قصة الحضارة - ول ديورانت - م 2 ك 1 ب 1

من معرفة المصادر


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> مقدمة -> مقدمة الترجمة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المجلد الثاني: حياة اليونان

مقدمة الترجمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدك اللهم على توفيقك ونصلى ونسلم على نبيك الكريم وعلى جميع أنبيائك ورسلك. وبعد فهذا هو الجزء الأول من المجلد الثاني من مجلدات قصة الحضارة التي يصدرها الكاتب الأمريكى ول ديوارانت. وهذا المجلد الثاني هو المعروف "بحياة اليونان"، وقد تمت كذلك ترجمة المجلد الثالث الخاص بحضارة الرومان، والذي سماه المؤلف "قيصر والمسيح" وسيصدر إن شاء الله بعد الفراغ من نشر المجلد الثاني. ولقد بدأنا منذ بضعة شهور ترجمة المجلد الرابع من هذه السلسلة العظيمة، وهو الذي سماه المؤلف "عصر الإيمان"، والذي يصل بالقصة إلى العصور الوسطى. ونرجو أن نفرغ من هذه الترجمة قبل أن ينشر المؤلف المجلد الخامس الخاص بعصر النهضة، والذي يقول إنه سيصدر في عام 1955. فإذا ما مد الله في حياتنا ورزقنا صحة الجسم وراحة البال، بدأنا ترجمة هذا المجلد عقب صدوره، فلا يبقى بعد هذا لكى تتم القصة إلا المجلد السادس "عصر العقل" الذي سيصدر بالإنكليزية في عام 1960. فإذا ما ترجمناه هو الآخر فاعتقادنا أننا نكون قد دينا لهذا الوطن العزيز واللغة العربية حقهما علينا ونكون قد آن لنا وللمؤلف كما يقول عن نفسه أن نستريح.

هذا والفضل كل الفضل فيما صدر من قبل من هذا الكتاب الجليل الشأن وما سيصدر بعد من مجلداته الستة إلى الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية فبمعونتها وثقتها ترجمناه منها، ثم إلى لجنة التأليف والترجمة والنشر التي تولت أعمال الطبع والنشر وتحملت نفقاتهما، ثم إلى القراء في مصر وسائر البلاد العربية الذين أقبلوا على أجزاء المجلد الأول الخمسة إقبالا كان له أكبر الأثر في تشجيعنا على بذل ما يتطلبه هذا العمل الضخم من جهد، وتحمل ما يسببه من عناء.

ولقد كانت طريقتنا في الترجمة هي بعينها الطريقة التي ابتعناها في كل ما ترجمناه من قبل، وهي التقيد التام بالأصل المترجم لم نشذ عنه في شيء، فلم ننقص منه ولم نزد عليه، اللهم إلا شروحاً وتعليقات قليلة في هوامش الصفحات. أما تعريب الأعلام فقد اتبعنا فيه نطقها الذي ثبته المؤلف في آخر الكتاب، عدا أسماء قليلة نطق بها العرب على غير ما ينطق بها الأوربيون، كأفلاطون وأرسطو، وسقراط، وأسماء أخرى ورد ذكرها في كتب العرب الأقدمين؛ وإذ كان قد فاتنا شيء منها في هذا الجزء فرجاؤنا ألا يفوتنا في الجزأين التاليين، وزيادة في الدقة قد رأينا أن نثبت أسماء الأشخاص والأماكن حين يرد ذكرها أول مرة بالحروف الإنكليزية حتى يسهل النطق بها على الوجه الصحيح، وإنا لنرحب بكل تنبيه لما عساه أن يكون قد خفى علينا من هذه الأسماء، ونعد بالاستفادة منه في الاجزاء التالية مع خالص الشكر لأصحابه، ونرجو ألا يطول انتظار القراء لهذه الأجزاء.

في شهر مارس من عام 1953
محمد بدران


مقدمة المؤلف

إن الغرض الذي أبتغيه من تأليف هذا الكتاب هو أن أجيل الفكر في أصل الحضارة اليونانية ونشأتها وترعرعها واضمحلالها من أقدم العهود التي تدل عليها آثار كريت وطروادة إلى أن فتحت رومة تلك البلاد، وأن أدون ما أهتدى إليه من بحوث في هذا الميدان. وإنى لشديد الرغبة في أن أرى هذه الحضارة المعقدة وأن أحس بها، على ألا يكون إحساسي بها وروايتها مقصورين على البحث في نهضتها وسقوطها بحثا نظرياً مجرداً، بل أريد به بحثاً يتغلغل على البحث في نهضتها وسقوطها بحثاً نظرياً مجرداً، بل أريد به بحثا يتغلغل فيما تشتمل عليه من عناصر حية كثيرة التباين، متعددة الأنواع، منها طريقة أهلها في انتزاع الرزق من الأرض، وفي تنظيم التجارة والصناعة، وما قاموا به من تجارب في الحكم الملكي المطلق، والأرستقراطي والدمقراطى والدكتاتورى، ومن ثورات على حكامهم ونظمهم؛ ومنها عاداتهم وأخلاقهم وطقوسهم الدينية ومعتقداتهم، وتربية أبنائهم وشؤون أسرهم وتنظيم علاقاتهم الجنسية؛ وبيوتهم ومعابدهم وأسواقهم ومسارحهم وميادين ألعابهم؛ وأشعارهم ومسرحياتهم وتصويرهم ونحتهم وعمارتهم ومسيقاهم؛ وعلومهم ومخترعاتهم وخرافاتهم وفلسفاتهم؛ أريد أن أرى هذه العناصر وأن أحس بها لا في عزلتها النظرية العلمية، بل في تفاعلها الحي وأثر كل عنصر منها في سائر العناصر، وأن أبحثها من حيث هي حركة عامة شاملة يقوم بها كائن حي ثقافي عظيم، له مائة عضو ومائة ألف ألف خلية ولكن له جسما واحداً وروحاً واحداً. ولم هذا العناء كله؟ لأننا لا نكاد نجد شيئاً في ثقافتنا الدنيوية- اللهم إلا آلاتنا لسنا- لسنا مدينين به لليونان فالألفاظ الإنجليزية الدالة على المدارس والملاعب، والحساب والهندسة، والتاريخ، والبلاغة وعلوم الطبيعة والأحياء والتشريح والصحة والأقراباذين، وفن التجميل والشعر والموسيقى، والمآسى والمسالى، والفلسفة، والدين، واللاأدرية، والتشكك، والرواقية والأبيقورية، وعلم الأخلاق، والسياسة، والمثالية، وحب الإنسانية، والكلبية، والاستبداد والبلوتوقراطية والدمقراطية، كل هذه ألفاظ يونانية لصور من الثقافة لم ننشئها نحن إنشاءً بل إنها قد نضجت وترعرعت- خيراً كان ذلك أو شراً- بفضل نشاط اليونان العظيم. والمشاكل التي تقض مضاجعنا في هذه الأيام- كتقطيع الغابات واستئصال أشجارها وما ينشأ عن ذلك من تعرية الأرض وإزالة تربتها، وتحرير المرأة وتحديد عدد أفراد الأسرة، والمحافظة على القديم المستعز، وإجراء التجارب على الجديد في الأخلاق والموسيقى ونظم الحكم، وفساد السياسة والاعوجاج الخلقى، والنزاع بين الدين والعلم، وضعف المعنوية التي تستمدها الأخلاق من خوارق الطبيعة، وحروب الطبقات والأمم والغارات، وثورات الفقراء على الأغنياء الأقوياء من الناحية الاقتصادية، وثورات الاغنياء على الفقراء الأقوياء من الناحية السياسية. والنزاع بين الدمقراطية والدكتاتورية، وبين الفردية والشيوعية، وبين الشرق والغرب، كل هذه الأمور قد اضطربت بها حياة بلاد اليونان الباهرة المتألقة، وكأنها قد اضطربت بها لنتعلم منها نحن ونفيد منها في حياتنا. وقصارى القول أنه ليس في الحضارة اليونانية شيء لا ينير لنا سبل حياتنا.

وسنحاول في هذا الكتاب أن ندرس حياة بلاد اليونان من حيث تفاعل عناصرها الثقافية ومن حيث هي مسرحية كبرى ذات فصول خمسة تبدأ بنهضتها وتختتم بسقوطها. سنبدأ بكريت وحضارتها التي أنيط عنها اللثام من وقت قريب لأن من كريت، كما يبدو لنا ومن بلاد آسية جاءت ثقافة ميسيني mycenae وتيرنز Tirynsالتي نشأت فيها قبل الأزمنة التاريخية، فحولت على مهل المهاجرين الآخيينAchaeans والغزاة الدوريين Dorans إلى متحضرين، وستخصص بعض الوقت لدراسة عالم المحاربين والمحبين، والقراصنة والمغنين، الذي انتقل إلينا في أشعار هومر القوية الجارفة، وسنرقب نشأ اسبارطة وأثينة في عهد ليكورج lycurgus وصولون solon ونتتبع انتشار الاستعمار اليوناني في جميع جزائر بحر إيجه، وشواطىء آسية الغربية، والبحر الأسود، وأفريقية وإيطاليا وصقلية، وفرنسا وأسبانيا، وسنرى الدمقراطية تدافع عن حياتها في مراثون Marathon ثم تبعث في نشوة الظفر قوة على قوتها، فتنظم نفسا في عهد بركليز pericles وتزدهر وتثمر أغنى حضارة عرفها التاريخ وسنطيل النظر مسرورين مغتبطين إلى العقل البشرى وهو يتحرر من الخرافات والأوهام، فينشىء علوما جديدة، وينزل الطب على حكم العقل، وينزل بالتاريخ من خوارق الطبيعة ومن الأجرام السماوية إلى العالم الأرضى، ويبلغ الغاية التي لم يصل إليها عقل شعب آخر من قبل في الشعر، والتمثيل، والفلسفة، والخطابة والتاريخ، والفن، وسوف نسجل في هذا الكتاب ونحن آسفون محزونون، ما اختتم به العصر الذهبي في الحروب البلوبونيزية من خاتمة قضت فيها المدن اليونانية بعضها على بعض. وسنشاهد ذلك المجهود الجبار المنطوى على البسالة والشهامة والذي بذلته أثينة المضطربة المحتلة النظام لتستعيد قوتها بعد هزيمتها وسنراها عظيمة حتى في اضمحلالها تنجب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبليزApilles وبركستليزPraxiteles وفيليب ودمستين وديجين، والإسكندر؛ وسنرى في أعقاب قواد الإسكندر الحضارة اليونانية، أعظم وأقوى من أن تحتويها شبه الجزيرة، فتخترق حدودها الضيقة وتفيض من جديد على آسية، وأفريقية، وإيطاليا؛ وتعلم الشرق المستغرق في تصوفه وباطنيته جلال الجسم والعقل، وتعيد مجد مصر في إسكندرية البطالمة وتغني رودس بالتجارة والفن وتنهض بالهندسة على يد إقليدس في الإسكندرية وأخميديس في سرقوسة، وتضع على أيدي زينون وأبيقور أبقى الفلسفات في التاريخ؛ وتنحت تماثيل أفرديتي Aphrodite في ميلوس melosواللاؤكؤون laocoon وانتصار سمثريس samothracac ومذبح برجاموم pergamum، وتحاول عبثاً أن تعيد تنظيم سياستها وتبث فيها روح الشرف والوحدة والسلم، ثم تهوى إلى أعماق الفوضى بسبب الحروب الداخلية وحروب الطبقات، وتنضب مواردها ويقل عامرها، وتفقد روحها المعنوية؛ وتستسلم للأتوقراطية والخمول وتصوف الشرق، وتكاد في آخر الأمر أن ترحب بالرومان الفاتحين، فتورث بلاد اليونان الميتة على أيديهم أوروبا علومها، وفلسفاتها، وآدابها وفنونها فتكون هي الأساس الثقافي الحي لعالمنا الحديث.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكتاب الأول: تمهيد: في حضارة بحر إيجه من 3500 إلى 1000 ق.م.

الباب الأول: كريت

الفصل الأول: البحر المتوسط

إذا ما دخلنا أجمل البحار كلها وتركنا من خلفنا المحيط الأطلنطي ومضيق جبل طارق، انتقلنا من فورنا إلى حلبة التاريخ اليوناني. ويقول أفلاطون عن بني وطنه الذين استقروا في هذا الميدان: "لقد نزلنا في شواطئ هذا البحر كما تنزل الضفادع حول بركة الماء". على هذه الشواطئ النائية، أنشأ اليونان قبل ميلاد المسيح بقرون كثيرة، مستعمرات مزعزعة غير وطيدة الأساس يحيط بها البرابرة من جميع الجهات: في همرسكوييوم Hemeroscopium وأمبورياس Ampurias في اسبانيا، ومرسيليا ونيس في فرنسا، وفي كل مكان تقريباً بإيطاليا وصقلية. وأنشأ المستعمرون اليونان مدناً زاهرة في قوريني Cyrene بشمال أفريقيا وفي نقراطس بدال النيل؛ وبعثت مغامراتهم النشيطة الحركة والحياة في جزائر بحر إيجة وشواطئ آسيا الصغرى في ذلك الوقت البعيد، كما تبعثهما فيها هذه الأيام؛ وشادوا مدناً كبيرة وصغيرة لتكون محاطاً لتجارتهم الواسعة على شواطئ الدردنيل وبحر مرمرة والبحر الأسود، ولم تكن أرض اليونان الأصلية إلا جزءاً صغيراً من العالم اليوناني القديم.

ترى لماذا نشأت مجموعة الحضارات الثانية على شواطئ البحر الأبيض كما نشأت المجموعة الأولى قبل ذلك على ضفاف الأنهار في مصر وأرض الجزيرة والهند، وكما ازدهرت الثالثة بعدها على شواطئ المحيط الأطلنطي، وكما يحتمل أن تنشأ الرابعة على شواطئ المحيط الهادي؟ هل كان السبب في نشأتها هو اعتدال مناخ البلاد المطلة على هذا البحر؟ لقد كانت الأمطار السنوية تروي الأرض وتخصبها في الزمن القديم كما ترويها وتخصبها في هذه الأيام، وكان البرد المعتدل يبعث في أهل البلاد النشاط؛ وكان في وسع الأهلين أن يعيشوا في الهواء الطلق طول العام تقريباً، تدفئهم الشمس ولكنها لا توهن أجسامهم. ومع هذا فإن سطح الأرض حول خذا البحر وفي جزائره لا يبلغ من الخصب في مكان ما مبلغ أرض الأدوية الغرينية في أحواض الكنج أو السند أو دجلة أو الفرات أو النيل. وقد يبدأ جفاف الصيف مبكراً عن عادته، أو قد يطول أكثر مما يستحب، وتجد في كل مكان فيه الأرض الحجرية لا تبعد إلا قليلاً عن القشرة الغرينيةالمتربةالرقيقة. وتقع إلى شمال هذه الأراضي التاريخية بلاد معتدلة المناخ وإلى جنوبها أرض مدارية؛ وكلها أخصب منها تربة. ولما أضنى الجهد الفلاحين سكان شواطئ البحر الأبيض وجزائره، ووجدوا أ التربة لا تجود عليهم بما يعوض عنهم جهودهم، أخذوا يتخلون عن فلحها شيئاً فشيئاً؛ ويستبدلون بذلك زراعة الزيتون والكروم. وكانت تلك البلاد تتعرض من حين إلى حين إلى أخطار الزلازل، فتنشق الأرض تحت أقدام السكان على طول بعض العيوب الأرضية التي تعد بالمئتين، فترهبهم وتدفعهم إلى نوبات من التقى والإيمان. ولم يكن المناخ هو الذي جاء بالحضارة إلى بلاد اليونان، وأكبر الظن أن المناخ لم يكن سبب قيام الحضارة في قطر من الأقطار.

أما السبب الذي جذب الناس إلى بحر إيجة فهو جزائره. فلقد كانت هذه الجزائر جميلة؛ ولا ريب في أن الملاح المتعب كان ينشرح صدره حين يرى اختلاف ألوان التلال المظللة التي تقوم كالهياكل فوق مياه البحر وتنعكس عليها. وقلما يجد الإنسان في هذه الأيام مناظر أجمل من منظر هذه التلال أو أكثر منها إثارة لحاسة الجمال. وإذا ما طاف الإنسان ببحر إيجة أدرك لساعته لم أحب سكان هذه الشواطئ والجزائر بلادهم حبهم للحياة أو أكثر منها، ولم كانوا يرون كما يرى سقراط أن النفي أشد ألماً من الموت. يضاف إلى هذا الجزائر منثورة كاللآلىء في جميع الجهات، وكان يراها متقاربة فلا تكاد سفينة تبعد عن الأرض أكثر من أربعين ميلاً، سواء أكان مسافراً من الغرب إلى الشرق أم من الشمال إلى الجنوب. وإذا كانت هذه الجزائر البارزة فوق سطح الماء هي قلل سلاسل جبلية قديمة، متصلة بعضها ببعض، كسلاسل الجبال في بلاد اليونان القارية، طغى عليها البحر على توالي الأيام، فإن عين الملاح المرتقب كانت تقع على الدوام على قلة من هذه القلائل المحببة كأنها تحييه وترحب بمقدمه؛ وكانت أشبه بمنارات تهتدي بها السفن في وقت لم تكن تهتدي فيها بالبوصلة البحرية. وفوق هذا كله فإن حركات الريح والماء كانت تعين الملاح على الوصول إلى هدفه. فقد كان تيار مائي قوي أوسط يسير من البحر الأسود إلى بحر إيجة، وكانت تيارات أخرى مضادة له تسير نحو الشمال محاذية لشواطئ البحر، وكانت الرياح الشمالية الشرقية تهب بانتظام في فصل الصيف فتساعد السفن التي خرجت من موانيها لتأتي بالحب والسمك والفراء من البحر اليكسيني Euxine على العودة إلى موانيها في الشمال. وكان الضباب نادراً في البحر الأبيض، كما أن أشعة الشمس التي لا تكاد تحتجب عنه ينشأ منها بالليل وبالنهار نسيم البر والبحر، حتى ليستطيع الإنسان من بدء الربيع إلى آخر الخريف أن يستعين في أي ثغر من ثغوره- إلا القليل النادر منها - بنسيم الصباح في خروجه منه وبنسيم المساء في عودته إليه. في هذه البحار الصالحة للتجوال نمى الفينيقيون الكسابون واليونان القوازب فن الملاحة وعلمها، فبثوا فيها سفناً معظمها أكبر وأسرع من جميع السفن التي كانت تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط قبلهم ولكنها كانت أيسر منها حركة، وأضحت الطرق البحرية بين أوربا وأفريقيا من جهة آسيا من جهة أخرى مارة بقبرص وصيدا وصور أو ببحر إيجه والبحر السود وأضحت على الرغم من قراصنة البحر وما يتهددها من أخطار، أقل نفقة من الطرق البرية الطويلة الشاقة المعرضة للأخطار والتي كان ينقل عليها في الأيام الخالية الكثير من تجارة مصر والشرق الأدنى. وبذلك اتجهت التجارة وجهات جديدة، وضاعفت عدد السكان الجدد وأوجدت ثروات جديدة، فاضمحل شأن مصر، وأعقب ذلك اضمحلال شأن أرض الجزيرة وفارس، وأقامت فينيقية إمبراطورية من المدائن على ساحل أفريقيا وفي صقلية وإسبانيا، وازدهرت بلاد اليونان ازدهار الوردة المرتوية.


الفصل الثاني: كشف كريت الثاني

"في وسط البحر القاتم كلون النبيذ أرض تسمى كريت، وهي أرض جميلة غنية يحيط بها الماء، وفيها خلق كثيرون يخطئهم العد، كما أن بها تسعين مدينة". لما أنشد هومر هذه الأبيات، ولعل ذلك في القرن التاسع قبل الميلاد ، كانت بلاد اليونان قد نسيت أو كادت تنسى، وإن لم ينسى الشاعر، أن الجزيرة التي بدت له عظيمة حتى في ذلك الوقت، كانت في وقت من الأوقات أعظم مما هي وقتئذ ثروة، وأنها كانت تسيطر بأسطولها القوى على معظم نواحي بحر إيجة وعلى جزء من أرض اليونان الأصيلة، وأنها قد أنشأت قبل حصار طروادة بألف عام حضارة من أعظم الحضارات الفنية في تاريخ العالم. ولعل هذه الحضارة الإيجية التي كانت قديمة بالنسبة له بقدر ما هو نفسه قديم بالنسبة لنا، هي التي عادت إلى ذاكرة هومر وهو يتحدث عن عصر ذهبي كان الناس فيه أكثر حضارة وأرق حاشية منهم في أيامه المضطربة. ولقد كان كشف هذه الحضارة المفقودة مرة ثانية عملاً من أجل الأعمال في تاريخ علم الآثار الحديث. فها هي ذي جزيرة تبلغ مساحتها قدر مساحة أكبر جزائر السكلديز عشرين مرة، جوها جميل، تنتج حقولها غلات مختلفة، وتلالها كانت في وقت من الأوقات كثيرة الأشجار، وموقعها من اصلح المواقع للتجارة والحرب، فهي في منتصف الطريق بين فينيقية وإيطاليا، وبين مصر وبلاد اليونان. ولقد أشار أرسطاطاليس إلى هذا الموقع الحسن وذكر أنه "هو الذي مكن مينوس Minos من إقامة إمبراطورية لها في بحر إيجة". ولكن قصة مينوس، التي يسلم بصحتها كل الكتاب الأقدمين، قد رفضها الكتاب المحدثون وعدوها خرافة من الخرافات. وقد كان من عادة المؤرخين قبل أيامنا هذه بستين عاماً لا أكثر أن يقولوا كما قال جروت Grote إن تاريخ الحضارة في بحر إيجة يبدأ بغزو الدوريين أو بعصر الألعاب الأولمبية؛ ثم حدث في عام 1878 م أن عثر تاجر كريتي يسمى مينوس كلكيرنوس Minos Kalikairinios- وهو اسم من أليق الأسماء للكشف الذي وفق إليه- عثر هذا التاجر على آثار قديمة في سفح أحد التلال القائمة في جنوب قندية. وزار شليمان Schliemann العظيم هذا الموقع في عام 1886، بعد أن لم يمض على كشفه عن ميسيني Mycenae وطروادة إلا زمن قليل، وأعلن عن اعتقاده بأن تحت ثراه آثار مدينة كنوسس القديمة، وأخذ يفاوض مالك في أن يسمح له ببدء أعمال الحفر على الفور، ولكن المالك أخذ يساوم ويماحك وحاول أن يمكر به؛ وكان شليمان تاجراً قبل أن يكون عالم آثار، فتركه مغضباً، وأضاع بذلك فرصة ذهبية لو اغتنمها لأضاف هو حضارة جديدة إلى حضارات التاريخ، ومات بعد عام واحد من ذلك الوقت. وفي عام 1893 ابتاع دكتور آرثر إيفنز Arthur Evans عالم الآثار البريطاني من امرأة في أثينة عدداً من الحجارة البيضاء كانت تمائم، وقد أدهشه ما كان محفوراً عليها من كتابة أثرية لم يكن في وسع عالم من العلماء أن يقرأها. ومازال يتقصى مصدر هذه الحجارة حتى عرف أنها من كريت، فحصل على إذن بالسفر إليها، وأخذ يطوف في أنحاء الجزيرة ويجمع منها ما يعتقد أنه نماذج للكتابة الكريتية القديمة. وفي عام 1895 ابتاع جزءاً من الموقع الذي كان شليمان والمدرسة الفرنسية يعتقدان أنه موقع كنوسس وبعد أن قضى تسعة أسابيع من ربيع ذلك العام يحفر فيه مستخدماً في ذلك خمسين رجلاً أماط اللثام عن أعظم ما أسفرت عنه البحوث التاريخية الحديثة من كنوز، نقصد بذلك قصر مينوس. وليس فيما كشف من الصروح القديمة صرح يعادل هذا الصرح المعقد في اتساعه، وأكبر الظن أنه هو قصر التيه الذي لا نهاية له، والذي اشتهر فيما يروي من القصص اليونانية القديمة عن مينوس، وديدلس Deadalus، وثيسيوس Theseus، وأدرياني Adriane والمينوتور وكأنما شاءت الأقدار أن تؤيد ما أوحت به قريحة إيفنز إليه، فعثر في هذه الخربات وفي غيرها على آلاف من الأختام وألواح الصلصال، عليها رموز تشبه الرموز التي إلى كريت يتعقبها، وكانت النيران التي دمرت قصور كنوسس قد حفظت هذه الألواح، ولا يزال ما عليها من الكتابة التصويرية ومن الحروف الهجائية غامضاً يخفي قصة بحر إيجة القديمة . ولما ذاع نبأ هذا الكشف هرع العلماء إلى كريت من كثير من الأقطار. وبينما كان إيفنر يعمل في كنوسس كشف جماعة من الإيطاليين ذوي الجلد والعزيمة- هلبهير Halbherr، وبرنيير Pernier، وسفنيوني Savignoni وبربيني Paribeni- في حاجيا تريادا Hagia Triada )الثالوث المقدس(- تابوتاً عليه صور من الحياة الكريتية واضحة الدلالة، كما كشفوا في فستس Phaestus فن قصر لا يفوقه في سعته إلا قصر ملوك كنوسس. وفي هذه الأثناء كان إثنان من الأمريكيين هما سيجر Seager ومستر هوس Hawes يقومان بأعمال الكشف في حفائر فاسلكيVasiliki، ومكلوس Mochlos، وجورنيا Gournia؛ وكان البريطانيون- هوجارث Hogarth، وبوسنكوت Bosaquet، ودوكنز Dawkins، وميرز Myres ينقبون في بليكسترو Palaikastro وبسيكرو Psychro وزكرو Zakro وأهتم أهل كريت أنفسهم بأعمال الحفر والتنقيب في ديارهم، فأخذ زنثو ديديز Xanthoudidis وهتزيداكس Hatzidakis يحفران في مواقع المساكن والمغارات والمقابر القديمة في أركلوكوري Arkalochori، وتيليس Tylissus، وكومازا Koumasa، وشميزي Shamaizi، وانضوت نصف الأمم الأوربية تحت لواء العلم في الوقت الذي كان فيه ساستها يستعدون للحرب. ترى كيف تصنف هذه المادة الكثيرة- هذه القصور، والرسوم، والتمثيل والأختام، والمزهريات والمعادن، والألواح، والنقوش؟- وإلى أي عصر من العصور الغابرة تضم؟ وقد أرخ إيفنزما كشف من الآثار حسب عمق الطبقات الأرضية التي وجدت فيها، وما طرأ على أنماط الخزف من تطور تدريجي، وما بين الآثار التي كشف في كريت وما كشف في غيرها من البلاد من تشابه في الشكل أو في الغرض الذي صنعت من أجله، والموازنة بين الطبقات التي كشفت فيها والطبقات التي يعرف تاريخها على وجه التقريب في غير كريت. وما من شك في أن هذه الطريقة لا تسلم من الخطأ، ولكن البحوث التي أجريت فيما بعد، وما حصل عليه العلماء من معلومات جديدة، تؤيدها تأييداً يتزايد على مر الأيام. وظل إيفنز يواصل أعمال الحفر تحت كنوسس حتى قابلته على بعد ثلاث وأربعين قدماً من سطح الأرض الصخور الصماء، وكان النصف الأسفل من الأرض التي حفرها تشغله بقايا عليها طابع العصر الحجري الحديث- من أشكال بدائية لفخار مصنوع باليد، محلى برسوم مكونة من خطوط بسيطة، ومن لوالب مغازل تستخدم في الغزل والنسيج، ومن إلهات ذوات أعجاز ضخمة من الحجر الصابوني أو الصلصال، وأسلحة وحجارة مصقولة؛ ولم يكن من تلك البقايا أدوات من النحاس أو البرنز. وصنف إيفنز الفخار ووازنه بما وجد منه في مصر القديمة وبلاد النهرين، وعلى أساس هذا التصنيف قسم ثقافة كريت فيما بعد العصر الحجري الحديث وفي عصر ما قبل التاريخ ثلاثة عصور: العصر المينوي المبكر، والمينوي الأوسط، والمينوي المتأخر. ثم قسم كل عصور من هذه العصور إلى ثلاثة أطوار. ويمثل أول ظهور النحاس- أي أبعد الطبقات التي ظهر فيها عن سطح الأرض- قيام حضارة جديدة قياماً بطيئاً من مرحلة العصر الحجري الحديث. وقبل أن يحل العصر المينوي المبكر كان الكريتيون قد عرفوا كيف يخلطون النحاس بالقصدير، وبدأ بذلك عصر البرنز، وفي الطور الأول من العصر المينوي الأوسط تظهر أقدم القصور: فيقيم أمراء كنوسس، وفستوس، وماليا Malia لأنفسهم مساكن مترفة كثيرة الحجرات، ومخازن واسعة، وحوانيت متخصصة، ومذابح وهياكل، ومجاري تبهر المتكبر الغربي المتعجرف، وتجعله يغض الطرف منها استحياء . ونرى الفخار ذا ألوان كثيرة براقة، والجدران تزينها مقرنصات ساحرة جميلة، ونرى نوعاً من الكتابة الحرفية قد تطور من الكتابة التصويرية التي كانت في العصر السابق. وفي نهاية الطور الثاني من العصر المينوي الأوسط حلت بالبلاد كارثة عجيبة تركت ما يدل عليها في الطبقات الأرضية. فقد تهدم قصر كنوسس كأن الأرض قد انشقت فحطمته، أو لعل ذلك كان على أثر غارة قامت بها فستوس التي ظل قصرها باقيا بعد ذلك فترة من الزمان. ثم أصاب فستوس ومكلوس، وجورنيا وبليكسترو، ومدناً أخرى كثيرة في الجزيرة، ما أصاب كنوسس من تخريب، فترى الفخار قد غطاء الرماد، والجرار الكبيرة في المخازن ملآى بالأنقاض. أما الطور الثالث من العصر المينوي الأوسط فطور ركود نسبي، وقد يكون هو الطور الذي اضطربت فيه أحوال البلاد الواقعة في جنوب البحر الأبيض المتوسط على أثر فتح الهكسوس مصر، ودام اضطرابها زمنا طويلاً . وفي العصر المينوي المتأخر يبدأ كل شيء من جديد، فتتجدد آمال الإنسانية التي تصبر على كل بلوى، وتسري فيها روح الشجاعة، وتبدأ الحياة مرة أخرى، فتقوم قصور جديدة أجمل من القصور السابقة في كنوسس، وفستوس، وتليسوس، وحاجيا تريادا، وجورنيا، فتعمها الفخامة، وتكثر المباني ذوات الأطباق الخمسة، والنقوش البديعة، وتوحي المباني الفخمة بأن أحوال البلاد قد بلغت من الثراء ما لم تعرفه بلاد اليونان حتى عصر بركليز. هنالك ترى دور التمثيل قد شيدت في أفنية القصور، وترى النساء والرجال يجالدون الوحوش لتسلية الرجال والسيدات؛ وهؤلاء لا تزال وجوههم الأرستقراطية اليقظة الهادئة حية في المظلمات البراقة الباقية على الجدران الجديدة. وتتضاعف حاجات الأهلين، وترق أذواقهم، وتزدهر الآداب، وتنشأ مئات من الصناعات، فيستطيع الفقراء أن يستمتعوا بالرخاء وهم يعملون ليمدوا الأغنياء بأسباب الراحة والنعيم. وترى أبهاء الملوك تدوي فيها أصوات الكتبة وهو يحصون السلع التي يوزعونها أو يتسلمونها، وأصوات الفنانين وهو ينحتون التماثيل، أو يرسمون الصور، أو يصنعون الفخار، أو ينقشون النقوش؛ وأصوات كبار الموظفين يعقدون المؤتمرات، ويستمعون إلى القضايا المستأنفة أحكامها إليهم، أو يبعثون بالأوراق مبصومة بأختامهم الجميلة الدقيقة الصنع؛ بينما ترى الأمراء ذوي الخصر النحيل والأميرات المحلات بالجواهر، المغريات، العاريات النحور، يجتمعون في وليمة ملكية يقدم لهم فيها الطعام على موائد تتلألأ عليها صحاف البرنز والذهب. لقد كان القرنان السادس عشر والخامس عشر قبل الميلاد هما العهد الذي بلغت فيها الحضارة الإيجية ذروة مجدها وهما عصر كريت الذهبي القديم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: حضارة تستعاد من بقاياها

إذا شئنا أن نستعيد هذه الحضارة المدفونة مما بقي من آثارها- أي أن نفعل بآثار كريت المتفرقة ما فعله كوفييه Cuvier بالعظام البشرية المشتتة- وجب علينا أن نذكر أننا نقدم بهذا العمل على مغامرة تاريخية لا تؤمن مغبتها، وللخيال فيها شأن كبير، لأنه هو المصدر الذي نستمد منه الصلات الحية التي تسد الثغرات وتربط المادة العلمية الضئيلة المشتته التي يحركها المؤرخون حركة اصطناعية، بعد أن ماتت من زمن طويل. وسيظل ما تنطوي عليه جزيرة كريت من معلومات مجهولاً خافياً على العالم حتى يقيض للأسرار المخبوءة في ألواحها عالم مثل شمبليون.


1- الرجال والنساء

بين الكريتيين، كما يتصورهم فنانوهم، وبين البلطة المزدوجة التي تظهر كثيراً في رموزهم الدينية شبه غريب فالرجال منهم والنساء لهم أجسام تدق من أعلاها ومن أسفلها حتى تنتهي في الوسط بدائرة شديدة الضيق كطراز هذه الأيام، ولكنه مبالغ فيه. وكلهم تقريباً قصار القامة نحاف، لدن، رشيقو الحركة، ذوو أناقة رياضية. وهم بيض البشرة وقت مولدهم؛ فأما نساؤهم اللائي يلازمن الظل فلهن وجوه بيض، جرى عرفهم بأن تمثل في صورهن ضاربة إلى الصفرة؛ وأما الرجال الذين يسعون في مناكب الأرض طلباً للرزق، فقد لوحت الشمس وجوههم فاحمرت، ولذلك كان اليونان يسمونهم )كما كانوا يسمون الفينيقيين( الفوينيقيين أي الأرجواني اللون، ورؤوسهم أقرب إلى الطول منها إلى العرض، ومعارفهم حادة دقيقة، وشعورهم وعيونهم سوداء براقة كشعور الإيطاليين وعيونهم في وقتنا الحاضر. ولا جدال في أن هؤلاء الكريتيين فرع من جنس "البحر الأبيض المتوسط" ؛ والرجال منهم والنساء يرسلون شعرهم، بعضه معقوص فوق رؤوسهم وأعناقهم، وبعضه في حلقات فوق جباههم، وبعضه الآخر في غدائر تنوس على أكتافهم أو صدورهم. ويضيف النساء إلى ذلك أشرطة في غدائرهن، أما الرجال فكانوا يصطحبون معهم حتى في قبورهم طائفة من شفرات الحلاقة ليحتفظوا بوجوههم حليقة نظيفة حتى في القبور.

وليست ملابسهم بأقل غرابة من أجسامهم، فقد كان الرجال يضعون على رؤوسهم- إذا وضعوا شيئاً عليها لأنهم كانوا في أغلب الأحيان يتركونها عارية- عمائم أو قبعات عراضاً، وكان النساء يلبسن قبعات فخمة من طراز القبعات التي كانت منتشرة في بداية القرن العشرين. وكانوا في العادة حفاة الأقدام، عدا أفراد الطبقات العليا، فقد كانوا أحياناً ينتعلون أحذية بيضاء من الجلد، كانت عند النساء مزركشة جميلة في أطرافها، مزينة سيورها بالخرز. ولم يكن الرجال في العادة يلبسون شيئاً على أجسامهم فوق وسطهم، أما في أوساطهم فكانوا يلبسون تنورات قصيرة، أو مناطق تكون أحياناً منتفخة من الأمام تأدباً وأحتشاماً. وقد تكون "التنورة" مفتوحة من الجانبين عند العمال، أما عند العظماء وفي الحفلات فكانت تطول حتى تصل إلى الأرض عند الرجال والنساء على السواء. وكان الرجال يلبسون السراويل أحياناً، وكانوا في الشتاء يلبسون رداء خارجياً طويلاً يتخذ من الصوف أو الجلد. وكانت الملابس تربط ربطاً محكماً في وسط الجسم، لأن الرجال والنساء جميعاً كانوا يحرصون على أن يكونوا- أو أن يبدوا- رفيعي الوسط كأن أجسامهم تتركب من مثلثين. وأرادت النساء في العصور المتأخرة أن ينافسن الرجال في ضيق أوساطهن فعمدن إلى المشدات القوية تجمع تنوراتهم حول أعجازهن، وترفع أثداءهن العارية إلى ضوء الشمس. وكان من عادات الكريتيات الظريفة أن تبقى صدورهن عارية، أو تكشفها قمصان شفافة، ولم يكن أحد يتحرج من هذا أو يرى فيه غضاضة. وكان المجول ربط تحت الصدر، ثم ينفتح فتحة دائرية غير دقيقة، ثم يعود فينطبق إنطباقاً جميلاً حول العنق أشبه بالطوق المديشي الطراز. وكانت الأكمام قصيرة منتفخة في بعض الأحيان؛ وكانت التنورات تزدان بالثنايا والألوان الزاهية، وتتسع كثيراً عندالعجز، وتقوَّى في أغلب الظن بأعواد من المعدن أو بأطواق أفقية الوضع. وإنا لنرى في ترتيب ملابس الكريتيات وأشكالها تناسقاً في الألوان، وجمالاً في الأشكال، ورقة في الذوق، تنم عن حضارة غنية راقية ازدهرت فيها الفنون وارتقت أساليب الحياة. ولم يتأثر اليونان بالكريتيين في هذه المسائل ولم تتغلب أزياؤهم على غيرها من الأزياء إلا في العواصم الحديثة؛ بل إن علماء الآثار أنفسهم يطلقون اسم "الباريسية" على صورة المرأة الكريتية ذات الصدر المرتفع البراق، والعنق الجميل، والفم المغري، والأنف البارز، والجمال القوي المثير. إن هذه المرأة لتجلس أمامنا اليوم في غير حياء مصورة في طنف منقوش، يطل فيه جماعة من العظماء على منظر لن يسمح لنا الزمان برؤيته ما حيينا. وواضح في هذه الرسوم أن رجال كريت كانوا يحمدون لنسائها ما يخلعنه على الحياة من لطف ومغامرات، لأنهم لا يبخلون عليهم بما يحتجن من مال يزدن به جمالهم وفتنتهن. فقد كشف في الآثار عن حلى كثيرة مختلفة الأنواع من دبابيس للشعر نحاسية وذهبية، ودبابيس ومشابك منقوشة عليها بالذهب حيوانات أو أزهار، أو رؤوس من البلور أو المرمر، وأقراط مزركشة بخيوط من الذهب تختلط بالشعر، وعصائب أو حلى من المعادن النفسية تربطه، وأقراط أو قلادات مدلاة من الآذان، ومشابك وخرز وعقود على الصدر، وأساور في الأذرع، وخواتم في الأصابع من فضة، وعقيق، وجزع، وجمشت، وذهب. وكان الرجال يتحلون أيضاً ببعض هذه الحلي، فإذا كانوا فقراء لبسوا عقوداً وأساور من حجارة عادية، وإذا أمكنتهم مواردهم أزينوا بخواتم كبيرة نقشت عليها صور الحرب أو الصيد. ونرى الساقي في الصورة الذائعة الصيت يلبس في عضده الأيسر إسورة عريضة من معدن نفيس، وفي معصمه إسورة مطعمة بالعقيق. ونرى الرجل في الحياة الكريتية أيا كان موضعه يعرض أنبل عواطفه وأشد ما يفتخر به من هذه العواطف وهي حرصه على التجمل. وتكاد النساء أن يكن صاحبات السلطان الأعلى في الحياة الكريتية ذلك أن المرأة المينوية لم تكن ترضى بحياة العزلة التي كانت تسود بلاد الشرق، ولم تكن تطيق الحجاب أو البقاء في الدور، وليس ثمة دليل على أنه كان للنساء أجنحة خاصة في المنازل. لقد كانت المرأة تشتغل في البيت بلا ريب كما تفعل بعض النساء حتى في وقتنا هذا، تنسج الأقمشة وتضفر السلال، وتطحن الحب وتخبز العيش؛ ولكنها كانت فوق ذلك تعمل مع الرجل في الحقل وتصنع معه الفخار، وتختلط بالرجال في الأسواق، وكان النساء يجلسن في المقاعد الأمامية في دور التمثيل وفي حلبات الألعاب، وينتقلن في المجتمعات الكريتية وعليهم سيماء العظمة والملل من التعظيم والتمجيد. ولما أن صاغت الأمة أربابها كان هؤلاء الأرباب في أكثر الأحيان أشبه بالنساء منهم بالرجال. وإن العلماء المبجلين المشغفين على غير علم منهم- شغف لا غضاضة عليهم فيه- بصورة الأم المنقوشة على صفحات قلوبهم ليطأطئون رؤوسهم إجلالاً أمام آثار المرأة في هذه الحضارة، ويقفون مذهولين أمام سلطانها العظيم(14).


2- المجتمع

وسوف نفترض أن كريت في عهدها القديم كانت تقسمها جبالها أقساماً تسكنها عشائر قليلة العدد متحاسدة متباغضة، تقيم في قرى منفصلة مستقلة، يحكمها زعماؤها، وتتقاتل كما يتقاتل سائر الناس بفطرتهم. ثم يظهر من بين هؤلاء الزعماء زعيم قدير يضم عدداً من هذه العشائر تحت سلطانه، ويؤلف منها مملكة، ويشيد قصره الحصين في كنوسس أو فستوس أو تلنيسوس أو غيرها من المدن، ثم تصبح الحروب أقل عدداً وأكثر أتساعاً وأشد تقتيلا. ثم تنضم المدن كلها وتحارب دفاعاً عن الجزيرة بأجمعها وتنتصر كنوسس؛ وتنشئ المدينة المنتصرة أسطولا بحرياً تسيطر به على بحر إيجة، وتقضي على القراصنة، وتفرض الخراج على غيرها من الجزائر، وتناصر الفنون كما فعل بركليز فيما بعد. وهكذا تقوم الحضارة في إثر القرصنة، والحق أن من الصعب قيام حضارة من غير سرقة كما أن من الصعب أن تبقى بغير عبيد . ويستند سلطان الملك، كما يستدل من الآثار، على القوة والبطش، وعلى الدين والقانون. وهو يغوي الآلهة ويستخدمها لمعونته ليجعل طاعة الناس إياه أيسر عليهم وأقل كلفة، ويلقن كهنته الناس أنه من نسل فلكانوس Volchanos، وأنه تلقى من هذا الإله القوانين التي يصدرها، وإذا ما كان الملك قديراً أو سخياً فإن هؤلاء الكهنة يخلعون عليه من جديد السلطة الإلهية، ويتخذ الملك البلطة المزدوجة وزهرة الزنبق رمزاً لسلطانه كما فعلت رومة وفرنسا فيما بعد. وهو يستخدم في تصريف شؤون الدولة )كما تشير بذلك أكداس الألواح( طائفة من الوزراء وموظفي الدواوين والكتبة.


وهو يجبي الضرائب عيناً، ويختزن في جرار ضخمة موارده من حب وزيت وخمر، ومن هذه الموارد يؤدي رواتب رجاله عيناً. وهو يقضي وهو جالس على عرشه في القصر أو من مجلسه في بيته الملكي الصغير فيما يرفع إليه من القضايا التي مرت بمحاكمه. وقد بلغ من شهرته في أحكامه أنه يصبح في الدار الآخرة بعد موته قاضي الموتى الذين لا مفر من عرض قضاياهم عليه، كما يؤكد لنا هومر. ونحن نسميه في كتابنا مينوس ولكننا لا نعرف حقيقة اسمه. ولعل هذا لقب لا اسم شبيه بلفظ فرعون أو قيصر يطلق على عدد كبير من الملوك.

وتدل هذه الحضارة في ذروة مجدها على أنها حضارة مدن لا حضارة ريف. وتحدثنا الإلياذة عن "مدائن" كريت "التسعين"، ويعجب اليونان الذين يقتحمونها من كثرة سكانها. بل إن الدارس ليقف اليوم مرتاعاً أمام شوارعها المحطمة المرصوفة ذات المجاري، وأمام أزقتها المتقاطعة، وحوانيتها التي يخطئها الحصر؛ وميادينها المتجمعة حول مركز من مراكز التجارة أو الحكم، حيث نرى الرجال محتشدين يتحدثون وهم ساكتون وادعون. وليست كنوسس وحدها هي المدينة العظيمة ذات القصور الواسعة التي تغري الخيال على أن يبالغ في عظمة المدينة التي كانت بلا ريب أكبر مصدر لثروة هذه القصور وأول ما يستفيد من ثروتها. ويقابل كنوسس على شاطيء الجزيرة الجنوبي مدينة فستوس، ومن مينائها "تحمل قوة الريح والأمواج إلى أرض مصر السفن ذات المقدمات القاتمة، كما يقول هومر". وفي هذه المدينة تتجمع تجارة كريت المينوية الذاهبة إلى الجنوب، مضافاً إليها السلع التي يأتي بها تجار الشمال الذين ينقلون بضائعهم إليها بطريق البر ليتجنبوا أخطار الطريق البحري الطويل. وتصبح فستوس بعدئذ لكريت كما كانت بيريوس لليونان، تحب التجارة أكثر من حبها الفن؛ ومع هذا فإن قصر أميرها صرح فخم، يرقي إليه بطائفة من الدرج يبلغ اتساعها خمساً وأربعين قدماً، ولا تقل أبهاؤه وأفنيته عن مثيلاتها في كنوسس؛ ففناؤه الأوسط مربع مرصوف يبلغ اتساعه عشرة آلاف قدم مربعة، وحجرة الاستقبال فيه تبلغ مساحتها ثلاثة آلاف، اي أكبر من الردهة العظيمة، ردهة البلطة المزدوجة، في العاصمة الشمالية.

وعلى بعد ميلين من فستوس في اتجاه الشمال الغربي منها تقع حاجيا تريادا؛ وإلى بيتها الملكي الصغير (كما يسميه علماء الآثار) يلجأ أمير فستوس ليتقي حر الصيف. وكان طرف الجزيرة الشرقي في الأيام المينوية غنياً بالبلدان الصغيرة: سواء أكانت ثغوراً مثل زكرو ومكلوس، أو قرى مثل بريسوس Preasus، وبسيرا pseira، أو أحياء لسكنى العظماء مثل بليكسترو، أو مراكز صناعية مثل جورنيا. والشارع الرئيسي في بليكسترو حسن الرصف كثير المجاري، تقوم على جانبيه بيوت رحبة؛ منها بيت يحتوي على ثلاث وعشرين حجرة في الطابق الذي بقي منه حتى الآن. ولجورنيا أن تفخر بما كان فيها من شوارع واسعة مرصوفة بالجبس وبيوت مشيدة بالحجارة من غير ملاط، وحانوت حداد لا يزال كيره باقياً إلى الآن، وحانوت نجار وجد فيه صندوق يحتوي على عدد، ومصانع تعج بصناع المعادن؛ وصناع الأحذية والمزهريات، وتكرير الزيت، والنسيج، وإن العمال الذين يكشفون عن تلك الآثار في هذه الأيام ويجمعون ما فيها من مناضد ذات ثلاثة قوائم، وجرار، وفخار، وأفران، ومصابيح، ومدى، و"هاونات"، وأدوات للصقل. وخطاطيف، ودبابيس، وخناجر، وسيوف، نقول إن العمال الذين يكشفون الآن عن تلك الآثار ويجمعونها لتعتريهم الدهشة من كثرة ما كانت تخرجه مصانعها من أدوات مختلفة الأنواع ويطلقون عليها أسم "مدينة الآلات". وإذا قيست شوارع المدينة إلى شوارعنا في هذه الأيام بدت لنا ضيقة، فهي لا تزيد على أزقة من طراز أزقة المدن الشرقية الواقعة قرب المدارين، والتي تخشى حر الشمس اللافح، أما بيوتها المستطيلة الشكل المشيدة من الخشب أو الآجر أو الحجر، فلا ترتفع في الغالب إلى أكثر من طابق واحد. غير أن ما وجد في كنوسس من النقوش الباقية من العصر المينوي الأوسط يصور بيوتاً من طابقين أو ثلاثة، بل ومن خمسة أحياناً، في أعلاها حجرة مفردة أو برج صغير في بعض المواضع؛ وفي الأطباق العليا وإلى سطح المنزل حيث ينام الكريتيون في الليالي الشديدة الحرارة. أما إذا قضوا الليل في داخل البيوت فإنهم يضيئون بيوتهم بمصابيح زيتية تصنع من الصلصال أو حجر الصابون، أو الجبس أو الرخام، أو البرنز حسب ثروة أصحابها.

ولسنا نعلم عن ألعاب الكريتي إلا شيئاً واحداً أو شيئين لا أهمية لهما؛ فإذا كان داخل الدار فإنه يحب لعبة شبيهة بلعبة الشطرنج، فقد خلف لنا في خرائب قصر كنوسس لوحة لعب فخمة ذات إطار من العاج وعليها مربعات من الفضة والذهب، واثنتين وسبعين قطعة من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة. فإذا كان الكريتي في الحقول فإنه يعمد إلى الصيد بجرأة وحماسة ومعه قطط نصف برية، وكلاب صيد أصيلة ضامرة. وإذا كان من سكان الحواضر شجع الملاكمين، وتراه يصور على مزهرياته وفي نقوشه البارزة أنواعاً مختلفة من المباريات، يتلاكم فيها ذوو الأوزان الخفيفة بأيديهم العارية وأقدامهم، وذوو الأوزان المتوسطة يتلاكمون بقوة، وعلى رؤوسهم خوذ مزدانة بالريش، وذوو الأوزان الثقيلة يدلِّون بخوذهم وأقنعة خدودهم وقفازاتهم الطويلة المبطنة، ويواصلون الملاكمة حتى يسقط أحدهم على الأرض من فرط الإعياء، ويقف الثاني فوقه يتباهى بما أحرزه من نصر. ولكن أكثر ما يثير حماسة الكريتي أن يشق طريقه بين الجموع التي تملأ المدرج في يوم من أيام الأعياد ليرى الرجال والنساء يواجهون الموت أمام هجمات الثيران الهائجة. وكثيراً ما يصور مراحل هذا الصراع الوحشي الشديد، يصور الصائد الجريء يقتنص الثور بأن يقفز فوق عنقه وينزل ساقيه على جانبيه وهو يشرب الماء من إحدى البرك؛ ويصور المروض المحترف وهو يلوي رأس الثور حتى يتعلم شيئاً من الخضوع لحيل المدرب البغيضة؛ ثم المجتلد الماهر النحيل الجسم الخفيف الحركة وهو يلتقي بالثور في الحلبة، ويمسك بقرنيه، ويقفز في الهواء، ينقلب فوق ظهر الحيوان، ثم ينزل برجليه على الأرض بين ذراعي فتاة تضفي على المنظر من جمالها ورشاقتها. ولقد اصبح هذا الصراع حتى في كريت المينوية من الألعاب القديمة التي طال بها العهد؛ فقد عثر في كيدوشيا على أسطوانة من الصلصال يعزى تاريخها إلى عام 2400 ق. م، وتمثل صراع ثور لا يقل في شدته أو خطورته عما هو مصور في المظلمات السالفة الذكر. وإذا ما قلبنا الفكر في هذه اللعبة الدالة على شجاعة الإنسان وتعطشه لسفك الدماء، والتي لا تزال منتشرة في هذه الأيام، وعرفنا أنها قديمة قدم الحضارة نفسها، وإذا ما فعلنا ذلك أدركت عقولنا المولعة بتبسيط الأمور والاستهانة بها- وإن كان هذا الإدراك لا يدوم إلا لحظات- ما في الطبيعة البشرية من تناقض وتعقيد.


3- الدين

بما كان الكريتي وحشياً قاسياً، ولكنه كان بلا شك متدنياً يتركب من مزيج بشري كامل من الفيتشية والخرافة من جهة والمثالية وتعظيم الأرباب من جهة أخرى؛ فهو يعبد الجبال والمغارات، والعدد3، والأشجار، والأعمدة، والشمس والقمر، والمعز والأفاعي، واليمام والثيران، وقلما يسلم شيء من عبادته. والهواء في اعتقاده مملوء بالأرواح الطيب منها والخبيث، وتنتقل منه إلى بلاد اليونان طائفة شفافة من جن الحراج منها الذكور ومنها الإناث.

وهو لا يعبد عضو التذكير عبادة مباشرة؛ ولكنه يعظم في رهبة وخشوع ما في الثور والأفعى من قوة حيوية منتجة. وإذا كان معدل الوفيات بين الكريتيين كبيراً فإنه يعظم الإخصاب، وحين يسمو به تفكيره إلى إيجاد إله بشري يصور لنفسه إلهته أماً ذات ثديين كريمين وجسم فارع الطول، وأفاع تلتف حول ذراعيها وثدييها، وتتلوى في شعرها أو تتدلى في أنفة وكبرياء من رأسها. وهو يرى في هذه الإلهة الأم الحقيقة الأساسية من حقائق الطبيعة وهي أن الموت عدو الإنسان الألد تغلبه قدرة الأم الخفية العجيبة على التناسل والتكاثر، وهو لذلك يؤله هذه القدرة. فالإلهة الأم تمثل له مصدر الحياة بأجمعها في النبات والحيوان والإنسان. وإذا ما أحاط صورتها بالحيوان والنبات فما ذلك إلا لأن الحيوان والنبات يوجدان من خصوبتها الخلاقة، وهما لذلك يرمزان لها ولما ينبعث منها. وهي تظهر في بعض الأحيان تضم بين ذراعيها طفلاً قدسياً هو فلكانوس ولدته في مغارة جبلية. وإذا ما تأملنا هذه الصورة القديمة رأينا من خلالها إيزيس وحورس، وإشتار وتموز، وسيبيل وأتيس، وأفرديتي وأدنيس، وأحسسنا بوحدة ثقافات ما قبل التاريخ؛ واتصال الآراء والرموز الدينية في عالم البحر الأبيض المتوسط بعضها ببعض.

وزيوس الكريتيين، وهو الاسم الذي يطلقه اليونان على فلكانوس، أقل منزلة من أمه في حب الكريتيين، ولكنه يزداد أهمية على مر الأيام. ففيه يتمثل المطر المخصب، والرطوبة التي يرى هذا الدين كما يرى طاليس أنه أساس كل شيء. وهو يموت ثم يشاهد الناس ضريحه جيلاً بعد جيل على جبل يوكتاس Jouktas، ولا تزال صفحة وجهه الفخمة الجليلة تظهر للسائح القوي الخيال؛ ثم يقوم من قبره ليكون رمزاً للنبات المجدد للحياة، ويحتفل القسيسون ببعثه المجيد بالرقص والضرب بالدروع، وهو بوصفه إلها للخصب يتصور أحياناً كأنه حل في جسم الثور المقدس؛ وهو بهذه الصفة يضاجع باسفيا زوجة مينوس في الخرافات الكريتية فتلد له يور مينوس المهول أو المينوتور.

ويعمد الكريتي لاسترضاء هذه الآلهة إلى طقوس لا حصر لها من الصلوات والتضحيات، والرموز، والاحتفالات، يقيمها في العادة كاهنات من النساء، ويقيمها في بعض الأحيان موظفون من رجال الدولة. وهو يطرد الشياطين ويتقى أذاها بحرق البخور، ويستثير الإله الغافل بالنفخ في صدفة بحر مزدوجة؛ وبالقيثارة أو الناي، ينشد الأناشيد الجماعية تعبداً وخشوعاً. ويعمل على إنماء البساتين والحقول بإرواء أشجارها ونباتها بمراسم دينية، وترى كاهنات البلاد وهن عاريات هائجات يهززن الأشجار التي نضجت ثمارها لتسقط حملها، أو نساءها يسرن في مواكب يحملن الفاكهة والأزهار يقدمنها للآلهة التي يحملنها في هودج ويومئن بها إليها. والظاهر أن الكريتي لم يبن له معبداً ولكنه كان يقيم مذبح القربان في بهو القصر أو في اليك أو المغارات المقدسة أو على قلل الجبال. وهو يزين هذه الأماكن المقدسة بأن يضع فيها مناضد يصب عليها السوائل قرباناً للأرباب، وأصناماً مختلفة الأشكال و"قروناً قدسية" لعلها ترمز إلى الثور المقدس.

والرموز المقدسة عند الكريتي لا حصر لها، ويلوح أنه يعبد هذه الرموز كما يعبد الآلهة التي تدل عليها. ومن هذه الرموز الدرع ولعله كان يراه رمزاً للآلهة في صورتها الحربية، ثم الصليب- في صورتيه اليونانية والرومانية- يحفره على جبهة ثور أو على فخذ إلهة أو ينقشه على خواتم، أو يقيمه من الرخام في قصر الملك. وأهم هذه الرموز كلها البلطة المزدوجة بوصفها آلة التضحية، وقد أضحت لها قوة سحرية عظيمة اكتسبتها من فضيلة الدم الذي تسفكه، أو سلاحاً مقدساً يهديه الإله فلا يخطئ قط، أو رمزاً لزيوس الذي يرسل الرعد ويشق السماء بصواعقه(31).

وهو إلى هذا كله يعني بعض العناية بموتاه، ويعبدهم عبادة لا تسمو إلى عبادة الآلهة السالفة الذكر. فهو يدفنهم في توابيت من الصلصال أو في جرار ضخمة، لأنهم إذا لم يدفنوا على هذا النحو قد يعودون إلى الحياة الدنيا. وهو يعمل على أن يظلوا راضين قانعين تحت الأرض بأن يضع معهم قدراً غير كثير من الطعام، وأدوات الزينة، ودمى صغيرة من الصلصال في صورة نساء يقمن على خدمتهم أو يواسينهم إلى أبد الدهر. وهو يعمد أحياناً إلى الخداع مدفوعاً برغبته في الاقتصاد الذي يطيقه تشككه البدائي، فيستبدل بالطعام الحقيقي حيوانات من الصلصال يضعها في القبر إلى جانب موتاه. وإذا دفن ملكاً أو نبيلاً أو تاجراً مثرياً وضع مع جثته بعض الصحاف الثمينة أو الحلي التي كانت ملكاً لصاحب هذه الجثة، ويضع أدوات الشطرنج مع اللاعب الماهر، ومجموعة من الآلات الموسيقية مع الموسيقى، وقارباً مع من كان مولعاً بركوب البحار. ألا ما أكثر مايدل عليه هذا العمل من عطف على الأموات! وهو يأتي إلى القبر في مواسم معينة ليقدم للموتى قرباناً من الطعام يحفظ عليهم حياتهم، وهو يرجو أن يستقبل ردمنثس Rhademanthus الإله العادل ابن زيوس فلكانوس الروح الذي تطهر ليهبه السعادة والسلام اللذين لا بقاء لهما على ظهر هذه الأرض.


4- الثقافة

وأصعب ما يواجهنا في حضارة الكريتيين هو لغتهم. فالكريتي حين يستخدم الحروف الهجائية اليونانية بعد غزو الدوريين بلاده، إنما يستخدمها ليدون بها كلاماً يختلف كل الاختلاف عن الكلام اليوناني المعروف وأقرب منه شبهاً بلغات الشرق الأدنى المصرية والقبرصية والحبشية والأناضولية. وقد اقتصر في أقدم العصور على الرموز التصويرية، ثم بدأ حوالي 1800 ق. م يختصر هذه الرموز إلى نحو تسعين علامة مقطعية، وبعد مائتي عام من ذلك الوقت استنبط نوعاً آخر من الكتابة تشبه علاماته الحروف الهجائية الفينيقية. ولعل الفينيقيين قد جمعوا منه ومن المصرين والساميين تلك الحروف التي نشروها فيما بعد في جميع البلاد المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والتي أصبحت الأداة الفعالة في الحضارة الغربية. والكريتي العامي نفسه ينطق بما توحي به إليه شاعريته، وينقش أشعاره على جدران حاجياتريادا، مثله في ذلك مثل الأخصاء من ساسة تلك الأيام. وإنا لنجد في فستوس نوعاً من الكتابة باقياً من أزمنة ما قبل التاريخ. فقد كشف في تلك المدينة قرص كبير من الطور الثالث من أطوار الحضارة المينوية الوسطى، طبعت على صلصاله وهو لين رموز تصويرية لأصنام لكل رمز منها خاتم؛ ولكن الذي يزيد من حيرتنا في أمر هذه الرموز أنها ليست كريتية بل أجنبية، وربما كان هذا القرص قد نقل إلى كريت من أحد البلاد الشرقية.

وربما كشفت الألواح الطينية، التي كان الكريتي يكتب عليها، في يوم من الأيام ما كان عنده من العلوم. أما الآن فكل ما نستطيع أن نقوله إنه كان على علم بشيء من الفلك لأنه اشتهر بأنه ملاح ماهر؛ وتقول الرواية إن الدوريين الذين استوطنوا كريت فيما بعد قد أخذوا التقويم عن المينويين. ويعترف المصريون بأنهم مدينون للكريتيين ببعض الوصفات الطبية، وقد أخذ عنهم اليونان بعض الأعشاب العطرية والطبية كالنعناع (mintha)، والشيخ الرومي(Aspithon)، وعقاراً آخر مفيداً كل الفائدة يقال إنه يشفي البدانة من غير حاجة إلى الاقتصاد في الطعام كما تدل على ذلك أسماء هذه الأعشاب وهذا العقار. ولكن من واجبنا ألا نضع الحدس والتخمين في مكان التاريخ الصحيح.

وفي وسعنا أن نتأمل خرائب دور التمثيل الكريتية وإن كانت آدابهم لا تزال كتاباً مغلقاً محتفظاً بجميع أسراره. فقد بنى الكريتيون في فستوس حوالي عام 2000 ق. م عشرة صفوف من المقاعد الحجرية تمتد نحو ثمانين قدماً بجوار جدار يطل على فناء ترفرف عليه أعلام، كما أقاموا في كنوسس ثمانية عشر صفاً من المقاعد الحجرية أيضاً طولها ثلاث وثلاثون قدماً. وهذه الدور التي تتسع لعدد من النظارة يتراوح بين أربعمائة وخمسمائة من أقدم ما تعرفه دور التمثيل- فهي أقدم من ملهى ديو نيسيوس بألف وخمسمائة عام. ولسنا نعرف ماذا كان يحدث على مسارح هذه الدور، فالمظلمات تصور النظارة يشاهدون منظراً ما، ولكننا لا نعرف ماهية هذا المنظر الذي يشاهدونه، وأكبر الظن أنه خليط من الموسيقى والرقص. وقد احتفظت لنا صورة وجدت في كنوسس بطائفة من سيدات الطبقة الراقية، ومن حولهن جماعة من الرجال المعجبين بهن يشاهدون رقصاً تقوم به بعض الفتيات المرحات، ذوات "النُّقَب" في أيكة من شجر الزيتون، وتمثل صورة أخرى راقصة تنوس غدائرها وتمد ذراعيها؛ وهناك صور تمثل رقصات ريفية شعبية؛ أو رقصات الكهنة والكاهنات والمتعبدين القوية أمام ضم أو شجرة مقدسة.

ويصف هومر المرقص الذي أنشأه ديدلوس يوماً من الأيام في كنوسس العريضة لأدريادني ذات الشعر الجميل، وفيه يرقص ثلاثة شبان وثلاث عذارى فاتنات مغريات يتماسكون بالأيدي.... على صوت القيثارة وتقاسيم شاعر من رجال الدين". وترى القيثارة ذات السبعة الأوتار التي يعزو اليونان اختراعها إلى عبقرية تريندر مصورة على تابوت في حاجياتريادا قبل أن يولد تربندر Terpander، بألف عام. وهناك أيضاً الناي المزمار ذو الأنبوبتين والثمانية خروق والأربع عشرة نغمة بالصورة التي نجدها عند اليونان الأقدمين. ونرى على إحدى الحلي نقشاً يمثل امرأة تنفخ في بوق مصنوع من صدفة ضخمة كما نرى على زهرية جلاجل تضبط الوقت لأقدام أم الراقصات.

وروح النضارة والمرح والخفة التي تبعث البهجة في رقص الكريتي ولعبة هي نفسها التي تبعث الحياة في أعماله الفنية. ولم يخلف لنا الكريتي من مبانيه شيئاً من الأعمال ذات الأبهة والفخامة، أو ذات الطراز الراقي العظيم؛ بل نراه يفعل ما يفعله الياباني في عصر السموراي؛ فيجد اللذة والبهجة فيما تمتاز به الفنون الصغيرة من دقة، وفي تزيين الأدوات التي يستخدمها في حياته اليومية، وفي إحكام صنع الأشياء الصغيرة والوصول بها إلى درجة الكمال. وهو يقبل ما يمليه عليه العرف في الشكل وفي الموضوع شأن كل الحضارات الأرستقراطية، ويتحاشى البدع المفرطة في الجدة، ويتعلم الحرية داخل قيود الذوق والمحافظة على القديم. وقد برع الكريتي في صناعة الفخار، وفي قطع الجواهر، وفي حفر مواضع الفصوص في الخواتم، وفي النقوش البارزة حيث تتاح له الفرصة لإظهار ما طبع عليه من مهارة ودقة. وهو لا يجد صعوبة في صياغة الذهب والفضة، وتركيب الأحجار الكريمة، وصنع أنواع كثيرة من المجوهرات. وهو يحفر على الأختام التي يصنعها ليوقع بها الوثائق الرسمية والبطاقات التجارية والصكوك المالية، يحفر على هذه الأختام كثيراً من مظاهر الحياة العادية مفصلة دقيقة، وكثيراً من مناظر كريت الطبيعية، تكفي وحدها لأن نتصور منها ما كانت عليه الحضارة الكريتية. وهو يصنع من البرنز طاسات، وأباريق، وخناجر، وسيوفاً مزدانة بصور النبات والحيوان ومرصعة بالذهب والفضة والعام والحجارة النادرة. وقد خلف لنا في جورنيا Gournia، رغم عبث اللصوص مدى ثلاثة آلاف عام؛ كأساً من الفضة مصقولة صقلاً فنياً جميلاً، كما خلف في أماكن متفرقة من الجزيرة، قروناً للشراب تبرز من رؤوس الآدميين أو الحيوان يكاد الإنسان حتى في هذه الأيام يحس فيها أنفاس الحياة. ولم يترك شكلاً من أشكال الفخار إلا صنعه وبرز في هذه الأشكال كلها تقريباً، فقد صنع المزهريات، والصحاف، والفناجين، وأقداح الشراب، والمصابيح والجرار والحيوانات والآلهة. وقد كان في بادئ الأمر، في العهد المينوي الأول، يقنع تشكيل هذه الآنية بيده، حسب الأنماط التي ورثها عن العصر الحجري الحديث. وكان يطليها بطبقة زجاجية سمراء أو سوداء ويترك النار تلونها بما تشاء من الظلال. ثم عرف في العهد المينوي الأوسط استخدام عجلة الفخراني ليبلغ بها الذروة في المهارة، وهو يطليها في ذلك العهد بطبقة زجاجية تماثل في تناسقها ورقتها طلاء الخزف، وينشر عليها في غير نظام الألوان السوداء والسمراء، والبيضاء، والحمراء، والبرتقالية، والصفراء، والقرمزية، والحمراء القانية، ويمزجها فيخرج منها ظلالاً جديدة؛ وهو يرقق الصلصال ترقيقاً وصل إلى حد الكمال في الآنية الجميلة الزاهية الألوان الرقيقة الجدران التي وجدت في كهف كمارس kamares على جبل ايدا Ida، والتي لا يزيد سمك جدرانها على ملليمتر واحد، وقد أفرغ على هذه الآنية كل ما وهب من خصب الخيال. وبلغت صناعة الفخار في كريت ذروة مجدها بين عامي 2100 و1950 ق.م وترى الصانع يوقع باسمه على ما يصنع، ويحرص أهل بلاد البحر الأبيض المتوسط على اقتناء مصنوعاته، وفي العهد المينوي المتأخر يطبق أصول الفن إلى أقصى حد على صناعة الغخار الرقيق، فيصنع من عجينة الفخار ألواحاً ومزهريات زرقاء فيروزجية وآلهات متعددة الألوان، ونقوشاً لحيوانات بحرية تكاد أن تكون هي والحيوانات الحقيقية سواء بسواء. وهل هناك أدل على هذا من أن إيفنز رأى سرطاناً بحرياً من الميناء فظنه سرطاناً متحجراً. وفي ذلك العهد ترى الفنان يعشق الطبيعة ويسره أن يمثل على آنيته أنشط الحيوانات حركة، وأزهى الأسماك لوناً، وأرق الأزهار أوراقاً، وأجمل النباتات شكلاً. وهو يخرج روائع الفن الخالدة في الطور الأول من أطوار العصر المينوي المتأخر أمثال مزهرية الملاكمين ومزهرية الحصادين؛ ففي الأولى يصور القسوة بجميع أشكالها ومواقفها في ألعاب الملاكمة، ويضيف إليها صوراً من حياة مصارعي الثيران، وفي الثانية يتتبع بمنتهى الدقة والإخلاص موكباً لعله موكب الفلاحين يمشون يغنون في عيد، ثم تضعف تقاليد الفخار الكريتي ويضمحل فنه؛ وينسى الصناع تحفظهم وذوقهم، فتغطى الزخارف المزهريات من أولها إلى آخرها في غير نظام، ويعجز الصناع عن التفكير البطيء والتنفيذ في صبر وأناة، ويحل الإهمال والتراخي اللذان ينتحلان اسم الحرية محل الدقة والصقل اللذين عهدناهما في عصر كمارس. وليس من حقنا أن نلوم الكريتيين على هذا الاضمحلال فهو الموت الذي لا مفر منه والذي لابد أن يلاقيه الفن إذا بلغ سن الشيخوخة وخارت قواه، فيستغرق في سبات مدى ألف عام، ثم يولد من جديد، ويبلغ منتهى الكمال في المزهريات الأتكية.

وفن النحت من الفنون الصغرى في كريت، وقلما يرقى إلى أكثر من صنع التماثيل الصغيرة إلا في النقوش المنخفضة وفي قصة ديدلوس. وكثير من هذه التماثيل الصغرى فجة لا تخرج عن نمط واحد جرى به العرف وثبت عليه؛ ويبدو أنها كانت تصنع من غير مثال تحتذيه. ومن هذه تمثال من العاج يمثل لاعباً رياضياً ساعة أن يقفز في الهواء؛ ومنها رأس جميل ضاع جسمه في أثناء انتقاله إلينا خلال القرون الطوال. وخير هذه التماثيل يفوق في دقة التشريح وفي وضوح الحركات كل ما عرفناه من تماثيل اليونان قبل أيام ميرون وأغربها كلها إلهة الأفاعي المحفوظة في متحف بُسطن - وهي تمثال قوي من العاج والذهب نصفها أنثى ونصفها أفعى؛ وفي هذا يعالج المثال آخر الأمر الجسم الآدمي بشي من سعة الإدراك والنجاح. ولكنه حين يريد أن يمثل الضخامة يعمد في الغالب إلى تمثيل الحيوانات ويقتصر على النقوش البارزة الملونة، كما نرى ذلك في رأس الثور المحفوظ في متحف هركيولانيوم؛ وفي هذا الأثر المدهش نرى العينين الوحشيتين، والمنخارين الناخرين، والفم اللاهث، واللسان المرتجف، وكل هذه قد بلغت من القوة درجة لن تفوقها بلاد اليونان نفسها في أي عهد من عهودها.

وأكثر ما يستلفت النظر في كريت القديمة هو تصويرها. ذلك أن النحت معقل لا يؤبه له، وما عثر عليه من الفخار قليل معظمه قطع متفرقة، وعمارتها كلها أطلال دراسة؛ ولكن أجمل الفنون كلها، وهو الذي يقع فريسة سهلة لعوادي الزمان الذي لا يرحم، قد أبقى لنا روائع نستطيع أن ندرسها وتستثير إعجابنا من عصر بلغ من القدم حداً سقط من ذاكرة اليونان الأقدمين، وهم الذين لم يبق من تصويرهم على حداثة عهده بالقياس إلى تصوير الكريتيين صورة واحدة أصيلة. وقد أبقت الزلازل والحروب التي دكت القصور في كريت على مظلم في جدار هنا وآخر في جدار هناك. وإذا ما جلنا في هذه القصور المخربة، وتخطينا أربعين قرناً من الزمان، والتقينا بالرجال الذين زينوا حجرات الملوك المينويين رأيناهم في عام 2500 قبل الميلاد يضعون على الجدران طبقة من الجير النقي، ويهديهم تفكيرهم إلى التصوير على السطح المبلل، فيحركون الفرشاة حركات سريعة ينفذ بها اللون إلى الطلاء قبل أن يجف سطحه. وقد استطاعوا بحذقهم أن ينقلوا إلى أبهاء القصور المظلمة جمال الحقول المكشوفة الوضاء، فيستنبتون الجص زنبقاً، وسوسناً، ونرجساً، وبردقوشا. وما من أحد شاهد هذه المناظر ثم قال مع القائلين إن روس قد أزاح الستار عن الطبيعة. ونرى في متحف هركيولانيوم جامع الزعفران حريصاً على قطف زهره كما صوره مصوره في العصر المينوي الأوسط؛ ونرى وسطه رفيعاً إلى حد ينفر منه الذوق، كما يبدو جسمه طويلاً لا يتناسب مع ساقيه، ولكننا نرى رأسه متقن التصوير خالياً من العيوب، ونرى الألوان هادئة والأزهار نضرة كما كانت منذ أربعة آلاف عام. وفي حاجيا تريادا يزين الرسام تابوتاً برسوم لخلائق غريبة نكاد نقول إنها نوبية منهمكة في طقوس دينية؛ وخير من هذا كله ما زين به أحد الجدران من أشجار متماوجة يدس بينها- وإن لم يخفها عن العين بل يتركها واضحة جلية- قطة متحفزة، تستعد للهجوم دون أن يراها أحد على طائر مدل بنفسه ينشنش ريشه في الشمس. ويصل الرسام الكريتي في العصر المينوي المتأخر إلى ذروة مجده، فكل جدار يغريه وكل ثريٍّ يستدعيه، وهو لا ينقش مساكن الملوك وحدها، بل ينقش بيوت النبلاء وأثرياء البلاد، ويزينها بما لا يقل عن زينة بيوت بمبي. على أن نجاحه هذا وكثرة ما ينهال عليه من الطلبات لا يلبثان حتى يفسدا عليه أمره، وسرعان ما يؤدي حرصه على أن ينتهي مما بين يديه إلى قصوره عن الارتقاء إلى ما يقرب من الكمال فيما يصنع، فيفضل الكم على الكيف، ويكرر رسوم الأزهار حتى يمل الناظر إليها من التكرار، ويصور الرجال بصور لا وجود لها في الحياة الواقعية، ويقنع برسم الخطوط الخارجية، وينحط بفنه إلى المستوى الذي يدرك فيه أن هذا الفن قد جاوز مجده الأعلى وأنه قد آن أوان موته. ولكن من حقه علينا أن نقول إن التصوير لم يمثل الطبيعة بمثل النضارة التي مثلها بها التصوير الكريتي، مع جواز استثناء مصر القديمة وحدها من هذا التعميم.

وتتضافر الفنون كلها على بناء القصور الكريتية، فالقوة السياسية، والسيادة التجارية، والثراء، والترف، وما تجمع في البلاد من رقة وسمو في الذوق، كل هذا يحتم على المهندس، والباني، والصانع، والمثال، وصانع الفخار والمعادن، والنجار، والمصور، يحتم على هؤلاء كلهم أن يجمعوا ما وهبهم الله من حذق ليشيدوا به طائفة من حجرات ملكية، ومكاتب إدارية، وملاه، وحلبات ألعاب لتكون محور الحياة الكريتية ومشاهد رقيها و وعظمتها. يبنون في القرن الحادي والعشرين ثم يتهدم بنيانهم في القرن العشرين، فإذا جاء القرن السابع عشر لا يكتفون فيه ببناء قصر مينوس بل يشيدون كثيراً غيره من الصروح الفخمة في نوس وفي نحو خمسين مدينة أخرى في الجزيرة المثرية الرخية. ولقد كان عصر الحضارة الكريتية من أزهى العصور في تاريخ العمارة.

وجدير بنا أن نذكر أن الذين شادوا قصر كنوسس كانت تنقصهم وفرة مواد البناء والرجال؛ فالمعادن قليلة في كريت والرخام لا وجود له فيها على الإطلاق، ومن أجل هذا تراهم يبنون بحجر الجير والجبس، ويستخدمون الخشب في إنشاء الأروقة المقامة على العمد والسقف وجميع الأعمدة التي فوق الطابق الأرضي. وهم يقطعون الكتل الحجرية قطعاً محدداً دقيقاً يستطيعون به أن يضعوها في أماكنها من غير ملاط. وبهذه الأدوات شادوا حول فناء أوسط سعته عشرون ألف قدم مربعة ثلاثة أطباق من البناء أو أربعة يرقى إليها بدرجات حجرية واسعة، وتحتوي على ما لا حصر له من الحجرات - مراكز للحراسة، وحوانيت، ومعاصر للخمر، ومخازن، ومكاتب لتصريف شؤون الدولة، ومساكن للخدم، وحجرات للانتظار، وأخرى للاستقبال، ومخادع، ومعبد، وجب، وحجرة عرش، "وبهو للبلطة المزدوجة"، وبالقرب من هذه كلها دار للتمثيل، وقصر صغير ذو حديقة، ومقبرة. وفي الطابق الأسفل من القصر أقاموا عمداً مربعة ضخمة من الحجارة، وأما في الأطباق العليا فقد أقاموها من خشب السرو. والغريب في هذه العمد أنها رفيعة من أسفلها ثم تتدرج في السمك إلى أعاليها، لتحمل السقف على تيجان ملساء مستديرة أو لتلقي بظلالها على جانبيها. وفي داخل هذا القصر وضع بناؤوه مقعداً حجرياً، مستنداً في مكان أمين إلى جدار جميل النقش، وهذا المقعد الحجري منحوت نحتاً بسيطاً ولكنه يشهد بمهارة من نحته وحذقه؛ ويسمى الحفارون المستكشفون هذا المقعد الحجري عرش مينوس، وفي وسع كل سائح جوال أن يجلس عليه في تواضع واحتشام ويتصور نفسه برهة من الزمان مسيطراً على هذا المقعد الذي يزيد على بضعة أشبار. وأكبر الظن أن هذا القصر الفسيح هو قصر التيه الشهير )لابيرنث( أو هيكل البلطة المزدوجة (لبريس Labryth) الذي يغزوه الأقدمون إلى ديدلوس والذي خلع اسمه فيما بعد على كل شيء كثير التعاريج سواء كان حجرات أو ألفاظاً أو آذانا.

وكأن الذين شادوا مدينة كنوسس قد أرادوا أن يدخلوا السرور على النفعيين أهل هذه الأيام الذين يهتمون بأنابيب المياه أكثر من اهتمامهم بالشعر، فجهزوا القصر بنظام لصرف مائه وفضلاته أرقى من كل نظام مماثل له في التاريخ القديم. فقد كانوا يجمعون في قنوات حجرية الماء الذي يسيل على سفوح التلال أو ينزل من السماء ويسيرونه في أسطوانات مجوفة إلى حمامات ومراحيض، ثم ينقلون الفضلات في أنابيب من الصلصال المحروق مصنوعة على أحسن طراز - كل قسم منها طول قطره ست بوصات، وطوله ثلاثون بوصة، مزود بشرك لحجز الرواسب، ومنته بطرف رفيع يدخل به في القسم الذي يليه، ويرتبط به ربطاً محكماً برباط من الأسمنت. وربما كان فيها جهاز يمد القصر الملكي بالماء الساخن .

وقد زين الفنانون في كنوسس داخل القصر على سعته بأرق وسائل التزين. فجعلوا بعض الحجرات بالزهريات والتماثيل الصغيرة، وبعضها الآخر بالصور الملونة أو النقوش البارزة، وبعضها بالقوارير الحجرية أو الآنية الضخمة، وبعضها بتحف من العاج أو الخزف أو البرنز، وأقاموا حول أحد الجدران طنفاً من حجر الجير عليه ألواح ذات ثلاثة حزوز متساوية الأبعاد، وأنصاف ورود، ونقشوا حول جدار عدداً من اللوالب على سطح طلي ليمثل الرخام؛ وحول جدار ثالث نقشوا صراعاً بين رجل وثور، تجلت فيه جميع دقائق الصراع بغاية الوضوح، ونشر المصور المينوي في جميع الأبهاء والحجرات كل ما احتواه فنه المبهج من أمجاد، فصور لنا في إحدى حجرات الاستقبال سيدات في ثياب زرقاء فاجأهن وهن يثرثرن، وأبرز معارفهن، وأذرعهن الجميلة، وصدورهن، وأثداءهن الدفينة؛ وصور على جدار غيره حقولاً من الأزورد والنيلوفر وغصون الزيتون، وعلى جدار آخر سيدات في دار التمثيل، ودلافين تسبح من غير حركة في ماء البحر. وخير من هذه الرسوم الصورة الذائعة الصيت، صورة الساقي المنتصب القامة، والقوي البنية، يحمل دهاناً ثميناً في وعاء أزرق رفيع، وقد جَّملت وجهه تربيته ويد الفنان، وتدلى شعره في غديرة سميكة على كتفيه الأسمرين وتلألأت الحلي في أذنيه، وحول عنقه وذراعيه ومنطقته، وزين ثوبه الغالي بصور جميلة لبعض الأزهار. وما من شك في أن هذا الساقي ليس من الرقيق، بل هو شاب من أبناء الأشراف يفخر بما نال من رشف خدمة الملك. وجملة القول أن ليس في مقدور حضارة ما أن تتطلب أو تخلق مثل هذا الترف وهذه الزينة إلا إذا كان قد طال عهدها بالنظام، والثراء، والفراغ، وسلامة الذوق.

الفصل الرابع: سقوط كنوسس

إذا ما رجعنا إلى ما قبل هذه الحضارة الباهرة نبحث عن اصلها، وجدنا أنفسنا تتقلب بين آسيا ومصر. فالكريتيون يبدون من جهة شديدي الصلة بالشعوب الهندوربية التي تسكن آسيا الصغرى؛ ففي هذه البلاد كما في كريت تستخدم ألواح الصلصال للكتابة، وكان فيها الشاقل وحدة الموازين. وفي كاريا من أعمالها كان يعبد زيوس لبرنديوس Zeus Labrandeus أي زيوس ذو البلطة المزدوجة Labrys، وفيها كان الناس يعبدون الأعمدة والثور واليمامة، وفي فريجيا كانت سيبيل العظيمة الشبيهة كل الشبه بالأم الإلهة في كريت حتى لقد أطلق اليونان على هذه الأم اسم ريا سيبيلRhea Cybele وعدوا الأثنتين إلهة واحدة!. ومع هذا كله فإن الشواهد الدالة على أثر مصر في كريت كثيرة في كل عصر من عصور تاريخها. وقد بلغ تشابه الثقافتين في أول عهديهما حداً جعل بعض العلماء يظنون أن موجة من الهجرة قد حدثت من مصر إلى كريت أيام الاضطراب الذي وقع في عهد مينا. فالآنية الحجرية التي كشفت في مكلوس والأسلحة النحاسية الباقية من الطور الأول من العصر المينوي القديم، تشبه ما وجد من نوعها في مقابر الأسر المصرية الأولى شبهاً يثير العجب، والبلطة المزدوجة تظهر على شكل تميمة في مصر بل يظهر فيها كذلك "كاهن البلطة المزدوجة". والموازين والمكاييل الكريتية مصرية في شكلها وإن كانت آسيوية في قيمتها؛ والأساليب المستخدمة في النقش على الحجارة الكريمة، وفي فن الخزف والتصوير تتشابه في البلدين تشابهاً جعل اسينجلر يعتقد أن الحضارة الكريتية ليست إلا فرعاً من الحضارة المصرية.

ولكننا لن ننهج اسينجلر لأننا لا يجوز لنا أن نتغاضى عن فردية الأجزاء في كلتا الحضارتين، فالصفة الكريتية واضحة في حضارتها كل الوضوح مميزة أشد التمييز، ولسنا نجد في العالم القديم شيئاً آخر امتاز بالرقة في دقائق الفن وبالرشاقة المركزة في الحياة والفن. ولنسلم جدلاً بأن الثقافة الكريتية آسيوية في نشأتها العنصرية، مصرية في كثير من فنونها، غير أنها في جوهرها وفي كليتها تبقى حضارة فذة، وربما كانت تنتمي إلى خليط معقد من الحضارات شأن جميع البلاد الواقعة في شرق البحرالمتوسط، حيث ورثت كل أمة فنوناً وعقائد وأساليب متماثلة متقاربة نشأت من ثقافة تنتمي إلى العصر الحجري الحديث كانت واسعة الانتشار في تلك البلاد وقامت عليها حضارتها.

ومن هذه الحضارة المشتركة أخذت كريت في شبابها وأمدتها بقسط بعد نضجها. وبفضل حكمها ساد النظام في الجزائر المجاورة لها ودخل تجارها في كل ثغر من ثغورها، ثم استقرت مصنوعاتها وفنونها في جزائر سكلديس وعمت قبرص، ووصلت إلى كاريا وفلسطين، ثم سارت شمالاً إلى آسيا الصغرى والجزائر المجاورة لها حتى بلغت طروادة واجتازت في ناحية الغرب إيطاليا وصقلية إلى أسبانيا، وعمت بلاد اليونان حتى تساليا، وبقيت في تراث اليونان عن طريق ميسينس وتيرنز، وبذلك كانت كريت في تاريخ الحضارة الحلقة الأولى في سلسلة الحضارة الأوربية.

ولسنا نعرف أي طرق الاضمحلال الكثيرة هي الطريق التي سلكتها كريت في اضمحلالها، أو لعلها سلكت هذه الطرق الكثيرة كلها، فقد اختفى ما كانت تشتهر به من غابات السرو والأرز، وأضحى ثلثا الجزيرة اليوم صخوراً حجرية صماء لا تستطيع الاحتفاظ بمياه الأمطار الشتوية. ولعل أهلها هي أيضاً قد أسرفوا في تحديد النسل كما تسرف سائر الحضارات في عصور اضمحلالها، وتركوا الإكثار للعجزة والضعفاء. ولعل ازدياد الثروة والترف وما أعقبه من انهماك في الملذات الجسمية قد أضعف ما في السكان من حيوية، وأضعف إرادتهم في أن يعيشوا ويدافعوا عن أنفسهم، ذلك أن الأمم تولد رواقية وتموت أبيقورية. ولعل انهيار مصر بعد موت إخناتون قد أحدث اضطراباً في التجارة التي كانت قائمة بين مصر وكريت، وقلل من ثراء الملوك المينويين؛ وغير خاف أن كريت ليس فيها موارد داخلية واسعة، وأن رخاءها إنما يعتمد على التجارة وعلى الأسواق الخارجية لتصريف مصنوعاتها، ولذلك أصبحت كإنجلترا في الوقت الحاضر تعتمد اعتماداً شديد الخطورة على سيطرتها البحرية. وربما كانت الحروب الخارجية قد قضت على الكثيرين من شبانها الأقوياء، وتركت الجزيرة منقسمة مفككة لا تستطيع صد الغزاة الأجانب. وربما كانت الزلازل قد دكت قصورها، أو أن أهلها قد انتقموا لأنفسهم في ثورة عنيفة مما قاسوه من ظلم واستبداد قروناً طوالا.

ذلك ما لا نعلمه علم اليقين، وأما الذي لاشك فيه أن قصر فستوس قد دمر مرة أخرى في عام 1450، وأن قصر حاجيا تريادا قد التهمته النيران، وأن بيوت الأثرياء في توليسوس قد اختفت من الوجود. ويلوح أن كنوسس كانت في الخمسين سنة التي تلت ذلك العهد تستمتع بأعظم ما وصلت إليه من ثراء، ومن سلطان لا ينازعها فيه منازع في جميع أنحاء بحر إيجة. وفي عام 1451 التهمت النيران قصر كنوسس نفسه، فقد عثر إيفنر في كب مكان فيه على شواهد دالة على اندلاع اللهب الذي لم يقو الأهلون على حصره- من كتل خشبية وأعمدة محترقة، وأسوار مسودة، وألواح طينية قد جمدتها حرارة النار حتى استعصت على أنياب الزمان ولقد كان الدمار شاملاً، وكان اختفاء المعادن حتى من الحجرات التي غطتها الأنقاض وحمتها من النيران كاملاً، مما جعل كثيرين من العلماء يظنون أن هذا الدمار من فعل الغزاة لا من فعل الزلازل. ومهما يكن سبب هذه الكارثة فإن الجزيرة قد أخذت بها على غرة، ذلك أن بأماكن الفنانين وحوانيت الصناع شواهد كثيرة على أن أصحابها كانوا منهمكين في أعمالهم حين حل الموت بهم؛ وفي هذا الوقت عينه دكت قواعد جورنيا، وبسيراً، وزكرو، وبليكسترو.

وليس لنا أن نظن أن الحضارة الكريتية قد انمحت في يوم وليلة، فقد أعيد بناء القصور، ولكنها بنيت متواضعة، وظلت لمنتجات كريت الفنية الغلبة على الفن الإيجي جيلاً أو جيلين من الزمان. وفي منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد نجد آخر الأمر شخصية كريتية بارزة- هي شخصية الملك مينوس التي تقص الرواية اليونانية عنها كثيراً من القصص المرعبة. من ذلك قولها إن عرائس الملك قد ضايقتهن كثرة الأفاعي والعقارب في نطفته، ولكن زوجته بسفائية Pasiphae تخلصت منها بطريقة خفية عجيبة، وأفلحت في أن تلد له كثيراً من الأبناء، منهم فيدرا Phaedra )زوجة تسيوس وحبيبه هبوليتوس( وأريدني Ariadne ذات الشعر الأشقر. ولما أغضب مينوس بوسيدن Poseidon سلط هذا الإله على بسفائية هياما جنونياً بثور مقدس، وأشفق عليها ديدلوس، وبفضل صلته حملت في مينا ثور الرهيب؛ وسجن مينوس ذلك الحيوان في التيه الذي شاده ديدلوس إطاعة لأمره، ولكنه كان يسترضيه بالضحايا البشرية من حين إلى حين.

ولعل أظرف من هذه القصة قصة ديدلوس الخرافية رغم خاتمتها المخزية، لأنها تفتتح ملحمة من أعظم الملاحم وأشدها افتخاراً في التاريخ. فقد مثلته الأقاصيص اليونانية في قصة أمير أثيني حسد ابن أخيه لمهارته، فقتله في ساعة من ساعات غضبه، ونفي القاتل نفياً أبدياً من بلاد اليونان عقاباً له على قتله. فلجأ ديدلوس الطريد إلى قصر مينوس، وأدهش الملك بمهارته في اختراع الآلات وغيرها مما لا عهد له به فقر به وجعله كبير فنانيه ومهندسيه. وكان ديدلوس مثالاً حاذقاً، وقد استخدمت الأقاصيص اسمه فجعلته رمزاً على انتقال فن النحت من الأشكال الجامدة الميتة، إلى صور الأناس الأحياء. ويحدثنا القصاصون بأن التماثيل التي صنعها كانت شديدة الشبه بالأحياء، حتى لقد كانت تقف على أقدامها وتمشي إذا لم تشد إلى قواعدها. ولكن مينوس غضب على ديدلوس حين علم بما كان له من يد في عشق باسيفائية، فحبسه هو وابنه إيكاروس Icarus في تبة اللابرنث، فما كان من ديدلوس إلا أن صنع له ولابنه إيكاروس أجنحة استطاعا بها أن يقفزا من فوق الجدران ويطيرا فوق البحر المتوسط، غير أن إيكاروس لم يأبه بنصيحة أبيه فاقترب من الشمس أكثر مما ينبغي، وأذابت أشعتها الحارة ما على جناحيه من الشمع فغرق في البحر، وتلك خاتمة تزدان بها القصة وتكسبها مغزى أخلاقياً. وأصبح فؤاد ديدلوس فارغاً بعد موت ولده، فنزل في صقلية، وبعث في هذه الجزيرة حضارة عظيمة بعد أن نقل إليها ثقتفة كريت الصناعية والفنية. وأشد من هذه القصة إثارة للشجن قصة تسيوس وأدريدني. وخلاصتها أن مينوس بعد أن انتصر في حرب على أثينة الناشئة الفتية، فرض على هذه المدينة أن ترسل إليه كل تسع سنين جزية من سبع بنات وسبعة شبان، يلتهمها الميناتور، فلما حل الموعد الثالث للوفاء بهذه الجزية المذلة عمل تسيوس الوسيم على أن يكون هو من بين السبعة الشبان، ورضي أبوه الملك إيجبيوس بذلك على كره منه شديد؛ وكان نسيوس قد صمم على قتل الميناتور والقضاء بذلك على هذه التضحية المتكررة. وأشفقت أدريدني على الأمير الأثيني، وأحبته، فأعطته سيفاً مسحوراً وعلمته حيلة بسيطة هي أن يفك خيطاً مطوياً على ذراعه حين يدخل التيه. وقتل تسيوس الميناتور وسار متتبعاً الخيط حتى جاء أدريدني وأخذها معه حين هرب من كريت. فلما وصلا إلى جزيرة نكسوس Nexon تزوجها وفاء بوعده، ولكنه غدر بها فأقلع هو ورفاقه، من الجزيرة في أثناء نومها.

وبعد أدريدني ومينوس تختفي كريت من التاريخ وتظل مختفية حتى يأتي ليكرجو Lycurgus إلى الجزيرة، ولعل ذلك كان في القرن السابع قبل الميلاد. وثمة شواهد على أن الآخيين قد وصلوا إليها في أثناء غارتهم الطويلة على بلاد اليونان في القرنين الرابع عشر والثالث عشر؛ ولقد استوطنها الغزاة الدوريون في أواخر الألف السنة الثانية قبل الميلاد. ويقول كثيرون من الكريتيين وبعض اليونان إن ليكرجوس وجد فيها أمثلة يحتذيها في قوانينه، كما وجد صولون أمثلة لقوانينه هو أيضاً وإن لم تبلغ من الكثرة مبلغ ما وجده ليكرجوس. وكانت الطبقات الحاكمة في كريت بعد أن سيطر الدوريون على الجزيرة، تحيا حياة البساطة والتقشف في الظاهر إن لم تكن في الواقع، شأنها في ذلك شأن إسبارطة. وكان الشبان يربون تربية عسكرية، وكان الكبار من الرجال يأكلون مجتمعين في بهاء كبرى معدة لهذا الغرض .

وكانت البلاد يحكمها مجلس من شيوخ المدينة ويصرف أمورها عشرة مؤمرون Kosmci يشبهون الإفورين Ephor في أسبارطة والأركونين Arckons في أثينة. وليس من السهل علينا أن نحكم هل أخذت إسبارطة ذلك النظام عن كريت أو أخذته عن إسبارطة؛ وربما كان النظام في المدينتين نتيجة محتومة لظروف متشابهة- هي الحياة المزعزعة التي كانت تحياها طبقة عسكرية أرستقراطية من غير أهل البلاد بين أهلها الأفنان المعادين لها. ويلوح أن قوانين جورتيانا Gortyana المستنيرة نسبياً، والتي وجدت على جدران تلك المدينة الكريتية، قد وضعت في بداية القرن الخامس؛ وليس ببعيد أن تكون هذه القوانين، في صورة لها أقدم منها، قد أثرت في المشترعين اليونان. وكان ثاليتاس Thaleyas الكريتي يعلم الموسيقى في إسبارطة في القرن السادس قبل الميلاد، كما كان ديبونس Dipoenus وسكليس المثالان الكريتيان يعلمان فناني أرجوس Argos وشيسيون Sicyon وملاك القول أن الحضارة القديمة.