قصة الحضارة - ول ديورانت - م 1 ج 6

من معرفة المصادر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المجلد الأول: تراثنا الشرقي

الباب السادس: بدايات المدنية فيما قبل التاريخ

الفصل الأول: ثقافة العصر الحجري القديم

الغاية من دراسة ما قبل التاريخ - فتنة الدراسة الأثرية


إننا في حديثنا السابق، لن نلتزم الدقة في الحديث، فهذه الثقافات البدائية التي عرضناها كوسيلة لدراسة عناصر المدنيَّة، لم تكن بالضرورة الأصول التي تفرعت عنها مدنيَّتنا؛ فليس ما يمنع أن تكون بقايا متحللّةً لثقافات أعلى تدهورت حين تحركت زعامة البشر في إثر الثلوج التي كانت تنزاح عن صدر الأرض، فانتقلت من المدارين إلى المنطقة الشمالية المعتدلة، ولقد حاولنا أن نفهم كيف تنشأ المدنيَّة بصفة عامة وكيف يتم تشكيلها؛ ولا يزال أمامنا أن نتعقب أصول مدنيتنا الخاصة فيما قبل التاريخ ، ونحب الآن أن نبحث بحثاً موجزاً- لأن مجال هذا البحث لا يمس أغراضنا إلا من هوامشها- فنتعقب الخطوات التي خطاها الإنسان قبل التاريخ، ليمهد السبيل إلى المدنيَّة التي عرفها التاريخ؛ كيف أصبح إنسان الغابة أو إنسان الكهف هو المعماري المصري، أو الفلكي البابلي، أو النبي العبري، أو الحاكم الفارسيّ، أو الشاعر اليوناني، أو المهندس الروماني، أو القديس الهندي، أو الفنان الياباني، أو الحكيم الصيني؛ لا بد لنا أن نسلك سبيلنا من علم الأجناس البشرية- عن طريق علم الآثار- لننتهي إلى التاريخ.

إن الباحثين ليملأون بطاح الأرض كلها ينقبونها بحثاً: طائفة تريد الذهب، وطائفة تريد الفضة، وثالثة تنشد الحديد، ورابعة تسعى وراء الفحم، وكثيرون إلى جانب هؤلاء يطلبون المعرفة؛ فيالها من مهمة عجيبة هذه التي يضطلع بها مَن يستخرجون آلات العصر الحجري من جوف الأرض عند ضفاف السوم، ويدرسون بأعناق مشرئبة الصور الناصعة المرسومة على أسقف الكهوف من عهد ما قبل التاريخ، ويخرجون جماجم قديمة من مدافنها عند "تشوكوتين" Chou Kou Tien ويكشفون عن المدائن الدفينة في "موهنجودارو" Mohengo-daroأو "يقطان" Yucaton؛ وينقلون الأنقاض في سلال تحملها القوافل في مقابر المصريين التي استنزل أصحابها اللعنة على نابشيها، وينفضون التراب عن قصور "مينوس" و "بريام" ويزيلون الغطاء عن "برسوبوليس" ويحفرون الأرض في إفريقية حفراً ليجدوا بقية من قرطاجنة، وينقذون من ثنايا الغابات معابد "أنجور" العظيمة! لقد عثر في فرنسا "جاك بوشيه دي برت" في سنة 1839 على أول أثر من الصوّان مما خلَّفه العصر الحجري؛ ولبث العالم يسخر منه تسعة أعوام كاملة، لأنه كان في رأي العالم عندئذ مخدوعاً؛ وفي سنة 1872 أزال "شليمان"- بماله الخاص، ويوشك أن يكون قد أعتمد على يديه دون غيرهما في ذلك- أزال التراب عن أحداث مدائن طروادة وإنها لكثيرة؛ لكن العالم كله ابتسم له ابتسامة المرتاب؛ ولعل التاريخ لم يشهد من قرونه قرناً اهتم أهله بالتاريخ كالقرن الذي تلا رحلة شامبليون الشاب في صحبة نابليون الشاب إلى مصر (عام 1798) وعاد نابليون من رحلته خالي الوفاض؛ أما شامبليون فقد عاد وفي قبضته مصر بأسرها، ماضيها وحاضرها؛ ومنذ ذلك الحين، أخذ كل جيل يستكشف مدنيات جديدة وثقافات جديدة، ويرجع خطوة وراء خطوة بحدود معرفة الإنسان لتطوره؛ فلن تجد جوانب كثيرة من حياة هذا النوع البشري السافك للدماء، أجمل من هذا الشغف الشريف بالاستطلاع، هذه الرغبة القلقة المغامرة في سبيل العلم.


الفصل الثاني: أهل العصر الحجري القديم

بطانة جيولوجية - الأنماط البشرية في ذلك العصر


كتب لنا الكُتَّابُ عدداً ضخماً من الكتب ليوسّع نطاق علمنا بالإنسان البدائي، ويخفوا معالم جهلنا به، ونحن نترك للعلوم الأخرى ذات الخيال المبدع مهمة وصف الناس في العصرين الحجريين القديم والحديث، ونكتفي هنا بما نحن مَعنِيُّون به، وهو تعقّب الإضافات التي أضافتها الثقافات الحجرية بعصريها القديم والحديث، إلى حياتنا المعاصرة.

إن الصورة التي ينبغي أن نكونّها لأنفسنا بطانةً للقصة التي نرويها، هي صورة أرض تختلف اختلافاً بيّنا عن الأرض التي تحملنا اليوم في حياتنا العابرة؛ هي صورة أرض ربما كانت ترتجف بأنهار الثلج التي كانت تجتاحها حيناً بعد حين، والتي جعلت من المنطقة المعتدلة اليوم منطقة متجمدة مدى آلاف السنين، وكوَّمَت جلاميد من الصخر مثل جبال الهمالايا والألب والبرانس، في طريق هذا المحراث الثلجي الذي كان يشق الأرض في سيره شقاً .

فلو أخذنا بنظريات العلم المعاصر على سرعة تغيّرها قلنا إن الكائن الذي أصبح فيما بعد إنساناً حين تعلمّ الكلام، كان أحد الأنواع القادرة على الملاءمة بين نفسها وبين البيئة، التي بقيت بعد هذه القرون المتجمدة بجليدها؛ وبينما كان الجليد يتراجع في المراحل التي تتوسط العصور الجليدية، "بل قبل ذلك بكثير فيما نعلم" استكشف هذا المخلوق العجيب النار، وطَوَّرَ فنَّ نحت الصخر والعظم ليصنع أسلحة وآلات، فمهد السبيل بذلك لقدوم المدنيَّة.

ولقد وجدت بقايا كثيرة ترجع إلى هذا الإنسان السابق للتاريخ- ولو أن هذه المعلومات أصابها كثير من التعديل فيما بعد- ففي سنة 1929 كشف صيني شاب عالم بالحفريات الحيوانية والنباتية، وهو "و.س.بي" W.C.pei في كهف عند "تشوكوتين"- وهو يبعد عن "بيبين" Peiping نحو سبعة وثلاثين ميلاً- عن جمجمة، وقد قال عنها علماءُ خبراءُ مثل "الأب بريل" Abbe Breuil و "ج.إليَت سمث" G. Eliot Smith أنها جمجمة بشرية ووجدت آثار من النار بالقرب من الجمجمة؛ كما وجدت أحجار استخدمت آلات بغير شك؛ لكنهم وجدوا كذلك عظام حيوان ممزوجة بتلك الآثار، أجمع الرأي على أنها ترجع إلى عصر البليستوسين الأول وهو عصر تاريخه مليون سنة مضت(3)؛ هذه الجمجمة التي وجدت عند "بيبين" هي بإجماع الآراء أقدم ما نعرف من القواقع البشرية، والآلات التي وجدت معها هي أقدم مصنوعات في التاريخ؛ وكذلك وَجَدَ "دُوسُن" Dawson و "وُودوُورد" Woodward عند "بلِتداون" في مقاطعة سَسِكس بإنجلترا، سنة 1911 قطَعاً من العظم يمكن أن تكون بشرية، وهي التي تعرف اليوم باسم "إنسان بلِتداون" أو باسم "يوانتروبس" Eoanthropus "معناها إنسان الفجر" والتاريخ الذي يحددونه يتراوح على مسافة طويلة من الزمن، من سنة مليون إلى 000ر125 ق.م؛ ومثل هذه التخمينات يدور أيضاً حول عظم الجمجمة وعظم الفخذ التي وجدت في جاوة سنة 1891 وعظمة الفك التي وجدت قرب هيدلبرج سنة 1907؛ وأقدم القواقع التي لا شك في أنها بشرية وجدت في "نياندرتال" بالقرب من دسلدورف بألمانيا سنة 1857، وتاريخها فيما يظهر هو سنة 000ر40 قبل الميلاد، وهي تشبه البقايا البشرية التي كُشف عنها في بلجيكا وفرنسا وأسبانيا بل وعلى شواطئ بحر جاليلي؛ حتى لقد صَوَّر العلماء عصراً بأسره من "إنسان النياندرتال" ساد أوربا منذ حوالي أربعين ألف عام قبل عصرنا هذا؛ وكان هؤلاء الناس قصاراً، لكن لهم جماجم سعة الواحدة منها 1600 سنتيمتر مكعب أي أنها أكبر من جمجمة الرجل في هذا العصر بمائتي سنتيمتر مكعب(4).

ويظهر أن قد حل جنس جديد اسمه "كرو- مانيون" Cro-Mangon حول سنة 000ر20 ق.م محل هؤلاء السكان الأقدمين لأوربا، كما تدلنا الآثار التي كُشف عنها (سنة 1868) في مغارة بهذا الاسم في منطقة "دوردوني" في فرنسا الجنوبية؛ ولقد استخرجت بقايا كثيرة من هذا النمط ترجع إلى العصر نفسه؛ من مواضع مختلفة في فرنسا وسويسرا وألمانيا وويلز. وكلها تدل على قوم ذوي قوة عظيمة وقوام فارع يتراوح طوله من خمس أقدام وعشر بوصات إلى ست أقدام وأربع بوصات ولهم جماجم سعة الواحدة منها تختلف من 159 إلى 1715 سم مكعب(5)، وتعرف فصيلة "كرو- مانيون" كما تعرف فصيلة "نياندرتال" باسم "سكان الكهوف" ذلك لأن آثارهم وجدناها في الكهوف، لكن ليس هناك دليل واحد على أن الكهوف كانت كل ما لديهم من المساكن؛ فقد يكون ذلك سخرية بنا من الزمن، أعني أن علماء الحفريات لم يجدوا من آثار هؤلاء الناس إلا آثار من سكنوا الكهوف ولاقوا فيها مناياهم؛ والنظرية العلمية اليوم تذهب إلى أن هذه الفصيلة العظيمة إنما جاءت من آسيا الوسطى مارة بإفريقية. حتى بلغت أوربا، وأنها شقت طريقها فوق جسور من اليابس يقال أنها كانت عندئذ تربط إفريقية بإيطاليا وأسبانيا(6). وأن طريقة توزيع هذه القواقع البشرية ليميل بنا إلى الظن بأنهم لبثوا عشرات من السنين بل ربما لبثوا قروناً طوالا يقاتلون فصيلة "نياندرتال" قتالا عنيفاً لانتزاع أوربا من أيديهم. وهكذا ترى أن النزاع بين ألمانيا وفرنسا ضارب بجذوره في القدم؛ ومهما يكن من أمر فقد زال إنسان "نياندرتال" عن ظهر الأرض حيث عمرها إنسان "كرو- مانيون" الذي أصبح السلف الأساسي الذي عنه جاءت أوربا الغريبة الحديثة، وهو الذي وضع أساس المدنية التي انتهت إلى أيدينا اليوم.

إن الآثار الثقافية لهذه الأنماط البشرية التي بقيت في أوربا من العصر الحجري القديم تقع في سبعة أقسام رئيسية تختلف باختلاف المواضع التي وجدنا فيها أقدم الآثار أو أهمها في فرنسا. وكلها جميعاً إنما تتميز باستخدام آلات غير مصقولة؛ والأقسام الثلاثة الأولى منها قد تم لها التكوين في الفترة المضطربة التي توسطت العصرين الجليديين الثالث والرابع.

1- الثقافة "أو الصناعة" السابقة للعهد الشيلي Pre-Chellean وهو عصر يقع تاريخه حول سنة 000ر125 ق.م ومعظم الأحجار الصوّانية التي وجدناها في هذه الطبقة الوطيئة من طبقات الأرض لا تدل دلالة قوية على أن أهل ذلك العصر قد صاغوها بصناعتهم والظاهر أنهم قد استخدموها كما صادفوها في الطبيعة (ذلك إن كانوا قد استخدموها إطلاقا) لكن وجود أحجار كثيرة بينها لها مقبض يلائم قبضة اليد، ولها حَدُّ وَطَرَفُ "إلى حَدّ ما" يجعلنا نزعم هذا الشرف للإنسان السابق للعهد الشيلي، شرف صناعة أول آلة استخدمها الأوربيون، وهي المدية الحجرية.

2- الثقافة الشيلية ويقع تاريخها حول سنة 000ر100 ق.م وقد تحسنت فيها الآلة بإرهاف جانبيها إرهافاً على شيء من الغلظة وبتدبيبها بحيث تتخذ شكل اللوزة، ثم بتهيئتها تهيئة تكون أصلح لقبضة اليد البشرية.

3- الثقافة الأشولية Acheulean ويقع تاريخها حول 000ر75 ق.م ولقد تخلفت عنها آثار كثيرة في أوربا وجرينلندة والولايات المتحدة والمكسيك وإفريقية والشرق الأدنى والهند والصين؛ وهذه المرحلة لم تُصلح من المدية الحجرية إصلاحاً يجعلها أكثر تناسقاً وأحَدَّ طرفا فحسب، بل أنتجت إلى جانب ذلك أنواعاً كثيرة من الآلات الخاصة كالمطارق والسندانات والكاشطات والصفائح ورءوس السهام وسنان الرماح والمدى، وفي هذه المرحلة تستطيع أن ترى صورة تدل على مرحلة نشيطة للصناعة البشرية.

4- الثقافة الموستيرية Mousterian، وتوجد آثارها في القارات كلها، مرتبطة ارتباطاً يسترعي النظر ببقايا إنسان النياندرتال، وذلك في تاريخ يقع على نحو التقريب ق.م بأربعين ألفا من السنين؛ والمدية الحجرية نادرة نسبيا بين هذه الآثار، كأنما أصبحت عندئذ شيئا عفا عليه الزمان وحلّ محله شيء جديد؛ أما هذه الآلات الجديدة فقوام الواحدة منها رقيقةّ واحدة من الصخر، أخف من المدية السابقة وزنا وأرهف حَداً وأحسن شكلا، صنعتها أيد طال بها العهد بقواعد الصناعة؛ فإذا صعدت طبقة من الأرض في طبقات العهد البليستوسيني في جنوب فرنسا وجدت بقايا الثقافة التالية.

5- الثقافة الأورجناسية Aurignacian وتقع حول عام 000ر25 ق.م، وهي أول المراحل الصناعية بعد أعصر الجليد، وأولى الثقافات المعروفة لإنسان "كرو- مانيون"؛ وهاهنا في هذه المرحلة أضيفت إلى آلات الحجر آلات من العظم- مشابك وسندانات وصاقلات الخ- وظهر الفن في نقوش غليظة منحوتة على الصخر، أو في رسوم ساذجة بارزة، أغلبها رسوم لنساء عاريات(7) ؛ ثم جاءت في مرحلة متقدمة من مراحل تطور إنسان "كرومانيون" ثقافة أخرى، هي؛

6- الثقافة "السُّولَترْيه" Solutrean التي ظهرت حول سنة 000ر20 ق.م في فرنسا وأسبانيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندة؛ وهنا أضيفت إلى أسلحة العهد الأورجناسي السالف وأدواته، مُدّى وصفائح ومثاقب ومناشير ورماح وحراب وصُنِعَتْ كذلك إبَرّ دقيقة حادة من العظم، وقُدَّت آلات كثيرة من قرن الوعل؛ وترى قرون الوعل منقوشة أحيانا برسوم جسوم حيوانية أرقى بكثير من الفن في العصر الأورجناسي السابق، وأخيرا عندما بلغ إنسان كرومانيون ذروة تطوره، ظهرت:

7- الثقافة المجدلية Magdalenian التي ظهرت في أرجاء أوربا كلها حول سنة 000ر16 ق.م، وهي تتميز في الصناعة بمجموعة كبيرة منوعة من رقيق الآنية المصنوعة من العاج والعظم والقرن، وهي تبلغ حدها الأقصى في مشابك وإبر متواضعة لكنها تصل حد الكمال في الإتقان، وهذه المرحلة هي التي تميزت في الفن برسوم "أَلتَاميرا" Altamira وهي أدق وأرق ما صنعه إنسان كرومانيون.

وضع إنسان ما قبل التاريخ، في هذه الثقافات التي شهدها العصر الحجري القديم، أسس الصناعات التي كُتِبَ لها أن تبقى جزءا من التراث الأوربي حتى الثورة الصناعية، وكان مما سَهَّل نقلها إلى المدنيَّة الكلاسيكية والمدنية الحديثة انتشار صناعة العصر الحجري القديم؛ والجمجمة وتصاوير الكهوف التي وجدناها في روسيا سنة 1921، والأحجار الصَّوانية التي كشف عنها في مصر "دي مورجان" De Morgan سنة 1896، وآثار العصر الحجري القديم التي وجدها "سِتُن كار" Seton-Karr في الصومال؛ ومستودعات العصر الحجري القديم في منخفض الفيوم وثقافة جليج ستِل في جنوب إفريقية، كلها تدل على أن "القارة المظلمة" قد اجتازت نفس المراحل تقريبا التي أوجزناها فيما سلف عن أوربا قبل التاريخ، وذلك من حيث صناعة الرقائق الحجرية(8)؛ بل ربما كانت الآثار التي وجدناها في تونس والجزائر، مما يشبه آثار العصر الأورجناسىّ، يؤيد النظرية القائلة بأن إفريقية هي الأصل في تلك الثقافة، أو هي الحد الذي وقف عنده إنسان "كرومانيون"، وبالتالي الإنسان الأوربي(9) ولقد احتُفِرَت آلات من العصر الحجري القديم في سوريا والهند والصين وسيبيريا وغيرها من أصقاع آسيا(10) كما عثر عليها "أندرو" وسابقوه من الجزويت في منغوليا(11)؛ وكذلك احتُفِرَت هياكل لإنسان النياندرتال وأحجار صَوَّانية كثيرة من العهدين "الموستيري" و "الأورجناسىّ" في فلسطين، ولقد رأينا كيف كشف حديثا في "ببين" عن أقدم ما نعرفه من بقايا الإنسان وأدواته، ووجدت آلات من العظم في نبراسكا، وأراد بعض العلماء الذين يتأثرون بالروح الوطنية أن يردوها إلى عام 000ر500 ق.م، وكذلك وجدت رءوس سهام صنعت عام 000ر350 ق.م، وهكذا تراه جسرا عريضا ذلك الذي نقل عَبرَ إنسان ما قبل التاريخ أسس المدنيَة إلى زميله الإنسان الذي يظهر في عصور التاريخ.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: الفنون في العصر الحجري القديم

الآلات - النار - التصوير - النحت


لو أننا في هذا الموضع أوجزنا ذكر الآلات التي صنعها إنسان العصر الحجري القديم، لصورَّنا لأنفسنا صورة عن حياته أوضح مما لو تركنا لخيالنا الحبل على الغارب؛ وطبيعي أن يكون أول الآلات حجرا في قبضة الإنسان، فكم من حيوان كان في مستطاعه أن يعلمّ الإنسان هذه الآلة؛ وإذن فقد أصبحت المدية الحجرية المُدبَبَةُ في أحد طرفِيها، والمستديرة في طرفها الآخر لتلائم قبضة اليد، أصبحت هذه المدية الحجرية للإنسان البدائي مطرقة وفأساً وإزميلاً وكاشطة وسكيناً ومنشاراً؛ إلى يومنا هذا ترى الكلمة "الإنجليزية" التي نستعملها لتدل على المطرقة: "hammer" معناها حجر من حيث أصلها اللغوي(2) ثم حدث على مَرّ الأيام أن تنوعت هذه الآلات في أشكالها حتى بَعُدَت عن أصلها المتجانس، فثقبت الثقوب لتركيب مقبض، وأُدخلت الأسنان لتكون الآلة منشارا، وغرزت فروع في المدية الحجرية لتصبح مغرازا أو سهما أو حربة؛ كما أصبح الحجر الكاشط الذي كان يتخذ شكل القوقعة، مجرافا أو معزاقا؛ وأما الحجر الخشن الملمس فقد جعلوه مِبرَداً، وجعلوا حجر المقلاع أداة للقتال بقيت قائمة حتى اجتاز بها الإنسان عصر المدنيَّة الكلاسيكية ذاتها؛ ولما ظفر إنسان العصر الحجري القديم بالعظم والخشب والعاج إلى جانب الحجر، صنع لنفسه مجموعة منوعة من الأسلحة والآلات: صنع الصاقلات والهاونات والفؤوس والصفائح والكاشطات والمثاقب والمصابيح والمدى والأزاميل والشواطير والحراب والسندانات، وحافرات المعادن والخناجر وأشصاص السمك وحراب الصيد والخوابير والمغازير والمشابك وكثيراً غير هذه بغير شك(14)؛ فكان يَعُثرُ في كل يوم على عِلمٍ جديد، وكان له من قدرته العقلية أحيانا ما يُطوَرُ به مكتشفات المصادفة إلى مخترعات مقصودة.

لكن آيته العظمى هي النار، وفي ذلك أشار "دارون" إلى أن حمم البراكين الحار قد يكون هو الذي علمّ الإنسان ما النار؛ ويقول لنا "أسخيلوس" إن "برومثيوس" صنع النار بإشعاله حَطَبةً في فوهة بركان مشتعل على جزيرة "لمنوس" (15)؛ وبين آثار إنسان النياندرتال قِطَعُّ من الفحم وقطع من العظم المحترق، وإذن فالنار التي صنعها الإنسان تذهب في القِدَم إلى أربعين ألف عام مضت(16) وقد أعد إنسان "كرو- مانيون" لنفسه آنية خاصة تمسك الشحم الذي كان يشعله ليستضيء بضوئه، وإذن فالمصباح كذلك له من العمر هذا الزمن الطويل؛ والراجح أن تكون النار هي التي مكنت الإنسان من اتقاء البرد الناشئ عن الجليد الزاحف؛ وهي التي أتاحت له النوم في الليل آمنا من الحيوان الذي ارتعد لهذه الأعجوبة ارتعاداً يَعدِل عبادة الإنسان البدائي إياها؛ وهي التي قهرت الظلام فكانت أول عامل من العوامل التي حَدَّت من الخوف، والتقليل من خوف الإنسان أحد الخيوط الذهبية في نسيج التاريخ الذي ليست كل خيوطه ذهبا، وهي التي أدت أخيرا إلى صهر المعادن والتحام بعضها في بعض، وهي الخطوة الوحيدة الحقيقية التي تقَدَمها الإنسان في فنون الصناعة من عهد إنسان "كرو- مانيون" إلى عصر الانقلاب الصناعي (17).

وإننا لنروي لك عجبا- وكأنما نرويه لنوضح قصيدة "جوتييه" على الفن الجبار الذي يحيا بعد فناء الأباطرة وزوال الدول- إننا نروي لك عجباً إذ نقول إن أوضح آثار خلفها لنا إنسان العصر الحجري القديم هي قِطَع من فنه؛ فقد حدث منذ ستين عاما أن وقع "السنيور مارسلينو دي سوتولا" Marceleno de Soutuola على كهف واسع في مزرعته في "أَلتَاميرا" في شمال أسبانيا، وكان هذا الكهف قد لبث آلاف الأعوام مقفل الباب كأنه صومعة راهب، أقفلته صخور سقطت عليه وأمدتها الطبيعة بملاط من لدنها حين ربطت بعضها ببعض بأعمدة من رواسب؛ ثم جاء الإنسان فضرب في هذا الموضع بضرباته لينشئ لنفسه جديدا، فإذا به يكشف بضرباته عن مدخل الكهف بطريق المصادفة؛ ومرت بعدئذ ثلاثة أعوام ثم جاء "سوتولا" ليستطلع الكهف فلحظ على جدرانه علامات غريبة؛ وذات يوم صحبته ابنته الصغيرة، ولما لم تكن بذات طول يُلزمها الانحناء كما كانت الحال مع أبيها، فقد صعَّدت بصرها نحو السقف تشهد ما فيه، فرأت تخطيطا غامضاً لبَيزُونٍ ضخم "البيزون هو ثور بريُّ"

جميع الرسم ناصع الألوان؛ فلما فُحص السقف وفُحصت الجدران فحصاُ دقيقاً وجدت صور أخرى كثيرة، وفي عام 1880 نشر "سوتولا" تقريراً عن مشاهدته، فقابله علماء الآثار بريبة هي من خصائصهم دائماً؛ وتفضل عليه بعض هؤلاء العلماء بزيارة يفحص فيها تلك الرسوم، وينتهي بها إلى الإعلان بأن الرسوم زائفة خطتَّها يد خادعة؛ ودام هذا الشك- الذي ليس لأحد أن يعترض عليه مدى ثلاثين عاماً؛ ثم اكتُشِفت رسوم أخرى في كهوف يُجمع الرأي على أنها من عهد ما قبل التاريخ "مما فيها من آلات صَوَّانية غير مصقولة وعظم وعاج مصقولين" فأيدت ما كان وصل إليه "سوتولا" من رأي لكن "سوتولا" عندئذ لم يكن على قيد الحياة؛ وجاء الجيولوجيون إلى "ألتاميرا" وأقروا بإجماع أدرك الحقيقة بعد أوانها، أقروا بإجماع أن الرواسب التي كانت تغطي بعض الرسوم إنما ترجع إلى العصر الحجري الأول(18) وأن الرأي السائد الآن هو أن رسوم "ألتاميرا"- والجزء الأكبر من بواقي الفن التي بقيت لنا من عهد ما قبل التاريخ- ترجع إلى الثقافة المجدلية؛ أي إلى عهد يقع نحو سنة 000ر16 ق.م(19)؛ وكذلك وجدت رسوماً أحدث تاريخا من هذه بقليل، لكنها ما زالت من بقايا العصر الحجري القديم، في كهوف كثيرة في فرنسا .

وتمثل الرسوم في معظم الحالات صنوفا من الحيوان- أوعالا وماموث وجياداُ وخنازير ودببة وغيرها؛ وربما كانت هذه الصنوف عن إنسان ذلك العصر طعاما شهيا، ولذلك كانت موضع عنايته في صيده؛ وأحيانا نرى صورة حيوان مطعونا بالسهام، ومن رأى "فريزر" و "ريناخ" Reintach أن أمثال هذه الصور قُصد بها أن تكون رسوما سحرية تأتي بالحيوان في قبضة الفنان أو الصائد، وبالتالي تأتي به إلى معدته(20) ومن الجائز أنها رسوم لم يقصد بها إلا إلى الفن الخالص. دفع إليها الإبداع الفني وما يصاحبه من لذة فنية خالصة؛ ذلك لأن أغلظ الرسوم كان يكفي لتحقيق غايات السحر، على حين ترى هذه الصور في كثير من الحالات قد بلغت من الرقة والقوة والمهارة حداً يوحي إليك بما يحزنك، وهو أن الفن- في هذا الميدان على أقل تقدير- لم يتقدم كثيراً في شوط التاريخ الإنساني الطويل؛ فها هنا الحياة والحركة والفخامة قد عُبّر عنها تعبيراً قوياً أخاذا بخط واحد جريء أو خَطين؛ وهاهنا خَط واحد يصور حيواناً حياً مهاجماً"أم هل تكون سائر الخطوط قد محاها الزمن؟" تُرى هل تبقى صورة "العشاء الأخير" لـ "ليوناردو" Leonardo أو صورة الادعاء للرسام "إلجريكو" El Greco كما بقيت رسوم "كرو- مانيون" فتظهر خطوطها وألوانها بعد عشرين ألف عام؟.

إن التصوير فن مترف، لا يظهر إلا بعد قرون طوال تنقضي في تطور عقلي وفني؛ ولو أخذنا بالنظرية السائدة اليوم "ومن الخطر دائما أن تأخذ بالنظريات السائدة" فالتصوير قد تطور عن صناعة التماثيل، التي بدأت بتماثيل كاملة، ثم تطورت إلى تماثيل بارزة على لوحة منحوتة، وعن هذه جاءت خطوة التصوير بالخطوط والألوان؛ وإذن فالتصوير عبارة عن نحت نقص بعد من أبعاده؛ والخطوة الوسطى من فن ما قبل التاريخ تراها ممثلة خير تمثيل في نحت بارز يدهشك بقوة وضوحه؛ والنحت تمثال لرجل رامٍ بسهم "أو بحربة" وهو منقوش على الصخور الأورجناسيّة "بلوسل" في فرنسا؛ وكَشَفَ "لوي بجوان" Louis Begouen في كهف "بأربيج" في فرنسا- بين آثار مجدلية أخرى عن كثير من المقابض المزخرفة صنعت من قرون الأوعال؛ وأحد هذه المقابض يدل على فن ناضج ممتاز، كأنما كان الفن عندئذ قد اجتاز أجيالا من التدريب والتطور؛ وكذلك ترى في أرجاء البحر الأبيض المتوسط منذ عهد ما قبل التاريخ- في مصر وكريت وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا- صوراً لا عدد لها لنساء سمينات قصيرات تدل إما على عبادة هؤلاء الناس للأمومة، وإما على تصوير الإفريقيين عندئذ للجمال؛ واستخرجت من الأرض في تشكوسلوفاكيا تماثيل حجرية لحصان وحشي ووعل وماموث، وجدت بين آثار ترجع- على سبيل الشك- إلى سنة 000ر30 ق.م(22) .

إن تفسيرنا لسير التاريخ على أنه سير إلى الأمام، لينهار من أساسه إذ شككنا في أن هذه التماثيل وهذه النقوش البارزة وهذه الصور- على كثرة عددها- قد لا تكون إلا جزءاً صغيراً جداً من الفن الذي عبر به الإنسان البدائي عن نفسه، أو الذي زَيَّنَ به حياته؛ إن ما بقى لنا كله في كهوف، حيث عَزَّ على عوامل المناخ أن تتسلَّل إليها فتفسدها، ولكن ذلك لا يقتضي أن إنسان ما قبل التاريخ لم يكن فناناً إلا حين سكن الكهوف؛ فربما نحتوا في كل مكان كما يفعل اليابانيون، وربما أكثروا صناعة التماثيل مثل اليونان، وربما لم يقتصروا في تصويرهم على صخور الكهوف، بل صوروا كذلك رسومهم على أقمشة وخشب وعلى كل شيء آخر- غير مستثنين أجسامهم؛ ربما أبدعوا في الفن آيات تفوق بكثير هذه القطع التي بقيت لنا؛ ففي أحد الكهوف وجدنا أنبوبة مصنوعة من عظم الوعل وملآنة بمادة ملونة لجلد الإنسان(23)؛ وفي كهف آخر وجدنا لوحة مصور فنان مما يوضع عليه الألوان عند التصوير، وجدناها لا تزال تحمل على سطحها طلاء مَغْرَةٍِ "تراب حديدي" أحمر، على الرغم من مائتي قرن مضت عليه(24)؛ فالظاهر أن الفنون بلغت درجة عالية من التطور، واتسع نطاقها بين الناس منذ ثمانية عشرة ألف عام؛ فيجوز أن قد كان بين أهل العصر الحجري القديم فنانون محترفون، ويجوز أن قد كان بينهم كذلك همج متأخرين يتضورون جوعا ويسكنون الكهوف الحقيرة، حيث ينكرون الطبقات الغنية من التجار، ويتآمرون على قتل المجاميع العلمية، ويصنعون بأيديهم أشياء وصلت إلينا فأصبحت تُحفَا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرابع: ثقافة العصر الحجري الحديث

فضلات المطبخ - سكان البحيرة - ظهور الزراعة - استئناس الحيوان - الأساليب الفنية - النسيج في العصر الحجري الحديث - صناعة الخزف - البناء - النقل - الدين - العلم - موجز لما تم فيما قبل التاريخ من تمهيد للمدنية


حدث في فترات مختلفة من القرن الأخير أن وُجِدت أكداس هائلة مما يرجح أنها من فضلات ما قبل التاريخ، وجدت في فرنسا وساردينيا والبرتغال والبرازيل واليابان ومنشوريا، ثم وُجدت فوق ذلك كله في الدانمركه حيث أطلق عليها هذا الاسم العجيب "فضلات المطبخ" التي أصبحت تعرف به أمثال هذه الأكداس من آثار القديم؛ وتتألف أكداس الفضلات هذه من قواقع، خصوصاً قواقع المحار وبلح البحر وحلزون البحر، ومن عظام كثير من الحيوانات البرية والبحرية، ومن آلات وأسلحة صنعت من العظم والقرن والحجر غير المصقول، ومن بقايا أرضية مثل الفحم والرماد والخزف المكسور؛ وهذه الآثار التي لا تأخذ العين بجمالها- دلائل واضحةُّ على ثقافة تكونت في تاريخ يقع حول سنة ثمانية آلاف ق.م؛ وهو تاريخ أَحدث من العصر الحجري القديم بالمعنى الدقيق، لكنه كذلك لا يبلغ من الحداثة أن يكون من العصر الحجري الحديث، لأنه لم يكن قد وصل بعد إلى عصر استخدام الحجر المصقول؛ ولا نكاد نعلم شيئا عَمَّن خَلفَّوُا لنا هذه الآثار، سوى أن ذوقهم كان أصيلا إلى حدٍ ما؛ ويمكن اعتبار "فضلات المطبخ"- بالإضافة إلى ثقافة "مادزيل" Mas dazil في فرنسا، وهي أقدم من الفضلات قليلا ممثلة لعصر حجري وسيط، هو بمثابة مرحلة انتقال بين العصرين الحجريين القديم والحديث.

وفي عام 1854 حيث كان الشتاء من الجفاف بدرجة خارقة للمألوف، هبط مستوى الماء في البحيرات السويسرية، فكشف عن عصر آخر من عصور ما قبل التاريخ؛ فوجدت أكوام فيما يقرب من مائتي موضع في هذه البحيرات؛ ووجد أن هذه الأكوام ظلت مكانها تحت الماء زمنا يتراوح بين ثلاثين قرنا وسبعين؛ ولقد كانت تلك الأكوام مصفوفة على نحو يبيّن أن قد شيدت فوقها قُرَّى صغيرة، وربما شيدت هناك رغبة في العزلة أو في الدفاع؛ وأن كل قرية كانت تتصل باليابس بجسر ضيق لم تزل أساس بعضها في أماكنها؛ وكانت قوائم المنازل نفسها ما تزال باقية هنا وهناك، لم تُزِلِها الأمواج بفعلها الدءوب وبين هذه الخرائب الباقية وجدت آلات من العظم والحجر المصقول الذي أصبح في رأي علماء الآثار علامة مميزة للعصر الحجري الجديد الذي ازدهر حول سنة 000ر10 ق.م في آسيا، وحول سنة 5000 ق.م في أوربا(28): وشبيه بهذه الآثار ما تركه الجنس البشري العجيب الذي نسميه باسم "بُنَاة الجبال" من بقايا هائلة ضخمة في وديان المسسبي وفروعه؛ ولسنا ندري عن ذلك الجنس من أجناس البشر إلا أنه في هذه الجبال التي بنوها وتركوها على هيئة مذابح القربان أو على أشكال هندسية مختلفة أو على هيئة حيوانات الطوطم، وجدت أشياء صنعوها من حجر وقوقع وعظم ومعدن مطروق، مما يضع هؤلاء الناس الملغزين في خاتمة العصر الحجري الجديد.

فلو حاولنا أن نلفّق صورة من هذه الأشتات الأثرية عن العصر الحجري الجديد، لرأينا في الصورة على الفور خطوة جديدة خطاها الإنسان، تثير فيك الدهشة عند رؤيتها، ألا وهي الزراعة؛ إنك تستطيع أن تقول إن التاريخ الإنساني كله- بمعنى من معانيه- يدور حول انقلابين: الانقلاب الذي حدث في العصر الحجري الحديث فنقل الإنسان من الصيد إلى الزراعة، والانقلاب الذي حدث أخيراً فنقله من الزراعة إلى الصناعة؛ ولن تجد فيما شهد الإنسان من ضروب الانقلاب ما هو حقيقي أساسيّ كهذين الانقلابين؛ فالآثار تدلنا على أن "سكان البحيرة" كانوا يأكلون القمح والذرة والجويدار والشعير والشوفان، فضلا عن مائة وعشرين نوعاً من أنواع الفاكهة، وأنواع كثيرة من البندق(29)؛ ولم نجد في هذه الآثار محراثاً، ويجوز أن تكون علة ذلك هي أن سنان المحاريث كانت تصنع من خشب، فيُدَقَّ جذع شجرة إلى فرع بمسمار من حجر الصَّوان؛ لكن نقشا محفورا على الصخر من العصر الحجري الحديث يدل دلالة لا يأتيها الشك على أنها صورة فلاح يسوق محراثاً يَشُدُّه ثوران(30) وهذا يحدد لنا اختراعا جاء بمثابة بداية لعصر جديد من عصور التاريخ؛ إن الأرض قبل أن تدخلها الزراعة كان في مستطاعها أن تهيئ أسباب العيش لما يقرب من عشرين مليوناً من الأنفس البشرية "في تقدير سير آرثر كيث غير الدقيق"، وحياة هؤلاء الملايين العشرين كانت معرضة لموت سريع بسبب الصيد والحرب(31)، أما بعد الزراعة فقد بدأ تكاثر الناس تكاثراً أيَّدَ سيادة الإنسان على الأرض سيادة مكينة لا شك فيها.

وفي الوقت نفسه كان أهل العصر الحجري الحديث يقيمون أساسا آخر من أسس الحضارة، وهو استئناس الحيوان وتربيته؛ ولا شك أن قد استغرق هذا العمل حينا طويلا من الدهر، قد تكون بدايته أسبق تاريخاً من العصر الحجري الحديث؛ فحب الإنسان بغريزته للاجتماع بغيره ربما كان عاملا مساعدا على اتصال الإنسان والحيوان، كما لا نزال نرى علائم ذلك واضحة في فرحة البدائيين بتدريب الوحوش المفترسة، وفي ملء أكواخهم بالقردة والببغاوات وأمثالها من سائر الزملاء(32) وأقدم العظام في آثار العصر الحجري الحديث (حوالي 000ر8 ق.م) هي عظام الكلب- الذي هو أقدم زملاء الجنس البشري عهداً وأشرفها خلقاً؛ ثم جاءت بعد ذلك (حوالي 6000 ق.م) الماعز والخروف والخنزير والثور(33) وأخيرا جاء الحصان الذي لم يكن عند أهل العصر الحجري القديم إلا حيوانا يصاد، إذا حكمنا من الرسوم التي في الكهوف؛ أما في هذا العصر الحجري الحديث فقد أخذه الناس إلى حيث يسكنون واستأنسوه وجعلوا منه عبداً محبباً إلى نفوسهم(34) إذ استخدموه على شتى العصور ليزيد من ثروة الإنسان وفراغه وقوته؛ وهكذا أخذ هذا الإنسان الذي بسط سيادته على الأرض آخر الأمر، في الإكثار من موارد طعامه بتربية الحيوان إلى جانب صيده له؛ وربما عرف الإنسان كذلك- في هذا العصر الحجري الحديث- كيف يستخدم لبن البقرة طعاماً.

وأخذ المخترعون في العصر الحجري الجديد شيئاً فشيئاً يوسّعون ويحسنون آلاتهم وأسلحتهم، فها هنا ترى بين مخَلفّاتهم بَكَرات ورافعات ومُرهِفّات ومغارز وملاقط وفؤوساً ومعازيق وسلالم وأزاميل ومغازل ومناسج ومناجل ومناشير وأشصاص السمك وقباقيب للانزلاق على الثلج وإبرا ومشابك صَدر ودبابيس(35) ثم هاهنا فوق هذا كله ترى العجلة، وهي مخترع آخر من مخترعات الإنسان الأساسية، وضرورة متواضعة من ضرورات الصناعة والمدنيَّة؛ فهي في هذه المرحلة من العصر الحجري كانت قد تطورت إلى قرص وإلى أنواع أخرى من العجلات ذوات الأقطار؛ وكذلك استعملوا كل صنوف الحجر في هذه المرحلة- حتى العِصِيّ منها كالحجر الزجاجي الأسود- فطحنوه وثقبوه وصقلوه، واحتُفِرت الصَّوانات على نطاق واسع؛ فوجدت في أحد محافر العصر الحجري الحديث، في مدينة براندُن بإنجلترا، ثمان حافرات من قرن الغزال، ورؤيت على أسطحها المعفّرة بصمات العمّال الذين وضعوها هناك منذ عشرة آلاف من السنين؛ وفي بلجيكا كشف عن هيكل عظمي لعامل من عمال المناجم في العصر الحجري الحديث، سقط عليه حجر فأرداه، كُشف عنه ولا تزال الحافرة في قبضة يده(36) فعلى الرغم من مائة قرن تفصلنا عنه، نحسّ كأنه واحد منا ونشاطره بخيالنا الضعيف فَزَعَه وآلامه؛ فكم من آلاف السنين قضاها الإنسان وهو يمزق أحشاء الأرض يستخرج الأسس المعدنية التي قامت عليها المدنية!

فلما أن صنع الإنسان الإبر والدبابيس، بدأ ينسج، أو إن شئت فقل إنه لما بدأ ينسج حَرَّكَتْه الضرورة إلى صناعة الإبر والدبابيس؛ ذلك أن الإنسان لم يعد يرضيه أن يدثّر نفسه بفراء الحيوان وجلوده، فنسج صوف خرافه وألياف النبات أردية كانت هي أساس الثوب الذي يلبسه الهندوسيّ، والشَملة التي كان يلبسها اليوناني، والثوب الذي يغطي أسفل الجسم الذي كان يرتديه المصري، وسائر الصنوف الخلابة التي تراها في الثياب عند الإنسان، ثم اصطنع الناس صبغة استخرجوها صنوفا من أخلاط عصير النبات أو مستخرجا الأرض، وصبغوا بها الثياب لتكون علامة ترف ينفرد بها الملوك؛ والظاهر أن الإنسان أو ما نسج جعل يضفر الخيوط على نحو ما يضفر القشَّ بأنه يجدل خيطا مع خيط؛ ثم انتقل بعد ذلك إلى ثَقب جلود الحيوان وربطها من هذه الثقوب بألياف غليظة تتخللها، كالمِشدَّات التي كان يستعملها النساء حديثاً، وكالأحذية التي نلبسها اليوم؛ ثم أخذت الألياف تتهذب تدريجياً حتى أصبحت خيط، وعندئذ أصبحت الحياكة من أهم الفنون عند المرأة؛ فالمغازل التي بين آثار العصر الحجري الحديث تكشف عن أصل من الأصول العظمى للصناعة الإنسانية بل أنك لتجد في هذه الآثار حتى المرايا(37)، وإذن فقد اصبح كل شيء مُعَدًّا للمدنيَّة.

ولم نجد آثاراً خزفية في قبور الجزء الأول من العصر الحجري العظيم، وإنما ظهرت منه قِطَع قليلة في آثار الثقافة المجدلية في بلجيكا(38)؛ لكنه في العصر الحجري الحديث الذي خَلَّفَ لنا "فضلات المطبخ" هو الذي نجد في آثاره خزفاً على شيء من التقدم في الصناعة؛ ونحن بالطبع لا نعلم كيف نشأت هذه الصناعة؛ فيجوز أن قد لاحظ الإنسان البدائي أن الفجوة التي تصنعها قدمه في الطين، كانت تحتفظ في جوفها بالماء دون أن يتسرب(39)؛ ويجوز أن قد شاءت المصادفة أن تلقى قطعة من الطين إلى جانب نار موقدة فتجف، فتوحي بجفافها هذا إلى الإنسان الأول بالفكرة التي أفرزت في النهاية هذا المخترع، وكشفت له عما يمكنه استغلاله من هذه المادة التي توجد بكثرة، والتي تطاوع يده في تشكيلها، والتي يسهل تجفيفها في النار أو في الشمس؛ ولا شك في أن الإنسان قد لبث آلاف السنين يحفظ طعامه وشرابه في آنية طبيعية كهذه، إلى جانب كؤوس القَرع وجوز الهند وقواقع البحر؛ ثم صنع لنفسه أقداحاً ومغارف من الخشب أو الحجر؛ كما صنع السلال والمقاطف من الحلفاء والقش، وهاهو ذا قد صنع لنفسه كذلك آنية أدوم بقاء من الطين المجفف وبه ابتدع مخترعاً جديداً يُعَدُّ من أعظم الصناعات التي عرفها الإنسان، لكن إنسان العصر الحجري الجديد لم يعرف عجلة الخزَّاف، فيما تدل الآثار الباقية لنا؛ إنما صنع بيديه هذا الطين أشكالا ذات جمال ونفع في آن معاً؛ وزخرفة الآنية برسوم ساذجة(40) وهكذا جعل صناعة الخزف منذ بدايتها تقريباً لا تقف عند حد كونها صناعة فحسب، بل جعل منها فنًّا كذلك.

وهاهنا كذلك نجد العلامات الأولى لصناعة أخرى من كبُرى الصناعات الأولى: صناعة البناء؛ فإنسان العصر الحجري القديم لم يخلّف لنا أثراً كائناً ما كان لمسكن غير الكهوف؛ حتى إذا ما بلغنا العصر الحجري الحديث، ألقينا بعض وسائل البناء مثل السلمّ الخشبّي والبكرة والرافعة والمقصلة(41)؛ فقد كان "سكان البحيرة" نجارين مهرة يربطون أعمدة الخشب إلى أساس البناء بخوابير ثابتة من الخشب؛ أو يصلونها وهي موضوعة رأساً لرأس، أو يزيدونها قوة بدقّ عوارض تتطلب معها على الجوانب؛ وكانت أرضيَّة الغرفة عندهم من الطين، وجدرانها من الغصون المجدولة مغطاة بطبقة من الطين، والسقف من اللحاء والقش والحلفاء والغاب؛ ثم بمعونة البكرة والعجلة استطاع الإنسان أن ينقل مواد البناء من مكان إلى مكان، وبدأ في وضع أسس ضخمة من الحجر لقُراه؛ وكذلك أصبح النقل صناعة من الصناعات، فصُنِعت الزوارق التي لا بد أن تكون قد ملأت البحيرات حركة؛ ونُقِلت التجارة عبر الجبال وإلى القارات البعيدة(42)، وأخذت أوربا تستورد من البلاد النائية أحجاراً نادرة كالعنير والبَشم والحجر الزجاجي الأسود(43) وأنك لتجد في أصقاع مختلفة من الأرض تشابها في كلمات أو حروف أو أساطير أو خزف أو رسوم، مما يدلك على ما كان بين جماعات البشر قبل التاريخ من اتصال ثقافي(44).

ولو استثنيت الخزف، وجدت أن العصر الحجري الجديد لم يخلّف لنا فنا نستطيع مقارنته إلى ما كان عند إنسان العصر الحجري القديم من تصوير وصناعة تماثيل؛ فهنا وهناك بين مشاهد الحياة في هذا العصر الحجري الحديث، من إنجلترا إلى الصين، ترى أكواما مستديرة من الحجر، أو أعمدة قائمة أو آثاراً ضخمة من البناء لا نعرف الغاية من بنائها، كالتي تراها في "ستوُنهِنج" أو "موربهان"، والراجح أننا لن نعرف معنى هذه الآثار البنائية أو وظائفها، وربما كانت بقايا مذابح للقرابين أو معابد(45) ذلك لأن إنسان العصر الحجري الجديد لابد أن قد كانت له ديانات وأساطير يصوّر بها ما يعتور الشمس كل يوم من مأساة ونصر، وما تصيب التربة من موت وبعث، كما يصور بها تأثير القمر تأثيراً عجيباً على الأرض؛ إنه ليستحيل علينا أن نفهم عقائد الإنسان في عصور التاريخ بغير افتراض أصول كهذه تمتد إلى ما قبل التاريخ(46)؛ ويجوز أن يكون ترتيب الأحجار في هذه الأبنية نتيجة لاعتبارات فلكية، ويدل على معرفتهم بالتقويم- كما يظن "شنيدر" Shneider (47)؛ وكان للناس في ذلك العصر أيضاً بعض المعرفة العلمية، لأن بعض الجماجم من العصر الحجري الجديد وجدت بها آثار تَربَنَة، وبعض الهياكل العظيمة فيها أعضاء يظهر أنها كُسِرَت ثم جُبِرَت(48).

ليس في وسعنا أن نقدر ما أداه الإنسان فيما قبل التاريخ تقديراً تاماً، لأننا من جهة لا ينبغي أن ننساق وراء الخيال في تصوير حياتهم بحيث نجاوز ما تبرره الشواهد، ولكننا قد نشك من جهة أخرى أن الدهر قد محا آثاراً لو بقيت لضيَّقَت مسافة الحُلف بين الإنسان الأول والإنسان الحديث؛ ومع ذلك فما قد بقى لنا من أدلة على خطوات التقدم التي خطاها إنسان العصور الحجرية، يكفي وحده لتقديره: فحسبنا ما تم في العصر الحجري القديم من صناعة الآلات واكتشاف النار وتقدم الفنون، وحسبنا ما ظهر في العصر الحجري الحديث من زراعة وتربية حيوان ونسج وخزف وبناء ونقل وطب. وسيادة الإنسان على الأرض سيادة لم يَعُد منازَعاً فيها، والتوسع في عمرانها بأبناء الجنس البشري؛ هكذا وُضعت للمدنية كل أساسها؛ كل شيء قد تم إعداده للمدنيات التاريخية إلا المعادن "فيما نظن" والكتاب والدولة؛ فهيأ للإنسان سبيلا لتسجيل أفكاره وأعماله، بحيث يمكن نقلها كاملةً آمنة من جيل إلى جيل، تبدأ له المدنية.


الفصل الخامس: مرحلة الانتقال إلى العصور التاريخية

1- ظهور المعادن

النحاس - البرونز - الحديد

متى وكيف بدأ الإنسان استخدام المعادن؟ لسنا ندري، نقولها هنا مرة أخرى؛ وكلما نستطيعه هو أن نقول على سبيل الظنّ إنه بدأ بفعل المصادفة، ونفترض أن قد كانت بداية ذلك في نهاية العصر الحجري الحديث، ويؤيدنا في ذلك عدم ظهوره فيما وجدنا من آثار العصور السابقة لذلك التاريخ؛ فلو حددنا هذا التاريخ بسنة 4000 ق.م أو نحوها، أبصرنا أمامنا صورة لعصر المعادن "والكتابة والمدنية" لا تمتد إلى أكثر من ستة آلاف عام، تراها بمثابة الذيل الصغير الذي أعقب عصراً حجرياً امتد على وجه الدهر أربعين ألف عام على أَقل تقدير، أو أعقب عمراً طويلا عاشه الإنسان مداه مليون عام ؛ إلا ما أحدث العهد الذي يدونّه لنا التاريخ.

كان النحاس أول معدن يلين لاستخدام الإنسان فيما نعلم؛ فنجده في مسكن من "مساكن البحيرة" عند "روبتهاوزن" في سويسره، ويرجع ذلك إلى سنة 6000 ق.م تقريباً(49) ونجده أيضاً في أرض الجزيرة "بين دجلة والفرات" من عهد ما قبل التاريخ، ويرجع إلى سنة 4500 ق.م تقريبا؛ ثم نجده في مقابر البداري في مصر، ويرجع عهده إلى ما يقرب من سنة 4000 ق.م، ونجده كذلك في آثار "أور" التي ترجع إلى سنة 3100 قبل الميلاد تقريباً، وفي آثار "بناة الجبال" في أمريكا الشمالية، التي ترجع إلى عصر لا نستطيع تحديده(50) وليست تقع بداية عصر المعادن عند تأريخ اكتشافها بل يبدأ ذلك العصر بتحوير المعادن بواسطة النار والطَّرق بحيث تلائم غايات الإنسان؛ ويعتقد علماء المعادن أن أول استعدان للنحاس من مناجمه الحجرية جاء بفعل المصادفة حين أذابت نارُ أوقدها الناس ليستدفئوا، نحاساً كان لاصقا بالأحجار التي أحاطوا بها النار؛ ولقد لوحظت أمثال هذه المصادفة مراراً في اجتماعات البدائيين حول نارهم في عصرنا هذا؛ ومن الجائز أن تكون هذه الحادثة العابرة هي التي أدت بالإنسان الأول في نهاية الأمر- بعد تكرارها مرات كثيرة- ذلك الإنسان الذي لبث أمداً طويلا لا يساوره القلق في استعمال الحجر الأصم الصليب، أن يجعل من هذه المادة المرنة عنصراً يتخذ منه آلاته وأسلحته، لأنها أيسر من الحجر صياغة وأدوم بقاء(51)؛ والأغلب أن يكون المعدن قد استعمل بادئ ذي بدء بالصورة التي قدمته عليها يد الطبيعة، وإنها لَيَدٌ فيها سخاء وبها إهمال في آن واحد؛ فكان نقيا حينا، مشوبا في معظم الأحيان ثم حدث بعد ذلك بزمن طويل- وربما كان ذلك حول سنة 3500 ق.م- في المنطقة التي تحيط بالطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، أن وقع الناس على فن صهر المعادن واستخراجها من مناجمها؛ ثم بدءوا في صبهّا نحو سنة 1500 ق.م "كما تدل على ذلك النقوش البارزة في مقبرة رخ- مارا في مصر)؛ فكانوا يصبّون النحاس المصهور في إناء من الطين أو الرمل، ثم يتركونه يبرد على صورة يريدونها، مثل رأس الرمح أو الفأس(52)؛ فلما أن كشف الإنسان عن هذه العملية في النحاس، استخدمها في مجموعة منوَّعة من المعادن الأخرى؛ وبهذا توفر للإنسان من العناصر القوية ما استطاع به أن يبني أعظم ما يعرف من ضروب الصناعة، وتهيأ له الطريق إلى غزو الأرض والبحر والهواء؛ ومن الجائز أن تكون كثرة النحاس في شرقي البحر الأبيض المتوسط هي التي سبَّبَت قيام ثقافات جديدة قوية في الألف الرابع من السنين قبل الميلاد، في "عيلام" و "ما بين النهرين" ومصر، ثم امتدت من هاتيك الأصقاع إلى سائر أجزاء المعمورة فبدّلتها حالا بعد حال(53).

غير أن النحاس وحده ليّن، فهو على الرغم من شدة صلاحيته للتشكيل مما ينفع في تحقيق طائفة من أغراضنا "ماذا كان يصنع عصرنا الكهربائي بغير نحاس؟" إلا أنه أضعف من أن يحتمل مهام السلم و الحرب التي تتطلب معدنا أقوى؛ لهذا كان لابد من عنصر آخر يضاف إلى النحاس ليشدّ من صلابته؛ ورغم أن الطبيعة قد أشارت إلى الإنسان بما عسى أن يضيفه إلى النحاس لهذه الغاية من مواد كثيرة الأنواع، بل إن الطبيعة كثيراً ما قدمت له نحاسا تم بالفعل خلطه واشتدت صلابته بما فيه من قصدير وزنك، مكونّةً بذلك برونزاً طبيعيا أو نحاسا أصفر، على رغم هذه المعونة من الطبيعة، فقد لبث الإنسان- فيما نظن- قرونا قبل أن يخطو الخطوة الثانية في هذا الصدد؛ وأعني بها خلط معدن بمعدن خلطا مدبرَّا مقصودا للحصول على مركبات أصلح لأغراضه، وعلى كل حال فهذا الكشف قد اهتدى إليه الإنسان منذ خمسة آلاف عام على أقل تقدير لأننا وجدنا البرونز بين الآثار الكريتية التي ترجع الى سنة 3000 ق.م، وفي الآثار المصرية التي ترجع إلى سنة 2800 ق.م، وفي ثاني مدن طروادة سنة 2000 ق.م(54)، فلم يعد- إذن- في وسعنا أن نتحدث عن "عصر البرونز" بمعنى الكلمة الدقيق، لأن هذا المعدن قد ظهر لشعوب مختلفة، في عصور مختلفة، وإذن فعبارة "عصر البرونز" ليس لها معنى زمني تؤديه(55) أضف إلى أن بعض الثقافات الإنسانية قد عَبَرَ مرحلة البرونز لم يَخطهُا، بل وثب رأسا من عصر الحجر إلى عصر الحديد، كما هي الحال في ثقافات فنلندة وشمال روسيا وبولنيزيا وإفريقية الوسطى وجنوب الهند وأمريكا و واستراليا واليابان(56)؛ بل إن الثقافات التي ظهرت فيها مرحلة البرونز لم يحتل فيها هذا المعدن إلا مكانة ثانوية، باعتباره ترََفاً يتمتع به الكهنة وعلِيَةُ الناس والملوك، على حين ظل غمار الشعب مرغما على الوقوف عند مرحلة الحجر لا يجاوزها(57) وحتى عبارتا "العصر الحجري القديم" و "العصر الحجري الحديث" فهما نسبيتان إلى حد كبير، وتصفان صورا من الحياة أكثر مما تحددان أزماناً وعصورا فإلى يومنا هذا يعيش كثير من الشعوب البدائية في عصرنا الحجري "مثل الإسكيمو وسكان جزاير بولنيزيا" لا يعرفون الحديد في حياتهم إلا على أنه ترََفّ يجيئهم به الرحالة المستكشفون من خارج؛ فعندما أرسى "الكابتن كوك" سفنه في زيلندة الجديدة سنة 1778، اشترى بضعة خنازير بمسمار ثمنه ستة بنسات "قرشان ونصف قرش"، ووصف رحالة آخر سكان "جزيرة الكلب" بأنهم "في حاجة نهمة للحديد، حتى لتحدثهم أنفسهم أن ينتزعوا المسامير من السفن" (58).

ولئن كان البرونز قوياً شديد الاحتمال، إلا أن النحاس والقصدير اللازمين لصناعته لم يكونا من الكثرة في الكمية أو في أماكن وجودهما بحيث يجد الإنسان حاجته من أجوده صنفاً لشئون الصناعة والحرب؛ فكان لابد للحديد أن يظهر عاجلا أو آجلا؛ وإنه لمن متناقضات التاريخ ألا يظهر الحديد- على وفرته- إلا بعد أن ظهر النحاس والبرونز؛ وربما بدأ الناس استخدام الحديد بصناعة الأسلحة من حديد الشهُب، كما قد صنع "بُناةُ الجبال"- فيما يظهر- وكما يفعل بعض البدائيين حتى يومنا هذا؛ ويجوز أن يكون الناس قد عقبوا على ذلك بإذابة المعدن من منجمه بواسطة النار، ثم طرقوه إلى حديد مشغول؛ ولقد وجدنا ما يشبه أن يكون حديداً شهابياً في المقابر المصرية قبل عهد الأسرات المالكة؛ وتذكر النقوشُ البابليةُ الحديدَ على أنه سلعة نادرة ثمينة في عاصمة حمورابي (2100 ق.م) وكشفنا عن مَسبَك للحديد قد يرجع عهده إلى أربعة آلاف عام، في روديسيا الشمالية، كما أن استنجام الحديد في جنوب أفريقيا ليس وليد العصور الحديثة؛ وأقدم حديد مشغول مما نعرف، مجموعةُّ من المُدَى وُجِدَت في "جيرار" في فلسطين ، حَدَّدَ "بترى" تاريخها بسنة 1350 ق.م؛ ثم ظهر الحديد بعد ذلك بقرن كامل في مصر، في عهد الملك العظيم رمسيس الثاني؛ وبعد ذلك بقرن آخر من الزمان، ظهر في جزر بحر إيجه؛ وأما في غرب أوربا فقد ظهر في "هولستات" Holistatt بالنمسا حوالي سنة 900 ق.م، كما ظهر في صناعة مدينة "لاتين" La Tene في سويسرا حول سنة 500 ق.م؛ وقد عرفته الهند حين أدخله فيها الإسكندر، وعرفته أمريكا على يد كولمبس، كما عرفته أوشيانيا بفضل "كوك" (59)؛ وبهذه السرعة الوئيدة الخطى، طفق الحديد، قرناً بعد قرن، يطوف بالعالم ليغزوه.

2- الكتابة

أصولها الخزفية الممكنة - "رموز البحر الأبيض المتوسط" - الكتابة الهيروغليفية - أحرف الهجاء


لكن أوسع خطوة خطاها الإنسان في انتقاله إلى المدنية هي الكتابة؛ ففي قطع من الخزف هبطت إلينا من العصر الحجري الثاني، خطوط مرسومة بالألوان فَسرَّها كثير من الباحثين على أنها رموز(60)؛ وقد يكون هذا موضعاً للشك، لكنه من الجائز أن تكون الكتابة- بمعناها الواسع الذي يدل على رموز من رسوم تعبّر عن أفكار- قد بدأت بعلاماتٍ مطبوعة بالأظفار أو بالمسامير على الطين وهو ليّن؛ بغية زخرفته أو تمييزه بعد أن تتم صناعته خزفاً؛ ففي أقدم كتابة هيروغليفية في "سومر" توحي صورة الطائر بأوجُه شبه بينها وبين الزخارف الطائرية الموجودة على أقدم الآثار الخزفية عند "سوزا" في "عيلام" كذلك أقدم صورة للغلال مما استُخدم في الكتابة التصويرية؛ نُقلَت رأساً من الزخارف الغلالية الهندسية الأشكال في "سوزا" و"سومر"؛ والأحرف المستقيمة الخطوط التي ظهرت بادئ الأمر في "سومر" حول سنة 3600 ق.م إن هي- فيما يظهر- إلا صورة مختصرة من الرموز والرسوم المصورة أو المطبوعة على الخزف البدائي في الجزء الأدنى من بلاد ما بين النهرين أو في "عيلام" (60 أ)؛ وإذن فالكتابة- شأنها شأن التصوير والنحت- قد تكون في نشأتها فناً خزفياً إذ بدأت ضرباً من ضروب النقش والرسم؛ وبذلك تكون الطينة نفسها التي استحالت في يد الخزّاف آنية، وفي يد النحات تماثيل، وفي يد البناء آجُرًّا، قد هيأت للكاتب مادته التي يخط عليها كتابته؛ وطريق التطور من هذه البداية إلى الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين، منطقي المراحل مفهوم التدرّج. وأقدم الرموز التصويرية المعروفة لدينا هي تلك التي وجدها "فِلِندَرز بتِرى" Flinders Petrie على قطع الفخار وآنيته وعلى قطع من الحجر، مما كَشَفَ عنه في مقابر ما قبل التاريخ، في مصر وإسبانيا والشرق الأدنى، ولقد حَدَّدَ عمرها بسخائه المعهود في تقدير الأعمار، بسبعة آلاف عام؛ وهذه الرموز الكتابية التي وجدت في حوض البحر الأبيض المتوسط، تبلغ ما يقرب من ثلاثمائة رمز، معظمها متشابه في جميع الأرجاء، مما يدل على علاقات تجارية قامت بين طرفي البحر الأبيض المتوسط في عهد يرجع في التاريخ إلى سنة 5000 ق.م؛ ولم تكن هذه الرموز صوراً، بل كان معظمها علامات تجارية- علامات تدل على الملِكية والكمية أو غير ذلك من معلومات يقتضيها التبادل التجاري؛ فلئن كان هذا الأصل المتواضع مما يؤذي الطبقة الوسطى من الأغنياء، فإن لهم ما يعزيهم في أن الأدب قد اشتقَّ أصوله من "فواتير" الحساب ومن شحنات المراكب؛ ولم تكن العلامات حروفاً، لأن العلامة الواحدة كانت كلمة كاملة أو فكرة بأسرها، ومع ذلك فمعظمها كان شديد الشبه بأحرف الهجاء الفينيقية؛ ويستنتج "بترى" من ذلك أن "مجموعة كبيرة من الرموز قد استخدمت شيئاً فشيئاً في العصور الأولى لأغراض شتى، فقد تبودلت مع التجارة، وانتشرت من قطر إلى قطر ... حتى كتب النصر لنحو ستة رموز، فأصبحت مِلكا مشاعاً لطائفة من هيئات التجارة، بينما أخذت سائر الأشكال التي اقتصر استعمالها على قطر واحد دون بقية الأقطار، تموت في عزلتها شيئاً فشيئاً" (61) والنظرية القائلة بأن هذه العلامات الرمزية هي أصل الأحرف الهجائية، جديرة بالاهتمام، وهي نظرية امتاز الأستاذ "بتري" بأنه يعتنقها دون سائر العلماء(62).

ومهما يكن من أمر تطور هذه الرموزية التجارية الأولى، فلقد سايرها جنبا إلى جنب ضرب من الكتابة كان فرعاً من الرسم والتصوير، وكان يعبر بالصور عن فكر متصل؛ ولا تزال صخور بالقرب من البحيرة العليا "بحيرة سوبيرير" تحل آثارا من الصور الغليظة التي استخدمها هنود أمريكا في روايتهم لقصة عبورهم هذه البحيرة الجبارة رووها للخلف، أو ربما رووها لزملائهم، روايةً يعبرون فيها عن زهوهم بما صنعوا(63)؛ كذلك يظهر أن تطوراً كهذا نَقَلَ الرسم إلى كتابة في أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط عند نهاية العصر الحجري الحديث؛ ويقيناً أنه ما جاءت سنة 3600 ق.م- وقد يكون قبل ذلك التاريخ بزمن طويل- حتى كانت "عيلام" و"سومر" ومصر قد طوَّرت مجموعة من الصور التي يعبرون بها عن أفكارهم، وأطلقوا عليها اسم "الكتابة الهيروغليفية" لأن معظم من قام بها كان من الكهنة(64) وظهرت مجموعة أخرى من هذه الصور شبيهة بتلك، في كريت حول سنة 2500 ق.م؛ وسنرى فيما بعد كيف استحالت هذه الكتابة الهيروغليفية التي تمثل كلُّ صورة منها فكرة، كيف استحالت بخطأ الاستعمال، ثم بما تناولها من تنسيق وتنظيم عرفي، إلى مقاطع. أعني إلى مجموعة من الرموز يدل كل منها على مقطع؛ ثم كيف استخدمت العلامات آخر الأمر لا لتدل على المقطع كله، بل على أول ما فيه من أصوات. وبهذا أصبحت حروفاً؛ وربما كان تاريخ هذه الكتابة الهيروغليفية يرتد في التاريخ إلى سنة 3000 ق.م في مصر، وأما في كريت فقد ظهرت حول سنة 1600 ق.م(65)؛ إن الفينيقيين لم يخلقوا أحرف الهجاء، ولكنهم اتخذوا منها سلعة للبيع والشراء؛ فقد أخذوها- فيما نظن- من مصر وكريت(66) وأدخلوها جزءاً جزءاً في "صور" و "صيدا" و "بيبلوس" Byblos، ثم أصدروها إلى كل مدينة من مدن البحر الأبيض المتوسط؛ وهكذا كانوا سماسرة لأحرف الهجاء يأخذونها من أصحابها ليذيعوها، ولم يكونوا مبدعيها حتى إذا ما كان عصر هومر، كان اليونان يأخذون هذه الأحرف الفينيقية- أو قُل الأحرف التي اتحد في خلقها الآراميون جميعاً- وكانوا يطلقون عليها الاسمين الساميَّين الحرفين الأولَّين "وهما: ألفا، بيتا؛ وبالعبرية ألفِ، بيت(67). فالظاهر أن الكتابة من نتائج التجارة، وهي إحدى وسائل التجارة المسهلة لأمورها، فها هنا أيضا ترى الثقافة كم هي مدينةّ للتجارة؛ ذلك أنه لما اصطنع الكهنة لأنفسهم مجموعة من رسوم يكتبون بها عباراتهم السحرية والطقوسية والطبيّة، اتحدت الطائفتان: الدنيوية والدينية، وهما طائفتان متنازعتان عادة، اتحدتا مؤقتاً لتتعاونا على إخراج أعظم ما أخرجته الإنسانية من مخترعاتها منذ عرف الإنسان الكلام؛ نستطيع أن نقول إن تطور الكتابة هو الذي كان يخلق الحضارة خلقاً، لأن الكتابة هيأت وسيلة تسجيل المعرفة ونقلها كما كانت وسيلة ازدهار العلم وازدهار الأدب، وانتشار السلام والنظام بين القبائل المتنافرة، لكنها متصلة على تنافرها، لأن استخدام لغة واحدة أخضعتها جميعاً لدولة واحدة؛ إن بداية ظهور الكتابة هي الحدُّ الذي يُعَيّن بداية التاريخ، تلك البداية التي يتراجع عهدها كلما اتسعت معارف الإنسان بآثار الأولين.


3- المدنيَّات المفقودة

بولينزيا - أطلانطس


ما دمنا الآن قد دنونا من تاريخ الأمم المتحضرة، فلا بد لنا أن نلاحظ أننا سنكتفي من كل ثقافة نعرضها بجزء يسير نختاره منها، وليس ذلك فحسب، بل قد لا نتناول بوصفنا إلا عدداً قليلا من المدنيات التي يجوز أن تكون قد قامت قوائمها يوماً على الأرض؛ فليس في وسعنا أن نُصَمَّ آذاننا فلا نسمع هذه الأساطير التي لم تنقطع روايتها طوال عصور التاريخ، عن مدنيات كانت ذات يوم عظيمة عالية الثقافة، ثم حلت بها كارثة من كوارث الطبيعة أو الحرب فحطمتها تحطيماً لم يُبق منها ولم يَذَر، فإن حفائرنا الحديثة في مدنيَّات كريت وسومر ويقطان تدل كلها على مدى احتمال الصدق في هذه الأساطير.

ففي المحيط الهادي آثار مدنيَّة واحدة على الأقل من هذه المدنيَّات الضائعة؛ فالتماثيل الضخمة في جزيرة "إبستر" وما يرويه الرواة في بولينزيا عن أمم قوية ومقاتلين أبطال كانوا ذات يوم يكتبون المجد لساموا وتاهيتي؛ ثم ما لسكانها من قدرة في الفن وحساسية في الشعر، كل ذلك يدل على مجد ذاهب، يدل على شعب لا يبدأ اليوم نهوضه ليأخذ في الحضارة، بل يتدهور من منزلة عالية كان ينزلها؛ وفي قاع المحيط الأطلسي، يمتد جزء مرتفع تحت الماء من أيسلندة شمالا إلى القطب الجنوبي، فينهض دليلا جديدا يؤيد هذه الأسطورة التي نقلها إلينا أفلاطون(68) في صورة جذابة خلابة الأسطورة التي تروى عن حضارة ازدهرت يوما على قارة محاطة بالماء بين أوربا وآسيا، ثم ضاعت بين عشية وضحاها حين ارتجَّت الأرض ارتجاجا فابتلع اليمُّ تلك القارة في جوفه ابتلاعا؛ ويعتقد "شليمان" - الذي بعث طروادة بعد موت- أن قارة أطلنطس كانت بمثابة حلقة اتصال بين ثقافتي أوربا ويقطان، وأن مصر كانت قد استمدت حضارتها من أطلنطس هذه(69) ولعل أمريكا نفسها أن تكون هي أطلنطس وأنها كانت ذات حضارة قديمة متصلة بحضارات إفريقية وأوربا في العصر الحجري الحديث؛ ويجوز أن كل كشف جديد يقع عليه الإنسان اليوم، هو كشف للمرة الثانية، سبقه في العصر السالف كشف أول. لاشك أنه من الجائز- كما ظن أرسطو- أن يكون العالم قد شهد مدنيات كثيرة، وصلت إلى كثير من المخترعات وأسباب الترف ثم أصابها الدمار وزالت من ذاكرات البشر؛ ويقول "بيكُن" عن التاريخ إنه حطام سفينة، إذ ضاع من الماضي أكثر مما بقى؛ وإننا لنجد العزاء عن هذا الضائع في الرأي القائل بأنه كما أن ذاكرة الفرد لا بد أن تنسى الجزء الأعظم مما يصادفه في خبرته من حوادث، لكي يحتفظ الفرد بقوته العاقلة، فكذلك الجنس البشري كله لم يحتفظ في تراثه إلا بأنصع وأقوى ما مَر به من تجارب ثقافية- أم هل استمد هذا المحفوظ نصوعه في الذاكرة وقوته لأنه وحده ما أجاد الذاكرة الاحتفاظ به؟- ومهما يكن من أمر تراثنا الذي نعيه، فحتى لو لم يكن إلا عُشر ما مَر بالإنسان من تجارب، فليس في وسع إنسان أن يلم به كله؛ وسنجد قصة الإنسان رغم ذلك كله مليئة مترعة بما يكفي.


4- مهود المدنيّة

آسيا الوسطى - أناو - خطوط الانتشار


إنه من المناسب أن نختم هذا الفصل الذي ملأناه بأسئلة لا يمكن الجواب عنها، بهذا السؤال: "أين بدأت المدنية؟"- وهو كذلك سؤال يعزّ على الجواب؛ فلو أخذنا بما يقوله الجيولوجيون الذين يعنون في أبحاثهم عما قبل التاريخ بضباب أين منه شطحات الميتافيزيقا، لو أخذنا بما يقولونه، لكانت المناطق القاحلة في آسيا الوسطى ذات ماضٍ فيه ماء وفيه اعتدال في حرارة الجو، وفيه ما يُزهره من بحيرات عظيمة وأنهار كثيرة(70)، تراجعت عنها آخر الموجات الجليدية، فجفَّت شيئا فشيئا حتى لم يعد ما يسقط على ذلك الإقليم من مطر كافيا لقيام المدن والدول؛ فأخذت المدائن تقفر من أهلها واحدة في إثر واحدة، حين هرب الناس غربا وشرقا وشمالا وجنوبا سعيا وراء الماء؛ ولا تزال ترى أنقاض مدن مثل "باكترا" Bactrai غائصة في الصحراء إلى نصفها- ولابد أن تكون "باكترا" هذه قد ازدحمت بسكانها في مساحتها التي تمتد قطر دائرتها اثنين وعشرين ميلا؛ ولقد حدث في عهد جدّ حديث- سنة 1868- أن اضطر عدد من أهل تركستان الغربية يقرب من ثمانين ألف نسمة، أن يهاجر لأن الرمال الزاحفة قد غمرت موضعه من الأرض(71) وكثيرون يذهبون إلى أن هذه الأصقاع التي تسير اليوم في طريقها إلى الفناء، قد شهدت أول خطوات أساسية من خطوات التقدم، في هذا المزيج المؤلف من نظام وطعام وعرف وأخلاق وترف وثقافة، والذي منه تتكون المدنية(72).

ولقد كشف "بَمبلِي" سنة 1907 قي "أناو" جنوبي التركستان، عن خزف وآثار أخرى تدل على ثقافة قديمة أرجعها إلى سنة 9000 ق.م، وربما أسرف في تقديره هذا فزاد أربعة آلاف(73)؛ وهاهنا نجد زراعة القمح والشعير والذرة، واستخدم الناس واستئناس الحيوان، وزخرفة الفخار بزخارف بينها من التشابه في قواعد الرسم ما يدل على أنهم كانوا قد جمعوا تقاليد وبطانة في الفنون لعدة قرون سلفت(74) والظاهر أن ثقافة تركستان سنة 5000 ق.م كانت قد قطعت من الزمن أشواطا؛ وربما كان بينهم إذ ذاك مؤرخون يضربون في أعماق ماضيهم عبثاً للبحث عن أصول المدنية، وفلاسفة أخذوا يندبون بعبارة فصيحة ما أصاب الجنس البشري إذ ذاك من تدهور كان يؤدي به إلى الموت.

ولو اهتدينا بالخيال حيث يعزُّ علينا العلم الصحيح، لقلنا إنه من هذا المركز هاجر الناس- يلوذون فراراً مما أصاب أرضهم من جفاف في المطر وجفاف في تربة الأرض- فساروا في اتجاهات ثلاثة، يحملون معهم ما لهم من فن ومدنية؛ فبلغت فنونهم- إن لم يبلغوا بفضيلتهم- أرض الصين ومنشوريا وأمريكا الشمالية من جهة الشرق؛ وبلغت شمال الهند في سيرها إلى الجنوب؛ ثم أدركت في طريقها نحو الغرب بلاد "عيلام" و "سومر" ومصر؛ بل إيطاليا وأسبانيا كذلك(75)؛ فقد وجدت في "سوزا" وهي في "عيلام" القديمة (فارس الحديثة) آثار تشبه في نمطها آثار "أناو" شبهاً يكاد يبرر للخيال الذي يعيد قوته صورة الماضي، أن يفترض أنه قد كان بين "سوزا" و "أناو" صلات ثقافية في فجر المدنية (أي حول سنة 4000 ق.م)(76) وكذلك يوجد شَبَه كهذا في الفنون والمنتجات القديمة يوحي بوجود علاقة كهذه بين بلاد ما بين النهرين ومصر فيما قبل التاريخ، وبوجود ارتباط يدل على اتصال مجرى المدنية.

ويستحيل علينا أن نعلم علم اليقين أيّ هذه الثقافات جاء أولا، وليس ذلك بكبير الأهمية، لأنها جميعاً كانت في جوهرها أفراد أسرة واحدة ونمط واحد، فلو كان لنا أن نخالف الرأي الشائع الذي اكتسب احتراما لقِدَمه، بحيث نضع "عيلام" و"سومر" قبل مصر، فلسنا نصدر في ذلك عن عبث يريد مخالفة المعروف لذاتها، لكننا نعتمد على الحقيقة التي تدل على أن عمر هذه المدنيات الآسيوية، إذا قيس إلى مدنيات إفريقية وأوربا، يمتد طولا كلما ازداد علمنا بتلك المدنيات عمقا؛ فمجاريف علماء الآثار بعد أن قضت قرنا كاملا في بحثها المظفّر على ضفاف النيل، انتقلت في سيرها عبر السويس إلى جزيرة العرب وإلى فلسطين وبين النهرين وفارس، وهي كلما خطت في طريقها هذا، ازددنا ترجيحا مع تزايد المعرفة التي تعود علينا من أبحاثنا، أن الدلتا الخصيبة للأنهار التي تجري في أرض الجزيرة "ما بين النهرين" هي التي شهدت أول مناظر المسرحية التاريخية للمدنية الإنسانية، فيما نعلم.