قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 3 مقدمة

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 14620



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> مقدمة الترجمة


مقدمة الترجمة العربية


يقدّم لنا المؤلفان كعهدنا بهما في الكتب السابقة فيضاً من الوقائع التاريخية، وفيضاً من الأفكار الجديدة التي لا نلتقي بها في كتب التاريخ التقليدية• إنه يسوق لنا عبر فصوله أسباباً مقنعة لعدم قيام ثورة في إنجلترا ومن ثم بريطانيا بكياناتها المختلفة (اسكتلندا، وإنجلترا وويلز وأيرلندا)، كتلك التي قامت في فرنسا• إنه يربط ذلك بطبيعة الشعب الإنجليزي لا تقلقل ما هو مُستقر كما يربطه بطبيعة الأرستقراطية الحاكمة التي لا ترى في نظام الطبقات قيداً على الحريات، ويؤكد لنا أنه نظام طبقي غير جامد شتان بينه وبين النظام الطبقي الديني في الهند مثلاً، حيث يستحيل الانتقال من طبقة إلى أخرى، وحيث طبقة البراهمة المقدسة، ويشير إلى علاقات صداقة ودودة بين الفلاحين واللوردات•• إلخ• كما يشير إلى أن إنجلترا كانت قد شهدت ثورة دموية في القرن السابع عشر، ومن ثمّ لم تكن في حاجة إلى ثورة جديدة• ولعل من أطرف الأفكار وأكثرها جدّة أن الشعب البريطاني في هذه الفترة على الأقل، بمليكه وبرلمانه ومثقفيه وعلمائه وشعرائه، كانوا متفقين - اتفاقاً غير مكتوب - على أن كثيراً من المسائل الدينية في المسيحية غير واضحة وغير مؤكدة، بل وفي كثير من الأحيان غير موثوق بها، وعلى هذا فليعتقد كل واحد ما يشاء، وليتصور الرب أو الإله كما يشاء، وليقم بأية طقوس يراها مناسبة بشرط واحد وهو أن يُعلن أنه مسيحي• ولا نكاد نجد من بين الشخصيات اللامعة التي أوردها المؤلف، مسيحياً حقيقياً بالمعنى الدارج للكلمة، لقد كان بعضهم ربانياً يؤمن بالله وحده ويُنكر تماما ألوهية المسيح، كما ينكر أي نبوّات أخرى، ووجدنا الموحدين Uniterians أو المناهضين للتثليث الذين لم يعترض عليهم التاج البريطاني شريطة أن يدرجوا أنفسهم تحت المسمّى العام (المسيحية)، ووجدنا الحلوليين (الشاعر وردزورث) الذي يرى الله غير منفصل عن الطبيعة، ورأينا المصلح أوين Owen الذي حارب الميسر، وطالب بتحريمه وتجريمه، وطالب الدولة بمنع اللوترية (اليانصيب) وأوصل صوته إلى البرلمان وعبّر عنه في كتبه، وطالب بتحريم الخمر، ومنع استيرادها، بل وطالب بعدم إصدار تراخيص للحانات والخمارات، ليبقى السُّكر في أضيق الحدود لينفق فيه الأثرياء الأغبياء أموالهم وأقام أوين مدارس لم تحجُر عليها الدولة يُعلِّم فيها الناشئة كل شيء مفيد إلا الخرافات - وهو يقصد اللاهوت المسيحي، ومع هذا فقد كان المسمى الرسمي للرجل أنه مسيحي• أما موقف الدولة من الكاثوليكية فلم يكن مسألة خلاف عقائد في المقام الأول، وإنما كان مسألة - في الأساس - ذات بُعد وطني، فكيف يكون ولاء الكاثوليكي لملك بريطانيا بينما هو يقسم يمين الولاء لملك آخر هو الحَبْر الجليل في روما وكان هذا البابا صاحب سلطة زمنية إلى جانب سلطانه الديني؟! والؤلف يربط فصول كتابه كلها بمجريات الأمور في فرنسا، فهو عندما يتناول في الفصل الثاني والعشرين، الشعراء المتمردين وعلى رأسهم لورد بايرون يبيّن لنا تعاطف هؤلاء الشعراء في فترة من الفترات مع مبادئ الثورة الفرنسية ودستورها، ولكنه يُبيّن لنا أيضاً كيف تراجعوا عن هذا التأييد عندما أكلت الثورة أبناءها، وأقامت المذابح• وقد أورد المؤلف تفاصيل حياة الشخصيات التي يُترجم لها مما قطع في بعض الأحيان تلسلسل العرض التاريخي، لكن هذا قد يكون مفيدا للراغبين في تتبع حياة هؤلاء المشاهير، فقراءة هذا الكتاب تحتاج إذن إلى صبر وجُهد إن أراد القارئ العام متابعته، لكنه لا يخلو من أفكار طريفة تتخلل عرضه الرتيب أحياناً• وقد ركزت عند ترجمة هذا الكتاب على المعاني وأضفتُ بعض التعليقات البسيطة الشارحة، ففي التعليقات التي أوردتها عند ترجمة الكتابين السابقين ما لا داعي لتكراره هنا• ومن العدل والصدق أن أنوه هنا مرة أخرى، بفضل المجمع الثقافي، وعلى رأسه الأستاذ محمد السويدي باختيار هذه الكتب المفيدة لتقديمها إلى القارئ العربي• وعلى اللَه قصد السبيل• د• عبدالرحمن عبدالله الشيخ



 صفحة رقم : 14621   



قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> تأثير إنجلترا في مسيرة الأحداث -> مقدمة


الكتاب الثالث



بريطانيا



9871 - 2181م



مقدمة الترجمة العربية


يقدّم لنا المؤلفان كعهدنا بهما في الكتب السابقة فيضاً من الوقائع التاريخية، وفيضاً من الأفكار الجديدة التي لا نلتقي بها في كتب التاريخ التقليدية• إنه يسوق لنا عبر فصوله أسباباً مقنعة لعدم قيام ثورة في إنجلترا ومن ثم بريطانيا بكياناتها المختلفة (اسكتلندا، وإنجلترا وويلز وأيرلندا)، كتلك التي قامت في فرنسا• إنه يربط ذلك بطبيعة الشعب الإنجليزي لا تقلقل ما هو مُستقر كما يربطه بطبيعة الأرستقراطية الحاكمة التي لا ترى في نظام الطبقات قيداً على الحريات، ويؤكد لنا أنه نظام طبقي غير جامد شتان بينه وبين النظام الطبقي الديني في الهند مثلاً، حيث يستحيل الانتقال من طبقة إلى أخرى، وحيث طبقة البراهمة المقدسة، ويشير إلى علاقات صداقة ودودة بين الفلاحين واللوردات•• إلخ• كما يشير إلى أن إنجلترا كانت قد شهدت ثورة دموية في القرن السابع عشر، ومن ثمّ لم تكن في حاجة إلى ثورة جديدة• ولعل من أطرف الأفكار وأكثرها جدّة أن الشعب البريطاني في هذه الفترة على الأقل، بمليكه وبرلمانه ومثقفيه وعلمائه وشعرائه، كانوا متفقين - اتفاقاً غير مكتوب - على أن كثيراً من المسائل الدينية في المسيحية غير واضحة وغير مؤكدة، بل وفي كثير من الأحيان غير موثوق بها، وعلى هذا فليعتقد كل واحد ما يشاء، وليتصور الرب أو الإله كما يشاء، وليقم بأية طقوس يراها مناسبة بشرط واحد وهو أن يُعلن أنه مسيحي• ولا نكاد نجد من بين الشخصيات اللامعة التي أوردها المؤلف، مسيحياً حقيقياً بالمعنى الدارج للكلمة، لقد كان بعضهم ربانياً يؤمن بالله وحده ويُنكر تماما ألوهية المسيح، كما ينكر أي نبوّات أخرى، ووجدنا الموحدين Uniterians أو المناهضين للتثليث الذين لم يعترض عليهم التاج البريطاني شريطة أن يدرجوا أنفسهم تحت المسمّى العام (المسيحية)، ووجدنا الحلوليين (الشاعر وردزورث) الذي يرى الله غير منفصل عن الطبيعة، ورأينا المصلح أوين Owen الذي حارب الميسر، وطالب بتحريمه وتجريمه، وطالب الدولة بمنع اللوترية (اليانصيب) وأوصل صوته إلى البرلمان وعبّر عنه في كتبه، وطالب بتحريم الخمر، ومنع استيرادها، بل وطالب بعدم إصدار تراخيص للحانات والخمارات، ليبقى السُّكر في أضيق الحدود لينفق فيه الأثرياء الأغبياء أموالهم وأقام أوين مدارس لم تحجُر عليها الدولة يُعلِّم فيها الناشئة كل شيء مفيد إلا الخرافات - وهو يقصد اللاهوت المسيحي، ومع هذا فقد كان المسمى الرسمي للرجل أنه مسيحي• أما موقف الدولة من الكاثوليكية فلم يكن مسألة خلاف عقائد في المقام الأول، وإنما كان مسألة - في الأساس - ذات بُعد وطني، فكيف يكون ولاء الكاثوليكي لملك بريطانيا بينما هو يقسم يمين الولاء لملك آخر هو الحَبْر الجليل في روما وكان هذا البابا صاحب سلطة زمنية إلى جانب سلطانه الديني؟! والؤلف يربط فصول كتابه كلها بمجريات الأمور في فرنسا، فهو عندما يتناول في الفصل الثاني والعشرين، الشعراء المتمردين وعلى رأسهم لورد بايرون يبيّن لنا تعاطف هؤلاء الشعراء في فترة من الفترات مع مبادئ الثورة الفرنسية ودستورها، ولكنه يُبيّن لنا أيضاً كيف تراجعوا عن هذا التأييد عندما أكلت الثورة أبناءها، وأقامت المذابح• وقد أورد المؤلف تفاصيل حياة الشخصيات التي يُترجم لها مما قطع في بعض الأحيان تلسلسل العرض التاريخي، لكن هذا قد يكون مفيدا للراغبين في تتبع حياة هؤلاء المشاهير، فقراءة هذا الكتاب تحتاج إذن إلى صبر وجُهد إن أراد القارئ العام متابعته، لكنه لا يخلو من أفكار طريفة تتخلل عرضه الرتيب أحياناً• وقد ركزت عند ترجمة هذا الكتاب على المعاني وأضفتُ بعض التعليقات البسيطة الشارحة، ففي التعليقات التي أوردتها عند ترجمة الكتابين السابقين ما لا داعي لتكراره هنا• ومن العدل والصدق أن أنوه هنا مرة أخرى، بفضل المجمع الثقافي، وعلى رأسه الأستاذ محمد السويدي باختيار هذه الكتب المفيدة لتقديمها إلى القارئ العربي• وعلى اللَه قصد السبيل• د• عبدالرحمن عبدالله الشيخ