قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 5 ف 21

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 14651



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> البيئة المحيطة


الفصل الواحد والعشرون



شعراء منطقة البُحَيْرة



0771 - 0581م



1- البيئة المحيطة


لقد جمعنا في فصل واحد مُرْبك بين وردزورث، وكولردج وسوثي، لا لأنهم أسسوا مدرسة أدبية، فهذا لم يحدث ولا لأنهم اشتركوا في سمات أدبية واحدة ، فأشعار كولردج الساحرة تغوص في أسرار عامرة بالغموض والأرواح الغريبة بينما أشعار وردزورث ذوات روح نثري تجول برضا بين ما هو عام مألوف، من البشر رجالاً ونساء وأطفالا وما هو عام مألوف من الأشياء• ولقد عاش كولردج ومات رومانسيا - لقد كان رجل المشاعر والآمال والمخاوف والهوى، أما وردزورث - باستثناء فترة رومانسية انتقالية في فرنسا وفترة الإعلان الثوري سنة 8971 - فقد كان كلاسيا مثل كريب Crabbe وكان يتسم بهدوء محافظ• أما بالنسبة إلى سوثي Southey فكان شعره رمانسياً في وقت راج فيه هذا الشعر، وكان نثره ملتزما جديرا بدريدن Dryden (المقصود يضارع كتابات دريدن) وكانت سياساته الناضجة مرتبطة بالوضع الحالي (الراهن) وكانت حياته الزوجية المستقرة وصداقاته الخصبة توازن الاتجاهات الفلسفية والمالية والجولات الجغرافية لرفيق الشاعر الذي راح يحلم وإياه في وقت من الأوقات بمدينة مثالية (يوطوبيا) اشتراكية على شواطئ سسكويهانا Susquehanna• إن هؤلاء الرجال لم يكونوا مدرسة إلا بمعنى أنهم جميعا قطنوا لسنوات طوال منطقة (ولاية أومحافظة ) البحيرة في شمال غرب إنجلترا - إنها منطقة ضبابية ممطرة تتجمع فيها السحب •• إنها منطقة تجلّل ذرى جبالها الثلوج وتمتلئ بالبحيرات والبرك الفضية مما يجعل المنطقة من كندال Kendal وعبر وندمير Windemere أومبلسيد Ambleside وريدال ووتر Rydal Water وجراسمير Grasmere ودرونتووتر Derwentwater وكزويك Keswick حتى كوكرموث Cockermouth واحدة من أجمل مناطق كوكبنا• إن جبال المنطقة غير شاهقة فأعلاها لا يتجاوز ارتفاعه ثلاثة آلاف قدم وهي غير متجانسة (لا يشبه بعضها بعضها الآخر) ويكاد المطر يهطل يوميا لكن الضباب يعانق الجبال بحب، وتكاد الشمس تطل يوميا واعتاد المترددون على تحمل تقلبات المناخ بسبب السلام الذي يخيم على القرى وبسبب الخضرة الدائمة وكثرة الورود السعيدة يبللها الندى وروحي كولردج المجنون، ووردزورث الرصين اللتين تتردد أصواتهما بين التلال • هناك في كوكرموث Cockermouth ولد وردزورث وفي جراسمير Grasmere مات، وهناك في كزويك Keswick عاش كولردج فترات متقطعة وعاش سوثي Suthey أربعين سنة، وهناك عاش فترات مختلفة كل من : دي كوينسي De Quincey وأرنولد الروجبي Arnold of Rugby ورسكين Ruskin وباختصار، فهناك أتى كل من سكوت Scott وشيلي Shelley وكارليل Carlyle وكيتس Keats ليتذوقوا طعم الجنة Eden ويتشمموا عبيرها•



 صفحة رقم : 14652   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> وردزورث


2- وردزورث



0771 – 7971


كانت أمه ني آن كوكسون Nee Ann Cookson ابنة تاجر كتان في بنريث Penrith - أما أبوه جون وردزورث فكان محامياً نجح في عمله كوكيل لأعمال السير جيمس لوثر Lowther، وقد ربى الزوج والزوجة في منزلهما المريح في كوكرموث خمسة أطفال:ريتشارد الذي أصبح محاميا ووكيل أعمال، وأدار الأمور المالية للشاعر، ووليم ودوروثي وهما اللذان سنهتم بهما في سياقنا هذا، وجون الذي مات في حادث جنوح سفينة، وكريستيان الذي درس وتدرج في المناصب حتى صار رئيسا لكلية التثليث في كمبردج• ولأسباب لانعلمها الآن لم يتم تعميد وليم إلا بعد ميلاد دوروثي التي ولدت بعده بعام (في سنة 1771) فقد تم تعميد الأخ وأخته في اليوم نفسه كما لو كان هذا لمباركة حبهما الذي استمر مدى الحياة• لقد أصبحت دوروثي هي صديقة طفولته وكان ارتباطه بها يفوق ارتباطه بإخوته الآخرين • وكان وليم وردزورث حاد الذهن حساسا ، وكانت هي أكثر منه حدة وأشد حساسية إذ كانت أسرع منه في تمييز أشكال النباتات وألوانها، وأنواع الأشجار وطبيعتها وما تفرزه وحركة السحب البطيئة وكانت شديدة الإحساس بضوء القمر الفضي الذي يكسو البحيرات• لقد كان على الشاعر أن يقول عن أخته: لقد كانت عيني التي أرى بها وأذني التي أسمع بها• لقد كانت تلطف من حدة اندفاعه في القنص ليطارد ويقتل، لقد أصرت على أن عليه ألا يؤذي أي كائن حي(1)• وعندما بلغت دوروثي السابعة من عمرها فُجِعا بموت أمهما• وحزن أبوهما حزنا شديدا ورفض أن يتخذ له زوجه أخرى، واستغرق في عمله وأرسل أطفاله ليعيشوا مع أقاربهم• فذهبت دوروثي إلى خالة لها في هاليفاكس Halifax في يوركشير فلم تعد الآن قادرة على رؤية وليم إلا في فترة الإجازات• وتم إلحاقه في سنة 9771 بمدرسة جيدة في هوكشيد Hawkshead بالقرب من بحيرة وندرمير Windermere وفيها درس الكلاسيّات الإغريقية واللاتينية وبدأ - كما قال - ينسج الشعر• ويبدو أن الغابات والمياه القريبة قد لعبت دورا أكبر من دور كتبه في تشكيل أسلوبه وشخصيته• ولم يكن عازفا عن الحياة الاجتماعية فقد كان يشارك غيره من الشباب في المباريات وأحيانا كان يقضي أمسيات صاخبة في فندق محلي لكنه كثيرا ما كان يتجول وحيدا بين التلال على طول شاطئ اسثويت Esthwaite Water وبحيرة وندرمير Windermere• وبين الحين والآخر كان لا يعبأ بالمناخ فقد ألف تغيراته، فكان يمعن في تجوله إلى أماكن لا يكون فيها آمنا وعرف المخاوف التي يمكن أن تلم بالشباب الذين يترددون على الأماكن التي بها كائنات حية غير بشرية، لكنه بالتدريج بدأ يحس بالروح الكامنة في نمو النباتات وفي لعب الحيوانات وصراعها، وفي شموخ الجبال وفي ابتسام السماء وتجهمها• لقد بدا له وكأن كل هذه الأصوات المنبعثة من الحقول والغابات والذرى والسحب تتحدث إليه بلغتها الخاصة• لغة أدق من لغة الكلمات وأرق وأكثر باطنية، لكنه يحس معانيها التي تؤكد له أن الأشياء المتعددة الكثيرة كثرة لا تصدق الموجودة حوله ليست مجرد ماديات لاحول لها وإنما هي إبداع رب أعظم وأقرب من الإله البعيد الصامت الذي لا شكل له، الذي يتوجه إليه في صلواته• ومن هنا أصبح ذا مزاج استبطاني جعله يستغرق في تأمل الحياة الداخلية أو الباطنية بالإضافة للعبادة الظاهرة• وفي سنة 3871 مات أبوه فجأة• وكانت ممتلكاته متفرقة وغير موثقة، فمرت عبر قضايا استغرقت وقتاً طويلا وكلفت الكثير من الأموال وتأخر سداد مبلغ 007،4 جنيه إسترليني التي كان السير جيمس لوثر مدينا بها كثيرا حتى إن الوصية الموجودة لم تكن تسمح سوى بستمائه جنيه لكل طفل وهو مبلغ لا يسمح أبدا بمواصلة تعليمهم(2) ومع ذلك وجد أخوهم ريتشارد من الوسائل ما يمكنه من رؤية وليم في هوكشيد Hawkshead وفي أكتوبر سنة 7871 التحق وردزورث بكلية القديس جون في كمبردج• وحث أحد أعمامه مدير الكلية لتقديم منحة دراسية له على أمل أن يتمكن من إعداد نفسه لتسنم منصب كهنوتي في الكنيسة الإنجليكانية، وبالتالي لايشكل عبئا مالياً على أقاربه • لكن وليم بدلاً من أن يعكف على دراسات تؤهله لمنصب كهنوتي راح يقرأ ما يعجبه، خاصة شوسر Chaucer وسبنسر وشكسبير وميلتون - واعترض على إلزامه بالحضور إلى الكنيسة مرتين في اليوم، فقد كان من الواضح أن قراءاته قد أزاحت شيئا من عقيدته الموروثة• لكن كثيرا من إيمانه وعقيدته الموروثة هذه لا بد أن يكون قد ظل مصاحباً له لأنه لم يكن يأنس لأفكار فولتير• وفي يوليو سنة 0971 حث زميل دراسته، ابن ويلز، روبرت جون على أن يدخرا معا عشرين جنيها للقيام معا برحلة - مشيا على الأقدام - في القارة الأوربية• واتخذا طريقهما إلى بحيرة كومو Como واتجها شرقا في سويسرا، وهناك أصبح المال اللازم معهما قليلا فأسرعا بالعودة إلى إنجلترا ليهدئا من غضب المسؤولين الماليين• وعوض وردزورث، دوروثي عن إهماله لها طوال عام بأن راح يقضي أيام الكريسماس معها في فورنست ركتوري Fornsett Rectory (المقابل الحرفي للكلمة ركتوري هو بيت القسيس) بالقرب من نورويتش Norwich - لقد كتبت دوروثي إلى جين بولارد لقد اعتدنا أن نتمشى كل صباح نحو ساعتين ، وكنا في كل يوم نذهب إلى الحديقة في الساعة الرابعة مساء••• لنسير جيئة وذهابا حتى السادسة •• آه يا جين •• إنني لم أكن أشعر بالبرد عندما يكون معي(3) وكانت تأمل أن يصير رجل دين وأن يسمح لها عندئذ بأن ترعى بيته• وعندما تخرج من كمبردج (يناير 1971) تحطمت كثير من آماله بذهابه إلى لندن حيث عاش في خمول يكاد يكون تاما(4) وكان في كل شهر من شهور مايو يقوم مع جونز Jones بجولة في أنحاء ويلز، فكانا يتسلقان جبل سنودون Snowdon (053،1 قدما) ليريا شروق الشمس• وفي 72 نوفمبر عبر مرة أخرى بمفرده إلى فرنسا• لقد كانت الثورة الفرنسية وقت وصوله إلى فرنسا هذه المرة في أجمل وأرق مراحلها، لقد كانت الثورة قد صاغت دستورها الليبرالي وتم إعلان حقوق الإنسان للعالم، فإلي أي حد كان شاب صغير لازال يتمرغ في مهاد الفلسفة، يستطيع أن يقاوم هذه الدعوة للعدالة والأخوة العالمية (على مستوى العالم)؟ لقد كان يصعب كثيرا على دارس فقير لحقه بعض الضرر من اللوردات وذوي الألقاب الطبقية (سير جيمس لوثر Lowther) أن يدين هؤلاء الفرنسيين الذين وصفهم بعد ذلك في مستهل ترجمته الذاتية (كتابته عن تاريخ حياته): - هؤلاء الفرنسيون الذين يعرضون أموراً علينا النظر إليها، - إنهم يعرضون جمهورية حيث يكون، - كل الناس فيها - إلى حد كبير - سواء، - يقفون على أرضية مشتركة - لنصبح جميعا إخوة - متساويين في الكرامة والشرف لنكوّن مجتمعا - واحدا كريما وشريفا، - مجتمعا واحداً يضم السادة والدارسين، ولاتغدو -هناك فوارق - ويقل شأن الألقاب والثروة - أمام المواهب والجدارة والحرف (الصناعات) المزدهرة• وعندما وصل إلى فرنسا تأثر بحماسة أمةٍ تفزع إلى السلاح لمواجهة تهديدات الدوق برونسويك Brunswick بسحق الثورة وتسوية باريس بالأرض إن قاومته• وعقد صداقة مع أحد ضباط جيش الثوار ميشيل دي بوبوىMichel de Beaupuis الذي كان ينتمي بحكم ميلاده إلى طبقة النبلاء، لكنه يشعر الآن بضرورة الدفاع عن فرنسا ضد الغزاة• لقد حرك هذا الانفلات من أسر الطبقية مشاعر وردزورث وأوحى له أن يكون مفيدا لخدمة قضية الثورة، لكنه شعر أنه أوهن من أن يحمل سلاحا وأن ما يعرفه من اللغة الفرنسية لا يؤهله للعمل في المجال المدني أو السياسي، فاستقر في أورليان Orleans لدراسة الفرنسية، هذه اللغة الفاتنة خاصة إذا تحركت بها شفاه النساء• ووجد هذه اللغة رائعة جذابة، ومما زاد من هذه الروعة وتلك الجاذبية أنه تلقاها على يد أَنِت فالون Annette Valon الشابة دافئة القلب دافئة الدماء التي لم تكتف بتعليمه الفرنسية وإنما وهبته جسدها أيضا• ولم يقدم لها مقابل هذا إلا شبابه فقد كان في الواحدة والعشرين بينما كانت هي في الخامسة والعشرين• وعندما ظهرت عليها بوادر الحمل ظنت أنها جديرة أن تكون زوجة له، ولكن وليم تساءل: أيستطيع هو - الذي يعرف من اللاتينية أكثر مما يعرف من الفرنسية أن يكون زوجاً في فرنسا، وهل تستطيع هي ، وهي كاثوليكية وثنية Pagan Catholic أن تعيش في إنجلترا البيوريتانية (التطهرية)؟ وفي 92 أكتوبر سنة 3971 تركها في أورليان واتجه إلى باريس وقبل مغادرتها وقع مستنداً يخول السيد م• دفور Dufour أن يقوم بدور الأب الغائب عند تعميد الطفل المرتقب (الذي ستنجبه أنت (Annette(6) وفي 51 ديسمبر أنجبت طفلة أطلق عليها اسم كارولين• وانخرط وردزورث وهو في باريس في هذا الوقت في وقائع الثورة، فحضر اجتماعا لليعاقبة وزار الجمعية التشريعية وكون صداقات مع الجيرونديين• لقد دهمته حمى العصر (المقصود أحداثه الساخنة) فوجد نفسه في وسط أحداث صنعت التاريخ وهزته: - أن تكون على قيد الحياة في فجر هذه الأحذاث، فتلك نعمة، - أما أن تكون شابا فقد أدركت الفردوس بعينه!(7) ووصله خطاب من أخيه ريتشارد يرفض تقديم مزيد من الدعم المالي ويصر على عودته السريعة• ولم يعرض عليه الثوار دعما فعبر إلى لندن وحاول تحسين الأمور المالية للأسرة، وظل الأخ ريتشارد صارماً رغم حبه• أما العم وليم كوكسون Cookson وكاهن فورنست Fornsett ومضيف دوروثي (أي الذي تقيم عنده دوروثي) فقد أوصد أبوابه في وجه هذا الشاب الذي كان يقدم له الدعم المالي لمواصلة تعليمه ليكون رجل دين فإذا به الآن يتحول فيما يبدو إلى يعقوبي كسول• لقد أضير وليم ضررا شديدا، فعكف على الشعر يدرسه ويقرضه، وشعر أنه كتابع مخلص لربة الشعر والغناء (موزيه Muse) جدير بدعم الإخوة والأعمام والأخوال، وانضم إلى الراديكاليين الذين كانوا يترددون على مكتبة جونسون (لبيع الكتب ونشرها) وواصل تأييده العلني للثورة• وفي السطور الخمسين الأخيرة لإسكتشاته الوصفية Descriptive التي كتبها ونشرها في سنة 3971 امتدح الثورة الفرنسية لا باعتبارها تحريرا لأمة فحسب وإنما باعتبارها تنطوي على تحرير الجنس البشري كله، وقد اعترف في كتابات نشرت بعد وفاته أنه كان يكتم سعادته لانتصارات الثورة الفرنسية حتى عندما كان آلاف الإنجليز يلقون حتوفهم في ميدان المعركة دون أن يتركوا وراءهم مجداً (8) وفي أول فبراير سنة 3971 أعلنت فرنسا الحرب على إنجلترا وفي مارس من العام نفسه وصل إلى وردزورث خطاب من أنت Annette تتوسل إليه أن يعود إليها لكن القنال الإنجليزي كان قد أغلق في وجه المسافرين المدنيين• ولم ينسها أبدا، فقد كانت ذكراها تحرق شعوره، وسنراه بعد ذلك بتسع سنين يحاول تقديم بعض الترضيات، وخلال هذه الأعوام أصبحت أنت Annette من أنصار الملكية المتحمسين، واكتشف وليم شيئا فشيئا مزايا الدستور البريطاني• لقد تضاءل إيمانه بالثورة الفرنسية عندما قطعت المقصلة رؤوس الجيرونديين في عهد الإرهاب في سنة 4971، وكان وليم معجباً بهم• وفي نحو هذا التاريخ كان متأثرا تأثرا شديدا بكتاب جودون Godwin عن العدالة السياسية Enquiry Concerning Political Justice لقد شجع هذا الكتاب اتجاهه الراديكالي لكنه أثر في تحذيره من الثورات التي يشعل الثوريون نيرانها• وفي سنة 5971 قابل جدون Godwin نفسه وأعجب به ودعي سبع مرات في هذا العام إلى منزل الفيلسوف الشهير• وحتى عندما أصبح هو محافظا متحمساً للاتجاه المحافظ ظل على صداقته لجدون حتى فرق الموت بينهما (6381)• وفي سنة 5971 أوصى له ريزلي كلفرت Raisley Calvert بتسعمائة جنيه، فزاده هذا اعتدالا ووقارا لكنه أقرض - بطيش - ثلاثمائة جنيه من هذه الثروة لصديقه المتلاف سيىء السمعة بازل مونتاجو Basil Montagu كما أقرض لصديق مونتاجو الحميم المدعو شارلز دوجلاس Douglas مائتي جنيه - وفي كلتا الحالتين لم يكن هذا الرهن ليدر أكثر من 01%، وحسب وردزورث (وردزورث) أن الفوائد السنوية التي قوامها خمسون جنيها (لم تكن تدفع بانتظام) مع الأربعمائه جنيه المتبقية لن تكفي حتى مع العشرين جنيها التي تمثل دخلا سنويا لدوروثي لتمويل حلم أخته بإقامة سكن يعيشان فيه عيشة مشتركة متواضعة قوامها الشعر والحب، لكن منذ الآن قدم لهما صديق آخر هو جون بني البريستولي John Pinney of Bristol مقر إقامته المؤثث في دورست Dorset ليقيما فيه مجانا، وهناك ظلا حتى يونيو سنة 7971 ونعما في هذا المكان بما لم يكونا يتوقعانه من راحة وخير• إننا نصفه الآن وقد بلغ الخامسة والعشرين• شخص متوسط الطول، نحيل، منحن انحناء خفيفا، يتدلى شعره غير الكثيف وغير المرجَّل حول أذنيه و ياقة قميصه، وتنظر عيناه الداكنتان الحزينتان على طول أنفه المتسائل العدواني المستفز على نحو ما• وكان سرواله بنطاله ذا طابع ريفي من نسيج مزخرف بالمربعات، وكان معطفه عباءة واسعة، ولديه منديل أسود يستخدمه كرباط عنق وكان واهن الجسم لكنه كان ذا طاقه كبيرة وروح قوية وإرادة شديدة، وكان يستطيع أن يلبي حاجة ضيوفه مهما ثقلت وكان يستطيع أن يجعل نيرانه مشتعلة في الأخشاب التي جمعها من الغابة أو قطعها من أشجارها مستخدما قوة ذراعيه وضربات فأسه• لقد كان حساساً كشاعر، وعصبيا كامرأة وكان يعاني من الصداع خاصة عندما ينخرط في تأليف الشعر• وغالباً ما كان مكتئباً متقلب المزاج يميل إلى الهيبوكوندريا (الوسواس المرضي) وكان قريب الدمع، وفكر ذات مرة في الانتحار(9) - لكن هذا كان وسيلة معروفة في العلم للتظاهر بالشجاعة• وكان يحب المال حبا جما، معتزا بنفسه واثقا من تفوق أحاسيسه وسموه العقلي ورقيه الخلقي (متساهلاً مع ما أتاه من اتصالات جنسية لاتتسم بالمبالاة) لكنه كان متواصعا أمام الطبيعة معتزا بنفسه خادماً لها ومعبراً عنها• أما دوروثي فكانت على نقيضه، أكسبت وجهها سمرة بكثرة مشيها تحت أشعة الشمس، ولم تكن أنانية مستغرقة حول ذاتها أو مفرطة بالإعجاب بنفسها فعكفت على خدمة أخيها ولم تكن تشك في عبقريته أبدا وجعلت بيتهما نظيفا دافئا ورعته في مرضه وكانت تبحث عن مباهج الطبيعة وعجائبها وخوارقها بعينين متوهجتين(01) وذلك على حد تعبيره، وكانت تدون بسرعة في يومياتها هذه المدركات لتتذكرها، وكان هو يستخدم هذه اليوميات (لتوحي له أفكارا وأشعارا)• لقد جعلت أذنيها ويديها وعينيها في خدمته، فلم تكن تمل أبدا من الإصغاء إليه وهو ينشد أشعاره، ولم تكن تمل من نسخها• أما من ناحيته هو فقد أحبها حبا عميقا - دون أن يمنع نفسه عن إقامة علاقات جنسية محرمة معها - لأنها كانت أعز مساعداته له، كما كانت لاتطلب منه الكثير، وكانت بالنسبة إليه تمثل الجزء الذي يحتاجه النبات المعترش للتعلّق والامتداد• وعندما عادا إلى بيتهما حيث الأسرة، وحصلا على خمسين جنيها إضافية لدخلهما السنوي، شرعا يرعيان بازل Basil ذا الأعوام الثلاثة وهو ابن بازل مونتاجو Montagu وسعدا لرؤية هذا القاصر الغض وهو يتحول من نبات مرتعش هش على وشك الموت إلى صبي مفعم حيوية متوردا لايعرف الخوف إلىه سبيلا(11)• وفي ربيع سنة 7971 أتت صديقة دوروثي، ماري هتشنسون من بنرث Penrith لتقيم معها حتى الخامس من يونيو• وفي السادس من الشهر نفسه اقتحم شاب في الخامسة والعشرين من عمره مسكون بالشِّعر البوابة وجاس خلال الحقل ودخل بكل قوته حياة وليم وردزورث (وردزورث) ودوروثي وردزورت، وكان هذا استجابة لدعوة أرسلها إليه وليم وردزورث• إن هذا الشاب الشاعر هو كولردج•



 صفحة رقم : 14653   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج1772


3- كولردج



2771 - 4971


كولردج هو أكثر أفراد المجموعة التي نتناولها في هذا الفصل تشويقا وأكثرهم تباينا في مواهبه وتنوعا في جاذبيته، وأفكاره وقلقه ونقائصه• لقد اجتاز السلسلة كاملة من المثالية إلى كوارث في الحب والأخلاق، ونكبات في الأدب والفلسفة• وقد اقتبس من أفكار - وكلمات - مؤلفين كثيرين تأثربهم واستوحى أفكارهم ولا يمكن لقسمٍ من فصل أن يوفيه حقه• ولد صمويل (صموئيل) تايلور كولردج في 12 أكتوبر سنة 2771 وكان هو الابن العاشر والأخير لجون كولردج ناظر المدرسة والذي كان عند مولده قسا في أوتري سانت ماري Ottery St. Mary في ديفونشير Devonshire وكان جون دارسا للرياضيات المتطورة وعالما باللغتين اليونانيـة واللاتينية واللغات الشرقية، وهو مؤلف كتاب عن نحو اللغة اللاتينية Acritical Latin Grammer أما الابن الذي أصبح بعد ذلك يشير إلى اسمه بالأحرف الأولى (S. T. C ) فقد وقع في إسار هذا التراث الذي تعلمه إذ كادت كل فقرة من فقراته تتضمن اقتباسا يونانيا أو لاتينيا• وقد روى - فيما بعد - ما كان عليه حاله من الثالثة إلى السابعة: لقد أصبحتُ نكداً شكِساَ رعديدا نمَّاما واشيا، وكان رفاقي في المدرسة يبعدونني عن اللعب معهم وكانوا دائما يؤذونني لذا فلم أسعد بألعاب الصبية ومن ثم عكفت على القراءة باستمرار••• لقد قرأت في السادسة من عمري بيليزاريوس Belisarius وروبنزون كروزو Robinson Crusoe وألف ليله وليلة ••• فتملكتني الأشباح ••• وأصبحت حالما وأصبحت أعاني انحرافا في صحتي إثر أي نشاط جسماني، وكنت جباناً رعديدا عاطفيا انفعاليا بشكل مبالغ فيه •• وكنت كسولا مكروها من الصبية لأنني كنت أستطيع القراءة والهجاء ••• وكانت لدي ذاكرة قوية وقدرة على الفهم تكادان تنمان عن نضج غير طبيعي، وكنت موضع إطراء وإعجاب من النسوة كبيرات السن ••• ولذا فقد أصبحت مختالا فخورا، وأصبحت قبل أن أبلغ الثامنة من عمري شخصية (المقصود شخصا ذا سمات خاصة) من حيث الأحاسيس والخيال والزهو والكسل، ومشاعر الاحتقار العميق والمرير لكل من يمر على تفكيري• حتى لو كان من المبرزين المشاهير(21)• وكان موت أبيه (9771) الذي كان الشاعر يحبه بعمق صدمة عنيفة له • وبعد موت أبيه بعامين أُرسل إلى مدرسة خيرية في لندن تابعة لمستشفى يسوع Christصs Hospital لمواصلة تعليمه• وكانت الوجبات التي تقدمها هذه المدرسة هزيلة وكان النظام فيها صارما، وقد تحدث في أواخر حياته عن العقاب الشائن الذي أنزلوه مضاعفا وبقسوة على صبي شعر أن أسرته قد نسيته• لقد أرادوا له أن يكون قسّا بينما كان هو يرنو أن يكون صانع أحذية• وفي سنة 0381 (في هذا التاريخ كانت ذاكرته - على نحو خاص لا يُعوّل عليها) جُلد، وهو يروي لنا قصة جلده ولم تكن هي المرة الوحيدة، فيقول: عندما كنت في الثالثة عشرة من العمر ذهبت إلى صانع أحذية وتوسلت إليه أن أعمل عنده ليعلمني المهنة• وكان رجلا أمينا لذا فإنه سرعان ما دبّر لي لقاء مع بوير Bowyer رئيس جماعة صانعي الأحذية، فثار غاضبا وركلني •• وسألني لماذا أبرهن هكذا على غبائي؟ فأجبته إنني شديد الرغبة في أن أكون صانع أحذية وأكره أن أكون رجل دين، فسألني لماذا؟ فقلت له: الحق أقول لك يا سيدي •• إنني كافر وبمجرد أن قلت ذلك لم يسمح بوير بمزيد من الكلام، وجلدني(31) ومن الواضح أنه اقتطف بعض الفاكهة المحرمة، وربما كان ذلك من كتب إحدى محلات بيع الكتب بشارع الملك (كنج ستريت) ففي هذه المكتبات - كما زعم بعد ذلك - بطريقته التذكارية: لقد قرأت في كل الكتب الواردة في الفهرس (المقصود كتالوج المكتبة) وفي كل الكتب الضخام (من القطع الأعظم) سواء كنت أفهم ما أقرأه أم لا ••• وكنت أغامر بكل شيء للحصول على المجلدين اللذين فرضت على نفسي الحصول عليهما يوميا• لقد كنت مدركا لما يجب أن أكون عليه وأنا في الرابعة عشرة من عمري• لقد كنت محموما دائما (المقصود أنه كان شديد التوق للقراءة)• لقد كان كياني كله موجها نحو الانسحاب إلى ركن مشمس لأقرأ وأقرأ وأقرأ، مغمضا عيني عن أي هدف آخر(41)• وبطبيعة الحال فإننا نلمح زهواً مبالغا فيه هنا• وعلى أية حال فقد أنجز إنجازا طيبا في مدرسة مستشفى يسوع حتى إن أسرته رتبت أمر إدراجه بين الطلبة المساعَدين (بفتح العين) الذين يعملون ويدرسون في آن واحد في كلية يسوع بكمبردج (1971) وهناك حاول دراسة الرياضيات المتقدمة واللغة اليونانية المغرقة في قدمها لقد قرأت بندار Pindar ورحت أؤلف الشعر باللغة اليونانية وكأنني كلب مجنون أو بتعبير آخر ككلب مصاب بالسعار ••• وفي أي وقت فراغ يتاح لي كنت أترجم Anacreon •• وتعلمت العزف على الفيولين (الكمان)(51)• وعندما نقرأ عن كولردج لابد أن نسمح لأنفسنا بتقبل ما هو عليه من غلو وإفراط• لقد أهمل صحته، وأصيب في سنة 3971 بالحمى الروماتزمية، ولجأ إلى الأفيون لتسكين آلامه، وكان الأفيون في ذلك الوقت شائعا كعقار مسكن لكن كولردج أدمنه، وأبطأت خطاه في المجال الدراسي، وسمح لنفسه بمزيد من الأهتمام بالأمور العامة• وعلى أية حال فقد تجاوز ما سمحت له به أسرته ووقع في الديون وطارده دائنوه وفي جهد يائس للهرب منهم غادر كمبردج فجأة، وفي ديسمبر سنة 3971 تطوع في جيش كان يعد لحرب فرنسا• واشترى أخوه جورج إطلاق سراحه مقابل أربعين جنيها إنجليزيا وحثه على العودة إلى كمبردج• ودبر أمر تخرجه من الجامعة في سنة 4971 دون الحصول على الدرجة العلمية، ولم يزعجه هذا كثيرا لأنه في هذه الأثناء كان قد اكتشف اليوطوبيا (المدينة المثالية)• وكان يعد نفسه لهذا الاكتشاف بتخليه عن عقيدته الدينية، وعقد آماله على السعادة واليوطوبيا (المدينة المثالية) وقد حركت الثورة الفرنسية مشاعره كما كادت تحرك مشاعر كل المتعلمين وغير الماليين في إنجلترا• والآن، في ربيع سنة 4971 وصلته رسالة من صديقه روبرت ألن Allen في أكسفورد مفادها أن طلبة مختلفي المشارب راغبون جدا في إصلاح الأساليب والمؤسسات البريطانية، وذكر ألن أن أحد الطلبة يتميز بالألمعية ويكتب شعرا يحتفى فيه بالثورة الاجتماعية• أيستطيع كولردج أن يذهب إلى أكسفورد للقاء هؤلاء الشباب؟• لقد فعلها كولردج في يونيو سنة 4971•



 صفحة رقم : 14654   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> سوثي1774


4- سوثي



4771 - 3081


من بين ثلاثي منطقة البحيرة كان روبرت سوثي Southey أفضل الرجال وأسوأ الشعراء (أقلهم قيمة)• ولد في بريستول وكان ابنا لتاجر أثواب وأقمشة، لكن من بين هذه البيئة التجارية (الميركانتيلية) كانت خالته إليزابت تايلور غالبا ما تدفعه إلى التهذب بسلوكيات المجتمع الأرستقراطي في باث Bath، وتم إرساله في الرابعة عشرة من عمره إلى مدرسة وستمنستر الراقية في لندن وفيها - بلاشك - قرأ سرا أعمال فولتير وروسو وجيبون كما قرأ فيرثر Werther لجوته (تكتب أيضا جيته) كما كتب بعض الشعر الملحمي وقطعا نثرية ثورية، وأثارت مهاجمته للعقاب البدني في مجلة مدرسية بعنوان الضارب بالسياط Flagellant ناظر المدرسة الذي حار جوابا ففصله من المدرسة وهو على وشك التخرج، لكن روبرت استطاع بطريقة أو أخرى أن يتقدم إلى كلية باليول Balliol في أكسفورد في ديسمبر سنة 2971• وهناك واصل أعماله السرية، فكتب ملحمة John of Arcr امتدح فيها الثورة الفرنسية، واشتغل بالدراما الشعرية محاكيا وات تيلر Wat Tyler الثائر الإنجليزي في سنة 1831 - عندما وصل كولردج• ووجد الشاعر الأكبر سنا أن الرجل الأكثر شبابا مستغرق في تفكير عميق لأن روبيسبير كان قد أطاح برؤوس أكثر قادة الثورة الفرنسية حيوية - دانتون Danton وديمولان Desmoulins، ألم تنته حقوق الإنسان التي تم إعلانها إلى مجرد تنافس على القتل؟ لكن كولردج طمأن باله شارحاً أن أوربا ممزقة مهترئة، ومع هذا ففي غضون أسبوع أو نحو ذلك أبحرت من مدينة بريستول موطن سوثي سفينة متجهة إلى أمريكا الرحبة الخصبة الجمهورية• لم لا ينظم كولردج وسوثي مجموعة من الشبان والشابات الجسورين ويتم عقد قرانهم بشكل صحيح ويهاجرون معاً إلى بنسلفانيا ليقيموا مستعمرة جماعية (اشتراكية) على شواطئ سسكويهانا Susquehana الجميلة غير الملوّثة؟ لقد كان كل ما هو ضروري هو أن يشارك كل شاب بمبلغ 521 جنيه إسترليني لتكوين ميزانية موحّدة (مشتركة، وكان لا بد أن يكون لكل زوجين صوت - على قدم المساواة - في حكم المستعمرة، ومن هنا أطلق كولردج على هذه المستعمرة اسم البانتيسوكراسيا Pantisocracy• وليرفع المؤسسان من نصيبهما المالي في التكاليف اشتركا معا في كتابة دراما شعرية بعنوان سقوط روبيسبير وتم نشرها لكنها لم تحقق المبيعات المطلوبة• وباع سوثي عمله الأدبي John of Acre إلى كوتل Cottle البريستولي of Bristol نظير خمسين جنيها• وقام الخريجون (الذين لم يحصلوا على درجاتهم العلمية) بالقاء محاضرات في بريستول وكسبوا ما يكفي لتمكين سوثي من الزواج وبالفعل فقد قبلته إديث فريكرEdith Fricker زوجاً لها (41 نوفمبر 5971) وكانت أخت إديث واسمها ماري قد قبلت بالفعل روبرت لوفل Lovell زوجاً لها كما قبلت مبدأ البانتيسوكراسيا (العيش في مستعمرة اشتراكية)• والآن كما يقول سوثي كان من المرغوب فيه جدا أن يحب كولردج الأخت الثالثة سارة، وأن يتزوجها• وقبل سوثي دعوة لزيارة لشبونة كمرافق لعم كان قسا بالسفارة البريطانية، وقد وسعت الرحلة أفق هذا الشاب (سوثي)• لقد ارتحل في إسبانيا وكذلك في البرتغال، وعندما عاد إلى إنجلترا (مايو 6971) اكتشف أنه يحب إليزابث تيلر Tyler التي سبق أن رفضته لأفكاره المخربة وعدم عراقة أصله، كما اكتشف أن فكرة البانتيسوكراسيا أضاعت شبابه، فدرس القانون ووجد عملا كصحفي، وكان لديه الوقت الكافي لكتابة ملاحم لم يكتب لها الخلود بالإضافة إلى بعض القصائد القصصية البسيطة مثل معركة بلنهايم The Battle of Blenheim في سنة 3081 وأقام في جريتا هول Greta Hall في كزويك Keswick مستعينا بإعانة ودية قوامها 061 جنيها إسترلينيا•



 صفحة رقم : 14655   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج1794


5- كولردج



4971 - 7971


كان كولردج ممزقا بين أعصاب حية وجَلَد وصَبْر من ناحية، وإرادة مترددة من ناحية أخرى• لقد أحب ماري إيفانز ابنة لندن لكنه جفل من مهمة الإبقاء عليها في ظل أسلوبها المعتاد، أما هي فقد أحبت روحه الثرية المتحمسة لكنها لم تكن واثقة في قدرته على الكسب فابتعدت عنه، فوجد نفسه مستسلما لسارة فريكر فهي رغم بساطتها وإفلاسها يمكن أن تحافظ له على بيته وتنجب أطفالا وإن كانت غير قادرة على إلهامه أشعاره• وليموّل زواجه المأمول وأحلامه الباقية راح يلقي المزيد من المحاضرات في بريستول محصلا شلنا كرسم دخول (لقاعة الاستماع) (واستمر هذا في الفترة من يناير إلى يونيو 5971)، وكان نشاط هذه الجماعة راديكاليا بشكل طائش: لقد شجبوا الكنيسة القائمة Established Church كخادمة للأثرياء، وأنها لاتعرف ربا Lord سوى المالك الإقطاعي Lord of the manor وأدوانوا الحرب ضد فرنسا لقمع الثورة وإحداث ردة تاريخية• والتمسوا الأعذار للإرهاب باعتباره رد فعل لحرب بت Pittصs war وأدانوا مراسيم تقييد حرية الرأي Gag Bills كجهود حكومية لكبت إرادة الجماهير• لقد كان ما حصلوه من الأموال قليلا لكنه كان كافيا ليعقد كولردج قرانه على سارة فريكر في مذبح الكنيسة في 4 أكتوبر 5971• وفي هذا الخريف نفسه التقى لأول مرة بوردزورث، ولم يكن وليم ليكبر صمويل (صموئيل) بأكثر من عامين لكنه كان قد خَبَر الثورة الفرنسية، لقد كان قد عاين اليوطوبيا معاينة حية معاينة من رأى لا من سمع• وقد شارك الرجل الأصغر منه بعامين الخشية من استعادة البوربون عرش فرنسا، لكنه لم يكن قادرا على العيش في بنسلفانيا فقد كانت أوربا هي مسرح الصراع الفكري، أما بالنسبة إلى بهاء منطقة سوسكويهانا Susquehanna وجمالها، فلم لا يكتفي قانعا بعظمة البحيرات الإنجليزية وبهائها؟ ولم يكن كولردج مقتنعا تمام الاقتناع لكنه كتب في مذكراته (مجموعة أوراقه) أن يتابع تطور وليم وربما ليتعلم منه كيف يتخطى صعوبات الحياة (يجتاز عواصفها ومنحدراتها) لقد ملأ كثيرا من الأوراق بمعلومات وأفكار كثيرة جمعها من الكتب وممن قابلهم• لقد كان يقرأ قراءات واسعة في مجالات شتى وبشغف في اثني عشر مجالا، لقد قرأ في التراجم وعن الحيوانات والنباتات والعلوم والأديان والفلسفة والأمم والأدب والفكر والفنون• وكان واحداً من أكثر من عرفنا شغفا بالقراءة واستيعابا لما يقرأ وقدرة على التذكر• لقد أصبحت ذاكرته مخزنا يسحب من رصيده حتى نهاية حياته يسحب منه الأفكار والأخيلة والعبارات والأدلة، بل وحتى فقرات كاملة• وكثيرا ما كان يهمل ذكر مصدر معلوماته وربما كان ينسى المصدر سعيدا بهذا النسيان، وكان يخلط دون اهتمام أفكاره بالأفكار التي استقاها من مصادر أخرى• وفي خاتمة المطاف ضاق عقله بهذا المخزون الكبير من المعرفة المتباينة خاصة وأن عقله كان نزاعا للحرية نافراً من الانضباط• لقد كاد المخزن ينهار على المخزون• وربما رغبة منه في تحرير ذاكرته أو رغبة منه في إطعام زوجته وجدناه يركز على فكرة طبع مجلة وبيعها، وكاد هو أن يكون كاتبها الوحيد، وأجبر معارفه والمستمعين لمحاضراته على الاشتراك في هذه المجلة ووزع عددا محدودا من هذه النشرة التمهيدية Prospectus حتى يعلم الجميع الحقيقة فقد تجعلنا الحقيقة أحرارا• وفي يوم الجمعة، الخامس من فبراير سنة 6971 تم نشر العدد الأول (بسعر أربعة بنسات) على أن تصدر كل ثمانية أيام بعنوان (المراقب Watchman) بقلم س• ت• كولردج Coleridge مؤلف نداءت إلى الشعب Addresses To the People(61)• وهنا - كما هوالحال في محاضراته - كان يتحدث كراديكالي أحرق خلفه كل الجسور، لقد راح يهاجم الحرب والعبودية (الرق) وتعويق حرية الصحافة والنشر، وكان يهاجم بشكل خاص الضرائب على المبيعات لوطأتها الثقيلة على عامة الشعب(71)• لكنه لم يوص بحق الانتخاب العام للبالغين من الذكور أو الإناث• يجب أن تكون لدينا الجرأة بالاعتراف بالحقيقة السياسية فقط لأولئك الذين هم قادرون على استخدام عقولهم والإقناع بما هو منطقي، ولا نعترف بها أو نقرها للغالبية الجاهلة المحتاجة التي تحركها بالضرورة عواطفها المهتاجة(81)• ووجد كولردج أنه من غير المحتمل أن يكتب اثنتين وثلاثين صفحة كل ثمانية أيام إذ راحت هذه الصفحات - بشكل متزايد - تمتلئ بكتابات غرباء لم يكونوا دائما معروفين• واحتج بعض القراء المتابعين للمجلة وقل التوزيع وارتفعت الديون وبعد العدد العاشر توقفت هذه المجلة (مجلة المراقب Watchman)• وفي أول سبتمبر سنة 6971 وُلد لكولردج أول مولود• فأسماه ديفد هارتلي David Hartley على اسم رائد علم النفس الارتباطي (سيكلوجية الترابط أو التداعي)• لقد كان المولود صبوح الوجه باعثاً للمسرة، لكنه كان فماً جديدا يطالب بالطعام• وفي هذه الأثناء كان كولردج نفسه يعاني متاعب في القلب والرئتين، وراح يزيد من جرعات الأفيون لتسكين آلامه، وكادت موارده تنفد عندما قدم له صديق متساهل ودود هو توماس بول Poole منزلا صغيرا بالقرب من منزله (منزل بول) في نثر ستوي Nether Stowey بالقرب من بردجووتر Bridgewater - بإيجار رمزي مقداره سبعة جنيهات سنويا• وفي 13 ديسمبر سنة 6971 انتقل كولردج وسارة وابنهما (ديفد) إلى هذا المنزل• وجعلت سارة المنزل نظيفا مريحا، وعمل كولردج في حديقة مجاورة وساعد في رعاية خنازير بول Poole ودواجنه، وكتب شعرا جديراً بأن يخلد• وفي نحو هذا الوقت - على وفق ذاكرته الثرية العامرة دائما - ظهرت له فكرة قبلاي خان Kubla Khan في حلم رائع وقد كتب غالبها مستوحيا هذا الحلم: (في صيف سنة 7971 عكف المؤلف - وكان معتلا صحيا - في منزل ريفي منعزل بين بورلوك Porlock ولينتون Linton ••• ونتيجة توعك صحته وتناولة العقارات المسكنة (الأفيون) غلبه النوم وهو جالس على مقعده بينما كان يقرأ ••• في كتاب رحلة بورشاز Purchass Pilgrimage• وفي الحلم أمر قبلاي خان ببناء قصر بداخله حديقة، وتم تسوير هذه الأميال العشرة من الأرض الخصبة بسور• ولقد استمر المؤلف في نوم عميق نحو ثلاث ساعات - على الأقل كانت حواسه الخارجية هي النائمة - وخلال هذه الساعات كان واثقاً ثقة تامة أنه لا يستطيع أن يكتب أقل من مائتي سطر أو ثلاثمائة سطر دون أن ينتابه الإرهاق والتعب• وعندما استيقظ ظهر أنه يتذكر تفاصيل الحلم فأمسك بقلمه وأدنى منه الحبر والورق، وراح يكتب بشكل مستمر وبشغف السطور التي بقيت لنا)• هذه المقدمة الشهيرة فسرها النقاد بأنها خرافة خدع بها كولردج نفسه أو آخرين لقبول فكرة الحَبَل بلا دنس immaculate Conception وديمومة قبلاي خان• وعلى أية حال فمن غير المعلوم أن المؤلف بعد صياغة جُمله خلال النهار، واصل عمله في أثناء الحلم أم لا، لكن تكاد هذه الدرّر دوما تغوص في اللاشعور وكأنها يقظة نائم Sleeper wakes وربما كان للأفيون أثره ليس في الحلم (الرؤيا) فقط وإنما في الإيهام بأن التأليف كان جزءا من الحلم• وعلى أية حال فإن كولردج بمهارته المميزة في السجع والجناس قد حول نثر بورشاز Purchas إلى واحد من أكثر النصوص - التي لم يكتمل إنجازها - تشويقاً في اللغة الإنجليزية• وربما كان الحدث ( الأدبي) الأكثر أهمية من قوبلاي Kubla بالنسبة لكولردج في عام 7971 هو دعوة ودزورث له لزيارته في ريسدون Racedown، فاستأذن من زوجته ساره وابنه ديفد David وانطلق ليسير كل المسافة تقريبا• وتراءى له هدفه في 6 يونيو فجرى - وقد أخذت الإثارة منه مأخذها - إلى باب أخيه الشاعر• وعندما فتح له وليم ودوروثي الباب وفتحا له مع الباب قلبيهما، بدأت حقبة جديدة في حياة ثلاثتهم، وكان تعاونهم واحداً من أعظم ما حققه التعاون بين الأدباء إثماراً في تاريخ الأدب•



 صفحة رقم : 14656   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الثلاثي


6- الثلاثي



7971 - 8971


كان كولردج آنئذ في ذروة تألقه• كان بدنه - رغم آلامه وسمومه غير الظاهرة - مستجيباً لاهتمامات عقله الحيوية• وكان وجهه الوسيم - بفمه الشهواني وأنفه دقيق التكوين وعينيه الرماديتين تتألقان شغفا وحب استطلاع، ورقبته وأذنيه، وشعره الأسود المهوّش المتدلي على رقبته وأذنيه - قد جعله جذابا خاصة في عيني دوروثي• لم يطل الأمر أحبته بطريقتها الخجولة، وإن ظل إعجابها بوليم في المحل الأول• لقد أخذ كولردج برقتها وجذبته إليها بعاطفتها الهادئة• لقد كانت صديقة جارتْه في كل آثامه وتجاوزت عن كسله لتستمتع بمشاعره الدافئة وخيالاته العميقة الغريبة وإيمانه المهتز، وضاعت آلام الشاعر المبرحة بين الحيل والصراع• وعلى أية حال، فقد كاد يرى في هذه الفتاة شبحاً رعديدا سحقها أخوها (سيطر عليها تماما)• وهنا تحقق كولردج أن هذا الرجل وردزورث بوجهه الهادئ الحزين وجبهته المرتفعة وعينيه المتأملتين شاعر حقيقي وحيوي حساس لكل خلجة ونبضة من خلجات الأشياء والأشخاص ونبضاتهم، وينأى بنفسه عن أي اضطراب اقتصادي جاعلاً من خلجات الطبيعة والناس ونبضهما وسيلة للبحث عن الكلمات المعبرة بعمق وعاطفة عن بصيرته وأحلامه• وكان كولردج - الذي كانت (أغاني البحار القديم) تعتمل بالفعل في نفسه - هو أعظم الشاعرين - لكنه أحسّ بتكريس هذا الشاعر (وردزورث) نفسه للشعر وحسده لتكريس نفسه تماما للشعر، وربما كان قد تعجب ما إذا كانت الأخت ليست أفضل من الزوجة• لقد كتب حالما وصل: لقد شعرت بضآلتي بجواره، ومع هذا لم أعتبر نفسي أقل مما كنت أظن نفسي سابقا إن وليم (وردزورث) رجل عظيم جدا• إنه الرجل الوحيد الذي أحسست أنني أقل منه في كل الأوقات وفي كل حالات تفوقي(91)• وبدأ ثلاثتهم ثلاثة أسابيع يحث بعضهم بعضاً، لقد راح كل واحد منهم يقرأ قصائده على الآخرين• وكان وردزورث يقرأ أكثر، بينما كان كولردج يتحدث أكثر• كتبت دوروثي: إن مناقشاته وحواراته تتزاحم في الروح والنفس والعقل• وهو خيّر جدا حسن الطباع جذاب •• وهو يتحدث بعينه التي تعبر عن كل عواطفه(02)• وعادة ما يبرد الحب بين هذا الثلاثي بعد ثلاثة أسابيع فرجا كولردج كلاً من وليم ودوروثي أن يصحباه إلى نذر ستوى Nether Stowey ليكرمهما كما أكرماه، فانطلقا معه متوقعين أن يعودا سريعا إلى ريسدون Racedown لكن الصديق بول Poole علم أن الفترة التي يقضيانها مع كولردج ستنتهي ولا مجال لتمديدها فدبر لهما منزلا جميلا مؤثثا في ألفوكسدن مقابل 32 جنيهاً استرلينياً سنويا، وألوفكسدن هذه على بعد أربعة أميال من مقر كولردج، وهناك أقام وليم وردزورث ودوروثي في راحة، وراحا يستلهمان الشعر طوال خمسة عشر شهرا• وفي هذه الفترة السعيدة راحوا يسيرون وهم ينشدون الشعر أو يتناقشون فيه : أحيانا كان الرجلان يسيران معا، وأحيانا كولردج ودوروثي، وأحيانا ثلاثتهم معا• لقد راحوا يتبادلون المشاعر والأفكار والملاحظات: وردزورث شجع كولردج على ترك الخيال كمرشد له، وزاد كولردج من معارف وردزوث عن الفلاسفة وتحداه ليكتب ملحمة شعرية• وفي أعوام لاحقة تذكر وردزورث في (المقدمة) صديقه الذي كان يجول معه (كولردج) ذاكرا أنه صديق الأرواح المرحة slash حيث كنا نخصص جانبا من أيامنا لأول مرة لننغمس معا في الشعر الجامح(12) وكانت دوروثي هي رباطهما محفزتهما (مشجعتهما)• لقد كانت تبهجهما بمديحها، وباستماعها باهتمام وشغف متحدية إياهما بحماسها وعمق إدراكها ونفاذ بصيرتها، موحدة إياهما كعروس روحية لكليهما• لقد كانوا - كما قال كولردج ثلاثة أشخاص في روح واحدة(22)• ولابد أن وردزورث وكولردج قد طالعا اليوميات التي بدأت دوروثي كتابتها في أفوكسدن في 02 يناير سنة 7971• ولا بد أنهما توقفا عند سطر في الصفحة الثانية طنين الحشرات، تلك الضوضاء الصامتة (غير المزعجة) التي تملأ أجواء الصيف أما سارة كولردج فلا بد أنها كانت أكثر تأثرا بما ورد عن الفترة من 3 إلى 21 فبراير: 3 فبراير: سرت مع كولردج فوق التلال ••• 4 فبراير: سرت مسافة طويلة في الطريق إلى ستوي Stowey مع كولردج •••• 5 فبراير: سرت إلى ستوي مع كولردج ••• 11 فبراير: سرت إلى قرب ستوي مع كولردج 21 فبراير: سرت وحدي إلى ستوي، وعدت مساء مع كولردج(32)• ولم تكن ساره سعيدة بحكاية المشي هذه، لقد بدا الأمر لها برئياً غير مرتبط بعلاقة جنسية، لكن أين تنتهي هذه الحكاية؟



 صفحة رقم : 14657   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الشعر الغنائي


7- الشعر الغنائي



8971


وفي يناير سنة 8971 ظهر في كولردج حافز آخر يحفزه على التفرغ للشعر، إذ إن جوسياه Josiah وتوماس ودجوود Wedgwood - ابني جوسياه ودجوود( 0371 - 5971) ووريثاه - عرضا على الشاعر شبه المفلس راتباً سنوياً مقداره 051 جنيهاً (057،3 دولار) شريطة أن يتفرّغ تماماً للشعر والفلسفة• وكان أبوهما صانع فخار أتقن صنعته فجعل فخاره وخزفه مشهورا في أوربا كلها• وكتب كولردج لهما خطابا في 71 يناير يرحب فيه بهذه المنحة، وأغرق في التأمل والاندماج في عملية الإبداع ليكمل (أغنية الملاّح القديم) واقترح كولردج على وردزورث بعد أن تسلح بهذه المنحة الدالة على شهرته في مضمار الشعر - أن يجمعا معا قصدائدهما الجديدة في مجلدات تحمل اسميهما فقد تعود عليهما بمبالغ مالية تكفي لتمويل رحلة يقومان بها إلى ألمانيا• لقد كان كولردج يأمل في أن عاما يقضيه في ألمانيا سيمكنه من تعلم اللغة الألمانية بشكل يكفي لقراءة الأعمال الكبرى التي ألفها الألمان من جوته (جيتة) إلى كانط Kant في لغتها الأصلية وفهمها، فهؤلاء الأعلام الألمان قد جعلا من ألمانيا رائدة في مجال الفلسفة الأوربية بلا منازع أو على الأقل جعلتها تنافس إنجلترا وفرنسا في مجال الأدب والفكر• ولم يكن وردزورث متحمساً لألمانيا، لكن لأن فرنسا وشمال إيطاليا كانا في قبضة الثورة الفرنسية، فقد وافق كولردج على خطته• وفي أبريل سنة 8971 وجها دعوة للناشر كوتل Cottle ليأتي إليهما من بريستول ليسمع أشعارهما الأخيرة، وأتى واستمع إليهما وعرض ثلاثين جنيها لشراء حق الطبع، وأراد أيضا أن ينشر اسمي الشاعرين ولكن كولردج رفض قائلا إن اسم وردزورث ليس شيئا أما اسمي فيلاقي احتجاجا عنيفاً(42)• وبعد ذلك بثمانية عشر عاما شرح كولردج نظريته الكامنة وراء هذا التعاون (العمل المشترك): من المتفق عليه أن محاولاتي تتناول شخوصاً وشخصيات ميتافيزيقية (فوق الطبيعة) أو على الأقل رومانسية •••• أما السيد وردزورث فقد جعل هدفاً له أن يضفي الجدَّة والجاذبية على أمور تحدث كل يوم، وأن يثير مشاعر تناظر ما أثيره من أمور فوق طبيعيه (ميتافيزيقية) بلغت الأنظار إلى ما في العادات من بلادة ولا مبالاة، إنه يوجه شعره إلى ما في العالم أمامنا من جمال وعجائب •••لقد كتبت الملاح القديم من هذا المنطلق وكنت أجهز أيضا بمثل هذه الروح لعمليّ الليدي السوداء وكريستابلChris table اللذين كنت فيهما أكثر اقترابا من تحقيق هذه الغاية(52)• وربما أخذت هذه النظرية شكلها بعد كتابة القصائد• وقد وضح هذا وردزورث في مقدمة الطبعة الأولى: تعتبر معظم القصائد الواردة في هذه الطبعة تجارب شعرية• لقد كتبت في الأساس من وجهة نظر مؤداها التحقق من المدى الذي يمكن فيه للغة العادية (لغة الحوار) في الطبقتين الوسطى والدنيا أن تكون قادرة على تحقيق أغراض الشعر وما يحدث من بهجة• لقد اعتاد القراء على الزخارف اللفظية والأساليب الفارغة لكثيرين من الكتاب المعاصرين، لذا فإن هؤلاء القراء إذا ثابروا على قراءة هذا الكتاب إلى نهايته ربما كان عليهم أن يقاوموا ما يحسون به من غثاثة وسماجة وغرابة• إنهم سينظرون إلى الشعر الذي ألفوه واعتادوا عليه ثم يندفعون متسائلين بأي حق أطلقنا على محاولاتنا هذه لفظ الشعر؟ إنه لمن المرغوب فيه ألا يعاني مثل هؤلاء القراء أمام كلمة الشعر المتفردة، تلك الكلمة التي تنازع الناس حول معناها؟ انه لمن غير المرغوب فيه أن تقف هذه الكلمة عائقا بين الناس وبين الاستمتاع (بما نكتب)•••• والقراء الأرقى حكما قد لايوافقون على الأسلوب الذي كتبنابه كثيرا من هذه القصائد••• فسيظهر لهم أن المؤلف (الشاعر) رغبة منه في تجنب الأخطاء الشائعة قد تنازل كثيرا واستخدم كثيرا من التعبيرات الشائعة جدا والتي لا تتسم لفرط تداولها بالوقار الكافي•••(62)• وتدخل النثر ليقطع عليهم روح الشعر: مالك منزل أفوكسدن أحاط آل وردزورث علما أن لاحق لهم في الإقامة في المنزل بعد 03 يونيو 8971• وفي 52 يونيو غادر وليم وردزورث ودوروثي إلى بريستول للتفاوض مع كوتل Cottle (الناشر) وفي 01 يوليو استقلتهما سفينة ليعبرا نهر سيفرن Severn وسار عشرة أميال في ويلز إلى كنيسة تنتيرن Tintern Abbey• وبالقرب من هذه الخرائب الجميلة جدا وفي طريق العودة إلى بريستول ألف وردزورث القصيدة التي أضيفت كقصيدة أخيرة إلى ديوانهما الشعر الغنائي Lyrical Ballads• وتم نشر هذا الديوان الصغير في 4 أكتوبر 8971 بعد تسعة عشر يوما من مغادرة الشاعرين - غير المعترف بشاعريتهما - قاصدين ألمانيا• لقد كان عنوان الديوان مناسبا؛ فقد كان إسهام كولردج الرئيس يسير على نسق الأشعار الإنجليزية القديمة - حكايات شعرية صالحة للغناء، وكان معظم إسهام وردزورث قصائد غنائية بسيطة تتناول الحياة البسيطة تكاد تقتصر على استخدام ألفاظ من مقطع واحد يستخدمها الفلاحون الإنجليز• وكانت القصيدة الأولى في الديوان هي (أغنية الملاح القديم) وشغلت 51 صفحة من 711 صفحة هي كل صفحات الديوان وهي أطول قصائده وربما أفضلها رغم أن إنجلترا لم تدرك ذلك إلا ببطء، أما وردزورث فلم يعترف بقيمتها أبدا• حقيقة ان هذه القصيدة كانت حاوية على أخطاء كثيرة لكن لايجب التركيز على الأخطاء التي نعتبرها منافية للعقل (أفكار اللامعقول) في الحكاية الشعرية، ذلك لأن كولردج كان قد اقتحم عالم الغموض حيث الأسرار والرموز وحيث الخيال الذي يجعل كل شيء ممكنا(72)، ففي عالم الخيال يمكن أن تنتج أحداث جسام من وقائع تافهة أو بسيطة• ومع هذا فإنه يتمسك بعبير الأسرار في الحكايات والأساطير القديمة، كما يتمسك بأوزان وايقاعات الأشعار الغنائية والقصصية البسيطة القديمة (فالملاح القديم) تكاد تحملنا معه إلى النهاية• إنها (الملاح القديم) تعتبر - بالطبع - واحدة من أعظم قصائد الشعر الغنائي في اللغة الإنجليزية• أما إسهامات وردزورث فتكاد كلها تكون نماذج من الحكمة التي وجدها في شخصيات البسطاء• وبعض هذه القصائد مثل (الصبي الأبله Idiot boy) و(سيمون لي Simon Lee) هجاهما المتابعون (النقاد) بصخب، لكن من منا لم يتعاطف مع حب الأم المتسم بالصبر لطفلها غير المؤذي ضعيف العقل (طفلها الأبله) ؟ (إن شطراً واحدا من هذه القصيدة المفهومة يخبرنا عن العشب الأخضر - الذي تكاد تسمعه في أثناء نموه(82) أيمكن أن يكون هذا التعبير اقتباساً من دوروثي؟) وبعد أن أطال كثيرا في قصائده ذات المذاق الريفي أنهى وردزورث الديوان بأبيات تأملية من (أميال قليلة) فوق (دير تنترن Tintern Abbey)• إنه هنا يقدم لنا تعبيرات فائقه (سامية) تعبر عن مشاعره عن أن (الطبيعة) و(الرب) هما شيء واحد (على وفق تعبير سبينوزا Deus sive Natura) إنهما (الطبيعة) و(الرب) لايتحدثان فحسب من خلال معجزات النمو (أو التطور) وإنما أيضا من خلال الرهبة التي تبدو (من خلال قصر نظر البشر) قوى مدمرة كان تيرنر Turner يتعبد في محرابها (أي الرهبة) عند ممارسة فن الرسم• ومن جولاته (وردزورث) في الغابات والحقول، وتجديفه على صفحات البحيرات الهادئة وتسلقه فوق الصخور الضخام الوعرة، وعن آلاف النداءات صياحا أو همساً الصادرة من آلاف الكائنات الحية، وحتى من تلك الموجودات التي يفترض ألا حياة فيها نسمعه - عن هذا ينشد -:


إليها ••• إنني مدين لها بكل ما هو مقدس ومبارك،



ففيها تكمن الأسرار،



وفيها يلقى الضوء،



على كل ما هو غامض مبهم في عالمنا،



وعن طريقها تريح هذا العبء الثقيل المرعب من الغموض والإبهام في عالمنا



فبسلطان التناسق (الهارمونية) تسعد العين بالهدوء



وبسلطان البهجة العميقة



نرى أعماق كل ما هو حي(92)•


وبعد ذلك يشرئب إلى دقائق إيمانه:


لقد تعلمت،



أن أنظر إلى الطبيعة،



لاكشاب لافكر له ، لكنني أسمع في أحوال كثيرة،



هارمونية الصمت، وموسيقاه الحزينة،



إنها ليست فجة وليست ضبابية غامضة رغم سلطانها الواسع الممتد، وقدرتها



على التطهير (تطهير النفس) والسيطرة (القهر)• ولقد شعرت،



بحضور يثيرني بالبهجة،



بهجة الأفكار السامية: معانٍ تسمو،



الأشياء سمواً عميقا وبعيدا بما يتخللها،



معان محورها ضوء الشمس الغاربة،



والمحيط الهائل والهواء الطلق،



والسماء الزرقاء، وفي نفس الإنسان،



الحركة والروح اللتان تدفعان،



كل ما هو مفكر، وكل أهداف للأفكار،



وتدور في كل الأشياء، لذا ألا زلتُ



عاشقا لكل المروج والغابات



والجبال ••• معترفا أن،



في الطبيعة ولغة المعاني



دليل قلبي وحارسه وروح،



كل وجودي المعنوي (أو بتعبير آخر مغزى وجودي)(03)•


وقد وصلت دوروثي أيضا إلى هذه العقيدة (الإيمان) الشافية التي توحّد بين الطبيعة والرب ووجدت أنها لا تتفق مع العقيدة المسيحية• وفي نهاية قصيدته أضاف وردزورث إهداء يعبر فيه عن شكره لها وتسبيحه بفضلها كأخت روحه معلنا تمسكه بها حتى النهاية:


إن إيماننا البهيج الذي نتمسك به جميعا،



إيمان مقدس ومبارك• لذا دع القمر،



يبزغ بنوره عليك عندما تكون سائرا بمفردك،



ودع رياح الجبال التي بللها السديم تهب حرة،



دعها تهب عليك، •••• وفي الأعوام التالية،



عندما تصبح هذه الانجذابات البرية ناضجة



في بهجة رصينة، عندما تصبح نفسك



ملاذاً لكل ما هو محبب



ستصبح ذاكرتك مسكناً



لكل الأصوات الحلوة، وكل ما هو متناسق جميل •••(13)•


ولم يحظ هذا الديوان (Lyrical Ballads) باستقبال حسن إذ ذكرت السيدة كولردج أن أحداً لم يحب هذه القصائد - لقد كانت السيدة كولردج زوجة معذورة إذ كانت تغار من ملهمة زوجها الشاعر• وانشغل المتابعون (النقاد) انشغالا شديدا بعدم الحبكة في قصيدة (البحار القديم) وعدم الترابط في الأفكار العاطفية في القصائد الغنائية القصيرة التي كتبها وردزورث، وبدا أن أحدا منهم لم يعترف بقصيدة (البحار القديم) كشكل سيسود مستقبلا في كل الأعمال الأدبيه الشعرية رغم أن بعض التابعين لاحظ وحدة الوجود (كون الطبيعة والرب شيئا واحدا) والإيمان بهما إيمانا شديداً في قصيدة (دير تينتيرن Tin tern Abbey)، وبيع من هذا الديوان الصغير خمسمائة نسخة على مدار عامين وعزا كولردج أحد أسباب نقص المبيع منه إلى كلمه (البحار) التي أوحت أن الديوان يتناول أغاني التجارة أما وردزورث فقد عزاه إلى احتواء الديوان في على قصيدة (الملاح القديم) هذه وليس مجرد اسم (الملاح)• وفي سنة 9971 بينما كان كولردج في المانيا أعد وردزورث طبعة ثانية من هذا الديوان• وفي 42 يونيو كتب إلى الناشر كوتل: من خلال ما سمعته وقرأته يبدو أن قصيدة (الملاح القديم) قد ألحقت ضررا بالديوان (قد يكون هذا صحيحا) •••إذا قدر طبع الديوان طبعة ثانية فإننى سأضع مكانها بعض المقطوعات الصغيرة قد تكون أكثر مواءمة للذوق العام(32) ومع هذا فقد اشتمل الديوان في طبعته الثانية على قصيدة (الملاح القديم) مع شروح غير متعاطفة قدمها وردزورث ، يبيّن فيها عيوب القصيدة وأخطاءها ولكنه لفت الأنظار إلى كونها قصيدة ممتازة • وهذه الطبعة (يناير1801) اشتملت على قصيدة جديدة لوردزورث هي قصيدة تحمل عنوان ميشيل Michael - وهي حكاية كتبها بالشعر المرسل (غير المقفى) عن راع بلغ من العمر أربعة وثمانين عاما مخلص في عمله متمسك بالأخلاق الحميدة ، محبوب في قريته ، وعن ابنه الذي انتقل إلى المدينة فغدا فاسقا منحلا • وذكر وردزورث في مقدمة جديدة للديوان بالتفصيل - وفي عبارات أصبحت الآن مشهورة -نظريته في الشعر : إن أي شيء وأية فكرة أن تثمر شعرا إذا حملت بالمشاعر والمعاني ، وإن أي أسلوب أولغة يمكن أن يكون شعرية إ ذا كان قادراً على نقل هذة المشاعر والأحاسيس والمعاني فالشعر هوفيض عفوي للمشاعر القوية• التي تعود إلى أحاسيس وعواطف تراكمت بهدوء(33) وعلى الشاعر نفسه أن يتحكم في هذه الأحاسيس وتلك العواطف قبل أن يعطيها شكلها الفني ، ولكن مثل تلك المشاعر والأحاسيس ليست قصرا على المتعلمين أو النخبة المثقفة إذ يمكن أن تكون لدى الفلاح الأمي كما يمكن أن تكون لدى الدارس أو الباحث أو اللورد وربما تتخذ شكلها أنقى وأوضح عند الأشخاص الأكثرين بساطة، ولا يحتاج التعبير عنها إلى مفردات شعرية خاصة أوأسلوب شعري خاص فأفضل الأساليب هو أبسطها وأفضل الألفاظ هو أقلها زخرفة وخلوا من الادعاء والخيلاء• والوضع الأمثل هو أن يتحدث الشاعر بلغة الرجل العادي وحتى الكلمات العلمية أو المكتسبة بالتعليم يمكن أن تكون شعرية إذا نقلت المشاعر والقيم المعنوية• وفي خاتمة المطاف فإن المضمون المعنوي -مشاعر وأحاسيس - هو المعول عليه في كل الفنون والآداب •المسألة إذن هي إلى أي مدى إذن نوظف مهارتنا (كشعراء) في توضيح الأفكار وتبرِئتها مما يشوبها والتسامي بها (جعلها نبيلة)، فالشاعر العظيم يجب أن ينقي المشاعر الإنسانية إلى درجة معينة••• ليجعلها أكثر معقولية ونقاء ودواما - باختصار أكثر توافقا وتناغما مع الطبيعة - أعني مع الطبيعة الخالدة، والروح العظمى للأشياء• لابد للشاعر أن يكون إلى جوار الإنسان، وأن يسبقه (يستشف المستقبل) بين الحين والحين(43)• والشاعر المثالي - أو الرسام أو النحات - هو فيلسوف يلبس الحكمة ثوب الفن والأدب، ويوحي المعاني من خلال الشكل الأدبي أو الفني الذي ابتغاه• لقد قامت هذه المقدمة (التي كتبها وردزورث) بدور في التاريخ لأنها ساعدت في وضع نهاية للذوق اللغوي الذي كان سائدا غالبا في الشعر والخطابة لدى الإنجليز في العهد الأوغسطي كما ساعد على وضع نهاية للظلم الطبقي والمرجعيات الكلاسية في ذلك العصر• لقد أعلنت هذه المقدمة حرية المشاعر (حق الجميع في الشعور)، وكانت عاملا آخر من عوامل الترحيب بالقصص الرومانسي - وإن صاغها وردزورث بأسلوب أبعد ما يكون عن الرومانسية• لقد كان وردزورث نفسه ذا مزاج وصفات كلاسية فكرا وحكما لقد تفاعلت ذكرياته معه بهدوء، بينما كان كولردج رجل عواطف وأحاسيس وخيال• لقد كان التعاون بين الرجلين تعاونا مثمرا ومفيدا• إنها مشاركة ممتازة•



 صفحة رقم : 14658   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الباحثان المتجولان


8- الباحثان المتجولان



8971 - 9971


لم ينتظر الشاعران (وردزورث وكولردج) ليريا ديوانهما منشورا وأبحرا ومعهما دوروثي في 51 سبتمبر سنة 8971 من يارموث Yarmouth إلى همبرج Hamburg، وكان أحد أسباب قرارهما منحة إضافية تلقاها كولردج من جوزياه ودجوود Josiah Wedgwood وقرضا تلقاه وردزورث من أخيه رتشارد• وفي همبرج، افترقا بعد أن قاما بزيارة غير ملهمة للشاعر العجوز كلوبستوك Klopstock• وذهب كولردج للدراسة في جامعة جوتنجن Gottingen أما وردزورث ودوروثي فاستقلتهما مركبة عمومية إلى جوسلار Goslar المدينة الإمبراطورية الحرة عند السفوح الشمالية لجبال هارتس Harz، وهناك مكثا أربعة أشهر، ولم يكن ذلك في خطتهما وإنما بسبب البرد الشديد• وفي هذه الفترة راحا يتسكعان في الشوارع ويتدفآن أمام الموقد المدفأة ويكتبان الشعر أو ينسخانه• وليدفئ نفسه بالذكريات ألف وردزورث الكتاب الأول من مقدمته (The Prelude) وهو ملحمة سيرته الذاتية• وفجأة تحققا من أنها يحبان إنجلترا كثيرا فانطلقا سيرا على الأقدام في 32 فبراير سنة 9971 وكان البرد قارسا ليودعا كولردج في جوتنجن، ثم أسرعا عائدين عبر بحر الشمال القارس إلى يارموث ومنها إلى سوكبيرن Sockburn حيث كانت ماري هتشنسون تنتظر بصبر قدوم وليم (وردزورث) ليتزوجها• وفي هذه الأثناء كان كولردج قد بذل قصارى جهده في جوتنجن ليكون ألمانياً إذ تعلم الألمانية وأصبح مشغولاً بالفلسفة الألمانية• ولم يجد توضيحا للعقل (أو النفس mind) في سيكلوجيا المادية Psychology of materialism وتخلى عن نظرية هارتلي Hartley عن التداعي Mechanistic associationism وتبنى مثالية idealism كانط ولاهوت شلنج Shelling الذي جعل الطبيعة Nature والعقل Mind هما وجهي الرب (جانبي الله)• وقرأ أو سمع محاضرات أوغسطس فيلهلم فون شليجل August Wilhelm Von Schlegel عن شكسبير واقتبس منها أفكارا كثيرة في محاضراته اللاحقة عن الدراما في عهد إليزابث• وبعد أن تشبع تماما بالفكر والمجردات، فقد ميله للمشاعر والخيال وترك الشعر إلى الفلسفة• وكتب: لقد مات الشعر فيّ• لقد نسيتُ كيف أنظم قصيدة(53)• لقد أصبح هو حامل الفلسفة الألمانية إلى إنجلترا• وفي يوليو سنة 9971، غادر ألمانيا عائداً إلى نذر ستوى Nether Stowey لكن ابتعاده عن زوجه مدة عام كان قد أثر في قدرتها على رعاية بيتها، لم تعد ساره كولردج رومانسية حالمة، وأصابها هم بسبب موت ابنهما الثاني حديثا - بيركلي Berkeley• وفي شهر أكتوبر انطلق - وقد اعتراه الملل - شمالا ليرى وردزورث في سوكبيرن Sockburn• وفي تلك الزيارة أبقى يد سارة هتشنسون - أخت ماري - في يده طويلا، وسرى تيار باطني غامض من المرأة إلى الرجل، وانشغل كولردج بحبه الثالث غير السعيد، فسارة هذه - لم تقدم له أكثر من التعاطف لأنها كانت تدرك التزاماته تجاه الأخرى• وبعد عامين من التودد إليها بلا أمل استسلم للهزيمة وكتب قصيدة غنائية مؤثرة بعنوان الأحزان تكاد تكون آخر نبض شعري له• وصحب وردزورث في جولة على الأقدام في منطقة البحيرة يبحث كل منهما عن مسكن، وفي كزويك Keswick ظن أنه وجد مكانا للإقامة لكنه تلقى عرضا للعمل في جريدة مورنينج بوسط morning Past فغير خطته واتجه إلى لندن• وفي هذه الأثناء استأجر وردزورث مسكنا على بعد ثلاثة عشر ميلا إلى الجنوب - في جراسمير Grasmere• وعاد إلى سوكبيرن ورضيت دوروثي بالتحرك للمنزل الجديد وفي 71 ديسمبر 9971 بدأ الأخ والأخت رحلتهما الطويلة سيرا على الأقدام في معظم الوقت قطعا خلالها أميالا كثيرة في طرق وعرة وغير مستوية في فصل الشتاء• وفي 12 ديسمبر أقاما مدفأتهما في المنزل الجديد فيما أ سماه ورزورث طرف المدينة وأصبح فيما بعد يحمل اسم مسكن اليمامة (دوف كوتاج Dove Cottage) وهناك قضيا أصعب أعوامهما وأسعدها في الوقت نفسه•



 صفحة رقم : 14659   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> قصيدة رومانسية في جريسمير


9- قصيدة رومانسية في جريسمير



0081 - 3081


احتفظت لنا دوروثي في يومياتها في جريسمير في الفترة من 41 مايو 0081 إلى 61 يناير 3081 بتفاصيل شغلت 051 صفحة تمكننا من معرفة الحياة اليومية للأخ والأخت - والتي أصبحت باختصار فيما بعد حياة أخ وأخت وزوجة في آن واحد• ولم يكن مناخ جراسمير صحيا: فالمطر والثلج يكادان يسقطان يوميا• وبرد الشتاء بما يصاحبه من ثلوج قد يعاود الظهور في يونيو أو يوليو(63)• لقد كانت الأيام المشمسة تمثل - لندرتها - بهجة غامرة، وكان ظهور القمر بين الحين والحين إلهاما وتجليا• وكان المنزل يدفأ بإشعال الفحم في المستوقد ولكن دوروثي ذكرت أنني لم اكن أستطيع النوم بسبب شدة البرد وقسوته لقد اعتبرا مسألة المناخ هذه مسألة مفروضة وتصرفا إزاءها على نحو رُواقي، وكانا ممتنين للربيع وهوادة الأمطار لقد كانت السماء تمطر باعتدال وبشكل لطيف• هذه العبارة تكررت مرارا في يوميات دوروثي• وورد فيها أيضا أنه في بعض الأحيان كانت جريسمير تبدو جميلة جمالا يكاد يذيب القلب(73)• وكانا يسيران مسافات طويلة، معاً، أو فرادى وأحيانا كانا يقطعان ميلا إلى أمبلسيد Ambleside حيث مقر البريد، وأحيانا كانا يقطعان رحلة تستغرق نصف يوم إلى كزويك keswieck بعد استقرار كولردج بها• وبدا ورد زورت راضيا بزواجه من أخته إذ كان يدعوها:


رفيقة وحدتي في مسيرتي،



أملي وفرحتي وأختي وصديقتي،



وأحيانا أعز عليّ من هذا كله إن كان



العقل يدرك ما هو أعز من ذلك، أوكان،



في قلب الحب، ما هو أعز•


وفي وقت تأخر حتى سنة 2081 (عام زواجه) كان يشير إليها بعبارة (حبي)(83) وكانت راضية بدعوتها له (أخي اللطيف)(93)• لقد أصبح دخلها الآن أربعين جنيها أما هو فدخله سبعون جنيها بالإضافة إلى مبالغ ضئيلة متقطعة تصل إلى حوالي 041 جنيها (005،3؟ دولار) وهذا هو كل دخلهما السنوي• وكان عندهما خادم أو خادمان، ذلك لأن الفقر كان منتشرا جدا حتى إن نسوة كثيرات بل ورجالا من غير المتزوجين كانوا راغبين في أداء عمل مقابل المأوى والطعام•• وكان الشاعر وأخته يرتديان ملابس بسيطة: دوروثي كانت ترتدي عباءة عادة ما تكون من صنعها هي، بل إنها عادة ما كانت تصنع حذاءها(04) أما وليم وردزورث فكان يرتدي ملابس فلاح أو ملابس مستعملة أرسلها له أصدقاؤه(14)• وكان لديهما حديقة خضراوات، وكانا أحيانا يصطادان الأسماك من البحيرة• وأكثر من هذا فقد ورد في يوميات دوروثي: لقد كنت أصنع كعكة الفاكهة والحلوى(24) الخبز والحلوى(34) الحلوى والكعك(44)• لقد كانت تدلل وليم • لقد كان وليم يعمل أيضا: فقد خصص شطراً من كل يوم عادي للتأليف، وعادة ما كان يؤلف في أثناء سيره منفردا فإذا ما عاد أملى على دوروثي• وكان أيضا يقطع الأخشاب ويعزق أرض الحديقة ويزرعها كان وليم يطهر المجرى المائي اللازم(54) مثل المجرى اللازم حفره في الجليد للتخلص من صرف المرحاض• وبالإضافة إلى هذا كانت دوروثي تخمر الجعة (64) وكنا نستعير بعض الزجاجات لتعبئة الرُّم (شراب مسكر)(74) ورغم تناول وليم للخضراوات فقد كان يعاني من البواسير(84) وبعد سنة 5081 أصبح يعاني من ضعف الإبصار والأرق فكان على دوروثي في كثير من الأمسيات أن تقرأ له حتى ينام(94)• وفجأة اضطربت تلك الأيام بسبب المال والزواج• ففي 42 مايو سنة 2081 توفي سير جيمس لوثر James Lowther إيرل لونسديل Lonsdale تاركا ثروثه ولقبه لابن أخيه - السير وليم لوثر الذي رتب دفع المبالغ المدين بها السير جيمس لورثة جون وردزورث• وكان من الواضح أنه قد جرى تقسيم أربعة آلاف جنيه بين الأطفال ورغم أن نصيبي وليم ودوروثي لم يتم دفعه حتى سنة 3081 فإن وليم شعر أن توقعاته المعقولة تدعم تقدمه لطلب الزواج من ماري هتشنسون لكن ذكرى أنيت فالون Annette VaIon راحت تعتمل في وعيه• ألا يجب عليه الكشف عن علاقته بها قبل أن يطلب من ماري الاقتران به؟ وفي التاسع من يوليو غادرا جالوهل Gallow Hill استقلتهما عربة إلى لندن• لقد أخذ بروعة المدينة كما بدت له في الصباح الباكر من جسر وستمنستر Westminster Bridge• وألف وردزورث واحدة من سونيتاته (السونيتة قصيدة من أربعة عشر بيتا) الخالدة - ليس على وجه البسيطة ما هو أجمل من ذلك(05) وواصلا طريقهما إلى دوفر Dover واستقلتهما سفينة نقل البريد عبر القنال وفي 13 يوليو وجدا أنيت Annette ابنتها كارولين ذات الأعوام التسعة في انتظارهما في كاليه Calais• ولا ندري ما توصلا إليه من اتفاق، وكل ما نعرفه أنه بعد 41 سنة، عندما تزوجت كارولين، كانت حالة وردزورث وقتها منتعشة خصص لها راتبا سنويا مقداره 03 جنيها (057 دولار)• ومكث الأربعة في كاليه Calais مدة أربعة أسابيع حيث راحوا يسيرون على شاطئ البحر في وفاق ظاهر• ونسج وردزورث قصيدة (سونيتة) أخرى رائعة:


إنها أمسية جميلة، هادئة وسمحة



الزمن القدسي هادئ كراهبة



كتم أنفاسه لفرط الوقار•


وانتهى بالدعاء لكارولين• وفي 92 أغسطس غادر وردزورث ودوروثي إلى دوفر ولندن• ومن الواضح أنه لم يكن في عجلة من أمره فلم يعد الأخ ولا أخته إلى جالوهل Gallow Hill حتى 42 سبتمبر• وفي 4 أكتوبر 2081 تزوج وليم وماري ولم تتلق العروس هدايا لأن أقاربها لم يكونوا موافقين على زواجها منه(15) أما دوروثي التي كانت قد كتبت في يومياتها مؤخرا عن وليم أنه (عشيقها) فلم تستطع أن تثق في قدرتها على حضور مراسم زواجه فقد كانت مشاعرها مهتاجة تكاد لا تستطيع السيطرة عليها(25) فصعدت السلم وهي لا تكاد تحس بما حولها حتى دعتها سارة هتشنسون قائلة إنهما عادا من الكنيسة• كان هذا - كما ذكرت في يومياتها - بعد الظهر - فاضطرت إلى انتزاع نفسها من سريرها وتحركت لا تدري كيف ••• وهي لا تكاد تحمل نفسها حتى قابلت حبيبي وليم فارتميت على صدره، فقام هو وجون هتشنسون باقتيادي إلى البيت وهناك مكثت لأرحب بعزيزتي ماري• وفي هذا اليوم نفسه بدأ الشاعر وزوجته وأخته رحلة طويلة إلى جراسمير Grasmere في عربة خفيفة تجرها خيول• وبالتدريج كيّفت دوروثي نفسها للعيش كثالثة ثلاثة وسرعان ما تعلمت أن تحب ماري كأخت وصديقة حميمة• بالإضافة إلى ذلك فقد جلبت ماري إلى بيت الزوجية دخلها السنوي البالغ عشرين جنيها• وعندما وصل مبلغ لوثر Lowther الآنف ذكره أخيرا ارتقت أحوال الأسرة فنعمت بالرفاهية البورجوازية، وأصبح وليم وطنيا غيورا وأُدرج اسمه في قائمة متطوعي جراسمير Grasmere للدفاع المدني عن إنجلترا ضد نابليون• ومن أناشيده الرعوية الرومانسية التي تعد من أجمل قصائده (إلى فراشة To a Butterfly) وأقوى سونيتاته (ميلتون)، أما قصيدته (الثبات والاستقلال) فتعكس نزعته إلى الحزن الشديد، وبين عامي 3081 و 6081 ظهر أشهر أعماله (إعلانات الخلود من ذكريات الطفولة الباكرة) فقلما تكون هناك فنتازيا فلسفية جرى التعبير عنها بمثل هذا الجمال• لقد بدأت بملاحظة كىئبة عن إعتام عينيه:


أدور قدر مايمكن



ليلا أونهارا



فالأشياء التي كنت أراها لم أعد أراها الآن•



ترى لم تخبو كلما تقدم بنا السن؟



ميلادنا ليس سوى نومٍ ونسيان،



فروحنا التي تشب معنا ونجم حياتنا،



لابد أن يخبوا (يغربا) في مكانٍ ما،



لقد أتت روحنا من بعد قَصِي



ليست من المجهول تماما



وليست من العري الكامل



لكننا أتينا من مؤخرات سحب الجلال



من الرب الذي هو سكننا



فالفردوس حولنا في مرحلة طفولتنا



وتبدأ ظلال السجن تدرك الصبي النامي،



لكنه يمسك النور، وحيثما ينساب النور



يراه في لحظات سعادته ومرحه



وأخيرا يدرك الانسان أنه يتلاشى،



ويذوب في وضح النهار•


ومن ثم يحيى الشاعر الطفل باعتباره:


أنت أفضل فيلسوف، فأنت لاتزال تحتفظ



بتراثك •••


بل وعندما نبلغ من العمر مبلغا يكون لدينا وعي غائم بهذا الأفق الضائع:


الهواجس الشاحبة للخلق



تتحلق حول عوالم غير مؤكدة ••،



تلقي أرواحنا نظرة على هذا البحر الخالد



الذي ألقى بنا هنا



أيمكن في لحظة أن نرحل إلى هناك،



ونرى ألعاب الأطفال على الشاطئ،



ونسمع أصوات الأمواج الجليلة مرة أخرى؟


تلك إنثر وبولوجيا كُسيت كساء لاهوتيا: الطفل لايزال حيوانا يسعد بحريته وأطرافه وعواطفه الحيوانية، ينفض أي كساء وأية قيود وأي حظر، يتطلع إلى الحرية في الحياة الحيوانية والحركة في الحقول أو الغابات أو البحار أو الهواء وشيئا فشيئا يفقد - بامتعاض - تلك الحريات كلما تقدم به السن وكلما أصبح شابا يعيش في ظل الحضارة• لكن وردزورث لم يرد أن يكون كذلك، لقد راح يتذكر فيثاغورث وراح يأمل أن يجد فيه جسرا يعبر منه إلى عقيدته أيام الطفولة (عقيدة الطفولة أو إيمانها) إن الرجل الهرم يبحث عن رحم لمشاعره كالرحم الذي أتى به إلى الحياة•



 صفحة رقم : 14660   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> حب وعمل وأفيون


10- حب وعمل وأفيون



0081 - 0181


في أبريل سنة 0081 أتى كولردج إلى جراسمير بعد أن أكمل مهمته في جريدة مورننج بوست Morning Post ليقضي ثلاثة أسابيع مع آل وردزورث، فأخبرته دوروثي أنها وجدت مأوى جميلا له ولأسرته في منزل كبيريقال له جريتا هول Greta hall على بعد نحو ثلاثة أميال خارج كزويك Keswick وذهب كولردج ورأى البيت في عز الصيف ووجد في إحدى الغرف مكتبة تضم خمسمائة مجلد، كثير منها غلال ملائمة لطاحونته (المقصود ملائمة لمزاجه الفكري) فوقع عقد الإيجاربحماس • وفي أغسطس سنة1800 اصطحب زوجته سارة وابنه هارتلى من نذر ستوي Nether Stowey إلى منزلهم الجديد ، حيث وضعت ساره طفلا آخر أسموه درونت Derwent على اسم بحيرة ومجرى مائي قريب • وسرعان ما حل الشتاء فنبه الأسرة إلى خطئها فقد فاقم البرد والمطر من استعداد كولردج لمرض الربو والحمى الروماتيزمية ، كما أن ابتعاد الزوجة عن أقاربها عمَّق اكتئابها لأن زوجها كان غالبا ما يتركها وحيدة مرتحلاً ببدنه وفكره• فكثيرا ما كان يتركها ليسير على قدميه ستة عشر ميلا إلى كزويك وجراسمير ليسعد بمناقشات وردزورث المثيرة، ورعاية دوروثي الودودة• ولم يكن وردزورث ودورثي ليسيرا في اتجاه الشمال كثيرا ليبهجا أيام كولردج• وفي نوفمبر سنة 0081 أقبلت سارة هتشنسون من جالوهل Gallow Hill لتمكث عدة شهور مع ماري ووليم ودوروثي في دوف كوتاج Dove Cottage وهناك تابع كولردج ملاحقته لها، وببساطة قاسية غير مقصودة اعترف لزوجته بحبه لسارة الثانية وطلب منها أن تأذن له بحبهما معا• ويوما فيوم ابتعدت عنه نفسيا منشغلة باهتماماتها كأم، وانكفأ هو على كتبه وتأملاته• وحاول أن يكمل قصته الشعرية (كريستابل Christabel) التي كان قد بدأها في سنة 7971 لكنه لم يجد في نفسه حماسا أو إلهاما فتركها ولما تكتمل• وقد امتدح سكوت Scott وبايرون Byron هذه القصيدة في شكلها المخطوط رغم أنهما أخذا عليها بعض الهنات في الموضوع والوزن والحالة النفسية، وأخيرا (6181) طبعها الناشر مري Murray بتشجيع وحث من بايرون إنها بقايا لم تكتمل لأثر راح ما به من جمال يذوي• وبعد عام في جريتا هول Greta Hall كانت صحة كولردج وميزاينته تنفد شيئا فشيئا وأحس أنه لن يستطيع الحياة شتاء آخر في منطقة البحيرات• وسعد لتلقيه دعوة للانضمام إلى هيئة تحرير المورننج بوست Morning Post وفي أكتوبر سنة 1081 ذهب إلى جراسمير Grasmere للوداع وفي التاسع من الشهر نفسه سارت معه دوروثي وماري إلى جريتا هول Greta Hall، وفي العاشر من الشهر نفسه غادر إلى لندن، أما دوروثي وماري فقد عادتا إلى جراسمير• وكتبت دوروثي في يومياتها لقد قضى كولردج يوما ممتعا ••• إن كل مشهد وكل صوت يذكرني به كرفيق عزيز عزيز•• لقد كنت مكتئبة ولا أستطيع الحديث لكنني أخيرا هوّنت على نفسي بالبكاء - قال وليم: يا له من انتحاب عصبي• ولم يكن الأمر كذلك، آه يالكثرة الأسباب التي تجعلني قلقة عليه!(35)• وصل كرلردج إلى لندن وانشغل بالكتابة بجدية كاملة في كتاب (الزعماء) الذي كان يتمشى مع سياسة الجريدة (مورننج بوست) الأداة الرئيسية لحزب الأحرار (الهويج) - المعارض للوزارة، وإن كان مؤيداً للملكية (بكسر الميم)• لقد أدان الرق والتنظيم الإداري القابل للرشوة rotten boroughs (الذي كان يرسل بانتظام التورى - المحافظين - إلى البرلمان) وأدان الحكومة لرفضها السلام الذي عرضه نابليون (0081) وكاد يحطم بت Pitt بتحليلاته التي لا ترحم له كرجل دولة• وعلى أية حال فقد دافع عن الملكية (بكسر الميم) الشخصية كأساس ضروري لمجتمع متقدم ومنظم وساق الأدلة على أن الحكومة هي أفضل من يجعل سلطان كل فرد متناسبا مع ممتلكاته(45) لقد كانت كتاباته قوية ومؤثرة فزاد توزيع الجريدة كثيرا أثناء كتابته فيها(55)• لكن عاما من العمل الشاق أسهم في تدمير صحته• وعندما عاد إلى جريتا هول (2081) كان منهاراً صحيا ومعنويا - آلام بدنية، وانصراف عن الزوجة، وبُعد عن الحب وأصبح عبدا للأفيون• وكان قد بدأ في تناول الأفيون في سنة 1971، وهو في التاسعة عشر من عمره(65) لتهدئة أعصابه وتخفيف آلامه وجلب النوم ووقف ما حاق به من تدهور في القلب والرئتين• وعندما وافاه النوم المتقطع أخيرا اجتاحتة في أثنائه الأحلام المروعة (الكوابيس) التي أشار إليها في آلام النوم (3081)•


حشد شيطاني شرير،



خليط غريب من الرغبة والقرف،



أشياء كريهة وحشية يختلط بعضها ببعضها الآخر،



عواطف جامحة وهدير مثير،



وخجل، ورعب شامل(75)•


ويخبرنا في مذكراته عن بشر خياليين على سطح القمر إنهم مثل البشر على الأرض في كل شيء إلا أنهم يأكلون بمؤخراتهم (ألياتهم - جمع ألية) ويتبرزون (يتغوطون) في أفواههم •• ولا يمارسون التقبيل كثيراً(85)• لقد كانت تعتريه الأحلام المزعجة (الكوابيس) مثل غالبنا، لكن أحلامه المزعجة هذه كانت حية جدا تكاد تكون حقيقية حتى إنه كان - في بعض الأحيان - يوقظ ساكني المنزل بصراخه(95)• وربما فتحت له آلامه وما يتناوله من عقاقير آفاقا جديدة وأتاحت له صورا ذهنية ومدركات حسية وخيالات غير متاحة للعقل العادي، رغم أنها - أي هذه الأمراض وتلك العقاقير - كانت تشوش على أفكاره وتضعف إرادته• على أية حال فقد كان محصوله المعرفي لايبارى في جيله، فهو في هذا يفوق وردزورث بمراحل، فلم يكن وردزورث يستطيع أن يتحدث في غير قصائده، بينما كان الحوار مع كولردج - حتى في فترة تدهوره - يشمل موضوعات كثيرة ويتسم بالحيوية كونه شائقا حتى إنه ترك بصماته على كارليل Carlyle، وربما كان قادرا حتى على إلزام مدام دي ستيل Stael الصمت• وماجعله مبهورا بوردزورث هو أن هذا الأخير كان شديد التركيز لتحقيق هدفه، بالإضافة إلى قوة إرادته أما هو (كولردج) فكان - شيئا فشيئا - يحل الإرادة محل الرغبة، ويزيح الخيال ليحل محله الحقيقة• لقد كان تواضعه شديدا بشكل غريب لكنه كان واعيا بذاته بشكل مكثف مدركاً أنه يكاد يكون مهتما بكل الموضوعات (وهو في هذا مثل وردزورث ومثلنا) وكان في طويته معتزا بنفسه بشكل عدواني (يفوق الحد) وقد لفت الانتباه بأمانته والتزامه الخلقي الصارم ولامبالاته بالشهرة والمال، لكنه كان يتطلع إلى المكانة(06)• وانتحل عبارات الآخرين وأفكارهم بسعادة، واقترض المال وترك أصدقاءه ينفقون على زوجته وأولاده وربما أضعف الأفيون من قدرته على ممارسة الجنس• وفي أبريل سنة 4081 راح يبحث عن تقليص آلامه التي ضاعفها الربو والحمى الروماتيزمية بالتوجه إلى شمس البحر المتوسط وهوائه فقبل مائة جنيه قرضا من وردزورث(16) وأبحر إلى مالطة التي كانت في ذلك الوقت معقلا للقوة البريطانية وإن كانت موضح نزاع• وأخذ معه أوقية (أونصة) من الأفيون الخام وخمس أوقيات (أونصات) من اللودانيوم (مستحضر أفيوني يسمى أحيانا صبغ الأفيون) وقد كتب عن الرحلة في مذكراته (يوم 31 مايو) دعاء يائس: يا ربي العزيز! أعطني القوة أن أقوم بتجربة واحدة عميقة - إذا رسوت في جريرة مالطة، فلا يكون الجو متعباً طوال شهر واحد، وأن تكون الطبيعة هادئة •• إنني عاشق رقيق القلب ولا أستطيع ممارسة الخطيئة دون إفلات من العاقبة، لكن آه إنني واهن جدا جدا منذ أيام طفولتي وحتى الآن، فلترحمني فلترحمني أيها الأب والرب(26)• وفي نحو عام بدا وكأنه استعاد سيطرته على نفسه وفي يوليو تم تعيينه سكرتيرا خاصا لحاكم مالطة - السير إسكندر بول Ball، وفي يناير 5081 رقي إلى منصب السكرتير العام وهو منصب صلاحياته أكثر• لقد مارس عمله بجدية وأظهر براعة مدهشة في الحكم والتنفيذ• وبعد عام من الخدمة اعتراه إرهاق شديد، حتى إنه أسرف في تناول المخدرات، وغادر مالطة إلى صقلية وإيطاليا وعاد إلى إنجلترا (6081) وفي هذا الوقت أصبح أكثر اعتمادا على الأفيون، وكان يقاوم تأثيره المنوم بتناول البراندي• وفي 62 أكتوبر 6081 قابل وردزورث في فندق في كندال Kendal، وكتبت دوروثي تحت هذا التاريخ لم أشعر أبدا قبل ذلك بصدمة مثل صدمتي عندما وقع عليه نظري، فمن النظرة الأولى وجدته سمينا جدا حتى إن عينيه بدتا غائرتين في وجهه المنتفخ والتألق الوحيد الذي بدا في عينيه للحظة كان تعبيرا مقدساً عن هدوء محياه(36) وذهب إلى كزويك Keswick ليطلب من زوجته الانفصال لكنها رفضت فتركها وأخذ معه ابنه درونت Drewent البالغ من العمر ست سنوات، وحول لزوجته الراتب السنوي الذي كان يتلقاه من ودجود(46) Wedgood لكن جوزياه ودجود سحب مساهمته في هذا الراتب السنوي في سنة 3181• وأخذت سوثي Southey التي استقرت في جريتا هول Greta Hall منذ سنة 3081 - على عاتقها رعاية أمرأة أخيه• وتغلب كولردج على أزمته بفضل هدية أرسلها له رفيقه في الإدمان دي كوينسي De Quincey، وقد أرسلها له دون أن ىحدد أنه هو مرسلها (أرسلها مجهولة المصدر) وبفضل المحاضرات التي ألقاها في المعهد الملكي Royal Institution في سنة 8081 و9081 و0181• وفي هذا العام انتهت الصداقة الكبيرة التي كان أساسها تبادل الخبرات الشعرية• لقد توقفت عندما جف ينبوع الشعر عند كولردج بعد سنة 0081 بسبب وهن جسمه وتأثير الأفيون المنوم والنفور الزوجي وافتتانه بالفلسفة• وكان وردزورث قد شجع كولردج على ترك ربات الشعر، واقترح عليه كتابة النثر لأنه أقرب إلى عبقريته• وقد انزعج كولردج عندما علم أن آل وردزورث الثلاثة قد حذروا سارة هتشنسون من الاقتران به وبلغ الخلاف أشده عندما كتب وردزورث خطابا في 13 مايو 9081 يحذر فيه بول Poole من الارتباط كثيرا بالعمل في مجلة كولردج الجديدة (9081 - 01819) والتي تحمل عنوان الصديق The friend باعتباره - أي بول - أحد أعز أصدقاء كولردج وأقربهم إليه• كتب وردزورث: إن ما أقوله لك هو رأيي الذي لم أقدمه لك إلا بعد ترو وتفكير، وهو رأي قائم على أدلة وبراهين تعمقت طوال سنوات • وإن كولردج لايقدر ولا يستطيع ولايريد تنفيذ أي شيء مفيد لنفسه أو لأسرته أو للبشرية• فلا مواهبه ولا عبقريته ولا معلوماته الواسعة ستفيده في أي شيء، لقد خابت جميعا بسبب ما اعترى تفكيره من تشويش• والحقيقة أنه لم يعد لديه طاقة عقلية من أي نوع ولا هو قادر على تنفيذ أي عمل يحتمه الواجب أو الالتزام المعنوي(56) لقد كان هذا الرأي قاسيا متطرفا لكن وردزورث كان قد ذكر لكولردج الكثير في خطاب أرسله له منذ أسابيع قليلة سابقة(66)• وتفاقم الأمر سوءا عندما أخبر بازل مونتاجو Basil Montagu كولردج أن وردزورث نصحه بألا يدعه (أي يدع كولردج) يقيم معه بسبب إدمانه الشديد الذي جعله مزعجا لايطاق عندما كان يقيم في جراسمير(76) إلا أن وردزورث بعد ذلك أكد لكولردج أن مونتاجو أساء فهم كلماته، وتظاهر كولردج أنه اقتنع ولكن الخيوط بينهما كانت قد تقطعت واستحال وصلها وماتت الصداقة التاريخية•



 صفحة رقم : 14661   


قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج فيلسوفاً


11- كولردج فيلسوفا


ربما نكون قد بالغنا في انهيار كولردج، فلا بد أن نلاحظ أنه بين عامي 8081 - 5181 ألقى محاضرات في بريستول وفي المعهد الملكي في لندن - ظهر فيها أنه يعاني تشوشاً في الفكر والتعبير لكنه أثر في مستمعين مثل شارلز لامب Lamb ولورد بايرون وصمويل (صموئيل) روجرز، وتوماس مور ولاي هنت Leigh Hunt، وكأنما دفعهتم وغيرهم من الكتّاب للتضامن مع زميلهم الذي أصابه ما أصابه• وقد وصف هنري كراب Crabb الذي يعتبر واحدا من أصدقائه البارزين إنجليزاً وألماناً، المحاضرة الثالثة التي ألقاها في لندن بأنها محاضرة ممتازة وألمانية جدا وذكر أنه بالنسبة إلى لمحاضرة الرابعة فقد كانت ذات صبغة ألمانية جدا وكانت طريقة التناول فيها تتسم بالتجريد الشديد بما لا يطيقه المستمعون الذين كان عددهم قليلا(86)• لقد كان تجميع كولردج للحقائق والأفكار والفروض المسبقة تجميعا مزدحما وهائلا حتى إنه لم يستطع السيطرة على موضوعه• لقد كان يطوف بعناصر موضوعه بجموح لكنه كان مُلهما• لقد لخّص شارلز لامب، كولردج في عبارة مشهورة إنه كملاك - بفتح الميم واللام - من الطبقة العليا، لحقه بعض الدمار(96) وانتهى إلى أنه يكفينا أن نكون في نطاق رياح عبقريته ونسماتها حتى لا نمتلك مشاعرنا أو بتعبير آخر حتى لاتصبح أرواحنا مستقرة(07)• وفي الفترة من 5181 إلى 7181 عندما كان كولردج مرة أخرى على وشك الانهيار دفع بخلاصة فكره إلى المطبعة• ففي كتابه نظرية الحياة Theory of Life (5181) أظهر لنا معلومات مثيرة في العلم - خاصة الكيمياء التي تعلمها عن طريق صداقته لهمفري ديفي Humphry Davy لكنه رفض كل المحاولات ليشرح العقل mind من خلال مصطلحات فيزيو كيميائية• لقد سمى فكرة إرازموس داروين السخيفة(17)•• بأنها فكرة رجل انطلق من حالة انبثاق برتقالية orang - outagestate وفي مطبوع Statesmans manual (6181) قدم الكتاب المقدس باعتباره أفضل مرشد للفكر السياسي، والتبصر بالعواقب• نجده يقول: يجد المؤرخ أن الأحداث الكبرى - وحتى التغيرات الأكثر أهمية في العلاقات التجارية العالمية •• أنا لانجد جذورها لدى مجموعة رجال الدولة ولا في الرؤي العملية لرجال الأعمال وإنما نجد جذورها لدى المنظرين الذين لاتتسم كتاباتهم بالتشويق، وفي رؤى العباقرة المنعزلين (المتفردين)••• كل الثورات الدينية التي أعادت صياغة فترات زمنية في العالم المسيحي، والثورات الدينية التي أعادت معها صياغة العادات المدنية والاجتماعية والمحلية تزامنت مع قيام نظم (نظريات) ميتافيز يقية أوسقوطها(27)• (ربما كان يفكر في نتائج الفكر الذي أتى به يسوع، وكوبر نيكس وجوتنبرج ونيوتن وفولتير وروسو وبعد موجز واضح للعوامل التي أدت إلى الثورة الفرنسية انتهى كولردج إلى أن صوت الشعب ليس هو صوت الله لأن الناس (الشعب) يفكرون في مجردات عاطفية أو مطلقات عاطفية ولا يمكن الوثوق بهم عند تولي السلطة(37)، وأن أفضل طريق للإصلاح لايكون إلا من خلال وعي الأقلية المتعلمة ذوات الممتلكات(47)، وأفعالها• وبشكل عام فإن أفضل مرشد للعمل الصحيح في السياسة وفي كل مجال هو الكتاب المقدس Bible لأنه يحتوي على كل الحقائق المهمة في التاريخ والفلسفة فأنتم يا من تتحركون في الطبقات العليا من المجتمع يجب أن تعلموا أيضا التاريخ والفلسفة واللاهوت، فأنتم أهل لها وليس أفراد الطبقات العاملة فتعلمهم التاريخ والفلسفة واللاهوت غير مطلوب إلى حد كبير بل وربما كان غير مرغوب فيه عموما• إن ترياق زيف رجال الدولة هو التاريخ ذلك أن جمع الحاضر مع الماضي في سياق واحد، وتأصيل عادة مقارنة أحداث عصرنا - بعمق - بأحداث عصور خلت مسألة مطلوبة(57) ويواصل في كتابه (Alay Sermon) الصادر في سنة 7181 دعواه للطبقات العليا والوسطى باعتبارها أفضل أداة للإصلاح الصحيح وباعتبار أفرادها حراسا ضد الغوغائية والسفسطائية وضد المدرسة الثورية المضرمة للنيران(67) لكن الكتاب يعترف ببعض الشرور الجارية (الموجودة في زمنه): تضخم الدين الوطني بشكل غير محسوب، فقر الفلاحين فقرا شديدا، وعمل الأطفال في المصانع، ولاحظ كولردج الحماقات والوقاحات والتبذير والتطرف الذي أعقب الرخاء الذي حل بنا والذي لم يسبق لنا أن شهدناه، كما لاحظ الممارسات العمياء والولع الأعمى بالمضاربات على مستوى التجارة العالمية بما في ذلك من مخاطر غير واضحة ومفاسد لقد تفجَّع بسبب احتمال تعرض الاقتصاد الجديد لهزات دورية تؤدي إلى انهيار عام ومعاناة يشرب الجميع كأسها(77)• وأوصى ببعض الإصلاحات الأساسية ضرورة خضوع أصحاب المصانع للقوانين العامة(87) خاصة فيما يتعلق بتشغيل الأطفال، ولابد أن تعترف الدولة أن أهدافها الإيجابية، هي: 1- أن تجعل مصادر الرزق ووسائل الإعاشة أكثر يسرا لكل فرد• 2- أن تؤمن لكل المواطنين آمالهم في تحسين أحوالهم وأحوال أبنائهم• 3- تطوير القيم الضرورية لإنسانية المواطن - كمخلوق عاقل(97) ودعا إلى إنشاء منظمات (نقابات) تضم رؤساء كل العاملين في كل الحرف لدراسة المشاكل الاجتماعية من منظور فلسفي ولتقديم توصيات للجماعة، ولابد أن تمول الدولة هذه الطوائف الوطنية national churchs(08)• وأنهى كولردج كتابه (عظات غير دينية Lay Sermon) بأن رضخ للاهوتيين معترفاً بأنه ليست هناك عظة أو حكمة علمانية خالصة أو بتعبير آخر ليست هناك حكمة خالية من البعد الديني يمكنها أن تحل مشاكل البشرية(18) فلا يستطيع إلا الدين الغيبي (الفوق طبيعي) والنظام الأخلاقي الذي قدمه الله للبشر أن يواجه الشر الموروث في نفوس البشر، فالشر من شيم النفوس لدرجة أن الذكاء البشري وحده لايعتبر كافيا لجعل الإرادة البشرية مبرأة من العيوب(28)• لقد دعا إلى العودة بتواضع إلى الدين وإلى الاعتقاد الكامل في يسوع كرب مات لتخليص البشرية(38) وفي 5181slash6181 ألف (أو أملى) فقرات عن حياتي الأدبية وآرائي Sktches of my Literary Life &opinions لتكون أساساً لكتابة سيرته الذاتية• ولم يكمل هذا المجلد (سيرته الذاتية) ونشر (فقرات عن حياتي الأدبية وآرائي) في سنة 7181 بعنوان (ترجمة أدبية Biographia Literaria) التي تعد الآن أكثر مصادرنا أهمية عن فكر كولردج في مجالي الأدب والفلسفة• إنه كتاب متماسك وواضح بشكل ملحوظ رغم أنه كتب غالبه خلال فترة قنوط وجزع بسبب إدمانه الأفيون وتراكم ديونه، وعدم قدرته على تقديم المال اللازم لتعليم أبنائه• لقد بدأ بالتبرؤ من علم النفس الترابطي associationis Psychology الذي كان مفتوناً به في وقت من الأوقات• لقد رفض فكرة أن الفكر كله ما هو إلا نتيجة آلية (أوتومايتكية) للحواس (للإحساس)، فالإحساس - كما أصبح يعتقد - يعطينا مجرد مواد خامة تقوم النفس - التذكر، والمقارنة، والفردية المستمرة - بإعادة تكييفها لتصبح خيالا خلاقا وفكرا موجها ذا هدف، وفعلا واعيا• فكل تجاربنا - واعية أوغير واعية - مسجلة في الذاكرة التي هي مخزن يستقي منه العقل - بوعي أوبغير وعي - المادة اللازمة لتفسير التجربة (الخبرة) الحالية، ولتنوير الخيارات الحالية (أي التي تعين الفرد على الاختيار من بين متعددات كثيرة) وهنا - بطبيعة الحال - نجد كولردج يتبع خطى كانط Kant• إن الشهور العشرة التي قضاها في ألمانيا لم تحوله فقط من شاعر إلى فيلسوف وإنما من جبري determinist كإسبينوزا Spinoza إلى نصير لحرية الإرادة مثل كانط free - will Kantian وهنا اعترف اعترافا كاملا بدينه (المقصود اعترف لمن هو مدين له بفكره الجديد) كتابات الحكيم المشهور حكيم كونيجسبرج Konigsberg أكثر من أي كتابات أخرى، تلك الكتابات التي كانت في وقت من الأوقات قد أنعشت تفكيري ونظمته(48) ومن أفكار كانط Kant تقدم كولردج إلى فكرة فيشته Fichte عن النفس وإعلاء مقامها باعتبارها الحقيقة الوحيدة المعروفة بشكل مباشر، ومن ثم جاس خلال أفكار هيجل (الديالكتيك الهيجلي) بين الفكرة ونقيضها، والوحدة بين الطبيعة والنفس، إلى أفكار شلنج Schelling عن خضوع الطبيعة للنفس أوتبعيتها لها، باعتبارهما - أي الطبيعة والنفس - وجهان لحقيقة واحدة إلا أن الطبيعة - على أية حال - تعمل بلا وعي، بينما يعمـل العقـل بشـكل واع ويصـل إلـى أسـمى درجات التعبير من خلال الخلق العبقري الواعي• لقد اقتبس كولردج بانطلاق كامل من شلنج Schelling إلا أنه غالباً ما كان يهمل ذكر مصادره(85)• لكنه اعترف بشكل عام بمن هو مدين لهم بأفكاره وأضاف قائلا : بالنسبة إلي يكفيني سعادة وشرفا إن نجحت في نقل فكر شلنج بشكل واضح إلى أهل بلدي(68)• والأحد عشر فصلا الأخيرة من كتابه الآنف ذكره (ترجمه أدبية •• Biographia) تقدم مناقشة فلسفية للأدب باعتباره إفرازا للخيال، وقد ميز بين الوهم fancy والخيال، فالوهم فانتازيا (أو خيال جامح) كما في حالة حورية الماء (المخلوق البحري الذي له جسد امرأة ورأس سمكة) بينما الخيال (كتب كولردج الكلمة بحروف كبيرة slash كابيتال هكذا IMaGINaTion) فهو توحيد واع بين أجزاء لتشكل كلا جديدا كما في حالة حبكة الرواية، وتصنيف كتاب، وخلق عمل فني أو صياغة نتائج العلوم في نسق (نظام) فلسفي• هذا التصور (أو الإدراك) يصبح أداة لفهم - ونقد - أي قصيدة أو كتاب أو رسم أوسيمفونية أو تمثال أو عمارة؛ إلى أي مدى استطاع الشاعر أو الفنان أن يجعل مكونات عمله متناسقة أو بعبارة أخرى إلى أي مدى استطاع أن يصل بين الأجزاء بالأجزاء الأخرى المرتبطة بها أو ذات الصلة بها، لتحقيق معنى العمل ككل ولتجعله متماسكاً في كل واحد؟ إلى أي مدى نجح المنشئ في هذا وإلى أي مدى فشل؟ وفي هذه الصفحات قدم لنا كولردج الأساس الفلسفي للحركة الرومانسية في الأدب والفن• وقد أنهى كتابه الآنف ذكره بنقد حاد لفلسفة وردزورث، وطريقته الشعرية• هل حقيقة أن أسمى فلسفة في الحياة يمكن أن يجدها المرء في طرائق التفكير عند أبسط الناس؟ أحقا أن لغة هؤلاء البسطاء هي أفضل وسيلة شعرية؟ أليس هناك فارق جوهري بين الشعر والنثر؟ في كل هذه النقاط وجه كولردج نقده لوردزورث بشكل دمث لكنه حاد ومؤثر• وانتهى أخيرا بما يفيد ولاءه وتقديره لحكيم جراسمير كأعظم شاعرمنذ ميلتون(78) Milton•



 صفحة رقم : 14662   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> وردزورث (الذروة)


12- وردزورث: الذروة



4081 - 4181


وبعد أن قام آل وردزورث بجولات قصيرة نقلوا مقر سكناهم (8081) من دوف كوتاج Dove Cottage إلى مسكن أوسع بالقرب من ألان بانك Allan Bank وهناك أبدع الشاعر كبستاني فزرع حول البيت نباتات ووروداً راحت تختال تحت أمطار جراسمير• وفي سنة 3181 انتقلت الأسرة أخيرا إلى عقار بسيط في جبل ريدال Rydal Mount في أمبلسيد Ambleside إلى الجنوب من جراسمير بميل• لقد أصبح آل وردزورث الآن في رغد من العيش ولديهم عدد من الخدم وصادقوا بعض ذوي المكانة• وفي هذا العام رتب اللورد لوندسديل Londsdale لتعيين وردزورث موزعا للطوابع في إقليم وستمورلاند Westmorland فاستمر يزاول هذا العمل حتى سنة 2481 وكان يدر عليه مائة جنيه إضافية في العام• أما وقد تخلص من متاعبه المالية فقد راح يقضي مزيدا من الوقت في بستانه فجعله فردوساً من الورود والنباتات المزهرة لاتزال موجودة• ومن نافذته في الطابق الثاني كان يطل على مشهد ملهم - انه منظر بحيرة ريدال Rydal water التي تبعد مسافة ميلين• وفي هذه الأثناء (5081) أكمل كتابه (المقدمة The Prelude) الذي كان قد بدأه سنة 8971• وقد كتبت دوروثي: إنه كان يجمعنا كل يوم في اجتماع كبير كله متعة وصفاء بعد أن يقوم بجولاته مشيا على الأقدام(88)• لقد كانت هي وسارة هتشنسون تنشغلان دوما بكتابة ما يُملى عليهما، وكان وردزورث قد تعلم التفكير من خلال الشعر المنثور• وكان يضع العناوين الجانبية لملحمته الشعرية التي تأنى في كتابتها تطور عقل شاعر The growth of Poetصs mind ، قد قصد بهذا العمل أن يكون سيرة ذاتية لتطوره العقلي والنفسي، وكمقدمة للنزهة The Excursion التي تعرض بالتفصيل الفلسفة التي تمخض عنها هذا التطور• وقد قدم لنا ما يفيد مودته لكولردج بأن راح مرارا يستعيد ذكرياته معه، وتوجيه الحديث إليه• لقد اعتذر للأنانية والحديث عن الذات كما تبدوان في القصيدة لمن تناولها بشكل سطحي، فقد اعترف أنه لم يسبق لأحد أن تحدث عن نفسه بهذه الكثرة(98) وربما لهذا السبب لم ينشر هذا العمل في أثناء حياته• لكنها مقبولة ومحتملة تماما إن تناولناها في جرعات قليلة، وأكثر ما هو مبهج فيها هو مشاهد طفولته (كتاب 1 و 2) حيث ذكر جولاته في الغابات المنعزلة حيث بدا له أنه يسمع صوت الرب الكامن وراء كل شيء، الذي يأخذ صورا شتى، كلما جلس• لقد بدا له أنه يسمع هذا الصوت في أصوات الطيور والحيوانات وحفيف الأشجار بل ويسمعه حتى في الصخور نفسها وفي التلال: - وحدي فوق ربوة ناتئة، - مع تنفس الصبح - ففي هذه اللحظات يكون - غالبا - هذا الهدوء القدسي، - الذي يغمر روحي، فلا أعود أرى بعيني بدني - إنني أنسى ذلك تماما، فما أراه - يبدو لي وكأنه داخل نفسي، يبدو حلماً - يبدو مشاهد موجودة داخل نفسي•• - لقد كنت في هذا الوقت - أرى بركات تنتشر حولي وكأنها بحر••• - بركات قدسية لا توصف•• - لقد شعرت بعاطفة الموجود Being تنتشر، - فوق كل ما يتحرك، وفوق كل مايبدو ساكنا، - فوق كل ما لا يطوله فكر - وفوق كل المعرفة البشرية، وفوق ما لا - تراه عين البشر، بل إنني أحسست أنه يعيش حتى في القلب، - فوق كل ما يثب وكل ما يجري، وكل ما يصيح وكل ما يغني - أو يحرك الهواء العليل، فوق كل ما هو بين الأمواج، بل إنه موجود حتى في الأمواج نفسها، - وفي أعماق البحار، وأعماق أعماقها، - أحس بالبهجة القصوى، إن وصل الاتصال ذروته - بين الأرض والسماء - اتصال بين كل ما هو مخلوق، مع - الخالق (غير المخلوق) •• (قد نرى هنا تناقضا أو تراجعا، فالبيت الأخير يفترض وجود فاصل حقيقي بين الخلق والخالق، بينما نظرة وردزورث - كنظرة سبينوزا تريان الرب) والطبيعة شيئاً واحداً - النظرة القائلة (بوحدة الوجود)• وفي كامبردج (3) كان أحيانا ينضم إلى حفلات السمر التي يرتبها الطلبة كما كان أحيانا يشاركهم عبثهم ، ومع هذا فقد كان منزعجا لفهمهم للحياة بشكل سطحي طائش ، فقد كان يجد متعة أكثر في دراسة الكلاسيات الإنجليزية (الأعمال الأدبية الكلاسية ) أو ركوب الزوارق (ا لنص boating on the Cam ) وفي أوقات العطلات (4) كان يعود إلى مأواه الأصلي فيتناول طعامه على مائدة أسرته ويأوي إلى فراشه المعتاد: - هذا السرير المنخفض الذي كنت أسمع وأنا ثاو فيه عصف الريح ، وصوت المطر المنهمر بعنف - وكنت في ليالي الصيف أظل يقظان رغم تمددي على السرير وكان هذا يحدث كثيرا ، لأراقب - القمر في بهائه مضطجعا بين أوراق - أشجار الدردار الباسقة القريبة من مسكننا ، -ورحت أرقب هذه الأشجار بعينين لا تبغيان عنها حولا ، بينما تتحرك ذراها بين الحين والحين - مع كل هبة من هبات النسيم • وفي كوكرموث Cockermouth كان يستطيع السير مع كلبه الهرم الذي كان يتركه يؤلف الأشعار وينشدها بصوت عال دون أن يتهمه بخلل أصاب عقله: - آه ، أأنا في حاجة - يا صديقي العزيز - أن أقول إن قلبي قد فاض؟ ، إنني لا - أقدم نذورا ، إنما كانت النذور تقدم لي - ذلك أنني لا بد كنت روحا مكرسة يُهدى إليها لقد كان يعيش للشعر• كما كان يجد مسرة أيضا في تلك الرحلات الممتعة التي كان يقوم بها خلسة في القنال الإنجليزي (6) ليشعر بالسعادة المجنونة لفرنسا الثورة ، وبالفوران فوق الألب ( المفهوم طبعا أنه لا يصل إلى هذه الأماكن ) ومن ثم يعود إلى لندن تلك المدينة الضخمة التي تشبه كثيب الرمال الناتج عن تشييد النمل لمساكنها حيث برلمانها الذي يرتل تراتيل فضائل التقاليد مع احتقار شديد لنظرية (أفكار) محدثي النعمة (المقصود ثوار فرنسا) وراح يراقب الجموع المزدحمة في فوكسهول Vauxhall والذين يتعبدون في كنيسة القديس بول، وراح يرى أويسمع الجموع المتحركة تضم مختلف الأجناس والوجوه والأزياء واللغات، وفوضى المرور، وابتسامات المومسات ونداءات البائعين، ومناشدة النسوة، والفنانين يرسمون بالطباشير على أحجار الطريق (الرسم التقليدي - قرود على ظهور جمال) والمغنين في الطريق وكأنهم عشاق يعزفون السرينادات (أغان يرددها العشاق تحت شرفات المعشوقات) - كل هذا شعر به الشاعر شعورا قويا كشعوره بالغابات لكنه لم يرتبط بها وانسل (8) إلى المشاهد الأكثر هدوءا حيث الحب لكل الطبيعة يمكن أن يعلمه أن يفهم ويعفو•ثم يعود مرة أخرى لفرنسا (9) حيث برر الحكم الطاغي والبؤس القديم قيام الثورة وجعلها عادلة نبيلة بل إنه حتى البريتوني a Briton يمكنه أن ينخرط في هواها (تعتريه نشوة حب لها): - الجمال بشير بالوعود، - ليس في الأماكن الأثيرة وحدها وإنما في كل الأرض، - فأي منا لايتطلع مفكراً في السعادة المرتقبة• ومن هذه النشوة التي بلغت السؤدد انحدرت فرنسا إلى الجريمة وانحدر وردزورث إلى النثر: - لكن الآن أصبح الثوار ظلمة - حولوا الحرب من أداة للدفاع عن أنفسهم - إلى أداة للغزو، ولم يعودوا يرون - كل ما كانوا يناضلون من أجله••• وببطء وتردد أنهى الشاعر مقدمته his Prelude (41) داعيا صديقه للعودة من مالطة (المقصود كولردج) لينضم للجهود المبذولة للعودة من الحرب والثورة إلى حب الطبيعة والبشر• ولم يكن على وفاق مع قصيدته(09) فقد كان يعلم أنه توجد صحراوات شاسعات حول الواحات• ولم يكن وردزورث يرى إلا فروقا قليلة بين النثر والشعر• لقد اعترف بذلك، وكان غالبا أيضا ما يمزج بينهما في شعره غير المقفى، المتسم بفتور نبرته وتؤدة وقعه• لقد جعل العاطفة والأحاسيس تنبع من السكون وهدوء النبرة، وجعل من هذا جوهر الشعر وروحه (دعنا نقل الموسيقا الداخلية) لكن هذا السكون الشعري الذي يستمر على نحو متواصل طوال أربع عشرة مقطوعة قد يحيلها إلى هوادة أو هدهدة تبعث على النوم• وبشكل عام فإن طبيعة الملحمة أنها تتناول حدثا عظيما أو نبيلا، أما الأفكار فهي شخصية جدا حتى إنه لا يصلح تناولها في ملحمة• ومع هذا فإن (المقدمة The Prelude) تركت القارئ المصمم على مواصلة قراءتها وقد شعر بقبول سليم للحقيقة الباقية• وفي بعض الأحيان كان وردزورث - كأغاني الطفولة - يطهرنا بنقاء الغابات والحقول ويجعلنا - كالتلال الراسخات - نتحمل العواصف صامتين صابرين• وكان وردزورث قبل المغادرة قاصدا ألمانيا في سنة 8971 قد بدأ (الناسك The Recluse) وهو عمل بث فيه فكرة أن الانسان الذي يعرف الحياة حق المعرفة هو الذي عايشها ومن ثم انسحب منها، وقد حثه كولردج على تطوير هذه الفكره في صياغة كاملة ونهائية لفلسفته• وبتحديد أكثر اقترح عليه كولردج قائلا أريدك أن تكتب قصيدة بالشعر الحر (غير المقفى) موجهــة إلى هؤلاء الذين فقــدوا كل أمــل في تحســن أحــوال البشرية وانغمسوا فيما يكــاد يكون أنانيــة لا تبحث إلا عن اللــذة أو بتعبيــر آخــر الأنانيــة الأبيقورية - وذلك نتيجة الفشل الكامل للثورة الفرنسية(19) لقد اتفقا على أن ذروة الأدب هو الزواج السعيد بين الفلسفــة والشــعر• وعندمــا عاود وردزورث التفكيــر شــعر أنه غير مســتعد لمواجهــة هذا التحدي• وكان قد أحدث تطويرا مهما في (المقدمة The Prelude) ليجعل منها تاريخا لتطــوره العقلــي (النفســي) فكيــف يستطيع كتابــة شرح أفكاره أو عرضها قبل إنجاز هذا العمل (الناسك)؟ لقد نحى (الناسك The Recluse) جانبا وتابع كتابة (المقدمة The Prelude) إلى نهايتها• وبعد ذلك وجد نفسه واهن العزم قليل الثقة، وكان خروج كولردج من حياته قد حرمه من الإلهام الحي الذي كان يحفزه على العمل في وقت من الأوقات• وفي ظل هذه الأحوال المثبطة كتب (الرحلة The Excursion) لقد بدأها بداية جيدة بوصفه لأطلال المسكن حيث كان يعيش الجوال (الرحالة) ويبدو أنه أخذ هذا الوصف من عمله الذي تخلى عنه ولم يكمله ونعني به الناسك Recluse وهذه الصورة التي رسمها وردزورث تقود الرحالة إلى العزلة والتنسك Solitary فهو يحكي لنا كيف فقد إيمانه الديني وأصبح متخماً بالحضارة فعاد إلى سلام الجبال• وقدم لنا الجوال الدين على أنه العلاج الوحيد لليأس، والمعرفة شيء طيب لكنها تزيد من قوتنا أكثر من زيادتها لسعادتنا، ثم ينقاد للقس (راعي الأبرشية) الذي يقدم الإيمان البسيط والترابط الأسري عند رعاياه الفلاحين باعتبارهما أكثر حكمة من محاولة الفيلسوف صياغة حكمة العصور في روابط فكرية• لقد كره الجوال حياة المدن المصطنعة وشرور الثورة الصناعية ودعا إلى تعليم عالمي وتنبأ بآثاره الغظيمة• وعلى أية حال فإن القس (راعي الأبرشية) كانت لديه الكلمة الأخيرة فراح ينشد أنشودة التسبيح للرب• وقد نُشرت (الرحلة) وهي في جانب منها (الناسك Recluse) في سنة 4181 وبيعت النسخة بجنيهين (ومن المفترض أن المقدمة Prelude لم تكن قد طبعت حتى سنة 0581) وطلب وردزورث من جيرانه - كلاركسون Clarksons - مساعدته في بيع نسخ مطبوعة بين أصدقائهم من طائفة الكويكر Quaker الذين كانوا أثرياء وشغوفين بالكتب التنويرية والثقافية وقدم نسخة للروائي شالز لويد Charles Lloyd على ألا يعيرها لأي قادر على شراء نسخة ورفض أن يعير نسخة لأرملة ثرية اعتبرت أن سعر النسخة مرتفع بالنسبة إلى جزء من عمل(29) وبعد ثمانية أشهر من النشر لم يكن قد باع إلا ثلاثمائة نسخة • أما المتابعون للعمل فقد تبانيت آراؤهم فاللورد جفري Jeffrey أدان في نوفمبر سنة 4181 (في مطبوع مستخلصات أدنبره Edinburgh Review) القصيدة بمقدمة تعتبرها نذير سوء إن هذا لن يحدث أبداً أما هازلت Hazlitt فبعد أن امتدح الفقرات البهيجة المتعلقة بوصف الطبيعة، والأفكار الموحية ذكر أن القصيدة طويلة ومتكلفة وكرر النتائج نفسها حتى أصبحت سطحية وتافهة(39) أما كولردج الذي دعا إلى تأليف عمل كبير خالد، فقد رأى في (الرحلة Excursion) إسهابا وإطنابا وتكرارا وإعادة(49) لكن كولردج راح بعد ذلك في (Table Talk) يمتدح الكتابين (الجزئين) الأول والثاني باعتبارهما من أجمل القصائد في اللغة الإنجليزية(59)• أما شيلي Shelley فقد كره (الرحلة) لأنها تبين استسلام وردزورث للفكر الحلولي (كوْن الرب والطبيعة شيئا واحدا)، لكن كيتس Keats اعتبر وردزورث بسبب هذه القصيدة أعلى مرتبة من بايرون Byron(69)، وبمرور الوقت ترسخ رأي كيتس•



 صفحة رقم : 14663   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> حكيم الهايجيت


13- حكيم الهايجيت



6181 - 4381


في أبريل سنة 6181 كان كولردج قريبا من الأنهيار الجسدي والنفسي وهو في الثالثة والأربعين، وفي هذه الأثناء استقبله د• جيمس جيلمان James Gillman كمريض في هايجيت بلندن، وكان كولردج في هذه الأثناء يتناول ما وزنه باينت Pint من اللودانيوم (مستحضر أفيوني) يوميا• وقد وصفته سوثي Southey في نحو هذه الفترة بأنه كان كزوج هائلا كمنزل• لقد أصبح متحنياً غير متماسك، وأصبح وجهه شاحبا منتفخا مترهلا وأصبح ينهج (قصير النَّفَس)، وأصبحت يداه واهنتين مرتعشتين لا يستطيع إلا بالكاد أن يرفع كوباً إلى شفتيه(79) وكان له بعض الأصدقاء المحبين له مثل لامب Lamb ودي كوانسي De Quincey وكراب روبنسون Crabb Robinson لكنه قلما كان يرى زوجته وأولاده• وربما كان الطبيب الشاب قد سمع أن بايرون Byron ووالتر سكوت Scott قد اعتبرا هذا الإنجليزي المكسور أعظم رجال الأدب الإنجليز(89)• وعلى أية حال فقد كان من رأي هذا الطبيب أنه يمكن إنقاذ كولردج - فقط - بالمداومة على العناية الطبية به والإشراف عليه، فأخذه إلى بيته (أي بيت الطبيب) بموافقه زوجته (زوجة كولردج) وأطعمه واعتنى به وعالجه، وظل تحت إشرافه إلى أن مات• لقد استعاد كولردج نشاطه العقلي بشكل مدهش، ودهش الطبيب لاتساع دائرة معارف مريضه وثراء أفكاره وألمعية حواراته ومناقشاته التي فتحت أبوابه لعدد كبير من الشباب وكبار السن اعتبروا هذا الملاك المحطم ذا تأثير كبير وذا فطنة، ولحديثه مذاق خاص رغم أنه قلما يلتزم الوضوح الكامل والنظام المنطقي الصارم • ولازالت متفرقات من هذه المناقشات المدونة في (الحوارت Table Talk) تبرق تألقا: كل إنسان ولد أرسطيا أو أفلاطونيا إما أن تكون لنا أرواح خالدة، أو لاتكون• فإن لم تكن لنا فنحن دواب، دواب من الدرجة الأولى أو دواب حكيمة أو أحكم الدواب ليس هذا مهما، المهم أننا بدون أرواح خالدة نكون دواباً (بهائم) حقيقية(99)• ولم يكن يرضيه أن يكون من بين أحكم الدواب• وكلما اقترب من الموت كان يبحث عن راحته وسلواه في أحضان الدين، كما لو كان يريد التأكيد من صفقته فقد اعتنق الدين (المسيحي) في أقصى درجات سلفيته (أورثوذ كسية) المعروفة - ممثلة في كنيسة إنجلترا باعتبارها ركيزة الاستقرار والأخلاق في إنجلترا والتي لها الدوام للأبد• وقد قدم في مقاله عن دستور الدولة وكنيستها الدستور والكنيسة باعتبارهما ثنائيا ضروريا لوحدة الأمة يحمي كل منهما الآخر(001)• وقد عارض هو ووردزورث التحرر السياسي للكاثوليك البريطانيين على أساس أن قوة الباباوية ستعرض الدولة للخطر بازدياد تنازع الولاء بين الوطنية والدين• وقد أخذ الجانب المحافظ حتى كبر سنه• ففي سنة 8181 أيد روبرت أوين Robert Owen والسير روبرت بيل Peel في معركتهما لفرض قيود على تشغيل الأطفال، لكنه في سنة 1381 عارض مرسوم الإصلاح Reform Bill الذي كان سيؤدي إلى كسر هيمنة التوريين (حزب المحافطين) على البرلمان، وعارض إلغاء الرق في الهند وجزر الهند الغربية(101) وكان هو من درس العلوم وأيد العلم - أكثر من غيره من الفلاسفة، ومع هذا فقد رفض فكرة التطور وفضل على حد تعبيره التاريخ كما أجده في الكتاب المقدس(201) وفي النهاية استسلم ذكاؤه الرحب ورؤيته البعيدة المدى لآلام جسده وما اعترى إرادته من اعتلال، واعتراه خوف شديد من أي تغيير في السياسة أو العقيدة الدينية• وكان يفتقد الصبر والدأب لتأليف عمل متكامل مترابط، ففي السيرة الأدبية Bigorophia Literaria (7181) أخبرنا عن عزمه على كتابه اللوجوسوفيا Logosophia كعمل كبير يلخص فيه العلم والفلسفة والدين ويربط بينها، لكن كل ما سمح له به بدنه وروحه هو خليط غير مترابط مشوش وغامض• لقد أصبح هذا هو حال العقل الذي وصفه (في وقت من الأوقات) دي كوينسي De Quincey بأنه أرحب عقل بشري وأكثر العقول دقة وفهما(301)• وفي يوليو سنة 4381 بدأ كولردج وداعه للحياة• إنني أموت، لكن دون أن أتوقع راحة سريعة••• هوكر Hooker رغب العيش ليُنهي كتابه الحكومة الإكليريكية - كذلك أنا أرغب أن تمهلني الحياة ويكون لدي القوة لإكمال فلسفتي، لأنني - والله يسمعني - عزمت وصممت في قلبي على السمو باسمه الجليل كما أهدف - بعبارات أخرى - للرقي بالبشرية• لكن المرء يريد والله يريد والله فعّال لما يريد، وما أراده الله كان وما لم يرده لم يكن(401) ومات كولردج في 52 يوليو 4381 في الثانية والستين من عمره• وصدم وردزورث لرحيل أفضل من عرفهم وقال لامب Lamb الصديق الصدوق لكليهما إن روحه العزيزة والعظيمة تلبَّستني(501)•



 صفحة رقم : 14664   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> على الهامش


14- على الهامش


كان شارلز لامب (5771 - 4381) واحداً من عدة أرواح قلقة ومؤثرة جعلتهم مؤلفاتهم أجدر بالتناول في فترة ما بعد سنة 5181، لكننا تناولناه في فترتنا هذه التي نتناولها الآن لأنه دخل بشكل حميم في حياة شعراء منطقة البحيرة• فقد كان لامب واحداً من أقرب أصدقاء كولردج في لندن• لقد تعارفا كرفيقي دراسة في مدرسة مستشفى يسوع، وفي هذه المدرسة لم يتفوق لامب بسبب ما يعانيه من تلعثم شديد• وغادر المدرسة في الرابعة عشرة من عمره ليعول نفسه، وفي السابعة عشرة عين محاسبا في مؤسسة الهند الشرقية وظل في هذه الوظيفة حتى أحيل للتقاعد في الخمسين من عمره• وشهدت حياته سلسلة من حالات الجنون فقد قضى هو نفسه ستة أسابيع في مصحة للأمراض العقلية (5971 - 6971)، وفي سنة 6971 قتلت أخته ماري آن Ann (4671 - 7471) - في نوبة جنون شديدة - أمها، وبسبب جنونها ظلت ماري محتجزة في مصحة الأمراض العقلية عدة فترات، لكن لأن لامب Lamb لم يكن يرغب في الزواج فقد جعلها تقيم معه حتى وفاته• وقد شفيت ماري من جنونها بدرجة كانت تكفي لتشاركه في كتابة (حكايات من شكسبير Tales from Shakespeare) (7081)• أما عمله الوحيد الذي أنجزه بمفرده فهو (مقالات إليا Essays of Elia) (0281 - 5281) وفيه تجلى أسلوبه العبقري ووقاره وفنه الذي أوحى بواحدة من أكثر الشخصيات المحببة في هذا العصر غير المفرط في تسامحه• وفي سنة 7971 - وكان لايزال متأثرا بالمآسي التي واجهها في العام السابق - قبل دعوة من كولردج لزيارته في نذر ستوي Nether Stowey• وكان لا يكاد يتكلم - بسبب تلعثمه - عندما يكون في مواجهة شاعرين (كولردج، ووردزورث) يباري كل منهما الآخر في ذرابة اللسان• وبعد ذلك بخمس سنوات زار مع أخته عائلة كولردج في جريتا هول Greta Hall، وذكر لامب أنه تلقاهم بفيض من الكرم يفوق الوصف(601) ورغم أنه هو نفسه ظل شكوكيا حتى آخر عمره إلا أنه لم يسمح أبداً لتجاوزات كولردج اللاهوتية أن تتغلغل إليه رغم تأثره به ورغم إعجابه الشديد به• ويضم المتحف الفني للفنون The National Portrait Gallery (المفهوم أنه متحف مقتصر على رسوم الأشخاص) رسما مؤثرا ولطيفا للامب Lamb إلى جوار صديقه وليم هازلت (7871 - 0381) الذي كان أبرع النقاد وأكثرهم حيوية في عصره• وقد زار هازلت كولردج سنة 8971• كما زاره مرة أخرى في جريتا هول في سنة 3081• وفي المناسبة الثانية انضم إليهما وردزورث وهناك راح ثلاثتهم يتناقشون فيما إذا كان الله God موجودا• وكان وليم بالي Paley - كما رأينا - قد دافع مؤخرا عن وجوده بأدلة من التصميمات الهندسية والفنية، وقد رفض هازلت هذه الأدلة، أما وردزورث فاتخذ موقفا وسطا مؤكدا أن الله ليس موجودا خارج الكون، يوجّهه من مكان قصي وإنما هو كامن فيه إنّه حياة الكون وعقله• وفي هذه الزيارة أثار هازلت غضب الجيران باغتصابه تلميذة، وخوفا من القبض عليه أو حدوث ما هو أسوأ هرب إلى جراسمير حيث آواه وردزورث هناك طوال ليلة، وفي الصباح قدم له مبلغا من المال ليسافر إلى لندن• وعندما عاد كولردج ووردزورث وهاجما الثورة وأدانا نابليون في قصيدة هجاء شديدة اعتبرهما هازلت متراجعين عن أفكار آمنا بها يوماً، وكتب أربعة مجلدات عن (حياة نابليون بونابرت 8281 - 0381) مدافعا عن وجهات نظر نابليون• وفي هذه الأثناء كان معروفا كناقد من خلال محاضراته (0281) عن الدراما في العصر الإليزابيثي وكتابه عن (روح العصر - 5281) ولم يكن وردزورث سعيدا بهجومه على مدرسة البساطة في الأدب أو على حد تعبير وردزورث (Peasant school)(701)• لقد أحب الشاعر العجوز أكثر توماس دي كونسي (5871 - 9581) الذي كان يبدي إعجابه به بشكل مستمر• لقد كان توماس عبقريا فيما يرى لأنه نبَّه بريطانيا في سنة 1281 بمؤلفه Confessions of an English Opium Eater أي (اعترافات إنجليزي يتعاطى الأفيون)• لقد كانت بدايته كولد معجزة يتحدث اليونانية الكلاسية بطلاقة وهو في الخامسة عشرة من عمره، وأنهى الدراسة في المدرسة بسرعة وانتقل إلى أكسفورد حيث كانت خطاه أسرع من خطى أقرانه (المقصود أنه كان أكثر تفوقا) ولابد أنه اندهش مبتهجاً بالبساطة الخلابة التي صيغت بها الأشعار الغنائية Lyrical Ballads وفي مايو سنة 3081 كتب إلى وردزورث خطابا ربما أدار رأس الشاعر المتفرد• ليس هناك ما يغريني بصداقتك أكثر - فيما أظن - مما يغري كل من قرأ Lyrical Ballads وأحس بها كما أحس• إن محصلة البهجة التي أحسست بها من ثماني قصائد أو تسع استطعت الحصول عليها جعلت العالم يبدو مقصراً تقصيراً لا حد له عن إدراك ما يعنيه هذان المجلدان الفاتنان - إن اسمك سيرتبط معي إلى الأبد بمشاهد الطبيعة الجميلة ••• أي زعم يمكنني من ادعاء القدرة على مرافقة جماعة فيها مثلك تشع عبقرية وسناء فائقين؟• وأضاف أن وردزورث لن يجد أبداً أحدا أكثر استعدادا •• للتضحية حتى بحياته (مثله) لتحقيق مصالحك وسعادتك وكان رد وردزورث ينطوي على توجيهات رقيقة، فقد كتب له إنني لا أقدر على منح صداقتي (لأحد) فهذا ليس في يدي• إنها هبة لا يستطيع الإنسان تقديمها ••• فالصداقة الصحيحة والحقة تتكون بمرور الوقت وتحكمها الظروف• إنها ستزهو كالزهور البرية إن كانت الظروف حولها ملائمة، فإن لم يحدث هذا فعبثا البحث عنها• وحاول أن يثني الشاب عن مراسلته بشكل منتظم فقال له إنني أكثر الناس كسلاً في هذا العالم وأكثرهم عزوفاً عن كتابة الخطابات لكنه أضاف قائلا: وسأكون سعيداً جدا حقا أن أراك في جراسمير(801)• ورغم حرارة دي كوانسي De Quincy ورغبته في لقاء وردزورث، فإنه لم يقبل الدعوة إلا بعد ثلاث سنوات، وعندما أصبح منزل وردزورث على مرأىً منه فقد الشجاعة وكأنما هو حاج واهن يقترب من روما، فرجع ولم يواصل رحلته للقاء وردزورث، ولكن في سنة 7081 وفي بريستول قبل كولردج دعوته لمرافقة زوجته (زوجة كولردج) وأولاده إلى كزويك Keswick، وفي الطريق توقف معه عند منزل وردزورث، والآن، وأخيرا رأى دي كوانسي، الشاعر وردزورث رأي العين، كما كان على بروننج Browning أن يرى شيلي Shelley• قال دي كوانسي: رأيته كومضة نور• إنه رجل أقرب إلى الطول• مد يده وحياني مرحبا ترحيبا ودوداً جداً(901)•



 صفحة رقم : 14665   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> سوثي1803


15- سوثي



1803- 1843


وفي هذه الأثناء - في كل من جريتا هول ولندن - كان سوثي يعول زوجته إديث Edith وبناته الخمس (ولدن في الفترة من 4081 و2181) وابنه - الذي أحبه حبا يفوق الوصف، والذي وافته منيته سنة 6181 وهو في العاشرة من عمره• كان سوثي ينفق على كل هؤلاء من حصاد كتاباته المتقنة - لكنها غير ملهمة• وبعد انتقال كولردج إلى مالطة تولى سوثي رعاية أولاده (أي أولاد كولردج) وزوجته• وحتى وردزوث كان أحيانا يعتمد عليه: فعندما فقد أخو وليم في البحر (1805) اضطربت الأسرة في جراسمير• فأرسل وردزورث خطابا إلى سوثي متوسلا إليه أن يأتي ويساعده لبث الطمأنينة في دوروثي وماري• واستجاب سوثي، وكان رحيما رفيقا جدا: إذ كبت دوروثي: لقد كان ودودا حتى إنني أحببته في وقت من الأوقات• لقد بكى معنا وأبدى حزنه لحزننا، لذا أظن أنني لا بد أن أحبه دائما(011)• وعبثا حاولوا إثناءه عن التسرع في الكتابة• فكتب ملحمة شعرية في إثر ملحمة، لاقت جميعا الفشل، فكرس نفسه للنثر فكانت النتائج أفضل، ونشر في سنة 7081 (خطابات من إنجلترا لدون مانويل ألفاريز إسبريلا Letters from England by Don Manuel Alvatez Esprlella) ووضع على لسان هذا الإسباني المتخيل شجباً عنيفا لتشغيل الأطفال والأحوال الأخرى السائدة في المصانع البريطانية: إنني أجد الجرأة الكافية لأتساءل عن أحوال هؤلاء البشر الذين يعملون في ظل هذه الأحوال الرهيبة، وأجد••• أنه نتيجة جمع مثل هذه الأعداد من الجنسين بشكل يتنافى تماما مع مبادئ الدين والأخلاق، لابد أن يكون هناك تهتك وخلاعة وفساد، ورجال سكيرون ونساء منحلات، ومهما كانت الأجور التي يحصلون عليها مرتفعة، فإن قصر نظرهم سرعان ما يجعلهم في حالة عوز• وإن على المحافظات (الدوائر) التي هي غير قادرة على حمايتهم كأطفال، أن تقدم لهم العون في حالة المرض الناتج عن أسلوب حياتهم، وفي حالة العجز والشيخوخة(111) وكان ما انتهى إليه هذا الأرستقراطي فيما يتعلق بالاقتصاد البريطاني هو أنه في التجارة - ربما أكثر مما في الحرب - يعتبر البشر والدواب - في الأساس - مجرد آلات، ويتم التضحية بهم دون أي وخز من ضمير(211)• وسرعان ما أدرك سوثي أنه لن يستطيع العيش من حصاد كتاباته فقد وجد نفسه عاجزا عن إعالة من يعولهم خاصة زمن الحرب، إلا إذا تبنى اتجاها أكثر محافظة، وتم هذا التغير بسهولة بسبب إعانة حكومية قوامها 061 جنيهاً في السنة (7081) وبسبب دعوة للمساهمة بتقديم مقالات بشكل منتطم لمجلة حزب المحافظين (التوري) ربع السنوية Tory Quarterly Review• وفي سنة 3181 رفع من شأن نفسه كمؤلف وكوطني بإصداره كتابا عن حياة نلسون Life of Nelson فكان كتابا واضحا وحيويا يتضح فيه أثر البحث الجاد، وكتبه بأسلوب القرن الثامن عشر، بسيطا واضحا وسهلا يحمل القارئ رغم انحياز المؤلف الطبيعي للتعاطف مع نلسون بطلاً ومع بريطاينا وطنا• أما عن افتتان نلسون بإمّا هاملتون Emma Hamilton فلم يتناوله المؤلف سوى في فقرة واحدة• وقد حزن بايرون Byron وشيلي Shelley وهازلت Hazlitt عندما بدأ سوثي يحط من شأن الشعر بقبوله جائزة إنجلترا Laureateship og England• وكان شأن هذه الجائزة قد انحط عندما قدمها بت Pitt في سنة 0971 لهنري بي Pye قاضي السلام الغامض• وعند موت بي Pye (3181) عرضت الحكومة المنصب على والتر سكوت Scott فرفضه وأوصى به لسوثي وقبل سوثي فكوفئ بزيادة معاشه السنوي إلى ثلاثمائة جنيه وعلق وردزورث الذي كان يجب أن يحصل على هذا التعيين بلطف قائلا: إن لدى سوثي عالما صغيرا يقوم على أكتافه(311)• أما بايرون الذي أدان سوثي أخيرا بكلمات هي وسط بين التجريح والعفو فقد راح يتحدث عنه بشكل طيب بعد لقائه في دار هولندا Holland House في سبتمبر 3181: إنه أفضل من رأيت من الشعراء منظرا(411) وذكر لتوماس مور Moore: إنه رجل ذو موهبة •• لطيف المعشر •• نثره يتسم بالكمال(511) لكن حرص سوثي على إرضاء ذوي المال والسلطة جعل بايرون يشن عليه حربا علنية في سنة 8181، وتمت القطيعة الكاملة مع الجميع عندما استطاعت مجموعة من هؤلاء الثوار الحصول على مخطوطة مسرحية (وات تيلور Wat tyler) وهي دراما راديكالية كان سوثي قد كتبها في سنة 4971 وتركها مخطوطة لم يطبعها وقاموا بنشرها - سعداء بما فعلوا - في سنة 7181• وعاد سوثي إلى جريتا هول ومكتبته وزوجته التي كانت قد اقتربت من الجنون أكثر من مرة، وفي سنة 4381 فقدت عقلها تماماً وماتت في سنة 7381• أما سوثي نفسه فقد تخلى عن معركته مع المناوئين له في سنة 4381، ومن ثم جعل وردزورث أميرا للشعراء رغم معارضته هو نفسه (أي وردزورث) وقد حظي هذا التعيين بموافقة عالمية•



 صفحة رقم : 14666   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> آخر ما قاله وردزورث


16- آخر ما قاله وردزورث



5181 - 0581


الشعر للشباب، وقد عاش وردزورث ثمانين عاما ومات كشاعر في نحو سنة 7081 وعندما كان عمره 73 سنة ألف أنثى الظبي البيضاء في ريلستون The White Doe of Rylstone• وفي هذا الوقت كان والتر سكوت قد نشر (أنشودة آخر المغنين The Lay of the Last Minstrel) (5081)، وقد أثارت حسد وردزورث لأسلوبها المزهر فاستخدم الوزن نفسه لكتابة أنشودة من تأليفه - قصيدة قصصية غنائية عن الحروب الدينية في شمال إنجلترا في السنة الثانية عشرة من حكم إليزابث الأولى• إن أسرة كاملة تقريبا - أب وثمانية أبناء - قد هلكت في معركة واحدة• إميلى Emily - الأخت التي ظلت على قيد الحياة - قضت ما تبقى لها من الحياة في حالة حداد، وكانت أنثى الظبي البيضاء تأتيها كل يوم لتعزيها وكانت تصحبها كل سبت لزيارة قبر أخيها الصغير في ساحة كنيسة بولتون وعندما ماتت إميلى ظلت أنثى الظبي البيضاء تقوم بهذه الرحلة الأسبوعية وحدها من رايلستون إلى بولتون وتظل إلى جوار القبر حتى تنتهي صلوات السبت sabbath في الكنيسة ثم تعود بهدوء قاطعة الغابات والمجاري المائية إلى مأواها في رايلستون• إنها حكاية جميلة حكاها بطريقة جميلة ورائعة ومؤثرة• وكان هذا العمل هو آخر انتصار أدبي لوردزورث، بصرف النظر عن بعض السونيتات Sonnets (السونيتة قصيدة تتألف من أربعة عشر بيتا) التي عبر فيها عن مشاعره بأقل قدر من الإثارة - وفيما عدا ذلك - لم يقدم للشعر جديدا آخر• وبعد أن بلغ الخمسين بدا حكيما، طويلا، رزينا متدثرا بعباءة تقيه البرد الشديد وأصبح شعره مهوشا ورأسه مطأطأ وعيناه غائرتين مغرقتين في التأمل كما لو كان بعد أن رأى شيلى Shelly وبايرون ينتقلان من الطفولة إلى الانجذاب الصوفي إلى الموت - راح ينتظر الآن - بهدوء - دوره راضيا أن ترك من الآثار الأدبية ما هو أكثر خلودا من المدن المثالية (اليوطوبيات ) أو الأشعار الساخرة• لقد كان في فضائله نقص فقد تحدث عن ذاته كثيرا• لقد كتب هازلت إن ميلتون هو وثنه الأكبر أو بتعبير آخر هو إلهه الزائف، وكان أحيانا يجد الجرأة لمقارنة نفسه به(611) وقد قبل المديح كأمر لا يمكن تجنبه وكان يكره النقد ويعتبره جحودا، وكان يحب إنشاد شعره وقد لاحظ ذلك - بخبث - إمرسون Emerson الذي زاره في سنة 3381، لكنه كان قد قال في مقدمة سنة 5181 إن قصائده قد ألفت لتقرأ بصوت عال والحقيقة أنها كانت قصائد تحوي من الموسيقا قدرا يساوي ما تحويه من معان، والقصيدة في حاجة إلى قيثارة• وبطبيعة الحال كان اتجاهه المحافظ يزداد كلما تقدم به السن• إنها ميزة التقدم في السن، وربما كان واجب الأعوام أن تجعل المرء محافظا• وإذا كان بايرون وشيلى لم يعترفا بهذا فربما لأنهما ماتا وهما لا يزالان في حالة جنون الشباب• لقد أدى تدهور الثورة الفرنسية من الدستور إلى الفوضى إلى تحفظ وردزورث إلى حد ما، كما أن وحشية الثورة الصناعية بدت على نحو ما مرضية لمشاعره؛ ذلك أن شيئا لطيفا ومفيدا قد لحق بإنجلترا بإحلال عمال المصانع محل الحرس الوطني المكون من فرسان غلاظ شداد من طبقة صغار مالكي الأرض، ذلك الحرس الذي أنشئ سنة 1671• وفي سنة 5081 أصبح - عن طريق الشراء أو تلقي الهبات - مالكا لعدة عقارات متواضعة، وكان كمالك للأرض مستعدا للتعاطف مع فكرة (الرّيع) أو (عوائد الأرض) كأساس للنظام الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي• وقد عارض الحركة الإصلاحية كخطة تبناها أصحاب المصانع لخفض أسعار الغلال، وبالتالي أجور العمال بإبطال (قوانين الغلال Corn Laws) وكذلك الرسوم الجمركية العالية التي تفوق استيراد الغلال من الخارج• وقد أصبح وردزورث الذي كان طوال سنوات عديدة معجبا بأفكار جودون - أصبح الآن يرفص دعوة جودون للفردية (الحرية الفردية Free individualism) على أساس أن الأفراد لا يمكنهم العيش إلا من خلال وحدة اجتماعية (إلا من خلال جماعة) لا يمكنها الاستمرار إلا من خلال الاحترام العام للتقاليد والملكية والقانون• وبعد سنة 5181 أيد الحكومة في كل إجراءاتها القمعية، ووصف بأنه ارتد عن مبدأ الحرية• وتمسك بموقفه ولخص تشخيصه لحال العصر قائلا: العالم يجري بجنون معتقدا أن شفاءه من شروره لا يكون إلا بالتغيرات السياسية والعلاجات السياسية والحلول السياسية، بينما الشرور العظمى - وهي الحضارة والرق والبؤس - تكمن عميقة في قلوب البشر ولا علاج لها إلا بالتمسك بالفضيلة وأهداب الدين(711)• وعلى هذا فقد دعا الشعب الإنجليزي مناشدا لدعم الكنيسة الإنجليزية وكتب (1281) مقطوعات شعرية دينية بلغت سبعا وأربعين مقطوعة (سونيتات) تناول فيها جانبا من جوانب التاريخ الإنجليزي، نقلنا فيها إلى أبطال إنجليز لم يعد أحد يذكرهم، وأثار في قرائه الدهشة• على وفق ما قاله هنري كراب روبنسون، فإن وردزورث قال إنه سيبذل دمه عند الضرورة للدفاع عن الكنيسة القائمة (الإنجليزية) ولم يهتم بالضحكات الصاخبة التي قهقهها الآخرون ذاكرين أنه سبق أن اعترف أنه لايدري متى كان تابعا لكنيسة في بلاده(811)• ونحن لا نعرف أنه بحث عن سلواه في أحضان الدين عندما بدأ عالم الحب حوله ينهار• في سنة 9281 عانت دوروثي من حصاة في الكلى مما أدى إلى ضعف صحتها وانهيار روحها المعنوية باستمرار• وتعرض جهازها العصبي للتلف، وبعد سنة 5381 لم تعد تستطيع تحريك ساقها، ولم تعد تتذكر إلا الأحداث البعيدة التي مضى عليها زمن طويل، وقصائد أخيها التي كانت - لاتزال - تستطيع إنشادها• وظلت قعيدة طوال العشرين سنة التالية بلا معين وأطبق عليها الجنون، وكانت تجلس صامتة على مقعد قرب المدفأة منتظرة الموت صابرة• وفي سنة 5381 ماتت ساره هتشنسون، وتُرِك وردزورث مع زوجته ماري للعناية بأخته وأولاده• وفي سنة 7381 كان لديه الجلد الكافي للقيام بجولة طوال ستة أشهر في فرنسا وإيطاليا مع روبنسون ذي الشخصية المؤثرة• وتوفي في 32 أبريل 0581 ودفن بين من مات من جيرانه في باحة كنيسة جراسمير• وعاشت دوروثي (أخته) بعد موته خمس سنوات صابرة تعينها ماري التي أصبحت الآن شبه عمياء• وماتت ماري سنة 9581 عن عمر يناهز التاسعة والثمانين ، وبعد عمر طويل أدت فيه واجباتها بإخلاص• ولا بد أن وردزورث كان يتحلى بصفات أعظم من كونه شاعرا كبيرا لأنه احتفظ بحب امرأتين - من هذا النوع - أخلصتا له دوما• - ومثلهما في ملايين البيوت - لا بد من تذكرهما كلمحة من ملامح صورة إنجلترا•