قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 4 ف 40

من معرفة المصادر

 صفحة رقم : 14774   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> وماذا بعد -> الأسرة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الأربعون: وماذا بعد؟ 1815-1840

الأسرة

عاشت أمه بعده خمسة عشر عاما وماتت من عمر يناهز السادسة والثمانين. وتكاد تكون حياتها موجزا للأمومة في مراحلها المختلفة: زوج غير دائم الإقامة في البيت، أطفال كثيرون، أفراح وأحزان، إنجاز وحرمان، فزع ووحدة، دهشة وأمل. لقد رأت كل انتصارات أبنائها، وظلّت ليوم قد يحتاجون فيه إليها. من يدري غيري، فربما يأتي يوم يتعيَّن عليَّ فيه أن أُقدِّم لكل هؤلاء الملوك؟(1). لقد ظلّت تعيش باعتدال (بلا إسراف) لآخر عمرها، وكان البابا يحميها ويجلّها، مع أنّ ابنها قد أساء معاملته. وكانت من الناحية العرقية أقوى آل بونابرت وأصحَّهم عقلا. أما جوزيف - ابنها الأكبر - فكان مُولعاً بالكتب والمال وتزوّج زواجا سعيدا من جولي كلاري Julie Clary وقد أحبه أخوه الإمبراطور وكلّفه بمهام، وخدم جوزيف أخاه (نابليون) بكل قدراته المحدودة، ولجأ إلى أمريكا بعد انهيار الإمبراطورية وعاد إلى أوربا حيث عاش بهدوء في منطقة ريفية بجوار جنوا، ومات في فلورنسا في سنة 4481 وهو في السادسة والسبعين من عمره.

أما لوسيا Lucien، فبعد أن ترقى في ظل حكومة الإدارة وبعد أن ساعد أخاه (نابليون) في الإطاحة بها، عارض دكتاتورية نابليون، وتزوّج ضد الرغبة الإمبراطورية، وابتعد عن الصراع من أجل السلطة، وأصبح أميرا باباويا، وأبحر إلى أمريكا فأسرته سفينة بريطانية وتم التحفظ عليه في إنجلترا، ووجد طريقه إلى جانب نابليون في الأيام المائة (بعد عودة نابليون من إلبا) ودافع عنه في المجلسين، وهرب إلى روما بعد تنازل أخيه عن العرش للمرة الثانية، ومات في فيتربو Viterbo في سنة 0481.

أما لويس بونابرت فبعد أن تخلّى عن عرش هولندا، وانفصل عن هورتنس Hortense - عاش في بوهيميا والنمسا وإيطاليا، ومات قبل ست سنوات من وصول ابنه الثالث إلى العرش باسم نابليون الثالث.

ونَعِم جيروم بثروته الملكية في وستفاليا، وفشل كجنرال في الشهر الأول في أثناء المعركة مع الروس، وعاد إلى عرشه، وفقده لصالح الحلفاء في سنة 3181 وحارب ببسالة في واترلو، وكاد يكون آخر فرنسي يغادر ميدان الهزيمة(2). وبعد تنازل نابليون عن العرش للمرة الثانية راح ينتقل من مكان إلى مكان وعاد إلى فرنسا في سنة 7481 وشهد وصول ابن أخيه للحكم فأصبح رئيسا للسينات في ظله (في ظل نابليون الثالث) ومات في سنة 0681 وهو في السادسة والسبعين من عمره في عصر كان كل عام فيه عامراً بالأحداث.

أما إليزا بونابرت بكيوشي Bacciocchi فكانت أكبر أخوات نابليون وأكثرهن قدرة. لقد لاحظنا نجاحها كحاكمة في توسكانيا المنطقة الإيطالية المتأثرة بالثقافة الهيلينية (الطُرز الأثينية). وعندما تبيّنت أنّ أخاها لا يستطيع مواجهة الحلفاء المتحدين، انسحبت إلى نابلي وانضمت إلى أختها كارولين لمساعدة مورا في الحفاظ على عرشه.

وكان مورا Murat بعد أن قاد قوات الفرسان إلى جانب نابليون في ليبزج (ليبتسج) عاد إلى نابلي ودخل في تحالف مع النمسا (8 يناير 4181) وتعهد باستخدام جيشه لصالح الحلفاء ضد نابليون في مقابل أن تساعده النمسا في الحفاظ على عرشه في نابلي. ورفض الحلفاء اعتماد هذه المعاهدة. وعندما هرب نابليون من إلبا، خاطر مورا بكل شيء بمناشدته كل إيطاليا للانضمام إليه لشن حرب استقلال ضد الحكم الأجنبي كله (03 مارس 5181)، وتركته زوجته (كارولين) وأختها (إليزا) ووجدتا ملجأ لهما في فينا. وهُزِم مورا في تولينتينو Tolentino أمام جيش نمساوي (2 مايو) وهرب إلى فرنسا ومنها إلى كورسيكا واستعاد فرديناند الرابع عرش نابلي. وبعد معركة واترلو كان مورا قد أصبح رجلا بلا وطن، فعبر من كورسيكا إلى كالابريا Calabria مع حفنة رجال، فتم القبض عليه وحوكم أمام محكمة عسكرية، قضت بإطلاق النار عليه وتم تنفيذ الحكم في 31 أكتوبر. وقد وصفه نابليون في سانت هيلانا بما يفيد حبه له، وإن كان حكمه عليه قاسيا لا يرحم: إنه أشجع الرجال في مواجهة العدو، ولا نظير له في ساحة الوغى، لكنه غبي في كل أفعاله الأخرى خارج الميدان(3).

وكانت بولين (0871 - 5281) أخت نابليون هي أكثر ذويه جاذبية. لقد كان من نصيبها أن تنشر السعادة والمشاكل لأنها كانت أجمل نساء عصرها، فالرجال الذين رأوها لم ينسوها أبدا، والنسوة اللاتي رأينها لم يسامحنها أبدا. ولم تكن مكتفية أبداً بزوج واحد، لكنها كانت فيما يبدو زوجة محبوبة في أثناء زواجها الأول حيث شاركت زوجها الجنرال ليكليرك Leclerc المخاطر التي تعرض لها ولم تتركه عندما أصيب بالحمى الصفراء في سانت دومنج St. Domingue. وعندما مات (2081) عادت إلى باريس، وبعد فترة حداد قصيرة كوّنت ثروة أخرى من الشَّعر تجلّل رأسها، وكانت تستحم بخمسة جالونات من الحليب الطازج يوميا(4). وافتتحت صالونا وأسعدت الأزواج بجمالها وأسعدت بعضهم بكرمها. وكان نابليون نفسه مفتونا - على نحو طاهر - بتكوينها فسارع بتزويجها من الأمير الثري الوسيم كاميلو بورجيز Camillo Borghese (3081) وفي فلورنسا طلب منها كانوفا أن تتخذ وضع ديانا الصيادة، وكانت بولين ميّالة للموافقة، إلا أنها عندما سمعت أنّ ديانا طلبت من جوبيتر Jupiter أن يهبها عذرية دائمة ضحكت واستبعدت الفكرة. وعلى أية حال فهناك من حثها على أن تتخذ وضع فينوس Venus Victrix وهي شبه عارية، فكثر المترددون على متحف بورجيز (جاليريا بورجيز Galleria Borghese) لرؤية الصورة وكان بورجيز نفسه واعيا بعدم كفاءته فتفرغ لواجباته العسكرية كضابط عند نابليون، وتركها. وراحت بولين تسلِّي نفسها بشكل مخزٍ متجاوزة المعايير الأخلاقية، فألحقت بصحتها الضرر لكن ليس من دليل واضح على إصابتها بالسيفلس (الزهري)(5) وكانت ربة الجمال اللعوب أيضا مثالا للرقة ولم تكن تفوقها في رقتها سوى جوزفين التي راح كل آل بونابرت - ما عدا نابليون - يشنون عليها حرب مستمرة. لقد أعطت بولين بسخاء وكسبت صداقات كثيرة دائمة حتى من بين عشاّقها الذي تخلّت عنهم، وكانت أكثر آل بونابرت ولاءً لنابليون بعد أمّها. لقد خرجت عن طريقها لتقابل أخاها غير السعيد وتواسيه وهو في طريقه إلى فريجو Frejus في سنة 4181 وسرعان ما تبعته إلى إلبا، وهناك عملت مضيفة له وأنعشت حياته وحياة الجزيرة بحفلاتها ومرحها وحيويتها ومداعباتها. وعندما خرج من الجزيرة في آخر مغامراته أعطته أجمل قلادة من قلائدها. وعمل مارشان Marchand على انتقالها إلى سانت هيلانا، وكانت تخطط بالفعل لذلك عندما وصلتها أخبار موت نابليون، ولم تعش بعده أكثر من أربع سنوات إذ كان السرطان سببا في موتها(6) (5 يونيو 5281) وهي في الرابعة والأربعين، وسامحها زوجها على ما ارتكبته من آثام وعاش معها عامها الأخير وأقفل جفنيها عندما ماتت.

وكانت جوزفين قد ماتت (92 مايو 4181) نتيجة إصابتها بنوبة برد حادة بينما كانت تستقبل القيصر إسكندر في مالميزو(7). أما ابنتها هورتنس دي بوهارنيه (3871 - 7381) فبعد انفصالها عن لويس بونابرت عاشت في كنف الإمبراطور ثم تحت القيصر في وقت لاحق. ولم تعش حتى ترى ابنها وقد اعتلى العرش باسم نابليون الثالث. أما أخوها يوجين فقد ظل مخلصا لنابليون (الذي تبناه) حتى اعتزاله العرش للمرة الأولى، وبعد ذلك بخمسة أعوام تراجع مع زوجته إلى ميونخ حيث استقبله أبو زوجته ملك بافاريا بترحاب. وعندما مات هناك (12 فبراير 4281) وهو في الثالثة والأربعين من عمره، كان كل الفرقاء مجمعين على احترامه.

أما ماري لويز، فقد أخذوها من فرنسا على غير رغبتها وجرى استقبالها في فينا كأميرة لم تخطئ (في حق بلدها) فتم إنقاذها من الانتقام الذي حل بآل بونابرت. وسمح لها بالاحتفاظ بمينيفال كمرافق لها فبذل كل جهده لمواجهة التأثيرات التي كانت تقع عليها يوميا لنزعها من إخلاصها لنابليون. ويخبرنا مينيفال أنها في أثناء أسابيعها الخمسة في فينا تلقت عدة خطابات من زوجها لم تجد وسيلة لإرسال الرد عليها لكنها كانت تأمل أن تنضم إليه في إلبا، وإن لم تُظهر هذا الأمل لمن حولها(8). ولخوف أبيها أن تتدهور صحتها في فينا التي تستعد لمؤتمر الحلفاء المنتصرين أرسلها للاستحمام في إيكسلز بينز Aixles - Bains وفي أول يوليو سنة 4181 عيّن الكونت آدم فون نيبرج Von Nieberg هناك ليكون مساعداً لها في أمورها. ورغم أنه كان في التاسعة والثلاثين ولم تكن هي قد تجاوزت الواحدة والعشرين فقد ادى اقترابه منها إلى أن قبلته عاشقا عندما بدت لها كل فرص العودة لنابليون وقد تلاشت. وفي سنة 1581 أنعم عليها مؤتمر فينا بدوقيات بارما، وبياسنزا Piacenza وجواستالا Guastalla، فصحبها نيبرج Niepperg وشاركها في الحكم. وفي سنة 7181 ولدت له طفلة. وعلم نابليون بهذا في سانت هيلانا لكنه لم يُزح صورتها المعقلة على جدار غرفته في لونجوود، وذكرها في وصيته - كما رأينا - بود، وبعد موت نابليون تزوجت نيبرج وعاشت معه على ما يبدو بإخلاص حتى موته في سنة 9281. وتزوجت مرة أخرى في سنة 4381 وماتت في سنة 7481. وإذا وضعنا الظروف المحيطه بها، فإنها تبدو امرأة صالحة لا تستحق إهمال ذكرها.

أما ابنها من نابليون المسمّى ملك روما (وهو اللقبَ التقليدي لوارث الإمبراطورية الرومانية المقدسة) والعقاب الشاب Aiglon) فقد تم فصله عن أمّه عند مغادرتها باريس وأعيد تعميده باسم دوق رايخشتادت Duke Reichstadt وأصبح في بلاط فينا لينشأ في ظل تقاليد الهبسبرج وتحت إشرافهم الكامل. وظل مخلصا لذكرى أبيه وراح يحلم أن يستعيد مملكته يوما، وكان يعاني من المرض الذي عاوده مرارا، ومات بالسل في قصر شونبرون Schonbrunn في فينا في 22 يوليو 2381 وهو في الواحد والعشرين من عمره.


العودة إلى رحاب الوطن

حتى وإن تلاشت ظواهر الأحداث من ذاكرة الفرنسيين فإن صورة نابليون نفسه أخذت شكلا حيا جديدا في ذاكرتهم وخيالهم. فكلّما التأمت الجروح بفعل الزمن، وكلما تم تعويض الملايين الذين ذهبوا للحرب ولم يعودوا، فامتلأت الحقول والدكاكين من جديد، وزاد عدد أفراد الأسر، بدت صوت عصر نابليون أكثر تألقا وبطولة بشكل لا مثيل في التاريخ المدني (أي بصرف النظر عن الوقائع الدينية في التاريخ). إننا نجد - بادئ ذي بدء - أن الجنود القدماء راحوا يتذكرون أعمالهم البطولية ومآثرهم وينسون معاناتهم. لقد راقت لعيونهم انتصارات نابليون وقلما كانوا يلومونه لهزيمته. لقد أحبوه ربما كما لم يحب جنود قائدهم في وقت من الأوقات. لقد أصبح رامي القنابل المعمّر الذي حارب مع نابليون هو حكيم قريته تخلّده آلاف القصائد والحكايات والأغاني. ففي القصة الشعرية التي تحمل عنوان (العَلَم القديم Lavieux Drapan) ومئات غيرها وجدنا Pierre de Beranger (0871 - 7581) يمجدّ نابليون ومعاركه ويهجو النبلاء المستبدين والأساقفة النَّهِمين لتملّك الأراضي لدرجة أحنقت حكومة البوربون فسجنته (1281 - 8281) وكتب فيكتور هوجو Hugo قصيدته (Ode to the Column) يحتفي فيها بعمود فيندوم Vendome ودلالته التاريخية متوجاً بتمثال نابليون الذي أُزبح سنة 5181 ثم أُعيد سنة 3381. أما بلزاك Balzac في عمله (طبيب المعركة) (3381) فقد صوّر لنا بشكل مُفعم حيوي جندياً محنّكا غيورا يشجب البوربون لإصدارهم تقريرا يفيد أن نابليون قد مات. هذا لم يحدث، فالعكس هو الصحيح فمن المؤكد أن نابليون ما زال حيا، وأنه كان ابنا لله جعله أبا للجنود(9). أما ستندهال Stendhal فلم يكتف بأن بث في رواياته مديحا لنابليون، وإنما أصدر في سنة 7381 كتابه حياة نابليون يلخص لنا فحواه (فحوى كتابه) في المقدمة حيث يقول: ليس في قلبي حب إلا لنابليون وقال عن نابليون إنه أعظم من عرفته البشرية منذ قيصر(01).

وربما قبل نابليون هذا الإطراء مع شيء غير مؤكد بالنسبة إلى قيصر (دكتاتور روما القديمة)، فلم يكن نابليون ليفقد الأمل في أن تعود فرنسا إلى أيامه (أيام قيصر). وكان نابليون قد راح يعزّي نفسه في منفاه بأن يؤدي امتعاض الفرنسيين بسبب نفيه وسجنه إلى أن يصبحوا مخلصين له ثانية. لقد قال لأوميرا: ستكون هناك ردّة فعل لصالحي بعد أن أرسلوني للمنفى. إن استشهادي (كوني ضحية) هو الذي سيعيد تاج فرنسا لأسرتي... قبل انقضاء عشرين سنة عندما أكون قد وُوريتُ الثرى، سترى ثورة أخرى في فرنسا(11). وقد تحقَّقت النبوءتان. ومن هنا فقد أملى مذكراته لتبقى على صورته حية، وقد حقَّقت أغراضها جيدا. وقد تم تهريب مذكراته عن معركة واترلو التي أملاها على جورجو من جزيرة سانت هيلانا، وتم نشرها في باريس سنة 0281، وذكر لنا لا كاس أن نشرها كان نبأ مثيرا وأنه أحدث ضجة(21). وفي عامي 1281 - 2281 صدرت في فرنسا ستة مجلدات أخرى من سيرته الذاتية. وسرعان ما شقّت مذكرات وحكايات الإمبراطور طريقها ولعبت دورا كبيرا في تعديل الأسطورة (أي صورته بين الناس) وجعلته وهو ميت، قوة حيّة في فرنسا.

وأصبح رفاقه هم رُسُله apostles (أي حواريوه وفي هذا تشبيه له بالمسيح، والرسل في المفهوم المسيحي هم الدعاة الأوائل للمسيحية - المترجم)، ودافع عنه أوميرا بشجاعة (2281) في عقر دار ألد أعدائه، ودافع عنه لا كاس وجعله بلا أخطاء في كتابه ذي المجلدات الأربعة (3281)، ذلك الكتاب الذي أصبح إنجيلا لعقيدة جديدة مُلهمة. ولم يظهر تقرير الكونت دي مونثولو الموسّع حتى سنة 7481، كما لم يظهر تقريرا جورجو، وبيرتران إلابعد موتهما، لكن في هذه الأثناء كانت شهادتاهما الحية تغذيان هذا الايمان (بنابليون)، وراح مونثولو يذكرنا بتوجيهاته لابنه وهو - أي نابليون - على فراش الموت مُضْفيا الفضائل على الماضي الإمبراطوري: الحذر والاعتدال والحكم الدستوري وحرية الصحافة وانتهاج سياسة السلام مع العالم والآن أتى دور النصيحة المناسبة: دعو ابني يقرأ التاريخ ويتأمله، فالتاريخ هو الفلسفة الوحيدة الصادقة(31).

وحتى في شهادة رفاقه المخلصين فإن الإمبراطور العظيم رغم متاعبه وآلامه وحبسه ومرضه وزيادة أخطائه بحكم كبر سنه، بدا الناس رغم كل هذا وقد نسوا كل هذا وركزوا على انتصاراته الحربية وتراثه الإداري وحدّة ذهنه. لقد كان في الواقع قد تبّرأ من معظم الثورة، فاستبدل الاستبداد بالحرية (أي ترك الحرية وأخذ بالاستبداد) وأحل الارستقراطية محل المساواة والنظام محل جماعات الإخاء (الأخويات)، لكن في صورته الجديدة المعدّلة أصبح مرة أخرى ابنا للثورة واليعاقبة الذين كانوا في وقت من الأوقات أعداءه المضْطهدين، أما الآن فإنهم يتحلّقون حول ذكراه. وفي الوقت الذي كان فيه نابليون ينقِّي سجله ويكفّر عن ذنوبه بما لاقاه من عقاب، كان حكم البوربون الذين حلّوا محله يفقد بريقه، ويقل إقبال الفرنسيين عليه رغم قبولهم إياه في البداية. لقد كان لويس الثامن عشر نفسه رجلا معقولا تأثر بالتنوير لكنه كان قد سمح أن يسيطر الملكيون على حاشيته، وكان هؤلاء الملكيون غير متسامحين في شيء، ويطالبون بكل شيء بما في ذلك عقاراتهم ومزارعهم القديمة بل ويطالبون بحكومة لا تقيدها مؤسسات التمثيل النيابي. وَوُوجهت المعارضة (بإرهاب أبيض) من الجواسيس والمطاردين، وبالإعدام السريع. ولم يكن الجنود القدامى بمستطيعين نسيان مطاردة ني Ney وإطلاق الرصاص عليه، وكان الجيش لا يزال يذكر بإعزاز نابليون (ذا الجسد الضئيل) الذي كان يتحدث بلا كلفة مع المجنّدين حول النيران الموقدة للتدفئة في المعسكرات، فنابليون هذا قد رقّاهم دون نظر إلى طبقاتهم ودون تأخير بيروقراطي، وكان جيشه العظيم فخراً لفرنسا ورعبا للملوك (أعداء فرنسا). وتذكر الفلاحون أن نابليون حماهم في مواجهة مطالب النبلاء والإكليروس. وكانت البروليتاريا قد انتعشت في ظل حكمه، وكانت الطبقة الوسطى قد حققت ثروة وحظيت بالمكانة الاجتماعية. وشعر ملايين الفرنسيين أنه رغم أوتوقراطيته (ممارسته حكم الفرد) فإنه حافظ على أساسيّات الثورة: نهاية الإقطاع وعوائده ورسومه المرهقة، فتح الطريق للتقدم والترقي أمام كل الطبقات دون استثناء، المساواة أمام القانون، تسيير أمور العدالة بناءً على قوانين واضحة ومكتوبة موحّدة على مستوى الأمة. وعلى هذا فبعد عشرين عاما من وفاته ، وُلد نابليون من جديد وراح من جديد يسيطر على عقول الناس وخيالهم. كتب شاتوبريان: العالم مرتبط بنابليون... لقد فشل نابليون في الاستيلاء على العالم وهو حي، لكنه امتلكه بعد أن مات(41). لقد غذَّت المشاعر البونابرتية ثورة 0381 المعتدلة. لقد انتهى تسلسل الملك بشكل مباشر في أسرة البوربون بتنحّي شارل العاشر عن العرش، فقد كان الملك الجديد لويس فيليب من الفرع الأورلياني Orleanist للبوربون، وكان ابنا للويس فيليب جوزيف، دوق أورليان الذي كان يطلق على نفسه فيليب إيجاليتيه Philippe Egalite (فيليب مساواة، فالكلمة Egalite تعنى مساواة) وكان قد صوّت لصالح إعدام لويس السادس عشر. لقد نَعِم الملك الجديد لفترة بتأييد البونابرتيين ودعْمهم، وقد جعل من شعار الألوان الثلاثة (علم الثورة) رمزا للحكم الإمبراطوري وأمر بإعادة تمثال نابليون إلى قمة عمود فيندوم Vendome.

وفي هذه الأثناء كانت وصيّة الرجل الميت (نابليون) قد نُشِرت، وبدت الفقرة الثانية منها رغبة إمبراطورية أخيرة: أرغب في أن أُدفن على ضفاف نهر السين بين الشعب الفرنسي الذي أحببته كثيرا. وفي كل أنحاء فرنسا راحت ترتفع وتتعالى مناشدات الأمة أعيدوه إلى وطنه. دعوا فرنسا تقيم لبطلها الجنازة التي يستحقها مثله. دعوا الرفات المنتصر (انتصار الرفات - كما أصبح يسمّى) يُزيل عار السجن الكئيب! ووصلت المناشدة إلى الحكومة، ويبدو أن وزير الخارجية الفرنسية لويس أدولف ثييه (ثيير Thiers) هو الذي اقترح على زملائه في الوزارة أن يطلبوا من الملك أن يخاطب بريطانيا العظمى للموافقة على نقل جثة نابليون إلى باريس. وثييه هذا (7971 - 7781) هو الذي كتب أعظم كتاب عن تاريخ نابليون، وتم انتخابه في سنة 1781 كأول رئيس في الجمهورية الثالثة. لقد وافق لويس فيليب على مخاطبة الحكومة البريطانية في هذا الشأن لأن ركوبه هذه الموجة قد يُكسبه قلوب الفرنسيين. ولم يكن مجلس الوزراء البريطاني فوافقا على رأي زعماء الحكومة لكن اللورد بالمرستون أجاب مباشرة وببراعة: إن حكومة صاحبة الجلالة تأمل أن يكون ردها الإيجابي دليلا تقدمه للشعب الفرنسي على رغبتها في محو آخر أثر للعداوة بين الأمتين، تلك العداوة التي أدت في حياة الإمبراطور - إلى حرب مسلحة بين الأمتين(51) وعَهِد الملك الفرنسي إلى ابنه فرانسو أمير جونفيل Prince de Joinville بالتوجه إلى سانت هيلانا ليعيد رفات نابليون. وفي 7 يوليو سنة 0481 أبحر الأمير من طولون على منَ السفينة (بل بول Belle Paule) وبصحبته الجنرالات؛ بيرتيران، وجورجو، وكونت دي لا كاس ومارشان خادم نابليون الأثير لديه، فهؤلاء هم الذين سيقررن أنَّ الجثّة لنابليون. وصلوا سانت هيلانا في 8 أكتوبر، وبعد كثير من الإجراءات الرسمية رأوا الجثة بعد إخراجها من القبر وتعرفوا عليها وفي 03 نوفمبر وصلوا بها إلى شربورج Cherbourg.

وهناك بدأت أطول جنازة في التاريخ. نقول أطول جنازة كحقيقة مؤكَّدة. لقد نقلت الجثة إلى الباخرة نورماندي Normandie التي نقلتها بدورها إلى فال دي لا هاي Val de La Haye على السين إلى الأدنى من الرون Rouen ثم نقلت إلى سفينة نهرية أقيم عليها معبد (مصلّى أو كنيسة صغيرة) يحرسها في أركانها الأربعة كل من بيرتران، وجورجو، ولاكاس، ومارشان، وتحت هذا المعبد (أو الكنيسة الصغيرة) كان التابوت الذي يضم الرفات مُطلاً على نهر السين. وراحت السفينة تتوقف أمام كل مدينة كبرى للاحتفاء على الشاطىء(61). وعند كوربفوّى Courbevoie (شمال باريس بأربعة أميال) نقل التابوت إلى عربة جنائزية مزيّنة يحفها موكب من الجنود والبحارة وذوي المكانة ليمر عبر نيللي Neuilly وتحت قوس النصر وعلى طول الإليزيه، وكانت الحشود فرحة تصفّق(71). وفي وقت متأخر من هذا اليوم اللاذعة برودته وصل الجثمان أخيرا إلى مكانه (القبر) - كنيسة مقابر ضحايا الحرب ذات القبة الرائعة. وغصّ صحن الكنيسة ومماشيها بآلاف المشاهدين الصامتين بينما يحمل أربعة وعشرون بحارا التابوت الثقيل إلى مذبح الكنيسة حيث خاطب الأمير دي جونفيل de Joinville أباه الملك قائلا: سيدي، لقد أحضرت لك جثمان إمبراطور فرنسا فأجاب الملك لويس فيليب: إنني أستقبله باسم فرنسا. ووضع بيرتران سيف نابليون فوق التابوت، وأضاف جورجو قبّعة الإمبراطور، وأنشدت الجموع القداس على روحه بمصاحبة موسيقا موزارت، وأخيرا أصبح رفات الإمبراطور حيث كان يود أن يكون - في قلب باريس وعلى ضفاف نهر السّين.


منظور (زاوية رؤية)

بعد أن نكون قد فرغنا من هذا الكتاب نكون جميعا - المؤلفان والقراء - قد حقَّقنا نبوءته - إن العالم سيحييّ موته بتنهيدة ارتياح. لقد كان قوّة جرى استنفادها، وظاهرة من ظواهر الطاقة الكافية المتفجرة، طاقة صاعدة حارقة، شعلة ماحقة تلتهم تماما كلَّ من يلمسها. إننا لم نجد في التاريخ روحاً أخرى تحرق بهذه الشدّة وعلى طول هذا المدى. لقد كانت إرادته في البداية متردّدة خائفة كئيبة، لكنه سرعان ما اكتشف أسلحتها ومصادرها في ذهن ثاقب وعين فاحصة، فأصبحت إرادة واثقة مندفعة مهيبة كل ذلك مع فهم وإدراك وقوة، حتى حارت الأرباب معه، فربطت إرادات أقل من إرادته قوة لتتحالف معا وتتعقبه وتحاصره وتقيده إلى صخرة حتى تخمد نيرانه. إنها واحدة من أعظم أنواع الدراما في التاريخ، لا تزال تنتظر كاتبا مثل إيسخيلوس ليكتبها.

لكن حتى في عصره كان لديه شخص كهيجل لم تُعمه الحدود فرأى فيه قوة عالمية - تتحدث من خلالها حتحيّة الأحداث والظروف - لتحيل التفرّق إلى وحدة. والهيولى إلى معنى موثر. هنا - في فرنسا أولا ثم في وسط أوربا - كانت توجد روح العصر Zeitgeist: الحاجة إلى الانضباط والنظام، نهاية الإفراط المدمّر في الحرية الفردية، والإفراط المدمر في تشظِّي الحكم (المقصود تقسيم أوربا إلى كيانات سياسية صغيرة يحكم كل منها حاكم). بهذا المعنى كان نابليون قوة تقدميّة، أرسى دعائم الاستقرار السياسي، وأعاد القيم الأخلاقية ونظم الهُويّة وحدّث القوانين ونقّاها وقنّنَها (نظّمها)، وحمى الحياة والممتلكات، وأنهى الإقطاع أو خفّف وطأته، وطمأن الفلاّحين وقدم العون للصناعة، وحافظ على العملة الصحيحة، وطهرّ الإدارة والقضاء وطوّرهما وشجع العلوم والفنون (لكنه لم يشجع الأدب وقمع الصحافة) وشيّد المدارس، وجمّل المدن وأصلح بعض ما دمّرته الحرب، وبفضل حثّه وَدَأَبِه تقدّمت أوربا في ظرف الخمسة عشر عاما التي حكم فيها تقدماً ما كان يحدث إلا في خمسين عاما.

ولم يكن نابليون هو أقوى قوة في عصره وأكثرها دوما، فقد كانت الثورة الصناعية أقوى منه، فقد جعلت بريطانيا العظمى من الثراء بحيث أمدّت وموّلت كي تُسقط نابليون، وبعدها جعلت هذه الثورة الصناعية من أوربا قوّة فعّالة بحيث سيطرت على الكرة الأرضية ثم إن هذه الثورة الصناعية استطاعت بعد ذلك أن تجعل من أمريكا قارة ذات موارد بما يكفي لإنقاذ أوربا وتعويض ما نقص فيها وما كان يلي الثورة الصناعية في القوة هو الثورة الفرنسية التي بدأت في فرنسا 9871 والتي هي بدورها أقوى من نابليون (ابن الثورة) بكثير وأبقى منه بمراحل، فهذه الثورة الفرنسية (9871) نشرت تأثيراتها في كل أنحاء أوربا إذ ألغت الروابط الإقطاعية والرسوم الإقطاعية وأحلّت محلها الحقوق الفردية، وجعلت الجياع (المتعطشين) على مستوى العالم يجدون فيها (أي في الثورة الفرنسية أوضح صوت معبرّ عنهم: الجياع للحرية - حرية الحركة والنمو والعمل الاقتصادي والعبادة والفكر والصحافة، والجياع للمساواة - في الفرص المتاحة والتعليم والصحة والعدالة القانونية. هؤلاء الجياع (المتعطشون) المعادون - لما هو قائم أخذوا دورهم في السيطرة على تاريخ الإنسان المعاصر: لقد أصبح التعطش للحرية، والضرر الناتج عن المساواة موضوعْين أثيرْين تمّ تناولهما بشكل مستمر في أوربا وأمريكا في القرن التاسع عشر، وأصبح التعطّش للمساواة - على حساب الحرية - جانبا مهيمنا على التاريخ الأوربي والأمريكي في القرن العشرين. فالثورة الفرنسية، والثورة الأمريكية كما فسّرها جيفرسون Jefferson حمَّلت الحرية فوق طاقتها وأفرطت فيها. حَّررت الفرد إلى حد إفساد النظام، وحَّررت القدرات المتفوقة إلى حد نشوء أزمات متكررة بسبب تكدّس الثروة. وقد قدَّم نابليون النظام الذي قمع الفوضى السياسية والاقتصادية والأخلاقية في فرنسا في فترة ما بعد الثورة. وليس هناك نظام يكبح هذه الفوضى في زماننا.

وعندما بالغ نابليون في فرض النظام بعد سلام تيلسيت (1807) وأخضع أمور الدولة لإرادة السلطة (القوة) فإنه ساعتها لم يعد يمثل روح العصر. لقد انضم وقتها إلى ملكيات أوربا المطلقة وراح يقلّدها، تلك الملكيات التي كان هو نفسه قد حاربها. لقد حسد الأرستقراطية وحاول إغراءها، تلك الأرستقراطية التي احتقرته وتآمرت لتدميره. لقد أصبح قوة رجعية عندما راحت فرنسا من جديد تَتُوق للحرية وتطالب بالديمقراطية.

ومن سخرية التاريخ أنه بينما كان نابليون في أثناء حياته يعمل على تجسيد حاجة بلاده للانضباط والنظام بعد فترة من الحرية المنفلتة، فإنه أصبح مرة أخرى بعد مماته ابنا للثورة وعدوا للحكم المطلق والأرستقراطية ورمزا للثوار والمتحدث المتمكن المنادي بالحرية (وكان هذا بفضل إعادة صياغة تاريخ حياته، تلك الحياة التي اتخذت طابعا أسطوريا). في سنة 1799 كانت الظروف وطبيعته قد جعلتاه دكتاتورا يكاد يكون أكثر دكتاتورية من التاريخ، وبعد سنة 5181 وسجنه في سانت هيلانا أعاد الخيال العام تشكيله، وكانت إعادة التشكيل هذه أوضح بعد موته 1821، ليصبح طوال نصف قرن أكثر الدعاة إلى الحرية . لقد ترك لنا عدد قليل من الرجَال العظماء بعد موتهم ما يفيدنا بما كانوا عليه في أثناء حياتهم.

أكان نابليون مثير حرب؟ أكان مسئولاً عن هذه السلسلة المتعاقبة من الحروب الحاشدة، وعن هؤلاء الملايين من الشباب الذين قضوا نَحْبهم ولم يستفيدوا شيئا سوى نشوة المعركة وخُدارها، وملايين النسوة اللائي لم يعد إليهن ذووهن؟ فلنسمعه (أي نسمع نابليون). لقد اعترف أنه كان يسعد بالقيادة العسكرية (يسعد بجنراليته) لأنه كان قد تدرب على الفن العسكري ومارسه ممارسة جيدة، لكن كيف كان غالبا ما يتطلّع للخلاص من الحرب لممارسة أحد فنونه الأخرى - الإدارة تحويل الفوضى (الهيولى) السائدة في الحياة إلى نظام فعّال بتأسيس بنية قانونية قوية وقاعدة أخلاقية متينة! كم مرة عرض السلام فووجه بالتسفيه والاحتقار والرفض! لقد رحب به الإيطاليون كمحرّر سواء في عام 6971 أو في عام 0081. وأعاد النمساويين، ضمّهم (إخضعهم) عندما كان (أي نابليون) في مصر. وهاجمه النمساويون بينما كان مشغولا عند القنال الإنجليزي، وانضمت بروسيا وروسيا إلى هذا الهجوم دون أن يكون قد ألحق بأيّهما ضررا. وهاجمته النمسا مرة أخرى بينما كان يحارب في إسبانيا، ونقضت روسيا عهدها فلم تدعمه في مثل هذا الموقف، وتعهّدت روسيا في تيلسيت أن تُحكم الحصار القاري على البضائع البريطانية وكان هذا الحصار (المضاد) الذي فرضه نابليون هو السبيل الوحيد أمام فرنسا لمواجهة الحصار البريطاني للموانئ الفرنسية، واستيلاء البريطانيين على السفن الفرنسية والمستعمرات الفرنسية. وكان الذهب البريطاني قد موّل تحالفاً إثْر تحالف ضد نابليون حتى عندما جنح أعداؤه الآخرون للسلم، وعاملته الحكومة البريطانية كمجرم رغم تسليمه نفسه طوْعا، بينما كان هو نفسه يعامل ضباط الأعداء المأسورين في أثناء المعارك بمودة وإنسانية. لقد قرر أعداؤه تدميره لأنه وصل للملك بجهده وعمله وليس بالوراثة. وهكذا جرى دفاع نابليون. لقد اتفق المؤرخون الإنجليز (عادة ما كانوا عادلين) والمؤرخون الألمان (عادة ما كانوا دقيقين) وكثير من المؤرخين الفرنسيين (عادة ما كانوا وطنيين) مثل ميشيل Michelet ولانفري Lanfrey وتين Taine وليفيبفر Lefebvre - على إدانة الكورسيكي. لقد اغتصب العرش إذ استفاد من اعدام لويس السادس عشر وانهيار حكومة الإدارة الفاسدة ليستولي على عرش هو حق للويس الثامن عشر. مثل هذا الاغتصاب لا يمكن التسامح فيه طالما كان يقلقل الاستقرار السياسي العزيز على كل أمم أوربا. ولم تكن مطالباته بمؤتمرات سلام تؤخذ على محمل الجد طالما كان الحلفاء يرفضون الاعتراف بأمور يرونها غير محتملة كالاعتراف بالسيادة الفرنسية على سويسرا وإيطاليا، وفي وقت لاحق على كونفدرالية الراين. وشجعته مهارته الحربية على شن الحرب لذا فقد كان سيفاً مصلتاً لا على توازن القوى المطلوب لتحقيق السلام فحسب وإنما على النظام السياس الأوربي كله، وأدت غرامات الحرب الباهظة التي فرضها بعد انتصاراته إلى أن أصبحت الحكومات المهزومة غير قادرة على تمويل أية حركة مقاومة لحلمه الخيالي، ألا وهو توحيد كل أوربا تحت السيادة الفرنسية وفي ظل قوانين المدوّنة القانونية النابليونية، فاضطرت هذه الحكومات المهزومة إلى أن تقبل راضية الإعانات المالية التي قدّمتها لها الحكومة البريطانية. وكان الاستيلاء على المستعمرات الفرنسية كوسيلة لإعادة فرنسا إلى وعيها متفقاً مع ما جرى عليه العرف بين الحكومات في حروب القرن الثامن عشر. أكان يمكن لحكومات كاثوليكية - كحكومة النمسا - أن تكون في ظل ملحد لا يخفي إلحاده (المقصود معاد للكاثوليكية) كان قد اضطهد بقسوة البابا الذي مسحه بالزيت (كرّسه) والذي لا يملك سلاحاً سوى تقواه؟ وقد عامل الحلفاء نابليون بكرم بعد تنازله عن العرش للمرة الأولى إلا أنه بمغادرته إلبا نقض الاتفاق فأجبر أوربا على إنفاق الملايين من عوائدها والآلاف من أرواح أبنائها لقمعه وأسره، واكتفت إنجلترا وحلفاؤها بعزله بعيداً من مكان يستحيل معه أن ينطلق مرة أخرى لتحطيم السلام في أوربا.

قلما تكون الحقيقة بسيطة، فغالباً ما يكون لها يد يمنى وأخرى يسرى وغالباً ما تمشي على قدمين. أكان هناك - منذ أشوكا Ashoka - حرب كبرى قدمت فيها أمّة واحدة لقضية أعدائها حلا عادلاً عدالة كاملة؟ يوجد جانب في طبيعة المواطن يجعله يؤمن بأن الله شريك في حروب بلاده. (يحارب في صف بلاده). ليست هناك دولة مهما كبرت ومهما قوت يمكنها أن تحل المشكلة لأن بعض حروبنا الكبرى ذوات أبعاد غير حربية (مدنية). إن أفضل سبيل نأمل تحقيقها هو أن نحث مزيدا من الرجال والنساء على تقديم نزاعاتهم إلى محكمة دولية أو عصبة أمم دولية، لكن يجب ألاّ نتوقَّع أن تقدِّم أمة للتحكيم ما تعتبره مسألة حياة أو موت. فالحفاظ على النفس يظل هو القانون الأساسي للحياة. في نطاق هذه الحدود، على الفيلسوف أن يعمل على تطبيق بضاعته (أفكاره أو فلسفته)، إن عليه أن يفهم ويتسامح. إننا نستطيع أن نفهم الإمبراطور فرانسيس الثاني الذي جرّده نابليون من نصف دولته، وطرده من عاصمته الحبيبة إلى نفسه، ومع هذا فقد عاد إليها وظل محبوباً من شعبه، رغم أنه سُلب وتعرّض للإهانة، ونستطيع أن نفهم الكاثوليكي الطيب وقد صدمه أن يُعامل البابا معاملةً سيئة، ومع هذا فقد طلب من الحلفاء في وقت لاحق تيسير ظروف سجن نابليون الذي اضطهد البابا. ونستطيع أن نفهم ممانعة القيصر إسكندر في التضحية بتجارة بلاده بالتزامه بالحصار القاري (المضاد) الذي فرضه نابليون، ونستطيع أن نفهم قرار إنجلترا بالدفاع عن توازن القوى، ذلك التوازن الذي تعتمد عليه لضمان أمنها وحماية نفسها من سيطرة القوى الخارجية عليها. ونستطيع أن نفهم دفاع فرنسا عن الرجل الذي خلص حكومتها وقيمها من الفوضى القاتلة، والذي وسّع حدودها بانتصاراته العبقرية وحقق لها عظمة غير مسبوقة. لا. إن نابليون، هذا الرجل الرائع ليس مجرد غول قاتل مخرّب. حقيقة إن رغبته في السلطة وتوقه إليها، واتساع مدى حُلمه الذي لا يقاوم - كل أولئك قاده إلى أفعاله ومصيره، لقد كان أوتوقراطيا (مؤمنا بحكم الفرد) واثقا من أنه يعرف أفضل مما يعرف مواطنوه، ما هو خير لفرنسا وأوربا. لكنه كان أيضاً رجلا كريما، سريع العفو، حنونا يخفي حنانه، تردّد عدة سنوات قبل أن يطلّق جوزفين، تلك المرأة التي تُقَاد للإثم بسهولة. ويمكننا أن نقول من أجله أنه هو أيضاً قد عانى وكفّر عن ذنوبه، لقد عانى من الأمراض والأطباء وعانى عند تراجعه من روسيا (انسحابه) وعانى في سانت هيلان التي كان فيها ميتاً حياً.

إنه يبقى الشخصية البارزة المميزة في عصره، وبقي منه شيء نبيل ظل باقياً رغم حبه الأناني للسلطة ورغم تعرضه للهبوط بين الحين والحين من سؤدد العظمة إلى الهزيمة. لقد ظنّ نابليون أننا لن نرى مثيلاً له مرة أخرى لمدة خمسمائة عام. إننا لا نتمنّى هذا، بل إنه لأمر طيب (طيب بما فيه الكفاية) أن نتأمل ونعاني - مرة كل ألف عام - في سلطان العقل البشري، مدى قوته، ومدى قصوره.


 صفحة رقم : 14777