قصة الحضارة - ول ديورانت - م 1 ك 3 ج 30

صفحة رقم : 1493


قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> اللغة والتعليم


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الثلاثون: الفكر والفن في اليابان القديمة

الفصل الأول: اللغة والتعليم

اللغة - الكتابة - التعليم


كان اليابانيون قد استعاروا طرائق الكتابة وأساليب التعليم من أولئك الصينيين الذين جعلوا يتهمونهم بالهمجية كما رأيت؛ لكن اللغة كانت يابانية خالصة، وأرجح الظن أنها كانت لغة منغولية قريبة الشبه باللغة الكورية، لكنها لم تكن مشتقة من اللغة الكورية أو غيرها مما نعرف من لغات، اشتقاقاً يقوم على صحته البرهان القاطع، واللغة اليابانية تختلف عن اللغة الصينية بنوع خاص في كثرة مقاطعها واتصال أجزائها رغم بساطتها؛ فليس فيها أحرف حلقية ولا أحرف تخرج مع هواء التنفس ولا سواكن في أواخر الكلمات (ما عدا حرف ن) وتكاد كل حروف المد فيها أن تكون منغَّمة طويلة، ونحوها كذلك طبيعي وسهل، فقد استغنت في الأسماء عن التمييز العددي بين المفرد والجمع، كما استغنت عن التمييز الجنسي بين المذكر والمؤنث؛ كذلك استغنت في الصفات عن درجات التفضيل، وفي الأمثال استغنت عن التصاريف التي تدل على ضمير من قام بالفعل؛ وضمائر المتكلم والمخاطب والغائب فيها قليلة العدد، وليس فيها أسماء للوصل على الإطلاق؛ لكنها من جهة أخرى تحتوي على تصاريف تتغير بها الصفات والأفعال تبعاً للنفي ولصيغة الفعل في حالة الأمر مثلاً أو غيره، وهم يستعملون بدل أحرف الجر التي تسبق الكلمات المجرورة، أحرفاً تأتي بعد الكلمات لتحدد المقطع الأخير من الكلمة وفي ذلك ما فيه من مشقة وعناء، وحلت عندهم عبارات تكريمية معقدة، مثل "خادمك المطيع" و "سعادتكم" محل ضمائر المتكلم والمخاطب.

وقد استغنت اللغة- فيما يظهر- حتى عن الكتابة، إلى أن جاءها الكوريون والصينيون بهذا الفن في القرون الأولى بعد ميلاد المسيح، ومنذ ذلك الحين، اكتفى اليابانيون مدى مئات من السنين بطريقة الكتابة التي شاعت في "المملكة الوسطى" ليبعدوا بها عن كلامهم الذي يشبه في جماله لغة الإيطاليين؛ ولما كان حتماً عليهم أن يستخدموا حرفاً كاملاً من حروف الخط الصيني ليدل على كل مقطع من كل كلمة يابانية، فقد أصبحت الكتابة اليابانية في عصر "نارا" أعسر ضروب الكتابة التي عرفها الإنسان تقريباً؛ ثم حدث في القرن التاسع أن سن قانون يعمل على الاقتصاد في هذا الاتجاه، بأن يحدد كثيراً من الإشكالات اللغوية، فأراح هذا القانون أهل اليابان بما قدمه إليهم من صور الكتابة المبسطة، إذ قدم إليهم صورتين كل منهما يستعمل حرفاً صينياً- بعد اختصاره في صورة خطية منحنية- ليمثل مقطعاً من المقاطع السبعة والأربعين التي منها يتألف الكلام المنطوق عند اليابانيين؛ وهذه الأشكال التي تمثل السبعة والأربعين مقطعاً، حلت عندهم محل أحرف الهجاء ، ولما كان شطر كبير من الأدب الياباني مكتوباً بالصينية، ومعظم بقيته ليس مكتوباً بالكتابة المقطعية الشائعة، بل هو مزيج من الأحرف الصينية وأحرف الهجاء اليابانية، كان من المتعذر إلا على القليلين من العلماء الغربيين أن يتمكنوا من الأدب الياباني في أصوله؛ فنتج عن ذلك أن أصبح علمنا بالأدب الياباني لا يتجاوز قطعاً متناثرة من هنا وهناك، ولذا فهو علم يخدعنا عن الأصل، ويستحيل أن يكون حكمنا على ذلك الأدب ذا قيمة كبيرة، ولما وجد اليسوعيون أن حوائل اللغة تقف في وجوههم سدوداً منيعة، قرروا أن لغة تلك الجزر قد صاغها الشيطان ليمنع نشر تعاليم الكتاب المقدس (الإنجيل) في بلاد اليابان .

لبثت الكتابة أمداً طويلاً بمثابة الترف يستمتع به أبناء الطبقات الرفيعة، ولم يبذل أي مجهود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر في سبيل نشرها بين طبقات الشعب؛ ففي عصر "كيوتو" أقام الأغنياء مدارس لأبنائهم، كما أنشأ الإمبراطوران "تنشي" و "مومو" في بداية القرن الثامن في كيوتو، أول جامعة يابانية؛ ثم نشأت مجموعة من المدارس الإقليمية شيئاً فشيئاً، تحت رقابة الحكومة، كان من حق متخرجيها أن يلتحقوا بالجامعة، ثم كان من حق من تخرج في الجامعة بعد اجتياز الامتحان المطلوب، أن يشغل مناصب الدولة؛ لكن جاءت الحرب الأهلية في الشطر الأول من العهد الإقطاعي، فأوقفت هذا التقدم في ميدان التعليم؛ وأهملت اليابان فنون العقل حتى أسعفتها الحكومة العسكرية التي قامت عليها أسرة "توكوجاوا" بأن أعادت السلام وشجعت العلم والأدب؛ وقد عدها "أيياسو" سبة فظيعة أن يجد تسعين في كل مائة من طائفة "السيافين" لا يعرفون القراءة أو الكتابة(5)، وفي سنة 1630 أنشأ "هياشي رازان" في "ييدو" مدرسة تخرج المعلمين في إدارة البلاد وفي الفلسفة الكونفوشيوسية، ولقد تطورت هذه المدرسة فيما بعد وأصبحت هي جامعة طوكيو؛ وكذلك أسس "كومازاوا" سنة 1666 في "شيزوتاني" أول كلية في الأقاليم، وأجازت الحكومة للمعلمين أن يلبسوا السيوف، فينافسوا طائفة "السيافين" في منزلتهم الاجتماعية، وبهذا شجعت طلاب العلم والباحثين والكهنة أن يقيموا مدارس خاصة في المنازل والمعابد لتعلم الناس تعليماً أولياً؛ وبلغ هذا الضرب من المدارس ثمانمائة سنة 1750، يتعلم فيها ما يقرب من أربعين ألفاً من الطلاب، وكانت كل هذه المعاهد من أجل أبناء "السيافين" أما التجار والفلاحون، فكان لا بد لهم أن يقنعوا بمحاضرات عامة، ولم يكن يتعلم من النساء على نحو منظم إلا الفتيات، ولم يتسع التعليم بحيث يشمل الجميع إلا حين مست الضرورة ودعت الحاجة بتأثير الحياة الصناعية(6) وهي في ذلك شبيهة بأوربا.


الفصل الثاني: الشعر

الـ "مانيوشو" - الـ "كوكنشو" - مميزات الشعر الياباني - أمثلة - لعبة الشعر - مقامر الـ "هوكا"


أقدم ما وصل إلينا من الأدب الياباني هو الشعر، وأقدم الشعر الياباني هو خير شعر اليابان إطلاقاً في رأي أصحاب العلم من أهل اليابان أنفسهم؛ ومن أقدم وأشهر الكتب اليابانية، كتاب الـ "مانيوشو" ومعناها "كتاب العشرة آلاف ورقة" وهو عشرون مجلداً، جمع فيها ناشران للكتاب أربعة آلاف وخمسمائة قصيدة، نظمها الشعراء خلال الأربعة القرون السالفة، وفيها تجد على الأخص شعر "هيتومارو" وشعر "أكاهيتو"، وهما الشاعران الرئيسيان اللذان ازدهر فيها الشعر في عصر "نارا"، ومن شعر "هيتومارو" هذه الأسطر الموجزة التالية التي كتبها يرثي بها حبيبته حين ماتت وتصاعد الدخان من جثمانها المحترق إلى شعاب التلال:


أواه؟ أهذه السحابة هي حبيبتي؟


هذه السحابة التي تجوب في الوهد العميق

الذي يتخلل جبل هاتسوزو المنعزل؟

ولقد حاول الإمبراطور "دايجو" محاولة أخرى ليحفظ الشعر الياباني من أيدي الفناء، فجمع ألفاً ومائة قصيدة نُظمت خلال القرن والنصف قرن الماضيين؛ فجمعها في ديوان مشترك أطلق عليه اسم "كوكنشو"، ومعناها "قصائد قديمة وحديثة"، وكان مساعده الأيمن في هذا العمل "تسورايوكي" الشاعر الظالم الذي كتب مقدمة للديوان، هي لنا أمتع من المقطوعات التي جاء لنا بها ربة الشعر عندهم، التي توجز القول إيجازاً- قال في تلك المقدمة:

"الشعر في اليابان كالبذرة، تنبت من قلب الإنسان فتورق من اللغة أوراقاً لا حصر لعددها.... ففي هذا العالم المليء بالأشياء، ترى الإنسان مجاهداً في سبيل ألفاظ يعبر بها عن الانطباع الذي تركته المرئيات والمسموعات في قلبه... وهكذا حدث لقلب الإنسان أن وجد التعبير المنشود في ألفاظ تمتعه، وجدها في جمال الزهر، وفي إعجابه بتغريد الطير، وفي حسن استقباله للضباب الذي يغسل بِنَدَاه سهول الأرض، كما وجدها في حزنه الذي شاطر به العطف على ندى الصباح السريع الزوال... لقد اهتز الشعراء إلى قرض الشعر كلما رأوا البطاح بيضاء برذاذ الثلج الذي يتناثر من زهرات الكريز الساقطة في أصباح الربيع، أو سمعوا في أمسيات الخريف حفيف الأوراق وهي تتساقط أو كلما رأوا مشاهد الأيام المؤلمة البشعة تنعكس أمام أعينهم على مرآة الحوادث عاماً بعد عام... أو كلما أخذتهم الرعدة حينما رأوا قطرة الندى الزائلة ترتعش على الكلأ المزدان بلآلئه"(8).

لقد أجاد "تسورايوكي" التعبير عن الموضوع الذي لم يفتأ الشعر الياباني يتناوله- وهو ما تبديه الطبيعة من أوجه وحالات، ومن ازدهار وذبول الطبيعةُ في تلك الجزر، التي جعلتها البراكين مشهداً للروائع، وجعلها المطر الغزير دائمة الإيناع، وإن الشعراء في اليابان ليمرحون فيما لم تلكه الألسن من جوانب الحقول والغابات والبحر- فصغار السمك تنثر الرذاذ وهي تتقلب في مجاري الجبال، والضفادع تقفز فجأة من البرك الساخنة، والشطئان تخلو من المد والجزر، والتلال تقطعها كِسَف الضباب الذي سكن بلا حراك، وقطرة المطر تأوي كأنها الجواهر المكنونة في ثنية نجم من أنجم الكلأ؛ وكثيراً ما يمزج شعراء اليابان في شعرهم بين أغاني الحب وأشعار عبادتهم للطبيعة النامية، أو تراهم يرثون رثاء مراً لما يرونه في الازدهار والحب والحياة من قصر الأمد، والعجيب أن هذه الأمة التي تموج بالمقاتلين، قلما تتغنى في شعرها بالقتال، بل تراهم لا يثنون الحماسة في القلوب إلا بترانيم يترنمون بها حيناً بعد حين، وكانت الكثرة الغالبة من القصائد قصيرة بعد عهد "نارا"، فهذه مجموعة "كوكنشو" التي تحتوي ألفاً ومائة قصيدة، لا تجد إلا خمساً منها فقط صيغت في صورة الـ "تانكا"- وهي صورة تكون فيها القصيدة مؤلفة من خمسة أبيات، أولها من خمسة مقاطع وثانيها من سبعة، وثالثها من خمسة، ورابعها من سبعة، وخامسها من سبعة، كذلك وليس في هذه القصائد قافية، ذلك لأن ألفاظ اللغة اليابانية كلها تقريباً تنتهي بحرف مد، فلا تترك مجال الاختيار أمام الشاعر من الاتساع بحيث ينتفي مختلف القواف، وكذلك ليس في شعرهم تفعيلات ولا نغم ولا مقدار معين من الكلمات في البيت الواحد، لكنك تجد فيه كثيراً من ألاعيب اللغة، فتراهم مثلاً يضيفون مقاطع في أوائل الكلمات لا يكون لها معنى سوى ما تضيفه إلى الكلام من تنغيم، ويستهلون قصائدهم بأبيات تعمل على تكملة الصورة أكثر مما تؤدي إلى تمام الفكرة، ويربطون العبارات بألفاظ تحمل معنيين على نحو يثير في القارئ الدهشة والانتباه، ولقد خلع الزمن ثوباً من الجلال على أمثال هذه الألاعيب اللفظية عند اليابانيين، كما هي الحال في توافق اللفظ والمعنى وفي القافية عند الإنجليز، وأشعارهم محببة لدى طبقات الشعب، ومع ذلك فلا يؤدي ذلك بالشاعر إلى السوقية في شعره، بل الأمر على نقيض ذلك، إذ تميل هذه القصائد الكلاسيكية إلى الأرستقراطية في فكرها ولفظها، فلأنها ولدت في جو تشيع فيه أبهة القصور، تراها مصوغة صياغة روعي فيها الإحكام على نحو يكاد يجعل منها تعبيراً عن الأنفة والكبرياء، وهذه القصائد تنشد كمال اللفظ والصياغة أكثر مما تبحث عن جدة المعنى، وهي تكسب العاطفة أكثر مما تعبر عنها، وهي في كبريائها أرفع من أن تطنب القول وتطيل، فلن تجد أرباب القلم في أي بلد من بلاد الأرض سوى اليابان، لهم ما لأدباء اليابان من تحفظ في القول يعترفون به اعترافاً صريحاً، فكأنما أراد شعراء اليابان أن يكفروا بتواضعهم في القول عما زل فيه مؤرخوها من تهويل في الفخر بأنفسهم، فيقول اليابانيون إنك إذا كتبت ثلاث صفحات عن الرياح الغربية، زللت في ثرثرة السوقة، فالفنان الأصيل لا ينبغي له أن يفكر للقارئ، بل واجبه أن يغريه حتى يستثير فيه نشاط التفكير لنفسه، فلا بد للفنان أن يبحث وأن يجد صورة حسية جديدة تثير في القارئ كل الأفكار وكل المشاعر التي يصر الشعر الغربي على بسطها في تفصيلاتها؛ فكل قصيدة عند الياباني لا بد أن تكون سجلاً هادئاً لوحي اللحظة التي كتبت فيها.

وعلى ذلك فإننا نضل سواء السبيل لو أننا بحثنا في هذه الدواوين، أو في مجموعة المختارات التي تسمى "هيا كونن إشيو"، ومعناها "أشعار متفرقة لمائة شاعر"، والتي هي شبيهة بالديوان الذي يجمع مختارات من الشعر الإنجليزي ويطلق عليه "الكنز الذهبي"- أقول إننا نضل سواء السبيل لو أننا بحثنا في هذه المجموعات عن قصيدة فيها حماسة أو عن ملحمة فيها حروب، أو عن مطولات غنائية، فهؤلاء الشعراء إنما أرادوا أن يخلدوا أنفسهم بسطر واحد يقوله الواحد منهم، فهاهو ذا "سايجيوهوشي" قد فقد أعز أصدقائه، وانقلب راهباً ووجد في أضرحة "إيسي" ما كانت تنشده نفسه المتصوفة من عزاء، فراح يقرض الشعر في عزيزه الفقيد، لكنه لم يكتب قصيدة مثل "أدونيس" أو حتى "ليسيداس" (وهما قصيدتان من الشعر الإنجليزي) بل اكتفى بهذه الأسطر البسيطة:


ما هذا الذي



يسكن هاهنا



لست أدري



لكن قلبي مليء بنشوة الرضى



والدموع تنهمر من عيني (9)




 صفحة رقم : 1501   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الشعر


ولما فقدت "السيدة كاجا نوشيو" زوجها لم تكتب فيه سوى هذه السطور:


إن كل ما يبدو من أشياء



ليست سوى



حلم يطوف بحالم



إني لأنام.... وإني لأستيقظ....



فما أفسح السرير بغير زوج في جواري


وبعدئذ فقدت ابنها، فأضافت إلى القصيدة بيتين آخرين:


كم طاف اليوم



هذا الباسل الذي يقتنص اليعاسيب


وبات نظم المقطوعات الشعرية (ويسمونها تانكات) لعبة أرستقراطية شاعت في الدوائر الإمبراطورية في "نارا" و "كيوتو" حتى ليستطيع الناظم أن يشتري عفة المرأة بواحد وثلاثين مقطعاً من الشعر يجيد صياغتها، كما كانت عفة المرأة تباع في الهند القديمة بفيل(12)؛ وكان من المألوف أن يحيي الإمبراطور ضيوفه بكلمات يعطيها لهم مما يصلح لصياغة الشعر(13)، ونرى في أدب ذلك العصر إشارات ترد هنا وهناك، تدل على أن جماعة من الناس يتطارحون الشعر أو ينشدونه وهم سائرون في الطريق(14)، وكان الإمبراطور- في أوج العصر الهيوي- ينظم مباريات في الشعر يشترك فيها ما يقرب من ألف وخمسمائة شاعر يتنافسون أمام محكمين من العلماء، ليحكموا أيهم أفحل في صياغة الموجزات الشعرية، بل أنشئ في سنة 951 مكتب خاص للشعر، يشرف على تنظيم هذه المباريات، والقصائد الرابحة في كل مباراة تحفظ في دار المحفوظات. وجاء القرن السادس عشر، فأحس الشعر الياباني عندئذ أنه يسرف في طول القصائد، وصمم على تقصير "التانْكاتْ"- وكانت "التانكا"



 صفحة رقم : 1502   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الشعر


في الأصل تكملة يضيفها شخص إلى قصيدة بدأها شخص آخر- فأصبحت بعد التقصير ما يسمونه "هوكو"، أي "العبارة الواحدة" تتألف من ثلاثة أسطر تتكون أولها من خمسة مقاطع، وثانيها من سبعة، وثالثها من خمسة، أي أن مجموعة المقاطع تكون سبعة عشر مقطعاً، وكان نظم القصائد من نوع "الهوكو" هو البدْع الشائع في عصر "جنروكو" (1688-1704)، ثم بات البدْع عندهم شغفاً بلغ حد الهوس، ذلك لأن الشعب الياباني شبيه بالشعب الأمريكي في شدة حساسيته العاطفية العقلية التي تسبب سرعة التقلب في الأنماط الفكرية، وكنت ترى الرجال والنساء، والتجار والجند، والصناع والفلاحين، يهملون شؤون الحياة اليومية ليشتغلوا بصياغة شعرية موجزة من نوع "الهوكو" يصوغونها في لحظة حين يُطلب إليهم ذلك، ولما كان اليابانيون مولعين بالمقامرة فقد راحوا يراهنون بمبالغ جسيمة من المال في مباريات تقام لنظم قصائد "الهوكو" حتى لقد خَصَّصَ بعض المغامرين في ميدان الأعمال أنفسهم لإقامة أمثال هذه المباريات يجعلونها مرتزقاً لهم، فكانوا يحشدون كل يوم آلاف الناس المعجبين بهذا الضرب من التنافس، ولذلك اضطرت الحكومة آخر الأمر أن تقاوم هذه الحلبات الشعرية، وأن تمنع هذا الفن المأجور الجديد(15)، وأنبغ من أجاد الشعر من نوع الهوكو هو "ماتسوراباشو" (1643-94) الذي كان مولده- في رأي يوني نوجشي- "أعظم حادثة في تاريخ اليابان"(16)، وكان "باشو" هذا سيافاً ناشئاً، مات مولاه وأستاذه، فكان لموته أعمق الأثر في نفسه بحيث اعتزل حياة القصر، وزهد في لذائذ الجسد جميعاً، وراح يضرب في فجاج الأرض على غير هدى، متفكراً، معلماً، وعبر عن فلسفته الهادئة في نتف من شعر الطبيعة الذي ينزل من ذوَاقة الأدب في اليابان منزلة رفيعة، لأنه يضرب أروع الأمثلة للكلام كيف يوحي بالمعاني رغم إيجازه الشديد، ومن قوله:



 صفحة رقم : 1503   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الشعر



البركة القديمة



وصوت الضفدعة وهي تثب في الماء


ومن قوله أيضاً:


ساق من حشيش حَطَّ عليه



اليعسوب محاولاً أن يضيئه(17).




 صفحة رقم : 1504   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


الفصل الثالث



النثر



1- القصص



السيدة موراساكي - قصة جنجي - امتيازها -



القصص الياباني في العصر المتأخر - كاتب فكه


لقد كانت القصائد اليابانية أشد إيجازاً من أن تصادف إعجاباً عند العقل الغربي، فلنا أن نعزّي أنفسنا بالقصة اليابانية، إذ قد تبلغ روائع القصص عندهم عشرين جزءاً، بل قد تبلغ أحياناً ثلاثين(18)، وأرفع هذه القصص مكانة هي قصة "جنجي مونوجاتاري" (ومعناها الحرفي والصحيح هو "ثرثرة تدور حول جنجي")، فهذه القصة في إحدى طبعاتها تملأ أربعة آلاف ومائتين وأربعاً وثلاثين صفحة(19)، وألفت هذه القصة الممتعة حوالي سنة 1001 ميلادية، ألفتها "السيدة موراساكي نوشيكيبو"، وهي من قبيلة فوجبوارا العريقة، وقد تزوجت من رجل من هذه القبيلة عينها، لكنه مات عنها فخلفها أرملة بعد الزواج بأربعة أعوام، فجعلت تُسَرِّي عن نفسها بتأليف قصة تاريخية في أربعة وخمسين جزءاً، وبعد أن استنفذت كل ما كان لديها من ورق، سرقت أوراق "السُّتْرات" البوذية المقدسة من معابدها، واستخدمتها ورقاً لمخطوط قصتها(20)، فحتى الورق كان يوماً ضرباً من الترف. وبطل القصة ابن لإمبراطور أنجبه من أقرب محظياته إلى نفسه، وهي "اكبريتسوبو"، وهي من روعة الجمال بحيث أثارت الغيرة في صدور سائر المحظيات جميعاً، وجعل هؤلاء يغظنها حتى قضين على حياتها غيظاً، فاقرأ كيف تصف الكاتبة "موراساكي" الإمبراطور بأنه لا يجد في موتها ما يعزيه،



 صفحة رقم : 1505   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


ولعل الكاتبة في هذا قد أسرفت في تقديرها لمدى استطاعة الرجل أن يخلص في حبه، قالت: "وكرت الأعوام، لكن الإمبراطور لم ينس فقيدته؛ وعلى الرغم من كثرة النساء اللائى جيء بهن له في القصر لعلهن يثرن اهتمامه، فقد أغضى عنهن جميعاً، مؤمناً بأن العالم كله ليس فيه امرأة واحدة تشبه فقيدته... ولم ينفك يشكو من القدر الذي لم يسمح لهما معاً بأن يفيا بالعهد الذي كانا يكررانه كلما أصبح صباح أو أمسى مساء، وهو أن تكون حياتهما كحياة الطائرين التوأمين اللذين يشتركان في جناح واحد، أو كحياة الشجرتين التوأمتين اللتين تشتركان في غصن واحد"(21). وكبر "جنجي" وأصبح أميراً فاتناً، له من وسامة الشكل أكثر مما له من استقامة الأخلاق، فجعل يتنقل من غانية إلى غانية تَنَقُّل "توم جونز"، إلا أنه قد بذ في تنقله ذلك البطل المعروف في أنه لم يفرق بين ذكر وأنثى، فهو يمثل فكرة المرأة عن الرجل - كله عاطفة وكله إغراء، دائم التفكير ودائم الحب لهذه المرأة أو لتلك؛ وكان "جنجي" أحياناً "إذا ما ألمت به الملمات، يعود إلى بيت زوجته"(22). وترى الكاتبة "السيدة موراساكي" تقص لنا مغامراته بالتفصيل على نحو تحس فيه بفرحها برواية قصته، ملتمسة له ولنفسها العذر التماساً رقيقاً: "إن الأمير الشاب كان ُيعَدُّ مهملاً لواجبه إهمالاً لا شك فيه، إذا لم يكن قد أسرف في "فلتاته" الكثيرة، وإن كل إنسان لا يسعه إلا أن يعد سلوكه هذا طبيعياً لا غبار عليه، حتى لو كان سلوكاً يعاب على عامة الناس... إنني في الحقيقة لأكره أن أقص بالتفصيل أموراً قد تحوط هو نفسه كل الاحتياط في إخفائها، لكني سأقص هذه التفصيلات، لأنني أعلم أنك لو وجدتني قد حذفت شيئاً، فستقول: لماذا؟ ألأن المفروض فيه أنه ابن إمبراطور،



 صفحة رقم : 1506   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


اضطرت إلى ستر سلوكه بستار جميل، وذلك بحذف كل نقائصه، وستقول إن ما أكتبه ليس تاريخاً، والقصة ملفقة أريد بها التأثير على الأجيال التالية تأثيراً يخدعهم عن الحقيقة، والقصة كما هي ستجعلني في أعين الناس ناقلة لأنباء الدعارة، لكن لا حيلة في ذلك"(23). ويمرض "جنجي" خلال مغامراته الغرامية، فيندم على مغامراته تلك، ويزور ديراً ليرتد إلى حظيرة التقوى على يدي كاهن، لكنه في الدير يلتقي بأميرة جميلة (يأبى تواضع الكاتبة إلا أن تسميها باسمها هي، موراساكي) فتشغله تلك الأميرة حتى ليتعذر عليه أن يتابع الكاهن وهو ينحو إليه باللوم على خطاياه: "بدأ الكاهن يقص القصص عن زوال هذه الحياة الدنيا وعن الجزاء في الحياة الآخرة، ولقد ارتاع جنجي حين تمثل له فداحة خطاياه التي اقترفها، إنه لعذاب أليم أن يعلم أن هذه الخطايا ستظل واخزة لضميره ما بقي حياً في هذه الدنيا، فما بالك بحياة أخرى ستتلو هذه، فياله من عقاب شديد ذلك الذي ينتظره في مستقبله! وكلما قال الكاهن شيئاً من هذا، أخذ جنجي يفكر في تعاسته، ألا ما أجملها فكرة أن يرتد راهباً وأن يقيم في مكان كهذا!... لكن سرعان ما استدارت أفكاره ناحية الوجه الجميل الذي قد رآه ذلك الأصيل واشتاق أن يعرف عن تلك المرأة شيئاً فسأل الكاهن: من ذا يسكن معك هاهنا(24)؟" وتعاون الكاتبة المؤلفة بطلها جنجي على موت زوجته في الولادة، بحيث أتيح له أن يخلي مكان الصدارة في بيته لأميرته الجديدة "موراساكي" .



 صفحة رقم : 1507   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


وربما كان جمال الترجمة لهذا الكتاب هو الذي أضفى عليه هذه الروعة التي يمتاز بها من سائر الآيات الأدبية اليابانية التي ترجمت إلى الإنجليزية، ويجوز أن يكون مترجمه - وهو مستر ويلي - قد فاق الأصل بترجمته كما هي الحال مع فتزجرولد (في ترجمته لرباعيات الخيام)، فإذا ما تناسينا تشريعنا الخلقي برهة - أثناء قراءة هذا الكتاب - وسايرنا حوادث هذه القصة التي تجعل الرجال والنساء "يتلاقحون كما يتلاقح الذباب في الهواء" - على حد تعبير وردزورث في ولهلم مايستر - لوجدنا في "قصة جنجي" أروع لمحة في مستطاعنا اليوم، مما يتيح لنا رؤية ألوان الجمال المخبوء في الأدب الياباني، فإن كاتبته "موراساكي" قد كتبته بأسلوب طبيعي سلس، سرعان ما يجعل موضوعها مادة حديثة مع أصدقائه، فالرجال والنساء والأطفال بصفة خاصة، الذين يحيون على صفحات قصتها الطويلة ينبضون جميعاً بالحياة الصحيحة، والعالم الذي تصفه مصطبغ بصبغة الحياة الحقيقية التي نعيشها ونراها ، على الرغم من أنها كادت تحصر نفسها في القصور الإمبراطورية والدور الفخمة، إن الحياة التي تصفها هي حياة العلية التي لا تهتم كثيراً بما تتكلفه الحياة وما يتكلفه الحب من نفقات، لكنها في حدود تلك الحياة، تراها تؤدي الوصف أداء طبيعياً دون أن تضطر



 صفحة رقم : 1508   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


إلى الاستعانة في قصتها بشواذ الشخصيات والحوادث لتثير بها اهتمام القارئ فالأمر هو كما جاء في العبارة التالية على لسان "أومانو كامي" عن بعض الرسامين الواقعيين، معبرة عن رأي الكاتبة "السيدة موراساكي". "إن التلال والأنهار كما هي في صورها المألوفة التي تراها الأعين، والمنازل كما تقع عليها أينما سرت، بكل ما لهذه وتلك من جمال حقيقي في التناسق والشكل - لو أنك رسمت مناظر كهذه رسماً هادئاً، أو بينت ما يكمن وراء حاجز حبيب إلى قلبك، معزول عن العالم مستتر عن الأبصار، أو رسمت أشجاراً كثيفة على تل وطئ لا يشمخ بأنفه، أقول لو رسمت هذا كله بالعناية اللازمة من حيث سلامة التكوين والتناسب والحياة - لكانت أمثال هذه الرسوم مما يتطلب أدق الحذق من أنبغ الأعلام، وهي هي التي توقع الفنان العادي في ألوف الأخطاء"(26). ولا أحسب الأدب الياباني بعدئذ قد أنتج في القصة ما يوازي في روعته قصه "جنجي" أو ما يساوي هذه القصة في مبلغ تأثيرها على تطور اللغة تطوراً أدبياً(27)؛ نعم إن القرن الثامن عشر قد بلغ في أدب القصة أوجاً ثانياً، ووفق كثيرون من أدباء القصة في التفوق على "السيدة موراساكي" لكنهم تفوقوا عليها في طول ما رووا من حكايات أو في مدى ما أباحوه لأنفسهم من تصوير للدعارة(28)، من ذلك مثلاً كتاب "القصص التهذيبي" الذي نشره "سانتو كُيودِنْ" سنة 1791، لكنه كان بعيداً عن الغاية التي زعمها لنفسه - غاية التهذيب - بعداً حدا بأولي الأمر أن ينفذوا القانون الذي يحرم الفحش، فيحكموا على الكاتب بأن تغل يداه خمسين يوماً وهو في داره، وكان "سانتو" هذا يتاجر في أكياس الطباق والأدوية "البلدية" وتزوج من عاهرة، وكسب الشهرة أول ما كسبها بكتاب أخرجه عن بيوت الدعارة في لوكيو، وبعدئذ أخذ يهذب من أخلاق قلمه شيئاً فشيئاً، لكنه لم يقتلع بهذا التهذيب



 صفحة رقم : 1509   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


من جمهور القراء ما تعودوه من إقبال على شراء كتبه إقبالاً عظيماً، ولما وجد كل هذا التشجيع، خرج على كل السوابق المعروفة في تاريخ القصص الياباني فطالب الناشرين بدفع شيء من المال ثمناً لكتبه، إذ يظهر أن سابقيه من المؤلفين كانوا يكتفون من الأجر بدعوة يدعونها على عشاء، وقد كان معظم كتاب القصة من الداعرين الفقراء، الذين أنزلهم المجتمع مع الممثلين منزلة هي أدنى ما تكون المنزلة امتهاناً(29)؛ وظهر قصصي آخر هو "كيوكوتي باكين" (1767-1848) كان أقدر فناً في قصصه من "كيودن" لكنه أقل استثارة لاهتمام قرائه، وهو يماثل "سْكُتْ" و "ديماس" في صبِّه للتاريخ في قالب قصصي يفيض بالحياة، ولقد بلغ إعجاب قرائه به في نهاية الأمر مبلغاً جعله يمط إحدى قصصه في مائة جزء، وكان "هوكوساي" يوضح قصص "باكين" بالرسوم، ولبثا في العمل زميلين حتى نشب بينهما الخلاف - وما داما من أبناء عبقر فلا بد من خلاف- ثم افترقا. وأمرَحُ هؤلاء القصاصين جميعاً هو "جيبشنا إيكو" (مات سنة 1831)، وهو في اليابان يعادل "لي ساج" و "دكنز" ; "بدأ "إيكو" حياته الراشدة بثلاث زيجات، فشل منها اثنتان بسبب أن حمويه في كلتا الحالين لم يفهما شذوذ مسلكه الناشئ عن اشتغاله بالأدب، فقد رضى بالفقر متفكهاً، لم يكن في بيته أثاث. فعلق على جدرانه العارية صوراً للأثاث الذي كان يشتريه لو استطاع، وفي أيام المواسم الدينية كان يضحي للآلهة بصور فيها رسوم لخير ما يمكن تقديمه من قرابين؛ وقدم له الناس حوضاً للاستحمام- رغبة منهم في التخلص من قذارته- فحمله على رأسه مقلوباً، وراح يوقع به من اعترض طريقه من المارة معلقاً بالنكات في بداهة سريعة على كل من وقع؛ ولما جاءه الناشر في زيارة إلى داره، دعاه أن يستحم، وقبل الناشر الدعوة، فلبس صاحبنا ثياب الناشر أثناء استحمامه وزار كل من أراد زيارته في ذلك اليوم-



 صفحة رقم : 1510   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> القصص


وكان رأس السنة الجديدة - وهو في تلك الثياب الفاخرة، وآيته الأدبية هي قصة "هيزا كورياج" التي نشرها في اثني عشر جزءاً في الفترة التي تمتد من 1802 إلى 1822، وهي تحكي قصة تهز قارئها هزاً بالضحك، على نحو ما تراه في قصة "مجموعة مذكرات نادي بِكْوَك" (للكاتب الإنجليزي دكنز)؛ ويقول "آستن" عن هذه القصة إنها أفكه وأمتع كتاب في اللغة اليابانية كلها(30)، ولما كان "إيكو" في فراش موته، التمس من تلاميذه أن يضعوا على جثمانه قبل حرقه - وكان إحراق الموتى مألوفاً في اليابان عندئذ - بضعة لفائف أعطاها إياهم في وقار وجد، ولما كان يوم جنازته، وفرغ المصلون من تلاوة الدعوات، وأشعِل الحطب الذي أعد لإحراق جثمانه، تبين أن تلك اللفائف كانت تحتوي على مفرقعات نارية أخذت تطقطق أثناء حرق الجثة طقطقة كلها مرح ونشوة؛ وهكذا وفي "إيكو" بالعهد الذي قطعه على نفسه وهو شاب، بأن يجعل حياته كلها مفاجآت حتى بعد موته.



 صفحة رقم : 1511   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> التاريخ


2- التاريخ



المؤرخون - آراي ها كوسيكي


لن تجد في كتابة التاريخ عند اليابانيين ما يمتعك بمثل ما يمتعك في أدبهم القصصي، على الرغم من أنه يتعذر عليك أن تفرق عندهم بين التاريخ والقصة، وأقدم كتاب باق في الأدب الياباني هو "كوجيكي" ومعناها ثبت "بالآثار القديمة" وهو مكتوب بالأحرف الصينية بقلم "باسومارو" سنة 712، وفي هذا الكتاب كثيراً ما تحل الأساطير محل الحقائق، حتى ليحتاج القارئ أن يمعن في إخلاصه للعقيدة الشنتوية لكي يقبل هذه الأساطير على أنها تاريخ(31)، ثم رأت الحكومة بعد "الإصلاح العظيم" في سنة 654 أن الحكمة تقتضي أن تروى قصة الماضي رواية جديدة، فظهر تاريخ جديد حول سنة 720



 صفحة رقم : 1512   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> التاريخ


عنوانه "ينهونجي" ومعناها "نيبون" وهو مكتوب باللغة الصينية، ويزدان بفقرات سرقها الكاتب سرقة جريئة من الأدب الصيني، وأحياناً أجراها على ألسنة أشخاص من اليابانيين القدماء، دون أن يأبه مطلقاً للترتيب الزمني للحوادث؛ ومع ذلك فقد جاء الكتاب محاولة أكثر جداً في روايته للحقائق من كتاب "كوجيكي"، وكان هو بمثابة الأساس للكثرة الغالبة مما كتب بعدئذ من كتب في التاريخ الياباني القديم، فمنذ ذلك الحين كتبت عدة كتب في تاريخ اليابان كل منها يبزّ سابقه في روحه الوطنية، وقد كتب "كيتاباتاكي" كتاباً أسماه "جنتوشوتوكي" - ومعناها تاريخ التسلسل الحقيقي للملوك الإلهيين - وضعه على أساس هذه العقيدة المتواضعة الآتية، التي أصبحت اليوم أمراً مألوفاً. "إن ياماتو العظمى (أي اليابان) بلد إلهي، فالسلف الإلهي لم يضع أساساً لبلد من بلاد الأرض سوى بلدنا، وهو دون سائر البلاد قد لقي الرعاية من آلهة الشمس بحيث ولَّت على أموره سلسلة طويلة من أبنائها، ولن تجد لمثل هذا شبيهاً في البلاد الأخرى، ومن ثم سميت اليابان بالأرض الإلهية"(32). وطبع هذا الكتاب أول ما طبع سنة 1649، فكان بداية للحركة التي قصدت إلى استعادة الإيمان القديم والدولة القديمة، وهما الجانبان اللذان بلغا أقصى حدودهما في المناقشات الحامية التي أقامها "موتو - موري" وشاءت الأيام أن يكون "متسو - كوني" - وهو حفيد "أيياسو" نفسه - هو الذي يتصدى لكتابة كتابه الذي أسماه "داي نيهونشي" (ومعناها "التاريخ الأكبر لليابان" 1851) فأخرج به صورة من مائتين وأربعين جزءاً صور بها الماضي الذي ساد فيه الأباطرة وساد النظام الإقطاعي، فكان هذا الكتاب بعدئذ من العوامل التي هيأت اليابانيين لخلع حكومة توكوجاوا العسكرية من مراكز السلطان.



 صفحة رقم : 1513   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> التاريخ


وقد يكون "آراي هاكوسيكي" أعلم المؤرخين اليابانيين وأبعدهم عن الميل إلى الهوى، فعلمه هو الذي ساد الحياة العقلية في "بيدو" في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وقد سخر "آراي" من اللاهوت الذي كان يأخذ به مبشرو المسيحية الأرثوذكسية، ووصفه بأنه "ممعن في صبيانيته"(33)، لكن جرأته قد حدت به كذلك أن يهزأ ببعض الأساطير التي ظنها أهل وطنه تاريخاً(34)، وكتابه العظيم "هانكامبو" - وهو تاريخ "لدايمو" يتألف من ثلاثين جزءاً - يعد من أعاجيب الروائع الأدبية، لأنه - فيما يظهر - قد تم تأليفه في أشهر قلائل، على الرغم مما لابد أن يكون قد اقتضاه من كثرة البحث(35)، وقد استمد آري بعض علمه وطائفة من أحكامه من دراسته للفلاسفة الصينيين، ويقال إنه لما جعل يحاضر في الآداب الكونفوشيوسية، كان الحاكم العسكري "أينوبو" يستمع إليه في إقبال وإجلال حتى لم يكن ليذب البعوض عن رأسه في الصيف، وكان في الشتاء ينحو بوجهه جانباً إذا أراد أن يمسح الرشح عن أنفه احتراماً للمحاضر(36)، وكتب "آراي" ترجمة لحياته فصور أباه تصويراً جليلاً رسم به المواطن الياباني في خير صورة له وأبسطها. "إنني أعود بذاكرتي إلى أول لحظة بدأت عندها أتعمق الأمور إلى صميمها، فأجد حياته الرتيبة اليومية لم تكن تختلف في يوم عنها في يوم آخر؛ فما كان يفوته قط أن يستيقظ قبل شروق الشمس بساعة، ثم يستحم بماء بارد، ويصفف شعره بنفسه؛ وإذا اشتد برد الشتاء تعرض عليه امرأته - وهي أمي - أن تعد له ماء ساخناً، لكنه لم يكن يرضى بذلك، لأنه لم يكن يريد أن يتعب الخدم؛ فلما زاد عمره على السبعين، وتقدمت أمي كذلك في سنها؛ وكان البرد يشتد إلى درجة لا يحتملانها، كانا يستحضران في غرفتهما موقداً وينامان وأقدامهما ممدة تجاهه؛ وكان يوضع إبريق من الماء الساخن إلى جانب



 صفحة رقم : 1514   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> التاريخ


المدفأة، فيشرب منه أبي عند استيقاظه؛ وكلاهما كان يقدس بوذا، فكان أبي لا يفوته قط - بعد أن يصفف شعره ويسوي ثيابه - أن يبدي علائم خشوعه لبوذا... وبعد أن يرتدي رداءه، كان يجلس هادئاً في انتظار تباشير الصباح، وعندئذ يخرج إلى عمله الرسمي... إن أحداً لم يره قط وعلامات الغضب على وجهه، ولست أذكر أبداً أني رأيته يوماً - حتى إن ضحك - يستسلم للمرح الصاخب؛ وأقل من ذلك حدوثاً أن تراه يسفل إلى الألفاظ الجارحة إذا ما شاءت له الظروف أن يؤنب أحداً، وكان في سمره لا يتكلم ما أمكنه السكوت، كان رصيناً في سلوكه، فما رأيته قط جازعاً أو مضطرباً أو قلقاً... يحافظ على نظافة الغرفة التي كان يشغلها عادة، ويعلق على الجدار صورة قديمة، ويضع في أصيص بعض زهرات من زهور الموسم، وقد ينفق يومه ناظراً إليها؛ كان قليل الرسم للصور يرسمها باللون الأسود على ورق أبيض، لأنه لم يكن محباً للألوان الزاهية، وإذا جادت صحته لم يطلب إلى الخادم أن يعينه في شيء قط، لأنه كان يعد كل شيء لنفسه بنفسه" (37).



 صفحة رقم : 1515   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> المقالة


3- المقالة



"السيدة سي شوناجون" - "كامو نو - شومي"


كان "آرامي" كاتباً للمقالة كما كان مؤرخاً، وله نتاج عظيم في هذا اللون من الأدب (أدب المقالة) الذي ربما كان أمتع ضروب الأدب الياباني جميعاً؛ على أن الزعامة في أدب المقالة- كما هي الحال في القصة- كانت لامرأة؛ فكتاب "صُوَر على الوسادة" "ماكورازوشي" الذي كتبته "السيدة سي شوناجون" يوضع عادة في أعلى مراتب هذا الأدب، كما أنه أول ما كتب فيه؛ والسيدة الكاتبة قد نشأت في نفس البلاد ونفس الجيل اللذين نشأت فيهما "السيدة



 صفحة رقم : 1516   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> المقالة


موراساكي"، واختارت لقلمها الحياة المترفة الداعرة من حولها، فراحت تصف تلك الحياة في صور عابرة، يستحيل علينا أن نلم بروعتها في لغتها الأصلية إلا على سبيل التخمين، مهتدين بما نراه باقياً في الترجمة الإنجليزية لتلك الصور من آثار جمالها الفاتن؛ والكاتبة من طائفة "فيوجيورا"، وصعدت حتى أصبحت وصيفة الإمبراطورة؛ فلما قضت الإمبراطورة نحبها، توارت "السيدة سي": فمن قائل إنها أوت إلى دير، ومن قائل إنها انطوت في ثنايا الفقر؛ لكن كتابها ليس فيه ما يدل على صدق هذا القول أو ذاك؛ وهي تنظر إلى الإباحية الخلقية في عصرها، بالعين المتساهلة التي عرف بها ذلك العصر، ثم هي لا تنزل رجال الدين الماديين منزلة عالية من نفسها. "إن الواعظ الديني لابد أن يكون وسيم المحيا، إذ يسهل عليك عندئذ أن تحدج بعينيك في وجهه، وبغير ذلك يستحيل الانتفاع بحديثه، لأن عينيك ستحومان هنا وهناك، ويفوتك أن تصغي إلى قوله؛ وإذن فالواعظون الدميمون تقع عليهم تبعة كبرى.... ولو كان رجال الوعظ يحيون في عصر أنسب لهم من عصرنا، لسرني أن أحكم عليهم حكماً أقرب إلى صالحهم من حكمي عليهم الآن؛ لكن الأمر كما أراه في الواقع، يدعوني إلى القول بأن خطاياهم أشنع فحشاً من أن تحتمل منا مجرد التفكير"(38). ثم تضيف الكاتبة إلى ذلك قوائم صغيرة بما تحب وما تكره:


فالأشياء التي تبعث في نفسها النشوة:



أن أعود إلى البيت من رحلة وقد امتلأت العربات حتى فاضت؛



وأن يكون حول العربة عدد كبير من المشاة الذين يحفزون الثيرة



والعربات تسرع في السير؛



زورق نهري يسبح على الماء.




 صفحة رقم : 1517   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> المقالة



الأسنان زينت بالسواد على نحو جميل...



والأشياء التي تثير في نفسها الكراهية:



غرفة مات فيها طفل



مدفأة انطفأت نارها



حوزي يكرهه ثور عربته



ولادة سلسلة متصلة من البنات في بيت عالم...



ومن الأشياء الممقوتة:



الناس الذين إذا قصصت عليهم قصة قاطعوك بقولهم: إننا نعرفها



ثم يقولون القصة على صورة تختلف كل الاختلاف عما كنت تنوي أن تقوله...



والرجل الذي تصادفه امرأة، ويكون بينهما ود، فيثني على امرأة أخرى يعرفها...



والضيف الذي يقص عليك قصة طويلة وأنت عجلان....



شخير رجل تحب أن تخفيه، والرجل ينام في مكان لا شأن له به...



البراغيث (39).


وليس ينافس هذه السيدة في مكان الصدارة من أدب المقالة في اليابان، إلا "كامونو- شومي"؛ الذي حُرِمَ خلافة أبيه في حراسة الضريح الشنتوي "لكامو" في مدينة كيوتو، فاعتنق البوذية حتى أصبح راهباً من رهبانها؛ ولما بلغ من عمره عامه الخمسين، اعتكف في حديقة في الجبل، حيث انصرف إلى حياة التأمل، وهناك كتب كتاباً يودع به الحياة الصاخبة، وأسمى كتابه "هوجوكي" (1212) ومعناها "مدوَّن الأقدام العشر المربعة" فبعد أن بين الصعاب والمضايقات التي يلاقيها الإنسان في حياة المدنية، ووصف



 صفحة رقم : 1518   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> النثر -> المقالة


مجاعة سنة 1181 أخذ يروي لنا كيف أقام لنفسه كوخاً مساحته عشرة أقدام مربعة وارتفاعه سبع أقدام، واستقر فيه راضي النفس بفلسفة لا يعكر هدوءها شيء وزمالة هادئة لما يحيط به من كائنات الطبيعة؛ ولا يسع الأمريكي الذي يقرؤه إلا أن يسمع فيه صوتاً شبيهاً بصوت "ثورو" وإن يكن صادراً من اليابان في القرن الثالث عشر؛ فالظاهر أن كل جيل لابد له من كاتب يدعو إلى معاشرة الطبيعة بمثل كتاب "بِركة وولدِنْ".



 صفحة رقم : 1519   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المسرحية


الفصل الرابع



المسرحية



المسرحيات "الغنائية" - خصائصها - المسرح



الشعبي - شكسبير اليابان - خلاصة الرأي


وآخر ألوان الأدب، وأعسرها فهماً علينا، هي المسرحية اليابانية؛ فما دمنا قد نشأنا في جو من تقاليد المسرح الإنجليزي الذي يبدأ من رواية هنري الرابع وينتهي برواية "مارية اسكتلندة"، فكيف يمكن أن نعد آذاننا إعداداً يتقبل المسرحيات الغنائية اليابانية بما فيها من إطناب وحركات صامتة بالنسبة إلينا؟ إنه لابد لنا من نسيان شكسبير والعودة إلى "إفريمان"، بل والعودة إلى ما هو أبعد من ذلك في الماضي، إلى الأصول الدينية للمسرحية اليونانية والمسرحية الأوروبية الحديثة؛ عندئذ نجد ما يعيننا على متابعة تطور التمثيل الصامت الشنتوي القديم، والرقص الكهنوتي المسمى "كاجورا"، حتى أصبح هذه الصورة التمثيلية الناطقة بالحوار، التي تتألف منها المسرحية الغنائية عند اليابانيين؛ ففي نحو القرن الرابع عشر أضاف الكهنة البوذيون أناشيد جوقية إلى التمثيل الطقوسي الصامت، ثم أضافوا إلى ذلك شخصيات فردية، ودبروا حبكة للمسرحية بحيث تفسح المجال أمام هذه الشخصيات فتفعل الأفعال كما تقول الكلام، ومن ثم ولدت المسرحية(40). كانت هذه المسرحيات - مثل المسرحيات اليونانية - تُؤدي في ثلاثيات وكانوا يمثلون في الفترات التي بين الفصول أحياناً، ما يطلقون عليه "كيوجن" أي المهازل (أو التهريج) قاصدين بذلك أن يخففوا ويلطفوا من حدة العاطفة والفكر؛ أما الجزء الأول الثلاثي المسرحي فقد كانوا يخصصونه لاسترضاء



 صفحة رقم : 1520   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المسرحية


الآلهة، فكاد لا يزيد على تمثيل ديني صامت؛ وأما الجزء الثاني فكان يؤدي بعدة مسرحية كاملة، ويبتغون به طرد الأرواح الشريرة بتخويفها؛ وأما الجزء الثالث فكان ألطف جواً، يراد به تصوير جانب رائع من جوانب الطبيعة، أو وجه ممتع من وجوه الحياة اليابانية(41)؛ وكانت أسطر المسرحية تصاغ عادة في صورة الشعر المرسل، بحيث يتألف البيت الواحد من اثني عشر مقطعاً؛ وكان الممثلون ذوي منزلة اجتماعية حتى بين العلْية؛ فلا تزال بين أيدينا وثيقة تثبت أن "نوبونجا" و "هيديوشي" و "أيياسو" قد اشتركوا جميعاً كممثلين في إحدى المسرحيات الغنائية حول سنة 1850(42)، وكان كل ممثل يلبس قناعاً منحوتاً من الخشب نحتاً فنياً دقيقاً يجعل هذه الأقنعة تحفة عند هواة الآثار الفنية في عصرنا هذا، وكانت مناظر المسرح قليلة، إذ كانوا يعتمدون على الخيال القوي عند النظارة في خلق البطانة التي يتم الفعل المسرحي في جوّها؛ وأما الحكايات التي تمثل فمن أبسط الحكايات تأليفاً، ولم يكن مجرى الرواية هو نقطة الاهتمام؛ ومن أشيع تلك الروايات رواية تحكي عن "سياف" أصابه الفقر، طرق بابه راهب جوال أراد الدفء، فقطع له السياف أعز نباتاته ليوقد له بها ناراً؛ وعندئذ تبين أن الراهب لم يكن إلا الوصي على العرش، فأجزل العطاء للفارس، وكما أننا في الغرب لا نفتأ نختلف إلى المسرح مرة بعد مرة لنسمع مسرحية غنائية، روايتها قديمة، وربما كانت رواية سخيفة أيضاً، فكذلك ترى أهل اليابان - حتى يومنا هذا - يبكون كلما شهدوا هذه الرواية التي يتكرر تمثيلها بغير انقطاع (43)، ذلك لأن براعة التمثيل تعيد لهذه الرواية في كل مرة قوتها ومغزاها؛ ولو قصد إلى المسرح متفرج متعجل عملي المقاييس، فإنه قد يجد في أمثال هذه الأغاني التي صبت في قالب تمثيلي، تسلية أكثر مما يجد فيها عظمة تأخذ عليه نفسه، لكن اسمع ما يقوله فيها شاعر ياباني: "كم في المسرحية الغنائية من عناصر



 صفحة رقم : 1521   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المسرحية


المأساة وعناصر الجمال، ولطالما طاف برأسي خاطر، هو أننا نؤدي خدمة جليلة لا شك فيها، إذا نحن أحسنّا تقديم مسرحيتنا الغنائية في الغرب، ولو فعلنا لنتج عن ذلك احتجاج شديد ضد المسرح الغربي، إن ذلك لو تم كان بمثابة الإيحاء باتجاه جديد"(44) - ومع ذلك فاليابان نفسها لم تنتج من هذا الضرب المسرحي شيئاً منذ القرن السابع عشر على الرغم من أنها تقوم بتمثيلها اليوم، وتقبل عليها إقبالاً شديداً. إن تاريخ المسرحية في معظم البلاد عبارة عن تحول تدريجي من سيادة الجوقة إلى سيادة دور يقوم به فرد من الأفراد - وعند هذه النقطة تنتهي مراحل التطور في الكثرة الغالبة من الحالات التي يتم فيها هذا الانتقال، ولما تقدم الفن المسرحي في اليابان من حيث تقاليده وروعته، خلق شخصيات محببة إلى الناس صارت هي القوة السائدة في المسرحية، وأخيراً قل شأن التمثيل الصامت والموضوعات الدينية، وباتت المسرحية حرباً بين أفراد تملؤهم قوة الحياة وقوة الخيال، وهكذا ظهر المسرح الشعبي في اليابان الذي يطلق عليه "كابوكي شيباي"، وأول مسرح من هذا القبيل الشعبي ظهر حول عام 1600، أنشأته راهبة ملت جدران الدير، فأقامت مسرحاً في أوساكا وجعلت ترتزق بالرقص على ذلك المسرح(45)، وكان ظهور المرأة على المسرح- كما هي الحال في إنجلترا وفرنسا بمثابة الثورة واقتراف إثم محرم، ولما كانت الطبقات العليا قد اجتنبت هذه المحرمات (اللهم إلا في خفاء يؤمّنها من الخطر) فقد أوشك الممثلون أن يصبحوا طبقة منبوذة، ليس لهم حافز اجتماعي يدفعهم إلى صيانة مهنتهم من الدعارة والفساد؛ واضطر الرجال أن يقوموا بأدوار النساء، وذهبوا في إتقان تقليد النساء إلى حد لم يستطيعوا عنده أن يخدعوا النظارة فحسب، بل خدعوا أنفسهم كذلك، حتى لقد ظل كثير من هؤلاء الرجال الذين كانوا يمثلون أدوار النساء، ظلوا نساء خارج المسرح(46)، وكان من عادة الممثلين أن يصبغوا وجوههم بألوان زاهية، وربما يرجع ذلك



 صفحة رقم : 1522   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المسرحية


إلى خفوت الأضواء على المسرح؛ كذلك كانوا يلبسون أردية ذات رسوم فاخرة لكي يدلوا بها على عظمة أدوارهم، ثم لكي يرفعوا من قدر تلك الأدوار؛ وغالباً ما كان يجلس خلف المسرح أو حوله أفراد أو جوقات، تلقي الكلام المراد إلقاؤه، وكان هؤلاء أحياناً هم الذين ينطقون بالكلام بينما يقصر الممثلون أنفسهم على الحركات المناسبة صامتين؛ وأما النظارة فقد كانت تجلس على الأرضية المفروشة بالبُسُط، أو في مقصورات على الجانبين(47). وأشهر الأسماء التي تصادفك في المسرحية الشعبية في اليابان هو "شيكاماتسو مُنْزايمون" (1653-1724) الذي يقرنه مواطنوه بشكسبير، وأما النقاد الإنجليز فتراهم يمقتون هذه المقارنة، فيتهمون "شيكاماتسو" بالعنف والإسراف والمبالغة في قوة اللفظ وبُعد حبكاته عن الواقع، إلا أنهم يعترفون له "بشيء من القوة والفخامة البدائيتين"(48)؛ والظاهر أن التشابه تام، فتلك المسرحيات الأجنبية بالنسبة لنا تبدو لنا مجرد مسرحيات غنائية، لأنه إما أن يكون معناها أو تكون دقائقها اللغوية خافية علينا، وقد يكون هذا نفسه هو وقع شكسبير على رجل لا يستطيع أن يقدر جمال لغته أو يتابعه في أفكاره، وربما كان "شيكاماتسو" قد غالى في جعل العشاق في مسرحياته ينتحرون على المسرح ليكون انتحارهم بمثابة الذروة التي تعلو إليها حوادث القصة، على نحو ما نرى في رواية "روميو وجوليت"، لكن قد يكون له في ذلك هذا العذر، وهو أن الانتحار في الحياة اليابانية أوشك أن يكون من الشيوع بمثل ما كان على المسرح. إن المؤرخ الأجنبي عن البلاد، لا يسعه في هذه الأمور إلا أن يسجل، لا أن يصدر حكمه، فالتمثيل الياباني في عيني مُشاهد عابر، يبدو أقل في درجة الرقي والنضوج من التمثيل الأوربي، لكنه أكثر منه قوة ورفعاً لأفئدة



 صفحة رقم : 1523   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المسرحية


المشاهدين؛ إن المسرحيات اليابانية قد تكون أكثر تمشياً في سذاجتها مع سواد الشعب، لكنها أقل تعرضاً لعوامل الضعف التي تنشأ عن الصيغة العقلية السطحية، من زميلاتها في فرنسا وإنجلترا وأمريكا اليوم؛ والعكس صحيح، وهو أن الشعر الياباني يبدو لنا خفيفاً ميتاً، مبالغاً في رقته الأرستقراطية، نحن الذين تعودت أذواقنا المقطوعات الغنائية التي تكاد تبلغ في طولها طول الملاحم (مثل قصيدة Maud)، كما تعودت أذواقنا الملاحم التي يبلغ الملل من قراءتها حداً لا أشك معه في أن هومر نفسه إذا اضطر أن يقرأ الإلياذة مجتمعة لترنح رأسه من نعاس؛ وأما القصة اليابانية فالظاهر أنها عاطفية تثير حب التطلع في نفس القارئ، ومع ذلك فيخيل إلينا أن آيتين من آيات القصة الإنجليزية - هما قصة "توم جونز" وقصة "أوراق بِكْوِك" - يقابلان تمام التقابل قصتي "جنجي مونوجاناري" و "هيزا كوريج" في الأدب الياباني؛ ويجوز أن تكون "السيدة موراساكي" أنبغ من "فيلدنج" العظيم نفسه في دقتها ورشاقتها وسعة فهمها؛ إن كل ما هو بعيد عن أنفسنا غامض علينا، يكون مملولاً سخيفاً بالنسبة لنا، وستظل الأشياء في اليابان غامضة علينا حتى نستطيع أن ننسى نسياناً تاماً تراثنا الغربي، لنشرب تراث اليابان تشرباً كاملاً.



 صفحة رقم : 1524   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن الدقائق الصغيرة


الفصل الخامس



فن الدقائق الصغيرة



تقليد مبدع - الموسيقى والرقص - "إيزو" و "نتسوكي" - هيداري جنجارو - لاكيه


جاءت القوالب الخارجية للفن الياباني من الصين، مثلها في ذلك مثل كل ظاهرة بادية من ظواهر الحياة اليابانية؛ أما القوة والروح الداخليان، فمثلهما مثل كل ما هو حيوي من أمور اليابان، في صدورهما عن الشعب نفسه؛ نعم إن الموجة الفكرية والهجرة اللتين جاءتا إلى اليابان بالبوذية في القرن السابع، قد جاءتاها كذلك من الصين وكوريا بصور الفن وبالدوافع النفسية المرتبطة بتلك العقيدة، التي ليست أصل في الصين وكوريا منها في اليابان، بل إنه لمن الحق أيضاً أن العناصر الثقافية لم تدخل إلى اليابان من الصين والهند وحدهما، بل جاءتها كذلك من أشور واليونان - فالملامح التي تراها في بوذا كاما كورا مثلاً أقرب إلى الملامح "اليونانية البكتيرية" منها إلى الملامح اليابانية؛ لكن هذه الحوافز وإن تكن قد جاءت إلى اليابان من الخارج، إلا أنها استُخدمت هناك في إبداع ما هو جديد؛ فسرعان ما تعلم شعب اليابان أن يفرق بين الجمال والقبح؛ وكثيراً ما كان أغنياء تلك البلاد يؤثرون تحف الفن على الأرض أو الذهب ، وكان رجال الفن فيها يعملون بإخلاص لفنهم أنساهم نفوسهم، وهؤلاء الفنانون، على الرغم من أنهم كانوا يجتازون



 صفحة رقم : 1525   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن الدقائق الصغيرة


دوراً طويلا عنيفاً من التدريب الفني، قَلَّ أن تقاضوا على فنهم أجراً أكثر ممـا كـان يتـقاضاه الصـناع مـن أجـور؛ وإن شاءت لهم الأيام مرة أن يجيئهم شيء من ثراء، راحوا يبددونه في إسراف مستهتر، ثم لم يلبثوا بعدئذ أن يعودوا إلى فقرهم الطبيعي الذي ترتاح إليه نفوسهم (50)، أما من حيث النشاط والذوق والمهارة، فلم يكن يدانيهم إلا أرباب الفن من أهل مصر القديمة واليونان في عصورها الوسطى. إن حياة الشعب نفسها كانت تتخللها علائم الفن - تراها في نظافة بيوتهم وجمال ملابسهم، وظرف حليهم، وإقبالهم إقبالاً فطرياً على الغناء والرقص؛ ذلك لأن الموسيقى - كالحياة - جاءت إلى اليابان من الآلهة نفسها؛ ألم تُغَن "إيزانامي" في جوقات جمعية عند خلق الأرض؟ ونقرأ عنهم أن الإمبراطور "إنكيو" عزف على آلة موسيقية بعد ذلك بألف عام، وقامت الإمبراطورة ترقص لعزفه، وكان ذلك في مأدبة إمبراطورية سنة 419، أقيمت احتفالاً بافتتاح قصر جديد؛ ولما مات "إنيكو" أرسل أحد ملوك كوريا ثمانين موسيقاراً ليعزفوا في جنازته، فعلم هؤلاء العازفون أهل اليابان آلات موسيقية جديدة وأنغاماً جديدة - بعضها من كوريا، وبعضها من الصين، وبعض ثالث من الهند - ولما نُصِب الـ "دايبوتسو" في معبد "تودايجي" في نارا (752) عزفت موسيقى الأساتذة من الصين في احتفال التنصيب؛ ولا يزال "بيت المال" الإمبراطوري في نارا يعرض علينا الآلات التي استخدمت في تلك الأيام السوالف، وكان الغناء والإلقاء، وموسيقى القصر وموسيقى الرقص في الأديرة، هي الضروب الرفيعة الموقرة من الموسيقى، أما الأنغام الشعبية فكانوا يعزفونها على آلة يسمونها "بيوا" "أي قيثارة" أو على آلة يطلقون عليها "ساميزانة" و (هي آلة ذات ثلاثة أوتار)(51)، ولم يكن لليابانيين نوابغ في التأليف الموسيقي، ولا كان لهم كتب في الموسيقى، وتآليفهم الموسيقية الساذجة



 صفحة رقم : 1526   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن الدقائق الصغيرة


التي كانوا يعزفونها في خمسة أنغام على السلم الهارموني الصغير، لم يكن فيها اتساق في النغم، ولا كان عندهم تمييز بين ما هو صغير وما هو كبير من مفاتيح الموسيقى، ومع ذلك فكل ياباني تقريباً كان يستطيع العزف على آلة من الآلات العشرين التي جاءتهم من القارة الآسيوية؛ ويقول اليابانيون إن أية واحدة من هذه الآلات لو أتقن العزف عليها، استطاعت أن ترقص الغبار العالق بسقف المكان(52)، والرقص نفسه شاع بينهم "شيوعاً لا نظير له في أي بلد آخر"(53) - ولم يكونوا يرقصون على سبيل إتمام مقتضيات الغرام بين عشيقين، بمقدار ما كانوا يرقصون تنسكا في العبادة أو في الحفلات الجمعية؛ فكان يحدث أحياناً أن يخرج أهل قرية بأسرهم، في أبهى حللهم، ليحتفلوا بإحدى المناسبات السعيدة احتفالاً راقصاً يشترك فيه الناس جميعاً؛ وكانت الراقصات المحترفات يجتذبن حشوداً من الجماهير بمهارتهن في الرقص؛ وكنت تجد الرجال والنساء على السواء - حتى في أرفع الطبقات - ينفقون من وقتهم زمناً طويلاً في هذا الفن؛ فتقول "السيدة موراساكي" في قصتها عن "جنجي" إنه حين رقص رقصة "موجات البحر الأزرق" مع صديقته "تونو - شوجو" تحركت العواطف في صدور المشاهدين جميعاً؟ "فلم يشهد أولئك المشاهدون قط في حياتهم أقداماً تطأ الأرض بهذه الرشاقة كلها، ولا شاهدوا رؤوساً قامت على أعناقها بهذا الجلال كله.... كانت هذه الرقصة من عمق التأثير في النفوس ومن جمال الحركات، بحيث اغرورقت عينا الإمبراطور في ختامها، وأجهش الأمراء والسادة كلهم بالبكاء"(54) وقد كان كل من تسعفه ظروفه المالية، يزيِّن نفسه زينةً، لا يكتفي فيها بالوشي الجميل والدمقس المصور بالرسوم، بل يضيف إلى ذلك تحفاً رقيقة هي من الخصائص المميزة لليابان القديمة، بل توشك أن تكون تعريفاً يحدد معناها؛ فكان النساء ينكمشن ليغازلن الرجال من وراء مراوح فتانة الجمال، بينما الرجال يسيرون في خيلاء بما حملوا من سيوف نقشت نقشاً نفيساً، وما علقوا في



 صفحة رقم : 1527   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن الدقائق الصغيرة


مناطقهم من صناديق (يسمون الواحد منها "إنْروُ") تدلت من أوساطهم بخيط سميك، وكان الصندوق منها يتألف عادة من عيون نقشت في العاج أو الخشب نقشاً دقيقاً، يضعون فيها التبغ والنقود وأدوات الكتابة وغير ذلك مما يلزم استعماله أحياناً؛ ولكي يمتنع سقوط الخيط منزلقاً تحت المنطقة، كانوا يربطونه في الجانب الآخر من المنطقة بوصلة صغيرة يسمونها "نتسوكا" (وهي كلمة مكونة من جزئين: "ني" ومعناها طرف، و "تسوكا" ومعناها يربط) وكانت تلك الوصلة تعهد إلى فنان يرسم على سطحها المتغضن رسماً مسرفاً في الرقة والنفاسة، رسماً لآلهة أو شياطين أو فلاسفة أو حور أو طيور أو زواحف أو سمك أو حشر أو زهر أو أوراق شجر أو مناظر من حياة الناس؛ وهاهنا وجدت روح الفكاهة الشيطانية التي يتفوق فيها الفن الياباني على سائر الفنون تفوقاً فسيحاً، وجدت متنفساً طليقاً، وإن يكن متواضعاً، فلن يتكشف لك ما في هذه التحف الفنية من لطف بالغ ودلالة كبرى، إلا بعد فحص دقيق لها، غير أن لمحة سريعة تنظر بها إلى صورة مصغرة لامرأة بدينة أو كاهن سمين أو قرد خفيف الحركات أو حشرات لطيفة، مما كانوا ينقشونه على مساحة لا تبلغ بوصة واحدة مكعبة من العاج أو الخشب، لتكفيك للتأكد مما كان للشعب الياباني من خصال فنية فذة تنبض بحرارة العاطفة . وكان أشهر من حفر الخشب من اليابانيين هو "هيداري جنجارو" (هيداري معناها مبتور اليد اليسرى)، فتنبئنا الأساطير كيف فقد ذراعاً وكسب إسماً؛ وذلك أن ظافراً في القتال طالب مولى "جنجارو" بحياة ابنته، فنحت "جنجاروا" رأساً مبتوراً يمثل رأس ابنة مولاه تمثيلاً بلغ من الصدق حداً جعل ذلك الظافر يأمر ببتر الذراع اليسرى لهذا الفنان عقاباً له على قتـل



 صفحة رقم : 1528   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن الدقائق الصغيرة


ابنـة مـولاه(55)؛ جنـجارو هـو الـذي نـحت بـإزميله الفـيلة والقطـة النائمة التي نراها في ضريح "أيياسو" في نِكُو"، وهو الذي نحت كذلك "باب السفير الإمبراطوري" في معبد "نيشي - هنجوان" في كيوتو؛ وقد قص الفنان على الجانب الداخلي من ذلك الباب قصة الحكم الصيني الذي طهر أذنه مما أصابها من دنس باستماعها لاقتراح عُرض عليه بقبول عرش بلاده، وكيف تجمع قطيع الماشية في تجهم، يقاتل ذلك الحكيم لأنه أصاب ماء النهر بالنجاسة حين أراد تطهير أذنه الدنسة(56)؛ على أن "جنجارو" لم يكسب شهرته هذه إلا لأنه أبرز فنان في وضوح شخصيته، من بين طائفة الفنانين الذين ذهب الزمان بأسمائهم، والذين زينوا ألوف المباني بالخشب المنقوش أو المدهون نقشاً أو دهناً جميلاً؛ ولقد لقيت شجرة "اللاكيه" في جزر اليابان منزلة تتناسب مع شغف أولئك الناس بالفنون، فكانوا يروونها في عناية عظيمة؛ وكان رجال الفن أحياناً يكسون نقوشهم التي نحتوها في الخشب بطبقات من "اللاكيه"، وأحياناً أخرى يسرفون في فرض العناء على أنفسهم بأن يصبوا تمثالاً من الطين، ثم يجعلونه أجوف، ثم يضعون في جوفه عدة طبقات من "اللاكيه"، كل طبقة تكون أسمك من سابقتها(57)؛ وهكذا رفع الفنان الياباني مادة الخشب إلى منزلة المرمر، وملأ الأضرحة والمقابر والقصور بأجمل ما نعرفه في القارة الآسيوية من الزخارف الخشبية.



 صفحة رقم : 1529   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن العمارة


الفصل السادس



فن العمارة



المعابد - القصور - ضريح - أيياسو - المنازل


في عام 594 أمرت الإمبراطورة "سويكو" أن تقام المعابد البوذية في طول البلاد وعرضها، إما اعتقاداً منها بما في الدعوة البوذية من حق، أو التماساً لما عسى أن يترتب عليها من نفع؛ وعهد بتنفيذ هذا الأمر إلى الأمير "شوتوكو"، فاستدعى من كوريا كهنة ومعماريين وناحتي الخشب وصانعي البرونز وصانعي النماذج من الطين وبنائين ومُذَهّبين وصانعي القرميد ونساجين وغير هؤلاء من مهرة الصناع(58)، وقد كان في استدعاء هذه الحملة الثقافية بداية تقريبية للفن في اليابان؛ ذلك لأن "شنتو" لم يكن يرضى عن زخرفة البناء، ولم يكن يسمح بتشويه صور الآلهة في تماثيل منحوتة؛ أما مذ جاءت تلك البعثة الثقافية، فقد امتلأت أرجاء البلاد بالأضرحة والتماثيل البوذية؛ وكانت المعابد في جوهرها شبيهة بمعابد الصين. غير أنها كانت أغنى من معابد الصين زخرفاً وأرق نحتاً؛ وترى في معابد اليابان ما تراه في معابد الصين، من بوابات فخمة على طول المرتقى أو المدخل الذي يؤدي إلى الحرم المقدس؛ وتزدان الجدران الخشبية بناصع الألوان، وترتكز السقوف القرميدية - التي تسطع في ضوء الشمس - على عمد ضخمة، ويفصل الضريح الأوسط من الأشجار المحيطة به أبنية صغرى كسلسلة من الأبراج مثلاً أو معبد من الطراز المعروف باسم "باجودا"، وأعظم ما أبدعه أولئك الفنانون الأجانب هو مجموعة المعابد التي في "هوريوجي"، والتي أشرف على بنائها الأمير "شوتوكو"، وهي قائمة على مقربة من "نارا"، وتم بناؤها عام 616؛



 صفحة رقم : 1530   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن العمارة


وإنه لما يذكر حسنة من حسنات الخشب باعتباره أدوم مواد البناء بقاء، أن أحد هذه الأبنية الخشبية قد ظل قائماً رغم ما تعاوره من زلازل لا تحصى عدداً فكان أطول عمراً من مائة ألف معبد من المعابد التي شيدت بالحجر، وكذلك مما يذكر على سبيل الفخر للبنّائين الذين أقاموا تلك المعابد أن اليابان لم تشهد فيما بعد بناء واحداً يفوق هذا الضريح العريق في القدم من حيث جلال البساطة، وربما كانت المعابد المقامة في "نارا" نفسها موازية في جمالها لهذا الضريح، وهي أحدث منه بقليل، وخصوصاً "القاعة الذهبية" التي في معبد "تودايجي" والتي بلغ التناسب في أجزائها حد الكمال، ويقول "رالف آدمز كرام" إن "نارا" تحتوي على أنفس آيات الفن المعماري في آسيا(59). وبلغت العمارة في اليابان أوجها الثاني في عهد حكومة "أشيكاجا" العسكرية؛ فقد صمم "يوشيمتسو" أن يجعل من كيوتو أجمل عاصمة على وجه



 صفحة رقم : 1531   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن العمارة


الأرض، فشيد للآلهة معبداً من طراز "ياجودا" بلغ ارتفاعه 360 قدماً، وشيد لأمه "قصر التاكاكورا" الذي بلغت تكاليف باب واحد من أبوابه عشرين ألف قطعة من الذهب (ما يساوي مائة وخمسين ألف ريال)، ثم شيد لنفسه "قصر الزهرة" الذي بلغت تكاليفه ما يساوي خمسة ملايين من الريالات، وكذلك أقام لمجد الشعب كله "البهو الذهبي" في "كنكاكوجي"(60)؛ وأراد "هيديوشي" أيضاً أن ينافس "قبلاخان" فبنى في "مرموياما" قصر النعيم، ولم يكد يمضي على بنائه بضع سنين حتى شاءت أهواؤه المتقلبة أن يهدمه، ونستطيع أن نحكم بما كان لذلك القصر من فخامة، من "بوابة اليوم كله" التي أخذت منه ليزينوا بها معبد "نيشي بنجوا"، وإنما أطلق على البوابة هذا الاسم لأن المعجبين بها يقولون إنك قد تظل يوماً كاملاً تدقق النظر في نقشها دون أن تأتي على كل ما فيها من روعة، وكان "كانوبيتوكو"



 صفحة رقم : 1532   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن العمارة


لـ "هيديوشي" بمثابة "استينوس" أو "فيدياس"، لكنه زخرف له مبانيه بما هو أقرب إلى فخامة البندقية منه إلى الاعتدال اليوناني، فما شهدت اليابان قط، بل ما شهدت آسيا قبل ذاك مثل هذا الزخرف الفاخر، وكذلك حدث في عهد "هيديوشي" أن بدئ في "حصن أوساكا" المتجهم، حتى تشكلت صورة البناء، وأريد بذلك الحصن أن يشرف على موقع هو في اليابان بمثابة "بتسبرج"، وأن يكون مقبرة لولده. وأما "أيياسو" فقد كان أميل إلى الفلسفة والأدب منه إلى الفنون، لكن حفيده "أبيمتسو" - الذي اكتفى بكوخ من الخشب يتخذ منه قصراً لنفسه - راح ينفق بسخاء من ثروة اليابان وفنها، ليبني حول رفات "أيياسو" في "نكو" أجمل بناء تذكاري شيد من أجل فرد واحد في أرجاء الشرق الأقصى، ففي هذه البقعة التي تبعد عن طوكيو تسعين ميلاً، وعلى قمة تل هادئ تبلغها بطريق مظلل مزدان بالقباب الفخمة، في هذه البقعة بنى مهندسو العمارة الذين استخدمهم الحاكم العسكري، سلسلة من المداخل الفسيحة المدرجة، بنوا تلك المداخل بادئ ذي بدء، ثم عقبوا عليها ببوابة مزخرفة لكنها رائعة، وهي المعروفة باسم "يو - مي - مون"، ثم أقاموا على مجرى مائي جسراً مقدساً حرام لمسه، ثم سلسلة من المقابر والمعابد أقاموها بالخشب المبطن "باللاكيه" وهي تمتاز بجمال الأنوثة وضعفها، فالنقوش فاخرة إلى حد الإسراف والبناء نفسه ضعيف، وترى لون الطلاء الأحمر فاقعاً حولك حيثما أدرت البصر، كأنه مسحوق الزينة الأحمر على شفاه امرأة بالغت فيه، تراه فاقعاً وسط أخضر الأشجار الباهتة، ومع ذلك فلنا أن نقول إن بلداً يزدهر بالأزهار كل ربيع، قد يكون أحوج إلى ألوان ساطعة للتعبير عن مشاعره، من بلد أقل اضطراماً في عاطفته يقنعه ويرضيه ما هو أقل من ذلك سطوعاً. وليس في وسعنا أن نقول إن هذه العمارة جبارة، لأن شيطان الزلازل قد



 صفحة رقم : 1533   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن العمارة


شاء لليابان أن تبنى على نطاق متواضع، وألا تركم الحجارة بعضها فوق بعض حتى تعلوا إلى السماء، بحيث تتقوض حطاماً حين تعبس الأرض عبوساً يغضن جلدها؛ ومن ثم تراهم يبنون بيوتهم من الخشب، وندر أن يرتفع البيت عن طابق واحد أو طابقين؛ ولم يجعل أهل المدن سقوفهم من القرميد - إذا استطاعوا إلى نفقاته سبيلا - إلا بعد أن عانوا من الحرائق المتكررة، وبعد أن أمرت الحكومة بذلك أمراً جعلت تتشدد في تنفيذه، عندئذ فقط اضطر أهل المدن أن يغطوا بالقرميد أكواخهم أو قصورهم الخشبية. ولما تعذر على أبناء العلية أن يشمخوا بقصورهم إلى السحاب، راحوا ينشرونها على أرض فسيحة، على الرغم من الأمر الإمبراطوري الذي يحدد مساحة الدار الواحدة بمائتين وأربعين ياردة مربعة؛ ويندر أن يكون القصر بناء واحداً، بل كان القصر في العادة يتألف من بناء رئيسي متصل بوساطة مماش مسقوفة بأبنية فرعية تعد لمختلف فروع الأسرة؛ ولم يكن من عاداتهم أن يخصصوا غرفة للطعام وغرفة للجلوس وغرفة للنوم، فالغرفة الواحدة تستخدم لكل الأغراض؛ فإذا شاءوا طعاماً فما هي إلا لحظة واحدة، حتى ترى المائدة قد مدت على أرضية الغرفة المغطاة بالحصير، وإن أرادوا نوماً، فما عليهم إلا أن يمدوا فراش النوم المطوية، فيخرجوها من مخبئها وينشروها على الأرض مدة الليل؛ والجدران قوامها أجزاء تتداخل، أو تزال من مواضعها، وبذلك يمكنهم فصل الحجرات بعضها عن بعض أو فتح بعضها على بعض، بل إن الحائط الخارجي نفسه - بما فيه من شبابيك ونوافذ، يمكن طيه بسهولة ليمكنوا أشعة الشمس من الدخول كاملة، ولنسيم المساء البارد من التغلغل في ديارهم؛ وهم يضمون في منازلهم أستاراً جميلة من فلقات الخيزران، فتكسبهم تلك الأستار ظلاً وستراً في آن معاً؛ والنوافذ هناك من علامات الترف، إذ ترى بيوت الفقراء ذات فتحات كثيرة تُترك على حالها في الصيف ليدخل الضوء، حتى إذا ما جاء الشتاء سدوها بصنف من الورق



 صفحة رقم : 1534   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن العمارة


المشمع ليتقوا برد الشتاء، إن نظرة إلى فن العمارة في اليابان تدلك على أن تلك العمارة ولدت في بلاد حارة، ثم نقلت في غير حذر إلى جزائر تمتد بأعناقها شمالاً حتى تصل إلى كامشتكا التي ترتعش من شدة البرد وهذه المنازل البسيطة الرقيقة إذا ما شهدتها في المدن الجنوبية ألفيت لها أسلوباً معمارياً وجمالاً خاصاً يميزها، وهي هناك مساكن ملائمة لشعب كان يوماً من أبناء الشمس الذين تملؤهم نشوة المرح.



 صفحة رقم : 1535   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المعادن والتماثيل


الفصل السابع



المعادن والتماثيل



السيوف - المرايا - ثالوث هوريوجي - التماثيل الكبيرة - الدين والنحت


كان سيف الرجل من طائفة "السيافين" أصلب عوداً من مسكنه؛ لأن صناع المعادن في اليابان بذلوا جهدهم كله في صناعة أسياف تفوق أسياف دمشق وطليطلة(61)، فقد كانوا يصنعونها من المضاء بحيث تكفي ضربة واحدة منها لشق الرجل من كتفه إلى فخذه؛ وكذلك كانوا يزخرفونها بالمقابض والمدلَّيات التي يسرفون في تزيينها، أو في ترصيعها بالجواهر، إسرافاً لم يجعلها دائماً صالحة للنقل؛ ومن صناع المعادن من كانوا يختصون بصناعة المرايا من



 صفحة رقم : 1536   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المعادن والتماثيل


البرونز، يصقلونها صقلاً أثار خيال أصحاب الأساطير، بحيث راحوا يروون أساطيرهم إعجاباً بما بلغته تلك المرايا من كمال؛ من ذلك مثلاً أن فلاحاً اشترى مرآة لأول مرة، ونظر إليها فظن أنه يرى فيها وجه أبيه الميت، فأخفاها على أنها كنز ثمين؛ لكنه كان يتسلل إليها فارتابت زوجته في أمره، وأخرجت المرآة يوماً من مكمنها، فما كان أشد فزعها حين رأت امرأة في مثل سنها، ورجحت أن تكون تلك المرأة خليلة زوجها(62)؛ ومن هؤلاء الصناع من افتنَّ في صناعة الأجراس الضخمة، مثل ذلك الجرس العظيم في نارا (732 ميلادية) الذي تبلغ زنته تسعة وأربعين طناً، وكانوا يستخرجون من تلك الأجراس أنغامها الحلوة - أحلى من الأصوات التي تنبعث من مصفقاتنا المعدنية في الغرب - بطرقها بلسان من خارجها، يهزونه بوساطة عمود خشبي متأرجح. وكان النحاتون أميل إلى استخدام الخشب أو المعدن منهم إلى استخدام الحجر، لفقر بلادهم في الجرانيت والمرمر؛ ومع ذلك، فعلى الرغم من صعوبات المادة كلها؛ استطاعوا أن يفوقوا معلميهم من أهل الصين وكوريا، في هذا الفن الذي هو أوضح فن في تحديد معالمه - فسائر الفنون كلها تحاول في خفاء أن تحاكي ما يفعله النحات صابراً حين يزيل ما لا يجوز بقاؤه من مادته، وأقدم آية في فن النحت الياباني تقريباً وربما كانت كذلك أعظم آيات اليابان في ذلك الفن - هي "ثالوث هوريوجي" البرونزي-



 صفحة رقم : 1537   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المعادن والتماثيل


وقوامه بوذا جالساً على برعم من براعم اللوتس بين بوذيْن منتظَرَيْن، أمام ستار وهالة من البرونز، لا يفوقهما جمالاً إلا الوشي الحجري الذي نراه على ستار "أورنجزيب" في "تاج محل"؛ ولسنا ندري من ذا أبدعت يداه هذه المعابد فأقامها، وتلك التماثيل فنحتها؛ ولنا أن نقول إنها من إرشاد معلمين كوريين، أو أنها اقتفت نماذج من الصين؛ أو أنها تعزى إلى حوافز من الهند، بل لنا أن نقول إنها متأثرة بمؤثرات يونانية جاءتها من أيونيا البعيدة عبر ألف من السنين؛ لكن الذي لا نشك فيه هو أن هذا الثالوث آية من أبدع آيات الفن في تاريخه كله . ويجوز أن يكون قِصَر قامة اليابانيين، بحيث توشك أجسامهم أن تنوء بحمل مطامحهم وقدراتهم الروحية، هو الذي جعلهم يلتمسون المتعة في إقامة التماثيل الضخمة؛ وقد وفقوا في هذا الفن المحفوف بمواضع الزلل، أكثر مما وفق المصريون أنفسهم؛ فلما فشا الجدري في اليابان سنة 747، كلف الإمبراطور "شومو" "كيميمارو" أن يصوغ تمثالاً ضخماً لبوذا استرضاء للآلهة؛ فاستخدم "كيميمارو" لهذه الغاية أربعمائة وسبعة وثلاثين طناً من البرونز، ومائتين وثمانية وثمانين رطلاً من الذهب، ومائة وخمسة وستين رطلاً من الزئبق، وسبعة أطنان من الشمع النباتي، وعدة أطنان من الفحم، وقد تطلب هذا العمل عامين، واقتضى سبع محاولات؛ فصب الرأس في قالب واحد، أما البدن فكان مؤلفاً من رقائق معدنية كثيرة لصق بعضها ببعض،



 صفحة رقم : 1538   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المعادن والتماثيل


ثـم غطيت بغشـاء سميك مـن الذهب؛ وإن الأجنبي عـن اليابان ليعجب لتمثال بوذا "وايبوستو" القائم في "كاماكورا"، أكثر مما يعجب لذلك التمثال الكئيب العابس في "نارا" وتمثال "وايبوستو" هذا مصبوب من البرونز تم صنعه سنة 1252 على يدي "أونوجرينمون"، ولعل ما يجعل حجم هذا التمثال مناسباً للغاية منه، كونه جالساً على مرتفع في الفضاء المكشوف، محوطاً بمنظر جميل من الشجر، فضلاً عن أن الفنان هنا قد عبر ببساطة تدعو إلى العجب، عن روح بوذا في تأمله وسكينته؛ وكان هذا التمثال بادئ الأمر قائماً في معبد - كما هي الحال اليوم في التمثال القائم في "نارا" - لكن حدث في سنة 1495 أن اجتاحت المكان موجة من البحر، فاكتسحت المعبد والمدينة جميعاً، تاركة فيلسوفنا البرونزي هادئاً وسط هذا الخراب الشامل، وما ملأ الأرض حوله من عذاب وموت، كذلك شيد "هيديوشي" تمثالاً ضخماً في كيوتو، ولبث خمسون ألف رجل يعملون مدى خمسة أعوام في إقامة هذا التمثال لبوذا؛ بل كان الحاكم العظيم نفسه يتلفع أحياناً بثوب عامل بسيط، ويعاون العاملين في إقامة التمثال معاونة كبرى؛ لكنه لم يكد يتم بناؤه، حتى زلزلت الأرض سنة 1596 فألقت به على الأرض هشيماً، ونثرت حطام جزئه الداخلي الذي كان مفروضاً أن يكون حرماً وموئلاً، نثرتها حول رأسه؛ ويروى في اليابان أن "هيديوشي" رمى الصنم المحطم بسهم قائلاً في ازدراء: "لقد أقمتك هاهنا بباهظ النفقات، فلم تستطع حتى حماية معبدك"(65). في هذا المدى الذي يتفاوت فيه الحجم: من أمثال هذه التماثيل الضخمة إلى المدليات (النتسوكا) الصغيرة، تناول النحت الياباني كل ضروب الأشكال في شتى ضروب الأحجام: فأحياناً ترى سادة هذا الفن - مثل "تاكامورا" في يومنا هذا - ينفقون أعواماً من العمل المتصل في صناعة تماثيل لا تكاد



 صفحة رقم : 1539   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المعادن والتماثيل


تبلغ قدماً واحدة في طولها؛ وكان يمتعهم أن يصوروا بتماثيلهم تلك كهولاً في الثمانين التَوَت أبدانهم؛ أو شرهين يمرحون في الشره، أو كهنة متفلسفين؛ وإنه لمن الخير أن نرى روح الفكاهة في عملهم قد شجعهم على المضي في فنهم، لأن معظم الكسب الذي كانت تدره صناعتهم، كان يستولي عليه مستخدموهم الدهاة؛ وكانوا في تماثيلهم الكبيرة مقيدين بتقاليد خاصة بموضوع التمثال،



 صفحة رقم : 1540   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> المعادن والتماثيل


أو بطريقة أدائه، مما يفرضه عليهم الكهنة؛ فالكهنة إنما أرادوا من هؤلاء النحاتين أن يصوروا لهم آلهة لا نساء فاجرات، أرادوا أن يوحوا إلى الناس بالتقوى، أو أن يحيطوا فضائلهم بعوامل الخوف لا أن يستثيروا في الناس إحساسهم بالغبطة والجمال، ولما كان النحاتون مرتبطين يداً وروحاً بالدين فقد تدهور فن النحت حين بردت حرارة الإيمان وذهبت قوته؛ وكما حدث في مصر من قبل، رأينا أنه لما غاض معين التقوى، بقيت صلابة التقاليد في الفن دليلاً على برودة الموت.



 صفحة رقم : 1541   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الخزف


الفصل الثامن



الخزف



الدافع من الصين. خزافو هيزن - الخزف والشاي - كيف استحضر



"جوتو سايجيروا" فن الخزف الرقيق من هيزن إلى كاجا - القرن التاسع عشر


إنه ليس من العدل التام بالنسبة إلى اليابان، أن نتحدث عن استجلابها لمدينتها من كوريا والصين، إلا بالمعنى الذي نقصده من مثل هذا الكلام حين نقول عن شمالي غربي أوربا إنه أخذ مدينته عن اليونان وروما؛ هذا إلى أنه يجوز لنا أن نعد شعوب الشرق الأقصى كلها وحدة بشرية وثقافية، وكل جزء من أجزاء هذه الوحدة - شأنها في ذلك شأن أقاليم القطر الواحد - قد أنتج فنه وثقافته في مكانه الخاص وزمانه الخاص، بحيث جاءت تلك الثقافة وذلك الفن يشبهان ويعتمدان على ما أنتجته بقية الأجزاء من ثقافة وفن؛ وعلى هذا نرى الخزف الياباني جزءاً من الفن الخزفي في الشرق الأقصى، ووجهاً من وجوهه؛ وهو في أساسه شبيه بالخزف الصيني، إلا أنه مطبوع بطابع يميزه من الرقة والرشاقة اللتين تميزان الفن الياباني كله؛ وقد كان الخزف الياباني - حتى قدوم الصناع الكوريين في القرن السابع - مجرد صناعة خالية من لمسة الفن، أعني أنه كان لا يعدو أن تصب المادة صباً على نحو غليظ لتكون آنية للاستعمال اليومي؛ والأرجح أنه لم يكن في الشرق الأقصى قبل القرن الثامن خزف مصقول، وأكثر من هذا ترجيحاً أنه لم يكن به نوع الخزف المسمى "بورسلان"(66)، ثم أصبحت الصناعة فناً، وكان أكبر العوامل على هذا التطور دخول الشاي في القرن الثالث عشر؛ فقد صحب الشاي عند دخوله البلاد أقداح صينية لشربه من طراز "صنج" فأثارت الإعجاب عند أهل اليابان؛ حتى غامر خزاف ياباني سنة 1223 وهو "كاتوشيروزيمون"،



 صفحة رقم : 1542   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الخزف


فسافر إلى الصين، ودرس هناك فن الخزف مدى ستة أعوام، وعاد بعدها ليقيم مصنعاً له في سيتو، وتفوق بضاعته على كل ما سبقه في بلاده من هذه الصناعة، حتى أصبحت "منتجات سيتو" علماً على كل صناعة خزفية في اليابان كلها، وذلك شبيه بما حدث في اللغة الإنجليزية في القرن السابع عشر، حين أطلقت كلمة "منتجات صينية" على الخزف البورسلاني؛ وقد كتب الحاكم العسكري "يوريتومو" الثراء لذلك الخزاف "شيروزيمون" حين ابتدع بدعاً جديداً، وهو أن يكافئ الخدمات الصغرى بهدايا من أباريق الشاي التي "صنعها شيروزيمون"، هذا بعد أن يملأها بهذه الأعجوبة الجديدة، وهي مسحوق الشاي، وما بقي لنا اليوم من آثار هذه المنتجات - ويطلق عليها اسم "توشيرو - ياكي" - يكاد يغلو عن أي ثمن مهما غلا، وترى تلك الآثار باقية ملفوفة في الحرير الموشي الثمين، ومصونة في صناديق من خشب "اللاكيه" الجميل، وإذا حدثك محدث عن أصحابها، حدثك عنهم بأنفاس متقطعة على أنهم سادة خبراء الفن(67). وبعد ذلك بثلاثمائة عام، أغرت الصين يابانياً آخر بالرحلة إليها، وهو "شونْزِوِي" ليدرس مخازفها المشهورة؛ ولما عاد إلى بلاده، أنشأ مصنعاً في "أريتا" في إقليم "هيزن"، وكان مما قام في وجهه من صعاب، أنه لم يجد في تربة بلاده المواد المعدنية التي تعين على صناعة الخزف الرقيق، كالتي توجد في تربة الصين؛ وقد قيل عن منتجاته إن عنصراً من أهم عناصرها مستمد من عظام صُنَّاعه، ومهما يكن من أمر، فمنتجات "شونزِوِي" ذات اللون الأزرق الإسلامي (كذا؟) قد بلغت من الروعة حداً أغرى خزافي الصين في القرن الثامن عشر أن يبذلوا وسعهم في تقليدها وتصديرها مُزَوَّدة باسمه، والعينات الباقية من صناعته، تقـدر اليــوم بما يقـدر به أندر الصـور



 صفحة رقم : 1543   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الخزف


الفنية التي رسمتها ريشة الصفوة من أعلام الفن في اليابان(68)، وحدث حوالي سنة 1905، أن كشف رجل من كوريا - هو "رايزمبي" - في "إزومي - ياما" الواقعة في إقليم "أريتا" عن رواسب غزيرة من حجر البورسلان، فأصبحت "هيزن" منذ ذلك الحين مركزاً لصناعة الخزف في اليابان، وكذلك كان "كاكيمون" المشهور ممن قاموا بهذه الصناعة في "أريتا" إذ تعلم فن الطلاء بالميناء من ربان سفينة صينية، وبعدئذ احترف هذه الصناعة حتى كاد اسمه يصبح كلمة معناها البورسلان الذي طلى بالميناء طلاء رقيق الزخارف، وراح التجار الهولنديون يرسلون إلى أوربا مقادير هائلة من مصنوعات هيزن، كانوا يعبئونها في السفن من ميناء "أريتا" عند "عماري"، فأرسلوا من ذلك 943ر44 قطعة إلى هولندا وحدها عام 1664، فأثارت "المنتجات العمارية" الباهرة هزة في أوربا، وأوحت إلى "إيبرجت دي قيصر" أن يفتتح عهداً ذهبياً من صناعة الخزف الهولندية بمصانعه في "دلفت". هذا إلى أن ظهور الاحتفال بشرب الشاي، قد حفز على تطور جديد في اليابان، وذلك أنه في عام 1578 كلَّف "نوبوجانا" - بإشارة من "ركْيُو" سيد الشاي - أسرة كورية من المشتغلين بصناعة الخزف في كيوتو، أن تصنع له مقداراً كبيراً من أقداح الشاي وغيرها من الأدوات المستعملة في عمله وشربه، ومضت أعوام قلائل بعد ذلك ثم أهدى "هيديوشي" تلك الأسرة خاتماً ذهبياً، وجعل مصنوعاتها وتعرف باسم "راكو - ياكي" شرطاً يكاد يكون لازماً لتمام الاحتفال بشرب الشاي، وعاد قادة جيش هيديوشي من حملتهم الفاشلة على كوريا، عادوا ومعهم عدد كبير من الأسرى، كان بينهم كثير من رجال الفن، اختيروا قصداً، وهو اختيار لا نألفه في رجال الحروب، وفي سنة 1596 أحضر "شيمازويو شيهيرو" إلى "ساتسوما" مائة من مهرة الكوريين، بينهم سبعة عشر خزَّافاً، فكان لهؤلاء الرجال وأخلاقهم الفضل



 صفحة رقم : 1544   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الخزف


في نشر سمعة "ساتسوما" في أرجاء العالم كله مقرونة بتلك المصنوعات الخزفية المصقولة الزاهرة الألوان، والتي نطلق عليها اليوم اسم مدينة إيطالية، إذ نسميها "فاينْس"، وكان علم أعلام هذا الفرع من فن الخزف هو خزف كيوتو، واسمه "نِنسي"، ولم يكتف هذا الرجل بابتكاره بطلي خزف "فاينس" بالميناء، بل أضاف إلى ذلك رشاقة في مصنوعاته واعتدالاً سليم الذوق يعلو بقيمتها، مما جعلها نفيسة في أعين هواة هذا الفن منذ ذلك اليوم، حتى إن اسمه ليزوَّر أكثر مما يزور أي اسم آخر من رجال الفن في اليابان(69)، وقد كان من أثر صناعته، أن أقبل الناس على خزف "فاينس" المزخرف، إقبالاً بلغ في العاصمة حد الجنون، وفي بعض الأحيان في كيوتو كنت ترى منزلاً من كل منزلين قد انقلب تحفة خزفية(70)؛ وهناك خزاف آخر، لا يفوقه شهرة إلا "نِنسى" وهو "كِنزان" الذي كان شقيقاً أكبر للمصور "كورين". وهنالك قصة تروي عن كيفية إحضار "جوتوسايجيرو" لفن البورسلان من "هيزن" إلى "كاجا"، ومن تلك القصة نتبين طرفاً من أعاجيب الخيال التي كثيراً ما نراها كامنة وراء فن الخزف في نشأته وتطوره، وذلك أن طبقة من رواسب الحجر الخزفي الجميل قد استُكشفت قريباً من قرية "كوتاني"، فصمم الحاكم الإقطاعي في ذلك الإقليم على إنشاء صناعة البورسلان في إقليمه، وأرسل جوتو إلى هيزن لدراسة طرائق صناعته في الأفران وزخرفته بالرسوم، لكن جوتو لم يجد طريقه ميسَّراً، إذ وجد القائمين على صناعة الخزف يكتمون أسرار صناعتهم كتماناً شديداً، وأخيراً تنكر خادماً وقبل عملاً وضيعاً في منزل خزاف، وبعد أن قضى في خدمته ثلاثة أعوام أذن له سيده بالدخول في مصنع الخزف، وهناك لبث جوتو يعمل أربعة أعوام أخرى؛ وبعدئذ هجر الزوجة التي كان تزوج بها في هيزن والأطفال الذين أنجبتهم له تلك الزوجة، وفر إلى كاجا، حيث أحاط مولاه علماً كاملاً بالطرائق التي تعلمها، ومنذ ذلك الحين (1664) أصبح خزافو "كوتاني" أعلاماً في هذا



 صفحة رقم : 1545   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الخزف


الفن، وباتت "كوتاني" - "ياكا" (أي مصنوعات كوتاني) تنافس خيرة منتجات اليابان في هذا الباب(71). واحتفظت مصانع "هيزن" لمنتجات الخزف بزعامتها إبان القرن الثامن عشر كله؛ وكان ذلك يرجع إلى حد كبير إلى العناية الكريمة التي أولاها الحاكم الإقطاعي "هيرادو" عمال مصانعه، ولبثت مصنوعات الخزف الأزرق المسماة "منشاواكي" والتي كانت تنتمي لـ "هيرادو"، لبثت قرناً كاملاً (1750-1843) في طليعة البورسلان الياباني، ثم نَقَلَ "زنجورو هوزن" الزعامة في القرن التاسع عشر إلى كيوتو، بتقليد بارع لمصنوعات "متشاواكي"، كثيراً ما بز فيها النموذج المحتذي، بحيث كان يستحيل أحياناً أن تفرق بين الأصل والتقليد، وفي الربع الأخير من ذلك القرن، هذبت اليابان من صناعة الطلي بالميناء، فطوَّرتها من الحالة البدائية التي كانت عليها منذ قدومها من الصين، وتزعمت العالم كله في هذا الميدان من ميادين الصناعة الخزفية(72)، وتدهورت فروع أخرى من تلك الصناعة في الفترة عينها، لأن ازدياد الطلب في أوربا للخزف الياباني، أدى إلى نمط فيه إسراف في الزخرف، لا يستسيغه الذوق الياباني، فكان من أثر هذا الطلب للخزف الياباني من خارج البلاد، أثر في تعويد العمال عادات جديدة في صناعتهم تأثرت بها مهارتهم، وضعفت تقاليد ذلك الفن، وجاءت الصناعة الآلية فكانت هاهنا - كما كانت في كل مكان آخر - وبالاً؛ فحل الإنتاج الكبير محل الجودة، كما حل الاستهلاك الكبير محل الذوق الذي يميز الطيب من الخبيث، ومن يدري؟ فلعله بعد أن يفرغ الاختراع الآلي في الصناعة من شوطه الخصيب، وبعد أن تنتشر في الناس نعمة الفراغ وطريقة استعماله استعمالاً فيه خلق وإبداع، بفضل ما يطرأ على المجتمع من تنظيم وخبرة، ستتحول هذه النقمة إلى نعمة، بحيث تنشر الصناعة في أكثرية الناس ألوان الترف، فقد يعود العامل فيصبح فناناً كما كان - بعد أن يستكمل ساعات عمله القليلة أمام الآلة - وقد يحول الإنتاج الآلي إلى عمل يعبر فيه عن شخصيته وفنه إذا ما أحبه حباً صادراً من صميم نفسه وفرديته.



 صفحة رقم : 1546   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


الفصل التاسع



التصوير



مشكلات الموضوع - الطريقة والمادة - القوالب الفنية والمثل



العليا - الأصول الكورية والوحي البوذي - مدرسة توسا - العودة إلى



الصين - سشيو - مدرسة كانو - كوينسو - وكورين - المدرسة الواقعية


لئن كانت سائر الموضوعات التي مسسناها بالحديث على هذه الصفحات مما لا ينبغي فيه الحديث لغير المتخصصين، فذلك أصدق بالنسبة للتصوير الياباني؛ وإذا نحن استملناه هاهنا بكلامنا جنباً إلى جنب مع غيره من الموضوعات التي تمس خفايا النفس، حيث تخشى الملائكة أن تدوس بأقدامها في غير احتفال، فإنما نشتمله بالكلام آملين أن يستطيع القارئ خلال هذه الغلالة التي نقدمها له من نسيج الأخطاء، أن يلمح قبساً يهديه إلى لب الحضارة اليابانية في تمام خصائصها وجودة عنصرها، فآيات التصوير الياباني نتاج فترة من الزمن طولها ألف ومائتا عام، تتقسمها كثرة متشابكة الخيوط من مختلف المدارس؛ وقد طرأ على تلك الآيات الفساد أو الضياع على مر الزمن، وتكاد كلها تكون خبيثة بين المجموعات الخاصة في اليابان . وأما الآيات القليلة المعروضة لأعين الباحثين من الأجانب، فمختلفة في قالبها وطريقتها وأسلوبها ومادتها عن الصور الغربية اختلافاً، يستحيل معه إصدار حكم سليم عليها من عقل غربي. فالصور اليابانية - قبل كل شيء تشبه نماذجها في الصين من حيث



 صفحة رقم : 1547   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


إنها رُسمت أول ما رسمت بنفس الفرجون الذي كان يستخدم للكتابة؛ والكلمة التي معناها كتابة، والأخرى التي معناها تصوير، هما في الأصل كلمة واحدة - كما هي الحال أيضاً عند اليونان، فالتصوير كان عبارة عن فن خطي؛ وهذه الحقيقة الأساسية قد تفرع عنها نصف خصائص التصوير في الشرق الأقصى، بادئاً من المادة المستعملة في التصوير، ومنتهياً إلى إخضاع اللون للتخطيط، فالمواد المستعملة بسيطة: مداد أو ألوان مائية، وفرجون وورق نشاف أو حرير نشاف، وأما العمل نفسه فعسير: فالفنان لا يعمل وهو واقف، بل يعمل جاثياً على ركبتيه، منحنياً على قطعة الحرير أو قطعة الورق المنشورة على الأرض؛ ولابد له من ضبط يده في التخطيط بالفرجون، حتى يستطيع أن يخط إحدى وسبعين درجة أو أسلوباً من درجات التخطيط أو أساليبه(73)؛ وكانت الرسوم ترسم على الجدران في القرون الأولى، أيام أن كانت البوذية مسيطرة على الفن في اليابان، على نحو ما كانت ترسم الصور الجدارية في "أجانتا" أو "تركستان"؛ غير أن كل ما بقي لدينا تقريباً من أعمال فنية واسعة الشهرة إما أن تكون من نوع الـ "ماكيمونو" (أي اللفائف) أو نوع الـ "كاكيمونو" (أي التعاليق) أو من نوع الستائر، ولم تكن هذه الصورة ترسم لتعرض في متاحف الفن عرضاً يخلو من استساغة المشاهدين لفنها - إذ ليس في اليابان متاحف للفن - إنما كانت ترسم لتكون متعة لناظري مقتنيها وأنظار أصدقائه؛ أو كانت تُرسم لتكون جزءاً من زينة زخرفية في معبد أو قصر أو منزل؛ وكان من النادر جداً أن تصور تلك الرسوم أشخاصاً معينين، إذ كان معظمها يصور لمحات من الطبيعة، أو مشاهد من النشاط العسكري، أو قبسات فكهة أو تهكمية تصور ما يشاهده الفنان من طرائق العيش عند الحيوان أو بني الإنسان نساء ورجالاً. كانت صورهم أقرب إلى أن تكون قصائد تعبر عن وجدان الفنان، منها إلى أن تكون رسماً لأشياء؛ كما كانت أدنى شبهاً بالفلسفة منها بالتصوير



 صفحة رقم : 1548   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


الفوتوغرافي؛ فلم يحاول الفنان الياباني أن يلتزم الواقع في تصويره، وقلما أراد أن يقلد برسمه الصورة الخارجية للشيء المرسوم، فقد نفض يديه، في ازدراء من ظلال الأشياء، على اعتبار أنها لا تتصل بجواهر الأشياء، مؤثراً لنفسه أن يصور "في الهواء الطلق" بمعنى أنه لا يتقيد بتجسيم الشيء بوساطة تأثير النور والظل، وهو يبتسم ساخراً بالغربيين في إصرارهم على أن يخضعوا الأشياء البعيدة لقواعد النظر في رؤيته للأشياء على أبعاد، بحيث تصغر تبعاً لذلك أو تكبر، يقول "هوكاساي" - في تسامح فلسفي - "إن التصوير الياباني يمثل القالب واللون بغض النظر عن التجسيم. أما طرائق الأوربيين فتهدف إلى التجسيم والإيهام"(74)؛ أراد الفنان الياباني أن ينقل شعوراً أكثر مما ينقل شيئاً، أراد أن يوحي أكثر مما يعرض الشيء بأكمله كما هو، ففي رأيه لا يلزم أن تبين من عناصر المنظر المرسوم أكثر من عدد قليل، فالأمر هنا في التصوير كالأمر في الشعر الياباني، الذي لا يسمح بالزيادة في القول عن مجرد القدر الذي يكفي لإثارة وجدان التقدير الفني في السامع، بحيث يعمل خياله إعمالاً يكمل به النتيجة الجمالية المراد بلوغها، وكان المصور شاعراً، يقدر إيقاع التخطيط، ويقدر موسيقى القوالب، أكثر جداً مما يقدر أشكال الأشياء وطرائق بنائها التي تختار اختياراً كما اتفق، وهو كالشاعر يعتقد أنه لو أخلص لمشاعره، فحسبه هذا القدر من الواقعية. ويحتمل أن تكون كوريا هي التي جاءت بفن التصوير للإمبراطورية القلقة التي تم لها عندئذ غزوها، وأغلب الظن أن بعض رجال الفن من كوريا هم الذين رسموا الصور الجدارية ذات الانسياب في خطوطها والازدهار في ألوانها التي تراها في "معبد هوريوجي"، لأنك لا تجد شيئاً في تاريخ اليابان فيما قبل القرن السابع، تفسر به مثل هذا الإنتاج القومي المفاجئ الذي بلغ فيه كمال الفن روعة لا يعيبها خطأ، ثم جاءها الحافز الثاني من الصين



 صفحة رقم : 1549   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


مباشرة، حين ذهب إليها الكاهنان اليابانيان "كوبودايشي" و "دنجيودايشي" ليدرسا فيها فن التصوير، فلما عاد "كوبودايشي" (سنة 806) إلى اليابان، كرس نفسه للتصوير وللنحت وللأدب والعبادة في آن معاً، وبعض الآيات التي تعد من أقدم الآيات الفنية، هي من نتاج فرجونه المتعدد المواهب؛ وكانت البوذية أيضاً مصدر وحي للفنان في اليابان كما كانت مصدر حي له في الصين، فممارسة الحالة التأملية البوذية المعروفة باسم "زن" قد اتجهت ناحية الإبداع في ناحيتي اللون والشكل، بقوة تكاد تقرب من القوة التي اتجهت بها نحو الفلسفة والشعر؛ وكثرت مناظر "اميدا بوذا" في الفن الياباني كثرة مناظر البشرى بمولد المسيح ومناظر صَلْبه على الجدران واللوحات التي ترجع إلى عهد النهضة الأوربية؛ والكاهن "ييشين سوزو" (مات سنة 1017) هو لليابان بمثابة "فرا إنجليكو" و "إلى جريكو" لذلك العصر، فتصويره لصعود "أميدا" وهبوطه جعله أعظم مصور ديني في تاريخ اليابان؛ وكان عندئذ "كوسي نو - كا نوكا" (حوالي 950) قد بدأ في جعل التصوير الياباني علماني الصبغة؛ وهاهنا بدأت الطيور والزهور والحيوان تنافس الآلهة والأولياء على لوحات التصوير. غير أن فرجون "كوسي" كان ما يزال يتحرك على أساس القواعد الصينية ويفكر بعقول أهل الفن في الصين؛ ولم تبدأ اليابان في قرونها الخمسة التي اعتزلت بنفسها فيها وأخذت خلالها تصور مناظرها هي، وموضوعاتها هي، بطريقتها الخاصة، إلا حين وقفت علاقات الاتصال بين اليابان والصين في القرن التاسع؛ ونشأت مدرسة قومية لفن التصوير حوالي سنة 1150، تحت رعاية الدوائر الإمبراطورية والأرستقراطية في كيوتو؛ وأعلنت تلك المدرسة سخطها على ما يرد إلى البلاد من الخارج، من حوافز وأساليب في عالم الفن، وأخذت على نفسها أن تزخرف منازل العاصمة الفاخرة، برسوم زهور اليابان ومناظرها الطبيعية، وكان لهذه المدرسة عدة أسماء، كما كان لها عدة أعلام بارزين، فيطلق عليها "ياماتو- ريو" أو الأسلوب



 صفحة رقم : 1550   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


الياباني، و "واجا - ريو" ومعناها كذلك الأسلوب الياباني، و "كاسوجا" باسم مؤسسها المشهور، وأخيراً يطلق عليها "مدرسة توسا" باسم أهم ممثل لها في القرن الثالث عشر، وهو "توسا جون - نو - كومي)؛ ومنذ ذلك الحين، ظل اسم "توسا" يطلق على كل رجال الفن الذين ينتمون إلى تلك المدرسة، وهي مدرسة جديدة بوصفها بالصفة القومية، لأنك لا تجد في الفن الصيني ما يقابل مما أنتجته فراجين أتباع هذه المدرسة من حيث القوة والثبات والتنوع والفكاهة، مما تراه في اللوحات التي تقص قصصاً عن الحب والحرب، فحوالي سنة 1010 رسم "تاكايوشي" بالألوان رسوماً فخمة تصور حكاية "جنجي" وما فيها من غواية، وسرى "توبا سوجو" عن نفسه برسم صور تهكمية نابضة بالحياة، يسخر فيها من أوغاد عصره وكهنته، تحت ستار من القردة والضفادع، ولما وجد "فوجيوارا تاكانوبو" قرب نهاية القرن الثاني عشر، أن حسبه الشريف لا يغنيه شيئاً مذكوراً في إشباع حاجته من الطعام والشراب، استدار للفرجون يكسب به عيشه، ورسم صوراً عظيمة لـ "يورنيومو" وغيره، لا تشبه في شيء قط ما أنتجته الصين حتى ذلك الحين، وصور ابنه "فوجيوارا نوبوزاني" ستاً وثلاثين صورة للشعراء، محتملاً ما في ذلك العمل من صبر، وفي القرن الثالث عشر رسم ابن "كاسوجا" وهو "كيون" - أو غيره. تلك اللوحات الحية التي تعد من أروع ما أنتجه العالم كله في فن التصوير. لكن هذه المصادر القومية التي كانت تبعث الوحي، راحت تجف شيئاً فشيئاً، بحيث تتحول إلى أوضاع تقليدية في الأشكال والأساليب، وعاد الفن الياباني من جديد فالتمس غذاءه عند المدارس الجديدة التي كانت ناهضة في الصين أيام "نهضة صنج"، ولبث اليابانيون حيناً مدفوعين إلى تقليد الصين بغير ضابط، وأنفق الفنانون اليابانيون الذين لم يشهدوا "المملكة الوسطى"



 صفحة رقم : 1551   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


قط، أنفقوا أعمارهم في رسم أشخاص ومناظر من الصين، فرسم "شو دنو" ست عشرة صورة لأولياء بوذيين، هي الآن بين الكنوز المعروضة في "متحف فرير"للفن في واشنطن، وأما "شوبون" فقد شاءت له ظروفه أن يولد وأن ينشأ في الصين، فلما جاء ليقضي حياته في اليابان، استطاع أن يصور مناظر طبيعية صينية مستعيناً في ذلك بذاكرته وبخياله معاً. وكانت هذه الفترة الثانية من فترات التصوير الياباني، هي الفترة التي أنجبت أعظم شخصية ظهرت في تاريخ التصوير كله، وهو "سشيو"، الذي كان كاهناً من طائفة "زن" في "سوكوكوجي"، وهي مدرسة من المدارس الفنية الكثيرة التي أقامها "يوشيمتسوا" الحاكم العسكري من أسرة "أشيكاجا"؛ فقد استطاع "سشيو" هذا وهو لم يزل في يفاعته أن يدهش بني بلده برسومه؛ وتروي عنه أسطورة لم تدر كيف تعبّر عن إجلالها لفنه، تروي أنه ربط ذات يوم إلى عمود لسوء سلوكه، فرسم بأصابع قدميه جرذاناً بلغ شبهها بالجرذان الحية حداً جعل الحياة تدب فيها فتأتي لتقرض الوثاق الذي شد به(75)، ولما اشتد به الشوق إلى الاتصال بسادة الفن في الصين حينئذ اتصالاً مباشراً، حصل على أوراق اعتماد رسمية من رؤسائه الدينيين ومن الحاكم العسكري، ثم عبر البحر، لكن رجاءه خاب حين وجد التصوير الصيني في طريقه إلى التدهور، ثم عزى نفسه بما وجده في تلك المملكة العظيمة من تنوع في الحياة والثقافة، وعاد إلى وطنه مملوءاً بآلاف الأفكار الجديدة التي توحي إليه بما ينبغي أن يفعله؛ وتروي الرواية أن رجال الفن ورجال الطبقة العليا من أهل الصين، صحبوه إلى السفينة التي أعادته إلى بلاده، وأمطروه بورقات بيض ملتمسين منه أن يرسم فيها رسوماً تخطيطية بسيطة - إن لم يَجُدْ عليهم بأكثر من ذلك - ثم يرسلها إليهم؛ ومن ثم - هكذا تقول هذه الرواية - سمي باسمه الرمزي "سشيو"، الذي معناه "سفينة الثلج"(76)، لأن الورقات البيض



 صفحة رقم : 1552   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


تساقطت عليه كما يتساقط الثلج، والظاهر أنه لما بلغ اليابان استقبله الناس هناك استقبالهم لأمير، ومنحه الحاكم العسكري "يوشيماسا" منحاً كثيرة، لكنه رفض هذه المنح كلها - لو أخذنا بما نقرأه عن الأمر - وعاد فأوى إلى أبراشيته الريفية في "شوشو" وهناك راح ينثر الفن نثراً، واحدة في إثر واحدة، كأنما ينتج في كل لحظة نتاجاً تافهاً عابراً أوحت به ظروف اللحظة الراهنة، حتى كاد يخلّد بصوره كل جوانب الصين في مناظرها وحياتها؛ فقلما رأت الصين مثل هذا التنوع كله في موضوعات التصوير عند الفنان الواحد - ولم تر اليابان مثل ذلك قط في تاريخها - كلا ولا رأت مثل هذه القوة في التصور والتصوير معاً، وفي ثبات الخطوط؛ ولما بلغ الشيخوخة، دقَّ رجال الفن في اليابان طريقاً إلى بابه وكرموه فجعلوه - حتى قبل موته - فناناً في طليعة الركب؛ وإن الصورة بريشة "سشيو" لتقدر اليوم عند هواة الصور من اليابانيين، بمثل ما يقدر به هواة الأوربيين صورة بريشة ليوناردو؛ وتروي أسطورة من تلك الأساطير التي تحول الأفكار الغريبة إلى حكايات لطيفة، أن رجلاً كان يملك صورة من رسم "سشيو" ثم اشتعلت النار بمنزله بحيث كان يستحيل عليه النجاة، فبقر بطنه بقراً بسيفه ودسّ في معدته قماشة الصورة النفيسة - ووجدت الصورة بعدئذ سليمة من التلف داخل جثمانه الذي كانت النار قد أكلته إلى نصفه(77). واستمر ازدياد التأثير الصيني في كثير من رجال الفن الذين كانوا في كنف أمراء الإقطاع من الأسرتين العسكريتين: "أشيكاجا" و "توكوجاوا"؛ وكان لكل أمير في حاشيته مصوره الرسمي الذي نيط به أن يدرب مئات الفنانين الناشئين الذين قد تدعو الحاجة المباغتة إلى استخدامهم في زخرفة أحد القصور؛ إذ كانت المعابد عندئذ تُنسى، لأن الفن كان في طريق التحول إلى المجال الدنيوي كلما ازدادت البلاد ثراء؛ ولما دنا القرن الخامس عشر من ختامه، أنشأ "كانو ماسانوبو" في كيوتو تحت رعاية "أشيكاجا" مدرسة



 صفحة رقم : 1553   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


للفنانين العلمانيين، أطلق عليها الجزء الأول من اسمه، وجعلها تتجه بجهدها كله نحو الاحتفاظ بكل شدة بالتقاليد الكلاسيكية الصينية في الفن الياباني؛ وبلغ ابنه "كانو موتونوبو" في هذا الاتجاه مبلغاً جعله عَلَماً لا يمتاز عليه إلا "سشيو" وحده؛ وإن قصة لتروى عنه فتبين بياناً واضحاً كيف أن تركيز الانتباه والثبات على غاية واحدة هما اللذان يكونان العبقرية؛ تقول عنه القصة إنه قد طُلِبَ إليه أن يصور عدداً من طيور الكركيّ فشوهد مساءً بعد مساء يمشي مشية الكركي؛ واتضح أنه كان في كل ليلة يقلد الكركي الذي كان مصمماً على تصويره في اليوم التالي؛ فيظهر أن الإنسان لابد له من الذهاب إلى مخدعه والغاية المنشودة نصب عينيه، حتى يستيقظ في الصباح مشهوراً، وظهر حفيد لـ "موتونوبو" - هو "كانو ييتوكو"، فطوَّر على يديه تحت رعاية هيديوشي، نمطاً فنياً أبعد ما يكون عن الكلاسيكية المتزمتة التي اصطنعها أسلافه، على الرغم من أنه فرعاً من أسرة "كانو"، وجاء "تانيو" فنقل مركز المدرسة من كيوتو إلى بيدو، وعمل في كنف أفراد أسرة "توكوجاوا" وعاون في زخرفة مقبرة "أيياسو" في "نكو" وبالرغم من كل هذه المحاولات نحو مواءمة الفن لظروف العصر، فقد استنفذت أسرة "كانو" دوافعها إلى الفن على مر الزمن، وأدارت اليابان وجهها نحو أعلام آخرين يبدءون لها في تاريخ فنها شوطاً جديداً. وهكذا ظهرت طائفة أخرى من رجال التصوير سنة 1660، وأطلق عليها اسم عَلَمَيها الزعيمين، إذ سميت "مدرسة كويتسو - كورين"، وكان من طبيعة التذبذب الذي يطرأ على الفلسفات وأنماط الفن، أن تنظر هذه المدرسة الجديدة إلى الأوضاع والموضوعات الصينية التي عني بها "سشيو" و "كانو" نظرتها إلى الشيء الرجعي الذي أبلاه الزمان؛ وتلفت الفنانون الجدد يبحثون عن مناظر في بلادهم نفسها، واستوحوا بلادهم الإلهام الفني والموضوعات التي يديرون فيها فنهم ذاك؛ وكان "كويتسو" رجلاً بلغ به



 صفحة رقم : 1554   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


تنوع المواهب حداً يذكّرنا بما قاله "كارلايل" غيرةً من سواه من العظماء، إذ قال إنه لا يعرف عظيماً واحداً لم يكن ليستطيع أن يكون عظيماً في أي مجال شاء؛ ذلك أن "كويتسو" هذا كان ممتازاً في الخط وممتازاً في التصوير، وممتازاً في الرسم على المعادن و "اللاكيه" والخشب؛ وهو شبيه بـ "وليم مورس" في قيامه بحركة إحيائية في سبيل الطباعة الجميلة، وأشرف على قرية قام فيها صُنَّاعُه بمختلف ألوان الفن تحت إرشاده(78)، ولم ينافسه الزعامة في التصوير في عهد "توكوجاوا" إلا "كورين" ذلك المصور البارع للأشجار والأزهار، الذي يحدثنا عنه معاصروه فيقولون إنه كان يستطيع بجرة واحدة من فرجونه أن يطبع ورقة من أوراق السوسن على قماشه الحرير فتحيا(79)؛ ولست تجد مصوراً سواه تمثلت فيه الروح اليابانية الخالصة كاملة كما تمثلت فيه؛ أو أظهر الروح اليابانية كما أظهرها هو إظهار جعله بمثابة النمط لليابان كلها في سلامة ذوقه ودقة فنه . وآخر مدارس التصوير اليابانية التي يسجلها التاريخ، بمعنى كلمة التصوير الدقيق، مدرسة أسسها "مارويامي أوكيو" في كيوتو في القرن الثامن عشر؛ وكان "أوكيو" هذا رجلاً من الشعب، حركت نوازع الفن في نفسه معرفته اليسيرة بالتصوير الأوربي، فصمم أن يهجر الأسلوب القديم بما فيه من نزعة مثالية ونزعة تأثرية قد نفذت منهما عصارة الحياة، وأن يحاول وصفاً واقعياً لمشاهد بسيطة يختارها من الحياة اليومية الجارية؛ وأغرم غراماً خاصاً برسم الحيوان، واحتفظ بصنوف كثيرة من أنواع الحيوان تعيش حوله ليتخذ منها موضوعـات لـفنه؛ وقـد حـدث مـرة أن رسم خـنزيراً مـتوحشاً وأطلع الصيادين



 صفحة رقم : 1555   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


على صورته فخاب رجاءه حين ظن هؤلاء الصيادون أن الخنزير المرسوم يصور خنزيراً ميتاً؛ فلبث يحاول، حتى رسم صورة لخنزير قال عنها الصيادون إن الخنزير الذي تصوره ليس ميتاً، ولكنه نعسان(81)؛ ولما كانت الطبقة العالية في كيوتو مفلسة، اضطر "أوكيو" أن يبيع صوره لأبناء الطبقة الوسطى، ولعل هذه الضرورة الاقتصادية هي التي ألزمته إلى حد كبير أن يختار لفنه موضوعات شعبية، لدرجة أنه جعل يصور بعض غانيات



 صفحة رقم : 1556   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> التصوير


كيوتو، وصعق لذلك فنانو الجيل السابق لجيله، ولكنه مضى في طريقه خارجاً على التقاليد؛ وجاء "موري سوزن" فتقبل زعامة "أوكيو" في التزام الطبيعة في الفن، وقصد إلى حيث تسكن الحيوانات فعاش بينها لكي يتاح له الإخلاص في تصويرها، حتى أصبح أعظم مصور ياباني في رسم القردة والغزلان؛ فلما مات "أوكيو" (1795) كان الواقعيون قد كسبوا السيادة التامة على فن التصوير، واستطاعت مدرسة شعبية خالصة أن تستوقف الأنظار، لا في اليابان وحدها، بل في أرجاء العالم كله.



 صفحة رقم : 1557   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


الفصل العاشر



الصور المحفورة



مدرسة "يوكيوبي" - مؤسسوها - أعلامها - هوكوساى - هيروشيجا


إنها لأضحوكة أخرى من أضاحيك التاريخ أن يكون الفن الياباني أقرب إلى الغرب علماً وأعمق فيه تأثيراً، عن طريق جانب من جوانبه، هو أقل تلك الجوانب منزلة في اليابان نفسها؛ فقد تحول فيما يقرب من منتصف القرن الثامن عشر، فن الحفر الذي كان قد وفد على اليابان في ثنايا التعاليم البوذية وملحقاتها قبل ذاك بخمسمائة عام، تحول فأصبح أداة لتوضيح الكتب وحياة الناس بالرسوم، ذاك أن الموضوعات القديمة والطرائق القديمة كانت قد فقدت رونق الجدة ففقدت بذلك اهتمام الناس بها، إذ أترع هؤلاء الناس بصور القديسين البوذيين والفلاسفة الصينيين، والحيوانات التي استغرقت في التأمل، والزهور التي ترمز للطهر والبراءة؛ ونهضت طبقات جديدة من الناس فاحتلت مكان الصدارة، وافتقدت في الفن تصويراً لشؤون حياتهم، وراحت تخلق من رجال الفن من يُقبل راضياً على إشباع تلك الرغبات؛ فلما كان التصوير يتطلب فراغاً ونفقات، ولا ينتج إلا صورة واحدة في المرة الواحدة، عمل الفنانون الجدد على اصطناع فن الحفر لتحقيق غاياتهم، فحفروا الصور في الخشب، وبذلك تمكنوا من إصدار عدد رخيص من الصورة الواحدة بمقدار ما يطلب سوادُ الشارين في السوق، وكانت هذه الرسوم المحفورة تلوَّن باليد أول الأمر حتى إذا جاء عام 1740 صنعت ثلاثة "كليشيهات" للصورة الواحدة: واحدة لا لون فيها، وثانية لوِّن جانب منها باللون الأحمر الوردي، وثالثة لونت في بعض أجزائها باللون الأخضر، ثم كانت الأوراق المراد طبعها على "الكليشيهات" بالتناوب، وأخيراً في



 صفحة رقم : 1558   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


سنة 1764 صنع "هارونوبو" أول كليشيهات متعددة الألوان، فمهد بذلك الطريق إلى تلك الرسوم الناصعة التي رسمها "هوكوساى" و "هيروشيجي". والتي جاءت للأوربيين الذين ملوا الثقافة القائمة وتحرقوا ظمأ لكل ما هو جديد. جاءت تلك الرسوم للأوربيين حافزاً وموحياً؛ وهكذا ولدت مدرسة "يوكيوبي" التي جعلت موضوعها "صور الحياة العابرة". ولم يكن مصوروها أول من جعل الإنسان العاري من الألقاب موضوعاً للفن؛ فقد سبق لـ "إواسا ماتابي" في أوائل القرن السابع عشر أن أدهش فئة "السيافين" بتصويره على ستار سداسيّ الجوانب رجالاً ونساء وأطفالاً في



 صفحة رقم : 1559   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


أوضاع الحياة اليومية بغير تحفظ؛ وقد وقع اختيار الحكومة اليابانية سنة 1900 على هذا الستار "واسمه هيكوني بيوبو" لعرضه في باريس، وأمَّنت على سلامته أثناء الرحلة بثلاثين ألف ين (وهو ما يعادل خمسة عشر ألف ريال)(82) وفي سنة 1660 صنع "هيشيكاوا مورونوبو" مصور الزخارف على الأقمشة في مدينة كيوتو، أول رسوم بالكليشيهات، صنعها أول الأمر لتطبع في الكتب توضيحاً لمادتها، ثم صنعها ليستخدمها في طبع رسوم وبيعها للشعب كما تباع البطاقات المصورة عندنا اليوم؛ وحوالي سنة 1687، انتقل "توروكوجوموتو" مصور المناظر في مسارح "أوساكا"، انتقل إلى "ييدو" وعلَّم مدرسة "يوكيوبي" (التي كانت محصورة في العاصمة وحدها) كيف يمكنها أن تستفيد من الوجهة المالية، إذا هي اتجهت نحو تصوير الرسوم المحفورة لمشاهير الممثلين في ذلك العصر، وبعدئذ انتقل الفنانون الجدد من المسرح إلى مواخير الدعارة في "يوشيوارا"، فخلعوا بفنهم مسحة من الخلود على كثيرات من ربات الجمال الزائل، وهكذا دخلت الأثداء العارية والأطراف المتلألئة - بعد أن خلعت عذارها - حرم فن التصوير الياباني الذي كان لا يدخله من قبل إلا موضوعات الدين والفلسفة. وظهر أعلام هذا الفن الذي تقدم وتطور، حول منتصف القرن الثامن عشر؛ فقد صنع "هارونوبو" رسوماً تحتوي على اثني عشر لوناً، بل خمسة عشر لوناً، مستخدماً في ذلك كليشيهات بعدد الألوان، ولما أحس لذعة الضمير لرداءة ما صوره في سابق عهده للمسرح، راح يعوض عن ذلك برسوم تتجلى فيها الرقة اليابانية، يعرض فيها ألوان الشباب المرح في عالمه الشيق وبلغ "كيوناجا" أوج الفن في هذه المدرسة وجعل يستخدم اللون والخطوط متداخلاً بعضه في بعض، في رسمه لسيدات من الطبقة العالية مستقيمات القامة، دون أن تؤثر تلك الاستقامة في مرونة البدن؛ وأما "شاراكو" فالظاهر أنه لم



 صفحة رقم : 1560   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


ينفق أكثر من عامين في حياته لتصميم الرسوم المحفورة، لكنه في هذا الأمد القصير استطاع أن يرقى إلى طليعة العاملين في هذا الفن، بفضل صوره عن "الأولياء (الرونين) الأربعة والسبعين؛ ورسومه التي أفحشت في سخريتها بـ "نجوم" المسرح الهاويات من سمائها؛ وصور "أوتامارو" الذي عرف بالخصوبة في نبوغه وتنوع قدرته، كل ضروب الأحياء من الحشرات إلى الفاجرات، فقد قضى نصف حياته العاملة في الـ "يوشيوارا" وأرهق نفسه متعهً وعملاً، وزج في السجن عاماً (1804) لرسمه "هيديوشي" محاطاً بأربع غانيات من خليلاته(83)؛ وكأنما مل "أوتامارو" تصويره لغمار الناس في أوضاع الحياة العادية، فأخذ يصور سيداته الرقيقات المهذبات في رشاقة تكاد تقول عنها إنها رشاقة روحانية، صورهن برؤوس مائلة قليلاً، وعيون مستطيلة منحرفة، ووجوه طويلة، وقدود عجيبة لفَّتها ثياب مناسبة كثيرة الطبقات؛ ثم فسد في الذوق فأفسد هذا النمط الفني بحيث جعله متكلفاً ممقوتاً، فانحدرت مدرسة "يوكيوبي" إلى ما يدنو من الفساد والتدهور، لولا أن قام بها زعيماها المشهوران فمدا من حياتها نصف قرن آخر. أما أحدهما فهو "هوكوساى" الذي نعت نفسه "بالرجل الكهل الذي جُنَّ بالتصوير"، وقد امتد به العمر إلى ما يقرب من تسعين عاماً، ومع ذلك كتب يرثي لبطء سيره نحو الكمال وقصر أمد الحياة، فقال: "لقد تولاني جنون عجيب منذ السادسة من عمري برسم كل ما يصادفني من الأشياء كائناً ما كان، فلما بلغت الخمسين كنت قد نشرت عدداً من آثاري مختلفة أنواعها، لكن لم أطمئن إلى أي منها اطمئناناً تاماً، ولم يبدأ عملي الحق إلا حين بلغت السبعين، وهاأنذا الآن في الخامسة والسبعين، وقد استيقظ في نفسي حب الطبيعة بمعناها الصحيح، ولذا تراني آمل أن أظفر عند الثمانين بقوة من إدراك البصيرة يظل ينمو معي حتى أبلغ التسعين، فإذا ما بلغت



 صفحة رقم : 1561   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


المائة كان لي - في أغلب الظن - أن أقرر تقرير الواثق بأن إدراك بصيرتي قد أصبح إدراكاً فنياً خالصاً؛ ولو وهبني الله أن أعيش حتى العاشرة بعد المائة كان رجائي عندئذ أن يشعَّ من كل خط أسطره بل من كل نقطة أخطها فهمٌ جوهري صحيح بالطبيعة.... وإني لأطلب من أولئك الذين سيمتد بهم العمر ما يمتد بي أن يروا إن كنت ممن يفون بما يعدون أو لم أكن، لقد كتبت هذا وأنا في سن الخامسة والسبعين، أنا الذي كان اسمه "هوكوساى" وأصبح الآن يدعى "الرجل الكهل الذي جُنَّ بالتصوير"(84). وكان شأنه شأن سائر رجال الفن من مدرسة "يوكيوبي" من حيث إنه



 صفحة رقم : 1562   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


نشأ من طبقة العمال، فهو ابنٌ لصانع كان يصنع المرايا، وألحقوه بفنان يدعى "شنسو" ليأخذ عنه الفن، لكنه لم يلبث أن طرد لأصالته، وعاد إلى أسرته ليعيش فقيراً شقياً مدى حياته الطويلة، ولم يستطع أن يعيش بتصويره، فراح يجول في المدينة بائعاً للطعام وكراسات التقويم، وحدث أن احترقت داره، فلم يزد على إنشائه هذه العبارة من الشعر:


لقد احترقت الدار



فما كان أجل الزهور وهي تهوي!.


وجاءه الموت وهو في التاسعة والثمانين، واستسلم له كارهاً وهو يقول:


لو وهبتني الآلهة عشرة أعوام أخرى فقط لأمكنني أن أكون فناناً عظيماً بحق".


وخلف وراءه خمسمائة مجلد تحتوي على ثلاثين ألف صورة كلها مخمور بروح الفن اللاشعوري حين يتناول الطبيعة في شتى صورها؛ فقد رسم - محباً لما رسم مكرراً له في أوضاع مختلفة - رسم الجبال والصخور والأنهار والجسور ومساقط الماء والبحر، وحدث بعد أن فرغ من نشره لكتاب "ست وثلاثين صورة من مناظر فيوجي" أن قفل راجعاً ليجلس عند سفح الجبل المقدس من جديد، كما فعل الكاهن البوذي المفتون الذي تروي عنه الأساطير ، وهناك رسم "مائة منظر من فيوجي"، ونشر سلسلة أسماها "أخيلة الشعراء" عاد فيها إلى الموضوعات الرفيعة التي كان يتناولها الفن الياباني من قبل، وكان من بين هذه المجموعة منظر يصور "لي بو" العظيم بجانب الوادي الصخري ومسقط الماء يطلق عليهما "لو". وفـي سنـة 1812 نشر الجـزء الأول مـن مجموعة قوامها خمسة عشر جـزءاً،



 صفحة رقم : 1563   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


أسمـاها "مانجو" - وهي سلسلة من صور واقعية تشتمل على الأخص تفصيلات الحياة اليومية الجارية تلذع بما فيها من فكاهة، وتفحش بما تحتوي عليه من تشهير مقُنَّع، وقد كان ينثر هذه الصور نثراً دون عناية أو مجهود، فيخرج منها اثنى عشرة كل يوم، حتى صور بها كل ركن من أركان الحياة الشعبية في اليابان، ولم تكن الأمة قد شهدت قط من قبل مثل هذه الخصوبة ولا مثل هذا التصور العقلي السريع النافذ، ولا القدرة على التنفيذ بكل هذه الحيوية الجامحة، وكما أن رجال النقد في أمريكا قد قللوا في حسابهم من شأن "وِتمان"، فكذلك قلل رجال النقد ودوائر الفن في اليابان من شأن "هوكوساى"، فلم يروا إلا فورة فرجونه وسوقية عقله التي تتبدى آناً بعد آن، لكن جيرانه لما مات - جيرانه الذين لم يكونوا يعلمون أن "وِسْلرْ" قد أخذه التواضع لحظة فوضعه في أعلى منزلة من منازل الفن التي لم يحتلها أحد سواه منذ "فلاسكويز" - أقول إنه لما مات دهش جيرانه حين رأوا كل تلك الجنازة الطويلة تنبعث من ذلك المنزل المتواضع. وآخر شخصية برزت من مدرسة "يوكيوبي" هو "هيروشيجي" (1796-1858) الذي يقل شهرة عن "هوكوساى" في البلاد الغربية، لكنه أكثر منه احتراماً في الشرق، وتنسب إليه مائة ألف صورة حفرية متميزة الخصائص، وكلها يصور المناظر الطبيعية في بلاده تصويراً فيه من الإخلاص ما ليس في رسوم "هوكوساى"، وفيه فنٌ أنزل "هيروشيجي" منزلة قد تجعله أعظم من صوَّر المناظر الطبيعية من أهل اليابان؛ فقد كان "هوكوساى" إذا وقف إزاء الطبيعة لا يرسم المنظر كما يبدو، بل يرسم خيالاً شاطحاً يوحي إليه بالمنظر الذي يراه، أما "هيروشيجي" فقد أحب الطبيعة نفسها بشتى صورها، ورسمها بدرجة من الإخلاص تمكن الرحالة الذي يمرّ بالأجزاء التي رسمها أن يتبين الأشياء والسفوح التي أوحت إليه بصوره تلك،



 صفحة رقم : 1564   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> الصورة المحفورة


وفي وقت يقع حوالي سنة 1830 أخذ طريقه في السكة الرئيسية التي تمتد من طوكيو إلى كيوتو، فكان في رحلته شاعراً بأدق معنى الشاعرية حين لم يقصد تواً إلى غايته المقصودة، بل سمح لنفسه أن تنشغل بالمناظر التي استثارتها وهو في الطريق؛ فلما فرغت رحلته جمع انطباعاته بتلك المناظر في مجموعة له مشهورة اسمها "المحطات الثلاثة والخمسون على الطريق العام" (1834)، وقد أحب رسم المطر والليل في كل صورهما المشبعة بروح الغموض، ولم يَفُقْه في ذلك إلا "وِسْلرْ" الذي جرى على غراره في رسمه لمناظر المساء(88)، وكذلك أحب "هيروشيجي" "فيوجي" كما أحبها "هوكوساى"، ورسم لجبالها "المناظر الستة والثلاثين"، غير أنه أحب معها مسقط رأسه "طوكيو"، ورسم "مائة منظر من مناظر ييدو" قبيل موته، ولْئن لم يعمَّر ما عُمِّره "هوكوساى" إلا أنه أسلم شعلة الفن وهو مطمئن لما صنع:


إني أترك فرجوني في "أزوما"



وأتابع رحلتي "إلى الغرب المقدس"



لكي أشاهد المناظر المشهورة هناك




 صفحة رقم : 1565   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن اليابان وحضارتها


الفصل الحادي عشر



فن اليابان وحضارتها



مراجعة - موازنات - تقدير - خاتمة اليابان القديمة


كانت الرسوم الحفرية في اليابان آخر مرحلة تقريباً من مراحل تلك المدنية اللطيفة الرقيقة التي اندك بناؤها تحت ضغط الصناعة الغربية، كما أن تشاؤم العقل الغربي ومرارة نظرته إلى العالم اليوم، قد يكونان آخر مظهر من مظاهر مدنية أراد لها القضاء أن تموت تحت وطأة الصناعة الشرقية؛ ولما كانت اليابان في عصورها الوسطى التي امتدت حتى عام 1853 غير ذات أذى لنا، كان في مستطاعنا أن نقدر جمالها تقديراً فيه العطف والرعاية؛ وإنه لمن العسير علينا أن نرى في اليابان بعد أن أقامت المصانع التي تنافس مصانعنا، وأقيمت بها المدافع التي تتهدد سلامنا، من العسير علينا أن نرى في مثل هذه اليابان ذلك السحر الذي يفتننا حين ننظر إلى مختارات ماضيها الجميلة؛ وقد ننظر أحياناً نظرة عقلية هادئة، فندرك أن تلك اليابان القديمة شهدت كثيراً من العسف، وأن الفلاحين كانوا يعيشون في فقر، والعمال يقيمون على ضيم، وأن النساء كن إماء يُبَعْن وقت الشدة لمتعة من شاء أن يستمتع، وأن الحياة كانت رخيصة، وأنه في النهاية لم يكن ثمة قانون يحمي الرجل من سواد الشعب إلا سيف "السياف"؛ لكن الأمر في أوربا كان على هذه الحال نفسها: كان الرجال يصطنعون القسوة وكانت المرأة خاضعة للرجل، وكان الفلاحون يعيشون في فقر، والعمال يقيمون على ضيم، وكانت الحياة عسيرة، والفكر الحر مجلباً للخطر، ولم يكن في النهاية من قانون سوى إرادة سيد الإقطاع أو الملك. وكما أننا قد نشعر بالحب لأوربا القديمة التي شهدت كل هذا، لأنها وسط



 صفحة رقم : 1566   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن اليابان وحضارتها


ما غمرها من فقر واستغلال وتعصب، استطاع أهلها أن يبنوا الكنائس بناء يعنون فيه بنحت كل حجر من أحجاره نحتاً جميلاً؛ وراحوا يضحون بأنفسهم ليكسبوا لخلفهم حق التفكير؛ أو كانوا يقاتلون في سبيل العدالة حتى خلقوا بقتلهم تلك الحريات المدنية التي هي أنفس جزء من تراثنا وأكثره تعرضاً للزوال؛ فكذلك كان وراء صليل سيوف السيافين (في اليابان) ما يستحق التمجيد من شجاعة لا تزال تبث في اليابان قوة فوق ما يتناسب مع عدد أهلها أو كمية تراثها، وكذلك نستطيع أن نتبين وراء الرهبان الكسالى شاعرية البوذية، وقدرتها التي لا تنفذ على الإيحاء بالشعر والفن؛ ونستطيع كذلك أن نستشف وراء الصفعة القوية التي تنم عن القسوة، والوقاحة الظاهرة التي يعامل بها القويُّ الضعيف؛ نستطيع أن نستشف وراء هذا كله أرق ضروب الأخلاق، وأبهج ألوان المحافل، وإخلاصاً لجمال الطبيعة في كل صورها لا يدانيه إخلاص، ثم نستطيع أن نرى وراء استعباد المرأة، جمالها ورقتها ورشاقتها التي لا تنافسها فيها امرأة أخرى؛ ووسط مظاهر الاستبداد الذي يظلل الأسرة، ترن في آذاننا أصوات السعادة تنبعث من الأطفال وهم يلعبون في جنة الشرق. إن شعر اليابان الذي يضبط فيه الشاعر نفسه ضبطاً يؤديه إلى الاقتضاب، والذي تستحيل ترجمته، لا يحرك اليوم مشاعرنا تحريكاً قوياً؛ ومع ذلك فهذا الشعر نفسه- فضلاً عن الشعر الصيني- هو الذي أوحى لنا "بالشعر المرسل" و "التصوير الشعري" الذين نعهدهما في شعرنا اليوم؛ ولم تعرف اليابان إلا قليلاً من الفلاسفة، وكذلك يندر جداً في مؤرخيها أن تجد روح الحياد الرفيع الذي يصادفك عند قوم لا يكتبون الكتب لتكون ملحقاً لقوتهم العسكرية أو السياسية؛ لكن هذه أشياء تعدّ من الصغائر في حياة اليابان، لأنها أنفقت جهدها كله في اتجاه حكيم، وهو أن تخلق صور الجمال أكثر مما تتعقب الحق؛ وكانت الأرض التي عاش عليها اليابانيون أشد غدراً من أن تقوم عليها عمارة



 صفحة رقم : 1567   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن اليابان وحضارتها


شامخة، ومع ذلك فالدُّور التي كانت تبنيها تلك البلاد هي "أجمل ما خططه العالم من دُور إذا نظرنا إليها من وجهة نظر جمالية"(90)، ولم ينافسها في العصور الحديثة بلد آخر في رشاقة تحفها الصغيرة وجمالها- كثياب النساء والمراوح والشمسيات، والفناجين ولعب الأطفال، والمدلَّيات والعُقَد الحريرية المزخرفة، وروعة الطلاء "باللاكيه" والنحت الرائع في الخشب؛ ولم يبلغ أي شعب حديث ما بلغه الشعب الياباني من ضبط الزخارف ورقتها، أو من شيوع الذوق المرهف الأصيل؛ نعم إن الخزف (البورسلان) الياباني لا ينزل في التقدير- حتى في نظر اليابانيين أنفسهم- منزلة الخزف الذي كان يصنع في "صنج" و "منج" (في الصين)، لكنه إن كانت الصين وحدها قد بزتها في تلك الصناعة، فإن عمل الخزاف الياباني ما يزال يعلو على مثيله من نتاج الأوربيين المحدثين؛ ولئن كان التصوير الياباني تعوزه قوة التصوير الصيني وعمقه، ثم لئن كانت الرسوم الحفرية اليابانية قد تسوء حتى تبلغ أن تكون مجرد رسوم للإعلان، وهي في أجود حالاتها لا تزيد على كونها إثباتاً سريعاً لتوافه كانت قمينة أن تزول وشيكاً، فأضيف إليها شيء مما يميز الفن الياباني من تمام الرشاقة وكمال التخطيط؛ فإن التصوير الياباني- لا التصوير الصيني- وإن الرسوم الحفرية اليابانية لا ألوانها المائية، هي التي أحدثت الثورة في فن التصوير إبان القرن التاسع عشر، وهي التي كانت حافزاً لإجراء مئات التجارب الفنية البديعة الطريفة؛ ولما أعيد التبادل التجاري بعد سنة 1860 بين أوربا واليابان كانت تلك الرسوم الحفرية التي تدفقت إلى أوربا في ذيل التجارة، هي التي أثرت أعمق الأثر في "مونيه" و "مانيه" و "ديجا" و "وِسْلَرْ"، فهؤلاء قد أقلعوا إلى الأبد عن "الصلصة البنية اللون" التي لازمت التصوير الأوربي كله تقريباً من "ليوناردو" إلى "مِلِتْ"، وملئوا رقعات التصوير في أوربا بصور الشمس، واستحثوا المصور الفنان أن يكون أقرب إلى الشاعر منه إلى الفوتوغرافي؛ يقول "وِسْلرْ" في اعتداد جعل



 صفحة رقم : 1568   



قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأقصى -> اليابان -> الفكر والفن في اليابان القديمة -> فن اليابان وحضارتها


الناس جميعاً إلا معاصريه يكبرونه: "لقد تمت بالفعل قصة الجمال، لأنه تبدى منحوتاً في المرمر الذي تراه في البارثنون، ولأنه مُوَشَّى على هيئة الطير في المروحات التي رسمها "هوكوساى" على سفح فيوجي ياما"(91). وإنا لنرجو ألا يكون هذا القول صواباً، لكنه كان هو الصواب في رأي اليابان القديمة وإن لم تصرح به؛ وماتت اليابان القديمة بعد "هوكوساى" بأربعة أعوام، ذلك لأنها عاشت حياة وادعة رخية في عزلتها البعيدة، فنسيت أن الأمة لا بد أن تساير العالم إذا أرادت ألا يستعبدها المستعبدون، فبينما كانت اليابان في شغل من نحتها للمدليات وزخرفتها للمروحات بالزهر، كانت أوربا تنشئ علماً لم يكد يعلم الشرق عنه شيئاً، وأخيراً تمكن ذلك العلم الذي قام بناؤه على مر الأعوام في المعامل التي يبدو في ظاهرها أنها في عزلة بعيدة عن مصطخب الحياة الجارية، تمكن آخر الأمر من تزويد أوربا بالصناعات الآلية التي أتاحت لها أن تصنع لوازم العيش بثمن أرخص مما تصنعها به آسيا على أيدي مهرة صناعها الذين كانوا يصنعونها بأيديهم، وإن تكن تلك المصنوعات الآلية أقل جمالاً من زميلاتها اليدوية؛ فقد كان لا بد لتلك السلع الرخيصة- عاجلاً أو آجلاً- أن تكتسح أسواق آسيا، فتنزل الخراب الاقتصادي وتغير من الحياة السياسية، في بلاد كانت تمرح مطمئنة في مرحلة الصناعة اليدوية؛ وأسوأ من ذلك شراً أن العلم قد صنع المفرقعات والمدمرات والمدافع، التي تستطيع أن تكون أشد فتكاً من سيف أشجع "السيافين"، فماذا تجدي شجاعة الفارس أمام فزع القنبلة التي لا يعُرف اسم راميها؟ ولن تجد في التاريخ الحديث أروع ولا أعجب من الطريقة التي استيقظت بها اليابان من نعاسها استيقاظاً جازعاً على صوت مدفع الغرب، فوثبت تتعلم الدرس، وأصلحت صنع ما تعلمت صنعه، وأفسحت صدرها للعلم والصناعة والحرب، ثم هزمت كل منافسيها في ميدان الحرب وميدان التجارة معاً، وباتت خلال جيلين أكثر أمم العالم المعاصر تحفزاً للعدوان.