت على عقل قيصر فيما يجب أن يكون عليه نظام الحكم، مضافة إلى تنظيمه الجديد لرومه وإيطاليا، تكمل في رأينا تلك المعجزة المنقطعة النظير- المعجزة التي جعلت من الشاب المتلاف العربيد رجلاً من أقدر رجال السياسة المشؤومة في جميع العصور وأعظمهم شجاعة وعدلاً واستنارة.

وكان قيصر كالإسكندر لا يعرف أين تقف جهوده وإصلاحاته؛ فلما أن رسم في ذهنه صورة لدولته في نظامها الجديد ساءه أن يجدها معرضة للغزو عند أنهار الفرات والدنواب والرين، فأخذ يفكر في إرسال حملة عظيمة لإخضاع بارثيا والأخذ بثأر كراسس الذي أمده بالمال في أزماته، وفي الزحف حول البحر الأسود لتهدئة سكوذيا Scythia، وفي ارتياد نهر الدانوب وفتح ألمانيا(16). حتى إذا ما أمن الإمبراطورية على هذا النحو عاد إلى رومه مثقلاً بالمجد والمغانم، ومعه من المال ما يستطيع به أن يقضي على الكساد الاقتصادي في البلاد، وله من القوة والجاه ما يستطيع به أن يغض الطرف عن كل معارضة؛ ومن الحرية ما يمكنا من أن يعين من يخلفه، وأن يموت بعد أن يورث العالم "السلم الرومانية" Pax Romana، وهي أعظم تراث يستطيع أن يورثه إياه.


الفصل التاسع: بروتس

ولما تسربت أنباء هذه الخطة إلى رومه رحب بعها العامة الذين يحبون المجد، وتلمظ لها رجال الأعمال ذ شموا فيها رائحة الحرب، وتصوروا المطالب تنهال عليهم لصنع العتاد، وتصوروا الولايات تنهب وتتكدس في خزائنهم الأموال. أما الأشراف فرأوا الفناء يحل بهم عند عودة قيصر، ولذلك عقدوا النية على قتله قبل أن يغادر البلاد.

وكان قيصر قد عامل هؤلاء الأشراف معاملة كريمة أطلقت لسان شيشرون بالثناء عليه. وكان قد عفا عن كل من استسلم له من أعدائه، ولم يحكم بالإعدام إلا على عدد قليل من الضباط الذين خانوا عهده فحاربوه بعد أن هزمهم وعفا عنهم. وكان قد أحرق كل الرسائل التي عثر عليها في خيمة بمبي وسبيو من غير أن يقرأها، وأرسل ابنة بمبي وأحفاده الأسرى إلى سكتس ابن بمبي، وكان لا يزال في حرب معه، وأصلح تمثال بمبي وأقامه في موضعه بعد أن طرحه أتباعه على الأرض؛ وعين بروتس وكاسيوس واليين على اثنتين من الولايات، كما عين غيرهما من الأشراف في بعض المناصب العليا، وصبر على كثير من الأذى والمثالب دون أن يشكو أو يتذمر، ولم يتخذ شيئاً من الإجراءات ضد من كان يظن أنهم يأتمرون به ليقتلوه. أما شيشرون الذي طالما لبس لكل حالة لبوسها، وأدار شراعه لكل ريح، فإن قيصر لم يكتف بالعفو عنه بل كرمه ولم يبخل عليه بشيء مما طلبه الخطيب العظيم لنفسه أو لأصدقائه البمبيين، بل نه انصاع لإلحاف شيشرون، فعفا عن ماركس مرسلس وهو الرجل الذي خرج على قيصر ولم يندم على فعله. وقد امتدح شيشرون في خطبة له رنانة عنوانها "إلى مرسلس"(56) " كرم قيصر الذي لا يصدقه العقل"، وقال عن بمبي إنه لو انتصر لكان أشد منه انتقاماً من أعدائه. ثم أضاف إلى ذلك قوله: "لقد سمعت مع الأسف الشديد عباراتك الفلسفية المشهورة lam satis vivi لقد نلت كفايتي من طول الحياة ومن الشهرة... ورجائي إليك أن تطرح حكمة الحكماء.. ولا تكن حكيماً إذا عرضتك الحكمة للأخطار.. إنك لا تزال بعيداً كل البعد عن إنجاز أعمالك العظيمة، بل إنك لم تضع بعد أسسها" ثم وعد قيصر وعداً صادقاً باسم مجلس الشيوخ كله بأنهم سيسهرون على سلامته ويصدون بأجسامهم كل اعتداء عليه(57). وأثرى شيشرون في ذلك الوقت ثراء جعله يفكر في شراء قصر آخر هذا القصر غير قصر صلا نفسه. وكان يستمتع بالمآدب التي يدعوه إليها أنطونيوس ويلبس وغيرهما من أعوان قيصر، ولم تكن رسائله في أي وقت مضى أكثر بهجة مما كانت في ذلك الوقت(58). غير أن قيصر لم ينخدع بهذا كله، فقد كتب إلى ماريوس يقول: "إذا كان في الناس من هو ظريف فذاك شيشرون ولكنه يبغضني أشد البغض"(59). وكان قيصر صادقاً في قوله، فلما أن عاد البمبيون إلى مناوأة قيصر بعد أ، أمنوا جانبه ارتمى هذا الأديب التلراني في أحضانهم وكتب يثني على كاتو الأصغر ثناء ما كان أجدره بأن ينبه قيصر إلى ما يحيط به من الأخطار. غير أن قيصر لم يفعل أكثر من أن يرد على شيشرون بكتابة ضد كاتو Anti- Cato لا تدل على حصافة عقله. ذلك أنه بعمله هذا أمكن خصمه من أن يختار السلاح الذي ينازله به، وكانت نتيجة هذا أن انتصر الخطيب عليه، وأثنى الرأي العام على أسلوب شيشرون كما أثنى على الحاكم الذي اختار أن يكتب رسالة وهو قادر على أن يوقع أمراً بالإعدام.

وبعد فإن الذين حرموا ما كان لهم من سلطان لا يمكن أن تستل سخائمهم بالعفو عن مقاومتهم لمن حرمهم هذا السلطان، وليس عفوك عمن عنك بأقل صعوبة عمن آذيته. ومصداق هذا أن الأشراف في مجلس الشيوخ الذي لم يكن يجرؤ على رفض المقترحات التي عرضها عليه قيصر حسب الأصول الدستورية أخذوا يتبرمون وينددون تنديد الوطنيين الصادقين بالقضاء على الحرية التي أتخمت بالمال خزائنهم، وعز عليهم أن يقروا بأن عودة النظام تتطلب التضحية ببعض حريتهم. وقد روعهم وجود كليوبطرة وقيصريون في رومه. نعم إن قيصر كان يعيش مع زوجته كلبيرنيا وإنهما كانا يتبادلان المحبة في الظاهر، ولكن من ذا الذي يعرف- ومن ذا الذي تطاوعه نفسه على ألا يذيع- ما كان يحدث في أثناء زياراته الكثيرة للملكة العظيمة الجميلة؟ وأكدت الشائعات أنه يريد أن ينصب نفسه ملكاً، وأن يتزوج كيلوبطرة، وأن ينقل عاصمة دولتهما المتحدة إلى بلاد الشرق. ألم يأمر بأن يقام له تمثال على الكبتول بجوار تماثيل ملوك رومه الأقدمين؟- ألم تطبع صورته على النقود الرومانية؟ وهي وقاحة لم يسبق لها نظير. ألم يلبس جلابيب أرجوانية من اللون الذي كان يحتفظ به عادة للملوك؟ لقد حاءه القنصل أنطونيوس يوم عيد لبركاليا في الخامس عشر من فبراير عام 44 عاري الجسد إلا من جلود الماعز التي كان يلبسها الكهنة في ذلك العيد ثملاً من كثرة ما احتسى من الخمر، وحاول ثلاث مرات أن يضع التاج الملكي على رأس قيصر؛ ورفضه قيصر في المرات الثلاث. ولكن ألم يكن سبب هذا الرفض أن الجماهير قد أبدت غضبها من هذا العمل وإن أبدته همساً؟ ألم يقص التربيونين عن منصبيها لأنهما رفعا عن تمثاله الإكليل الملكي الذي وضعه عليه أصدقاؤه ولما أقبل عليه الشيوخ وهو جالس في هيكل فينوس لم يقم واقفاً لاستقبالهم. وقال بعضهم إنه قد أقعدته وقتئذ نوبة صرع، وقال غيرهم إنه كان يشكو إسهالاً شديداً، وإنه ظل جالساً حتى لا تتحرك أمعاؤه في هذه اللحظة غير المواتية(60)، ولكن كثيرين من الأشراف كانوا يخشون أن ينادي به ملكاً في أي يوم.

وأقبل كيوس كاسيوس، وهو رجل مريض الجسم- "أصفر نحيل" كما يصفه أفلوطرخس(61)، على ماركس بروتس واقترح عليه اغتيال قيصر. وكان قبل ذلك قد عرض خطته على جماعة من الشيوخ وعلى بعض الممولين الذين قل ما ينهبونه من الولايات مذ وضع قيصر القيود الشديدة على الملتزمين، بل عرضها أيضاً على بعض القواد في جيش قيصر الذين أحسوا بأم ما حباهم به من المناصب والغنائم كان أقل مما يستحقون، وكان هؤلاء كلهم قد وافقوا عليها.وكان المتآمرين في حاجة إلى بروتس ليكون هو رافع لواء المؤامرة، لأنه اشتهر بين الناس كافة بأنه أعظم الناس استمساكاً بالفضيلة، وكان الناس يقولون إنه من سلالة بروتس الذي طرد الملوك قبل ذلك الوقت بأربعمائة وستة وأربعين عاماً. وكانت أمه سرفليا أختاً غير شقيقة لكاتو، وزوجته بورشيا ابنة كاتو وأرملة ببيولس عدو قيصر؛ ويقول أبيان "إن الناس كانوا يظنون أن بروتس نفسه ابن قيصر لأن قيصر كان عشيق سرفليا في الوقت الذي ولد فيه بروتس"(62).ويضيف أفلوطرخس إلى ذلك أن قيصر كان يعتقد أن بروتس ولده(63). ولا يبعد أن يكون بروتس نفسه ممن يعتقدون هذا الاعتقاد، وأنه كان يحقد على قيصر لأنه أفسد أخلاق أمه وجعله مضغة في أفواه الرومان، يقولون عنه إنه ابن زانية بدل أن يكون من نسل آل بروتس. وكان هو على الدوام مكتئباً يميل إلى الصمت كأن ظلماً حل به يجثم على صدره ويشغل باله، وذلك في الوقت الذي كان فيه فخوراً معجباً بنفسه، لأنه أياً كان مولده يجري في عروقه دم الأشراف. وكان يجيد اللغة اليونانية ويجب الفلسفة، وكان في علم ما وراء الطبيعة من القائلين برأي أفلاطون، وفي الأخلاق من أتباع زينون. وكان مما انطبع في ذهنه أن الرواقية تتفق مع المبادئ اليونانية والرومانية في الحث على قتل الطغاة الظالمين. وقد كتب في هذا إلى صديق له يقول: "إن آباءنا كانوا يعتقدون أنه لا ينبغي لنا أن نخضع للمستبد ولو كان هذا المستبد أبانا نفسه"(64). وقد ألف رسالة في الفضيلة وخلط الناس في المستقبل بينه وبين هذا الوصف، وإن كان بعيداً عنه. فقد أقرض أهل سلاميس Salamis في قبرص عن طريق بعض الوسطاء أموالاً بسعر ثمانية وأربعين في المائة، ولما تذمروا من أداء ما تراكم عليهم من الفوائد ألح على شيشرون، وكان وقتئذ قنصلاً في قليقية، أن يستعين بالجيوش الرومانية على جمع المال(65). وقد حكم غالة الجنوبية حكماً صالحاً يمتاز بحسن الإدارة والكفاية، ولما عاد إلى رومه عينه قيصر بريتوراً Praetor على الحواضر. وقد ثار كل عنصر طيب فيه على مقترحات قيصر، وأخذ كاسيوس يذكره بآبائه على الظلم، ولعل بروتس قد شعر بأنه يتحداه بأن يثبت أنه من نسلهم وبأن يحذو حذوهم. وكان هذا الشاب الحسّاس يحمرّ وجهه خجلاً حين يرى تمثال بروتس الأكبر أمثال هذه العبارة:


أي بروتس! هل مت؟ وإلا فإن آباءك براء منك


وقد أهدى إليه شيشرون عدة من رسائله كتبها في تلك السنين، وسرت في ذلك الوقت بين الأشراف شائعة فحواها أن لوسيوس كتا Lucius Cotta سيعرض على مجلس الشيوخ في اجتماعه المقبل الذي سيكون في الخامس من شهر مارس اقتراحاً بتنصيب قيصر ملكاً، لأن عرّافة سيبيل قالت إن البارثيين لن يهزموا إلا على يد ملك(67). وقال كاسيوس إن المجلس، وقد أصبح نصف أعضائه ممن عينهم قيصر، سوف يوافق على هذا الاقتراح، وإنه لن يبقى بعد ذلك أمل في عودة الحكم الجمهوري. وتأثر بروتس بهذا كله، واستسلم، واخذ المتآمرون بعد ذلك يحكمون أمرهم ويضعون خططهم. واستخلصت بورشيا السر من زوجها، بأن طعنت نفسها بخنجر في فخذها لتبرهن بذلك على أنه ما من أذى يصيبها في جسمها يحملها على أن تنطق بشيء رغم إرادتها. وأصر بروتس في لحظة غير مواتية له على ألا يمس أنطونيوس بأذى.

وحدث في مساء اليوم الرابع عشر من شهر مارس أن عرض2 قيصر على من كانوا مجتمعين في منزله أن يكون موضوع حديثهم "ما هي خير طريقة للموت؟" وأجاب هو عن ذلك السؤال بقوله: "إنها الميتة المفاجئة". وتوسلت إليه زوجه في صباح اليوم الثاني ألا يذهب إلى مجلس الشيوخ، وقالت إنها رأته في نومها ملطخاً بالدماء؛ وحاول خادم آخر، كان يرى مثل رأيها، أن يفتعل نذيراً بمنع قيصر من الذهاب، فتسبب في سقوط صورة لأحد أسلافه معلقة على جدار، ولكن دسمس بروتس Decimus Brutus، وهو صديق حميم لقيصر وأحد المتآمرين، ألح عليه أن يحضر الاجتماع وإن لم يفعا فيه أكثر من أن يطلب بنفسه في رقة ومجاملة تأجيل الجلسة إلى وقت آخر. وأقبل صديق لقيصر عرف نبأ المؤامرة ليحذره فوجده قد غادر داره في طريقه إلى المجلس. وقابل في طريقه عرافاً كان قد أسر إليه من قبل أن "يحذر اليوم الخامس عشر من شهر مارس" وقال له قيصر وهو يبتسم، إن الخامس عشر من مارس قد جاء ولم يصب فيه بسوء، فأجابه اسبورنا Sburinna "نعم ولكنه لم يمض بعد".

وبينا كان قيصر يقرب القربان الذي كان من المألوف تقريبه قبل الجلسة أمام ملهى بمبي حيث يعقد المجلس اجتماعه إذ وضع أحدهم في يده لوحة صغيرة يحذره فيها من لمؤامرة ولكنه لم يعبأ بها. وتقول الرواية المأثورة إن هذه اللوحة وجدت في يده بعد مقتله .

وشغل تربونيوس Trebonius- وهو أحذ المتآمرين، وكان من قبل أحد قواد قيصر المقربين- أنطونيوس بالحديث فعطله عن حضور الاجتماع. ولما دخل قيصر الملهى واتخذ فيه مجلسه هجم "دعاة الحرية" من فورهم عليه. ويقول سيوتونيوس: "لقد كتب بعضهم يقولون إنه حين هجم عليه ماركس بروتس قال باللغة اليونانية Kai su teknon- "وأنت أيضاً يا ولدي"(69). ويقول أبيان إن قيصر حين طعنه بروتس امتنع عن كل مقاومة، وغطى وجهه ورأسه بثوبه، واستسلم للضربات، وسقط عند قدمي تمثال بمبي(70). وهكذا تحققت رغبة واحدة من رغبات أكمل إنسان أنجبته الأيام الخالية .