قصة الحضارة - ول ديورانت - م 11 ك 2 ف 10

صفحة رقم : 14594 قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> الصفات البدنية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل العاشر: عـن نابليـون

1- الصفات البدنيّة

يجب ألا نتصور نابليون كما رسمه جروس Gros في سنة 6971 - يحملُ علماً في إحدى يديه وسيفاً مُشهراً في يده الآخرى بزيه المزخرف بالأحزمة الملونة والشارة الرسمية للسلطة، وشعره الكستنائي الهائج بفعل الرياح، وعينيه وحاجبيه وشفتيه المضمومتين بما توحيه هيئة كل هذه الأعضاء من عزم وتصميم• إن هذا التصور أبعد ما يكون عن الحقيقة• ويُقال إن جروس قد رآه - عندما كان أصغر بعامين من بطله (نابليون) البالغ من العمر سبعة وعشرين عاما - يغرس العلم على جسر أركول(1) Arcole، لكن ربما كانت اللوحة التي رسمها تمثل حبا شديداً مفعماً بالحماسة• إنه الفنان عندما يتعبّد في محراب رجل الانجازات• ومع هذا فإن جوري Guerin عندما رسم نابليون بعد ذلك بعامين مُبرزا في الأساس الملامح نفسها: شعرٌ متدلّ على الجبهة والكتفين، حاجبان مقوّسان على عينين داكنتين ثابتتين، وأنف مستقيم مدبّب حاد كإرادته، وشفتان مزمومتان عازمتان كعقله• هذا التصور - أيضاً - ليس إلاَّ جانباً واحداً من جوانب شخصية الرجل (نابليون) - شخصية الرجل العسكري، فهناك جوانب أخرى كثيرة يمكن أن تُخفف من حدة هذه القسمات - كصورته وهو يشد أُذُنَيْ سكرتيره مداعباً أو صورته وهو ينحني بشوق أبوي على الطفل ملك روما King of Rome• وبحلول سنة 2081 قص خصلات الشعر الطويلة هذه(2) كلها فيما عدا خصلة واحدة تركها تتدلى على جبهته غير البارزة، وبعد الأربعين بدا متثاقلاً واعتاد أحياناً أن يضع يده على كرشه، وعادة ما كان يعقد يديه خلف ظهره خاصة أثناء المشي، وقد ترسخت فيه هذه العادة حتى أنها كانت تكشف شخصيته في الحفلات التنكرية• وطوال حياته كانت يداه تجذبان الانتباه بجمال بشرتهما واكتمالهما وأصابعهما المستدقّة، والحق أنه كان فخوراً تماماً بأطرافه الأربعة، وعلى أية حال فإن لاس كاسس Las Cases الذي كان يظنه واحداً من الأرباب لم يستطع أن يمنعنا من الابتسام سخرية عند رؤية هاتين اليدين الوسيمتين(3)•

لقد كان بشكل عام قصيراً بشكل مفرط إذ لا يزيد طوله عن خمسة أقدام وست بوصات(4)، أما روح القيادة فتتجلى في عينيه، فالكاردينال كابرارا Caprara الذي أتى للتفاوض بشأن الاتفاق البابوي (الكونكوردات) وضع على عينيه عدستين خضراوتين كبيرتين ليخفِّف بهما وهج عيني نابليون وحملقته• والجنرال فاندام Vandamme يعترف بخوفه من أثر عيني نابليون الشبيه بأثر التنويم المغناطيسي• يقول هذا الشيطان الآدمي يمارس معي سحراً يجعلني غير قادر على التعبير عمّا في نفس، ورغم أنني لا أخاف الله ولا الشيطان، فإنني أخشاه (نابليون) لدرجة أنني أرتعد كالطفل عندما أكون في حضرته وهو يستطيع أن يجعلني أمرق من سَمِّ الخياط (من ثقب الإبرة) لألقي نفسي في النار(5) وكانت بشرة الإمبراطور شاحبة، إلاّ أنها - على أية حال - كانت تتألق بسبب حركات عضلات وجهه التي تعكس - إن أراد - أي خلجة من مشاعره أو فكرة من أفكاره• وكان رأس نابليون كبيراً بالنسبة لجسمه، لكنه كان ذا تكوين حسن، وكانت كتفاه عريضتين، وصدره بارزاً يَنُم عن بنية قوية• وكان لباسه بسيطا تاركاً أبهة الملبس لمارشالاته، ولم يكن في قبعته المعقدة التكوين والمنتشرة كالكعكة المطوية أية زينات خلا الشريط المثلث الألوان• وعادة ما كان يلبس معطفاً رمادياً فوق الزي الرسمي لكولونيل من حراسه• وكان يحمل صندوق نشوق يضعه في حزامه (النطاق الذي يلفّه حول وسطه) ويستعمل ما به من نشوق (سعوط) بين الحين والآخر، وكان يفضّل ارتداء البنطلون القصير (الشورت) والجوارب الحريرية الطويلة على البنطلون الطويل• ولم يتحلّ أبداً بالجواهر، لكن حذاءه كان محفوفاً بالحرير وإبزيم من ذهب• لقد كان في ملبسه ينتمي إلى ما كان سائداً أثناء حكم ما قبل الثورة، تماماً كما جنحت فلسفته السياسية الاخيرة إلى المنحى نفسه (منحى ما كان سائداً قبل الثورة)•

لقد كان نابليون منظماً دقيقاً إلى درجة الوسوسة(7)• وكان يحب كثيراً الاستحمام بالماء الدافئ وأحياناً كانت تستغرق فترة استحمامه ساعتين، وربما كان يجدُ في هذا راحة له من التوتر العصبي وآلام العضلات، وراحة لجلده بعد اصابته بداء الحكَّة أو الهرش الذي انتقلت إليه عدواه في طولون(8) وكان يضع الكولونيا (العطر الكحولي المعروف) على رقبته وجذعه كما كان يضعه على وجهه(9)• وكان معتدلاً بدرجة كبيرة في طعامه وشرابه إذ كان يخلط النبيذ بالماء(01) كالإغريق القدماء وكان غذاؤه يستغرق عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة لا غير• وفي المعارك كان يأكل إذا سنحت الظروف، وغالبا ما كان يلتهم طعامه في هذه الظروف بعجلة، وكان هذا يسبب له أحياناً عُسر هضم، وكان هذا غالباً ما يحدث في أكثر اللحظات حرجاً كما حدث له في معركتي بورودينو Borodino وليبتسج(11) Leipzig• وكان يعاني من الإمساك وصحب ذلك في سنة 7971 داء البواسير الذي زعم أنه داواه بإجراء عملية نزف(21)• لقد قال مينيفال Meneval إنني لم أره مريضاً أبداً ولكنه أضاف إلاّ أنه فقط، كان عُرضة بين الحين والحين لنوبة قيء Vomiting bile لا تترك أبداً آثاراً بعيدة المدى••• وكان يخشى - لفترة - أن يكون قد أُصيب بداء وهن المثانة bladder لأن هواء الجبال الشديد سبّب له نوعاً من عُسر البول لكن اتضح أن هذا الخوف بلا أساس(31)• وعلى أية حال، فهناك أدلّة قوية على أن نابليون أُصيب في أواخر حياته بالتهاب في جهازه البولي(41)• وكانت أعصابه ذوات الحساسية المفرطة تنهار (كما حدث في مينز Mainz في سنة 6081) ليصير في حالة تشنج يشبه نوبات الصرع، لكن هناك اتفاقاً عاماً الآن أنه لم يكن مصاباً بداء الصرع(51)• لكن ليس هناك اتفاق كهذا فيما يتعلق بمعدته، فقد أخبر لاكاس Las Cases في 61 سبتمبر سنة 6181 إنني لم أُصب أبداً بالصداع ولا بآلام في معدتي وقد أيّده مينيفال Meneral في قوله هذا لم أسمعه أبداً يشكو من آلام في معدته(61) وعلى أية حال فقد قرّر بورين Bourrienne أنه رأى نابليون أكثر من مرة يشكو من آلام في المعدة حتى أنني كنت أصطحبه إذا ما اعترته نوبة آلام المعدة إلى غرفة نومه، وكنت غالباً ما أضطر لمعاونته وسنده مخافة وقوعه• وفي وارسو (فارسافا) في سنة 6081 بعد ان اجتاحته آلام عنيفة في المعدة، تنبّأ بأنه سيموت بالمرض نفسه الذي مات به أبوه - سرطان المعدة(71)• ولقد اتفق الأطباء الذين شرحوا جثته في سنة 1281 أنه كان مصاباً بمرض في المعدة يبدو ذا طبيعة سرطانية• وأضاف بعض الدارسين اصابته بالسيلان والزهري (السيفلس) ذاكرين أن آثار المرضين ظلت معه حتى آخر حياته(81)• وقد رفض نابليون أن يعالج اعتلاله الجسدي بالدواء وكان يؤمن بالحاجة إلى الجراحة فهي السبيل التي عادة ما كانت تستخدم مع الجنود الجرحى، اما الأدوية (العقاقير) فكان لا يثق فيها لآثارها الجانبية (لما تُحدثه من ضرر يفوق ما تقدمه من شفاء) وكان يفضّل إذا ما مَرِض أن يُعالج نفسه بالصوم وشرب ماء الشعير وعصير الليمون والماء الذي نقعت به أوراق البرتقال وممارسة رياضة عنيفة تؤدي لإفراز العرق، ثم يترك بدنه يشفي نفسه بنفسه• وقد ذكر لاكاس Las Cases أن الإمبراطور لا يذكر أنه تداوى في أي وقت بالعقاقير(91) لكن ذاكرة الإمبراطور كانت في هذا الوقت تجنح للنسيان (كان النسيان يريحه)• وقد تحدث نابليون للطبيب نورثمبرلاند S. S. Northumberland وهو في الطريق إلى سانت هيلانه قائلاً: اسمع يا دكتور• إن الجسد البشري كآلة مهيّأة لتحقيق أغراض الحياة، لقد نُظّم لتحقيق هذه الغاية - تلك هي طبيعته• اترك الحياة على سجيتها واترك هذا الجسد يعتني بنفسه، فهذا أفضل من أن تَشُلَّه بتحميله أعباء الأدوية(02)• ولم يتعب نابليون من ازعاج طبيبه الأثير كورفيزار Corvisart بحديثه عن عدم جدوى الأدوية حتى استطاع أخيراً أن يجعله يتَّفق معه على أن الأدوية تُحدث من الأضرار أكثر مما تحدث من الفائدة(12)• ومازح نابليون طبيبه الأخير فرانسسكو أنتومارشي Antomarchi بأنه سأله عمّن سيحاسب يوم القيامة عن قتل أكبر عدد من البشر أهم الجنرالات أم الأطباء• ورغم اعتلاله الجسدي فقد كان لديه طاقة هائلة لم تتخل عنه أبداً• وكان العمل معه لا يعني أبداً البطالة المقنّعة، فلا مجال لبيروقرطية زائفة ومناصب بلا عمل، بل لقد كان العمل معه غالباً ما يؤدي إلى الموت البطيء (لكثرة الإرهاق) فكم من موظف (مسؤول) فخور استنفذ كل طاقته وغدا مرهقاً تماما بعد خمس أو ست سنوات من ملازمة الإمبراطور الذي تتطلب ملازمته أن يكون المرء لاهثا دوما• وقد اعتبر أحد موظفيه نفسه أنه محظوظ لعدم وجود مقر عمله في باريس لو كنت في باريس لوافتني المنية قبل انصرام الشهر بسبب الارهاق• لقد قتل نابليون بالفعل بورتالي Portalis وكريت Cretet (المقصود قتلهم لكثرة ما أوْكل إليهم من أعمال ومهمات) ويكاد يكون قد قتل أيضاً تريلهار Terilhard - رغم قوّة بنيته - لقد كان تريلهار - كالآخرين - لا يستطيع التبوّل(22) وقد قال نابليون إن الرجل المحظوظ هو الذي اختفي بعيداً عن عينَّي في عمق إحدى المحافظات(32) وعندما سأل نابليون لويس - فليبي دي سيجو Louis - Philippe de Segur عما سيقوله الناس عنه بعد موته أجاب سيجو قائلاً إن العالم كله سيعبّر عن أسفه، لكن نابليون أجاب مصحّحاً: عفواً، إنهم سيقولون: أفٍ، لقد ارتحنا سيقولونها بارتياح عميق وعلى مستوى العالم(42)•

لقد أرهق نفسه كما أرهق غيره فقد كانت طاقته أقوى من بدنه• لقد ملأ في عشرين سنة أحداثاً تكفي لقرن لأنه كان يكثّف عمل الأسبوع ليجعله في يوم واحد• لقد كان يأتي إلى مكتبه في حوالي الساعة السابعة صباحاً، ويتوقع أن يكون سكرتيره مستعداً للحضور في أي وقت• لقد كان يقول لبورين Bourrienne تعالَ، دعنا نذهب للعمل(52) وقال لمينيفال Meneval كن هنا في الساعة الواحدة ليلاً أو الرابعة صباحاً، لنعمل معاً(62) وكان يحضر اجتماعات مجلس الدولة ثلاثة أيام أو أربعة كل الأسبوع، وقال للمستشار روديريه Roederer إنني - دائماً - أعمل• إنني أعمل وأنا أتناول غدائي، وأنا في المسرح، بل إنني أقوم في منتصف الليل لأعمل•

وقد نتصوّر أنه لم يكن يجد وقتاً للنوم في ظل هذه الأيام الممتلئة عملاً وإثارة، لكن هذا غير صحيح فبورين Bourrienne يؤكد لنا أن الإمبراطور كان ينام جيداً، ولمدة كافية - سبع ساعات أو ثمان ليلاً بالإضافة إلى اغفاءة بعد الظهر(72) وكان يفخر قائلاً للاكاس Las Cases إنني أستطيع النوم في أي ساعة وفي أي مكان إذا دعت الحاجة وقد وضَّح نابليون شارحاً أنه يحتفظ بأمور كثيرة مختلفة مرتبة في عقله أو ذاكرته كما لو كانت في أدراج خزانة فعندما أرغب في ترك موضوع أغلق الدُّرج الذي به هذا الموضوع لأفتح آخر به موضوع آخر••• وإذا أردت النوم أغلقت كل الأدراج عندها أنام حالاً(82)•


2- عقلــه

كان جوته Goethe يظن أن عقل نابليون هو أعظم عقل أنجبته البشرية(92)• واتفق معه لورد أكتون Acton في ذلك الرأي• أما مينيقال Meneval الذي كان متأثراً بقربه من السلطان والشهرة فقد نسب إلى سيده (نابليون) أرقى فكر مُنِحَهُ بشر على الإطلاق(03)• أمّا تين Taine المعارض الشديد للمبالغين في الاعجاب بنابليون، والذي لا يكل ولا يمل من شجب موقفهم، فإنه رغم هذا يُبدي دهشة شديدة من قدرة الإمبراطور على العمل الفعلي المكثف لفترة طويلة: ليس هناك أبداً عقل كعقله من حيث التنظيم والإنضباط(13) دعونا نوافق على أن عقل نابليون كان من بين عقول كل من تبوّأ منصباً تنفيذياً هو العقل الأكثر إدراكاً ووعياً وحدّة وقدرة على التذكر وبراعة في استخدام المنطق• لقد أحبّ أن يُشير لنفسه كعضو في المجمع العلمي الفرنسي وقد عبّر ذات مرّة للابلاس Laplace عن أسفه لأن الظروف قد أبعدته كثيراً عن مجال العلم فقد كان يوّد أن يشتغل به ليكون عالما(23) ففي تلك اللحظة كان نابليون يقدّر الرجل الذي يضيف للفهم البشري تقديراً يفوق تقديره لمن يستحوذ على مزيد من السلطة وعلى أية حال، يمكننا أن نسامحه لاحتقاره أيديولوجية المعهد العلمي الفرنسي الذي أساء فهم الأفكار فظنّها هي نفسها الحقائق الموجودة على أرض الواقع، وراح (أعضاؤه) يشرحون أوضاع العالم (أو الكون) واقترحوا أن يعرضوا عليه كيفية حكم فرنسا• لقد كان عقل نابليون يُعاني من عيوب الخيال الرومانسي، لكنه أيضاً كان يتعامل مع حقائق حية من لحم ودم من خلال احتكاكه اليومي بمثيرات واقعية• لقد كان نشاطه العقلي الدائم على أعلى مستوى يمكن أن يكون عليه رجل الدولة وقد وظّف هذا النشاط العقلي لتحقيق أهدافه بشكل دائم فأصبح جزءاً لأغنى عنه في أي عمل يقوم به• لقد كان نابليون - في المقام الأول - حاد الحواس، بل لقد كان يعاني من هذه الحدة، فقد كانت أُذناه تلتقط كل شاردة وواردة أو بتعبير آخر كانتا تسمعان حتى الأصوات الخافتة، وكان أنفه حسّاساً يجيد الشّم (كان شمّاماً) وكانت عيناه تخترقان ما هو ظاهر لتتغلغل للأعماق، وتستبعد ما هو عارض لتستجلي المعنى واضحاً لا شِيَةً فيه• وكان محباً للاستطلاع وجّه آلاف الأسئلة، وقرأ مئات الكتب ودرس الخرائط والتواريخ وزار المصانع والمزارع، واندهش لاكاس Las Cases لاتساع دائرة اهتماماته واتساع مجالات معرفته عن البلدان والقرون• لقد كان يمتلك ذاكرة قوية أخضعها لطبيعة أغراضه فتخيّر لها ما يفيده• لقد كان يعلم ما يجب عليه نسيانه وما يجب عليه إبقاءه حياً في ذاكرته• لقد كان منظَّما؛ إذا كان يرتب رغباته بشكل موحّد وطبقي (نظامي) بشكل واضح ومباشر ليجعل أفكاره وسياساته وطريقة حكمه تسير في كُلٍ متكامل لتحقيق هذه الأغراض• لقد كان يطلب من مساعديه تقارير وتوصيات تتضمّن أهدافاً محدّدة ومعلومات حقيقية وإجراءات تنفيذية ونتائج محسوبة لا مجرد كتابات بليغة وأفكار مثالية تدعو للإعجاب• وكان يدرس هذه المادة التي تقدمها التقارير والتوصيات في ضوء خبرته وأهدافه ومن ثم يُصدر تعليمات قاطعة ودقيقة• ولا نعلم لحكومته نظيراً في التاريخ من حيث الإعداد الدقيق المنظم لمثل هذه الإدارة الدقيقة المنظمة• فمع نابليون أسلمت الحرية قيادها لدكتاتورية النظام•

وكان بتحويله مذكراته إلى توقعات ماهراً في حساب نتائج الاستجابات المحتملة، وفي التنبؤ بخطط أعدائه وتحركاتهم، فمن أقواله: إنني أقضي وقتاً طويلاً في التأمل والتفكير، فإذا كُنت نداً لموقف مستعداً لمواجهته إذا حل وقت المواجهة، فما هذا إلا لأنني قد فكرت في الأمر كثيراً قبل حدوثه••• لقد كنتُ أُعد لكل احتمال عُدّته واضعاً في الاعتبار كل ما يمكن أن يحدث• لم يكن الجنّي هو الذي يُلهمني فجأة بما يجب عليّ فِعله أو قوله•• وإنما هو تفكيري(43) ومن ثم فقد وجدناه يستعد - واضعاً في اعتباره التفاصيل - لمعركة مارنجو Marengo وأوسترليتس Austerlitz وتنبّأ لا بالنتائج فحسب وإنما بالوقت الذي ستستغرقه كل معركة منهما• وفي قمة ازدهاره (7081) كان قادراً على الاحتفاظ برؤيته واضحة لا تشوِّش عليها رغباته• لقد حاول أن يدرس الصعوبات المتوقعة والمفاجآت التي يمكن حدوثها، وما قد يقوم به أعداؤه من مجازفات، وذلك ليستعد لمواجهتها: عندما أُخطط لمعركة فلا يمكن أن يكون هناك من هو أكثر جُبناً مني• إنني أُضخّم أمام عيني كل خطر يمكن أن يحدث في ظل ظروف المعركة(53)• لقد كان مبدأه الأول في حالة حدوث أمور طارئة غير متوقّعة هو مواجهة العدو حالاً وبأقصى سرعة مهما كان الوقت؛ نهاراً أم ليلاً• وكانت تعليماته الدائمة لبورين Bourrienne (سكرتيره): لا توقظني من نومي إن كان لديك أخبار طيبة تريد أن تُفضي بها إليّ، ففي هذه الحال لا مبرّر للعجلة، لكن إن كان لديك أخبار سيئة فأيقظني على الفور، ففي حال الأخبار السيئة يجب ألاّ نُضيّع لحظة واحدة(63) وقد اعترف نابليون أنه رغم كل هذا الاحتياط وبُعد النظر إلاّ أنه فوجئ ببعض الأحداث غير المتوقعة لكنه كان يتباهى بقدرته على التفكير الواضح والعمل الحاسم والمؤثر عقب استيقاظه من نومه فجأة(73) وقد حاول أن يُحصِّن نفسه ضد المفاجأة وأن ينتهز المناسبة بسرعة، وكان يكرر دوماً قوله: ليس هناك إلاّ خطوة واحدة بين النصر والهزيمة(83)•

وكان حُكمه على الرجال عادة عميقاً كحساباته للوقائع والأحداث، فلم يكن ينخدع بالظواهر أو الاحتجاجات، فشخصية المرء - فيما يرى - لا تظهر على وجهه إلاّ إذا صار كبير السن، وغالباً ما يُخفى الحديث بالقدر الذي يُفصِحْ• لقد أخضع نابليون نفسه للدراسة على نحو متواصل وخَلُص إلى أن كل الرجال وكل النساء تحرُّك مصالِحُهم الذاتية أفعَالهم الواعية• ومع أنه - أي نابليون - قد حظي بإخلاص شديد مجرّد من المصالح الذاتية (من ديزيه Desaix ولان Lannes ومينيفال Meneval ولا كاس Las Cases••• ومن أولئك الجنود الذين كـانوا يهتفـون وهـم يحتضـرون: عـاش الإمبراطــور) إلاّ أنــه لم يســتطع أن يتخيّل وجود هذا النوع من الإخلاص الذي لا ينطوي على مصالح ذاتية أو بتعبير آخر لم يستطع أن يُقنــع نفسه بوجــود شيء اســمه إنكار الذات فوراء كل كلمة وخلف كل فعل مَدْروس مقصود لم يكن يرى سوى سيطرة الأنا سيطرة لا تهمد - طموح الرجال الأقوياء وخوف الرجال الضعفاء، وتفاهة النساء أو خِداعهن• لقد كان نابليون يبحث في كل شخص عن العاطفة المتحكمة فيه أو نقطة ضعفه، ليلعب على أوتارها ويطوّعها لأغراضه الإمبراطورية•

ورغم كل حيطته وحذره وتوقعاته إلا أنه وقع في أخطاء متباينة تبايناً شديداً (لم يدرك فحوى بعض الأحداث إلاّ بعد وقوعها) سواء فيما يتعلق بحُكمه على الرجال أم بتقويم النتائج وحسابها• وربما كان يعرف أن جوزفين لا يمكن أن تتحمّل شهراً من العِفّة (لا يمكن أن تصون عفّتها لمدّة شهر) وإن ماري لويز Marie Louise لا يمكن أن تَشُد النمسا إلى السلام• وكان يظن أنه أسعد القيصر اسكندر في تليست Tilsit وايرفورت Erfurt بينما كان القيصر يخدعه ببراعة بمساعدة تاليران• لقد أخطأ بتوسيع نطاق العداوة لبريطانيا في سنة 2081 بمد سلطانه - بجسارة - على بيدمونت ولومبارديا وسويسرا• وقد أخطأ عندما نصَّب إخوته على عروش أكبر بكثير من عقولهم، وأخطأ عندما تصوّر أن الدول الألمانية في كونفدرالية الرَّاين ستخضع للسلطة الفرنسية ولن تفلت منها إذا وانتها الفرصة، وأخطأ بنشره وثيقة تُظهر نواياه في غزو تركيا، وأخطأ (كما اعترف في وقت لاحق) بتشتيت جيشه الأساسي (الجيش العظيم Grand Army) في أسبانيا• وأخطأ بغزوه روسيا الشاسعة أو ببقائه فيها حتى اقتراب الشتاء• ومع أنه كان متفوقاً على كثيرين إلاّ أنه كان كطبيعة الأشياء - كما قال - عرضة للمفاجآت ولأوهان المرض وتناقُص السلطة• لقد قال: لقد فكرت في كثير من الخطط لكنني لم أكن أبداً حراً مطلق اليد في تنفيذ واحدة منها• فكل ما في الأمر أنني كُنت أمسك المِقْوَد (الموِّجه) بيد ثابتة قوية، لكن الأمواج كانت أقوى، الحقيقة أنني لم أكن أبداً سيّد نفسي my own master، لقد كانت الظروف دائما هي التي تحكمني(93)•

وعلى سبيل التخيّل أذكر الآتي• لقد كانت روح نابليون ساحة معركة بين ملاحظة حادة تضيء طريق العقل وتبث الحياة في خيال تتوجه الرومانسية أو حتى الخرافة(04)• فعندما ذهب بحملته إلى مصر أخذ معه كثيراً من كتب العلوم وكثيراً من الكتب العاطفية أو الخيالية ومنها كتاب روسو LaNouvelle Heloise وكتاب جوته Werther وكتاب ماكفرسون Ossian(14) وقد اعترف نابليون - في وقت لاحق - أنه قرأ كتاب جوته (Werther) سبع مرّات(24)، وفي خاتمة المطاف خَلُص بأن الخيال يحكم العالم(34) وعندما أوصلته الظروف إلى مصر استغرق في أحلام الاستيلاء على الهند وخوض الحروب في الشام، وتصوّر نفسه يغزو القسطنطينية بحفنة رجال ومن ثم يتجه إلى فيينا وكأنه سليمان الذي لا يُقهر (القانوني) بُعث من جديد ولأن القوة والسلطة قد طردتا الحذر من دمه، فقد تجاهل تحذير جوته (التحذير المعروف بالتوقف في الوقت المناسب Entsagen)• لقد كانت نجاحاته المتوالية تتحدّى الأرباب، وتتمرّد على أي حدود، وفي خاتمة المطاف وجد نفسه منبوذاً بلا عون مقيّداً إلى صخرة في المحيط•


3- شخصيته

لقد بدأ كبرياؤه أو اعتداده بنفسه من اكتفائه بذاته أو بتعبير آخر باعتماده على نفسه ، كان من الطبيعي أن يرتبط هذا بكل اعضائه، ففي شبابه تضخّم هذا الشعور متخذاً شكلاً دفاعياً أثناء الصدامات التي جرت بينه وبين أفرادٍ أو أسرات في كورسيكا، وبعد ذلك تجلّى ضد عجرفة طلبة برين Brienne الذين كانوا يتكبّرون عليه بحكم انتماءاتهم الطبقية أو العرقية• ولم يكن اعتداده بنفسه على أية حال خالياً من الأنانية، لكن هذا لم يمنع اخلاصه وتكريمه لأمه ولجوزفين وأبنائها ولم يمنع حبه لابنه من ماري لويز ذلك الوليد الذي أطلق عليه اسم ملك روما وحبّه الشديد لإخوته وأخواته الذي كانوا أيضاً ذوي نفوس تواقة• لكن كلما اتَّسعت دائرة نجاحاته في السلطة والمسؤوليات، ازداد اعتزازه بنفسه واستغرقته ذاته، وبدأ يميل لنسبة كل انتصارات جيوشه لنفسه، لكنه مع هذا كان يمتدح ديزيه Desaix ولان Lannes، وقد أحبهما حقاً وحزن من أجلهما• وأخيراً فقد اعتبر نفسه هو فرنسا ذاتها وتضخّمت ذاته مع كل اتساع لحدودها• وأحياناً كان كبرياؤه ووعيه بقدرته يتدنَّيان إلى مستوى من التفاهة أو الخواء، أو استعراض ما أنجزه• لقد قال يوماً لسكرتيره بورين: حسناً يا بورين، أنت أيضاً ستكون خالداً فلما سأله بورين: لماذا يا جنرال قال نابليون ألست سكرتيري؟• أخبرني عن اسم سكرتير الاسكندر أليس هو هم Hm، هذا ليس أمراً سيئاً يا بورين(44)• وكتب نابليون ليوجين (حامل لقب نائب الملك في إيطاليا) في 41 أبريل سنة 6081: إن شعبي الإيطالي يجب أن يعرفني جيداً بشكل كاف ويجب ألا ينسى أن في إصبعي الصغير من الفهم أكثر مما في عقولهم جميعاً(54) وكان الحرف الأول من اسمه (N) يتألق في آلاف الأماكن وكان أحياناً يقترن بالحرف الأوّل من اسم زوجته جوزفين (J)• لقد شعر الإمبراطور أن الاستعراض مسألة ضرورية كدعامة من دعامات الحُكم•

لقد أعلن لروديريه Roederer في سنة 4081 عندما كان جوزيف (يوسف) يحتال ليكون وريثاً (ولياً لعهد نابليون): إن السلطة هي خليلتي أو رفيقتي• لقد بذلت جهوداً فائقة في هذه الفتوحات، جهوداً تجعلني لا أسمح لأيٍّ مهما كان أن يأخذها مني أو يُبعدها عني أو حتى يرنو إليها أو يشتهيها•• منذ أسبوعين لم أكن مصمماً على معاملته بظلم• أما الآن فإنني غير متسامح• سوف ابتسم له بشفتي (ابتساماً ظاهرياً) - لكنه نام مع رفيقتي أو خليلتي (يقصد السلطة)(64) (هنا أظهر نابليون نفسه غير عادل• لقد كان عاشقاً غيوراً لكنه كان رجلاً متسامحاً) ومن أقواله إنني أحب السلطة كما يحب الموسيقيُّ كمانه لذا فإن طموحهُ قد أدى به إلى وثبات متتالية من منطقة إلى أخرى• لقد كان يحلم بمنافسة شارلمان في توحيد أوروبا الغربية بما في ذلك الولايات البابوية - بالقوة، ومن ثم يتتبع خطى قسطنطين فيخرج من فرنسا إلى ميلان ومنها إلى القسطنطينية (اسطنبول) ليستولي عليها، ويشيد أقواس النصر التقليدية لإحياء ذكرى انتصاراته، ويستمر في أحلامه فيجد أوروبا صغيرة جداً، وأنها مجرّد تل من تراب(84)، فيشرع في منافسة الإسكندر الأكبر فيغزو الهند، قد يكون هذا عملاً شاقاً له وللمليون جندي التابعين له، لكن العظمة ستكون عِوَضاً كافياً له ولهم عن هذا التعب، وإن أدركهم الموت فلا بأس فهذا ليس ثمناً باهظاً فالموت ليس مأساة، وإنما المأساة أن تعيش مهزوماً تافهاً، فتلك حياة تعني أنك تموت كل يوم(94) إنني لا أعيش إلاّ للأجيال القادمة(05)• لقد أصبح المجد La gloire هو حبّه المهيمن، لذا فقد قبلته فرنسا كلها - تقريباً - كمرشد (باعتباره نجماً هادياً) طوال عقد من الزمن، وكأنها مسوقة بقوى التنويم المغناطيسي•

لقد تابع تحقيق أهدافه بإرادة لا تلين إلاّ لتقفز من جديد - حتى استنفذ طاقاته في بلوغ الذروة وأصبح بعدها جديراً بالشفقة• لقد توحّد طموحه الذي لا يهمد مع إرادته وتوجهاته ليتفاعل مع جوهر أيامه، ففي برين Brienne قال: حتى عندما لم يكن أمامي شيء محدد لأقوم به، فإنني كنت أشعر دائماً أنني لا يجب أن أضيع الوقت(15) وإلى جيروم Jerome في سنتة 5081 وجه حديثه قائلا: إنني لا أدين إلاّ لقوة الإرادة والشخصية والقدرة على التنفيذ والجسارة(25) فالجرأة كانت جزءاً من استراتيجيته، وكان يستغل عامل الوقت فكان يواجه عدوه بسرعة إجراءاته، وأفعاله الحاسمة في وقت لا يتوقَّعونه وفي مكان لا يتصوَّرون حدوث المواجهة فيه• لقد كان يقول: إن هدفي هو الوصول للهدف مباشرة دون أن أسمح لأي اعتبار أن يوقفني(35)، لكنه استغرق عقداً من الزمن ليتعلم الحكمة القديمة التي مؤداها أنه في السياسة يعتبر الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين•

وفي بعض الأحيان كان الهوى يُفسد أحكامه ومسلكه ويُشكل حاجزاً بينه وبين الرؤية الصحيحة• وكان نفاذ الصبر (قصير البال كما أنه قصير البدن)، وكلما اتّسع سلطانه زاد نفاذ صبره (قلّ طول باله)• لقد كانت ضراوة أهل كورسيكا وحرارتهم تسري فيه مسرى الدم، ورغم أنه عادة ما كان يتحكم في نفسه إذا ما اعتراه الغضب إلاّ أن أولئك المحيطين به بدءاً من جوزفين إلى حارسه الشخصي القوي روستام Roustam كانوا يتحوّطون في كل كلمة وكل حركة مخافة إثارة سخطه• وكان نافذ الصبر إذا ما ظهر له تناقض أو توان أو عدم كفاءة أو غباء• وعندما ينفذ صبره لأمكن أن يوبّخ علناً أحد السفراء، وأن يسبب أحد الأساقفة وأن يركل فيلسوفاً في بطنه، وإذا لم يتوفر له ما هو أفضل ركل الأخشاب في المدفأة(45)• ومع هذا فقد كان غضبه يخمد بمجرد تفريغ شحنته، وغالباً ما كان هذا الغضب غطاء أو حركة من حركات السياسة، وفي معظم الحالات كان يقوم بعملية استرضاء لمن صبَّ عليهم غضبه بعد يوم أو حتى بعد دقيقة(55)• وقلّما كان فظَّاً إلى حد مؤلم، فهو في غالب أحواله رقيق مداعب فكهٌ (حاضر الكنتة)(65) لكن روح الفكاهة عنده قد أضعفتها المعارك وما تعرّض له من مواقف صعبة، ولم يُتح له وقت كثير لمسرّات أوقات الفراغ أو الانهماك في القيل والقال، أو ظُرف الصالونات• لقد كان رجلاً في عجلة دوماً تحيط به ثُلَّة من الأعداء، ويمسك بزمام إمبراطورية، ومن الصعب علي رجل في عجلة من أمره أن يكون متمديناً• لقد استنفذ كثيراً جداً من طاقته في فتح نصف أوروبا، وتبقى منها - أي من هذه الطاقة - شطر كثير للانهماك في الأمور الجنسية على نحو منافٍ للعقل، وكان من رأيه أن كثيراً من أشكال الرغبة الجنسية يتم تعلّمها من خلال المعايشة البيئية أكثر من كونها مسألة مورثة فنجده يقول: كل شيء بين الناس اصطلاحي أو متفق عليه حتى فيما يتعلق بالمشاعر التي قد يظن المرء أن الطبيعة وحدها هي التي فرضتها(75) لقد أمكنه أن يكوِّن له باقة من المحظيات علي النسق البوربوني بمعنى الكلمة لكنه تعامل أيضاً مع ستة خليلات أخريات على فترات بين المعارك، وكانت كل امرأة تُسعده لليلة تعتبر نفسها قد دخلت التاريخ، وعادة ما كان يُفشي أسرار لقاءاته الجنسية بفظاظة ويتحدث عن آخر شريكاته في الفراش ليس بامتنان وإنما بقسوة(85)• وقد تسبَّب عدم إخلاصه في إزعاج جوزفين لساعات طوال قضتها في كآبة وحزن، لكنه شرح لها الأمر (إن جاز لنا أن نصدّق مدام دي ريموزا Remusat) قائلاً إن هذه التسالي وهذا الترويح عن النفس أمر طبيعي وضروري ومعتاد ولابد أن تتفهمه الزوجة، وكانت تبكي، وكان يُطيّب خاطرها، وكانت تسامحه(95)• وفيما عدا ذلك فقد كان زوجاً صالحاً بقدر ما تسمح به مهامه وما تحتمه من تنقلات كثيرة• وعندما أتته ماري لويز Marie Louise قبل بمبدأ الاكتفاء بزوجة واحدة (على حد علمنا) ولو حتى يكوْن الزنا قد يتسبب في فقدانه النمسا، وتضاعف إخلاصه لها (لماري لويز) عندما أدرك ما تعانيه من آلام مبرحة وهي تضع له طفلاً• لقد كان دائما يُظهر حبه الشديد للأطفال وسجلت المدوّنة القانونية النابليونية لهم ما ينم عن عناية خاصة(06)• والآن فقد أصبح ابنه الذي سماه ملك روما معبوده ومحبوبه ومَعْقِدَ آماله، فراح يعتني به لتوريثه حُكم فرنسا واهبة القوانين لأوروبا الموحدة ليحكمها بِحِكمة• وبذا تضخمت ذاته المتضخمة أصلاً بالإنغماس في حب الزوجة والحب الأبوي (حبه لابنه)• لقد كان نابيلون منشغلاً بالأمور السياسية انغماساً هائلاً لا يجعل له وقتاً لأصدقاء• بالإضافة إلى أن الصداقة تعني أخذاً وعطاء على قدم المساواة وقد وجد نابليون أنه من الصعوبة أن يُذعن لمساواته وقد وجد نابليون أنه من الصعوبة أن يُذعن لمساواته مع آخرين في أي شكل من أشكال المساواة• لقد كان هناك مخلصون أوفياء له ضحّى بعضهم بحياته فداء لمجده ومجدهم ومع هذا لم يكن أحدهم يفكر في أن يدعوه صديقاً• لقد أحبّه يوجين لكن حبّه له كان كحب الابن لأبيه أكثر منه كحب الصديق لصديقه، ويحكي لنا بورين Bourrienne (وهو لم يكن جديراً بالتصديق تماماً) أنه سمع مراراً من نابليون في سنة 0081 قوله:

الصداقة ليست إلاّ اسماً بلا مضمون• أنا لا أحبُّ أحداً• إنني حتى لا أحب إخوتي، ربما أحب جوزيف (يوسف) قليلاً بحكم التعوّد ولأنه أخي الكبير• وأنا أيضاً أحب دوروك Duroc••• اعلم جيداً أنه لا أصدقاء حقيقيين لي• فطالما أنني مستمر على ما أنا عليه، فإنه يمكنني أن احتفظ بعدد كبير من الأصدقاء الظاهريين (غير الحقيقيين) كما أشتهي• دع رقة الشعور للنساء، فتلك مهمتهن• لكن الرجال يجب أن يكونوا رابطي الجأش ذوي أهداف محددة، وإلا تخلّوا عن مهامهم في الحرب والحكم(16)• تلك هي الحلقة النابليونية الرواقية لكن ليس من السهل أن نوفِّق بين هذا وإخلاص رجال مثل ديزيه Desaix ودوروك Duroc ولان Lannes ولاكاس Las Cases وآخرين كثيرين دام إخلاصهم له طوال حياتهم• بل ان بورين نفسه يصدّق على أن نابليون كان رفيقاً رقيق المشاعر خارج نطاق المعارك(26) ويوافق مينيفال Meneval الذي كان قريباً من نابليون طوال ثلاثة عشر عاما على ذلك فيقول:

لقد توقّعت أن أجده فظاً متقلب المزاج، لكنني - على العكس من ذلك - وجدته صبوراً متسامحاً من السهل بعث المسرّة في نفسه، وهو بلا شك منضبط كما أنه مرح وكثيراً ما يتخذ مرحه طابع الجلبة وروح السخرية، وأحياناً يتخذ طابع الوداعة الجذابة•• فلم أعد خائفاً منه، ومما جعلني أستمر في حالة الاطمئنان إليه كل ما رأيته من أساليب مؤثرة وداعية للمسرّة كان يتَّبعها في تعامله مع جوزفين وحرصه على الاخلاص لضباطه ورقته مع ذوي قرابته ومع مسشاريه ووزرائه وألفته مع جنوده(36)•

ومن الواضح أنه كان يستطيع أن يكون شديد البأس إذا ما رأى أن السياسة تتطلب هذا، كما كان يغدو لطيفاً رقيقاً إن سمحت السياسة بذلك، فالسياسة عنده تأتي في المقام الأول• لقد أمر بسجن رجال كثيرين ومع هذا فقد سجل التاريخ له كثيراً من مظاهر التسامح أوردها فريديريك ماسون Frederic Masson في مجلّده• واتخذ إجرادات لتحسين أحوال سجون بروكسل لكن أحوال السجون الفرنسية في سنة 4181 كانت سيئة لا تتناسب مع الكفاءة العامة التي اتسم بها حكمه• لقد رأى آلاف القتلى في ساحة المعركة ومع هذا لم يتردد في خوض معارك أخرى، ومع هذا فقد سمعنا أنه غالباً ما كان يتوقف لإتاحة فترة راحة لجندي جريح ورآه فيري كونستان (قستنطين) Very Constant يبكي أثناء تناول إفطاره بعد عودته من عند سرير المارشال لان Lannes(46) الذي أصيب بجروح مميتة في إسلنج Essling في سنة 9081•

ولا جدال في سخائه واستعداده للعفو• لقد عفا كثيراً عن بيرنادوت Bernadotte وبورين Bourrienne وعندما طلب منه كارنو Carnot وشينييه Chennier - بعد أن ظلاّ يعارضانه سنوات - أن ينقذهما من الفقر أرسل لهما - على الفور - ما يُعينهما• وفي سانت هيلانة التمس الأعذار لمن تخلّوا عنه في سنة 3181 أو سنة 5181• ولم يكن هناك إلاّ البريطانيون الذيــن ظــل ممتعضاً منهــم حتى النهاية بسبب عداوتهم المتواصلة له، فلم يكن يرى في بت Pitt سوى أنه مرتزق قاس، وكان غير منصف على نحو أبعد في رأيه في سير هدسون لو Hudson Lowe وكان من المحال عليه أن يرى ميزة في ولنتجتون(56) Wellington وكان عادلاً بدرجة كبيرة في تقويمه لنفسه: إنني اعتبر نفسي رجلاً طيب القلب(66) لقد قيل لنا ان الرجل مهما كان شأنه لا يمكن أن يعتبر بطلاً في نظر خادمه الخصوصي لكن فيري كونستان Very Constant الذي ظل طوال أربعة عشر عاماً يعمل مع نابليون بهذه الصفة يسجل لنا في مذكراته التي شغلت عدة مجلدات إعجاباً يفوق الحد(76)• ولم يكن الذين نشأوا في رحاب الحكم القديم (ملكية ما قبل الثورة) وتشربوا عاداته الأنيقة ليتحملوا طريقة نابليون المباشرة الفظة في الحركة واللباس• لقد أثار سخرية مثل هؤلاء بمركبته التي يريد أن يؤكد بها ذاته على نحو أخرق، وبطريقته الخشنة في الحديث في بعض المناسبات• ولم يكن يعرف كيف يُرضي هؤلاء الناس ويبدو أنه لم يكن مهتماً بذلك فقد كان أكثر حرصاً على الجوهر منه على الشكليات• إنني لا أحب الغموض والإبهام وهذه العبارة السطحية التي تشير إلى الايتكيت أو آداب المجتمع•• إن هذا إلاّ وسيلة الأغبياء ليرفعوا أنفسهم لمستوى رجال الفكر•• وعبارة الكياسة أو الذوق الحسن هي الأخرى من التعبيرات التقليدية التي لا تعني لي شيئاً•• أما ما يُقال له زِيْ أو مُودة سواء كان حسناً أم سيئاً فلا يؤثر فيّ• إنني لا أهتم إلاّ بقوة الفكر(86) وعلى أية حال فإنه كان يبدي اعجابه - على نحو سرّي بهدوء الرجال المهذبين ودماثتهم، وكان يتطلع لقبول الارستقراطيين له، أولئك الارستقراطيون الذين كانوا يسخرون منه في صالونات فابورج سان جرمين Fabourg St - Germain• ومن ناحية فإنه بطريقته الخاصة كان يستطيع أن يكون جذاباً فاتناً عندما يريد(96)•

وربما يرجع رأيه السخيف في النساء إلى تسرعه في عدم الاهتمام بمشاعرهن، لقد أبدى ملاحظة لمدام شاربنتييه Charpentier قائلاً: يالبشاعة منظرك في هذا الرداد الأحمر!(07) وجعل من مدام دي ستيل Stael عدوّه له عندما ذكر لها أنه يُقدر النساء وفقاً لدرجة خصوبتهن (قدرتهن على الإنجاب) وقد وبّخته بعض النسوة لفظاظته بلطف أنثوي، فعندما قال لمدام دي شيفريز Chevreuse صدقيني ما أشد حُمرة شعرك! أجابته قائلة: ربما كان الأمر كذلك يا سيدي، لكن هذه هي المرة الأولى على الإطلاق يقول لي رجل هذا القول(17) وعندما قال لذات الجمال المشهور: مدام إنني لا أحب أن تتدخل النساء في السياسة• أجابته إجابة مفحمة قائلة: أنت على حق أيها الجنرال، لكن في بلد تُقطع فيه رؤوسهن، من الطبيعي أن يُردن معرفة السبب(27) ومع هذا فإن مينيفال Meneval الذي - غالباً - ما كان يراه كل يوم لاحظ جاذبية نابليون التي لا تُقام(37)•

وكان نابليون يحب في بعض الأحيان أن يكون حديثه على سبيل المزاح، وغالباً ما يكون ذلك مفيداً وموجها• وكان يدعو العلماء والفنانين والممثلين والكتاب لمائدته ويدهشهم بدماثته وسعة معلوماته في مجالات تخصصهم وبراعة ملاحظاته، وقد ترك لنا إيزابي Isabey رسام المنمنمات ومونج Monge العالم الرياضي وفونتين المعماري وتالما الممثل مذكرات عن هــذه اللقاءات، وجميعهــم يشــهدون بــأن مناقشات نابليـون معهم كانت ممتازة وودودة ومرحة(47)• وكان كثيراً ما يُفضّل الحديث على الكتابة، فقد كانت أفكارُه تسبقُ كلامه لذا فعندما كان يريد كتابة أفكاره فإنه كان يكتبها بسرعة شديدة حتى أن أحداً - بمن في ذلك هو نفسه - لا يستطيع فك مغاليقها(57)• لذا فقد كان يُملي، وقد تم نشر 000،14 خطاب من خطاباته ولا شك أن آلافاً أخرى لم تنشر، وهذا يجعلنا نفهم مدى المعاناة التي كان يعانيها سكرتيروه• لقد نجا بورين الذي عُيّن سكرتيراً له في سنة 7971 وكان حسن الحظ إذ تم فصله من عمله في سنة 2081 وبذا تمكن من العيش حتى سنة 4381، لقد كان بورين يتوقع أن يستدعيه نابليون في السابعة صباحا ليظل يعمل معه طوال النهار كما كان يستدعيه ليلاً• وكان بورين يُتقن عدة لغات حديثاً وكتابةً كما كان يعرف القانون الدولي، وكان له طريقته في الاختزال مما مكّنه عادة من الكتابة أسرع مما يُملي نابلوين• أما مينيفال Meneval الذي خلف بورين في سنة 2081 فقد كان يعاني من العمل مع نابليون أكثر من معاناة بورين فهو يقول: إنني لم أكن أعرف أي نوع من أنواع الاختزال وكان نابليـون يحبه وغالباً مـا كان يمزح معه لكنه كان يرهقه كل يوم غالباً وبعدها يطلب منه أن ينصرف ليأخذ حماماً(67)• وقد ذكر الإمبراطور وهو في سانت هيلانه: إنني مسؤول تقريباً عن موت مينيفال• لقد كنت ملزماً بإعفائه لفترة من واجبات وظيفته وجعله بالقرب من ماري لويز للاستشفاء وكان منصبه الجديد هذا لا ينطوي على مهام عمل حقيقية(77) وفي سنة 6081 خوّله نابليون في اختيار مساعد له أي مساعد لمينيفال، فرشح فرانسوا فان Francois Fain الذي عمل مع نابليون للنهاية وفي كل المعارك• ومع هذا فقد كان مينيفال قد تعب تماما فهرب من إمبراطوره المحب له في سنة 3181• لقد كان حُب مينيفال له من نوع الحب الذي يزدهر في ظل الاعتراف بعدم المساواة بين المحبين، وهو حب غير مذموم•


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

4- الجنـرال

لقد صاغ تعليمه العسكري في برين Brienne - إلى حد ما - بدنه وعقله وشخصيته ومجال اهتمامه، فهناك تعلَّم كيف يكون لائقاً لكل طقس أو مكان، وأن يفكر بوضوح في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل وأن يميز بين الواقع والرغبة وأن يُطيع الأوامر وينفذها دون تردد وأن ينظر لتضاريس المنطقة من حيث إمكانية حركة الجماعات فيها، هل الأصلح أن تكون حركتها مكشوفة أم من وراء سُتر وأن يتوقع ما يُزمع العدو القيام به من مناورات وأن يستعد لمواجهتها وأن يتوقع ما سيحدث فلا يُفاجأ وأن يلتقي بالعدو لقاءً محسوبا لالقاء الفُجاءة وأن يرفع الروح المعنوية لرجاله بالخطابة فيهم وأن يعوّض آلامهم ببث روح العظمة والمجد فيهم وأن يحبب إليهم الموت في سبيل الوطن وكل هذا بدا لنابليون عِلْم العلوم، فما دامت حياة الأمة تقوم على اصرارها وقدرتها على الدفاع عن نفسها عن طريق الحرب كَحَكَم نهائي لا خيار سواه إن فشلت الوسائل الأخرى• لقد أعلن نابليون أن فن الحرب دراسة هائلة تضم بين جنبيها كل الدراسات الأخرى(87)• وعلى هذا فقد تثقَّف بمعظم هذه العلوم التي تُسهم في تكوين علم الدفاع عن الوطن• لقد قرأ التاريخ ليتعلم طبيعة الإنسان وسلوك الدول• ولقد أدهش العلماء في وقت لاحق بمعلوماته عن الإغريق والرومان ومعلوماته عن أوروبا الوسيطة والحديثة• لقد درس وأعاد دراسة معارك الإسكندر، وهانيبال، وقيصر وجوستافوس أدولفوس Gustavus Adolphus وتورين Turenne ويوجين السافوي Eugene of Savoy وفريدريك الأكبر، وقال لضباطه سيروا على نهجهم وارفضوا الاقتداء بغير هؤلاء الرجال العظماء(97)•

وانتقل من الأكاديمية العسكرية إلى المعسكر، ومن المعسكر للحكم، وربما أخذ عن أمه الرواقية (غير العاطفية) موهبة القيادة وعرف أسرارها، وكان لديه الشجاعة لتحمل المسؤولية وللمخاطرة بأمور مجرى حياته مرة ومرة معتمداً على تقديره للأمور، وقام بالمغامرة إثر المغامرة مستهزئاً - غالباً - بالمحاذير• لقد خسر الرهان الأخير، لكن بعد أن فرض نفسه كأبرع جنرال في التاريخ•

وبدأت استراتيجيته العسكرية باتخاذ إجراءات لكسب عقول رجاله وقلوبهم• لقد شغل نفسه بخلفية كل ضابط تحت قيادته المباشرة وشخصيته وآماله• وكان يختلط بين الحين والآخر بالجنود العاديين مذكّراً إياهم بانتصاراتهم سائلاً عن أحوال أسرهم مستمعاً لشكاياتهم• وقد كان يحشد حرسه الإمبراطوري ويسميهم المدمدمون لكثرة دمدمتهم، وقد حاربوا من أجله حتى الموت• وفي بعض الأحيان كان يتحدث إليهم ساخراً من سذاجة جندي المشاة، فعلى سبيل المثال عندما كان في سانت هيلانة أبدى ملاحظة مؤداها أن الجنود جُعلوا ليُلقوا بأنفسهم إلى التهلكة(08) ولكنه تبنّى - وأعان - كل أطفال المقاتلين الفرنسيين الذين ماتوا في أوسترليتز(18) Austerlitz• لقد كان جنوده يحبونه حباً يفوق حب أي طائفة أخرى من الشعب الفرنسي له، لذا فقد كان حضوره في ميدان المعركة - وفقاً لرأي ولنجتون Wellington يعادل حضور أربعين ألف مقاتل(28)• وكانت خطاباته لجيشه جزءاً مهما من استراتيجيته، فمن أقوال أنه في الحرب تعتبر المعنويات والرأي تعادلان ما هو أكثر من نصف المعركة(38)• فمنذ معركة قيصر على نهر الروبيكون Rubican لم يكن لقائد مثل هذا التأثير الذي كان نابليون يُحدثه في جنوده• ويخبرنا بورين الذي كتب بعض هذه البيانات الشهيرة من املاء نابليون أن الجنود في حالات كثيرة لم يكونوا يستطيعون فهم ما يقوله نابليون لكن هذا لم يكن مهما فقد كانوا على استعداد لتنفيذ أوامره راغبين غير مكرهين حتى لو كانوا حُفاة وبلا مؤن(48) وفي كثير من خطبه شرح لهم خطط عملياته وعادة ما كانوا يفهمون ما يعنيه، وكانوا يتحملون المسيرات الطويلة الشاقة بصبر مما كان يمكّنهم من مفاجأة العدو أو اجتياحه بالتفوق العددي عليه• ومن أقوال نابليون أن أفضل الجنود هو الذي يسير بلا تعب، فهذا أفضل من مقاتل لا يجيد المسيرات الطويلة(58) وفي اعلان سنة 9971 قال للمستمعين إليه: إن فضائل الجندي تتمثل في الجَلَد والتحمل والنظام، وتأتي الشجاعة في المقام الثاني(68) وغالباً ما كان يبدي رحمة ولكنه لم يكن يتردد في اتخاذ قرارات قاسية إذا كان الانضباط في خطر• وبعد انتصاراته الأولى في إيطاليا عندما سمح لجنوده - بعد تروّ - بشيء من السلب لتعويض تقصير حكومة الإدارة في إمداد الجنود بالطعام واللباس والرواتب، عاد فمنع مثل هذه المسلك (السلب) وفرض النظام بشدّة ومنع السلب وسُرعان ما وُضعت أوامره موضع التنفيذ• يقول مينيفال لقد شهدت فيينا وبرلين ومدريد وغيرها من المدن حالات إدانة جنود وإعدامهم بمن فيهم جنود تابعون للحرس الإمبراطوري لارتكابهم أعمال سلب ونهب(78)•

وقد عبّر نابليون عن جانب من استراتيجية في صيغة رياضية كالتالي: قوة الجيش كالقوة الدافعة في الآلة تُقَدَّر بمدى السرعة التي تم تحقيقها في اجمالي مدة زمنية محدّدة• فالسرعة في المسير (الزحف أو الحركة) تزيد من الروح المعنوية للجيش، وتزيد من قوته لتحقيق النصر(88) وليس هناك مصدر موثق لتأكيد قول من ينسب إليه قوله: إن الجيوش تزحف على أمعائها والمقصود امداداتها من الطعام(98)• بل إن رأيه أقرب ما يكون إلى القول بأنها تزحف على أقدامها فقد كان شعاره القوة، النشاط، السرعة(09) وعلى هذا فهو لم يكن يعوّل على التحصينات كوسائل للدفاع فقد كان سيضحك ساخراً من خط ماجينو Maginot الذي أقيم سنة 9391، فقد قال في سنة 3971 (أي قبل إنشاء خط ماجينو الدفاعي بحوالي قرن ونصف): إنه لمن البديهي أن الجانب الذي سيبقى خلف خط محصّن سيظل دائماً مهزوماً وكرر قوله هذا في سنة 6081(19)• لقد كانت عناصر استراتيجية نابليون تقوم على: ترقُّب قيام العدو بتقسيم قواته أو نشرها، واستخدام الجبال والأنهار كساتر لحماية تحركات قواته (أي قوات نابليون)، والاستيلاء على المرتفعات الاستراتيجية التي تستطيع منها المدفاع أن تدك ساحة المعركة، واختيار ساحة معركة تُتيح المناورة للمشاة وقوات المدفعية والفرنسان، والتركيز على جانب من القوات - عادة ما يكون ذلك بالحث على سرعة الحركة - لمواجهة الكتلة الأكثر عدداً من قوات العدو التي بعدت عن القلب بُعداً يجعل من الصعب قدوم قوات أخرى لدعمها في الوقت المناسب•

والمَحَك الأخير للجنرال (نابليون) هو تكتيكاته - تنظيم قواته والمناورة بها من أجل المعركة وأثناءها• وكان نابليون يتخذ لنفسه موقعاً يستطيع منه أن يُشرف منه على أكبر مساحة من ساحة العمليات بحيث يكون آمناً له بقدر المستطاع• وطالما كانت خطة العمليات قد بدأت في الدخول إلى حيز التنفيذ - بما يتطلبه ذلك من تغيير سريع في مسار وقائعها - فإن هذا يستلزم تركيزاً ومتابعة شديدين منه، وفي هذه الحال يكون لسلامته (أمنه الشخصي أو عدم إصابته أو وقوعه في يد العدو) الاعتبار الأول، وحتى هذا كان بناء على تقدير جنوده للموقف أكثر من كونه إجراء عملياً يتم تنفيذه فعلاً، ذلك أنه إن خطر في باله أنه من الضروري أن يعرّض نفسه للخطر فإنه لم يكن يتردد في ذلك كما حدث في أركول Arcole وأكثر من هذا فقد قرأنا عن مقاتلين قد قُتلوا وهم إلى جواره في موقعه الذي يشرف منه على المعركة• لذا فقد كان يُرسل التعليمات لقيادات قواته في المشاة والمدفعية والفرسان عن طريق عاسكر المراسلة الراكبين، ليعودوا إليه سِراعاً لإخباره بمجريات الأمور في كل جانب من جوانب مسرح العمليات، فقد كان نابليون يعتقد أن الجنود لا تكون لهم قيمة بشكل أساسي في المعركة إلاّ من خلال مواقعهم، والمناورة بهم• هنا - أيضاً - كان هدفه هو التركيز بزخم جنوده وكثافة نيرانه علي نقطة بعينها، وكان يفضل أن تكون هذه النقطة هي جناح جيش العدو على أمل بث الفوضى في صفوف قوات جيش العدو في هذا الجزء (الجناح) مما يؤدي لانتشاره (تشتته)• فمن أقواله: في المعارك تأتي لحظة يشعر فيها أشجع الجنود - بعد أن يكونوا قد بذلوا أقصى المجهود - بالرغبة في الجري (ترك ساحة القتال)•• فالجيشان المتحاربان كيانان يلتقيان ويناور كل واحد منهما ليخيف الآخر، وتحدث لحظة الرعب، ولابد من استغلال هذه اللحظة والاستفادة منها• وعندما يكون الإنسان قد اعتاد حضور العمليات العسكرية، يمكنه أن يتعرّف على هذه اللحظة ويحدّدها دون مشقّة(29)• وكان نابليون سريعاً - على نحو خاص - في انتهاز مزايا هذه الفرص في تطور المعارك أو أنه إذا اعترى رجاله التردد، يقوم بإرسال التعزيزات، أو يغير خط العمليات أثناء المعركة، وقد أدى هذا إلى توفير يوم لصالحه في معركة مارينجو Marenego• لم يكن التراجع لفظاَ معروفاً في قاموسه قبل سنة 2181•

وكان من الطبيعي أن رجلاً طوَّر مثل هذه المهارة القيادية العسكرية أصبح يجد إثارة مُرعبة في الحرب• لقد سمعنا أنه يجعل المدنيين (غير العسكريين) في المحل الأول قبل الجنود، فقد كان يُعطي الأسبقية في بلاطه لرجال الدولة (المدنيين) ليأتي المارشالات بعدهم (في المقام الثاني) وعندما كان ينشأ صراع بين السكان المدنيين والعسكريين، فإنه كان يأخذ تلقائياً جانب المدنيين(39)• لكنه لم يستطع أن يُزيل من نفسه أو من الآخرين الإحساس بأنه كان يجد في ساحة المعركة سعادة أكثر من أي سعادة أخرى في مجال الإدارة• لقد قال، واعترف لجوميني Jomini أن هناك مرحاً أو متعة في الخطر وأنه يحب جو الإثارة في المعركة(49) لقد كان أسعد ما يكون عندما يرى جموع المقاتلين يتحركون وفقاً لمشيئته في العمليات العسكرية التي غيّرت الخريطة وكتبت التاريخ• لقد كان ينظر لمعاركه على أنها استجابة لهجوم (رداً على هجوم) لكنه كان يؤمن بما ذكره لبورين - على حد رواية هذا الأخير: إن سلطاني يقوم على مجدي، ومجدي يعتمد على انتصاراتي• وسيضيع سلطاني إذا لم أدعمه بمجد جديد وانتصارات جديدة• فالفتح (الغزو) هو الذي جعلني على ما أنا عليه الآن، والفتح وحده هو الذي سيبقيني(59) ولا نستطيع ان نثق تماما في نسبة هذا الاعتراف بالغ الأهمية لنابليون، فقد رواه بورين غير المحب لنابليون (في فترة كتابته عنه) لكن لا كاس Las Cases الذي كان نابليون بالنسبة له يأتي في المحل الثاني مباشرة بعد الرب نسب إليه قوله (في 21 ماسر سنة 6181): لقد تطلعت أن أكون إمبراطوراً للعالم، وأن أؤمّن ذلك لنفسي، فالسلطة التي لا تحدها حدود مسألة ضرورية لي(69)•

أكان نابليون - كما قال أعداؤه عنه - جزاراً؟ لقد قيل إنه جند في جيوشه عدداً يبلغ إجماليه 000،316،2 فرنسي(79)، مات منهم حوالي مليون في سبيل خدمته(89)• أكان يُزعجه القتل؟ لقد ذَكَرَ القتل الجماعي (مُنَدِّداً) في مناشدته للقوى المعادية له طلباً للسلام، وقيل أنه بكى عندما رأى جثث القتلى في إيلاو(99) Eylau، بل إنه قال للاكاس Las Cases بعد أن انتهى كل شيء، وراح يسترجع ما كان: لقد كنت أقود المعارك التي أخوضها واضعاً في اعتباري مصير الجيش ككُل (برمته) دون أن أضع العواطف في اعتبار• لقد كنت أرقب تنفيذ المناورات التي يقتضي تنفيذها كثيراً من القتلى يسقطون بين صفوفنا، ومع هذا تظل عيناي جافتين (بلا دموع)(001)• ومن المحتمل أنه كان علي الجنرال (نابليون) أن يعزّي نفسه بفكرة أن موت هؤلاء الشباب صغار السن لم يكن أمراً مهماً بالنسبة للمكان والزمان اللذين لاقوا حتوفهم فيهما، فعلى أية حال، أليست هذه هي النهاية الطبيعية لهم، فمن لم يمت بالحرب مات بغيرها، وإن كان - أي نابليون - يؤمن بشكل غامضن أن موتهم في غير الحرب أقل مجداً لهم كما أن موتهم في غير الحرب ربما سبب لهم آلاماً أكثر ففي الحرب يكون المرء مخدّراً مستعداً للموت، كما أن الموت في الحرب يُعطي المرء تعويضاً عن موته متمثلاً في بريق الشهرة! ومع هذا فقد شعر كما شعر كثيرون من العلماء (رانكه Ranke وسورل Sorel وفاندال Vandal•••) أنه إن كان مذنباً فإنما ارتكب آثامه ضد من هم أشد منه إثماً ذلك أنه حارب ومارس القتل دفاعاً عن النفس ذلك لأن المتحالفين ضده قد صمَّموا على عزله باعتباره ابناً للثورة ومغتصباً لعرش البوربون• لقد طالب مراراً بالسلام، فلم تلق طلباته بهذا الشأن إلاَّ إعراضاً• ومن أقواله: إنني ما غزوت إلاَّ دفاعاً عن النفس• فأوروبا لم تكف عن شن الحرب ضد فرنسا ومبادئها وضدي شخصياً• وظل التحالف الأوروبي قائما ضد فرنسا إما سراً وإما جهراً(101) وكان نابليون قد تعهد عند تتويجه بالحفاظ على الحدود الطبيعية لفرنسا، فماذا كانت ستقول فرنسا لو أنه تخلّى عن هذه الحدود؟ فمن أقواله إن السُّوقة لم يتوقفوا عن لومي على أساس أن كل حروبي إنما كانت لتحقيق طموحي• لكن أكانت هذه الحروب من اختياري؟ ألم تكن دائماً مفروضة يتعذر اجتنابها؟ ألم تكن نضالاً بين الماضي والمستقبل(201)• وكان نابليون دائماً مثقلاً - بعد الأعوام الأولى النشطة المفعمة أحداثاً - بمشاعـر مؤدّاها أنّه مهمـــا كان عـــدد انتصاراته فإن هزيمـة واحدة حاسمة ستمحقه ليغدو تحت رحمة أعدائه• لقد كان مستعداً للتنازل عن نصف العالم مقابل السلام لكن وفقاً لشروطه•

ويمكننا أن نُنهي حديثنا بالحديث عن نابليون كجنرال، أنه كان حتى في تيلست Tilsit (7081) وفي غزوه لأسبانيا، في حالة دفاع، ومن ثمّ فإن محاولته لضم النمسا ثم بروسيا فأسـبانيا فروسـيا وإحكــام الحصــار القارِّي (المضاد) إنمــا فرض حروباً إضافية على فرنسا المنهكــة وأوروبا الممتعضــة• ورغــم أنـه كـان قـد برهـن على أنه إداري متفوق من الطراز الأول إلاّ أنه تخلّـى عـن الاهتمام بأمور الدولة في سبيل تحقيق المجد في مضمار مباهج الحرب• لقد رَبِح فرنسا كجنرال، لكنه أيضاً ضيّعها كجنرال• لقد أصبح موطن قوته هو حَتْفه•


5- نابليون الحاكم

لم يَنْس نابليون تماما وهو حاكم مدني أنه كان قد نشأ في رحاب الجنرالية• لم يغب ذلك عنه أبداً، فقد ظلت عادات القيادة باقية فيه لكنها مقموعة مُثبطة إلاَّ في مجلس الدولة وفي الاعتراض أو المناقشات• لنسمعه يقول: منذ دخولي الحياة العامة (المقصود غير العسكرية) للمرّة الأولى كُنتُ معتاداً على ممارسة القيادة (إصدار الأوامر) فتكوين شخصيتي وقوّتها كانتا من النوع الذي يجعلني إذا ما أصبحت السلطة في يدي لا اعترف بأيِّ سيِّد إلاَّ ما هو نتيجة فكري ولا أي قانون إلاّ إذا كان من وضعي أو بتعبير آخر إلا إذا كان منبثقا من قناعتي(301) لقد رأيناه في سنة 0081 يؤكد على الصيغة المدنية (غير العسكرية) لحكمه - عندما كان الجنرالات يتآمرون عليه لعزله، لكن في سنة 6181 دافع عن وجهة النظر التي مؤدّاها أنه في خاتمة المطاف، فإن التحليل الصحيح يعني أنه إن أردت أن تحكم فمن الضروري أن تكون رجلاً عسكرياً، فالمرء لا يمكن أن يحكم إلاّ ملوحاً بغنيمة ومستخدماً مهمازاً(401) لذا فإنه بنظرته الثاقبة لُمِثُل الشعب الفرنسي ما ظهر منها وما بطن، ما هو سَوِي منها وما متناقض - أعلن أنه رجل السلام وعبقري الحرب• ومن هنا فإن الديمقراطية النسبية التي شهدها عهد القنصلية ذابت في ظل النظام الملكي في عهد الإمبراطورية، ثم ذابت أخيراً•• في عهد السلطة المطلقة• لقد كان مصير مدونات نابليون القانونية - فيما يتعلق بقانون العقوبات (0181) - أن أصبحت قاسية مثّلت في قسوتها أساليب العقاب البربرية في العصور الوسطى• ومع هذا فقد ظل نابليون متألقاً ذكياً في أمور الحكم كما كان في أمور المعارك• ولقد تنبأ نابليون أن إنجازاته في أمور الإدارة ستبزّ انتصاراته العسكرية وستكون أكثر خلوداً في التاريخ، وأن مدوّنته القانونية ستكون أثراً أكثر خلوداً من استراتيجية وتكتيكة (التي لم تصبح ذات صلة بالحروب الجارية)• لقد كان نابليون يرنو لأن يكون جستنيان عصره بالإضافة إلى كونه قيصره Caesar• ولم يقض نابليون في باريس سوى 559 يوماً من إجمالي أيامه التي كان فيها إمبراطوراً، والبالغة 0863 يوماً (4081 - 4181)، ومع هذا فقد أعاد صياغة فرنسا في هذه الأيام البالغة 559 يوماً(501)، ففي هذه الأيام كان قبل 8081 يرأس بانتظام مرتان في الأسبوع - مجلس الدولة، وقال لا كاس Las Cases في ذلك الوقت (وكان هو عضواً في المجلس): ولم يكن أحد منا يغيب مهما كان السبب(601) وكان يعمل بجد شديد فنظراً لرغبته الشديدة في إنجاز الأمور، كان يستيقظ أحياناً في الساعة الثالثة صباحاً ويظل يواصل العمل طوال النهار• وغالباً ما كان يتوقّع أن يبذل مساعدوه الجهد نفسه• وكانوا دائماً جاهزين لتقديم معلومات حديثة جداً عن أي أمر واقع في دائرة اختصاصهم، وكان يحكم عليهم وفقاً لدرجة دقة تقاريرهم ونظامها ووفائها بالمراد، وسرعة تقديمها حاوية آخر التطورات حتى آخر ساعة• ولم يكن يعتبر يومه منتهياً حتى يقرأ المذكرات والوثائق التي غالباً ما كانت تأتيه يومياً من دوائر الحكومة المختلفة• وربما كان نابليون هو صاحب أفضل جهاز للتزويد بالمعلومات في التاريخ•

وقد اختار للوزارات الكبرى (المهمة) رجالاً ذوي قدرات عالية من الطراز الأول مثل تاليران Talleyrand وجودين Gaudin وفوشيه Fouche رغم اعتزازهم الشديد بأنفسهم مما كان يسبب له بعض المتاعب، وكان يفضل - بشكل عام - للمناصب الأخرى خاصة الإدارية رجالاً من الطبقة الثانية ممن لا يوجِّهون أسئلة له أو يقترحون عليه إجراءات من عند أنفسهم، فلم يكن لديه الوقت أو الصبر لمثل هذه المناقشات، فقد كان ينتهز الفرص وفقاً لتقديره هو، كما كان يتحمل المسؤولية والمخاطرة• وكان يطلب من العاملين معه أن يُقسموا يمين الإخلاص ليس فقط لفرنسا وإنما الإخلاص له شخصيا• وفي معظم الحالات كانوا علي استعداد للموافقة على أداء هذا القسم مَسُوقين بتأثير شخصيته وكأنهم منوَّمون مغناطيسياً وبتأثير عظمة مخططاته• لقد كنت أثير المنافسة وأكافئ كل مستحق وأُزيح للخلف حدود المجد لأجعل مجالها أرحب(701)• لكنه دفع ثمن منهجه في اختيار مساعديه ذلك المنهج الذي سار بالتدريج نحو إحاطة نفسه بتابعين قلّما كانوا يجسرون على مناقشة وجهات نظره حتى أن الأمر انتهى بإزاحة كل اعتراض في سبيل تسرعه أو كبريائه إلاَّ ما تمثله الدول الاجنبية المعادية له، إلا أن كولينكور Coulanicourt يُعد استثناء من هؤلاء المحيطين به في سنة 2181•

لقد كان نابليون قاسياً مع مرؤوسيه، صارماً إذا وبّخ، بطيئاً إذا امتدح، لكنه كان مستعداً للمكافأة على الخدمات الباهرة (غير العادية) ولم يكن يؤمن بوضع مرؤوسيه في وضع يكونون فيه مطمئنين مرتاحي البال، فشيء من الوعد غير الموكدة بمنصب أو ولاية قد يدفع لمزيد من العمل الجاد، ولم يكن نابليون يعترض على اتصالاتهم وتكوين علاقات وثيقة بينهم، بل ولم يكن يعترض على وجود أمور غامضة مشبوهة في ماضي الواحد منهم فذلك يتيح له ممسكاً يضمن به حُسْن سلوكهم(801)• وكان يستخدم مساعديه إلى أقصى درجة، ثم يترك الواحد منهم ليعود متراجعاً مستمتعاً بمعاشٍ سخي، وربما ببعض ألقاب النَّبالة كمفاجأة سارة• ولم يعش بعضهم حتى يتلقوا هذه المكافأة أو حتى يصلوا إلى هذه النتيجة المرجوّة، فقد فضل فيلينيف Villeneuve الذي هُزِم في الطرف الأغر - الانتحارَ علي مواجهة لومه، ولم تَهُز الاعتراضات مشاعره القاسية، فمن أقواله: يجب أن يكون قلب رجل الدولة في رأسه(901) ولا يجب أن يُدخل مشاعره في الأمور السياسية، وفي عملية إدارة إمبراطورية، لا يساوي الفرد إلاّ قليلاً إلاّ إذا كان هذا الفرد هو نابليون• وربما بالغ نابليون في عدم إحساسه بأهميــة الجاذبية الشخصية عندما قال: أنا لا أحب إلاّ المفيدين لي، وطالما هم مفيــدون(011) وقد اســتمر نابليون في حبّه لجوزفـين فتــرة طويلة بعد أن أصبحت مُعوَّقةً لخططه• وبالطبــع فإنه كمعظم البشــر كــان في هــذا راضخاً لرغبته فيها• وكان يعدّل في نشراته الحربية - كما تفعل معظم الحكومات - ليحتفظ بالروح المعنوية العامة مرتفعة• وقد درس ميكافيلي Machiavelli وقلمه الرصاص في يده (كناية عن الاهتمام ليخط به تحت السطور الحاوية على فكرة مهمة) وثمة نسخة من كتاب الأمير (لميكيافيلي) عليها بعض التعليقات تم العثور عليها في مركبته في واترلو Waterloo• لقد كان نابليون يعتبر أن كل شيء يُعجِّل بتحقيق أهدافه شيء طيب أو بتعبير آخر كان يعتبر الغاية تبرر الوسيلة• إنه لم ينتظر نيتشه Netzche ليُرشده بقوله أن الرغبة في القوة كامنة وراء الخير والشر على سواء لذا فإن نيتشه اعتبره الناتج الطيب الوحيد للثورة الفرنسية وأطلق عليه Ens realissimum وقد قال نابليون القوة خير والضعف شر(111) وقد حزن من أجل أخيه جوزيف (يوسف) قائلاً إنه أطيب من أن يكون رجلاً عظيماً ومع هذا فقد كان نابليون يحبه•

وقريب من آرائه هذه - التي تعلمها في كورسيكا وفي ميادين القتال - ما كان يكرره كثيراً أن الناس لا يمكن دفعهم أو حكمهم إلاَّ بالتلويح بمصالحهم أو بإخافتهم أو بتعبير آخر لا يرضخون إلاّ خوفاً أو طمعاً(211)• لذا فإنه عاماً بعد عام أصبحت مشاعره هذه هي أساس حكومته وعُمُدُها• ففي سنة 0081 نصح الجنرال هيدوفيل Hedouville أنه ليقمع الاضطرابات في إقليم فندي Vendee عليه أن يحرق مدينتين كبيرتين - أو ثلاث - ويسويها بالأرض، على أن تكون هذه المدن في المناطق الأكثر إثارة للاضطراب، وذلك لتكون عِبْرة لغيرها• لقد علّمته خبرته (كقنصل أول) أن القسوة المروّعة هي أكثر الوسائل إنسانية ورحمة في ظل هذه الظروف التي تواجهها، فالضعف هو وحده القاسي وغير الإنساني(311)• وكان يوجه تعليمات لقضاته بإصدار أحكام قاسية• وقال لفوشيه Fouche إن فنّ الشرطة يعني أن نعاقب قليلاً لكن إن عاقبت فكن قاسيا(411) ولم يكتف نابليون بالاعتماد على قوات كبيرة من الشرطة والمخبرين السريين تحت إدارة فوشيه أو ريجنييه Regnier، وإنما نظَّم هيئة إضافية للشرطة السرّية، مهمتها مساعدة فوشيه وريجنييه والتجسّس عليهما، وأن يكتــب أفرادهـا تقارير له عن أية مشاعر معادية ضدّه (ضد نابليون) في الصحف أو المسارح أو الصالونات أو الكتب• ومن أقوال نابليون إن الحاكم عليه أن يشك في كل شيء(511)• وبحلول عام 4081 كانت فرنسا دولة بوليسية• وبحلول عام 0181 أصبح فيها نماذج مصغرة لسجن الباسيتل - سجون الدولة التي كان يمكن فيها احتجاز المعارضين السياسيين بناء على أوامر إمبراطورية دون أن يتم ذلك من خلال إجراءات قضائية نظامية(611)• وعلى أية حال فلابد أن الإمبراطور كانت تبدر منه مبادرات الرحمة والعفو في عدة مناسبات• فقد أصدر كثيراً من مراسيم العفو حتى بالنسبة للذين تآمروا ليقتلوه(711)، وأحياناً كان يخفف الأحكام الشديدة التي تصدرها المحاكم(811)• لقد قال - وهو مستغرق في التأمل - لكولينكور Coulaincourt في ديسمبر سنة 2181: إنَّهم يظنوني صارماً أو حتى متصلّب الفؤاد• هذا أفضل كثيراً، فهذا يجعل من غير الضروري أن أُثبت لهم ذلك• إنهم يظنون ثباتي (تصميمي) قسوة قلب• إنني لن أشكو ما دامت هذه الفكرة عنِّي هي السبب في الانضباط وحُسن النظام الذين أصبحا سائدين•• انظر هنا يا كولكينكور، إنني بشر، فمهما كان ما يقوله بعض الناس فإن لدي مثلهم أحشاء [أحشاء الرحمة] وقلب - لكنه قلب حاكم• إن دموع أرشدوقة لا تحركني• وإنما تحركني معاناة الناس(911)•

ولا جـدال أنه كان إمبراطوراً وأنه في غالب أحواله كان متنوراً، وفي غالب أحواله كان في عجلة مطلقة• لقـد اعـترف للاكاس Las Cases: الدولــة أنا(021)• وربمــا كــان علينا أن نغفر له شيئاً من استبداده باعتباره إجــراء معتـاداً تقــوم به الحكومات لضبط الاقتصاد الوطني والمسارح والمنشورات زمن الحرب• وقد شرح نابليون إحكامه الهيمنة على أمور البلاد باعتبارها أمراً ضرورياً في مرحلة الانتقال الصعبة من الحرية المتسيِّبة بعد سنة 1971 نتيجة وقائع الثورة، والنظام البنّاء في عهدي حكومتي القنصلية والإمبراطورية• وقد استدعى نابليون لذاكرة الناس أن روبيسير - وكذلك مارا Marat - كان قد أوصى بالدكتاتورية كضرورة لإعادة النظام والاستقرار لفرنسا التي أشرفت على الانحلال والتفسّخ على صعيد الأسرة وعلى صعيد الدولة• ولم يشعر نابليون أنه دمَّر الديمقراطية، فما أزاحه في سنة 9971 كان هو أوليجاركيّة الفساد (جمهورية تسيطر عليها مجموعة فاسدة) والقسوة وعصبة من رجال لا ضمير لهم• لقد قضى على حرية الجماهير (الجموع) لكن هذه الحرية كانت تدمّر فرنسا بالاضطرابات التي كان يثيرها العامة، وبالتسيّب الأخلاقي، ولم يكن يمكن لفرنسا أن تستعيد قوتها كدولة متحضرة ومستقلة إلاّ بإعادة السلطة المركزية•

وحتى سنة 0181 لم يكن نابليون بمستطيع أن يتسامح مع نفسه لعدم صدقه في ادعائه الإيمان بالهدف الثاني للثورة الفرنسية وأعني به المساواة، لكنه آمن بمبدأ مساواة الجميع أمام القانون وعمل على نشر هذا المبدأ• فهو لم يفرض مساواة مستحيلة تجعل كل قدرات الناس واستحقاقاتهم على نحو سواء، وإنما أسس نسقاً من المساواة قوامه إتاحة الفرص - على نحو سواء - لكل الموهوبين وذوي القدرات بصرف النظر عن مكان مولدهم ليطوروا أنفسهم في مجتمع يُقدِّم للجميع دون مفاضلة فرص التعليم، والفرص الاقتصادية والحقوق السياسية، وربما كان فتحه المجال لكل ذي موهبة ومقدرة هو أكثر عطاياه لفرنسا بقاءً• وكان نابليون يقضي على الفساد في الحياة العامة(121)• وهذا وحده يكفي لتخليد ذكراه• لقد أعطى المثل - بكل معنى الكلمة - لرجل يكرس نفسه للإدارة إذا لم تدعُه الحربُ لميادينها• لقد أعاد صياغة فرنسا•

لماذا فشــل إذن؟ ذلك لأن مـا كـان فـي حـوزته فـاق إمكاناتـه (اســتطاعته)، وخيالـه سيطر على طموحه، وطموحه تحكم في بدنه ونفسه وعقله وشخصيته• لقد كان عليه أن يعرف أن القوى المناوئة له لم تكن لترضى أبداً بترك فرنسا تحكم نصف أوروبا• لقد نجح - بشكل يمكــن تحديده• في تخليص بــلاد الرايــن الألمانية مـن اقطاع القرن التاسع عشر لكنه لم يكــن بمستطيع - لا هو ولا أي رجـل في عصره - أن يُدمج في فيدرالية دائمة منطقة طال عليها العهد وهي مقسمة إلى دول، كل دولة منها لها تراثها الحريصة عليه، ولها لهجتها الخاصة وعاداتها وعقيدتها وحكوماتها• ويكفي أن نذكر هذه الممالك المختلفة من الراين إلى فستولا Vistula ومن بروكسل لنابلي لنحس بحجم المشكلة: ممالك أو إمارات مثل هولندا، وهانوفر، ووستفاليا Westphalia والمدن الهانسياتية Hanseatic، وبادن Baden وبافاريا، وفيرتمبرج Wurttemberg وإيليريا Illyria والبندقية (فينيسيا) ولمبارديا والولايات الباباوية والصقليتين - من أين له برجال أقوياء بالقدر الذي يكفي لحكم هذه المناطق، وفــرض الضرائـب علـى أهلهــا، وأخيراً لتجنيــد أبنائهــم لشــن حــروب ضد أمم أقرب إليهم من فرنســا؟ كيــف يســتطيع أن يفــرض الوحــدة بين هذه الدوائر الإضافية البالغ عددها أربعة وأربعــين ودوائــر فرنســا البالغ عــددها ســتاً وثمانون؟ أو كيف يستطيع أن يوحّد قســراً ســتة عشـــر مليونــاً من الأقويــاء المعتزين بأنفسهم مع ستة وعشرين مليونا من الفرنسيين المتقلبين والمعتزين بأنفسهم أيضاً؟ ربما كان أمراً رائعاً أن يحاول ذلك لكن كان لابد أن يحالفه الفشل في هذه المحاولة• وفي خاتمة المطاف أطاح الخيال بالعقل• لقد تفرّق شمل هذا الكيان غير المستقر، وهزمت القوة الراسخة للشخصية الوطنية إرادة الدكتاتور الكبير•



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

6- نابليون الفيلسوف

وعندما طوى الخيال جناحيه، أصبح نابليون قادراً على استخدام عقله على نحو ما يفعل أفضل العلماء وأكثرهم مقدرة في المعهد العلمي الفرنسي، ومعهد دراسة مصر• ورغم أنه لم يستنبط نظاماً محدداً من الفكر يتحتم سجن الكون داخله بحيث لا تفلت منه شاردة ولا واردة، إلاّ أن عقله الواقعي قد أظهر القصورَ في أعمال المفكرين الذين يسيئون استخدام الأفكار ويبنون قلاعاً في الهواء لا أساس لها من البيولوجيا (علوم الأحياء) أو التاريخ• فبعد أن جرَّب (أي نابليون) لابلاس Laplace وغيره من العلماء في المناصب الإدارية، خلص إلى أنك لا تستطيع أن تنجر أي عمل مع فيلسوف(221) وعلى أية حال فإنه شجع العلوم وأوصى بدراسة التاريخ فمن أقواله لابد ان يدرس ابني كثيرا من علم التاريخ وأن يستغرق في تأمله، فالتاريخ هو الفلسفة الوحيدة الحقيقية(321)•

وكان الدين واحداً من المجالات التي روّج لهاالمفكرون بدلاً من ترسيخ أنفسهم في مجال التاريخ• وقد شعر نابليون أن عالم المنطق وحده هو الذي يمكن أن يقلق طويلاً أمام هذا السؤال: هل الله موجود؟ أما الفيلسوف الحقيقي الذي تعلم في مدرسة التاريخ فيجب أن يسأل لماذا يظل الدين حياً دائماً ويلعب دوراً مهماً في كل حضارة، رغم أنه - أي الدين - كان في أغلب الحالات تنقصه الحجة ويدعو للسخرية؟ لماذا قال فوليتر الفيلسوف المتشكك إن الله لو لم يكن موجوداً لكان من الضروري أن نخترعه أو بتعبير آخر نتخيل وجوده؟•

لم يكن نابليون نفسه يؤمن بعقيدته الدينية منذ كان في الثالثة عشرة من عمره• وفي بعض الأحيان كان يتمنّى لو كان قد احتفظ بها• إنني أتخيّل أنها (أي العقيدة) لابد أن تؤدي إلى سعادة كبيرة حقيقية(421) وكلنا يعرف القصة التي حدثت في مصر عندما سمع بعض العلماء (الفرنسيين) يتحدثون عن (الخالق) بغير وقار، إذ تحداهم مشيراً إلى النجوم: تحدثوا كما تشاءون، وأطيلوا الحديث كما يحلو لكم أيها السادة من خلق كل هذه النجوم؟(521) ومن الممكن أن نقتبس من أقواله ما يؤيد وما يعارض مقالته هذه وموضوعات أخرى كثيرة، لأنه غيّر وجهات نظره بمرور الوقت، كما تغيرت حالته النفسيّة أيضاً ونحن نميل لتجاهل تواريخ حدوث هذا التغير، فحتى بالنسبة للمفكّر الذي لم يبلغ الخمسين من عمره نجده يتخلّى عن عقائد أقسم في شبابه ألا يتخلى عنها، ومن في الثمانين من عمره لا يبتسم ساخراً من وجهات النظر الناضجة التي قال بها في أواسط عمره؟ وبشكل عام فإن نابليون ظل محتفظاً باعتقاده في وجود عقل كامن وراء العالم المادي أو كامن فيه(621) لكنه ينكر معرفته بأية معلومات عن طبيعة هذا العقل وهدفه• لقد استقر رأيه وهو في سانت هيلانه على أن كل شيء يشهد بوجود الله(721) لكن أن تقول من أين جئت؟ ومن أكون، وإلى أي مصير أنا صائر، فتلك كلها مسائل فوق مستوى الفهم(821) وفي بعض الأوقات نجده يتحدث كالتطوريين الماديين materialistic evolutionist المادة كل شيء(921)••• فالإنسان ليس إلاّ موجوداً أكثر اكتمالاً من الحيوان، وأفضل منه تفكيراً(031) ومن أقواله أن الروح ليست خالدة، وإذا كان لابد أن نقول بشأنها قولا فقد وجدت قبل أن نولد(131) ومن أقواله أيضاً: إن كان لابد أن أتخذ ديناً لعبدتُ الشمس لأنها السبب في خصوبة كل شيء إنها الرّب الحقيقي للأرض(231) ومن أقواله لقد كان يتحتم عليَّ أن أتخذ ديناً لو أنه وُجد مع بداية الكون• لكنني عندما أقرأ سقراط أو أفلاطون أو موسى أو محمد (المترجم؛ عليهما السلام) فإنني لا أزداد إيماناً، فكلها عقائد ابتدعها الناس(331)•

لكن لماذا ابتدع الناس الأديان؟ يجيب نابليون: لقد ابتدعوها ليريحوا الفقراء وليمنعوهم من قتل الأغنياء• ذلك لأن الناس قد ولدوا غير متساوين وزادت الفروق بينهم مع كل تقدم في مجال التكنولوجيا والتخصص، ولابد للحضارة أن تستنبط وسائل لمكافأة ذوي القدرات المتفوقة والاستفادة منهم وتطويرهم، ولابد ان تُقنع الأقل حظاً بأن يقبلوا بسلام هذا التفاوت في العوائد والممتلكات باعتباره أمراً طبيعياً وضرورياً• كيف يمكن أن يتم هذا؟ يجيب نابليون: بالقول أن ما حدث إنّما هو إرادة الله ومشيئته، إنني لا أرى في الدين سر التجسّد بل سرّ النظام الاجتماعي• إن المجتمع لا يمكن أن يقوم إلاّ في ظل التفاوت (عدم المساواة) في الرواتب أو المكافآت أو الدخل، ومن ثم في الممتلكات هذا التفاوت (عدم المساواة) لا يمكن الإبقاء عليه إلاّ بالدين••• لابد أن يكون في مقدورنا أن نقول للفقير: تلك إرادة الله• لابد أن يكون هناك غني وفقير في هذا العالم لكن في الآخرة حيث الخلود، سيكون هناك توزيع مختلف(431) ومن أقواله إن الدين ينسب إلى (فكر) الله فكرة المساواة التي تنقذ الأغنياء من مذبح يقيمها لهم الفقراء(531)•

وإذا كان هذا صحيحاً فقد أخطأت حركة التنوير في مهاجمتها للمسيحية وأخطأت الثورة الفرنسية في وضع العراقيل في سبيل الدعوة للكاثوليكية• فانعدام الحكومة على المستوى الفعلي والخلقي [؟] الذي قاسينا منه نتيجة الفوضى العقلية الأخلاقية [؟] - انهيار الإيمان وإنكار العقيدة كانا استهلالاً له أو سبقاه فكان انعدام الحكومة نتيجة لهما(631) وربما لهذا السبب ولأغراض سياسية أعاد نابليون الكنيسة الكاثوليكية لتكون حارساً مقدّسا للأمة الفرنسية وهو - أي نابليون - لم يفسرّ هذا التحالف الجديد مع الكنيسة بمعنى ارتباطه بالوصايا العشر(üüü)، وإنما كان يطوف حولها - أي هذه الوصايا - بين الحين والحين ومع هذا فقد دفع رواتب القسس ليبشروا بها لجيل مرتعب من الفوضى ومستعد للعودة إلى النظام• وكان معظم الآباء والمعلمين سعداء بالحصول على عون العقيدة الدينية لتنشئة أبنائهم وتربيتهم - لمواجهة النزوع الطبيعي للشباب إلى الفوضى - بالقوانين الأخلاقية القائمة على أسس من التقوى الدينية وأسس من حب الآباء لأبنائهم وولاء الأبناء لآبائهم، باعتبارها - أي هذه الأسس - من عند الله المطّلع على كل شيء والذي يعاقب المخطئ عقاباً أبدياً، ويثيب المصيب ثواباً أبدياً، وكان معظم أفراد الطبقة الحاكمة ممتنيّن لعملية تعليمية تُفرز رأياً عاماً يقبل بمبدأي التفاوت (عدم المساواة) في القدرات والممتلكات باعتبار هذا من الأمور الطبيعية التي لا مفر منها• فأبناء الأرستقراطية القديمة قد جرى إيجاد المبرّرات لهم بالقول أنهم طهرَّوا ثرواتهم بما لهم من أفضال وبأسلوب حياتهم، أما أبناء الارستقراطية الجديدة فقد ترسَّخت ارستقراطيتهم كما أن الثورة - طوال جيل - قد كفّت صوتها وأخفت بنادقها• في هذا المجتمع الذي تُبعث فيه الحياة من جديد لزم أن يُعاد للزواج أهميته وقداسته وشرعيته مرة أخرى، وكذلك لزم الأمر نفسه بالنسبة للأمومة، وكذلك الملكية - وليس الحب الرومانسي، لزم لهذا كله أن يُرسَّخ لتحقيق غاياته• فالحب الذي ينشأ نتيجة المفاتن البدنية بين الفتى والفتاة إنما هو بسبب الهرمونات وتقارب العمر والاقتراب المكاني• وأن توجد زواجاً دائماً اعتماداً على هذه الظروف القائمة على المصادفة والظروف العابرة إنما هو تفكير يدعو للسخرية• إنه حماقة مزدوجة(831)• إن كثيراً من هذا الحب تثيره - بشكل غير طبيعي - الكتابات الرومانسية• وربما اختفى لو أن الناس كانوا أميِّين• يقول نابليون إنني اعتقد جازماً أن الحب الرومانسي له من الأضرار أكثر مما له من الحسنات•• وربما كان من الخير اقصاؤه كسبب لتوحّد رجل وامرأة في مشروع دائم لتنشئة الأطفال وأساس لنقل الملكية (المقصود التوريث أو انتقال الثروة بالميراث) ويقول نابليون لابد من منع الزواج بين ذكر وأنثى يعرف كل منهما الآخر لفترة تقل عن ستة أشهر(931)• وكان نابليون يؤمن بنظر محمد (صلى الله عليه وسلم: المترجم) للزواج: إن هدفه هو إنجاب عدد كبير من الذرية في ظل ظروف يتمتع فيها الرجل بالحرية، وتتمتع فيها الزوجة المخلصة المطيعة بالحماية• وشعيرة الزواج - رغم إمكان عقد القران مدنياً - لابد أن تكون ذات طابع مقدّس وقور يتم التأكيد خلالها على التزامات الطرفين(041)• ولابد أن ينام الزوج والزوجة معاً، فهذا يُقصي الفردية من الحياة الزوجية ويضمن وضع المرأة وارتباط الزوج بها، ويجعل بينهما مودة ورحمة intimacy ويضمن الفضيلة(141) وقد اتبع نابليون هذه العادات القديمة حتى استقر رأيه على الطلاق•

وعلى أية حال فإن كانت الزوجة المخلصة الواحدة غير كافية للرجل فإنني أجد أنه من السخرية ألاّ يكون قادراً على أن يكون له أكثر من زوجة شرعية، ذلك أن المرء إذا كان لديه زوجة واحدة حُبلى، أصبح وكأنه لا زوجة له(241) فتعدد الزوجات أفضل من الطلاق أو الزنا• ويجب ألا يُسمح بالطلاق بعد عشرة زوجية استمرت عشر سنوات• ويجب ألا يُسمح للزوجة بالطلاق إلاّ مرة واحدة وألاّ يُسمح لها بالزواج - إن طُلقت - إلا بعد خمس سنوات(341) ولا يعتبر زنا الزوج مبرراً كافياً للطلاق إذا لم تكن هناك ظروف أخرى كاحتفاظ الزوج بخليلته في مكان إقامة الزوجة(441) وإذا اقترف الزوج عملاً من أعمال الخيانة الزوجية وجب عليه أن يعترف لزوجته ويبدي ندمه فيمحو باعترافه وندمه كل أثر من آثار جُرمه• تغضب الزوجة وتعفو فتنصلح الأمور بينهما• لكن الأمر يختلف إن كانت الزوجة غير مخلصة لزوجها• شيء طيب أن تعترف وتعتذر لكن من الذي يضمن ما إذا كان قد بقي - نتيجة خياتها - شيء من رَحِمها أو في عقلها؟ لذا فالزوجة بعد خيانتها لا يجب (ولا يمكن) أبداً أن تنتهي مع زوجها إلي تفاهم(541) (المؤلف: ولكنه سامح جوزفين على خيانتها له مرتين)• وقد حصّن نابليون نفسه ضد فتنة النساء بأخذه بالنظرة الإسلامية (النص: نظرة محمد صلى الله عليه وسلم) للمرأة: إننا نعامل النساء معاملة جيدة جداً، وبهذه الطريقة نفقد كل شيء• إننا نخطئ خطأً كبيراً في رفعهن إلى مستوانا• حقاً إن شعوب الشرق أكثر منا عقلاً وإحساساً بإعلانهم أن الزوجة ملكية حقيقية لزوجها• فالحقيقة أن الطبيعة قد جعلت المرأة جارية للرجل• فالمرأة تضع الأطفال للرجل•• وعلى هذا فهي من ممتلكاته تماماً كما أن فاكهة الشجر ملك لصاحب البستان(641)• كل هذه الأفكار تتسم بالبدائية (السذاجة) وهي تناقض البيولوجيا (أي علم الأحياء) الذي عادة ما يُظهر الأنثى جنساً مسيطراً أو سائداً بينما الرجل مجرد تابع يقدّم الطعام، وأحياناً ما يؤكل هو نفسه أي تأكله الأنثى، لذا سنكون سعداء بقبول تأكيد لا كاس Las Cases إن كثيراً من أكفار نابليون المتعلقة بالنساء إن هي إلاّ تظاهر بالشجاعة أو تبجّح ومزاح أو أحلام رجل عسكري توّاق لعدد لا نهاية له من المجنّدين إلزامياً الذين تنتجهم أرحام النساء، لكن نظرة نابليون هذه متسقة تماماً مع أفكار أي قائد من قوّاد المرتزقة في كورسيكا• وقد أصرّت المدوّنة القانونية النابليونية على أن الرجال قوّامون على النساء قوامةً مطلقة، بل وقوَّامون على ممتلكاتهن، واعتبرت ذلك (أي مدوّنة نابليون) مسألة ضرورية لتحقيق الانضباط الاجتماعي• لقد كتب نابليون إلى جوزفين في سنة 7081 لقد كُنت دائماً أعتقد أن المرأة خُلِقت للرجل، والرجل للوطن والأسرة والمجد والشرف(741) وبعد معركة فريدلاند Friedland (41 يونيو 7081) التي شهدت مذبحة مروّة على الجانبين وضع نابليون برنامجاً دراسياً لمدرسة تُبنى في إكوين Ecouen للبنات اللائي فقدن أمهاتهن واللائي ليس لهن أهل قادرون على إعالتهن•

ماذا يجب أن تتعلّم البنات في إكوين Ecouen؟ يجب أن نبدأ بتعليمهن الدين بكل صرامته•• فما نطلبه من تعليم البنات هو أن يجعلهن مؤمنات لا مفكّرات، فضعف عقول النساء وكونهن غير مستقرات في أفكارهن (يحركهن الهوى)••• يجعلهن في حاجة إلى الاذعان الدائم•• ولا يمكن الوصول لكل هذا إلا من خلال الدين•• إنني لا أريد لهذه المدرسة أن تُخَرّجَ نساء ذوات فتنة وإنما نساء ذوات فضيلة ولابد أن يكن جذّابات بحكم مبادئهن السامية وقوبلهن الدافئة لا بحكم ظُرفهن وكونهن مُسلِّيات•• وبالإضافة لهذا لابد أن نعلِّم البنات الكتابة والحساب ومبادئ اللغة الفرنسيّة••• ولا ضرورة لتدريس اللاتينية لهن•• ولابد من تعليمهن إجادة كل أعمال المرأة•• ولا مجال لأن يقوم الرجال بالتدريس للبنات، فلا يجب أن يكون في المدرسة رجل إلاّ الناظر•• حتى أمور حديقة المدرسة يجب أن يقوم عليها النساء(841)• وكانت فلسفة نابليون السياسية غير متسقة بالقدر نفسه• فما دام كل الناس قد وُلدوا غير متساوين فلا مناص من أن الأقلية وهي التي تمتلك العقول الأقوى هي التي ستحكم الأغلبية بقوة السلاح والفكر (الكلمة)، ومن ثمَّ فإن يوتوبيا المساواة ما هي إلاّ خرافة مسلّية (أو بتعبير آخر إن هي إلاّ أساطير) يقول بها الضعفاء، فالصيحات الفوضوية المطالبة بالتحرر من القوانين والحكومات، إنما هي تضليل فج يدل على عدم النضوج كما يدل على عقول مستبدّة• والديمقراطية لعبة يستخدمها الأقوياء ليُخفوا بها حُكمهم الأوليجاركي (الأوليجاركية تعني حكم الأقلية التي تعمل لصالحها في ظل نظام ظاهره جمهوري)(941) ومن الناحية الفعلية فقد كان على فرنسا أن تختار بين حُكم النبلاء الوراثي وحكم طبقة رجال الأعمال business class• وعلى هذا فالأرستقراطية دائماً موجودة بين الأمم وفي أثناء الثورات، وإذا حاولت التخلّص منها بتدمير نظام النبالة فإنها سرعان ما تعيد تكوين نفسها بين الأسر الغنية والقوية من الطبقة الثالثة Third Estate فإن دمّرتها في موقعها الجديد هذا، اتخذت لنفسها ملاذاً بين زعماء العمال وزعماء الشعب(051) فالديمقراطية - إن كانت معقولة - يجب أن تقتصر على إتاحة فرص متساوية أمام الجميع ليتنافسوا ويتملكوا(151) ويزعم نابليون أنه حقق هذا بكسر الحواجز أمام المتفوقين والموهوبين في كل المجالات، ولكنه سمح بكثير من الانحرافات التي أخرجت مسار حكمه عن هذه القاعدة•

لقد كان رأيه غير واضح فيما يتعلق بالثورات• فهي تُطلق العنان لمشاعر الجماهير المتقدة مادامت الجرائم الجماعية لا تُوقع المسؤولية الجنائية على أحد(251) ولا يمكن أن تكون هناك ثورة بدون إرهاب(351) و الثورات هي السبب الحقيقي لبعث الأعراف العامة وبث الروح فيها من جديد(451) لكنه انتهى بشكل عام (في سنة 6181) إلى أن الثورة واحدة من أكثر الشرور التي يمكن أن يُبتلى بها البشر• إنها كارثة حلّت بجيل ومهما كانت المزايا الناتجة عنها، فإنها لا يمكن أن تكون تعويضاً عن البؤس الذي نغَّصت به حياة الذين قاموا بدور فيها(551)• لقد كان نابليون يفضل النظام الملكي على كل أشكال الحكم الأخرى ولو من قبيل الدفاع عن التوريث في الحكم (يعني توريث ذريته وقرابته هو) ضد الشكوك التي أثارها القيصر اسكندر(651) إن فرص تأمين الحكم الصالح في النظام الوراثي أكثر منها في النظام الانتخابي(751) فالناس يكونون أكثر سعادة في ظل مثل هذه الحكومة الراسخة الدائمة منهم في ظل ديمقراطية تجعل كل الأمور متاحة للجميع بلا ضابط فيستولى الشيطان في خاتمة المطاف على مقدّراتها ففي الأزمنة التي يسودها الهدوء والنظام ينعم كل فرد بنصيبه من السعادة فيصبح عامل الاسطبل سعيدا في اسطبله سعادة لا تقل عن سعادة الملك على عرشه، ويسعد الجندي العادي سعادة لا تقل عن سعادة الجنرال(851)•

وكان حُلمه السياسي المثالي هو توحيد أوروبا في فيدرالية واحدة أو جعل باريس عاصمة العالم التي تحكم القارات والدول من خلال علاقاتها الخارجية• وفي هذا الكيان الأوروبي المشترك تُلغي الحواجز السياسية وتُكفل حرية السفر والنقل والتجارة، ويتم توحيد العملة والموازين والمكاييل والمقاييس(951)• وعندما وصل نابليون إلى موسكو في سنة 2191 ظن أن تحقيق سلام عادل - فقط - مع اسكندر هو الأمر الوحيد الباقي لتحقيق حلمه في توحيد أوروبا• لقد أساء نابليون تقدير القوى الطاردة المركزية الممثلة في الفروق بين الوطنيات المختلفة (الاختلاف بين الأمم)، لكن ربما كان نابليون على حق في الاعتقاد في أن أوروبا إذا ما حقّقت الوحدة فلن يكون ذلك بالاقناع أو بالاحتكام إلى أحكام العقل وإنما رضوخا لقوة متفوقة تستمر طوال جيل• ومع هذا فقد تستمر الحرب، لكنها - على الأقل - ستصبح مدنية (أقرب ما تكون للمنافسة)• وكلما اقترب نابليون من نهايته راحت فكرة عجيبة تُلح عليه أكان حُر الإرادة مُبدعاً فيما أتاه أم أنه كان أداة لا حَوْل لها في يد قوى كونية معيّنة• ولم يكن نابليون قدرياً (جبرياً)، ينزع من الإنسان قدرته على العمل الحر، والجبري هو ذلك الشخص الذي يعتقد أن نجاحه وفشله، وصحته ومرضه، وطبيعة حياته ولحظة مماته قد حدّدتها - سلفاً - قوى غير منظورة بصرف النظر عمَّا يختاره هو بإرادته(061)، ولم يكن نابليون يؤمن بالحتمية على نحوٍ واضح، والحتمي هو الشخص الذي يعتقد أن كل ما يجري - بما في ذلك خياراته وأفكاره وأفعاله - إنما هو محكوم سلفاً بتوليفة من كل القوى أو العوامل بالإضافة لما حدث في الماضي (أحداث التاريخ)، لكنه كان يتحدث كثيراً عن القضاء والقدر أو القسمة والنصيب destiny - المجرى الرئيسي للأحداث الذي يمكن تطويعه جزئياً عن طريق الإرادة البشرية لكنه يسير في مساره لا يمكن مقاومته بشكل أساسي، وكأنه ينساب من طبيعة الأشياء ملازماً لها لا يبغي عنها حِولاً• وفي بعض الأوقات كان يحدثنا عن إرادته القوية قوّة تكفي لاعتراض المجرى أو تحويله - لقد كُنتُ دوما قادراً على فرض إرادتي على القدر(161) وينسب إليه قول يتعذّر التعويل عليه لأنه غير مؤكد: إنني اعتمد على مجريات الأحداث، فلا إرادة لي• إنني أترقب كل الأمور عند صدورها(261) - أي من مصادرها• فالأعظم والأعلى سلطة هو الذي يمتلك قدراً أقل من حرية الإرادة فثمة قوى أكثر وأعظم إرادة تفرض نفسها عليه وترتطم بإرادته فالمرء يعتمد على الظروف والأحداث• إنني العبد Slave الأعظم بين الرجال فسيّدي هو طبيعة الأشياء(361)• لقد مَزَج بين أمزجته المتقلبة وحالاته النفسية المتباينة والفكرة المنطوية على كبرياء والتي مؤدّاها أنه كان أداة في يد القدر، وهو يقصد بالقدر طبيعة الأشياء التي تفرض مجرى الأحداث ونهاياتها• إن القدر يدفعني لهدف أجهله، وحتى يتحقق هذا الهدف فأنا منيع حصين لا يستطيع أحد مواجهتي فإذا ما تحقق هذا الهدف أصبحت ذبابة واحدة كافية لتدميري(461)• لقد شعر بنفسه مقيّداً بقدر محتوم، قدر رائع لكنه خَطير• لقد كان المجد والظروف يسوقانه سَوْقاً فلابد من إنجاز ما يريده القدر(561)• وكان نابليون يفكر مراراً - مثلنا جميعاً - في الموت، وكان تكوينه النفسي يجعله ميالاً للدفاع عن الانتحار أو التأمل فيه• وفي شبابه شعر أنّ الانتحار هو الحق النهائي لكل إنسان لكنه عندما بلغ الواحدة والخمسين أضاف لذلك إذا لم يضر بموته أحداً(661) وكان لا يؤمن بالخلود ليس هناك خلود وإنما الذكرى التي يتركها المرء في عقول الناس ونفوسهم••• أن تعيش بلاد مجد، ودون أن تترك أثراً لوجودك، فكأنك لم تَعِش على الإطلاق(761)•


7- من هو نابليون؟

أكان فرنسياً؟ لقد كان فرنسياً بالصدفة وبمرور الوقت، وإلاّ فهو ليس فيه من الفرنسيين شيء لا في تكوينه الجسماني ولا في عقله ولا في شخصيته• إنه قصير وأصبح في وقت لاحق بديناً، وكانت ملامحه أقرب ما تكون إلى الصرامة الرومانية منها إلى الملامح الغاليّة الوضاءة وكان ينقصه ما يتمتع به المثقفون الفرنسيون من مرح وتسامح وروح فكاهة وأناقة• لقد كان ميالاً للسيطرة على العالم أكثر من ميله للاستمتاع به• وكان يعاني من بعض الصعوبات في نطق اللغة الفرنسية فقد ظل حتى سنة 7081 يشوب نطقهُ لها لكنة أجنبية(861) وكان يتحدث الإيطالية بطلاقة وكان يبدو في ميلان أكثر التصاقاً بها وألفة معها مما هو في باريس• وقد عبَّر في مناسبات مختلفة عن عدم حبّه للشخصية الفرنسية• قال لا كاس Las Cases إن الأمبراطور يتحدث باسهاب عن تقلّبنا وتغير مواقفنا بسرعة فهو يقول إن كل الفرنسيين متمرّدون ميَّالون لتوجيه اللوم••• فرنسا تحب التغيير ولا تُطيق بقاء أي حكومة لفترة طويلة(961)• وتحدث غالباِ - بإلحاح شديد لا يُلح مثله إلاّ من كان غير واثق - عن حبه لفرنسا، وكان يكره أن يُقال له يا كورسيكي فمن أقواله أريد أن أكون فرنسياً خالصاً(071) وأنه لنُبل ما بعده نُبل أن يكون المرء قد وُلد فرنسياً(171) لكنه في سنة 9081 أفضى إلى روديريه Roderer بما يعنيه بهذا الحب: ليس له إلاّ عاطفة حب واحدة وخليلة واحدة• إنها فرنسا• إنني أنام معها، فلم تخذلني أبداً• لقد ضحّت بدمائها وأموالها من أجلي، فإن طلبت منها 000،005 مقاتل قدمتهم لي(271) لقد أحبّها على نحو ما يحب عازف الكمان كمانه، كأداة سريعة الاستجابة لقوسه وإرادته• لقد شد على أوتارها حتى قعطها، قطعها جميعاً تقريباً وفجأة• أكان نابليون هو ابن الثورة الفرنسية؟ هكذا كان يطلق عليه المتحالفون الأوروبيون ضدّه لكنهم كانوا يقصدون بذلك أنه ورث كل آثامها وجرائمها وأنه واصل مهمتها في إبعاد أسرة البوربون التي كانت حاكمة• أما هو نفسه فقال مراراً إنه قد كان سبباً في إنهاء الثورة الفرنسية أو بتعبير آخر أوصلها إلى النهاية - انه لم يُنه ما سبّبته من فوضى وعنف فحسب، وإنما أنهى أيضاً دعاويها الديمقراطية (غير الحقيقية)• لقد كان ابناً للثورة إلى الحد الذي احتفظ فيه بانعتاق الفلاحين وتحررهم، وحرية التجارة والقيام بالمشروعات وإلى الحد الذي جعل فيه الناس سواسية أمام القانون وإلى الحد الذي فتح فيه أبواب المناصب على مصاريعها أمام الموهوبين والقادرين كما كان ابناً للثورة في إرادته المعقودة على الدفاع عن حدود فرنسا الطبيعية، لكنه عندما جعل من نفسه قنصلاً مدى الحياة فإمبراطوراً وعندما قضى على حرية الحديث وحرية الصحافة وأنهى شراكة الكنيسة الكاثوليكية في الحكم وأقام سجوناً جديدة وشجع الأرستقراطية القديمة والجديدة - فإنه - بالتأكيد - يكون قد أصبح بعيداً عن كونه ابناً للثورة• وكان نابليون يمكث أيضاً في البلاد المفتوحة، وفيها أنهى الإقطاع ومحاكم التفتيش وسيطرة رجال الدين على مناحي الحياة، وأدخل لهذه البلاد مواد مدونته القانونية وشيئاً من التنوير، لكنه أيضاً ربط هذه الدول المفتوحة به فعين عليها ملوكا• أكان حقاً - رغم إرادته - كورسيكيا؟ هذا غير صحيح إلاّ فيما يتعلق بولائه لأسرته، وميله للقتال، وعاطفته الجياشة في الدفاع عن فرنسا ضد أعدائها، لكنه لم يكن كورسيكيا إذا نظرنا لعدم ميله للإقطاع كما ان قراءاته للمفكرين الفرنسيين أبعدته عن كاثوليكية العصور الوسطى التي كان عليها أهل جزيرته (كورسيكا)• لقد كان كورسيكي الدم، فرنسي التعليم، إيطالياً في كل شيء خلال ذلك• نعم فبعد كل محاولاتنا للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نرجع إلى ما قاله ستندهال Stendhal وتين Taine من أن نابليون كان كأحد قادة الجنود المرتزقة في إيطاليا في عصر النهضة، وساعد على بقائه محتفظاَ بهذه الخاصية، انعزال كورسيكا وحروبها ونظامها الإقطاعي• لقد كان هو كقيصر بورجيا Cesare Borgia لكنه ضِعْفه عقلاً، وكان كمكيافيللي لكن حذره بمقدار النصف، وإرادته تزيد على ما أوصى به ميكافيللي مئة مرة• لقد كان إيطالياً لكن فولتير جعله شكّاكاً، كما جعلته الثورة الفرنسية التي شهد وقائعها حاذق الذهن محتالاً، وأصبح لمّاحاً حاد الذهن بدخوله في مناقشات يومية مع الفكرين الفرنسيين اللامعين• لقد ظهرت فيه كل صفات إيطاليا في عصر النهضة: الفنان والمقاتل والفيلسوف والقائد وحدتهم جميعا - في شخصه - مواهبه وأهدافه وفكره المتغلغل الثاقب اللمّاح، واتجاهه المباشر للانجاز والهيمنة، لكنه لم يكن قادراً علي التوقف• وباستثناء هذا الخطأ الحيوي، فقد كان هو أبرع من شهده التاريخ تحكماً في الأمور المعقدة وأبرع من شهده التاريخ تنسيقاً للطاقة البشرية• لقد أحسن توكويفيل Tocqueville عندما قال: لقد كان كأفضل ما يكون الرجال لكن دون فضيلة، وكأحكم ما يكون الرجال لكن دون تواضع• ومع هذا فقد كان نابليون في نطاق ما هو معقول محتمل عندما توقّع أن العالم قد لا يشهد نظيراً له لقرون كثيرة قادمة•