قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 4 ف 37

صفحة رقم : 14760

قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> إلى واترلو -> لويس الثامن عشر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل السابع والثلاثون: إلى واترلو 1814 - 1815

1- لويس الثامن عشر

هو لويس 81 ابن لويس الدوفين Dauphin (الكلمة تعني الابن البكر)، ابن لويس 51 فهو إذن رابع لويس، كما كان لويس السادس عشر هو ثالث لويس. وحتى سنة 1971 - عندما كان في الثلاثين من عمره - كان قانعاً فيما يظهر بأن يكون كونتاً لبروفنس Provence، وكــان وسـيماً لطيفـاً يتذوق الأدب ويدعـم الأدبـاء ويشـارك فـي المناقشات الرائعة في صالون خليلته(1). وعندما حاول لويس السادس عشر الهربَ من فرنسا (1971) حاول هو بدوره ونجح وانضم إلى أخيه كونت درتوا dصArtois في بروكسل Brussels، وعندما مات لويس السابع عشر في العاشرة من عمره (5971) بعد أن ذَوَي بسبب السجن والأحزان، حمل كونت بروفنس Comte de Provence - باعتباره الوريث الشرعي لعرش فرنسا - اسم لويس الثامن عشر واعتبر نفسه ملك فرنسا طوال سنوات الثورة وطوال فترة حكم نابليون. ولأنَّ نفوذ الثورة ونابليون راحا ينتشران، فقد كان على لويس الثامن عشر أن يغيِّر مقر إقامته فراح ينتقل من مكان إلى مكان - من ألمانيا إلى روسيا إلى بولندا إلى روسيا إلى إنجلتـرا (1181)، وهنـاك أيدته الحكومـة، واحتفظ هو نفسه باحترام للدستور البريطاني.

وفي 41 أبريل 4181 أصدر السينات (مجلس الشيوخ الفرنسي) وعلى رأسه تاليران القرار التالي: امتثالاً لاقتراح الحكومة المؤقتة وتقرير لجنة خاصة من سبعة أعضاء، يعهد مجلس الشيوخ (السينات) بحكومة فرنسا المؤقتة، لصاحب الجلالة كونت درتوا dصArtois بمسمّى ليفتينانت جنرال المملكة حتى يتم استدعاء لويس - ستانيسلاوس زافييه Louis - Stanislaus - Xavier ليشغل عرش فرنسا مع قبول الصيغة الدستورية(2). ودعا الدستور الذي صاغه مجلس الشيوخ (السينات) إلى عفو عام عن الثوريين الذين على قيد الحياة، كما دعا إلى إلغاء الرسوم الإقطاعية والأعشار الكنسية، وأكَّد صحة حجج الملكية التي يحوزها من اشتروا ممتلكات من ممتلكات الدولة (مما صودر من الكنيسة ومن المهاجرين الذين تركوا فرنسا عقب أحداث الثورة الفرنسية) والإبقاء على مجلس النوّاب ومجلس الشيوخ واحترام الحريات المدنية وسيادة الشعب.

وطلب لويس وقتاً للتفكير وقد أسعدته الدعوة لشغل العرش الفرنسي وأزعجته الشروط المفروضة. وفي 42 أبريل غادر إنجلترا قاصداً فرنسا. ومن سان أوِن Ouen (في 21 مايو) أعلن أنه سيحترم غالب ما ورد في الدستور المقترح لكنه يرفض سيادة الشعب لأنها تتعارض مع الحقوق الوراثية للملك كما منحها الله. واقترح أن يمنح فرنسا ومجلس الشيوخ ميثاقاً Charter بدلاً من الدستور. وسيصبح مجلس الشيوخ (السينات) مجلس نبلاء Chamber of Peers يختار الملك أعضاءه، وسيصبح اسم الجمعية التشريعية مجلس النواب Chamber of Deputies ويتم انتخاب أعضائه بواسطة الناخبين الذين يدفع الواحد منهم ثلاثمائة فرنك أو أكثر كل سنة كضرائب مباشرة، وسيكون على هذين المجلسين إدارة عوائد الحكومة ونفقاتها. وأغرى العرضُ بالسيطرة على أموال فرنسا، المجلسين بقبول الميثاق (عِوَضاً عن الدستور) وتعهد الملك بالتعاون، وهكذا عاد حكم البوربون (4 يونيو 4181).

وفي معمعة هذه التغييرات قلَّصت القوى المتحالفة على وفق معاهدة باريس الأولى (03 مايو 4181) حدود فرنسا إلى ما كانت عليه في سنة 2971، وأعطتها شامبري Chambery، وأنيسي Annecy وملهوس Mulhouse، ومونتبيليار Montbeliard. وسلّمت فرنسا مستعمرات مهمّة لإنجلترا وإسبانيا واعترفت بالحكم النمساوي لشمال إيطاليا، ووافقت - مقدَّماً - على أية قرارات سيتخدها مؤتمر فينا فيما يتعلق بكل المناطق التي استولت عليها فرنسا منذ سنة 2971. وبعد أن استقر لويس الثامن عشر في التوليري شعر أنّ من حقه أن يستريح ويسترخي ويسعد بعودة ملكه، وراح يتحدث عن عام 4181 باعتبارها السنة التاسعة عشرة لحكمي. لقد أصبح عمره الآن 95 سنة وسيما ودوداً كسولاً بطيئاً سميناً مصاباً بداء المفاصل، ولم يكن في كل حالاته ملكاً. لقد أسلم نفسه لحكومة دستورية، وكيّف نفسه - بكياسة - مع ناخبين وخطباء ومتنازعين وصحافة أصبحت تنعم بحرية أكثر مما كانت تنعم به في ظل حكومة الإدارة أو نابليون، وانتعشت الصالونات بالمناقشات الأدبية والسياسية. وبعد أن أصبحت مدام دي ستيل منتصرة (بمعنى أن أغراضها قد تحقّقت واصلت اجتماعاتها في باريس واستضافت الملوك.

وكانت النجاحات الاقتصادية التي حققها الحكم الجديد مدعاةً لسعادة الشعب بشكل عام. لقد كان لويس 81 ذا حِسٍّ سليم فترك قوانين المدوّنة القانونية النابليونية دون تغيير وترك - وبدون تغيير أيضاً - نظام نابليون القضائي والإداري، كما أنه (أي لويس) لم يغيّر البنية الاقتصادية. وكما كان نابليون محظوظاً بأن وجد لوزارة المالية - تلك الوزارة الحيوية - شخصاً على قدر كبير من الكفاءة والاستقامة هو فرانسو موليا Francois Mollien - كذلك وجد لويس الثامن عشر لشغل هذا المنصب نفسه البارون جوزيف - دومينيك لويس Baron Joseph - Dominique Louis الذي واجه دون توان متطلبات الخزانة وقاوم كل إغراءات الخداع المالي (المغالطات المالية).

وقد أشاد البلاط الملكي بجهوده كرمز لتيسير الانتقال من نظام حكم إلى نظام حكم آخر (كمرحلة انتقال)، وفي العام الأول من الحكم الجديد، كان هناك قدر قليل من الانتقام من أولئك الذين عملوا مع نابليون. لقد راح المارشالات الامبراطوريون (الذين عملوا مع نابليون) يختلطون بحرية مع الملكيين من ذوي الأنساب في بلاط البوربون ونستثني من هؤلاء المارشال دافو Davout، أما أفراد النبالة الدُّنيا مثل مدام دي ريموزا Remusat والسيد ريموزا الذين كانوا قريبين من نابليون فراحوا يتعبدون عند الضريح الذي أُعيد ترميمه وصقله (المقصود: راحوا يتقربون للبوربون من جديد)، وسخر تاليران قائلاً: إن البوربون لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً وقد يكون هذا القول صحيحا بالنسبة إلى الكونت درتوا dصArtois الذي كان متكبراً بغباء رغم طباعه الجيدة ومنظره الحسن، لكن هذا القول لا ينطبق على لويس 81، بل إن نابليون نفسه شهد بعد ذلك (في سانت هيلانا) بسرعة قبول معظم الفرنسيين للحكم القديم بعد إلحاق تجديدات به كما لو كانوا قد وقعوا في أسر العادات القديمة الراسخة منذ زمن بعيد، بحيث لم يكن ممكناً استئصالها تماماً.

ومع هذا كان هناك شيء من الاستياء وعدم الرضا. لقد جحدت الكنيسة الكونكوردات Concordat النابليوني وأصرّت على عودة سلطانها كما كان قبل الثورة، خاصة سلطانها على التعليم. وحصلت الكنيسة من الملك على مرسوم بمراعاة الالتزام الديني الصارم في أيام الآحاد وأيام الأعياد الدينية، ففي هذه الأيام يتعين إغلاق كل المحال من الصباح إلى المساء فيما عدا محال الكيماويين (المقصود الصيادلة) والعشابين، ولم يكن مسموحاً في هذه الأيام: (الآحاد والأعياد الدينية) بالقيام بأعمال مدفوعة الأجر أو نقل البضائع لأغراض تجارية(3). وأصبح من الصعب عدم الاعتراف بالكاثوليكية. لكن الأكثر مدعاة للإزعاج هو مطالبة الكنيسة بكل الممتلكات الكنسية التي صادرتها الثورة، وهو طلب بدا معقولاً. لكن تنفيذه لا يمكن إلا أن يُواجه بثورة مئات الألوف من الفلاحين وأفراد الطبقة الوسطى الذين سبق أن اشتروا هذه الممتلكات من الدولة. إن خوف هؤلاء المشترين من نزع ملكياتهم كلها أو جزءاً منها جعلهم يفكرون في الترحيب بعودة نابليون مبرّاً من داء شن الحرب.

لازالت هناك أقلية نشيطة متعلِّقة بمبادئ الثورة راحت - على أية حال - تعمل بشكل سري لإحياء هذه المبادئ. لقد راح اليعاقبة Jacobins الذين تعرضوا لضغط شديد على يد الحكم الملكي الجديد - يعملون على أمل أن تصبح عودة نابليون ضرورة وأن يطيح بحكم البوربون، ويصبح مرة أخرى ابنا للثورة. واستطاع اليعاقبة أن يجندوا كثيرين في صفوف الجيش لتحقيق هذا الأمل. وكان المارشالات قد وقعوا أسرى كرم الملك ودماثته ولكن طبقة الضباط كانت تتطلع إلى إحياء الأيام التي كانت فيها هراوة المارشال يمكن أن يحوزها الضابط في ميدان المعركة (المعنى: يمكن أن يتحول الضابط العادي إلى مارشال على وفق بلائه في المعركة). لقد راحت طبقة الضباط تتوق لتلك الأيام خاصة وهم يرون أن طبقة النبلاء راحت تستعيد احتكارها للمناصب العليا. وكان لويس 81 - رغبة منه في موازنة الميزانية - قد سرّح 000،81 ضابط و 000،003 جندي، وراح كل هؤلاء الرجال المطرودين تقريباً يناضلون ليجدوا لهم مكاناً في ظل النظام الاقتصادي السائد، وراحوا يتذكرون بحسرة أيام الإمبراطور (نابليون) التي بدت في عيونهم مثالية، تلك الأيام التي بدا فيها الموت دالاً على العظمة.

وكان سخط الجيش هو الأكثر وضوحاً من بين مظاهر السخط البادية في القوى الأخرى التي فتحت الباب أمام عودة المبالغات الفاتنة. أضف إلى هذا خوف الفلاحين من نزع ملكياتهم أو عودة الرسوم الإقطاعية، وكان الصناع يعانون من تدفق البضائع البريطانية تدفقاً شديداً. لقد كان الجميع مستائين باستثناء الكاثوليك شديدي التمسك بكاثوليكيتهم والخاضعين لسيطرة الإكليروس خضوعاً شديداً، وكان حل الملك للمجلسين في نهاية سنة 4181 (لم يُعدها حتى شهر مايو) مما زاد السخط، وكان الفقراء مشتاقين في طوايا نفوسهم لفرنسا النابليونية المثيرة ذات البهاء؛ كل هؤلاء كانوا سهلي الانقياد وكانوا في انتظار ريح مواتية فوصلت أخبارهم إلى إلبا Elba ورفعت الروح المعنوية للمقاتل السجين (نابليون) الذي اتضح أنه وإن كان قد جُرح فإنه لم يمت.


2- مؤتمر فيينا - سبتمبر 1814 - يونيو 1815

كان هذا المؤتمر أكثر الاجتماعات السياسية تميزاً في التاريخ الأوروبي وكان من الطبيعي أن يكون أعضاؤه البارزون هم المنتصرين الكبار في حرب الأمم: روسيا وبروسيا والنمسا وبريطانيا العظمى، لكن كان هناك أيضاً مندوبون عن السويد والدنمرك وإسبانيا والبرتغال والباباوية وبافاريا وسكسونيا وفيرتمبرج Wurttemberg...، ولأن تاليران المخادع كان يمثل فرنسا المهزومة، فإن هذا وحده كان كافياً لوضعها في الاعتبار. وستوضِّح إجراءات المؤتمر مبدئين ليسا متناقضين تماماً بالضرورة: أصوات المدافع أقوى وأعلى من الكلمات، كما أن القوة قلَّما تُحرز نصراً إذا لم يحكمها العقل.

كانت روسيا ممثلة بشكل أساسي بالقيصر إسكندر الأول ذي الجيش الأكبر والجاذبية الأوضح. لقد اقترح بمساعدة الكونت أندرياس رازوموفسكي (راعي بيتهوفهن) والكونت كارل روبرت نسلرود Nesselrode أن تحصل روسيا على بولندا كلها مكافأةً لها لقيادتها الحلفاء من مرحلة التردد على النيمن Niemen والسبري Spree إلى النصر على ضفاف السين Seine، وأيد الأمير تشارتوريسكي Czartoryski ممثل بولندا (بإذن من إسكندر) هذا الاقتراح على أمل أن توحيد بولندا يمكن أن يكون خطوة نحو استقلالها.

وكان يمثل بروسيا من الناحية الرسمية الملك فريدريك وليم الثالث وإن كان الأكثر فعالية في وفدها هو الأمير فون هاردنبرج مع فيلهلم فون همبولدت الذي كان كفيلسوف الحاشية. لقد طالبوا بمكافأة مناسبة للقيادة العسكرية الباهرة للقائد البروسي بلوخر Blucher ولتضحية البروس بحياتهم. ووافق إسكندر بشرط أن تسحب بروسيا دعاويها في المنطقة البولندية التي كانت تابعة لها، وقدَّم لفريدريك وليم كل سكسونيا (التي كان ملكها مسجوناً في هذا الوقت في برلين) والذي يستحق عزله من منصبه لأنه كان قد قدَّم الجيش السكسوني ليكون تحت إمرة نابليون، ووجد الفريهر فوم شتاين Freiherr Vom Stein أن هذا حل لطيف للمسألة. وادّعت النمسا أن دعوتها للتحالف (ضد نابليون) هي التي قررت نتيجة الحرب، ولابد - لهذا - أن تتلقى عوناً كريماً على مائدة المنتصرين. وكان إبعادُ النمسا عن بولندا أمراً لا يُحتمل كما أن ضم سكسونيا إلى بروسيا قد يطيح بتوازن القوى كلية بين الشمال والجنوب، وبذل ميترنيخ كل جهده وكياسته وحدّة ذهنه للحيلولة بين المجتمعين وبين أن يجعلوا من النمسا قوة أوروبية (أو كياناً أوروبيا) من الدرجة الثانية. وعاون الإمبراطور فرانسيس الثاني وزير خارجيته في تحقيق هذا الغرض بإغراق ضيوفه بالولائم والحفلات. لقد كانت خزانته بعد الحرب على شفا الإفلاس، فغامر بما بقي فيها بإغراق ضيوفه بالنبيذ والشمبانيا (نوع من الخمور) وإتخامهم بالوجبات الدسمة Neanderthal Meals، وتألقت صالات القصور الملكية طوال معظم الليل بالحفلات المسرفة، وظهر الممثلون والممثلات والمغنون والمغنيات والفنانون والفنانات لتحقيق البهجة لأصحاب الجلالة والسعادة والسمو ومن معهم.

وهز بيتهوفن مشاعر المدينة بمقطوعته "Die Schlacht Von Vittariaس وحملت النسوة الجميلات ثروات طائلة في ملابسهم وشعرهن (المقصود الحلي والمجوهرات)، وأبدين للعيان كثيراً من زينتهن بقدر ما يسمح احترامهن الرقيق للكاردينال كونسالفي Consalvi، وأصبحت الخليلات رهن إشارة الباحثين عنهن من ذوي المكانة، وسدّت المحظيات والمومسات حاجة أفراد النبالة الدنيا. وسرت الإشاعات في المدينة عن علاقات القيصر الغرامية(4). لقد ربح قيصرُ النساءَ لكنه خسر معركته الدبلوماسية. لقد راح ميترنيخ يبحث عن حلفاء ضدّه (ضد القيصر) من بين أعضاء وفود القوى الصغرى. لقد دافع عن أن مبدأ الشرعية يمنع سلب ملك (نزعه من ملكه) وهو الاقتراح الذي قدمته كل من روسيا وبروسيا فيما يتعلق بسكسونيا وملكها. وقد اتفقوا، لكن كيف يستطيعون إقناع روسيا بهذا المبدأ وهي تمركز على جبهتها الغربية 000،005 جندي؟ وناشد ميترنيخ اللورد كاسلريه Castlereagh المتحدث باسم إنجلترا: ألن تتوقّع إنجلترا شرا من روسياالممتدة عبر بولندا والمتحالفة مع بروسيا المنتفخة بضم سكسونيا إليها؟ ماذا سيفعل هذا بتوازن القوى شرقاً وغرباً؟ وبرّر كاسلريه موقفه قائلاً إن بريطانيا في حرب مع الولايات المتحدة ولا تستطيع المخاطرة بمواجهة روسيا.

وهنا لجأ ميترنيخ - كملاذ أخير - إلى تاليران لقد كان ميترنيخ قد أغضب الرجل الفرنسي (تاليران) باستثناء فرنسا من الاجتماعات الخاصة للأربعة الكبار Big Four كما استثنى معها القوى الأقل أهمية، وأجّل (أي ميترنيخ) أول اجتماع شامل لكل الدول التي حضرت المؤتمر إلى أول نوفمبر 4181. فكوّن تاليران فكراً عاماً (قضية مشتركة) بين كل أعضاء الوفود الذين لم يحضروا اجتماعات الأربعة الكبار، وسرعان ما وافقوا على أن يكون متحدثاً باسمهم. وبعد أن أصبح موقفه قوياً على هذا النحو بدأ يتحدث عن فرنسا كقوّة لازالت من الدرجة الأولى، يمكنها أن تقيم جيشاً من 000،000،3 مقاتل وتموّله. ووجد ميترنيخ في هذا أملاً (أفكاراً واعدة يمكن استثمارها) مع أنه ربما يكون قد اعتبر هذا تهديدا. وضمن تاليران موافقة لويس 81، وكسب الدبلوماسيان (تاليران وميترنيخ) تأييد كاسلريه Castlereagh الذي عقدت بلاده الآن اتفاق سلام مع أمريكا. وفي 3 يناير 5181 كوّن كل من فرنسا والنمسا وبريطانيا العظمى تحالفاً ثلاثياً Triple Alliance ليؤازر بعضُهم بعضَهم الآخر للحفاظ على توازن القوى. وعندما وُوجهت روسيا بهذا التحالف الجديد سحبت كل دعاوٍ لها في بولندا، ووافقت بروسيا - بعد أن استعادت ثورن Thorn وبوزن Posen - على أن تحصل على خُمْسَيْ سكسونيا فقط. لقد أصبح من حق تاليران أن يفخر بأنه حوّل بدبلوماسيته فرنسا من متسوّل مُهان إلى قوة كبرى مرة أخرى. وبعد نحو تسعة أشهر من المساومة أعاد أصحاب الجلالة والفخامة والسمو المجتمعون توزيع أراضي أوروبا على وفق المبدأ القديم - تبقى الأسلابُ للمنتصرين إن كانوا مازالوا أقوياء قوّة تمكّنهم من الاستيلاء عليها، وظهر هذا واضحا في قرارات مؤتمر فينا الصادرة في 8 يونيو 5181. واحتفظت مالطا باعتبارها مركز حراسة تابع لها في قلب البحر المتوسط، وبسطت حمايتها على الجزر الأيونية كمراكز حراسة تابعة لها في الأدرياتي وشرق البحر المتوسط. وأعادت بعض المستعمرات الفرنسية والهولندية التي كانت قد استولت عليها في أثناء الحرب، لكنها احتفظت لنفسها بمستعمرات أخرى لم تردها (خاصة سيلان ورأس الرجاء الصالح) واستعادت سيطرتها على هانوفر ورتّبت تفاهماً مشتركاً قوياً مع مملكة الأراضي المنخفضة Netherlands الجديدة التي تضم الآن هولندا وبلجيكا وبالتالي تضم بين جنبيها مصبَّات نهر الرّاين.

وعانت بولندا من تقسيم جديد مع بعض التحسينات. وتسلّمت بروسيا المناطق المحيطة بكلٍّ من بوزن Posen ودانزج (دانتسج Danzig)، وتسلمت النمسا جاليسيا Galicia، وتسلمت روسيا دوقية وارسو (فرسافا) الكبرى التي أصبح اسمها مملكة بولندا وأصبح القيصر الروسي ملكاً عليها كما أصبح لها دستور ليبرالي. لقد خرجت بروسيا من الحرب بمكاسب أعدّتها لبسمارك (بمعنى أنها أصبحت تربة صالحة لأفكار بسمارك وجهوده): فبالإضافة إلى خُمْسَي سكسونيا ضمتّ إليها بوميرانيا Pomerania السويدية وريجن Rugen ومعظم وستفاليا Westphalia ونيوشاتل Neuchatel في سويسرا، وتأثير سائد غلاب في الكونفدرالية الألمانية German Confederation التي حلّت الآن محل الكيان الذي كان نابليون قد أسماه كونفدرالية الرّاين Confederation of the Rhine. واحتفظت سكسونيا بثلاثة أخماس أراضيها السابقة واستعادت ملكها. أما النمسا فبالإضافة إلى أراضيها التي كانت في حوزتها قبل مؤتمر فينا حصلت على سالزبورج (سالتسبورج Salzburg) وإليريا، ودلماشيا والتيرول والمملكة اللومبارديه الفينيسية في الشمال الإيطالي. وعادت الولايات الباباوية إلى البابا، وعادت توسكانيا إلى الحكم الهبسبرجي البوربوني. وأخيراً أدان المؤتمر تجارة الرقيق إذعاناً للمسيحية.

وخلال شهري ديسمبر ويناير 4181-5181 نظر المؤتمر بجدية إلى اقتراحات باتخاذ مزيد من الإجراءات مع نابليون. لقد كان من رأي بعض أعضاء الوفود أنه من المؤكد أن هذا الرجل المثير (نابليون) لن يستقر راضياً لفترة طويلة وهو حاكم لجزيرة إلبا الصغيرة، وهذه الجزيرة (إلبا) قريبة جدا (بشكل غير مريح) لإيطاليا وفرنسا. فأي إزعاج سيسببه إن هرب منها؟ وكانت هناك اقتراحات عديدة بإرسال قوة عسكرية إلى إلبا للقبض على نابليون وعزله في مكان آخر أكثر بُعدا، وأكثر أمناً لأوربا. وكان هذا أيضا هو رأي تاليران وكاسلريه، ولكن القيصر إسكندر اعترض، فاستقر الأمر على تركه في إلبا(5).

وبينما المؤتمر على وشك إنهاء أعماله وصلته في بكور صباح 7 مارس رسالة تحمل خاتم طارئ وعاجل. لقد كانت هذه الرسالة من القنصل النمساوي في جنوه وموجهة إلى الوزير النمساوي ومُفادها أن نابليون هرب من إلبا. وعندما أحيطت الوفود علما وافقت على تأجيل فض الموتمر وأن يبقوا في فينا حتى يتم الاتفاق على عمل موحّد. وفي 11 مارس وصلت أخبار أخرى مفادها أن نابليون قد نزل بالقرب من أنتيب Antibes، وفي 31 مارس أصدر المؤتمر من خلال لجنة الثمانية إدانة لنابليون مع اعتباره مُهْدَر الدم، فكل من يقتله لا يقع تحت طائلة القانون، وكان المؤتمر قد أكمل برنامجه، لكنه رغم تفرق الوفود ظل رسميا منعقدا حتى 91 يونيو عندما وصلت أخبار بهزيمة نابليون في واترلو في اليوم السابق. ساعتها أعلن المؤتمر إنهاء أعماله رسميا.


3- إلبـا

وصل نابليون إلى بُورْتو فِرْياو في 3 مايو 4181. ونزل إلى البر في صباح اليوم التالي فاستقبله سكان المدينة بترحيب يفوق الوصف ظناً منهم أنه أحضر معه ملايين الفرنكات لينفقها (في جزيرتهم) وكانوا قبل ثمانية أيام قد شنقوا تمثالاً له باعتباره رجلا مولعا بالحرب إلى حدّ الجنون(6). لقد حَفّوه حارسين له إلى قصر الحاكم الذي أصبح لابد، الآن، يكتسي بالأبهة الإمبراطورية. وطوال التسعة شهور التالية كان على نابليون أن يكون إمبراطورا على جزيرة مساحتها 68 ميلا وسكانها 000،21 نفس. وأحاط نفسه بكل مظاهر العظمة - ملابس فاخرة وحرس ملكي وحجّاب وياورات وخدم وحشم وموسيقييين ومائة حصان وسبع وعشرين عربة، وربما كان هذا في جانب منه لإيمانه بأن المظاهر هي لعبة الحكم(7). وفي 62 مايو أتى 004 عضو من أعضاء الحرس القديم لخدمته كنواة لجيش مصغّر. وأتى نحو مائتي متطوع من فرنسا كما أتاه متطوعون آخرون من إيطاليا وكورسيكا فسرعان ما أصبح لديه نحو 0061 مقاتل مستعدين للحرب في مواجهة أية محاولة لايذاء إمبراطورهم المحبوب رغم كراهية آخرين له. وليتمتع بمزيد من المناعة حصّن الميناء ونظّم أسطولا - سفينة كبيرة بصاريين (السفينة إنكونستانت Inconstant) وأربع سفن صغار، وكانت كلها مسلّحة.

كيف أمكنه تمويل كل ذلك، وغير ذلك من الأعمال العامة والمشروعات التي حسّن بها أحوال الجزيرة؟ لقد كانت معاهدة فونتينبلو قد ضمنت له مبلغاً سنوياً يأتيه من فرنسا، لكن ذلك لم يحدث، ولم يتلق المبلغ(8). لقد كان نابليون على أية حال قد أحضر معه 000،004،3 فرنك ذهباً وفضة، وجمع 000،004 ليرة سنوياً من الضرائب وعوائد أخرى. وبعد انقضاء نصف عام راح يفكر في كيفية مواجهة هذه النفقات إذا مكث في الجزيرة أكثر من عام. وظل لفترة سعيداً بشكل معقول، واضعاً في اعتباره أساليبه الموسّعة (المقصود خططه طويلة المدى)، وفي 9 مايو كتب إلى ماري لويز: وصلت هنا منذ خمسة عشر يوماً. لقد اتخذت لي محلَّ إقامة جميلا.. صحتي على ما يُرام. المنطقة (الجزيرة). مقبولة. لا ينقصني سوى أخبار منك وتأكيدات بأنك على خير ما يرام.. إلى اللقاء يا حبيبتي. قبلة لابني(9). وكان ابن آخر مع أمه الكونتيسة المخلصة فالفسكا Walewska من بين أوَّل من زاره، وظن البحارة والمواطنون أنها الإمبراطورة، فرحبوا بها كما يجري الترحيب بإمبراطورة. وانزعج نابليون فقد كان يأمل أن تلحق به زوجته (ماري لويز) وابنه ملك روما، فاستراح ليوم أو يومين بين ذراعي فالفسكا(01) ثم طردها برفق متعللِّلا بالأحوال. وربما تكون ماري لويز قد سمعت إشاعات مبالغاً فيها عمّا جرى في هذين اليومين(11). وفي أكتوبر أتت أمه وأخته بولين للإقامة معه. وقدّمت له بولين جواهرها والتمست عنده الأعذار لما ظهر من مورا Muratمن عدم ولاء. واهتمت به أمه اهتماما مفعماً بالعاطفة، وواسته وقدَّمت له كل مدّخراتها. وظلت أمه وأخته معه رغم افتقادهما حيوية الحياة الإيطالية.

ويمكننا أن نتصّور كم كان يعاني بعد الشهور القليلة الأولى من المجال الصغير للجزيرة، وضيقها عن إمكاناته الكبيرة وأحلامه العظيمة. وحاول أن يهرب من الملل بالانهماك في النشاط البدني، لكن ما كان يمضى يوم حتى تأتيه أخبار من البر الأوربي تزيده اضطرابا وتحول بينه وبين الاستقرار. لقد أخبره مينيفال Meneval الذي كان في خدمة ماري لويز في فينا عن المناقشات التي جرت في المؤتمر (مؤتمر فينا) بخصوص إبعاده عن جزيرة إلبا إلى مكان أبعد ضمانا لأمن أوربا(21) وأضاف قائلا له إن المؤتمر ربما ينتهي في 02 فبراير. وأخبره آخرون باستياء الجيش الفرنسي، ومخاوف الفلاّحين وهياج اليعاقبة وعودة نظم العبادة الكاثوليكية إلى قوتها الأولى. وفي فبراير 5181 أرسل له هوج مار Hugues Maret (دوق باسانو Duc de Bassano) رسالة حملها فلوري دي شابولو Fleruy de Chaboulon يؤكد له فيها كل هذه التقارير(31).

واندهش لهذه التقارير التي أنعشت فيه الآمال بنهاية أكثر نبلاً من الموت بسبب الفراغ والعزلة، فأخبر أمه بنواياه وطلب منها النصح، فاعتراها القلق من أنها لو تركته الآن يذهب فلن تراه مرة أخرى أبدا، فقالت له: دعني أنعم بالأمومة لفترة وبعدها سأقول لك رأيي لكنها علمت أنه كان قد قررّ بالفعل أن يقوم بمغامرته الأخيرة. فقالت له اذهب يا ولدي إلى قَدَرك (النص: اذهب لتنفيذ ما كتبه القدر لك(41). لقد شعر أنّ عليه أن يعمل بسرعة. فإن انقضى وقت قصير قد لا يكون لديه الوسائل التي يدفع منها لهؤلاء الفرنسيين البالغين ألفا الذين خدموه والذين يجب أن تستمر خدماتهم. إن الظروف قد تطورت بما يسمح له بمحاولة لاستعادة عرشه والدفاع عنه ليورّثه لابنه الجميل كأدونيس Adonis بعد تدريبه على فنون الحكم. لقد كان الحلفاء ينهون مؤتمرهم وبسبيل عودتهم إلى بلادهم مصحوبين بجنودهم، وربما يكونون قد أصبحوا مستعدين للاستجابة لدعوته للسلام فُرادى. لقد كانت لياليه لا تزال طويلة، وفي جنح الليل يمكن لأسطوله الصغير أن يُفلت من المراقبة ليكون - مرة أخرى - على الأرض الفرنسية. لقد جهّز أموره بسرية قدر الإمكان، لكن من خلال تفكيره العميق ونظره الثاقب كما هو معتاد منه. لقد أمر الحرس الإمبراطوري وثمانمائة من رماة القنابل (المجموع 0011 مقاتل) أن يُعدّوا أنفسهم ليكونوا على رصيف الميناء في مساء 62 فبراير للقيام برحلة تستغرق عدة أيام إلى جهة غير محدّدة، ومع هذا فقد استنتجوا أنهم ذاهبون إلى فرنسا وأسعدهم هذا. وفي مساء اليوم المحدد عانق أمه وأخته (اللتين كان عليهما أن تتجها حالا إلى أصدقاء في إيطاليا) وانضم إلى كتيبته الصغيرة وركبوا معه السفينة إنكونستانت والسفن الأربع الصغار وأبحروا بهدوء في جُنح الليل. ولم تكن الريح مواتية فكانت تهمد حينا فتترك أسطولهم بلا عون، وأحيانا كانت تقترب بهم إلى الشاطئ، واعتراهم القلق مخافة أن تتعرفهم السلطات ويتم إيقافهم فيتعرضون للسجن بشكل مخز. لقد ظلوا طوال ثلاثة أيام يبحرون شمالا ثم غربا متجاوزين جنوا والريفيرا الفرنسية. وفي أثناء الإبحار على هؤلاء الرجال - ممن يعرفون الكتابة - أن يستنسخوا مئات النسخ من بيان نابليون الذي سيُوَزَّع في فرنسا:

أيها الفرنسيون

لقد سمعتُ في منفاى تفجعّكم ودعاءكم. إنكم تتطلعون إلى الحكومة التي تختارونها، فالحكومة التي تختارونها هي وحدها الحكومة الشرعية. لقد عبرْتُ البحرَ، وإنني آتٍ لاسترداد حقوقي التي هي حقوقكم - بالنسبة إلى الجيش: إن ممتلكاتك ورتبك وعظمتك ومجدك، هي ممتلكات أبنائك ورتبهم وعظمتهم ومجدهم، وليس هناك للأبناء أعداء أشد وطأة من هؤلاء الأمراء الذين فرضهم الأجانب عليكم.... إن النصر سيُسِرع الخطى، والنسر (العقاب) والأعلام الوطنية ستتحلّق فوق كل أبراج الكنائس من برج كنيسة إلى برج كنيسة آخر، بل حتى على أبراج نوتردام Notredame. ستكونون أنتم محرّري وطنكم(51).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4- رحلة لا تُصَدَّق 1- 20 مارس 1815

ظهر الأسطول الصغير الذي يحمل الإمبراطور وقَدَره أمام رأس أنتيب Cap d, Antibes في فجر أول مارس، وفي وسط النهار بدأ الجنود البالغ عددهم 0011 بالنزول إلى البر في جولف جوان Golfe Juan، وقفز بعضهم في المياه الضحلة وخاضوا إلى الساحل. وكان نابليون آخر من هبط، فأمر بإقامة معسكر مؤقت في مزرعة زيتون بين البحر والطريق من أنتيب إلى كان Cannes. وأرسل مجموعة صغيرة إلى كان لشراء خيول ومؤن على أن يدفعوا ثمنها نقدا إذ كان قد أحضر معه من إلبا 000،008 فرنك ذهبا. وأمر مجموعة أخرى أن تذهب إلى أنتيب لتحث حاميتها على الانضمام إليه، فعنَّف آمرُ الحامية مبعوثي نابليون وسجنهم ولم يحاول نابليون التوجه إليه لإطلاق سراح رجاله فقد كان قد قرر الاستيلاء على باريس دون أن يطلق طلقة واحدة.

لم يجد نابليون ترحيبا في أنتيب فلم يكن العابرون يبدون حماسا عندما كان يقال لهم إن الرجل الضئيل الحجم الذي يدرس الخرائط على منضدة في الهواء الطلق هو الإمبراطور. لقد كانت المنطقة قد أصابها الضُّر بسبب الحرب والتجنيد الإلزامي والحصار المزدوج (حصار بريطانيا للسواحل الفرنسية والحصار المضاد الذي فرضه نابليون على البضائع البريطانية) وبالتالي لم يكن لدى أهل أنتيب شهية للمزيد من هذا. وأتى محافظ أنتيب (رئيس بلديتها) ليتفحّص أحوال هؤلاء الغزاة (نابليون ورجاله) وقال لنابليون: لقد كنا قد بدأنا نشعر بالسعادة والسكون. إنك ستفسد كلّ شيء. وقد تذكر نابليون بعد ذلك وهو في سانت هيلانا هذا القول، فذكر لجورجو Gourgoud: لن أقول لك كيف أثّرت فيّ هذه الملاحظة ولا الألم الذي سببته لي(61). وأكد له مراسل (جاسوس) عابر أن كل الجيش والعوام يقفون إلى جانبه - على نحو أوآخر - من باريس إلى كان، لكن أهل بروفنس Provence يقفون ضدّه.

وكان نابليون يعرف ذلك جيدا فتذكر تجاربه المريرة في أورجون Orgon قبل ذلك بأحد عشر شهرا، والآن فإن هذه الذكريات حدّدت طريقه إلى باريس. لقد اختار أن يْسلك الطريق الجبلي من كان إلى جراس Grasse، ودِنْي Digne وجرينوبل Grenoble وليون وكانت المنطقة إلى الجنوب من جرينوبل غير كثيفة السكان كما كانت الحاميات فيها قليلة العدد، وكانت مناطق معروفة بعدم موالاتها للبوربون. وكانت الجبال التي سيتعين مرورهم فوقها لازالت مغطاة بالجليد، وقد يتذمر من ذلك حرسه القديم ورماة القنابل، لكنهم لن يتخلّوا عنه.

وهكذا، في نحو منتصف ليلة الأول من مارس انطلق بجنوده البالغين 0011 في الطريق إلى كان. وكان نحو ستين منهم قد تمكنوا من شراء خيول، لكن كان عليهم أن يحفظوا المسافة والأُلفة بينهم وبين الباقين، ولهذا ساروا إلى جانب الركائب الحاملة للأمتعة. وعادة ما كان نابليون يركب عربة، وفي وسط الركب كان هناك حرس يحرس ذهب نابليون، كما كان هناك عدد من الكورسيكيين الصارمين يحمون المؤخرة(71).

وفي جراس Grasse تركوا مدفعهم لفرط ضخامته لأنه سيسبب مشكلة في طرق جبلية يجلّلها الجليد. وقطع المحاربون القدماء الذين اعتادوا كسب المعارك بسيقانهم (المقصود بسرعة حركتهم) مسافات طيبة، وفي الخامس من مارس وصل الرَّكب إلى جاب Gap بعد أن كان غالبهم قد قطع 051 ميلاً في أربعة أيام. وعند لامور La Mure (02 ميلا إلى الجنوب من جرينوبل) واجهوا أوّل تحٍدّ خطير.

لقد كان قائد القسم الخامس في الجيش المتمركز في جرينوبل قد تلقّى أوامر من باريس بالقبض على نابليون فأرسل كتيبة من 005 جندي لوقف المتمردين الذين اقتربوا. وعندما اقتربت الكتيبة المعترضة وتقارب أفرادها أمر نابليون رجاله بإلقاء أسلحتهم (تنحيتها جانبا) وتقدم هو إلى الصدراة وترجّل متقدما إلى الجنود (المهاجمين) واقترب منهم، وتوقف إزاءهم وخاطبهم: يا جنود القسم الخامس، أنا إمبراطوركم، ألا تعرفونني؟! وكشف عن معطفه العسكري ثم قال: إن كان بينكم جندي يريد أن يقتل إمبراطوره، فها أنا ذا فخفض غالبهم أسلحتهم (نحوُّها جانبا) وصاحوا عاش الإمبراطور وتفرقت الكتيبة وتجمع جنودها حول نابليون سعداء محاولين لمسه، فتحدث إليهم نابليون بعاطفة جيَّاشة وعاد إلى جيشه الصغير، وهناك قال إن الأمور قد استقرّت وسنصبح في غضون عشرة أيام في التوليري(81).

وفي تلك الليلة اقتربوا من جرينوبل فتجمهر مئات الفلاحين والبروليتاريا للترحيب بنابليون، وعندما وجدوا إحدى بوابات المدينة مغلقة كسروها ليتمكن جيشه الصغير من العبور، وترك رجاله المرهقين لينالوا قسطا طيبا من الراحة حتى ظُهر اليوم التالي، وذهب هو نفسه إلى فندق تروا دوفين Trois Dauphins (الدلافين الثلاثة)، فرحب به رئيس المجلس البلدي ومسؤولو الإدارة، بل وجاء القادة العسكريون لتحيته. وفي الصباح أقبلت إليه وفود أكبر طالبة منه أن يتعهَّد بحكومة دستورية. لقد كان يعلم أنّ جرينوبل كانت في طليعة الثورة وأنها لم تفقد أبداً تعطّشها للحرية فحدّثهم حديث من ترك أفكار تركز السلطة في يد الحاكم (الحكم الاستبدادي) ووعدهم بالإصلاح. لقد اعترف أنه كان أسرف في استخدام السلطة وأنه كان قد سمح للحرب التي كانت دفاعية في الأساس لتصبح موجّهة للغزو فاستنزفت فرنسا تقريبا، ووعد أن يقدم لفرنسا حكومة نيابية على وفق مبادئ 9871 و 2971. وقال لهم إن أعزّ أمانيه الآن هو أن يُعد ابنه ليكون زعيما ليبراليا جديرا بحكم فرنسا المتنوّرة(91).

وبعد ظهر هذا اليوم (8 مارس) أمر أتباعه بمواصلة مسيرتهم لأنه سيبقى يوما آخر في جرينوبل لإصدار توجيهات للمدن التي قبلت قيادته لكنه وعد جماعته بالانضمام إليهم ثانية في الوقت المناسب لمساعدتهم في تحقيق انتصارات سلمية. وفي العاشر من مارس انضم إليهم وقادهم إلى ليون.

وقبيل هذا الوقت، وصلت أخبار مغامرة نابليون إلى لويس الثامن عشر، فلم ينزعج في البداية، وشعر بالثقة في أن هذا المتَّهم (نابليون) سُرعان ما سيتم إيقافه. لكن عندما استمرت مسيرة نابليون واقتربت من جرينوبل - المعروفة بعدائها للبوربون - أصدر (أي لويس) إعلانا في السابع من مارس يحُضُّ فيه كل مواطن على المساعدة في القبض على هذا المجرم المزعج (نابليون) لإعدامه بعد محاكمة عسكرية، كما صدر مرسوم بإيقاع العقاب نفسه على كل من ساعده. واستدعى الملك نَيْ Ney من محل تقاعده وطلب منه أن يقود قوّة عسكرية ضد نابليون، فوافق، لكن قصّة تعهّده بأن يأتي بنابليون في قفص حديدي، ربما كانت قصة موضوعه(02). لقد أسرع نَيْ Ney جنوبا، وتولّى قيادة كتيبة عسكرية في بيسانسو Besancon واستدعى الجنرال دي بورمون de Bourmont والجنرال ليكورب Lecourbe للانضمام إليه بقواتهما عند لون - لي - سونييه Lons - Le - Saunier (شمال غرب جنيف)، وتوجه للستة آلاف مقاتل الذين جُمّعوا على هذا النحو بكلام حماسي شديد لإلهاب شجاعتهم. لقد قال لهم: حسنا. هذا الرجل القادم من إلبا حاول تنفيذ مشروعه الغبي، وسيكون هذا آخر عمل له(12) ولم يتجاوب معه رجاله إلا قليلا.

وفي ذلك اليوم (01 مارس) كانت ليون ترحِّب بنابليون، فقد كان الصنّاع وأصحاب المصانع هناك قد انتعشت أحوالهم في ظل الحصار القاري الذي فتح كل أوربا (ما عدا إنجلترا) أمام منتجات ليون ولم يكن أهل ليون يحبون المهاجرين (الذين تركوا فرنسا إِثْر أحداث الثورة الفرنسية) الذين عادوا الآن إلى المدينة وراحوا يتصرفون كما لو أن الثورة الفرنسية لم تقم في وقت من الأوقات أو بتعبير آخر راحوا يتصرفون كما كانوا يتصرفون قبل الثورة. وفي وسط هذا الاستياء راح أصحاب الأعمال - لأسباب خاصة بهم - يرحبون بنابليون، وكان كثيرون من أهل المدينة يعاقبة متحمِّسين كما ظهرت الآن على السطح تيارات لم تكن ظاهرة راحت ترحب بنابليون على أمل أن يعود بهم إلى عام 9871. وكان الفلاحون في المناطق الداخلية قلقين بشأن أراضيهم، وراحوا يتطلعون إلى نابليون كمخلّص سينهي لصالحهم معركة استرداد الأراضي المؤمّمة أو الأراضي التي وزعتها الثورة من ممتلكات الكنيسة، وكان جنود حامية ليون توّاقين لوضع عقدة الشريط الأحمر على حرابهم.

لكل هذا فتحت ليون بواباتها، فهرب الملكيون وابتسم البورجوازيون وابتهج العمال والجنود، بينما كان نابليون يقود كتيبته في المدينة. وأقبل مسئولو البلدية والقضاة بل وبعض القادة العسكريين ليقدموا ولاءهم له، فأجابهم بأن وعدهم بحكومة دستورية وبانتهاج سياسة السَّلام. وانضمت الحامية كلها - فيما عدا الضباط النبلاء - إلى جيشه المتضخّم (الذي راح عدده يزداد بالتدريج) وهو يواصل مسيرته إلى باريس. لقد أصبح عدد جيشه الآن 000،21 كلهم مستعد للحرب بناء على أوامره، لكنه كان لا يزال عاقداً الأمل على إحراز النصر دون إطلاق النار. وكتب إلى ماري لويز واعداً إياها أن يكون في باريس في 02 مارس (الذكرى السنوية الثالثة لميلاد ابنه) وقال لها إنها ستُسعده سعادة فوق الحد إن استطاعت اللحاق به هناك حالا. وكتب إلى نَيْ Ney ملاحظات ودودة كما لو أن صداقتهما لم تشبها شائبة قط، ودعاه للالتقاء به في شالون Chalons ووعده أن يلقاه كما لقيه بعد معركة بوروديو Borodio، أي كأمير موسكو Prince of Moskva وفي 41 مارس دعا نَيْ Ney (وكان لايزال في لون - لي - سونييه Lons - Le - Saunier) جنوده جميعا وقرأ عليهم الإعلان الذي كلفه حياته بعد ذلك: أيها الجنود إن قضية البوربون قضية خاسرة وإلى الأبد. فالأسرة الحاكمة الشرعية لفرنسا على وشك أن تعتلي العرش. إن الإمبراطور نابليون هو حاكمنا وهو الذي سيحكم بلدنا العظيم من الآن فصاعدا فهزّ الجنود الأرض بصيحاتهم وهتافهم المتكرر عاش الإمبراطور عاش المارشال نَيْ!(22) وعرض عليهم أن يقودهم للانضمام إلى قوات نابليون، فوافقوا، ووجدهم نابليون في أوكزير Auxerre في 71 مارس. وفي 81 مارس استقبل نابليون المارشال ني Ney وتجدّدت صداقتهما وبعدها لم يجسر أحد على اعتراض سبيل الزحف إلى باريس.

وفي مساء 71 مارس اجتمع الملك لويس 81 بالمجلسين في قصر البوربون، مرتديا زيه الملكي كاملا وأعلن عزمه على مقاومة نابليون. قال: لقد عملتُ لسعادة شعبي، أيمكن - وأنا في الستين من عمري - أن أجد نهاية أفضل من الموت دفاعا عنه؟ وأمر بتعبئة كل القوى الملكية، وقد استجاب له بعض ممثلي هذه القوى وكان معظمهم - بشكل أساسي - من جنود حرس أسرته، أما الجشي النظامي فكان متوانياً بطيء الاستجابة، ولم يظهر قائد قدير يعرض قيادته لهذا الجيش أو بث الحماس فيه. وشرعَ الملكيون والموالون للملكية في الهجرة (تَرْك فرنسا) مرة أخرى. وغصّ صالون مدام دي سيتل بالإشاعات وراحت هي أيضا تفكّر في الهرب. وفي 91 مارس نشرت جريدة (جورنال دي ديبات Journal des de bats) (أي: جريدة المناقشات) مقالا بقلم عشيق مدام دي ستيل غير الدائم - بنيامين كونستانت يعيد فيه تأييده للويس الثامن عشر والحكومة الدستورية، ثم اختفى في مساء اليوم نفسه (أي أخفى نفسه وسترها عن العيون).

أما لويس الثامن عشر نفسه الذي كان دوما كارها للانتقال فقد أجّل رحيله حتى وصلته الأخبار في 91 مارس بأن نابليون وصل إلى فونتينبلو، ومن المتوقع أن يصل باريس في اليوم التالي. وفي الساعة الحادية عشر مساء ركب لويس 81 مع أسرته خارجاً من التوليري قاصدا ليل Lille تلك المدينة الموالية للملكية بشدّة لكن الملك - بلاشك - فكر في أخ له انطلق في رحلة مماثلة في سنة 1971 فأعاده الشعب سجينا (إشارة إلى محاولة الهرب التي قام بها لويس 61). وفي 02 مارس قام بعض البونابارتييّن المتحمّسين - بعد أن علموا أن قصر التوليري قد خلا من الملك وحرسه - بدخول القصر بفرح غير منضبط، وأعدوا الغرف الملكية لاستقبال نابليون. وكان جيش نابليون كلما تقدم لهدفه ازداد عدده. وبقي نابليون نفسه في فونتينبلو حتى الثانية ليلا. يُملي الرسائل ويصدر التعليمات، ومن المفترض أنه تجوّل بشغف بالقرب من القصر الذي شهد كثيرا من أحداث التاريخ بما في ذلك تنازله عن العرش للمرة الأولى، ذلك التنازل الذي حان وقت إلغائه والثأر ممن كانوا سببا فيه. ووصل باريس في نحو الساعة التاسعة صباحا بصحبة بيرتران Berlrand وكولينكور Caulaincourt، فساروا ولا يكاد يتعرفهم أحد حتى وصلوا التوليري، وهناك كان جمع من الأقارب والأصدقاء حيّوه بعاطفة جيّاشة وحملوه ليرقوا به الدرجات، وراح ينتهي من عناق أحدهم حتى يعانق الآخر حتى جلس أمامهم منهكا مذهولا لكنه كان سعيدا إلى درجة أن الدموع ذرفت من عينيه. وأتت هورتنس Hortense فوبّخها لأنها قبلت تودّد إسكندر إليها، فدافعت عن نفسها، فرقّ لها وأخذها بين ذراعيه وقال: أنا أب طيب.. أنت تعرفين هذا... وأنتِ حضرت موتَ جوزفين البائسة. لقد آلم قلبي موتها رغم أني كنت أعاني من أمور سيئة كثيرة(32). وهكذا انتهت هذه الرحلة التي تفوق الخيال: 027 ميلا من كان إلى باريس في عشرين يوما، وأنجزها غالب الجنود والمرافقين سيرا على الأقدام، وأوفى نابليون وعده بأن تتم إعادة فتح فرنسا دون إطلاق نار. والآن كونّ حكومة جديدة لإعادة السلام والوحدة في البلاد واستعد لمواجهة 000،005 جندي تجمعوا من روسيا وبروسيا والنمسا وإنجلترا ليعيدوه إلى جزيرته الصغيرة أو إلى جزيرة أخرى أبعد أو إطلاق النار عليه.

كل نهاية هي بداية، ففي 20 مارس بدأ نابليون فترة حكم المائة يوم Hundred Days منها.


5- إعادة البناء

لقد كانت عملية استعادة الحكومة والجيش والإرادة الوطنية عملية صعبة تواجهها عوائق ثلاثة: عدم شرعية موقفه، واتحاد القوى الخارجية المعادية له، وتفرّق شعبه.

هاهو مرة أخرى يستولي على السلطة بالقوة، كما حدث في سنة 9971 أو على الأقل بالتهديد باستخدام القوة ويزيح حكومة مستقرة تشريعيا. وحقيقة أنه استولى بالقوة على سلطة نُزِعت منه بقوّة السلاح، لكنه كان قد تنازل عن العرش كما أن السينات Senate قدَّم العرش للويس 81 فقبله كحق شرعي له، وهو الآن (أي لويس 81) لم يتخلّ عنه (أي عن العرش). لقد بدا في نظر الحلفاء وعدد غير قليل من الفرنسيين مغتصباً. لقد زاد اتحاد أعدائه الأجانب ضدّه عن ذي قبل أي عن أيام معاركهم المشتركة ضده في عامي 3181 و 4181. لقد أجمعت الأمم العديدة التي مُثّلت في مؤتمر فينا على أنه خارج على القانون. لقد تعهّدت كل من روسيا وبروسيا والنمسا وإنجلترا بأن تقدم كل منها 000،051 مقاتل لخوض معركة جديدة لإخفائه من فوق مسرح الأحداث، ولم تكن هذه الدول وحدها، فقد قامت فدرالية الراين الجديدة بل وسويسرا الصغيرة بالإسهام في تكوين حاجز بشري ضده وتقديم المال اللازم للانقضاض عليه. وأرسل لهم نابليون عرضاً ذليلا للمفاوضات دون إراقة دماء فلم يتلقَّ منهم ردا، وناشد والد زوجته (إمبراطور النمسا فرانسيس الثاني) للتدخل لصالحه لدى المتحالفين الآخرين ضده، فلم يتلق منه ردا، وكتب لزوجته (ماري لويز) يتوسّل إليها أن تُلين عريكة والدها، ومن الظاهر أن الرسالة لم تصل إليها. وفي 52 مارس أعلن الحلفاء أنهم لن يشنوا الحرب على فرنسا ولكنهم لن يُبرموا أبداً سلاماً مع نابليون بونابرت مخافة أن يقود فرنسا ثانية - راغبةً أو غير راغبةٍ - في حرب أخرى تزعزع مؤسسات النظام الأوربي.

لم تكن فرنسا موحّدة بأية حال في مواجهة حلفاء متحدين. لقد ظل فيها آلافُ الملكيين للدفاع عن قضية الملك الغائب (لويس 81) وتنظيم دفاعاتهم وفي 22 مارس رحب مئات من الملكيين بالملك (لويس81) عند وصوله إلى ليل Lille هاربا من باريس وحزنوا عندما تركهم مواصلا طريقه إلى جنت Ghent ليكون مرة أخرى تحت حماية القوات الإنجليزية - وفي الجنوب الفرنسي كان الملكيون أقوياء قوَّة تمكنهم من إحكام السيطرة على بوردو Bordearx ومرسيليا. وفي الغرب الفرنسي هب إقليم فندي الكاثوليكي شديد التمسك بكاثوليكيته، هب مرَّة أخرى حاملا السلاح ضد نابليون الذي كانوا يعتبرونه ملحداً اضطهد باباهم، وتحالف مع قاتلي الملك(42)، وكان حليفا لليعاقبة في السر كما كان مدافعا عنيدا عن الاستيلاء على أموال الكنيسة. وفي مايو سنة 5181 أرسل نابليون 000،02 مقاتل لقمع هذا العصيان المسلح في إقليم الفندي، لكنه في وقت لاحق راح يندم على ذلك فلو أن هذا العدد من الجنود (000،02) قد انضم إليه في معركة واترلو فربما كان قد ربحها(52).

وفي مواجهة أعدائه داخل فرنسا قد يجد بعض عناصر الدّعْم العام لم تكن كلها متمشية مع آرائه وطبيعته، وكان الجيش هو الأكثر توافقاً معه، ذلك الجيش الذي كان مخلصا له (فيما خلا القوات الموجودة في بوردو Bordeaux والفندي) باعتباره مخطط النصر والمكافئ عليه. وكانت الشرائح الدنيا من الأمة الفرنسية - الفلاحون والبروليتاريا وجماهير المدن - على استعداد لاتباع قيادته لكنها - أي هذه الشرائح - كانت تأمل أن يتمكن من تجنّب الحرب، كما أنهم لم يعودوا يعبدونه عبادة تجعله متكبراً طائشا. ولازال هناك كثير من اليعاقبة في المدن راغبين في نسيان عداوته لهم إذا ما أعلن ولاءه للثورة. وقد قبل تأييدهم له لكنه لم يتعهّد بالانضمام إليهم في حربهم ضد التجّار ورجال الدين. وكان نابليون محلّ إعجاب الطبقة الوسطى باعتباره واضع أسس النظام الاجتماعي والأخلاقي منذ مذابح سبتمبر، وقد أصبح هذا النظام محور فلسفته السياسية، ولكنها - أي الطبقة الوسطى - لم تقدم له الدّعم ولم تقدّم له أبناءها. لقد كانت الطبقة الوسطى تقدّر حرية التجارة وحرية الصحافة لكنها لم تكن تؤيد حرية الاقتراعات العامة (السرية) أو الحديث العام؛ فقد كانت تخشى الرّاديكاليين وترغب في قَصْر حق الانتخاب على الملاَّك. لقد كان أفراد الطبقة الوسطى قد انتخبوا مجلس النواب وقرروا حماية حقوق هذا المجلس لمواجهة سلطان الملك (أو الإمبراطور) وسياساته. كما أن ذلك القسم الصاعد من البورجوازية (الصحفيين والمؤلفين والعلماء والفلاسفة) قد أوضح بجلاء أنه سيحارب بكل أسلحته أي محاولة يقوم بها نابليون لفرض سلطة إمبراطورية مرة أخرى. أما البطل الذي يواجه التحدي فكان هو نفسه ممزّقاً بين الغرض والرغبة. لقد كان مايزال يعمل بجد، يراقب كل شيء ويدوّن كل شيء، وأحيانا كان يُملي 051 خطابا في اليوم(62). لكن فَرْط انتباهه وحذره أوْهنه إذتبيّن الآن أنه لا يمكنه - إلاّ قليلا - الاعتماد على جنرالاته الجُدد أو مجلسيْه أو الأمة بل ولا حتى على نفسه. لقد كانت الأمراض التي تمكنت منه طوال الست سنوات التالية قد أضعفته بالفعل، لقد وتّره داء البواسير وأذلّه فلم يعد قادرا على العمل لمدة طويلة كما كان حاله أيام تألقه في مارينجو، وأوسترليتز (أوسترليتس). لقد كان قد فقد شيئا من صفاء ذهنه ووضوح غرضه وثقته القديمة في النصر؛ تلك الثقة التي كانت مصحوبة بالتفاؤل والبهجة. لقد كان قد بدأ يشك في نجمه his star(72).

اختار نابليون في المساء نفسه الذي وصل فيه باريس وزارة جديدة، لأنه كان في حاجة إلى عونها تماما. واعتراه السرور عندما علم أن لازار كارنو Carnot منظّم النصر في أثناء الثورة مستعد لخدمته لمواجهة أعدائه لكن نابليون وجده كبير السن (26 عاماً) لا يتحمل معركة حربية، لكن نابليون عينه وزيرا للداخلية باعتباره شخصا يمكن للجميع الوثوق به. ويكاديكون هذا السبب هو نفسه الذي دعاه لاختيار جوزيف فوشيه Fouche وزيرا للشرطة إذ كان قد بلغ من العمر ستا وخمسين عاما يخشى الجميع بأسه ويشكّون فيه، وكان يدير شبكة خاصة من الجواسيس وتكادتكون له علاقات سرّية بكل الفرق، وربما أسرع الحاكم الذي هو في عجلة من أمره (نابليون) للاستعانة به بعرض منصبه (منصب فوشيه) القديم عليه، رغبة منه (نابليون) في إحكام مراقبته والتدقيق في أعماله وتوجهاته بالإضافة إلى أن أحداً ما لا يشكك في قدرات فوشيه Fouche. وظل فوشيه محتفظا بأوضح رؤيه كما كان متمتعا بمرونة لا حد لها طوال معظم الفترة المعقَّدة التالية. لقد كتب في مذكراته: الإمبراطور في نظري مجرّد ممثل احترق، لن يستطيع إعادة ما كان قد أنجزه(82). وحتى في أثناء عمله مع نابليون نجده قد تنبأ في نحو نهاية شهر مارس أنه - أي نابليون - لن يستطيع البقاء أكثر من ثلاثة أشهر(92).م

وكانت الخطوة التالية، بعد اختيار الحكومة هي تنظيم جيش. لقد كان لويس 81 قد شعر بعدم جدوى الجيش سوى لضبط الأمور الداخلية، وبالتالي فقد ألغى التجنيد الإلزامي وقلّص القوات العسكرية إلى 000،061 رجل، فأعاد نابليون التجنيد الإلزامي في شهر يونيو لكن هؤلاء الشباب المحظوظين لم يكونوا قد جُنّدوا عندما أنهت معركة واترلو الحرب. ودعا نابليون الحرس الوطني للاستعداد لأداء خدمات عسكرية كاملة بما في ذلك الحرب ضد الأجانب، فرفص كثيرون منهم، ولم يمثل سوى 000،051. وبهؤلاء وبعض المتطوعين بالإضافة إلى الجيش القائم أصبح في إمكانه أن يحشد في يونيو 000،003، مَرْكَزَ معظمهم في الدوائر (المحافظات) الشمالية وأمرهم بانتظار أوامر أخرى. وفي هذه الأثناء كررّ مرة أخرى أعماله الجليلة كما كان في سنة 3181 و 4181 بتدبير المؤن والمواد اللازمة للجيش الجديد. واستورد سرا البنادق والمدافع من إنجلترا عدوته الأثيرة(03). ولم يستطع استخدام كل مارشالاته السابقين لأن بعضهم نذر نفسه لخدمة لويس الثامن عشر، لكن كان لا يزال في خدمته كل من ني Ney ودافو Davout وصول Soult وجروشيGrouchy وفاندام Vandamme. ودرس خرائط الطرق والتضاريس وتقارير تحركات العدو وخطط لكل الجوانب الكبيرة في المعركة القادمة. وفي هذا التخطيط كان في ذروة تألقه العقلي وفي ذروة سعادته. ورغم أنه كان يقبض على زمام الحكم إلاّ أن مهمته الثالثه ألا وهي كسب الدّعم الجماهيري، كانت هي الأصعب من مهامه الثلاث - لقد كانت كل العناصر تقريبا - فيما عدا الملكيّين - يطالبون بالتزامه بدستور يحمي حرية الحديث والصحافة ويجعله مسئولاً أمام برلمان منتَخَب. وكان هذا ضد مزاجه على نحو موجع، لأنه كان قد اعتاد لفترة طويلة على الحكم المطلق، وشعر أنّ موجّها (مُرشدا) مقتدرا حسن النوايا مثله أفضل للبلاد من برلمان اللَّغو والمناقشات، ومع هذا ففي إيماءة منه للتسوية أرسل يستدعي بنيامين كونستانت (6 أبريل) لصياغة دستور لتهدئة الليبراليين دون أن يُغِلّ يد العرش. لقد كان نابليون يعرف أنه كتب ضدَّه بعنف لكنه كان يعرف أنه صاحب أسلوب محكم وعقل مَرِن. وأقبل كونستانت - غير واثق من مصيره - فتم استقباله ليجد أن كل ما يطلبه الإمبراطور منه هو أن يرتجل دستورا يرضي كلاً من نابليون ومدام دي سيتل، فظل يعمل في هذا المشروع طوال أسبوع، ويعرض كل يوم ما أنجزه على (صاحب العمل) وفي 14 أبريل قدم نتاج عمله لمجلس الدولة. لقد أقترح ملكية دستورية يكون المُلك (بضم الميم) فيها متوارثا وتكون السلطة التنفيذية في يد رأس الدولة هذا، لكنه سيكون مسئولاً أمام مجلس الشيوخ الذي يعين أعضاءه الحاكم (الملك). ومجلس تشريعي (من 600 عضو) يضم ممثلين ينتخبهم الشعب عن طريق جمعيات (لجان) وسطى (أي بين الشعب والحكومة) وألغت مواد معينة رقابة الدولة وضمنت حرية العبادة، وحرية الصحافة. وبهذه الطريقة التقليدية تماما وجد الإمبراطور وكاتبه (المقصود كونستانت) أنهما جمعا بين مزايا الديمقراطية والأرستقراطية والملكية.

وبعد أن قبل نابليون كل هذا أصر على تقديم الدستور الجديد للشعب لا باعتباره تبرؤاً من حكمه الماضي وإنما باعتباره وثيقة إضافية تشهد بالحريات التي كانت موجودة بالفعل في ظل الإمبراطورية (من وجهة نظر نابليون) واعترض كونستانت ومستشاروه الليبراليون واستسلموا. وفي 23 أبريل طُرِحت (الوثيقة الجديدة) للاستفتاء العام على كل الناخبين المسجَّلين، ورفض الملكيون التصويت وامتنع آخرون كثيرون. وكانت نتيجة التصويت 1.552.450 لصالح الدستور واعترض 4800، وأمر نابليون بضرورة اجتماع الشعب في كامب - دي مارس Champ - de - Mars لإقامة احتفال جماهيري رسمي احتفاءً بالدستور وبداية حقبة جديدة ولمباركة الجنود ووداعهم في أثناء الرحيل. وتم تأجيل هذا الاحتشاد إلى أول يونيو حيث شاهدت الجموع نابليون في أبهته الملكية: لقد أقبل مرتديا ملابسه الإمبراطورية في عربة تتويجه التي تجرها خيول أربعة يسبقه إخوته كأمراء للإمبراطورية. ولم تكن الجموع سعيدة بهذا العبق الآتي من ماضٍ مات. ماذا جرى للدستور الجديد؟

لقد قابلته الأمة ببعض التشكّك وكثير من عدم الاهتمام فقد كان من الجلى أن كثيرين تشكّكوا في إخلاصه وإمكان استمراره، بل إن نابليون نفسه أبدى شواهد متناقضة. لقد شعر فيما يقول لا كاس Las Cases أنّ الشكّ في إخلاصه ليس له ما يبرّره: لقد عُدت من جزيرة إلبا رجلا جديدا. إنهم لا يستطيعون تصديق هذا. إنهم لا يستطيعون أن يتخيلوا أن المرء قد يكون لديه من قوة العقل والنفس ما يمكنه من تغيير شخصيته أو ما يمكنه من الانحناء أمام قوة الظروف. وعلى أية حال فإن لدي ما يثبت هذا وهناك آخرون يخصعون للتأثير نفسه. من يجهل أنني لست رجلا ناقص التدبير؟ إنه يمكنني أن أكون مخلصا للملكية الدستورية والسلام تماما كما كنت مخلصا للحكم المطلق والمشروعات (التوسعية) الكبرى(31). لكن جورجو Gourgaud وهو مخلص لنابليون، كما عادة ما يكون محل ثقة (في رواياته) نقل عن نابليون قوله: لقد كنت مخطئا في إضاعة وقت ثمين في مسألة الدستور، فلم هذا ما دامت نيتي قد انعقدت على إزاحتهم جميعا (النوَّاب) حالما أُحقّق النصر؟ (32).

لقد كان قد خطط ألاّ يدعو المجلسيْن للانعقاد إلاَّ بعد المعركة حين قد يأيتهم مُكلَّلاً بنصرٍ مُقْنِع. لكن لافايت Lafayette الذي كان قد خرج من مكان اعتزاله وقد بلغ الثامنة والخمسين من عمره، ليلعب دورا في هذه الدراما (الأحداث)، فقد أحرّ على عقد اجتماع لمجلس النوَّاب قبل مغادرة نابليون للانضمام إلى جنوده. وأذعن نابليون واجتمع المجلس في 3 يونيو، وسرعان ما أبدى المجلس ما يشير إلى اتجاهه إذ انتخب لرئاسته الكونت جان - دينى - لانجواني Jean - Denis Languinais عدو الإمبراطور اللدود. وفي 7 يونيو ذهب نابليون في زيّ بسيط إلى قصر البوربون، وخاطب المجلسين المجتمعْين معا بتواضع طالب أن يُقسم كل عضو للالتزام بالدستور والإخلاص للإمبراطور(33).

وفي 12 يونيو، في نحو الساعة الثالثة صباحا غادر نابليون باريس - وأهلها نيام - قاصداً الجبهة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

6- المعركة الأخيرة 16-15 يونيو 1815

بلجيكا


كانت خطة نابليون للمعركة القادمة تقوم على المعلومات التي جمعها عن حجم قوات الحلفاء وتقسيمها وقيادتها وموقعها واستراتيجيتها القادمة. لقد كانت قوات الحلفاء قد تباطأت في تقدمها غرباً لإتاحة الوقت اللازم لوصول القوات الروسية واشتراكها في المعركة، لكن تقدم نابليون السريع حسم المسألة قبل وصول القوات الروسية لنهر الراين.

وفي أول يونيو تجمع جيش بروسي قوامه 120.000 مقاتل بالقرب من نامور Namur في بلجيكا بقياده المارشال بلوخر (بلوشر Blucher) البالغ من العمر 73 سنة. وإلى الأبعد شمالا كان الدوق ويلنجتون Wellington (كانت مهمته في البرتغال وإسبانيا قد انتهت بالنصر) على رأس ما أسماه الجيش سيء السمعة المكوّن من 93.000 مجنَّد بريطاني وهولندي وبلجيكي وألماني، وكان معظمهم لا يعرف الواحد منهم سوى لغة واحدة مما سبّب مشكلة للقائد الإنجليزي. وكان على ويلنجتون أن يعوّض نقص تدريبهم، بقرارات وحلول يبتدعها من عند نفسه على وفق خبرته. وقد رسم له لورنس صورة شخصية وهو في لحظة تأمل تُظهره في وضع فخور (معتز ينفسه) وملامح وسيمة ونظرة هادئة ثابتة، ومن هذه الصورة يمكن أن نستنتج ما كان يجب على نابليون المرهَق والمعتَل كبير السن أن يفعله عند المواجهة في 18 يونيو.

وكان نابليون قد ترك جزءاً من جيشه لحماية باريس وخطوط مواصلاته. ولم يكن مع نابليون سوى 126.000 مقاتل مما يسمّى بجيش الشمال Armee dn Nord لمواجهة 213.000 مقاتل بقيادة بلوخر Blucher وويلنجتون. وبطبيعة الحال فقد كان يأمل أن يلتقي بواحدٍ من الجيشين (جيش بلوخر أو جيش ويلنجتون) ويهزمه قبل أن يجتمع شمل الجيشين، ومن ثم يعطي جيشه قسطا من الراحة ويعيد تنظيم صفوفه قبل خوض معركة مع الجيش الآخر.

لقد كان الطريق بين الجيشين المتحالفين (جيش بلوخر وجيش ويلنجتون) يمتد من نامور Namur عَبْر سومبريف Sombreffe إلى كاتر - برا - Quatre Bras (أربعة جيوش) ومن ثمّ غرباً (حيث يتسع الطريق عن ذي قبل) من الحدود الفرنسية البلجيكية عند شارلروي Charleroi فشمالاً من واترلو إلى بروكسل. وكان هدف نابليون الأول هو الاستيلاء على كاتر - برا Quatre - Bras ومن ثم يُوصد الطريق بين الجيشين الحليفين. وكان نابليون قد أصدر تعليمات بأن تتقارب الكتائب الثلاث من جيشه (جيش الشمال) في 14 يونيو عند نهر سامبر Sambre في مواجهة شارلروي Charleroi. وانضم هو إلى واحدة من الكتائب الثلاث وأمر الكتائب الثلاث جميعا بعبور النهر إلى الأرض البلجيكية نحو الساعة الثالثة من صباح 15 يونيو، وتمَّ هذا، فاستولوا بسهولة على شارلروي بعد أن هزموا حاميتها البروسية الصغيرة.

وعلى أية حال، ففي الوقت نفسه انهزم الجنرال لويس دي بورمون Bourmont لصالح الحلفاء وأفضى إلى ضباط بلوخر بخطط نابليون. لكن الحَذِر (بلوخر) كان قد استنتج هذه الخطط وبالتالي فقد كان قد أرسل جانبا من جيشه غربا إلى سومبريف Sombreffe وانضم إليه في نحو الساعة الرابعة من صباح 15 يونيو. لقد قسم نابليون الآن جيشه إلى ميمنة بقيادة جروشي Grouchy وميسرة بقيادة ني Ney وقوة احتياطية بقيادة درو دَرْلو Drouet d Erlon بالقرب من شارلروي لتهب لنجدة جروشي أو نَيْ على وفق ما تمليه الظروف. وكان على جروشي أن يتقدم شمالا بشرق نحو سومبريف لمواجهة بلوخر. وكان على نَيْ Ney أن يتوجه شمالاً للاستيلاء على كاتر - برا Quatre - Bras وأن يمنع في كل الأحوال قوات ويلنجتون من الانضمام إلى قوات بلوخر. ولأن نابليون نفسه كان يتوقع صداما حادا مع بلوخر، فقد ركب مع جروشي. ونَيْ Ney الذي كان حتى الآن أشجع الشجعان راح طوال 15 و 16 يونيو يتبع سياسة الحذر التي عطلت خطط نابليون بشكل سيء. لقد توجه شمالا من شالروا وطرد البروسيين من جوسِّيل Gosselies ومن ثمَّ توقّف مخافة مواجهة قوات ويلنجتون الأكثر عددا. لقد أرسل فصيلة خيّالة (فرسان) لدراسة الموقع عند كاتر - برا Quatre - Bras فعادت له بتقرير مُفاده أنها خالية من قوات العدو، فقاد 3000 من رجاله للاستيلاء عليها اعتقادا منه أن هذا سيكون كافيا لكن في الوقت الذي رأى فيه كاتر - برا Quatre - Bras، كانت قوات الأمير بيرنهارد الساكس - فيماري Bernhard of Saxe - Weimar البالغ عددها 0004 مقاتل قد استولت عليها، وكان بيرنهارد يصحب معه أربعة مدافع، فاستدار نَيْ Ney عائدا إلى جوسيل وراح ينتظر هناك تعليمات أخرى. وأرسل بيرنهارد رسالة إلى ويلنجتون طالبا أن يحضر بقواته الرئيسية إلى كاتر - برا Quatre - Bras مخافة أن تأتي قوات ني Ney سريعا لحصارها. وفي الساعة الثالثة صباح 15 يونيو تلقى ويلنجتون في بروكسل أخبارا مفادها أن جيش نابليون قد عبر إلى بلجيكا، واحتفظ ويلنجتون بقواته في حالة استعداد قرب العاصمة البلجيكية ظناً منه أن نابليون سينفذ خطته المعتادة بالإسراع للقيام بهجوم جانبي (على جناح العدو). وفي تلك الليلة كان هو وكثيرون من ضباطه الرجال الشجعان منهمكين مع النسوة الجميلات إذ كانوا في حفل راقص أعدته الدوقة ريشمون Richmond(34) وفي أثناء الحفل تلقى في منتصف الليل الرسالة التي تُفيد أن كاتر - برا Quatre - Bras في خطر، فأصدر أوامره بهدوء لضباطه بالاستعداد للانطلاق في بكور الصباح، أما هو فلم يُعكّر صفو الحفل الراقص وظل يرقص حتى الساعة الثالثة صباحا(53).

2slash6: 16 يونيه: لِنيْ Ligny في نحو الساعة الثانية من صباح 16 يونيو، أرسل المارشال سول (صول Soult) رئيس أركان نابليون أوامر نهائية إلى ني Ney: كلَّفني الإمبراطور أن أحيطك علما بأنّ العدو جمَّع جانبا من قواته بين سومبريف Sombreffe وبري Brye وأنه في الساعة الثانية والنصف صباحا سيهاجم بالفصيل الثالث والرابـع هـذه القـوات. إن صاحـب الجلالـة الإمبراطـور يريـد أن تهاجـم أيّ عـدو تواجهــه وبعد الضغط عليــه بشدّة وإجباره على التراجع، عُد إلينا لتنضم إلى قواتنا لتطويق العدو(36).

لقد أحضر بلوخر كل رجاله البالغ عددهم 83.000 لمقاومة الفرنسيين، وبدأت المعركة في نحو الساعة الثالثة بعد الظهر بالقرب من مدينة لني (ليجني Ligny) بهجوم متزامن (في الوقت نفسه) تقوم به ميمنة جروشي بقيادة فاندام Vandamme وقلب قوات جروشي بقيادة جيرار Gerard، وميسرة جيشه (جيش جروشي) بالإضافة إلى سلاح الفرسان بقيادة جروشي نفسه، بينما يوجِّه نابليون العمليات الثلاث التي ينفذها 78.000 مقاتل. وسرعان ما اتضح أنّ تحطيم بلوخر المهيب ليس أمراً سهلا، وإذا كان لابد أن ينهزم الفرنسيون هنا إذن فقد تنهار معركتهم كلها (يفقدوا المعركة الأساسية كلها). وفي الساعة الثالثة والربع أرسل نابليون إلى ني Ney سيتبدّد الجيش البروسي إن حاربت بضراوة. مستقبل فرنسا بين يديك، لذا فلا تتوانَ للحظة في إنجاز ما أُوكِلَ إليك، ثم عد إلى سان أمان Amand وبري Brye لتشارك في النصر الذي قد يقرر مصيرنا جميعا(37).

لكن ني Ney أيضا كان يواجه صعوبات. فبحلول الساعة الثالثة بعد الظهر كان ويلنجتون قد جلب معظم جيشه إلى كاتر - برا Quatre - Bras. ولم يعلم نابليون بهذا (لأن السيطرة على وسائل الاتصال كانت قد أفلتت من صول)، لذا فقد أرسل الأوامر إلى درو درلو Drouet D Erlon في شارلروي ليسرع شمالا بقوات الاحتياط التابعة له ليهاجم ميمنة بلوخر، وتقدم درو بالفعل حتى كاد يصل إلى لني (لجني Ligny) حيث وصله طلب عاجل من ني Ney ليندفع مسارعا إلى نجدته في مواجهة قوات ويلنجنون الأكثر عددا في كاتر - برا Quatre - Bras، ووجد درو أن طلب ني Ney هو الأكثر إلحاحا فسارع إليه ليجده - بعد جهود يائسة - قد تخلَّى عن محاولة طرد ويلنجتون من المدينة (كاتر - برا). في لني (لجني Ligny) استمرت المعركة ست ساعات من المذابح. وتذكر ضابط بروسي - في وقت لاحق - ما حدث، قائلاً: لقد راح الرجال يذبح بعضهم بعضا بكراهية شديدة وكأنما الواحد منهم يكن للآخر كراهية شخصية(38). إن قريتين هادئتين مثل سان أرمان St.Armand ولا هاي La Haye كانتا تنتقلان من حَوْزة فريق إلى حَوْزة فريق آخر، والحرب على أشدها رجلا إزاء رجل، واشتعلت النيران في لني (لجني Ligny) نفسها، وبينما الليل يرخى سدوله والمطر يهطل، أمر نابليون حرسه القديم بمهاجمة قلب Center القوات البروسية، وأصبح المطر مصحوبا برعد، فأفسح القلب البروسي الطريق، وسقط بلوخر الذي كان لايزال يقاوم من فوق حصانه، وكان لابد من حمله بعيدا. وكانت القوات الفرنسية قد اعتراها إرهاق شديد فلم تحّول هزيمة أعدائها إلى هزيمة منكرة لا قيامة بعدها. وانسحبت القوات البروسية شمالا نحو ويفر Wavre مُخلِّفة وراءها 12.000 قتيل وجريح. وكان نابليون نفسه قد كاد يستنفد كل موارده وأعصابه، فلو أن ويلنجتون كان قد استطاع الوصول هذه اللحظة إلى هنا من كاتر - برا لما كانت هناك حاجة إلى معركة واترلو.

3slash6: 17 يونيو: المطر

لقد كان من صالح نابليون أن جعل المطُر الغزيرُ المعركة الكبرى مستحيلة في 17 يونيو. لقد كانت الأرض غاصّة بالطين فكيف يمكن سحب المدافع وتثبيتها فوق أرض مشبعة بالمياه وغير ثابتة بسبب الطين الكثير فوقها؟ ربما كانت هذه الأوضاع واضحة في عقل الإمبراطور عندما وصلته رسالة من ني Ney تفيد أنَّ ويلنجتون قابض على زمام الأمر في كاتر - برا Quatre - Bras، ولمحّ - أي ني Ney - إلى أنه لا يمكن إخراجه منها إلاّ بالقوات الفرنسية مجتمعة، فأجابه نابليون بعبارة مبهمة لابد أنها تركت ني Ney أكثر ارتباكاً من ذي قبل: تمسّك بموقعك عند كاتر - برا Quatre - Bras.. لكن إن كان هذا مستحيلا، أرسل حالاً معلومات عن الموقف، وسيتصرف الإمبراطور على وفقها. وإذا.... لم يكن هناك إلاَّ مؤخرة جيش العدو فهاجمها واستولِ على الموقع(39). وكان هناك أكثر من المؤخرة، ورفض ني Ney أن يجدّد الهجوم. وكان ويلنجتون - بعد أن علم بهزيمة بلوخر - قد سحب جيشه شمالاً إلى هضبة مونت سان جان Mont St. Jean التي يمكن الدفاع منها وتراجع هو إلى مركز قيادته بالقرب من واترلو.

ووجّه نابليون جنراله جروشي على رأس 30.000 لمتابعه البروس طوال يوم 17 يونيو ولمنعهم في كل الأحوال من الانضمام إلى قوات ويلنجتون. أما هو نفسه (نابليون) فقاد 40.000 ممن نجوا من معركة لني (لجني Ligny) لينضم إلى ني Ney عند كاتر - برا Quatre - Bras، وعندما وصل في الساعة الثانية مساء ثبطت همته فتفجّع صارخا ضاعت منا فرنسا!(40) فراح يلاحقه وقاد هو نفسه عملية الملاحقة هذه لكن المطر الكثيف أجبره على إنهاء هذه العملية، وفي التاسعة مساء حيث كانت الرطوبة شديدة ركب عانداً قاطعا ميلا أو ميلين لينام في مخدع في كيلو Caillou بينما عسكر جيشه المنهك على أرض رطبة طوال الليل، وكان المطر قد توقف.

4slash6: الأحد 18 يونيو: واترلو

في الثانية صباحاً أرسل بلوخر رسالة إلى ويلنجتون يعده فيها بأن جيشا بروسيا بقيادة الجنرال فريدريش فيلهيلم فون بولو Friedrich Wilhelm Von Bulow سيغادر ويفر Wavre فجراً لينضم بقواته إليه لقتال الفرنسيين، وأن جيشين بروسيّين آخرين سرعان ما سيتبعانه. وفي العاشرة صباحا أرسل نابليون الذي لم يكن يعلم بهذا التدبير تعليمات إلى جروشي لمواصلة ملاحقة بلوخر إلى ويفر Wavre.

لقد كان قد خطط ليبدأ العمليات في التاسعة صباحا لكن قادة المدفعية حثّوه على التأجيل حتى تبدأ التربة في الجفاف. وفي هذه الأثناء ركز ميلنجتون قواته فوق أرض مرتفعة جنوب تل مونت سان - جان Mont St. Jean لقد كان معه 70.000 مقاتل و 184 مدفعاً، أما نابليون فكان على رأس 74.000 مقاتل وكان معه 266 مدفعاً. وكان مع كل منهما (ويلنجتون ونابليون) جنرالات كان لهم مكانة في التاريخ (أو حققوا في هذه المعركة مكانة): الأمير فريدريش البرونسفيكي Friedrich of Brunswick (ابن الدوق الذي خسر في فالمي وجُرِح جرحاً مميتا في أورشتدت Auerstedt) ودورنبرج Dornberg وألتن Alten وكمبت Kempt وسومرست Somerset وأكسبردج Uxbrisge وهِل Hill وبونسونبي Ponsonby وبيكتون Picton، وكان كل هؤلاء مرتبطين بويلنجتون، وكان كل واحد منهم معتزا بنفسه كدوق. وبالإضافة إلى هؤلاء كان هناك بولوف Bulow وتسيدتن Zieten وبيرخ (بيرش Pirch) تحت قيادة بلوشر (بلوخر)، وبالنسبة إلى الفرنسيين كان هناك ني Ney وجروشي وفاندام وجيرار وكامبرون وكيلرمان Kellermann وريل Reille ولوبو Lobau ونابليون. لقد كان نابليون قد بدأ يدفع حساب سنواته المزدحمة بالأحداث حيث كان يأكل بعجلة ويضاجع بعجلة ويعاني غاية التوتر وهو فوق العرش أو في ميدان المعارك وأخيرا وجد سلواه في الأكل بنهم. وبعد ذلك بست سنوات أثبت تشريح أعضائه بعد مماته وجود ست علل. والآن في واترلو كان عليه أن يظل ممتطياً جواده طوال ساعات بينما هو يعاني من داء البواسير(14)، وكان يعاني من حصوات في المثانة، وكان عُسر البول يتطلب منه محاولة التبول مرارا وغالبا ما يكون ذلك في أوقات غير مناسبة. وربما يكون السرطان الذي أودى بحياته وحياة أبيه قد بدأ فعلاً في التغلغل في بدنه(24). هذه المتاعب قد ثبطت من همته وأثرت في شجاعته وصبره وثقته. لم أعد أجد في نفسي الإحساس بالنجاح النهائي... إنني أحس أن الحظّ قد تخلّى عني(43) ومع هذا فقد أكّد لجنرالاته الذين اعتراهم الخوف (من المفترض أن ذلك لتقوية عزيمتهم): إذا تم تنفيذ أوامري بشكل جيد، فسننام الليلة في بروكسل(44).

لكن جنرالاته كانوا يرون الموقف بشكل أوضح. لقد نصحه صول Soult أن يأمر جروشي Grouchy بالاتجاه بقواته البالغ عددها 30.000 غربا بالسرعة الممكنة لينضم إلى الهجوم، لكن بدلاً من ذلك سمح نابليون لهم أن يضيعوا الوقت وأنفسهم في مطاردة قوات بلوخر شمالاً حتى ويفر Wavre، ومن المفترض أنه كان يأمل أنه إذا اتجه البروس غربا لمساعدة ويلنجتون لاستطاع جروشي مهاجمة المؤخرة. وقد ارتكب ويلنجتون على وفق ما ورد في تحليل لاحق سلسلة من الأخطاء المماثلة بتركه 17.000 من رجاله بالقرب من بروكسل لمواجهة هجوم فرنسي جانبي على طرقه المهمة والحيوية المؤدية إلى البحر.

وأمر نابليون في الساعة الحادية عشرة صباحا جيشه ببدء الهجوم على قلب (مركز أو وسط) العدو حيث كان المقاتلون من الإسكتلنديين الأشداء . وقاد ني Ney قواته باندفاعه وبسالته المعروفين لكن البريطانيين ثبتوا وراحوا من وراء تل بعد تل ينشرون الموت بالجملة بمدافعهم (التي أخفوها عن الأعين) في صفوف الفرنسيين الذين اعتراهم الهلع. وفي نحو الساعة الواحدة بعد الظهر رأى نابليون من موقع المراقبة جنوب غرب العمليات جيشا في أقصى الشرق يتحرك صَوْب ميدان العمليات، فأخبره أسير ألماني أن هذه القوات هي طليعة قوات بولو Bulow البروسية تتقدم لمساعدة ويلنجتون. فأرسل نابليون كتيبة بقيادة الجنرال لوبو Loban لوقف القوات البروسية المتقدمة، وأرسل إلى جروشي لمهاجمة بولو (بولوف) Bulow ثم القدوم لمساعدة الجيش الفرنسي الرئيسي ضد ويلنجتون. وفي نحو الساعة الحادية عشرة صباحا توجه جروشي شمالا بين جمبلو Gemblow وويفر Wavre فسمع صوت إطلاق المدافع قادما (أي الصوت) من الغرب، فحثّه الجنرال جيرار Gerard ليكفَّ عن ملاحقة بلوخر وأن يشق طريقه عبر المنطقة ليضم جنوده البالغ عددهم 30.000 إ لى قوات نابليون، والتقى جروشي بجزء من قوات بلوخر وهزمها، ودخل ويفر Wavre فاستراح بقواته بعد أن وجد بلوخر قد ابتعد بقواته.

لكن في هذا الوقت (الساعة الرابعة عصرا) كانت معركة واترلو في ذروتها: تلاحم صاخب بين رجال يقتلون ويُقتلون (بضم الياء) يفقدون ضربات استراتيجية أو يستعيدونها، يواجهون الخيول المندفعة يتلقَّون ضربات السيوف أو يروغون منها، يسقطون ويموتون في الوحل. وفر الآلاف من الجانبيْن تاركين ساحة الوغى. وقضى ويلنجتون جانبا من وقته يُرهب الفارين للعودة إلى مواقعهم. وتولّى ني Ney مهمّة بعد مهمّة ومسئولية بعد مسئولية، وماتت تحته أربعة خيول. وفي نحو الساعة التاسعة مساء تلقى أمراً من نابليون بالاستيلاء على لاهاي سانت La Haye Sainte - الهولي هيدجرو the Holy Hedgerow. ونجح في مهمته وظن أنه وجد طريقا (فتحة) إلى مؤخرة ويلنجتون، فأرسل إلى نابليون طالبا مزيدا من الجنود المشاه واندفع متقدما.واستشاط نابليون غضبا بسبب تقدّمه الطائش إذ لم يكن لدى نابليون الدّعم العسكري الكافي الذي يُمكن إرساله إليه دون أن يكون ذلك على حساب الخطة العامة (أي دون أن يؤدّي هذا إلى إضعاف الموقف العام) لكنه - أي نابليون - شعر أنه لا يجب تَرْك هذا البائس ليهلك ومن معه، فأمر كيلرمان Kellermann بالتوجه لدعْم نَيْ بثلاثة آلاف من الفرسان المدّرعين (اللابسين دروعا). وعندما طلب قائد الخط البريطاني الأخير دعماً من ويلنجتون أجاب الدوق بأنه لا يستطيع تقديم أية تعزيزات. ويُقال إن الضابط أجابه: حسنا جدا يا سيدي اللورد، إننا سنصمد حتى آخر رجل(45). وعندما بدأ هذا الخط الإنجليزي في الانكسار اندفع الفرسان الفرنسيون إلى الأمام للمشاركة في النصر؛ فعلّق ضابط إنجليزي هو الكولونيل جولد Gould: لقد انتهى كل شيء(46) وهربت كتيبة هانوفرية عند هذا الحد إلى بروكسل، وراح أفرادها يصيحون جميعا: خسرنا المعركة، والفرنسيون قادمون(47).

وحقيقة الأمر أن البروسيِّين كانوا هم القادمين. لقد كسر بولو (بولوف Bulow) (البروسي) مقاومة لوبو Labau (الفرنسي) وراح يقترب بسرعة من مسرح العمليات الرئيسية، كما كانت قوتان بروسيتان أخريان تقتريان. ورأى نابليون أنّ فرصته الأخيرة هو أن يهزم الإنجليز قبل أن يتمكّن البروسي من التدخّل، فدعا حرسه القديم ليتبعه في معركة حاسمة، واتخذ هارب فرنسي طريقه إلى ويلنجتون وحذّره ستصل إليك قوات الحرس الفرنسي في غضون نصف ساعة. وفي نحو هذا الوقت رأى رجل مراقبة بريطاني - نابليون، وقال: ها هو نابليون يا سيدي أظن أنني أستطيع اصطياده، هل أطلق عليه النار؟ فمنعه الدوق: لا.. لا.. فالجنرالات الذين يقودون الجيوش، لديهم ما هو أهم من إطلاقهم النار بعضهم على بعضهم الآخر(48).

وهنا ظن الفرنسيون أنّهم الغالبون، لكنهم علموا فجأة بهجموم 30.000 جندي بروسي راحوا ينشرون الفزع والفوضى في صفوف الفرنسيين(49). وعندما شرع ني Ney في مواصلة مهمته تماسكت القوات البريطانية بسرعة وتراجع ني Ney، وانتهز ويلنجتون هذه الفرصة فصعد قمة منحدر وراح يلوّح بقبعته - كإشارة متّفق عليها لتتقدَّم قواته كلها، وواصلت الطبول والأبواق توصيل الرسالة، فتحوّل 40.000 إنجليزي وإسكتلندي وبلجيكي وألماني من الدفاع إلى الهجوم واندفعوا متقدمين لا يهابون الموت. ووهنت الروح المعنوية للفرنسيين وعمهم الانهيار فولّوا مُدْبرين، حتى أفراد الحرس القديم بدأوا يُديرون رؤوس خيولهم متراجعين. وصاح نابليون مُصدرا الأوامر بالتوقف فذهب صوته أدراج الرياح وسط الجلبة، ولم يعد من الممكن تمييزه (التعرف عليه) بسبب دخان المعركة والأتربة المتصاعدة فاستسلم لهذا الاستفتاء العام (بمعنى أنه أذعن للتحركات العفوية لقوّاته) فأمر بالانسحاب في تشكيلات لكن القوات الفرنسية التي كانت تتعرض لهجوم من قوات تفوقها عدداً بكثير، من المقدمة ومن الجانب - لم يكن لديها الوقت لتنظم نفسها في تشكيلات، فأصبح شعار كل فرد فيها دع كل فرد يُنقذ نفسه بقدر ما يستطيع لقد أصبح هذا هو الشعار السائد سواء نطقوا به أم لا، ذلك أنهم لم يعودوا جنودا بل بشراً ليس إلاّ. ووسط هذه الهزيمة وقف المارشال ني Ney مذهولا بلا حصان، وقد اسودّ وجهه بالبارود وتمزقت ثيابه العسكرية، وسيفه مكسور في يده، هذا السيف الذي طالما حقق به النصر. كان هذا هو وضع ني Ney بطل الأبطال في واترلو(05). لقد انضم هو ونابليون إلى أربعين ألف فرنسي يندفعون في الطرقات والحقول إلى جيناب Gennape وإلى كاتر - برا Quatre - Bras وإلى شارلروي Charleroi ومن ثم عبروا بكل وسيلة متاحة نهر سامبر Sambre إلى فرنسا. لقد ترك الفرنسيون في ميدان المعركة 25.000 ما بين قتيل وجريح و 8000 أسير، وفقد ويلنجتون 15.000 وفقد بلوخر 7.000. والتقى المنتصران (ويلنجتون وبلوخر) في الطريق بالقرب من لا بِل أليانس La Belle Alliance وتبادلا القبلات فرحاً بالنصر. وترك ويلنجتون مهمة ملاحقة الفرنسيين للبروس المتحمسين. وبلوخر أيضا كان كبير السن بدرجة لا تسمح له بالمطاردة، فترك هذه المهمّة لجنايسناو Gneisenau في جيناب Genappe التي أرسل منها خطابا لزوجته: بالتنسيق مع صديقي ويلنجتون أبدنا جيش نابليون. لكنه كتب أيضا لصديقه كنيزبك Knesebeck: لقد اضطربت كل أعضائي، فقد بذلنا جهودا مُضنية(51). أما ويلنجتون فقد بَسَط الأمر أمام لورد أكسبردج Uxbridge بطريقة حماسية: لقد وجهنا لنابليون ضربة حاسمة فليس أمامه إلاّ أن يشنق نفسه(52). وفي أثناء الانسحاب انضم نابليون إلى كتيبة أكثر انضباطا من غيرها، وترجّل وسار على قدميه مع الآخرين. وبكى لضياع جيشه، وحزن لأنه لم يَلْق حتفه.