قصة الحضارة - ول ديورانت - م 1 - الخاتمة

من معرفة المصادر


 صفحة رقم : 1603   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الخاتمة -> تراثنا الشرقي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المجلد الأول: التراث الشرقي

خاتمة: تراثنا الشرقي

لقد مررنا مسرعين على نحو لم نكن نودُّه، خلال أربع آلاف عام من أعوام التاريخ، فمررنا بذلك على أغنى الحضارات التي شهدتها أكبر القارات؛ ويستحيل أن نكون قد فهمنا هذه الحضارات أو أن نكون قد وفيناها حقها العادل؛ إذ كيف يستطيع عقل واحد في حياة واحدة أن يستوعب أو يقدر تراث جنس بأسره؟ إن النظم الاجتماعية والعادات والفنون والأخلاق عند شعب من الشعوب تصور عملية الانتخاب الطبيعي الذي تقوم به تجارب لا حصر لعددها، يظل فيها ذلك الشعب يخطئ لكي يهتدي بالخطأ إلى الصواب، كما تصور حكمة الأجيال التي تعاقبت في ذلك الشعب، فتكدست تراثاً غزيراً حتى بات من العسير صياغتها في عبارات تضم أطرافها؛ فلا الفيلسوف بذكائه ولا الطالب الصغير بعقله يستطيع أن يحيط بمثل ذلك التراث إحاطة الفاهم لأسراره، دع عنك أن يحكم عليه حكماً عادلاً؛ إن أوربا وأمريكا هما طفل مدلل وحفيد أنجبتاهما آسيا، ولم يُقَدَّر لهما قط أن يتبينا غزارة الثروة التي جاءتهما قبل بداية تاريخهما القديم، لكننا إذا عمدنا الآن إلى تلخيص تلك الفنون وأساليب العيش التي استمدها الغرب من الشرق، أو التي ظهرت لأول مرة في الشرق- حسب ما يدلنا علمنا المحدود المتداول- فسنجد أننا نرسم بذلك التلخيص- عن غير قصد منا- رسماً تخطيطياً لسير المدنية.

إن أول عوامل المدنية هو العمل- الزراعة والصناعة والنقل والتجارة؛ ونحن نصادف في مصر وآسيا أقدم ما نعلمه من حضارة زراعية ، إذ نصادف أقدم نظم الري؛ كما نصادف أول إنتاج لتلك المشروبات المنبهة التي لا نظن أن الحضارة الحديثة كان يمكن أن تقوم بغيرها- وهي الجعة والنبيذ والشاي؛ لقد تقدمت الصناعات اليدوية والأعمال الهندسية في مصر قبل عهد موسى، تقدمها في أوربا قبل فولتير؛ والبناء بالقراميد يرجع تاريخه إلى عهد سرجون الأول على أقل تقدير؛ وأول ظهور عجلة الخزَّاف وعجلة العربة كان في "عيلام"، وأول ظهور التيل والزجاج كان في مصر، وأول ظهور الحرير والبارود كان في الصين؛ وخرج الحصان من آسيا الوسطى إلى ما بين النهرين ومصر وأوربا؛ وأبحرت السفن الفينيقية حول أفريقيا قبل عصر بركليز، وجاءت "البوصلة" من الصين فأحدثت في أوربا ثورة تجارية؛ وكانت سومر أول من ترك لنا عقوداً تجارية؛ وأول نظام للقروض وأول استعمال للذهب والفضة معيارين للقيمة؛ والصين هي أول من قام بمعجزة قبول الورق مكان الفضة والذهب.

وثاني عناصر المدنية هو الحكومة- أعني تنظيم الحياة والمجتمع ووقايتهما بفضل القبيلة والأسرة والقانون والدولة؛ ففي الهند تظهر الجماعة القروية، كما تظهر "دولة المدينة" في سومر وأشور؛ ومصر قد أحصت سكانها وفرضت ضريبة على الدخل وحافظت على الأمن الداخلي مدى قرون طويلة دون أن تستخدم من وسائل العنف إلا حدها الأدنى؛ وهاهمـا "أور- إنجور" و "حمورابي" قـد سنَّا تشريعين عظيمين مـن تشريعات القانون؛ و "دارا" قد نظم بجيشه الإمبراطوري ورُسُله إمبراطوريةً من خير ما شهد تاريخ الحكومات في حسن الإدارة.

وثالث عناصر المدنية هو الأخلاق- العادات وآداب السلوك، والضمير والإحسان؛ فالأخلاق قانون ينشأ في باطن النفس، ويولِّد فيها آخر الأمر تمييزاً بين الصواب والخطأ، وينظم ما يجيش في الإنسان من شهوات فيخضعها للطريق السوي؛ وبغير ذلك القانون تنحل الجماعة أفراداً وتسقط فريسة لدولة أخرى يكون فيها التماسك الاجتماعي؛ ومن القصور الملكية القديمة في مصر وما بين النهرين وفارس، عرف العالم آداب المعاملة الرقيقة؛ بل إن الشرق الأقصى ليمكنه اليوم أن يعلم آداب المعاملة وكرامة النفس للغرب الغليظ القلق؛ وظهر في مصر نظام الزواج بزوجة واحدة للزوج الواحد، وهناك أخذ ذلك النظام يكافح ليثبت أقدامه ويديم بقاءه إزاء المنافسة التي لاقاها من نظام تعدد الزوجات للزوج أو الأزواج للزوجة الذي ظهر في آسيا، وهو نظام ظالم لكنه عامل على تحسين النوع البشري؛ وكذلك كانت مصر أول دولة بعثت صرختها مطالبة بإقامة العدل الاجتماعي؛ كما كانت الدولة اليهودية أول من دعا الناس إلى الإخاء البشري، وأول من صاغ للإنسانية قانون الأخلاق الذي يشعر الإنسان بنسبته لأسرة البشرية جمعاء.

ورابع عناصر المدنية هو الدين- أي الانتفاع بعقائد الإنسان في القوى الخارقة للطبيعة للتخفيف من الآلام والسمو بالشخصية الإنسانية وتقوية الغرائز الاجتماعية والنظام الاجتماعي؛ فقد استمدت أوربا أعز أساطيرها وتقاليدها من سومر وبابل والدولة اليهودية؛ وفي تربة الشرق نبتت قصص الخلْق والطوفان وسقوط الإنسان وخلاصه؛ ومن آلهات أمهات كثيرات جاءتنا في النهاية "أجمل زهرة من زهرات الشعر" وأعني بها مارية أم الله- كما وصفها هيني- ومن فلسطين برزت الوحدانية وانبعثت أرق أغاني الحب والثناء في الأدب، كما خرج منها أقوى وأعزل وأفقر شخصية شهدها التاريخ.

وخامس عناصر المدنية هو العلم- وهو النظر الصافي والتسجيل الصادق والاختبار المحايد وجمع المعرفة شيئاً فشيئاً، بحيث تكون من الصدق الموضوعي بما يمكننا من التنبؤ بمجرى الطبيعة في المستقبل وضبطه؛ فنرى مصر قد طوَّرت الحساب والهندسة وأنشأت التقويم؛ كما نرى الكهنة المصريين قد مارسوا الطب وكشفوا عن الأمراض وقاموا بشتى صنوف العمليات الجراحية وسبقوا أبقراط في إخلاصه لفنه؛ ودرست بابل النجوم ورسمت مواضع البروج وقسمت لنا الشهر أربعة أسابيع وآلة قياس الزمن اثنتي عشرة ساعة والساعة ستين دقيقة والدقيقة ستين ثانية؛ وعلمتنا الهند بواسطة العرب أعدادها البسيطة وكسورها العشرية السحرية كما علَّمت أوربا دقائق التنويم المغناطيسي وفن التطعيم.

وسادس عناصر المدنية هو الفلسفة- وهي محاولة الإنسان أن يفهم شيئاً عن الوجود في مجموعه، ولو أن الإنسان حين يأخذه التواضع حيناً بعد حين يتبين الحقيقة، وهي أن فهم الوجود في مجموعه مستحيل إلا على اللانهاية؛ هي بحث جريء يائس عن العلل الأولى للأشياء ومغزاها النهائي، وعن معنى الحق والجمال والفضيلة والعدالة والإنسان الأمثل والدولة المثلى؛ وهذا كله يظهر في الشرق قبل ظهوره في أوربا بقليل: فنرى المصريين والبابليين يتأملون طبيعة الإنسان وقضائه المرسوم، واليهود يكتبون تعليقات خالدة عن الحياة والموت، بينما كانت أوربا تتخبط في طور الهمجية؛ كذلك نرى الهنود يتناولون المنطق ونظرية المعرفة في نفس الوقت الذي عاش فيه بارمنيدس وزينون الأيلي على أقل تقدير، وكتب الـ "يوبانشاد" تخوض في الميتافيزيقيا، وبوذا يذيع علم نفس يشبه ما جاء في علم النفس الحديث القريب العهد، مع أنه عاش قبل أن يولد سقراط ببضعة قرون؛ وإذا كانت الهند قد أغرقت الفلسفة في الدين، ولم توفق إلى استخلاص التفكير السليم من أوهام الأمل، فإن الصين قد صممت جادة أن تجعل تفكيرها دنيوياً، وأنجبت- قبل أن يولد سقراط أيضاً- مفكراُ كانت له حكمة رزينة لا تكاد تغير منها شيئاً إذا أرادت أن تجعلها هادية للناس في عصرنا هذا، ومصدر وحي لأولئك الذين يودون مخلصين أن يسوسوا الدول سياسة شريفة.

وسابع عناصر المدنية هو الأدب- وهو نقل اللغة على تتابع الأجيال، وتربية النشء وترقية الكتابة وإبداع الشعر والمسرحية والحافز على القصة وتدوين ذكريات الماضي؛ وأقدم ما نعرف من مدارس هو ما كان منها في مصر وبلاد النهرين، بل إن أقدم المدارس الحكومية كانت مصرية كذلك؛ والأرجح أن تكون الكتابة قد جاءتنا من آسيا، كما جاءت أحرف الهجاء والورق والمداد من مصر، ثم جاءت الطباعة في الصين؛ ويظهر أن البابليين قد جمعوا أقدم مجموعة من قواعد النحو وقواميس الألفاظ وأول ما جمع من مكتبات؛ والاحتمال قوي في أن تكون جامعات الهند قد سبقت أكاديمية أفلاطون، وصقل الآشوريون أنباء الأساطير فجعلوا منها تاريخاً، ثم نفخ المصريون في التاريخ فجعلوه ملحمة؛ وقدم الشرق الأقصى إلى العالم تلك الصور الرقيقة من الشعر التي تركز كل روعتها في نظرات صادقة لطيفة يصوغونها في صور خيالية ترتسم في أذهانهم لساعتها؛ وكان "نابونيدوس" و "أشور بانيبال" من رجال البحث الأثري- وهما اللذان استكشف الباحثون الأثريون آثارهما؛ وترجع طائفة من الحكايات القديمة الخرافية التي تمتع أطفالنا إلى الهند القديمة.

وثامن عناصر المدنية هو الفن- وهو تجميل الحياة بالألوان والأنغام والصور التي تشرح الصدور؛ والفن في أبسط ظواهره يكون في تجميل البدن، فنرى ثياباً رشيقة ومجوهرات فاخرة ودهوناً للزينة الداعرة، نجد كل ذلك في العصور الأولى من حضارة المصريين والسومريين والهنود؛ وإن المقابر المصرية لتملؤها قطع الأثاث الجميلة والخزف الرشيق والنحت الرائع في العاج والخشب؛ ولا شك في أن اليونان قد تعلموا شيئاً من مهارتهم في النحت والعمارة والتصوير والنقش البارز، لا من آسيا وإقريطش فحسب، بل كذلك من الآيات الروائع التي كانت لم تزل في أيامهم تسطع على مرآة النيل، فمن مصر وبلاد النهرين أخذت اليونان نماذج عمدها الدورية والأيونية؛ ومن تلك البلاد نفسها جاءنا إلى جانب العمد "البواكي" والدهاليز والقباب؛ وساهمت أبراجُ الشرق الأدنى القديم بنصيب في تشكيل العمارة الأمريكية اليوم؛ وكان للتصوير الصيني والرسوم الحفرية اليابانية أثرهما في تغيير بعض قواعد الفن في أوربا في القرن التاسع عشر، وكذلك وضع "البورسلان" الصيني أمام أعين الأوربيين نموذجاً جديداً للكمال تحتذيه، والجلال الحزين الذي تسمعه في الأغنية الجريجورية، يرجع عصراً بعد عصر حتى يبلغ أصله الأول في الأغاني الباكية التي كان ينشدها اليهود المشردون إذ هم يجتمعون خاشعين في معابدهم المتناثرة هنا وهناك.

تلك هي بعض عناصر المدنية؛ وجزء من التراث الذي خلفه الشرق للغرب. ومع ذلك كله فقد وجد العالم القديم (من التاريخ الأوربي) مجال الإضافة إلى هذا التراث الفني فسيحاً، فستبنى إقريطش حضارة تكاد تبلغ في قِدَمِها مبلغ الحضارة المصرية، وستكون حلقة اتصال تربط بين ثقافات آسيا وأفريقيا واليونان؛ وسترقى اليونان بالفن بحيث لا تنشد الحجم بل الكمال، وستزاوج بين رقة الأنوثة التي تتمثل في الصورة النهائية والصقل الختامي للقطعة الفنية وبين قوة الذكورة التي تتمثل في عمارة مصر وتماثيلها، فتمهد السبيل بذلك إلى جو يظهر فيه أعظم عصر شهده تاريخ الفن؛ وستُدخل في نواحي الأدب كلها تلك الخصوبة المبدعة التي يتصف بها العقل الحر، فتضيف ملاحم ملتوية الشعاب ومآسي عميقة الأغوار، وملاهي ضاحكة وتواريخ تأخذ بالخيال، ستضيف كل ذلك إلى ذخيرة الآداب الأوربية، وستنظم الجامعات وتقيم حرية الفكر الدنيوي فترة ناصعة تتخلل فترات يضطهد فيها الفكر المستقل؛ وستفوق كل سوابقها في الرقي بالرياضة والفلك وعلم الطبيعة التي خلفتها لها مصر والشرق؛ وستبتكر علوم الحياة ابتكاراً، وتنشئ نظر الإنسان إلى الكون نظرة طبيعية، وستأخذ بيد الفلسفة حتى تصل بها إلى مرحلة الوعي والنظام، وستبحث بحثاً عقلياً خالصاً في كل مشكلات حياتنا؛ ستحرر الطبقات المتعلمة من سلطان رجال الدين ومن الخرافة، وتحاول إقامة الأخلاق على أساس لا يعتمد في شيء على معونة ما فوق الطبيعة؛ وستنظر إلى الإنسان باعتباره مواطناً لا باعتباره "رعية"، وتهبه حريته السياسية وحقوقه المدنية، وتطلق له من الحرية العقلية والخلقية ما لم يسبق له نظير، ستخلق الديمقراطية خلقاً وتنشئ الفرد إنشاء؛ وستستأنف روما السير في هذه الثقافة فتنشرها في أرجاء الدول القائمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتحميها مدى خمسمائة عام من هجمات البرابرة، ثم تنقلها خلال الأدب الروماني واللغات اللاتينية إلى أوربا الحديثة؛ وسترفع المرأة إلى مراكز القوة والمجد والتحرير العقلي، التي ربما لم تكن قد ظفرت بها من قبل؛ وتقدم إلى أوربا تقويماً جديداً وتعلمها مبادئ النظام السياسي والأمن الاجتماعي، وتقيم حقوق الفرد على أساس ثابت من القوانين التي عملت على تماسك القارة الأوربية خلال قرون من الفقر والفوضى والخرافة. وفي الوقت نفسه سيعود الشرق الأدنى ومصر إلى الازدهار مرة أخرى بحافز من التجارة والفكر اليونانيين والرومانيين، وستحيى قرطاجنة كل ما كان لصيدا وصور من ثروة ورفاهية؛ وسيجتمع "التلمود" في أيدي يهود مشتتين لكنهم ذوو ولاء؛ وسيزدهر العلم والفلسفة في الإسكندرية، وسيتولد من امتزاج الثقافتين الأوربية والشرقية دين أريد به أن يمحو الحضارة اليونانية والرومانية إلى حد ما، وأن يُبقي عليها ويضيف إليها إلى حد ما؛ إن كل العوامل كانت مهيأة لتنتج الفترات التي كانت بمثابة الذُّرى للعصور القديمة (الأوربية)، وهي أثينا في عهد بركليز، وروما في عهد أوغسطس، وأورشليم في عصر "هيرود"؛ وكان المسرح معَداً لمسرحية مثلثة الجوانب، قوامها أفلاطون وقيصر والمسيح.


كلمة عن المؤلف

ولد "وِل ديورَانْت" في "نورث آدمز" من أعمال "ماساشوست" سنة 1885؛ وتلقى تعليمه في مدارس "نورث آدمز" هذه ومدارس "كيرني" من أعمال "نيوجيرسي"، وهي مدارس تتبع الكنيسة الكاثوليكية في ذينك الإقليمين؛ وتلقاه كذلك في كلية القديس بطرس (اليسوعية) في مدينة جيرسي وفي جامعة كولمبيا بنيويورك؛ ولبث صيفاً يشتغل مراسلاً ناشئاً "لجريدة نيويورك" وكان ذلك عام 1907؛ لكنه وجد هذا العمل شديد الوطأة على نفسه فلم يحتمل المضي فيه، فاكتفى بتدريس اللاتينية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من المواد في كلية "ستين هول" في سوث أورانج من أعمال نيوجيرسي (1907-11)، وهناك التحق بإحدى حلقات الدرس سنة 1909، لكنه عاد فتركها سنة 1911 لأسباب ذكرها في كتابه "مرحلة التحول"، وانتقل من تلك الحلقة الدراسية إلى الدوائر المتطرفة في نيويورك، وهناك اشتغل بالتدريس في "مدرسة فرر" (1911-13)، فكانت تلك الفترة بمثابة التجربة في التربية الحرة؛ وفي سنة 1912 طاف بأرجاء أوربا على نفقة "أولدن فريمان"، الذي صادقه وتعهد أن يوسع من آفاقه؛ وفي سنة 1913 ركز اهتمامه في الدراسة ليحصل على الدرجة الجامعية من جامعة كولمبيا، وتخصص في علم الحياة متتلمذاً على "مررجَنْ" و "كالْكِنْز"؛ وفي الفلسفة متتلمذاً على "وودبردج" و ديوي"؛ ونال درجة الدكتوراه من تلك الجامعة سنة 1917، وأخذ يعلم الفلسفة في جامعة كولمبيا عاماً واحداً؛ ثم بدأ يلقي في سنة 1914- في الكنيسة المسيحية الكائنة في شارع أربعة عشر وفي الطريق الثاني بنيويورك- بدأ يلقي هناك تلك المحاضرات في الفلسفة والأدب التي أعدته لإخراج كتابيه "قصة الفلسفة" و "قصة الحضارة"؛ فقد كان معظم المستمعين إليه في تلك المحاضرات من العمال والعاملات الذين كانوا يتطلبون وضوحاً تاماً وعلاقة تربط ما يقال بالحوادث الجارية، كانوا يتطلبون ذلك في كل المواد التاريخية التي تعتبر جديرة بالدرس؛ وفي سنة 1921 نظم "مدرسة ليِبَرْ تمبل" التي أصبحت تجربة من أنجح التجارب التي أجريت في تربية الكبار في العصر الحديث؛ ثم تركها سنة 1927 ليكرس نفسه لكتاب "قصة الحضارة" وطاف بأوربا مرة أخرى سنة 1927، وطوف بالعالم سنة 1930 ليدرس مصر والشرق الأدنى والهند والصين واليابان؛ وعاد فطوف بالعالم من جديد سنة 1932 ليزور اليابان ومنشوريا وسيبريا وروسيا؛ وهو يرجو لنفسه في الخمسة الأعوام المقبلة (التي تلت إخراج هذا الجزء من قصة الحضارة) أن ينفق عاماً في اليونان وإيطاليا ليأخذ أهبته للجزء الثاني من "قصة الحضارة".