قصة الحضارة - ول ديورانت - م 2 ك 5 ج 25

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 2677

قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> سجل الملوك

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الخامس والعِشرون: مصر والغرب

الفصل الأوّل: سجل الملوك

كانت أصغر أجزاء تركة الإسكندر وأغناها من نصيب قواده وأعظمهم حكمة. وقد برهن بطليموس بن لاجوس على ولائه العظيم للملك المتوفي-ولعله أراد أن يدعم سلطانه بهذا الولاء-بأن نقل جثته إلى منفيس وأمر أن تودع تابوتاً من الذهب وجاء معه أيضاً بتاييس Thais التي كانت عشيقة الإسكندر في بعض الأوقات، وتزوجها ورزق منها بولدين. وقد كان بطليموس هذا جندياً بسيطاً، صريحاً، خشن الطباع، قادراً على الإحساس الكريم والتفكير الواقعي. وبينما كان غيره من ورثة ملك الإسكندر يقضون نصف حياتهم في الحروب، ويحلمون بأن تكون لكل منهم دون غيره السيادة على هذا الملك، بذل بطليموس جهوده كلها في تدعيم مركزه في البلد الأجنبي الذي كان من نصيبه، وفي ترقية زراعته وتجارته وصناعته. وأنشأ لذلك أسطولاً عظيماً وأمن مصر من الغزو البحري كما أمنتها الطبيعة من الغزو البري، وجعلتها من هذه الناحية أمنع من عقاب الجو. وساعد رودس وعصب المدن المتحالفة على الاستقلال عن مقدونية، ومن أجل هذا سمي "سوتر Soter "؛ ولم يلقب نفسه ملكاً إلا بعد ثمانية عشر عاماً من العمل الشاق دعم في خلالها حياة مملكته الجديدة من النواحي السياسية والاقتصادية، وأقامها على نظام ثابت متين (305). وكانت نتيجة جهود خلفه أن بسطت مصر حكمها على قورينة، وكريت، وجزائر سكلديز، وقبرص، وعلى سوريا، وفلسطين، وفينيقية وساموس، ولسبوس، وسمثريس، والهلسبنت. وقد وجد في شيخوخته متسعاً من الوقت يكتب فيه شروحاً وتعليقات صادقة صدقاً مدهشاً على حروبه، وأن ينشئ حوالي عام 290 دار العاديات والمكتبة اللتين قامت عليهما شهرة الإسكندرية. ولما بلغ الثانية والثمانين من عمره وأحس بضعف الشيخوخة أجلس ابنه الثاني بطليموس فلدلفس مكانه على العرش وأسلمه زمام الحكم، واتخذ مكانه كأحد الرعايا في بلاط الملك الشاب. ومات بعد عامين من ذلك الوقت.

وكان وادي النيل الخصيب وداله قد ملأ خزائن الملك بالمال. وحسبنا دليلاً على هذا أن بطليموس الأول حين أراد أن يولم وليمة لأصدقائه اضطر إلى أن يقترض آنيتهم الفضية وطنافسهم، أما بطليموس الثاني فقد أنفق في آخر حفلات تتويجه ما قيمته 2.500.000 ريال أمريكي(2). واعتنق الملك المصري الجديد فلسفة قورينة واعتزم أن يستمتع بكل ما تتيحه له الساعة التي هو فيها من لذة. فكان يتخم معدته بشهي الطعام، وجرب كثيراً من العشيقات، وأقصى عنه زوجته، وتزوج آخر الأمر باخته أرسينوئي(3) Arsinoe. وحكمت الملكة الجديدة الإمبراطورية وصرفت شؤونها الحربية بينما كان بطليموس الثاني يحكم بين طهاته وعلماء بلاطه. وحذا حذو أبيه وزاد عليه بأن استقدم إلى الإسكندرية مشهوري الشعراء، والعلماء، والنقاد، والمتبحرين في العلوم الطبيعية والفلسفة، والفنانين، واستضافهم عنده؛ وزين عاصمته بالمباني الفخمة على الطراز اليوناني حتى صارت الإسكندرية في أثناء حكمه الطويل عاصمة بلاد البحر الأبيض المتوسط الأدبية والعلمية، وازدهرت آدابها ازدهاراً لم ترَ مثله مرة أخرى. لكن فلدلفس لم يكن مع هذا كله سعيداً في شيخوخته. فقد اشتد عليه داء النقرس، وزادت متاعبه بازدياد ثروته وسلطانه. وأطل مرة من نافذة قصره فأبصر متسولاً يرقد مستريحاً في الشمس على كثبان الميناء الرملية، فحسد الرجل على نعمته وقال متحسراً: "وا أسفاه! ليتني ولدت واحداً من هؤلاء(4)!". وساوره خوف الموت، فطلب إلى الكهنة المصرين أن يدلوه على إكسير الخلود السحري(5).

ووسع المتحف والمكتبة وأنفق عليهما من المال ما جعل المؤرخين الذين جاءوا بعده يقولون إنه هو الذي أنشأهما. وكان دمتريوس فليرم قد لجأ إلى مصر في عام 307 بعد أن طرد من أثينة، فإذا نحن نجده بعد عشر سنين من ذلك الوقت في بلاط بطليموس الأول؛ ويلوح أنه هو الذي أوحى إلى بطليموس سوتر أن عاصمة ملكه وأسرته تذيع شهرتهما إذا أنشأ متحفاً (أي بيتاً لربات الفنون والعلوم Muses ) يضارع جامعات أثينة. وأكبر الظن أن دمتريوس قد ألهم نشاط أرسطو في جميع الكتب، وضروب المعرفة، وأنواع الحيوان، والنبات، ودساتير الحكم، وتصنيف ما جمعه منها، فأشار على ما يظهر بأن تقام طائفة من المباني لا تتسع لإيواء مجموعة عظيمة من الكتب فحسب، بل تتسع فوق ذلك لإيواء العلماء الذين يقضون حياتهم في البحث العلمي. واقتنع بطليموس الأول والثاني بهذه الفكرة، فأمداه بالمال، وقامت الجامعة الجديدة على مهل بالقرب من القصور الملكية. وكانت تحتوي على ردهة عامة يلوح أن العلماء كانوا يتناولون فيها الطعام، وقاعة للمحاضرات، وبهواً، ورواقاً، وحديقة، ومرصداً فلكياً، والمكتبة الكبرى. وكان رئيس هذا المعهد كله من الناحية الرسمية كاهناً دينياً، كان مخصصاً لإلهات الفن بوصفها معبودات بحق. وكان يعيش في المتحف أربع طوائف من العلماء: فلكيين، وكتاب، وعلماء في الطبيعة، وأطباء. وكان هؤلاء كلهم من اليونان، وكانوا جميعاً يتقاضون مرتبات من الخزانة الملكية. ولم يكن مهمتهم أن يعلموا الطلاب، بل أن يتوفروا على البحوث والدراسات وإجراء التجارب. ولما تضاعف عدد الطلاب في المتحف في العقود التالية، قام أعضاؤه بإلقاء المحاضرات، ولكنه بقي إلى آخر أيامه معهداً للدراسات الراقية أكثر مما كان جامعة للطلاب. ومبلغ علمنا أنه كان أول مؤسسة أقامتها دولة للعمل على تقدم الآداب والعلوم، وكانت أهم ما أفاده تاريخ الحضارة من البطالمة ومن الإسكندرية.

ومات بطليموس فلدلفس عام 246 بعد حكم طويل قام فيه بكثير من جلائل الأعمال. وكان بطليموس الثالث أورجيتيس Euergetes (المحسن) ملكاً من طراز تحتمس الثالث يبغي فتح بلاد الشرق الأدنى. فبدأ بالاستيلاء على سرديس وبابل، ثم واصل زحفه حتى بلغ بلاد الهند، وزعزع كيان الإمبراطورية السلوقية حتى انهارت حين مستها جيوش رومة. ولسنا نريد أن نتتبع حادثات حروبه، لأنها، وإن كانت في تفاصيلها أشبه الأشياء بالرواية التمثيلية، كانت في أسبابها ونتائجها موحشة لا حد لوحشتها؛ وإن تاريخ الحروب إذا قُص أصبح تابعاً ذليلاً لتقلبات القوة والسلطان تلغي فيها الانتصارات والهزائم بعضها بعضاً فتجعله تاريخاً أجوف لا قيمة له. وحسبنا أن نقول إن برنيس Berenice زوجة أورجيتيس الشابة عبرت عن شكرها لانتصاراته بأن وهبت خصلة من شعرها للآلهة؛ وتغنى الشعراء بهذه القصة، ورفع الفلكيون عقيرتهم بها إلى السماء فسموا إحدى المجموعات النجمية باسم كوما برنيسيز Coma Berenices أي شعر برنيس. وكان بطليموس الرابع فلوباتر يحب أباه حباً حمله على أن يحذو حذوه في حروبهِ وانتصاراتهِ. ولكنه أحرز النصر على أنتيوخوس الثالث في رافيا (217) باستخدام جيوش مصرية، وكانت هذه أول مرة استخدم فيها البطالمة هؤلاء الجنود؛ فلما أن تسلح المصريون على هذا النحو وشعروا بقوتهم بدءوا يقوضون سلطان اليونان في وادي النيل. وانغمس فلوباتر في اللهو، وقضى كثيراً من الوقت في قارب نزهته، وأدخل عيد البكاناليا في مصر، وكاد يُقنع نفسه بأنه من نسل ديونيشس. وقد حدث في عام 205 أن قتلت عشيقته زوجته، ولم يلبث فلوباتر نفسه أن اختفى هو الآخر من التاريخ. وأعقبت موته فترة من الفوضى أوشك فيها فليب الخامس المقدوني وأنتيوخوس الثالث السلوقي أن يمزقا أوصال مصر ويضماها إلى بلادهما، ولكن رومة التي عقد معها بطليموس الثاني معاهدة صداقة-تدخلت في الأمر وهزمت فليب، وأرغمت أنتيوخوس على أن يعجل بالعودة إلى بلاده وبسطت حمايتها على مصر (205).


الفصل الثاني: الاشتراكية في عهد البطالمة

إن أهم ما يعنينا في مصر البطالمة هو تجربتها الواسعة في الاشتراكية الدولية. لقد كانت ملكية الأرض من زمن بيد عادة مقدسة في مصر، وكان لفرعون، بوصفهِ ملكاً وإلهاً، حق كامل على الأرض وعلى كل ما تنتجه. ولم يكن الفلاح عبداً، ولكنه لم يكن يستطيع أن يترك مكانه إلا بإذن الحكومة، وكان يُطلب إليه أن يورد الجزء الأكبر من محصوله إلى الدولة(6). وأبقى البطالمة على هذا النظام ووسعوا نطاقه باستيلائهم على الأراضي الواسعة التي كانت في عهد الأسر الحاكمة السابقة ملكاً للأعيان المصريين أو للكهنة. وكانت هيئة بيروقراطية كبيرة من الموظفين الحكوميين، يؤيدها حراس مسلحون، تدير شؤون أرض مصر كلها كأنها مزرعة حكومية ضخمة(7). وكان هؤلاء الموظفون يعينون لكل زارع تقريباً قطعة الأرض التي ينبغي له أن يزرعها، والمحصولات التي يجب أن ينتجها؛ وكان في وسع الدولة أن تجنده هو ودوابه للعمل في المناجم، وإقامة المباني العامة، والصيد، وشق قنوات الري، وإنشاء الطرق. وكانت محصولاته تكال بمكاييل حكومية؛ ويدون الكتبة مقدارها، وتُدرس في أجران الملك، ويحملها الفلاحون أنفسهم إلى مخازن الملك(8). وكان يُستثنى من هذا النظام بعض حالات: فقد كان البطالمة يجيزون للفلاح أن يمتلك بيته وحديقته، ويجيزون الملكية الخاصة في الحواضر، ويؤجرون قطعاً من الأرض للجنود يكافئونهم بها على ما قدموا للدولة من خدمات. ولكن هذه الأراضي المستأجرة كانت مقصورة في العادة على المساحات التي يوافق صاحبها على أن يخصصها للكروم، أو البساتين، أو أشجار الزيتون؛ ولم يكن يُسمح له أن يورثها أبناءه أو أن يوصي بها لمن يشاء؛ وكان للملك أن يلغي حق الإيجار متى أراد. ولما تحسنت حال هذه الأرض التي يشترك في ملكيتها الفرد والدولة بفضل جهود اليونان ومهارتهم، بدأ أصحابها يطالبون بأن يكون لهم حق توريثها أبناءهم. وكان العرف لا القانون يجيز هذا التوريث في القرن الثاني، ثم أعترف به القانون في القرن الأول قبل الميلاد(9)، وتم بذلك التطور المألوف من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة. وما من شك في أن تطور هذا النظام الاشتراكي الحكومي، قد حدث لأن أحوال الزراعة في مصر كانت تتطلب من التعاون ووحدة العمل في الزمان والمكان أكثر مما تستطيع أن تهيئه الملكية الفردية، وأن مقدار ما يزرع من الغلات ونوعها يقفان على مقدار الفيضان السنوي، وكفاية نظام الري والصرف، وهذه كلها مسائل تتطلب أن تشرف عليها هيئة مركزية. وقد عمل المهندسون اليونان الذين استخدمتهم الحكومة على تحسين الأساليب القديمة، واستخدموا في زراعة الأرض وسائل أكثر انطباقاً على العلم وعلى الإنتاج الضيق الوفير، فاستبدل بالشادوف "الناعورة" أو "الساقية"، وهي عجلة كبيرة يبلغ طول قطرها أحياناً أربعين قدماً تعلق عليها دلاء غير مشدودة على حافتها الخارجية . فإذا وصل الدلو إلى أعلى مكان في العجلة أثناء دورتها مال على قضيب وأفرغ ما فيه من الماء في حوض. وخير من هذه الآلة "لولب أركميديز " ومضخة تسبيوس وهما يرفعان الماء بسرعة لم تكن معروفة قبل عصر البطالمة. وبفضل تركيز الإدارة الاقتصادية في يد الحكومة ونظام السخرة أمكن إقامة المنشآت العامة للتحكم في فيضان النيل، وإنشاء الطرق، وشق قنوات الري، وتشييد المباني، وتمهيد السبيل للأعمال الهندسية الكبرى التي تمت في أيام الحكم الروماني. وقد جفف بطليموس الثاني بحيرة موريس وحول قاعها إلى مساحة واسعة من الأرض الخصبة وزعها على جنوده، وشرع في عام 258 يعيد فتح القناة التي تصل النيل بالقرب من عين شمس بالبحر الأحمر قرب السويس(11). وكان نخاو ودارا قد حفرا هذه القناة من قبل، ولكن الرمال في كلتا الحالتين طمرها، كما طمرت قناة بطليموس بعد مائة عام من شقها.

وسارت الصناعة وسط ظروف مماثلة لهذه الظروف، فلم تكن الحكومة تمتلك المناجم فحسب، بل كانت تديرها بنفسها أو تستولي على ما يخرج من المعادن(12). واستغل البطالمة رواسب الذهب الغنية في بلاد النوبة، وكانت لهم عملة ذهبية مستقرة؛ وكانوا يسيطرون على مناجم النحاس في قبرص وطورسيناء، ويحتكرون صناعة الزيت-ولم يكونوا يستخرجونه من الأرض، بل كانوا يعصرونه من النبات كبذور الكتان وحب الملوك (الكروتن)، والسمسم؛ وكانت الحكومة تحدد في كل عام مقدار ما يُزرع من الأرض بهذه النباتات، وتستولي على المحصول بالثمن الذي تحدده له؛ وتصر الزيت في مصانع تمتلكها الدولة بعصَّارات من كتل الخشب الضخمة يحركها أقنان الأرض، ثم تبيع الزيت إلى تجار التجزئة بالثمن الذي تريده هي، وتمنع المنافسة الأجنبية بالضرائب الجمركية العالية؛ وكانت أرباحها من هذه العملية تتراوح بين سبعين وثلاثمائة في المائة(13). ويلوح أن الحكومة كانت تجني أرباحاً مماثلة لهذا الربح من الملح، والنطرون (كربونات الصودا المستخدمة في صنع الصابون)، والبخور، والبردي، والمنسوجات. وكانت في البلاد مصانع للنسيج يمتلكها الأفراد، ولكنها كانت تضطر إلى بيع كل ما تنتجه إلى الحكومة(14). أما الصناعات الصغرى فقد تُركت للأفراد، وكانت الدولة تكتفي بالتصريح بها ومراقبتها، وابتياع جزء كبير من منتجاتها بالثمن الذي تحدده لها، وفرض ضريبة طيبة على أرباحها تُجبى لخزانتها. وكانت الصناعات اليدوية تقوم بها هيئات من العمال يتوارث أعضاؤها صناعاتهم بحكم التقاليد المرعية، وكانوا بحكم هذه التقاليد نفسها مرتبطين بقراهم ومنازلهم أيضاً(15). وكانت الصناعة متقدمة، فكانت العربات، وقطع الأثاث، والفخار، والأبسطة، ومواد التجميل تُصنع بكميات كبيرة؛ وكان صنع الزجاج ونسيج التيل من الصناعات التي اختصت بها الإسكندرية. وكانت الاختراعات أكثر تقدماً في مصر في عصر البطالمة منها في أي عصر آخر قبل رومة الإمبراطورية. وكانت الأدوات اللولبية والتروس، وطارات السيور، والضاغطات اللولبية، كانت هذه كلها معروفة مستعملة(16)؛ وتقدمت كيمياء الصباغة إلى حد استطاعوا معه أن يعالجوا الأقمشة بالقواعد الكيميائية المختلفة بحيث إذا غُمر القماش في صبغة واحدة نتج عن ذلك عدد من الألوان الثابتة(17). وكانت مصانع الإسكندرية يديرها العبيد عادة، وكانت نفقاتهم القليلة تمكن البطالمة من أن يبيعوا منتجاتها في الأسواق الأجنبية بأقل مما تُباع به المصنوعات اليدوية اليونانية(18).

وكانت الحكومة تشرف على التجارة بأجمعها وتنظم شؤونها، فكان بائعو الأشتات عادة وكلاء معينين من قبل الدولة لتوزيع بضائع الدولة(19)، وكانت الدولة تمتلك جميع طرق القوافل والطرق المالية. وقد أدخل بطليموس الثاني الجمل في مصر وأقام مخفراً من راكبي الجمال في جنوب القطر؛ يتولى نقل المخابرات الحكومية دون غيرها؛ ولكن هذه المخابرات كانت تشمل الرسائل التجارية كلها تقريباً. وكان نهر النيل غاصاً بسفن الركاب والبضائع، ويبدو أن هذه السفن كانت ملكاً للأفراد وخاضعة لأنظمة الدولة(20). وقد أنشأ البطالمة لتجارة البحر الأبيض المتوسط أعظم أسطول تجاري في ذلك الوقت، وكانت حمولة السفينة الواحدة من سفنه تبلغ ثلاثمائة طن(21). وكانت مخازن الإسكندرية تستهوي التجارة العالمية، وكان مرفأها المزدوج مما تحسدها عليه سائر المدن، كما كانت منارتها من عجائب الدنيا السبع . وكانت حقول مصر ومصانعها كبيرة وصغيرة تنتج قدراً كبيراً من الغلات الزائدة على حاجة البلاد تباع في الأسواق النائية التي تصل إلى الصين شرقاً، وإلى أواسط إفريقية جنوباً، وإلى الروسيا والجزائر البريطانية شمالاً. وقد سار الرواد المصريون جنوباً حتى بلغوا زنجبار وبلاد السومال ونقلوا إلى العالم أخبار سكان الكهوف الذين يعيشون على سواحل إفريقية الشرقية ويقتاتون بالأطعمة البحرية، والنعام، والجزر، وجذور النبات(24). واستطاعت السفن المصرية أن تقضي على سيطرة العرب على تجارة الهند مع بلاد الشرق الأدنى بسيرها من النيل إلى الهند مباشرة، وأضحت الإسكندرية بتشجيع البطالمة وحكمتهم أهم الثغور التي يُعاد منها شحن البضائع المرسلة إلى أسواق بلاد البحر المتوسط.

وكان مما زاد في سرعة نماء التجارة والصناعة وازدهارهما ما قدمته المصارف المالية من تسهيلات عظيمة. لقد بقي في مصر حتى ذلك الوقت قدر من المقايضة ورثته البلاد من العهود القديمة؛ وكانت الحبوب المحفوظة في المخازن الملكية بمثابة رصيد احتياطي للمصارف؛ ولكن إيداع الحبوب وسحبها، وتحويلها من يد إلى يد كان في الاستطاعة إتمامها على الورق بدل إجراء هذه العمليات بالفعل(25). وقد قام إلى جانب هذه المقايضة المعدلة نظام اقتصادي نقدي معقد. وكانت الحكومة تحتكر لنفسها إنشاء المصارف، ولكن كان في وسعها أن تنيب عنها في أعمالها شركات خاصة(26). وكانت الحسابات تُدفع بتحاويل مما لأصحابها في المصارف من أرصدة؛ وكانت المصارف تقرض المال بالربا، وتسدد حسابات الخزائن الملكية. وقصارى القول أننا لا نعرف في التاريخ كله عهداً بلغت فيهِ الزراعة، والصناعة والتجارة، والمالية، ما بلغته كلها في هذا العهد من ثراء، ووحدة، ونماء خالٍ من العاطفة الإنسانية.

وكان المشرفون على هذا النظام ومنفذوه هم اليونان الأحرار المقيمون في العاصمة. وكان على رأسهم كلهم فرعون-الملك-الإله. وكان بطليموس في نظر سكان بلاد اليونان منقذاً Soter، أو محسناً Euergetes بحق، فقد وهبهم مائة ألف منصب حكومي وأتاح لهم فرصاً اقتصادية لا حد لها، ويسر لهم سبل الحياة العقلية تيسيراً لا عهد لهم به من قبل، وأوجد لهم بلاطاً كان مصدر الحياة الاجتماعية المترفة ومركزها. ولم يكن الملك نفسه ملكاً مستبداً لا يُسئل عما يفعل؛ فقد اجتمعت التقاليد المصرية والشرائع اليونانية على إقامة نظام تشريعي أخذت بعضه عن القانون الأثيني وحسنت فيه من جميع نواحيه ما عدا ناحية الحرية. وكان لأوامر الملك قوة القانون بأكملها؛ ولكن المدن كانت تستمتع بقسط كبير من الحكم الذاتي، وكانت الجماعات المصرية، واليونانية، واليهودية، تخضع كل منها لشرائعها الخاصة، وتختار قضاتها، وتحاكم أمام محاكمها(27). وفي تورين بردية سُجلت فيها إحدى قضايا الإسكندرية، وقد حُدد فيها موضوع النزاع تحديداً دقيقاً، وعُرضت فيها الأدلة بعناية فائقة، ولُخصت السوابق، ثم صدر الحكم بالنزاهة المطلوبة من القضاة. وثم برديات أخرى سُجلت فيها وصايا أهل الإسكندرية وهي تزيح الستار عن قدم الصيغ والعبارات القانونية: "هذه هي وصية بيزياس Peisias اللوشياني ابن س، الكامل العقل، الحر الاختيار(28)".

وكانت حكومة البطالمة أقدر الحكومات وأحسنها نظاماً في العالم الهلنستي، وقد أخذت شكلها القومي المركزي عن مصر وفارس، واستقلال مدنها بشؤونها الخاصة عن بلاد اليونان، ثم أخذتهما عنا رومة. وقد قسمت البلاد إلى أقاليم، يدير كلاً منا موظفون يعينهم الملك، وكانوا كلهم تقريباً من اليونان. وقد أغفل البطالمة ما كان يعتزمه الإسكندر من جعل اليونان والشرقيين أو المصريين يعيشون ويختلطون على قدم المساواة بعد أن تبين لهم أن هذه الفكرة غير اقتصادية، وأصبح وادي النيل في ظاهر الأمر وباطنه يُحكم كما تُحكم البلاد المفتوحة، فقد أدخل المشرفون اليونان على حياة مصر الاقتصادية كثيراً من الرقي في النواحي الفنية وإدارية، وزادوا ثروة البلاد من الناحية الاقتصادية، ولكنهم استولوا على ما زاد من هذه الثروة. ورفعت الدولة أثمان الغلات التي كانت تسيطر عليها، ومنعت المنافسة الأجنبية بفرض الضرائب الجمركية العالية، فكان ما يباع من زيت الزيتون بإحدى وعشرين درخمة في ديلوس يباع باثنتين وخمسين في الإسكندرية. وكانت الحكومة في كل مكان في البلاد تجبي الضرائب وإيجار الأرض، والرسوم الجمركية، وعوائد المرور على الطرق، وتستولي من الناس أحياناً على جهودهم وحياتهم نفسها. وكان الفلاح يؤدي للدولة أجراً على امتلاك الماشية، وعلى ما يقدمه لها من علف، وعلى الإذن له برعيها في أرض الكلأ العامة. وكان ملاك الحدائق، والكروم، والبساتين، من الأفراد يؤدون للدولة سدس منتجاتها(في أيام بطليموس الثاني نصف هذه المنتجات(29". وكان الأهلون كلهم، ما عدا الجنود، ورجال الدين، وموظفي الحكومة، يؤدون فرضة الرؤوس. وكانت الضرائب مفروضة على الملح، والمحررات الرسمية، والمواريث. وكانت تُفرض على الإيجارات ضريبة قدرها خمسة في المائة منها، وعلى المبيعات عشرة في المائة من أثمانها، وخمسة وعشرون في المائة على الأسماك المصيدة في المياه المصرية، وعوائد على البضائع التي تُنقل من القرى أو المدن أو تُنقل بطريق النيل. وكانت رسوم عالية تُفرض في الثغور المصرية على جميع الصادرات والواردات؛ وكانت ضرائب خاصة تُفرض للإنفاق على الأسطول والمنارة البحرية، وللترفيه عن أطباء البلديات ورجال الشرطة، ولشراء تاج من الذهب لكل ملك جديد(30). وقصارى القول أن الدولة لم تكن تترك شيئاً يسمنها إلا فرضت عليهِ ضريبة. وقد احتفظت الدولة بجيش من الكتبة، وبنظام واسع من التسجيل للأشخاص والاملاك، لتستطيع بهما إحصاء جميع الحاصلات والإيرادات والعمليات المالية والتجارية التي يصح فرض الضرائب عليها. أما جباية هذه الضرائب فقد كانت تُعهد إلى جماعة من الأخصائيين، تراقب هي أعمالهم، وتجعل أملاكهم ضماناً تحت يدها حتى يؤدوا لها حقها. والراجح أن مجموع إيرادات البطالمة نقداً وعيناً كان أكبر ما جمعته دولة من الدول في الفترة المحصورة بين سقوط دولة الفرس وعظمة رومة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: الإسكندرية

وكان الجزء الأكبر من هذه الثروة يُرد إلى الإسكندرية، وكانت عواصم الأقاليم وقلة من المدن الأخرى تستمتع أيضاً بالرخاء، فكانت أرضها مرصوفة وشوارعها مضاءة، وكانت لها شرطة تحمي أهلها، وكانت تُمد بالماء النقي؛ ولكن الإسكندرية بنوع خاص كانت تستمتع بنظام "حديث" لم يعهد له مثيل من قبل. ويصفها استرابون في القرن الأول بعد الميلاد فيقول إنها كانت تبلغ أكثر من ثلاثة أميال في الطول وميلاً في العرض؛ ويقدر بلني طول أسوارها بخمسة عشر ميلاً(31). وقد اختط المدينة دنقراطس المهندس الرودسي، وسستراتس النيدي على شكل مستطيل في وسطه شارع رئيسي يبلغ عرضه مائة قدم يخترقها من الشرق إلى الغرب، ويقطعه شارع آخر في مثل عرضه من الجنوب إلى الشمال. وكان هذان الشارعان الرئيسيان، وأكبر الظن أن شوارع غيرهما، يُضاءان ليلاً وتظللهما أميال من العمد. وكان الشريانان الرئيسيان السابق ذكرهما يقسمان المدينة أربعة أحياء، أبعدها نحو الغرب حي ركوتس Rhacotis وكانت كثرة سكانه من المصريين؛ وكان الحي الشمالي الشرقي حي اليهود، والجنوب الشرقي أو البركيوم Brucheum يحتوي على القصر الملكي، والمتحف والمكتبة، ومقابر البطالمة، وضريح الإسكندر، ودار الصنعة البحرية، وأهم الهياكل اليونانية، وكثير من الحدائق الفسيحة. وكان لإحدى هذه الحدائق مدخل تبلغ مساحته ستمائة قدم. وكانت حديقة أخرى تحتوي على مجموعة الحيوانات الملكية. وكان في وسط المدينة مباني الإدارات والمخازن الحكومية، والمحكمة، ومدرسة الألعاب الرياضية، وألف حانوت وسوق.

وكان في خارج الأبواب الكبرى ملعب رياضي، وميدان للسباق، ومدرج، ومقبرة عظيمة تُعرف بمدينة الموتى (Necropolis)(32). وكانت تمتد على طول شاطئ البحر مقاصير للاستحمام والاصطياف. وكان يصل المدينة بجزيرة فاروس جسر أو حاجز يُسمى الهبتستديوم Heptastadium لأن طوله كان يبلغ سبعة استديومات ، وكان المرفأ مرفأين. وكانت تقع خلف المدينة بحيرة مريوط، وتستخدم مرافئ ومخارج للسفن النيلية. وفي هذه البحيرة كان البطالمة يحتفظون بقوارب التنزه، ويقضون ساعات الراحة من عناء الأعمال .

وكان سكان الإسكندرية في عام 200 ق. م خليطاً من أجناس مختلفة كما هي حال سكان العواصم في هذه الأيام. وكانت عدتهم تتراوح بين أربعمائة ألف وخمسمائة ألف من المقدونيين، واليونان، والمصريين، واليهود، والفرس، وأهل الأناضول، والعرب، والزنوج . وزاد انتشار التجارة عدد أفراد الطبقة الوسطى-الدنيا وملأ العاصمة المختلطة السكان بطائفة نشيطة، وثرثارة، متشاحنة من أصحاب الحوانيت والتجار، لا تغفل لهم عين عن اقتناص أية فرصة لعقد الصفقات التجارية غير مراعين في ذلك شرفاً أو أمانة. وكان على رأس هذه الطوائف السالفة الذكر المقدونيين واليونان، يعيشون عيشة بلغت من الترف حداً أدهش السفراء الرومان الذين عينوا في بلاط ملوك مصر عام 273. ويذكر أثنيوس أصناف الأطعمة الشهية التي كانت تثقل موائد هؤلاء السادة ومعداتهم(34)، ويقول عنهم هروداس Herodas إن "الإسكندرية هي بيت أفرديتي، وإن الإنسان ليجد فيها كل شيء-ثروة، وملاعب، وجيشاً كبيراً، وسماء صافية، ومعارض عامة، وفلاسفة، ومعادن ثمينة، وشباناً ظرفاء، وبيتاً ملكياً طيباً، ومجمعاً للعلوم، وخمر لذيذة، ونساء حساناً(35)". وكان شعراء الإسكندرية قد أخذوا يكشفون ما للعذارى من قيمة أدبية، وسرعان ما جعلهن كتابها القصصيون موضوعاً لكثير من قصصهم، كما جعلوا سقوطهن خاتمة تنتهي بها هذه القصص. غير أن المدينة قد اشتهرت في ذلك الوقت بسماحة نسائها وبكثرة ما فيها من فتيات المتعة، حتى لقد شكا بولبيوس من أن أجمل البيوت الخاصة في الإسكندرية تمتلكها العاهرات(36). وكانت النساء من مختلف الطبقات يسرن بكامل حريتهن في الشوارع، ويبتعن حوائجهن من الحوانيت، ويختلطن بالرجال. وكان منهن أديبات وعالمات مشهورات(37). وكانت الملكات المقدونيات وسيدات بلاطهن من أريسينوئي زوجة بطليموس الثاني إلى كليوبطرة يقمن بدور هام في الشؤون السياسية، ويقترفن جرائمهن خدمة للأغراض السياسية لا للحب، ولكنهن قد احتفظن بما يكفي من الجمال والفتنة لإثارة الرجال لأعمال من الشهامة والبطولة لا مثيل لها من قبل، في عالم الشعر والنثر على الأقل إن لم يكن في واقع الأمر، وقد أدخلن في مجتمعات الإسكندرية عنصراً من الظرف والرشاقة النسوية لم يكن معروفاً في بلاد اليونان أيام مجدها. والراجح أن نحو خُمس سكان الإسكندرية كان وقتئذ من اليهود. ولقد كان في مصر منذ القرن السابع قبل الميلاد مواطن للعبرانيين، ثم قدم إليها كثيرون من تجار اليهود في أعقاب الفتح الفارسي؛ وكان الإسكندر قد حثهم على الهجرة إليها وعرض عليهم، كما يقول يوسفوس، أن يكن لهم ما لليونان من حقوق سياسية واقتصادية(38). وجاء بطليموس الأول بعد استيلائه على أورشليم بآلاف من الأسرى اليهود الذين أطلق خلفه سراحهم(39)، ثم دعا في الوقت نفسه كثيراً من أثرياء العبرانيين إلى الإقامة فيها ومزاولة الأعمال التجارية والمالية(40). ولم يكد يستهل القرن الأول الميلادي حتى بلغ عدد اليهود في مصر مليوناً من الأنفس(41)، يعيش عدد كبير منهم في حي اليهود من العاصمة. ولكنهم لم يكونوا مرغمين على الإقامة في هذا الحي، بل كان لهم مطلق الحرية في الإقامة في أي حي من أحيائها عدا البروكيوم Brucheum الذي كان مقصوراً على أسر الموظفين ومن يخدمونهم. وكانوا يختارون لأنفسهم مجلس كبرائهم، ويمارسون شعائر دينهم، وقد أقام أنياس Anias حاخامهم الأكبر في عام 169 هيكلاً عظيماً في ليونتبوليس Leontopolis إحدى ضواحي الإسكندرية، وخصص صديقه بطليموس السادس إيراد عين شمس للإنفاق على هذا الهيكل. وكان هذا الهيكل وأمثاله مدارس وأمكنة اجتماع كما كانت معابد دينية، ومن ثم أطلق عليها من يتكلمون اللغة اليونانية من اليهود اسم سيناجوجاي أي أمكنة الاجتماع. وإذ لم يكن في مصر من بين اليهود المصريين بعد الجيل الثاني أو الثالث إلا أقلية ضئيلة تعرف اللغة العبرية، فإن قراءة الشريعة كان يتلوها شرح لها باللغة اليونانية، ومن هذه الشروح والتطبيقات نشأت عادة قراءة المواعظ من نصوص مكتوبة، كما نشأت من هذه الشعيرة الدينية أولى أشكال القداس الكاثوليكي(42).

ونشأت من هذه الفوارق الدينية والعنصرية مضافة إلى المنافسات الاقتصادية حركة مناهضة للسامية في أواخر ذلك العصر. ذلك أن المصريين واليونان قد اعتادوا جميعاً وحدة الدين والدولة، ولم يكن يرضيهم استقلال اليهود الثقافي عن سائر أهل البلاد. يضاف إلى هذا أن منافسة الصانع ورجل الأعمال اليهودي كانت ثقيلة الوطأة عليهم، ولم يكونوا يُطيقون نشاطه وصبره وحذقه؛ ولما أن أخذت رومة تستورد الحبوب من مصر كان تجار الإسكندرية اليهود هم الذين ينقلون هذه البضاعة في أساطيلهم(42أ). وأدرك اليونان عجزهم عن صبغ اليهود بالصبغة الإغريقية، فأوجسوا خيفة على مستقبلهم في دولة تستمسك الكثرة الغالبة من أهلها بشرقيتها وتتكاثر بسرعة كبيرة. ونسي اليونان تشريع بركليز، فأخذوا يشكون من أن الشريعة اليهودية تحرم التزاوج بينهم وبين أهل الأديان الأخرى، ومن أن معظم اليهود لا يختلطون بغيرهم. وكثرت الكتب والرسائل المناهضة للسامية، ونشر مانيثون المؤرخ المصري القصة القائلة بأن اليهود قد أخرجوا من مصر من عدة قرون لأنهم أصيبوا بداء الخنازير أو الجذام(43)، واشتدت الأحقاد من كلا الجانبين حتى أدت في القرن الأول الميلادي إلى أعمال العنف المخربة.

وبذل اليهود غاية جهدهم لتخفيف حدة الغضب من عزلتهم الاجتماعية ونجاحهم في أعمالهم المالية والتجارية، فأخذوا يتكلمون اللغة اليونانية، وإن ظلوا متمسكين بدينهم، كما أخذوا يدرسون الآداب اليونانية ويكتبون فيها، ويترجمون كتبهم المقدسة وتواريخهم إلى اللغة اليونانية. ثم سعوا إلى تعريف اليونان بالتقاليد الديني اليهودية وتمكين اليهودي الذي لا يعرف العبرية من قراءة كتبه المقدسة، فقامت طائفة من علماء اليهود بالإسكندرية، في عهد بطليموس الثاني على الأرجح، تترجم التوراة العبرية إلى اللغة اليونانية. وسُر الملوك من ذلك العمل لأنهم كانوا يرجون أن تؤدي هذه الحركة إلى جعل يهود مصر أكثر استقلالاً عن أورشليم مما كانوا حتى ذلك الوقت، وأن يقل تسرب الأموال اليهودية-المصرية إلى فلسطين. وتقص إحدى القصص الخرافية كيف دعا بطليموس فلدلفس، عملاً بمشورة دمتريوس الفاليري، سبعين عالماً من علماء اليهود إلى المجيء من بلادهم في فلسطين في سنة 250، وكلفهم بترجمة كتبهم المقدسة، وكيف أسكن الملك كل واحد من هؤلاء العلماء في حجرة خاصة بجزيرة فاروس، ولم يسمح له بالاتصال بأحد من الناس حتى فرغ كل منهم من ترجمة أسفار موسى الخمسة؛ فلما فرغ السبعون من ترجماتهم وجدها تتفق بعضها مع بعض في كل كلمة، فدل ذلك على أن هذه النصوص موحى بها من عند الله، وأن المترجمين أنفسهم قد أوحيت الترجمة إليهم، وكيف نفح الملك هؤلاء العلماء بعطايا قيمة من الذهب. وتروي القصة في نهايتها أن الترجمة اليونانية للتوراة العبرية قد عُرفت لهذا السبب باسم-الشروح عن السبعين Hermeneia keata tous hebdomebkonta وباللاتينية (Seniorum) Interpretatio Selpuaginta أو في كلمة واحدة "%=@وهذه القصة مرجعها خطاب يُقال أنه بخط كاتب يُدعى أرستياس Aristeas عاش في القرن الأول الميلادي. وقد أثبت هودي الأكسفردي Hody of Oxford في 1684 أن هذا الخطاب مزور.@ Septuagint". وأياً كانت طريق الترجمة فيبدو أن أسفار موسى الخمسة قد ظهرت باللغة اليونانية قبل نهاية القرن الثالث، وأن كتب الأنبياء قد ظهرت بهذه اللغة في القرن الثاني؛ وهذا هو الكتاب المقدس الذي استعان به فيلو وبولس الرسول.

وأخفقت عملية الأغرقة في مصر إخفاقاً تاماً مع المصريين واليهود على السواء؛ وكان سبب هذا الإخفاق أن المصريين في خارج الإسكندرية عضوا بالنواجذ على دينهم، وعلى لباسها أو عريهم، وعلى أساليبهم التي ورثوها من أقدم الأزمنة. يضاف إلى هذا أن اليونان كانوا يرون أنهم فاتحون وليسوا كغيرهم من الخلق؛ ولم يهتموا بإقامة مدن يونانية جنوب الوجه البحري أو بتعلم لغة المصريين، كما أن قوانينهم لم يكن تعترف بالزواج بين المصريين واليونان. وقد حاول بطليموس الأول أن يوحد الدينين اليوناني والمصري بقوله أن سرابس وزيوس إله واحد؛ وشجع من جاء بعده من البطالمة أهل البلاد على أن يتخذوهم آلهة يعبدونها لكي يقدموا بذلك للأهلين المختلفي الأجناس معبوداً مشتركاً لا يلقون صعوبة في عبادته. ولكن المصريين الذين لم تكن لهم مطامع في المناصب العامة لم يلقوا بالاً لهذه العبادات المصطنعة. وأما الكهنة المصريون الذين جُردوا من ثروتهم وسلطتهم، والذين كانوا يعيشون من الأموال التي تمنحهم إياهم الدولة، فقد ظلوا صابرين ينتظرون انحسار هذه الموجة اليونانية. ولم تكن الغلبة في الإسكندرية آخر الأمر للصبغة اليونانية، بل كانت للنزعة الصوفية. ووضعت في ذلك الوقت أسس الأفلاطونية الجديدة وذلك الخليط من الطقوس المليئة بالأماني، والتي كانت تتنازع فيما بينها للاستحواذ على نفوس أهل الإسكندرية في القرون التي أحاطت بميلاد المسيح. وأضحى أوزريس في صورة سرابس الإله المحبب لمصريين في ذلك العهد المتأخر من تاريخهم، وللكثيرين من اليونان المصريين، واستعادت إيزيس مكانتها بوصفها إلهة النساء والأمومة؛ ولما دخلت المسيحية البلاد لم يجد الكهنة أو الشعب ما يحول بينهم وبين أستبدال مريم بإيزيس أو المسيح بسرابيس.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرّابع: الفتنة

إن الدرس الذي نستفيده من نظام البطالمة الاشتراكي هو أن الحكومة نفسها قد تستغل الناس. نعم إن هذا النظام قد سار مستقيماً إلى حد معقول في أيام بطليموس الأول والثاني، فقد تمت في عهدهما مشروعات هندسية عظيمة، وتقدمت الزراعة، ونظمت عمليات البيع والشراء، ولم يفرط مفتشوا الحكومة في الظلم والمحاباة؛ ومع أن استغلال الحكومة للمواد والرجال كان استغلالاً كاملاً لا هوادة فيه فإن الجزء الأكبر مما عاد عليها من هذا الاستغلال قد استخدم في تزيين البلاد وفي إمداد الحياة الثقافية بما يلزمها من المال. ولكن البطالمة شنوا الحروب وأنفقوا مقداراً متزايداً من مكاسب الشعب على الجيوش والأساطيل والوقائع الحربية، وتدهورت طباع الملوك تدهوراً سريعاً بعد فلدلفس؛ فقد انهمكوا في ملاذ الأكل والطعام والنساء وتركوا أزمة الحكم في أيدي السفلة الذين ابتزوا كل درهم من الفقراء؛ ولم ينسَ المصريون قط أن هؤلاء المستغلين كانوا من الأجانب، ولم يغب ذلك عن عقول الكهنة الذين كانوا يحلمون بالحياة المترفة التي كانوا يستمتعون يها قبل سيادة الفرس واليونان. وكان أهم ما يفهمه البطالمة من الاشتراكية أنها نظام للإنتاج الكثير لا للتوزيع الواسع النطاق. فقد كان الفلاح ينال من محصولهِ ما يكفي لحفظ حياته، ولكن لا يكفي لتشجيعه على عملهِ أو إعانته على تربية أسرته. وزاد مقدار ما تنزعه الحكومة منه جيلاً بعد جيل، ولم يعد الناس يُطيقون سيطرت الدولة على كل صغيرة وكبيرة كما لا يُطيق الأبناء متى كبروا الرقابة الدائمة التي يفرضها الأب المستبد عليهم. وكانت الدولة تُقرض الفلاح البذور ليزرع بها أرضه ولكنها كانت تقيده بالبقاء في الأرض حتى يجني المحصول، ولم يكن في وسع أي فلاح أن ينتفع بأي قدر من محصولهِ إلا بعد أن تؤدى ما عليه للدولة من التزامات وديون. ولقد كان هذا الفلاح صبوراً بطبعه. ولكنه رغم طبعه هذا بدأ يتذمر، فلم يكد يستهل القرن الثاني حتى بارت مساحات واسعة من الأرض لعدم وجود من يزرعها، ولم يجد مستأجروا أراضي الملك من يؤجرونها لهم ليزرعوها، فحاولوا أن يقوموا هم أنفسهم بزرعها، ولكنهم عجزوا عن ذلك العمل، فأخذت الصحراء تزحف شيئاً فشيئاً على الحضارة. وكان العبيد يعملون في مناجم الذهب ببلاد النوبة وهم عراة، في سراديب مظلمة ضيقة، وأجسامهم ملتوية، وهم مثقلون بالأغلال، يسوقهم الملاحظون إلى العمل بالسياط، طعامهم حقير لا يكاد يسد الرمق، وقد هلك آلاف منهم من سوء التغذية ومن فرط التعب، وكانت سلواهم الوحيدة في هذه الحياة هي الموت(47). وكان العامل العادي في المصانع يتقاضى أبلة واحدة (9slash100 من الريال الأمريكي) في اليوم، أما الصانع الماهر فكان يتقاضى أبلتين أو ثلاث أبلات، ويستريح من العمل يوماً في كل عشرة أيام. وعم الاستياء، وازدادت الشكاوى، وكثر الإضراب: إضراب بين عمال المناجم، والمحاجر، ورجال القوارب، والفلاحين، والصناع، والتجار، ثم تعداهم إلى الملاحظين ورجال الشرطة أنفسهم. ولم يكن الغرض من الإضراب زيادة الأجور، فإن الكادحين قد يئسوا من هذه الزيادة من زمن بعيد، بل كان الدافع إليه هو الإعياء واليأس. وتقول بردية تسجل إضراباً من هذا النوع: "لقد خارت قوانا، وسنفر من العمل" أي أنهم سيعتصمون بأحد الهياكل(48). وكان كل المستغلين تقريباً من اليونان، وكل الكادحين المستَغلين تقريباً من المصريين أو اليهود. وكان الكهنة يُثيرون مشاعر الأهلين خفية باسم الدين، على حين كان اليهود يُعارضون في كل عمل تقوم بهِ الحكومة لتخفيف الضغط عليهم أو على المصريين. ولجأت الحكومة في العاصمة إلى العطايا وأساليب التسلية لترشوا بها الجماهير، ولكنها لم تكن تسمح لهم بدخول الأحياء الملكية، وكانت تسلط عليهم قوة عسكرية كبيرة تراقبهم وتتجسس عليهم، ولم تكن تسمح لهم بنصيب ما في إدارة شؤونهم. وما لبثت هذه الجماهير أن أضحت في آخر الأمر جماعات من الغوغاء عنيفة لا تحس بأية تبعة(49). وثار المصريون في عام 216 ولكن الثورة أخمدت؛ ثم ثاروا مرة أخرى في عام 189 ودامت ثورتهم خمس سنين. وسيطر البطالمة على الموقف وقتاً ما بقوة جيشهم وبزيادة هباتهم للكهنة، ولكن الموقف كان قد تحرج إلى أقصى حدود التحرج، لأن موارد البلاد نضبت عن آخرها، حتى لقد أحس المستغلون أنفسهم أنه لم يبقَ فيها شيء يستغلونه.

وبدأ الانحلال يدب في كل شيء، فانتقل البطالمة من الرذائل الطبيعية إلى الرذائل غير الطبيعية، ومن الذكاء إلى الغباوة، وانطلقوا يتزوجون بلا قيد وبسرعة أفقدتهم احترام الشعب، وانغمسوا في الترف انغماساً أعجزهم عن إدارة دفة الحرب أو الحكم، وأفقدهم آخر الأمر القدرة على التفكير. وضعفت قدرة الأرض على الإنتاج عاماً بعد عام لخروج الناس على القانون، وقلة أمانتهم وعجزهم ويأسهم، ولانعدام المنافسة بينهم، ولضعف الهمم والدوافع التي تبعثها الملكية في النفوس. وذوى غصن الآداب، وقُضي على الفن المبدع الخلاق، فلم تكد تضيف الإسكندرية إليهما شيئاً بعد القرن الثالث؛ وفقد المصريون احترامهم لليونان؛ وفقد اليونان احترامهم لأنفسهم، إذا صح أن الإنسان قد يفقد احترامه لنفسهِ، فنسوا على مر السنين لغتهم، وأخذوا يتكلمون خليطاً فاسداً من اللغتين اليونانية والمصرية؛ وازداد عدد من يتزوجون منهم بأخواتهم زيادة مطردة، كما كان يفعل أهل البلاد، ومن يتزوجون من أسر مصرية، فامتصتهم البلاد واندمجوا في أهلها، وعبد الآلاف منه الآلهة المصرية. وما وافى القرن الثاني حتى لم يعد اليونان هم الشعب المسيطر حتى من الوجهة السياسية؛ ذلك أن البطالمة اعتنقوا دين المصريين واتبعوا طقوسهم ليحافظوا بهذا على سلطانهم، وزادوا لهذا السبب عينه من سلطة الكهنة. ولما انغمس الملوك في الترف والملاذ بدأ الكهنة يستعيدون سلطانهم ويثبتون قواعد زعامتهم، واستعادوا عاماً بعد عام الأراضي والمزايا التي سلبها منهم البطالمة الأولون(50). ويصف حجر رشيد الذي يرجع إلى عام 196 ق.م. الاحتفال بتتويج بطليموس الخامس وصفاً لا يكاد يختلف في شيء عن المراسم المصرية القديمة؛ وفي عهد بطليموس الخامس (203-181) وبطليموس السادس (181-145) أنهكت المنازعات القائمة بين أفراد الأسرة المالكة قوة البيت المالك، واضمحلت الزراعة والصناعة غاية الاضمحلال، ولم يعد الأمن والسلام إلى ربوع البلاد حتى جاء قيصر فاستولى على مصر من غير عناء، ولم يكن استيلاؤه عليها حادثاً عادياً من حوادث حياته. وفي عام 30 ق.م. جعلها قيصر ولاية رومانية.


الفصل الخامِس: شمس الحضارة اليونانية تغرب في صقلية

كانت قبلة العهد الهلنستي هي الشرق والجنوب وكاد يُغفل الغرب إغفالاً تاماً، وازدهرت قوريني كالعادة وعمها الرخاء لأنها أدركت أن التجارة خير لها من الحرب. ونبغ فيها في ذلك العهد كلمخوس الشاعر، وإرتسثنيز وكرنيدز الفيلسوفان. أما إيطاليا اليونانية فقد أضعفها وأقضَ مضجعها ازدياد سكانها وقوة رومة الناشئة، وعاشت صقلية تتوجس خيفة من قوة قرطاجة، وقام أغنياؤها بثورة بعد ثلاثة وعشرين عاماً من مجيء تمليون Timoleon فقضوا على حكومة سرقوسة الديمقراطية ووضعوا زمام الحكم في أيدي ستمائة من الأسر الألجركية (320). ولكن هذه الأسر ما لبثت أن تفرقت وكانت شيعاً، وقضت عليها ثورة من المتطرفين قُتل فيها أربعة آلاف نفس، ونُفي من البلاد ستة آلاف آخرون. ونصب أجثكليز Agathocles نفسهُ طاغية واستعان على ذلك بأن وعد بإلغاء الديون وإعادة توزيع الأراضي(51). وهكذا يصل تركيز الثورة من آن إلى آن إلى أقصى حد، ولا تُصلح الحال إلا بالضرائب أو الثورات. ودامت الفوضى في سرقوسة أربعين عاماً غزا فيها القرطاجيون الجزيرة مراراً وتكراراً، وجاءها ببرس، وانتصر، وهُزِم، وخرج منها، ثم سقطت لحسن حظها التي كانت غير جديرة بهِ في يد هيرون الثاني Hieron خير الطغاة الكثيرين الذين أنتجتهم عواطف أهل صقلية اليونان واضطراب نفوسهم. وحكم هيرون البلاد أربعة وأربعين عاماً "لم يقتل فيها مواطناً واحداً أو ينفيهِ أو يمسهُ بأذى، وذلك بلا جدال أعجب ما سمع بهِ الإنسان" كما يقول بولبيوس(52). وكان هيرون يعيش عيشة متواضعة رغم ما يحيط به من أسباب الترف، وقد عمر حتى بلغ سن التسعين. وأراد في مناسبات عدة أن ينزل عن سلطته، ولكن الشعب توسل إليهِ أن يحتفظ بها(53). وقد هدته حكمته إلى أن يعقد حلفاً مع رومة، وبذلك حمى البلاد من غزو القرطاجيين نحو نصف قرن من الزمان، واستمتعت المدينة في أيامه بالسلم والنظام وبقسط كبير من الحرية، وأقام منشآت عامة عظيمة، وترك عند موتهِ خزائنها عامرة بالمال دون أن يُرهق الأهلين بالضرائب. وبفضل حمايتهِ أو مناصرته رفع أركميديز العلم القديم إلى أعلى ذروتهِ، وتغنى ثوفريطوس، باللغة اليونانية الفصيحة في أواخر أيامها، بجمال صقلية وبعطايا مليكها المرتقبة. وأضحت سرقوسة وقتئذ أكثر بلاد هلاس سكاناً وأعظمها رخاء(54).

وكان هيرون يسلي نفسه وقت فراغه بمراقبة صناعه وهم يعملون بإشراف أركميديز في بناء سفينة لنزهتهِ، تتمثل فيها جميع فنون بناء السفن وجميع العلوم التي عرفها الأقدمون وكان طولها يبلغ نصف استديوم (407 قدم)، ولها سطح واسع للألعاب الرياضية، ومدرسة للتدريب الرياضي، وحمام من الرخام، وحديقة مظللة، جمع فيها كثيراً من أنواع النباتات المختلفة. وكان فيها ستمائة من الفلاحين يدفعونها بعشرين مجموعة من الجاديف، وكان في مقدورها أن تحمل فوق هذا العدد ستمائة من البحارة أو المسافرين. وكانت تحتوي على ستين مقصورة، صنعت أرض بعضها من الفسيفساء، وأبوابها من العاج والأخشاب الثمينة. وكان أثاثها فخماً ظريفاً، وزينت جدرانها وسقفها بالرسوم الجميلة والتماثيل، وكان يحميها من الهجوم دروع وأبراج؛ وكانت تمتد من أبراجها الثمانية كتل ضخمة من الخشب بكل منها ثقب في نهايتها تسقط من الحجارة على السفن المعادية. وأنشأ أركميدز بطول هذه السفينة منجنيقاً عظيماً يستطيع قذف حجارة زنة الواحد منها ثلاث وزنات (174 رطلاً) أو سهام طول الواحد منها ثمان عشرة قدماً. وكانت هذه السفينة تتسع لحمل 3900 طن من البضاعة، وكانت زنتها وحدها ألف طن. وكان هيرون يأمل أن يستخدمها في الأسفار المنتظمة بين سرقوسة والإسكندرية، ولكنه وجد أن أحواضها لا تتسع لها لضخامتها، وأن نفقاتها كثيرة، فملأها بالحب والسمك من حقول صقلية وبحارها الغنية، وأرسلها هي وحمولتها هدية منه لمصر، وكانت وقتئذ تعاني نقصاُ في الحبوب غير عادي(55).

ومات هيرون في عام 216؛ وكان يرغب أن يضع قبل موتهِ دستوراً ديمقراطياً للمدينة، لكنه استمع في شيخوخته لرأي بناته فأوصى بالملك إلى حفيده(56). وتبين أن هيرونموس Hieronymus هذا نذل ضعيف، نبذ حلف رومة واستقبل وفوداً من قرطاجة، وسمح لهم أن يكونوا من الوجهة العملية حكام سرقوسة، وكانت رومة لا تجد كفايتها من الحبوب فأخذت تستعد لقتال قرطاجة لتنتزع منها ثروة الجزيرة التي لم تتعلم في يوم من الأيام كيف تحكم نفسها. وكان عالم البحر الأبيض المتوسط وقتئذ أشبه بالفاكهة العفنة على استعداد بأن يسقط في يدي فاتح أشد بأساً وأقسى قلباً من كل من عرفهم تاريخ اليونان من الفاتحين.