قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 4 ف 30

صفحة رقم : 14716

قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> الشعب الألماني -> الاقتصاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثلاثون: الشَّعْبُ الأَلْمَاني 1789 - 1812

الاقتصاد

كان الألمان في سنة 1800 شعباً ذا وعي طبقي، قَبِل التقسيم الطبقي كنسق للنظام الاجتماعي والتنظيم الاقتصادي، وقلما يحصل الشخص على لقب من ألقاب النبالة إلا بالميراث (أي يكتسبه عند ميلاده). لقد لاحظت مدام دي ستيل de Staelأنه في ألمانيا يحافظ كل شخص على رتبته (طبقته) ومكانه في المجتمع وكأنما هما (الطبقة والمكانة) أمراً راسخا (غير قابل للتغيير)(1)، وكان هذا الوضع أقل وضوحا على طول الراين وبين خريجي الجامعات، لكن - بشكل عام - كان الألمان أكثر صبرا من الفرنسيين، فلم يصل الألمان إلى وضع الفرنسيين في سنة 1789 إلا في سنة 1848.

لقد كان تأثير الثورة الفرنسية في الأدب مثيرا، وكان تأثيرها في الصناعة الألمانية سطحيا. لقد كان في ألمانيا موارد طبيعية ثرية، لكن استمرار النطام الإقطاعي وسلطة البارونات الإقطاعيين في الدول الألمانية الوسطى والشرقية أبطأ من نهوض طبقة رجال الأعمال والمستثمرين الصناعيين التي كان يمكن أن تزدهر في ظل الحوافز المتاحة في الاقتصاد الحر وغير الطبقي، مما يتيح للصناعة الاستفادة من الفحم والمعادن المتوفرة بكثرة في الأرض الألمانية. أما التجارة فقد ساعد على ازدهارها مجموعة من الأنهار الرائعة: الراين، والفستر Wester والإلب Elbe والسال Saale والمين Main والسبري Spree والأودر Oder لكن تمزق الكيانات الألمانية (أو بتعبير آخر عدم اتحاد ألمانيا، وبقاؤها في كيانات سياسية منفصلة) جعل الطرق قصيرة قليلة غير معتنى بها، وفرض على المرور بها ضريبة مرور، وقطعها اللصوص وقطاع الطرق. ومما عوق التجارة القيود التي فرضتها الروابط (التكتلات) التجارية والصناعية، والضرائب الباهظة واختلاف المقاييس والمكاييل والموازين والعملة والقوانين من منطقة إلى أخرى.

وكان على الصناعة الألمانية أن تواجه حتى سنة 7081 منافسة البضائع الإنجليزية التي أنتجتها أحدث الآلات. لقد نعمت إنجلتر بجيل الريادة في الثورة الصناعية ومنعت تصدير تكنولوجيتها الجديدة كما منعت فنييها المهرة من العمل في الدول الأخرى(2). لقد عمل إله الحرب ذو الوجهين على ازدهار الصناعات لإطعام الناس وكسوتهم وقتلهم، فانتعش الاقتصاد الوطني، وبعد سنة 6081 أدى الحصار القاري الذي فرضه نابليون إلى منع البضائع البريطانية من دخول القارة على نحو قل أم كثر، مما ساعد الصناعات داخل القارة على النمو (لمواجهة نقص البضائع الواردة). لقد تطورت صناعة استخراج المعادن وتصنيعها في غرب ألمانيا خاصة في دوسلدورف Dusseldorf وإسن Essen وماحولهما. ففي سنة 1810 بدأ فريدريش كروب Friedrich krupp (1787 - 1826) في إسن Essen مجمع صناعات معدنية ظلت تسلح ألمانيا لقرن.

ورغم هذا الجهد الذي كان يبذله رجال الصناعة فقد كان النبلاء والملك ينظرون إليهم نظرة دونية باعتبارهم مستغلين طلاب ربح، ولم يكن مسموحا لتاجر أو مستثمر صناعي أن يتزوج من طبقة النبلاء أو أن يشتري أرضا يمكنه أن يفرض عليها رسوما إقطاعية. وكان مسموحا للماليين - من الهوجونوت (طائفة من البروتستنط) أو اليهود أو غيرهم - أن يقرضوا النبلاء والملوك، لكن عندما اقترحوا في سنة 0181 أن تحذو بروسيا حذو إنجلترا وفرنسا بتأسيس بنك وطني يصدر سندات مالية بفوائد منخفضة، وبذا يساعد الدين العام في تمويل الدولة، كان من رأي الملك والنبلاء أن مثل هذا الإجراء سيجعل المملكة تحت رحمة رجال البنوك (الماليين). ورفضت بروسيا أن يتحكم في الأمة مديرو العاصمة، وإنما كانت أكثر ميلا إلى أن يقودها العسكريون والأرستقراطية (اليونكر Junker).

المؤمنون بالمسيحية (والمتشككون فيها)

مازال الألمان في فترتنا هذه منقسمين دينيا كما كان عليه الحال خلال حرب الثلاثين عاما. وبطرق كثيرة كانت حروب فريدريك الكبير مع النمسا وفرنسا استجابة لهذه المأساة التي طال أمدها. وإذا كان فريدريك قد خسر، فإن البروتستنطية قد تختفي من بروسيا كما كانت قد اختفت من هس Husse في بوهيميا Bohemia بعد سنة 0261. ولما كان رجال الدين البروتستنط قد انتقلت إليهم الممتلكات الكنسية للأساقفة الكاثوليك في الشمال البروتستنطي، فقد أصبحوا - أي رجال الدين البروتستنط - معتمدين على الحماية العسكرية للأمراء البروتستنط واعترفوابهم كرأس للكنيسة البروتستنطية في ممالكهم (أي ممالك هؤلاء الأمراء)، وعلى هذا كان فريدريك هو رأس الكنيسة البروسية مع أنه هو نفسه كان لا أدريا (أي متشككا في اللاهوت المسيحي - في هذا السياق). وفي الدول الألمانية الكاثوليكية - النمسا، وبوهيميا، وكل كيانات كونفدرالية الراين تقريبا - كان الأساقفة - إن لم يكونوا هم أنفسهم حكاما - يحتاجون للحماية نفسها، وأصبحوا تابعين للسلطة المدنية (غير الدينية أو بمعنى أدق سلطة غير الإكليروس) وراح كثيرون منهم لايهتمون كثيرا بالبيانات التي يصدرها البابا، لكن معظمهم كان يقرأ بانتظام من فوق منابر الوعظ قرارات السلطات المدنية التي تحميهم. وعلى هذا كان الأساقفة في الكيانات الألمانية التابعة لنابليون - سواء منهم البروتستنط أو الكاثوليك - يقرأون من فوق منابر كنائسهم أوامر نابليون الإدارية ونشراته العسكرية(3) وكان لتبعية الكنيسة على هذا النحو آثار مختلفة (غالبا ما كانت هذه التبعية تأخذ أشكالا متناقضة): اتجاهات تقوية Pietism (وهو اتجاه ديني متشدد يؤكد على دراسة الكتاب المسيحي المقدس والخبرة الدينية الشخصية) واتجاهات عقلية (اتجاه يعتبر العقل هو الحكم في قضايا المعتقدات). لقد كانت هناك أسر ألمانية كثيرة لها تراثها التقوي (بالمعنى الآنف ذكره) الذي يفوق انتماءها السياسي وهو في الوقت نفسه أعمق من تمسكها بالطقوس الدينية (الاتجاه الطقسي). وهذه الأسر كانت تجد إلهامها الديني أكثر مايكون في الصلوات داخل المنزل (في نطاق الأسرة) وليس في اللاهوت الرسمي أو عظات رجال الدين من فوق منابر كنائسهم، فراحوا شيئا فشيئا يهملون الكنائس وعوضاً عن ذلك راحوا يتعبدون في جماعات خفية esoteric (المقصود جماعات لها أساليبها الخاصة في العبادة لا يعرفها غيرها)، وكانت جماعات المتصوفة (الباطنية) الذين يوقرون تراث المتنبئين مثل جاكوب (يعقوب) بوهمه Jakob Bohme هم الأكثر حماسة واعتزازا بأساليبهم في العبادة إذ كانوا يزعمون رؤية الرب ومقابلته وجهاً لوجه أو أنهم يسعون لذلك، كما كانوا يزعمون أنهم عاينوا التنوير وجربوه، ذلك التنوير (المعنى هنا أقرب إلى الذوبان في القوى القدسية العليا) الذي ينهي أقسى مشاكل الحياة وأكثرها مرارة. وكانت أخوية المورافية Moravian Brotherhood (الأخوية تعني الجماعة الدينية التي يرتبط أفرادها ارتباطا شديدا أساسه الإيمان بمعتقدات واحدة) هي على نحو خاص الأكثر تأثيراً، فقد عانى أفرادها ببطولة صامتة قرونا من الاضطهاد، فقد طردتهم بوهيميا الكاثوليكية وانتشروا في المناطق الألمانية البروتستنطية وأثروا - بعمق - في حياتها الدينية. وقابلت مدام دي ستيل Stael بعضهم وتأثرت بتقواهم وإسهامهم في الأعمال الخيرية وكان ينقش على قبر الواحد منهم إذا مات ولد في يوم كذا وعاد إلى وطنه في يوم كذا(4) وقد آمنت البارونة جولي (باربارا جوليانه) فون كرودنر (4671 - 4281) Julie (Barbara Juliane) Von Krudener الأثيرة لدي مدام دي ستيل آمنت بمعتقدهم وكانت تدعو إليه بطريقة جذابة حتى إن الملكة لويز Louise البروسية تأثرت بهذه الدعوة، وكذلك تأثر بها لفترة القيصر الروسي إسكندر، لكنهما وإن كانا قد تأثرا بالمعتقد فإنهما لم يستجبيبا للمشاركة في الأعمال الخيرية.

وكان الشكاكون Skeptics (المفهوم أنهم شكاكون في المعتقد المسيحي) الذين استنشقوا هواء التنوير الفرنسي هم الطرف الآخر المقابل للباطنيين المسيحيين (المتصوفة المسيحيين) لقد فتح ليسنج Lessing على استحياء عصر التنوير الألماني Aufklarung بالبحث عن أمور أهملها التاريخ وراح ينشر جزءا منها (Fragmente eines ungenannten) في الفترة من 4771 إلى 8771 وقد عبر هيرمان ريماروس Hermann Reimarus في هذا العمل عن شكوكه في صحة الأناجيل (شكه في أصلها التاريخي)، وبطبيعة الحال كان هناك شكاكون (المفهوم أنهم شكاكون في المعتقد المسيحي) في كل جيل، لكن غالبهم كان يرى الصمت من ذهب، وكان تأثيرهم يتم قمعه إما بالبوليس أو بالتخويف من عذاب الجحيم. أما الآن فلم تعد أفكار هؤلاء الشكاكين مكتومة فقد وجدت طريقها في محافل البنائين الأحرار (الماسونيين) ومحافل الروزيكريشيين Rosicrucian (تشكيلات سرية اشتهرت في القرنين 71 و 81 وزعمت أنها تملك معرفة سرية للطبيعة والدين) وفي الجامعات بل وحتى في الأديرة. وفي سنة 1871 أدى كتاب كانط (نقد العقل الخالص) إلى حدوث بلبلة بين المتعلمين في ألمانيا بشرحه لصعوبات اللاهوت العقلي (صعوبات إخضاع اللاهوت للعقل)، وظلت الفلسفة الألمانيه طوال جيل بعده تعمل على دحض شكوكه أو إلغائها، وحقق بعض الباحثين بدأب لدحض أفكاره شهرة عالمية مثل فريدريش شلايرماشر Schleiremacher، على وفق ما ذكره ميرابو Mirabeau (الذي زار ألمانيا ثلاث مرات بين عامي 6871 و 8871) كان معظم رجال الدين البروتستنط البروسي في هذا الوقت قد تركوا - بشكل سري - إيمانهم السفلي وباتوا يفكرون في المسيح كرجل صوفي محبوب أعلن قرب نهاية الدنيا. وفي سنة 0081 سجل مراقب متعجل أن الدين (المسيحي) قد مات في ألمانيا وأنه من غير الملائم وصفها بأنها مسيحية(5) وتنبأ جورج ليشتنبرج Lichtenberg (2471 - 9971) أنه سيأتي يوم يكون فيه اعتقاد الجميع في الرب (المقصود يسوع) God كاعتقاد أطفال الحضانة في الأشباح(6).

لقد كانت هذه التقارير مبالغاً فيها، فقد أثرت الشكوك في الدين في عدد قليل من الأساتذة وذوي الثقافة الضحلة لكن هذه الشكوك لم تكن تصل إلا قليلا إلى الجماهير. واستمرت العقيدة المسيحية تدعو إلى معنى اعتماد الإنسان على قوى علوية فوق الحسّ، وتوضح ميل الإنسان - حتى المتعلم - لطلب العون من قوى علوية (فوقطبيعية)، وراحت التجمعات البروتستنطية تدفئ قلوب أعضائها بالترانيم الرائعة، واستمرت الكنيسة الكاثوليكية في تقديم معجزات القديسين والمثولوجيا، والتأملات الباطنية والموسيقا والفن لتكون ملاذا أخيرا لاًرواح أرهقتها أعوام من الملاحة العقلية وسط عواصف الفلسفة والجنس ومخاطرهما. وعلى هذا فإن علماء واسعي المعرفة مثل فريدريش فون شليجل Friedrich Von Schlegel وبنات موسى مندلسون Mendelssohns اليهوديات المتألقات راحوا يبحثون أخيرا عن الدفء وحنان الأمومة في حضن الكنيسة الأم. لقد ظل الإيمان دوماً، وبقي الشك أيضا.

اليهود الألمان

لا بد وأن يكون الإيمان المسيحي قد ضعف مع ازدياد التسامح الديني، فكلما زادت المعرفة وجدناها تتخطى الحواجز التي وضعتها العقائد. لقد أصبح من المستحيل بالنسبة إلى المسيحيين المتعلمين أن يكرهوا اليهودي المعاصر بسبب صلب المسيح السياسي (صلب تم لأسباب سياسية) مضى عليه ثمانية عشر قرنا، وربما قرأ المسيحي المتعلم في إنجيل متى (12slash8) كيف أن جموعاً من اليهود قد انتشروا وجريد النخيل في أيديهم للترحيب بداعيهم المحبوب (المقصود المسيح عليه السلام) وهو يدخل القدس قبل موته بأيام قليلة. وعلى أية حال فقد كان اليهو د في النمسا قد جرى تحريرهم على يد جوزيف الثاني، وفي بلاد الراين على يد الثورة الفرنسية أو نابليون، وفي بروسيا على يد هاردنبرج فخرجوا سعداء من معازلهم ghettos وتكيفوا مع محيطهم وزمانهم لباساً ولغة وعادات، وأصبحوا عمالاً قادرين ومواطنين موالين للبلاد التي يقيمون فيها وعلماء مبدعين ودارسين مخلصين. لكن ظلت معاداة السامية سائدة بين غير المتعلمين أما بين المتعلمين فقد فقدت بعدها الديني وإنما كان لها (أي معاداة السامية) أساس يغذيها في المنافسة الاقتصادية والفكرية وفي أساليب الحياة في (الجيتو) التي ظلت باقيه إذ حافظ عليها اليهود الفقراء.

لقد شهدت فرانكفورت أيام جوته (جيته) عداء شديدا بين المسحييين واليهود، واستمر هذا العداء طويلا، لأن البورجوازية الحاكمة هناك أحست بالمنافسة اليهودية الشرسة في مجال التجارة والصرافة والأمور المالية. وكان مير أمشل روتشلد Meyer Amschel Rothchild اليهودي (3471 - 2181) يعيش بينهم في هدوء وأسس أعظم البيوت المالية في التاريخ بإقراض الأمراء المفلسين مثل الكونتات الألمان (اللاندجريف) في هس - كسل Hesse - Cassel، أو بعمل اليهود كوكلاء لإنجلترا لتقديم الأموال للذين يواجهون نابليون. ومع هذا فقد كان نابليون هو الذي أصرّ في سنة 0181 على منح يهود فرانكفورت حريتهم كاملة بضمان تشريعاته المعروفة بالمدونة النابليونية(7).

أما ماركوس هيرز (هيرتس) (7471 - 3081) فقد عمل على استخدام الازدهار - المالي لليهود في رعاية العلوم والفنون. ولد ماركوس في برلين وهاجر في سنة 2671 إلى كونيجسبرج Konigsberg حيث كان كانط وغيرهم من الليبراليين قد أقنعوا الجامعة بقبول اليهود، وسجل هيرتس في الجامعة كطالب طب لكنه كان يحضر محاضرات كانط ويواظب عليها غالبا مع حضوره محاضرات الطب وجعله حبه للفلسفة واهتمامه بها تلميذا أثيرا لكانط(8).

وعندما حصل على درجته العلمية في الطب عاد إلى برلين وسرعان ماحقق شهرة ليس فقط كطبيب وإنما أيضا كمحاضر في الفلسفة وجذبت محاضراته في الفيزياء مستمعين ذوي حيثية كان منهم فريدريك وليم الذي أصبح بعد ذلك هو الملك فريدريك وليم الثالث وكان زواجه من هنريتا دي ليموس Henrietta de Lemos - إحدى أجمل نساء عصرها - سببا لبهجة وتعاسة معا. لقد جعلت بيته صالونا يضارع أفضل صالونات باريس. وامتد كرمها ليشمل الجميلات اليهوديات الأخريات بمن فيهن برندل Brendel ابنة موسى مندلسون (أصبح اسمها بعد ذلك دورثيا Dorothea) وراشيل ليفن Rachel Levin التي تزوجت بعد ذلك الدبلوماسي والمؤلف فارنهاجن فون إنس Varnhagen Von Ense وتحلّق ذوو الحيثية من مسيحيين ويهود حو ل ربات الفتنة والجمال الثلاث، وابتهج المسيحيون إذ وجدنهن جميلات جسدا وعقلا وكن مغامرات فاتنات. وحضر ميرابو Mirabeau هذه الاجتماعات ليناقش الأمور السياسية مع ماركوس كما كان يتناول موضوعات تتسم بالظرف والذكاء مع هنريتا، وكانت حوارته معها أكثر من حوارته مع زوجها ماركوس وكانت تستمتع بإعجاب ذوي الحيثية من المسيحيين بها، ودخلت في علاقات غامضة مع فيلهلم فون همبولدت Wilhelm Von Humboldt المعلم، ومع فريدريش شليرماشر Friedrich Schleiermacher الذي كان داعية فلسفيا. وفي هذه الأثناء شجعت دوروثا Drotha - التي كانت قد تزوجت سيمون فايت Simon Veit وأنجبت له طفلين - على ترك زوجها وبيتها لتعيش مع فريدريش فون شليجل Von Shlegel كخليلة له، غير أنها أصبحت بعد ذلك زوجته.

وكان لهذا الاختلاط الحرّ بين المسيحين واليهود أثر مضعف على الجانبين: لقد أضعف العقيدة المسيحية (السائدة) عندما وجد المسيحيون أن المسيح ورسله Apostles (الكلمة في المصطلح المسيحي تعني الدعاة له وسفر أعمال الرسل يعني سفر الدعاة أو المبشرين بالمسيحية) الاثني عشر لم يكن هدفهم سوى الوصول إلى يهودية جديدة إصلاحية، أو بتعبير آخر لم يكن هدفهم سوى إصلاح اليهودية لتكون مطابقة لشرائع موسى والهيكل. وكذلك أدى هذا الاختلاط إلى إضعاف عقيدة اليهود الذين رأوا أن إخلاصهم لليهودية يشكل معوقا قاسيا يحول بينهم وبين المكانة الاجتماعية والتواؤم مع من يعيشون معهم. وعلى كلا الجانبين (المسيحي واليهودي) أدى تدهور المعتقد الديني إلى تساهل في المعايير الأخلاقية.


الأخلاق

كانت قواعد السلوك والأخلاق قائمة على الاعتقاد في إله رحيم منتقم، يشجع كل تواضع ويراقب كل عمل ويعلم ما تخفي الصدور، لاينسى شيئا، وهو صاحب الحق ومالك القوة، ليصدر الحكم ويعاقب أو يعفو. إنه إله الحب والانتقام إنه السيد المهيمن مالك الجنة والنار (وهي صورة الإله في العصور الوسطى). هذه العقيدة الكئيبة والتي ربما كان لابد منها ظلت موجودة بين الجماهير وساعدت رجال الدين والأرستقراطيين Junkers والجنرالات والبطارقة على التحكم في جماهيرهم (قطيعهم) والفلاحين والجنود والبيوت. لقد تطلبت الحروب الدورية والمنافسة التجارية والحاجة للانضباط الأسري، تأصيل وصياغة عادات الطاعة والتنفيذ لدى الشباب وعادات التواضع المبهج والعمل داخل المنزل لدى البنات، والصبر والإخلاص لدى الزوجات، والقدرة الصارمة على القيادة لدى الزوج والأب.

وكان الرجل الألماني العادي يجد من الحكمة أن يكون وقورا أمام زوجته وأبنائه ومنافسيه وموظفيه، رغم أنه- بعيدا عنهم - يكون مرحا محبا للفكاهة - على الأقل عندما يكون في الحانة. وهو - أي الألماني العادي - يعمل بجد، ويتوقع الشيء نفسه ممن يعملون تحت إدارته، وهو يحترم التقاليد والتراث باعتبارهما نبع الحكمة وعمود المصداقية. والعادات القديمة تمكنه من مواجهة مهامه اليومية وارتباطاته بفكر منظم مريح. وهو متمسك بدينه كتراث مقدس وهو شاكر له لأنه يعينه على تدريب أبنائه على المودة والنظام والانضباط. وهو يتبرأ من الثورة التي أشاعت الفوضى في فرنسا ويكره استعجال الشباب الألماني وهياجهم متمثلة في تحللهم الطائش من العلاقات الراسخة، اللازمة بشكل حيوي لضبط المنزل والدولة. وهو - أي الرجل الألماني العادي - يجعل زوجته وأبناءه تابعين له، لكنه يستطيع أن يكون إنسانيا ومحبوبا في منزله في الوقت نفسه وهو يعمل بلا ملل ولا كلل لمواجهة احتياجات أسرته البدنية والعقلية والنفسية.

وقد قبلت الزوجة وضعها دون كبير مقاومة لأنها مقتنعة أن الأسرة الكبيرة في بلد غير آمن يحيطه الأعداء، في حاجة إلى يد ثابتة صارمة. وهي في المنزل - كتابعة لزوجها وملتزمة بالقانون (الشريعة) - تصبح مقبولة كسلطة موجهة، وغالبا ما كانت دوما تحظى بحب أولادها طوال الحياة. وكانت راضية بدورها كأم للأطفال مبرأة من الإثم(9) تحافظ على بقاء الجنس البشري. لكن كانت هناك أصوات أخرى. ففي سنة 4771 كان تيودور فون هبل Theodore Von Hippel قد سبق ماري فولستونكرافت Wdlstonecraft بثمانية عشر عاما، إذ نشر كتابه (عن الزواج) فكان صوتا رجوليا للدفاع عن تحرير المرأة. لقد اعترض على قسم الزوجة على طاعة زوجها إذ كان من رأيه أن الزواج مشاركة وليس تبعية الزوجة لزوجها، فهي شريكة له. وطالب بتحرير المرأة تحريرا كاملا ليس فقط بإعفائها من قسم الطاعة بل لأهليتها للمناصب بل لأعلى المناصب، وذكر بعض النسوة الحاكمات في عصره - كريستينا في السويد وكاترين في روسيا، وماريا تريزا في النمسا. وإذا لم ينص القانون على التحرر الكامل للمرأة، فإن من الأمانة أن نحول مصطلح حقوق الإنسان إلى مصطلح حقوق الرجال(01) ولم تصغ إليه ألمانيا لكن - بتأثير الثورة الفرنسية وانتشار الفكر الراديكالي في ألمانيا - شهدت نهاية القرن 81 وبداية القرن 91 هبة لنساء متحررات كن كثيرات العدد في الفترة التي نتحدث عنها، لكن كانت حركة تحرير النساء في فرنسا في القرن الثامن عشر هي الأكثر ألمعية، ولم تتسم الحركة في كلا الكيانين بالطيش والتهور. ولم تنظر الحركة الرومانسية - التي كانت صدى للتروبادوريين في العصور الوسطى - للمرأة كأم كديمتر Demeter ولا كعذراء كمريم وإنما كباقة ورد تجعل المرء ثملاً معجبا بحيويتها (أي المرأة) الجسدية والعقلية ولابأس من شيء من الغيبة والقيل والقال بل والفضائح لإكمال الإغراء (لإثارة الفتنة). لقد لاحظنا أن هنريتا هيرز (هيرتز)، ودوروثا مندلسون Mendelssohn - بالإضافة إلى كارولين ميشيل Caroline Michaelis (ابنة جوتنجن أورينتالست Gottingen Orientalist) التي كانت - وهي أرملة ثورية - قد تزوجت أوجست فون شليجل وطلقته وتزوجت من الفيلسوف شيلنج. وهناك تيريزا فورستر التي ضارعت زوجها في اتجاهها الجمهوري، وتركته (أي تركت زوجها) لتعيش مع دبلوماسي من سكسونيا، وكتبت رواية سياسية (the Seldorf family) أحدثت ضجة في بلاد الراين. لقد كتب فيلهلم فون همبولدت أنها بتفوقها الفكري كانت واحدة من أكثر النساء جدارة بلفت النظر إليها في عصرها(11) وهناك راشيل ليفن فارنهاجن فون إنس Ense التي كان يتردد على صالونها دبلوماسيو برلين ومفكروها، وهناك بتينافون أرنيم Bettina Von Arnim التي رأيناها تحوم حول بيتهوفن وجوته (جيته) ورأينا نسوة مثقفات - لسن ثوريات تماما يفقن جوته بريقا في فيمار: إنهن الدوقة لويزا Luise وشارلوت فون كالب Kalb وشارلوت فون شتاين Steins وكان من الطبيعي أن تؤدي حركة تحرير المرأة في المدن الألمانية الكبيرة إلى تخفيف الكوابح الأخلاقية، فقد اتخذ فريدريك وليم الثاني خليلات، وضارعه بعد ذلك في هذا الأمير لويس فرديناند، وازداد بدرجة كبيرة الزواج عن حب لأن الشباب الأصغر سنا تخلى عن البحث عن زوجة ذات مال إلى زوجة يعشقونها ذات جمال (أي راحوا يبحثون عن النشوة الرومانسية)، وراح جوته المسن ينظر بازدراء من فيمار لحياة الترف التي يحياها أفراد الطبقات العليا وذوو المكانة في برلين لكنه تبنى الأخلاق الجديدة عندما ذهب إلى منتجعات كارلسباد Karlsbad حيث رأى النسوة يعرض أنفسهن بخيلاء في ملابسهن المتمشية مع (المودة) الجديدة على نحو ما كانت تفعل مدام تاليا Tallien ونساء آل بوهارنيه Beauharnis في باريس في سنة 5971.

وضارع الفساد السياسي هذا الانحلال الجنسي، فكانت الرشوة أداة أثيرة يستخدمها الدبلوماسيون، وكانت الرشوة سائدة في الجهاز الإداري في الدول الألمانية الكاثوليكية والبروتستنطية على سواء. وبدا رجال الأعمال أكثر أمانة من رجال السياسة وكان البورجوازي حتى إذا تزوج من امرأة متساهلة relaxed فإنه يجعلها بمعزل عن حفلات السمر على طول نهر السبري Spree وعلى أية حال ففي هذه الأثناء كانت الجامعات تصب في الحياة الألمانية وفي قيم الأخلاق فيها شبابا لم يحظ بالقدر الكافي من التعليم فكان كعملية هدم في خلايا المجتمع الحية تسبب له ازعاجا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التعليم

لقد أصبح التعليم الآن هو الشاغل الأول لألمانيا وهو الإنجاز الأول أيضا، وارتبط هذا بالحرب فقد كان لابد من حفز العقول والأنفس والأبدان لمواجهة نابليون. لقد وجدنا فشته Fichte في كتابه خطابات إلى الأمة الألمانية (7081)(21) يعبر عن قناعات العصر رغم أن قلة هم الذين تنبهوا لقوله: إن إصلاح التعليم في كل مراحله، هو وحده الذي يعلي من شأن ألمانيا لمواجهة احتياجات الدولة في هذه الأعوام التي تحطمت فيها الروح الألمانية بسبب الاستسلام السريع والإذلال الذي تعرض له الوطن. وفي سنة 9081 تم تعيين فيلهلم فون همبولدت Wilhelm Von Humboldt (7971 - 5381) وزيرا للتعليم في بروسيا، وأعطى لنفسه صلاحيات تجعل إصلاحاته نافذة المفعول، فجدد النظام التعليمي الألماني الذي سرعان ما أصبح بفضله أفضل نظام تعليمي في أوربا. فأتى الطلاب من بلاد لا حصر لها للدراسة في جامعات جوتنجن Gottingen وهيدلبرج Heidelberg ويينا Jene وبرلين. وانتشر التعليم ليشمل كل الطبقات واتسعت موضوعاته وأعراضه، ورغم التركيز على دراسة الدين كدعامة أساسية للشخصية، فقد كان المعلمون الرسميون يركزون على الوطنية كدين جديد في مدارس ألمانيا - تماما كما فعل نابليون في مدارس فرنسا، إذ جعل الوطنية هي اللاهوت الجديد.

لقد كانت الجامعات الألمانية في حاجة إلى دعم قوي، وقد تلقته بالفعل، ذلك أن كثيرا منها كان يعاني من الإهمال الذي كان يعود لفترة طويلة مضت، لقد كانت جامعة هايدلبرج Heidelberg قد أسست في سنة 6831، وأسست جامعة كولوني Cologne في سنة 8831، وجامعة أرفورت Erfurt في سنة 9731، وجامعة ليبزج (ليتسج Leipzig) في سنة 9041، وجامعة روستوك Rostok في سنة 9141 وجامعة مينز (مينتس Mainz) في سنة 6741، وجامعة توبنجن Tubingen في سنة 7741 وجامعة فيتنبرج Wittenberg في سنة 2051 والآن أصبحت كل هذه الجامعات في عُسر وحاجة. وكانت جامعة كونجسبرج Konigsberg التي بدأت في سنة 4451 قد انتعشت بوجود عمانويل كانط Immanuel Kant بها. أما جامعة يينا Jena التي أسست سنة 8551 فقد صارت العاصمة الثقافية لألمانيا بوجود شيلر Schiller وفيشته Fichte وشيلنج Schelling وهيجل Hegel والأخوين شليجل Schlegel والشاعر هولدرلين Holderlin، وفي هذه الجامعة كانت هيئة التدريس غالبا ما تضارع الطلاب في ترحيبهم بالثورة الفرنسية. وكانت جامعة هال Halle (4061) أول جامعة عصريه بثلاثة معان: لقد نذرت نفسها لحرية الفكر والتدريس، ولم تكن تطلب من أساتذتها تعهدا بالالتزام بالعقيدة الدينية السلفية orthodoxy (المقصود الصحيحة من وجهة نظر رجال الدين الكاثوليك أو البروتستنط) وقد خصصت في برامجها التعليمية مكانا للعلوم والفلسفة، وأصبحت مركزا للبحث العلمي بدراساته النظرية والمعملية(31). أما جامعة جوتنجن التي أسست في وقت متأخر يرجع لسنة 6371، فقد أصبحت في سنة 0081 أعظم مدرسة في أوربا(41) لاتضارعها إلا جامعة لايدن Leiden في هولندا. قالت مدام دي ستيل Staol التي كانت تجول هناك في سنة 4081 إن كل شمال ألمانيا غاص بأفضل الجامعات في أوربا(51) لقد كان فيلهلم فون Humboldt كفرانسيس بيكون في هذه الحركة الإحيائية التعليمية، وكان واحدا من بين العقول المتحررة العظيمة في عصره. ورغم أنه نبيل الأصل (من طبقة النبلاء) إلا أنه وصف طبقة النبلاء بأن وجودها كان ضروريا في وقت من الأوقات أما الآن فقد أصبح وجودها شراً لا داعي له وقد خلص من دراسته للتاريخ أن كل المؤسسات تقريبا مهما أصبحت ناقصة معوقة معيبة، إلا أنها في وقت من الأوقات كانت مفيدة. فما الذي جعل الحرية على قيد الحياة في العصور الوسطى؟ إنه نظام الإقطاع fiefs. ما الذي حافظ على العلوم في عصور البربرية؟ إنه النظام الديري(61). لقد كتب هذا وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وبعد ذلك بعام (2971) حكم بحكم - وكأنه يتنبأ - على الدستور الفرنسي الجديد الذي أصدرته فرنسا في سنة 1971 بأنه يحوي - في رأيه - كثيرا من المبادئ المثيرة للإعجاب، لكن الشعب الفرنسي - وهو شعب عاطفي مستثار - لن يكون قادرا على التعايش معه بحكمة وقد يحولون بلادهم إلى فوضى ويغرقونها في الاضطراب. وبعد ذلك بجيل كان يتجول مع صديق له فيلولوجي (عالم بفقه اللغة) في ميدان معركة ليبزج (ليبتسج) حيث واجه نابليون كارثة في سنة 3181، فقال: إن الممالك والإمبراطوريات - كما نرى هنا - تموت، لكن قصيدة رقيقة تبقى للأبد(71) وربما كان يفكر في الشاعر بندار Pindar الذي كان هو قد ترجم أشعاره من لغتها الإغريقية الصعبة بشكل غير عادي.

لقد فشل كدبلوماسي لأنه كان شديد الافتتان بالثورة الفكرية بدرجة تجعله غير قادر على معالجة أمور السياسة المتغيرة ولما كان غير مرتاح على المسرح العام (غير مرتاح للتعامل مع الأمور العامة) فقد عكف على حياة العزلة وراح يدرس، وكان مفتونا بعلم فقه اللغة (الفيلولوجيا) وتتبع الألفاظ عند انتقالها من مكان إلى مكان (المفهوم لمعرفة ما يلحقها من تحريف أو تبديل). ولم يكن يؤمن بقدرة الحكومة على حل المشكلة الاجتماعية لأن أفضل القوانين يمكن أن تفشل أمام طبيعة الإنسان التي لا تتغير. وخلص إلى أن الأمل الوحيد للإنسان يكمن في تطور أقلية قد يكون في إخلاصها منارة تهدي الشباب فيقتدون بها حتى في جيل أصابه القنوط.

وعلى هذا فقد خرج وهو في الثانية والأربعين من خصوصيته (انكفائه على نفسه) وخدم بلاده وزيراً للتعلم، وفي سنة 0181 عهدت إليه الحكومة بتنظيم جامعة برلين، فأحدث فيها تغييرات ظلت مؤثرة في الجامعات الأوربية والأمريكية حتى اليوم: لقد كان محك اختيار الأساتذة ليس قدرتهم على التدريس فحسب وإنما لشهرتهم أو رغبتهم في البحث العلمي الأصيل. وتم دمج أكاديمية برلين للعلوم (أسست في سنة 1171) والمرصد الوطني وحديقة النباتات والمتحف والمكتبة في الجامعة الجديدة. والتحق بهذه الجامعة فيشته الفياسوف، وشليرماشر اللاهوتي، وسافيجنى Savigny القانوني وفريديش أوغسط فلف Wolf (9571 - 4281) العالم الكلاسي (المقصود المتخصص في الكلاسيات أي الدراسات اليونانية واللاتينية) الذي فاجأ الهيلينستيين Hellenists (المقصود هو المتخصصون في الدراسات الهيلينستية أي التراث اليوناني المتفاعل مع تراث الشرق عامة، وقد يكون المقصود أهل هذه المناطق) ببحوثه المتسمة بالتنور والتي خلص منها إلى أن هوميروس Homer ليس شاعرا واحدا وإنما سلسلة من المغنين هم الذين ألفوا - بشكل جماعي - الإلياذة والأوديسة، وقد صدرت دراسته هذه (Prolegomena Homerum) في سنة 5971، وفي جامعة برلين كان بارتولد جورج نيبور Niebuhr (نيبوهر) (6771 - 1381) يلقي الحاضرات التي مهدت لظهور كتابه (تاريخ روما Geschichte Romisch) (1181 - 2381) وأدهش الباحثين برفضه الفصول الأولى من كتاب ليفى Livy باعتبارها أساطير وليست تاريخا. ومن الآن فصاعدا أصبحت ألمانيا هي رائدة العالم في الدراسات الكلاسية والفيلولوجيا (فقه اللغة) وتاريخ التاريخ (الهستور يوجرافي) وكذلك الفلسفة. أما تفوقها وسيادتها في مجال العلوم فسيأتيان فيما بعد.

العلوم

لقد تأخر العلم في ألمانيا بسبب ارتباطه غالبا بالفلسفة، ارتباطا شديدا وكأنه والفلسفة توأمان ملتصقان (سياميان) فخلال معظم هذه الفترة كان يعتبر جزءا من الفلسفة، وكان مندمجاً فيها مع الدراسات التاريخية والثقافية تحت مسمى دراسة المعرفة أو حسب المصطلح الألماني فسنشافتلير Wissenschaftslehre لقد دمر هذا الارتباط العلم لأن الفلسفة الألمانية كانت في ذلك الوقت تنظر إلى المنطق النظري باعتباره أرقى بكثير من الإثبات بالبحث أو التحقق بالتجربة.

غير أن رجلين كانا هما على نحو خاص اللذين فرضا احترام العلم في ألمانيا في هذا العصر - كارل فريديش جاوس Gauss (7771 - 5581) والكسندر فون همبولت Humboldt (9671 - 6581). ولد جاوس في بيت ريفي في برونسفيك Brunswick لأب يعمل بستانيا وبناء بالآجر ومطهر قنوات ولم يكن هذا الأب موافقا على التعليم باعتباره جواز مرور إلى الجحيم(81). وكانت أم كارل - على أية حال - قد لاحظت ابتهاجه بالأرقام ومهارته في التعامل معها، وراحت الأم تقتصد وتوفر لتدبير المال اللازم لإرساله إلى المدرسة الابتدائية ثم المدرسة الثانوية Gymnasium وهناك أحرز تفوقا سريعا في الرياضيات حتى إن معلمه دبر له لقاء مع الدوق شارلز وليم (فليام) فرديناند البرونسفيكي of Bronswick وتأثر الدوق فدفع للصبي المصاريف الدراسية طوال ثلاث سنوات في كلية كارولينيم في برونسفيك of Bronswick Collegium Carolinum، وبعد اجتيازه اختباراتها التحق بجامعة جوتنجن (5971) وبعد أن قضى فيها عاما لم تكن أمه قادرة على فهم دراسة ابنها للأرقام والدياجرامات (رسومه البيانية) فسألت معلمه عما إذا كان هناك أمل في أن يحقق ابنها درجة الامتياز، فكان رده: سيكون ابنك أعظم علماء الرياضيات في أوربا(91) وربما تكون الأم قد سمعت قبل موتها ما قاله لابلاس Laplace من أن جاوس Gauss قد حقق بالفعل نبوءة معلمه. إنه الآن في نفس درجة أرشميدس ونيوتن(02).

إننا لن نتظاهر بفهم اكتشافاته، ولن نخوض في الشرح إلا في أقل القليل - اكتشافاته في نظرية الأرقام، والأرقام التخيلية وحساب التفاضل والتكامل والحساب اللانهائي - وبهذا نقل جاوس علم الرياضة من الحال التي كان عليها في أيام نيوتن إلى علم يكاد يكون جديدا، فأصبح بذلك (أي علم الرياضيات) أداة لما حققه العلم من معجزات في عصرنا. بل إنه هو نفسه راح يطبق نتائج الرياضيات في ستة حقول من حقول المعرفة. وأدى رصده لمدار أكبر السييرات (أكبر الكواكب السيارة الصغيرة بين المريخ والمشتري) ومراقبته إلى صياغة منهج جديد وسريع لتحديد مدارات الكواكب كان أول هذه السييرات (الكويكبات) قد تم اكتشافه في أول يناير سنة 1081. وأجرى أبحاثا أقامت نظرية المغناطيسية والكهربية على أسس رياضية. لقد كان بركة لكل العلماء كما حملهم عبئاً ذلك أنه آمن بأن العلم لا يعتبر علما إلا إذا صيغ في شكل رياضي وبمصطلحات رياضية.

وكان هو نفسه شائقا كعلمه، فبينما هو يعيد بناء العلوم، ظل نموذجاً للتواضع، فلم يكن عجولا لنشر مكتشفاته ومن هنا لم يحظ بالإطراء لهذه المكتشفات إلا بعد وفاته، وأحضر أمه العجوز لتعيش مع أسرته ومعه، وراح يخدمها بنفسه ويمرضها دون أن يسمح لأي أحد آخر غيره بالقيام بهذا حتى في أعوامها الأربعة الأخيرة عندما أصبحت عمياء تماما، وقد بلغت أمه من العمر سبعة وتسعين عاما(12).

وكان أخو فيلهلم فون همبولدت الأصغر واسمه إسكندر هو البطل الآخر في مضمار العلم الألماني في هذا العصر، فبعد تخرجه في جامعة جوتنجن التحق بأكاديمية المعادن والتعدين في فرايبرج Freiberg حيث عرف بدراساته عن الحياة الحضرية تحت الأرض، واكتشف عندما كان مديرا للمناجم في بيروث Bayreuth تأثير المغناطيسية الأرضية في الرواسب الصخرية فأسس بذلك مدرسة في علم المناجم وحسن ظروف العمل. ودرس تكوينات الجبال مع هـ . ب . دي سوسور H. B.de Saussure في سويسرا، كما درس الظاهرة الكهربية مع أليساندرو فولتا Alessandro Volta في بافيا Pavia. وفي سنة 6971 بدأ - مصادفة - رحلة طويلة بهدف الكشف العلمي وأدت اكتشافاته إلى أن أصبح على وفق ملاحظة معاصرة تنطوي على الطرافة أشهر رجل في أوربا بعد نابليون(22). لقد ضارعت اكتشافاته اكتشافات دارون.

وبدأ مع صديقه عالم النبات أمي بونبلاند Ame Bonpland من مرسيليا رحلة آملاً أن يلحق بنابليون في مصر لكن الظروف انحرفت بهم إلى مدريد حيث قدم لهم رئيس وزرائها رعاية لم يكونا يتوقعانها، مما شجعهما على اكتشاف أمريكا الإسبانية (المناطق التي احتلتها إسبانيا في العالم الجديد)، فأبحرا في سنة 9971 وتوقفا لمدة ستة أيام في تينيريف Tenerife أكبر جزر الكناري، وهناك تسلقوا ذروة القنة الجبلية الداخلة في البحر (291،21 قدما) وشاهدوا البرد الجوي meteoric Shower مما دفع همبولدت Hnmboldt إلى دراسة تتابع هذه الظاهرة. وفي سنة 0081 بدأ من كركاس Caracas في فنزويلا تجو الا لاكتشاف الحياة النباتية والحيوانية في مناطق السفانا (الأعشاب الطوال في المناطق الحارة) ومناطق الغابات الممطرة على طول نهر أو رينوكو Orinoco حتى وصلا إلى المنابع المشتركة لهذا النهر ونهر الأمازون. واستغرقت رحلتهما هذه ستة أشهر. وفي سنة 1081 شقا طريقهما عبر جبال الأنديز Andes من كارتاجنا Cartagna (ميناء كولومبيا) إلى بوجوتا Bogota وكيتو Quito وتسلقا جبل سيمبورازو Chimborazo (398،81قدما) وقدما للعالم تقريرا ظل مأخوذاً به طوال الست الثلاثين سنة التالية. ورحلا على طول ساحل المحيط الهادي (الباسفيكي) إلى ليما Lima فقاس همبولدت Humboldt حرارة تيارات المحيط ويحمل هذا القياس اسمه حتى الآن. وراقب عبور كوكب عطارد وقام بدراسة كيميائية على الجوانو guano (سماد طبيعي من إفرازات الطيور البحرية) وأظهر إمكانية استخدامه كسماد وأرسل عينات منه إلى أوربا لإجراء مزيد من التحليلات عليه، وبذا كان سببا في أن أصبح هذا السماد الطبيعي واحدا من أهم صادرات أمريكا الجنوبية. وكان الباحثان اللذان لا يكلان قد وصلا تقريبا إلى شيلي فعادا أدراجهما شمالا وقضيا عامين في المكسيك ووقتا قصير ا في الولايات المتحدة ووصلا أوربا في سنة 4081 - لقد كانت رحلتهما واحدة من أكثر الرحلات العلمية فائدة في التاريخ.

ومكث همبولدت ثلاث سنوات تقريبا في برلين يدرس فيها ما جمعه من معلومات وكتب كتابه (ملاحظات عن الطبيعة Anzichten der Natur) (7081) وبعد ذلك بعام ذهب إلى باريس ليكون قريباً من المراجع العلمية والوسائل المعينة على البحث، وظل في باريس 91 عاما حيث نعم بصداقة علماء فرنسا الرواد وحياة الصالونات، وكان واحداً ممن اعتبرهم نيتشه Nietzsche رجال أوربا الصالحين، وقد شهد بهدوء الجيولوجي الاضطرابات الظاهرية (السطحية) - قيام الدول وسقوطها. وصحب فريدريك وليم الثالث في زيارة مع الملوك المنتصرين للندن في سنة 4181، لكنه كان - في الأساس - منشغلا في تطوير العلوم القديمة أو استحداث علوم أخرى جديدة. واكتشف في سنة 4081 أن القوى المغناطيسية للأرض تقل كلما اتجهنا من أحد القطبين إلى خط الاستواء. وأثرى علم الجغرافيا بدراسته للأصل الناري (البركاني) لبعض الصخور، ودراسته لتكوين الجبال والتوزيع الجغرافي للبراكين. وقدم المبادئ الأولى للقوانين التي تحكم الاضطرابات المناخية وألقى الضوء - بالتالي - على أصل العواصف المدارية واتجاهاتها، وقام بدراسات كلاسية للهواء والتيارات البحرية في المحيطات. وكان هو أول من قدم للجغرافيا (7181) تفسيراً لتساوي درجة الحرارة السنوية في بعض الأماكن رغم اختلاف درجات العرض. لقد اندهش الخرائطيون عندما رأوا في الخريطة التي وضعها همبولدت أن لندن متوسط درجة حرارتها تساوي متوسط درجة حرارة سينسيناتي Cincinnati مع أن لندن تقع إلى الشمال مثل لابرادور Labrador، بينما سينسيناتي إلى الجنوب على خط العرض الذي تقع عليه لشبونة. وبدأ بمقاله عن جغرافية النباتات علما جديداً هو علم الجغرافيا البيولوجية (الحيوية)، ذلك العلم الذي يدرس توزيع النباتات على وفق الظروف الطبيعية (التضاريس) هذا بالإضافة إلى مئات الإسهامات الأخرى ثم نشرها في 03 مجلدا من سنة 5081 إلى 4381. لقد كانت إسهاماته هذه تبدو متواضعة في الظاهر لكنها كانت ذات تأثير واسع ودائم. والمؤلف ذو الثلاثين جزءا والذي أشرنا إليه لتونا يحمل عنوان: رحلات همبولدت وبونبلاند Voyages de Humboldt et Bonpland auxregions equinoxiales du nouveau Continent. وأخيرا بعد أن نفدت ثروته لكثرة ما أنفقه على أبحاثه قبل وظيفة يتقاضى منها راتبا فعمل حاجبا في البلاط البروسي (7281)، وبعد استقراره في هذه الوظيفة سرعان ما عاد لإلقاء المحاضرات العامة في برلين، تلك المحاضرات التي شكلت فيما بعد أساس مؤلفه ذي المجلدات العديدة والذي يحمل عنوان (الكون Kosmos) (5481 - 2681) الذي كان من بين أكثر الكتب شهرة على مدى أفق الرؤية لدى الأوربيين. وتحدثنا مقدمة الكتاب بتواضع عقل ناضج:

في الليلة الأخيرة من حياة حافلة، أقدم للشعب الألماني عملاً كانت صورته غير المحددة تتراءى لعقلي لنحو نصف قرن. وكنت مرارا أرنو إلى إكماله لكنني كنت أعتبر هذه الرغبة غير عملية، بل غالبا ما كنت أميل إلى التخلي عنه، إلا أنني عدت مرة أخرى إلى مواصلة العمل فيه، وربما كان هذا طيشاً مني... وكان الدافع الأساسي الذي وجهني هو السعي المتلهف لفهم ظواهر الأمور الفيزيقية في إطار ارتباطاتها العامة بعناصرها وبما هو خارج عنها، وفهم الطبيعة في إطارها العام ككل متكامل عظيم، يتحرك ويحيا ويتفاعل بفعل قوى داخلية(32).

وترجم الكتاب إلى الإنجليزية في سنة 9481، فبلغت صفحاته ألفي صفحة تقريبا، كانت تتناول الفلك والجيولوجيا والأرصاد الجوية والجغرافيا، مظهراً العالم المادي (الفيزيقي) حيا مثيرا للدهشة ورغم هذه الحيوية فإن القوانين الرياضية، وقواعد الكيمياء والفيزياء تحكمه. لقد قدم لنا صورة عامة كأوسع ما يكون، صورة عامة لم تنشأ كميكانيكية جامدة (كتركيب جامد لا حياة فيه) وإنما مفعمة بحيوية لا حد لها، وامتداد لا نهاية له، وإبداع ملازم للحياة.

لقد كانت طاقة همبولدت وحيويته مثيرة، فما كاد يستقر في برلين حتى قبل دعوة من القيصر نيقولا (نيكولاس) الأول ليرأس بعثة كشفية علمية في آسيا الوسطى (9281) فقضى نصف عام يجمع بيانات عن الأرصاد الجوية ويدرس تكوين الجبال وفي الطريق اكتشف مناجم ألماس في الأورال Urals، وعندما عاد إلى برلين استفاد من منصبه في البلاط ليحسن النظام التعليمي ولتقديم العون للعلماء والفنانين. وبينما كان يكتب المجلد الخامس من كتابه عن (الكون Kosmos) أتاه الموت وهو في التسعين من عمره، فشيعته بروسيا في جنازة رسمية.

الفــن

لم يكن هذا العصر في ألمانيا مواتياً لعلم أو فن، فالحرب إما دائرة بالفعل وإما على وشك، فاستنزفت ثروات البلاد وحماسها، وكان قيام أفراد (من النبلاء أو الأثرياء) برعاية الفنون، أمراً نادرا، وإن حدث، فإنه يكون غير ثابت. وكانت متاحف ليبزج (ليبتسج) وشتوتجارت وفرانكفورت، ودريسدن وبرلين تعرض الأعمال الفنية الخالدة (والمدينتان الأخيرتان على نحو خاص) لكن نابليون نقلها إلى اللوفر Louvre.

ومع هذا فقد أنتج الفن الألماني بعض الأعمال الجديرة بالذكر وسط هذا الاضطراب العظيم، وبينما كانت باريس ترقص مع حالة اللاتكوّن (حالة لم تتضح فيها الأمور تماما) رفعت برلين بنيان بوابة براند نبورج Brandenburg شامخة. لقد صممها كارل جوتهارد لانجهانز Karl Gotthard Langhans (2371 - 8081) على الطراز الدوري الإغريقي بأعمدة ذوات أقنية (جمع قناة أي نحت في العمود من أعلى إلى أسفل يبدو وكأنه قنوات) وأقام على هذه البوابة قوصرة (مثلث في أعلاها) كما لو كان يعلن بهذه القوصرة موت طراز الباروك والروكوكو، لكن هذا البنيان بشكله الراسخ كان يعلن بشكل أساسي قوة آل هوهنتسولرن Hohenzollerns وتصميمهم على ألا يدخل برلين عدو. لكن نابليون دخلها في سنة 6081 ودخلها الروس في سنة 5491.

وحقق فن النحت تقدماً ملموسا. إنه في الأساس فن كلاسي يعتمد على الخط ويتحاشى (منذ القدم) اللون، كما أن عدم الاتساق في الطراز الباروكي baroque، والمرح في طراز الروكوكو Rococo لا يتفقان مع روحه. لقد نحت جوهان (يوهان) فون دانكر Johann Von Dannecker بإزميله لمتحف شتوتجارت تمثاليْه (a Sappho) و (فتاة كاتو لس مع الطائر Ctullus, Girl with the Bird) وتمثاله (أريادن Ariadne) لمتحف بثمان Bethmann في فرانكفورت، والتمثال النصفي الشهير لشيلر Schiller لمكتبة فيمار Weimar. أما يوهان (جوهان) جوتفريد شادو Johann Gottfrird Schadow (4671 - 0581) فبعد أن درس على يد كانوفا Canova في روما عاد إلى بلده برلين، وفي سنة 3971 لفت انتباه العاصمة (برلين) بأن وضع عند قمة بوابة براندنبورج Brandenburg كارديجا Qradriga (مركبة بعجلتين) تجرها أربعة خيول يرشدها (يقودها) النسر المجنح الذي كان موجودا في المركبات الرومانية. ونحت لشتتن Stettin تمثالا من رخام لفريدريك الكبير واقفاً في ثياب عسكرية يحرق أعداءه بناظريه، لكن يوجد عند قدميه مجلدان كبيران ليشهدا أنه مؤلف أيضا، ونسي النحات فلوته (الفلوت آله نفخ موسيقية)، والتمثال الأكثر رقة هو تمثال يمثل عملا نحتيا واحدا للملكة لويز Luise والملك فريديك (7971) وقد تغطى نصف كل منهما بالجوخ ووضع كل منهما ذراعه في ذراع الآخر، وهما يتحركان بهدوء رمزا للعلو والسمو والأسى. لقد ألهمت الملكة الفنانين بجمالها وعاطفتها الوطنية وموتها. وقد خصص هينريش (هينريخ) جنتس Heinrich Genz (6671 - 1181) ضريحا ضخما مهيبا في شارلوتنبورج Charlttenburg ونحت كرستيان راوخ Rauch 7771 - 7581) قبرا جديرا بجسدها وروحها.

وكان الرسم الألماني لايزال يعاني من فقر الكلاسية الجديدة يحاول أن يعيش على رماد البومبية Pompeii (نسبة إلى مدينة بومبي الأثرية الرومانية - في إيطاليا) ومواطن الآثار الهرقلية، ومباحث ليسنج Lessing وفنكلمان Winckelmann، ووجوه منج Mengs وديفد David الشاحبة والخيالات الرومانية لأنجليكا كاوفمان Angelica Kaufman وما لاحصر له من الرسامين. لكن هذا التنصل (هذا الأسلوب في إزالة الألوان Decoloration) لم يكن له جذور حية في التاريخ الألماني والشخصية الألمانية، فالرسامون الألمان في هذا العصر كانوا لا يبالون بالكلاسية الجديدة، فعادوا للخلف يستلهمون المسيحية، وما وراء حركة الإصلاح الديني وعدائها للفن ولا مبالاتها به، وإلى ما قبل الرافيئيلية في إنجلترا Pre _ Raphaelities، وراحوا يصغون لأصوات مثل أصوات فيلهيلم فاكنرودر Wilhelm Wackenroder وفريدريش شليجل Schlegel تدعوهم للعودة للأصول إلى ما قبل رافائيل، العودة إلى الفن الوسيط (الفن في العصور الوسطى) الذي قدم لنا رسوما ومنحوتات تتسم بالبساطة وتمرح في سعادة في حضن إيمان غير مهتز. ومن هنا ظهرت مدرسة في الرسم عرفت باسم أهل الناصرة Nazarenes (إشارة إلى استلهامهم التراث المسيحي الأول، ولا يعني هذا أنهم من الناصرة).

وكان زعيم هذه المدرسة هو يوهان (جوهان) فريدريش أو فربك Overbeck (9871 - 9681) الذي ولد في لوبك Lubeck وحمل معه خلال ثمانين عاما الجدية الصارمة للأسر التجارية العريقة والضباب المنتشر الذي يصل لوبك من بحر البلطيق. ذهب إلى فينا لدراسة الفن فلم يجد في الكلاسية الجديدة غذاء يطعمه هناك وفي سنة 9081 أسس هو وصديقه فرانتس بفر Franz Pforr أخوية القديس لوقا Brotherhood Lukan التي تهدف إلى إعادة إحياء الفن وإنعاشه بتكريسه لإيمان أعيد تجديده كما كان موجودا أيام البرخت (البريشت) دورر Durer (1741 - 8251). وفي سنة 9181 هاجرا إلى روما لدراسة بيروجينو Perugino وغيره من رسامي القرن الخامس عشر، وألحقا في سنة 1181 ببيترفون كورنيليوس Von Cornelius (3871 - 7681) وبعد ذلك بفيليب فيت Veit وفيلهلم فون شادو - جودنهاوس Schadow - Godenhaus وجوليوس (يوليوس) شنور فون كارلسفلد Julius Schnorr Von Carolsfeld.

لقد عاشا على النباتات كقديسين في دير منعزل على جبل بنشيو Monte Pincio هو دير سان إيزيدورو Isidoro وقد راح أوفربك Overbeck بعد ذلك يستعيد ذكرياته فقال: لقد عشنا حياة ديرية حقة، ففي الصباح كنا نعمل معا وفي منتصف النهار نطبخ غداءنا الذي لم يكن يتكون إلا من الحساء والسجق أو بعض الخضروات السائغة وكان كل منهما يعتني بالآخر. لقد تجاوزا كنيسة القديس بطرس لأن فيها كثيرا من الفن الوثني) واتجها أكثر إلى الكنائس القديمة والأديرة مثل دير القديس جون لاتيران Lateran ودير القديس بولس خارج أسوار روما. وارتحلا إلى أورفيتو Orvieto لدراسة سيجنوريللي Signorelli وإلى فلورنسا وفيزول Fiesole لدراسة فرا أنجليكو Fra Angelico. لقد قررا ألا يقوما برسم الصور الشخصية أو أية رسوم للزينة، وإنما كان قرارهما أن يعودا بالرسم إلى عصر ما قبل رافائيل وتكريسه لتشجيع الإيمان المسيحي والوطنية المرتبطة بالعقيدة المسيحية.

وواتتهم الفرصة في سنة 6181 عندما عهد إليهما القنصل البروسي في روما - بارتولدي J. S. Bartholdy - بتزيين فيلته برسوم جصية عن قصة يوسف وإخوته. وتفجع أهل الناصرة Nazarenes (المقصود قام هذان الفنانان) لإحلال رسوم بالزيت على (الكانافاه) محل الرسوم الجصية. والآن لقد درسا الكيمياء ليتمكنا من إعداد سطوح تجعل الألوان ثابتة، ونجحا إلى الحد الذي تم نقل رسومهما الجصية من روما لتوضع في المتحف الوطني ببرلين، وهي من بين المقتنيات التي تفخر بها العاصمة البروسية، لكن جوته العجوز عندما سمع بهذا الاتجاه الصوفي (ذي الانجذاب العاطفي الديني) أدانهما باعتبارهما يقلدان أسلوب القرن الرابع عشر في إيطاليا تماما كما تقلد الكلاسية الجديدة الفن الوثني. وتجاهل أهل الناصرة (المقصود أصحاب هذه المدرسة) هذا النقد، لكنهما غادرا المسرح بهدوء لأن العلم والبحث والفلسفة راحت - ببطء - تنحت في العقيدة القديمة (المقصود تشكك فيها وتعدلها).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموسيقا

كانت الموسيقا هي كبرياء ألمانيا في رخائها وازدهارها، وسلواها في أساها ونكباتها. فعندما وصلت مدام دي ستيل إلى فيمار في سنة 3081 وجدت أن الموسيقا تكاد تكون جزءا أساسيا في حياة الأسرة المتعلمة، وكان في كثير من المدن فرق أوبرية ومنذ أيام جلك Gluck راحت ألمانيا تقلل شيئا فشيئا من اعتمادها على الأعمال والألحان الإيطالية. وكان في مانهايم Mannhein وليبزج (ليبتسج) أوركسترات حققت شهرة في مختلف أنحاء أوربا. ودخلت موسيقا الآلات في منافسة عامة مع الأوبرا. وكان في ألمانيا عازفو فيولين عظماء مثل لويس سبوهر Spohr (4871 - 9581) وعازفو بيان مشاهير مثل جوهان (يوهان) همل Humniel (8771 - 7381) وكان الملك فريدريك وليم الثاني يعزف على الفيولنشلو Violoncello كما كان له دور في تأليف الكارتيات واحدهما: (كارتيته وهي مقطوعة موسيقية تعزفها أربع آلات) وأحيانا الأوركسترات، وكان الأمير لويس فرديناند بارعا في العزف على البيانو ولم يمنعه من منافسة بتهوفن وهمل Hummel سوى أصله الملكي(42).

وكان في ألمانيا أيضا أستاذ موسيقا وقائد فرفة حقق شهرة في مختلف أنحاء أوربا كمعلم ومؤلف وذواقة لمعظم الآلات الموسيقية: إنه أبت Abt (Abbot) جورج جوزيف فوجلر Vogler (9471 - 4181). لقد حقق في بداية حياته شهرة كعازف على الأرغن والبيان، وقد تعلم الفيولين دون أستاذ وطور نظاما جديدا للعزف بالأصابع لتتمشى بشكل جيد مع أصابعه الطويلة. ذهب إلى إيطاليا لدراسة التأليف الموسيقي على يد بدر مارتيني Padre Martini وتمرد على أستاذ إثر أستاذ وارتمى في أحضان الدين، وكان الجمهور يصفق له في روما. ولما عاد إلى ألمانيا أسس مدرسة موسيقية في مانهايم Mannheim ثم في دار مشتدرت Darmstadt وأخيرا في ستوكهولم. ورفض الأساليب الموسيقية الصعبة في التأليف الموسيقي، تلك الأساليب التي يعلمها المعلمون الإيطاليون، وظنه موزارت وآخرون دجالا لكنهم بعد ذلك بو أوه مكانا حفيا ليس كمؤلف موسيقي وإنما كمعلم، وكإنسان وكمصمم أرغن، وجاب أوربا كعازف أرغن فجذب إليه جمهورا عريضا وحقق مكاسب كبيرة، وطور الأرغن. وغير أسلوب العزف على الأرغن، وأجاد الارتجال كبيتهوفن(52)، وكان أستاذا جليلا وقره عدد كبير من تلاميذه بمن فيهم فيبر Weber ومايربير Meyerbeer وعندما مات بكوه وحزنوا عليه كما لو كانوا قد فقدوا أباهم. وفي 13 مايو 1814 كتب فيبر Weber: في اليوم السادس من الشهر انتزع الموت منا فجأة فولجر أستاذنا المحبوب..لكنه سيحيا دوماً في قلوبنا(62).

وكان كارل ماريا فون فيبر Carl Maria Von Weber (6871 - 6281) واحدا من أبناء كثيرين أنجبهم فرانتس أنطون فون فيبر (6871 - 6281) من زوجتيه (تزوجهما تباعا). وقد تناولنا بالذكر في هذه المجلدات اثنين من بناته أو قريباته (أبناء أو بنات الأخ أو الأخت): ألويزيا Aloysia التي كانت حب موزارت الأول كما كانت مغنية مشهورة، وكونستانزا Constanze التي أصبحت زوجة لموزارت. ودرس ابناه فريس Fritz وإدموند مع جوزيف هايدن، أما الابن كارل فلم يكن فتى واعدا في مجال الموسيقا حتى إن فرانتس قال له: اسمع يا كارل كن كما شئت لكنك لن تكون موسيقيا(72) فاتجه إلى الرسم، لكن في أثناء تجوال فرانتس أنطون كمدير لفرقة تمثيلية وموسيقية، كان غالبا ما يؤلف لأبنائه، - واصل كارل تعليمه الموسيقي على يد معلم مخلص هو جوزيف هيسكل Heuschkel، فأظهر الفتى موهبة وحقق تقدما سريعا بدرجة أدهشت والده وأسعدته. وبحلول عام 0081 كان كارل قد بلغ الرابعة عشرة من عمره واستطاع في هذه السن أن يؤلف الموسيقا ويعزفها أمام الجمهور. وعلى أية حال، ففي هذه الأثناء كان التسرع المحموم في الانتقال من مدينة إلى مدينة (مع الفرقة) قد ترك بعض الأثر على شخصية كارل فغدا عصبيا غير مستقر سريع التغير. وأصبح مفتونا بالطباعة على الجحر، تلك الطريقة التي اخترعها صديقة ألويز سنفلدر Aloys Senefelder حتى أنه أهمل لفترة التأليف الموسيقي وذهب مع أبيه إلى فرايبورج Freiberg في سكسونيا ليمارس الطباعة على الحجر كعمل تجاري. وفي بواكير سنة 3081 قابل أبت فوجلر Abt Vogler فرب فيه الحماس من جديد وأصبح تميلذا لفوجلر وقبل نظامه الصارم في التدريب والتطبيق، ودفعته ثقة فوجلر لمزيد من الاتقان. لقد راح الآن يتطور تطوراً سريعاً حتى أنّه دُعي بناء على توصية فوجلر ليكون قائد أوركسترا Kapellureister في برسيلاو Breslau (4081)، ومع أنه لم يكن قد تجاوز السابعة عشر من عمره إلاّ أنه قُبِل فأخذ معه والده المريض وهذب إلى العاصمة السيليزية Silesia Capital.

ولم يكن الشاب مناسباً لوظيفة تتطلب مهارة في التعامل مع الرجال والنساء المختلفي المشارب والأهواء، وليس فقط تحقيق انجاز موسيقي، فأصبح له أصدقاء مخلصين وأعداء مفرطين في العداوة، وراح ينفق بسفه ويشرب الخمر بطيش، وخلط بين زجاجة حمض النيتريك وزجاجة النبيذ، فشرب قدراً من حمض النيتريك قبل أن يُدرك أنه يبتلع ناراً، فأُضير ضرراً دائماً في حنجرته وحباله الصوتية ولم يعد يستطيع الغناء، بل أصبح لا يستطيع الكلام إلا بصعوبة، وفقد وظيفته بعد ذلك بعام، وراح يعول نفسه وأباه وعمته من المبالغ التي يحصلها من الدروس، وأصبح وضعه خطرا، واقترب من اليأس إلى أن عرض الدوق يوجن Eugen (من فيرتمبرج Wurttemberg) على ثلاثتهم مكانا للإقامة في مقر إقامته Lus Schloss Karlstuhe في سيليزيا (6081) لكن تمزيق نابليون لبروسيا والحاقه الحزاب بميزانيتها أثرا على الدوق فلحق به الخراب بدوره، واضطر فيبر Weber ليطعم نفسه وأباه وعمته لهجر الموسيقا لفترة وعمل كسكريتر للدوق لودفيج Ludwig (من فيرتمبرج) فـي شـتوتجارت وكـان هـذا اللـورد عربيـدا مسـرفا فاسـقا غيـر أمين، فتـرك تأثيرا سيئا على كارل الذي ارتبط عاطفيا بالمغنية مارجرتيا لانج لكنه فقدها، ففقد بفقدها مدخراته وصحته لكن أسرة يهودية في برلين أنقذته من الفسوق - انهم آل بير Beers تلك الأسرة التي أنجبت ميربير Meyerbeer، وأعاده الزواج إلى حالة الاتزان لكنه لم يستعد صحته.

لقد حقق شهرة أثناء حرب التحرير لأنه وضع الموسيقا للأناشيد الحربية التي كتبها كارل تيودور كورنر Korner وبعد الحرب، دخل معركة من نوع آخر - ضد الأوبرا الإيطالية فقد ألف عمله التحرير Freichutz (1281) كإعلان استقلال، وتم أداؤه للمرة الأولى في 81 يونيو 1281 في الذكرى السنوية لمعركة واترلو، لقد طارت على جناحي الوطنية ولم تحقق أوبرا ألمانية ما حققته من نجاح. لقد كان موضوعها مستوحى من حكايات الأشباح والكائنات النورانية Gespenster buch وغمرتها روح المرح بما فيها من جنيات يحمين الحر الذي يذلق النار (على العدو). لقد كانت ألمانيا في هذه الأيام القاسية تتلقى مساعدات كبيرة من الجن، وفي سنة 6281 وجدنا مندلسون Mendelssohn يقدم لنا حلم ليلة منتصف الصيف Midsummer Nights Dream. لقد كانت أوبرا فيبر Weber علاقة على انتصار الرومانسية Romanticism في الموسيقا الألمانية. وكان يأمل أن يواصل نجاحاته بعمله (Euryanthe) الذي عرض للمرة الأولى في فينا سنة 3281، لكن روسينى Rossini كان لتوه قد غزا فينا ولم تعد موسيقا فيبلر الأكثر رقة وذكاء تجذب الناس. أدى هذا الفشل - بالإضافة إلى تدهور صحته - إلى إصابته بالإحباط فتوقف - أو كاد - عن التأليف الموسيقي طوال عامين. ثم عرض عليه شارلز كمبل Kemble مدير مسرح حديقة كوفنت Covent Garden Theatre ألف جنيه لكتابة أوبرا لدار أوبرا ويلاند Wieland وأن يأتي إلى لندن للتعاقد معه. فعمل فيبر Weber بحماس شديد لكتابة هذه الأوبرا ودرس الإنجليزية بجدية ومثابرة حتى إنه عندما وصل إلى لندن لم يكن يستطيع كتابة الإنجليزية فقط وإنما التحدث بها أيضا وبشكل جيد. وفي العرض الأول (82 مايو 5281) حقق نجاحا هائلا حتى إن المؤلف السعيد وصف هذه الليلة لزوجته في اليوم نفسه: لقد حققت هذا المساء أعظم نجاح في حياتي.. عندما بدأت الأوركسترا كان المسرح غاصاً حتى السقف وصفق الحاضرون بحماس شديد عندما دخلت، وطوحوا بالقبعات والمناديل في الهواء وبعد نهاية العرض دعيت إلى خشبة المسرح.... فاتجهوا إلي جميعا، وكان كل من أحاطوا بي سعداء(82).

لكن أعماله التي عرضت بعد ذلك لم تلق مثل هذا الاستحسان، وفي 62 مايو 6281 فشل - بشكل محزن - حفل موسيقي لصالحه (لتقديم العون المالي له) وبعد ذلك بأيام قلائل لزم المؤلف المحبَط (بفتح الباء) والمرهق سريره إذ تفافم عليه داء السل (ذات الرئة) فمات في 5 يونيو بعيدا عن وطنه وأسرته.


المسرح

كان في كل مدينة ألمانية - تقريبا - مسرح لأن الناس الذين أرهقتهم الحقائق نهارا يرتاحون إلى الخيال مساء. وكان في بعض المدن فرق مسرحية دائمة كما هو الحال في هامبورج، ومينز (مينتس) وفرانكفورت وفيمار وبون وليبزج (ليبتسج) وبرلين. وكانت هناك مدن أخرى تعوّل على الفرق الجوالة وتقيم مسرحا مؤقتا عند وصول إحدى هذه الفرق. وحقق مسرح مانهيتن أفضل شهرة لجودة عروضه وبراعة ممثليه، كما كان مسرح برلين هو الأكثر إيرادا وكان أفراد فرقته التمثيلية يتقاضون أعلى الأجور (بالنسبة إلى المسارح الأخرى) أما مسرح فيمار فاشتهر بعروضه الكلاسية.

وكان سكان فيمار في سنة 9871: 0026 نفس ارتبط كثيرون منهم بالوظائف الحكومية والحاشية الأرستقراطية، ولفترة من الزمن أخذ سكان المدن على عواتقهم دعم فرقة من الممثلين فكانت النتيجة أن انتهت هذه الفرقة في سنة 0971 لسوء التمثيل، فأخذ شارلز أو جستس هذا المشروع على كاهله فجعل المسرح جزءاً من بلاطه وحث المستشار جوته على إدارته، وكان يمكن لأي فرد من أفراد الحاشيه أن يقوم بدور خلا أدوار البطولة (الأدوار الرئيسة) فهذه الأدوار مقتصرة على النجوم من الرجال أو النساء الذين يأتون إلى المسرح، وعلى هذا أتى إفلاند Iffland العظيم إلى فيمار، وأتت أيضا كورونا شروتر Schroter (1571 - 2081) التي كادت تنتزع بصوتها وقوامها وعينيها المتألقين - جوته من شارلوت فون شتاين. ولم يكن جوته (الشاعر ورجل الدولة والفيلسوف) بالقليل الشأن في التميثل، فقدم قام بدور أورستس Orestes التراجيدي أمام مدام شروتر Schroter التي قامت بدور إفيجينيا Iphigenia، ونجح أيضا - ويا للدهشة - ككوميدي بل وحتى في الأدوار - الهزلية(92). ودرب الممثلين على الأسلوب الغالي (الفرنسي) في الحدث الذي يكاد يكون خطابة، وكان هذا الأسلوب يتسم بالرتابة، وإن كان يتسم بالوضوح، والرتابة خطأ والوضوح فضيلة وشجع الدوق بشدة هذه السياسة، وهدد بعقوبة التوبيخ عند وقوع أي خطأ في التفاصيل.

لقد أخذ مسرح فيمار على عاتقه أداء مجموعة من الذخائر المسرحية الطموحة من سوفوكليس وتيرنس Terence إلى شكسبير وكارلدرون Carlderon وراسين وفولتير بل وحتى المسرحيات المعاصرة لفريدريش، وأوجست فيلهيلم فون شليجل وصولا إلى النصر الداعي للفخر مع عمل شيلر (فالنشتين Wallenstein) (8971).

لقد أتى شيلر Schiller من يينا (جينا Jena) ليعيش في فينا، وبتشجيع من جوته أصبح عضوا في مجلس إدارة الفرقة. والآن (0081) جعل هذا المسرح الصغير من فيمار قبلة ينجه إليها آلاف الألمان من محبي الدراما. وبعد موت شيلر (5081) فقد جوته اهتمامه بالمسرح، وعندما أصر الدوق - بتحريض من خليلاته اللائي كن يترددن عليه - على تقديم فاصل درامي يظهر فيه كلب كنجم مسرحي، استقال جوته من منصبه الإداري واختفى مسرح فيمار من التاريخ.

وهيمن ممثلان على الساحة المسرحية في ألمانيا في هذا العصر. أوجستس (أغسطس) فيلهيلم إفلاند (9571 - 4181) الذي كان يضارع تالما، ولودفيج ديفرينت (4871 - 2381) الذي كرر اهتمامات إدموندكين Kean ومأساته. ولد في هانوفر يوم كان إفلاند في الثامنة عشرة من عمره، وترك بيته ليلتحق بفرقة مسرحية في جوثا Gotha رغم اعتراض والديه. وبعد ذلك بعامين فقط تألق في مانهايم بأدائه (Dierauber) لشيلر. وفي هذه الفترة الراديكالية من حياته نعم بالرخاء وتعاطف مع الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة الفرنسـية، وسـرعان مـا غــدا معبــودا للمحافظين (المناهضين للثورة الفرنسية) وبعد أن قام بأدوار كثيـرة فـي معظـم أنحـاء ألمانيا قبل دعوة جوته لزيارة فيمار (6971) وأسعد مشاهديه بكوميديات الطبقة الوسطى، لكنه لم يكن بارعاً في الأدوار التراجيدية براعة فالنشتين Wallenstein أولير Lear. وألف عددا من المسرحيات التي أثارت إعجاب الناس بما فيها من فكاهة، وفي سنة 8971 أصبح مديرا لمسرح برلين الوطني وبذلك حقق ما كان يصبو إليه.

وقبل موته بفترة وجيزة تعاقد مع ممثل هو لودفيج ديفرينت Devrient (ديفريا) جلب للمسرح الألماني كل مشاعر ومآسي tragedy الفترة الرومانسية. وكان لقبه الفرنسي ديفرينت (ديفريا - وهو النطق الفرنسي) جزءاً من تراثه الهيجونوتي (الهيجونوت هم البروتستنط الفرنسيون) وتزوج أبوه امرأتين على التوالي وأنجب ثلاثة أبناء كان هو آخرهم وكان أبوه تاجر أجواخ وألبسة في برلين، وماتت أمه في طفولته وتركته بائساً في بيت مزدحم، فانكفأ على نفسه وعاش في عزلة ووحدة ولم يكن يواسيه في حياته سوى أنه كان وسيما أسود الشعر، وهرب من البيت والمدرسة لكن أباه أعاده مرة أخرى وبذل كل جهده ليجعل منه تاجر أجواخ وأقمشة لكن جهوده فشلت فقد كان الفتى غير كفء بدرجة تدعو للسخط، فتركه أبوه على هواه. وفي سنة 4081 التقى وهو في العشرين من عمره بفرقة مسرحية في ليبزج (ليبتسيج) فعهدت إليه بدور صغير، انطلق منه فجأة إلى دور كبير بسبب مرض (الممثل الأول (النجم). لقد كان الدور دور متسول سراق سكير، فوجده يتلاءم مع ذوقه فأداه بإتقان حتى كان يشار إليه على سبيل الإدانة أنه ممثل متجول سكير على المسرح وعندما يكون بعيدا عن المسرح (سكير تمثيلا وواقعا) وأخيراً - في بريسلاو Breslau في سنة 9081 - وجد نفسه يمثل لا (فلستف Falstaff) وإنما في مسرحية راديكالية لشيلر (كارل مور Karl Moor)، وفي هذا الدور صبَّ كل ما تعلّمه من كراهية وعدوانية وشر. لقد استولت عليه شخصية زعيم السرّاق فعبّر عنها بكل خلجةٍ من خلجاته وببريق عينيه الغاضب المخيف، ولم تكن بريسلاو Breslau قد شهدت من قبل مثل هذه الحيوية والقوّة في التمثيل، ولم يكن يمكن أن يصل لهذه الذورة والعمق المسرحيين في هذا العصر العامر بالممثلين العظام سوى إدموند كين Kean، لقد أصبحت كل الأدوار التراجيدية تُسند إليه الآن دون منازع. لقد مثل لير Lear وذاب في دوره (تقصمه تماما) واستسلم لهذا الخط الرفيع بين الحكمة والجنون حتى أنه ذات ليلة انهار وسط المسرحية وكان لابد من حمله للبيت أو لحانته المفضّلة.

وفي سنة 4181 أتى إفلاند - وكان في الخامسة والخمسين - إلى بريسلاو Breslau ومثل مع ديفرينت (دوفريا) وأحس بطاقته ومهارته فطلب منه الانضمام للمسرح الوطني قائلا له المكان الوحيد الجدير بك هو برلين، فأنا أحسّ تماما أن هذا المنصب في المسرح الوطني سيغدو شاغرا عما قريب. إنه محجوز لك(03) وفي سبتمبر مات إفلاند Iffland وفي الربيع التالي شغل ديفرينت مكانه. وهناك ظل يمثل إلى آخر حياته فعاش على الشهرة والنبيذ وقضى ساعات ممتعة يتبادل الحكايات مع إ. ت. أ. هوفمان فقبل تحديا بأن يمثل في فينّافعاد منها إلى برلين محطم الأعصاب، ومات في 03 ديسمبر 2381 في الثامنة والأربعين من عمره، وظل أبناء أخيه الثلاثة الموهوبون - وكلهم يحمل اسمه - يتوارثون فنه حتى آخر القرن.


كتاب المسرح

بعد أن قام فيلهلم فون شليجل بترجمته الممتازة لأعمال شكسبير (8971 وما بعدها) قدم المسرح الألماني مكانا جديداً لمسرحيات العصر الإليزابيثي، وكان كتاب المسرح الألمان - بين ليسنج وكلايست Kleist يهدفون عادة إلى إرضاء الطبقة الوسطى بشكل عام، وكانوا قد فقدوا ما حققوه من نجاحات جماهيرية بسبب عدم الاستقرار الذي شهده عصرهم. لقد وضع زكارياس فيرنر Zacharias Werner اتجاهه الصوفي (الباطني) على المسرح بشكل عابر، أما أوجست فون كوتسبو Von Kotzebue (1671 - 9181) فأسعد بمسرحياته جيلا واحدا لكنه الآن ذكرى باهتهة لا يكاد يذكر إلا بسبب اغتياله. لكن الألمان يذكرون هينريش (هينريخ) فيلهلم فون كلايست Kleist شفقة عليه ولاحترامه لقلمه. ولد (7771) في فرانكفورت - آن - دير - أودر Frankfort - an - der - Oder وكان قريبا في طبعه (مزاجه) للسلاف كما كان قريبالهم من الناحية الجغرافية وقضى سبع سنوات في الجيش كأي مواطن ألماني صالح، لكنه تحسر بعد ذلك على ضياع هذه الأعوام. درس العلوم والأدب والفلسفة في الجامعة المحلية وفقد إيمانه بالدين والعلم على سواء. وارتجف لفكرة الزواج عندما رشح ليكون زوجا لابنة جنرال، وهرب إلى باريس ومنها إلى سويسرا حيث لعب خياله به بشراء مزرعة وليترك توالي الفصول يهدئ من عقله المزدحم بالأفكار، لكنه عاد مرة أخرى للأدب فكتب تراجيدية تاريخية (لم يكملها) هي: روبرت جسكارد Guiskard وفي سنة 8081 عرض فوق خشبة المسرح في فيمار مسرحية كوميدية هي مسرحية الإبريق المكسور Der Zerbrochene Krug التي صنفها الجيل التالي باعتبارها عملاً كلاسيا باقيا. ومكث في فيمار فترة (2081 - 3081) ونعم بصداقة - وتشجيع - كريستوف فيلاند Wieland وهو لا أدري عجوز قال له بعد أن سمع مقتطفات من تراجيديته جوسكارد Guiskard أنت تحمل في داخلك أرواح أسخيلوس وسوفوكليس وشكسبير(13) وقال له أيضا إن عبقرية كلايست Kleist خلقت لتسد كل الفراغ في تطور الدراما الألمانية فحتى شيلر وجوته لم يملآه(23) وكان هذا كافيا لتدمير هذا الكاتب المسرحي الشاب أو بتعبير آخر تدمير سوفوكليس الجديد الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

لقد اتجه إلى باريس ليعيش فيها فشعر بفورانها فراح يتفكر في النزعة إلى الشك المتوارثة في الفلسفة المثالية الألمانية: إذا كنا لا نعرف إلا أقل القليل عن الكون كما ندركه بوعينا، فلن نعرف الحقيقة أبدا. شيء واحد مؤكد فالكل مصيره للتراب: فلاسفة وعلماء وشعراء وقديسون ومتسولون ومجانين. لقد فقد كلايست الشجاعة لمواجهة واقع غير قائم على أساس وطيد، لقد رفض مواجهته وقبوله والاستمتاع به وانتهى إلى أن عبقريته وهم وكتبه ومخطوطاته عبث، وفي لحظة يأس حرق كل ما كان معه منها وحاول الانضمام إلى جيش نابليون المتأهب لعبور القنال الإنجليزي، وفي 62 اكتوبر سنة 3081 كتب إلى أخته التي أحبها حبا يفوق الوصف ماسأذكره لك قد يكلفك حياتك، لكن لا بد، لا بد من قوله لك. لقد درست وأمعنت مرة أخرى في عملي (مؤلفي) فرفضته وأحرقته. والآن حلت النهاية. السماء تنكر عليّ الشهرة - وهي أعظم ما يمكن أن يناله المرء في الدنيا، لكنني كطفل متقلب سأقذف بكل ما بقي أمامها (السماء). لا أستطيع أن أرى نفسي جديرا بصداقتك، وبدون صداقة لا أستطيع العيش. إنني أختار الموت. كوني هادئة، فسأموت ميتة جميلة. سأموت سامياً في معركة. لقد غادرت عاصمة البلاد واتجهت إلى سواحلها الشمالية وسألتحق بالخدمة العسكرية الفرنسية وسرعان ما سيركب كل الجنود السفن في الطريق إلى إنجلترا، ودمارنا جميعا رهن بالبحر. إنني مبتهج لهذا القبر الفخم. وستكونين يا حبيبتي آخر ما أفكر فيه(33).

لكن خطته أن يكون جنديا ألمانيا في الجيش الفرنسي أثارت الشكوك حوله، فطرد من فرنسا بإصرار من السفير البروسي، وبعد ذلك بوقت وجيز أعلنت فرنسا الحرب على بروسيا، وفي سنة 6081 دمرنابليون الجيش البروسي بل ودمر تقريبا بروسيا نفسها، وبحث كلايست عن ملجأله في دريسدن لكن العسكر الفرنسيين قبضوا عليه ظانين أنه جاسوس فقضى في السجن ستة أشهر وعندما عاد إلى دريسدن انضم إلى مجموعة وطنية من الكتاب والفنانين وتعاون مع آدم ميلر Muller في تحرير دورية أسهم فيها بكتابة بعض من أجمل مقالاته. وفي سنة 8081 نشر مسرحية تراجيدية (Penthesilea) كانت بطلتها أميرة أمازونية Amazonian انضمت إلى تروجان المتهور ضد الإغريق في طروادة (وذلك بعد موت هيكتور Hector). لقد انطلقت لتقبل أخيل Achilles إلا أنه تغلب عليها فوقعت في حبه، وعلى وفق قانون النسوة الأمازونيات كان عليها أن تثبت جدارتها بالانتصار على عشيقها في معركة، فوخزت أخيل بسهم وأطلقت كلابها عليه، وانضمت لهذه الكلاب في تمزيقه إربا وشربت من دمه ثم سقطت ميتة. والمسرحية صدى للجنون أو العربدة السعار المؤقت الذي تناوله يوربيدز Euripides - وهو جانب من الميثولوجيا الإغريقية لم يركز عليه الدارسون للأدب الهيليني قبل نيتشه.

والذي لاشك فيه أن الغضب قد تصاعد بسبب تمزيق نابليون لأوصال بروسيا بطيش وبلا روية، مما أخرج الشاعر من أحزانه الخاصة وأصبح من بين أصوات أخرى تدعو ألمانيا لشن حرب تحرير. وفي نحو نهاية سنة 8081 أصدر مسرحية Die Hermannsschlacht استعاد فيها ذكريات أرمينيوس Arminius على الجيوش الرومانية. في السنة السادسة للميلاد، ليبعث بذلك الشجاعة ويحثهم على التصدّي لنابليون في حرب بدت يائسة. هنا نجد - مرة أخرى - نجد وطنية كلايست Kleist ترتفع لذروة العصاب: فزوجة هيرمان (ثوزنلدا Thusnelda) تغري الجنرال الألماني (فينتيديوس (Ventidius لتلتقي به لقاء غرام، ومن ثم قادته ليلقى حتفه إذ يلتهمه دب متوحش.

وكان العامان 9081 - 0181 يمثلان ذورة عبقرية كلايست. لقد عرضت مسرحيته الشعرية (Das Kathechen von Hilbronn) وحققت نجاحا في هامبورغ وفينا وجراز (جراتس) كما أن مجموعة قصصه القصيرة التي صدرت في مجلدين في سنة 0181 ميزته وربما جعلته من بين أصحاب أجمل الأساليب الأدبية في عصر جوته. وبعد ذلك أصيب بالإحباط ربما لتدهور صحته، ووقع أخيرا في حب رومانسي مع امرأة مصابة بمرض عضال هي هنريت فوجل، وربما كان هذا الحب ناتجا عن المعاناة المشتركة بينهما. وتعكس خطاباته لها عقل رجل على حافة الجنون: يا جت Jette العزيزة، يا كلي، يا حصني، يا أرضي الخضراء، يا خلاصة حياتي، يا عرسي، يا عماد أطفالي، يا مأساتي، يا قدري، يا ملاكي الحارس، يا ملاكي الجميل، يا سيرا في Seraph (الكلمة تعنى ملكاً مجندا لحراسة الله (أستغفر الله) في التوراة)! وقد أجابته بأنه إن كان يحبها فلا بد أن يقتلها، وفي 12 نوفمبر 1181 وعلى شاطئ الفانسي Wansee بالقرب من بوتسدام أطلق عليها النار فأرداها ثم قتل نفسه.

لقد استسلمت الرومانسية فيه إلى المشاعر كأشد ما يكون الاستسلام مع قوة خيال وبراعة أسلوب. وبدا في مرات عديدة فرنسياً أكثر منه ألمانياً، مناقضا لجوته، أخا لبودلير وأكثر قرباً لريمبو Rimbaud. ويكاد يكون (بحياته هذه) قد أكد مقولة جوته غير المتعاطفة (الكلاسية صحة، والرومانسية مرض). دعنا نر.