قصة الحضارة - ول ديورانت - م 2 ك 2 ب 10

من معرفة المصادر


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> نهضة بلاد اليونان -> الكفاح في سبيل الحرية -> مرثون


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المجلد الثاني: حياة اليونان - الكتاب الثاني: نهضة بلاد اليونان

الباب العاشر: الكفاح في سبيل الحرية

الفصل الأول: مرثون

يقول هيرودوت: "في أثناء حكم دارا وخشيارشاي وأرتخشر لاقت بلاد اليونان من الأهوال ما لم تلقه في العشرين جيلاً السابقة على هذا العهد"(1) وكان لا بد أن يلقى أهلها جزاء نمائهم وتقدمهم. ذلك أن انتشارهم في كل مكان لا بد أن يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى قيام النزاع بينهم وبين إحدى الدول العظمى. وإذ كان اليونان يتخذون البحر مطية لهم، فقد أنشأوا فيه طريقاً تجارياً يمتد من شاطئ أسبانيا الشرقي غرباً إلى أقصى ثغور البحر الأسود شرقاً. وأخذ الطريق المائي الأوربي - الذي يخترق بلاد اليونان وإيطاليا وصقلية - ينافس الطريق الشرقي البري والبحري - الذي يخترق الهند وفارس وفينيقية - ويفوقه في الأهمية على مر الأيام، ونشأ من هذه المنافسة نزاع شديد لم يخمد أواره قط كان لا بد أن يؤدي إلى ما أدى إليه كل نزاع سابق في تاريخ البشر، ألا وهو الحرب السافرة التي لم تكن معارك لادى Lade، ومرثون، وبلاتية، وهيميرا Hymera، وميكالي Mycale، ويوريمدون Eurymedon، وغرانيقوس، وإسوس، وأربيلا، وكاني، وزاما إلا حادثات منها صغيرة. وانتصر الأوربيون على الشرقيون في هذا الصراع لأسباب عدة، منها أن النقل البحري أقل نفقة من النقل البري، ومنها أن من القوانين التي تكاد تتحكم في التاريخ أن الشمال الخشن ذا النزعة الحربية، ينتصر دائماً على الجنوب اللين السهل مبدع الفنون.

في عام 512 قبل الميلاد عبر دارا الأول ملك الفرس مضيق البسفور وغزا سكوذيا، ثم زحف غرباً وفتح تراقية ومقدونية، ولم يعد إلى عواصم ملكه إلا بعد أن وسع رقعة إمبراطوريته حتى شملت فارس، وبلاد الأفغان، وشمالي الهند، والتركستان، وأرض الجزيرة، وشمالي بلاد العرب، ومصر، وقبرص، وفلسطين، وسوريا، وآسية الصغرى، وشرقي بحر إيجة وتراقية، ومقدونية. وكانت نتيجة هذه الفتوح أن أعظم الإمبراطوريات التي شهدها العالم حتى ذلك الوقت قد وسعت رقعتها أكثر مما يجب عليها أن توسعها، حتى ضمت إليها فاتحيها في المستقبل وأيقظتهم من سباتهم، ولم يبق من الأمم الكبرى في خارج هذا النظام الشامل من نظم الحكم والتجارة إلا أمة واحدة هي أمة اليونان، التي لم يكد دارا يسمع شيئاً عنها خارج أيونيا قبل عام 510 ق.م؛ وقد سأل مرة عن "الأثينيين - من هم(2)؟". وحدث في عام 605 أن قامت ثورة في أثينة انتهت بخلع الطاغية هيباس، ففر إلى المرزبان الفارسي في سرديس وتوسل إليه أن يعينه على استرداد سلطانه، وعرض عليه إذا استرده أن يتولى حكم أتكا من قبل الفرس.

وكان ذلك إغراءً قوياً زاده قوة تحرش مؤقت. ذلك أن المدن اليونانية التي ظلت خاضعة لسلطان الفرس نحو خمسين عاماً ثارت فجأة على ولاتها من قبل الفرس، وطردتهم منها وأعلنت استقلالها. وذهب أرستجراس الميليتي إلى إسبارطة يستمد منها العون، ولكنه لم يفلح في بغيته، فجاء إلى أثينة، وهي المدينة الأصلية التي نشأ منها كثير من المدن الأيونية، ومازال يلح عليها حتى أقنعها بأن ترسل عمارة بحرية مؤلفة من عشرين سفينة لمساعدة الثوار. وكان الأيونيون في هذه الأثناء يعملون بعنف وبغير نظام هما من خصائص اليونان في كل زمان ومكان، فكانت كل مدينة ثائرة تجيش جيوشها ولكنها تستبقيا تحت قيادة مستقلة. وزحف الجيش الميليتي، ولدى قيادته من الشجاعة أكثر مما لديها من الحكمة، حتى وصل إلى سرديس، وأحرق المدينة العظيمة ودكها دكاً. ونظم الحلف الأيوني أسطولاً متحداً، ولكن سفن ساموس عقدت صلحاً سرياً منفرداً مع المرزبان الفارسي، فلما أن التقت العمارة البحرية الفارسية بالعمارة الأيونية عند لادى في عام 494، ودارت بينهما معركة من أشد المعارك البحرية في التاريخ، انسحبت سفن ساموس الخمسون دون أن تشترك في القتال، وحذت حذوها كثير من أقسام الأسطول الأيوني(3). وهزم الأيونيون هزيمة منكرة، ولم تفق الحضارة الأيونية بعدئذ إفاقة كاملة من هذه الكارثة المادية والروحية. وحاصر الفرس ميليتس، واستولوا عليها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وأعملوا فيها السلب والنهب حتى صارت منذ ذلك اليوم بلدة قليلة الشأن. وبسطو سلطانهم مرة أخرى على أيونيا، وغضب دارا لتدخل أثينة في شئون ملكه، فصمم على فتح بلاد اليونان، وألفت أثينة الصغيرة نفسها، جزاء لها على مساعدتها الكريمة لبناتها من المدن الأيونية، وجهاً لوجه أمام إمبراطورية أكبر مائة مرة من أتكا.

وفي عام 491 خاض أسطول فارسي قوامه ستمائة سفينة بقيادة داتيس Datis عباب بحر إيجة من جزيرة ساموس، ووقف في طريقه ليخضع جزائر سكلديس، ووصل إلى ساحل عوبية يحمل مائتي ألف محارب. واستسلمت عوبية بعد مقاومة قصيرة عبر الفرس بعدها الخليج الذي يفصلها عن أتكا، وعسكر هؤلاء الجنود عند مرثون لأن هبياس قد نصحهم بأن في وسعهم أن يستخدموا في هذا السهل فرسانهم، وهم من هذه الناحية يفوقون اليونان كثيراً(4).

واضطربت بلاد اليونان أشد الاضطراب لهذه الأنباء، ذلك أن الجيوش الفارسية لم تكن قد غلبت قط قبل هذا الغزو، ولم تكن أمة من الأمم قد استطاعت أن تصد زحف جيوش الإمبراطورية. فهل في مقدور أمة ضعيفة مشتتة، لم تألف من قبل الاتحاد لغرض عام، أن تقف في وجه تيار الغزو الجارف؟ وترددت دول اليونان الشمالية في الوقوف في وجه هذه الجيوش الجرارة، واستعدت إسبارطة استعداداً يشوبه كثير من التردد، وأجازت للخرافات أن تؤخر التعبئة العامة؛ أما بلاتية الصغيرة فلم تتوان عن العمل السريع وبعثت بقسم كبير من أهلها يستحثون السير إلى مرثون. وحرر ملتيادس العبيد في أثينة وضمهم إلى الجيش مع الأحرار، وزحف بهم إلى ميدان القتال من فوق الجبال. ولما التقى الأعداء كان عدد الجيش اليوناني حوالي عشرين ألف مقاتل، أما جيوش الفرس فكانت عدتها في أغلب الظن حوالي مائة ألف(5). ولم يكن الفرس تعوزهم الشجاعة، ولكنهم كانوا يألفون أن يحاربوا فرادي، ولم يكونوا مدربين على أساليب اليونان في الدفاع والهجوم الجماعيين بصفوفهم المتراصة. وجمع اليونان بين النظام والشجاعة. وقد نجوا من الهزيمة الماحقة بالمثل الذي ضربه لهم أرستيديس Aristides إذ نزل عن القيادة لملتيادس، وإن كانوا قد ارتكبوا ذلك الخطأ الشنيع الدال على الحمق وهو توزيع القيادة العليا بين عشرة قواد يتولاها كل واحد يوماً(6). واستطاعت القوة اليونانية الصغيرة بفضل حنكة هذا الجندي القوي الخشن الطباع أن توقع بالجحافل الفارسية الجرارة هزيمة منكرة. ولم تكن هذه المعركة من معارك التاريخ الفاصلة فحسب، بل كانت فوق ذلك من أعظم الانتصارات التي لا يصدقها العقل. وإذا جاز لنا أن نأخذ بأقوال اليونان عنها، فإن الفرس قد خسروا في مرثون 6.400 من رجالهم، ولم يخسر اليونان إلا 192. ووصل الإسبارطيون إلى الميدان بعد انتهاء المعركة، وندموا على تباطؤهم، وأثنوا على الفائزين.

الفصل الثاني: أرستيديز وثمستكليز

إن سيرة ملتيادس وأرستيديز بعد معركة مرثون لتوضح ما في أخلاق اليونان وما في تاريخهم من مزيج عجيب يجمع بين النبل والقسوة، والمثالية والانحطاط. ولنتحدث أولا عن ملتيادس فنقول إنه قد غره ثناء بلاد اليونان كلها عليه فطلب إلى الأثينيين أن يعدوا أسطولاً من سبعين سفينة يتولى قيادتها هو وحده لا ينازعه في ذلك منازع. ولما أن أعدت السفن سار بها إلى باروس وطلب إلى أهلها مائة وزنة (نحو 600000 ريال أمريكي) وإلا أفناهم عن آخرهم. ولكن الأثينيين استدعوه وفرضوا عليه غرامة قدرها خمسون وزنة، ولما مات بعد استدعائه بقليل أدى الغرامة ابنه سيمون Cimon الذي صار فيما بعد منافس بركليز(8).

وعاش الرجل الذي تخلى لملتيادس عن مكانه في مرثون ونجا من المزالق التي توجد عادة في طريق الظافرين. ذلك أن أرستيديز كان في حياته وأخلاقه إسبارطياً يعيش في أثينة. وقد استحق بخلقه الهادئ الرزين، وبساطته، وتواضعه، وأمانته التي لا تنال منها الأحداث، استحق بهذه الصفات لقب العادل، ولما أن تليت على المسرح العبارة الآتية أثناء تمثيل إحدى مسرحيات إيسكلوس:

"فهو لا يتظاهر بالعدالة ولكن العدالة طبيعة فيه، وهي هدفه في أعماله؛ ومن عقله تتفجر ينابيع الحكمة والفطنة".

لما أن تليت هذه العبارة التفت المستمعون كلهم ناحية أرستيديز، لأنهم رأوا فيه الأنموذج الحي لهذه الصفات(9). ولما أن استولى اليونان على معسكر الفرس في مرثون، ووجدوا في خيامهم ثروة طائلة، عهدوا إلى أرستيديز المحافظة عليها "فلم يأخذ منها شيئاً لنفسه، ولم يسمح لأحد بأن يغتال منها شيئاً"(10). ولما أن طلب إلى حلفاء أثينة بعد الحرب أن يسهموا في أداء جزية سنوية إلى خزانة الحلف في ديلوس ليستعان بها في الدفاع عن بلاد اليونان عامة، اختير أرستيديز ليقرر ما تؤديه كل مدينة، ولم يعترض أحد على قراراته. لكن إعجاب الناس به كان رغم هذا كله أكثر من حبهم إياه. وكان صديقاً حميماً لكليسثنيز الذي وسع نطاق الدمقراطية إلى حد بعيد، ولكنه كان يرى أنها ذهبت إلى أبعد حد مأمون، وأنه إذا ما زيدت سلطة الجمعية إلى أكثر مما كان لها، أدى ذلك إلى فساد الإدارة وإلى اضطراب النظام. وكان يندد بالفساد أينما وجده، وخلق بذلك لنفسه كثيراً من الأعداء. واتخذ الحزب الدمقراطي الذي يرأسه ثمستكليز نظام نفي عدم المخلصين للحكومة، وكان قد تقرر حديثاً، للتخلص من أرستيديز؛ وفي عام 482 نفي الرجل الوحيد في تاريخ أثينة كله الذي جمع بين الشهرة والأمانة، وكان نفيه في أوج مجده. والعالم كله يعرف القصة التي تقول - وقد تكون هي الأخرى خرافة لا ظل لها من الحقيقة - إن أرستيديز نقش اسمه على اللوحة التي يكتب عليها اسم من يراد نفيه (الأستراكون) حين طلب إليه ذلك رجل أمي لا يعرفه ولكنه لم يعد يطيق سماع لقب العادل يطلق عليه، فحقد عليه لهذا السبب كما يحقد أوساط الناس عادة على العظماء. ولما أن عرف أرستيديز أن الجمعية قررت نفيه قال إنه يرجو ألا يأتي اليوم الذي تذكره(11) فيه أثينة .

ولا يسع المؤرخ إلا أن يعترف أن المتصرفين في الشئون العامة في أثينة كانوا يتصفون بما يتصف به رجال الحكم أحياناً من موت الضمير. لقد كان ثمستكليز شعلة من الذكاء والمقدرة لا يقل في ذلك عن ألقبيديز الذي عاش في عصر متأخر عنه. ويقول فيه ثوسيديدس(12) وهو المعروف دائماً باعتداله: "إنه خليق بأن نعجب به إعجاباً خارقاً للعادة منقطع النظير". وقد أنقذ أثينة كما أنقذها ملتيادس، ولكنه لم يستطع إنقاذ نفسه؛ وكان في مقدوره أن يقهر إمبراطورية عظيمة، ولكنه لم يكن في وسعه أن يقهر ما في نفسه من شهوة السلطان، "وكان يتلقى بمضض وعدم عناية"، كما يقول بلوتارخ، ما يسدى إليه من النصح لتقويم المعوج من أخلاقه وسلوكه، ولا يقبل أن يعلمه أحد شيئاً من الرقة والمجاملة للناس؛ ولكنه حتى بعد أن تقدمت به السن كان يعني بكل ما يقال له إذا كان يهدف إلى إصلاح عقله، أو يزيد من قدرته على تصريف شئون الدولة، وهو واثق من قدرته الطبيعية في هذه الأمور"(13). وكان من سوء حظ أثينة أن ثمستكليز وأرستيديز قد أحبا معاً فتاة واحدة هي استسلوس الكيوسية Stesilaus of Ceos، وأن ما ولده هذا الحب من حقد كل منهما على الآخر لم يزُل بعد أن زال الجمال الذي أشعل النار في قلبيهما(14). بيد أن ثمستكليز كان هو الذي أعد العدة للنصر في سلاميس وأحرز هذا النصر بما أوتي من همة وفراسة. وكانت موقعة سلاميس أهم الوقائع الحاسمة في تاريخ اليونان كله. ذلك أنه قد أعد منذ عام 493 مشروع إنشاء مرفأ جديد لأثينة في بيريه، وشرع في إنشائه بالفعل. وفي عام 483 أقنع الأثينيين بأن ينزلوا عن نصيبهم في مال كان سيوزع عليهم من محصول مناجم الفضة في لوريوم Laurium، وأن يخصصوا المال لإنشاء مائة سفينة حربية من ذوات الثلاثة صفوف من المجاديف. ولو لم ينشئ الأثينيون هذه السفن لما استطاعوا مقاومة خشيارشاي.

الفصل الثالث: خشيارشاي أو أخشويرش

توفي دارا الأول في عام 485 وخلفه خشيارشاي الأول. وكان الوالد والولد رجلين يمتازان بالمقدرة العالية والثقافة الرفيعة، ولهذا يخطئ من يظن أن الحرب اليونانية الفارسية كانت نزاعاً بين الحضارة والهمجية. وحسبنا دليلاً على هذا تلك الحادثة التي وقعت حين أرسل دارا رسله إلى أثينة وإسبارطة قبل أن يغزو بلاد اليونان، يطلب إليهما أن ترسلا إليه التراب والماء رمزاً لخضوعهما لسلطانه، فما كان من المدينتين كلتيهما إلا أن قتلتا الرسل. وتوالت نذر الشؤم على إسبارطة فخشيت عاقبة فعلتها، وندمت على خرقها التقاليد الدولية المرعية، وطلبت إلى أهلها أن يتقدم منهم اثنان يذهبان إلى فارس وأن يقبلا أي عقاب يفرضه عليهما الملك العظيم ليكفرا به عن غدر مواطنيهما. وتطوع اسبرثياس Sperthias، وبوليس Bulis من أبناء الأسر الغنية القديمة في المدينة، للقيام بهذه المهمة، وسارا إلى خيمة خشيارشاي "أجابهما جواب الشهم الكريم وقال أنه لا يفعل ما فعله اللسدمونيون، حين قتلوا رسله واعتدوا بعملهم هذا القوانين التي يشترك الناس كلهم في التقيد بها. وإذا كان قد لامهم على فعلهم هذا فإنه لا يفعل مثل ما فعلوه ولا يرتكب من الإثم ما ارتكبوه".

وأخذ خشيارشاي يستعد لهجومه الثاني على اليونان استعداداً كاملاً بطيئاً فقضى أربع سنين يحشد الجند ويجمع العتاد والزاد من جميع الولايات الخاضعة لسلطانه؛ ولما أن بدأ الزحف أخيراً في عام 481 كان جيشه في أغلب الظن أكبر جيش حشد في التاريخ كله قبل هذا القرن الذي نعيش فيه. ويقدره هيرودوت تقديراً بعيداً عن الاعتدال فيقول أنه كان مؤلفاً من 2.641.000 مقاتل، ومثلهم من المهندسين والأرقاء، والتجار، ورجال التموين والعاهرات. ويقول - ولعله هو نفسه لم يكن مؤمناً بقوله - إن جيش خشيارشاي كان إذا ورد الماء ليشرب جفت أنهار برمتها(16). وكان هذا الجيش بطبيعة الحال خليطاً من أمم مختلفة الأجناس والمشارب، وكان تأليفه على هذا النحو شديد الخطورة عليه. كان فيه فرس، وميديون، وبابليون، وأفغان، وهنود، وبكتريون، وسيجديون، وساكيون، وأشوريون، وأرمن، وكلشيون، وسكوذيون، وبيونيون، وميسيون، وبفلجونيون، وفريجيون، وتراقيون، وتساليون، ولكريون، وبؤوتيون، وإبوليون، وأيونيون، وليديون، وكاريون، وكليكيون، وقيصريون، وفينيقيون، وسوريون، وعرب، ومصريون، وأحباش، وليبيون وأجناس أخرى كثيرة. وكان منهم المشاة، والفرسان، وراكبو العربات، والفيلة، ومعهم أسطول من سفن النقل والسفن الحربية يبلغ عددها حسب رواية هيرودوت ألفا ومائتي سفينة وسبع سفن. ولما قبض الفرس في معسكرهم على جواسيس يونان، وأمر القائد بقتلهم، نقض خشيارشاي أمره وعفا عن الجواسيس، وأمر أن يحرسوا أثناء مرورهم بين قواته، ثم أطلق سراحهم معتقداً أنهم إذا نقلوا إلى أثينة وإسبارطة مدى استعداده ، فإن ما بقي من بلاد اليونان سوف يستسلم له(17).

ووصل هذا الجيش العظيم إلى الهلسبنت (الدردنيل) في عام 480 وكان مهندسوه المصريون والفينيقيون قد أقاموا عليه جسراً يعد من أعظم أعمال القدماء الهندسية، وأكثرها إثارة للإعجاب، وإذا جاز لنا مرة أخرى أن نصدق هيرودوت قلنا إن 674 سفينة من ذوات الصفوف الثلاثة من المجاديف، أو من ذوات الخمسين مجدافاً، قد صفت صفين في عرض المضيق، ووجهت كل سفينة عكس التيار، وثبتت في مكانها بهلب ثقيل. ثم مد الصناع حبالاً من الكتان أو نبات البردي فوق كل صف من السفن من أحد الشاطئين إلى الشاطئ الذي يقابله، وربطوا هذه الحبال في كل سفينة من السفن،وشدوها إلى روافع على البر. وقطعت أشجاراً ونشرت ألواحاً وضعت فوق الحبال وبعكس اتجاهها، وربطت بهذه الحبال كما ربط بعضها ببعض. وغطيت الألواح بالحسك، ثم غطى الحسك بالتراب، ثم عُبَّد هذا كله حتى يكون شبيهاً بالطريق الممهد، وأقيم حاجز على كلا الجانبين يبلغ من الارتفاع حداً يمنع الحيوانات من أن يداخلها الخوف إذا أبصرت البحر(18). لكن كثيراً من الحيوانات والآدميين كان لا بد من ضربها بالسياط قبل أن تجرؤ على اجتيازه. واحتملها الجسر أحسن احتمال، ولم تمض إلا سبع ليال وسبعة أيام حتى كان الجيش كله قد مر عليه بسلام. ورأى أحد الأهلين هذا المنظر العجيب فأيقن أن خشيارشاي هو زيوس بعينه، وسأل كيف يكلف رب الآلهة والبشر نفسه عناء فتح بلاد اليونان الصغيرة، وهو الذي يستطيع أن يدمر هذه الأمة المتعاظمة بصاعقة واحدة(19).

وزحف الجيش سراً مجتازاً تراقية ثم نزل إلى مقدونية وتساليا بينما كان الأسطول الفارسي يلازم الساحل ويتجنب عواصف بحر إيجة بالسير جنوباً مجتازاً قناة حفرها رجال مسخرون، ثم قطع من برزخ جبل أثوس مسافة يبلغ طولها ميلاً وربع ميل. ومن القصص المتواترة أنه كلما أكل الجيش وجبتين حل الخراب التام بالمدينة التي تطعمه. وأنفقت ثاسوس أربعمائة وزنة من الفضة (أي نحو مليون ريال أمريكي) لإطعام جيش خشيارشاي يوماً واحداً(20). واستسلمت مدن اليونان الشمالية الممتدة إلى حدود أتكا إما خوفاً من الغزاة وإما طمعاً في الرشا الضخمة التي كانوا يوزعونها على الأعداء، وانضمت جيوشها إلى جحافل خشيارشاي، ولم تستعد للقتال من مدن الشمال إلا بلاتيا وثسبيا.

الفصل الرابع: سلاميس

كيف نستطيع أن نتصور في هذه الأيام ما استولى على اليونان في الجنوب من هول وفزع حينما اقترب منهم هذا السيل الجارف المتبلبل الألسنة الذي لا يبقي ولا يذر؟ لقد بدا لهم أن مقاومته حمق وجنون، لأن الدول التي ظلت موالية للقضية اليونانية لم يكن في وسعها أن تحشد معشار قوة خشيارشاي؛ وعملت أثينة وإسبارطة للمرة الأولى معاً وتعاونتا معاونة صادقة، وأرسلتا الوفود مسرعة إلى كل مدينة في البلوبونيز تتلمس العتاد والرجال، وأجابتها معظم الدول إلى ما طلبت؛ ولكن أرجوس رفضت الرجاء ورضت بما أصابها من مذلة. وجهزت أثينة أسطولاً اتجه إلى المشال للقاء العمارة الفارسية الضخمة، وأرسلت إسبارطة قوة صغيرة بقيادة الملك ليونداس لتعطل تقدم خشيارشاي عند ترموبيلي. والتقى الأسطولان عند أرتمزيوم Artimisium بالقرب من ساحل عوبية الشمالي. ولما رأى قواد الأسطول اليوناني ضخامة الأسطول الفارسي فكروا في الانسحاب، ولكن العوبيين خشوا أن ينزل الفرس في بلادهم، فأرسلوا إلى ثمستكليز قائد القسم الأثيني رشوة قدرها ثلاثون وزنة (نحو 18.000 ريال أمريكي) على شريطة أن يقنع قواد اليونان بقتال الأعداء. ونجح ثمستكليز في إقناعهم بعد أن اقتسم المال معهم(21). ثم هداه ما يمتاز به من دهاء إلى وسيلة أخرى ظن فيها فائدة، فأرسل بعض البحارة لينقشوا على الصخور رسائل إلى اليونان المنضمين إلى الأسطول الفارسي يرجونهم فيها أن يفروا من هذا الأسطول، فإن كبر عليهم هذا فلا أقل من أن يمتنعوا عن قتال أهلهم وبلادهم. وكان يأمل أن يتأثر الأيونيون بهذه الرسائل إذا رأوها، وألا يجرؤ خشيارشاي إذا قرأها وأدرك معناها على استخدام الهيلينيين في المعركة. ودار القتال بين الأسطولين المتعاديين طوال النهار، فلما جن الليل وقف القتال قبل أن يعقد لواء النصر لأحد الفريقين، وارتد اليونان إلى أرتمزيوم والفرس إلى أفيتي Aphetae. وإذا ما ذكرنا اختلاف القوتين في عدد السفن رأينا أن اليونان كانوا على حق حسبوا نتيجة المعركة نصراً لهم على أعدائهم. ولما جاءتهم الأنباء بكارثة ترموبيلي أبحر الجزء الباقي من الأسطول اليوناني نحو الجنوب إلى سلاميس ليصعد الغزاة عن أثينة.

وكان في هذه الأثناء قد غلب على أمره عند "الأبواب الحارة" رغم ما أبداه من المقاومة الشديدة التي تعد أروع مقاومة في التاريخ كله. ولم ينتصر عليه أعداؤه بفضل شجاعتهم، بل انتصروا عليه بخيانة اليونان أنفسهم. ذلك أن بعض اليونان من أهل تراكيس Trachis لم يكتفوا بأن يدلوا خشيارشاي على طريق ملتو طويل فوق الجبال، بل فعلوا ما هو أدهى من ذلك وأمر، إذ قادوا الجيش الفارسي من هذا الطريق ليهاجموا الإسبارطيين من الخلف. وقتل في المعركة التي نشبت وقتئذ ليوندارس والثلاثمائة الكبار الذين كانوا معه إلا رجلين؛ ونقول الكبار لأنه لم يختر معه إلا من كان لهم أبناء حتى لا يكون موتهم سبباً في انقراض أية أسرة إسبارطية. أما الرجلان اللذان لم يقتلا فقد سقط أحدهما في معركة بلاتية، وشنق الثاني نفسه اعتقادا منه أن نجاته تجلله العار(22). ويؤكد المؤرخون اليونان أن الفرس خسروا في المعركة عشرين ألفاً، وأن خسارة اليونان لم تزد على ثلاثمائة(23). وكتب على قبر أولئك الأبطال تلك القبرية الذائعة الصيت: "اذهب أيها الغريب ونبئ السدمونيين أنا نحيا هنا إطاعة لشرائعهم(24)".

ولما عرف الأثينيون أنه لم يبق بين الفرس ما يصدهم عن أثينة أعلنوا في المدينة أن من واجب كل أثيني أن يعمل على نجاة أسرته بخير وسيلة يراها. فمنهم من فر إلى إيجينا، ومنهم من فر إلى سلاميس، ومنهم من خرج إلى تروزين Troezen، وانضم بعض الرجال إلى بحارة الأسطول العائد من أرتمزيوم. ويصور لنا بلوتارخ(25) صورة رائعة مؤثرة للحيوانات المستأنسة في المدينة وهي تسير خلف أصحابها إلى شاطئ البحر، حتى إذا ما امتلأت السفن بالرجال ولم يبق فيها مكان للحيوانات ملأت الجو بأصواتها. وكان من بينها كلب يملكه زانثبوس Xanthippus والد بركليز، قفز إلى البحر وأخذ يسبح إلى جانب السفينة حتى إذا ما وصل إلى سلاميس مات من فرط الإعياء(26). وفي وسعنا أن ندرك ما كان يسود تلك الأيام من اهتياج وانفعال، حين نذكر أن رجلاً من الأثينيين وقف في الجمعية الوطنية يشير بالاستسلام، فما كان من مواطنيه إلا أن قتلوه في التو والساعة، وأن جماعة من النساء ذهبن إلى بيته ورجمن زوجته وأطفاله بالحجارة حتى هلكوا(27). ولما أقبل خشيارشاي على المدينة ألفاها خاوية على عروشها أو تكاد، فأعمل فيها السلب والنهب وأشعل فيها النار.

وبعد قليل دخل الأسطول الفارسي المؤلف من اثنتي عشرة سفينة خليج سلاميس، واستعدت للقائه ثلاثمائة سفينة يونانية من ذات الصفوف الثلاثة من المجدفين، وكانت لا تزال ألويتها معقودة لقواد مختلفين، وكانت كثرة هؤلاء القواد تعارض في المخاطرة بالاشتباك مع الأسطول الفارسي في معركة فاصلة. وأراد ثمستكليز أن يضطر اليونان إلى القتال اضطراراً، فلجأ إلى حيلة لو أنها انتهت بفوز الفرس لكان جزاؤه الموت لا محالة. ذلك أنه أرسل إلى خشيارشاي عبداً يتق به يقول له إن اليونان يعتزمون الفرار في أثناء الليل، وأن الفرس لا يستطيعون منع هذا الفرار إلا إذا أحاطوا بالأسطول اليوناني؛ وعمل خشيارشاي بالنصيحة. ووجد اليونان في صباح اليوم الثاني أن المسالك كلها قد سدت في وجوههم، فلم يروا بداً من القتال. وجلس خشيارشاي في أبهة وجلال يرقب سير القتال، ويدون أسماء من يبدون من رجاله شجاعة ممتازة. وانتهت الواقعة بفوز اليونان بفضل براعتهم في أساليب الكر والفر في ركوب البحار وبسبب ما أحدثه في صفوفهم من الخلل والاضطراب اختلاف اللغات والعقول، وكثرة ما لديهم من السفن التي عاقتهم عن سرعة الحركة.ويقول ديودور إن الغزاة خسروا مائتي سفينة مقابل أربعين خسرها المدافعون، ولكننا لا نعرف ما يقوله الفرس أنفسهم عن النتيجة. ولم يقتل من اليونان إلا عدد قليل حتى من رجال السفن التي خسروها؛ فقد كانوا كلهم بارعين في السباحة، ولذلك خاضوا الماء حتى وصلوا إلى البر حينما غرقت سفائنهم(28). وفرت المراكب الباقية من الأسطول الفارسي إلى مضيق الهلسبنت (الدردنيل)، وأرسل الداهية ثمستكليز عبده مرة أخرى إلى خشيارشاي ليقول له أنه قد أقنع اليونان بعدم اقتفاء أثر الأسطول الفارسي. وترك خشيارشاي ثلاثمائة ألف من رجاله بقيادة مردنيوس، وعاد مع بقية الجيش ذليلاً كسير القلب إلى سرديس، فوصلها بعد أن مات في الطريق جزء كبير من قوته بالأوبئة والزخار.

وفي العام الذي انتصر فيه اليونان في سلاميس، نشب القتال بين يونان صقلية والقرطاجيين في هيميرا Himera- وقد يكون ذلك في نفس اليوم الذي دارت فيه رحى القتال في سلاميس (23 سبتمبر سنة 480 ق.م) إذا صدقنا ما يقوله اليونان أنفسهم . ولسنا نعرف هل كان فينيقيو إفريقية يعملون بالاتفاق مع من كانوا يؤيدون منهم خشيارشاي ومن أمدوا سفنه بكثير من الرجال؛ وربما كان من المصادفات المحضة أن يجد اليونان أنفسهم يهاجمهم أعداؤهم من الشرق ومن الغرب في وقت واحد(29). وتقول الرواية المتواترة أن هملكار قائد العمارة القرطاجية وصل إلى بنورموس Panormus على رأس ثلاثة آلاف سفينة وثلاثمائة جندي، ومنها سار لمحاصرة هيميرا، وهناك قابله جيلون Gelon السرقوسي ومعه خمسة وخمسون ألف مقاتل. ووقف هملكار بعيداً عن مكان المعركة كعادة قواد الفينيقيين، وأخذ يحرق القرابين للآلهة ورحى الحرب دائرة، ولما تبين أنه مهزوم لا محالة، ألقى بنفسه في النار. وأقيم له قبر في تلك البقعة نفسها، وفيها قتل حفيده هملكون Himilcon بعد سبعين عاماً من ذلك الوقت ثلاثة آلاف يوناني انتقاماً منهم لجده(30).

وبعد عام واحد (أغسطس سنة 479) تم تحرير بلاد اليونان على أثر معركتين إحداهما بحرية والأخرى برية حدثتا في وقت واحد تقريباً. ذلك أن جيش مردنيوس- وكان يعيش مطمئناً من خيرات البلاد- كان قد ضرب خيامه قرب بلاتيه في سهول بؤوتية. وهناك اشتبكت معه قوة يونانية قوامها 000ر110 رجل بقيادة بوزنياس ملك إسبارطة، بعد أن ظلت أسبوعين في انتظار فأل طيب يبشر بالنصر. ودارت بينهما معركة كانت أعظم المعارك البرية في هذه الحرب. ولم يكن الجنود الأجانب في جيش الفرس متحمسين للقتال، وما كادوا يرون الفرقة الفارسية التي تلقت الضربة الأولى من ضربات المهاجمين تتزلزل أقدامها، حتى ولوا الأدبار. وانتصر اليونان على الفرس انتصاراً مؤزراً لم يخسروا فيه (حسب أقوال مؤرخيهم) سوى 159 رجلاً، بينما كان عدد القتلى من الجيش الفارسي 000ر260 . وفي اليوم نفسه- كما يؤكد اليونان- التقت عمارة بحرية يونانية بقسم من الأسطول الفارسي أمام شاطئ ميكالي وسط الجزائر الأيونية كلها وملتقى مسالكها، ونشبت بين الأسطولين معركة تحطم فيها الأسطول الفارسي، وتحررت المدن الأيونية من نير الفرس، واستعاد اليونان سيطرتهم على الهلسبنت والبسفور، كما استعادوا هذه السيطرة من طروادة قبل ذلك الوقت بسبعمائة عام.

لقد كانت الحرب اليونانية الفارسية أهم حوادث الصراع في تاريخ أوربا، ولولاها لما قامت لأوربا قائمة. فهي التي أتاحت للحضارة الأوربية الفرصة التي أمكنتها من أن تثبت قواعد حياتها الاقتصادية لا تبهظ كاهلها جزية أو ضرائب أجنبية، وأن تنمي نظمها السياسية، محررة من سيطرة ملوك الشرق. وبفضلها شقت بلاد اليونان لنفسها الطريق لأولى التجارب العظيمة في الحرية، وحفظت العقل اليوناني ثلاثمائة عام كاملة من تصوف الشرق الموهن ومذاهبه الباطنية، وضمنت للمغامرات اليونانية حرية البحار. ونهض الأسطول الأثنيني أو جزؤه الذي بقى بعد معركة سلاميس ففتح جميع مرافئ البحر الأبيض المتوسط للتجارة اليونانية؛ وهذا التوسع التجاري الذي أصبح بهذه الطريقة ميسراً مأموناً، أمد أثينة بالثروة التي أمكنتها من أن تتفرغ لنشاطها الثقافي في عصر بركليز. يضاف إلى هذا أن انتصار هيلاس الصغيرة على جيوش الفرس الجرارة قد بعث العزة في نفس أهلها وسما بروحهم المعنوية، فأحسوا بأن الداعي يدعوهم للقيام بجلائل الأعمال اعترافاً منهم بالنعمة التي أنعم عليهم بها. وهكذا دخلت اليونان بعد مئات السنين من الاستعداد والتضحية في عصرها الذهبي المجيد.