قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 4 ف 39

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 14769

قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> إلى النهاية -> جزيرة سانت هيلانا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل التاسع والثلاثون: إلى النهاية

1- جزيرة سانت هيلانا

لقد كانت رحلة طويلة من إنجلترا - من 8 أغسطس إلى 15 أكتوبر. وكان نابليون معتادا على السرعة في الحركة والفِعل والحديث فاعتراه الملل وتحمَّله بشق النفس. وفكر الأدميرال السير جورج كوكبورن Cockburn في تيسير الأمر بأن راح يدعو يوميا نابليون وأحد رفاقه لتناول الغداء معه ومع بعض الضباط البريطانيين، وعلى أية حال فقد كان البريطانيون يقضون ساعتين ونصف على مائدة الغداء أمّا نابليون فكان يحثهم على قبول اعتذاره عندما يبدأون في تناول الشراب (الخمور)، وكان يجفل عندما ينادونه بجنرال بدلا من إمبراطور لكنه كان معجبا بمودَّتهم ولطفهم. واقترح أصدقاؤه كوسيلة لقتل الوقت وتهوينه أن يُملي عليهم ذكرياته في الحكم والحرب. لقد بدأ الآن دور الذكريات التي دوَّنها أوميرا OصMeara أوْ لاكاس أو جورجو، أو مونثولو والتي نشروها بعد وفاته. ولعبت دورا في أن أصبحت ذكرى نابليون قوَّة حيّة في فرنسا طوال القرن. لقد طال مقام الرجال في البحر فلابد أن نابليون نفسه قد اعتراه السرور عندما رأى الساحل الصخري لجزيرة سانت هيلانا. إن نظرة واحدة يمكنها أن تحيط بمعظم أنحاء الجزيرة. لقد كان محيطها عشرين ميلا فقط، ويكاد يكون كل سكانها متجمعّين في مينائها جيمستون ذى الشارع الواحد. لقد كان عدد سكان هذه الجزيرة خمسة آلاف نفس. وكانت الأرض المتضرّسة (الوعرة) غير المستوية ترتفع صُعُدا إلى هضبة عند لونجوود Longwood ومناخها إستوائي حار ممطر سديمي، والفصول المنتظمة لا وجود لها وإنما هناك تغيرات غير محسوبة من رطوبة وجفاف. وكانت تربتها غير ودودة (المقصود غير خصبة) تضن بالطعام عند زراعتها. إنها بقعة من الأرض صالحة لعزل صانع مشاكل لكنها كتعذيب لرجل كانت حياته عملاً يتطلب قارة تكون مسرحاً له.

لقد ظل هو ومن معه على متن السفينة، بينما راح الأدميرال كوكبورن Cockburn يبحث لهم عن مقر إقامة مؤقت حتى ينتهي العمل في البيت الكبير الذي كانت الحكومة البريطانية قد اختارته ليقيموا فيه معا. فبالنسبة إلى نابليون ولا كاس Las Cases وابنه وجد الأدميرال مكانا باعثا على المسرّة البريار Briars ظن مالكه (وليم بالكومب Balcombe) أن استضافته للإمبراطور (نابليون) ستكون أمراً شائقا. وكان لمالك هذا البيت ابنتان إحداهما في السادسة عشرة والأخرى في الرابعة عشرة، أبهجتا البيت، فقد كانتا تتحدثان قليلا من الفرنسية وتمثلان وتغنيان، وقد شُغفتا بنابليون حتى أن الصغيرة منهما بكت عندما أصبح عليه أن يغادر إلى البيت المشترك الذي أعدته الحكومة البريطانية لإقامته ومن معه، وكانت يطلق عليه بيت لونجوود Longwood.

لقد كان هذا البيت المشترك لونجوود بيتا ريفيا قديما على بعد نحو ستة أميال من جيمستون. وكانت غرفه الكثيرة بسيطة لكنها مؤثّثة بشكل كاف. وعلى وفق الخطة الممتازة التي وضعها لاكاس Las Cases يكون من نصيب نابليون ست غرف: غرفة انتظار واسعة للزوار وحجرة مؤدية إليها وردهة وغرفة نوم وغرفة دراسة ومكتبة وغرفة طعام واسعة. وكانت الجدران مغطاة من الداخل بكانافا مشبعة بالقار، وكانت طريقة تغطيتها أنيقة، وكان هناك نوافذ كثيرة. وقبل نابليون هذا دون شكوى مبدئياً، بل إنه كان سعيداً بالحمّام الذي وصفه بأنه فخم مترف بطريقة لم يُسمع عنها في هذه الجزيرة البائسة(1) وقد ذكر لا كاس أن الإمبراطور كان راضيا عن كل شيء(2). أما الجناح الآخر من الغرف المشيّدة فقد هيِّئت لكل من لا كاس وابنه والكونت دي مونثولو Montholon والكونتيسة دي مونثولو، والجنرال جورجو، والدكتور أوميرا O, Meara طبيب نابليون. وتم إعداد غرف كبيرة عامة لخدم نابليون وخدم الآخرين(3). أما الجنرال بيرتران Bertrand وزوجته وخدمهما فقد أقاموا في بيت صغير في الطريق إلى جيمستون.

وكان لنابليون حرية الحركة - على قدميه أو راكباً حصانا أو في عربته في حدود دائرة نصف قطرها خمسة أميال من البيت الذي يُقيم فيه، لكن كان لابد أن يخضع لمراقبة الجنود الإنجليز إذا ما خرج من هضبة لونجوود (الهضبة التي فيها بيت لونجوود الذي يقيم فيه، والآنف ذكره)، وكان حاكم الجزيرة الإنجليزي يرسل يوميا الوجبات الغذائية لنابليون ومن معه، وكان يمكنهم طلب طعامهم في حدود لا يتعدونها(4). واعتاد الإمبراطور أن يأكل بمقادير ضئيلة حتى الساعة الثامنة مساء (المعنى: لا يتناول وجبته مرة واحدة) ثم يتناول هو ومن معه عشاءهم بتروّ مما يجعله - بعد العشاء - مستعدا للنوم. وكان نابليون قد أحضر معه من فرنسا أدوات مائدة مُترفة غالية الثمن، وكان يستخدمها بانتظام بل لقد سمعنا أنه جلب معه سكاكين وملاعق وشوكات من ذهب(5). أما الأطباق فكان غالبها من خزف سيفر Porcelain Sevres (سيفر مدينة فرنسية). وكان الخدم يرتدون ملابسهم الرسمية الخضراء المحلاة بالذهب كاملة. وكان لا كاس مبهورا بأناقة أدوات المائدة والطريقة الممتازة التي تنظّم بها موائد الطعام(6) لقد استمر الإتيكيت الذي كان معمولا به في التوليري في لونجوود. وسمح نابليون لأصدقائه المخلصين بالحديث معه بكثير من الصراحة لكنه لم يُزل الكلفة بينه وبينهم، فقد كانوا دوْما يشيرون إليه في حديثهم بالإمبراطور، وكانوا يخاطبونه بصاحب العظمة، وكانت الخطابات التي توجه إليه كجنرال لا يتم فضّها، وكان على الزوّار أن يخاطبوه كإمبراطور أو أن يمكثوا بعيدا عنه (لا يخاطبونه) وكانت هناك بعض الصعوبات ومسبّبات السخط، فقد استوطنت الفئران في منزل الإمبراطور، بل وحتى في قبعته، وكانت تجري حول أرجل المائدة وهو يتناول طعامه، ولم تكن البراغيث ولا البّق لتميز بين الخادم والإمبراطور. لقد تذمّر لاكاس قائلا: لقد أكلتنا هذه الحشرات بكل معنى الكلمة(7) وكان الضباب المسبب للكآبة يَعُم المنطقة يوما بعد يوم، وكان الماء يسقط أحيانا وافتقد الإمبراطور حمامهُ الدافئ. وأدت المراقبة الدائمة - مهما كانت مهذّبة أو من بُعد - إلى اعتكاف يشبه اعتكاف الرهبان في الدير، ومما جعل هذا مقبولا رتابة الحياة في هذا المكان. لكن في أي مكان آخر يُتاح لسجين أن يكون له هذا العدد من الأصدقاء والخدم وحصان وعربة خفيفة وكل الكتب التي يمكنه استخدامها؟ باختصار لقد كان سجنا محتملا أكثر مما يتوقع أي سجين خاصة بعد أن هرب من مكان احتجازه السابق وبعد أن كلف ملايين الجنيهات الإسترلينية والضحايا لإعادة القبض عليه. لقد سارت الأمور بشكل معقول حتى وصل السير هدسون لو Lowe.


2- السير هدسون لو

وصل إلى جزيرة سانت هيلانا في 41 أبريل سنة 1816 ليحل محل السير جورج كوكبورن، كحاكم للجزيرة. وقد وضعت الحكومة البريطانية في اعتبارها عند اختياره أنه موظف واع ينفّذ التعليمات بإخلاص. وكان لابد أن تمتد التعليمات التي لديه لتشمل السجين (نابليون) كل عمل مرتبط بسلامته لقد بدأ السير هدسون لو مهامّه بشكل طيب. لقد أحضر معه نحو ألفي مجلّد باللغة الفرنسية وجعلها تحت أمر نابليون ومن معه وأرسل يقول إنه سمع أن المنزل الذي يقيم فيه هو ومن معه (منزل لونجوود) في حاجة لبعض الترميمات وإنه سيأمر بإجرائها حالا(8). وظن أنَّ عليه أَنْ يزور سجينه المميّز وطلب من سلفه الأدميرال كوكبورن أَنْ يصحبه في هذه الزيارة. ومن المُفترض أنه لم يكن يعلم أن نابليون كان قد أصدر تعليماته إلى بيرتران ألاّ يسمح لأحد بزيارته إلاّ بإذنه - أي إذن بيرتران - وعلى أن يكون هو (أي بيرتران) مرافقا لهذا الزائر، خوفا من الفضوليين والراغبين في مشاهدته حبا للاستطلاع. وأتى السير هدسون والأدميرال دون ميعاد سابق وطلباالإذن فكان رد نابليون أنه مريض ولا يمكنه رؤيتهما فسأل لو Lowe متى يأتي إذن، فأجاب نابليون: غداً. لقد جُرِح كبرياء لو Lawe ولكنه أتى في اليوم التالي ومعه بيرتران، فاستقبله نابليون ببرود وسرد عليه بعض الأمور التي يُعاني منها: الحُراس متمركزون بالقرب القريب من منزله وهم أحيانا يحدّقون ليلا عبر نوافذ بيته، وهو لا يستطيع أن يجول بحصانه إلا في حدود ضيقة دون أن يتبعه ضابط بريطاني. فوعده لو Lowe بأن يبذل قصارى جهده لإزالة أسباب الشكوى(9). وبعد مغادرته، ذكر نابليون لرفاقه أنه لم ير أبداً ملامح أكثر شبها بملامح طائر السفّاح الإيطالي من ملامحه(10).

وكان السير هدسون لديه من الكبرياء أكثر مما لديه من روح الفكاهة، وبعد عودته إلى مكتبه أرسل إلى مساعدي نابليون يخبرهم أن القيود موضع الشكوى فرضتها الحكومة البريطانية وليس لديه الصلاحيات لإلغائها، وأضاف قائلا إنه بناء على تعليمات حكومته لابد أن تمر كل مراسلات بين لونجوود والعالم الخارجي من خلاله وأن تكون خاضعة لتفتيشه (رقابته(11)) وعلى وفق ما ذكره لا كاس Las Cases رفض الحاكم أن يوصّل لنابليون الخطابات التي تخاطبه بالإمبراطور نابليون(21). وأرسل الحاكم دعوة على العشاء للجنرال بيرتران، والجنرال نابليون، فرفضها نابليون. وبلغ النزاع درجة عالية من السخونة عندما أخبر الحاكمُ الجنرالَ بيرتران أن الحكومة البريطانية تذمّرت من التكاليف الباهظة التي تتكبدها للحفاظ على نابليون والإنفاق على إقامته ومن معه (51 شخصا)(31). وكانت الحكومة قد سمحت بمبلغ 8000 جنيه إسترليني سنويا لهذا الغرض، لكن المصاريف الفعلية بلغت 18.000 جنيه إسترليني في العام الأول واقترحت الحكومة البريطانية أن أي مبلغ يزيد - بعد ذلك - عن 8000 جنيه لابد أن يدفعه نابليون. فأمر الإمبراطور مونثولو أن يبيع الفضة الإمبراطورية وعرض أن يدفع المصاريف الزائدة إذا وافق لو على ألا يَفُض خطاب نابليون لمسئوله البنكي في باريس، ولم يستجب لو Lowe. وأرسلت أسرة نابليون له عروضا بتقديم الأموال له فشكرهم ولكنه قال إنه سيضع ذلك في اعتباره، وعرضوا عليه أن يأتوا للإقامة معه فمنعهم قائلا إنهم لن يتحملوا المناخ ولا العزلة طويلا. وفكر لو في تيسير الموقف برفع المخصصات إلى 12000 جنيه استرليني(14)، لكن مناقشاته حول النفقات أحنقت نابليون. وعندما زاره (لو) مرة أخرى (16 يوليو 1816) قال له نابليون (على وفق ما ذكره للا كاس) محرقا كل الجسور بينهما أتسمح لي أن أقول لك عن رأينا فيك؟ إننا نعتبرك قادراً على كل شيء... نعم كل شيء. إنني لن أشكو من هؤلاء الذين أرسلوني إلى سانت هيلانا، وإنما من هؤلاء الذين جعلوك حاكما عليها. إنك مصيبة حلّت بنا، مصيبة أبشع من كل ما تسببه لنا هذه الصخرة المرعبة من بؤس(15).

يقول لا كاس: إن الإمبراطور ذكر أنه أزعج مرارا السير هدسون لو في أثناء المناقشة. لقد كنت متعكر المزاج تماما. لقد أرسلوا إلي أكثر من سجان. إن السير هدسون لوجلاّد بكل معنى الكلمة... ولابد أن يكون غضبي قد ازداد بقوّه لأنني كنت أشعر باهتزاز ربلة ساقي (بطة ساقي) اليسرى(16). وسيطر السير هدسون على نفسه وانسحب، ولم تجر بينهما أية مناقشات بعد ذلك.


3- الرفاق العظماء

إن الجانب المثير والداعي إلى الدهشة في حياة الحبس هذه هو الإخلاص الدائم والعميق لهؤلاء المساعدين الذين صحبوا نابليون إلى سانت هيلانا. ومن المفترض أن عطر الشهرة المُسْكر قد حفزهم على المزيد من خدمته، لكن إصرارهم على هذا ومثابرتهم عليه رغم قيود المنفى وحنينهم إلى وطنهم، يكاد يضفي على ذكراهم طابعا أسطوريا Arthurian Legend، فهم قد واصلوا إخلاصهم بل وتعاركوا متنافسين على خدمة الإمبراطور، رغم المناخ القاسي المسبب للإحباط، ورغم حاكم الجزيرة غير المقبول منهم. لقد كان إخلاصهم نبيلا رغم الغيرة.

وكان أنبلهم جميعا هو الكونت هنري - جراتيا بيرتران Henri - Gartien Bertrand (1773 - 1844). لقد دخل التاريخ كمهندس في أثناء معركة نابليون الأولى في إيطاليا. وفي الحملة الفرنسية على مصر قاد كتيبة في معركة الأهرام، وجُرِح في أثناء معركة أبي قير، وكانت الجسور التي أقامها على الدانوب في معركة 1809 تُعد على وفق تقدير نابليون من أجمل الكباري (الجسور) منذ عهد الرومان(17). وفي سنة 1813 تم تعيينه مارشالا لحراسة القصر. وظل مواليا لنابليون خلال الأعوام المريرة التي انسحب (تراجع) فيها نابليون أمام الحلفاء، وصحبه إلى إلبا وظل معه طوال المائة يوم (بعد العودة إلى فرنسا) وركب معه إلى روشفور وأبحر معه إلى إنجلترا وسانت هيلانا. وظل في سانت هيلانا مارشالا لمحل الإقامة، يُعاين الزوّار ويهدِّئ الغِضاب ويلّطف الجو بين نابليون وحاكم الجزيرة، وتحمل بصبر متسامح محاولة اغتصاب زوجته. لقد كانت إنجليزية مخلّطة (كيرول) ابنة أخ اللورد ديلون Dillon وتمت بصلة قرابة لجوزفين. وتحملت عزلتها بصبر نادر في سانت هيلانة تاركة الحياة الاجتماعية في باريس. وقد صحبها بيرتران عائداً بها إلى فرنسا بعد موت نابليون بخمسة أشهر، وكتب ثلاثة مجلدات عن يوميات سانت هيلانا ولكنه رفض نشرها. وقد تمّ فك رموزها وتم نشرها (1949 - 1959) بعد قرن من وفاته؛ وقد دفن في سرداب مقبرة المحاربين القدماء بجانب رفات نابليون.

ويكاد يضارعه في إخلاصه لنابليون الجراج الأيرلندي بري أوميرا Barry O, Meara (1786 - 1836). لقد كان - باعتباره طبيبا على متن السفينة نورثمبر لاند - يعود نابليون ويتحدث معه بالفرنسية والإيطالية، وكان متفقا معه إلى حد ما في آرائه عن الأطباء، وارتبط به ارتباطا شديدا حتى إنه طلب الإذن من الحكومة البريطانية أن يظل يرعى نابليون طبيا في سانت هيلانا، فوافقت الحكومة على ذلك. ولم يكن السير هدسون لو موافقا على هذه العلاقة الحميمة بين الطبيب البريطاني والمجرم الفرنسي (نابليون) وشك في أن الطبيب أوميرا يشارك في خطة لتمكين نابليون من الهرب، وأصر (أي الحاكم) على تعيين جندي ليصحب هذا الطبيب الجراح أينما ذهب فاعترض أوميرا، فعمل (لو) على أن يتم استدعاؤه إلى بريطانيا (يوليو 1818) وفي سنة 1822 نشر أوميرا كتابه (نابليون في المنفى أو نداء من سانت هيلانا،) وهو دفاع مشبوب بالعاطفة يطالب فيه بمعاملة أفضل للإمبراطور الذي سقط. وحقق هذا الكتاب ذو المجلدين مبيعات كبيرة فبدأت موجة من التعاطف البريطاني مع نابليون. ويحتوي الكتاب على بعض الأخطاء(91) لكن لا كاس دافع عن رواية أوميرا، وكان كل المحيطين بنابليون يكنون لأوميرا احتراما كبيرا كطبيب وكإنسان مهذب (جنتلمان).

أما إخلاص الكونت عما نويل - أوجسطين - ديودونيه دي لا كاس Emmanuel - Augustin - Dieudonne de Las Cases (1766 - 1842) والأحداث الكثيرة التي شهدها وكتابه متعدد المجلدات عن ذكريات سانت هيلانا Memorial de Sainte - Helena - فتجعله في المقام الثاني بعد نابليون ولو Lowe في النزاع الشخصي الذي جرى في الجزيرة. لقد كان نبيلا صغيرا (المقصود ليس من طبقة النبلاء العليا) حارب في جيش كونديه Conde ضد الثورة، وهاجر إلى إنجلترا وانضم إلى محاولة بعض المهاجرين (الذين تركوا فرنسا عِقب أحداث الثورة الفرنسية) لغزو فرنسا عند كويبرو Quiberon وفشلت المحاولة فعاد إلى إنجلترا وراح يكسب معيشته بتدريس التاريخ. ولقد وضع الأطلس التاريخي الذي حظي في وقت لاحق بتقدير نابليون الشديد. وغامر بعد 18 بروميير Brumiere بالعودة إلى فرنسا، وانتهى إلى أن نابليون هو أحسن دواء للثورة وراح ينتهز كل الفرص للعمل في خدمته فترقى ليصبح عضوا في مجلس الدولة، ولم تطفئ معركة واترلو من حرارة إعجابه بنابليون، فذهب إلى مالميزو لمساعدته وتبعه إلى روشفور وإلى إنجلترا وإلى سانت هيلانا. لقد كان هو الأقرب إلى الإمبراطور من بين كل رفاقه، فكان هو الأكثر حماسا في تسجيل ما يمليه، وحظي بتقديره الكبير خلال كل العواصف (المشكلات) التي مرت بهم في المنفى. لقد دوّن كل شيء عن نابليون خلا أخطاءه، فلم يكن يعتقد - مثله في ذلك مثل كرومويل Cromwell - في الأخطاء الخالدة (المقصود التي لا تُمحى. وكان تقريره عن ذكريات نابليون وملاحظاته يفيد أنها ليست دقيقة دقة كاملة: كان الامبراطور يُملي بسرعة، وعادة ما كانت سرعته في أثناء الإملاء تفوق سرعته في أثناء المناقشات العادية، لذا فقد كنت مضطرا لابتداع نوع من الكتابة الهيروغليفية (المقصود المختصرة أو المختزلة) ثم أعود فأمليها بدوري على ابني أو كنت أجلس إلى جوار ابني وهو يعيد كتابة ما أملاه الإمبراطور... وكنت دائما أقرأ على الإمبراطور ما كان قد أملاه في اليوم السابق فيقوم بإجراء تصحيحات ثم يواصل الإملاء(20). وعلى أية حال فإن اللغة التي عبّر بها لا كاس عن آرائه الخاصة تشبه إلى حد كبير اللغة التي عزاها (نسبها) إلى نابليون حتى إننا لا نستطيع أن نقبل تقريره باعتباره بالنزاهة نفسها التي ظهرت في كتابات جورجو Gourgaud حيث كان يدوّن مباشرة يومياته المفعمة بالحيوية.

ورغبة من لا كاس في إثارة أوربا بسبب الصعوبات التي كان نابليون يواجهها في منفاه كتب عن هذه المشاق والصعوبات على قطعة من الحرير ليرسلها إلى لوسيا بونابرت Lucien عَهِد بها إلى خادم كان على وشك العودة إلى أوربا، إلا أن سلطات الجزيرة فتَّشت الخادم واكتشفت الرسالة، فأمر السير هدسون لو بالقبض على لا كاس ومصادرة أوراقه (بما في ذلك مناقشاته مع نابليون) وأمر بترحيله هو وابنه إلى كيب تاون (مدينة الرأس) في 15 نوفمبر 1816 ومن هذا المكان القصي (كيب تون) بدأ الكونت أعواما من الترحال إلى إانجلترا وبلجيكا وألمانيا، وعادة ما كان خاضعا لمراقبة مشددة في أثناء تجواله هذا. وفي أكتوبر سنة 1818 قدم لموتمر الحلفاء المنعقد في إيكس - لا - شابل Aix - La Chapelle (آخِن Aachen) التماساً من أم نابليون لإطلاق سراح ابنها، وقدم هو نفسه مناشدات لحكام روسيا وبروسيا والنمسا وإنجلترا للغرض نفسه لكنه لم يتلق ردا. وبعد موت نابليون سُمح له بالعودة إلى فرنسا (1822). وحصل من الحكومة البريطانية على مخطوطاته المصادرة ونشرها كلها تقريبا في كتابه ذكريات سانت هيلانا (1823) فأصبحت هذه المذكرات هي الحدث الأدبي لذلك العام. وقد أثرى لاكاس وورثته من حصيلة البيع. وقد أدت شهادته المتحمسة على المعاملة السيئة - كما اعتقد - التي أدت إلى موت نابليون إلى استمرار نابليون كأسطورة وأدت إلى رفع نابليون الثالث إلى سدّة الحكم فاستمر فيه أكثر مما استمر عمّه، كما أدى إلى وصول لا كاس الصغير إلى منصب السيناتور في الإمبراطورية الفرنسية الثانية (أصبح عضوا في مجلس الشيوخ) وكان الرفاق الآخرون غيورين من لا كاس لأنه كان كثير التردد على نابليون وأكثر منهم قربا إليه، ولأن نابليون كان يُكن له مودّة شديدة. وكان أكثرهم ضجراً وغيرة هو الجنرال جاسبار جورجو (1783 - 1852) الذي كان لديه أسباب كثيرة لهذا، فقد حارب من أجل الإمبراطور في إسبانيا والنمسا وروسيا وفرنسا، وكان قد أنقذ حياة الإمبراطور في برين Brienne. وكان أكثر مَنْ في المنفى حيوية وحديثا، متحمس في صداقته، متحمس في عداوته، وتحدى مونثولو وطلب مبارزته، وكان يحب نابليون ويغار عليه من محبيّه الآخرين. قال نابليون إنه يحبني كما يحب العاشق معشوقته(21) (بمعنى أنه يغار عليه من الآخرين). ولكي يُعيد نابليون الوئام إلى جماعة المنفى، أرسله إلى أوربا (1818) حاملا رسالة إلى القيصر إسكندر. ورغم هذا فإن يوميات جورجو (1899) Journal inedit de Sainte Helene هي الأكثر واقعية وفتنة (جمالاً) من بين كل الأصداء التي انبعثت من سانت هيلانا. ولا يكاد الكونت شارل - تريزا دي مونثولو Comte Charles - Trisan de Montholon (1783 - 1853) يستحق كراهية جورجو لأنه كان أكثر الأربعة المحيطين بالإمبراطور أدباً ولين عريكة. لقد كان لديه ذكريات تدعو إلى الفخر إذ تعلّم الرياضيات وهو في العاشرة من عمره على يد قائد مدفعية شاب اسمه بونابرت، وبعد ذلك تبع نابليون في صعوده وسقوطه وأحرّ على اصطحابه إلى سانت هيلانا، وكانت زوجته ألبني دي فاسا Albinie de Vassad قد تزوجت وطلقت قبله مرتين، وكان مطلّقاها لايزالان على قيد الحياة، لذلك لم يكن مونثولو واثقافيها تماما في أي وقت من الأوقات، وتردّدت إشاعات في سانت هيلانا أنها كانت تساعد نابليون على تدفئة فراشه، وقد تناول المندوبون الروس أمرها بخشونة: رغم أنها كبيرة السن وفاسقة وسمينة فإنها اليوم خليلة رجل عظيم(22). وعندما غادرت الجزيرة (9181) بكى نابليون(32). أما مونثولو نفسه فقد بقي إلى النهاية وشارك بيرتران في العناية بالأسير المحتضر وكان يُسمَّى المنفّذ المشارك لتحقيق الإرادة الإمبراطورية. وعندما عاد إلى فرنسا شارك ابن أخي نابليون في السجن سبع سنين وساعده بعد ذلك ليكون إمبراطورا آخر.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4- الدكتاتور الكبير

لقد كان العدو اللدود لهؤلاء المنفيِّين هو الوقت وابنه الضجر، فهم رجال كانوا قد أدمنوا العمل وتآلفوا مع الموت، وصاروا الآن وقد أصبحت مهمتهم هي العناية بشخصية عالمية سقط من عليائه الإمبراطورية إلى سجين لا حول له ولا قوة بكل آلامه وأمراضه وضعفه البشري، بل إن نابليون نفسه قال إن وضْعي مُرْعب، إنني كميّت حي(42) أو كميت لازالت رغباته موجودة، فالبطل الذي كان فيما سبق يتطلع إلى مزيد من الوقت لمواجهة مهامه التي اختارها أو لينفذ خططه، أصبح يشعر الآن أن الساعات تمر ثِقَالا، وأصبح يرحب بالليل ليخفف عنه - بالنوم - وطأة الوقت، بل لم يكن الليل حتى ليشفي علّته، فنظراً لقلة العمل وجد صعوبة في النوم فراح يتنقّل من سرير إلى أريكة إلى كرسي، ثم يعود مرة أخرى بحثا عن اللاوعْي (راغباً في الغَيبوبة).

وغالبا ما كان يلعب الشطرنج يوميا، وكان يضجر بانتصاره (في الشطرنج) فلم يكن من ندٍ له يجرؤ على هزيمته (في لعبة الشطرنج) وخلال السنة الأولى في منفاه كان يركب حصانه لعدة أميال يوميا لكنه سرعان ما عزف عن ذلك عندما لاحظ أن بعض الضباط البريطانيين كانوا يراقبونه دوما. وكان يقرأ لعدّة ساعات في اليوم لقد كان دَوْما يحب الكتب، وكان لابد أن يقرأ بعض الوقت حتى في الأيام التي يكون مشغولاً فيها، لقد كان يأخذ معه مئات المجلدات في أثناء المعارك، بل لقد أخذ معه 008 مجلد إلى واترلو (كان من بينها سبعون مجلدا لفولتير(52)). وكان قد جلب معه إلى سانت هيلانا 004 كتاب من فرنسا، وعند توقف السفينة نورثمبر لاند في ماديرا Madeira أرسل طلباً للحكومة البريطانية طالباً عدداً من الكتب التعليمية وصلته في يونيو سنة 6181، ووصلته شحنة أخرى في العام التالي، وأرسل له السير هدسون لو بعض الكتب من مكتبته(62). وأصبح خبيرا في معارك الإسكندر الأكبر وهانيبعل (هانيبال) وقيصر. وقرأ مرارا درامات كورنيل وراسين بل لقد كان يقرأهما بصوت عال أمام رفاقه ويوزّع عليهم الأدوار. وكان يحب الأدب الإنجليزي وجعل لا كاس يعلّمه المزيد من الإنجليزية ليتمكن من القراءة بها بل والحديث بها. ذكر جورجو أن الإمبراطور كان دَوْما يتحدث معي بالإنجليزية(72).

وكان لديه ميزة يتميز بها عن سائر مرافقيه في المنفى: لقد كان يستطيع أن يدمج الحاضر في الماضي بإعادة سرد تاريخ بلاده، وتاريخ نصف أوربا من سنة 6971 إلى سنة 5181، وغالبا ما كان هذا من الذاكرة (كان التاريخ حاضراً في ذاكرته)، ومن وجهة نظر المشارك الرئيسي (في الحدث)، ولم يكن يطيق صبرا على الكتابة لكنه كان يستطيع أن يتحدث. ويبدو أن لا كاس هو الذي اقترح أنه (أي نابليون) بإملائه مذكراته لواحد أو آخر من حاشيته يعطي قيمة وتشويقا لكل يوم يمر. والآن قد لا يجد نابليون في قول دانتي حقيفة ينقصها الكمال: ليس هناك أكثر مدعاة للألم من تذكر السعادة في أيام الشقاء فإن ذكريات الأيام السعيدة قد تخفف الأحزان الحالية وإن كانت تعمقها في الوقت نفسه. لقد هتف قائلا: لقد كانت إمبراطورية جميلة! لقد كان هناك 38 مليون إنسان تحت حكمي - آه إنهم نصف سكان أوربا(82).

ومن هنا فقد دشَّن دكتاتورية جديدة في السفينة نورثمبر لاند واستمر يمارسها على نحو أوآخر في سانت هيلانا طوال أربع سنوات. لقد بدأ بأن راح يعيد على لا كاس رواية معاركه الإيطالية في سنة 6971 حيث أدت سرعته الحاسمة وانبهار أوربا إلى أن أصبح (أي نابليون) لازما لفرنسا لزوما لافكاك منه. وعندما لم يصبح لا كاس موجودا بسبب حنق لو Low راح الإمبراطور يملي على جورجو، وبعد ذلك على مونثولو، وقليلا على بيرتران وأحيانا كان يملي على اثنين منهم في يوم واحد. الآن، تحوّل هؤلاء المقاتلون من السيف إلى القلم، فأراقوا أحبارا كثيرة واستهلكوا أوراقا كثيرة لحفظ ذكريات الإمبراطور من الضياع وليصبح اسمه مقبولا حسن السمعة في فرنسا التي أصبحت بوربونية من جديد، وأمام محكمة التاريخ. وسرعان ما تعبوا أسرع مما تعب هو، فقد شعر أن هذه هي فرصته الأخيرة ليدافع عن نفسه في مواجهة الخطباء والبلغاء والصحفيين ورسّامي الرسوم الكاريكاتيرية الذين مكّنوا أعداءَه من تصويره في صورة لا إنسانية بجعله غولاً متعطشا للدماء. وكان نابليون يعلم أنه لا يمكن أن يكون وازعهم لتسجيل أعماله ومذكراته دون مقابل، لذا فقد أعطى لكل منهم الحق الكامل للتصرف في مخطوطته وما تدرّه من عوائد. والحقيقة أن كل مخطوطة من هذه المخطوطات أفاضت - عندما نُشرت - على كاتبها أو ورثته ثروة(92).

ومن الطبيعي أن يُبرز المؤلف أفضل الوجوه مبررا أخطاءه لكن - بشكل عام - كانت هذه المذكرات صحيحة بقدر ما يمكن أن يُتوقع من رجل يدافع عما فعله في حياته. وقد كان نابليون قد تعلم في هذا الوقت أنه ارتكب أخطاء خطيرة في مجالي السياسة والقيادة العسكرية. لقد كنتُ مخطئا في الاختلاف مع تاليران. لقد كان يمتلك كل ما ينقصني. فلو أنني سمحت له بنفس رضيّة أن يشاركني عظمتي لكان قد خدمني جيدا، ولظللتُ حتى تحين مينتي وأنا أعتلي عرش فرنسا(03) وقد اعترف أنه أساء تقدير صعوبات غزو إسبانيا، وقهر روسيا. لقد تسرّعت في الانطلاق من إلبا. لقد كان عليّ أن أنتظر حتى ينفض مؤتمر فينا وحتى يكون الأمراء والملوك قد عادوا إلى بلادهم(13). لا أستطيع أن أفهم حتى الآن الهزيمة في والترلو(23). لقد كنت أتمنى أن أموت في واترلو(33).

لقد كاد الذين أَمْلى عليهم مذكراته يتعبون، فلم يجدوا وقتا لتدوين مناقشاته إلا بشق الأنفس. وكانت بطبيعة الحال شائقة فمن في عصره يضارعه في مغامراته المثيرة التي شملت ثلاث قارات؟ لقد كان راوية ممتازا يذكر كثيرا من النوادر والطرائف في أي موضوع يتناوله. لقد كان بطريقته الموضوعية (المحايدة) فيلسوفا، وكان يمكنه أن يتحدث بتسامح في أي موضوع بدءا من الزراعة حتى زيوس Zeus. لقد قرأ التاريخ وتوسع في قراءته توسعا جعله يتنبأ بالمستقبل وإن كان في بعض تنبؤاته جنوح عن الصواب. النظام الاستعماري... انتهى بالنسبة إلى الجميع، انتهى بالنسبة إلى إنجلترا التي تملك كل المستعمرات، وانتهى بالنسبة إلى القوى الأخرى(43). سرعان ما سيطيح الشعب الفرنسي بعبودية البوربون(53). سرعان ما ستواصل ألمانيا طريقه الذي بدأه هو (أي نابليون) نحو الوحدة(63). سيكون القرن التاسع عشر قرن الثورات، فمبادئ الثورة الفرنسية - باستثناء بعض الإسفاف - ستنتصر في أمريكا وفرنسا وإنجلترا، ومن هذه الدول الثلاث سيغمر النورُ العالَم(73). لقد انتهى النظام القديم، وثمة نظام جديد يقوّي من نفسه ولن يتأثلَّ قبل حدوث اضطرابات عنيفة(83) إن روسيا قوة ستتقدم مندفعة بالتأكيد، وبخطىً واسعة نحو الهيمنة العالمية(93). وإحدى تخميناته الخاطئة إن السلطة الملكية في إنجلترا تزداد قوة يوميا.... إنها الآن تسير ولا يعوقها عائق نحو السيادة المطلقة(04) وأخيرا عرض لنا سياسة ولخصها لنا بشكلٍ مُرْضٍ: لقد أغلقت خليج الأنارشية (المناداة بمبدأ القضاء على الحكومة) وطهرت الطريق من الفوضوية. لقد نقّيت الثورة ووقّرتُ الأُمم ورسخت أقدام الملوك. وضربت المثل وكنتُ القدوة ومددتُ حدود العظمة، وكافأت على كل تميّز.. إن الدكتاتورية كانت ضرورية بكل ما في كلمة الضرورة من معنى. ألن يُقال إنني قمعتُ الحرية؟ لقد كان هذا هو مستهل الحرية. ألن أتّهم أيضاً بأنني كنتُ مولعاً بالحرب ولعاً شديدا؟ لقد كنتُ أنا الذي أتلقّى الهجوم الأول. ألن يُقال إنني كنت أهدف إلى حُكم العالم كله (أن أتربّع على عرش العالم؟) إن أعدائي أنفسهم هم الذين قادوني خطوة خطوة إلى هذا العزم. وأخيرا، أسوف أُلامُ على طموحي؟ لابد أن يُسمح لي بالطموح بلاشك، فطموحي هو أسمى وأنبل أنواع الطموح، بل وربما أسمى وأنبل أنواع الطموح على الإطلاق - إنه الطموح إلى تأسيس إمبراطورية العقل وتكريسها، وإلى الاستفادة الكاملة من كل القدرات والملكات البشرية والتنعّم بها. هنا ربما يشعر المؤرخ أنه مضطر إلى الأسف لأن هذا الطمـوح لم يتحقق ولـم يُكافـأ صاحبه عليـــه... هذا هو كل تاريخي في كلمات قلائل(14).

وفي 9 مارس 1281 أدفأ قلبه اُلمحبَط بالتنبؤ برؤيا فخورة: سيظل خيال الفرنسيين طوال الخمسمائة سنة القادمة عامراً بذكراي. إنهم لن يتحدثوا إلا عن عظمة معاركنا العبقرية. فليكن الله في عون من سيجرؤ على الحديث عني بشكل سيء(24).


5- المعركة الأخيرة

أدت الاضطرابات الداخلية ونقص التدريبات البدنية إلى أن أصبح نابليون شيخا هَرِماً وهو لايزال في سني الأربعين. لقد أدّى إصرار لو Lowe على أن يقوم جندي بريطاني بمتابعة المبراطور أينما ذهب بحصانه خارج حدود لونجوود إلى غضب الأسير (نابليون) فتحاشى الخروج للتريّض بحصانه أو في عربته. كما أن وجود العسس على مرأى من غرفه جعله يطيل المكث وراء الأبواب المغلقة، كما أدّى عزوفه عن الحياة وأمله ألاّ يطول مقامه في الدنيا إلى سكون وعدم نشاط. لقد كتب بيرتران في سنة 8181: مضى مائة يوم منذ... خرج من المنزل وذكر لا كاس أن الدورة الدموية للإمبراطور كانت تعاني صعوبات(34) إذ انخفض نبضه إلى 55 نبضة في الدقيقة(44). وفي سنة 0281 بدأ العمل في زراعة حديقة، وهاجم مشاكله بشجاعة حربية وانضباط. لقد جنّد كل مستعمرته للعمل في المشروع فسعدوا بالخروج على روتينهم اليومي وانخراطهم في الحفر وجر عربات المزرعة والزرع والري وإزالة الأعشاب الضارة. وبادر السير هدسون لو - في مبادرة ودية منه - إلى إرسال النباتات وأدوات الزراعة لسجينه(54). وازدهرت الحديقة فسرعان ما أنبتت خضروات طازجة راح نابليون يأكلها ببهجة. وتحسنت صحته بشكل ملحوظ. لكن بعد أن تمّ استهلال محصول الحديقة وساد الطقس السيء عاد نابليون إلى كسله قابعا خلف الأبواب.

وسرعان ما عاودته الآلام وحاصرته في جبهات عديدة: آلام في الأسنان، صداع، طفح جلدي، تقيّؤ، دوسنتاريا، برودة أطراف، وساءت قرحته، وداء السرطان الذي تبين أنه مصاب به بعد تشريح جثته، اتضح أنه كان قد بدأ يُسبب له آلاما متواصله(64). لقد أثرت هذه المعاناة الجسدية في مزاجه بل وحتى في عقله، فأصبح متشائما سريع الهياج، مُحِسّا بالمرارة، بل إنه راح ينظر لما حققه من فخار وعظمة على أنهما شيء تافه، مستعداً للإساءه سريع التسامح، يَعُد البنسات القليلة ويعطي - برغبته - مبالغ كبيرة(74). وفي سنة 0281 وصف حالته بجزع: كيف سقطت؟! أنا - الذي كان نشاطي لا حد له. أنا الذي لم أخلد للراحة! أيصبح هذا حالي؟ كسولا بليدا خَدِرا! لقد أصبحت أبذل جهدا لأفتح عيني (لأرفع الجفن عن عيني) لقد كنت في بعض الأحيان معتاداً أن أُملي في مختلف الموضوعات على أربعة أو خمسة من السكرتيرين يكتبون بالسرعة نفسها التي بها أتحدث، لكنني كنتُ وقتها نابليون... أما الآنا فأنا لا شيء.... إنني حي لكنني ميت(84).

لقد تعاقب عليه عدد من الأطباء المختلفين لكن واحداً منهم لم يمكث معه الفترة الزمنية الكافية لدراسة أعراض مرضه بشكل منهجي أو وضع نظام دائم لعلاجه وطعامه. وكان الدكتور أوميرا OصMeara هو أول أطبائه (في سانت هيلانا) وأفضلهم، لكن مهمته قد أُنْهيت بعد فترة وجيزة. وحل محله طبيبان بريطانيان (ستوكو Stokoe وأرنوت Arnott) وكان كلاهما طبيبا جيدا وصبورا وواعيا، لكن في 12 سبتمبر 9181 اضطرب الأمر بوصول الدكتور فرانسسكو أنتومارشي Antommarchi البالغ من العمر تسعة وثلاثين عاما، وكان يحمل توصية من خال نابليون (الكاردينال فش Fesch) فسمح له الطبيبان الآخران بالعناية به. لقد أجاب أنتومارشي بإسهاب عن سؤال نابليون عما إذا كان الجنرالات أم الأطباء هم الاكثر إفناءً للبشرية أو بتعبير آخر أيهما أكثر ضحايا، إذ كان هذا الطبيب معتزا بنفسه واثقامنها عديم الرحمة إذ عندما اشتكى نابليون من آلام في معدته، وصف له أنتومارشي مُقَيئّا على عصير الليمون، فكادت روحه تخرج لفرط الألم، وظن أنّ السُّم قد دُسَّ له في الدواء، فطرد أنتومارشي ولم يسمح له بالعودة لعلاجه(94)، لكن في غضون يوم أو يومين عاد أنتومارشي بأدويته وقاروراته، وكان على الإمبراطور أن يتحمله رغم أنه (أي الإمبراطور) راح يسبّه ويلعنه بأقذع السباب واللعنات مما لا يُمكن كتابته هنا(05). وفي نحو منتصف مارس 1281 لزم نابليون فراشه ولم يعد يغادره بعد ذلك إلا نادرا. لقد كان يعاني من آلام مستمرة لا تكاد تتوقّف فراح أنتومارشي والطبيبان الآخران يهدّئانها بإعطائه جرعات صغيرة من الأفيون على نحوٍ متكرر. وقال نابليون في 72 مارس: لو انتهت مهمتي في هذه الدنيا، إني إذن لسعيد. لقد كنتُ أتطلّع للموت في عدة أوقات فأنا لا أخاف الموت(15). وخلال هذا الشهر الأخير من حياته كان يتقيّأ كل الطعام الذي يتناوله تقريبا. وفي 51 أبريل كتب وصيته، وفيما يلي قبس منها:

1- أموت على دين الدين الرسولي الروماني (دين الدعاة الأوائل للمسيحية) الذي وُلدت في أحضانه.... 2- أريد أن توضع رفاتي على ضفاف نهر السين وسط الشعب الفرنسي الذي أحببته كثيرا. 3- لقد كان لدي دوما من الأسباب ما يجعلني أسعد بزوجتي الحبيبة ماري لويز. إنني أكِنّ لها لآخر لحظة في حياتي أسمى مشاعر المودّة. إنني أتوسل إليها أن ترعى ابني وأن تحميه من الشِّراك (والمشاكل) التي لا زالت تعكر طفولته... 5- إنني أموت قبل الأوان مقتولا على يد الحكومة البريطانية The Englsh Oligarchy(25).

لقد كان لديه ستة ملايين فرنك، كان عليه توزيعها (5.3 مليون + الفوائد)، وكان قد أودعها مع لافيت Laffitte، وكان يعتقد أن له مليونين آخرين عند يوجين بوهارنيه. لقد أوصى بمبلغ كبير لبيرتران ومونثولو ولا كاس، ولكبير خدمه مارشان Marchan وسكرتيره مينيفال Meneval ولجنرالات آخرين أوأبنائهم وأوقف أشياء مختلفة على عدد كبير من الأشخاص ممن خدموه أو ساعدوه. لم ينس أحدا. كما أوصى بعشرة آلاف فرنك للضابط كانتيلون Cantillon الذي تحمل المحاكمة بتهمة اشتراكه في مؤامرة لقتل اللورد ويلنجتون، وهي التهمة التي بُرِّئَ منها. لقد كان لكانتيلون كثير من الحق لقتل هذا الأوليجارشي (الملكي المؤيد لحكم الأقلية) تماما كما كان لهذا الأخير الحق في أن يرسلني لأهلك على صخرة سانت هيلانا(35).

وترك في ورقة منفصلة وصية لابني) ربيع 1281: لا يجب أن يفكر ابني في الثأر لموتي، بل الأحرى به أن يتعلم منه درسا. يجب أن يضع في عقله ما أنجزته دون أن ينساه. وعليه أن يكون مثلي فرنسيا تماما. وعليه أن يكافح ليحكم بسلام. وإن كان عليه أن يحاول بدء حروبي التي انتهت بدءا جديدا لا لشيء إلا لمجرد تقليدي، وبدون ضرورة تفرضها هذه الحرب، فإنه ساعتها لن يكون أكثر من قرد (مقلّد). فإن يبدأ أحد القيام بعملي نفسه فهذا يعني أنني لم أنجز شيئا. فالأجدى هو إكمال هذا العمل بإثبات قوّة أساساته (ومؤسساته) وإكمال الصّرْح الذي وضعت أساسه وتصميمه. فالعمل الذي قمتُ به لا يمكن أن يحدث مرتين في قرن واحد. لقد كنتُ مضطرا لكبح أوربا وترويضها بقوّة السلاح، أما الآن فيجب إقناعها (لابد أن تكون مقتنعة). لقد أنقذتُ الثورة بينما كانت على وشك الموت. لقد طهّرتها من جرائمها وسموْتُ بها فأصبح الشعب الفرنسي يتألق شهرة. لقد أوحيتُ لفرنسا وأوربا بأفكار جديدة لن تُنسى أبدا. عسى أن يرعى ابني البذرة التي وضعتها حتى تُزْهر! عساه يطور كل عناصر الرخاء الكامنة في التربة الفرنسية(45).

وكان لابد أن تتم الاستعدادات الأخيرة كي يُسْلم الروح. لقد استغرق وقتا طويلا ليصل إلى الايمان الديني (المقصود الكاثوليكي - المترجم) ولأنه كان قد قرأ جيبون Gibbon فقد ظهر أنه يعتبر كل الأديان زائفة (كما ينظر إليها الفيلسوف) لكنه كرجل دولة كان يعتبرها مفيدة(55). لقد كان قد تحّول للإسلام (النص: الدين المحمدّي) ليربح مصر، وإلى الكاثوليكية ليقبض على زمام الأمر في فرنسا. ولقد عبَّر لجورجو بما يفيد إيمانه بالمادية البسيطة: قل ما تشاء! إن كل شيء مادي (كل شيء مادة) غير أن التنظيم (الاتساق) فيها مختلف، فهناك هو أكثر اتساقا، وهناك ما هو أقل. عندما أخرج للصيد آمر بفتح أحشاء الأيْل deer فأرى أن ما بداخله هو نفسه الذي بداخلي. وعندما أرى أن للخنزير معدة مثلي، وحصيلة هضم مثلي، أقول لنفسي (إن كان لي روح فإن له أيضا روحاً(65). عندما نموت يا عزيزي جورجو نصبح جميعا موتى(75). وفي 72 مارس (أي قبل موته بستة أسابيع) قال لبيرتران: إنني سعيد جدا أنني بغير دين. إنني أجد في هذا ترضية (سلوى كبرى، فأنا لا أضع في اعتباري إرهابا متخّيلا (المقصود عذابا مُنتَظراً) ولا خوفاً من المستقبل(85). وسأل: كيف نوائم بين ازدهار الشرّير وعذاب القدّيس مع وجود إله عادل؟ انظر إلى تاليران. إنّه متأكد أنّه سيموت في فراشه(95). وكلما اقترب منه الموت بدأ يجد أسبابا للايمان. قال لجورجو: المجنون وحده هو الذين يعلن أنه سيموت دون اعتراف. هناك الكثير مما لا يعرفه المرء(06) وكان يشعر؟ أن الدين جزء ضروري من الوطنية:

الدين يشكل جزءا من قدرنا. إنه مع التربة والقوانين والعادات يكوّن الكلّ المقدّس الذي نسميه (أرض الآباء Fatherland) التي لايجب أن نتخلّى عن مصالحها. وعندما طلب مني بعض الثوريين القدامى أيام الكونكوردات (الوفاق مع الكنيسة الكاثوليكية) أن أجعل فرنسا بروتستنطية شعرتُ كما لو أنهم يطلبون مني خلع الجنسية الفرنسية لأصبح إنجليزيا أو ألمانيا(16).

لذا فقد قررّ بتواضع أن يخضع للطقوس التقليدية التي يتبعها الفرنسي وهو يُسلم الروح، فوجد قسيسا محليا ورتب الأمر لإقامة قدّاس على روحه كل يوم أحد في لونجوود، وراح يجد راحة في عقيدة طفولته وراح يُسلّي أصدقاءه ونفسه بكيفية استقباله في السماء: إنني أذهب للقاء كليبه (كليبر) وديزيه Desaix ولان Lannes ومسينا Massena... ني Ney. سيأتون للقائي. وسنتحدث عما فعلناه. سنتحدث عن مهامنا مع فريدريك وتورين Turenne وكونديه Conde وقيصر وهانيبال Hannibal(26) وفي 62 أبريل بلغ به الوَهَن مبلغا كبيرا حتى أنه أطاع الأطباء دون سؤال. وفي هذا المساء راح يهذي مهتاجا للحظة قائلا إنه سيعطي ابنه 004 مليون فرنك(36). وذكر مونثولو الذي يقيم معه الآن ليل نهار أنه في نحو الساعة الرابعة صباح يوم 62 أبريل قال له بعاطفة جيّاشة: لقد رأيتُ لتوّى جوزفين الطيبة... إنها تجلس هناك، كما لو أنني لم أرها إلا ليلة البارحة. إنها لم تتغير - إنها دائما هي نفسها لا زالت مخلصة لي. لقد قالت لي إننا سنلقي ثانية، ولن نفترق ثانيةً أبدا. لقد وعدتني، أرأيتها؟(46).

وفي 3 مايو أُجريت له الطقوس الدينية. وفي هذا اليوم انضم طبيبان إلى أرنوت Arnott وأنتومارشي واتفق الأربعة على إعطاء المريض عشر حبات من الكالول Calomel (مُسهِّل) لقد أدّى هذه الجرعة الكبيرة بشكل غير معتاد من هذا الدواء غير المناسب إلى اضطراب عنيف مرعب مع فقد للوعي.. وظهرت كل علاقات النزيف في الجهاز المعوي(56). فمات في 5 مايو 1281 وهو يتمتم قائلاً: على رأس الجيش A la tete de La,rmee وفي 6 مايو أنهى أنتومارشي فحص الجثة بعد الوفاة بحضور ستة عشر آخرين بمن فيهم سبعة جراحين بريطانيين، وبيرتران ومونثولو. لقد أظهر تشريح الجثة السبب الرئيسي لما كان يعاني منه نابليون: قرحة سرطانية في الفتحة بين المعدة والمعي (البيلورس Pylorus) وثمة قرحة أحدثت ثقبا بسعة ربع بوصة في جدار المعدة متسببة في نشر التعفّن فيما حولها، وكان أنتومارشي قد شخص العلّه على أنها التهاب كبدي لكن اتضح أن الكبد رغم أنه كان أكبر من المعتاد لم تكن به ظواهر مرضية(66). واتضح وجود الأكياس الدهنية لا في الجلد فقط وغشاء التجويف البطني وإنما أيضا في القلب وربما كان هذا سببا في بطء نبضاته على نحو غير طبيعي. وكانت المثانة صغيرة وبها بعض الحصوات الصغيرة، وربما كان هذا بالإضافة إلى تشوّه الكلية اليسرى سببا في حاجة الإمبراطور إلى التبول تباعا وربما يفسّر هذا عدم تركيزه بشكل مستمر في أثناء معركة بورودينو Borodino ومعركة واترلو. ولم يسجل أي واحد ممن فحصوا الجثة أي أثر لمرض السيفلس (الزهري) لكن أعضاءه التناسلية كانت صغيرة وبدت ضامرة.

وفي 9 مايو انطلق موكب كبير يضم السير هدسون لو Lowe لنقل الجثمان إلى مقبرة خارج لونجوود في وادي جيرانيومز Geraniums وكان نابليون نفسه قد اختار هذا الموقع، ولُف بالعباءة التي كان يرتديها في معركة مارنجو Marengo ودُفن معه سيفه الذي كان محل فخره وشعار حياته. وظلت جثته في هذا القبر تسعة عشر عاما حتى أحبته فرنسا ثانية فأعادت رفاته إلى بلاده.