قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 1 ب 4

من معرفة المصادر

قصة الحضارة ول ديورانت


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> رومة الرواقية -> مقدمة


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الرابع: رومة الرواقية 508 - 202ق.م

ترى أي صنف من الخلق كان أولئك الرومان البواسل الذين لا يقهرون؟ وأي نظم صاغتهم حتى كانت لهم هذه القوة في الأخلاق والسياسة المنقطعة النظير؟ كيف كانت بيوتهم ومدارسهم؟ وكيف كان دينهم ومبادئهم الخلقية؟ وكيف استخرجوا من الأرض تلك الثروة التي كانوا في حاجة إليها ليعمروا بها مدنهم النامية ويعدوا بها جيوشهم المتجددة على الدوام والتي لم تعرف الراحة في يوم من الأيام؟ وبأي نظام اقتصادي وأية مهارة انتفعوا بهذه الثروة خير انتفاع؟ وكيف كان هؤلاء الناس في طرقاتهم وحوانيتهم، وفي هياكلهم ومسارحهم، وفي علمهم وفلسفتهم، وفي شيخوختهم وموتهم؟ إنـّا إذا نلم كل الإلمام بما كانت عليه رومه في عهد الجمهورية الأول، عجزنا عن فهم ذلك التطور الشامل في العادات والأخلاق والأفكار، الذي أنتج في جيل من الأجيال كاتو Cato الرواقي وفي جيل بعده نيرون الأبيقوري، ثم بدل آخر الأمر الكنيسة الرومانية بالإمبراطورية.


الفصل الأول: الأسرة

كان ميلاد الأطفال نفسه مغامرة خطيرة في رومه؛ فقد كانت العادات الألوفة تبيح للأب إذا ولد طفل مشوه أو كان أنثى أن يعرضه للموت(1). أما إذا لم يكن كذلك فقد كان يرحب بمولده؛ لأن الرومان حتى في ذلك العهد البعيد، وإن مارسوا عادة ضبط النسل إلى حد ما، كانوا شديدي الرغبة في أن يكون لهم أبناء. ذلك أن الحياة الريفية جعلت الأبناء مصدراً من مصادر الثروة، ولذلك كان الرأي العام يندد بالعقم، كما كان الدين يشجع على الإكثار من النسل بما يدخله في عقول الرومان من أن الواحد منهم إذا مات ولم يكن له ولد يعنى بقبره، قاست روحه ألوان الشقاء والعذاب إلى أبد الدهر. وكانوا إذا مضى على مولد الطفل ثمانية أيام احتفلوا حول موقد الدار احتفالاً رسمياً مهيباً بضمه إلى الأسرة والعشيرة. وكانت العشيرة (gens) تتألف من طائفة من الأسر الحرة تنتمي إلى أصل واحد، وتسمى باسمه، وتشترك بعضها مع بعض في العبادة، وتتبادل العون في السلم والحرب. وكان الولد الماكر يعرف باسمه الخاص الأول (praenomen) مثل بيليوس Publius، أو ماركس Marcus، أو كيوس Caius، وباسم عشيرته (nomen) مثل كرنليوس Cornelius أو تليوس Tullius، أو يوليوس Julius؛ وباسم أسرته مثل سبيو Scipio، وشيشرون Cicero، وقيصر Caesar. أما النساء فكن في أغلب الأحيان يتميزن بأسماء عشائرهن وحدهن مثل كرنليا Cornelia، وتليا Tullia، وكلوديا Claudia، ويوليا Julia. وإذ لم يكن للذكور في الأيام القديمة الأولى من الأسماء الأول ما يزيد على خمسة عشر اسماً، وكانت هذه الأسماء تتكرر في الأسرة الواحدة جيلاً بعد جيل تكراراً يجعل التمييز بين مسمياتها من أصعب الأمور، فقد اعتاد الرومان أن يختصروا هذه الأسماء الأولى فيستعيضوا عنها بالحروف الأولى منها ويضيفوا إلى أصحابها اسماً رابعاً- وخامساً في بعض الأحيان- ليسهل تمييزهم بعضهم من بعض. ومن أمثلة ذلك أنهم كانوا يميزون سبيو قاهر هنيبال من سميه الذي دمر قرطاجنة بتسمية الأول ب. كر نليوس سبيو الإفريقي الأكبر P. Cornelius Scipio Africanus Major. والثاني ب. كرنليوس سبيو إيمليانس الإفريقي الأصغر P. Cornelius Scipio Aemilianus Aficanus Minor. وكان الطفل يجد نفسه وقد اندمج كل الاندماج في أخص النظم الرومانية الأساسية وأقواها أثراً وهو نظام الأسرة الأبوية. وتكاد سلطة الأب في هذه الأسرة أن تكون سلطة مطلقة من كل القيود، كأنما الأسرة قد نظمت لتكون وحدة عسكرية من جيش في حرب دائمة. وكان الأب وحده دون سائر أفراد الأسرة هو الذي له حقوق قانونية في عهد الجمهورية الأول، فهو وحده الذي كان من حقه أن يشتري الملك ويحتفظ به أو يبيعه، وأن يتعاقد باسمه؛ وحتى بائنة زوجه كانت في ذلك العهد ملكاً له. وإذا ما اتهمت زوجته بجريمة أحيلت إليه ليحاكمها ويعاقبها بنفسه؛ وكان في مقدوره أن يحكم عليها بالإعدام إذا خانته أو سرقت مفاتيح خزائن خمره. وكان له على أبنائه حق الحياة والموت أو بيعهم في الأسواق بيع الرقيق. وكان كل ما يكسبه الابن يصبح في نظر القانون ملكاً خالصاً لأبيه، ولم يكن من حقه أن يتزوج من غير موافقة والده. وكانت البنت إذا تزوجت بقيت تحت سلطان أبيها، إلا إذا سمح لها أن تتزوج زواجاً Cum manu أي أسلمها بنفسه إلى يد زوجها أو وضعها تحت سلطانه. وكان له على عبيده سلطة لا حد لها؛ فكان هو وزوجته وأبناؤه "ملك يده" mancipia؛ ومهما يبلغ هؤلاء العبيد من السن أو المنزلة فإنهم يبقون تحت سلطانه حتى يحررهم هو أو "يطلقهم من يده" emancipate them. على أن العادات، والرأي العام، ومجلس الشيوخ، وقانون البريتورين (المقدمين) كانت تقيد حقوق "رب الأسرة" إلى حد ما. أما فيما عدا هذه القيود فقد كان يحتفظ بهذه الحقوق إلى أن يموت، وكانت له ولو ذهب عقله أو أراد هو أن يتخلى عنها. وكان من آثارها أن قويت وحدة الأسرة فكانت هي الأساس الذي قامت عليه أخلاق الرومان وحكومتهم، وأن أدب الرومان تأديباً بعث في أخلاقهم صلابة وقوة خير ما توصف به أنها قوة رواقية. وكانت قوانينهم في حرفيتها أشد منها صرامة في تطبيقها، وقلما كانوا يطبقون أقسى هذه القوانين؛ وقلما أساءوا استخدام ما كان منها أقل قسوة؛ فلم يكونوا يقفون في سبيل حنان الآباء القوي الطبيعي على أبنائهم أو تعظيم الأبناء لآبائهم، حتى لقد كانت شواهد القبور في رومه تبلغ من الرقة ما بلغته في بلاد اليونان وما بلغته عندنا نحن في هذه الأيام. وإذ كانت حاجة الرجل إلى المرأة- وهي أشد من حاجتها إليه- تكسبها من الحقوق ما لا تستطيع القوانين أن تقف في وجهه، فليس لنا أن نحكم على مكانة المرأة في رومه من القيود التي يفرضها عليها القانون. فقد كان يحرم عليها أن تظهر في دار المحكمة ولو كانت شاهدة. وإذا مات زوجها لم يكن لها أن تطالب بأي حق لها في ماله؛ وكان له إذا شاء أن يحرمها من أن ترث شيئاً من هذا المال.وكانت في كل أدوار حياتها تحت رقابة رجل- أبيها أو أخيها، أو زوجها، أو ابنها أو وصي عليها- لا تستطيع أن تتزوج أو تتصرف في مالها بغير رضاه. لكنها كان من حقها أن ترث وإن حدد هذا الميراث بما لا يزيد على مائة ألف سسترس Sesterce أي نحو (15.000 ريال أمريكي). أما التملك فلم يكن مقيداً بحد أقصى. وكثيراً ما أصبحت النساء في تاريخ الجمهورية المتأخر من ذوات الثروات الطائلة، لأن أزواجهن كانوا يهربون لهن أملاكهم ليتخلصوا بذلك مما عليهم من التزامات إذا أفلسوا في تجارة، أو حكم عليهم بتعويض، أو ليتملصوا من ضرائب الشركات، وفي ذلك من الأخطار التي لا نهاية لها. وكان لها في شؤون الدين شأن غير قليل؛ فكان لها أن تكون كاهنة؛ وكان من الواجبات المفروضة على كل كاهن تقريباً أن تكون له زوجة، فإذا ماتت حرم من منصبه. أما في المنزل فكانت هي سيدته المعظمة mea domina؛ ولم تكن كالزوجة في الحياة اليونانية تحجز في جناح الحريم بل كانت تتناول الطعام مع زوجها وإن كانت تجلس منتصبة ويجلس هو متكئاً . وكانت لا تقوم إلا بأقل قدر من الخدمة المنزلية، ذلك بأنه كان لكل مواطن تقريباً عبد يقوم على خدمته. وكان لها أن تغزل لتدل بذلك على دماثة أخلاقها، ولكن أهم واجباتها المنزلية هو مراقبة خدمها. على أنها مع ذلك كانت تحرص على أن تربي بنفسها أطفالها. وكان هؤلاء الأبناء يجزونها على صبرها وقيامها بواجبات الأمومة بما يقدمونه لها من دلائل الحب العميق والإجلال العظيم، وقلما كان زوجها يجعل سيادته الشرعية عليها تطغي على حبه لها. وكان الأب والأم، ودارهما وأرضهما وأملاكهما، وأطفالهما الصغار، وأبناؤهما المتزوجون، وأحفادهما أبناء هؤلاء الأبناء، وزوجاتهم وعبيدهم ومواليهم- كان هؤلاء كلهم يؤلفون الأسرة الرومانية Familia؛ ولم تكن هذه الكلمة عندهم تعني أسرة بقدر ما تعني بيتاً من فيه، وما فيه. فلم يكن هذا المعنى مقصوراً على جماعة من ذوي القربى، بل كان يعني مجموعة من الأشخاص المملوكين والأشياء المملوكة، يخضعون كلهم، وتخضع كلها، لأكبر الذكور سنّاً. وفي نطاق هذا المجتمع الصغير الذي يضم في داخله وظائف الأسرة، والكنيسة، والمدرسة، والنظم الصناعية والحكومية، شب الطفل الروماني وترعرع على حب الطاعة والتقوى، فكان منه مواطن قوي صلب العود في دولة لا تغلب.


الفصل الثاني: دين رومة

1- الآلهة

لقد كانت الأسرة الرومانية رابطة بين الأشخاص والأشياء، كما كانت رابطة بين الأشخاص والأشياء من جهة والآلهة من جهة أخرى. وكانت هي المركز الذي يلتف حوله الدين، والخلق، والنظام الاقتصادي، وكيان الدولة بأجمعها، كما كانت هي المنبع الذي تُستَمد منه هذه المقومات كلها. وكان كل جزء من أملاكها مهما صغر وكل مظهر من مظاهر وجودها يرتبط ارتباطاً وثيقاً جدّيّاً بالعالم الروحي؛ فكان الطفل يعلم بالقدوة الصامتة الفصيحة أن نار الموقد التي لا تخمد ليست إلا رمز الإلهة فستا Vesta ومادتها، وأنها هي الشعلة المقدسة التي ترمز إلى حياة الأسرة والى دوامها؛ ومن أجل هذا كان من أوجب الواجبات ألا تنطفئ هذه النار، وأن يُعنى بها العناية "المقدسة"، وأن تغذى بنصيب من كل وجبة.وكان الطفل يرى فوق الموقد النصمات تتوجها الأزهار وتمثل آلهة الأسرة أو أرواحها المقدسة: إللار Lra الذي يحرس حقولها ومبانيها، وسعادتها ومصيرها؛ والبينات Penates أو الآلهة الداخلية التي تحمي ما تجمع للأسرة في مخازنها وأصونتها وبيادرها؛ وكان الإله يانوس Janus يحوم حول عتبة الدار وإن كانت الأعين لا تراه، وكان ذا وجهين، وليس معنى هذا أنه كان مخادعاً بل معناه أنه كان يرقب الداخلين والخارجين من كل باب. وكان الطفل يعلم أن أباه هو الحافظ للأسرة وأنه رمز القوة الخلاقة الداخلية (genius) التي لا تفنى بفناء الجسم بل يجب أن تغذى على الدوام عند قبر الأب. وكانت الأم هي الأخرى تحمل ربّاً من الأرباب، وكان عليه أن يعاملها أيضاً معاملة الآلهة. وكان فيها يونو Juno وهو روح قدرتها على الحمل يقابل قدرة الأب على الخلق. وكان للطفل أيضاً يونوه Juno وهو ملاكه الحافظ وروحه أو النواة الإلهية في غلافه الفاني. وكن يقال له قولاً يبعث في قلبه الرهبة، إنه يحيط به من كل مكان أطياف رحيمة Di Manes هي أطياف الذكور من أسلافه التي كانت أقنعة وجوههم الرهيبة معلقة على جدران المنزل تحذره من أن يتنكب طريق هؤلاء الأسلاف، وتذكره بأن الأسرة لا تتألف فقط من أولئك الذين كانوا في الأيام الخالية أو سيكونون في الأيام المقبلة أعضاء فيها بأجسامهم، والذين يكونون لهذا السبب جزءاً من مجموعها الروحي ووحدتها الأبدية. وكانت أرواح أخرى تأتي لمعونته كلما كبر: فكوبا Cuba تحرسه وهو نائم وأبيونا Abeona تهدي خطاه، وفبيلينا Fabulina تعلمه الكلام. وإذا ما غادر المنزل وجد نفسه مرة أخرى في حضرة الآلهة أينما حل. وكانت الأرض نفسها آلهة فهي تارة تلس Tellus وتارة تراماتر Terra Mater أي الأرض الأم، وكانت أحياناً هي المريخ Mars أي الأرض التي يطؤها بقدميه وخصبها المقدس، وأحياناً تكون هي الآلهة الصالحة Bona Dea التي تمد النساء والحقول بالأرحام الخصيبة. وكان في المزرعة إله معين لكل عمل وكل بقعة فيها، بومونا Pomona للبساتين، وفونس Faunus للماشية، وبالس Pales للمراعي، واستركيولس Sterculus لأكوام السماد، وزحل Saturn للزرع، وسيريز Ceres للحاصلات، وفرناكس Fornax لتحميص الذرة في التنور، وفلكان Vulcan لإيقاد النار.

وكان يشرف على الحدود الإله العظيم ترمنس Terminus وهو يتمثل ويعبد في الحجارة والأشجار التي تحدد المزارع. وإذ كانت غير الروماني تتطلع إلى السماء، فإن الرومان أنفسهم لم يكونوا ينكرون أن فيها هي الأخرى آلهة، ولكن المحور الذي كانت حوله أعظم مظاهر تقواه وإيمانه وأخلص كفارته واستعطافه كان هو الأرض أم حياته ومصدرها، ومنزل أمواته، والمربية الساحرة للبذور النامية. وإذا ما حل شهر يناير من كل عام أقيمت الصلوات للارات Lares الأرض في عيد ملتقى الطرق Compitalia أو Corssroads البهيج؛ وإذا أقبل شهر يناير قدمت الهدايا الغالية مرضاة لتلس Tellus واستدراراً لعطفه على كل المزروعات؛ وفي شهر مايو من كل عام يسير كهنة "إخوان أرفال Arval" إلى أخوان الحرث في موكب غنائي حول حدود المزارع المجاورة لهم يطوقون الحجارة بتيجان من الزهر، ويرشون عليها دماء الأضاحي، ويدعن المريخ (الأرض) أن تخرج الفاكهة الموفورة. ويرى من هذا أن الدين كان يؤمن الملكية، ويزيل أسباب الشحناء، ويكرم العمل في الحقول، فينشئ فيه الشعر، ويؤلف فيه المسرحيات، ويقوي الجسم والروح والإيمان والعمل.

ولم يكن الروماني، كما كان الإغريقي، يفكر في آلهته كأن لها صوراً كصور الآدميين، ولم يكن يسميها إلا ممينا Munina أي الأرواح، وكانت هذه الآلهة في بعض الأحيان معنويات مجردة كالصحة، أو الشباب، أو الذاكرة، أو الحظ، أو الشرف، أو الأمل، أو الخوف، أو الفضيلة، أو العفاف، أو الوفاق، أو النصر، أو روما. وكان منها أرواح للمرض يصعب استرضاؤها كالأطياف وأرواح الموتى؛ ومنها أرواح فصول السنة، مثل Maia روح شهر مايو؛ ومنها آلهة الماء مثل نبتون Neptune، وأرواح الغابات أو الآلهة التي تسكن الأشجار مثل سلفانس Silvanus. وكان بعضها يتقمص الحيوانات المقدسة كالحصان أو الحيوان الذبيح، أو الأوز المقدس الذي كان المتقون يحتفظون بها فوق الكبتول لا يناله أحد بأذى، ومنها أرواح التناسل والإنتاج: تتومس يشرف على الحمل، ولوسينا تحمي الحيض والولادة، وكان بريابس Priapus ألهاً للإخصاب عند اليونان، ولكنه سرعان ما سكن روما، وكانت العذارى والأمهات (إذا كان لنا أن نصدق القديس أوغستين الغاضب) يجلسن على قضيب تمثاله ليضمن بذلك استعدادهن للحمل(2). وكانت صور خليعة فاحشة لهذا الإله تزين كثيراً من الحدائق، وكان السذج من الأهلين يلبسون صوراً صغيرة منه ظاهر فيها قضيبه لتهبهم القدرة على التناسل أو ترد عنهم "العين الحاسدة". وجملة القول إننا لا نعرف قط ديناً يبلغ فيه عدد الآلهة ما بلغه عند الرومان، ويقدرها فارو بثلاثين ألفاً، ويشكو بترونيوس من أن بعض المدن الإيطالية كان فيها من الآلهة أكثر ممن فيها من الرجال؛ لكن الذين يسميهم بترونيوس deus لم يكونوا كلهم آلهة؛ لأن كلمة deus كانت تعني عند الرومان قديساً أو إلهاً.

وكان يكمن تحت هذه الأفكار الأساسية حشد من العقائد الشعبية المتعددة الأشكال، من عبادة الطبيعة، والدكاكيرية fetishism، والطوطمية، والإيمان بالسحر، والمعجزات، والرقى، والخرافات، والمحرمات، ومعظمها عقائد باقية من أيام سكان إيطاليا فيما قبل التأريخ، ولعلها باقية من أيام أسلافهم الهندوربيين جاءوا بها من موطنهم القديم في قارة آسيا. وكان الكثير من الأشياء والأماكن والأشخاص مقدساً (sacer) محرماً مسه أو تدنسيه، ومن هؤلاء الأشخاص الأطفال حديثو الولادة، والنساء في وقت الحيض، والمجرمون إذا أدينوا. وكانت مئات من الصيغ اللفظية أو المبتكرات الآلية تستخدم للوصول إلى غايات طبيعية بوسائل خارقة للطبيعة. فكانت التمائم شائعة بينهم لا يكاد يخلو منها واحد منهم؛ وكان كل طفل تقريباً يلبس "بلّة" Bulla أو طلمساً ذهبياً معلقاً في عنقه. وكانت تماثيل صغيرة تعلق إلى الأبواب أو الأشجار لترد الأرواح الخبيثة. وكانت الرقى والتعاويذ تستخدم لمنع الأخطار، وللشفاء من الأمراض، وإنزال الماء من السماء، وإهلاك جيوش الأعداء، وإتلاف محصولات العدو أو إهلاكه هو نفسه. ومن أقوال بلني Pliny في هذا: "كلنا نخشى أن تصيبنا اللعنات أو الطلاسم بالسوء"(4). كذلك يرد ذكر الساحرات في أقوال هوراس Horace، وفرجيل Virgil، وتبيلوس Tibulus، ولوشيان Lucian. وكان الاعتقاد السائد أنهن يأكلن الأفاعي ويطرن في الهواء ليلاً، ويعصرن السم من أعشاب لا يعرفها غيرهن، ويقتلن الأطفال، ويحيين الموتى. ويلوح أن الرومان جميعاً، إلا قليلاً من المتشككين، كانوا يؤمنون بالمعجزات، وبالفأل والطيرة، وبأن التماثيل تتحدث وتعرق(5)، وبأن الآلهة تنزل من جبل أولمبس Olympus لتحارب في صف الرومان، وبأن الأيام الفردية الأسماء محظوظة، والزوجية الأسماء منحوسة، وبأن الحوادث الغريبة تنبئ بالمستقبل. ويحتوي تأريخ ليفي على عدة مئات من أمثال هذا الإنباء يسجلها كلها بوقاره الفلسفي. وفي مجلدات بلني الأكبر Pliny من التنبؤات ووسائل العلاج السحري ما يصح لنا معه أن نسمي تأريخه "تأريخ خوارق الطبيعة". وكثيراً ما كان يحدث أن تؤجل أهم الأعمال التجارية أو الحكومية أو الحربية أو تلغى إلغاءً تاماً إذا تشاءم الكاهن بأن وجد شيئاً غير مألوف في أمعاء ذبيحة، أو سمع قصف رعد في السماء.

وكانت الدولة تبذل كل ما في وسعها لتحد من الإسراف في هذه العادات، وكان يطلق عليها اللفظ الذي يعبر عنها أدق تعبير وهو لفظ Supersitis أي العقائد الدينية المفرطة. ولكنها كانت لا تقعد قط عن استغلال تقوى الشعب لتثبيت دعائم الحكم والنظام الاجتماعي فكيفت آلهة الريف لتوائم حياة الحذر، وشادت موقداً قومياً للإلهة فستا، وعينت طائفة من العذارى الفستيات لتقوم على خدمة نار المدينة المقدسة، وأخرجت من مجموع آلهة الأسرة والمزرعة والقرية الآلهة القومية للدولة di indigetes، ونظمت لهذه الآلهة عبادة جديدة جميلة المنظر تقوم بها الدولة باسم جميع المواطنين.

وكان أحب هذه الآلهة القومية الأولى إلى قلوب الشعب الإله جوبتر أو جوف Jupiter or Jove وإن لم يكن هذا الإله قد أصبح ملكها كما أصبح زيوس عند اليونان، بل كان في القرون الأولى من حياة روما لا يزال قوة نصف معنوية يمثل رقعة السماء المتلألئة وضياء الشمس القمر وقصف الرعد، وكان في صورة جوبتر فلوفيوس Jupiter Fluvius يمثل شؤبوباً من المطر المخصب. وقد كان فرجيل وهوراس نفسهما يستعملان في بعض الأحيان لفظ "Jove" مرادفاً للفظ المطر أو السماء(6). وكانت أكثر نساء روما ثراءً إذا أجدبت السماء يسرن حافيات في موكب كبير إلى تل الكبتولين حيث هيكل جوبتر تونانز Jupiter Tonans-جوف المرعد- ليستسقين. ولعل لفظ جوبتر محرف عن ديسباتر Diuspater أو ديسبتر Diespeter أي إله السماء. ولعل يانوس Janus الذي كان في الأصل يسمى ديانوس Dianus كان يؤلف هو وجوبتر في بداية الأمر إلهاً واحداً، وكان يرمز به أولاً إلى روح باب الكوخ ذي الوجهين ثم إلى باب المدينة، ثم إلى أي فتحة أو بداية كبداية اليوم أو السنة. وكانت أبواب هيكله لا تفتح إلا في أيام الحرب ليخرج منها مع جيوش روما لهزيمة آلهة الأعداء. وكان المريخ Mars إلهاً معظماً عند الشعب مذ بدأ يعظم جوبتر. وكان أولاً إله الحرث، ثم أصبح إله الحرب، ثم كاد أن يكون هو فيما بعد رمز روما وشعارها؛ وكانت كل قبيلة في إيطاليا تطلق اسمه على شهر من الشهور. ولم يكن زحل الإله القومي للبذرة الحديثة الزرع (Sata) أقل قدماً من جوبتر والمريخ، وكانت الأساطير تصوره على أنه ملك من ملوك ما قبل التأريخ أخضع القبائل كلها لقانون واحد وعلمها الزراعة وأقر السلام والمشايعة في العهد الذهبي من عهد زحل Saturna Regina.

وكانت إلهات روما أقل قوة من آلهتها، ولكنهن كن أحب إلى قلوب الشعب من الآلهة الذكور. وكان من هذه الإلهات يونو رجينا Juno Regina ملكة السماء وحامية الأنوثة والزواج والأمومة. وكانوا يوصون بالزواج في شهرها -شهر يونيو(7)- ويقولون أن الزواج فيه أسعد الزيجات؛ وكانت منيرفا Minerva إلهة الحكمة (mens) أو الذاكرة، والصناعات اليدوية وطوائف الصناع، والممثلين والموسيقيين والكتبة. وكان البلاديوم Palladium التي تقف عليها في اعتقادهم سلمة روما صورة صغيرة للإلهة بلاس منيرفا Pallas Minerva مدججة بالسلاح جاء بها إنياس Aeneas في زعمهم من طروادة إلى روما بأساليب الحب والحرب، وكانت فينوس Venus (الزهرة) إلهة الشهوة، والزواج والإخصاب. وكان شهرها المقدس هو شهر إبريل شهر تفتح الأزهار (Aperire). وكان الشعراء أمثال لكريشيوس Lucretius وأوفد Ovid يرون فيها المنشأ الغرامي لجميع الكائنات الحية. وكانت ديانا Diana إلهة القمر والنساء والولادة والصيد والغابات وسكانها من الوحوش؛ وكانت في زعمهم روح شجرة جيء بها من أريشية Aricea حينما خضع هذا الإقليم من أقاليم لاتيوم لحكم روما. وكان بالقرب من أريشيا بحيرة نيمي Nemi وأيكتها، وكان في هذا الأيكة مزار ديانا ملجأ الحجاج الذين كانوا يعتقدون أن هذه الإلهة قد ضاجعت في هذا المكان فربيوس Virbius ملك الغابات الأول. ولكي يضمن دوام إخصاب ديانا وإخصاب الأرض كان خلفاء فربيوس -وهم كهنة الصائدة وأزواجها- يستبدل بهم جميعاً واحداً بعد واحد أي عبد قوي يعوذ نفسه بغصن (يسمى عندهم بالغصن الذهبي) يأخذه من شجرة البلوط المقدسة إحدى أشجار الأيكة ويهاجم الملك ويذبحه. وقد بقيت هذه العادة إلى القرن الثاني بعد ميلاد المسيح(8).

هذه إذن هي الآلهة الكبرى لدين روما الرسمي. وكان للأهلين غير هؤلاء أرباب قومية أصغر منها ولكنها لم تكن تقل عنها محبة لدى الرومان. ومن هذه الأرباب الصغرى هرقول Hercules إله الفرح والخمر، والذي لم يتورع أن يقامر وهو مبتهج مع قندلفت هيكله لينال منه محظية(9). وكان عطارد (Mercury) راعي التجار والممثلين واللصوص. وكانت أبس Aps إلهة الثروة وبلونا Bellona إلهة الحرب، وكان غير هؤلاء أرباب ذكور وإناث يخطئهم الحصر. ولما أن بسطت روما سلطانها جاءت إليها آلهة جديدة. وكانت في بعض الأحيان إذا غلبت مدينة جاءت منها بآلهتها لتضمها إلى مجمع الآلهة الروماني دليلاً على غلبتها وضماناً لهذه الغلبة كما فعلت بيونو إلهة فياي حين قادتها أسيرة إلى روما؛ وكان سكان الأقاليم النائية إذا جاءوا إلى العاصمة أتوا معهم بآلهتهم ليثبتوا فيها أقدامهم حتى لا تجتث أصول أولئك السكان الجدد الروحية والأخلاقية اجتثاثاً مفاجئاً لسبب من الأسباب، وكذلك يفعل اليوم المهاجرون إلى أمريكا فيأتون إليها بآلهتهم. ولم يكن الرومان يأبهون بمجيء هؤلاء الآلهة الأجانب؛ وكان معظمهم يعتقدون أنهم إذا أزاحوا التمثال من مكانه أزاحوا الإله معه، ومنهم كثيرون كانوا يؤمنون أن التمثال نفسه هو الإله(10). على أن بعض الآلهة الجديدة لم تغلب، بل كانت هي الغالبة. فقد تسربت إلى العبادات الرومانية بطريق التجارة والصلات الحربية والثقافية التي نشأت بين الحضارتين الرومانية واليونانية. وقد حدثت هذه الصلات أول الأمر في كمبانيا ثم جنوبي إيطاليا ثم صقلية، وانتهت آخر الأمر في بلاد اليونان نفسها. وكان في آلهة دين الدولة شيء من التجرد المعنوي وبرود الطبع؛ وكان المستطاع رشوهم بالقرابين والتضحيات، ولكنهم قلما كانوا يمدون عبادهم بالراحة أو الإلهام الفردي؛ وكانوا من هذه الناحية يختلفون عن آلهة اليونان ذوي الصفات البشرية الممتلئين مغامرة وفكاهة وشعراً. ومن أجل هذا رحب الشعب الروماني بآلهة اليونان وأقام لهم الهياكل، وسره أن يتعلم ما يتطلبه أولئك الآلهة من مراسم وطقوس، وكذلك سر الكهنة الرسميين أن يجندوا أولئك الجند الجدد لبث النظام والطمأنينة في النفوس، فضموهم إلى أسرة روما المقدسة، ومزجوهم كلما استطاعوا بأقرب الآلهة الوطنية المماثلة لهم. فجاء من عهد بعيد أي من عام 496 ق.م دمتر Demeter وديونيسيوس Dionysius ومُزجا بسيريس Ceres وليبر Liber (إله العنب) واستقبل كاستر Castor وبلكس Pollax بعد اثني عشر عاماً من ذلك الوقت وصارا حاميي روما: وشيد في عام 431 هيكل لأبلون Apollo الشافي لعله يخفف من وباء طاعون فشا في روما وقتئذٍ؛ وفي عام 294 جيء إلى روما من أبدورس Epidaurus بإسكلابيوس Aesculapius إله الطب عند اليونان في صورة أفعوان ضخم(11)، وشيد على جزية في نهر التيبر معبد في صورة مستشفى تكريماً له. وجيء بكرونس Cronus اليوناني وقيل أنه لا يختلف في شيء عن زحل، ومزج برسيدن Poseidon بنبتون Neptune وأرتميس Artemis بديانا Diana وهفستس Hephaestus بفلكان Vulcan، وهرقل Heracle بهرقول Hercules، وهيديس Hades ببلوتون Pluto وهرمس Hermes بعطارد Mercury، وارتفع جوبتر بفضل بعض الشعراء إلى زيوس غير زيوس اليونان، فصار شاهد الأيمان الصارم وحارسها، وقاضي الأخلاق الملتحى، والقيم على القوانين، وإله الآلهة؛ وهيئت عقول الرومان المتعلمين على مهل لقبول عقائد التوحيد الرواقية واليهودية والمسيحية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

2- الكهنة

واستخدمت إيطاليا نظاماً من الكهنوت محكم الوضع لتضمن به معونة هؤلاء الأرباب. وكان الأب في منزله كاهناً، ولكن الصلوات العامة كان يرأسها جماعات (Collegia) من الكهنة، تملأ كل منها ما يخلو في صفوفها من الأماكن ويرأسها كلها حبر أعظم Pontifex Maximus تختاره الجمعية المئوية. ولم تكن عضوية هذه الكليات المقدسة تحتاج إلى تدريب خاص؛ بل كان في وسع كل مواطن أن ينضم إليها أو يخرج منها؛ ولم تكن تؤلف مرتبة أو طبقة منفصلة عن سائر المراتب أو الطبقات، ولم يكن لها أي سلطان سياسي عدا أن الدولة كانت تستخدمها أداة من أدواتها. وكانت تستولي على إيراد بعض أراضي الدولة لتستعين به على العيش، وكان لها عبيد يقومون على خدمتها؛ وقد أصبحت بتوالي الأجيال عظيمة الثراء بما كان يحسبها عليها أتقياء الناس من الأموال.

وكانت الكلية الدينية الكبرى في القرن الثالث قبل المسيح تضم تسعة من الأعضاء، يحتفظون بالحوليات التاريخية، ويسجلون القوانين، ويقرءون الغيب، ويقربون القرابين، ويطهرون رومه مرة في كل خمس سنوات. وكان يساعد هؤلاء الأحباء في القيام بالمراسم الرسمية خمسة عشر كاهناً آخر يسمون فلميني flamine- أي موقدي نيران الأضاحي. وكان ثمة طوائف من الأحباء أقل من هؤلاء شأناً يؤدون واجبات خاصة: فالساليون Salii أو القافزون كانوا يستقبلون العام الجديد بنوع من الرقص المقدس للمريخ، والفتيالي fetiales يصدقون على عقد الصلح، وإعلان الحرب، واللوبرسي Luperci أو إخوان الذئاب يقومون بطقوس لوبركاليا Lupercalia العجيبة. وكانت طائفة العذارى الفستية Vestal Virgins تعني بموقد الدولة وترشه في كل يوم بالماء المقدس تأخذه من عين الحورية المقدسة إجيريا Egeria؛ وكان هؤلاء الراهبات ذوات الثياب البيض والخُمرُ البيض يُخترن من بين الفتيات اللاتي تتراوح سنهن بين السادسة والعاشرة، وكن يقسمن بأن يظللن عذارى في خدمة الإلهة فستا ثلاثين سنة، وينلن في نظير هذا ضروباً من الامتيازات والتكريم وإذا اقترفت إحداهن جريمة العلاقات الجنسية ضربت بالعصى ودفنت وهي على قيد الحياة، وقد سجل المؤرخون الرومان اثنتي عشرة جريمة من هذا النوع، فإذا قضين الثلاثين عاماً كان لهن أن يتركن خدمة الإلهة ويتزوجن، ولكن قل منهن من كانت تتاح لها هذه الفرصة أو تغتنمها إذا أتيحت لها(12).

وكانت أعظم طوائف الكهنة نفوذاً طائفة العرافين التسعة الذين كانوا يدرسون إدارة الآلهة ومقصدهم باتجاه الطيور في الأيام الأولى ، وبالفحص عن أحشاء الحيوانات المضحاة فيما بعد. فكان كبار الحكام "يستطلعون الطلع" قبل كل عمل هام من أعمال السياسة أو الحكم أو الحرب، ثم يفسر العرافون ما يجده الحكام، أو يفسره لهم مفتشو الأكباد hauruspices الذين تلقوا فنهم هذا من بلاد الكلدان أو من أمم قبلهم عن طريق إتروريا. ولم يكن الكهنة على الدوام بمنجاة من الإغراء بالمال، ولذلك كانوا في بعض الأحيان يوقفون بين أقوالهم وبين حاجات من يذهب لاستشارتهم. من ذلك أن أي قانون لا يتفق مع مصلحة طائفة أو جماعة من الناس كان يمكن تعطليه إذا قيل إن اليوم الذي ينظر فيه القانون يوم مشئوم لا يصلح العمل فيه، وكان في الاستطاعة إقناع الجمعية بالموافقة على إعلان الحرب إذا قيل لها أن اليوم الذي يطلب إليها إعلانها فيه يوم سعيد(13). وكانت الحكومة في الأزمات الخطيرة تدعى أنها تعرف ما تريده الآلهة بالرجوع إلى الكتب السبيلية Sibylline، وهي الكتب التي سجلت فيها نبوءات سبيل Sibyl أو كاهنة أبلون Apollo في كومية Cumae. وكان في وسع الأعيان أن يؤثروا في الشعب بهذه الوسائل وبالرسل الذين كانوا يرسلونهم إلى هاتف دلفي The oracle at Delphi في بعض الأحيان وبذلك يوجهونهم في أي اتجاه يشاءون، ويكادون يبلغون كل غاية يبغونها(14). ولم يكن يقصد بطقوس العبادات إلا أن تقدم هدية أو ضحية للآلهة لكسب عونها أو اتقاء غضبها. وكان الكهنة يقولون إن الاحتفالات التي تقام لهذا الغرض لا تثمر ثمرتها إلا إذا روعي فيها منتهى الدقة في الأقوال والحركات، وهي دقة لا يستطيع غير الكهنة أن يشرفوا عليها. وإذا وقع في طقس من هذه الطقوس أيّاً كان نوعه وجبت إعادته من جديد ولو تطلب ذلك إعادته ثلاثين مرة. وكان معنى لفظ Religio هو أداء الطقس الديني بالعناية التي يحتمها الدين(15). وكان أهم ما في الاحتفال هو التضحية Sacrifice؛ ومعنى اللفظ مشتق من كلمة Cacer اللاتينية ومعناها ملك للإله. وكانت التضحية في البيت تتخذ عادة شكل قطعة من كعكة توضع على الموقد أو كمية من النبيذ تلقى في نار البيت، وتكون في القرية أول ثمرة تخرجها الأرض، وقد تكون كبشاً أو كلباً أو خنزيراً، وتكون في المناسبات الهامة فرساً أو خنزيراً أو شاة أو ثوراً، وكانت الثلاثة الحيوانات الأخيرة تذبح في أكبر المناسبات أهمية في عيد السو أو في طوريليه Su-ove-taur-illa (أي عيد الخنزير والشاة والثور). وكانوا يعتقدون أنه إذا تليت صيغ خاصة على التضحية استحالت إلى الإله الذي يراد منه أن يتقبلها؛ وعلى هذا الاعتبار كان الإله نفسه هو الذي يضحي به(16)؛ وإن كانت أحشاء الحيوان وحدها هي التي تحرق على المذبح؛ وكان الكهنة والناس يأكلون كل ما بقي منه، فقد كان هؤلاء يأملون أن تنتقل قوته ومجده إلى عبيده المحتفلين بعيده. وكان يضحي بالآدميين في بعض الأحيان؛ ومما يجدر ذكره أنه كان لابد من صدور قانون في عام 97 بعد الميلاد لتحريم هذه العادة. ثم حورت هذه الكفارة تحويراً يبيح للرجل أن يضحي بحياته للدولة كما فعل القنصل بيليوس ديسيوس Publius Decius وولده، وكما فعل ماركس كورتيس Marchus Curtius إذ ألقي بنفسه في أخدود شقه زلزال في السوق العامة ليسكن بذلك غضب القوى الأرضية الخفية، وتقول القصة بعد ذلك إن الشق قد التحم وإن الأمور قد عادت إلى مجاريها(17). وكان احتفال التطهير أكثر من هذه الطقوس متعة؛ وكان هذا التطهير يحدث للمحصولات الزراعية أو لقطعان الماشية أو المدينة. وكانت الطريقة المتبعة في هذا الاحتفال أن يطوف موكب بالشيء المراد تطهيره، ويقدم له الصلوات والذبائح، فيتطهر بذلك من المؤثرات السيئة ويرد عنه الشر. ولم تكن الصلوات قد خلصت كل الخلاص من الرقي السحرية؛ وكان اللفظ الذي يطلق عليها وهو كارمن Carmen يعني الأنشودة والرقية جميعاً؛ ويعترف بلني صراحة بأن الصلاة ضرب من الأقوال السحرية(18). وإذا ما تليت الصيغة حسب الأصول المرعية ووجهت إلى الإله الذي يجب أن توجه إليه حسب سجل الآلهة indigitamenta الذي جمعه الكهنة واحتفظوا به، فإن الرجاء لا بد أن يجاب؛ فإذا لم يجب فإن غلطة ما قد حدثت في الطقوس المرعية. وقريب من السحر وذو صلة به الفوتا vota أو النذور التي كان يطلبون بها معونة الآلهة؛ وكانت هياكل عظمية تشاد في بعض الأحيان وفاء بهذه النذور. وتوحي النذور الكثيرة التي كشفت بين مخلفات الرومان على أن الدين كان يملأ قلوبهم، وعلى أنه كان يمتزج به ويلطفه تقي وشكر على النعم، وشعور بالصلة القوية بين الناس وبين قوى الطبيعة الخفية، ورغبة أكيدة في أن يكون الناس على وفاق مع هذه القوى جميعها. هذا ما كان للدين من أثر في قلوب الشعب، أما دين الدولة فكان على النقيض من هذا، كان شكلياً جامداً، لا يعدو أن يكون نوعاً من العلاقة القانونية التعاقدية بين الحكومة والآلهة. ولما أن تسربت إلى البلاد أديان جديدة من الشرق المغلوب، كان أول ما تضعضع في الدولة الرومانية هو هذا الدين الرسمي، أما الإيمان العميق ذو المظاهر الجميلة الجذابة، والطقوس المنتشرة في الريف، فقد ظلت تقاوم الأغلال في صبر وعناد طويلين. ولما تغلب الدين المسيحي في آخر الأمر استسلم بعض الاستسلام إلى هذا الإيمان الريفي القديم فأخذ عنه كثيراً من عقائده وطقوسه، وكان ذلك الأخذ عن حكمة وأصالة رأي، ولا تزال هذه الطقوس باقية في العالم المسيحي إلى هذه الأيام، وإن تشكلت بأشكال جديدة وعبر عنها بألفاظ غير الألفاظ القديمة.


3- الأعياد

إذا كانت العبادات الرسمية مكتئبة صارمة فإن ما كان فيها من أعياد قد عوضها عن هذه الصرامة وصَوَّر الناس والآلهة في صورة أبهى وأجمل منظراً. فقد كانت السنة تزدان بأكثر من مائة يوم مقدس (feriae) من بينها اليوم الأول من كل شهر، وقد شمل أحياناً اليومين التاسع والخامس عشر. وخصصت بعض هذه الأعياد لتقديس الموتى وأرواح العالم السفلي؛ وكان يقصد بالأعياد وما يقام فيها من احتفالات استرضاء الموتى وإقصاء غضبهم؛ فكانت الأسر الرومانية تحتفل في الأيام ما بين 11،13 من شهر مايو احتفالاً رهيباً بعيد الأرواح الميتة Lemures؛ فكان الأب في هذا العيد يبصق من فمه فولاً أسود وهو ينادي: "بهذا الفول أنجي نفسي وأبنائي.. أذهبي يا أطياف أسلافي(19)!" ولم تكن أعياد البارنتاليا Parentalia والفراليا Feralia التي تقام في شهر فبراير إلا محاولات أخرى من هذا النوع لاسترضاء الأموات المخيفين؛ لكن معظم الأعياد كانت مناسبات للمرح وملء البطون؛ وكثيراً ما كان العامة يتخذونها فرصاً لإباحة الجنسية؛ وشاهد ذلك ما يقوله أحد الأشخاص في مسرحية هزلية لبلويس: "في وسعك أن تأكل ما تشاء، وتذهب حيث تشاء، وتحب من تشاء، على شريطة أن تمتنع عن الاتصال بالأزواج والأرامل والعذارى، والغلمان الأحرار(20)" ويلوح أنه كان يحس بأن ثمة بعد هذا مجالاً واسعاً للاختيار.

وكانوا يحتفلون في اليوم الخامس عشر من شهر فبراير بعيد عجيب هو عيد لوبركاليا المخصص للإله فونس Faunus الحامي من الذئاب Iupercus، وكان يضحي في هذا العيد بالمعز والضأن، وكان اللوبرسي Iuperci-وهم كهنته لا يلبسون على أجسادهم إلا مناطق من جلد المعز- يهرولون حول البلاتين Palatine يدعون الإله فونا أن يبعد عنهم الأرواح الشريرة، ويضربون وهم يهرولون من يلقون من النساء بسياط من جلود الحيوانات المضحي بها ليطهرونهن ويزيدوا في قدرتهن على إنجاب الأبناء، ثم يلقون بعد هذا دمى من القش في نهر التيبر لاسترضاء إله النهر أو ختله، ولعل هذا الإله في الأيام التي كانت أكثر من ذلك الوقت همجية كان يتطلب أن تلقى فيه ضحايا بشرية. وفي اليوم الخامس عشر من شهر مارس كان الفقراء يخرجون من أكواخهم، ويفعلون ما كان يفعله اليهود في عيد المظلات، فيقيمون لهم خياماً في حقل المريخ، ويحتفلون بالسنة الجديدة، ويدعون الإلهة أنابريا AnnaPerenna (حلقة السنين) أن تهبهم سنين بعدد ما يحتسون من أكواب الخمر(21). وكان في شهر إبريل وحده ستة أعياد آخرها كلها عيد فلوراليا Floralia. وكان هذا العيد وهو عيد فلورا Flora إلهة الأزهار والينابيع يدوم ستة أيام كلها مرح وسكر وعربدة. وفي اليوم الأول من شهر مايو كان يحتفل بعيد الإلهة الصالحة Bona Dea، وفي التاسع والحادي عشر والثالث عشر من هذا الشهر يحتفل باللبراليا Liberalia عيد ليبر Liber وليبرا Libera إله العنب وإلهته؛ وكان جماعات من الرجال والنساء في ذلك اليوم يمجدون جهرة عضو التذكير في الرجال وهو رمز الإخصاب(23). وفي آخر شهر مايو كان الإخوان الأرفال Arval يقودون الناس في مواكب عيد الأمبرفاليا Ambarvalia وهو عيد رهيب وإن لم يكن يخلو من المرح. ثم تهمل الأرباب فلا تقام لها أعياد في أشهر الخريف بعد أن تكون المحصولات قد أدخلت في المخازن، حتى يقبل شهر ديسمبر فيزدحم بالأعياد مرة أخرى. فكان عيد السترناليا Saturnalia يدوم من اليوم السابع عشر إلى اليوم الثالث والعشرين من ذلك الشهر، وكانوا يحتفلون فيه ببذر بذور العام المقبل ويحيون ذكرى حكم زُحَل Saturn الذي لم يكن الناس ينقسمون فيه طبقات، والذي يتبادلون فيه الهدايا، ويتحررون من كثير من القيود، ويلغى فيه أو يعكس إلى حين ما بين الأحرار والعبيد من فروق، فكان في مقدور العبيد أن يجلسوا بجوار سادتهم، ويصدروا إليهم الأوامر، ويتهكموا عليهم، وكان السادة يقفون على الموائد لخدمة العبيد، ولا يأكلون حتى تمتلئ بطونهم بالطعام(24).

وكانت هذه الأعياد زراعية النشأة ولكنها مع ذلك ظلت منتشرة بين أهل المدن، وبقيت رغم ما طرأ على العقائد من تقلبات حتى القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد. وقد بلغت من الكثرة والاضطراب حداً جعل من أول واجبات التقويم الروماني إحصاءها وترتيبها لإرشاد الشعب. وكان من عادة الإيطاليين في عهدهم الأول أن يدعو الكاهن الأكبر المواطنين في أول يوم من كل شهر ويذكر لهم ما فيه من الأعياد التي يجب عليهم أن يحتفلوا بها في الثلاثين يوماً؛ وقد اشتق من هذه الدعوة (Calatis) اسم Calendae الذي سمي به اليوم الأول من كل شهر. وكان معنى التقويم عند الرومان- وهو معنى لا يزال يحتفظ به إلى حد ما عند الكالثوليك المسيحيين وعند اليهود المتدينين- ثبتاً كهنوتياً لأيام الأعياد وأعمال العمل، يتخلله قليل من المعلومات المقدسة القانونية، والتاريخية والفلكية. وتقول الروايات المأثورة إن نوما Numa ثاني ملوك رومه هو واضع التقويم الذي ظل يضبط التواريخ والحياة الرومانية إلى أيام يوليوس قيصر. وكانت السنة حسب هذا التقويم تنقسم إلى اثنى عشر شهراً قمرياً، تضاف إليها عدة أيام وأجزاء من أيام بنظام معقد يجعل متوسط مجموعها 366 يوماً. ثم خوّل للأخبار في عام 191م أن يعالجوا الأخطاء المتزايدة بإعادة النظر في هذه الإضافات، ولكنهم استخدموا السلطة التي منحت لهم لإطالة حكم من يرضون عنه من الحكام، وتقصير حكم من لا يرضون عنه منهم، ومن أجل هذا فإنه لم يكد ينتهي عهد الجمهورية حتى كان التقويم، وقد تجمع فيه من الأخطاء ما يبلغ ثلاثة أشهر، مثالاً للفوضى ووسيلة إلى التلاعب والخداع.

أما ساعات النهار فكانت في الأيام الأولى لا تقدر بغير ارتفاع الشمس في السماء، وظل هذا هو النظام المتبع حتى جئ في عام 263 ق.م بمزولة شمسية من قطانا Catana في صقلية ووضعت في السوق العامة. ولكن هذه المزولة لم تكن تبين الوقت على حقيقته لأن قطانا كانت على بعد أربع درجات جنوبي رومه؛ وقد ظل الكهنة مائة عام عاجزين عن أن يضبطوا عن أن يضبطوا هذه المزولة حتى تبين الوقت الحقيقي في عاصمة البلاد. وفي عام 158 أقام سبيو ناسيكا Scipio Nasica ساعة شمسية عامة. وكان الشهر يقسم إلى ثلاث فترات يفصلها بعضها عن بعض اليوم الأول، واليوم الخامس أو السابع واليوم الثالث عشر أو الخامس عشر. ويسمى اليوم الأول الكالند kalend والخامس أو السابع النون none والثالث عشر أو الخامس عشر الأيد ide. وكانت الأيام تسمى بطريقة سمجة عجيبة أساسها البعد عن هذه الأيام المحَّددة لأقسام الشهر. مثال ذلك أن اليوم الثاني عشر من شهر مارس كان يسمى "اليوم الثالث قبل أيِد مارس". وكان "الأسبوع" عندهم يتكون من تسعة أيام أو نحوها وينتهي بيوم النندني nundinae أو اليوم التاسع، وهو اليوم الذي يذهب فيه القرويون إلى أسواق المدن. وكانت السنة تبدأ بابتداء فصل الربيع، ويسمى الشهر الأول مارتيوس Martius باسم إله البذر، ثم يليه أبريلس Aprilis أي شهر النَّبت، ثم مايوس Maius أي شهر مايا Maia أو لعله شهر الوفرة، ويونيوس Junius شهر يونو Juno، أو لعله شهر النجاح، ثم كونكتلس Quinctilis، فسكستلس Sextilis، فسبتمبر فأكتوبر فنوفمبر فديسمبر. وقد سميت بترتيبها العددي في السنة؛ ثم يليها يناير January ليانوس Janus وفبراير لفبروا Februa أو الأشياء السحرية التي يطهر بها الإنسان. وكانت السنة نفسها تسمى أنس Annus أي الحلقة كأنهم يريدون أن يقولوا إنه لا توجد للزمن في واقع الأمر بداية ولا نهاية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4- الدين وأثره في الأخلاق

ترى هل أعلن هذا الدين على تقويم الأخلاق؟ لقد كان من بعض النواحي مبعث الفساد الخلقي. فاهتمامه بالطقوس والمراسم يوحي بأن الآلهة لا تجزي الشخص لصلاحه بل لما يقدمه لها من الهدايا وما يتلوه من الصيغ، وكانت الأدعية والصلوات يطلب بها على الدوام النفع المادي أو النصر الحربي.وكان ما يقام من الحفلات يمثل حياة الإنسان وتربة الأرض في صورة المسرحية، ولكن هذه الاحتفالات كثرت وزاد عددها كأن هذه الأعياد، لا صلة الجزء بالكل وإخلاصه له، هي أساس الدين وجوهره. وكانت الآلهة، عدا قلة صغيرة منها، أرواحاً رهيبة مجردة من النبل والأخلاق الفاضلة.

لكن الدين القديم مع هذا كله كان يدعو إلى فضائل الأخلاق، والى النظام والقوة في الفرد والأسرة والدولة. وكان هذا الدين يصوغ أخلاق الطفل، قبل أن يتسرب إليه الشك، ويعوده التأدب وأداء الواجب ولطف المعاشرة. كذلك كان يجعل للأسرة حقوقاً وضمانات ومعونة مقدسة: فكان يغرس في قلوب الآباء والأبناء أقصى درجات الاحترام المتبادل والتقوى، ويجعل للمولد والوفاة كرامة ومعنى قدسياً خاصاً، ويدعو إلى الوفاء بيمين الزواج ويشجع على التناسل إذ يجعل الأبوة شرطاً أساسياً لطمأنينة روح الميت وتمتعها بالهدوء والسلام. يضاف إلى هذا أن الدين، بما كان يفرضه من المراسم والحفلات قبل كل حملة ومعركة حربية، يرفع قوة الجندي المعنوية، ويحمله على الاعتقاد بأن القوى الروحية تحارب إلى جانبه، وأنه كان يثبت القانون ويزيده قوة بما يعزو إليه من أصل سماوي وصورة دينية، وبقوله إن الجرائم تخل بنظام السماوات وبسلمها وبوضع سلطان جوف وراء كل قَسَم. وكان الدين يخلع على كل ناحية من نواحي الحياة العامة جلالاً دينياً، ويحتم أن يسبق كل عمل من أعمال الحكومة طقوس وصلوات، ويربط الدولة والآلهة برباط متين، وحد بين التقوى والوطنية، وسما بحب الوطن فجعله عاطفة أقوى مما كان في أي مجتمع آخر يعرفه التاريخ. وبهذا كله كان الدين يشترك مع الأسرة في شرف تكوين ذلك الخلق الحديدي الذي كان هو السر في سيادة رومه على العالم، وفي تحمل تبعة هذا التكوين.


الفصل الثالث: الأخلاق

ترى أي مبادئ خلقية نشأت من هذه الحياة التي كانت تحياها الأسرة الرومانية بين هذه الأرباب المختلفة؟ لقد كانت الآداب الرومانية من أيام عهد إنيوس Ennius إلى عهد جوفنال Juvenal تجعل تلك الأجيال القديمة مثلاً أعلى وتندم على الأيام الخالية أيام البساطة والفضيلة القديمتين. وستوحي إلينا صحف هذا الكتاب أيضاً بما كان هناك من فوارق بين رومه فبيوس الرواقية ورومه نيرون الأبيقورية، ولكن علينا ألا نغالي في هذه الفوارق بتحيزنا في اختيار الشواهد التي ندلل بها على وجودها؛ ذلك بأنه كان في عهد فبيوس أبيقوريون كما كان في عهد نيرون رواقيون.

ولقد ظلت الأخلاق الجنسية عند الرجل العادي واحدة لم يطرأ عليها تغيير من بداية التاريخ الروماني إلى نهايته: ظلت خشنة طليقة ولكنها لا تتعارض مع الحياة الناجحة في ظل الأسرة. وكان يطلب إلى الفتيات في جميع الطبقات الحرة أن يحافظن على بكارتهن، وما أكثر القصص القوية التي كانت تروى لرفع شأنها؛ ذلك أن الروماني كان قوي الإحساس بحق الملكية، شديد التمسك به، ولهذا كان يتطلب زوجة قوية الأخلاق غير متقلبة الأهواء تضمن له أنه لن يرث متاعه بعد موته أبناء من غير صلبه. ولكن الرجال في رومه لم يكونوا يلامون كثيراً على عدم العفة قبل الزواج إذا أظهروا الاحترام الواجب لرياء بني الإنسان ونفاقهم، شأنهم في هذا شأن الرجال في بلاد اليونان. وأنا لنجد في أقوال كتابهم وخطبائهم من عهد كانو الأكبر إلى شيشرون عبارات صريحة يبررون بها هذا النوع من الدنس(25)؛ وليس الذي يزيد بتقدم المدنية هو فساد الطبع وإنما الذي يزيد هو الفرص التي تتاح لإظهار هذا الفساد والتعبير عنه. ولم تكن العاهرات كثيرات في رومه في أيامها الأولى، وكان يحرم عليهن لبس مئزر الأمهات وهو شعار الزوجة المحترمة، وكن محصورات في الأركان المظلمة من رومه ومن المجتمع الروماني. ولم تكن قد نشأت فيها وقتئذ طائفة المحظيات المتعلمات الشبيهات بطائفة المطربات في أثينا، كما لم يكن قد نشأ فيها بعد أولئك المومسات الرقيقات اللاتي تغنى بهن أوفد Ovid في شعره. وكان الرجال يتزوجون في سن مبكرة قبل السنة العشرين من عمرهم في العادة، ولم يكن الباعث على الزواج هو الحب الروائي، بل كان هو الرغبة الصادقة السليمة في أزواج يعاونهم في عملهم، وأبناء ذوي فائدة لهم، وأن يستمتعوا بحياة جنسية سليمة. وكان يقال في حفلة الزفاف إن الغرض من الزواج هو إنجاب الأطفال. وكان للأطفال في المزرعة كما كان للنساء فائدة اقتصادية كبرى ولم يكونوا كما هم اليوم لعباً حية. وكان الأباء هم الذين يزوجون أبناءهم وبناتهم، وكانت عقود الزواج تعقد أحياناً على الأبناء في طفولتهن، وكان رضا أبوي الزوج والزوجة ضرورياً لإتمام عقد الزواج. وكانت تصحب الخطبة مراسم وتقاليد معينة، تعد رابطة قانونية بين الزوجين. وكان أقرباء الزوجين يجتمعون في وليمة ليشهدوا عقد الزواج، وكانت قشه stipula تكسر بين أهل العروسين علاوة على اتفاقهما. وكانت شروط الزواج وبخاصة ما يتصل منها بالمهر تسجل كتابة، وكان الزوج يضع خاتماً من الحديد في الإصبع الرابعة من أصابع اليد اليسرى للزوجة لاعتقادهم أن عصباً يسير من تلك الإصبع إلى القلب(26). وكانت أصغر سن يباح فيها الزواج هي الثانية عشرة للفتاة والرابعة عشرة للفتى، وكان القانون الروماني القديم يجعل الزواج إجبارياً(27)، ولكن اعتقادنا أن هذا القانون قد أغفل ولم يكن يطبق قبل عام 413 ق.م حين فرض الرقيب كملس Camillus ضريبة على العزاب. وكان الزواج نوعين زواجاً كم مانو Cum Manu وزواجاً سن مانو sin manu أي زواجاً يتبعه وضع العروس وما تملك تحت سلطان زوجها أو والده وزواجاً لا يتبعه هذا الوضع. وكان زواج سن مانو (من غير تسليم) في غير حاجة إلى حفلة دينية، ولا يتطلب أكثر من رضاء العروس والعريس. أما زواج وضع اليد فكان يتم أما بالمعاشرة مدة عام (usus وأما بالشراء (Coemptio). وكان هناك نوع ثالث يعرف بالزواج بطريق الكنفرياشيو (Confarreatio) والمعنى الحرفي لهذا اللفظ هو (أكل كعكة معاً). وكان هذا النوع الأخير يتطلب حفلاً دينياً، ولا يتم إلا بين الأشراف.وقد اختفى الزواج بالشراء الفعلي في عهد مبكر، أو أنه انعكس فكانت الزوجة في واقع الأمر كثيراً ما تشتري الزوج ببائنتها. وكانت هذه البائنة توضع عادة تحت تصرف الزوج، ولكن قيمتها ترد إلى الزوجة إذا طلقت أو مات زوجها. وكان يصحب العرس كثير من الحفلات والأغاني الشعبية؛ وكانت أسرتا العروسين تطمعان في بيت العروس، ثم يسير أفرادهما في موكب مرح بهيج إلى بيت والد العريس على أنغام المزامير والأناشيد والمزاح الماجن. فإذا وصلوا إلى بابه المتوج بالأزهار تقدم العريس إلى العروس وسألها: "من أنت؟" فأجابته بعبارة بسيطة تشعر بوفائها ومساواتها وانضمامها له وهي قولها "حيث تكون أنت كيوس Caius أكون أنا كايا Caia"، ثم يرفعها فوق عتبة بيته، ويقدم لها مفاتيحه، ويضع عنقها وعنقه تحت نير إشارة إلى الرابطة المشتركة بينه وبينها؛ ومن ثم سمى الزواج كنيوجيوم Coniugium أي الاشتراك في النير. ثم تشترك العروس في الصلاة لآلهة البيت دلالة على أنها قد انضمت إلى الأسرة الجديدة.

وكان الطلاق عسيراً ونادراً في الزيجات التي تعقد بالكنفرياشيو؛ وفي زواج الكم مانو كان الزوج وحده هو الذي يستطيع فصم عرى الزوجية، أما في زواج السن مانو فكان لكل من الزوجين حق الطلاق إذا أراد دون أن يتطلب هذا موافقة الدولة. وقد سجل أول طلاق في تاريخ الرومان في عام 268 ق.م؛ وتقول إحدى الروايات المشكوك في صحتها إنه لم يحدث قبل هذا طلاق قط مذ أسست مدينة رومه(28). وكانت عادات العشائر الرومانية تتطلب من الزوج أن يطلق الزوجة الخائنة أو العقيم". وفي هذا يقول كاتو الكبير "إذا وجدت زوجتك تزني، فإن القانون يبيح لك أن تقتلها من غير محاكمة؛ وإذا ما فاجأتك مصادفة وأنت ترتكب هذه الجريمة نفسها فليس لها أن تمسك حتى بأطراف أصابعها، لأن القانون يحرم عليها هذا(29)". ويلوح أنه كانت هناك زيجات سعيدة كثيرة على الرغم من هذا التفريق. فشواهد القبور تنطق بالكثير من عبارات الحب والإخلاص التي كتبت عليها بعد وفاة الأزواج. وهاهي ذي عبارة مؤثرة تعظم إحدى السيدات التي أخلصت في خدمة زوجها: "لقد كنت يا ستاتليا Statilia بارعة الجمال إلى أبعد حد وفية لأزواجك!. ولو أن أول من جاء إليك قد استطاع أن يقاوم الأقدار لأقام إليك هذا الحجر؛ أما أنا الذي نعمت بقلبك الطاهر هذه السنين الست عشرة فقد فقدتك، ألا ما أشد أسفي عليك(30)".

والراجح أن فتيات رومه في عهدها الأول لم يبلغن من الجمال ما بلغته أخواتهن في عهودها المتأخرة واللائى يصفهن كاتلس Catullus وصف الرجل الخبير بأنهن Ianeum Iatusculum Manusque molicellas أي أن لهن "جانبين نحيلين أملسين كالصوف، ويدين صغيرتين ناعمتين". أو لعل الفتيات في العهدين لم يكن بينهن هذا الفرق ولكن الكدح والهم في الأيام الأولى أيام العمل في الحقول كانا يطغيان بعد زمن يسير على جمال المراهقة. وقد اشتهرت نساء الرومان بتناسب معارفهن، فكانت لهن أنوف صغيرة رفيعة، وكن في العادة ذوات شعر أسود وعيون داكنة. وكان للشقراوات عندهن منزلة رفيعة، وكذلك كان للصبغات الألمانية التي تكسب الفتيات هذا اللون قيمة كبيرة عند الرومانيات. أما الرجل الروماني فكان يتصف بالقوة والمهابة أكثر مما يتصف بالوسامة، فقد قسا وجهه من أثر تربيته الصارمة والحياة العسكرية الطويلة، ثم نعم واسترخى بعد انهماكه في الملاذ في الأيام الأخيرة. وما من شك في أن كليوبطرة قد أحبت أنطونيوس لسبب آخر غير خديه المنتفختين من احتساء الخمر، وأحبت قيصر بسحر آخر غير سحر أنفه ورأسه الشبيهين برأس النسر وأنفه. لقد كان الأنف الروماني كالخلق الروماني حاداً منحرفاً، وظل الرومان يلتحون ويطيلون شعر رؤوسهم حتى عام 300 ق.م حين بدأ الحلاقون يمارسون مهنتهم في رومه. أما ملابسهم فكانت في جوهرها كملابس اليونان، فكان الأولاد والبنات والحكام وكبار الكهنة يلبسون التوجا براتكستا Toga Praetexta أي الجبة ذات الأهداب الأرجوانية. فإذا أتم الشاب السادسة عشرة من عمره استبدل بها التوجا فريلس toga virilis "حبة الرجولة" البيضاء دلالة على أنه قد أصبح من حقه أن يقترع في الجمعيات الوطنية ومن واجبه أن يخدم في الجيش. وكانت النساء في داخل البيوت يلبسن ثوباً (استولا (stola) يربطونه بمنطقة تحت الثديين، ويصل إلى القدمين؛ فإذا خرجن من البيوت لبسن فوقه Palla أو عباءة. وكان الرجال وهم في البيوت يلبسون قميصاً بسيطاً tunica، فإذا خرجوا منها أضافوا إليه جبة على الدوام وعباءة في بعض الأحيان. وكانت الجبة (tegere أي يغطى) رداء من الصوف تتكون من قطعة واحدة يبلغ عرضها ضعفي عرض لابسها، وطولها ثلاثة أضعاف طوله. وكانت تلف حول الجسم ويلقى ما زاد منها على الكتف اليسرى، ثم تلف من تحت إبط اليد اليمنى، وتعود مرة أخرى فتلقى فوق الكتف اليسرى. وتستخدم ثناياها التي فوق الصدر كما تستخدم تحت الجيوب، وكانت تترك ذراع لابسها اليسرى حرة في حركتها.

وكان الرجل الروماني يصطنع المهابة الصارمة (gravitas) ويراها خلة ثقيلة لا يستغني عنها الأشراف الذين يحكمون شعباً، ثم شبه جزيرة، ثم إمبراطورية. وكان ما يتصف به من رحمة وعاطفة رقيقة مقصوراً على الحياة المنزلية؛ أما في الحياة العامة فقد كان على رجل الطبقة العليا أن يكون راسخاً جافاً كتمثاله، وأن يخفي وراءَ قناع من الهدوء الصارم ما في طبعه من تهيج وفكاهة لا نراهما واضحين ساخرين في مسرحيات بلوتوس الفكهة فحسب بل نراهما كذلك في خطب شيشرون. لقد كان يطلب إلى الرومان حتى في الوقت الذي نتحدث عنه أن يعيش عيشة إسبارطية؛ فكان الرقيب يستهجن الترف في الملبس والمأكل؛ بل أن الزارع إذا أهمل زرعه كان معرضاً لأن يفاجئه الرقيب ليحاسبه على هذا الإهمال. وليس أدل على تقشف الرومان من أن السفراء القرطاجنيين حين عادوا من رومه بعد الحرب البونية الأولى أخذوا يسّلون أثرياء التجار في بلدهم بقولهم إنهم شاهدوا مجموعة بعينها من الصحاف الفضية في كل بيت دعوا إليه، أي أن مجموعة واحدة تنقل سراً من بيت إلى بيت كانت تكفي طبقة الأشراف جميعها. وكان أعضاء مجلس الشيوخ في ذلك الوقت يجلسون على مقاعد خشبية صلبة في بهو Curia لا يدفأ قط في فصل الشتاء.

بيد أن الثروة والترف قد بدءا وسارا سيراً حثيثاً بين الحربين البونيتين الأولى والثانية؛ وشاهد ذلك أن هنيبال جمع من أصابع الرومان الذين قتلوا في معركة كاني عدداً كبيراً من الخواتم الذهبية(32)، وأن قوانين عدة قد وضعت لتحرم الجواهر المنقوشة، والملابس المبهرجة، والوجبات الغالية الثمن، ولكن هذه القوانين رغم تكررها ظلت عديمة الجدوى. لقد ظلت وجبات الروماني العادي حتى القرن الثالث قبل الميلاد وجبات بسيطة، فكان فطوره (ientaculum) يتكون من الخبز وعسل النحل أو الزيتون أو الجبن؛ وكان غذاؤه (prandium) وعشاؤه (Cena) يتكونان من البقول والخضر والفاكهة. أما السمك واللحم فكان يختص بهما الأغنياء(33). وقلما كانت مائدة ما تخلو من النبيذ المخفف، أما شرب النبيذ المركز فكان يعد إفراطاً. وكانت الأعياد والولائم من المتع الضرورية في هذا العهد الرواقي، وكان العاجزون عن التمتع بها يضايقهم هذا العجز ويظهرون ما يحل بهم بسببه من إجهاد عصبي في تماثيلهم التي خلفوها لمن جاءوا بعدهم.

ولم يكن للصدقات مجال في هذه الحياة المقتصدة المتقشفة. وقد بقيت الضيافة من العادات التي يتبادلها الرومان لتيسر عليهم أسفارهم طالما كانت النزل فقيرة ومتباعدة، ولكن بولبيوس يقول "إن أحداً في رومه لا يقدم شيئاً ما لأي إنسان إذا كان ذلك الامتناع في مقدوره(34)"- وما من شك أن في هذا كثيراً من المغالاة. وكان الصغار يشفقون على الكبار، ولكن الظرف والكياسة لم يصلا إلى رومه إلا في آخر أيام الجمهورية. وقد غيرت الحروب والفتوح أخلاق الرومان فجعلتهم في الغالب غلاظاً قساة إلى حد بعيد، لا يأنفون من أن يقتلوا دون أن يؤنبهم ضميرهم على القتل، وأن يقتلوا دون أن يشكوا منه. وكان أسرى الحرب يباعون في الأسواق آلافاً مؤلفة، عدا الملوك وقواد الجند فكانوا يقتلون عقب النصر أو يتركون ليموتوا موتاً بطيئاً من أثر الجوع. أما في دوائر الأعمال فكانت أخلاق الرومان خيراً من هذه الأخلاق. نعم إن الرومان كانوا يحبون المال، ولكن بولبيوس (حوالي 167 ق.م) يصفهم بأنهم رجال مجدون شرفاء؛ ويقول المؤرخ اليوناني إن أحداً لا يستطيع أن يمنع اليوناني من الاختلاس مهما كان عدد الكتبة الذين يعيشون لمراقبته، أما الرومان فكانوا يتصرفون في مبالغ طائلة من الأموال العامة ولم يثبت عليهم الاختلاس إلا في حالات جد نادرة(35). على أننا رغم هذا القول نجد أن قانوناً قد صدر في عام 432 ق.م لمنع الغش في الانتخابات. ويقول المؤرخون الرومان إن النزاهة السياسية قد بلغت أوجها في الثلاثة قرون الأولى من عهد الجمهورية، ولكنهم يثيرون الريبة بما يكيلونه من المدح لفالريوس كورفوس Valerius Corvus بقولهم إنه شغل واحداً وعشرين منصباً من مناصب الحكام، ثم عاد إلى حقوله فقيراً كما كان حين خرج منها؛ ولكيوريوس دنتاتوس Curius Dentatus الذي لم يحتفظ لنفسه بشيء من الغنائم التي استولى عليها من الأعداء؛ولفابيوس بكتور Fabius Pictor ورفاقه الذين قدموا للدولة ما أعطى لهم في مصر من الهدايا الثمينة حين ذهبوا إليها في بعثة رسمية. وكان الأصدقاء يقرضون بعضهم بعضاً من غير فائدة. وكثيراً ما كانت الحكومة الرومانية تلجأ إلى الغدر في معاملتها للدول الأجنبية، ولعل الإمبراطورية كانت أشرف من الجمهورية في علاقاتها الخارجية. ولكن مجلس الشيوخ أبى أن يتغاضى عن تسميم بيرس Pyrrhus، وحذره من المؤامرة التي كانت تدبر له(36). ولما أن أرسل هنيبال بعد معركة كاني عشرة أسرى إلى رومه ليفاوضوها في افتداء ثمانية آلاف أسير آخرين ووعده هؤلاء العشرة بالعودة إليه، وفوا كلهم عدا واحداً منهم بما وعدوه به، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن ألقى القبض على هذا العاشر وصفده بالأغلال، وأعاده إلى هنيبال، ويقول بولبيوس إن سرور هنيبال لنصره "لم يبلغ من الشدة ما بلغه حزنه حين رأى ما يتصف به الرومان من ثبات وشهامة(37)". وقصارى القول أن الروماني العادي في ذلك العهد كان محباً للنظام، محافظاً، وفياً، لا يفرط في الشراب، وقوراً بخيلاً، قاسياً، عملياً. وكان يعجب بالنظام ويسر منه ولا يستمع إلى ما يقال من الهراء عن الحرية؛ وكان مطيعاً يرى أن الطاعة خير سبيل إلى اعتياد الأمر والنهي. وكان يسلم بلا جدال بأن من حق الحكومة أن تتثبت من أخلاقه كما تتثبت من إيراده، وأن قدره عندها لا يوازن إلا بما يقدمه للدولة من خدمات، وكان لا يؤمن بالفردية ولا يثق بالعبقرية. ولم يكن يتحلى بشيء من الجاذبية، وخفة الروح وطلاقة اللسان التي يتصف بها يونانيو أتيكا Attica. وكان إعجابه بالأخلاق الفاضلة والإرادة القوية يماثل إعجاب اليونان بالحرية والذكاء. وكان النظام مصدر تفوقه على غيره. وكان يعوزه الخيال إلى حد عجز معه عن أن ينشئ له أساطير خاصة به. وكان يحمل ببعض الجهد على أن يحب الجمال، ولكنه قلما استطاع أن يخلق هذا الجمال خلقاً. وقلما كان يجد لديه فائدة للعلوم البحتة، وكان يرتاب في الفلسفة، ويرى أنها وسيلة شيطانية للقضاء على الأخلاق والأساليب القديمة. ولم يكن في مقدوره بأية وسيلة كانت أن يفهم أفلاطون أو أركميدس أو المسيح، وكل ما كان يستطيعه أن يحكم العالم.


الفصل الرابع: الآداب

لم تكن الأسرة والدين والقانون الأخلاقي وحدها هي التي تكون أخلاق الروماني، بل إن المدرسة والآداب كان لها هي الأخرى شأن في تكوين خلقه وإن يكن أقل من شأن العوامل الثلاثة الأولى. ويقول افلوطرخس إن أول مدرسة رومانية أنشئت في عام 250 ق.م(38)، ولكن ليفي في وصف فرجنيا Viirgtnia محبوبة أحد الحكام العشرة، ولعل لخياله الخصب شأن في هذا الوصف، إنها "كانت تذهب إلى مدرسة في السوق العامة" في تاريخ مبكر جداً وهو عام 450 ق.م. وإن مطالبة الشعب بتدوين القوانين، ونشر الألواح الأثني عشر، ليوحي بأن كثرة المواطنين في رومه كانت في تلك الأيام تعرف القراءة والكتابة.

وكان المدرس في العادة من العبيد أم من العبيد المحورين تستخدمه عدة أسر لتعليم أبنائها، أو ينشئ هو لنفسه مدرسة خاصة يقبل فيها من يتقدم إليه. ويعلم فيها القراءة والكتابة والنحو والحساب والتاريخ والطاعة. وكانت التربية الخلقية مادة أساسية فيها تعلم على الدوام، وكان يعنى بالنظام والتأديب أعظم عناية. وكان في حفظ الألواح الاثنى عشر عن ظهر قلب تدريب للذاكرة وتقويم للأخلاق جميعاً.ومن أقوال هين Heine في وصف الصعوبة التي يلقاها من يريد تعلم اللغة اللاتينية إنه "لو اضطر الرومان لتعلم اللغة اللاتينية لما وجدوا لديهم من الوقت ما يسمح لهم بفتح العالم(40)". ولكن الرومان أيضاً قد اضطروا إلى دراسة تصريف الأفعال اللاتينية الشاذة، ولم يلبثوا أن اضطروا إلى دراسة اللغة اليونانية. وكان الطالب اليوناني يدرس سير أبطال الرومان وما قامت به بلاده من جلائل الأعمال بدراسة آثار كتابها وشعرائها، وكان يتلقى دروساً في الوطنية بدراسة حوادث لم تحدث قط. ولم يكن الرومان يعنون بالألعاب الرياضية لأنهم كانوا يفضلون أن يقووا أجسامهم ويتعودوا تحمل المشاق بالقيام بالأعمال المجهدة النافعة في الحقول والمعسكرات، لا بالمباريات في المجتلدات والملاعب الرياضية. وكانت اللغة- كما كان الشعب- اقتصادية عملية محددة المعاني، مختصرة، جملها الأصلية والتبعية منظمة تنظيماً يوصل إلى هدف محدد. وثمة آلاف من الروابط بينها وبين اللغتين السنسكريتية واليونانية واللغات الكلتية التي كان ينطق بها الغاليون الأقدمون وسكان ويلو وأيرلندة؛ وهذه اللغات كلها من أسرة اللغات الهندوربية. وكانت اللغة اللاتينية أضيق من اللغة اليونانية خيالاً، وأقل منها مرونة واستعداداً لتكوين الكلمات المركبة؛ وكان لكريشيوس وشيشرون يشكوان من قلة مفرداتها، ومن عجزها عن بيان الفروق الدقيقة في المعنى الواحد. لكنها مع ذلك كانت ذات نغمة طنانة فخمة وقوة أضحت بفضلهما من أصلح اللغات للخطابة؛ كما أن أسلوبها الجزل الموجز، وعبارتها المنطقية، قد جهلاها صالحة لتدوين القانون الروماني. وقد انتقلت الحروف الهجائية اللاتينية إلى رومه من جزيرة خلقيس العوبية Euobean Chalcis عن طريق كومية وإتروريا(41). ومن أجل هذا نرى الحروف اللاتينية كلها يونانية الشكل في أقدم نقش لاتيني معروف يعزى إلى القرن السادس قبل الميلاد، وكان حرف C في اللاتينية القديمة ينطق كافاً مثل حرف K في الإنجليزية كما كان حرفا U,V ينطقان مثل W,U ؛ أما الحروف الدالة على الحركات فكانت شبيهة بمثلها في اللغة الإيطالية الحديثة. وكان معاصرو قيصر ينطقون اسمه قيصر Yooleous Keyssar كما كان اسم شيشرون Cicero ينطق به كيكرو Keekero.

وكان الرومان يكتبون بالحبر ببراعة معدنية مشقوقة (calamus, stilus) على أوراق الأشجار في بادئ الأمر (folia)، ومن ثم كانت الكلمتان الإنجليزيتان Leaf, folio (ومعناهما صفحتان)؛ ثم كتبوا فيما بعد على باطن لحاء الشجر(liber)؛ وكثيراً ما كانوا يكتبون على ألواح بيضاء من الخشب المطلي بالشمع (Album)، وكتبوا بعد ذلك على الجلد المدبوغ، وعلى الورق. وإذ كانت لغة الكتابة اللاتينية أشد مقاومة للتغير من لغة الكلام، فإن لغة الأدب أخذت تختلف شيئاً فشيئاً عن اللغة التي كان يتكلمها الشعب، كما يحدث الآن في أمريكا وفي فرنسا. ولذلك نشأت اللغات الرومانسية الرخيمة: الإيطالية والأسبانية والبرتغالية، والفرنسية، ولغو رومانيا، نشأت هذه اللغات من اللغة اللاتينية الخشنة غير المهذبة التي جاء بها إلى هذه الأقاليم الجنود والتجار، والأفاقون المغامرون، ولم تنشأ من اللغة التي جاء بها الشعراء والنحويون. ولهذا اشتقت الكلمات التي معناها حصان في اللغات الرومانسية- Caballocal، Cavallo، Cheval- من اللفظ اللاتيني العامي Caballus لا من اللفظ الفصيح equis. وكان لفظ ille في اللغة اللاتينية العامية ومكوناً من مقطع واحد كلفظ il في اللغتين الفرنسية والإيطالية، وكان حرف S وحرف M يُحذفان أو لا ينطق بهما إذا كانا في آخر الكلمات كما هي الحال في هاتين اللغتين. وعلى هذا فقد جاءت خير اللغات من نسخ أسوئها: Corruptio pesimi optima. ترى ما هو الأدب الذي كان يقرؤه الشاب الروماني في هذه الثلاثة قرون الأولى من عهد الجمهورية؟ لقد كان في وسعه أن يقرأ ترانيم وأغاني دينية كأغنية إخوان أرفال The Arval Brethren، وكان لديه أيضاً قصائد شعبية تقص ماضي روما التاريخي أو الأسطوري. وكان في ذلك العهد سجلات رسمية -معظمها ما كتبه الكهنة- للانتخابات، والمناصب الكبرى، والحوادث الشهيرة، وعلامات التشاؤم والتفاؤل، وأيام الأعياد .

وقد اعتمد ك. فابيوس بكتور Q. Fabiue Pictor على هذه السجلات في كتابة تأريخ لروما خليق بالاعتبار، وإن كان ما كتبه باللغة اليونانية؛ ذلك بأن اللغة اللاتينية لم تكن تعد في ذلك الوقت صالحة لأن يكتب بها النثر الأدبي، ولم يكن يكتب بها المؤرخون حتى زمن كاتو. لقد كان هناك خليط من النثر يسمى ساتوري Sature، وهو خليط من الكلام المطرب الأجوف والغزل الهزلي -صاغ منه لوسلس Lucillus فيما بعد صورة جديدة كتب بها هوراس Horace وجوفنال Juvenal. وكان لديهم مجون هزلي فاحش أو تقليد صامت يقوم له في العادة ممثلون من إتروريا.

وقد أطلق لفظ استريوني Istiriones على بعض هؤلاء الممثلين القادمين من مدينة استريا Istria ومن هذا الاسم اشتق لفظ Histrio (ممثل) اللاتيني ومشتقاته في اللغة الحديثة. كذلك كانت تمثل في أيام الأسواق والأعياد مسرحيات هزلية فجة شبه مرتجلة، أخذت عنها كثير من المسرحيات الهزلية الإيطالية القديمة والحديثة آلافاً من شخصياتها: كالأب الغني الأبله، والشاب المتلاف صريع الحب، والعذراء المفترى عليها، والخادم الدساس الماهر، والنهم الدائب السعي إلى وجبة، والمهرج المرح الصخاب. وفي ذلك العهد البعيد كان المهرج يتباهى برقع ثيابه الزاهية الألوان، وبسراويله الطويلة المنتفخة، وبصديريته الواسعة الأكمام، وبرأسه الحليق، وهي الصورة التي لا نزال نذكرها من أيام شبابنا. ولقد وجدت على مظلمات خرائب بمبي صورة لا تفرق في شيء عن صورة "القرقوز" المعروفة. وكان أول دخول الأدب في روما على يد عبد يوناني في عام 272 ق.م.

ففي ذلك الوقت سقطت تارنتم في يد الرومان، وذبح الكثير من أهلها اليونان، ولكن ليفيوس أندرينيكوس Levius Andrenicus أسعده الحظ بأن نجا من القتل وصار في عداد العبيد، ثم جيء به إلى روما فأخذ يعلم أبناء سيده وغيرهم من الأطفال اللغتين اللاتينية واليونانية، وترجم لهم الأوديسة بالشعر اللاتيني الساتورني Saturnian وهو عبارة عن أبيات ذات أوزان مفككة غير منتظمة تقاس أوتادها بالنبرات لا بالطول. ثم تحرر من الأسر جزاءً له على جهوده وعهد إليه إيديل بكتابة مأساة ومسلاة تمثلان في ألعاب (Ludi) سنة 240 ق.م. فكتب المسرحيتين على النمط اليوناني، وأرشد ممثليهما، ومثل هو الأجزاء الهامة فيهما، وغنى ما فيهما من الأناشيد على نغمة مزمار حتى بح صوته.

ثم جاء بشخص آخر يغني الأبيات وهو يمثل - وهي طريقة اتبعت في مسرحيات كثيرة بعدهما مثلت في روما، وكان لها أثر كبير في نشأة المسرحية الصامتة المضحكة. وسرّت الحكومة أيما سرور من دخول المسرحية الأدبية في روما فكرمت أندرمكس، بأن أباحت للشعراء أن يؤلفوا اتحاداً لهم، وأن يعقدوا اجتماعاتهم في هيكل منيرفا على الأفنتين. ومن ذلك الحين جرت العادة بتمثيل مسرحيات ذات مناظر في الأعياد العامة (43). وبعد خمس سنين من هذه البداية التاريخية جاء جندي قديم من عامة الشعب ومن أهل كمبانيا يدعى كنيس نيفيوس Cnaeus Naevius فأثار غضب الأهلين المحافظين على تقاليدهم القديمة بتمثيل مسلاة سخر فيها من المفاسد السياسية التي كانت متفشية في العاصمة في أيامه، سخرية لا تقل في صراحتها عن سخرية أرسطوفان Aristophanes.

وشكت الأسر الكبيرة من هذه السخرية، فزجّ نيفيوس في السجن ثم اعتذر عن عمله هذا وأطلق سراحه، ولكنه عاد فألّف مسرحية أخرى لا تقل في سخريتها اللاذعة عن مسرحيته الأولى، أخرج على أثرها من روما. وكتب في منفاه وهو شيخ طاعن في السن ملحمة شعرية في الحرب اليونانية الثانية التي خاض هو نفسه غمارها، تفيض وطنية وحماسة. وتبدأ هذه الملحمة بذكرى تأسيس روما على أيدي اللاجئين الطرواديين، وقد استمد منها فرجيل موضوع ملحمته وكثيراً من مناظرها. وخليق بنا أن نقول إن الحكم الذي صدر بنفيه كان مأساة مزدوجة؛ ذلك أن الملهاة الرومانية قد فتّ في عضدها عنت الرقابة التي كانت تعد السب جريمة يعاقب عليها بالإعدام، وإن السياسة الرومانية قد فقدت فيه ناقداً عاماً جريئاً كان في وسعه أن يطهرها من مفاسدها. وكتب نيفيوس أيضاً مسرحية شعرية تعتمد على تأريخ روما. ووقفت هذه التجربة هي الأخرى عنده، وظلت المآسي الرومانية بعد أيامه محصورة كلها في دائرة الأساطير اليونانية التي نضب معينها ولم تجد منها مخرجاً إلى غيرها من الموضوعات. ولم يبقَ مما كتبه نيفيوس إلا قطع قليلة متفرقة تشهد ببراعته، ومنها قطعة تصف فتاة لعوباً يقول فيها:

"إنها تنتقل من شخص إلى شخص تنقل من يلعب كرة في حلقة، وهي كل شيء لكل رجل، تلقاهم بألفاظها، وغمزات عينها، ودلالها، وعناقها. هذا تضغط عليه بيدها، وذاك بقدمها، وثالث تريه خاتمها، ورابع ترسل له قبلة حارة مغرية من شفتيها، وهنا أغنية، وهناك لغة الإشارات" (44). وخليق بنا أن نقول إن النساء لم يكنّ في ذلك الوقت أقل جمالاً وسحراً مما هنّ الآن، وإن الرومان لم يكونوا كلهم متزمتين كما كان "كاتو"، وإن الفضيلة كانت تتنحى عن مكانها في ظلال أبواب الهياكل نفسها.

ولم يكن للعلوم شأن في تربية المواطن الروماني أو ثقافته إذا استثنينا قواعد الحساب الأساسية، وما يكفي من الهندسة لتخطيط مزرعة أو معبد. وكان الأولاد يعدون على أصابعهم (digita)، ولم تكن الأرقام التي يستخدمونها في العد والحساب إلا صورة للإصبع ممتدة (I)، ولليد (V)، أو اليدين متصلتين عن الرسغ (X)، وكانوا يكتفون في تكوين الأعداد الأخرى بتكرار هذه الرموز (III, II) وبإضافة أرقام قبل V، X أو بعدهما للدلالة على ما هو أقل منهما في الحالة الأولى أو أكثر منهما في الحالة الثانية.

ومن هذا الحساب "اليدوي"، وضع النظام العشري القائم على أجزاء العشرة ومضاعفاتها، أي الأصابع العشر. وأجاد الرومان في استخدام الهندسة في أعمال البناء وغيرها من الأعمال الهندسية، ولكنهم لم يضيفوا نظرية واحدة جديدة إلى النظريات التي ابتكرها العقل اليوناني، ولسنا نسمع شيئاً عن الفلك الروماني في هذا العهد إلا ما يتصل منه بالتقويم المليء بالأخطاء، وبالتنجيم شقيق الفلك وحده.

أما الطب فقد ظل معظمه حتى القرن الثالث مقصوراً على استخدام الأعشاب والسحر والصلوات في البيوت، وكان الاعتقاد السائد أن الآلهة وحدها هي القادرة على شفاء المرضى، وكانوا يبتهلون في كل داء إلى إله خاص، كما نلجأ نحن إلى الطبيب الإحصائي، لكي يضمنوا لأنفسهم الشفاء من هذا المرض (45)، فبعوض المناقع الرومانية كان يلجأ في اتقاء أذاه إلى الإلهتين فبريس Febris ومفتيتس Mephtitis، كما ظل الرومان إلى القرن العشرين بعد الميلاد يلتمسون الشفاء من الحمى من "سيدة الحميات" La Madonna della Febbre (46). وكانت الأضرحة الشافية والمياه المقدسة شائعة شيوعها في هذه الأيام.

وكان هيكل اسيولابيوس Aesculapius مركزاً كبيراً للعلاج الديني يعتمد فيه على التغذية المناسبة، والدعوات الصالحات، والمراسم الدينية المهدئة للأعصاب، ومعونة الأطباء المجبرين العمليين، ولطف مهرة الممرضين- يعتمد فيه على هذه العوامل كلها لإعادة الثقة إلى نفس المريض ولشفائه من مرضه شفاء يظنون أنه إنما جاء عن طريق المعجزات(47). على أنه كان في رومه إلى جانب هذه الوسائل أطباء حقيقيون ودجالون من العبيد قبل المسيح بخمسمائة عام؛ وكان بعضهم يمارسون طب الأسنان لأن الألواح الاثنى عشر كانت تحرّم دفن الذهب مع الموتى إلا إذا كان مستخدماً في تغطية الأسنان(48). ونسمع في عام 219 ق.م عن أول طبيب من الأحرار في رومه، وهو أرشجاتوس البلوبونيزي Archagathus Le Peloponnes. وقد أعجب الأشراف بجراحاته إعجاباً حمل مجلس الشيوخ على أن يطلب له مسكناً رسمياً ويمنحه حرية المدينة. وكان "شغفه الشديد الذي يبلغ حد الهوس بالتقطيع والتحريق" سبباً في تلقيبه فيما بعد بالجزار Carnifex(49). وأخذ الأطباء اليونان من ذلك الوقت يهرعون إلى رومه حتى أصبحت صناعة الطب في تلك البلاد وقفاً على اليونان.


الفصل الخامس: الزراعة

قلما كان الرومان في تلك العصور يحتاج إلى الطب، لأن حياته النشيطة في الزراعة والجندية تكسبه صحة وقوة. وكان يجدُّ في فلح الأرض كما يجد اليوناني في خوض عباب البحر؛ وكانت الزراعة أساس حياته، يقيم المدن لتكون مجتمعاً للزراع يتبادلون فيها محصولات أرضهم، وينظم جيوشه ودولته على أساس استعداده للدفاع عن أملاكه وتوسيع رقعتها، ويفكر في آلهته على أنها أرواح الأرض الحية والسماء المغذية.

ونجد الملكية الفردية قائمة في رومه من أقدم العصور المعروفة(50)؛ على أن بعض الراضي كانت تعد من الأملاك العامة ager publicus التي تستولي عليها الدولة عن طريق الفتح وتحتفظ لنفسها بملكيتها. وكانت أسرة الزراع في عهد الجمهورية الباكر تمتلك فدانين أو ثلاثة أفدنة، يشتغل فيها جميع أفرادها وعبدها إن كان لها عبد، وتعيش عيشة متقشفة على ما تنتجه من الغلات. وكانوا يفترشون القش(51)، ويصحون من نومهم مبكرين، ويخرجون إلى عملهم ونصف جسمهم العلوي عار من الملابس، ليحرثوا الأرض ويمهدوها خلف ثيران تسمدها بفضلاتها، وتتخذ لحومها قرابين دينية وطعاماً في الأعياد والولائم. وكانت فضلات الآنية تتخذ هي الأخرى سماداً، ولكن المخصبات الكيمائية كانت نادرة في إيطاليا قبل عهد الإمبراطورية. وقد استورد في ذلك العهد كتباً في الزراعة العملية من بلاد اليونان ومن قرطاجنة. وكانت الأرض تزرع حباً ثم خضراً، ثم تترك من حين إلى حين لتكون مراعي حتى لا يستنفد خصبها. وكانت الفاكهة والخضر موفورة، وكانت بعد البقول أهم غذاء للأهلين، وكان الثوم من أحب المشهيات، وقد بلغ من شأن الزراعة عندهم أن بعض أسر الأشراف قد اشتقت أسماؤها من الخضر التي تعنى بزراعتها. ومن أمثلة ذلك أسر Lentuli, Fabii,Caepiones، وهي مشتقة من ألفاظ معناها العدس، والبصل، والفول أو الحمص. ثم طغت زراعة التين والزيتون والكروم شيئاً فشيئاً على زراعة الحبوب والخضر، واستبدل زيت الزيتون بالزبد في الطعام، وبالصابون في الاستحمام، واستخدم للإضاءة في المشاعل والمصابيح، كما كان العنصر الأساسي في أدهان الشعر والجلد التي كانت رياح البحر الأبيض المتوسط الجافة وشمسه المحرقة في فصل الصيف تحتم عليهم استعمالها. وكان الضأن أهم قطعانهم لأن الإيطاليين كانوا يفضلون نسيج الصوف على غيره من المنسوجات. وكانت الخنازير والدجاج تربى في ساحة المزرعة، وكان لكل أسرة تقريباً حديقة للأزهار(54).

ثم غيرت الحروب هذه الصورة القروية وما فيها من كدح، ذلك أن كثيرين من الزراع الذين استبدلوا السيف بالمحراث قد غلبوا على أمرهم في ميدان القتال أو اجتذبتهم حياة المدن فلم يعودوا قط إلى حقولهم؛ وكثيرون غيرهم وجدوا أن أرضهم أتلفها الإهمال، أو الجيوش، فلم يجدوا لديهم من الشجاعة ما يحملهم على أن يبدءوا العمل فيها من جديد؛ ومنهم من قصمت ظهورهم الديون الباهظة؛ فاضطر هؤلاء كلهم إلى أن يبيعوا أرضهم بأثمان زهيدة إلى الأشراف أو الممولين الزراع؛ وضم هؤلاء المزارع الصغيرة بعضها إلى بعض وكونوا منها ضياعاً واسعة كبيرة Latifundia، واستبدلوا بزراعة الحبوب في هذه الضياع مراعي للضأن والماشية، وبساتين وكروماً، وحشدوا فيها عبيداً من أسرى الحروب يعملون فيها على أعين مشرفين، كانوا هم أيضاً عبيداً في أغلب الأحيان. وكان الملاك يأتون إلى هذه الضياع بين الفنية والفنية ليلقوا نظرة على أملاكهم؛ ولم يكونوا هم أنفسهم يقومون فيها بعمل من الأعمال، بل كانوا يعيشون عيشة الملاك الغائبين عن أملاكهم في منازل ذات حدائق في الريف، أو في قصور في رومه. وقد بدأ هذا الاتجاه الجديد قبل القرن الرابع، حتى إذا حل القرن الثالث قبل الميلاد نشأت في الريف طائفة من المستأجرين الذين أثقلتهم الديون، وفي العاصمة طائفة من الصعاليك الذين لا ملك لهم، وانتشرت بينهم التذمر والغضب من وضعهم. وما لبث هذان التذمر والغضب أن قضيا على الجمهورية التي أقامها كدح الفلاحين.

الفصل السادس: الصناعة

لم تكن أرض إيطاليا غنية بمعادنها- وكان لفقرها في هذه المعادن أكبر الأثر في تاريخ إيطاليا الاقتصادي والسياسي؛ فلم يكن في البلاد ذهب قط، وكانت الفضة جد نادرة، وكان فيها قدر لا بأس به من الحديد، كما كان بها بعض النحاس، والرصاص، والقصدير، والخارصين، بكميات قليلة لا تكفي لقيام الصناعات. وكانت جميع المناجم في الإمبراطورية كلها ملكاً للدولة، ولكنها كانت تؤجرها للأفراد يستغلونها استغلالاً مجزياً على أيدي آلاف من العبيد. ولم تتقدم صناعة التعدين أو الفنون الصناعية في البلاد إلا قليلاً؛ ولكن البرنز في ذلك العهد كان لا يزال أكثر استعمالاً من الحديد؛ ولم تكن الآلات الرافعة والدلاء ذات السلاسل التي أقامها أركميدس Archimedes وغيره من العلماء في صقلية ومصر تستخدم إلا في خير المناجم الإيطالية وأحدثها. وكان الخشب أهم أنواع الوقود تقطع له الأشجار كما تقطع أيضاً لاستخدامها في بناء البيوت وصنع السفن والأثاث؛ ومن أجل هذا أخذت الغابات تتناقص مساحتها وتنعدم شيئاً فشيئاً من سفوح الجبال، حتى وصل التقطيع إلى الحد الأعلى الذي لا تنمو فوقه الأشجار. وكانت أروج الصناعات وأكثرها ازدهاراً صناعة الأسلحة والعدد في كمبانيا. ولم يوضح قط نظام للمصانع إذا استثنينا مصانع الأسلحة والفخار، ولم يكن الفخرانيون يصنعون الصحاف وحدها بل كانوا يصنعون معها الآجر، والقرميد، والأنابيب، والقنوات التي تجر الماء إلى البيوت. وكانوا في أريتيوم وغيرها يقلدون النماذج اليونانية ويتعلمون صناعة الآنية الفنية. ولم يحل القرن السادس قبل الميلاد حتى كانت صناعة النسيج قد تخطت المرحلة المنزلية في نقش التيل والصوف وإعدادها وصبغهما، وذلك على الرغم من أن صناعة الغزل كان يقوم بها النبات والأزواج والعبيد. أما النساجون الأحرار وغير الأحرار فقد جمعوا في مصانع صغيرة لا تنتج للأسواق المحلية وحدها بل تنتج كذلك ما يلزم منها لتجارة القصدير.

أما الإنتاج الصناعي للاستهلاك غير المحلي فقد كانت تعطله صعاب النقل. ذلك أن الطرق كانت رديئة والقناطر غير مأمونة، والعربات التي تجرها الثيران بطيئة، والنزل في الطرق نادرة، وكان اللصوص كثيرون، ومن ثم اتجهت حركة النقل إلى القنوات والأنهار؛ أما المدن الساحلية فكانت تستورد حاجتها من البضائع بطريق البحر لا من المدن الواقعة خلفها بطريق البر. وما أن حلت سنة 202 ق. م حتى كان الرومان قد أنشئوا ثلاثة من الطرق "القنصلية العظيمة"، وقد سميت قنصلية لأنها كانت تسمى عادة باسم القناصل أو الرقباء الذين كانوا يبدءونها. وما لبث هذه الطرق العامة أن فاقت في صلابتها واتساعها الطرق الفارسية والقرطاجنية التي اتخذها الرومان نماذج لهم في بادئ الأمر. وكان أقدم هذه الطرق طريق فيا لاتينا via Latina الذي خرج به الرومان حوالي 370 ق.م إلى تلال ألبان. وبدأ أبيوس كلوديوس Appius Claudius الضرير في عام 312 طريق فيا أبيا via Appia أو الطريق الأبياوي الذي يصل رومه بكبوا Capua واستخدم في إنشاءه آلافاً من المجرمين(55)، ثم مدد هذا الطريق فيما بعد إلى بنفنتم، وفنوزيا Venusia، وبرنديزيوم Brundisium، وتارنتم. وكان هذا الطريق البالغ طوله 333 ميلاً إنجليزياً يربط ساحلي شبه الجزيرة الشرقي والغربي، وييسر التجارة مع بلاد اليونان والشرق، كما كان هو وغيره من الطرق عاملاً كبيراً في توحيد إيطاليا. وفي عام 241 ق.م شرع أورليوس كوتا Aurilius Cotta في إنشاء الطريق الأوريلي الممتد من رومه إلى أنتيبيس Antibes مخترقاً مدينتي بيزا Pisa، وجنوى Genoa. وافتتح كيوس فلامينوس Caius Flaminus في عام 220 الطريق الفلاميني المؤدي إلى أرمينوم Ariminnm، ثم أنشئ حوالي ذلك الوقت نفسه الطريق الفليري Valerian بين تيبور Tipur وكرفينيوم Corfinium. وهكذا أخذت شبكة الطرق الفخمة تتسع شيئاً فشيئاً: فصعد الطريق الإميلي Aemilian نحو الشمال من أرمينيوم مخترقاً بونونيا Bononia وموتينا Mutina إلى بلاسنتيا Placentia (عام 187)، وربط الطريق البستومي Postumian جنوى بفرونا Veronoa (148) ومسار طريق بويليا Via Popilia من أرمينيوم مخترقاً رافنا Ravenns إلى بدوا Padua (132) ثم أنشئت الطرق في القرن التالي من إيطاليا إلى خارجها- إلى يورك York، وفينا Vienna، وثسلونيكا، Thessalonica، ودمشق، كما امتدت على طول ساحل إفريقية الشمالي. وأفادت هذه الطرق في الدفاع عن الإمبراطورية وتوحيدها، وبعث الحياة فيها، وذلك بمساعدتها الجيوش على سرعة الحركة ونشر الأنباء والعادات والأفكار في ربوعها، كما أضحت مسالك عظيمة للتجارة، وكان لها شأن أيما شأن في تعمير إيطاليا وأوربا وزيادة ثرائهما. لكن التجارة لم ترج في إيطاليا على الرغم من هذه الطرق الكبرى رواجها في شرقي البحر الأبيض المتوسط. ذلك أن رجال الطبقات العليا كانوا ينظرون بعين الاحتقار إلى الشراء بأثمان بخسة والبيع بأثمان مرتفعة، ولذلك تركوا التجارة الداخلية لليونان والمحررين من أبناء الشرق؛ هذا في المدن، أما الريف فقد كان أهله يكتفون بالأعياد التي تقام من حين إلى حين، وبأسواق اليوم التاسع في المدن.

كذلك لم تبلغ التجارة الخارجية شأناً عظيماً لأن النقل البحري كان معرضاً للأخطار، فقد كانت السفن صغيرة الحجم لا تزيد سرعتها على ستة أميال في الساعة سواء أكانت تسير بالشراع أم بالمجاديف، ولم تكن تبعد عن الشاطئ ولا يجرؤ معظمها على الخروج من الموانئ من شهر نوفمبر إلى شهر مارس. كذلك كانت قرطاجنة تسيطر على غربي البحر الأبيض المتوسط والممالك الإغريقية تسيطر على شرقيه، وكان لصوص البحار ينقضُّون من مكامنهم من حين إلى حين على التجار الذين هم أكثر منهم شرفاً إلى حد ما.

وفوق هذا كله كان نهر التيبر دائب العمل على طمر مصبه وسد مدخل ميناء عند أستيا Ostia؛ وقد حدث أن غرقت مائتا سفينة في هذا الميناء على أثر عاصفة هوجاء. يضاف إلى هذا وذاك أن التيار كان قوياً بحيث يجعل سير السفن صاعدة فيه إلى رومه عملاً لا يوازي ما يتطلبه من مشقة وما يتكلفه من مال، ومن أجل هذا بدأت السفن حوالي عام 200 ق.م ترسو عند بتيولي على بعد مائة وخمسين ميلاً جنوبي رومه، ومنها تنتقل حمولتها براً إلى العاصمة. وكان لابد لتيسير هذه الحركة التجارية الداخلية والخارجية من وضع نظام للنقود، والمقاييس، والمكاييل، والموازين، مضمون من الدولة . لقد ظلت الماشية حتى القرن الرابع قبل الميلاد تتخذ وسيلة للتبادل، وذلك لما لها من قيمة عند جميع الناس، ولأنها كان يسهل نقلها من مكان إلى مكان. فلما اتسع نطاق التجارة استخدمت قطع من النحاس، خشنة الصنع غير مهذبة تسمى الإيس Aes (حوالي 330 ق.م). وقد اشتقت الكلمة الإنجليزية الدالة على القيمة estimate من كلمتي Aes timare أي تقويم النحاس. وكانت الوحدة المستعملة في تقويم الأشياء هي الآس As (الواحد) وكان وزنها رطلاً من النحاس، ولما أن سكّت الدولة عملة نحاسية حوالي عام 335 ق.م كانت تطبع عليها في الغالب صورة ثور، أو شاة، أو خنزير، ومن ثم سميت بيكونيا pecunia (من بيكس pecus أي ماشية).

ويقول بلني إنه لما شبت الحرب البونية الأولى "ولم تجد الجمهورية من الأموال ما يفي بحاجاتها، خفضت وزن الآس إلى أوقيتين من النحاس، وبهذه الوسيلة اقتصدت 5slash6 قيمته، وأفلحت في تصفية الدين العمومي(56)". وما أن وافى عام 202 حتى كان وزن الآس قد نقص إلى أوقية واحدة، ثم خفض في عام 87 إلى نصف أوقية لتستعين الدولة بذلك على تمويل الحرب الاجتماعية. وفي عام 269 سكًت قطعتان من النقود الذهبية أولاهما الديناريوس Denarius وكان يساوي عشرة آسات، أي قيمة الدرخمة الأثينية في صورتها الهيلينية المخفضة، والأخرى السترتيوس ومقدارها آسان ونصف آس أو ربع ديناريوس. وفي عام 217 ظهرت أول عملة ذهبية رومانية- الأوري aurei- وكانت قيمته عشرين أو أربعين أو ستين سترتيوس.

أما من حيث قيمة المعادن التي تحتويها كل قطعة من هذه النقود فقد كان في الآس ما قيمته 2slash100 والسستر 5slash100 والديناريوس 20slash100 من الريال الأمريكي.

وإذ كانت المعادن الثمينة أقلّ كثيراً في هذه الأيام، وكانت قيمتها الشرائية لهذا السبب أضعاف قيمتها في الوقت الحاضر(57)، فإن في وسعنا إذا غضضنا النظر عن تقلبات الأثمان في عهد نيرون أن نقوم الآس والسستريوس والتالنت (6000 ديناريوس) في عهد الجمهورية الرومانية ب 6slash100، 15slash100، 60slash100، 3.600 ريال أمريكي على التوالي حسبما كانت قيمة الريال في عام 1942 .

وكان إصدار هذه العملة المضمونة عاملاً مهماً في تدعيم الأعمال المالية في البلاد، فقد كان الرومان الأولون يستخدمون الهياكل في أعمال المصارف، كما نتخذ نحن المال إلهاً لنا والمصارف هياكل نعبده فيها من دون الله. وقد ظلت الدولة تتخذ الأضرحة القوية البناء مستودعات للأموال العامة، ولعلها كانت ترى أن الدين قد يلقى الرعب في قلوب اللصوص فلا يقدمون على السرقة. وكان إقراض المال من أقدم الأعمال في رومه، وشاهد ذلك أن الألواح الأثني عشر تحرم الربا إذا زاد على 8 1slash3% في السنة(60). ثم خفض سعر الفائدة القانوني في عام 347 إلى خمسة في المائة، ثم حرم الربا على الإطلاق في عام 342 ق.م. ولكن المرابين كان في وسعهم أن يروغوا من هذا التحريم الأرسطاطيلي، وكان أقل سعر للفائدة يتقاضونه فعلاً لا يقل عن 12%. فضلاً عن هذا فقد كان الربا الفاحش (الذي يزيد على 12%) واسع الانتشار، وكان يحدث من حين إلى حين أن يتخلص المدينون من ديونهم بالإفلاس أو التشريع. وحدث في عام 352 ق.م أن استخدمت الحكومة وسيلة جد حديثة للتخفيف عن المدينين: ذلك أنها تكفلت هي بالرهون التي كان الوفاء بها مرجحاً أكثر من غيرها، وأقنعت الراهنين بأن يقبلوا عن الرهون الأخرى فوائد أقل من التي تعاقدوا عليها(61)، وأصبح أحد الشوارع المجاورة للسوق العامة Forum هي رجال المصارف، وازدحمت فيه حوانيت المقرضين (argentarii) والصيارفة مبدلي النقود (trapezitae). وكان في وسع الأهلين أن يقترضوا المال بضمان الأرض والمحاصيل الزراعية والأوراق المالية، والعقود الحكومية، كما كان في وسعهم أن يقترضوا لتمويل المشروعات التجارية والرحلات البحرية، وكان يحل محل التأمين الصناعي السائد في أيامنا الحاضرة نظام الإقراض التعاوني؛ وكان يحدث أن يشترك عدد من أصحاب المصارف في تقديم الأموال اللازمة لمشروع ما بدل أن ينفرد واحد منها بتمويله. وكانت هناك شركات مساهمة أشهر ما كانت تقوم به من الأعمال تنفيذ العقود الحكومية التي يبرمها الرقيب بعد أن تقدم إليه عنها عطاءات. وكان أصحاب هذه العطاءات يحصلون على المال اللازم لقيامهم بهذه الأعمال ببيع ما لديهم من الأسهم والسندات للجمهور في صورة "أجزاء صغيرة" أي أسهم particular أو (partes). وقد اضطلعت هذه الشركات المؤلفة من رجال يقومون بالمشروعات العامة أو مشروعات الدولة بعمل خطير في تموين الجيش والأسطول في الحرب البونية الثانية بما يحتاجانه من المؤن والعتاد ونقلها إليهما، ولم يفتها في هذا العمل أن تحاول ما يحاوله غيرها من الشركات، وهو أن تخدع الحكومة(62)، وكان رجال الأعمال equites هم الذين يديرون هذه المشروعات الكبرى، أما ما كان أصغر منها فكان يديره الأرقاء المحررون. وكانت المشروعات غير الحكومية يديرها مديرو الأعمال negotiatunes وكان هؤلاء يدبرون لأنفسهم ما يلزمها من المال.

وكانت الصناعة في أيدي صناع مستقلين يشتغل كل منهم في حانوته الخاص، وكان معظم هؤلاء الصناع ممن الأحرار ولكن كان إلى جانبهم عدد من المحررين ومن الأرقاء أخذ يتزايد على مر الأيام. وكانت الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الصناع مختلفة كل الاختلاف، وكان أكثر ما ينتجون للسوق لا للعميل الخاص. وقد أدى التنافس بين العمال الأحرار والأرقاء إلى خفض أجور الأولين، فانحط مستوى العمال إلى درجة من البؤس لا تقل عن بؤس أفقر عمال المدن الذين يعيشون في أقذر الأحياء في هذه الأيام. ولم يكن إضراب هؤلاء العمال عن العمل ذا فائدة لهم ولذلك كان نادر الحدوث(63)؛ غير أن الفتن بين الأرقاء كانت كثيرة؛ ولم تكن "حرب الأرقاء الأولى" (139 ق.م) أولى هذه الفتن. ذلك أن التذمر إذا اشتد وضاق الناس ذرعاً بمعيشتهم، كان من السهل تلمس سبب للحرب تهيئ أعمالاً للمتعطلين، وتيسر انتشار النقود المنخفضة القيمة، وتوجه غضب الشعب نحو عدو خارجي يطعم الرومان من أرضه إذا انتصروا، أو تستقبلهم هذه الأرض موتى أو أسرى إذا هزموا(64). وكان للأحرار من العمال اتحادات أو جماعات طائفية (Collegia). ولكنها قلما كانت تعنى بمسائل الأجور أو ساعات العمل أو ظروفه. وتعزو الروايات المتواترة إلى نوما Numa فضل إنشاء هذه الاتحادات أو الاعتراف بمشروعيتها. وسواء صح هذا أو لم يصح فإننا نعرف أنه كان القرن السابع قبل الميلاد منظمات للزمارين، والصائغين، والنحاسين، وطارقي الحديد، والحذائين، والفخرانيين ، والصبّاغين والنجارين(65). وكانت جماعات "الفنانين الديونيزيين" Dionysian Artists -الممثلين والموسيقيين- من أكثر الجماعات انتشاراً في العالم القديم. وقد كان في رومه قبل بداية القرن الثاني قبل ميلاد المسيح جماعات طائفية للطباخين، ودابغي الجلود، والبنائين، وصناع البرونز، والحدادين، وصانعي الحبال، والنسّاجين؛ ولكن الراجح أن هذه الطوائف كانت قديمة قدم الطوائف السالفة الذكر. وكان أهم أهداف هذه الاتحادات وأمثالها مجرد السرور الذي تبعثه الصلات الاجتماعية في قلوب أعضائها. وكان الكثير منها جمعيات تعاونية تكفل نفقات دفن الموتى.

ولم تكن الدولة تنظم شئون هذه الاتحادات والجماعات الطائفية وحسب، بل كانت تنظم كذلك كثيراً من النواحي في حياة رومه الاقتصادية؛ فكانت تشرف على استغلال المناجم وعلى غيرها من الامتيازات والعقود التي كانت تبرمها الحكومة، وكانت تهدئ الاضطرابات التي يثيرها العامة باستيراد الطعام وتوزيعه بأثمان اسمية على الفقراء أو على كل من يطلبه. وكانت تفرض الغرامات على الاحتكارات؛ وقد أممت صناعة تعدين الملح لتقضي بذلك على احتكار هذه الصناعة، بعد أن ارتفع ثمن الملح بسبب هذا الاحتكار ارتفاعاً جعله في غير متناول طبقة العمال. وكانت رومه تتبع سياسة حرية التجارة، ولذلك فإنها لما تغلبت على قرطاجنة فتحت غرب البحر المتوسط لتجارة الأمم جميعها؛ وقررت حماية يتكا Utica ثم ديلوس مشترطة عليهما في نظير هذه الحماية أن يظلا ميناءين حرين تدخل فيهما البضائع وتخرج منهما دون أن تؤدي لهما رسوماً. على أنها كانت في بعض الأحيان تحرم تصدير السلاح، والحديد، والخمر، والزيت، والحبوب. وكانت تفرض على معظم الغلات التي تدخل رومه عوائد جمركية تقدر عادة باثنين ونصف في المائة من قيمتها، ثم امتدت هذه الضريبة القليلة فيما بعد إلى غيرها من المدن، وظلت حتى عام 147 ق.م تفرض ضريبة على الأملاك (tributum) في جميع أنحاء إيطاليا. ويمكن القول بوجه عام إن إيرادات الدولة لم تكن كثيرة وإن أهم ما كانت تستخدم فيه هو نفقات الحرب، شأنها في هذا شأن غيرها من الدول المتحضرة(66).

الفصل السابع: المدنية

أصبحت رومه في عام 202 ق.م من كبريات المدن الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، بفضل ما كان يدخل خزائنها من الضرائب والغرامات التي تفرضها على أعدائها، وبفضل من كان يفد إليها من الخلائق ليسكنوا فيها. وقد سجل فيها الإحصاء الذي أجرى في عام 234 قبل الميلاد 270.713 من المواطنين- أي من الذكور الراشدين الأحرار. ثم نقص هذا العدد نقصاً فجائياً خلال الحرب الكبرى، ولكنه ارتفع في عام 189 إلى 258.318 والى 322.000 في عام 147، وفي وسعنا أن نقدر سكان دولة المدينة في عام 189 ق.م بما يقرب من 1.100.000، ولربما كان 275.000 من هؤلاء يسكنون داخل أسوار رومه. وكان في إيطاليا جنوب الروبيكون Rubicon نحو 5.000.000 من السكان(67). وكانت الهجرة وامتصاص الشعوب المغلوبة، وتدفق السكان، وتحرير الأرقاء ومنحهم الحقوق السياسية- كانت هذه العوامل كلها قد أخذت تحدث في رومه تلك التغيرات العبقرية التي جعلتها في عهد نيرون نيويورك الزمن القديم، نصف سكانها من البلاد الأصليين والنصف الآخر خليط من كافة الأجناس.

وكان في المدينة شارعان رئيسيان متقاطعان يقسمانها إلى أحياء منفصلة، لكل منها موظفوه الإداريون وأربابه الواقون. وقد شيدت إلى آلهة ملتقى الطرق Lares Compitales معابد عند ملتقى الطرق الهامة وأقيمت لها تماثيل عند ملتقى الطرق الأقل من هذه أهمية- وهي عادة لطيفة لا تزال متبعة في إيطاليا. وكانت معظم الطرق بحالها الطبيعية، وكان بعضها مرصوفاً بحجارة ملساء مستخرجة من أقواع الأنهار ككثير من مدن البحر الأبيض المتوسط في هذه الأيام. وقد دامت هذه الحال حتى شرع الرقيب حوالي عام 174 يغطى أرض الشوارع الكبرى بكتل من الحمم البركانية. وقد بنى أبيوس كلوديوس الأعمى في عام 312 أولى القنوات المعروشة لجر المياه العذبة إلى المدينة التي ظلت حتى ذلك الوقت تعتمد على العيون والآبار ومياه التيبر العكرة.

وأقام الأشراف صهاريج تستمد الماء من هذه القنوات، ومدت منها الأنابيب في بيوتهم، وركبت عليها الصنابير، فاستطاع الأشراف أن يستحموا بمائها أكثر من مرة في الأسبوع؛ ثم افتتحت رومه حماماتها الأولى التابعة للبلدية بعد هزيمة هنيبال بزمن قليل. وشاد المهندسون الرومان أو التسكان في وقت غير معروف المجرى الأكبر Cloaca Maxima لنقل مياهها القذرة، وقد بلغت العقود الحجرية الضخمة لهذا المجرى درجة من الاتساع تسمح بمرور عربة محملة بالدريس من تحتها(68). ثم أنشئت مجاري صغرى لصرف مياه المناقع التي كانت تحيط برومه وتغير عليها في بعض الأوقات. وكانت مياه الأمطار والمياه القذرة تجري من فتحات في الشوارع إلى هذه المصارف، ثم تنتقل منها إلى نهر التيبر. وقد ظلت مياهه الملوثة مشكلة المشاكل في الحياة الرومانية.

وربما كانت المعابد هي مظاهر الزينة الوحيدة التي كانت في المدينة. ذلك أن البيوت ظلت مستمسكة بالطراز التسكاني البسيط الذي وصفناه من قبل، لا يفترق عنه إلا في شيء واحد وهو أن جدرانها الخارجية كانت تبنى في الغالب من الآجر أو تطلى بمسحوق الجبس الناعم؛ وكثيراً ما كانت هذه الجدران تشوه بما يخدش عليها من الشعر أو النثر في ذكر حادث من الحوادث التافهة التي لا يلبث الناس أن ينسوها بعد وقوعها. ولم يكونوا يقصدون بكتابتها إلا أن يدلوا على ازدياد نسبة من يعرفون منهم القراءة والكتابة. وكانت الهياكل تبنى في الغالب من الخشب، وكانت واجهاتها وزينتها من الطين المحروق، وكان طرازها هو الطراز التسكاني. وقد أقيمت على تل الكبتولين هياكل لجوبتر، ويونو، ومنيرفا، وأقيم هيكل آخر لديانا على الأفنتين Aventine، وأقيمت هياكل غيرها (قبل عام 201 ق.م) ليونو، والمريخ، ويانوس Janus، والزهرة، وللنصر، والحظ السعيد، والأمل وما إليها. وفي عام 303 ق.م أضاف كيوس فابيوس إلى اسم عشيرته لقب بكتور Pictor أي المصور، وذلك لأنه عمل مظلمات في هيكل الصحة القائم على الكبتولين. وأقام المثالون اليونان في رومه تماثيل للآلهة الرومانية والأبطال الرومانيين من الآجر، والرخام، والبرنز؛ وقد أقاموا في عام 293 على الكبتول تمثالاً لجوبتر بلغ من ضخامته أن كان يراه الواقف عند تلال ألبان Alban التي تبعد عنه عشرين ميلاً. وفي عام 296 أقام الأيديلون (الموظفون الرومان المشرفون على المباني العامة والألعاب وغيرها) تمثالاً من البرنز لذائبة أضاف إليه الفنانون فيما بعد صورتين لرميولوس وريموس. ولسنا نعرف أهذه هي المجموعة التي جاء وصفها على لسان شيشرون أم أنها مجموعة أخرى، وإن لم تكن فهل هذه أو تلك هي بعينها "ذئبة الكبتول" التي لا تزال باقية إلى هذا اليوم. ومهما يكن من شيء فإن هذا التمثال الأخير آية فنية أوفت على الغاية في الإتقان، فهي تمثال من الجماد ينبض بالحياة في كل عضلة من عضلاته وكل عصب من أعصابه.

وبينا كان الأشراف يخلدون انتصارهم ويمتدحون أسلافهم كان العامة يتأسون بسماع الموسيقى، وبالرقص، والمسرحيات المضحكة، والألعاب. وكانت طرقات إيطاليا وبيوتها تردد أصداء الأغاني الفردية والجماعية، فكان الرجال يغنون في المآدب والأولاد والبنات يرددون الترانيم في المواكب الدينية، وكانت حفلات الزواج لا تخلو قط من الأناشيد كما كانت الأغاني تصحب جنازات الأموات. وكان المزمار أكثر آلات الطرب شيوعاً ولكن القيثارة أيضاً كان لها من يهواها حتى أضحت الآلة المحبوبة التي ينشد على نغماتها الشعر الغنائي. وكان الرومان في أيام الأعياد الكبرى يجتمعون في المدرجات وساحات اللعب يكتوون بنار الشمس، بينا كان المستأجرون والأسرى والمجرمون والأرقاء يعدون، أو يقفزون، أو يقتتلون، ويموتون. وكان الاقتتال والموت أحب إلى الجماهير من العدو والقفز. وكان في المدينة مدرجان كبيران هما الساحة الكبرى (ويقال إن الذي أنشأها هو تاركوين الأول) وساحة فلامينوس (221 ق.م)- وكان يدخلهما من غير أجر كل من يصل إليهما من الرجال والنساء في الوقت الذي يمكنهم من أن يجدوا فيهما مكاناً. وكانت الدولة في بادئ الأمر هي التي تتكفل بالإنفاق على الملعبين، ثم تكفل بهما بعدئذ الإيديلون، أما في العهد المتأخر من حياة الجمهورية فكان ينفق عليهما المرشحون لمنصب القناصل؛ وأخذت هذه النفقات تزداد جيلاً بعد جيل حتى أضحت في واقع الأمر سداً منيعاً يحول بين الفقراء وبين التقدم لمناصب القناصل.

ولعل من واجبنا أن نضم إلى هذه الألعاب "حفلات النصر" التي كانت تقام للقواد العائدين من ميادين القتال. ولم تكن هذه الحفلات تقام إلا لمن انتصروا منهم في حرب قتل فيها من الأعداء خمسة آلاف أو يزيدون. أما القائد المنحوس الذي انتصر ولكنه لم يقتل من أعدائه هذا العدد كله فلم يكن يلقى هذا النوع من الترحيب، ولم يكن يضحي له بثور بل بشاة ovis. وكان الناس ينتظمون في الموكب خارج المدينة، وكان يطلب إلى القائد هو وجنوده عند حدودها أن يلقوا أسلحتهم، ثم يدخلها الموكب من تحت قوس نصر، اتخذ فيما بعد طرازاً لعشرات المئات من الآثار. وكان النافخون في الأبواق يتقدمون الموكب، ثم تأنى من بعدهم أبراج أو أرماث تمثل المدن التي استولى عليها، وصور تدل على ما قام به المنتصرون من أعمال البطولة. ثم تكركر من بعدها عربات مثقلة بالذهب والفضة، ومنتجات الفن وغيرها من الأسلاب. وقد اشتهر موكب النصر الذي أقيم لمرسلس بما كان فيه من التماثيل المسروقة من سرقوسة (212)؛ وعرض سبيو الإفريقي في عام 207 أربعة عشر ألف رطل من الفضة، وفي عام 202 مائة وثلاثة وعشرين رطلاً استولى عليها في أسبانيا وقرطاجنة، وتبعها سبعون ثوراً أبيض تسير إلى مصرعها سير الفلاسفة، ومن ورائها زعماء العدو المأسورون ثم الجلادون، والضاربون على القيثار، والزمارون، وحاملو آنية البخور. ومن بعد هؤلاء كلهم يمر القائد نفسه في عربة زاهية مزينة ويلبس جبة أرجوانية، وعلى رأسه تاج من الذهب، وفي يده صولجان من العاج وغصن من شجر الغار، وهما رمز النصر، وشعار جوف jove. وكان يركب معه في العربة أحياناً أبناؤه، ويركب في عربة تسير بجوارها أقاربه؛ ثم يأتي من خلفهم أمناء سره من المدنيين والعسكريين. ويأتي في آخر الموكب الجنود يحمل بعضهم ما نالوه من الأعطية، وعلى رأس كل منهم تاج، يمتدحون قوادهم، وبعضهم يسخرون منهم. ذلك أن التقاليد المرعية التي لا يمكن خرقها كانت تترك للجنود في هذه الفترات القصيرة كامل الحرية في أن ينطقوا بما يريدون أن ينطقوا به دون أن يعاقبوا عليه، وذلك لكي يذكروا المنتصرين المزهوين بنصرهم أنهم كسائر الناس معرضون للأخطاء. وكان القائد يصعد الكبتول إلى هياكل جوبتر، ويونو، ومنيرفا، ويضع قدمه عند أقدام الآلهة، ويضحي بحيوان ما؛ وكان يأمر عادة بأن يذبح الزعماء من الأسرى مبالغة في شكر الآلهة. وكان هذا الموكب منظماً تنظيماً يثير في النفس المطامع العسكرية، ويجزي القواد والجند أحسن الجزاء على جهودهم الحربية؛ ذلك أن زهو الإنسان لا يخضعان إلا للجوع والحب.

الفصل الثامن: بعد الموت

لقد كانت الحرب أروع النواحي الروائية في حياة الرجل الروماني، ولكنها لم يكن لها ذلك الشأن الخطير الذي تحدثنا عنه صحف المؤرخين الرومان. ولعل حياة الرومان كانت تدور كلها حول أسرته وبيته أكثر مما تدور حولهما حياة الرجل من في هذه الأيام. وكانت أخبار العالم لا تصل إليه إلا متأخرة، ومن أجل هذا لم يكن ما يتجمع في العالم من اضطراب يستثير عواطفه في كل يوم، ولم تكن الحوادث العظمى التي تمر به في حياته هي السياسة والحرب، بل كان أهم ما يعنى به مولد الأطفال وحفلات الزواج وأخبار الموت المحزنة. ولم يكن كبير السن تلازمه تلك الوحشة والهجران اللذان ينغصان على الكبار حياتهم في العصور التي تشيع فيها الفردية. ذلك أن الصغار كانوا يرون أن من الفروض الواجبة عليهم أن يعنوا بالكبار، وقد ظل هؤلاء إلى آخر عهود الجمهورية أجدر الناس بالرعاية وأعظمهم سلطاناً، وكانت قبورهم بعد وفاتهم مواضع التكريم ما دام لهم أبناء أو أحفاد على قيد الحياة. ولم تكن الجنائز تقل فخامة وتعظيماً عن مواكب الأفراح، فكان يسير في طليعتها جماعة من النادبات المأجورات فلما تغالين في عويلهن وهوسهن قيد هذا الغالي بنص في الألواح الاثني عشر(71) يحرم عليهن اقتلاع شعرهن. ويتلو هؤلاء النسوة الزمارون وقد حدد القانون عددهم باثني عشر، ثم الراقصون يمثل الميت واحد منهم. ويأتي من بعد هؤلاء عرض عجيب لجماعة من الممثلين يلبسون أقنعة الموت أو وجوهاً من الشمع في صور آباء الميت الذين شغلوا مناصب ذات شأن في الدولة. ثم تتلو هؤلاء جميعاً جثة الميت محوطة بمظاهر تبلغ من الفخامة ما يبلغه موكب القائد المنتصر، وعليها كامل اللباس المخصص لأعظم منصب شغله صاحبها في حياته، وموضوعة في نعش بسطت عليه أغطية مطرزة باللونين الأرجواني والذهبي، ومن حولها الأسلحة والدروع التي غنمها ممن قتلهم من الأعداء. ويسير خلف النعش أبناء المتوفى وعليهم أثواب وأقنعة سوداء، وبناته سافرات، وأقاربه وأبناء عشيرته وأصدقاؤه ومواليه وعبيده. فإذا وصلت الجنازة إلى السوق العامة وقفت ورثى الميت أحد أبنائه أو أقاربه. لقد كانت الحياة في تلك الأيام خليقة بأن يحياها الإنسان ولو لم ينل منها إلا هذا التكريم بعد الوفاة.

وكان الموتى من أهل رومه في القرون الأولى من حياتها يحرقون، ثم جرت العادة بعدئذ بأن يدفنوا وإن كان بعض المحافظين من أبنائها ظلوا يفضلون إحراق موتاهم. وسواء اتبعت هذه السنة أو تلك فقد كانت بقايا الميت تدفن في قبر أضحى فيما بعد مزاراً ومكاناً للعبادة، كان الأتقياء من أبناء الميت وأحفاده يضعون عليه من حين إلى حين طاقات الزهر وقليلاً من الطعام. وكان لعبادة الأسلاف والاعتقاد بأن أرواحهم تحيا في مكان ما وترقب الأحياء أكبر الأثر في استقرار الأخلاق والمجتمع الروماني، كما كان لهما نفس الأثر في بلاد اليونان والشرق الأقصى. وكان الموتى حسب الأساطير الرومانية التي اصطبغت بالصبغة الهلينية ينتقلون إلى جنات النعيم أو إلى جزائر المقيمين؛ على أنهم كلهم تقريباً كانوا ينزلون إلى الأرض ليستقروا في مملكة الأشباح التي يسيطر عليها أوركوس Orcus وبلوتون Pluto. وكان ثانيهما- وهو الصورة اليونانية للإله هيديز Hades اليوناني- يحمل في يده مطرقة يضرب بها الميت حتى يغيب عن وعيه. أما أوركوس (وهو الاسم الذي اشتقت منه الكلمة الإنجليزية ogre أي الغول) فكان هو الهولة التي تلتهم جثة الميت بعدئذ. وإذ كان بلوتو أعظم الأرباب في باطن الأرض وأعلاها مقاماً، وإذ كانت الأرض هي المورد الأخير للثروة؛ وهي في كثير من الأحيان مستودع ما يتجمع من الطعام والسلع، فقد كان بلوتو يعبد أيضاً على أنه إله الثروة والأثرياء، وأضحت زوجته- برسبربينا Prosperpina الضالة- ابنة سيريز Ceres إلهة الحب النامي. وكان الرومان يتمثلون الجحيم في بعض الأحيان على أنها موضع العقاب(72)، وكانوا يصورونها في الأغلب الأعم على أنها مسكن الأشباح النصف المجردة التي كانت في حياتها رجالاً لا يمتاز بعضهم عن بعض بثواب أو عقاب بل يعانون كلهم على السواء عذاب الظلام الأبدي والنسيان النهائي. "وهنالك" كما يقول لوسيان Lucian "يجد الإنسان في آخر الأمر الديمقراطية المنشودة(73)".