قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 2 ف 8

صفحة رقم : 14582

قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> الإمبراطورية الجديدة -> التتويج

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثامن: الإمبراطورية الجديدة 1804- 1807

التتويج 2 ديسمبر 1804

وراح نابليون يسير على دَرْب الأباطرة برضا حتى قبل الاستفتاء، إذ كان قد بدأ منذ مايو سنة 4081 يوقَّع خطاباته ووثائقه باسمه الأول فقط، وسرعان ما أصبح يكتب الحرف الأول من اسمه ببساطة هكذا (ن N) فيما عدا الوثائق الرسمية ومنذ ظهر هذا الحرف الفخور (ن N) على النُّصب التذكارية والمباني والعربات، لم يعد نابليون يتحدث عن الفرنسيين كمواطنين Citizens وإنما راح يتحدث عنهم ولهم بقوله رعاياي(1)• وراح يتوقع من أفراد حاشيته مزيداً من الإذعان والاحترام، ومن وزرائه مزيداً من التبعية وسلاسة القِياد، وعلى أية حال فقد حَذَا حَذْو أساليب تاليران الارستقراطية بصمت صارم وقَبِل بشيء من الاستمتاع سخرية فوشيه غير الوقورة• وتقديراً منه لما قدّمه فوشيه من مساعدة في تعقّب المتآمرين، أعاده لمنصبه كوزير للداخلية في 11 يوليو سنة 4081 وعندما فكَّر نابليون في قمع حرية فوشيه في التفكير المستقل والكلام بتذكيره أنه صوَّت بالموافقة على قتل لويس السادس عشر، أجاب فوشيه: هذا صحيح تماما• لقد كانت هذه أول خدمة أؤديها لجلالتكم(2)• بقي شيء واحد ينقص هذه الجلالة: إنها لم تحظ بالاعتراف ولا الإقرار الديني من أعلى ممثل لعقيدة الأمة الدينية، على النحو الذي حظيت به التيجان الأخرى• لقد كان هناك شيء لازال باقيا - على أية حال - من نظرية الحق الإلهي الوسيطة للملوك: فبالنسبة لشعب تسود فيه العقيدة الكاثوليكية، فإن قيام البابا بتكريس الحاكم ومسحه بالزيت يعني أن هذا الحاكم قد أصبح - بالفعل - مختاراً من الرَّب لأن البابا بدوره يزعم أنه لم يشغل منصبه (منصب الباباوية) إلاَّ من قِبَل الرَّب، ومعنى هذا أن الحاكم الذي يكرســه البابا بمسـحه بالزيـت إن تحدث فغالبـاً ما يكون حديثه باسم الرّب• أي فكرة تساعد على تسهيل مهمة الحاكم أكثر من هذه؟ ثم أليس هذا المسح بالزيت سيضع نابليون في مصاف الحكام الأوروبيين حتى ولو كان لهم جذور عميقة في السلطة تمتد من الماضي حِقَباً؟ لهذا فقد أوكل إلى دبلوماسييه مهمة حث البابا بيوس السابع Pius VII للقيام بخطوة غير مسبوقة لباريس بتتويج ابن الثورة والتنوير باعتبار هذا نصراً للكنيسة الكاثوليكية على الثورة والتنوير• ثم أَلَن يكون مفيداً لقداسته (قداسة البابا) أن يستحوذ على أفضل القادة الحربيين في أوروبا وأكثرهم ألمعية ليكون مدافعاً عن المؤمنين؟ وعارض بعض الكاردينالات هذا العرض باعتباره تدنيساً للمقدسات، لكن بعض الايطاليين الماكرين اعتقدوا أن هذا سيكون نصراً كاملاً ليس للدين فحسب وإنما لإيطاليا أيضاً إننا بهذا سنضع أسرة حاكمة إيطالية على عرش فرنسا لتحكم البرابرة، إننا بهذا سننتقم لأنفسنا من الغال Gauls(3) وربما كان البابا أكثر عملية: إنه سيوافق على أمل إعادة أمّة تائبة مرة أخرى إلى طاعة البابا واستعادة المناطق التي كانت تابعة للباباوية والتي استولت عليها جيوش فرنسا.

وراح نابليون يستعد لهذا النصر المشترك كما لو كان يستعد لحرب كبرى، فكلّف من يقومون بدراسة مراسم الحكم القديم (الملكي) وتعديلها وإضفاء مزيد من التفاصيل والمبالغات عليها• وتم التخطيط للمواكب والمسيرات كما لو أن المخطط لها مدير فرقة راقصة وتم تحديد وقت كل تحرّك• وتم تصميم أزياء جديدة لسيدات الحاشية وتجمع أفضلُ المصميمن للقبعــات النسائية حــول جوزفين وأمــر نابليون بإحضــار المجوهــرات مـن الخزانة لهـا بالإضافة لما لديها من مجوهرات• ورغم اعتراض أمه وإخوته وأخواته قرَّر أن يتوّجها معه• وقام جاك - لويس ديفد (داود) Jacque - Louis David - الذي كان عليه أن يخلِّد الحدث في أعظم لوحات ذلك الوقت - بتدريب جوزفين وحاشيتها على كل حركة وكل وضع• وتم الاغداق على الشعراء للاحتفاء بالحدث• وصدرت التعليمات لدار الأوبرا بإعداد رقصات الباليه التي تشرح صدر البابا• وجرت الترتيبات لحماية الشوارع الكبرى بالجنود، وأن يكــون الحرس القنصـلي مصطفاً في صَحْن نوتردام كما لو كان في حفل زواج حقيقي بين القيصر والكنيسة averitable marriage of Caesar & Christ ودُعِيَ الأمراء وذوو المقام الرفيع من الدول الأخرى فلبوا الدعوة• ووصلت الجموع من المدينة والأحياء والمحافظات ومـن الخـارج وسـاوموا للحصـول علــى أفضـل الأماكـن فـي الكاتـدرائية أو في الطرقات، وراح أصحـاب المحال يأملون فـي الحصول على ربح وفير، وقد كان• ورضي الناس عن الأعمال والمشاهد رضاءً مُفعماً بالسعادة ربما بطريقة لم تحدث منذ مهرجانات روما أيام الإمبراطورية.

واتخذ البابا بيوس السابع الدَّمث طريقه بتؤدة في الفترة من 2 نوفمبر إلى 52 من الشهر نفسه عَبْر مدن إيطاليا وفرنسا محاطاً بمراسم التشريفات وقابله نابليون في فونتينبلو Fontainebleau• ومنذ هذه اللحظة حتى التتويج قدَّم الإمبراطور (نابليون) للبابا كل مظاهر الود فيما عدا الإذعان، فلم يكن نابليون (الإمبراطور) ليتصرَّف على أساس أنه يخشى قوَّة أعلى متمثلة في البابا• ورحب أهل باريس - أكثر الناس تشككاً في الكاثوليكية على ظهر البسيطة في تلك الأيام - بالحَبْر (البابا) باعتباره يمثل مشهداً جديراً بالرؤية، وقادت ثُلَّة من الجنود والقسس هذا البابا في قصر التوليري حيث تمَّ إيصاله إلى مقرِّ إقامته في جناح دي فلور Pavillon de Flore• ورحَّبت به جوزفين وانتهزت هذه الفرصة لتُخبره أنها لم تكن مُرتبطة بنابليون من خلال زواج ديني، فَوَعَدها بيوس Pius بعلاج هذا الخطأ قبل التتويج، وفي ليلتي 82 و 03 نوفمبر أعاد تزويجهما وأحست جوزفين أن عقبة مُباركة وُضعت لتمنع نابليون من تطليقها(4).

وفي بواكير يوم بارد (الثاني من ديسمبر) غادر اثنا عشر موكبا من نقاط مُختلفة لتتجمَّع في نوتردام: مفوَّضون من مدن فرنسا ومن الجيش والبحرية والجمعيات التشريعية والهيئات القضائية والإدارات، وجوقة الشرف، والمعهد العلمي وغُرف التجارة•• فوجدوا الكاتدرائية تكاد تكون مُمتلئة عن آخرها بالمدعوِّين من المدنيين إلاّ أن الجنود تمكنوا من إفساح الطريق لهم للوصول إلى أماكنهم المخصَّصة سلفاً• وفي التاسعة صباحاً تحرحك موكب البابا من جناح دي فلور في قصر التوليري: البابا بيوس السابع وخَدَمُه والكاردينالات وكبار معاونيه، في عربات فخمة مُزدانة بزينات مُبهجه تجرّها خيول جرى اختيارها بعناية، جميلة ونشطة، وأمام الموكب أُسقف يمتطي بَغْلاً ويحمل الصليب الباباوي ويرفعُه عاليا• وعند الكاتدرائية ترجَّل الجَمْعُ الجميع وساروا في صف وصعدوا الدرجات إلى صحن الكاتدرائية وتوجَّهوا بين صفوف الجنود الشّداد إلى أماكنهم المحدّدة - البابا على عرشه إلى يسار مذبح الكاتدرائية• وفي هذه الأثناء ومن مكان آخر من قصر التوليري انطلق موكب المركبات الإمبراطوري: في البداية، مارشال مورا Murat محافظ باريس، والعاملون معه، ثم بعض الأفواج العسكرية المميزة، ثم مركبات تجرُّ كلَّ واحدة منها ستة خيول، فيها: المسؤولون القياديون في الحكومة، ثم مركبة أخوة نابليون وأخواته ثم المركبة الإمبراطورية مزركشة بشعار النبالة الحرف N تجرها ثمانية خيول وتحمل الإمبراطور (نابليون) في حلة مخملية أرجوانية مطرزة بالجواهر والذهب، والإمبراطورة (جوزفين) في قمة تألّقها وجمالها (غير القائم على أساس متين) في فستان من حرير وهي تضوي بالجواهر، وقد أتقنت تجميل وجهها فبدت في الرابعة والعشرين بينما هي في الواحدة والأربعين(5)، ثم عربات ثمان أخرى تحملن سيدات البلاط وموظفيه• واستغرق وصول هذه المركبات جميعاً للكاتدرائية ساعة• وهناك غَيَّر نابليون وجوزفين ملابسهما ولبسا ملابس التتويج واتخذا مكانهما على يمين المذبح، وجلس هو على عرش، وهي على عرش أصغر من عرشه وأدنى مكانة منه بثمانية درجات Steps.

وصعد البابا إلى المذبح وركع نابليون وجوزفين على رُكبهم أمامه، فقام البابا بدهنهما بالزيت وباركهما• ونزل الإمبراطور والإمبراطورة الدرجات حيث الجنرال كلرمان Kellermann واقفاً حاملاً صينيّة عليها تاج، فتناوله نابليون ووضعه فوق رأسه، ثم ركعت جوزفين أمامه بتواضـــع وولاء فوضــع تاجـاً مـن مـاس فـــوق شـعرها المحلّـــى بالجواهـر - برقّـة واضــحة(6)• ولم يُثر كل هذا دهشة البابا لأنه كان مرتباً سلفاً، عندئذ قبَّل الحَبْرُ (البابا) نابليون فوق خدّه وأعلن الصيغة التقليدية التي تفيد أن الكنيسة قبلته إمبراطوراً Vivat Imperator in aeternum ورتّل البابا القدّاس، وأحضر مساعدوه الأناجيل إليه ووضع نابليون يده عليها وتلى القسم الذي لازال يؤكد أنه ابن الثورة: إنني أقسم أن أحافظ على حدود الجمهورية كاملة وأن أحترم بنود الكونوردات (الاتفاق الباباوي) وأدعمه وأن أقر حرية العبادة وأن أحترم - وأدعم - مبدأ المساواة أمام القانون، والحرية السياسية والمدنية وألاّ أُلغي ما تم من مبيعات ممتلكات الدولة وألاّ أفرض التزامات أو ضرائب إلاّ وفقاً للقانون وأن أحافظ على وسام الشرف، وألاّ أحكم إلاَّ وفقاً لما يحقق مصالح الشعب الفرنسي وسعادته وعظمته(8).

وانتهت المراسم في الساعة الثالثة، وعادت المواكب من حيث أتت وسط مظاهر الحفاوة والفرحة بينما الثلوج تتساقط وبقي البابا اللطيف في باريس أو بالقرب منها طوال أربعة شهور مفتوناً ببهاء باريس آملاً في مفاوضات مثمرة، وكان يظهر كثراً في شرفته ليُبارك الجموع التي تركع احتراماً له• ووجد أن نابليون جامد الشعور رغم ما يُبديه من أدب، وتحمل (أي البابا) بصبر تصرّف مضيفه (نابليون) العَلْماني وعدم التزامه بالمسلك ذي الطابع الديني في تعامله معه (البابا)• وفي 51 أبريل سنة 5081 غادر إلى روما• وواصل نابليون مشروعاته الإمبراطورية واثقاً من أنه الآن أصبح حاكماً مقدّساً holy كأي حاكم (أوروبي) آخر وأصبح يمكنه أن يُواجه - وهو مطمئن - القوى التى ستتحد حالاً لتدميره.


الائتلاف الثالث ضد فرنسا 1805

بحلول سنة 4081 كانت كل الحكومات الأوروبية - باستثناء إنجلترا والسويد وروسيا - قد اعترفت بنابليون كإمبراطور للفرنسيين وخاطبه بعض الملوك بكلمة أخي(9) وفي الثاني من شهر يناير سنة 5081 عرض نابليون - مرة أخرى - السلام على جورج الثالث وخاطبه هذه المرة بعبارة (أخي):

سيدي وأخي أما وقد دعاني الله وأصوات مجلس الشيوخ والشعب والجيش لأتبوأ عرش فرنسا فقد تأكَّد لي شعوري بالرغبة في السلام• إن فرنسا وإنجلترا تُهدران ثرواتهما• ربما ناضلا طوال قرون، لكن هل أدّت حكوماتهما - بشكل صحيح - واجباتهما الأكثر قداسة لكفِّ هذه الدماء الغزيرة التي أُريقت عبثاً بغير هدف محدد؟ إنني لا أجد حرجاً في أن آخذ بزمام المبادأة في هذا الأمر (طلب السلام) ولديَّ فيما أظن براهين كافية•• فأنا لا أخاف الحرب إذا حَلَّت•• لكن السَّلام هو رغبتي الكامنة في قلبي ولم تكن أبداً بعيدة عن شهرتي• إنني أُناشد جلالتكم ألاَّ تحرموا أنفسكم من السعادة بإقرار السلام في العالم•• ولن تكون هناك فرصة أفضل لكبح الغضب والاستماع لصوت الإنسانية والعقل، فإذا ضاعت هذه الفرصة فأى أجل يمكن أن يُحدَّد لحرب قد لا أستطيع وقفها بكل مساعِيَّ؟

ماذا تأمل أن تكسب من الحرب؟ تكوين ائتلاف من بعض القوى في القارة (الأوروبية)؟ انتزاع مستعمرات من فرنسا؟ إن المستعمرات هدف لفرنسا، لكنه هدف ثانوي ثم ألا تحتفظ جلالكتم بالفعل بمستعمرات أكثر مما تستطيع الاحتفاظ به؟ إنَّ العالم رحب واسع بدرجة تكفي لتعيش أمَّتانا فيه• وقوة العقل كافية لتمكيننا من تجاوز كل الصّعاب إذا توفرت الإرادة من الجانبين• وعلى أية حال فقد قُمت بواجبي لما أعتقد فيه الصلاح وما هو قريب إلى قلبي• إنني واثق من أن جلالتكم ستُصَدِّقون إخلاص مشاعري التي عبّرتُ عنها وعن توقي الشديد لتقديم ما يُثبتها لكم• نابليون

ولا ندري ما هي التأكيدات الخاصة لنوايا السلام والتي ربما تم إرفاقها بهذا الاقتراح• وعلى أية حال فإن ذلك لم يُثْنِ انجلترا عن إقامة أمنها على مبدأ توازن القوى في القارة، والحفاظ على هذا المبدأ بتشجيع الضعيف ضد القوى• بل إن جورج الثالث لم يقبل مخاطبة نابليون له بكلمة أخي فلم يُرسل له رداً، لكن في 41 يناير سنة 5081 أرسل وزير الخارجية اللورد ملجريف Mulgrave إلى تاليران خطابا ذكر له فيه بَشكْل ودي شروط إنجلترا للسلام: ليس لدي صاحب الجلالة رغبة أعز من انتهاز أول فرصة تُتيح لرعاياه مزايا السلام الذي سيُقام على أُسس غير مزعزعة لأمنٍ دائم ولتحقيق المصالح لطبقات الأمة، إنّ جلالته مُقتنع أنه لا يمكن الوصول لهذه النتيجة إلاَّ بترتيبات تؤدِّي أيضاً إلى مستقبل آمن وهدوء واستقرار في أوروبا لمنع تجدّد الأخطار والكوارث التي أَقْلقت القارة• وعلى هذا فصاحب الجلالة يرى أنه من غير الممكن أن يجيب بشكل حاسم على الأسئلة التي طُرحت عليه إلاّ بعد أن يتصل بالقوى الأوروبية المُتحالفة معه خاصة إمبراطور روسيا الذي قدَّم أقوى الأدلة على حكمته ومشاعره الطيبة واهتمامه العميق بأمن أوروبا واستقلالها(11)• وتولى وليم بت Pitt الأصغر رياسة وزراء إنجلترا في الفترة من (مايو 4081 إلى يناير 6081) وكان يُمثل - كَمَعْقل مالي جديد لبريطانيا - طبقة أصحاب المصالح التجاربة التي كادت تكون هي الرابح الوحيد من الحرب• وقد عانت الطبقة ذات المصالح التجارية خسائر حقيقية من سيطرة الفرنسيين على مصبّات الراين ومجراه لكنها استفادت من السيطرة البريطانية على البحار• ولم يخنق هذا غالب الجهد الحربي الفرنسي فحسب بل مكَّن بريطانيا من الاستيلاء على المستعمرات الفرنسية والهولندية ساعة تشاء، وعلى السفن الفرنسية حيثما وُجدت• وفي الخامس من أكتوبر سنة 4081 استولت السفن الإنجليزية على عدّة سفن اسبانية (شراعية حربية من نوع الغليون) متجهة إلى اسبانيا محملة بالفضة التي قد تمكنها من دفع كثير من ديونها لفرنسا• وفي ديسمبر سنة 4081 أعلنت إنجلترا الحرب على اسبانيا ووضعت أسبانيا أسطولها تحت أمر فرنسا• وبصرف النظر عن هذا الاستثناء فإن البريطانيين اســتطاعوا بالتدريج عن طريــق دبلوماسييهم البارعين وإعاناتهم المالية التي تقدم بحكمة - أن تكسب إلى جانبها القوى الأوروبية الأغنى بالرجال وإن كانت أقل حظاً في الذهب (المال)•

ولم يستطع اسكندر الأول أن يحسم أمره: أيكونُ مصلحاً ليبرالياً وقائدا خيِّراً أم فاتحاً عسكرياً دعاه القدرُ للسيطرة على أوروبا؟• وعلى أية حال فإنه كان واضحاً في عدة نقاط: لقد أراد أن يَمُدَّ حدوده الغربية بضم فاليشيا Wallachia ومولدافيا Moldavia التابعتين لتركيا• ورنا بالتالي - مثل كاترين المتوسّعة - إلى اجتياح تركيا (الدولة العثمانية) أن يستولى على البسفور والدردنيل جاعلاً قدماً في آسيا وأخرى في أوروبا، ليسيطر في الوقت المناسب على البحر المتوسط، وكان بالفعل قد استولى على الجزر الأيونية Ionias Isles• لكن نابليون كان قد استولى فجأة على هذه الجزر وهي الآن تابعة له• ولا زال - أي نابليون - يتوق شوقاً للاستيلاء على مصر وهو ظمآن للسيطرة على البحر المتوسط، بل كان قد تحدث بشأن ابتلاع تركيا ونصف الشرق Orient• هنا كان يوجد منافس نَهِم، ولابد أن يستسلم واحدٌ منهما (اسكندر الأول أو نابليون)• لكل هذا ولأسباب أخرى لم يكن اسكندر الأول راغباً في أن يرى انجلترا تُقيم مع فرنسا سلاماً• ففي يناير سنة 5081 وقع معاهدة تحالف مع السويد التي كانت بَدَوْرها متحالفة مع إنجلترا• وفي 11 يوليو أكمل أمره بعقد تحالف مع إنجلترا التي تعهدت أن تدفع لروسيا إعانةً مالية سنوية مقدارها 000،052،1 جنيه استرليني لقاء كل 000،001 مُقاتل يشتركون في المعارك ضد فرنسا(21)• وتفاوض فريدريك وليم الثالث البروسي مع نابليون طوال عام على أمل أن يُضيف إلى مملكته مقاطعة هانوفر Hanover التي كان الفرنسيون قد استولوا عليها في سنة 3081• وعرضها نابليون بشرط عقد تحالف تتعهد فيه بروسيا بدعم فرنسا في إقرار الوضع الجديد• ولم يستسغ فريدريك الفكرة خوفاً من الأسطول الحربي البريطاني الغاضب على طوال سواحله، وفي 42 مايو سنة 4081 وقَّعت بروسيا تحالفاً مع روسيا للقيام بعمل مشترك ضدَّ أي تقدم فرنسي إلى الشرق من وِزَر Weser•

وترددت النمسا أيضاً• إنها إن انضمت للائتلاف الجديد فستكون أول من يُكوى بنيران الهجوم الفرنسي• لكن النمسا - وهي الأقرب إلى فرنسا من إنجلترا - كانت قد شعرت بالاندفاعات المتوالية للقوات الفرنسية المتوسّعة: توجيهها وإشرافها على الجمهورية الإيطالية في يناير سنة 2081، وإلحاقها لبيدمونت في سبتمبر سنة 2081، وإخضاع سويسرا كمحمية فرنسية في فبراير سنة 3081، وادعاؤها (أي فرنسا) لقباً إمبراطورياً في مايو سنة 3081، واستمرت الاندفاعات الفرنسية: في 62 مايو 5081 تلقَّى نابليون في ميلان التاج الحديدي من لومبارديا وفي 6 يونيو قبل طلب دوق جنوا بدمج الجمهورية الليجورية في فرنسا• وتساءل النمساويون متى سيتوقَّف شارلمان الجديد هذا؟ أليس هو بقادر بسهولة - إذا لم تتحد معظم أوروبا لإيقافه - على ابتلاع الولايات الباباوية Papal Stutes أولاً ثم مملكة نابلي؟ ما الذي يمنعه من الاستيلاء على فينيسيا (البندقية) وكل زمامها المغري الذي كان يُسهم بعوائد مالية في دخل النمسا؟ لقد كان هذا هو تفكير النمسا القلق عندما عرضت إنجلترا عليها مساعدات مالية ووعدتها روسيا بمئة ألف مقاتل شديد المراس في حالة هجوم فرنسا عليها• وفي 71 يونيو سنة 5081 انضمت النمسا إلى كل من إنجلترا وروسيا والسويد وبروسيا، وبذا اكتمل الائتلاف الثالث ضد فرنسا•


أوسترليتز - 2 ديسمبر 1805

وفي مواجهة هذا التحالف الخماسي كانت فرنسا تتلقى دعما مترددا من هس Hesse وفيرتمبرج Wurtemberg وتعاوناً من أسطولي هولندا وأسبانيا• وسحب نابليون من مختلف أنحاء مملكته الأموال والمجندَّين إلزامياً ونظَّم ثلاثة جيوش: (1) جيش الراين بقيادة دافو Davaut ومورا Murat وصول Soult ونيقي Nevy، ليُواجه به القوة النمساوية الرئيسية بقيادة الجنرال ماك Mack• (2) جيش إيطاليا بقيادة ماسينا Massena لمواجهة الهجوم النمساوي الغربي الذي قوامه جيش على رأسه الأرشدوق كارل لودفيج Karl Ludwig• (3) وجيش نابليون العظيم الذي تجمع حديثاً حول بولوني Boulogne ولكنه قادر على الانقضاض انقضاضاً مفاجئاً على النمسا• وكان أملُ نابليون يكمن في الاستيلاء - سريعاً - على فيينا ليُجبر النمسا على توقيع اتفاق سلام منفصل ويجمد - بذلك - تحالفاتها في القارة ويجعل - بذلك - إنجلترا مُحاصرة دون عَوْن•

وكان الإمبراطور الشاب يُكنّ كراهية شديدة لإنجلترا باعتبار لعنة أصابت حياته والعقبة الرئيسية أمام تحقيق أحلامه• لقد كان يُسميها إنجلترا الغادرة وأعلن أن أموالها كانت هي السبب الأساسي لويلات فرنسا• لقد راح ليل نهار يُخطط - بالاضافة لمئات المشروعات الأخرى - لبناء أسطول يُنهي سيادة بريطانيا على البحار• لقد أغدق الأموال وجلب العمال إلى مراكز صناعة السفن مثل طولون وبريست وأخضع للاختبار اثنى عشر قائداً ليختار منهم أدميرالا (أمير بحر) يمكن أن يقود إلى النصر البحرية الفرنسية النامية• وظنَّ أنه عثر على بغيته في شخص لويس دي لا توش تريفيل Louis de la Touche - Treville وبذل كل جهده ليبثَّ في روعه أنه يمكن غزو انجلترا واجتياحها إذا استطعنا السيطرة على القنال (الفاصلة بين فرنسا وإنجلترا) لمدة ست ساعات، فساعتها سنكون سادة العالم(31) لكن لاتوش تريفيل مات في سنة 4081 فارتكب نابليون غلطة بأن جعل على رأس البحرية الفرنسية بيير دي فيلينيف Pierre de Villeneuve•

لقد كان فيلينيف قد أسهم في إخفاق الحملة الفرنسية على مصر، وصفحته الماضية تُشير إلى جُبنة وميله للعصبان، ولم يكن مؤمناً بإمكانية السيطرة على القنال الإنجليزي لستِّ ساعات، وقد تلكأ في باريس حتى أمره نابليون بالتوجه لشغل منصبه في طولون• وكانت تعليمات (أي تعليمات نابليون) ماكرة ومعقدة: فليقُد أسطوله في عرض البحر وليترك نلسون يتتبعه بالأسطول البريطاني الرئيسي ويغريه بتتبعه في الأطلنطي إلى جرز الهند الغربية، ثم يتملص منه بين هذه الجزر ويعود بأقصى سرعة إلى القنال الإنجليزي حيث تنضم إليه الأساطيل الفرنسية والهولندية والاسبانية في الالتحام بالسفن البريطانية فترة تكفي لعبور الجيش الفرنسي بقواربه التي تُعد بالآلاف إلى الأرض الإنجليزية قبل أن يتمكن نلسون من العودة من البحر الكاريبي• ونفذ فيلينيف Villeneuve الجزء الأول من مهمته بطريقة حسنة• لقد أغوى نلسون بتتبعه إلى أمريكا، وراغ منه وكرّ عائداً إلى أوروبا• لكنه عند وصوله إلى أسبانيا لم يجعل سفنه ورجاله في حالة استعداد لاجتياح السفن الإنجليزية التي تحرس القنال، وبدلا من ذلك بحث عن الحماية في مرفأ آمن وصديق في كاديز (قادش) Cadiz• وفُجع نابليون في خطته فأصدر أوامره إلى فيلينيف ليخرج باحثاً عن أسطول نلسون وأن يخاطر بكل شيء في تحد متهوّر للقضاء على السيادة البريطانية على البحار• وفي قرار عصبي مفاجئ ابتعد الإمبراطور عن القنال الإنجليزي ودار بآلاف الرجال ليسير جنوباً وشرقاً إلى الراين وما وراءه• وراحت قلوب الفرنسيين جميعاً تخفق أملاً وقلقاً مع هذا الجيش العظيم (وفقاً لتسمية نابليون) وراح الناس في كل مدينة يمر بها يدعون له يالنصر لتحقيق مشروعه• وفي كل كنيسة تقريباً راح رجال الدين يحثون شباب الأمة على الانضمام إليه ليخدموا تحت راياته وراحوا يتلون من فقرات الأناجيل ما يفسرونه على أساس أن نابليون قد أصبح الآن في رعاية الله وتحت توجيهه المباشر(41)• ما أسرع ما أتى الكونكوردات (الاتفاق البابوي) بالثمار! وتعاونوا مع نابليون لترتيب أمر تمويل هذه العشرين ألف مركبة على طول الطريق، وعمد نابليون إلى الإسراع وإراحة الجند أثناء مرورهم عبر فرنسا(51)• وركب هو نفسه مع جوزفين إلى ستراسبورج التي أصبحت الآن مفعمة عاطفة وتلهفا وحبا، فقد كانت ثروتها معلقة أيضاً بكل رمية نرد (زهر)• ووعد نابليون أنه خلال أسابيع قليلة سيكون سيِّد فينا(61)• وفي ستراسبورج ترك جوزفين في رعاية ريموزا Remusat وأسرع إلى الجبهة•

وكانت استراتيجيته - كالعادة - هي أن يُقَسّم جيش عدوه ويغزوه: أن يمنع الجيش النمساوي من التوحّد (من أن يشكل كُتلة مقاتلة واحدة)، وأن يُدمّر أو يُجمِّد القوات النمساوية قبل وصول القطيع الروسي (الجنود الروس) الذي يتوقع النمساويون وصوله لتقديم المساعدة، ثم يجتاج الجيش الروسي القادم مُحققاً النصر عليه مما سيُجبر أعداءه الأوروبيين على توقيع سلام مؤقّت على الأقل• ورغم الأيام الكئيب نهارها الحالك سواد سواد ليلها الممعن مطرها الغزير طينها وجليدها - نفذ جيش الراين ما أوكل إليه في المعركة على نحو شامل وأرسل من التوضيحات ما يدل على أن نابليون مدين لمارشالاته دَيْنا كبيراً• وبعد أسبوع من المناورة وجد الخمسون ألف مقاتل التابعون للجنرال مارك أنفسهم في أولم Ulm محاصرون من ثلاث جهات بالمدفعية والفرسان والمشاة بقيادة دافو Davaout وسول Soult ومورا Murat وني Ney واستحال عليهم التراجع عبر الدانوب خلفهم، وكانوا جوعى ينقصهم الطعام كما كانوا يعانون عجزاً في الذخيرة، وهدد الجنود النمساويون بالتمرد إذا لم يُسمح لهم بالاستسلام، فاستسلم ماك Mack بالفعل أخيراً في 71 اكتوبر سنة 5081 فأسر الفرنسيون ثلاثين ألفاً من رجاله وأرسلوهم إلى فرنسا• لقد كان النصر الذي أحرزه الفرنسيون في هذه المعركة هو الأقل تكلفة والأكثر حسماً وأثراً في تاريخ الحرب• وانسل الإمبراطور فرانسيس الثاني وبعض النمساويين ممن بقوا على قيد الحياة بعد معركة أولم Ulm إلى الشمال لينضمّوا للروس الذي اقترب ميعاد وصولهم، بينما دخل نابليون فيينا في 21 نوفمبر دون مقاومة وأيضاً دون تباه•

وسرعان ما تعكر مزاج الفرنسيين وفسُدت عليهم نكهة النصر بوصول أخبار مفادها أن فيلينيف - تنفيذاً للتعليمات - انطلق لمقابلة نلسون ليُصارعه حتى الموت، فقد كانت نهاية هذه المواجهة موتاً لكليهما، وانتصر نلسون في الطرف الأعز لكنه جُرح جرحاً مميتاً، أما فيلينيف فقد خسر وانتحر• ونحَّى نابليون جانباً - وهو حزين مكتئب - أمله في التصدي للسيادة البريطانية على البحار ولم يعد أمامه إلا كسب أكبر عدد من المعارك على البر الأوروبي حتى يجبر القوى الأوروبية على السير في ركاب فرنسا بإغلاق أسواقها في وجه البضائع البريطانية حتى يجبر تجار إنجلترا حكومتهم على عقد معاهدة سلام مع فرنسا• وترك نابليون الجنرال مورتييه Mortier وخمسة عشر ألف مقاتل للسيطرة على فيينا وانطلق في 71 نوفمبر لينضم إلى جنوده لإعدادهم لمواجهة جيشين روسيين يتجهان نحو الجنوب؛ جيش بقيادة كوتوزوف Kutuzov الصارم وجيش آخر على رأسه القيصر اسكندر نفسه• وتقابل الدب الروسي مع النسر الفرنسي في أوسترليتز (قرية في مورافيا Moravia) في الثاني من شهر ديسمبر سنة 5081• وقبل المعركة أصدر نابليون لفيالق جيشه البيان التالي:

أيها الجنود الجيش الروسي أمامكم ليثأر لهزيمة الجيش النمساوي في أولم Ulm••• إن المواقع التي نشغلها هائلة بينما هم يسيرون ليكونوا عن يميني وبذا سيعرضون جناح جيشهم لي•••

إنني شخصياً سأوجّه كتائبكم• إنني سأتجنب النيران إن أنتم - بشجاعتكم المعتادة - أحدثتم الفوضى والاضطراب في صفوف العدو• لكن إذا أصبح النصر في أي لحظة غير مؤكد فسترون إمبراطوركم أول من يعرّض نفسه للخطر لأن النصر لا يجب أن يكون موضع شك هذا اليوم بالذات فشرفُ الجيش الفرنسي الذي يعني - وبعمق - شرف الأمة الفرنسية كلها معلَّق على هذه المعركة•• إنه ينبغي علينا أن نهزم هؤلاء الذين استأجرتهم إنجلترا التي تُكِن مثل هذه الكراهية المريرة لأمتنا•• إن هذا النصر سيضعُ نهاية للمعركة وسنكون بعد النصر قادرين على العودة إلى مقرّنا الشتوي حيث سننضم إلى الجيوش الجديدة التي يجري إعدادها في فرنسا وعندئذ سيكون السلام الذي سأعقده جديراً بشعبي وبكم وبي(71)•

وكان أول تكتيك هو استيلاؤه على تل يسمح لمدفعيته بإطلاق نيرانها على الجيش الروسي (المشاة) المتحرك إلى يمين قواته لكن هذا التل استولى عليه عدد من رجال كوتوزوف Kutuzov الأكثر شجاعة• لقد تركوا طريقاً للقوات الفرنسية وأعادوا تشكيل قواتهم وحاربوا مرة ثانية لكن قوات نابليون الاحتياطية اجتاحتهم• وسرعان ما أصبحت المدفعية الفرنسية تحصُد الروس وهم يتقدمون في السهل الأدنى من التل، فانكسر قلب جيشهم رُعباً وأمعن في الفرار وانقسم جيشهم إلى قسمين عمَّت الفوضى فيهما؛ واجه القسم الأول مشاةُ دافو Cavout وسول Soult وواجهت القسم الثاني كتائبُ لان Lannes ومورا Mutat وبيرنادوت Bernadotte، أما بالنسبة للقلب المُبعثر فقد أرسل إليه نابليون عساكره الاحتياطيين ليجتثوه اجتثاثاً• ومن بين المقاتلين الروس والنمساويين البالغ عددهم 000،78 استسلم 000،02 واستولى الفرنسيون على كل مدفعية العدو تقريباً، وبينما انطرح على أرض المعركة من جيش أعداء فرنسا 000،51 قتيل• وهرب اسكندر وفرانسيس بمن تبقى إلى هنجاريا (المجر) بينما راح حليفهم الذي مُلِّئ رعباً فريدريك وليم الثالي يتوسّل السلام بذلَّة•

وفي هذه المذبحة فقدت القوات الفرنسية البالغ عددها 000،37 وحلفاؤها 0008 ما بين قتيل وجريح• وهتف من بقي على الحياة من الجيش الفرنسي - وقد أنهكهم التعب، بعد أن تعبوا كثيراً من رؤية الموت - بحماسة وحشية بحياة نابليون• وفي بلاغ (نشرة توزع في الجيش) 3 ديسمبر وعدهم نابليون انه سيتوقف عن الحرب بعد أن يتم انجاز كل ما هو ضروري لتأمين سعادة ورخاء بلدنا، ساعتها سأعودُ بكم إلى فرنسا• وهناك ستكونون موضع عنايتي وحُبي• وسيرحّب بكم شعبي بفرح وما على الواحد منكم إلا أن يقول: لقد كنتُ في معركة أوسترليتز ليهتف الناس انظر إلى البطل(81)•


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

صانع الخرائط 1806 - 1807

عندما تلقى وليم بت Pitt أخبار أوسترليتز كان يقترب من الموت، ولما رأى خريطة أوروبا معلَّقة على الحائط طلب إزاحتها من أمامه وقال أطووا هذه الخريطة، فلن نحتاج إليها في هذه السنوات العشر(91)• ووافق نابليون وأعاد رسم الخريطة• لقد بدأ نابليون في إعادة رسم بروسيا والنمسا• ونصحه تاليران الذي خلَّفه نابليون على فيينا لصياغة الإرادة الإمبراطورية بلغة دبلوماسية - أن يفرض على النمسا شروطاً مُعتدلة مقابل عقد تحالف بينها وبين فرنسا على أساس أن هذا قد يَفُك الارتباط بين المساعدات المالية الإنجليزية والسياسات النمساوية وقد تحصل فرنسا من جرّاء ذلك على بعض الدعم في صراعها مع بروسيا وروسيا (حتى لو كان هذا الدعم لا يعدو مزايا جغرافية) لكن نابليون الذي كان يعتقد أن تحالف أعدائه يتسم بالهشاشة كان من رأيه إضعاف النمسا بحيث لا يمكنها تحدِّي فرنسا مرة أخرى، وأن يكسب بروسيا ويُبعدها عن روسيا بأن يعرض عليها سلاماً سهلاً• وفي هذه الأثناء سمح لاسكندر بأن يقود الروس الذين لازالوا على قيد الحياة عائداً إلى روسيا دون أن يتعقبه•

وبناء على معاهدة وقِّعت في حجرة ماريا تريزا في القصر الملكي النمساوي في شونبرن Schonbrunn في الخامس من ديسمبر سنة 5081 طلب نابليون من بروسيا تسريح جيشها، والتنازل عن مرجريفية أنسباخ Ansbach (المرجريفية هي محافظة حدودية في المناطق الناطقة بالألمانية) لبافاريا Bavaria وأن تتنازل عن إمارة (مديرية أو محافظة) نيو شاتل Neuchatel لفرنسا وأن تقبل تحالفاً وثيقاً مع غازيها (نابليون)• وتوقَّع فريدريك وليم الثالث أن يحصل في مقابل ذلك على ولاية هانوفر Hanover وكان نابليون سعيداً بوعده بتحقيق ذلك ليكون في ضمّها لبروسيا حائلاً يمنع أية مشاعر مُتعاطفة مع الإنجليز في بروسيا•

لقد كانت معاهدة بريسبرج Pressburg مع النمسا (والتي اكتملت - في غياب نابليون - في 62 ديسمبر سنة 5081) معاهدة قاسية لم ترحم• لقد كانت النمسا قد بدأت فيما مضى الأعمال العدائية ضد بافاريا، وأصبح عليها الآن أن تتنازل لها (لبافاريا) ولبادن Baden ولفيرتمبرج Wurttemberg عن كل أراضيها (أراضي النمسا) في التيرول Tirol وفورارلبرج Vorarlberg وجنوب ألمانيا، وبهذا اتسعت كل من بافاريا Bavaria وفيرتمبرج فصارتا مملكتين وأصبحت بادن دوقية كبيرة متحالفة مع فرنسا• ولتعويض فرنسا عن انفاقها الاموال في الحرب وعما فقدته من رجال ومعدات تعيَّن على النمسا أن تجعل كل ممتلكاتها في ايطاليا بما في ذلك البندقية وظهيرها تحت الحماية الفرنسية، ووافقت - أي النمسا - على أن تدفع لفرنسا تعويضا مقداره أربعون مليون فرنك، ويالسعادة نابليون عندما علم أن جزءاً من هذا المبلغ كان قد وصل حديثاً للنمسا من إنجلترا(02)• وبالإضافة لهذا أمر نابليون خبراءه الاختصاصيين في الفنون أن يُرسلوا إلى باريس بعض اللوحات المختارة والتماثيل من القصور والمتاحف النمساوية• واعتبر نابليون كل ذلك - استيلاءه على الأراضي والأموال والأعمال الفنية - أسلاباً مشروعة، وفقاً لطريقته الزومانية• وأخيراً أمر بإقامة نُصُب النصر في ميدان فيندوم Vendome في باريس وأمر بتغطيته بمعادن مأخذوة من مدافع العدو التي استولى عليها في أوسترليتز•

ووقَّع تاليران هذه الاتفاقات ولكنه لم يكن مرتاحاً بسبب رفض اقتراحاته، فبدأ يستخدم نفوذه - ولم يكن دائماً خائناً لنابليون - للحد من المزيد من امتداد سلطان نابليون، وقد برَّر ذلك في وقت لاحق بأنه كان يخدم مصالح فرنسا بإساءته لمن يعمل في خدمته (نابليون)•

وفي 51 ديسمبر سنة 5081 غادر نابليون فيينا ليكون مع جوزفين في ميونخ، وهناك ساعدا في زواج يوجين Eugene (الذي كان قد تمَّ تعيينه نائباً ملكياً في إيطاليا) من الأميرة أوجستا Augusta الابنة الكبرى لملك بافاريا• وقبل الزفاف تبنى نابليون - رسمياً - يوجين ووعده بتاج إيطاليا كوريث له• لقد كان زواجاً سياسياً لتوثيق التحالف بين بافاريا وفرنسا، وقد أحبَّت أوجستا زوجها وساعدت في إنقاذه بعد سقوط أبيه الذي تبنّاه (نابليون)•

وذهب الإمبراطور والإمبراطورة (نابليون وجوزفين) إلى باريس، فتلقَّته بالمهرجانات الرسمية والاحتفاء الشعبي حتى أنَّ مدام دي ريموزا Remusat تساءلت مندهشة أيمكن لرأسٍ بشري ألاَّ تديرها هذه المبالغة في المديح(12) لكن الحقائق أيقظته من سكرته• لقد وجد أن الخزانة الفرنسية قد أصبحت - أثناء غيابه خارج فرنسا - على وشك الإفلاس بسبب سوء الإدارة، وأتى التعويض الذي قدمته النمسا لإنقاذها• وكان عليه أن يُناضل محاولاً الحفاظ على حياته؛ ففي 02 فبراير سنة 6081 تلقى معلومات من شارل جيمس فوكس Charles James Fox - رئيس وزراء إنجلترا في ذل الوقت - تُحذره من أن قاتلا مُدّعيا عرض قتله (أي قتل نابليون) مقابل مبلغ معقول(22)• وكان فوكس قد اعتقل هذا الشخص لكن ربما كان هناك أشخاص آخرون وطنيون مستعدين لقتل نابليون لقاء مبالغ مالية• لقد كانت إنجلترا وقتئذ في حرب مع فرنسا، وكان تصرف رئيس الوزراء البريطاني الآنف ذكره ينطوي على معانٍ خُلقية مسيحية مُضافاً إليها روح الفروسية• ووسط أجواء القتل الفردي والجماعي عادت فرنسا في أول يناير سنة 6018 للتقويم المسيحي الجريجوري (التقويم الميلادي المعروف)•

وفي الثاني من شهر مايو - بعد أربعة أشهر قضاها نابليون في إعادة الأمور الإدارية إلى سيرتها الأولى، قرأ أمام الهيئات التشريعية تقريره عن أحوال الإمبراطورية في سنة 6081 لقد سرد - مرة أخرى - باختصار انتصارات الجيش واكتساب الحلفاء والأراضي، ووصف انتعاش أحوال فرنسا في المجالين الزراعي و الصناعي، وأعلن عن المعرض الصناعي - وهو أمر جديد على نحو ما في تاريخ فرنسا - وأمر بافتتاحه في اللوفر Louvre في الخريف، وأشار التقرير إلى بناء - وإصلاح - الموانئ والترع والجسور و 005،33 ميل من الطرق - كان عدد من هذه الطرق عَبْر الألب، وتحدّث التقرير أيضاً عن مشروعات عظيمة يجرى العمل فيها - مَعْبد النصر (الآن: لا ماديلين La Madeleine) والبورصة وقوس النصر•• وانتهى التقرير بالتأكيد على أنَّ فتوح مزيد من البلاد ليس هو ما يشغل بال الإمبراطور، فقد استنفذ أهدافه في المجد العسكري•• وإنما ما يشغله هو الوصول بالإدارة إلى درجة الكمال ليجعلها مصدراً لسعادة دائمة ورخاء مُتزايد لشعبه•• إنَّ ما يقصد إليه الآن هو تحقيق هذا المجد(32)• وواصل نابليون مهمته في صنع الخرائط، ففي 12 مايو سنة 6081 قَبِلَ الإمبراطوُر - الذي بلغ النُّهى - إمبراطورية أخرى - كهدية - تتكوّن من ممالك، بافاريا وسكسونيا Saxony وفيرتمبرج Wurttemberg ووستفاليا Westphalia والدوقيات الكبيرة التالية: بادن Baden، وبرج Berg وفرنكفورت، وهس - دارمستدات Hesse - Darmstadt وفيرتنسبورج وآرنبرج Arenberg ومكلنبورج - شفيرين Macklenbug - Schwerin ونساو Nassau وأولدنبرج Oldenburg وساكس - كوبورج Saxe - Coburg وساكس - جوثا Saxe - Gotha وساكس فيمار Saxe - Weimar وست إمارات صغيرة• لقد كانت المبادأة في هذا الاتحاد الوثيق بين الصديق والعدو على يد الأمير الأسقفي كارل تيودور فون دالبرج (وفقاً لما قال مينيفال Meneval)(42) الذي كان فيما مضى رئيساً لأساقفة مينز Mainz• فبسبب توجيهاته طلبت هذه الكيانات (الدول) المختلفة من نابليون أن تكون تحت حمايته متعهِّدة بتقديم فرق عسكرية لجيوشه (يبلغ عدد أفرادها 000،36 مقاتل) مُعلنة انفصالها عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة (التي كان شارلمان قد أسسها في سنة 008 للميلاد)، وكونت كونفدرالية الراين• وربما كان هذا التوجّه الجديد للمناطق التيتونية Teutonic راجعاً لانتشار اللغة والأدب الفرنسيين فيها• فقد كاد مجتمع المثقفين والمفكرين يكون ذا طابع عالمي• ومن الطبيعي أن تعترض بروسيا على كل ما يجعل من فرنسا قوة هائلة، لكن النمسا التي أفقدتها الهزيمة كلَّ أمل قبلت هذا التغيير• ومنذ انسحاب ستة عشر أميرا بوحداتهم السياسية من الإمبراطورية الرومانية المقدسة حتى تقلَّصت هذه الإمبراطورية الى مُزَق تافهة فتخلَّى فرانسيس الثاني (في 6 أغسطس سنة 6081) عن لقبه وامتيازاته كرأس لما كان ذات يوم كياناً كبيراً أي الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي وصفها فولتير ذات يوم بأنها ليست مقدسة، وليست رومانية وليست إمبراطورية وأقنع نفسه بلقب فرانسيس الأول إمبراطور النمسا•

والآن فإن الإمبراطورية الفرنسية وفي ركابها مدوَّنةُ نابليون القانونية قد امتدت من ساحل الاطلنطي إلى نهر إلْب Elbe، واشتملت هذه الإمبراطورية على فرنسا وبلجيكا وهولندا والدول الحدودية غرب الراين وجنيف، وكل إيطاليا تقريباً إلى الشمال من الولايات الباباوية، إن الرجل الذي حَسَد شارلمان قد كرر - بشكل واضح - إنجاز شارلمان بتقديم القوانين للغرب - المقصود غرب أوروبا• لكن من الاطلنطي إلى نهر إلب Elbe كان الناس يتساءلون: إلى متى تستمر هذه الأخُوّة بين التيوتون Teuton والغال Gaul؟


ينا وإيلاو وفريدلاند - 1806- 1807

في 51 أغسطس سنة 6081 احتفلت فرنسا بيوم القديس نابليون وبعيد ميلاده السابع والثلاثين• وكتبت مدام دي ريموزا Remusat (المنتقدة عادة) أصبحت الدولة في حالة هدوء عميق، وقلَّت المعارضة يوما فيوم، فقد نظَّمت الإدارة الحازمة الرصينة المستقيمة طريقة ممارسة السلطة وأساليب دعمها• فتم دعم نظام التجنيد الإجباري بشدّة لكن الآن أصبحت ثرثرة الفرنسيين وشائعاتهم واهنة ضعيفة، فالفرنسيون لم يكونوا قد استنفذوا بعد مشاعر العظمة(52) والأهم من كل هذا أن فوكس رئيس وزراء إنجلترا والكونت بطرس أوبريل Peter Oubril قد فتحا باب المفاوضات من أجل السلام•

وعلى أية حال، فإن بروسيا كانت مترددة ترنو إلى الحرب، فاتحادها القسري مع فرنسا كان مكلِّفاً لها كما ثبت: فانجلترا والسويد كانتا قد أعلنتا الحرب عليها، والأسطول البريطاني حاصر سواحلها واستولى على سفنها في البحار، وكان اقتصادها يعاني، وكان شعبها في حالة دهشة لِمَ أقام ملكُهم هذا التحالف المدمّر؟ وأخبر رجل الدولة البروسي العجوز فريدريك وليم الثالث المتردد أن التحالف الدائم مع روسيا هو الطريق البديل الوحيد لمنع نابليون من ابتلاع بروسيا، ولم يقدم هذا السياسي العجزو اقتراحه إلا بعد أن لمس أن عظمة الجيش البروسي لاتزال قائمة بفعل الذكريات الداعية للفخر التي تتداعى للأذهان عن أيام فريدريك العظيم Frederick the Great، كما أنه وضع في اعتباره القوى البشرية الهائلة التي يجندها القيصر اسكندر استعدادا لجولة أخرى مع فرنسا• كما أن الأميرة لوسي (لويزا Louise) الجميلة المؤثرة التي كانت تحب زوجها الوسيم العطوف اسكندر، راحت تزدري خوف زوجها من حثالة الجحيم(62) (تقصد نابليون)، وحثها الفوج العسكري الذي يحمل اسمها على ارتداء زي الكولونيل لأنها تبدو فيه جميلة، وركبت حصانها وسارت أمامهم في ساحة العرض العسكري• وراح الأمير لويس فرديناند ابن عم الملك يحث على الحرب باعتبارها طريقاً لمجد العرش البروسي•

وفي 03 يونيو سنة 6081 أرسل فريدرك وليم إلى اسكندر تأكيداً مفاده أن معاهدة بروسيا مع فرنسا لن تكون حائلاً في سبيل تنفيذ معاهدة بروسيا مع روسيا والتي سبق توقيعها في سنة 0081• وفي شهر يوليو صدمه أن يعلم أن نابليون قد قبل تحت حمايته كونفدرالية الرادين Confederation of Rhine، تلك الكونفدرالية التي شملت عدة مناطق كانت فيما قبل تابعة لبروسيا، والمفترض أنها لازالت داخلة في مجال نفوذها• وأكثر من هذا فإن السفير البروسي في فرنسا كتب لسيِّدة أن بونابرت اقترح بشكل سرّي عودة هانوفر Hanover لإنجلترا كجزء من ثمن السلام• وكان نابليون سبق أن وعد بضم هانوفر إلى بروسيا فشعر مليكها (أي مليك بروسيا) بالاحباط وأنه قد غُرِّر به• وفي 9 أغسطس أمر بتعبئة الجيش البروسي، وفي 62 أغسطس أثار نابليون بروسيا أكثر من ذي قبل بأن أصدر أوامره - أو سمح - بإعدام بالم Palm وهو بائع كتب في نورمبرج Nuremberg لإصدارة كُتيباً يُحرّض على الثورة ضد فرنسا• وفي 6 سبتمبر تعهد فريدريك وليم في خطاب أرسله إلى القيصر بالإنضام إلى أي هجوم على مُزعج العالم(72) وفي 31 سبتمبر مات فوكس الشجاع وقد ذكر نابليون عنه في وقت لاحق أنه كان من بين فعاليات قَدَرِي فلو أنه عاش لأمكن إبرام السلام(82) وبعد موته عادت الوزارة البريطانية إلى سياسة النضال ضد نابليون حتى الموت وتخلى اسكندر عن الاتفاقية المؤقتة التي سبق أن وقعها أوبريل Oubril مع فرنسا• وفي 91 سبتمبر أرسلت بروسيا إلى فرنسا إنذاراً أنه إذا لم تتحرك القوات الفرنسية في غضون أسبوعين إلى غرب الراين فإن بروسيا ستعلن الحرب، وعرض جودوي Goday الوزير الماكر الذي كان يحكم أسبانيا في ذلك الوقت، صداقته على بروسيا، ودعا الاسبان لحمل السلاح ولم ينس له نابليون ذلك، وقرر أنه إذا ما أُتيحت الفرصة فسيقيم في أسبانيا حكومة تكون أكثر صداقة لفرنسا• وغادر نابليون باريس على مضض واتجه مع جوزفين وتاليران إلى مينز Mainz لمواجهة أخطار الحرب مرة أخرى•

ولابد أنه كان قد فقد شهيته لخوض معركة لأنه عندما كان يتعيّن عليه مفارقة جوزفين في مينز Mainz اعتراه انهيار عصبي، وربما كان قد أتى للتحقق أنه ليس هناك من أمر يستحق أن يخاظر من أجله بعرشه وحياته بخوض حرب، فلم يكن أي نصر ليحقق له سلاماً مقبولاً• وقد وصفت مدام دي ريموزا Remusat المشهد كما رواه لها زوجها:

أرسل الإمبراطور زوجي ليدعو الإمبراطورة للاجتماع به فعاد بها إليه في غضون لحظات• لقدكانت تبكي، وحركت دموعها مشاعر الإمبراطور فضمَّها لفترة طويلة بين ذراعيه وكاد يبدو غير قادر على وداعها• لقد كان متأثراً بشدة وتأثرت مدام دي تاليران بدورها كثيرا، وقرّب نابليون بيده الممدودة مدام دي تاليران - وهو لايزال يضم إلى قلبه جوزفين، ثم ضمَّ المرأتين معاً في الوقت نفسه وقال لمدام دي ريموزا Remusat: يصعبُ على المرء كثيراً أن يفارق اثنين، يُكِنُّ لهما أعمق الحب، وبينما كان ينطق بتلك الكلمات اعترته نوبةٌ من الهياج العصبي زادت حتى أنه بكى فاقداً السيطرة على نفسه وأعقب ذلك نوبة تشنّج ثم تقيَّأ• فتمَّ رفعُه وإجلاسه على الكرسي وشرب بعض ماء زهر البرتقال لكنه استمر يبكي بشكل متواصل زهاء ربع ساعة• وأخيراً سيطر على نفسه وقام فجأة فصافح مدام دي تاليران، واحتضن زوجته للمرة الأخيرة قبل الوداع، وقال للسيد دي ريموزا Remusat: هل المركبات جاهزة؟ استدعِ الحاشية، ولننطلق(92)•

لقد كان عليه أن يُسْرِع لأن استراتيجيته كانت تقوم على مواجهة بروسيا بأفضل قواته قبل أن يتمكن الروس من الوصول إلى الجبهة• ولم يكن البروس قد وحدوا قواتهم بعد: ففي المقدمة كان هناك 000،05 مقاتل بقيادة الأمير فريدريك لودفيج الهوهنلوهي of Hohenlohe وفي الخلف - إلى الأبعد - كان هناك 000،06 مقاتل بقيادة فريدريك وليم ودوق برونسفيك Brunswick الذي كان قد أقسم منذ خمسة عشر عاماً أن يدمر باريس؛ بالإضافة إلى حوالي 000،03 من جنود هانوفر الذين أقبلوا دون رغبة شديدة لمساعدة مليكهم الجديد• وكان مجموع المقاتلين على الجبهة البروسية 000،041 مقاتل بينما بلغ عدد جنود نابليون 000،031 تم تجميعهم بسرعة لكنهم كانوا ماهرين في المناورة، وكانت الهزيمة غريبة عليهم، وكانوا واثقين في قادتهم: لين Lannes دافو Davout وأوجيرو Augereau وسول Soult ومورا Murat ونيي Ney• واستولت قوات لين Lannes وأوجيرو على فرقة عسكرية بروسية في سالفيلد Saalfeld وهو سهل بين سال Saale وإلم Ilm رافدي نهري إلب the Elbe، وتعرض البروس لهزيمة أمام الفرنسيين لعدم دُربتهم على المناورات السريعة التي يجيدها الفرنسيون وفي هذه المعركة قُتل الأمير لويس فرديناند (01 أكتوبر 6081)•

واندفع الفرنسيون بستة وخمسين ألف مقاتل وانقضوا على جيش هوهنلوهي Hohenlohe بالقرب من يينا (جينا Jena) مقر الجامعة المشهورة التي كان شيلر Schiller قد درَّس فيها مؤخرا، وحيث كان على هيجل Hegel - بعد ذلك بعام - أن يُربك العالم بفلسفة جديدة• ونشر نابليون قواته في شبكة معقدة لتمكين فرق لين Lannes وسول Soult من التعامل مع قلب جيش العدو وجناحه الأيسر، بينما هاجمت فرقة أوجيرو Augereau الميمنة واندفعت خيّالة مورا Murat بعنف بين صفوف البروس الذين اجتاحتهم الفوضى وافتقدوا كل تنظيم فولوا مدبرين تاركين ساحة المعركة• وأثناء هروبهم مروّا بين كتائب دوق برونسفيك المنكسرة التي كانت قد لاقت الهزيمة في أورستدت Auerstedt على يد الجيش الفرنسي الذي كان يقوده باقتدار دافو Davout، وفي هذه المعركة جُرح دوق برونسفيك جرحاً مميتاً• وفي هذا اليوم (41 أكتوبر سنة 6081) فقد البروس 000،72 بين قتيل وجريح و 000،81 أسير كما فقدوا كل مدفعيتهم تقريبا• وفي هذا المساء أرسل نابليون تقريرا سريعاً إلى جوزفين: لقد التقينا بالجيش البروسي ولم يعد له وجود• إنني على مايرام وأضمّك إلى قلبي(03)• وفي الأيام التاليات تعقب نيي Ney وسول ومورا الهاربين وأسروا منهم 000،02 وتوجهت قوات وأوجيرو مباشرة إلى برلين فاستسلمت المدينة سريعاً وفي 72 أكتوبر دخل نابليون العاصمة البروسية•

وكان من بين مهامه الأولى أن يجبي من البروس وحلفائهم 061 مليون فرنك ليدفع للجيش الفرنسي(13) وبالإضافة لهذا فقد كان على برلين أن تمد القوات الفرنسية المحتلة بالغذاء والملابس والدواء• وأصدر أمراً بإرسال الأعمال الفنية (أفضل الرسوم والتماثيل) من برلين وبوتسدام Potsdam إلى باريس، وحصل نابليون نفسه - بدوره - على سيف فريدريك العظيم• وأصدر من برلين في 12 نوفمبر سنة 6081 قراره: من الآن فصاعداً لا يُسح لأي سفينة قادمة من بريطانيا العظمى، ومستعمراتها بدخول أي ميناء من موانئ الإمبراطورية الفرنسية التي تضم الآن المدن الهانزييتية Hanseatic towns، ولا يُسمح لأية بضائع من بريطانيا العظمى أو ممتلكاتها بدخول الأراضي التي تحكمها فرنسا أو المتحالفة مع فرنسا، ولا يُسمح لبريتوني Briton بدخول أراضي الإمبراطورية الفرنسية وأراضي المناطق المتحالفة معها• إن نابليون لمّا وجد كل انتصاراته الحربية غير مُجدية لحث إنجلترا على السلام، بالإضافة إلى علمه أنها (إنجلترا) ستفرض الحصار البحري على كل المناطق التي تحكمها فرنسا، كما سبق لها الحصار البحري على كل المناطق التي تحكمها فرنسا، كما سبق لها أن مدّت حصارها (في مايو سنة 6081) على كل الساحل من بريست Brest إلى إلب(23) Elbe - أراد أن يحوّل هذا السلاح نفسه (الحصار البحري) إلى صدر عدوه بمعنى أن يتم إبعاد بريطانيا عن القارة الأوروبية أو بتعبير آخر غلق القارة الأوروبية في وجه إنجلترا، تماماً كما أن الأسطول البريطاني كان منذ فترة يغلق أبواب التجارة البحرية في وجه فرنسا وحلفائها• وربما بهذه الطريقة -كما كان يأمل - يدفع تجار بريطانيا وصناعها للحركة مطالبين حكومتهم بالسلام•

وكانت هذه الخطة تنطوي على كثير من نقاط الضعف• فالصنّاع في القارة الأوروبية - بعد أن تخلَّصوا من منافسة الصنّاع الإنجليز - رفعوا أسعار منتجاتهم، وحزن المستهلكون لافتقادهم المنتجات البريطانية التي اعتادوا عليها• وكثرت الرشاوى وعمليات تهريب البضائع (وقد جمع بورين Bourrienne بالفعل ثروة ببيع استثناءات من هذا الحصار، وكان نابليون قد عيَّنه وزيرا في هامبورج Hamburg، فاضطر نابليون لطرده مرة أخرى)• وكانت روسيا لاتزال متحالفة مع إنجلترا، وكان يمكن للبضائع البريطانية ان تجد طريقها إلى بروسيا والنمسا عبر الحدود الروسية• وكانت البضائع البريطانية تَصُبُّ يوميا في ميناء دانتسج Danzig الذي كان العساكر البروس لا يزالون يسيطرون عليه•

ورغم أن الجيش البروسي كان قد تحطّم وأصبح نابليون دكتاتوراً في برلين إلاَّ أن موقفه العسكري سرعان ما أصبح مُزعزعا بشكل أكثر من موقفه الاقتصادي• وكانت معظم أراضي بولندا واقعاً في أيدي الروسي والبروس، وكان الوطنيون البولنديون قد أرسلوا يناشدون نابليون القدومَ لتحرير بلادهم التي كانت في وقت من الأوقات ذات سيادة - تحريرها من العبودية المخزية• وعلى أية حال، فقد كان هناك جيش روسي جيد التسليح مكون من 000،08 مقاتل يتمركز غرب فيستولا Vistula بقيادة كونت ليفين بنجسن Levin Bennigsen وكان يستعد لتحدي أي تدخل فرنسي في بولندا• وكان الجيش الفرنسي الذي لم يكن قد تخلّص تماما من آثار معركة يينا (جينا Jena) غير شغوف بخوض غمار معركة من أجل بولندا لأن رجاله لم يكونوا معتادين على البرودة الكئيبة في منطقة البلطيق فقد كانوا يرتجفون لاقتراب الشتاء ويتوقون العودة إلى بلادهم• وفي هذه الأثناء قَدِم من باريس إلى برلين وفد مفوّض هدفه الظاهري هو تهنئة نابليون لانتصاراته الباهرة، لكن الحقيقة أنه أتى ليتوسّل إليه ليعقد سلاماً ويعود لفرنسا التي بدأت ترى في كل انتصار نابليوني ما يحتم مزيداً من الحروب الكثيرة التي قد يكون في أحدها مخاطرة بكل ما تمَّ تحقيقه من انتصارات، فأخبر الوفد أنه لا يستطيع أن يتوقف الآن، فلابد من مواجهة التحدي الروسي، وأن حصار إنجلترا (المقصود هنا حصار فرنسا لإنجلترا) سيفشل إذا لم تنضم روسيا للخطة الفرنسية مُجبرةً أو مُداهنة• وأمر نابليون جيشه بالتقدم في المناطق البولندية التي تسيطر عليها بروسيا ولم يلق في تقدمه مقاومة عاجلة، وفي 91 ديسمبر سنة 6081 دخل نابليون وارسو Warsaw (فرسافا) دون عائق وسط مظاهر الترحيب•

كل الطبقات في بولندا من النبلاء الذين كانوا لا يزالوان توَّاقين للتحرّر، إلى الفلاحين الذيـن كانـوا لايزالون يعانـون مـن مآسي عبودية الأرض (القِنانة)•• كلهم اتفقوا في النظر إلى نابليون كأعجوبة سيُبطل تقسيم دولتهم إلى ثلاثة أقسام قسم لروسيا وآخر لبروسيا وثالث للنمسا، وسيجعل بولندا مرة أخرى دولة ذات سيادة، ورد نابليون استحسان البولنديين له بالثناء على الأمة البولندية وامتدحها وبالثناء على أبطالهم ونسائهم (اللائي كن يتحدث الفرنسية بلكنة جذَّابة فيها صفير) وقد انتقى نابليون منهن واحدة هي الكونتيسة ماري لاكزينسكا فالفسكا Marie Laczynska Walewska ودعاها لسريره وقلبه• وكانت مُناشدته إيّاها - قبل أن يذوق عَسِيلتها وبعد أن ذاقها - مُفعمة بالعاطفة ومتسمة بالتواضع تماماً كما كان واضحاً في خطاباته الأولى إلى جوزفين• لقد رفضته فالفسكا Walewska (كما قيل لنا) حتى طلبت منها مجموعة من النبلاء البولنديين في وثيقة وقَّعوها جميعاً بأسمائهم الأولى في بولندا أن تضحّى بنفسها على أمل أن يقوم نابليون من أجل خاطرها بتوحيد بولندا وإعادة سيادتها (تخليصها من التقسيم بين ثلاث دول) وذَّكرتها هذه الوثيقة بأن أستير Esther قد أعطت نفسها لأحشويروش Ahasuerus لا حباً فيه وإنما لتنقذ شعبها وإن كان لنا أن نقول الأمر نفسه، فإنما أنت تفعلين ذلك لتحققي المجد لنفسك والسعادة لنا!(33) وعندما توسّلت جوزفين أن يُسمح لها بالقدم إليه من مينز Mainz منعها نابليون بحجة ان الطرق سيئة (غير ممهدة) قائلاً لها عودي إلى باريس•• وكوني مُبتهجة وسعيدة، وربما سألحق بك حالاً هناك(43)• وبينما كان كامنا مع فالفسكا Walewska طوال الشتاء راح يأمُل أن ينتظر الروس حتى حلول الربيع ولا يسببون له إزعاجاً قبل ذلك• لكنه عندما أرسل قوات بقيادة المارشال فرانسوا - جوزيف ليفيبفر Lefebvre للاستيلاء على دانتسج Danzig، قاد بنيجسن Bennigsen كل قواته تقريباً، والبالغ عددها 000،08 مقاتل عبر الفيستولا Vistula في هجوم كاسح على قوات ليفيبفر عند اقترابهم من ثورت Thorn، وعاد المراسلون تواً لإحاطة نابليون علماً بما جرى فأسرع (نابليون) شمالاً على رأس 000،56 مقاتل في 8 فبراير سنة 7081 وحارب عند إيلان Eylan (جنوب كونيجسبرج Konigsberg) معركة من أكثر معاركه قسوةً إذ كلّفته أكثر بكثير مما كان يتكلفه في المعارك السابقة إذ كانت المدفعية الروسية متفوقة على المدفعية الفرنسية، وكان أوجيرو Augereau قد كَبر في السن وأصبحَ يُصاب بالدوار فطلب من قائده (نابليون) اعفاءه بحجة أنه لم يعد قادراً على التفكير بصفاء ذهن، واجتاحت خَياَّلةُ موراً Murat صفوف الأعداء، لكنهم استطاعوا الاحتفاظ بتشكيلاتهم وصمدوا حتى المساء• ثم أمر بينجسن Bennigsen قوّاته بالتراجع تاركاً في ساحة المعركة 000،03 بين قتيل وجريح، إلاّ أنه - على أية حال - كتب إلى القيصر أنه حقق نصراً مجيداً، واحتفى به القيصر بإقامة قدّاس تسبيحة الشكر Te Deum Mass في سان بطرسبرج(53) St. Petersburg•

لقد انتصر الفرنسيون في هذه المعركة لقاء 000،01 ما بين قتيل وجريح، وراح من بقي على قيد الحياة يُبدون عدم رضاهم فكيف سيستطيعون مقاومة هجوم آخر يقوم به هؤلاء السلاف Slaves الشّداد كثيرو العدد• وأيضاً أصبح نابليون الآن مكتئباً اكتئاباً غير عادي، فآلام المعدة اشتدت عليه، تلك الآلام التي قضت عليه فيما بعد• ولم ينس أبداً ما أولته ماري فالفسكا من رعاية مُخلصة أثناء هذا الشتاء القاسي في معسكر الجيش في فينكنشتين Finkenstein• ومع هذه الآلام فقد كان يواصل العمل يومياً آمراً بالطعام واللباس والدواء لجنوده، مُشرفاً على الأمور العسكرية، مُجتمعاً بالمجنَّدين إلزامياً من شعبه المرهق وحلفائه الكارهين، مُصدراً المراسيم والأوامر للحكومة الفرنسية• وفي الوقت نفسه اجتمع القيصر اسكندر الأول والملك فريدريك وليم الثالث في بارتنشتين Bartenstein في 62 أبريل سنة 7081 ووقعوا اتفاقية لتقسيم أوروبا غير الفرنسية (المناطق الأوروبية التي لم تستولِ عليها فرنسا) بينهما بعد المعركة القادمة مع نابليون والتي توقعا أن يحطما فيها الجيش الفرنسي•

وعندما تم تدعيم هذا الجيش الفرنسي المتعدد الجوانب وانتعش الجنود بحلول الربيع أرسل نابليون قوّة للاستيلاء على دانتسيج Danzig فتم الاستيلاء عليها فعلاً• وتلقى بينجسن Bennigsen - الذي كان بدوره يعيد بناء كتائبه - أوامر من اسكندر بالتوجه إلى كونيسجبرج Konigsberg حيث سيتقوّى بأربعة وعشرين ألف مقاتل بروسي شديد البأس• وانطلق بينجيسن لكنه أثناء الطريق سمح لقواته البالغ عددها 000،64 بأخذ قسط من الراحة في فريد لاند Friedland• وهناك في الساعة الثلاثة من صباح 41 يونيو سنة 7081 (الذكرى السنوية لمارينجو Marengo) استيقظوا على وابل من النيران صبّه فوق رؤوسهم 000،21 فرنسي يقودهم لان Lannes القائد المتهور لكنه مستعصٍ على الهزيمة• ورد الروس على نيرانه فوراً، وكان من الممكن أن تنتهي مغامرته بكارثة لو لم يأته الدعم• اندفع نابليون بكل قواته وحاصر الروس من كل جانب خلا من ناحية نهر آل Alle لأن النهر سيعوق تراجعهم، وفي الخامسة عصراً ساد الفرنسيون وولّى الروس الأدبار فاستقل بعضهم قوارب لعبور النهر، وألقى بعضهم الآخر بأنفسهم في النهر يأسا وخلَّفوا في ميدان المعركة 000،52 قتيل وجريح• وفقد الفرنسيون في هذه المعركة 000،8 لكنهم أحرزوا نصراً حاسماً على الجيش الروسي المتبقي لمواجهة غزو خارجي• وهرب الروس والبروس إلى تيلست Tilsit وفقدوا المئات أثناء الهروب بسبب تقعب الفرنسيين لهم حتى أن جنرالاتهم سألوا اسكندر ان يطلب الهدنة ووافق نابليون وترك جنراله سافاري Savary ليحكم كونجسبرج konigsberg ويدبّر أمورها، وتوجه هو نفسه إلى تيليست ليعقد سلاما مع ملكٍ منكسر، وقيصرٍ مقصوص الجناح•


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تيلست - 25 يونيو- 9 يوليو 1807

وفي تيلست الواقعة على بعد حوالي ستين ميلاً إلى الجنوب الشرقي من كونيجسبرج Konigsberg تواجه الجيشان المتنافسان تواجهاً سليماً، جيش على شاطئ نهر نيمن Niemen والآخر على الشاطئ المقابل، وزاد بينهما التفاهم وروح الصداقة(63) وعلى أية حال فإن الأباطرة المتنافسين - بناء على اقتراح اسكندر - التقوا باحتراس - في خيمة أُقيمت على طوّافة جرى تثبيتها في وسط مجرى النهر• وكان على كل حاكم منهم أن يستقل قارباً ليصل إلى الطوافة، فوصل نابليون إلى الطوافة أولاً (كما كان يتوقع كل جندي فرنسي) واستغرق وقتاً في تفقد الخيمة ورحَّب باسكندر على الجانب الآخر، وتعانقا وواجها جيشيهما الذي راح أفراده يهتفون بحيوية وابتهاج• لقد كان مشهداً جميلاً على حد تعبير مينيفال Meneval الذي كان شاهد عيان• لقد كان لدى كل واحد من هؤلاء الحكام أسبابه ليكون ودوداً: فجيش نابليون لم يكن في حالة تسمح له بغزو أراضٍ مجهولة لا حد لشساعتها وكثرة رجالها (لم يكن جيش نابليون عُدّةً وعدداً مستعداً لمثل هذا الغزو ولم تكن مؤخرته محمية وكان الدعم المتوقع وصوله من فرنسا - التي تصرخ طالبة السلام - غير مضمون الوصول)، أما اسكندر فكان سعيداً لحصوله على فترة لالتقاط الأنفاس قبل أن يأخذ على عاتقه هزيمة رجل لم تعرف الهزيمة إليه سبيلاً (فيما عدا هزيمته في عكا Acre)، وكان اسكندر مشمئزا من ضعف حلفائه وهشاشة جنودهم، وكان يخشى قيام عصيان مسلح في الدوائر التابعة له في بولندا أوليتوانيا، كما كان مشوّشاً بسبب علاقته السيئة بتركيا (الدولة العثمانية) وحالة جنوده•

وإلى جانب هذا فلم يكن نابليون هذا الرجل الفرنسي الذي كان يتعامل مع خريطة أوروبا وكأنها رقعة شطرنج، لم يكن غولاً و بربرياً كما وصفته القيصرة والكونيجن Konigen وإنما كان رفيقاً لطيفاً جذّابا، كَرَمُه كامل، وإن كان غير مفرط• وبعد هذا اللقاء الأول كان اسكندر قد وافق بالفعل على أن يكون مؤتمرهم القادم في مدينة تيلست في مقر ملائم يدبره نابليون بالقرب من مقرّه (مقر نابليون)• وكانوا غالباً ما يتناولون عداءهم على مائدته وأحياناً مع ملك بروسيا وفي وقت لاحق مع مليكتها• ولفترة جعل القيصر من نفسه تلميذاً فسأل الكورسيكي (نابليون) أن يعلمه شيئاً من فن الحكم واتفق معه على أن لويس الثامن عشر (الذي كان يعيش وقتئذ في كورلاند Courland) تنقصه كل المواصفات اللازمة للحاكم وأنه أكثر من أي شخص آخر في أوروبا تفاهة وشرعية(73)•

وعمد كل إمبراطور منهما إلى ابهاج الآخر ومداهنته• وبعد مفاوضات ودية بشكل واضح لم يوقِّعا معاهدة فحسب وإنما تحالفاً• وأصبح لروسيا أن تحتفظ بممتلكاتها كما هي لم يُنقص نابليون منها شيئاً لكن كان عليها أن تُنهي تعاونها مع إنجلترا وأن تنضم إلى فرنسا للحفاظ على السلام في أوروبا• وبناءً على اتفاق سرّي أصبحت روسيا حرّة في ضم فنلندا والاستيلاء عليها من السويد (التي كانت معادية لفرنسا منذ سنة 2971) كما أصبح من حق فرنسا أن تغزو البرتغال التي كانت قاعدة أمامية لإنجلترا في الحرب• وتعهد اسكندر بالتوسط لإقامة سلام مُرضٍ بين إنجلترا وفرنسا وإن فشل في تحقيق ذلك أن ينضم إلى فرنسا في مواجهة إنجلترا حصاراً وحرباً• وقد أبهج هذا التعهد نابليون لأنه قدَّر أن التعاون مع روسيا في حصار إنجلترا أهم بكثير من استحواذه على مزيد من الأراضي•

ولأن نابليون لم يكن مستعداً للتضحية بهذه الاتفاقات ولم يكن مستعداً لخوض حرب حتى النهاية ضد روسيا وبروسيا والنمسا - فقد نحَّى جانباً فكرة إعادة بولندا لوضعها السابق قبل تقسيمها بين هذه الدول الثلاثة، باعتبار أنها فكرة غير عملية، وإنما اقنع نفسه بتأسيس دوقية وارسو (فرشافا) تحت الحماية الفرنسية مقتطعاً إياها من المناطق البولندية التي تحتلها بروسيا• ولهذه الدولة (الدوقية) الجديدة التي تضم مليوني نفس، وضع - في 22 يوليو سنة 6081 - دستوراً يمنع القِنانة (عبودية الأرض) ويجعل كل المواطنين أمام القانون سواء ويجعل المحاكما علنية أمام القضاء ويجعل مدوّنة نابليون القانونية أساساً للتشريع والعدالة• وألغى حق النبلاء في الاعتراض على القرارات والعوائد الاقطاعية وألغى الدايت الخامل Faineant Diet، وخوّل السلطة التشريعية لمجلس شيوخ من الأعيان ومجلس house من مئة نائب، أما السلطة التنفيذية فأوكلها لملك سكسونيا Saxony الذي كان سليلاً لحكام بولندا السابقين• لقد كان هذا الدستور دستوراً متنِّوراً مُتفعاً مع ظروف مكانه وزمانه•

ومع أن نابليون كان كريماً مع القيصر، فإنه كان قاسياً لا يرحم مع ملك بروسيا الذي سبق أن نقض تحالفه مع فرنسا لينضم إلى أعدائها• لقد طالب (نابليون) فريدريك وليم الثالث بتسليم كل المناطق البروسية غرب نهر إلب Elbe• وكان معظمها قد جرى إعادة تكوينها كدوقية بيرج Berg الكبيرة ومملكة وستقاليا Westphalia• وكلُّ بولندا البروسية تقريباً أصبحت دوقية وارسو (فرسافا) الكبيرة ما عدا دانتسج Danzig التي أصبحت مدينة حرّة في ظل حامية فرنسية• وكان على نصف بروسيا الباقي أن يُغلق أبوابه في وجه التجارة البريطانية وأن يشترك في الحرب ضد إنجلترا إن دُعِي لذلك وأن تظل القوات الفرنسية تحتله حتى يتم دفع التعويض المالي الكبير كاملاً• وصُعق فريدريك وليم - الذي لم يكن يريد الحرب - لقسوة هذه الشروط• واندفعت الملكة لوسي (لويزا) Louise - التي تكاد تكون هي السبب في دخول بلادها الحرب - من برلين (في 6 يوليو) وطلبت من نابليون متودّدة له بالحجج والعطور والابتسامات والدموع كي يُخفف من مطالبه• فبرَّد نابليون من فيض فصاحتها وأثر عطرها وسحر ابتسامتها بأن قدم لها كرسياً لتجلس فيصعُب عليها - وهي جالسة - بث سحرها، وشرح لها أنه لابد أن يدفع أحد الطرفين بسبب الحرب• ولماذا لا تكون الحكومة التي خرقت المعاهدة - بناءً على وصيتها - هي التي تدفع؟ وأبعدها بعد أن رفض طلباتها بأدب، وفي اليوم التالي أمر تاليران بإبرام الاتفاقات كما سبقت صياغتها قبل قدوم الملكة لوسي (لويزا Louise) وعادت الملكة إلى برلين مكسورة القلب وماتت في غضون ثلاثة أعوام وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها•

وفي 9 يوليو غادر الإمبراطوران وقد وقر في شعور كل منهما أنه حقَّق صفقة طيبة: الاسكندر أمَّن روسيا من الغرب وأصبح مطلق اليد في فنلندا وتركيا• ونابليون حصل على بيرج Berg ووستفاليا Westphalia وهدنة غير قائمة على أساس متين• وقد عرّف نابليون في سنوات لاحقة مؤتمر القوى Congress of Powers هذا بأنه خدعة وافق عليها دبلوماسيون• لقد كان بمثابة قلم مكيافيلي وسيف محمد(83) وفي اليوم التالي غادر إلى باريس حيث استقبلته الجماهير الشاكرة الممتنّة بصيحات التهليل لإقراره السّلام أولاً ولتحقيقه الانتصارات ثانياً• وكان التقرير الذي قدَّمه للمجلس التشريعي عن حالة الأمة في سنة 7081 من بين أكثر تقاريره فخراً: فالنمسا قد عُوقبت، وبروسيا قد أُدّبت وروسيا أصبحت متحالفة مع فرنسا بعد أن كانت عدوّة لها• وثمة أراضٍ جديدة أُضيفت للإمبراطورية بالإضافة إلى 000،321 أسير - ودفع المعتدون المهزومون كل التكاليف ولم نضطر لأي زيادة في الضرائب في فرنسا(93)•

وأعلن نابليون ترقية تاليران ليجعله أميراً لبنيفنتو Benevento بالإضافة لترقيته آخرين• وقد أدت هذه الترقية لزيادة دخل هذا الأب (الراهب) الفرنسي النَّهِم بمقدار 000،021 فرنك، لكن هذه الترقية كانت تعني استقالته من منصبه كوزير للخارجية، مادام البروتوكول يقضي بأن الوزير أقل رتبة من الأمير•

وبهذه الطريقة أصبح الموقف الصعب سهلاً لأن نابليون كان قد بدأ يرتاب في أنه مختلس رغم عبقريته الدبلوماسية، لكنه (أي نابليون) تردّد في فلم يطرده، والحقيقة أيضاً أن نابليون استمر في استخدامه في عدة مفاوضات كبرى• وبعد أن درّب تاليران خليفته في وزارة الخارجية جان - بابتست دي شامباني Jean - Baptiste de Champagny على طريق وأساليب وألاعب منصبه الجديد، أصبح (أي تاليران) حرا في الاستمتاع بحياته في قصره الفخم الذي سبق أن اشتراه في فالينساي Valencay بمبلغ مالي كان جزء منه من الأموال التي أعطاه إياها نابليون•

وفي 51 أغسطس احتفل البلاط بانتصار نابليون بإقامة مهرجان يُعيد للأذهان بهاء الملك العظيم Grand Monarque: عُزفت الكونشرتات، ورقصت الباليرينات وعُرِضت الأوبرات، وحضر الملوك والوزراء بملابسهم الرسمية، وحضرت النسوة وقد تزيّن بثروة من الجواهر، وارتدين العباءات النسائية الجميلة• وبعد ذلك بأربعة أيام أُلغي التريبيون Tribunate (المجلس المدافع عن حقوق الشعب) ففي هذا المجلس كانت هناك أقلية جَسُرت لسنوات على معارضة قراراته ووجهات نظره، فأراد أن يستكمل أُبهته الملكية بإلغائه• وخّفف من وقع القرار بتعيين عدد من أعضائه الذين لا خطر منهم في مناصب إدارية، وبإلحاق معظم الأعضاء الآخرين في الهيئات التشريعية التي أصبح لها الآن الحق في أن تناقش أن تُناقش الإجراءات، والحق في التصويت• أما الذين كانوا قد تركوا فرنسا بسبب احداث الثورة الفرنسية ممن عادوا ولا زالوا على قيد الحياة، والذين كانوا في قصور ضاحية سان - جرمين Germain التي غدت - من جديد - مُفعمة بالحياة، فقد صَفَّقُوا لنابليون استحسانا وتقديراً كشخص يكاد يكون نبيل المولد• لقد راح كل واحد منهم يسأل الآخر: لم لا يكون مُلكُه شرعياً؟ إذن لأصبحت فرنسا به كاملة• لكن نادراً ما أصبح نابليون - بعد ذلك - يحظى بمثل هذه الشعبية والقوة والرِّضا•