قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 4 ف 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني والثلاثون: الفلسفة الألمانية 1789 - 1815

تَنَاوُلِنا للفلسفة المثالية التي قال بها كانط ومن أتى بعده من تلاميذه، يعوقه أن كلمة مثالي ideal في التفكير الدارج أصبحت تعني التميز الخلقي، كما يعوقه أيضا أننا اعتدنا - في عصر العلم والصناعة - أن نفكر في الأشياء التي ندركها وقلما نفكر في عملية الإدراك نفسها• وهناك اتجاهان متنافسان في الفلسفة اليونانية حيث وجدنا ديموقريطس Democritus يبدأ بالجزء أو الذرة (أو الفرد المكون للكل أو العنصر المكون لما هو شامل) بينما بدأ أفلاطون بالأفكار• وفي الفلسفة الحديثة ركز بيكون Bacon على معرفة الكون، وبدأ ديكارت بالتفكير نفسه• ووجدنا هوبز Hobbes يلخص كل شيء في المادة، أما بيركلي Berkeley فكل شيء عنده عقل أو نفس• وقد أعطى كانط الفلسفة الألمانية خصوصيتها بتدليله على أن مهمة الفلسفة الأساسية هي دراسة العمليات التي نكون بها الأفكار• لقد أقر بوجود الحقيقة الخارجية (الكائنة خارج العقل أو النفس) لكنه أصر على أننا لانستطيع أبداً أن نعرفها بشكل موضوعي ما دمنا لا نستطيع معرفتها إلا كمتغيرات بواسطة أعضاء وعمليات الإدراك الموجودة في أفكارنا• وعلى هذا فالمثالية idealism الفلسفية هي النظرية القائلة بأننا لا نعرف شيئا سوى الأفكار، وعلى هذا فالمادة matter هي شكل من أشكال العقل is a form of mind •


فيشته 1762 - 1814

الراديكالي

نجد هنا - كما وجدنا غالباً عند تناولنا للتاريخ الأدبي - أن دراسة الرجل (المؤلف أو المفكر) أكثر تشويقا من دراسة مؤلفاته• فدراسة المؤلفات تجعلنا نحس بالتحات أو التآكل الذي يسببه فيضان أنماط مختلفة في الأفكار والصيغ لكن دراسة نفس تشق طريقها خلال متاهات الحياة تعد درساً حيا في الفلسفة، وصورة متحركة نابضة بالخبرات التي تصوغ الشخصية وتحول الأفكار.

لقد عاش جوهان (يوهان) جوتليب فيشته Johann Gottlieh Fichte اثنين وخمسين عاما كانت غاصة بتجارب مختلفة• لقد كانت أمه تدعو الله أن يكون ابنها قسا (راعي أبرشية) فوافق وبعد أن قضى فترة في بعض المدارس المحلية، تم إرساله إلى يينا لدراسة اللاهوت (أصول العقيدة)، لكنه كان كلما تعمق في دراسة اللاهوت المسيحي زاد عجبا وشكا• وأعطاه واعظ القرية تفنيدا لأخطاء سبينوزا Refutation of the errors of Spinoza لكن فشته أعجب بأخطاء سبينوزا وغض الطرف عن تفنيدها(2) واتخذ قرارا وهو أنه لن يصلح أن يكون قسا• ومع هذا فقد تخرج في كلية اللاهوت• وكان مفلساً معظم الوقت، فسار على قدميه من يينا Jena إلى زيورخ ليبحث عن عمل له كمعلم خصوصي، وهناك أحب جوهانا (يوهانا) ماريا راهن Rahn وتقدم لخطبتها رسميا، لكنهما اتفقا على تأجيل الزواج حتى يستقر ماليا.

وانتقل إلى ليبزج (ليبتسج) وقام بالتدريس لبعض الطلبة، وقرأ كتاب كانط (نقد العقل الخالص) وافتتن به• وأخذ طريقة إلى كونيجسبرج Konigsberg وقدم لكانط كتابه (مقال نحو نقد كل وحي vesush einer kritik aller Offenbarung) (2971)، وطلب قرضاً من كانط فلم يعطه لكنه ساعده في الوصول إلى ناشر لنشر عمله• وأهمل الناشر ذكر اسم المؤلف على الكتاب وعندما ذكر النقاد أن الكتاب من تأليف كانط، صرح كانط باسم المؤلف وامتدح الكتاب وهكذا أصبح فيشته عضوا في جماعة المفكرين الجليلة(3) ولم يستقبله اللاهوتيون بحفاوة كما استقبله المفكرون لأن الحجج التي ساقها في مبحثه الآنف ذكره مؤداها أنه رغم أن الوحي لا يقدم دليلاً على وجود الله، فلابد أن نعزو نظامنا الأخلاقي لله، إن أردنا أن يكون هذا النظام مقبولا ومطاعا من الجنس البشري وبناء على توصية كانط وجد فيشته وظيفة كمعلم ومرشد في دانزج (دانتسج)، وكانت وظيفة ذات عائد مجز، ووافقت خطيبته الآن على أن تضم مدخراتها لما يأتيه من دخل، وتزوجا في سنة 3971، ونشر في العام نفسه أيضا مقالين قويين دون أن يقرنهما باسمه• وفي مقال (ملوك أوربا وأمراؤها يعيدون حرية الفكر) بدأه بامتداح بعض الحكام المتنورين وتوجيه اللوم للملوك والأمراء الذين يعوقون تقدم العقل البشري، وحزن لموجة القمع التي أعقبت وفاة فريدريك الكبير• إن الإصلاح roform أفضل من الثورة rerolution لأن الثورة قد تقذف بالإنسان إلى الخلف وترده إلى البربرية، ومع هذا فالثورة الناجحة قد تحقق تقدما للبشرية في نصف قرن ما يحققه الإصلاح في ألف عام• ثم خاطب فيشته قراءه في زمن كان الإقطاع فيه لا يزا ل راسخا في معظم أنحاء ألمانيا:

لا تكرهوا حكامكم بل اكرهوا أنفسكم• إن أحد مصادر بؤسكم هوتقديركم المفرط لهؤلاء الأشخاص (الحكام) الذين ضلت عقولهم لنقص التعليم والانغماس في اللذات والخرافة••• هؤلاء هم الذين يبذلون كل جهدهم لقمع حرية الفكر••• اصرخوا في وجوههم قائلين لهم إنكم لن تسمحوا لأحد أن يسلبكم حرية فكركم•••

لقد انتهت عصور الظلمة•• عندما يقولون لكم باسم الرب إنكم قطيع من المواشي خلق ليستغل وليخدم حفنة من الأشخاص الفانين (أي أنهم بشر مثلكم) بوئوا مكاناً عليا ليمتلكوكم وتصبحوا ملكاً لهم•• لا•• إنكم لستم ملكاً لهم، ولا حتى أنتم ملك للرب، إنكم ملك أنفسكم•• ستسألون الآن الأمير (أو الملك) الذي يريد أن يحكمكم• بأي حق ستحكمنا؟ فإن قال بحق الوراثة، فلتسألوه: وكيف حصل جدك الأول (مؤسس الأسرة الحاكمة) على هذا الحق؟•• إن الحاكم يستمد كل سلطانه من الشعب(4) أما مقاله الثاني فهو عن تصحيح الأحكام العامة عن الثورة الفرنسية فهو الأكثر راديكالية• فالمزايا الإقطاعية لا يجب أن تكون متوارثة، وإنما هي وجدت برضا الدولة ولابد من إلغائها بما يتفق مع مصلحة الدولة• والأمر نفسه بالنسبة إلى المتلكات الكنسية• لقد تم إقرارهم بموافقة الدولة وتحت حمايتها، ويمكن تأميمها على وفق حاجة الأمة وإرادتها• وهذا ما فعلته الجمعية الوطنية الفرنسية، وهي على حق.

لقد نشر هذان المقالان غفلاً من الاسم، ولو كان معروفا أن فيشته هو مؤلفهما ما دعي في ديسمبر 3971 ليشغل كرسي الفلسفة في يينا Jena• وكان الدوق شارلز أوجستس لايزال هو لورد فيمار ويينا Jena• الهادئ، وكان جوته الذي يشرف على هيئة التدريس في الجامعة لم يقرر بعد أن الثورة الفرنسية كانت سقما (مرضا) رومانسيا(5)• وعلى هذا فقد بدأ فيشته محاضراته في يينا Jana في الفصل الدراسي الذي يبدأ بعد عيد الفصح في سنة 4971• لقد كان مدرسا مقنعا وخطيبا مفوها يمكنه أن يمزج المشاعر بالفلسفة ويمكنه أن يجعل الميتافيزيقا فوق كل شيء لكن اندفاعه كان مؤثرا في مهنته كأستاذ، وكان ينذر بتمرد واضطراب وتم نشر خمس من محاضراته الأولى في سنة 7971 بعنوان (بعض المحاضرات عن مهمة العالم) طرح فيها فكرة أن الدولة ستختفي في وقت مناسب في المستقبل، لتترك الناس أحراراً حقا، وكانت هذه الفكرة تكاد تكون دعوة للفوضوية (اللاحكومة) وتشابه ما دعا إليه جودوين في كتابه الذي نشره قبل ذلك بعام (بحث في العدالة السياسية Enquiry Concerning Political Justice): المجتمع السياسي ليس جزءا من الأهداف الخالصة للحياة البشرية وإنما هو - فقط - الوسائل الممكنة لتكوين مجتمع كامل• والدولة تميل بشكل مستمر إلى إلغاء دورها، إذا كان الهدف النهائي لكل حكم أن يجعل من نفسه زيادة غير ضرورية• قد يكون علينا أن ننتظر دهورا طويلة لكن سيأتي يوم تصبح فيه كل التشكيلات السياسية غير ضرورية(6).

وأضاف فيشته لهذه النظرة العامة التي جعلها سائغة للملوك والحكام بتوقعه ألا تحدث إلا بعد فترة طويلة، فكرة أخرى Pisgah View: إن الهدف النهائي للمجتمع هو المساواة الكاملة بين كل أفراده، وكان في قوله هذا صدىً لأفكار جان جاك روسو، ولم ينكر فيشته ذلك: ليحل السلام على رفات روسو ولتتبارك ذكراه لأنه أيقظ أرواحنا(7)• ورحب الثوار الرومانسيون الذين كان عليهم أن يجتمعوا في يينا في سنة 6971 بهذه الأفكار الداعية إلى يوطوبيا (مدينة مثالية)، فكتب فريدريش فون شليجل إلى أخيه: إن أعظم المتيا فيزيقيين موجود الآن على قيد الحياة• إنه كاتب ذو شعبية• يمكنك أن تراه في كتابه الشهير عن الثورة••• إن كل لمحة من لمحات حياة فيشته العامة تبدو وكأنها تقول:هذا رجل.

الفيلسوف

تـرى مـا هـي هـذه الميتا فيزيقا التـي جذبت الرومانسي كل هذا الجذب؟ لقد كان محورها هو أن الفرد والأنا الواعية بذاتها - تلك الأنا التي جوهرها الإرادة الحرة - هي ذروة كل حقيقة reality • ولا شيء يبهج الرومانسي أكثر من هذا لكن الأمر لم يكن (لوسينده Lucinde) كما عرضها فريدريش فون شليجل، بل إن فيشته نفسه بعد أن نشر كتابه (تأسيس علم شامل للمعرفة، 4971) وجد من الضروري أن يوضح أفكاره، فأصدر في سنة 7971 (مقدمة ثانية) وبتقديم جديد، وقد أضاف كلا العملين سخافات جديدة (أمورا منافية للعقل)• لقد كانت الكلمة الشارحة أو الكلمة المفتاح في حد ذاتها تحتاج إلى شرح• لقد استخدم كلمة Wissenschaftsleher التي تعنى عمود المعرفة Shaft أو عصبها أو جزءها المركزي Trunk، أو لنستخدم كلمة مانعة جامعة - نظرية المعرفة.

وبدأ فيشته بتقسيم الفلاسفة إلى قسمين: الدوجماتيين dogmatists (أصحاب النظريات الذين يؤكدون نظرياتهم أو أفكارهم ويرفضون بحسم كل نظرية غيرها) أو القائلون بالوجود الحقيقي للمادة خارج العقل realists• (إنهم مقتنعون بأن الأشياء موجودة بشكل مستقل خارج العقل (أو النفس)، والمثاليون idealists الذين يعتقدون أن كل التجارب وكل الحقائق facts هي مفاهيم عقلية، وعلى هذا فهي كل الحقيقة فكل ما يمكننا معرفته جزء من العقل المدرك• لقد اعترض فيشته على القائلين بالوجود المنفصل للمادة (الوجود المستقل لها) realists على أساس أن مقالتهم تفضي منطقيا إلى أن الجبرية التلقائية التي تجعل (الوعي) أمراً زائدا أو غير ضروري مما يقوض دعائم المسئولية (البشرية) والأخلاق، بينما حرية الإرادة (حرية الاختيار) من بين أكثر الأمور التي نتمسك بها• لقد رفض فيشته ما هو أكثر إذذهب إلى أن أي فلسفة تبدأ بالمادة لا يمكنها أن تشرح الوعي الذي هو غير مادي• لكن قضايا الفلسفة الأساسية تهتم بهذه الحقيقة الغامضة التي نسميها الوعي• وهكذا بدأ فيشته بالوعي نفسه - الأنا (The Ego أو I ch أو I)• لقد تعرف العالم الخارج عن الأنا، لكن كان تعرفه من خلال ما نعرفه (نحن) عنه عن طريق إدراكنا الحسي.

هذا - من خلال عمليات إعداد عقلية - يحول الأشياء إلى جزء من العقل (إنه تفسير الحواس من خلال الذاكرة أو الغرض (أو الهوى أو الهدف Purpose) ((وعلى هذا فالكلمة بمعناها الصحيح (الموضوعي) تختلف تماما عن الكلمة كما تفسرها الخبرة والسياق والغرض• وعلى هذا فالعاصفة (مثلا) التي هي من الناحية الحسية مجرد فوضى لا معنى لها تراها (وتحس بها) حواس مختلفة تصبح في الإدراك - من خلال الذاكرة والظروف والرغبة - مثيرة لفعل عامر بالمعاني)) وانتهى فيشتة إلى أننا يجب أن نفترض أن (الأشياء خارج الذات) أو (اللا أنا (non - Ego هي سبب لإحساسنا بما هو خارج الذات، لكن هذه الأشياء الواقعة خارج الذات لا تفسرها إلا الحواس والذاكرة والإرادة، وبالتالي فهي من مكونات العقل• وانطلاقا من وجهة النظر هذه فإن (الموضوع) والمادة Object هي جزء من الأنا، ولا يمكن أن نعرف أي شيء خارج الأنا Ego• تلك هي فلسفة فيشته إلا جانبا واحدا• فوراء النفس المدركة هناك النفس الراغبة (ذات الرغبة) والمريدة (ذات الإرادة) فالأنا (الإيجو Ego) هي نظام للدوافع أو البواعث أو المثيرات فكل النظام الذي تتشكل منه أفكارنا يعتمد على دوافعنا وإرادتنا(9) (هنا نجد فيشته يتفق مع سبينوزا في قوله إن الرغبة هي الجوهر الصميم للإنسان) كما أن أفكاره هذه تفضي إلى فكرة شوبنهور عن (الكون كإرادة وفكرة)• والإرادة الطائشة ليست جزءا من الكون (العالم) الموضوعي الذي يبدو خاضعا (أو عبدا) لجبرية تلقائية• من هنا فالإرادة حرة• فالحرية هي جوهر الإنسان لأنها تجعله كائنا مسئولا أخلاقيا، قادرا على الالتزام - بشكل حر - بالقانون الأخلاقي• وكلما مضت الأيام بفيشته طوّر إعجاب كانط بالنظام الفلكي والأخلاقي في لاهوت جديد يفترض قانونا أخلاقيا يحكم الكون ويدعمه كما يحكم شخصية الإنسان ومجتمعاته ويحميهما• وأخيرا فقد جعل النظام الأخلاقي للكون (بالمعنى الآنف ذكره) بمعنى قيام كل جزء فيه بخدمة الكل من خلال أدائه لما هو منوط به - جعله هو نفسه الله(01)• فهدف الإنسان الحر وواجبه هو أن يعيش في تناسق (هارمونية) مع هذا النظام الأخلاقي المقدس• وعلى هذا فالنظام الأخلاقي الكوني ليس مجرد (شخص) وإنما هو (عملية) ويظهر أي هذا النظام بشكل أساس في التطور الأخلاقي للبشرية(11)• فمهمة الإنسان هي أن يعيش متناسقا (في هارمونية) مع النظام المقدس (بالمعنى الآنف ذكره)• كل هذا يذكرنا مرة أخرى باسبينوزا Spinoza لكننا نجد فيشته أيضا في سياق آخر متأثرا بهيجل: فالنفس الفردية أو الروح الفردية فانية(21) ومع هذا فهي تسهم في خلود هذا (الكل) من النفوس الواعية التي هي الأنا Ego الخالصة أو الفكرة أو الروح.

إننا عند تناولنا لفلسفة فيشته نحس بقلق إنسان يتلمس طريقه بعد أن فقد إيمانه الديني المتوارث لكنه يناضل كي يجد لنفسه وقرائه أو تلاميذه طريقا وسطاً بين الإيمان والشك• وفي سنة 8971 واجه المشكلة (القضية) مرة أخرى في مبحثه (على أساس معتقدنا في الحكم المقدس للكون العالم)• لقد أعاد مفهومه لله سبحانه رافضا أن يكون الله شخصا (مشخصا) وإنما هو النظام الأخلاقي غير المشخص للكون، لكنه (أي فيشته) سمح بأن يعزى إلى هذا النظام شيء من (الشخصية) أو (التشخيص) (أي جعله مشخصا على نحو قليل) لإضفاء الحيوية• وعلى أية حال فقد أضاف أننا لو تصورنا الله كطاغية اعتمادا على ما سيقدمه لنا من مسرات ومباهج في المستقبل، فمعنى هذا أننا نعبد وثنا، والذين يعبدون إلها على هذا النحو حري بنا أن نسميهم وثنيين.

وظهر مقال لم يذكر اسم مؤلفه يصف مبحث فيشته الآنف ذكره بأنه مناهض للدين (المفهوم طبعا المسيحية بمعناها التقليدي) وشارك آخرون في الهجوم ، فصادرت حكومة سكسونيا كل النسخ المتاحة من مبحث (مقال) فيشته، وقبلت شكوى مؤداها أن حكومة فيمار تسمح للألحاد (المقصود هنا الخروج عن العقيدة المسيحية التقليدية) بأن يصبح موضاعا للدرس في مناطقها• وحاولت اللجنة التعليمية في فيمار تهدئة الأمر برد مهذب على السكسون Saxon، لكن فيتشه لم يكن مسالما فأصدر نشرتين (كتيبين) للدفاع عن كتابه أمام العامة، كانت نشرة منهما تحوي ردا مباشرا (نداء للجماهير)، فاعتبرتها لجنة فيمار التعليمية تحديا لطريقتها في معالجة الأمر ووصلته شائعة مفادها أن اللجنة ستطلب من مجلس الجامعة توجيه اللوم له علنا• وساق فيشته الأدلة على أن هذا الإجراء سيسيء للحرية الأكاديمية وكتب إلى عضو المجلس الملكي في فيمار مهددا بالاستقالة إذا أصدرت الجامعة هذا اللوم وأضاف أن أساتذة آخرين وافقوا على تقديم استقالتهم تضا منا معه فأصدرت اللجنة التعليمة في فيمار (بموافقة جوته وشيلر) بلاغاً لمجلس الجامعة يرغبها في توجيه اللوم له وقبلت الجامعة تهديد فيشته وتحديه ففصلته، وقدم الطلبة ملتمسين لإعادة أستاذهم، فتجاهلتهما الجامعة(31).

وفي يوليو 9971 انتقل فيشته وزوجته إلى برلين حيث تلقاه بحرارة فريدريش فون شليجل، وشليرماشر وآخرون من جماعة الرومانسيين الذين أحسوا المذاق الرومانسي في خيال فيشته وقوة الأنا البطولية heroic - Egonism في فلسفته• وكي يوفر فيشته أجرة الإقامة في منزل مستقل قبل رغم معارضة زوجته دعوة شليجل العيش معه ومع برندل مندلسون فايت Veit• لقد كان الفيلسوف المرح (فيشته) يحب العيش مع الناس واقترح أن يكثر من عدد المجموعة• لقد كتب يقول لو نجحت خطتي فإن آل شليجل وآل شلنج ونحن سنكون أسرة واحدة كبيرة لنقطن في بيت أوسع وليكون عندنا طباخ واحد(41) لكن الخطة لم توضع موضع التنفيذ لأن كارولين فون شليجل لم تنسجم مع برندل• إن الفردية هي الحية التي تتربص بفردوس العيش المشترك• وعلى أية حال فقد ظل فيشته حتى النهاية وفيه مسحة اشتراكية، فقد نشر في سنة 0081 مقالاً بعنوان (دولة التجارة المقفلة) ذكر فيه أن التجارة الخارجية وتداول النقد يمكنان الأمم الأغنى من استنزاف للأمم الأفقر، وعلى هذا فلابد أن تسيطر الحكومة على التجارة الخارجية كلها وأن تمتلك كل سبيكة صالحة للتداول• فالدولة إن تسلحت بهذه السلطة أمكنها أن تضمن لكل فرد أجراً يكفي معيشته ونصيبا مساويا في دخل البلاد، وفي مقابل هذا حق على كل فرد أن يسلم بحق الدولة في تحديد الأسعار وحقها في تحديد مكان عمله وطبيعته.

ومن الغريب أن يتزامن مع دعوته هذه إصداره لمبحث ديني هو (مهمة الإنسان، 0081) الذي يصف فيه الله باعتباره نظاما أخلاقيا للكون، ويلجأ إليه (إلى الله بهذا المعنى) بنشوة وحب وتعبد: عقيدتنا••• عقيدتنا في الواجب هي - فحسب - إيماننا به (بالله in Him) وبحكمته His reason وبحقيقته His truth••• فالإرادة الأبدية الخالدة هي خالقة الكون على نحو أكيد•• ونحن أيضا خالدون لأنه (الله He) هو الخالد• الإرادة السامية الحية معروفة بغير اسم، لا يحيط بها فكر•• إن الأطفال يعرفونها كأفضل ما يكون وتعرفها النفوس البسيطة المؤمنة...

إننــــي أخفـــي وجهـــي أمامــك Thee (يا أللـه) وأضــع يــدي علـى فمـــي (لا أجــرؤ علــى الكـلام)•• كيـف أنـت Thou وكيــف تنظــر لوجـودي•• لا أســتطيع أن أعــرف أبداً..

أنت يا ألله (Thou) علمتنى واجبي ومهمتي في عالم الموجودات العاقلة• كيف لا أعرف وكيف لا أحتاج للمعرفة••• في ظل علاقاتك هذه بي.. أأستطيع الاطمئنان إلى نعمتك أو بتعبير آخر أأستطيع أن أرتاح في ظل نعمتك المريحة(61)•؟ يظهر أن فيشته - وقد أصبح معتمداً في تدبير أمور معيشته على محاضراته العامة التي ينشرها بعد ذلك - راح يتجه أكثر فأكثر نحو الإيمان المسيحي، والوطنية الألمانية• وفي سنة 5081 دعي ليشغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة إرلانجن Erlangen فحقق لنفسه فيها شهرة جديدة عندما اضطر بعد دخول جيوش نابليون ألمانيا إلى البحث عن منصب أكثر أمناً، فعبر إلى شرق بروسيا وراح يدرس لفترة في كونجسبرج Konigsberg وأدى اقتراب جيوش نابليون بعد ذلك بفترة وجيزة من فريلاند Frieland إلى انتقاله هذه المرة إلى كوبنهاجن• وفي أغسطس سنة 7081 عاد إلى برلين مرة أخرى بعد أن تعب من العيش بلا وطن، وهناك ترك الفلسفة جانبا، وأعطى كل جهده لاستعادة كرامة شعب ممزق طعن في كبريائه.

الوطني

راح فيشته كل يوم أحد من 31 ديسمبر 7081 إلى 02 مارس 8081 يلقي في مدرج مسرح أكاديمية برلين سلسلة محاضرات تم نشرها بعد ذلك بعنوان خطابات إلى الأمة الألمانية Reden an die deutsche Nation• لقد كانت دعوة عاطفية مفعمة حماسا لشعبه كي يستعيد احترامه لذاته وشجاعته وأن يتخذ الإجراءات للخروج من العزلة التي فرضها عليهم وهم حاملو السيوف من الطبقة العسكرية البروسية، والخروج من اتفاقية سلام تلسيت Tilsit غير الإنسانية، والخروج من التمزق وتقطيع أوصال البلاد (المملكة البروسية) الذي فرضه الكورسيكي (نابليون) المنتصر• وفي هذه الأثناء كان العسكر الفرنسيون يقومون بدور البوليس في المدينة المغتصبة، وكان الجواسيس الفرنسيون يرصدون كل حديث• وتعتبر (خطابات إلى الأمة الألمانية) هي الأكثر حيوية في كل ما تركه فيشته، ولا زالت دافئة بمشاعر الفيلسوف الذي تحول إلى الاهتمام بأمور الوطن• لقد نحى جانبا الجوانب الفكرية للمنطق النظري وواجه الحقائق الأكثر مرارة في أسود أعوام بروسيا• ولم يوجه حديثه لبروسيا وحدها وإنما لكل الألمان الذين كانوا يحتاجون لهذا المثير نفسه ويتحدثون اللغة نفسها رغم انقسامهم في ظل إمارات متناثرة• لقد عمل على تقريبهم في شكل من أشكال الوحدة بتذكيرهم بتاريخ ألمانيا وانتصاراتها المشهورة وإنجازاتها في مجالات الحكم والدين والأدب والفن وبرفضه المادية materialism التي تدفع لفقدان الأمل والتي وجدها - كما زعم - في الحياة الإنجليزية والنظريات الإنجليزية، وبرفضه التخلي عن الدين تماما كما في حركة التنوير الفرنسية وفي الثورة الفرنسية ذاتها• لقد راح يتحدث مفتخرا ذاكرا الأدلة من المدن التجارية في ألمانيا الأقدم - نورمبرج ومنها البريخت (البريشت دورر Albrecht Dhrer، وأوجستبرج ومنها الفوجر Fuggers ومواطنو العصبة الهانستية Hanseatic Leaguo الذين جابوا الكرة الأرضية• فالقصور الحالي - كما يخاطب فيشته طبقته وبلاده - يجب النظر إليه من منظور الماضي المتألق، ولا يمكن أن يستمر حبس أمة بواسطة أمة أخرى، فالأمة الألمانية لديها من الأنفس والعقول والإرادة ما يمكنها من الخروج من حضيضها الحالي• كيف؟ أجاب فيتشه: بإصلاح التعليم إصلاحاً كاملا، ومده ليشمل كل طفل ألماني، وجعله إلزاميا، وإعادة صياغته ليركز على الجوانب المعنوية الأخلاقية لا أن يكون الغرض منه تحقيق النجاح التجاري• ليس هناك حديث أكثر من ذلك عن ثورة، فليس هناك إلا ثورة واحدة وهي تنوير العقول وتطهير الطباع• لابد من تطوير قدرات الطفل على وفق منهج بيستالوزي Pestalozzi (السويسري) ولابد من توجيههم لتحقيق أغراض الأمة وأهدافها كما تحددها الدولة• ولابد أن يقود الدولة متعلمون مخلصون ولا يجب أن تكون خاضعة لإرادة الجيش وإنما توجهها إرادة الأمة، وأجهزتها• ولابد أن يكون كل مواطن خادما للدولة، وأن تكون الدولة خادمة للجميع• وحتى الآن فإن الجزء الأكبر - إلى حد بعيد - من دخل الدولة••• يتم إنفاقه لإقامة جيش دائم أما تعليم الأطفال فترك لرجال الدين الذين يستغلون الله كوسيلة للبحث عن الذات في عوالم أخرى بعد موت الجسد••• مثل هذا الدين سيدفن حقا ليكون مع الماضي(71) لابد أن يحل محله دين الوعي الأخلاقي القائم على حسّ ملم بالمسئولية الجماعية• واعتقد فيتشه أن الوصول لهذا النوع من الرجال، يستلزم فصل الطلاب عن مجتمع البالغين ليكونوا مجتمعا منفصلا ومكتفيا ذاتيا•••• تدريبات بدنية•• زراعة وتجارة بمختلف أنواعها بالإضافة إلى تنمية العقل بالتعليم••(81) إن الطلبة بعد أن نعزلهم على هذا النحو مبتعدين بهم عن مفاسد الماضي، فإنهم بالعمل والدراسة سيكونون متحفزين ولابد لخلق صورة لنظام البشرية الاجتماعي كما ينبغي أن يكون أي - ببساطة - كما يتمشى (أي هذا النظام) مع العقل• إن الطالب في هذه الحال يملأ بحب شديد لمثل هذا النظام (نظام الأشياء كما يجب أن يكون) بدرجة يصعب معها تماما ألا يأنس إليه ويرغبه، وبدرجة يصعب معها تماما ألا يعمل بكل قوته لتحسينه عندما يتحرر من توجيه المعلم(91)• إنه حلم رائع يذكرنا بجمهورية أفلاطون ويسبق دعاة Prophets الاشتراكية الذين انعقدت عليهم الآمال في القرون المتعاقبة• ولم يكن لهذه الأفكار سوى تأثير قليل في عصر فيتشه كما لم تسهم إلا بالقليل (رغم أن هذا القليل قد جرى تضخيمه) في إلهاب الحماس ضد نابليون(02)• لكن فيشته كان يفكر في أمر هو أعظم من طرد الفرنسيين من بروسيا• لقد كان يحاول أن يجد طريقا لتحسين الطبيعة البشرية التي فعلت الكثير في التاريخ بجوانيها الخيرة والشريرة• وعلى أية حال فقد كان حلمه هذا حلما نبيلا شديد الثقة - ربما - في سلطان التعليم وقدرته على تغيير الصفات الوراثية والموروثات، كما أنه يفتح الباب - وهذا يدعو للحزن - لإساءة فهمه وإساءة استخدامه من قبل النظم الحكومية السلطوية، لكن فيشته قال: لن أفقد الأمل ما حييت في أن أقنع بعض الألمان•••• بأن التعليم وحده هو السبيل الوحيد لإنقاذنا(12).

لقد ضعفت صحة فشته لهروبه المصحوب بالمخاطر من إرلانجن Erlangen إلى كونجسبرج إلى كوبنهاجن إلى برلين، فبعد إكماله (خطابات إلى الأمة بوقت قصير) انهارت صحته، فذهب إلى تبلتس Teplits وفيها استعاد صحته نسبيا وفي 0181 عين رئيسا لجامعة برلين الجديدة، وعندما بدأت بروسيا حرب التحرير حث فيشته طلبته بحماس بالغ على طرد المحتل حتى إن كلهم تقريبا دخلوا الجندية(22)• وتطوعت زوجة فيشته للعمل كممرضة وأصيبت بالحمى فراح يعتني بها نهارا ويلقي محاضراته في الجامعة مساء وانتقلت إليه العدوى منها، فعاشت هي، ومات في 72 يناير 4181• وبعد ذلك بخمس سنوات ماتت فدفنت إلى جواره على وفق العادة الطيبة القديمة في الدفن التي تسمح للعاشقين والزوجين أن يدفنا متجاورين رمزا لأنهما أصبحا بعد الموت كيانا واحدا (حتى لو لم يجتمع منهما سوى الشعر والعظام)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

شيلنج 1775 - 1854

رغم أن فيشته اعترف بوجود عالم خارجي (عالم خارج الأنا) إلا أن فلسفته كانت غالبا ما تتحاشى ذكره (أي ذكر هذا الوجود خارج الذات) إلا من خلال مروره (وتنقيته) من خلال الإدراك (البشري)• أما فريدريش فيلهلم جوزيف فون شيلنج فرغم حرف الجر (Von) الدال على أرستقراطيته، فقد كان - بالفعل - قد قبل الطبيعة nature ووحدها مع العقل في كيان مشترك يكون الله أو بتعبير آخر كان الله عنده هو الطبيعة والعقل مندمجين في كل واحد.

لقد كان شيلنج ابنا لقس بروتستانطي (من أتباع لوثر) في فورتمبرج Wurttemberg، وكان أبوه من ذوي الممتلكات، وراح يعد ابنه ليشغل منصبا كهنوتياً (ليكون أحد رجال الدين)، فألحقه بكلية اللاهوت في توبنجن Tubingen، وهناك أصبح شيلنج وهولدرلين Holderlin وهيجل يشكلون مجموعة نشيطة من الدارسين الراديكاليين الذين احتفوا بالثورة الفرنسية وأعادوا تعريف الإله (أي تحديد معنى جديد له) وأقاموا فلسفة جديدة قائمة على المزج بين أفكار سبينوزا وكانط وفيشته• وأضاف شيلنج قصيدة بعنوان عقيدة أبيقوري The Creed of an Epicurean(32) ويمكن أن يتنبأ المرءُ مطمئناً أن هؤلاء الشباب اليافعين سيكون اتجاههم محافظاً يحترم القديم.

واشتغل لبضع سنين مدرساً، مثل فيشته وهيجل ونشر وهو في العشرين مقالاً عن أسس الفلسفة (5971) لفت أنظار فيشته وضمن لشيلنج دعوة لتدريس الفلسفة في يينا Jena، وكان وقتها في الثالثة والعشرين• وكان راضياً - لفترة - بوصف نفسه بأنه أحد أتباع فيشته• وأنه يقبل العقل كحقيقة وحيدة، لكن في يينا Jena، وبعد ذلك في برلين انضم للرومانسيين وأتاح لنفسه نشوة عابرة: لن أطيق هذا طويلاً، لابد أن أمارس الحياةَ بشكل أعمق، لا بد أن أترك حواسي حرّة - فهذه الحواس هي - تقريباً - أساسي الذي خرجت منه (اشتُقِقتُ منه) على وفق ما تقول به النظريات الكبرى التي تتناول ما وراء الخبرة البشرية transcendental theories ولكنني أيضاً سأعترف الآن كيف أن قلبي يثب والدماء الحارة تندفع في عروقي•• ليس لي دين إلا هذا، وهو أنني أحب الرُّكب الجميلة التكوين والصدور الناهدة والخصور النحيلة والورود التي تفوح عطراً، والإرضاء الكامل لرغباتي، وتلبية كل حب أطلبه، وإذا كان لا بد أن يكون لي دين (رغم أنني أستطيع أن أعيش بدونه بسعادة أكثر) فلا بد أن يكون هذا الدين هو الكاثوليكية في شكلها القديم حيث كان القسس والمصلون من غير رجال الدين يعيشون معاً•• ويمارسون يومياً في بيت الرب House of God المرحَ الصاخب ويعربدون.

ومن المعقول أن يكون هذا العاشق المتحمس للحقيقة المادية الملموسة مروِّعاً للهالة المثالية المحيطة بفيشته في يينا Jena، والتي ظلت - أي هذه الهالة - وراءه حتى بعد أن غادر يينا إلى برلين، لقد عرَّف شيلنج قضية الفلسفة الأساسية بأنها المأزق الواضح بين المادة والعقل، إذ كان من المستحيل (من وجهة نظره) أن نفكر في أن أحدهما ينتج عنه الآخر، وانتهى (وهو في هذا يعود مرة أخرى إلى فكر سبينوزا) إلى أنَّه أفضل مخرج من هذا المأزق هو أن نفكر في المادة والعقل كوجهين لحقيقة واحدة معقدة ولكنها متحدة فكل فلسفة تقوم على العقل الخالص وحده هي فلسفة سبينوزية (نسبة إلى سبينوزا Spinoza) أو ستصبح كذلك، لكن هذه الفلسفة في رأي شيلنج منطقية على نحو صارم لكن بشكل يُفقدها الحيوية إن الإدراك الدينامي للطبيعة لابد أن يُحدث تغييراً أساسياً واحداً في فكر سبينوزا Spinozism•• فالإسبينوزية صارمة صرامة شديدة كتمثال بيجماليون Pygmalion تحتاج إلى أن يكون فيها روح(52) تلك هي أفكار شيلنج كما عرضها في مقاليه: صورة مبدئية لنظام الفلسفة الطبيعية (9971) ومقال آخر عن المثالية (1800).

واقترح شيلنج ليجعل هذه الأَحَدِيّة المنطوية على الثنائية dualistic monism أكثر وضوحاً - أن نفكر في القوة force أو الطاقة energy كجوهر داخلي (باطني) للمادة والعقــل• وفـي أي مـن الحالتـين لا نعـرف إلـى أي منهمـا (المـادة أو العقـل) ترجـع هـذه القوّة، لكن ما دمنا نرى هذه (القوة) أو (الطاقة) تظهر في الطبيعة بأشكال تتطور دائماً لتكون أكثر دقّة وحذقا - تنافر الجزئيات، إحساس النبات أو تحرك زوائد الأميبا (الكائن وحيد الخلية) لتتلمس طريقها أو تتعلّق بها، وحركة الشمبانزي السريعة الذكية، والعقل الواعي للإنسان - فإنه يمكننا استنتاج أن الله المهيمن على كل شيء ليس هو المادة فقط وليس هو العقـل فحسـب وإنمــا هــو وِحْـدة بينهمـا فــي بانورامــا باهـرة مــن الأشـكال والقـوى• لقـد كان شيلنج هنا يكتب شعراً وفلسفة في آن واحد، وقد وجد وردزورث وكولردج فيه روحاً مماثلة لهما تسعى لبناء عقيدة جديدة لأرواح سيطر عليها العلم لكنها تتطلَّع بشوق إلى إله.

وفي سنة 3081 غادر يينا Jena ليدِّرس في جامعة فيرتسبورج Wurzburg المفتتحة حديثاً فواصل كتابة مباحثه الفلسفية التي كان ينقصها قوة فلسفته الطبيعية وفعاليتها• وفي سنة 9081 ماتت زوجته مُلهمة حياته كارولين، فكأنها أخذت معها نصف حيويته، وتزوج مرة أخرى (2181) وراح يكتب بشكل متقطع ولكنه لم ينشر شيئاً بعد سنة 9081 فقد أصبح هيجل Hegel في هذه الفترة هو سيد الفلسفة بغير منازع أو بتعبير آخر أصبح هيجل هو نابليون الفلسفة الذي لا يجرؤ أحد على تحدّيه• وفي سِنِي انحداره راح شيلنج يجد سلواه في الاتجاه الباطني (الصوفية mysticism) وفي شروح وتفسيرات واقعة وراء نطاق الخبرة البشرية للتناقص الظاهري بين إله محبوب (ومُحِب) وطبيعة حمراء الأسنان والمخلب وبين جَبْرية العلم من ناحية وحرية الإرادة (الاختيار) اللازمة للمسؤولية الأخلاقية• وأخذ عن جاكوب بوهم Jakob Bohme (5751 - 4261) فكرة أنَّ الله نفسه يتنازعه الخير والشر أو بتعبير آخر هو نفسه ساحة معركة بين الخير والشر وعلى هذا فالطبيعة (بدوْرها) تتذبذب بين موقف الكفاح لفرص النظام من ناحية والاستسلام للفوضى (الهيولى) من ناحية أخرى، وفي الإنسان نفسه شيء أساسي غير مقبول عقلياً(62)• لكن في النهاية كما يعد شيلنج قراءهُ سينتهي كل شر وستنجح الحكمة الإلهية لتحويل جرائم البشرية وسخافاتها إلى الخير (72).

لكن شيلنج لم يعد مرتاحاً لفترة طويلة وهو يرى هيجل يجمع فوق رأسه كل تيجان الفلسفة، ورغم أن شيلنج عاش بعد موت هيجل ثلاثة وعشرين عاماً، إلا أن تلاميذ هيجل ظلوا بعد موته يقسمون بينهم تراث أستاذهم (الديالكتيكية) بين الشيوعية ورد الفعل• وفي سنة 1481 وجّه الملك فريدريك وليم الرابع الدعوة لشيلنج لشغل كرسي الفلسفة في جامعة برلين، وكان الملك يأمل أن يستطيع شيلنج المحافظ وقف الاتجاه الراديكالي.

لكن شيلنج لم يستطع جذب تلاميذه واندفعت الأحداث في طريقها للثورة، فكان لابد من التخلّي عن الفلسفة• ومع هذا فقد كان وردزورث بالفعل قد صاغ أفكار شيلنج الحيّة عن وحدة الوجود في أشعار فخمة(82)، وعزا إليه كولردج - مع استثناءات معينة أهم انتصارات الثورة الكانطية في الفلسفة(92) وبعد موت شيلنج بنصف قرن قال هنري بيرجسون - باعث المذهب الحيوي من جديد - إن شيلنج واحد من أعظم الفلاسفة في كل العصور(03) ولو كان هيجل قد سمع هذا الكلام لاعترض عليه.


هيجل 1770 - 1831

عندما قرأ الفيلسوف شُوبِنْهَوَر كتابات كانط، كتب في سنة 6181 كان الناسُ مضطرين للنظر فيما هو غامض على أنَّه ليس دائماً - بلا معنى• لقد كان يظن (أي شوبنهور) أنَّ فيشته وشيلنج هما الميزة الكبيرة لنجاح كانط مع الغموض، لكن شوبنهور واصل كلامه قائلاً:

إنَّ ذروة السخف في أن يكرس المرء هدفه لخدمة اللا معنى وأن يجمع معاً بين ما لا معنى له وحشدٍ من الكلمات المتسمة بالإسراف والمبالغة، ولم نكن نعرف كل هذا قبل أن يستخدمه هيجل إلا في مستشفى المجانين، لكنه وصل إلى هيجل أخيراً وأصبح أداةً لأكثر أنواع الغموض والتعمية جمالاً مما لم نسمع به من قبل، والنتيجة ستظهر بشكل لا يُصدق للأجيال القادمة، وستبقى دليلاً قائماً على الغباء الألماني(13)•

تقدّم هيجل الشّاك

كان جورج فيلهيلم فريدريش هيجل حيا و مزدهراً عندما نُشر هذا اللحن الحزين (8181) وعاش بعد ذلك ثلاثة عشر عاماً• وهو ابن أسرة من الطبقة الوسطى من شتوتجـارت متدينـة تدينـاً شــديداً، ورهنـت الأسـرة أمـلاكها لترســل ابنهــا جــورج (هيجل) لدراسة اللاهوت في معهد توبنجن Tubingen اللاهوتي (8871 - 3971) وكان هناك الشاعر هولدرلين Holderlin، ووصل إليها شيلنج في سنة 0971، وقد استاء كلاهما من جهل مدرسيهم ورحبوا بانتصارات فرنسا الثورية، وطوّر هيجل اهتماماً خاصاً بالدراما الإغريقية، وكان امتداحه للوطنية الإغريقية مقدمة لفلسفته السياسية في شكلها الأخير:

بالنسبة للإغريقي كانت فكرة أرض آبائه (الدولة) هي الحقيقة الأسمى غير المنظورة التي يعمل من أجلها•• وكانت ذاتيته (أوفرديته individuality) لا شيء بالمقارنة بهذه الفكرة (فكرة أرض آبائه)، فأرض الآباء تعني دوامه وبقاءه واستمراره حياته•• فالإغريقي لم يكن يرغب أو يدعو لنفسه بحياة الخلود كفرد، فهذا لم يخطر له على بال(23).

وبعد أنّ تخَرّج حاصلاً على درجة علمية في اللاهوت، أزعج والديه برفضه الدخول في سلك الكهنوت• وراح يعولُ نفسه بتقديم دروس خصوصيّة في بيرن Bern في منزل أحد الأرستقراطيين، وكان في هذا المنزل مكتبة عامرة، فراح يقرأ في هذه المكتبة (وبعد ذلك في احدى مكتبات فرانكفورت) كتابات ثيوسيديد Thucydides ومكيافيللى Machiavelli وهوبز Hobbes وسبينوزا وليبنز (ليبنش) ومنتسكيو ولوك وفولتير وهيوم Hume وكانط، وفيشته Fichte، فكيف كان يمكن لإيمانه المسيحي اُلْمصَّل أَنْ يَصْمد أمام فيض أفكار هذه الثُّلّة من المتشكِّلَين؟ إن التمرَّد الطبيعي لشاب متحمس نشط وجد ساحة للعربدة في مهرجان وثنى (المقصود في أفكار غير متفقٍة مع المسيحية التقليدية).

وفي سنة 6971 ألَّف كتابه (حياة يسوع Das Leben Jesu) الذي ظلَّ غير منشور حتى سنة 5091• لقد كان كتابه هذا على نحوٍ من الأنحاء إرهاصاً بكتاب آخر يحمل الأسم نفسه (حياة يسوع) (5381) الذي بدأ به ديفيد شتراوس David Strauss - أحد أتباع هيجل - هجوما ضاريا على قصّة يسوع (المسيح) كما وردت في الانجيل• لقد وصف هيجل يسوع بأنه ابن يُوسف ومريم، ورفض المعجزات المنسوبة للمسيح، كما رفض تفسيرها تفسيرا طبيعيا• لقد صوَّر المسيح (كمصلح) يُدافع عن الوعى الفردي ضد القواعد الكهنوتية، وخلُص إلى أَنّ المتمرِّد المصلوب (يقصد المسيح عليه السلام) قد تمَّ دفنه، ولم يُحدِّثْنا عن قيامته• وقدم لنا وصفا للإله الذي يجب الإيمان به حتى النهاية العقل الخالص الذي لا تحدّه حدود هو الله Deity نفسه(33)• وفي سنة 9971 مات والد هيجل تاركاً له 451•3 فلورين• لقد كتب إلى شيلنج يطلب مشورته عن مدينة ذات مكتبة عامرة و(43) ein gutes Bier فاقترح عليه شيلنج مدينة يينا Jena وعرض عليه الإقامَة في مقر إقامته، وأتى هيجل في سنة 1081 وسُمح له بإلقاء محاضرات في الجامعة على ألاّ تدفع الجامعة له راتبا، وإنما يتلقَّى أجره من طلبته الذي يجب ألاَّ يزيدوا عن أحد عشر طالبا (ويُعرف المحاضر الذي يعمل على وفق هذا النظام في الجامعات الألمانية باسم Privatdozent) وبعد ثلاث سنوات من هذه المهمة الشّاقة تمَّ تعيينه (استاذا في مهمّة خاصة) أو بتعبير آخر استاذاً مكلّفاً Professor extraordin avius، وبعد عام أصبح له لأول مرة دخل ثابت (مانة شيلر Thalers) وكان هذا بناء على تدخّل جوته (جيتة)• ولم يكن أبداً مدرساً ذا شعبية، لكنه في يينا Jena (وبعد ذلك في برلين) أثَّر في عدد من الطلبه فارتبطوا به ارتباطا خاصا مكَّنهم من التوغّل إلى ما وراء القشرة الظاهرية الصعبة للغته للوصول إلى أسرار فكره المُفعم نشاطاً وحيوية.

وفي سنة 1081 بدأ في كتابة مقال مهم عن دستور ألمانيا Kritik der Verfassung Deutschlands لكنه لم يُكمل كتابته (أي تركه منقوصا) ولم ينشر هذا العمل إلاّ في سنة 3981• لقد راح وهو يتأمل أحوال ألمانيا يتذكر الكيانات الصغيرة التي كانت تتكوَّن منها إيطاليا في عصر النهضة مما أدّى إلى وقوعها لُقمة سائغة في أفواه الغزاة الأجانب، كما راح يتذكر نصائح مكيا فيللى لأمير قوى كي يهوى بمطرقته على تلك الكيانات الإيطالية المتفرقة ليجعل منها أمّة (واحدة)• ولم يكن هيجل يُعِّول على الإمبراطورية الرومانية المقدّسة وتنبأ بانهيارها الباكر: إنّ ألمانيا لم تعد دولة••• فمجموعة من البشر لا يمكنها أن تسمّى نفسها دولة إلاَّ إذا ترابط أفرادها معا للدفاع المشترك عن كل ما يخص هذه المجموعة البشرية• لقد دعا إلى توحيد ألمانيا لكنه أضاف قائلاً: ولن يكون هذا أبداً نتيجة فكر أو حماسة، أنَّه لا يكون إلاَّ بالقوّة••• إن جماهير الشعب الألماني لابد أن تتجّمع لتصير كُتلة واحدة لمواجهة أحد الغزاة(53).

ومن المفترض أنه لم يكن يفكر في نابليون آنئذ، لكن عندما احتاج نابليون (5081) النمساويين والروس في أوسترليتز ربما يكون هيجل - ساعتها - قد تساءل عمّا إذا كان هذا الرجل (نابليون) هو الذي عينَّه القدر لتوحيد أوربا كلها وليس ألمانيا وحدها• وفي العام التالي، عندما كان الجيش الفرنسي يقترب من يينا Jena وبدا مستقبل أوربا مُزَعْزَعاً غير واضح المعالم، ورأى هيجل نابليون يمتسطى صهوة جواده في شوارع يينا (31 أكتوبر 6081) كتب لصديقه نيتهامر Niethammer لقد رأيتُ الإمبراطور راكباً يتفقّد المدينة• لقد بدا كأنّه روح العالم• ياله من إحساس رائع حقا أن يرى المرءُ مثل هذا الفرد (الإمبراطور) متمركزا هنا في بُقعة بعينها ممتطيا حصانا بعينه، ومع هذا فهوُ منتشر ممتد عبر العالم، ومن هذه البقعة يحكمه (يحكم العالم)••• أن يحدث هذا التقدم من يوم الخميس إلى يوم الأحد، فهذا محال إلاّ إذا كان على رأس المتقدّين رجل فذ غير عادي، إننَّا لا نملك غير الإعجاب به••• إن الجيمع الآن يتمنون للجيش الفرنسي حظّا طيبا(63).

وفي اليوم التالي ساد الجيش الفرنسي، وبدأ بعض الجنود الفرنسّيين ينهبون المدينة بعيدا عن عيني روح العالم (الإمبراطور) ودخلت إحدى مجموعات الجنود غرفة هيجل المستأجرة• وعبّر الفيلسوف عن أمله أن رجلا مميّزا على هذا النحو (إشارة إلى قائد المجموعة الذي يحمل فوق سترته العسكرية شارة التميز العسكري المعروفة باسم Cross of the Legion Honor) سيعامل باحثا ألمانيا بسيط معاملة كريمة• وتحلّق الغزاة (الجنود الآنف ذكرهم) حول زجاجة نبيذ لكن انتشار السلب، أرعب هيجل فلاذ بمكتب نائب رئيس الجامعة.

وفي 5 فبراير 7081 أنجبت كريستينا بوركهاردت Christna Burchardt زوجة صاحب الفندق الذي يقيم به اعترف به الأستاذ وهو غائب العقل (في حالة غيبوبة) أنه واحد من أعماله غير المنسوبة إليه (التي لم يكتب اسمه عليها)• ولأن دوق ساكس فيمار Saxe - Weimar كان يجد صعوبة في تمويل كلية يينا (هيئة التدريس بها)، فقد وجد هيجل أن الوقت أصبح مناسبا ليجرّب مدينة أخرى وامرأة أخرى وعملاً آخر، فغادر يينا في 02 فبراير ليصبح محررا لصحيفة Bamberger Zeitung• وفي خضم الإضطرابات نشر (في سنة 7081) كتابه Phanomenologie des Geistes، فلم يبدُ أن أحداً تشكك في أن هذا العمل سيصبح في وقت لاحق هو أهم أعماله، وهو الإسهام الفلسفي الأكثر صعوبة، والأكثر اسهاما في تكوين منطلقات فكرية فيما بين كانط وشوبنهَوَر• وغدر هيجل بامبرج Bambevg (8081) لما سبّبته له الرقابة الحكومية من إزعاج، ليكون ناظر مدرسة في نورمبرج Nuremberg، وراح يعمل في هذا المجال الجديد بإخلاص وضمير حي، يدرّس ويوجّه لكنه كان دوماً توّاق للعمل في جامعة مميزة تتيح له منصبا علميا آمنا يركن إليه• وفي 61 سبتمبر 1181 - وكان قد بلغ الواحدة والأربعين - تزوّج ماري فون توشر (توخر) ابنة سيناتور نورمبرج ذات العشرين ربيعا• وبعد الزواج بفترة يسيرة فاجأت كريستينا بوركهاردت العروسين بزيارة قدمت لهما فيها لودفيج Ludwig ابن هيجل ذي السنوات الأربع• وتقبَّلت زوجة هيجل الوضع بشجاعة وتبنت الطفل وجعلته بين أفراد أسرتها.

ولأن هيجل كان يحلم بمنصب في برلين فقد قبل في سنة 6181 دعوة من جامعة هيدلبرج ليكون استاذ الفلسفة الأول بها• وبداً يدرّس لخمسة طلاب، سرعان ما زادوا ليصبحوا عشرين قبل انتهاء الفصل الدراسي.

ونشر وهو في المنصب موسوعة العلوم الفلسفية (7181)، وكان هذا العمل أكثر مدعاة لإطراء المثقفين وحكومة برلين من عمله السابق (Logik) الذي كان قد سبق نشره في سنة 2181• وسرعان ما دعاه وزير التعليم البروسي ليشغل كرسي الفلسفة الذي ظل شاغراً منذ موت فيشته (4181)• لقد كان هيجل قد بلغ الآن السابعة والأربعين من عمره، فراح يساوم حتى حصل أخيرا على المكافأة التي طال انتظاره لها والتي عوّضته عّما فات• لقد طلب بالاضافة إلى الراتب السنوي البالغ الغى ثالر Thaler مبلغاً آخر يعوّض غلاء الأسعار والإيجارات في برلين، ومبلغا للأثاث الذي اشتراه والذي عليه أن يبيعه الآن بثمن أقل من الثمن الذي اشتراه به (أي يبيعه بالخسارة) ومبلغاً كمصاريف انتقال (بدل سفر) إلى برلين مع زوجته وأطفاله، وأكثر من هذا فقد كان عليه أن يحب وفرة بعينها في الإنتاج(73) وكان كل هذا مضموناً ففي 22 أكتوبر 8181 بدأ هيجل في جامعة برلين تولِّي منصب الأستاذية حتى وفاته• وفي هذه السنوات الثلاث عشرة عُرِفت محاضراته بالغموض لكنها أخيراً أصبحت ذات معان عميقة فكَثُر مستمعوه شيئاً فشيئاً حتى سعى إليه الطلبةُ من مختلف أنحاء أوروبا بل ومن خارج أوروبا• إنه الآن يقدم لنا أكثر النظم الفكرية اكتمالاً وتأثيراً في التاريخ الأوروبي بعد كانط.


المنطق كميتا فيزيقا

لقد بدأ هيجل بالمنطق - ليس بمعناه الذي نعرفه اليوم كقواعد للاستنتاج، وإنما بمعناه القديم والكلاسي كنسبة ratio أو عرض للأسباب والمبادئ أو المعنى الأساسي لأي شيء وما ينطوي عليه من عمليات، وذلك على نحو ما نستخدم مصطلحات مثل الجيولوجيا لنعني بهما معنى الأرض وما تنطوي عليه من عمليات أو مصطلح البيولوجيا لنعني به معنى الحياة وما تنطوي عليه من عمليات أو مصطلح السيكولوجيا لنعني به معنى العقل أو النفس وما تنطوي عليه من عمليات• وعلى هذا فقد كان المنطق بالنسبة إلى هيجل يدرس معنى أيِّ شيء وما ينطوي عليه من عمليات• وبشكل عام فإنه يترك العمليات للعلم، كما أن العلم يترك المعنى للفلسفة• إنه يقترح أن يحلّل لا الكلمات بطريقة عقلية (للخلوص منها باستنتاجات) وإنما السبب أو العقل أو المنطق في الحقائق realities وسيعطي لمصدر هذه الأسباب اسم الرب أو الله God وهو في هذا يشبه إلى حد كبير الصوفيين (ذوي الاتجاه الباطني) القدامى الذين يجعلون الرب the deity واللوجوس Logos (الكلمة) شيئاً واحداً - منطق العالم وحكمته.

فالعقل المدرِك (الواعي) يُضفي معنى للأشياء بدراسة أبعادها في المكان والزمان وعلاقاتها بالأشياء الأخرى المُدركة أو المُتذكَّرة• وكان كانط قد أطلق على مثل هذه العلائق اسم المقولات Categories، وعدَّد منها اثنتي عشرة مقولة رئيسية: الوحدة والتعددّية والكلية وأيضاً الحقيقة والنقيض والقَصْر، والسبب والنتيجة والوجود والعدم، والاحتمال والحتم• وأضاف هيجل مقولات أخرى كثيرة: الموجود المطلق، والانجذاب والتنافر، والتشابه والاختلاف•• فكل شيء في نطاق خبرتنا هو نسيج معقَّد من مثل هذه العلاقات، فهذه المنضدة - على سبيل المثال - لها مكان خاص، وعمر خاص وشكل خاص وتحمُّل خاص ولون خاص ووزن خاص ورائحة خاصة وجمال خاص، وبدون هذه العلاقات الخاصة تصبح المنضدة مجرد فوضى غامضة تُعطى مشاعر متنافرة منفصلة، أمّا إن وجدت هذه العلاقات استطاعت الحواس إدراكها كموجود (مُدْرَك) موحَّد• وهذا الإدراك في ضوء ما تعيه الذاكرة، وفي ضوء فهم الغرض تُصبح هناك فكرة• ومن هنا فإن العالم - بالنسبة إلى كل منا - هو أحاسيسنا (الداخلية والخارجية) حولتها المقولات (بالمعنى الآنف ذكره) التي نسقتها إلى أفكار ومُدركات مختلطة بالذكريات ومتأثرة بإرادتنا.

والمقولات ليست أشياء، وإنما هي طرائق وأدوات للفهم تقدم الشكل والمعنى لأحاسيسنا• إنها المقولات تكون النسق العقلي والمنطق والتكوين والسبب لكل شعور أو فكرة أو شيء• إنها جميعاً تكوِّن المنطق والعقل ولوجوس الكون، على وفق فهم هيجل• والوجود الخالص Pure Being هو أبسط أنواع المقولات وأكثرها كونية فعن طريق الوجود الخالص نحاول فهم خبرتنا - أعني الوجود كما ينطبق على كل الأشياء أو الأفكار دون تخصيص• وكونية Universality هذه المقولة الأساسية هي أنها مقدّرة ومحتومة its fatality: فبافتقادها أي شكل أو سمة لا تستطيع أن تمثل أي شيء موجود، ومن هنا فإن فكرة الوجود الخالص أو الكينونة الخالصة Pure Being هي من حيث نتائجها أو من حيث مفعوليتها مساوية للمقولة المناقضة لها - ونعني بها العدم أو عدم الوجود أو عدم الكينونة أو اللاشيء Nichts، ومن هنا فهما بالفعل (الوجود والعدم) ممتزجان، فما كان غير موجود (غير كائن) يُضاف للوجود (لما هو كائن) Being ويجرّده من لا حتميته أو يجرده من كونه محضاً خالصاً، فالوجود والعدم Being or nonbeing يصبحان على أىة حال أمراً سالباً على نحو ما أو تحتوي الفكرة على شيء من السَّلب• أما مقولة الصَيرورة Becoming الغامضة (Werden) فهي المقولة الثالثة، وهي أكثر المقولات فائدة، فبدونها لا يمكن إدراك أي شيء وهو يحدث أو يتخذ شكلاً• وتتبع كل المقولات اللاحقة النسق نفسه أي أنها تظهر من المزاوجة بين الفكرة ونقيضها.

من هذا التلفيق الهيجلي Heglian Prestidiyitation نشأ الكون (مثل آدم وحواء) من اتحاد أو اقتران (بين فكرتين) مما يعيد للذاكرة فكرة العصور الوسطى القائلة بأن الله خلق الكون من اللاشيء (من العدم)• لكن هيجل حاجّ بأن مقولاته هذه ليست أشياء، وإنما هي طرائق لإدراك الأشياء، ولجعل سلوكها أو تحركها مُدْركاً أو مفهوماً، ويمكن التنبؤ به غالباً، بل ويمكن أحياناً السيطرة عليه.

لقد طلب منا بعض التقييد (التكييف) في معنى الفكرة ونقيضها (تلك الفكرة المقدسة في المنطق القديم) وهو أن A P لا يمكن أن تكون إلا A P أي لا يمكن أن تكون نقيض not A P• حسناً جداً لكن A P قد تصبح لا P أو نقيض P (not - A) فالماء قد يصبح ثلجاً أو بخاراً• فكل حقيقة - كما أدركها هيجل - هي في عملية متطورة من المواءمة أو الملاءمة• إنها - أي الحقيقة reality ليست في حالة وجود استاتيكي (ثابت) a static Parmenidean world of Being وإنما هي في حالة سيّالة متحوّلة• فكل شيء ينساب• ففي رأي هيجل أن كل حقيقة وكل فكر وكل شيء وكل تاريخ ودين وفلسفة هي جميعاً في حالة تطور مستمر ليس من قبيل الانتخاب الطبيعي، وإنما من خلال تطور التناقض الداخلي (الفكرة ونقيضها) وما يتمخض عنه من نتائج، ومن ثم التقدم نحو مرحلة أو حالة أكثر تعقيداً.

هذا هو الديالكتيك الهيجلي الشهير (وهو دياليكتيك فيشته سابقاً، وديالكتيك تعني حرفياً الحوار)• إنه ديالكتيك الفكرة thesis ونقيضها autithesis والجميعة Synthesis (أي ما يتمخض عن الفكرة ونقيضها من فكرة جديدة): فالفكرة أو الموقف ينطوي في باطنه على نقيضه ويطوّره ويناهضه ثم يتحد معه ليتخذ وَإيَّاه شكلاً جديداً• والمناقشة المنطقية لابد أن تأخذ شكل البناء الديالكتيكي من عرض ومعارضة وتوفيق• والتداول أو التشاور الحسّاس لابد أن يكون على هذا النحو - وزن الأفكار والرغبات بميزان التجربة• والمقاطعة أو التداخلات في أثناء المناقشة هي كما أصرّت مدام دي ستيل هي حياة الحوار، لكنها تصبح موتاً له (للحوار) إذا لم نجد للتناقض حلا توفيقيا، أو كانت الفكرة النقيضة غير وثيقة بالموضوع، فالجميعة الحقيقية Synthesis (أي الفكرة الناتجة عن الفكرة ونقيضها) ترفض الإثبات والنفي، وتتيح مكاناً لعناصر من الموقفين (الفكرتين) المثبتة والنافية• وكارل ماركس - تلميذ هيجل - كان يرى أنَّ الرأسمالية تحوي في طياتها بذور الاشتراكية، بمعنى أن الشكلين الاقتصاديين المتنافسين لا بد أن يتصارعا حتى الموت، وأن الاشتراكية لابد أن تسود، وتنبأ الهيجليون الأكثر تمسكاً بفكر هيجل أن الرأسمالية والاشتراكية سيتحدان معاً كما نرى في أوروبا الغربية الآن• وكان هيجل أكثر الهيجليين تطرفاً• لقد راح يتتبع المقولات - ليُظهر كيف أن كلا منها - بالضرورة - ناتج عن فكرة ونقيضها• ونظم حججه وبراهينه، وحاول أن يقسم كل عمل من أعماله في شكل ثلاثي (الفكرة ونقيضها والجميعة) وطبق ديالكتيكه على الحقائق realities كما طبقه على الأفكار• فأظهر أن التناقض والصراع والجميعة Synthesis تظهر في السياسة والاقتصاد والفلسفة والتاريخ.

لقد كان محققا أو واقعيا realisl بالمعنى الوسيط (المعنى الذي كان سائدا في العصور الوسطى): فالكون أكثر حقيقة من أي من أجزائه (ذراته) التي ينطوي عليها: فالإنسان يشمل كان البشر من كان منهم حيا أو من أغرق في الموت، والدولة أكثر حقيقة أو أعمق وجودا realer، وأكثر أهمية وأطول عمرا من أي مواطن من مواطنيها وللجمال قوة خالدة يبقي حتى ما مات، فتظل بولين بونابرت ويبقى الجمال حتى لو أن أفروديت لم تكن قد وجدت في يوم من الأيام• وأخيرا وجدنا الفيلسوف الملزم (بكسر الزاي) يحمل كوكبة مقولاته على المقولة الأقوى والأشمل والأبقى• إنها الفكرة المجردة التي تتمثل فيها كونية كل شيء أو فكر أو عقل أو تكوين أو قانون، إنها الفكرة التي تمسك بالكون، إنها اللوجوس Logos أو الكلمة التي تجلل الجميع وتحكمه.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

العقل

كتب هيجل كتابه Phanomenologie des Geists في يينا Jena بينما كان جيش نابليون الأساسي يقترب من المدينة (يينا)• ونشر الكتاب في سنة 7081 عندما كان أبناء الثورة الفرنسية يدمرون بروسيا بلا رحمة وبدوا وكأنهم يثبتون أن العقل البشري قد ضل طريقه إلى الحرية في تلمسه التاريخي هذا لطريقه من الملكية إلى الإرهاب إلى الملكية مرة أخرى• وقرر هيجل أن يدرس عقل الإنسان في ظواهره المختلفة كإحساس وإدراك ومشاعر ووعي وذاكرة وخيال ورغبة وإرادة ووعي ذاتي وتفكير، فربما يستطيع في نهاية هذا الطريق أن يكتشف سر الحرية• ولم يتهيب من هذا البرنامج فقرر أن يدرس أيضا العقل الإنساني من خلال دراسته للمجتمعات والدولة، وفي الفن والدين والفلسفة• وكانت نتيجة بحثه هي تحفته الخالدة العامرة بالبلاغة والغموض، وكان لها تأثير في ماركس وكير كجارد Kierkegaard وهيدجر وسارتر Sartre بشكل أو آخر.

لقد بدأت الصعوبة مع كلمة Geist التي نشرت سحابا من الغموض واللبس على الروح والعقل والنفس (Ghost and Mind & Spirit & soul) وسوف نترجمها عادة بمقابل إنجليزي واحد هو mind (عقل أو نفس) لكن في بعض السياقات سنجد من الأفضل استخدام كلمة روح spirit كما في عبارة روح العصر Zeitgeist• والجايست Geist (العقل أو النفس) ليس جوهراً منفصلا أو وجودا (أو كينونة) كامنا خلف النشاطات النفسية (السيكلوجية)، بل إنه هو هذه النشاطات نفسها• فليس هناك ملكات عقلية أو نفسية faculties منفصلة وإنما هناك فقط العمليات الفعلية التي تحول بها التجربة إلى فعل action أو فكر.

وقد جعل هيجل الجايست (العقل أو النفس) في واحد من تعريفاته الكثيرة مساويا للوعي(83)• والوعي بطبيعة الحال هو سر الأسرار لأنه - أي الوعي - يشبه العضو الذي يفسر التجربة ولكنه لايستطيع أن يفسر نفسه• ومع هذا فإنه - أي الوعي - أكثر الحقائق جدارة بالملاحظة والإدراك بالنسبة إلينا• والمادة Matter التي قد تكون خارج العقل تبدو أقل غموضا رغم أن معرفتنا بها أقل مباشرة• وهيجل يتفق مع فيشته في أننا نعرف الأشياء فقط بقدر ما هي جزء منا كموضوعات مدركة (كموضوعات يمكن إدراكها)، لكنه - أي هيجل - لم يشكك أبدا في الكون الخارجي (الموجود خارج النفس أو العقل)، فعندما يكون المدرك (بضم الميم وفتح الراء) كائناً آخر بتفاعله مع العقل، يصبح الوعي واعيا بذاته عن طريق التضاد (نقيض الفكرة) عندئد تولد الأنا (الإيجو Ego) بشكل واع وتصبح مدركة (بشكل غير مريح)• إن الصراع (أو التنافس) هو سنة الحياة• ثم يقول فيلسوفنا الصارم إن كل إنسان يهدف إلى تدمير الآخر وموته(93) ويظل الصراع حتى يقبل أحد الطرفين التبعية(04) أو يكون مصيره الموت• وفي هذه الأثناء تتغذى الأنا Ego بالتجربة كما لو أنها مدركة أنها يجب أن تتسلح وتتقوى لخوض تجارب الحياة ومحنها• كل هذه العملية المعقدة التي تحول بها المحسوسات إلى مدركات (بضم الميم وفتح الراء) تخزن ذلك في الذاكرة وتحولها إلى أفكار يتم استخدامها في تنوير الرغبات وتلوينها وخدمتها، تلك الرغبات التي تشكل الإرادة• فالأنا Ego هي بؤرة الرغبات وتعاقباتها ومكوناتها، فالمدركات الحسية والأفكار والذكريات والتفكير المتروي مثل الأذرع والسيقان هي أدوات للنفس أو الأنا Ego تبحث عن البقاء والمسرة والقوة• وإذا كانت الرغبة عنيفة مفعمة عاطفةً، فإنها تتعزز سواء كانت رغبة صالحة أم شريرة• ولا يجب أن ندين ما هو مفعم عاطفة وحماسا، فلا شيء عظيما في العالم يمكن تحقيقه دون عاطفة(14) إنها قد تؤدي للألم لكن هذا الألم لا يساوي شيئا إن أسهم في الوصول إلى النتيجة المرغوبة• فالحياة لم توجد للسعادة وإنما لتحقيق الإنجاز.

هل الإرادة (أي رغباتنا) حرة؟ نعم لكن ليس بمعنى عدم الخضوع للسببية أو مبدأ العلية أو القانون• إنها حرة بقدر ما تتفق مع قوانين الواقع ومنطقه، فالإرادة الحرة هي التي ينورها الفهم ويرشدها العقل• فلا يكون التحرر الحقيقي - بالنسبة إلى الأمة أو الفرد - إلا من خلال تطور الفكر، والفكر معرفة منظمة ومستخدمة• فالحرية في ذروتها هي في المعرفة بالمقولات (بالمفهوم الهيجلي السابق ذكره) وعملياتها في مسار الطبيعة وفي اتحادها مع الفكرة المجردة (بالمفهوم الهيجلي) Absolute idea التي هي الله، وتناسقها معه• وهناك ثلاثة مناهج يمكن للإنسان من خلالها أن يقترب من هذه الذروة من الفهم والحرية: عن طريق الفن والدين والفلسفة• وباختصار ففي كتابه علم وصف الظواهر Phanomenologie وفي كتابه الآخر الذي نشر بعد وفاته عن علم الجمال Vorlesungen uber Aesthetic) (حاول هيجل أن يخضع الطبيعة وتاريخ الفن لفكرته ثلاثية الأبعاد (الفكرة ونقيضها والجميعة)، وكان عرضه في كتابه الثاني Vorlesungen أكثر تفصيلا• واتفق أن استوحى معلومات مدهشة عن العمارة والنحت والرسم والموسيقا، ومعلومات مفصلة عن مجموعة الأعمال الفنية في برلين ودريسدن وفينا وباريس والأراضي المنخفضة• لقد شعر أن الفن هو محاولة عقلية (نفسية) - بالبديهة أو الحدس intuition أكثر منها بالمنطق والحجج العقلية (ومعنى قولنا بالحدس أو البديهة ينطوي على خبرة مباشرة وموسعة وإدراك حسّي مستمر)، والفن كمحاولة عقلية (نفسية) يقدم لنا معنى روحيا (معنويا) من خلال وسائط متعلقة بالحواس• لقد تعرف ثلاثة عهود للفن: (1) الشرقي Oriental حيث وجدنا العمارة تعمل على تدعيم الحياة الروحية والرؤى الباطنية (الصوفية) من خلال المعابد الضخمة كما في مصر والهند• (2) الكلاسيات الإغريقية الرومانية التي تحول المثل المنطقية والعقلية ممثلة في التوازن والهارمونية من خلال أشكال نحتية كاملة (متسمة بالكمال)• (3) الرومانسية المسيحية التي راحت من خلال الرسم والموسيقا والشعر تعبر عن العواطف وتتوق إلى الروح الحديثة• وفي هذه المرحلة الثالثة (الرومانسية المسيحية) وجد هيجل بعض بذور التحلل والفناء وافترض أن أعظم مراحل الفن قد وصلت إلى نهايتها.

لقد أزعجه الدين وأربكه في أواخر أيامه لأنه (أي هيجل) اعترف بالدور التاريخي للدين في تعديل طبيعة الإنسان وفي دعم النظام الاجتماعي، لكنه (أي هيجل) كان شغوفا جدا بالعقل شغفاً يحول بينه وبين السعي للاهوت وفهم معاناة القديسين وعبادة رب متجسد Personal God والخوف منه(34)• وناضل للتوفيق بين العقيدة المسيحية وديالكتيكه (الديالكتيك الهيجلي الآنف ذكر: الفكرة، نقيص الفكرة، الجميعة) لكن قلبه لم يكن مطمئنا لهذا التوفيق، وقد فسر أكثر أتباعه تأثيرا أن رب هيجل هو عقل العالم (الكون) أو القانون غير المشخص (المتجسد) والخلود متمثلا في آثار كل لحظة بشرية على الأرض (وربما كان هذا الخلود بلا نهاية)(44) وفي أواخر كتابه عن وصف الظواهر Phanomenologie استوحى حبه الحقيقي - إنه الفلسفة• لم يكن مثله الأعلى هو القديس بل الحكمة sage• وفي غمار حماسه لم يعترف بأي حد للفهم الإنساني مستقبلا• إن طبيعة الكون ليس لها سلطان يمكنها من المقاومة الدائمة للجهود الشجاعة للذكاء البشري• فلابد أن تفتح آفاقها في النهاية لهذا الذكاء ولابد أن تفضي له بكل أعماقها وثرواتها(54) لكن لابد قبل الوصول إلى هذه الذروة الفلسفية أن ندرك أن الكون الحقيقي ليس هو الذي نلمسه أو نراه وإنما هو العلاقات والقواعد التي تضفي عليه النظام والنبالة• إنه القوانين غير المكتوبة التي تحرك الشمس والنجوم وتكون العقل غير المشخص (غير المتجسد) للكون• إلى هذه الفكرة المجردة أو عقل الكون يقدم الفيلسوف ولاءه• إنه (عقل الكون) هو إلهه الذي يتعبد له، ويجد عنده حريته ورضاءه التام.


الأخلاق والقانون والدولة

في سنة 1281 قد لنا هيجل عملاً كبيراً آخر هو حول فلسفة الحق Grundlinien der philosophie des Rechs والحق rechts كلمة جليلة مهيبة في ألمانيا• إنها كلمة تغطي الأخلاق والقانون كعنصرين لازمين بينهما صلة قربى لدعم الأسرة والدولة والحضارة• وقد تناول هيجل كل ذلك في مجلد فخم ترك تأثيرا دائما في شعبه الألماني.

كان الفيلسوف عند تأليفه هذا الكتاب قد دخل عقده السادس• لقد أصبح معتادا على الاستقرار مشبعاً بالرضا• وكان يتطلع لشغل منصب حكومي(64)• وكان قد أصبح بالفعل محافضا وهو الاتجاه المناسب لهذه الحقبة من العمر• وأكثر من هذا فقد كان الموقف السياسي قد تغيرا كبيرا منذ أن احتفى (أي هيجل) بفرنسا وأعلن إعجابه بنابليون: كانت بروسيا قد هبت حاملة السلاح ضد نابليون وحاربت بقيادة بلوشر Blucher وأطاحت بالمغتصب، وأصبحت بروسيا الآن تعيد ترسيخ نفسها على أسس فريدريكية Frederican أساسها جيش منتصر وملكية إقطاعية كدعامتين للاستقرار بين شعب أصابه فقر مدقع بسبب تكاليف الحرب التي انتصر فيها، وعمته الفرضى وراوده الأمل في الثورة وكبحه الخوف منها• وفي سنة 6181 نشر جاكوب فريز Jadob Fries الذي كان وقتها يشغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة يينا Jena بحثا عن الكونفدرالية الألمانية والدستور السياسي لألمانيا Von Deutschem Bund & Deutscher staatsver fassung عرض فيه الخطوط العريضة لبرنامج إصلاح أرعب الحكومات الألمانية فأصدرت مراسم عنيفة في كونجرس كارلسباد (9181) وطرد فريز من منصبه كأستاذ للفلسفة وأعلن مسئولو الشرطة أنه خارج حماية القانون (مهدر الدم)(74).

لقد خصص هيجل نصف مقدمة كتابه (عن فلسفة الحق) لمهاجمة فريز Freis باعتباره مغفلاً خطرا واتهمه بأن مثال لضحالة التفكير• لقد كان فريز يرى أن شعبا يحكمه حاكم شعبي أصيل لابد أن يتلقى كل ما يتعلق بالأمور العامة (التي تخص الشعب) من الشعب نفسه وقد اعترض هيجل ذاكراً أن هذا الرأي يعنى أن عالم الأخلاق سيترك للتقييم الذاتي (غير الموضوعي) وللأهواء• فبالعلاج الأسري البسيط الممثل في أن نعزو للشعور عمل العقل والفكر يمكن بطبيعة الحال أن نتخلص من كل الاضطرابات في البصيرة والمعرفة التي يوجهها التفكير المحفوف بالمخاطر(84) وصب الأستاذ الغاضب (فريز) جام غضبه واحتقاره على فلاسفة الحواري (يقصد هيجل من بينهم) الذي يقيمون دولاً متسمة بالكمال بسبب الأحلام الوردية غير الناضجة(94)• وأعلن فريز موقفه ضد هذا التفكير المرغوب فيه، باعتباره أساسا واقعيا لفلسفته (فلسفة هيجل) سواء السياسية أو الميتافيزيفية - وهو مبدأ ما هو عقلي فهو عملي واقعي، وما هو واقعي عملي فهو عقلي(05)• (إن ما يفرضه منطق الأحداث، هو ما يجب أن يكون في ظل الظروف نفسها) وهاجم الليبراليون الألمان المؤلف (هيجل) باعتباره طالب دنيا يبحث عن منصب ويخدم الوضع القائم وباعتباره الفيلسوف المكلل بالغار لحكومة رجعية.

إن الحضارة تحتاج للأخلاق والقانون معا مادامت تعني أن نعيش كمدنيين (مواطنين) civis في مجتمع، ولا يمكن أن يظل المجتمع قائما إلا في ظل تقييد الحرية لضمان الحماية (للآخرين)• لابد أن تكون الأخلاق ميثاقا عاما لا مجرد نزعة فردية• فالحرية في ظل القانون بناءة، والحرية بعيدا عن الالتزام بالقانون مستحيلة في الطبيعة ومدمرة في المجتمع تماما كما حدث في فرنسا في بعض مراحل الثورة• فالقيود التي تفرضها الأخلاق المعتادة على الحرية الفردية هي الأقدم والأشمل والأكثر دواما (الأحكام الأخلاقية تتطور مع تطور المجتمع)• وما دامت مثل هذه القواعد الأخلاقية تنتقل أساسا من خلال الأسرة والمدرسة والكنيسة، فهذه المؤسسات أساسية للمجتمع وتشكل أعضاءه الحيوية• وعلى هذا فمن الحمق أن نترك الأسرة تقوم على أساس زواج الحب، فالرغبة الجنسية لها حكمتها البيولوجية في استمرار النوع واستمرار المجتمع، ولكنها أي الرغبة الجنسية لا تنطوي على حكمة اجتماعية تعين على حياة مشتركة طوال العمر لرعاية الممتلكات والأطفال(15)• ولابد أن يكتفي الرجل بزوجة واحدة، كما لابد أن توضع العراقيل أمام الطلاق ولابد أن تكون ممتلكات الأسرة مشاعا لها لكن إدارتها لابد أن تقع على كاهل الزوج(25)• وللمرأة دورها المهم في الأسرة من حيث إخلاصها لها وبالتزامها الأخلاقي(35)• ولايجب أن يقيم التعليم أصناما للحرية واللعب (كما هو الحال في فكر بيستالوزي وفيشته)، فالنظام هو عصب الشخصية، ومعاقبة الأطفال المقصود منها هو منعهم من ممارسة الحرية فهذا المنع موجود في الطبيعة، لتكون القضايا الكلية في وعيهم وإرادتهم.

ولايجب أن نقيم وثنا للمساواة، فنحن سواء فقط من حيث أن لكل منا روحا، ولا يجب أن نكون أداة لشخص آخر، لكن الواقع يقول إننا لسنا سواء، سواء من الناحية الجسمية أو من ناحية قدراتنا العقلية• وأفضل النظم الاقتصادية هي التي يتاح فيها لذوي القدرات الأعلى تطوير أنفسهم مع إتاحة حرية نسبية لتحويل الأفكار الجديدة إلى حقائق إنتاجية• ولابد أن تكون الملكية خاصة وبدون هذا لن يكون هناك حافز لذوي القدرات الأعلى لإجهاد أنفسهم• ولابد لتحقيق أهداف الحضارة من الإبقاء على الدين كأداة مثلى لأنه يربط الفرد بالكل.

ما دام الدين عاملا متكاملا مع الدولة، يزرع معنى الوحدة في أعماق نفوس الناس، فلابد - حتى - أن تطلب الدولة من كل مواطنيها أن يكونوا أعضاء في الكنيسة• فالدولة لا يمكنها أن تتداخل مع الكنيسة لأن ايمان الفرد قائم على أفكاره الخاصة.

ولابد أن تكون الكنائس منفصلة عن الدولة لكن لابد على الكنائس أن تنظر للدولة كأمر متمم للعبادة يكون فيه هدف الدين توحيد الفرد مع الكل بقدر ما تسمح الإمكانات في هذه الدنيا(65)• فالدولة إذن هي أسمى إنجاز بشري•إانها عضو organ المجتمع المنوط به حماية الشعب وتطويره، إذ يقع على كاهلها والتوفيق بين النظام الاجتماعي من ناحية والنزوع الطبيعي للفردية، والصراع والغيرة بين المجموعات الداخلية (في داخل المجتمع) من ناحية أخرى• والقانون هو حرية الإنسان المتحضر لأنه يحرره من الظلم ويحميه من الخطر في مقابل موافقته على ألا يُلحق بالمواطنين الآخرين ظلما أويعرضهم للخطر• فالدولة هي بالفعل الحرية الرصينة(75) وكي تتحول الفوضى إلى حرية منضبطة لابد أن يكون لدى الدولة الصلاحية بل وحق استخدام القوة في بعض الأحيان، فالشرطة أمر ضروري وفي الأزمات مع القوى الخارجية يكون التجنيد الإلزامي ضروريا أيضا• لكن إذا كانت الدولة جيدة التنظيم حسنة الإدارة لأمكنها أن تدعى أنها تنظيم عقلي• وبهذا المعنى يمكننا أن نقول عن الدولة ما قلناه عن الكون ما هو عقلي هو حقيقي واقع، وما هو حقيقي واقع هو عقلي• هذه ليست يوطوبيا، فاليوطوبيا غير حقيقية• أكان هذا تقنينا مثاليا لبروسيا في سنة 0281؟ ليس تماما• فعلى النقيض من هذا النظام، أخذت على عاتقها النجاح الكامل لإصلاحات شتاين وهاردنبرج Stein & Hardenberg• لقد دعت إلى ملكية (بفتح الميم) مقيدة وحكومة دستورية، وحرية العبادة وإعطاء حقوق المواطنة لليهود• لقد أدانت الحكم المطلق الذي عرفته بأنه حيث يختفي القانون، وعندما تتحكم إرادة بعينها سواء كانت إرادة العرش أو إرادة العوام (حكومة الدهماء Ochlocracy) وتصبح هذه الإرادة قانوناً أو تحل محل القانون، بينما تقتضي الدقة أن توجد الحكومة الشرعية والدستورية في وضع مثالي(85) ورفض هيجل الديمقراطية برمتها:

فالمواطن العادي غير مهيأ لاختيار الحاكم الكفؤ، وغير مهيأ لرسم سياسة البلاد• وقبل الفيلسوف (هيجل) دستور الثورة الفرنسية الصادر في سنة 1971 ذلك الدستور الذي دعا لملكية دستورية يصوت فيه الشعب لاختيار أعضاء جمعية وطنية، وليس لاختيار الحاكم• والملكية الانتخابية هي أسوأ المؤسسات(95) لذا فقد أوصى هيجل بحكومة ذات مجلسين تشريعيين ينتخبها المواطنون ذوو الممتلكات، ومجلس وزراء تنفيذي وإداري، وملكية (بفتح الميم) وراثية في يدها القرار النهائي(06)• إن تطوير الدولة إلى ملكية دستورية هو إنجاز العالم المعاصر(16).

ومن غير العدل أن نصف هذه الفلسفة بالرجعية فهي متمشية تماما مع الاتجاه العقلي المحافظ لكل من مونتاني Montaigne وفولتير، وبورك Burke وماكولي Macaulay، وبها نصح بنيامين كونستانت ابن الثورة نابليون، وكذلك انتهى توكفيل بعد دراسة الحكومتين الفرنسية والأمريكية• ويترك هذا النظام مساحة لحرية الفكر الفردية والتسامح الديني• ولابد أن ننظر لهذا النظام في سياق الزمان والمكان: ولابد - كي نفهم هذا النظام - أن نتصور أنفسنا في خضم الاضطراب الهائل الذي ساد أوربا بعد فترة نابليون بما اعتراها من إفلاس وإحباط، حيث كانت حكوماتها الرجعية تحاول إعادة نظم الحكم القديمة (السابقة على الثورة الفرنسية) - لابد أن نتصور أنفسنا في فترة هذه صفاتها لنفهم رد فعل مفكرٍ كان هو أيضاً قد تقدم به العمر كثيراً بدرجة تمنعه من أن يكون مغامراً فكريا وكانت أقدامه قد رسخت رسوخاً شديداً بدرجة تمنعه من التشوق للثورة، أو المخاطرة بإحلال نظريات لم تُحككها التجربة محل حكومات قديمة أو استبدالها بحكم العامة• لقد كانت كتاباته في هذه المقدمة متعجلة غير منظمة بعناية ولم تكن جديرة باسم فيلسوف• لقد خاف الرجل العجوز من بلاغة فريز Fries وفصاحته وما يلقاه من استقبال حافل فاستدعى الشرطة ولم يكن آسفاً لقد التفتت الحكومات أخيراً لهذا النوع من الفلسفة(26) لقد كانت الفترة فترة محافظة لا مغامرة.


التاريخ

لابد أن تلاميذ هيجل كانوا يحبونه، فقد عكفوا بعد موته على ملاحظاته notes وأضافوا ما كتبوه في أثناء إلقائه لمحاضراته، ونظموا نتائجه في نسق منطقي، ونشروها باسمه• ومن هنا فقد ظهر لهيجل أربعة كتب بعد موته: علم الجمال Aesthetics وفلسفة الدين وفلسفة التاريخ، وتاريخ الفلسفة• وكانت هذه الأعمال هي أكثر أعماله وضوحاً ففيها أقل قدر من تعقيد الفكر والأسلوب.

فالفكرة الوحيدة التي أدخلتها الفلسفة لدراسة التاريخ وتأمله هي فكرة العقل (التعليل) البسيطة: فالعقل (التعليل) أي منطق الأحداث وقوانينها هي مَلِك العالم Sovereign of the World، وعلى هذا فتاريخ العالم يُقدم لنا عملية عقلية(36) وهنا أيضاً نجد ما هو واقع (ما هو موجود أو ما هو فعلي) هو أيضاً عقلي - إنه النتيجة الوحيدة المنطقية والحتمية لأحداث سبقت antecedents وغالباً ما يتحدث هيجل عن العقل الحاكم Sovereign Reason بمصطلحات دينية لكنه يعرّفه بالمزاوجة بين سبينوزا Spinoza ونيوتن Newton: العقل هو جوهر الكون، أعني أنه به (أي بالعقل) وفيه (أي في العقل) توجد كل الحقيقة وتعيش ومن ناحية أخرى فهو (العقل) الطاقة المطلقة وغير المحدودة للكون أي أن مقولات المنطق (Logik بالمفهوم الهيجلي الآنف ذكره) هي الوسائل الأساسية لفهم العلاقات الفاعلة التي تكوّن التركيب النهائي للأشياء، وجوهرها Essence وحقيقتها.

وإذا كانت عمليات التاريخ تعبيراً عن العقل Reason - أي عن القوانين الملازمة لطبيعة الأشياء - فلابد أن هناك منهجاً لمسيرة الأحداث التي تبدو في الظاهر غريبة• ويرى هيجل منهجاً (method) يحكم الأحداث أو مسيرة الأحداث ونتائجها• إن فعل العقل في التاريخ - كما هو في الفكر - هو فعل ديالكتيكي: كل مرحلة أو حالة هي فكرة (thesis) تحوي نقيضها (antithesis) وتتصارعان معاً (الفكرة والنقيض) لتظهر منهما الجميعة (Synthesis) وعلى هذا فالحكم المطلق يحاول قمع الرغبة الإنسانية في الحرية، فيقوم الراغبون في الحرية بثورة، فتكون النتيجة (الجميعة Synthesis) ملكية دستورية• أهناك إذن خطة عامة أو كلية وراء مسيرة التاريخ؟ لا، إن كان هذا يعني قوة عليا واعية تقود كل الأسباب والجهود للوصول إلى هدف محدد، ونعم إذا كان المقصود أن المجرى العريض للأحداث كالتقدم في مضمار الحضارة إنما يحركه عقل كلي total of Geist or mind لتقريب الإنسان شيئاَ فشيئاً لهدفه الذي استغرقه (تشربه أو كمن فيه) ألا وهو الحرية من خلال العقل Reason• لا حرية من from القانون وإنما حرية من خلال through القانون (رغم أن الحرية من القانون قد تأتي إن وصل الذكاء البشري إلى منتهاه أي إلى ذروة تطوره)، وعلى هذا فتطور الدولة يمكن أن تكون هبة للحرية• وهذا التقدم نحو الحرية ليس مستمراً لأنه في ديالكتيك التاريخ (الديالكتيك بالمعنى الهيجلي الآنف ذكره) هناك تناقضات يتعين حلها، وتعارضات يتعين تحويلها لتندمج مع غيرها وتباينات ناشزة مندفعة بعيدة عن المركز يتعين جذبها إلى مركز واحد بحكم طبيعة العصر أو جهود بشر غير عاديين.

هاتان القوتان (الزمن والعبقرية) هما مهندسا التاريخ وعندما يعملان معاً تكون لهما قوة لا تُقاوم• واعتقد هيجل - مستوحياً أفكار كارليل Carlyle - في الأبطال وفي عبادة الأبطال• والعباقرة ليسوا بالضرورة طاهرين أخلاقياً، رغم أن من الخطأ أن نتصورهم أنانيين، فنابليون لم يكن مجرد غاز يغزو لمجرد الغزو، فقد كان - سواء كان واعياً بذلك أم لا - ممثلاً لأوربا في توقعها للوحدة وحاجتها لقوانين متماسكة لها طابع الدوام• لكن العبقرية تصبح بلا مُعين لها إذا لم تتمثل روح العصر ومتطلباته (سواء كان العبقري واعياً بذلك أم لا) فالعباقرة لهم بصيرة نافذة بمتطلبات العصر - أو بتعبير آخر أنهم يدركون ما الذي نضج ووصل لمرحلة القابلية للتطوير• هذا هو الأكثر فائدة لعصرهم وعالمهم، أن يدركوا ما هو الذي تشكل فعلاً في رَحِم الزمن(56) إذا اعتلى العبقري هذه الموجة (مثل جاليليو وفرانكلين وجيمس وات) سيصبح قوة دافعة للتطور حتى ولو سبب بؤساً لجيل كامل، فليس معنى العبقرية تسويق السعادة وتاريخ العالم ليس مسرحاً للسعادة، ففترات السعادة فيه صفحات عقيمة لأنها فترات الهارمونية (التناسق) عندما تكون الفكرة المضادة antithesis في حالة معطلة (أو بتعبير آخر في لا فاعلية مؤقتة in abeyance)(66) هنا ينام التاريخ.

والعقبة الرئيسية في تفسير التاريخ كحركة تقدم مستمر هي الحقيقة التي مؤداها أن الحضارة يمكن أن تموت أو تختفي تماما• لكن هيجل لم يكن هو الرجل الذي يترك هذه العوارض لتفسد ديالكتيكه• لقد قسّم ماضي البشرية (كما قلنا آنفاً) إلى ثلاث فترات: الشرقية، والإغريقية - الرومانية، والمسيحية ورأى في تعاقبها بعض التقدم• الشرقية أعطت الحرية لرجل واحد وهو الحاكم المطلق، والحضارة الكلاسية أعطت الحرية لطبقة تستخدم الرقيق، والعالم المسيحي أعطى لكل شخص روحا تسعى لتحرير الكل• لقد لاقت مقاومة في تجارة الرقيق لكن الثورة الفرنسية أنهت هذا الصراع• وعند هذه النقطة (نحو سنة 2281) نجد هيجل يتفجر بتسبيحة شكر مدهشة لهذه الثورة أو لما حدث في أثنائها في السنتين الأوليين:

الأوضاع السياسية في فرنسا لم تكن تقدم شيئاً إلا امتيازات كثيرة غير منظمة، كانت جميعا تُنافي الفكر والعقل وعمت المفاسد الأخلاقية وتدنت أرواح الناس• لقد كان ولابد أن يكون - التغيير عنيفاً لأن الحكومة لم تأخذ على عاتقها مهمة إعادة التحويل أو إعادة تشكيل أوضاع جديدة (فقد كان البلاط والنبلاء ورجال الدين يعارضون ذلك)•• وأثبتت فكرة الحق سلطانها، ولم يستطع النظام القديم القائم على الظلم أن يُقاوم• إنه فجر عقلي ونفسي باهر، فكل الموجودات المفكرة تشارك في التهليل والترحيب (بالثورة الفرنسية)• إن الحماس الروحي ملأ العالم.

وسوّد الغوغاء صفحة هذا الفجر لكن بعد أن ضُمِّدت الجراح ظل التقدّم الجوهري، وكان هيجل لايزال عالمي النظرة حتى إنه اعترف بفضل الثورة الفرنسية الكثير على ألمانيا - لقد أدخلت إليها القوانين النابليونية (المدوّنة القانونية) وألغت الامتيازات الإقطاعية ووسعت قاعدة الحرية ووسعت دائرة الملاك••(86) وباختصار فإن تحليل هيجل للثورة الفرنسية في الصفحات الأخيرة من كتابه (فلسفة التاريخ) يثبت أن هذا المحافظ العجوز لم ينبذ تماماً أفكار شبابه.

واعتبر هيجل أن الخطأ الرئيسي للثورة الفرنسية هو معاداتها للدين• فالدين هو ذروة العقل وسنام العمل• ومن السخف أن نعتقد أن القسس قد ابتدعوا الدين ليخدعوهم به ويحققوا لصالحهم المكاسب من ورائه(96) وعلى هذا فمن الغباء أن نظن أننا قادرون على إنشاء دساتير سياسية بمعزل عن الدين(07)• فالدين هو الجو العام الذي تعطي الأمة نفسها من خلاله معياراً لما هو صحيح True،••• وعلى هذا ففكرة الله God تكوِّن الأساس العام لطبيعة (شخصية) أي شعب(17)• وعلى العكس من ذلك فالشكل الذي يتمثل فيه التجسيد الكامل للروح Spirit هو الدولة(27) فالدولة كاملة التطور تصبح هي أساس كل عناصر حياة الشعب الأساسية، ومحورها - فناً وتشريعاً وأخلاقاً وديناً وعلوماً(37) وبتأييد الدين ودعمه تصبح الدولة مقدَّسة.

لقد راح هيجل يطبق ديالكتيكه في مجال بعد آخر متطلعاً إلى تأسيس نظام فلسفي موحّد يتم شرحه بصيغة فلسفية واحدة• وقد أضاف تلاميذه إلى فلسفته للتاريخ مؤلفاً آخر نشر بعد وفاته وهو تاريخ الفلسفة• فالنظم (الفلسفية) القديمة المشهورة في تحليل الكون - في هذه النظرة - تتبع نسقاً مرتبطاً بشكل أساسي بتطور المقولات (بالمفهوم الهيجلي) في المنطق Logik (بالمفهوم الهيجلي أيضاً)• لقد ركز بارمينيدز Parmenides على الوجود Being والاستقرار أو الثبات Stability، وركز هيراكليوتس Heracleitus على الصيرورة والتطور والتغير• ورأى ديموقرايطس Democritus (مادة) موضوعية أما أفلاطون فرأى فكرة ذاتية (غير موضوعية) وكان أرسطو هو الذي قدم الجميعة Synthesis (بالمفهوم الهيجلي)• وكل نظام (فلسفي)، ككل مقولة وكل جيل يطوّق النظم السابقة عليه ويضيف إليها، لذا ففهم آخر النظم الفلسفية فهما كاملا يتطلب فهمها جميعا• فكل ما يحرزه جيل من تقدم في المعرفة والإبداع يرثه الجيل الذي يليه• ويشكل هذا الميراث روحه وجوهره الروحي(47) ولما كانت فلسفة هيجل هي الأخيرة في سلسلة الفلسفات العظيمة، فهي (أي فلسفة هيجل) تضم (من وجهة نظر هيجل) كل الأفكار والقيم الأساسية لكل ما سبقها من نظم (فلسفية) فهي (أي فلسفة هيجل) تمثل الأوج التاريخي والنظري لها جميعاً.


موت وعودة

كاد عصره - لفترة - يقدّره كتقديره لنفسه• لقد زاد عدد التلاميذ في فصوله رغم طباعه الصارمة وأسلوبه المبهم• لقد أتى رجال بارزون قاطعين مسافات طويلة لرؤية هيجل وهو يوازن الكون بمقولاته• لقد أتاه كوزي Cousin وميشيل Michelet من فرنسا وهايبرج من الدنمرك• وتم تكريمه في باريس في سنة 7281 وكرّمه جوته العجوز• وفي سنة 0381 اهتزت مسلّماته بانتشار الحركات الراديكالية والهياج الثوري، فهاجمها جميعاً وفي سنة 1381 أصدر من وراء القنال الإنجليزي دعوة لمناهضة وثيقة الإصلاح Reform Bill التي تعد علامة على قيام الديمقراطية في إنجلترا• وأعاد صياغة فلسفته لتصبح أكثر فأكثر مقبولة من رجال الدين البروتستنط، ومات في برلين في 41 نوفمبر 1381 إثر إصابته بالكوليرا وكان في الواحد والستين من عمره، وكان لا يزال وافر النشاط• وتم دفنه على وفق رغبته إلى جوار قبر فيشته، وانقسم تلاميذه إلى جماعتين متناقضتين - كما لو كان هذا تأكيداً لغموضه الحذر: الهيجليين اليمينيين وعلى رأسهم جوهان إردمان Erdmann وكونو فيشر Kuno Fischer وكارل روزنكرانتس Rosenkranz، والهيجليين اليساريين ومنهم لودفيج فويرباخ Feuerbach وديفيد شتراوس Strauss وبرونو باور Bauer وكارل ماركس• وقد برع اليمينيون (الهيجليون) في الدراسة وإن انحدروا بازدهار (موجة نقد الكتاب المقدس)، أما اليساريون (الهيجليون) فزاد هجومهم على السلفية الدينية والسياسية• وفسر اليساريون الهيجليون تعريف هيجل لله God والعقل Reason على اعتبار أنه يعني بهما أن الطبيعة والإنسان والتاريخ خاضعة لقوانين مجردة غير قابلة للتغيير• واقتبس فويرباخ Feuerbach من أقوال هيجل ما فسره بأن الإنسان لا يعرف عن الله، إلا بقدر ما يعرف الله عن نفسه من خلال الإنسان(67) وعلى هذا فإن عقل الكون لا يكون واعياً إلا في الإنسان، فالإنسان وحده هو القادر على التفكير في قوانين الكون• وكارل ماركس الذي عرف هيجل في الأساس من خلال كتاباته، حوّل الحركة الدياليكتيكية للمقولات الهيجلية إلى تفسير اقتصادي للتاريخ جعل فيه صراع الطبقات (النص حرب الطبقات) محل الأبطال، باعتبار هذا الصراع هو أداة التقدم الرئيسية• وأصبحت الاشتراكية هي الجميعة Synthesis الماركسية للرأسمالية وتناقضاتها الداخلية.

وتضاءلت شهرة هيجل لفترة حين اجتاحت آلام شوبنهور التهكمية المسرح الفلسفي• وتاه فلاسفة التاريخ مع تقدم الدراسات التاريخية• وبدت الهيجلية تموت في ألمانيا لكنها بُعثت من جديد في بريطانيا العظمى مع جون وإدوارد كيرد Caird وت• هـ• جرين Green وج• م• إ• مكتجارت Mctaggart وبيرنارد بوسانكت Bosanquet• وعندما ماتت (الهيجلية) في إنجلترا بُعثت من جديد في الولايات المتحدة• وربما ساعدت عبادة هيجل للدولة (أي توقيره الشديد لها) على تمهيد الطريق لبسمارك وهتلر• وفي هذه الأثناء وجد كل من سورن كيركجارد Soren Kierkegaard وكارل جاسبرز Jaspers ومارتن هايدجر Heidegger وجان - بول سارتر في أفكار هيجل ملاحظات وإشارات حاسمة عن التنافس البشرى في عالم بعيد عن التوجيه الإلهي، فأصبح هيجل أباً روحياً للوجودية.

وباختصار فإن عصر جوته وبيتهوفن وهيجل كان إحدى الذرى في تاريخ ألمانيا• لقد وصلت ألمانيا أو كادت إلى ذُرى لا تقل عن ذرى سبقت في عصر النهضة الأووبية (الرينيسانس) وعصر الإصلاح الديني الأوربي، لكن حرب الثلاثين عاما حطمت الحياة الاقتصادية والفكرية للشعب وجعلت روح ألمانيا قاتمة وكادت تطرح اليأس على الروح الألمانية طوال قرن• وشيئاً فشيئاً وببطء أدى النشاط والحيوية الكامنان في روح هذا الشعب، والصبر الرواقي (الراضي بالواقع) الذي تتحلى به الألمانيات، وعمق الموسيقا الألمانية وقوتها ومهارة الحرفيين في ألمانيا ونشاط التجار - إلى إعداد ألمانيا لتلقي التأثيرات الأجنبية وهضمها وتحويلها ليتفق مع الذوق الألماني والشخصية الألمانية، ومن أمثلة هذا هضم الألمان لشكسبير وأشعار إنجلترا الرومانسية، وهضمهم لحركة التنوير والثورة الفرنسية• لقد طوّرت وعدّلت فولتير إلى جوته وفيلاند Wieland، وطوّرت وعدّلت روسّو إلى شيلر وريشتر (ريختر) Richter، وردت على نابليون بحرب التحرير وأفسحت الطريق لإنجازات الشعب الألماني المتعددة في القرن التاسع عشر.

إن الحضارة مجال تعاون كما أنها مجال منافسة، وعلى هذا فإنه لأمر طيب أن يكون لكل أمة ثقافتها وحكومتها واقتصادها وأزياؤها وأغانيها• إنها - أي الحضارة - قد أخذت أشكالاً مختلفة من النظم والتعبيرات لتصنع الروح الأوروبية على هذا القدر من الذكاء والمهارة والتباين، ولتصنع من أوربا اليوم فتنة جميلة لا ينتهي جمالها، وتراثاً لا ينضب.