قصة الحضارة - ول ديورانت - م 2 ك 5 ج 23

صفحة رقم : 2623

قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مقدمة الترجمة

مقدمة الترجمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع أنبيائه ورسله، وبعد: فهذا هو الجزء الثالث والأخير من المجلد الثاني من مجلدات قصة الحضارة الستة، وهو يقص تاريخ اليونان ويصف حضارتهم في عهد انتشارهم في بلاد الشرق والغرب حتى الفتح الروماني كم يصف أسباب قوتهم وضعفهم وما يدين يه العالم إلى هذا الشعب العظيم. وقد تداركنا في هذا الجزء بعض ما فاتنا في الجزأين السابقين من الأسماء اليونانية التي وردت في الطتب العربية القديمة فكتبناها كما وردت في تلك الكتب وإن اختلفت بعض الاختلاف عن نطقها الذي أثيته المؤلف في الأصل الإنجليزي، فإذا وجد القارئ بعض الاختلاف في كتابة تلك الأسماء في هذا الجزء الثالث عنها في الجزأين السابقين فسبب هذا أن المراجع العربية لم تكن ميسرة لنا من قبل. وليس هذا الاختلاف بذي بال وهو لا يعدو عدداً قليلاً من الألفاظ أمثال القبيادس وأكسانوفون Xonophon, Alcibiades ولربما كان تعريبها كما ورد في الجزأين السابقين أقرب غلى نطقها اليوناني من الصيغة التي وردت بها في الكتب العربية القديمة، ولكننا آثرنا أن نثبتها حتى تكون الصورتان أمام القارئ. ولا يسعنا مرة أخرى إلا أن ننوه بفضل الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية التي اختارت هذا الكتاب وعهدت إلينا لترجمته، وإلى لجنة التأليف والترجمة والنشر التي تكفلت بطبعه ونشره، وإلى القراء الذين أقبلوا على أجزائه السابقة إقبالاً كان الحافز الأكبر لما بذلناه وما نبذله من جهد في ترجمة هذه الموسوعة القيمة. المترجم

محمد بدران
مايو 1954


الكتاب الخامس: انتشار الهلنستية من 322 إلى 146 ق. م.

الباب الثالِث والعِشرون: بلاد اليونان ومقدونية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الأوَل: تنازع السلطان

يقسم المؤرخون الماضي أحقاباً، وسنين، وحوادث، كما يقسم الفكر العالم جماعات، وأفراداً أو أشياء؛ ولكن التاريخ لا يعرف، كما لا تعرف الطبيعية، إلا الاستمرار والتغير- والتاريخ لا يقفز قفزات- Historia mon facit. لهذا لم تشعر بلاد اليونان الهلنستية بأن موت الإسكندر كان نهاية عصر من العصور؛ بل نظرت إلى الإسكندر نفسه بأنه بداية العصور "الحديثة" وعلى أنه رمز الشباب القوي لا على أنه عامل من عوامل الاضمحلال والفناء؛ وكان هذا العالَم موقناً بأنه قد بدأ الآن أعظم مراحل النضوج، وأن زعمائه لم يكونوا يقلون عظمة وفخامة عن الزعماء في أي عصر من العصور الماضية ما عدا الملك الشاب نفسه، فهو دون غيره نسيج وحده(1). ولقد كان هذا العالَم على حق من نواح كثيرة. ذلك أن الحضارة اليونانية لم تمت بموت الحرية اليونانية، بل إنها على العكس من ذلك قد افتتحت لنفسها أقطاراً جديدة، وانتشرت في ثلاث جهات بعد أن حطم تكوين الإمبراطوريات الواسعة ما كان يعترض سبل الاتصال والاستعمار والتجارة من حواجز سياسية. وكان اليونان لا يزالون شعباً مغامراً يقظاً، فهاجروا بمئات الآلاف إلى آسية، ومصر، وإبيروس، ومقدونية، وبذلك لم تزدهر أيونيا مرة أخرى وحسب، بل إن الدم الهليني واللغة اليونانية والثقافة اليونانية قد شقت طريقها إلى داخل آسية الصغرى، وفينيقية وفلسطين؛ واخترقت سوريا، وبابل؛ وتخطت نهري الفرات ودجلة، بل وصلت إلى بكتريا والهند نفسهما. ولم تكن الروح اليونانية في وقت من الأوقات أشد مما كانت في ذلك الوقت حماسة وشجاعة؛ لم تحرز الآداب والفنون اليونانية نصراً مؤزراً أوسع من النصر الذي أحرزته في تلك الأيام.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل المؤرخين يختتمون تاريخ بلاد اليونان بالإسكندر؛ ذلك أن العالم اليوناني بعد موته قد بلغ من الاتساع والتعقد حداً لا يستطيع الإنسان معه أن ينظر إليه على أنه وحدة، أو يقص تاريخه قصة متصلة. ذلك أنه لم تقم فيه ثلاث دول ملكية كبرى فحسب- مقدونية، وسلوقية ومصر- ؛ بل نشأ فيه أيضاً مائة من دول المدن اليونانية تتمتع بدرجات مختلفة من الاستقلال؛ وقامت أحلاف واتحادات متشابكة؛ وأنشأت دول نصف يونانية في أبيروس، وبلاد اليهود، وبرجموم، وبيزنطية، وبيثينيا، وكبدوكيا، وغلاشيا، وبكتريا. وقامت في الغرب إيطاليا وصقلية اليونانيتان تتنازعهما قرطاجة العجوز ورومة الفتية. وكانت دول الإسكندر المزعزعة القواعد لا تربطها إلا روابط ضعيفة من اللغة وسبل الاتصال، والعادات والدين، لا تقوى معها على البقاء طويلاً. يضاف إلى هذا أنه لم يترك وراءه رجلاً قوياً واحداً بل ترك رجالاً كثيرين، ولم يكن منهم من يقنع بأقل من السيادة التامة. وغفلت الدولة الجديدة لسعتها واختلاف أصقاعها عن فكرة الديمقراطية، فقد كان الاستقلال، كما يفهمه اليونان، يفترض وجود دولة مدينة يستطيع مواطنوها أن يجتمعوا في أوقات معينة في مكان واحد. يضاف إلى هذا أن فلاسفة أثينة الديمقراطية قد عابوا على هذه الديمقراطية نفسها أنها مستقر الجهالة والتحاسد والفوضى. وكان خلفاء الإسكندر جماعة من الزعماء المقدونيين تعودوا من زمن بعيد أن يقيموا حكمهم بالسيف؛ ولم يكن للديمقراطية نصيب من تفكيرهم إلا في أوقات متفرقة يستشيرون فيها أعوانهم. وبعد عدة مناوشات حربية صغيرة تخلصوا فيها من صغار منازعيهم، قسموا الدولة خمسة أقسام (321)، فاختص أنتباتر بمقدونية وبلاد اليونان؛ وليسماخوس بتراقية، وأنتجونس بآسية الصغرى، وسلوقس ببابل، وبطليموس بمصر. ولم يروا ضرورة لدعوة مجمع عام من الدول اليونانية يؤيد هذا التقسيم. وظلت الملكية من تلك الساعة إلى قيام الثورة الفرنسية- إذا استثنينا فترات متقطعة في تاريخ بلاد اليونان نفسها وتاريخ جمهورية رومة الأرستقراطية- هي المسيطرة على أوربا بأكملها. إن المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديمقراطية هو الحرية التي تدعو إلى الفوضى، كما أن المبدأ الأساسي في الملكية هو السلطان الذي يدعو إلى الاستبداد والثورة والحرب. ولقد كانت الحروب الخارجية والأهلية من عهد فليب إلى عهد برسيوس، ومن قيرونية إلى بدنا (338- 168) تكملها الحروب الخارجية والداخلية في الممالك لأن منافع الحكم تغري مائة من القواد على أن يتنازعوا العروش. ولم يكن العنف أقل انتشاراً في بلاد اليونان الهلنستية منه في رومة في عهد النهضة. كذلك لم يكن زعماء العصابات الذين يُستأجرون بالمال لتأييد هذا الفريق أو ذاك أقل عدداً أو أقل شهرة في الأولى منهم في الثانية. ولما مات أنتباتر ثارت أثينة مرة أخرى، وقتلت فوشيون الشيخ الطاعن في السن بعد أن حكمها باسم أنتباتر حكماً كان أعدل ما يستطيع أن يهبها من أحكام، وأعاد كسندر بن أنتباتر المدينة إلى حكم مقدونية (318)، ووسع حق الانتخاب حتى شمل من كان يملك ألف درخمة، وأناب عنه في الحكم دمتريوس الفلرومي Demetrius of Phalerum الفيلسوف، والعالم، والفنان الهاوي الذي نعمت المدينة في عهده بعشر سنين من الرخاء والسلام. وفي هذه الأثناء كان أنتجونس الأول "الجبار الأعور" يحلم بضم دولة الإسكندر كلها تحت عينه الواحدة؛ ولكن حلفاً من أقسام هذه الدولة هزمه عند إبسوس (301)، وانتزع منه سلوكس آسية الصغرى، وحرر ابنه دمتريوس بوليكريتيز ("آخذ المدن") بلاد اليونان من نير مقدونية، واستمتعت أثينة تحت حكمه باثني عشر عاماً أخرى من الحكم الديمقراطي؛ وأقام في البرثتون ضيفاً على المدينة، وجاء بالسراري ليعشن معه فيه(2)، ودفع بعض الشبان المستيئسين إلى أعمال العنف بمغامراته النسائية ، وانتصر في معركة بحرية انتصاراً باهراً على بطليموس الأول قرب قبرص (308)، وحاصر رودس ستة أعوام استخدم فيها آلات جديدة من آلات الحصار، لكنه ارتد عنها خائباً. وجعل نفسه ملكاً على مقدونية (294)، وقضى على حرية أثينة بحامية وضعها فيها، وتورط في حرب بعد حرب، حتى هزمه سلوكس وقبض علية؛ ومات من كثرة الشراب. وبعد أربع سنين من ذلك الوقت (279)، انتهزت جموع من الكلت أو "الغاليين" بزعامة برنوس Brennus فرصة ما حدث من الاضطراب بسبب النزاع القائم على السلطة في شرق البحر الأبيض المتوسط ، فانقضت على بلاد اليونان مخترقة تراقية ومقدونية. ويقول بوسنياس إن برتوس "أشار إلى ضعف بلاد اليونان، وإلى ما في مدنها من ثروة طائلة، وما في هياكلها من نذور ضخمة، وإلى ما في البلاد من مقادير هائلة من الفضة والذهب(4)". وشبت في نفس هذا الوقت نار الثورة في مقدونية بزعامة أبلودوروس Apollodorus؛ وانضم قسم من الجيش إلى الثوار، وأيدوا الفقراء الجياع في ثأرهم الدوري المتكرر من الأغنياء وانتهاب ثروتهم. وما من شك في أن الغاليين قد وجدوا لهم بإرشاد أحد اليونان طريقاً سرياً حول ترموبيلي، فعاثوا في الأرض فساداً، يقتلون وينهبون بلا حرج ولا تمييز، ثم تقدموا بجموعهم نحو هيكل دلفي الغني. فلما صدتهم عنه قوة يونانية وعاصفة هوجاء أرسالها أبلو كما يعتقد اليونان للدفاع عن مزاره، تقهقر برتوس وقتل نفسه فراراً من العار. وعبرت فلول الغاليين الذين نجوا من القتل إلى آسية الصغرى، ويقول فيهم بوسنياس إنهم "ذبحوا جميع الذكور، والعجائز، كما ذبحوا الأطفال على صدور أمهاتهم؛ وشربوا دمائهم وأكلوا لحوم السمان منهم". فلما رأت ذلك النساء الشريفات والعذارى المخدرات انتحرن فراراً من العار...وتعرض من بقين على قيد الحياة لأصناف من الامتهان لا حصر لها...فمنهن من ألقين بأنفسهن على شفار سيوف الغاليين، يطلبن لأنفسهن الموت، ومنهن من قضين نحبهن من الجوع وعدم النوم، وكان هؤلاء البرابرة الغلاظ الأكباد يغتصبونهن واحدة في إثر واحدة ويشبعون فيهن شهواتهم سواء كن أحياءً أو أمواتاً . وبعد أن عاث الغزاة فساداً في البلاد أعواماً طوالاً، أقنعهم يونانيو آسية بما نفحوهم من المال بأن ينسحبوا من شمالي فريجيا (وعُرفت مستعمراتهم فيها باسم غالاشيا)، وإلى تراقية وبلاد البلقان. وظل الغاليون جيلين كاملين يرهبون سلوقس الأول والمدن اليونانية القائمة على سواحل آسية وشواطئ البحر الأسود. وكانت بيزنطية وحدها تؤدي لهم جزية سنوية تقدر بما يوازي 240.00 ريال أمريكي . وكما أن أباطرة رومة وقوادها قد شغلوا في القرن الثالث بعد الميلاد بصد غارات البرابرة على الدولة الرومانية، كذلك سخّر ملوك برجموم، وسلوقيا، ومقدونية هم وقوادها مواردهم وقواهم في القرن الثالث قبل الميلاد لصد موجات الكلت الغزاة المتكررة على البلاد اليونانية. ذلك أن الحضارة القديمة كانت طوال تاريخها تعيش على شاطئ بحر من الهمجية طالما هددها بإغراقها واجتياحها؛ وقد استطاعت بسالة المواطنين أن تصد أمواج هذا البحر الطامي في يوم من الأيام بعد أن أعدت لهذا الغرض إعداداً دائماً طويل الأمد؛ ولكن البسالة كانت تحتضر في بلاد اليونان في وقت أن كان الدهر يضفي عليها صبغتها القديمة ويخلع عليها اسمها اللذين عرفت بهما في مستقبل أيامها. وطرد أنتجونس الثاني ابن دمتريوس بوليكراتيس والمعروف باسم "جوناتاس" لأسباب لا نعرفها الآن، طرد الغاليين من مقدونية، وقلّم أظفار فتنة أبلودوروس، وحكم مقدونية حكماً حازماً معتدلاً دام ثمانية وثلاثين عاماً (277- 239). وكان سمحاً جوّاداً يناصر الآداب والعلوم والفلسفة، واستدعى شعراء مثل أراطوس السليائي إلى بلاطه، ووثق مع زينون الرواقي الصداقة التي دامت طوال حياته، وكان أول تلك السلسلة غير المتصلة الحلقات من الفلاسفة الملوك التي انتهت بماركس أورليوس. ومع هذا ففي أثناء حكمه بذلت أثينة آخر جهودها لاستعادة حريتها. وذلك أن الحزب الوطني الأثيني الذي كان يتزعمه في ذلك الوقت أقرمنيدس Chremonides أحد تلاميذ زينون الشبان استولى على أزمة الحكم في عام 267. واستطاع بمعونة مصر أن يطرد الجنود المقدونيين من المدينة، ويعلن استقلال أثينة وحريتها. وجاءه أنتجونس على مهل، واسترد المدينة (262)، ولكنه عامله معاملة من يحترم الفلسفة والشيخوخة؛ فوضع حاميات في بيرية وسلاميس وعند سنيوم، وحذر أثينة من الاشتراك في أحلاف والاشتباك في حروب، وفيما عدا هذا ترك للمدينة حريتها كاملة.

وكانت المدن اليونانية الأخرى وقتئذ تحل بأساليب أخرى مشكلة التوفيق بين الحرية والنظام، فشرعت إيتوليا الصغيرة حوالي عام 279، وكان يسكنها كما يسكن مقدونية أقوام جبليون نصف همج لم يخضعوا في حياتهم لغريب، شرعت هذه المدينة الصغيرة تنظم مدن اليونان الشمالية- وخاصة مدن الحلف الدلفي الاثني عشري- وتضمها في الحلف الإيتولي؛ وضم الحلف الآخي المؤلف من مدائن بتري Patrae، وديمي Dyme، وبليني، إلى عضويته حوالي ذلك الوقت كثيراً من مدن البلوبونيز. وظلت الهيئات البلدية التي يتألف منها كلا الحلفين تشرف على جميع فروع الحكومة المحلية، ولكنها أسلمت قواها المسلحة وعلاقاتها الخارجية إلى مجلس الاتحاد وإلى استراتيجوس ينتخبه من يستطيع من المواطنين أن يحضر الجلسات السنوية التي تعقدها الجمعية في إجيوم من أعمال آخية أو في ثرموس من أعمال إيتوليا. وكانت مهمة كل حلف أن يحافظ على السلم، ويوحد المقاييس والموازين والسكة في الأصقاع التي يشملها- وتلك خطوة في سبيل التعاون تجعل القرن الثالث أرقى من عصر بركليز من بعض الوجوه.

وحوّل أراتوس السكيوني عصبة الدول السكيونية إلى قوة من الطراز الأول. واستطاع هذا الثمستكليز الجديد وهو في سن العشرين أن يحرر سكيون من طاغيتها بأن باغته بالهجوم ليلاً هو وحفنة من الرجال. واستطاع بفصاحته وبراعته في المفاوضات أن يُقنع جميع مدن البلوبونيز ما عدا إسبارطة وإليس بأن تنظم إلى العصبة التي ظلت تنتخبه رئيساً لها مدى عشر سنين (245- 235). ودخل مدينة كورنثة سراً ومعه بضع مئات من رجاله وتسلق قمة أكروكورنثس المنيعة، وبدد شمل الجيوش المقدونية، وأعاد إلى المدينة حريتها. ثم انتقل إلى ثغر بيرية ورشا الحامية المقدونية المقيمة بها بالمال فاستسلمت له وأعلن تحرير أثينة، وظلت تلك المدينة من ذلك الوقت إلى الفتح الروماني تستمتع باستقلال فذ في نوعه- فقد كانت لا حول لها ولا طول من الناحية العسكرية ولكن الدول الهلنستية تركتها وشأنها لم تمسها بسوء لأن جامعاتها العلمية جعلتها العاصمة الذهنية للعالم اليوناني. ووجهت أثينة عنايتها للفلسفة، واختفت من ذلك الحين من التاريخ السياسي.

وكانت عصبتا الدول اليونانية وقتئذ في عنفوان قوتهما، ثم أخذتا تضعفان نفسهما بمحاربة كل منهما للأخرى في الخارج، وبحروب الطبقات في الداخل. ففي عام 220 اشتبكت العصبة الإيتولية ومعها إسبارطة وإليس في الحرب "الاجتماعية" العوان ضد العصبة الآخية ومقدونية. وكان أراطوس المدافع عن الحرية يدافع أيضاً عن حق الملكية؛ ولذلك كانت العصبة تؤيد حزب الملاك في كافة المدن. وشكا فقراء المواطنين من أنهم لا يستطيعون حضور الجمعيات النائية لعصبة الدول وأنهم كانوا في واقع الأمر محرومين من الحقوق السياسية؛ وكانوا يرتابون في فائدة حرية لا معنى لها إلا أن تتيح الفرصة كاملة للأقوياء والمهرة دون غيرهم لكي يستغلوا الضعفاء والسذج؛ فأخذوا يؤيدون تأييداً متزايداً المهرجين من زعماء الشعب الذين كانوا ينادون بإعادة توزيع الأراضي الزراعية؛ وشرع الفقراء يفضلون حكم المقدونيين على حكومتهم الوطنية كما كان يفعل الأغنياء قبل مائة عام من ذلك الوقت. بيد أن الذي قضى على مقدونية آخر الأمر هو أمانة أنتجونس الثالث. وذلك أنه كان قد استولى على زمام السلطة بوصفه وصياً على فليب ابن زوجته، ووعد بأن يتخلى عن الملك حين يبلغ فليب سن الرشد. وأطلق عليه الساخرون في ذلك الوقت اسم "الدوسون Doson أي الواعد"، لأنهم على ما يبدو كانوا موقنين بأنه لن يوفي بوعدهِ. ولكنه أنجز هذا الوعد فعلاً، وبدأ فليب الخامس في عام 221، وهو في السابعة عشرة من عمره، حكماً طويلاً مليئاً بالدسائس والحروب. وكان فليب شجاعاً قديراً، ولكنه كان مختالاً ميت الضمير، لم يتورع عن أن يغرر بزوجة ابن أراطوس، ويسم أراطوس نفسه، ويقتل ابنه هو لأنه ظنه يأتمر به، وأقام ولائم من الخمر المسموم للذين وقفوا في وجه خططه(7). وقد وسع رقعة مقدونية وزاد ثروتها، وتركها وهي أكثر سكاناً وأعظم رخاءً مما كانت عليه منذ مائة وخمسين عاماً. ولكنه في عام 215 أوجس خيفة من قوة رومة النامية، فارتكب الغلطة التاريخية الموبقة بأن تحالف مع هنيبال وقرطاجة، فما كان من رومة إلا أن أعلنت الحرب على مقدونية بعد عام واحد من ذلك الوقت وبدأت تستولي على بلاد اليونان.


الفصل الثاني: الكفاح من أجل المال

ويقول أثنيوس، وهو ثرثار خليق بأن يُعتمد عليه بالقدر الذي يصح أن يُعتمد به على أمثاله الثرثارين، إن دمتريوس الفالرومي أحصى سكان أثينة حوالي عام 310 ق.م فوجد فيها 21.000 من المواطنين، و 10.000 من الغرباء المستوطنين، و 400.000 من الأرقاء(8): فأما العدد الأخير فلا يمكن تصديقه، ولكنا لا نعرف شيئاً ينقضه، وأكبر الظن أن عدد الأرقاء الذين كانوا يعملون في المزارع قد ازداد لأن الضياع كانت آخذة في الاتساع، ولأن استغلالها بجهود العبيد تحت إشراف العبيد الذين يعملون في خدمة المالك البعيد عنها، كان آخذاً في الازدياد(9). وبفضل هذا النظام انتشر نظام الزراعة الذي يعتمد على العلم أكثر من ذي قبل؛ ودليلنا على ذلك أن فارو Varro كان يعرف أسماء خمسين كتاباً في فن الزراعة. ولكن عوامل التعرية وتقطيع الغابات أدت إلى اكتساح التربة في مساحات واسعة من الأرض الخصبة. وحتى في القرن الرابع ذ كر أفلاطون أن الأمطار وفيضانات الأنهار قد جرفت على مر الزمن كثيراً من تربة أتكا الخصبة؛ ويشبه ما بقي من التلال بالهيكل العظمي الذي انتزع منه اللحم(10). وما وافى القرن الثالث حتى كانت مساحات واسعة في أتكا قد تعرت من تربتها الخصبة إلى درجة اضطرت أصحاب كثير من الضياع القديمة إلى هجرها، وأخذت غابات بلاد اليونان تختفي شيئاً فشيئاً، حتى اضطر الأهلون إلى استيراد الخشب كما اضطروا إلى استيراد الطعام من خارج البلاد(11). كذلك أجدبت مناجم لوريوم، وكادت هي الأخرى أن تُهجر، وكان استيراد الفضة من أسبانيا أرخص من استخراجها من مناجم البلاد، وأضحت مناجم الذهب في تراقية تُغني خزائن مقدونية وتجمل عملتها بعد أن كانت تصب ثروتها في أثينة.

وبينما كانت موارد الرجولة والمواطنية المستقلة ينضب معينها في القرى، كانت الصناعة وحرب الطبقات تفعلان فعلهما في المدن، فكانت المصانع الصغيرة في أثينة وفي جميع المدائن الكبرى في العالم الهلنستي يتزايد عددها وعدد العبيد الذين يعملون فيها؛ وكانت تجار الرقيق يصحبون الجيوش، ويبتاعون من لا يُفتدون من الأسرى، ويبيعونهم بسعر ثلاث مينات أو أربع (مائة وخمسين ريالاً أو مائتي ريال) في أسواق الرقيق الكبرى في ديلوس ورودس. وكان عدد من الناس يشعرون بما في هذا النظام القديم، نظام الاسترقاق، من مجافاة للمبادئ الإنسانية؛ وكان من ثمار الفلسفة أن سرت في قلوب الناس عاطفة إنسانية نبيلة؛ يُضاف إلى هذا أن الروح العالمية التي سادت ذلك العصر لم تكن تميز بين الأجناس البشرية، وأن العمال المأجورين الذين يخرجون من الأعمال حين لا تأتي بأرباح ليعيشوا من معونة الدولة، كانوا في كثير من الظروف أقل كلفة من العبيد الذين لا بد من إطعامهم على الدوام(12). وكان من أثر هذه العوامل كلها أن أخذ عدد العبيد المحررين يزداد في ذلك الوقت زيادة ملحوظة.

وكسدت التجارة في المدن القديمة ولكنها راجت في المدن الحديثة، فازدهرت الثغور اليونانية في آسية ومصر على حساب ثغر بيرية، وحتى في أرض اليونان القارية كانت خلقيس وكورنثة هما اللتين استفادتا من تيار التجارة الهلنستية الزاخر؛ فقد كان التجار لا ينقطعون عن التردد غادين رائحين على هذين البلدين ذوي المركز الهام والاستعداد التجاري العظيم، كما لم يكونوا ينقطعون عن التردد على أنطاكية، وسلوقية، ورودس، والإسكندرية، وسرقوسة؛ وكانوا ينشرون مع تجارتهم نزعتهم العالمية والمتشككة. وتضاعف عدد رجال المصارف، ولم يكونوا يقرضون المال للتجار والملاك فحسب، بل كانوا يقرضونه أيضاً للمدن والحكومات(13). وكان لبعض المدن مثل ديلوس وبيزنطية مصارف عامة أو وطنية تودع فيها الحكومات أموالها ويديرها موظفون معينون من قبل الدولة(14). وفي عام 324 أنشأ أنتمنيس الرودسي أول نظام معروف للتأمين، وذلك بأن ضمن للملاك نظير ثمانية في المائة من إيرادهم ما عسا أن يصيبهم من الخسارة إذا فر منهم عبيدهم(15). وكانت نتيجة انطلاق الأموال المكدسة في خزائن بلاد الفرس، وسرعة تداول رؤوس الأموال، أن نقص سعر الفائدة إلى عشرة في المائة في القرن الثالث، وإلى سبعة في المائة في القرن الثاني. كذلك انتشرت المضاربات انتشاراً كبيراً، ولكنها كانت على غير نظام؛ فمن المضاربين من كانوا يعملون لرفع الأسعار بتحديد الإنتاج؛ وقد وجد في البلاد من كانوا يدعون إلى تحديد مقدار الحاصلات الزراعية لكي يحتفظ الزراع بقدرتهم على الشراء(16). وكانت أثمان السلع مرتفعة في العادة لأن الإسكندر هو الآخر قد صب في أيدي الناس الأموال المكدسة في خزائن الملوك الأكمينيين؛ لكن هذا السبب عينه كان من الأسباب التي يسّرت سبل التجارة، ونشطت الإنتاج فعادت الأثمان إلى مستواها العادي. وازدادت ثروة الأغنياء إلى حد لم يُعرف له مثيل في تاريخ اليونان، فاستحالت البيوت قصوراً، وأضحت الرياش والعربات أفخم من ذي قبل، وكثر العبيد، وصارت وجبات الطعام قصفاً ولهواً خليعاً، وأضحت النساء معارض لثراء أزواجهن(17). ولم تستطع الأجور لانخفاضها مجاراة أثمان السلع الآخذة في الارتفاع، فإذا انخفضت هذه الأسعار انخفضت معها الأجور على الفور؛ ولم تكن تكفي إلا لإطعام شخص بمفرده، وكانت سبباً في انتشار العزوبة والمسكنة، وإقفار البلاد من أهلها؛ وأخذ الفرق بين أجر العمل الحر ونفقات الرقيق ينقص-تدريجاً. ولم يكن العمل ميسراً للعمال على الدوام، وترك آلاف من الرجال مواطنهم في المدن اليونانية التي في أرض القارة ليعملوا جنوداً مرتزقين في خارج البلاد، أو ليُخفوا فقرهم في عزلتهم الريفية(18). وأعانت حكومة أثينة المعدمين من أهلها بهبات من الحبوب، وأخذ الأغنياء يسلونهم بما يقدمون لهم من التذاكر التي تبيح لهم حضور الحفلات والألعاب. فقد كانوا يقترون في الأجور، ولكنهم كانوا أسخياء في الصدقات؛ وكثيرا ماكانوا يُقرضون المال لمدنهم من غير فائدة، أو يُنقذونها من الإفلاس بالهبات الضخمة، أو يُنشئون المباني العامة على نفقتهم الخاصة، أو يهبون المال للهياكل والجامعات، أو يجودون بالكثير منها لإقامة التماثيل، أو إجازة الشعراء الذين يذيعون في الناس ملاحمهم أو يُشيدون بعطاياهم. ونظم الفقراء أنفسهم في اتحادات ليتبادلوا المعونة فيما بينهم، ولكنهم كانوا أضعف من أن يحدوا من سلطان الأغنياء أو مهاراتهم؛ ومن جمود الفلاحين واستعداد الحكومات والأحلاف المتنافسة لتبادل المعونة المسلحة للقضاء على الثورات(19). وقد أدت حرية الكفايات غير المتكافئة في جمع الثروة أو الهلاك جوعاً إلى ما أدت إليه من قبل في أيام صولون، ألا وهو تركز الثروة في أيدي عدد قليل جداً من الأفراد. وكان الفقراء سريعي الاستجابة إلى الدعايات الاشتراكية، فأخذ ممثلوهم يطالبون بإلغاء الديون، وإعادة توزيع الأراضي الزراعية على الأهلين، ومصادرة الثروات الكبرى؛ وكان أكثرهم جرأة يطالبون من حين إلى حين بتحرير العبيد(20). وكان ضعف العقيدة الدينية سبباً في نشأة الدعوة إلى إقامة مدائن فاضلة خيالية تعوض على الناس هذا الضعف: فوصف زينون الرواقي في جمهوريته التي نشرها عام 300ق.م على ما يظن نظاماً شيوعياً مثالياً؛ وألهم يمبولوس أحد أتباعه (250 في الغالب) الثوار اليونان برواية له وصف فيها جزيرة مباركة في المحيط الهندي (قد تكون جزيرة سرنديب) قال إن الناس كلهم فيها أكفاء لا في الحقوق فحسب، بل في مقدرتهم وذكائهم؛ وإنهم كلهم يعملون على قدم المساواة، ويقتسمون ثمار عملهم بالتساوي، ويشتركون كلهم إذا جاء دورهم في تصريف شؤون الحكومة، وإن هذه الجزيرة لم يكن فيها غنى ولا فقر، ولا حرب بين الطبقات، وإن الطبيعة تنتج فيها الفاكهة موفورة بلا حاجة إلى جهد، وإن الناس يعيشون فيها متآخين متحابين(20).

وأممت بعض الحكومات عدداً من الصناعات: فاستولت حكومة برييني على مصانع الملح، وأممت ميليطس مصانع النسيج، ورودس ونيدس مصانع الفخار؛ ولكن الحكومات لم تؤدي للعمال أجوراً أعلى مما يؤديه أصحاب الأعمال الشحيحون، وكانوا يمتصون من كدح عبيدهم كل مل يستطيعون امتصاصه من المكاسب. واتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء(21)، وأضحت حرب الطبقات أشد مرارة مما كانت قبل؛ فأخذت كل مدينة قديمة كانت أو حديثة تردد أصداء كراهية الطبقات بعضها لبعض، وكانت هذه الكراهية تتمثل في الفتن، والمذابح، وأعمال القمع، والنفي، والقضاء على الأنفس والثمرات. فإذا ما انتصر فيها حزب طرد الحزب الآخر وصادر أملاكه؛ فإذا عاد إلى المنفيين سلطانهم ثأروا لأنفسهم مثل هذا الثأر وقتلوا أعداءهم، ألا فليتصور القارئ أي استقرار يمكن أن يتاح لنظام اقتصادي يتعرض لأمثال هذه الاضطرابات والهزات العنيفة. وقد وصل ما حل من الخراب ببعض المدن اليونانية القديمة من جراء النزاع بين الطبقات إلى درجة أن هجرتها الصناعات وفر منها الناس، وأن نمت الأعشاب في شوارعها وأقبلت عليها الماشية ترعاها(22). وكتب بولبيوس حوالي عام 150 ق.م يصف بعض مظاهر هذه الحرب كما يراها رجل محافظ ثري: "ولما أن هيئوا (أي الزعماء المتطرفون) نفوس العامة إلى الجشع والرشوة، قُضي على ما في الديمقراطية من فضيلة، واستحالت حكم العنف والاستبداد. ذلك أنه إذا اعتادت الغوغاء أن تطعم على حساب غيرها، وأن تُبعَث فيها الآمال بأن تعيش من مال جيرانها، ثم وجدت زعيماً أوتي قدراً كافياً من الطموح والجرأة...إذا حدث هذا نشأ عنه حكم العنف. وحينئذ تقوم الجمعيات الصاخبة، والمذابح، والنفي، وإعادة توزيع الأرض(23)".

وكانت الحروب ونزاع الطبقات هي التي أضعفت بلاد اليونان الأصلية حتى جعلتها غنيمة سهلة لرومة. ذلك أن قسوة المنتصرين وغلظة قلوبهم المتناهية، وتدمير الغلات، والكروم، والبساتين، وتخريب الضياع، وبيع الأسرى في سوق العبيد قد قضى على إقليم في إثر إقليم، وترك البلاد أشبه بقشرة فارغة أمام العدو الأخير. وهل تقوى أرض أفقرها التنازع والتباغض، واكتسحت تربتها عوامل التعرية، وقُطعت غاباتها، ولم يكن يزرع أرضها إلا المستأجرون الفقراء أو الأرقاء الكليلون، هل تقوى أرض هذا شأنها على منافسة السهول الفيضية التي تشقها أنهار العاصي، والفرات، ودجلة، والنيل. أضف إلى هذا أن المدن الشمالية لم تعد كما كانت من قبل قائمة على الطرق التجارية الكبرى، وأنها قد فقدت أساطيلها الحربية، ولم يكن في مقدورها أن تشرف على موارد الحبوب وطرقها وهي الموارد والطرق التي كانت أثينة وإسبارطة تسيطران عليها في أيام عظمتهما الإمبراطورية. وانتقلت مراكز القوة، بما فيها قوة الإبداع الأدبية والفنية، إلى أماكنها القديمة في آسية ومصر، وهي المراكز التي أخذت منها بلاد اليونان في تواضع وخشوع آدابها وفنونها قبل ذلك الوقت بألف عام.


الفصل الثالِث: أخلاق الانحلال

لقد عجل فشل نظام دول المدائن تدهور الدين القديم؛ ذلك أن آلهة المدينة قد ثبت عجزها عن حمايتها، ومن أجل هذا تزعزع إيمان الناس بهذه الآلهة. واختلط أهلها بالتجار الأجانب الذين لم يكن لهم نصيب في حياة البلد المدنية والدينية والذين انتشر تشككهم ولهوهم بين المواطنين. على أن أساطير الآلهة المحلية القديمة قد بقيت بين الفلاحين والسذج من سكان المدن، وبقيت كذلك في الطقوس الرسمية، وظل المتعلمون يستخدمونها في الشعر والفن؛ أما من تحررت من عقائدهم بعض التحرر من سلطانهم فأخذوا يهاجمونها بعنف. غير أن الطبقات العليا ظلت تستمسك بها وتستعين بها على حفظ النظام، وتقاوم الإلحاد الصريح وتعده شاهداً على فساد الذوق. ولما قامت دول كبيرة أدى قيامها هذا إلى توحيد الآلهة واندماجها هي الأخرى، وسرت في نفوس الناس نزعة غامضة نحو التوحيد، وحاول الفلاسفة أن يصوغوا للأدباء مذهب وحدة الوجود في صيغة لا تتعارض تعارضاً صريحاً كل الصراحة مع العقائد الثابتة القديمة. من ذلك أن أوفمروس Euphemerus أحد سكان مسانا في صقلية نشر حوالي عام 300 ق.م. كتابه المسمى هيرا أنجرافا Hiera Anagrapha (ومعناها الحرفي الكتابات أو السجلات المقدسة)، والذي قال فيه إن الآلهة إما أن تكون قوى طبيعية جسدها الناس، وإما أن تكون-وهذا هو الأغلب الأعم-أبطالاً آدميين ألـَّههم خيال الشعب أو عبدهم اعترافاً بفضلهم على بني الإنسان؛ وإن الأساطير هي إلا استعارات وتشبيهات، وإن الاحتفالات الدينية كانت في الأصل مراسم تخليداً لذكرى الموتى. فزيوس مثلاً كان فاتحاً مات في كريت وأفرديتي كانت موجدة الدعارة ونصيرتها، ولم تكن قصة كرونوس وأكله أبناءه إلا طريقة للقول بأن أكل اللحوم البشرية في الزمن القديم عادة متبعة على ظهر الأرض. وقد كان لهذا الكتاب أثر قوي في نشر النزعة الإلحادية في بلاد اليونان في القرن الثالث قبل الميلاد .

بيد أن الناس لا يستريحون للتشكك لأنه يترك قلب الإنسان وخياله فارغين، وهذا الفراغ لا يلبث أن يجذب إليه عقيدة جديدة مشجعة؛ وقد مهدت انتصارات الفلسفة وانتصارات الإسكندر السبيل إلى الطقوس الدينية الجديدة. وسادت أثينة في القرن الثالث عقائد دينية غريبة اضطربت لها أحوالها، وكانت كلها تقريباً، تبشر بالجنة ونذر بالجحيم، حتى أحس أبيقور، كما أحس لكريشيوس في رومة في القرن الأول، أن من واجبه أن يندد بالدين ويقول إنه يتعارض مع طمأنينة العقل ومتعة الحياة. ومن أجل هذا أصبحت المعابد الجديدة، حتى في أثينة نفسها، تشاد عادة لإيزيس، وسرابيس، Serapis، وبنديس Bendis وأدنيس، وغيرها من الأرباب الأجانب. وانتشرت الطقوس الإليزينية الخفية وأخذ الناس يحاكونها في مصر، وإيطاليا، وصقلية، وكريت. وظلت عبادة ديونيشيوس إليوثيريوس-المحرر-واسعة الانتشار حتى اندمج هذا الإله في المسيح. وانضوى تحت لواء الأرفية أتباع جدد حين جددت اتصالها بالأديان الشرقية التي نشأت هي عنها. لقد كان الدين القديم أرستقراطياً، وكان يحرم على الأجانب والرقيق أن يكونوا من أتباعه، أما الطقوس الشرقية الجديدة فكانت تقبل بين أتباعها جميع الرجال والنساء، ومنهم الأجانب، والأرقاء، والأحرار، وكانت تعد الناس على اختلاف طبقاتهم بالخلود في الدار الآخرة.

وانتشرت الخرافات والأوهام في الوقت الذي بلغ فيه العلم أوجه، وإن الصورة التي رسمها ثاوفراسطوس "للرجل المخرف" لتكشف عن رقة الغشاء الثقافي في حاضرة النور والفلسفة نفسها. فلقد كان العدد 7 عدداً مقدساً إلى حد لا يصوره العقل؛ فكان ثمة سبعة كواكب سيارة، وسبعة أيام في الأسبوع، وسبع عجائب في العالم، وسبعة أعمار للإنسان، وسبع سماوات، وسبعة أبواب للجحيم. وانتعش علم التنجيم على أثر انتشار التجارة مع بابل، وكان من العقائد المسلم بها والتي لا تقبل الجدل أن النجوم آلهة تتصرف في مصائر الأفراد والدول صغيرها وكبيرها، وحتى خلق الإنسان كان يحدده الكوكب الذي ولد الإنسان في مطلعهِ، فيكون مرحاً إذا ولد والمشتري في السماء؛ أو نشطاً زواغاً، إذا كان فيها عطارد، أو نكداً إذا كان زحل . وحتى اليهود أنفسهم كانوا يعبرون عن الأماني الطيبة بقولهم: "مزول-توف Mazzol-Tof " "نرجو أن يكون كوكبك سعداً(24)". وكان علم الفلك يكافح في سبيل الحياة ضد التنجيم، ثم استسلم له آخر الأمر في القرن الثاني بعد الميلاد. وكان الناس في جميع أنحاء العالم الهلنستي يعبدون تيكي Tyche إله الفرص.

وليس في مقدور الإنسان أن يدرك عظيم الأثر الذي يحدثه في الأمة موت دينها التقليدي إلا إذا أوتي خيالاً قوياً لا يكل، أو قدرة فائقة على الملاحظة. لقد قامت الحضارة اليونانية القديمة على الإخلاص لدولة المدينة والتفاني في حبها، وكانت العقائد الخرافية من أقوى العوامل في تدعيم المبادئ الأخلاقية وإن كانت هذه المبادئ متأصلة في القصص الشعبي والمعارف الشعبية أكثر من تأصلها في العقيدة الدينية. لكن الرجل اليوناني المتعلم قد خسر في الوقت الذي نتحدث عنه دينه ووطنيته؛ ومحت الإمبراطوريات الحدود المدنية، وأضحت المبادئ الخلقية، وشؤون الزواج، والأبوة، والقوانين، بسبب انتشار المعارف من الأمور الدنيوية. وقد كان عصر الاستنارة في أيام بركليز من أسباب تدعيم الأخلاق إلى حين، وهذا شبيه بما حدث في أوربا الحديثة فقد نمت المشاعر الإنسانية، وأيقظت-دون جدوى-في نفوس الناس استياءً شديداً من الحروب، ونشأت عادة التحكيم في المنازعات بين المدن والأفراد، وأصبحت الآداب أظرف مما كانت وأكثر صقلاً، وصار الجدل أكثر تحضراً، وانتقلت آداب اللياقة والمجاملات اللطيفة من حاشيات الملوك، حيث كان الباعث عليها السلامة الشخصية والهيبة الملكية، إلى أفراد الشعب، فلما أن جاء الرومان دُهش اليونان أشد الدهشة من سوء آدابهم وغلظة طباعهم. لقد أضحت الحياة في بلاد اليونان أرقى مما كانت وأكثر تهذيباً، وكان النساء يستمتعن بقسط أوسع من الحرية في غدوهن ورواحهن، ويبعثن في الرجال الميل إلى الظرف والرشاقة؛ فأخذوا يحلقون لحاهم وخاصة في بيزنطية ورودس، حيث كانت القوانين تحرم هذا العمل وتعده تشبهاً بالنساء(25). غير أن الجري وراء اللذات قد أنهك حياة الراشدين من أفراد الطبقات العليا. ولم تجد المشكلة القديمة مشكلة الآداب والقوانين الأخلاقية، وكيف يوفق الناس بين أبيقورية الفرد الفطرية ورواقية الدولة الضرورية، لم تجد هذه المشكلة حلاً لها في الدين، أو السياسة، أو الفلسفة. وانتشر التعليم ولكن انتشاره كان رقيقاً غير عميق، فقد كان يفعل ما يفعله في جميع العصور التي كانت الغلبة فيها للعقل فيعنى بالمعارف أكثر مما يعنى بالأخلاق، ولذلك أخرج جماهير غفيرة من أنصاف المتعلمين الذين انتزعوا من العمل ومن الأرض، وأخذوا يطوفون وهم ساخطون حيث يجب أن لا يكونوا، كأنهم بضاعة سائبة في سفينة الدولة. وأنشأت بعض المدن مثل ميليطس ورودس مدارس عامة تنفق عليها الدولة، وكان الذكور والإناث يتعلمون مجتمعين في مدارس تيوس Teos، وطشيوز، وكانت تُعطى للجنسين فرص متكافئة لا نظير لها إلا في إسبارطة(26). وتطورت مدارس الرياضة البدنية حتى أضحت مدارس عليا أو كليات جامعية بها غرف للتدريس، وقاعات للمحاضرات ومكتبات. كذلك ازدهرت ساحات التدريب الرياضي وأضحى لها شأن في بلاد الشرق؛ ولكن الألعاب العامة اضمحلت حتى أصبحت مباريات بين المحترفين وخاصة في الملاكمة، التي كانت قوة الجسم فيها أهم من المهارة والحذق؛ وأصبح اليونان أمة من النظارة يقنعون بأن يشاهدوا ولا يعملوا وقد كانوا في ماضي أيامهم أمة من الرياضيين.

وتحللت الأخلاق الجنسية من القيود أكثر من تحللها في عصر بركليز نفسه، وإن كان هذا التحلل لم يقلل من انتشار اللواط بل ظل كما كان في سابق الأيام. أنظر إلى قول سميثا Simaetha في بعض قصائد ثاوفراطوس: "إن الشاب دلفس Delphis يحب، ولكني لا أعرف أيحب امرأة أم رجلاً(27)". ظلت الحظية صاحبة السلطان الأعلى، وهل أدل على ذلك من أن دمتريوس بليوكرتيز جبى من الأثينيين ضريبة مقدارها مائتي وزنة وخمسين (750.000 ريال أمريكي) ثم وهبها لعشيقته لاميا Lamia بحجة أنها في حاجة إلى هذا المال لتبتاع به ما يلزمها من الصابون؛ وقال الأثينيون الغضاب "إن هذه السيدة لا بد أن تكون قذرة إلى أبعد حدود القذارة". وأصبح الناس لا يتأففون من رقص النساء العاريات بل يرونه من العادات المألوفة، وكان هذا يحدث أمام أحد ملوك مقدونية(29). وقد صور منندر في مسرحياته الحياة الأثينية بأنها حياة تدور كلها حول السفاسف، والغواية والزنى. واشتركت المرأة اليونانية اشتراكاً نشيطاً في الأعمال الثقافية في ذلك العصر، وكانت لها جهود موفقة في الأدب والعلم والفلسفة والفن، فكانت أرسطوداما Aristodama الأزميرية تنشد أشعارها في طول بلاد اليونان وعرضها وتقابل أينما حلت بأعظم مظاهر التكريم؛ ولم يتردد بعض الفلاسفة، كأبيقور مثلاً، في قبول النساء في مدارسهم. وبدأ الأدب يعنى بوصف جمال المرأة الجسماني بعد أن كان من قبل يُعنى بقيمتها وفتنتها من ناحية الأمومة، ونشأت العبادة الأدبية للجمال النسوي في ذلك العهد إلى جانب أشعار الحب الروائي وقصصه. وقد صحب هذا التحرير الجزئي للمرأة ثورة على قصر وظيفتها على الأمومة، وأضحى تحديد النسل من أهم الظواهر البارزة في ذلك العصر، فلم يكن يُعاقَب على الإجهاض مثلاً إلا إذا لجأت إليه المرأة على غير إرادة زوجها، أو بتحريض من أغواها؛ وكان الطفل في كثير من الأحيان يعرض للجو القاسي. ولم يكن عدد الأسر التي تربي أكثر من بنت واحدة في المدن اليونانية القديمة يزيد على واحد في المائة من مجموع أسرها؛ وفي ذلك يقول بوسيدبوس Posidippus، "وحتى الرجل الغني نفسه، كان يعرض ابنته للجو القاسي على الدوام. وكان يندر وجود أخوات للأبناء، وكثر عدد الأسر التي لم يكن لها أبناء قط أو كان لكل منها ولد واحد. وفي وسعنا أن نتتبع من النقوش الباقية إلى هذه الأيام خصوبة تسع وسبعين أسرة من سكان ميليطس في عام 200 ق.م: لقد كان لاثنتين وثلاثين من هذه الأسر طفل واحد، ولإحدى وثلاثين منها طفلان؛ وكان مجموع أبناء هذه الأسر جميعها مائة وثمانية عشر ولداً وثمانياً وعشرين بنتاً(30). وفي إريتريا Eretria لم يكن عدد الأسر التي لها ولدان يزيد على أسرة واحدة في كل اثنتي عشرة أسرة، وقلما كان لأسرة واحدة ابنتان. وكان الفلاسفة يتجاوزون عن قتل الأطفال بحجة أنه يخفف من ضغط السكان على موارد الرزق؛ فلما أن لجأت الطبقات الدنيا إلى هذه العادة وأسرفت فيها تساوت نسبة الوفيات مع نسبة المواليد. ولم يعد في مقدور الدين أن يتغلب على مقتضيات الراحة ونفقات الأبناء، مع أن الدين نفسه كان في الأيام الخالية يُخيف الناس ويحذرهم من قلة النسل حتى تجد أرواحهم من يُعنى بها بعد موتهم. وحل المهاجرون في المستعمرات محل الأسر القديمة، فلما أن نقص عدد المهاجرين في أتكا والبلوبونيز إلى أدنى حد قل عدد السكان كثيراً. ورأى ذلك فليب الخامس فحرم تحديد عدد أفراد الأسر في مقدونية، وزاد بذلك عدد الرجال بنسبة خمسين في المائة مما كانوا عليه قبل هذا الأمر(31)؛ وفي وسعنا أن نستدل من هذا على مبلغ ما وصلت إليه عادة تحديد النسل حتى في مقدونية التي كانت لا تزال نصف بدائية، وفي هذا المعنى يقول بولبيوس في عام 150 ق.م:

لقد سرت في جميع بلاد اليونان موجة من نقص المواليد ومن قلة السكان تبعاً لهذا النقص، نشأ عنها أن أقفرت المدن من السكان وأجدبت الأرض فلم تعد تخرج ثمرها...ذلك أن الناس قد انغمسوا في الترف والبخل والكسل، فلم يعودوا يرغبون في الزواج، أو في تربية الأبناء إذا تزوجوا، وأقصى ما كانوا يسمحون به أن يكون لهم من الأبناء ولد أو ولدان حتى يظلوا يستمتعون برخاء العيش، وحتى يربوا هؤلاء الأبناء ليتلفوا ما يتركون لهم من المال. واستشرى هذا الفساد بسرعة وإن تكن غير ملحوظة، وكان يحدث أحياناً أن يهلك أحد الولدين في الحرب وأن يقضي الموت على الولد الثاني، فيكون مصير البيت الخراب...وهكذا نضب معين المدن وحل بها الوهن شيئاً فشيئاً(32).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرّابع: الثورة في إسبارطة

وفي هذه الأثناء كانت تركز الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد يثير النزاع الأبدي بين الطبقات في جميع أنحاء اليونان. وكان من أثر هذا التركز في إسبارطة أن بذلت محاولتان لإصلاح الحال بإحداث انقلاب تام في أحوال تلك المدينة. لقد استطاعت إسبارطة بفضل عزلتها بين الحواجز الجبلية أن تحافظ على استقلالها، وأن تصد جيوش مقدونية، وتهزم جيش بيروس (272) الضخم ببسالة أبنائها وشدة بأسهم. ولكن نهم الأقوياء أحدث في داخل البلاد من الخراب ما لم تقوَ جيوش الأعداء على إحداثه فيها من الخارج. فقد ألغي قانون ليقورغ الذي كان يمنع انتقال الأرض من أيدي ملاكها بالبيع أو تقسيمها بالوصية ، واستخدم الإسبارطيون ما عاد عليهم من الثروة بطريق الإمبراطورية أو الحرب في شراء هذه الأراضي من أصحابها(33). وما وافت سنة 244 حتى آلت أراضي لكونيا الزراعية التي تبلغ مساحتها 700.000 فدان إلى مائة أسرة لا أكثر(34)، وحتى لم يحتفظ بحقوق المواطنية إلا سبعمائة رجل، وحتى هؤلاء السبعمائة لم يكونوا يُطعمون مجتمعين كما كانوا يُطعمون من قبل. ذلك أن الفقراء لم يستطيعوا تقديم قسطهم من الطعام، وأن الأغنياء كانوا يفضلون ولائمهم الخاصة. وحلت الفاقة بمعظم الأسر التي كانت من قبل تستمتع بالحقوق السياسية، وأخذت تطالب بإلغاء الديون وإعادة توزيع الأراضي على الأهلين.

وكان من فضائل الملكية أن محاولة إصلاح هذا الحال قد قام بها ملوك إسبارطة. ذلك أن أجيس الرابع Agis IV وليونداس قد ارتقيا عرش المدينة المزدوج في عام 242. وأيقن أجيس أن ليقورغ كان يقصد أن تكون الأراضي موزعة بالتساوي بين جميع الأحرار، فاقترح أن يشرع في توزيعها بينهم من جديد، وأن تُلغى جميع الديون، وأن يُعاد النظام شبه الشيوعي الذي وضعه ليقورغ. وأيد الملاك الذين كانت أرضهم مرتهنة اقتراح إلغاء الديون؛ فلما أن وافق على المشروع عارضوا أشد المعارضة كل ما عداه من عناصر إصلاحات أجيس؛ ثم اغتيل أجيس نفسه بتحريض ليونداس، واغتيلت معه أمه وجدته، وكانت كلتاهما قد نزلت عن ضياعها طائعة مختارة لتوزع على أبناء الشعب. وكانت النساء أنبل الشخصيات في هذه المسرحية الملكية؛ فقد كانت كلونيس Chilones ابنة ليونداس زوجة كليمبروتوس Cleombrotus الذي يؤيد أجيس. ولما نفي ليونداس واغتصب كليمبروتوس الملك هجرت كلونيس زوجها الظافر لتشترك في النفي مع زوجها، ولما أن استعاد ليونداس السلطة ونفي كليمبروتوس، آثرت كلونيس أن تُنفى مع أبيها(35). وأراد ليونداس أن يضم لأملاك أسرته ما كان لأرملة أجيس من ثروة طائلة، فأرغمها على أن تتزوج بابنه كليمنيس Cleomenes. ولكن كليمنيس هام بحب زوجته، واستلهم منها آراء الملك القتيل؛ ولما أن اعتلى العرش باسم كليمنيس الثالث، قرر أن ينفذ إصلاحات أجيس. واستطاع أن يضم الجيش إلى جانبه ببسالته في الحرب، وأن يكسب تأييد الشعب ببساطة معيشته، فلما تم له ذلك ألغى الإفورية الألجركية بحجة أن ليقورغ لم يوافق عليها قط، وقتل أربعة عشر من الذين عارضوا هذا الإلغاء، ونفى منهم ثمانين، وألغى جميع الديون، ووزع الأراضي على الأهلين الأحرار، وأعاد نظام ليقورغ إلى ما كان عليه من قبل. ولم يكتف بهذا، بل شرع يفتح البلوبونيز أمام الثورة. ورحب به الصعاليك في كل مكان ورأوا فيهِ منقذاً ومحرراً لهم، واستسلمت له عدة مدن وهي فرحة مستبشرة، فاستولى على أرجوس، وبليني، وفليوس Philius، وإبدورس، وهرميوني Hermione، وتريزين Troezeu؛ وحتى كورنثة الفتية استسلمت له هي الأخرى في آخر الأمر. وانتشرت عدوى خطته هذه في كل مكان: ففي بؤوشيا امتنع المدينون عن الوفاء بديونهم، واستولت الدولة على الأموال لاسترضاء الفقراء؛ وفي مجالوبوليس Megalopolis قام الفيلسوف سرسداس Cercidas يدعوا الأغنياء أن يمدوا يد المعونة للفقراء قبل أن تُطيح الثورة بجميع أموالهم(36). ولما أن غزى كليمنيس آخية Achaea وهزم أراطوس، دب الرعب في قلوب الطبقات العليا جميعها خوفاً على أملاكها، واستغاث أراطوس بمقدونية ولبى نداءه أنتجونس دوسن Antigonus Doson ، وهُزم كليمنيس في سلاسيا Sellasia (221)، وأعاد النظام الألجركي في لسديمون. وفر كليمنيس إلى مصر، وحاول دون جدوى أن يستعين ببطليموس الثالث، كما حاول دون جدوى أن يدفع أهل الإسكندرية إلى الثورة، فلما أخفق في كلتا المحاولتين لم يجد بداً من الانتحار(37).

وظلت حرب الطبقات مستعرة نارها، فخرج أهل إسبارطة على حكومتهم بعد جيل واحد من حكم كليمنيس، وأقاموا دكتاتورية ثورية، فما كان من فلوبيمين الذي خلف أراطوس في رياسة العصبة الآخية إلا أن غزا لكونيا، وأعاد إليها حكم الملاك. وما كاد فلوبيمين ينصرم أجله حتى ثار الشعب مرة أخرى، وأقام مكانه نابيس Nabis حاكماً بأمره (207). وكان نابيس هذا سوري الموطن سامي الجنس، أخذ أسيراً في الحرب، وبيع عبداً في مجالوبوليس. ولم يطق صبراً على كفايته المقموعة فانتقم لنفسه بتنظيم ثورة بين الهيلوتين، ولما تم له الأمر منح حق المواطنية الإسبارطية لجميع الأحرار، وقال للهيلوتين كونوا أحراراً فكانوا. ولما وقف الأغنياء في وجهه صادر أملاكهم وقطع رؤوسهم. وانتشرت أنباء أعماله هذه في خارج إسبارطة، ووجد من أيسر الأمور أن يفتح بمعونة الطبقات الفقيرة مدائن أرجوس، ومسينيا، وإليس، وبعض أركاديا. وكان أينما سار يؤمم المزارع الكبرى، ويعيد توزيع الأراضي على الأهلين، ويلغي الديون(38). ورأت عصبة الدول الآخية أنها عاجزة عن القضاء عليه فطلبت العون من رومة. ولبى فلامنينوس طلبه، ولكن نابيس قاومه مقاومة عنيفة أرغمت الرومان على قبول هدنة رضي بمقتضاها نابيس أن يطلق سراح الأغنياء المسجونين، ولكنه اشترط أن يظل محتفظاً لنفسه بالسلطة. وفي هذه الأثناء اغتال نابيس مغتال بتحريض عصبة الدول الإيتولية (192)(39). وبعد أربع سنين من ذلك الوقت زحف فلبومين مرة أخرى على إسبارطة، وأعاد السلطة إلى الملاك، وألغى أنظمة ليقورغ، وباع ثلاثة آلاف من أتباع نابيس في أسواق الرقيق. وهكذا قضى على الثورة، ولكن إسبارطة قُضي عليها أيضاً؛ نعم إن المدينة ظلت قائمة، ولكنها لم يكن لها بعدئذ شأن في تاريخ بلاد اليونان.


الفصل الخامِس: سيادة رودس

انتقلت التجارة ورؤوس الأموال من بلاد اليونان القارية وأخذت تبحث لها عن ملاجئ جديدة في جزائر بحر إيجة، وذلك لأنها خشيت عنف الانقسامات الحزبية، ولأن حركات السكان اجتذبتها إلى تلك الجزائر. فازدهرت ديلوس في القرن الثاني، وقد كانت من قبل موفورة الثراء بسبب وجود هيكل أبلو بها؛ وأضحت ثغراً حراً تحت حماية رومة وإن كانت أثينة هي التي تصرف شؤونها. وازدحمت الجزيرة الصغيرة بالتجار الأجانب، وبمكاتب رجال الأعمال وبالقصور، والأكواخ، والهياكل المختلفة التي أقيمت للآلهة الأجنبية. وبلغت رودس غاية مجدها في القرن الثالث، وأضحت بإجماع الآراء أجمل مدائن هلاس وأعظمها حضارة. وقد وصف استرايون الثغر الكبير بأنه "يفوق سائر الثغور في مرافئه، وطرقه، وأسواره، وما أدخل عليه من الإصلاحات، حتى لأعجز عن القول بأن مدينة أخرى تضارعه أو تكاد تضارعه(40)". وكانت رودس ذات موقع طيب في ملتقى الطرق التجارية التي تخترق البحر الأبيض المتوسط، يمكنها من أن تفيد من التجارة الآخذة في الانتشار والتي يسرت سبلها فتوح الإسكندر، بين أوربا، ومصر، وآسية، ومن أجل هذا حلت مرافئ رودس الرحبة محل مرافئ صور وبيرية، وأضحت المرافئ التي يعاد منها شحن البضائع، كما أضحت مكان المقاصة التجارية والمالية والعاملة على تنظيمها في شرق البحر. وكان لتجارها سمعة حسنة في الأمانة، ولمصارفها وحكومتها شهرة طيبة في الاستقرار، وسط عالم كله خيانة وتقلقل. وأفادت الجزيرة كثيراً من هذهِ السمعة الحسنة، وكان لها عمارة بحرية قوية يسيرها ملاحون من مواطنيها، استطاعت أن تطهر إيجة من القراصنة، وتؤمن السبل البحرية لجميع السفن التجارية لسائر الأمم على قدم المساواة، وأن تضع قوانين صالحة للملاحة تدل على عقلية ناضجة، رضيت بها سائر السفن التجارية، وظلت هذه القوانين هي المسيطرة على تجارة البحر الأبيض قروناً عدة، ثم أضحت جزءاً من القوانين التجارية لرومة والقسطنطينية والبندقية.

وبعد أن حررت رودس نفسها من سيطرة مقدونية بفضل مقاومتها الباسلة لدمتريوس بليوكريتيس (305)، وجهت سفينتها السياسية توجيهاً ناجحاً وسط بحر السياسة المضطرب في ذلك العصر، فاحتفظت بحيادها احتفاظاً حكيماً ولم تتورط في الحرب إلا لتحول بين ازدياد سلطان دولة معتدية يخشى بأسها، أو لتحفظ للبحار حريتها. وقد ضمت كثيراً من مدن بحر إيجة وألفت منها "عصبة جزرية"، وكانت في ممارستها حقوق السيادة عليها عادلة إلى حد لم تشُك أية واحدة منها فيما لها من حق الزعامة عليها. وكانت لها حكومة ذات نظام أرستقراطي على أساس ديمقراطي، شبيهة بحكومة رومة في عصر الجمهورية؛ وكانت تحكم مدائن لندس، وكميروس Camirus، وياليسوس Ialysus، ورودس مجتمعة بمهارة وعدل نسبي، ومنحت المقيمين فيها من الأجانب من الامتيازات ما لم تمنحه أثينة من هاجر إليها من الغرباء؛ وبسطت حمايتها على عدد كبير من الأرقاء، ولما أن تعرضوا للخطر لم تتردد في تسليحهم للدفاع عن أنفسهم، وفرضت على أغنياء المدينة أن يعنوا بالفقراء من أهلها(41). وكانت الدولة تواجه نفقاتها بفرض ضريبة مقدارها اثنان في المائة على الصادرات والواردات؛ وكانت تقرض المال بسخاء، ومن غير فائدة في بعض الأحيان، إلى المدن إذا حلت بها الأزمات.

ولما أن خرب الزلزال رودس نفسها (225)، هب جميع العالم اليوناني لمعونتها، وذلك لأن اليونان على بكرة أبيهم كانوا يعتقدون أن اختفاءها من وسط بحر إيجة سيؤدي لا محالة إلى الفوضى التجارية والسياسية. فأرسل هيرون الثاني مثلاً مائة وزنة ذهبية (300.000 ريال أمريكي)، وأعاد في المدينة نحت طائفة من التماثيل تمثل أهل رودس يتوجهم السرقوسيون، وأرسل بطليموس الثالث ثلثمائة وزنة ، وأنتجونس الثالث ثلاثة آلاف، ومعها مقادير كبيرة من الخشب والقار لتستخدمها في البناء، وتبرعت زوجته الملكة كريسيس Chryseis بثلاثة آلاف وزنة من الرصاص، وبما يعادل ثمانية وعشرين أردباً من الحبوب؛ وبعث سلوقس الثالث بضعفي هذا القدر وبعشر سفن ذات خمسة صفوف من المجاديف كاملة العدة. "أما المدن التي قدمت كل منها ما يتناسب مع قدرتها المالية فهذه يخطئها الحصر على حد قول بولبيوس(42). لقد كانت هذه الفترة مشكاة نيرة في دياجير التاريخ السياسي المظلمة، وكانت فرصة من الفرص القليلة النادرة التي فكر فيها العالم اليوناني وعمل يداً واحدة.