قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ك 1 ب 2

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 2869

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الجمهورية -> الكفاح في سبيل الديمقراطية -> الأشراف والعامة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكتاب الأول: الجمهورية 508-30 ق.م

الباب الثاني: الكفاح في سبيل الديمقراطية 508-264 ق.م

الفصل الأول: الأشراف والعامة

ترى أي الرومان كانوا هم الأشراف Patricians؟ يرى ليفي(1) أن رميولوس اختار مائة من رؤساء العشائر في قبيلته ليعينوه على تشييد رومه وليكون منهم مجلس شيوخه. وقد سمى كل واحد من هؤلاء الرجال فيما بعد باتر أي "الأب" وسمي أبناءهم وأحفادهم بتريشي- أي "المنحدرين من الآباء". أما النظرية الحديثة التي تستمد حياتها من تجريح التقاليد المأثورة، فيحلو لها أن تفسر وجود هؤلاء الأشراف بأنهم غزاة غرباء لعلهم سبنيون Sabines غزوا لاتيوم Latium وحكموا العامة (Plebs) اللاتين بعد هذا الغزو ووضعوهم في منزلة دون منزلتهم هم. ولنا أن نعتقد أنهم كانوا يتألفون من عشائر تملكوا خير الأراضي بفضل تفوقهم الاقتصادي أو الحربي، ثم حولوا زعامتهم الزراعية إلى سيطرة سياسية، وقد ظلت هذه العشائر المنتصرة- المنلي Manlii، والفليري Valerii، والإميلي Aemaelii، والكرنيلي Cornelii، والفابي Fabii، والهوراشي Horatii والكلودي Claudii والليولي Lulii الخ- خمسة قرون كاملة تمد رومة بالقواد العسكريين والقناصل، والقوانين. ولما انضمت القبائل الثلاث الأولى بعضها إلى بعض تكون من رؤساء عشائرها مجلس للشيوخ يتألف من ثلاثمائة من الأعضاء. ولم يكن هؤلاء الأعضاء رجال نعيم وترف كما كان خلفاؤهم فيما بعد، فكثيرًا ما كانوا يمسكون بأيديهم الفأس والمحراث، ويعيشون على أبسط الطعام، ويرتدون أثوابًا من غزل بيوتهم، وكان العامة يعجبون بهم حتى وقت كفاحهم. ويصفون كل ما يتصل بهم تقريبًا بأنه "من الطراز الأول أو الطبقة الأولى Classlscus"(2).

وكان يدانيهم في الثراء، وينقص عنهم كثيرًا في السلطة السياسية رجال الأعمال equites.ومن هؤلاء من بلغوا من الثراء درجة أمكنتهم من أن يشقوا طريقهم إلى مجلس الشيوخ، ويكونوا فيه القسم الثاني من الرجال "الأشراف والمسجَّلين معهم". وكان يطلق عل هاتين الطبقتين اسم "الرتبتين" ويلقبون "بالصالحين" Boni، وذلك لأن الحضارات القديمة كانت تقرن الفضيلة بالمرتبة والكفاية والسلطان؛ وكان معنى الفضيلة Virtus عند الرومان هو الرجولة أي الصفات التي تكون من مجموعها الرجل vir. ولم تكن كلمة Populus "الناس" تشمل غير هاتين الطبقتين العاليتين، وكان هذا هو المعنى الذي يفهم في بداية الأمر من هذه الحروف الأربعة S P Q R (Senatus Populusque Romanus) التي كانت تنقش في زهو وخيلاء على عشرات الآلاف من الآثار(3). فلما شقت الديمقراطية طريقها في رومه تغير معنى كلمة Populus تدرجاً حتى شملت عامة الشعب أيضًا. وكانت الكثرة الغالبة من المواطنين الرومان تتكون من هذه الطبقة. وكان منها الصناع والتجار، ومنها الأرقاء المحررون وكثير منها فلاحون، ولعلهم كانوا في بداية أمرهم أهل تلال المدينة الذين غلبوا على أمرهم، وكان منهم من يتصل بوصفه مولى Clientes أو تابعًا بشريف Patronus من طبقة عليا؛ وكان هؤلاء الأتباع يساعدون الشريف في وقت السلم ويعملون تحت إمرته في وقت الحرب، ويقترعون في الجمعية كما يأمرهم أن يقترعوا وذلك في نظير حمايته إياهم وما يمنحهم من الأرض الزراعية. وكان من الأرقاء أدنى الطبقات، وكانوا في عهد الملوك قليلي العدد كثيري الأكلاف، ولذلك كان سادتهم يحسنون معاملاتهم ويعدونهم أعضاء ذوي نفع كبير في أسرهم. فلما كان القرن السادس قبل الميلاد، وبدأت رومه حياة الغزو والفتح، بيع عدد من أسرى الحرب مطرد الزيادة إلى الأشراف ورجال الأعمال والى العامة أنفسهم، وانحطت منزلة الرقيق. وكانت القوانين تبيح معاملة العبد كما يعامل الإنسان متاعه، ذلك أنه من الوجهة النظرية، وطبقًا لعادات القدماء، قد فقد حقه في الحياة حين وقع في الأسر، وإن استعباده لم يكن إلا رحمة به وتخفيفًا لحكم الموت الذي استحقه بهزيمته. وكان يعهد إليه في بعض الأحيان أن يدير أملاك سيده وأعماله التجارية وتصريف أمواله؛ وكثيرًا ما كان يصبح معلمًا أو كاتبًا أو ممثلاً أو صانعًا أو عاملاً أو فنانًا، ويؤدي إلى سيده بعض ما يصل من المال على ما يكفيه لشراء حريته، ومن ثم يصبح عضوًا في جماعة العامة.

ولم تكن طبقات كثيرة من الأهلين راضية عن حالها قانعة بحظها، ذلك أن القناعة من الصفات النادرة بين بني الإنسان بقدر ما هي طبيعية بين الحيوان، ولم تستطع حكومة من الحكومات أن ترضي جميع رعاياها. وفي رومه كان رجال الأعمال يألمون لحرمانهم من عضوية مجلس الشيوخ، والأثرياء من العامة يألمون لحرمانهم من أن تكون لهم حقوق رجال الأعمال؛ والفقراء يألمون لفقرهم وحرمانهم من الحقوق السياسية وتعرضهم للاسترقاق إذا عجزوا عن الوفاء بما عليهم من الديون. وكانت قوانين الجمهورية في عهدها الأول تبيح للدائن أن يسجن المدين الذي يتكرر عجزه عن الوفاء بدينه في سجن انفرادي، وأن يبيعه بيع الرقيق بل أن يقتله. وقد جاء في القانون أن في وسع الدائنين لشخص ما مجتمعين أن يقطعوا جسد المدين العاجز عن الوفاء ويقسموه فيما بينهم- وهو إجراء يلوح أنه لم ينفذ قط(4). وطلب العامة أن تلغي هذه القوانين، وأن يخفف عنهم عبء ما تراكم عليهم من الديون، وأن توزع الأرض التي تنال بالحرب وتمتلكها الدولة على الفقراء بدل أن توهب للأغنياء أو تباع لهم بأثمان اسمية؛ وأن يكون من حق العامة أن يختاروا حكامًا وكهنة، وأن يتزوجوا من الأشراف ورجال الأعمال، وأن يكون لهم مثل من طبقتهم في أعلى الوظائف الحكومية. وحاول مجلس الشيوخ أن يقف هذه الحركة بإثارة الحروب الخارجية، ولكنه دهش إذ رأى أن الدعوة إلى حمل السلاح لم يستجب لها أحد. وفي عام 494 ق.م "انشق" عليهم عدد كبير من العامة ونزحوا إلى الجبل المقدس على نهر أنيو Anio على مسيرة نحو ثلاثة أميال من المدينة، وأعلنوا أنهم لن يعملوا أو يحاربوا من أجل رومه حتى تجاب مطالبهم. ولجأ مجلس الشيوخ إلى جميع الحيل السياسية أو الدينية لإغراء العامة بالرجوع إلى رومه، ولكن هؤلاء أصروا على مطالبهم؛ فلما خشى أن تقع البلاد في القريب بين ناري الغزو الخارجي والشقاق الداخلي وافق على إلغاء الديون أو تخفيضها، وعلى تعيين تربيونين وثلاثة إيديلين Aediles يختارون من بين العامة للدفاع عن مصالحهم. ورجع العامة إلى رومه ولكنهم أقسموا قبل رجوعهم بأحرج الإيمان أن يقتلوا كل رجل يعتدي على ممثليهم في الحكومة(5).

وكانت هذه هي المعركة الأولى في حرب الطبقات التي لم تنته إلا بانتهاء عهد الجمهورية وبعد أن قضت عليها. وحدث في عام 486 أن اقترح القنصل أسبيوريوس كاسيوس Spurius Cassiue أن توزع على الفقراء الأراضي التي استولت عليها رومه في الحرب، فاتهمه الأشراف بأنه يتحبب إلى الشعب ليكون ملكًا على البلاد، وقتلوه. والراجح أن هذا الاقتراح لم يكن أول الاقتراحات الزراعية الكثيرة التي لاقى أصحابها حتفهم على يد أعضاء مجلس الشيوخ، والتي انتهت بمأساة ابني جراكس Gracchi وقيصر. وفي عام 439 وزع أسبيوريوس ميليوس Spurius Maelius قمحًا على الفقراء بأثمان مخفضة أو بغير ثمن في أثناء قحط أصاب رومه، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن بعث برسول اغتاله في منزله بتهمة أنه يعمل لينصب نفسه ملكًا(6). وفي عام 384 قتل ماركس مانليوس Marcus Manlius، وكان قد صد الغزاة اليونان عن رومه ودافع عنها دفاع الأبطال، بهذه الحجة نفسها، وذلك بعد أن أنفق ماله في أداء ديون المدينيين العاجزين عن الوفاء.

وكانت الخطوة التالية التي خطاها العامة في سبيل نيل حقوقهم أن طالبوا بأن تكون القوانين المدنية واضحة محددة مدونة. ذلك أن الكهنة والأشراف قد ظلوا حتى ذلك الوقت هم القائمين بتدوين القوانين المكتوبة وتفسيرها، وكانوا يحتفظون بسجلاتها سرًا لا يطلع عليه غيرهم من الأهلين، ويتخذون من هذا الاحتكار، وبما تتطلبه القوانين من مراسم، أسلحة يقاومون بها كل دعوة إلى الإصلاح الاجتماعي. وعارض مجلس الشيوخ في هذه المطالب الجديدة معارضة طويلة، ولكنه وافق في آخر الأمر (عام 454) على أن يرسل إلى بلاد اليونان لجنة مؤلفة من ثلاثة من الأشراف لدراسة شرائع صولون Solon وغيره من المشترعين، وكتابة تقرير عنها. فلما عاد الأعضاء اختارت الجمعية (في عام 451) عشرة رجال- دمسفراي Decemviri- لوضع قانون جديد، وخولتهم أعلى سلطة حكومية في رومه مدى سنتين. وكان رئيس هذه اللجنة رجلاً رجعيًا قوي الشكيمة يدعى أبيوس كلوديوس Appius Claudius، وكانت نتيجة أعمالها أن حولت قوانين رومه القديمة القائمة على العادة والعرف إلى الاثنتي عشرة لوحة الذائعة الصيت، وعرضت على الجمعية فوافقت عليها بعد أن عدلتها بعض التعديل، وعرضتها في السوق العامة لمن يريد أن يقرأها- وكان قادرًا على قراءتها. وكانت هذه الحادثة التي تبدو في ظاهر أمرها تافهة غير جديرة بالعناية من الحوادث الهامة البالغة الأثر في تاريخ رومه بوجه خاص وفي تاريخ العالم كله بوجه عام؛ ذلك أنها كانت أول ما دون من ذلك الصرح القانوني العظيم الذي كان أهم ما قامت به رومه من الأعمال وما قدمته إلى الحضارة من هبات.

ولما انتهى العام الثاني من العامين اللذين تولت اللجنة فيهما السلطة العليا أبت أن تعيد الحكم إلى قنصلي الأشراف وتربيوني العامة، وظلت تمارس السلطة العليا- وكانت سلطة أقل قيودًا من سلطة القنصل والتربيون وأكثر منها تحررًا من التبعات. وتروي قصة أخرى في صحتها- إرتيابنا في قصة لكريشيا- إن أبيوس كلوديوس شغف حبًا بفرجينيا الحسناء إحدى بنات العامة، وعمل على أن يعد من الجواري الرقيقات ليتمكن بذلك من الاستيلاء عليها لنفسه، وغضب لذلك أبوها لوسيوس فرجينيوس Lucius Virginius واحتج على هذا العمل، ولما أبى كلوديوس أن يصغي إلى احتجاجه قتل الرجل ابنته، وهرول إلى فرقته واستعانها على خلع الطاغية الجديد. "وانسحب" العامة الغاضبون مرة أخرى إلى الجبل المقدس، ونهجوا كما يقول ليفي "نهج آبائهم وحذوا حذوهم في اعتدالهم، فامتنعوا عن كل عنف(7)". وعلم الأشراف أن الجيش يناصر العامة، فاجتمعوا في دار مجلس الشيوخ، وخلعوا العشرة الحكام، ونفوا كلوديوس، وأعادوا نظام القنصلين وزادوا سلطان التربيونين، واعترفوا بتحريم الاعتداء عليهما، وأيدوا حق العامة في الالتجاء إلى مجلس المائة لاستئناف ما يصدره كبار الموظفين أيًا كانت منزلتهم من أحكام(8). وبعد أربعة أعوام من ذلك الوقت (445) عرض المحامي كيوس كنيوليوس Caius Canuleius اقتراحًا يطلب فيه أن يكون للعامة حق الزواج من الأشراف، وأن يختار منهم قناصل. ورأى مجلس الشيوخ أن البلاد مهددة مرة أخرى بأن يغزوها جيرانها ليثأروا لأنفسهم منها، فأجابوا أول المطلبين وتخلصوا من المطلب الثاني بأن رضوا أن يكون لستة من التربيونين الذين تختارهم جمعية المائة سلطة القناصل. ورد العامة على هذا الجميل بمثله فاختاروا الستة tribuni militum consulari potestate من بين طبقة الأشراف.

وضمت الحرب الطوية التي قامت بين رومه وفياي (405-396)، وهجمات الغالبين عليها، صفوف الأمة إلى حين، فهدأت ثائرة النزاع الداخلي، ولكن النصر والهزيمة على السواء تركا العامة فقراء معدمين، فقد أهملت أراضيهم أو انتزعت منهم وهم يدافعون عن بلادهم، وتراكمت عليهم فوائد الديون حتى لم يعد في وسعهم أن يوفوا بها. ولم يرحمهم الدائنون أو يصغوا لشكاياتهم، بل أصروا على طلب حقهم من رؤوس أموال وأرباح، وإلا كان الإسترقاق والسجن جزاء المدينين. وفي عام 376 اقترح التربيونان ليسنيوس Licinius وسكستيوس Sextius أن تخفض أصول الديون بقدر ما وفي به من فزائدها، وأن يؤدي الباقي بعدئذ في خلال ثلاث سنين، وألا يحق لإنسان فيما بعد أن يمتلك أكثر من خمسمائة يجيرا iugera (نحو ثلاثمائة فدان) من الأرض، وألا يتجاوز العبيد الذين يعملون فيها نسبة معينة من العمال الأحرار، وأن يختار أحد القنصلين من العامة على الدوام. وظل الأشراف يعارضون في هذه المطالب عشر سنين؛ وكانوا في أثناء ذلك على حد قول ديوكاسيوس Dio Cassius "يثيرون حربًا في إثر حرب حتى يشغلوا بذلك الشعب فلا يثير مطالبه الخاصة بامتلاك الأرض(9)". ولما تهددهم العامة آخر الأمر بانسحاب جديد قبل مجلس الشيوخ "قوانين ليسنيوس" وخلد كميليوس Camilius زعيم المحافظين هذا الاتفاق بين الطبقات بإنشاء هيكل وفاق فخم في السوق العامة.

وكانت هذه الخطوة من أكبر الخطى في نماء الديمقراطية الرومانية المقيدة، وأخذ العامة من ذلك الوقت يتقدمون تقدمًا سريعًا في سبيل المساواة بالطبقتين الممتازتين- طبقتي الأشراف ورجال الأعمال- في الشؤون السياسية والقانونية. ففي عام 356 عين أحد العامة دكتاتورًا مدة عام، وفي عام 351 كان منهم رقباء Censors، وفي عام 337 كان منهم البريتور Praetor، وفي عام 300 كان منهم كهنة. وكانت آخر هذه الخطوات أن وافق مجلس الشيوخ في عام 287 على أن تكون لأحكام الجمعية القبلية The Tribal Assembly أيضًا قوة القانون، وإن تعارضت هذه الأحكام مع قرارات مجلس الشيوخ. وإذ كان من السهل على العامة في هذه الجمعية أن يتفوقوا على الأشراف عند الاقتراع فإن هذا القانون المعروف بقانون هورتنسيا Lex Hortensia كان خاتمة انتصار الديمقراطية الرومانية. لكن مجلس الشيوخ لم يلبث أن استعاد سلطانه بعد هذه الهزائم فأُسكت المطالبون بتوزيع الأراضي بإرسال الرومان لاستعمار البلاد المفتوحة. وكان ما يلزم من المال للحصول على المناصب الحكومية والبقاء فيها- وكانت هذه المناصب لا يؤجر عليها أصحابها- في حد ذاته حائلاً بين الفقراء وبين توليها. يضاف إلى هذا أن الأثرياء من العامة، بعد أن أصبح لهم ما للأشراف من سلطان سياسي وفرص متكافئة، لم يلبثوا أن انضموا إلى الأشراف في معارضة التشريعات المتطرفة؛ واستكان الفقراء من العامة الذين أصبحوا لا موارد لهم فظلوا قرنين كاملين وليس لهم حظ كبير في تصريف شؤون رومه. ووافق رجال الأعمال على سياسية الأشراف لأن اتفاقهم معهم يتيح لهم فرص التعاقد على القيام بالمنشآت العامة، ويفتح لهم أبواب استغلال الولايات، والمستعمرات الرومانية، وتكليفهم بجباية الضرائب للدولة. وظلت جمعية المئات، التي كانت طريقة الاقتراع فيها تمكن الأشراف من أن يكون لهم فيها السلطان الأكبر، هي التي تختار الحكام وكبار الموظفين، وتختار تبعًا لذلك أعضاء مجلس الشيوخ. واتخذ التربيونون، الذين كانوا يعتمدون على الأثرياء من العامة، سلطان وظيفتهم للحد من التطرف، وأصبح كل قنصل، ولو كان ممن يختارهم العامة، من أشد الناس محافظة على القديم، حين يصير عضوًا في مجلس الشيوخ مدى الحياة بعد أن تنتهي سنة توليه منصبه. وصار مجلس الشيوخ هو الذي يبدأ باقتراح القوانين، وقوى العرف والعادات المأثورة من سلطانه فجعلاه فوق منطوق القانون. ولما ازدادت أهمية شؤون الدولة الخارجية، وكان مجلس الشيوخ هو الذي يتولى تصريفها، كان حزمه مما زاد في مكانته وسلطته. ولما أن اشتبكت رومه في عام 264 في حرب مع قرطاجنة دامت مائة عام للسيطرة على عالم البحر الأبيض المتوسط، كان مجلس الشيوخ هو الذي تولى قيادة الأمة إلى النصر في كل مأزق من المآزق؛ ولذلك خضع الشعب البائس المعرض للأخطار لسلطان هذا المجلس وزعامته دون احتجاج أو اعتراض.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني: دستور الجمهورية

1- المشترعون

والآن فلنرسم لأنفسنا صورة من هذه الدولة المعقدة النظام بعد أن قضت خمسة قرون تنمو وتتطور. وقبل أن نفصل القول في نظامها نقول إن العالم كله مجمع على أن حكومتها كانت من أقدر ما شهده من الحكومات ومن أعظمها نجاحًا؛ بل إن بولبيوس Polilbius كان يرى أنها تكاد أن تحقق تحقيقًا تامًا دستور أرسطوطاليس المثالي. وقد رسمت هذه الحكومة الخطوط الرئيسية للتاريخ الروماني كما رسمت في بعض الأحيان ميادين القتال في هذا التاريخ.

نرى أي الأهلين في هذه الدولة هم الذين كان يحق لهم أن يسموا أنفسهم "مواطنين"؟. فأما من الوجهة الرسمية القانونية فقد كان المواطنون هم أبناء إحدى القبائل الثلاث الأصلية في رومه، أو الذين تبنتهم إحدى هذه القبائل. وكان معنى هذا القول من الوجهة العملية أن المواطنين هم جميع الذكور الذين تزيد سنهم على الخامسة عشرة، والذين لم يكونوا أرقاء أو غرباء، مضافًا إليهم جميع الغرباء الذين منحتهم رومه حق المواطنة فيها. ولم يشهد العالم قبل رومه أو بعدها دولة من الدول حرصت مثل حرصها على حق المواطنية أو قدرته مثل تقديرها. لقد كان معنى هذا الحق أن يكون المستمع به عضوًا من أعضاء الجماعة الصغيرة التي لم تلبث إلا قليلاً حتى حكمت جميع البلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، وكان هذا الحق يحصن صاحبه من التعذيب القانوني، والتعرض للقسر والإرغام، ويمكنه من أن يشكو أي موظف في الإمبراطورية إلى الجمعية الوطنية في رومه- أو إلى الإمبراطور نفسه فيما بعد.

وكانت هذه الحقوق تستلزم بعض الواجبات؛ فقد كان من حق الدولة على المواطن- إلا إذا كان فقيرًا معدمًا- أن تدعوه إلى الخدمة العسكرية من سن السادسة عشرة إلى سن الستين، ولم يكن في وسعه أن يشغل منصبُا سياسيًا إلا إذا قضى في الجيش عشر سنين. وكانت حقوقه السياسية وثيقة الارتباط بواجباته العسكرية، وبلغ من هذا الارتباط أنه كان يؤدي حقه في التصويت في أهم الأمور بوصفه عضوًا في فرقته أو في "مائته"، وكان في عهد الملوك يعطى صوته أيضًا في مجلس العشرة Comitia Curiata أي أنه هو وغيره من زعماء الأسر قد اجتمعوا في مجلس الأقسام الثلاثين التي انقسمت إليها القبائل الثلاث. وقد ظل مجلس العشرة إلى آخر أيام الجمهورية هو الذي يخلع سلطة الحكم على الأحكام، وبعد سقوط الملكية بزمن قليل فقد مجلس العشرة سائر حقوقه الأخرى وآلت هذه الحقوق إلى مجلس المئين- فكان الجند يجتمعون جماعات تتألف كل واحدة منها في بادئ الأمر من مائة جندي. وكانت هذه المجالس المئوية هي التي تختار كبار الحكام، وتنظر في الإجراءات التي يرفع إليها من استئناف للأحكام التي يصدرها كبار الحكام، وتنظر بنفسها في جميع القضايا التي يحكم فيها بالإعدام إذا كان المهتمون فيها مواطنين رومان، وتعلن الحرب وتعقد الصلح، ومن ثم كانت هذه الجمعية هي الأساس العام للجيش الروماني والحكومة الرومانية. ولكن سلطانها مع ذلك كان محصورًا في أضيق الحدود، فلم يكن من حقها أن تجتمع إلا إذا دعاها إلى الاجتماع قنصل أو تربيون، ولم يكن من حقها أن تقترع إلا على الأمور التي يعرضها عليها كبار الحكام أو مجلس الشيوخ، ولم يكن لها أن تناقش الاقتراحات أو تعدلها، وكل ما كان من حقها أن تقبلها أو ترفضها.

وكان تنظيم أعضائها على أساس الطبقات ضمانًا لجعل قراراتها محافظة بعيدة عن التطرف. فكان على رأس هذه الجمعية ثمان عشرة مائة من الأشراف ورجال الأعمال (الطبقتين الممتازتين). ويلي هؤلاء رجال "الطبقة الأولى"- الذين لهم أملاك تبلغ قيمتها 100.000 آس . وكان عدد ممثلي هذه الطبقات في الجمعية ثمانين مائة أي ثمانية آلاف رجل، وكانت الطبقة الثانية تشمل المواطنين الذي يقدر أملاكهم بين 75.000 و100.000 آس؛ والطبقة الثالثة تشمل من كانت لهم ثروة تقدر بين 50.000 و75.000؛ والرابعة من كانت ثروة أفرادها بين 25.000 و50.000. وكان لكل طبقة من هذه الطبقات عشرون مائة. وكانت الطبقة الخامسة تشمل المواطنين الذين يملكون بين 11.000 و25.000 آس وكان لهؤلاء ثلاثون مائة. أما المواطنون الذين تقل أملاكهم عن 11.000 آس فكانت تمثلهم مائة واحدة(10)، وكان لكل مائة عند الاقتراع صوت واحد هو صوت أغلبية أعضائها؛ وكان في وسع أغلبية قليلة في إحدى المئات أن تعطل قرار أغلبية كبرى في مائة أخرى وتجعل الفوز في جانب أقلية عددية. وإذا كانت كل مائة تقترع بترتيب مركزها المالي، وكانت نتيجة اقتراعها تعلن عقب هذا الاقتراع، فقد كان اتفاق الطائفتين الأوليين يجعل لهما 98 صوتًا، وهي أغلبية أصوات الجمعية كلها. ومن أجل هذا فإن الطبقات الدنيا قلما كانت تقترع قط. وكان نظام الاقتراع هو النظام المباشر أي أن المواطن كان يعطى صوته بنفسه، ومن ثم فإن المواطنين الذين لم يكونوا يستطيعون القدوم إلى رومه ليحضروا اجتماع الجمعية لم يكن لهم من يمثلهم فيها. ولم يكن ذلك كله مجرد أساليب وحيل لحرمان الفلاحين والسوقة من حقوقهم السياسية، فقد كان نظام المئات نظامًا وضع بعد إحصاء السكان ليقدر على أساسه ما يؤدونه من الضرائب ومن الخدمة العسكرية.

وكان الرومان يرون العدل كل العدل أن يكون حق الاقتراع للأهلين متناسبًا من ما يؤدونه من الضرائب وما يطلب إليهم أداؤه من الخدمة العسكرية. وعلى هذا الأساس لم يكن لمن يملكون اقل من مائة ألف آس إلا صوت مئوي واحد؛ ولكنهم في نظير هذا لم يكونوا يؤدون إلا قدرًا ضئيلاً لا يؤبه له من الضرائب، وكانوا في الأوقات العادية معفين من الخدمة العسكرية(11). وقد ظلت الطبقات الفقيرة إلى أيام ماريوس معفاة من كل شيء إلا من إنتاج أكبر عدد تستطعه من الأبناء، وظل مجلس المائة رغم ما أدخل على نظامه من التعديل فيما بعد هيئة أرستقراطية محافظة لا تستنكف أن تجهر بمبادئها. وما من شك في أن هذه الحال قد جعلت العامة يقيمون لهم من بداية عهد الجمهورية مجالسهم الخاصة المعروفة بمجالس العامة concilia plebis. ولعل الجمعية المعروفة بمجلس قبائل الشعب comitia populi tribvta التي نراها تمارس حقوقًا تشريعية منذ عام 357 ق.م قد نشأت من هذه المجالس نفسها. وكان المقترعون في هذه الجمعية الشعبية القبلية ينظمون حسب القبيلة التي ينتمون إلها والمسكن الذي يقيمون فيه على أساس الإحصاء الذي حدث في عهد سرفيوس سادس ملوك رومه. وكان لكل قبيلة صوت واحد، وكان الأغنياء فيها والفقراء سواء. وأخذت سلطة الجمعية القبلية تزداد بعد اعتراف مجلس الشيوخ بحقوقها التشريعية في عام 287 ق.م، وما وافى في عام 200 ق.م حتى كانت هي مصدر الشرائع الخاصة في رومه. وكانت هي التي تختار تربيوني الشعب Tribuni Plebis (الذين يمثلون القبائل)، وهم غير التربيونين العسكريين Tribuni Militares الذين كانت تختارهم المئات. على أنه في هذه الجمعية نفسها لم يكن الأعضاء يتناقشون. فقد كان أحد كبار الموظفين يقترح قانونًا ويدافع عنه، ثم يقوم موظف كبير غيره يعارضه إذا شاء؛ وتستمع الجمعية لهذا وذاك ثم تقترع عليه بالقبول أو الرفض، وكانت هذه الجمعية بحكم تكوينها ذات نزعة تقدمية أكثر من الجمعية المئوية، ولكنها كانت أبعد ما تكون من التطرف. وذلك أن إحدى وثلاثين قبيلة من قبائلها الخمس والثلاثين كانت قبائل ريفية، وكان معظم أعضائها من ملاك الأراضي، فكانوا لذلك رجالاً حذرين، ولم يكن لمن فيها من عامة الحواضر، ولم يكونوا يتجاوزون أربع قبائل، شيء من السلطة السياسية قبل زمن ماريوس Marius أو بعد قيصر.

وهكذا ظل مجلس الشيوخ صاحب السلطان الأعلى في رومه. وكان أعضاؤه الأولون وهم رؤساء العشائر يجددون بقبول القناصل والرقباء (Censors) السابقين أعضاء فيه. وكان يعهد إلى الرقباء أن يعملوا حتى يظل أعضاؤه ثلاثمائة عضو على الدوام، وذلك بأن يرشحوا لعضويته رجالاً من طبقة الأعيان أو الفرسان. وكانت العضوية فيه تدوم مدى الحياة؛ ولكن كان من حق مجلس الشيوخ ومن حق الرقيب أن يفصل أي عضو يضبط متلبسًا بجناية أو بجريمة خلقية خطيرة. وكان هذا المجلس الأعلى يجتمع إذا دعاه إلى الاجتماع أحد كبار الحكام في الكوريا Curia أو بناء المجلس المواجه للسوق العامة. وكان من العادات اللطيفة أن يأتي الأعضاء معهم بأبنائهم ليحضروا الاجتماع وهم صامتون، ليتعلموا السياسة والمماحكة عن قرب. وكان حق المجلس من الوجهة النظرية مقصورًا على مناقشة ما يعرضه عليه أحد كبار الحكام من المسائل وإصدار قرار فيها، وكانت قراراته في هذه المسائل استشارية محضة senatus consulta ليس لها قوة القانون؛ ولكن المجلس كان له من عظم المكانة ما جعل الحكام يعملون بتوصياته في جميع الحالات تقريبًا، وقلما كانوا يعرضون على غيره من الجمعيات مسائل لم يقرها هو من قبل. على أنه كان من حق أي تربيون أن ينقض قرارات المجلس كما كان من حق الأقلية المنهزمة في المجلس أن تستأنف القرار إلى الجمعيات الأخرى(12). ولكن هذه الإجراءات كانت نادرة الحدوث إلا في أيام الثورات والانقلابات.


ولم يكن كبار الحكام يبقون في مناصبهم أكثر من عام واحد في حين أن الشيوخ كانوا يحتفظون بعضوية المجلس مدى الحياة. ولم يكن ثمة مفر من أن يكون صاحب هذا السلطان الخالد المسيطر على صاحب السلطان القصير الأجل. ولهذا كانت الصلات الخارجية، وعقد المحالفات والمعاهدات، وإعلان الحرب، وحكم المستعمرات والولايات، وإدارة الأراضي العامة وتوزيعها بين الأهلين، والأشراف على أموال الخزانة العامة وإنفاقها- كانت هذه الشؤون كلها يختص بها مجلس الشيوخ وحده، وقد أكسبه انفراده فيها سلطة لا تكاد تعرف لها حدود. فكان هذا المجلس صاحب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مجتمعة، وكان هو الحكم الفصل في الجرائم الكبرى كجريمة الخيانة الوطنية، والتآمر، والاغتيال، وكان يختار من بين أعضائه قضاة للنظر في معظم القضايا المدنية الهامة، وكان في وسعه إذا حدثت أزمة من الأزمات أن يصدر أعظم قراراته وأقواها وهو sensatus- consultum ultimatum وهو "أن من واجب القنصلين أن يعملا على ألا تصاب الدولة بأذى" وهو قرار يفرض الأحكام العرفية ويمنح القنصلين سلطة مطلقة على جميع الأفراد وعلى كل الأملاك.

وكثيرًا ما كان مجلس الشيوخ في عهد الجمهورية يسئ استعمال سلطانه، فكان يحمي الموظفين المرتشين ، ويعلن الحرب بلا تدبر وتفكير، ويستغل البلاد المفتوحة استغلالاً شرها، ويقمع بالقسوة رغبة الشعب في أن يشترك بنصيب أوفر مما كان له في رخاء رومه. ولكن تاريخ العالم لم يشهد في غير رومه وفي غير عهد الجمهورية- إذا استثنينا من هذا التعميم عهد الأباطرة من تراجان Trajan إلى أورليوس Aurilius- ما شهده في هذا العهد من نشاط وحكمة ومهارة في تصريف الشؤون السياسية، كما لم يشهد في غير ذلك العهد ما شهده فيه من سيطرة فكرة خدمة الدولة على جميع أعمال الحكومة وأعمال الشعب. ولسنا ننكر أن الشيوخ لم يكونوا ملائكة معصومين من الزلل، وأنهم كانوا يرتكبون أخطاء خطيرة، وأنهم كانوا في بعض الأحيان متقلبين لا يثبتون على سياسة واحدة، يعميهم حب الكسب عن رؤية مصالح الدولة. ولكن الذي لا شك فيه أن معظم أعضاء هذا المجلس كانوا من كبار الحكام، والمديرين والقواد العسكريين، وكان منهم الولاة الذين حكموا ولايات لا تقل سعة عن الممالك، ومنهم أبناء أسر ظلت مئات الأعوام تنجب لرومه ساسة وقوادًا. ولهذا كان من المستحيل ألا يخلو مجلس فيه رجال من هذا الطراز من قسط غير قليل من السمو والعظمة. وكان مجلس الشيوخ في أسوء حالاته في أيام الانتصار وفي أحسنها أيام الهزيمة. وكان في وسعه أن يسير على سياسة واحدة مدى آجال وقرون كثيرة، كما كان في مقدوره أن يبدأ حربًا في عام 264 ق.م لا تضع أوزارها إلا في عام 146 ق.م. وحسبنا دليلاً على عظمته أنه لما جاء الفيلسوف سينياس Cineas إلى رومه موفدًا من قبل بيرس Pyrrhus (عام 280 ق.م) وسمع مناقشات المجلس ورأى رجاله ثم عاد إلى بلاده، قال للإسكندر الجديد إن الذي رآه لم يكن مجرد اجتماع من ساسة مأجورين، ولم يكن مجلسًا من عقول عادية جمعتها المصادفات المحضة، بل كان في مهابته وحسن سياسته "مجمعًا للملوك بحق(13)".


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

2- الحكام

وكان كبار الحكام تختارهم الجمعية المئوية، أما صغارهم فكانت تختارهم الجمعية القبلية. وكان يعين في كل منصب زميلان متساويان في السلطة، ولا يبقيان فيه أكثر من عام واحد ما عدا منصب الرقيب. ولم يكن يجوز لشخص ما أن يتولى المنصب نفسه أكثر من مرة واحدة كل عشر سنين، وكان لا بد أن يمضي عام بين خروجه من منصب وتوليه منصبًا آخر، وكان من حق الدولة أن تحاكمه في فترة تعطله إذا أساء استعمال سلطة وظيفته. وكان الروماني الذي يريد أن يشق لنفسه طريقًا في الحياة السياسية، إذا كان قد قضى في الجيش عشر سنين، يرشح نفسه لأن يختار محاسبًا (كوسترا quaestor) ينظر تحت إشراف مجلس الشيوخ والقنصلين في نفقات الدولة، ويعاون المقدمين praetors في منع الجرائم ومحاكمة المجرمين، فإذا نال رضاء الناخبين أو ذوي النفوذ من مؤيديه فقد يختار فيما بعد واحدًا من الأربعة الإيدليين الذين كانوا يشرفون على المباني العامة وقنوات مياه الشرب، وشوارع المدن، والأسواق، والمسارح، والمواخير، والأبهاء العامة، ومحاكم الشرطة، والألعاب العامة. وإذا اطرد بعدئذ نجاحه فقد يكون واحدًا من الأربعة المقدمين الذين كانوا يتولون في الحرب قيادة الجيوش ويشغلون في السلم مناصب القضاة وشراح القانون .

فإذا وصل المواطن إلى هذه الدرجة في سلم الوظائف cursus honorum واشتهر بالأمانة وأصالة الرأي كان في وسعه أن يكون أحد الرقيبين censors اللذين تختارهم الجمعية المئوية كل خمس سنين، ويتولى أحدهما الإحصاء الدَّوري للسكان، وهو الإحصاء الذي كان يُعمل كل خمس سنين، ويسجل أملاكهم ليقدر بذلك مكانتهم السياسية والعسكرية، وما يجب أن يؤدوه من الضرائب. وكان من واجبات الرقيب أن يتعرف أخلاق كل طالب منصب، ويفحص عن سجل أعماله، ويعمل على صيانة أعراض النساء، ويشرف على تعليم الأطفال ومعاملة الأرقاء وجباية الضرائب أو التزامها، وإقامة المباني العامة، وتأجير أملاك الحكومة والتعاقد عليها، والتأكيد من العناية بزراعة الأرض. وكان في مقدور الرقيبين أن ينقصا منزلة أي مواطن، أو يخرجا أي عضو من مجلس الشيوخ لسوء أخلاقه أو لارتكابه جريمة. ولم يكن في وسع أي الرقيبين أن يلغى حق الرقيب الآخر في هذه الناحية. وكان في وسعهما أن يمنعا الإسراف بفرض ضرائب على الكماليات. وكانا يعدان ميزانية نفقات الدولة على أساس مشروعات تمتد إلى خمس سنوات، وكانا عند انتهاء الفترة التي يتوليان فيها منصبهما، ومدتها ثمانية عشر شهرًا، يجمعان في احتفال مهيب يدعى احتفال التطهير القومي Lustrum يتخذانه وسيلة للاحتفاظ بالعلاقات الودية بينهم وبين الآلهة. وكان أبيوس كلوديوس كيكس Appius Claudius Caecus (الأعمى) ابن حفيد أحد الرجال العشرة أول من جعل لمنصب الرقيب منزلة لا تقل عن منزلة القنصل، وهو الذي شاد إبان توليه هذا المنصب المجرى المائي والطريقين المعروفين بمجرى أبيوس وطريقه، ورقي الأغنياء من العامة أعضاء في مجلس الشيوخ، وأصلح القوانين الزراعية ومالية الدولة، وعمل على أضعاف ما كان يتمتع به الكهنة والأعيان من احتكار حق القوانين وتصريف الشؤون القضائية، وترك له أثرًا خالدًا في النحو والشعر الرومانيين والبلاغة الروماني، ووجه الرومان إلى فتح جميع إيطاليا بخطابه الذي ألقاه وهو على فراش الموت.

ولقد كان المفروض من الوجهة النظرية أن يكون أحد القنصلين من العامة. أما من الوجهة العملية فإنه لم يختر من العامة إلا عدد قليل جدًا من القناصل، وذلك لأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم رجالاً أوتوا حظًا موفورًا من التعليم والمران ليعالجوا كل الشؤون التنفيذية في جميع البلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط في حالتي الحرب والسلم. وكان الموظف الكبير الذي يشرف على اختيار القنصل -إذا ما حان موعد الاختيار- يرقب النجوم ليعرف مَن مِن المرشحين الكثيرين يحن أن يعرض اسمه ليختار لهذا المنصب؛ فإذا عرف هذا رأس اجتماع الجمعية المئوية في اليوم التالي، ولم يعرض عليها إلا أسماء الذين تبين من نظرته في النجوم أنهم صالحون(14).وبهذه الطريقة كان الأعيان يحولون بين الحديثي النعمة والزعماء المهرجين وبين تسم هذا المنصب الرفيع. وكانت الجمعية في معظم الحالات تلتزم هذا الخداع الصالح حتى لا تقع في الزلل، أو لأنها لا تجرؤ على مخالفة الأوامر الصادرة إليها. وكان المرشح يحضر الاجتماع بنفسه مرتديًا ثوب الترشيح، وهو ثوب أبيض بسيط، علامة على بساطة حياته وخلقه؛ ولعله كان يحتار ليسهل على المرشح أن يظهر للأعضاء ندب الجروح التي أصيب بها في ميادين القتال. فإذا نجح تولى منصبه في اليوم الخامس عشر من شهر مارس التالي ليوم الانتخاب. وكان القنصل يخلع القداسة على منصبه بتوليه رياسة الطقوس الدينية الخطيرة. وكان في وقت السلم يدعو مجلس الشيوخ والجمعية المئوية إلى الانعقاد، ويرأس جلساتهما، ويقترح القوانين، وينفذها، ويوزع العدالة بين الناس. وكان في أوقات الحرب يجيش الجيوش، ويجمع ما يلزمها من الأموال، ويشترك مع زميله القنصل الثاني في قيادة الفيالق العسكرية؛ فإذا مات القنصلان كلاهما أو وقعا في الأسر أثناء السنة التي يتوليان فيها عملهما أعلن مجلس الشيوخ قيام فترة خلو المنصبين Interregnum، وعين من يتولى تصريف الأمور Interrex (ملك فترة) مدة خمسة أيام تتخذ العدة في أثنائها لانتخاب جديد. ويدل هذا اللفظ الأخير على أن القنصلين قد ورثا في مدة عملهما القصيرة سلطات الملوك.

وكانت سلطة القنصل تحددها سلطة زميله القنصل الثاني المساوية لسلطته، وما يفرضه عليه مجلس الشيوخ، وبما كان للتربيون من حق الاعتراض على قراراته. وقد اختير في عام 367 ق.م أربعة عشر تربيونًا عسكريًا لقيادة القبائل في الحرب وعشرة "تربيونين من العامة" يمثلونهم في أوقات السلم. وكان هؤلاء جميعًا يعدون أشخاصًا محصنين إذا مسهم أحد بسوء إلا في عهد الدكتاتورية القانونية عد ذلك خروجًا على الدين وجريمة يعاقب مرتكبها بالإعدام. وكان عملهم أن يحموا الشعب من عدوان الحكومة، وأن يقفوا بكلمة واحدة منهم هي كلمة فيتو Veto ومعناها "أُحَرَّم" كل دولاب الحكومة إذا بدا لأحدهم أن هذا التحريم مرغوب فيه. وكان من حق التربيون أن يحضر اجتماع مجلس الشيوخ بوصفه مشاهدًا صامتًا، وأن ينقل للشعب ما يدور فيه من النقاش، وأن يجرد بما له من حق الاعتراض قرارات المجلس من كل ما لها من قوة قانونية. وكان باب بيته المحصن يظل مفتوحًا ليلا ًونهارًا يلجأ إليه كل مواطن يطلب إليه المعونة أو الحماية. وهذا الحق- حق الحماية أو القداسة- شبيه بحق الحصانة habeas corpus الذي يمنحه القانون الإنجليزي لسكان إنجلترا في هذه الأيام. وكان في وسعه وهو جالس على دكته أن يصدر أحكامًا قضائية لا معقب لها، ولا تستأنف إلا لجمعية القبائل. وكان من واجبه أن يضمن لكل متهم محاكمة عادلة، وأن يحصل على عفو للمحكوم عليه إذا كان ذلك في استطاعته.

تُرى كيف استطاع الأشراف أن يحتفظوا بسلطانهم وتفوقهم على العامة رغم هذه القيود التي فرضت عليهم؟ لقد كان أول أسباب هذا الاحتفاظ أن القيود المفروضة عليهم كانت مقصورة على مدينة رومه نفسها وعلى أوقات السلم وحدها، أما في زمن الحرب فقد كان التربيونون خاضعين للقناصل. والسبب الثاني أن الأشراف كانوا يحملون الجمعية القبلية على اختيار التربيونين من بين أغنياء العامة؛ وكان ما للثروة في رومه من منزلة، وما يصحب الفقر من ضعة، يغريان الفقراء باختيار الأغنياء لحمايتهم والدفاع عنهم. وثالث الأسباب أن زيادة عدد التربيونين من أربعة إلى عشرة قد جعل في مقدور الواحد منهم، إن أمكن إغراؤه بالمال أو استمع لصوت العقل، أن يُلغى بما له من حق الاعتراض قرار التربيونين الباقين(15). وقد سلس قيادتهم على مر الزمن حتى أصبح في الإمكان أن تعهد إليهم دعوة مجلس الشيوخ إلى الاجتماع وأن يسمح لهم بالاشتراك في مناقشاته، وأن يصبحوا أعضاء فيه مدى الحياة بعد أن تنتهي مدة بقائهم في مناصبهم.

وإذا لم تفلح هذه الوسائل كلها في إضعاف سلطان التربيون كانت هناك وسيلة أخرى لوقاية النظام الاجتماعي أعظم منها أثرًا. ذلك أن الرومان كانوا يعتقدون أن جميع ما يتمتعون به من الحريات والامتيازات الاجتماعية، وكل ما وضعوه لحماية أنفسهم من قيود وتوازن بين السلطات، كانوا يعتقدون أن هذا كله قد يعوق في إبان الاضطراب والخطر القومي ما يتطلبه إنقاذ الدولة وحمايتها من عمل سريع موحد. وكان من حق مجلس الشيوخ في هذه الحال أن يعلن قيام حالة الطوارئ، كما كان من حق كل من القنصلين أن يرشح حاكمًا مطلقًا يتولى جميع السلطات. وقد أختير أولئك الحكام المطلقون في جميع الحالات إلا حالة واحدة من طبقة الأشراف؛ ولكن من واجبنا أن نقول إنصافًا لهذه الطبقة إنها قلما كانت تسئ استخدام هذا المنصب. وكان للحاكم المطلق سلطة تكاد أن تكون غير محدودة على جميع الأشخاص والأملاك، ولكنه لم يكن من حقه أن يستخدم الأموال العامة إلا بموافقة مجلس الشيوخ. وكانت مدة ولايته الحكم مقصورة على ستة أشهر أو سنة. وقد تقيد الحكام المطلقون جميعهم، ما عدا اثنين منهم، بهذه القيود متبعين في ذلك السنة الحسنة التي سنها لهم سنسناتس Cincinnatus كما تقول الرواية المأثورة، فقد دعي هذا الرجل من وراء المحراث لينقذ الدولة (عام 456 ق.م)، فلما أدى مهمته عاد من فوره إلى مزرعته. ولما أن خرج صلا Sulla وقيصر على هذه السنة عاد الحكم الجمهوري إلى الملكية التي نشأ منها.


3- بداية القانون الروماني

وكان كبار الحكام يهيمنون على توزيع العدالة في نطاق هذا الدستور الفذ تطبيقًا للألواح الاثنى عشر التي سجلتها فيها لجنة العشرة. ولقد كان تسجيل القانون الروماني في هذه الألواح حادثًا هامًا في التاريخ الروماني؛ وكان القانون الروماني قبل هذا التسجيل خليطًا من العادات القبلية، والمراسيم الملكية، والأوامر الكهنوتية. وبقيت أساليب القدماء- Mos Maiorum- إلى آخر أيام رومه الوثنية القدوة الخلقية الصالحة، والمعين الذي تستمد منه القوانين؛ ومع أن الخيال، والرغبة في الإصلاح والتهذيب، قد أعليا من شأن سكان المدن القساة في عهد الجمهورية الأول، وجعلا منهم أعلى يطلبون إلى المواطنين أن يعملا للوصول إليه، فإن القصص التي تروي عن أخلاق أولئك السكان قد أعانت المربين على غرس فضيلتي الصبر وقوة الاحتمال في أخلاق الشباب في رومه. أما عدا هذا فإن القانون الروماني القديم كان مستمدًا من القواعد والعادات الكهنوتية، فكان بذلك فرعًا من الدين، يغمره جو من الطقوس الرهيبة والحدود المقدسة. وكان هذا القانون أوامر تصدر وعدالة تطبق؛ ولم يكن يحدد العلاقة بين الناس بعضهم بعضًا فحسب، بل كان يحدد فوق ذلك العلاقة بين سلام الآلهة؛ وكان الغرض من القانون ومن العقاب من الوجهة النظرية هو الاحتفاظ بهذه العلاقة أو إعادتها هي والسلام إذا اضطربا وتعكر صفوهما. وكان الكهنة هم الذين يعلنون ما هو حق وما هو باطل fas et nefas، ويقررون في أي الأيام تفتتح المحاكم وتعقد المجالس. وكانت كل المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق، والعزوبية والزواج بالأقارب، والوصايا ونقل الملكية، وما للأطفال من حقوق، كانت كل هذه المسائل لابد من عرضها على الكهنة كما لا بد من عرض الكثير منها على المحامين في هذه الأيام. وكان الكهنة وحدهم هم الذين يعرفون القوانين والسنن التي لا يكاد يستطاع عمل شيء مشروع إلا باتباعها. وكانوا في رومه هم المستشارين القانونيين، وكانوا هم أول من يبدي الرأي القانوني ressponsa في مهام الأمور. وكانت القوانين تسجل في كبتهم، وكانوا يحتفظون بهذه الكتب بعيدة عن متناول العامة؛ وبلغ من حرصهم عليها أن اتهموا في بعض الأحيان بتغيير نصوص القوانين لكي تتفق مع أغراض الأشراف أو رجال الدين. ولقد أحدثت الألواح الاثنا عشر انقلابًا قضائيًا مزدوجًا، ذلك أنها أذاعت القانون الروماني ونشرته وأنها صبغته بالصبغة الدنيوية غير الدينية. وتمثل هذه الألواح- كما تمثل غيرها من كتب القانون التي دونت في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد كقوانين كارنداس Charondas، وزليكس Zaleucus، ليقورغ Lycurgus، وصولون Solon- مرحلة انتقال من العادات غير الثابتة غير المكتوبة إلى مرحلة القانون المحدد المدون، وكان هذا العمل نتيجة انتشار القراءة والكتابة بين الناس وتمكن الروح الديمقراطية فيهم. يضاف إلى هذا أن "قانون المواطنين" ius civile، كما هو مدون في الألواح الاثني عشر، قد تحرر من الصبغة الدينية أو "القانون الديني" ius divinum كما يقول الرومان أنفسهم، وكأن رومه بعملها هذا استقر رأيها على إلا تكون دولة كهنوتية. وضعف سلطان الكهنة فوق هذا الضعف وحرموا من احتكارهم تفسير القوانين وتنفيذها حين نشر أمين سر أبيوس كلوديوس Appius Claudius "الأعمى" في عام 304 تقويمًا يشتمل على أيام اجتماع المحاكم يعرف "بأيام الأفوال dies fasti"، ومرسومًا بما يجب اتباعه من الإجراءات القضائية، ولم تكن يعرف هذه وتلك من غير الكهنة إلا عدد جد قليل. وخطا الرومان خطوة أخرى في صبغ القانون بالصبغة الدنيوية حين بدأ كرنكانيوس Coruncanius في عام 280 ق.م يعلم الشعب القانون الروماني وهو أول عمل من نوعه معروف في التاريخ. ومن ذلك الوقت حل رجل القانون محل الكاهن وأصبحت له هو السيطرة على عقل رومه وحياتها. وما لبثت هذه الألواح أن أصبحت أساس برامج التعليم في رومه، وظل تلاميذ المدارس إلى أيام شيشرون يحفظون ما تحتويه عن ظهر قلب؛ وما من شك في أنها كانت من العوامل التي بثت في نفوس الرومان مبادئ الصرامة وحب النظام، والاستمساك بالقانون وعدم التفريط في الحقوق. ولقد ظلت الألواح الاثنا عشر بما أدخل على نصوصها من تعديل، وبما أضيف إليها من قوانين جديدة عن طريق التشريع والمراسيم البريترية والقنصلية والإمبراطورية، ظلت هذه الألواح مدى تسعة قرون أساس القانون الروماني.

وكان قانون المرافعات في كتاب القوانين الروماني وافيًا شديد التعقيد. وكان في وسع أي موظف كبير- إلا في القليل النادر- أن يكون قاضيًا، لكن المحاكم العادية لم تكن تتألف إلا من البريتورين praetors وكان إصلاحهم للقوانين وشرحها من أكبر العوامل التي أكسبت القانون الروماني حيوية ونماء وحالت بينه وبين أن يصبح جثة هامدة من الإجراءات. ذلك أن كبير حكام المدينة praetor urbanus كان يعد في كل عام ثبتًا أو "لوحة بيضاء" يحوي أسماء أعضاء مجلس الشيوخ والفرسان الذين يصح اختيارهم ليكونوا محلفين؛ وكان رئيس الجلسة في كل قضية يختار المحلفين فيها من بين أصحاب هذه الأسماء، على أن يكون للمدعي والمدعي عليه الحق في أن يرفضا قبول بعضهم وإن كان هذا الحق لم يستخدم إلا في عدد محدود من المرات. وكان يسمح للمحامين القضائيين أن يقدموا مشورتهم للمتقاضين ويدافعوا عنهم في ساحة القضاء، كما كان من حق أعضاء مجلس الشيوخ أن يقدموا المشورة القضائية في بيوتهم أو في مجالس عامة. وكان قانون سنسيوس Cincius الصادر في عام 204 ق.م يحرم على من يقدم المشورة القضائية أن يتقاضى عنها أجرًا، ولكن المهارة القانونية كانت تجد كثيرًا من السبل للتخلص من هذا القيد القائم على النزعة المثالية؛ وكثيرًا ما كان الأرقاء يعذبون لحملهم على الاعتراف.

وكانت مجموعة القوانين التي تحتويها الألواح الاثنا عشر من أشد القوانين التي شهدها التاريخ، ذلك أنها كانت تحتفظ بالسيطرة الأبوية الكاملة القديمة التي كانت للأب في المجتمعات الزراعية العسكرية، فكان يسمح للأب بمقتضاها أن يجلد ابنه أو يربطه بالأغلال، أو يسجنه أو يبيعه أو يقتله- وكل ما قيد به سلطته أن حرر الابن من سيطرة أبيه إذا بيع هذا الابن ثلاث مرات(16). واحتفظ القانون بما بين الطبقات من فروق بتحريم الزواج بين الأشراف والعامة؛ وكان للدائنين على المدينين حقوق مطلقة من كل قيد(17)؛ كما كان للملاك الحرية الكاملة في أن يتصرفوا في أملاكهم عن طريق الوصية، وكانت حقوق الملكية تبلغ من القداسة حدًا يجعل السارق الذي يضبط متلبسًا بجريمة السرقة عبدًا للمسروق منه. وكانت العقوبات تتفاوت من الغرامة البسيطة إلى النفي، أو الاسترقاق أو الإعدام، ومنها ما كان يجري بطريق القصاص (lex talionis). وكثيرًا ما كانت الغرامات تحدد تحديدًا دقيقًا حسب طبقة المعتدي عليه: "فكانت عقوبة كسر عظام الحر 300 آس، وكسر عظام العبد 150 آسًا(18)". وكان القذف والرشوة والحنث في الإيمان، وسرقة المحصولات الزراعية، وإتلاف غلات الجار ليلاً، وخديعة المحامي للمتقاضين، وممارسة السحر، ودس السم في الطعام، والاغتيال، "والاجتماع في المدينة ليلاً لتدبير الفتن والمؤامرات" كانت هذه كلها يعاقب عليها بالإعدام(19). وكان الابن الذي يقتل أباه يوضع في كيس ومعه في بعض الأحيان ديك، أو كلب، أو قرد، أو أفعى، ويلقى في النهر(20). على أنه كان من حق المواطن في العاصمة نفسها أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالإعدام من أية جهة قضائية عدا حكم الدكتاتور نفسه إلى الجمعية المئوية، وإذا رأى المتهم أن الأمور في الجمعية تسير في غير مصلحته كان له أن يخفف الحكم الصادر عليه إلى النفي وذلك بالخروج من رومه(21). ولهذا فإن عقوبة الإعدام رغم صرامة الألواح الاثني عشر قلما كانت تنفذ في عهد الجمهورية الرومانية.


4- جيش الجمهورية

وكان الأساس الذي يعتمد عليه الدستور الروماني في آخر الأمر هو النظام العسكري الذي كان أكثر الأنظمة العسكرية نجاحًا في تاريخ العالم كله. لقد كان الجيش هو والمواطنون وحدة وثيقة الارتباط، وكان الجيش مجتمعًا في المئات هو الهيئة الرئيسية التي تسن قانون الدولة. وكان الفرسان يؤخذون من المئات الثمان عشرة الأولى، أما "الطبقة الأولى" فكانت تكون فرق المشاة الثقيلة، وكان كل جندي فيها يسلح بحربتين وخنجر وسيف، ويلبس خوذة من البرنز، ودرعًا من الزرد، وجرموقًا، ومجنًا. وكان لرجال الطبقة الثانية كل هذه العدد عدا الدروع الزردية وأما رجال الطبقتين الثالثة والرابعة فلم يكن لهم سلاح، ولم يكن لرجال الطبقة الخامسة غير المقاليع والحجارة. وكان الفيلق الروماني هيئة مختلطة تتألف من 4200 من المشاة، و300 من الفرسان، وعدة كتائب أخرى إضافية(22)؛ وكان جيش القنصل يتألف من فيلقين. وكان كل فيلق يقسم إلى كتائب، وكانت كل منها في بادئ الأمر تتألف من مائة جندي، ثم أصبحت فيما بعد تتألف من مائتين، ويقودها قواد المئات. وكان لكل فيلق علمه الخاص vexillum. وكان مما يخل بالشرف أن يسقط هذا العلم في أيدي الأعداء. وكان مهرة الضباط في بعض الأحيان يلقون العلم بين صفوف الأعداء ليثيروا حماسة جندهم فيعملوا على استعادته مهما كلفهم ذلك من بذل وتضحية. وإذا نشبت المعركة قذفت صفوف المشاة الأمامية العدو، الذي لم يكن يبعد عنهم أكثر من عشر خطوات أو عشرين خطوة، بوابل من الحراب، وهي رماح من الخشب تنتهي بأطراف من الحديد، وهاجمه في الجناحين أصحاب النبال والمقالع بالسهام وبالحجارة، وهجم الفرسان بالأسنة والسيوف؛ وكانت الواقعة تنتهي بقتال حاسم يدور بين الأفراد بالسيوف القصار. أما أعمال الحصار فكانت تستخدم فيها المجانيق الخشبية التي تدار بالجذب أو اللي وتقذف من الحجارة ما زنته عشرة أرطال إلى أبعد من ثلاثمائة ياردة. وكانت كباش حربية ضخمة معلقة في حبال تشد إلى الوراء، ثم تخلي فتنطح أسوار الأعداء. وكان يقام رصيف مائل من الطين والخشب تدفع وتجر عليه أبراج ذات عجل ترمي منها القذائف على الأعداء(23). وقد عدل في عام 366 ق.م تشكيل الفيالق التي كانت في عهد الجمهورية الأول تتألف من ستة صفوف متراصة في كل واحد منها 500 جندي، فكانت لذلك ضخمة كبيرة العدد يصعب تحريكها وتسييرها، فقسم كل فيلق إلى كوكبات في كل كوكبة مائتا جندي. وكان يترك فراغ بين كل كوكبة والتي تجاورها، وتقف الكوكبة التي في كل صف خلف الفراغ المتروك في الصف الذي قبله. وبهذه الطريقة يمكن الإسراع في إمداد كل صف من الصف المجاور له، وتحويل كوكبة أو عدة كوكبات لمواجهة أي هجوم جانبي، كما كان من شأن هذا النظام أن يفسح المجال للحرب الفردية التي كان الجندي الروماني يعد لها أحسن إعداد.

وكان أكبر العوامل في قوة هذا الجيش وانتصاراته هو حسن نظامه، ذلك أن الشاب الروماني كان يعد للحرب منذ طفولته، فكان أهم ما يدرسه العلوم التي تؤهله لأن يكون جنديًا صالحًا، وكان يقضي عشر سنوات من عمره في ميادين القتال أو في المعسكرات. وكان الجبن في هذا الجيش هو الجريمة التي لا تغتفر وكان يعاقب عليها بجلد من يرتكبها حتى الموت(24). ولم يكن من حق قائد الجيش أن يحكم بالإعدام على أي جندي أو ضابط للفرار من القتال فحسب، بل كان من حقه أيضًا أن يحكم عليه بهذه العقوبة نفسها إذا خالف ما يصدر إليه من الأوامر ولو أدت مخالفته إياها إلى أحسن العواقب. وكان الذي يفر من الجندية أو يرتكب جريمة السرقة يعاقب بقط يده اليمنى(25). وكان الجند في المعسكرات يطمعون طعامًا بسيطًا يتكون من الخبز وحساء الخضر وقليل من الخضر والنبيذ، وقلما كان يضاف إليه شيء من اللحم، وبذلك فتح الجيش الروماني العالم المعروف وقتئذ معتمدًا على الغذاء النباتي؛ ولما أن نقصت كمية القمح اللازمة لجيش يوليوس قيصر واضطر هذا الجيش لأكل اللحم شكا الجند من هذه الحال(26).وكان العمل الذي يكلف به الجنود مجهدًا طويلاً، حتى كان الجند يفضلون عليه الذهاب إلى ميدان القتال، وحتى كانت البسالة أسلم الخطط؛ وظل الجند حتى عام 405 ق.م لا يتناولون أجورًا أو مرتبات، ولم يكن ما يتناوله بعد ذلك العام بالشيء الكثير. ولكن كل جندي كان يسمح له بنصيب من الغنائم حسب مرتبته سواء كانت هذه الغنائم سبائك معدنية أو نقودًا أو أرضًا أو أسرى أو بضائع. ولم يكن هذا التدريب ليخلق من الرومان محاربين بواسل تواقين إلى القتال فحسب، بل خلق منهم فوق ذلك قوادًا شجعانًا. ذلك أن الطاعة قد خلقت فيهم المقدرة على الأمر والنهي. ولسنا ننكر أن جيش الجمهورية قد خسر بعض الوقائع الحربية، ولكنه لم يخسر قط حربًا، وهؤلاء الرجال الذين نشئوا في هذا النظام الصارم، وتطبعت به نفوسهم، واعتادوا رؤية الموت بأعينهم، وألفوه حتى أصبح من الأمور التي لا قيمة لها في نظرهم، هؤلاء الرجال هم الذين كسبوا الوقائع التي مكنتهم من الاستيلاء على إيطاليا، ثم فتح قرطاجنة واليونان، والسيطرة على عالم البحر الأبيض المتوسط.

الدستور

هذه هي الخطوط الرئيسية في ذلك "الدستور المختلط" الذي أعجب به بولبيوس ووصفه بأنه "خير الحكومات القائمة" في العالم، فهو من حيث سيادة الجمعيات في الناحية التشريعية ديمقراطية مقيدة، ومن حيث زعامة مجلس الشيوخ المؤلف من أشراف البلاد حكم أرستقراطي، وهو "حكم ملكي مزدوج" شبيه بالحكم الإسبارطي إذا نظرت إليه من ناحية سلطان القنصلين القصير الأجل؛ وهو حكم ملكي مطلق في بعض الأحيان حكمًا دكتاتوريًا. وهو في جوهره حكم أرستقراطي تولت فيه السلطة أسر قديمة غنية بفضل ما كان لها من كفاية وامتياز مئات السنين، وصبغت السياسة الرومانية بصبغة الدوام والثبات، وبفضلهما استطاعت أن تقوم بما قامت به من جلائل الأعمال.

ولكنه لم يخل من عيوب. فقد كان هذا الدستور خليطًا سمجًا غير متناسق من العوائق والموازين، يستطاع فيه أيام السلم إبطال كل أمر تقريبًا بأمر معارض له ومساو له في القوة. ولقد كان ما فيه من تقسيم السلطة بين عدد من الهيئات عونًا على الحرية، كما كان- إلى أجل محدود- مانعًا من إساءة استعمالها؛ ولكن هذا الحكم نفسه هو الذي أدى إلى الكوارث العسكرية أمثال كارثة كاني Canae، والى انحلال الديمقراطية حتى أضحت حكم الغوغاء وجاء آخر الأمر بالدكتاتورية الدائمة في أيام الأباطرة. والذي يدهشنا في هذه الحكومة هو بقائها ذلك العهد الطويل (من 508 إلى 549 ق.م)، وكثرة ما قامت به من الأعمال. ولعل سبب بقائها هو قابليتها المهوشة للتغير، والروح الوطنية الفخورة التي كانت تُبث في نفوس الرومان في البيت والمدرسة، والهيكل والجيش، والجمعية ومجلس الشيوخ. وكان الولاء للدولة أهم الصفات في أيام مجد الجمهورية، كما كان الفساد السياسي المنقطع النظير مؤذنًا بسقوطها. لقد ظلت رومه عظيمة طوال العهد الذي كان لها فيه أعداء يرغمونها على الاتحاد والشجاعة والتبصر في العواقب؛ فلما أن ظفرت بأعدائها جميعًا انتعشت برهة من الزمان ثم بدأت في الاحتضار.

الفصل الثالث: فتح إيطاليا

لم يكن الأعداء في يوم من الأيام يحيطون برومه أكثر مما كانوا يحيطون بها حين خرجت من عهد الملكية دولة صغيرة تشمل مدينة واحدة ضعيفة لا تزيد رقعتها على 350 ميلاً مربعًا- أي مساحة لا تزيد على تسعة عشر ميلاً في تسعة عشر. ولما أن تقدم لارس بورسنا Lars Porsena ليهاجمها استعادت كثير من العشائر التي كان ملوك رومه قد أخضعوها لسلطانهم ما فقدته من حرية وكونت حلفًا لاتينيًا للوقوف في وجه رومه. وكانت إيطاليا في ذلك الوقت تتألف من خليط من المدن أو القبائل المستقلة لكل منها حكومتها ولهجتها الخاصة بها. فكان في شمالها اللجوريون، والغاليون، والأمبريون، والتسكانيون، والسبنيون؛ وكان في جنوبها اللاتين، والفلشيون، والسمنيون، واللوكانيون، والبريتانيون؛ وكان على شاطئها الجنوبي والغربي مستعمرون من اليونان في كومية، ونابلي، وبمبي، وبستوم، ولكري، ورجيوم، وكروتونا، ومثابنتم، وتارنتم . وكانت رومه في وسط هذه العشائر والمدن جميعها، ذات موقع حربي يمكنها من التوسع وبسطة الملك، ولكنها كانت معرضة للغزو من جميع جهاتها في آن واحد. وكان سبب نجاتها أن أعدائها لم يتحدوا عليها. وقد حدث في عام 505 بيننا كانت رومه مشتبكة في حرب من السبنيين أن وفدت عليها إحدى العشائر السبنية- عشيرة الكلوريين- فمنحها رومه حق مواطنيها نظير شروط مرضية. وفي عام 449 هزمت رومه السبنيين، ولم يحل عام 290 حتى ضمت كل أراضيهم إليها، وما وافى عام 250 حتى كان لهم كل ما لأهل رومه من الحقوق. وفي عام 496 أغرى آل تاركوين بعض لاتيوم وهي تسكولوم، وأرديا، ولنوفيوم، وأريسيا، وتيبور وغيرها بالانضمام في حرب تشنها على رومه. ورأى الرومان أنفسهم أمام هذا الحلف البادي القوة، فأقاموا عليهم أول دكتاتور منهم، وهو أولس بستوميوس Aulus Postumius، وانتصروا على هذا الحلف اللاتيني عند بحيرة رجيلس Regillus نصرًا مؤزرًا كان سبباً في نجاتهم. ويؤكد الرومان أنهم قد تلقوا العون في هذه الواقعة من الإلهين كستر وبلكس Castor & Pollux إذ غادرا جبال أولمبس ليحاربا في صفوفهم. وبعد ثلاث سنين من ذلك الوقت عقدت رومه مع الحلف اللاتيني معاهدة تعهد فيها الطرفان أن "يدوم السلم بين الرومان ومدن اللاتين ما دامت السموات والأرض... وأن يشتركا على قدم المساواة في جميع غنائم الحرب(27)". وكانت رومه في بادئ الأمر عضواً في هذا الحلف ثم أمست زعيمته، ثم سيدته المسيطرة عليه. وفي عام 493 حاربت الفلشيين Volscians؛ وفي هذه الحرب ظفر كيوس مارسيوس Caius Marcius بلقب كريلانس Coriolanus بعد أن استولى على كريلاي Corioli عاصمة الفلشيين . ويضيف المؤرخون إلى هذا- ولعل للخيال والقصص شأن كبير فيما يضيفون- أن كريلانس أصبح من ذلك الوقت رجعياً شديد الرجعية، فنُفي من رومه بناء على طلب العامة وإصرارهم (491)، فلجأ إلى الفلشيين، وأعاد تنظيم جيوشهم، وسار على رأسهم لحصار رومه. ثم تقول الرواية إن الرومان المحاصرين بعد أن عضهم الجوع بعثوا رسولاً في إثر رسول ليثنوه عن عزمهِ، ولكنه لم ينثنِ، فلما جاءته أمه وزوجته تتوسلان إليه وردهما خائبتين أنذرتاه بأنهما ستسدان الطريق أمامه بجسديهما، فلم يسعه أمام ذلك إلا أن يرتد بجيشه عن رومه. وكان جزاؤه أن قتله الفلشيون، وفي رواية أخرى أنه عاش بينهم معيشة ضنكا، حتى بلغ من العمر أرذله(28). وفي عام 405 قام النزاع على أشده بين رومه وفياي Veii للسيطرة على نهر التيبر. وحاصرت رومه مدينة فياي ودام الحصار تسع سنين، وشجع هذا مدن إتروريا فانضمت إلى فياي ضد رومه، وهوجم الرومان من كل ناحية وتعرضوا لخطر الفناء، فأقاموا عليهم دكتاتورًا يدعى كاملس Camillus، فجند جيشًا جديدًا استولى به على فياي ووزع أرضها على مواطني رومه. وفي عام 351 ضم جنوب إتروريا إلى رومه بعد عدة حروب أخرى متفرقة وسميت من ذلك الوقت باسم تسكيا Tuscia وهو اسم لا يكاد يفترق عن اسم المقاطعة في الوقت الحاضر.

وفي هذه الأثناء واجهت رومه في عام 390 خطراً جديداً أشد من الأخطار السابقة، وقام الصراع بينها وبين بلاد الغالة، وهو الصراع الطويل الذي لم ينته إلا في عهد يوليوس قيصر. وذلك أنه بينما كانت الحروب الأربع عشرة قائمة بين رومه وإتروريا تسللت قبائل كلتية من بلاد الغالة ومن ألمانيا منحدرة من جبال الألب، واستقرت في إيطاليا، وانتشرت جنوباً حتى نهر البو Po. ويطلق المؤرخون القدامى على هؤلاء الغزاة اسم كلتائي- أو سلتائي، أو جلتائي أو غالي دون تمييز بينها. ولسنا نعرف شيئًا عن أصل هذه القبائل؛ وكل ما نستطيع أن نصفها به أنها ذلك الفرع من السلالة الهندوربية التي سكنت ألمانيا الغربية وغالة وإسبانيا الوسطى، وبلجيكا، وويلز، واسكتلندة، وإيرلندة، وأدخلت فيها اللغات التي وجدها الرومان في تلك البلاد. ويصفهم بولبيوس Polybius بأنهم "طوال القامة، حسنو الوجوه"، يحبون القتال، ويحاربون وهم عراة الأجسام إلا من تمائم وسلاسل ذهبية(29). ولما أن ذاق الكلت سكان بلاد غالة الجنوبية طعم النبيذ الإيطالي سرهم مذاقه كل السرور فاعتزموا أن يزوروا الأرض التي تخرج تلك الفاكهة اللذيذة. ولعل أصدق من هذا أنهم أقبلوا على تلك البلاد طلباً للمرعى وللأرض الجديدة، فلما دخلوها أقاموا فيها وقتًا ما مسالمين على غير عادتهم المألوفة، يحرثون الأرض ويرعون الماشية، ويتثقفون بما كان في المدن من ثقافة تسكانية. ثم غزوا إتروريا في عام 400 ق.م ونهبوها، وقاومهم التسكان مقاومة ضعيفة، لأنهم كانوا قد أرسلوا جنودهم إلى فياي ليصدوا عنها الرومان. وفي عام 391 وصل ثلاثون ألفًا من الغاليين إلى كلوزيوم Clusium؛ وبعد عام واحد التقوا بالرومان على نهر أليا Allia وهزموهم هزيمة منكرة بددت شملهم، ودخلوا رومه فاتحين دون أن يلقوا في ذلك مقاومة، ونهبوا المدينة وحرقوا كثيرًا من أحيائها، وظلوا سبعة أشهر يحاصرون فلول الجيش الروماني المعسكر على الكبتول Capitol- وهوقلة تل الكبتولين Capitoline- حتى استسلم لهم الرومان آخر الأمر، وأدوا للغالبين ألف رطل من الذهب نظير انسحابهم . وغادر الغاليون رومه ولكنهم عادوا إليها في أعوام 367، 358، 350. وصدهم الرومان في كل مرة فقنعوا أخيرًا بشمال إيطاليا الذي أصبح من ذلك الوقت يعرف بغالة الألبية الجنوبية.

وألفى من بقي من الرومان مدينتهم مخربة تخريبًا حمل الكثيرين منهم على أن يتمنوا لو استطاعوا أن يغادروها ويتخذوا فياي عاصمة لهم. ولكن كمليوس أثناهم عن عزمهم، وقدمت لهم الحكومة ما يحتاجونه من المعونة المالية لبناء بيوتهم من جديد. وكانت السرعة التي تم بها هذا البناء، وهم يواجهون الأعداء من حولهم، سببًا من الأسباب التي جعلت رومه مدينة قائمة على غير نظام مرسوم ذات شوارع ضيقة ملتوية. وكانت الشعوب الخاضعة لسلطانها، إذا رأتها موشكة على الدمار والخراب، ثارت عليها ثورة في إثر ثورة واستلزم إخضاع هذه الشعوب وشفاؤها من نزعة الحرية خمسين عامًا من الحروب المتقطعة. ولقد هاجمها اللاتين، والإكوريون، والهرنيشيون، والفلشيون مجتمعين أو متفرقين. ولو انتصر الفلشيون لفصلوا عن جنوب إيطاليا وعن البحر، ولربما استطاعوا بذلك أن يقضوا على تاريخها؛ ولكن رومه انتصرت عليهم وانتصرت على مدن الحلف اللاتيني في عام 340، وبعد عامين من انتصارها عليها حلت الحلف وضمت مدن لاتيوم جميعها إلا القليل منها إليها .

وفي هذه الأثناء كان ما نالته رومه من النصر على الفلشيين سببًا في وقوفها وجهًا لوجه أمام القبائل السمينة القوية. وكانت هذه القبائل تمتلك قطاعًا مستعرضًا في إيطاليا يمتد من بابلي حتى البحر الأدرياوي، ويشمل مدنًا غنية مثل نولا Nola وبنفنتم Beneventum، وكومية Cumae، وكبوا Capua. وكانت قد استولت على معظم المستعمرات التسكانية واليونانية الممتدة على الساحل الغربي، وكان لها من الحضارة الهلينية ما يكفي لخلق فن كمباني Campanian، متميز عن غيره من الفنون، ولعلها كانت أكثر حضارة من الرومان أنفسهم. واشتبكت رومه مع هذه القبائل في ثلاث حروب طويلة طاحنة رغبة منها في الانفراد بالسيادة على إيطاليا. ومني الرومان في مشاغب كودين Coudine Forks (321) بهزيمة من أكبر هزائمهم، ومر جيشهم المنهزم "تحت النير"- أي تحت قوس من حراب الأعداء- رمزًا لخضوعهم. ووقع القنصلان في ميدان القتال شروطاً لصلح مذل رفض مجلس الشيوخ أن يصدق عليه، ونجح السمنيون في أن يضموا إليهم التسكانيين والغاليين، وألفت رومه نفسها وقتًا ما تواجه إيطاليا كلها تقريبًا شاكية السلاح. ولكن الفيالق الرومانية انتصرت انتصارًا حاسمًا في سنتينوم Sentinum (295) ضمت رومه على أثره كمبانيا Campania وأمبريا Umbria إلى أملاكها. وبعد عامين من ذلك الوقت طردت الغاليين إلى ما وراء نهر ألبو وأخضعت إتروريا مرة أخرى لسلطانها.

وبذلك أصبحت رومه سيدة إيطاليا الممتدة من مقاطعات الغاليين في الشمال إلى المقاطعات اليونانية في الجنوب. لكن عدم اطمئنانها إلى سلامتها من جهة، ورغبتها في مواصلة الفتح من جهة أخرى، قد حملاها على أن تحيز مدن "اليونان الكبرى" Magna Graecia بين الحرب وبين محالفتها حلفًا تقر فيه لرومه بالزعامة. وفضلت مدن تورياي Thurii ولكري Locri وكروتونا Crotona أن تحالف رومه على أن تتعرض للاندماج في القبائل "المتبربرة" (أي الإيطالية)، التي كانت تتكاثر من حولها وبين أهلها؛ ولعلها هي أيضًا كانت تمزقها كما تمزق لاتيوم حرب الطبقات، واستقبلت الحاميات الرومانية لتصد عن الملاك مطامع العامة الذين كان سلطانهم آخذًا في الازدياد(32). لكن تارتم Tarentum وقفت وقفة المعاند، واستعانت ببيرس Pyrrhus ملك إبيروس Epirus. وثارت في نفس هذا المحارب الباسل ذكريات أخيل Achilles والإسكندر فعبر البحر الأدرياوي بقوة إبيروسية، وهزم الرومان في هرقيلة Heraclea (280 ق.م)؛ ولكن ما ناله من النصر كان غالي الثمن غلوًا حمل القائد المظفر على أن يرثى لحاله(33).وانضمت إليه وقتئذ جميع المدن اليونانية في إيطاليا، وحالفه اللوكانيون، والبوتيون، والسمنيون. وبعث سنياس Cineas إلى رومه يعرض عليها الصلح، وأطلق سراح الألفي أسير روماني الذين كانوا في قبضته بعد أن وعدوه بأن يعودوا إذا فضلت رومه الحرب على السلم. وأوشك مجلس الشيوخ أن يقبل شروطه ولكن أبيوس كلوديوس Appius Cladius، الشيخ الأعمى المسن الذي كان قد اعتزل الحياة العمة من زمن طويل، طلب إلى بعض الناس أن يحملوه إلى دار المجلس، فلما دخل على الأعضاء طلب إليهم تعقد رومه قط صلحًا مع جيش أجنبي في أرض إيطاليا. ورد مجلس الشيوخ إلى بيرس من أطلقهم من الأسرى وبدأت الحرب من جديد. وانتصر الملك الشاب على الرومان مرة أخرى، ثم عافت نفسه جبن أحلافه وضعفهم وترددهم، فأبحر مع من بقي معه من جيشه إلى صقلية ورفع عن سرقوسة حصار القرطاجنيين، وطردهم من أملاكهم في الجزيرة حتى لم يبق لهم فيها إلا القليل. ولكنه اغضب بحكمه القوي اليونان سكان صقلية،وكانوا يظنون أن في وسعهم أن يستمتعوا بالحرية دون أن يؤدوا لها ثمنًا من النظام والشجاعة، فقبضوا عنه معونتهم، فعاد بيرس إلى إيطاليا وهو يقول عن صقلية: "ما أعظمها من غنيمة تتنازعها قرطاجنة ورومه!" والتقى جيشه بالجيش الروماني في بنفنتم ومني بالهزيمة لأول مرة (275). واتضح في هذه الواقعة أن الأولوية الخفيفة السلاح السريعة الحركة أصلح من الصفوف المتراصة البطيئة، وبدأت بذلك صفحة جديدة في تاريخ الحروب. وأهاب بيرس بأحلافه الإيطاليين أن يمدوه بجيوش جديدة، فلم يلبوا نداءه لارتيابهم في إخلاصه ومثابرته. فعاد إلى إبيروس ومات في بلاد اليونان ميتة المغامرين. وفي السنة التي مات فيها (272 ق.م) غدرت ميلو Milo بتارنتم وانضمت إلى رومه. وما لبثت المدن اليونانية كلها أن خضعت لرومه واستسلم لها السمنيون وهم كارهون محزونون، وأمست إيطاليا بعد حروب دامت قرنين كاملين سيدة إيطاليا لا ينازعها فيها منازع.

وسرعان ما ثبتت رومه أقدامها في البلاد المفتوحة بما كانت ترسله إليها من الجاليات، بعضها من أهلها وبعضها من بلاد الحلف اللاتيني. وقد أفادتها هذه الجاليات فوائد كثيرة: فقد خففت عنها خطر التعطل، وقللت من تزاحم الأهلين على موارد الرزق، وما ينشأ عن هذا التزاحم من نزاع بين الطبقات في رومه. وكذلك كانت كل جالية فيها نواة موالية لرومه بين الأهلين الغضاب، كما كانت مراكز أمامية ومصارف للتجارة الرومانية، تنتج الطعام للبطون الجياع في العاصمة، ذلك أن المحراث قد أتم ما بدأه السيف من الفتوح. وبهذه الوسائل كلها وضعت رومه الأسس التي أدت إلى صبغ مئات من المدن التي لا تزال قائمة إلى اليوم بالصبغة الرومانية، فانتشرت اللغة اللاتينية والثقافة اللاتينية في جميع أنحاء شبه الجزيرة التي كان معظمها لا يزال في طور الهمجية يتكلم أهله لغات شتى. وسارت إيطاليا بخطى وئيدة في طريق الوحدة الدولية، وكانت الخطوة الأولى في سبيل الوحدة السياسية وحشية في طريقتها عظيمة في أثرها وغايتها.

لكن كان في قورسقة وسردانية وصقلية وإفريقيا قوة أشد من رومه بطشًا وأقدم منها عهدًا، تسد على التجارة الرومانية مسالك البحر الأبيض المتوسط الغربي، وتترك إيطاليا سجينة في بحارها. تلك هي قرطاجنة.