قصة الحضارة - ول ديورانت - م 10 ك 5 ف 22

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 13795

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الشمال البروتستنتي -> الطريق إلى فايمار -> أثينة ألمانيا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني والعشرون: الطرق إلى فايمار 1733-1787

1- أثينة ألمانيا

ترى لم أختار أسمى عصور الأدب الألماني فايمار دون غيرها وطناً له؟ إن ألمانيا لم يكن لها عاصمة واحدة ترتكز فيها ثقافتها كما كانت الحال في فرنسا وإنجلترة، ولم تكن تملك ثروة مركزة لتمويل هذه الثقافة. وكانت حرب السنين السبع قد أضعفت برلين ولييبزج، أما درسدن فكادت تدمرها تدميراً؛ وأما همبورج فقد بذلت مالها أولها للأوبرا؛ ثم للمسرح. وفي 1774 كانت فايمار، عاصمة دوقية ساكسي-فايمار-آيزيناخ، بلدة هادئة يسكنها نحو 6.200 نسمة، وحتى بعد أن ذاع صيتها أشار إليها جوته بـ "هذه العاصمة الصغيرة التي تضم-كما يقول الناس على سبيل المزاح عشرة آلاف شاعر وبعض السكان"(1) فهل مجدها يا ترى بناه أفراد عظام؟

لقد حكمت فايمار من 1758 إلى 1775 ابنة أخت فردريك الأكبر، وهي المرأة المرحة، الدوقة الأرملة آنا أماليه، التي ترملت وهي في الثامنة عشرة بموت زوجها الدوق قسطنطين، وأصبحت وصية على ولدهما كارل أوجست الذي لم يتجاوز العام الواحد. وإليها يرجع الفضل في فتح باب بين الحكومة والأدب بدعوتها فيلاند للحضور والقيام على تهذيب أبنائها (1772). وكانت واحدة من نساء عديدات مثقفات حفزن الشعراء والمسرحيين والمؤرخين تحت قيادتها وحتى موتها في 1807 بإغراء الجنس والمديح، وقد حولت بيتها بعد عام 1776 صالوناً، شجعت فيه استعمال الألمانية لغة الأدب-رغم أن الجميع كانوا يتكلمون الفرنسية أيضاً.

وفي 1775 كان بلاط فايمار يضم نحو اثني عشر شخصاً وأتباعهم. وقد وجد الشاعر الكونت كرستيان تسوشتولبرج في هذا البلاط جواً ساراً خالية من الكلفة في ذلك العام الذي وصل فيه جوته. يقول "إن الدوقة العجوز (وكانت يومها في السادسة والثلاثين) هي الفطنة المجسمة، وهي مع ذلك لطيفة وطبيعية جداً. أما الدوق فغلام عجيب، كله وعد وتبشير، وكذلك أخوه. ثم هناك الكثير من الأشخاص الممتازين".(2) وفي 1787 وصف شيلر "نبيلات فايمار" بأنهن "شديدات الحساسية وقل أن تجد بينهن واحدة لم تخض تجربة غرام، وجميعهن يحاولن غزو القلوب... فهنا حكومة هادئة لا تكاد تحس بها، تسمح لكل إنسان بأن يحيا، وأن يصطلي في الهواء والشمس. وإذا كان بالمرء ميل إلى المرح فكل الفرص متاحة له"(3).

وتقلد كارل أوجست حكم الدوقية في 3 سبتمبر 1775 حين بلغ الثامنة عشرة. وما لبث أن اتخذ زوجة بعد أن أجرى معاشاً على خليلته(4)، والزوجة هي لويزة أميرة هسي-دارمشتات، ثم اقتنص جوته في الطريق، وكان يمارس الصيد في ضراوة، ويسوق مركبته في تهور مخترقاً شوارع المدينة الهادئة، ويتنقل على عجل بين النساء؛ ولكن تهوره كبحه عقل نضج ببطء حتى بلغ القدرة على الحكم الصائب. وقد درس الزراعة والصناعة وبسط رعايته عليهما، وشجع العلوم، وأعان الأدب، وجاهد لخير إمارته وشعبها. واستمع إلى مدام دستال التي جابت ألمانيا في 1803 تقول: "ليس بين الإمارات الألمانية كلها إمارة تشعرنا أكثر من فايمار بمزايا الدويلة حتى يكون أميرها رجلاً قوي الفهم قادراً على السعي لإسعاد جميع طبقات رعاياه دون أن يفقد شيئاً من طاعتهم... ومواهب الدوق الحربية يحترمها الجميع، وحديثه المثير المشرب بالتفكير يذكرنا على الدوام بأنه ربيب فردريك العظيم. ولسمعته وسمعة أمه الفضل في اجتذاب ألمع رجال العلم والثقافة إلى فايمار. ولأول مرة أصبح لألمانيا حاضرة أدبية كبرى"(5).


2- فيلاند 1733-1775

كرستوف مارتن فيلاند هو أقل الرجال الأربعة، الذين أذاعوا صيت فايمار، شهرة بين الناس، ولكن لعله كان أجدرهم بالحب. وقد عزفت على قيثارته كل مؤثرات جله تقريباً ووفقت نغماتها بكل دوره. كان ابناً لراعي كنيسة في أبروهولتسهايم (قرب بيبراخ في فورتمبرج) فنشئ على التقوى واللاهوت. فلما اكتشف الشعر جعل الرجل الفاضل كلوبشتوك مثله الأعلى، ثم تحول إلى فولتير ترفيهاً عن نفسه. ثم وجد في بلدة فارتهاوزن القريبة منه مكتبة الكونت فون شتاديون الضخمة، فنهل من الأدبين الفرنسي والإنجليزي، ونفض عنه قدراً كبيراً من اللاهوت، حتى لقد هزأ بإيمان صباه في رواية سماها "دون سلفيو فون روزالفا" (1764). ونشر مترجمات نثرية لعشرين من مسرحيات شكسبير (1762-66)، فأتاح بذلك لألمانيا لأول مرة نظر إلى شكسبير ككل، ويسر لكتاب التمثيليات الألمان مهرباً من الصيغة الكلاسيكية التي اتخذتها الدراما الفرنسية. وكان فنكلمان وآخرون أثناء ذلك يبشرون بالدعوة الهيلينية، وصاغ فيلاند لنفسه صورته الخاصة من هذه الدعوة فاتخذ نغمه أبيقورية خفيفة في كتابه "قصص هزلية" (1765)، وجعل رجلاً إغريقياً وهمياً البطل لأهم عمل نثري ألفه وهو "تاريخ أجاثون" (1766-67)، الذي وصفه ليسنج بأنه "الرواية الوحيدة اللائقة بالرجال المفكرين"(6).

وقد أراد فيلاند (البالغ ثلاثة وثلاثين عاماً) في صفحاتها المطوفة أن يبسط فلسفته في الحياة، متمثلة في المغامرات الجسدية والعقلية لرجل أثيني من عصر بركليس. قال في المقدمة "لقد اقتضت خطتنا تصوير بطلنا وهو يجتاز شتى المحن"، وهي محن من شأنها أن تربي الإنسان على الأمانة والحكمة دون الالتجاء إلى الحوافز أو الدعائم الدينية(7). وأجاثون (أي الطبيب)، الشاب الوسيم، يقاوم محاولة إحدى كاهنات دلفي لإغوائه، وبدلاً من ذلك يشعر نحو العذراء الساذجة "بسوخي" (النفس) يجب نقي وإن كان مشوباً. ويدخل عالم السياسة، فيشمئز من تعصب الأحزاب، ويندد بالناخبين لافتقارهم بالناخبين لافتقارهم إلى المبدأ، ثم ينفى من أثينا. وفيما هو يهيم فيجبال اليونان يقع على لفيف من النسوة التراقيات يحتفلن بعيد باخوس برقصات شهوانية عنيفة؛ فيحسبنه باخوس، ويكدن يخنقنه بعناقهن، ثم تنقذه عصابة من القراصنة، تبيعه عبداً في أزمير لهبياس، وهو أحد سوفساطي القرن الخامس ق. م. ويشرح فيلاند فلسفة السوفسطائيين في سخط فيقول:

"إن الحكمة التي جعل منها السوفسطائيون مهنة لهم كانت من حيث الكيف كما كانت من حيث الأثر النقيض للحكمة التي جهر بها سقراط. فالسوفسطائيون علموا فن إثارة أهواء الرجال (بالخطابة)؛ بينما غرس سقراط فن سيطرة الإنسان على أهوائه. وقد بينوا كيف يظهر الإنسان أمام الناس حكيماً فاضلاً، أما هو فقد بين كيف يكون الإنسان كذلك. وهم شجعوا شباب أثينا على محاولة السيطرة على الدولة، أما هو فبين لهم أنهم سينفقون نصف عمرهم ليتعلموا كيف يحكمون ذواتهم. وكانت فلسفة سقراط تفخر بالحياة مجردة من الغنى، أما فلسفة السوفسطائيين فكانت تعرف كيف تحقق الغنى. كانت كيسة، خلابة، متقلبة، مجدت العظماء... وعبثت بالنساء، وتملقت كل شخص ينقدها ثمن التملق. كانت فيكل مكان لا تحس الغربة، لها الحظوة في البلاط، وفي مخادع النساء، ومع الطبقة الارستقراطية، وحتى مع طبقة الكهان، في حين أن تعاليم سقراط... يحكم عليها الفضوليون بأنها عديمة النفع، والمتبطلون بأنها عديمة المذاق، والأتقياء بأنها خطرة."(8).

وتتمثل في هبياس كما يصوره فيلاند كل أفكار السوفسطائيين ورذائلهم. فهو فيلسوف، ولكنه حرص على أن يكون مليونيراً أيضاً. وهو يعتزم أن ينشئ أجاثون المستقيم الخلق على أسلوب أبيقوري في التفكير والعيش. ويزعم أن أحكم سياسة ينتهجها الإنسان أن يجري وراء الأحاسيس اللذيذة، و "كل اللذات هي في حقيقتها حسية"(9). وهو يضحك من أولئك الذين يحرمون أنفسهم من لذات هذه الحياة الدنيا أملاً في مباهج السماء التي قد لا تتحقق أبداً. "فمن ذا الذي رأى مرة أولئك الأرباب، وتلك المخلوقات الروحية، التي يؤكد (الدين) وجودها؟ "فهذا كله حيلة يخادعنا بها الكهنة(10). ويدين أجاثون هذه الفلسفة لأنها تتجاهل العنصر الروحي في الإنسان وحاجات النظام الاجتماعي. ويقدمه هبياس إلى داناي المرأة الغنية الجميلة، ويشجعها على إغوائه، ويخفي عنه ماضي داناي حين كانت محظية. وترقص المرأة وتحمل أجاثون رشاقة جسدها مع سحر حديثها وموسيقى صوتها على أن يقدم لها حبه الخالص الطاهر. وتفسد داناي على هبياس مؤامراته إذ ترد حب أجاثون بمثله. ذلك أنها بعد أن تقبلت في أحضان رجال كثيرين تجد تجربة وسعادة جديدتين في حب أجاثون. وهي تتطلع إلى أن تبدأ مع أجاثون حياة جديدة أكثر طهراً بعد أن سئمت غرامياتها العديمة العاطفة. فتشتريه مع هبياس، وتعتقه، وتدعوه لمقاسمتها ثروتها؛ ولكن هبياس يبوح لأجاثون بماضي داناي وهي محظية انتقاماً منها. فيركب أجاثون البحر إلى سيراكيوز.

وهناك يكتسب سمعة طيبة بالحكمة والنزاهة، فيصبح الوزير الأول للدكتاتور ديونيسيوس. وقد تخلى الآن عن بعض مثاليته: "فلم يعد يحلم كما كان بتلك المثاليات الرفيعة عن طبيعة البشر. أو قل أنه انتهى إلى معرفة البون الشاسع بين الإنسان الميتافيزيقي، الذي يفكر فيه المرء أو يحلم به في خلوته المتأملة، أو الإنسان الفطري وهو خارج لتوه في بساطته الفجة من يدي الطبيعة الأم، وبين الإنسان الزائف الذي جعله المجتمع والقوانين والآراء والحاجات والتبعية والصراع المتصل بين رغباته وظروفه، وبين مصلحته ومصلحة غيره، وما يترتب على ذلك من ضرورة إخفاء مقاصده الحقيقية وسترها باستمرار-أقول أن هذا كله جعل الإنسان كاذباً، منحطاً، مشوهاً، متنكراً وراء مئات الصور الخداعة وغير الطبيعية. ولم يعد ذلك المتحمس، الفتى الذي كان يخيل له أن تنفيذ مشروع عظيم سهل يسير كتصوره. وقد تعلم أن على المرء ألا يتوقع الكثير من الآخرين، وألا يعتمد كثيراً على تعاونهم معه، و (أهم من ذلك كله) ألا يثق كثيراً بنفسه... وتعلم أن أكثر الخطط كمالاً هي في الغالب أسوؤها (وأنه) لا شيء في العالم الأخلاقي، كما في العالم المادي، يتحرك في خط مستقيم، وبالاختصار أن الحياة أشبه برحلة بحرية يتعين فيها على الربان أن يكيف مسيره وفق هوى الريح والجو، ولا يطمئن أبداً إلى أن التيارات المعاكسة لن تعطله أو تجنح بمركبة؛ وأن كل شيء رهن بهذا: وهو أن يضع نصب عينيه ميناء الوصول الذي يقصده رغم مئات الانحرافات عن الطريق"(11).

ويخلص أجاثون الخدمة لسيراكيوز وينجز بعض الإصلاحات، ولكن مؤامرة في القصر تخلعه، فيعتزل في تارنتوم. وهناك يرحب به صديق قديم لأبيه هو الفيلسوف والعالم الفيثاغوري أرخيتاس (ازدهر 400-365 ق. م) الذي يحقق حلم أفلاطون بالملك الفيلسوف. وهناك يعثر على حبيبة صباه بسوخي، ولكنها للأسف متزوجة من ابن أرخيتاس، ثم يتبين أنها أخت أجاثون. على أن داناي يؤتي بها (بعصا الروائي السحرية) من أزمير إلى تارنتوم، وقد هجرت عاداتها الأبيقورية لتحيا حياة العفة والبساطة. ويطلب إليها أجناثون أن تغفر له بعد أن أدرك أنه أثم بهجرانه إياها، فتعانقه، ولكنها ترفض الزواج منه، فقد عولت على التفكير عن انحرافات الماضي بحياة الزهد والتعفف في ما بقي لها من أجل. وتختتم القصة بأجناثون قانعاً قناعة لا تصدق بأن يعد المرأتين أختين له. والكتاب تشوبه عشرات المآخذ. فبناؤه مفكك؛ ومصادفاته ذرائع كسولة للتهرب من الصنعة الروائية؛ وأسلوبه لطيف ولكنه شديد الأطناب؛ وفي كثير من الفقرات يبتعد الفاعل عن الفعل حتى ينسى؛ وقد هنأ أحد النقاد المؤلف بعيد ميلاده بأن تمنى له حياة طويلة طول جمله. ولكن "تاريخ أجاثون" برغم هذا يعد من أعظم آثار عصر فردريك. وقد دلت استنتاجاته على أن فيلاند قد اصطلح مع الدنيا، وأن في الاستطاعة الآن أن يوكل إليه تعليم الشباب المندفع المتوتر وترويضه. فعين في 1769 أستاذاً للفلسفة في إيرفورت. ومنها أصدر بعد ثلاث سنين "المرآة الذهبية" وهو كتاب بسط فيه آراءه في التربية. وافتتنت به آنا آماليا، فدعته ليجرب نظرياته التربوية مع أبنائها. فذهب، وأنفق ما بقي من عمره في فايمار، وفي 1773 أنشأ مجلة (الرائد الألماني)، التي ظلت جيلاً (1773-89) تحت قيادته أعظم المجلات الأدبية نفوذاً في ألمانيا. وكان النجم الفكري لفايمار حتى أتى جوته، وحين اقتحم الكاتب الشاب الجريء المدينة في 1775، رحب به فيلاند دون شعور بالغيرة، وسيظل صديقه مدى ست وثلاثين سنة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

3- جوته بروميثيوس 1749 - 1775

نشأته

تقبلت على يوهان فولفجانج فون جوته شتى التجارب منذ كان يجوب شوارع فرانكفورت- على- المين وهو واع بأنه حفيد عمدتها، حتى سبعينياته التي كان لأحاديثه العارضة فيها الفضل في إذاعة اسم كاتب سيرتهإكرمان (كما أذاع جونسون اسم بوزويل)، واستوعب كل ما وسع الحياة والحب والرسائل أن تمنحه، راداً إياه- في عرفان- حكمة وفناً.

وكانت فرانكفورت "مدينة حرة"، يسودها التجار والأسواق، ولكنها إلى ذلك المقر الذي خصصه الأباطرة للتويج الملوك الألمان وأباطرة الدولة الرومانية المقدسة. وفي 1749 كان يسكنها 33.000 نسمة جلهم تقي مهذب بشوش الوجه. وكان مولد جوته في منزل متين ذي طوابق أربعة (دمره حريق في 1944 ثم أعيد بناؤه في 1951). وكان أبوه يوهان كاسبار جوته ابن خياط وفندق ميسور الحال، وقد دمر يوهان كاسبار مستقبله السياسي بالكبر والخيلاء، واعتزل مهنة المحاماة مؤثراً حياة الدراسة الهاوية في مكتبته الأنيقة. وفي 1748 تزوج كاتارينا اليزابث، ابنة يوهان فولفجانج تكستور عمدة فرانكفورت. ولم ينس ابنها قط أنه عن طريقها ينتسب إلى الإشراف من غير حملة الألقاب، الذين حكموا المدينة أجيالاً قبل ذلك. قال لأكرمان وهو في الثامنة والسبعين، "نحن أشراف فرانكفورت كما نعد أنفسنا دائماً مساوين لطبقة النبلاء؛ وحين احتوت يداي إجازة النبالة (التي منحت له عام 1782) لم أر أني ظفرت بشيء أكثر مما كنت أملك منذ زمن طويل".(12) وكان يحس أن "الأوغاد فقط هم المتواضعون"(13).

وكان أكبر أطفال ستة، لم يتجاوز الطفولة منهم غيره هو وأخته كورنيليا؛ في تلك الأيام كان الحنان الأبوي الكبير يعد عناءً باطلاً. ولم يكن بيتهم بالبيت السعيد؛ فالأم لطيفة الطبع تميل إلى الفكاهة والشعر، ولكن الأب حاكم صارم متزمت أقصى عنه قلوب أطفاله بخشونة طبعه وضيق خلقه. يقول جوته مستعيداً ذكرى طفولته "لم يكن في الإمكان نمو علاقته سارة مع أبي"(14). وربما اكتسب جوته منه كما اكتسب من تجربته عضواً في مجلس شورى الدوق بعض التصلب الذي بدا عليه في أخريات حياته. وربما أخذ عن أمه روحه الشاعرة وحبه للدراما. وقد بنت في بيتها مسرحاً للعرائس؛ ولم يفق ابنها قط من افتتانه بهذا المسرح.

وتلقى الأطفال تعليمهم المبكر على يد أبيهم، ثم من معلمين خصوصيين. واكتسب فولفجانج الإلمام بقراءة اللاتينية واليونانية والإنجليزية وبعض العبرية، والقدرة على التحدث بالفرنسية والإيطالية. وتعلم أن يعزف على الهاربسيكورد والفيولنشييلو، ويرسم ويصور بالألوان، ويركب الخيل ويثاقف ويرقص، ولكنه اتخذ الحياة خير معلم له. فارتاد كل نواحي فرانكفورت بما فيها حي اليهود؛ وسدد النظرات الغرامية للفتيات اليهوديات الحسان، وزار مدرسة يهودية، وحضر حفلة ختان، وكون لنفسه فكرة عن أيام اليهود المقدسة(15). وأضافت إلى تعليمه أسواق فرانكفورت إذ جلبت إلى المدينة وجوهاً وسلعاً غريبة دخيلة، وكذلك أضاف الضباط الفرنسيون في بيت جوته إبان حرب السنين السبع. وفي 1764 شهد الصبي ذو الخمسة عشر ربيعاً تتويج يوزف الثاني ملكاً على الرومان؛ وقد حفظ كل صغيرة وكبيرة في الحفل، وأنفق عشرين صفحة على وصفه في سيرته الذاتية(16).

وحين ناهز الرابعة عشرة وقع في أول غرام من غرامياته الكثيرة التي أثمرت نصف شعره. وكان في تلك الآونة قد اشتهر ببراعته في قرض الشعر، فطلب إليه بعض الصبية ممن اختلط بهم أحياناً أن يكتب خطاباً منظوماً بأسلوب فتاة موجهة إلى فتى؛ فأحسن كتابته، مما حملهم على أن يرتبوا تسليمه لعضو مقيم من جماعتهم على أنه مرسل إليه من حبيبته. وأراد الصبي أن يرد على الشعر بالشعر ولكن أعوزته الكفاية وخانته القوافي، فطلب إلى جوته أن ينظم له رداً. فوافق، وعرفاناً بجميله دفع العاشق نفقات نزهة خرجت فيها الجماعة إلى فندق في إحدى ضواحي المدينة. وكانت الخادمة صبية مراهقة تدعى مرجريته- أو جرتشن اختصاراً، وقد أطلق جوته اسمها على بطلة تمثيليته "فاوست". وربما هيأته القصص الغرامية التي قرأها، والرسائل التي كتبها، لتذوق سحر الأنوثة في الصبايا. كتب وهو في الستين يقول "إن أول نوازع الحب في شاب غشيم يتجه اتجاهاً روحياً بحتاً. ويبدو أن الطبيعة ترغب في أن يدرك أحد الجنسين بحواسه الجمال والطبيعة في الجنس الآخر. وهكذا تكشف لي عالم جديد من الجميل والرائع بمرأى هذه الفتاة وبميلي الشديد لها".(17) ولم يفقد ذلك العالم بعدها قط؛ فكانت المرأة بعد المرأة تحرك روحه الحساسة، وتحركها غالباً بالتبجيل كما تحركها بالرغبة؛ فحين كان في الثالثة والسبعين وقع في غرام فتاة في السابعة عشرة.

وغلبه الارتباك لحظة وأعجزه عن التحدث إلى ساحرته. "ذهبت إلى الكنيسة مدفوعاً بحبي لها... ورحت خلال الخدمة البروتستنتية الطويلة أحدق فيها بملء عيني".(18) ثم رآها ثانية في فندقها جالسة في المغزل. كما جلست جرتشن أخرى في فاوست. واتخذت هي الخطوة الأولى الآن، ووقعت في ابتهاج الخطاب الغرامي الثاني الذي اصطنعه كأنه مرسل من فتاة. ثم قبض على واحد من الجماعة كان جوته قد أوصى جده به، وهو يزيف سندات ووصايا؛ فهي فولفجانج أبواه عن مزيد من الاتصال بهؤلاء الصبية، ورحلت جرتشن إلى مدينة بعيدة، ولم يرها جوته بعدها قط. وقد تضايق كثيراً حين علم أنها قالت "كنت أعامله دائماً على أنه طفل"(19). وكان الآن (1765) راضياً تمام الرضى بالرحيل عن فرانكفورت ودراسة القانون في جامعة ليبزج، وراح ككل شاب طلعة يقرأ قراءات واسعة خارج الموضوعات المقررة لدراسته. وكان قد تصفح "قاموس بيل التاريخ النقدي" في مكتبة أبيه، وخرج منه بأذى كبير لإيمانه الديني؛ "ما إن وصلت إلى ليبزج حتى حاولت أن أتحرر كلية من صلتي بالكنيسة"(20). ثم أنفق فترة في التنقيب في الغيبيات والخيمياء وحتى السحر، وهذا أيضاً دخل في مسرحية "فوسمت". ثم جرب الحفر وصنع الرواسم من الخشب، ودرس مجموعة الصور المعروضة في درسدن؛ وتكررت زياراته للمصور أويزر في ليبزج. وقد ألم بكتابات فنكلمان بطريقة أويزر، وعن هذه الكتابات وكتاب ليسنج "اللاوكون" تلقى أول نفحات إجلاله للطراز الكلاسيكي. وكان هو وطلاب آخرون يعدون استقبالاً حاراً لفنكلمان في ليبزج حين وافاهم نبأ مصرعه في تريست (1768).

وكان الإحساس بالجمال هو الغالب في مدخله إلى العالم. ففي الدين لم يحب غير أسراره المقدسة، المثيرة، الغنية بالألوان. ولم يحب الفلسفة كما كتبها الفلاسفة، باستثناء سبينوزا؛ وكان يرتعد من المنطق ويهرب من كانط. وقد أحب الدراما، وكتب مسرحية لا قيمة لها في ليبزج، ودأب على قرض الشعر كل يوم تقريباً، حتى وهو يستمتع إلى محاضرات القانون. والقصائد التي نشرها باسم "أغاني ليبزج" مكتوبة بأسلوب أناكريون، فيها عبث ولهو، وأحياناً إثارة وشبق:


ومع ذلك فأنا قانع تملؤني الفرحة

إن هي جادت فقط ببسمتها الحلوة،

أو إن استعملت وهي على المائدة

قدمي حبيبها وسادة لقدميها؛

أو أعطني التفاحة التي قضمتها،

أو الكأس التي شربت منها،

وكشفت عن ثديها المكنون

حين تنشد ذلك قبلتي(21).

أكانت هذه مجرد من؟ لا فيما يبدو. ذلك أنه كان قد وجد في ليبزج رأساً جميلاً- رأس آنيت شونكويف- راغباً في أن يلج على الأقل الدهليز إلى الحب. وكانت ابنة تاجر خمور يقدم وجبة الظهر للطلاب. وكان جوته يتناول طعامه هناك مراراً فاشتهاها. واستجابت لحرارة عاطفته بتحفظ حكيم، وسمحت لرجال آخرين بأن يتقربوا منها، فبدأ يغار، وأخذ يتجسس عليها؛ وتشاجرا ثم تصالحا، ثم تشاجرا وافترقا. ولقد ذكر نفسه حتى في هذه النشوات أنه حفيد عمدة، وأن باطنه قريناً- هو حافز ودافع لجن نهم يطالب بالحرية في سبيل الاكتمال التام إلى مصيره المحتوم. وقبلت آنيت خطيباً غيره.

ورأى جوته في هذا هزيمة له، وحاول نسيانها بالانغماس في اللذات. "لقد فقدتها حقاً وكان للجنون الذي انتقمت به لخطئي من نفسي بالعدوان على طبيعتي الجسدية بشتى الطرق المسعورة، لألحق بعض الأذى بطبيعتي الخلقية- أقول كان له ضلع كبير جداً في إصابتي بالأمراض البدنية التي خسرت بسببها بعضاً من أفضل سني عمري".(22) واستسلم للاكتئاب، وأصابه عسر هضم عصبي، وابتلى بورم مؤلم في عنقه، واستيقظ ذات ليلة على نزيف كاد يقضي عليه. وغادر ليبزج دون أن يظفر بدرجته الجامعية، وقفل إلى فرانكفورت (سبتمبر 1768) ليواجه تأنيب الأب ومحبة الأم.

ثم تعرف أثناء فترة نقاهته الطويلة إلى سوزانة فون كلتنبرج، وكانت تقوية مورافية، لطيفة، عليلة. "كان صفاؤها وهدؤ عقلها لا يبرحانها قط، وكانت تنظر إلى مرضها نظرتها إلى عنصر ضروري في وجودها الأرضي العابر"(23). وقد وصفها بعد سنين وصفاً فيه تعاطف وبراعة في "اعترافات روح جميلة". التي أدخلها في كتابه "ولكنه سجل في غير مبالاة مزاعمها من أن قلقه واكتئابه سببهما إخفاقه في المصالحة مع الله. "كنت أعتقد منذ حداثتي إنني على علاقة طيبة جداً مع إلهي- لا بل إنني تخيلت... أنه قد يكون مديناً لي بدين لم يوفه بعد، لأنني كنت مع الجرأة بحيث رأيت أن عليه لي مأخذاً يقتضي أن اغتفره له. وكان هذا الغرور قائماً على حسن نيتي الذي لا حد له، وهو ما كان خليقاً بإلهي أن يعينني عليه معونة أفضل كما بدل لي. وللقارئ أن يتصور كم من المرات دخلت في مناعات مع أصدقائي حول هذا الموضوع، ولكنها كانت تنتهي دائماً بغاية المودة والصفاء"(24).

ومع ذلك مرت به لحظات متفرقة من التقوى، إلى حد الاختلاف إلى بعض جلسات الإخوان المورافيين، ولكن نفره من هؤلاء القوم البسطاء(25)، "ضعف ذكاءهم" وسرعان ما ارتد إلى الجمع المتقطع بين الإيمان بوحدة الوجود والشك العقلاني.

وفي أبريل 1770 رحل إلى ستراسبورج أملاً في نيل درجته القانونية. ووصفه زميل من الطلاب (وهو في الحادية والعشرين) بأنه "فتى وسيم الوجه، له جبين رائع وعينان واسعتان متقدمتان "ولكنه أردف" أن التعامل مع هذا الشاب لن يكون أمراً يسيراً، إذ يبدو أن له طبعاً جموحاً غير مستقر"(26). وربما كان مرضه الطويل سبباً في إثارة أعصابه؛ وكان "قرينه" أشد إقلاقاً له من أن ينيله الهدوء والاستقرار، ولكن أي شاب تسري النار في دمه يستطيع أن ينعم بالهدوء؟ وحين وقف أمام الكتدرائية الكبرى حياها بشعور الوطنية، لا بوصفها كاثوليكية بل معماراً ألمانياً، معمارنا، فالإيطاليون لا يستطيعون المفاخرة بشيء نظيرها، وأقل منهم الفرنسيون"(27) (ولم يكن قد رأى بعد إيطاليا ولا فرنسا). "وصعدت وحيداً إلى أعلى قمة في البرج... وغامرت من هذا العلو بأن أخطو إلى الخارج على افريز لا يكاد يبلغ ياردة مربعة. وقد أوقعت هذا الرعب والعذاب على نفسي مراراً وتكراراً حتى أصبحت التجربة في نظري أمراً غير ذي بال".(28) وقد لاحظ أحد أساتذته أن "الهرجوته كان يسلك بأسلوب جعل الناس ينظرون إليهم نظرتهم إلى دعي كاذب من أدعياء العلم، وخصم مسعور لكل تعليم ديني. والرأي الذي أجمع عليه الكل تقريباً أن في رأسه برجاً ناقصاً"(29).

وعملت التجارب الجديدة الكثيرة على تأجيج ناره. فقد التقى بهردر مرات خلال إقامته في ستراسبورج. وكان هردر الذي يكبره بخمس سنوات، هو الطرف المسيطر في هذه اللقاءات؛ وقد وصف جوته نفسه، في نوبة تواضع عارضة، بأنه "كوكب" يدور حول شمس هردر. وأزعجته نزعة هردر الدكتاتورية، ولكنه حفزه إلى قراءة الأغاني الشعبية القديمة، وكتاب مكفرسن "أوسيان" ومسرحيات شكسبير (في ترجمة فيلاند). ولكنه قرأ أيضاً فولتير وروسو وديدرو ثم درس مقررات في الكيمياء والتشريح والولادة، فضلاً عن مواصلة دراسة القانون... ثم أنه واصل دراسته للنساء.

ذلك أنه شعر بفتنتهن بكل ما في الشاعر من حساسية مرهفة، وكل ما في الشاب من توهج كهربي. وبعد هذه الحقبة بسبعة وأربعين عاماً أخبر إكرمان بأنه يعتقد أن للأشخاص تأثيراً مغنطيسياً غامضاً على غيرهم، وأكثره عن طريق تباين الجنس(30). فكانت تحركه خطرات الفتيات الخفيفة الرشيقة، وموسيقى أصواتهن وضحكهن، ولون أثوابهن وحفيفها؛ وكان يحسد الزهرة التي كن أحياناً يزين بها مشدهن أو شعرهن على التصاقها بهن. وكانت الواحدة تلو الأخرى من هذه المخلوقات السحرية تستنفر دمه، وتكبر في خياله، وتحرك قلمه. لقد أحب من قبل جرتشن وآنيت، وعما قليل سيكون هناك وللي وشارلوته، ثم منا وأولريكه. أما الآن، في زيزنهايم (قرب ستراسبورج). فكانت افتنهن قاطبة- فردريكه بريون.

كانت الابنة الصغرى (تسعة عشر ربيعاً في 1771) لراعي كنيسة المدينة، الذي شبهه جوته بقسيس ويكفيلد الفاضل الذي روى جولد سمت قصته. والصفحات التي كتبها جوته عن فردريكه في سيرته الذاتية هي أروع ما كتب في حياته من نثر(31). وكان يركب مراراً من ستراسبورج ليستمتع بما اتسمت به هذه الأسرة الريفية من بساطة لم تفسدها حضارة. وكان يصطحب فردريكه في نزهات طويلة لأنها كانت ترسل نفسها على سجيتها في الهواء الطلق. وقد أحبته، ومنحته كل ما طلب. "في خلوة في الغابة تعانقنا بعاطفة عميقة، وتبادلنا أخلص التأكيدات بأن كلاً منا يحب الآخر من أعماق قلبه".(32) ولكن سرعان ما راح يعترف لصديق بأن "المرء لا تزداد سعادته مثقال ذرة بنيله ما تمنى".

وكان خلال ذلك يكتب باللاتينية رسالة الدكتوراه التي أكدت (كما أكد فبرونيوس حق الدولة في الاستقلال عن الكنيسة. وقد نالت موافقة الكلية الجامعية؛ ونجح في الامتحانات؛ وفي 6 أغسطس 1771 نال درجة الليسانس في القانون. وجاء أوان الرحيل عن ستراسبورج. فركب إلى زيزنهايم ليودع فردريكه، "وحين مددت إليها يدي وأنا على صهوة جوادي، اغرورقت عيناها بالدموع. وأحست بضيق شديد... وبعد أن نجوت آخر الأمر من انفعال الوداع، تمالكت نفسي تماماً ومضيت في رحلة هادئة مطمئنة".(33) أما تقريع الضمير فجاء بعد ذلك. "لقد انتزعت جريتشن مني؛ وهجرتني آنيت؛ أما الآن فكنت مذنباً لأول مرة. فقد جرحت أحب قلب جرحاً في الصميم؛ وكانت فترة الندم الكئيب مع افتقادي ذلك الغرام المنعش الذي كنت قد ألفته- فترة عذاب أليم.."(34) إنه شعور أناني إلى حد محزن، ولكن من منا، في تجارب الحب وزلاته، لم يجرح قلباً أو قلبين قبل أن يظفر بقلب؟ وماتت فردريكه دون أن تتزوج، في 3 أبريل 1813.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

گوته وڤرتر

لم يمارس حامل إجازة القانون الجديد مهنة المحاماة في فرانكفورت إلا كرهاً وكان يزور دارمشتات بين الحين والحين، وأحس تأثير تمجيدها للعاطفة في وجدانه. وجاز الآن فترة من رد الفعل الشديد ضد فرنسا، وضد الدراما الفرنسية وقواعدها الصارمة، وحتى ضد فولتير. وراح يسيغ أكثر فأكثر شكسبير الذي عرض على خشبة المسرح طبيعة الإنسان حلالاً كانت أو حراماً. في هذا المزاج، وفي عنفوان الشباب وحيويته، كان مهيأ للحركة الزوبعية. فتعاطف مع رفضها للسلطة، وإعلائها للغريزة فوق العقل، وللفرد البطل فوق الجماهير الحبيسة في سجن التقاليد. وهكذا كتب "جوتز فون برليشنجن" في 1772- 73.

وكانت إنجازاً ممتازاً من فتى في الثالثة والعشرين: دراما جمعت بين الحب والحرب والخيانة في قصة تنبض بالحماسة للحرية، وتنضج حيوية، وتشد الانتباه من أولها لآخرها. أما جوتز هذا ففارس أطاح الرصاص بيمناه في المعركة وهو في الرابعة والعشرين (1504)؛ فركبت في ذراعه يد حديدية أعانته على استعمال سيفه قاطعاً بتاراً كما كان من قبل، وإذ رفض الاعتراف بأي سيد إلا الإمبراطور، فقد أصبح واحداً من أولئك "البارونات اللصوص" الذين ادعوا باسم الحرية أن لهم مطلق السلطة على أرضهم إلى درجة سلب عابري السبيل وشن الحروب الخاصة. وفي 1495 أصدر الإمبراطور مكسمليان الأول مرسوماً يحرم الحروب الخاصة، وإلا كان عقاب المذنب مزدوجاً- النفي بأمر الإمبراطور والحرم بأمر الكنيسة. ورفض جوتز ذو اليد الحديدية النفي لأنه يخالف الحقوق المتوارثة، ودارت التمثيلية أول أمر حول الصراع بين فارس المتمرد وأمير بامبرج الأسقف. وإذ كان جوته يحب النساء أكثر كثيراً من حبه للحرب، فإنه ركز الاهتمام على أوليده فون فالدورف التي ألهب جمالها وثراؤها رجالاً كثيرين بالرغبة المشبوبة المستهترة. ففي سبيلها نقض أدلبرت فون قايزلنجن، وهو فارس "حر" آخر، تحالفه مع جوتز وفسخ خطبته لماريا أخت جوتز، وإنجاز إلى الأسقف. ولعل جوته تذكر- في حب فايزلنجن المتذبذب- عدم وفائه هو. وأرسل نسخة من التمثيلية إلى فردريكه بيد صديق قائلاً "سيري عن فردريكه المسكينه بعض الشيء أن ترى العاشق الخائن يموت بالسم"(35).

وقد حور المؤلف التاريخ ليطوعه لمسرحيته، فجوتفريد فون برليشنجن لم يبلغ في نبله وشهامته مبلغ جوتز كما صوره جوته؛ ولكن تعديلات كهذه تعد من قبيل الجواز الشعري، شأنها شأت القوافي المشوهة. كذلك يغتفر لجوته ذلك الحديث الخشن المتهور الذي أجراه على لسان بطله تعبيراً عن الفحولة. وحيي أخرجت المسرحية في برلين (1774) أدانها فردريك الأكبر "تقليداً بغيضاً" لتلك "البربرية" التي رآها هو في شكسبير، كما رآها فولتير؛ ثم دعا المسرحيين الألمان أن يلتمسوا نماذجهم في فرنسا. وقد وافق هردر فردريك أول الأمر، وقال لجوته "لقد دمرك شكسبير"(36)، ولكنه بعث بالنسخة المشهورة إلى أصدقائه مشفوعة بالتقريظ العظيم. "أمامكم ساعات من السحر. فهناك قدر غير عادي من القوة والعمق والإخلاص الألماني الأصيل في التمثيلية، وإن كانت بين الحين والحين لا تعدو أن تكون تدريباً ذهنياً"(37). أما الجيل الأصغر فقد حيا جوته بوصفه أسمى تعبير عن حركة "شتورم" وطالب للقراء الألمان أن يسمعوا أخبار فرسان العصر الوسيط، ورموز الخلق الألماني الجبار. ولذ البروتستنت أن يسمعوا أصداء لوثر في "الأخ مارتن"، الذي يشكو من أن نذوره الفقر والعفة والطاعة نذور غير طبيعية، والذي يصف المرأة بأنها "فخر الخليقة وتاجها"، ويهش للخمر لأنها "تبهج قلب الرجل"، ويقلب قولاً مأثوراً قديماً بقوله أن "البهجة أم الفضائل كلها"(38). وحتى أبو جوته، الذي اضطر أن يعاونه في مهنة المحاماة والذي رأى فيه صورة لتدهور سلالة أبيه، اعترف بأنه ربما كان في غير الغلام خير رغم كل شيء.

وفي مايو 1772 كان على المحامي الشاب أن يذهب في مهمة قضائية إلى فنتسلار، مقر محكمة الاستئناف الإمبراطورية. وراح يجول بين الحقول والغابات ومخادع النساء غير مكترث البته بالقانون، وهو يرسم ويكتب ويستوعب. وفي فنتسلار التقى بكارل فلهلم يروزاليم، الشاعر والمتصوف، وجيورج كرستيان كستنر، وهو موثق وصفه جوته بأنه "يتسم بالسلوك الهادئ الرصين، وبوضوح الرؤية،... وبالنشاط الرزين الذي لا يكل"(39)، وبلغ من ثقته بالترقي في وظيفته أنه كان مرتبطاً بفتاة ليتزوجها. وقد وصف كستنر جوته وصفاً فيه سماحة وكرم:

"هو في الثالثة والعشرين، والابن الوحيد لأب غني جداً. وقد تقرر- وفقاً لمشيئة أبيه- أن يمارس المحاماة في المحكمة هنا، أما مشيئته هو فهي أن يدرس هومر وبندار وأي شيء آخر توحي به عبقريته وذوقه وقلبه... والحق أنه صاحب عبقرية أصيلة، ورجل على خلق. وهو صاحب خيال ذو حيوية خارقة، ويعبر عن نفسه بالصور والتشبيهات... ومشاعره عنيفة، ولكنه يملكها عادة. وقناعاته نبيلة، وهو بريء تماماً من الهوى ويسلك كما يحب دون أن يعبأ إن كان سلوكه هذا يسر غيره، أو هو السلوك العصري، أو السلوك المباح. وكل ألوان القهر بغيضة في نظره. وهو يحب الأطفال، وفي وسعه أن يلاعبهم ساعات بطولها... إنه رجل ممتاز تماماً"(40). وفي 9 يونيو 1772 التقى جوته بخطيبة كستنر في حفلة رقص ريفية، واسمها شارلوته بوف. ثم زارها في الغد، ووجد في الأنوثة فتنة جديدة. أما لوته هذه التي كانت يومها في العشرين فهي أكبر الأخوات في أسرة من أحد شر طفلاً. وكانت الأم ميتة والأب مشغولاً بكسب قوته؛ وقامت لوته بدور الأم للأطفال الكثيرين. ولم تؤت بهجة الفتاة الصحيحة البدن ونضارتها فحسب، بل زادت عليهما جاذبية المرأة الشابة التي تؤدي في بساطة وأناقة هندام مهام وظيفتها بكفاءة وحب وبشاشة. وسرعان ما وقع جوته في غرامها، فما كان في استطاعته أن يظل طويلاً بغير صورة أنثى تدفئ خياله. ورأى كستنر الموقف، ولكنه لثقته مما يملك أبدى تسامحاً كريماً. أما جوته فقد سمح تقريباً بمزايا الخطيب المنافس، ولكن لوته كانت دائماً تصده، وتذكره بأنها مخطوبة. وأخيراً طلب إليها أن تختار بينهما، ففعلت، ورحل جوته عن فنتسلار في الغد (11 سبتمبر) دون أن تختلج كبرياؤه إلا لحظة. وظل كستنر صديقه الوفي حتى مماته.

وقبل أن يعود جوته إلى فرانكفورت توقف في ايرنبرايشتاين على الرين، وهي موطن جيورج وصوفي فون لاروش. وكانت لصوفي ابنتان "سرعان ما جذبتني بشدة كبراهما مكمسليانة، وإنه لإحساس لذيذ جداً حين يبدأ غرام جديد في التحرك داخلنا قبل أن يخمد القديم تماماً. فعند غروب الشمس يود المرء أن يرى القمر يطلع على الجانب المقابل"(41). على أن مكسمليانة تزوجت بيتر برنتانو، وولدت بنتاً رشيقة اسمها بتينا، وقعت في غرام جوته بعد خمسة وثلاثين عاماً. وراض جوته نفسه على حياة فرانكفورت والمحاماة. ولكنه لم يرتض هذه الحياة تماماً، فقد فكر حيناً في الانتحار. يقول:

"كنت أملك فيما أملك من مجموعة كبيرة من السلاح خنجراً جميلاً جيد الصقل. وكنت أضعه كل ليلة بجوار فراشي، وقبل أن أطفئ الشمعة جربت إن كان في استطاعتي أن أفلح في إغماد السن الحاد بوصتين في قلبي. فلم أوافق في هذه المحاولة قط، أقلعت أخيراً عن الفكرة بضحكي من نفسي، وكففت عن كل أوهامي ووساوسي، وصممت على أن أعيش.

"ولكي أستطيع هذا العيش في بشر اضطررت إلى حل مشكلة أدبية، تتحول فها كل مشاعري الماضية... إلى ألفاظ. فجمعت لهذا الغرض العناصر التي كانت تعتمل في سنوات، واستحضرت في ذهني الحالات التي أثرت في وعذبتني أشد تأثير وعذاب؛ ولكن شيئاً لم ينته إلى شكل محدد. فقد افتقدت الحدث، أو الأسطورة، التي يمكن فيها أن ترى هذه الحالات كلاً متكاملاً"(42).

وقد محام من زملائه في فتسلار هذا الحدث الذي يدمج هذه العناصر. ففي 30 أكتوبر 1772 قتل فلهلم يروزاليم نفسه يأساً من حبه لزوجة صديق له، بعد أن استعار مسدساً من كستنر. قال جوته وهو يستحضر الحدث "وبمجرد سماعي بنبأ موت يروزاليم.... تشكلت خطة "فرتر" في ذهني، وتسابق الكل معاً من جميع الجوانب"(43). ربما، ولكنه لم يبدأ تأليف الكتاب إلا بعد خمسة عشر شهراً. وواصل أثناء ذلك مغازلته لمكسمليانة برنتانو- التي كانت قد انتقلت مع زوجها إلى فرانكفورت- بمثابرة وإصرار جعلا الزوج يحتج، فانسحب جوته.

وشتت جهده ألوان مختلفة من المشروعات الأدبية المخففة. فقد داعب فكرة قص قصة اليهودي التائه من جديد، وخطط زيارة يقوم بها اليهودي لسبينوزا، وأن يبين أن الشيطان كما تدل جميع الظواهر منتصر على المسيح في العالم المسيحي(44)، ولكن لم يزد على عشر صفحات في "اليهودي التائه". ثم نظم هجائيات في ياكوبي، وفيلاند، وهردر، ولنتس، ولافاتر، ولكنه وفق رغم ذلك على كسب صداقتهم. وشارك في كتاب لافاتر في الفراسة، سمح له بأن يفحص قسمات دماغه، وكانت النتائج مرضية لغروره. وكان حكم السويسري "إن هنا ذكاء، مع حساسية تؤججه. لاحظ الجبين النشيط... والعين السريعة النفوذ والفحص والافتتان... والأنف، الذي يكفي ذاته إعلاناً عن الشاعر.. مع الذقن الفحل، والأذن القوية المتسعة- فمن ذا الذي يرتاب في العبقرية الكامنة في هذا الدماغ؟(45) ومن ذا الذي يستطيع تطبيق هذه المقاييس الدماغية؟" على أن ياكوبي قال أن هذا ممكن، لأنه بعد أن زار جوته في يوليو 1773 وصفه في رسالة إلى فيلاند بأن "عبقري من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، رجل به مس من الجن، كتب عليه أن يسلك وفق أوامر الروح الفردي"(46).

وأخيراً، في فبراير 1774، كتب جوته الكتاب الذي ذاع اسمه في طول أوربا وعرضها، "آلام الفتى فرتر". وكان قد أطال التفكير فيه، وأطال ترديده في تأملاته وخياله، حتى لقد أطلقه الآن كما يقول "في أربعة أسابيع... اعتزلت الناس كلية، ومنعت زيارة أصحابي"(47). قال لأكرمان بعد خمسين سنة "كان ذلك خلقاً غذوته بدم قلبي كما يفعل طائر البطريق"(48). وقد قتل فرتر ليمنح نفسه السلام.

وكان ملهماً في إيجاز الكتاب. اشتعل شكل الرسائل، محاكاة لقصة رتشردسن "كلاريسا" وقصة روسو "جولي" من جهة، ومن جهة أخرى لأن هذا الشكل كان ملائماً للإفصاح عن العاطفة وتحليلها، وربما لأنه في هذا الشكل استطاع أن يستعمل بعض الرسائل التي كتبها من فتسلار لأخته كورنيليا أو لصديقه ميرك. وصدم شارلوته وكستنر بإطلاقه اسمها الفعلي "لوته على بطلة حب واضح أنه يصف غرام جوته بعروس كستنر، وكستنر يقابله في القصة "البرت" الذي صوره المؤلف في إطراء. وحتى اللقاء في المرقص، وزيارة الغد، كانا في القصة كما كانا من قبل في الواقع. "منذ ذلك اليوم تستطيع الشمس والقمر والنجوم أن تسير سيرتها في هدوء، ولكني لا أعي بنهار ولا بليل، وكل العالم من حولي يتلاشى... لم يعد عندي صلوات أتلوها إلا لها"(49). على أن فرتر ليس جوته بالضبط: فهو أكثر عاطفية، وأميل إلى البكاء والكلام المتدفق والرثاء لنفسه. ولكي يقود المؤلف القصة إلى نهايتها الفاجعة، اقتضاه ذلك أن يغير فرتر من جوته إلى فلهلم يروزاليم. أما اللمسات الأخيرة فهي تحي تاريخ ما حدث: يستعير فرتر، كما استعار يروزاليم، مسدس البرت لينتحر به، وقصة ليسنج "إميليا جالوتي" ملقاة على مكتبة وهو يموت. "ولم يصحبه كاهن" إلى قبره.

كانت قصة "آلام الفتى فرتر" (1774) حدثاً في تاريخ الأدب وتاريخ ألمانيا. فقد عبرت عن العنصر الرومانسي في الحركة الزوبعية ودعمته، كما عبرت قصة "جوتز فون برليشنجن" من قبل عن العنصر البطولي. واستقبلها الشباب المتمرد بالمديح والمحاكاة، وارتدى بعضهم السترة الزرقاء والصدرة الصفراء البرتقالية كفرتر، وبكى بعضهم كفرتر، وانتحر بعضهم باعتبار الانتحار الشيء "العصري" الوحيد الذي يجلب عمله. واحتج كستنر على الولوغ في أسراره، ولكن لم يلبث أن هدئ، ولم يقل لنا أحد أن شارلوته شكت حين قال لها جوته "إن اسمك تنطقه آلاف الشفاه المعجبة بكل إجلال"(50). ولم يشارك رجال الدين الألمان في هذا الاستحسان. وأدان واعظ همبورجي القصة لأنها دفاع عن الانتحار، أما الراعي جوتسي، عدو ليسنج، فقد حمل على الكتاب، وأدانه ليسنج لعاطفيته المفرطة وافتقاره إلى القصد الكلاسيكي(51). وفي عشاء عام لأي القس ي. ك. هازنكمبف جوته في مواجهته على "تلك القطعة الشريرة من الكتابة"، ثم أردف "ليهد الله قلبك الضال"! وأفحمه جوته بجواب هادئ: "اذكرني في صلواتك"(52). وكان الكتيب أثناء ذلك يكتسح أوربا في مترجمات عديدة، منها ثلاثة في فرنسا خلال سنوات ثلاث؛ واعترفت الآن فرنسا لأول مرة بأن في ألمانيا أدباً.

الملحد الشاب

كان لرجال الدين بعض العذر في القلق على جوته، لأنه كان في هذه المرحلة يهجر بعداء الكنيسة المسيحية. كتب كستنر في 1772 يقول "أنه يجل الدين المسيحي، ولكن ليس في الصورة التي يصوره بها لاهوتيونا... إنه لا يتردد على الكنيسة، ولا يتناول القربان، ونادراً ما يصلي."(53) وكان جوته يكره على الأخص تأكيد المسيحية على الخطيئة والندم(54)، ويؤثر أن يأثم دون ندم. كتب إلى هردر (حوالي 1774) يقول "ليت تعليم المسيح كله لم يكن هذا الهراء الذي يثير سخطي بصفتي بشراً، مخلوقاً مسكيناً محدوداً ذا رغبات وحاجات!"(55) ووضع مخططاً لمسرحية عن بروميثيوس رمزاً فلإنسان يتحدى الآلهة، ولكنه لم يزد على مقدمته صدمت ياكوبي وأبهجت ليسنج. وما بقي منها هو أكثر تفجرات جوته المعادية للدين تطرفاً. يقول بروميثيوس:


غط سماءك يا زيوس بالضباب الملبد بالغيوم،

وإله- كما يلهو طفل يقطع رؤوس الشوك

على شجر البلوط وقمم الجبال!

فأنت لا بد تارك أرض قائمة،

وكوخي، الذي لم تبنه،

ومدفأتي التي تحسدني على توهج نارها.

لست أعرف تحت السماء من هو أفقر منكم أيها الآلهة!

إنكم تغذون جلالتكم بالجهد من الضحايا وصلوات الرغبات،

ولولا حمق الأطفال والمتسولين المتعللين بالآمال

لماتت هذه الجلالة جوعاً.

حين كنت طفلاً لا أعرف في ماذا أفكر،

كانت عيناي الضالتان تتطلعان إلى الشمس،

كأن لها أذناً تصيخ السمع إلى شكاتي،

أو قلباً كقلبي يرق لنفس معناة.

فمن ترى أعانني على غطرسة الطاغية؟

ومن أنقذني من الموت، من العبودية؟

أليس هو قلبي المقدس المضطرم،

هو الذي صنع هذا كله وحده،

ولكنه لحداثته وطيبه ولأنه كان مخدوعاً،

فهو يرفع الشكر لذلك النائم هناك؛

أمجدك؟ لماذا؟

هل خففت مرة أحزان المثقلين بالهموم؟

هل كفكفت مرة دموع المعذبين؟

ألم يفطرني بشراً؟

ذلك الزمان الجبار والقدر السرمدي-

سيداي وسيداك...

هاأنذا قاعد هنا، أصنع الرجال على شاكلتي،

سلالة شبيهة بي،

تحزن وتبكي، تفرح وتمرح،

وتزدريك كما أزدريك.


ثم انتقل جوته ببطء من حضيض الإلحاد المغرور هذا إلى "حلولية" سبينوزا الأكثر تهذيباً. روى لافاتر أن "جوته قال لنا أشياء كثيرة عن سبينوزا ومؤلفاته... فقد كان رجلاً غاية في الإنصاف والاستقامة والفقر... وكان الربوبيين المحدثين فقد أخذوا آراءهم عنه أولاً... وأضاف جوته أنه رسائله أطرف ما عرف العالم كله عن الاستقامة وحب البشر"(56)، وبعد اثنين وأربعين عاماً قال جوته لكارل تسلتر إن أكثر الكتاب تأثيراً فيه هم شكسبير وسبينوزا ولينايوس(57) وفي 9 يونيو 1785 كتب إلى ياكوبي بتسلمه كتابه "في تعاليم سبينوزا"، وتكشف مناقشته لتفسير ياكوبي لهذه التعاليم عن دراسة مستفيضة للفيلسوف- القديس اليهودي. كتب يقول "إن سبينوزا لا يبرهن على وجود الله، إنه يبرهن على أن الوجود (حقيقة المادة- العقل) هو الله. فليرمه غيري لهذا السبب بالإلحاد، أما أنا فأميل إلى أن أصفه وأثني عليه رجلاً تقياً جداً، لا بل مسيحياً جداً!... وأنا آخذ عنه أصح المؤثرات في تفكيري وسلوكي"(58).

وقد علق جوته في سيرته الذاتية على رده على ياكوبي بقوله: "كنت لحسن الحظ قد أعددت نفسي... بعد أن انتحلت إلى حد ما أفكار وعقل رجل خارق للعادة... وهذا العقل، الذي كان قدأثر في تأثيراً حاسماً جداً، وكتب له أن يؤثر تأثيراً عميقاً جداً في أسلوب تفكيري كله، هو سبينوزا. ذلك أنني بعد أن بحثت في العالم عبثاً عن وسيلة لتطوير طبيعتي الغريبة، وقعت في النهاية على كتاب "الأخلاق" لهذا الفيلسوف... فوجدت فيه مسكناً لعواطفي المشبوبة، وتفتحت أمامي نظرة واسعة حرة تشرف على العالم الحسي والخلقي... ولم تبلغ بي الجرأة قط مبلغ الاعتقاد بأنني فهمت كل الفهم رجلاً... ارتقي، بدراساته الرياضية والربانية، إلى ذري الفكر، رجلاً يلوح أن اسمه حتى في يومنا هذا، يعين الحد الذي تقف عنده كل المحاولات التأملية"(59).

وقد أضاف مزيداً من الدفء لعقيدته الاسبينوزية في الحلول (وحدة الوجود) بولعه الشديد بالطبيعة، ولم يكن هذا الولع ابتهاجاً فحسب بمرأى الحقول النضرة أو الغابات الغامضة أو النباتات والأزهار المتكاثرة في تنوع غزير، بل أنه عشق أيضاً حالات الطبيعة الأكثر صرامة، وأحب أن يشق طريقه خلال الريح أو المطر أو الثلج، ثم صعوداً إلى قمم الجبال الخطرة. وكان يتحدث عن الطبيعة كأنها أم يرضع من صدرها رحيق الحياة ونكهتها. وقد عبر فيملحمة من الشعر المنثور سماها "الطبيعة" (1780)، بوجدان ديني، عن استسلامه المتواضع للقوى الخلاقة المدمرة التي تكتنف الإنسان، واندماجه السعيد فيها:


"الطبيعة! إنها تكتنفنا وتحضرنا- ونحن نستطيع الخطو خارجها، ولا التعمق في داخلها.

إنها تتلقانا، دون توسل إليها ولا تحذير، في حلبة رقصها، ثم ترافقنا في رقص سريع حتى تنهك قوانا ونخر من بين ذراعيها..

"إنها لا تفتأ تخلق الأشكال الجديدة، فما هو موجود الآن لم يكن موجوداً قط من قبل،

وما فات لن يعود؛ الكل جديد، ومع ذلك فهو دائماً القديم.

إنها تبدو وكأنها دبرت كل شيء للفردية، ولكنها لا تعبأ مثقال ذرة بالأفراد،

إنها بانية أبداً، هادمة أبداً، ومصنعها لا سبيل للوصول إليه...

إنها تملك الفكر؛ وهي تتأمل باستمرار، لا كإنسان، بل كالطبيعة.

إنها لها عقلاً كلي الشمول خاصاً بها؛ وما من أحد يستطيع النفوذ إليه...

إنها تسمح لكل طفل بأن يعبث بها، ولكل أحمق بأن يحكم عليها،

والآلاف تعثر أقدامهم ولا يرون شيئاً، إن فرحتها بالكل.

إنها رحيمة، وأنا أثني عليها وعلى كل أعمالها. إنها حكيمة هادئة.

لا يستطيع المرء أن يستخلص منها أي تفسير، أو ينتزع منها عطية لا تعطيها بمشيئتها الحرة.

لقد وضعتني هنا، وسوف تقودني بعداً. وأنا أوكل إليها نفسي، ولها أن تفعل بي ما تشاء.

فهي لن تكره صنعة يدها"(60).


وفي ديسمبر 1774 توقفت الدوق كارل أوبست بفرانكفررت في الطريق بحثاً عن عروس في كارلسروهي. وكان قد قرأ "جوتز فون برليشنجن" وأعجبته، فدعا مؤلفها للقائه. وذهب جوته، ووقع من نفس الدوق موقعاً طيباً، وساءل الدوق نفسه ألا يجوز أن يصبح هذا العبقري الوسيم المهذب نجماً ساطعاً في بلاط فايمار. وكان عليه أن يعجل بالرحيل، ولكنه طلب إلى جوته أن يلتقي به ثانية في رجوعه من كالسروهي.

كان جوته كثير الكلام عن القدر، قليلة جداً عن المصادفة. ولعله لو سئل لأجاب أن القدر- لا المصادفة- هو الذي جاء به إلى الدوق، وأنه هو الذي صرفه عن حسن للي شوثيمان إلى مخاطر فايمار وفرصها المجهولة. أما للي هذه فكانت ابنة تاجر غني في فرانكفورت. وقد دعى جوته إلى حفل استقبال في بيتها بعد أن أصبح الآن سبعاً من سباع المجتمع الراقي. وعزفت للي على البيانو عزفاً رائعاً، واتكأ جوته على ركن منه وراح يحدق على مهل في مفاتنها ذات الستة عشر ربيعاً وهي تعزف. "كنت أحس أنني أشعر بقوة جذابة غاية في الرقة... ثم ألفنا أن نلتقي... وأصبحنا الآن ولا غنى للواحد عن صاحبه... وملكني شوق لا سبيل إلى مقاومته(61). فما أسرع ما ترتفع هذه الحمى الشهيرة، التي فجرتها حساسية شاعر. قبل أن يدرك معنى ما فعل، كان قد خطبها رسمياً (أبريل 1775). أما للي التي ظنت أنها اقتنصته وأمنته، فراحت تعابث غيره. وشهد جوته ذلك فغلت مراجل غيظه. في هذه الفترة بالضبط مر صديقان هما الكونت كرستيان والكونت فريدريش تسو شتولبرج بفرانكفورت في طريقهما إلى سويسرة. واقترحا على جوته أن ينضم إليهما. وحثه أبوه على الذهاب ومواصلة الرحلة إلى إيطاليا. "وانفصلت عن للي بعد أن أفضت إليه ببعض السر ولكن دون أن استأذن قبل الرحيل"(62).

وقد بدأ الرحلة في مايو 1775، والتقى بالدوق ثانية في كارلسروه، فدعاه بصفة نهائية إلى فايمار. ومضى إلى زيورخ، حيث التقى بلافاتير وبودمير. وتسلق سانت جوتهارد وتطلع باشتياق إلى إيطاليا، ثم تسلطت على خياله من جديد صورة للي، فترك أصحابه ويمم شطر وطنه، وفي سبتمبر كانت للي بين زراعيه. ولكن ما أن خلا إلى نفسه في حجرة حتى عاوده خوفه القديم من الزواج سجناً وركوداً. وأنكرت للي تردده، فاتفقا على فسخ خطبتهما، وفي 1776 تزوجت برنهارد فون توركهايم.

أما الدوق الذي ألم بفرانكفورت في طريق عودته من كارلسروه فقد عرض على جوته أن يرسل إليه عربة تقله إلى فايمار. ووافق جوته، ودبر أمره، وانتظر اليوم الموعود. ولكن العربة لم تأت. أفكان ذلك عبثاً وخديعة. وبعد أن قضى أياماً من التلبث المغيظ انطلق في رحلته إلى إيطاليا. ولكن العربة الموعودة لحقته في هيدلبرج، وقدم مبعوث الدوق التفسيرات والاعتذارات، فقبلها جوته. وفي 7 نوفمبر 1775 وصل إلى فايمار، وكان يومها في السادسة والعشرين، ممزقاً كعادته دائماً بين إله الغرام والقدر، تهفو نفسه إلى النساء ولكنه مصمم على أن يصير إنساناً عظيماً.


4- هردر 1744-1776

لم يمض شهر على وصول جوته إلى فايمار حتى أنهى إلى الدوق اقتراحاً مشفوعاً بموافقته الحارة، هو اقتراح فيلاند بأن تعرض على يوهان جوتفريد هردر وظيفة المشرف العام على اكليروس الدوقية ومدارسها. ووافق الدوق. أما هردر فقد ولد بمورنجن في بروسيا الشرقية (25 أغسطس 1744)، فهو من حيث الجغرافيا وضباب البلطيق قريب إيمانويل كانط. وكان أبوه معلماً فقيراً وقائد فرقة ترتيل تقوى النزعة، وهكذا كان للصبي أوفر نصيب من الشدائد. فمنذ كان في الخامسة كان يشكو ناسوراً في عينه اليمنى. واضطرته ضرورة المشاركة بعد قليل في موارد الأسرة إلى ترك المدرسة والاشتغال سكرتيراً وخادماً لسبستيان تريشو، الذي كان يكسب رزقاً طيباً بتأليف كتيبات في التقوى. وكان لديه مكتبة استوعبها يوهان. فلما بلغ الثامنة عشرة أرسل إلى كينجزبرج لإزالة الناسور ولدراسة الطب في الجامعة. على أن الجراحة أخفقت، وقلبت فصول التشريح معدة الشاب فانصرف عن الطب إلى اللاهوت.

وتصادق مع هامان الذي كان يعلمه الإنجليزية مستعملاً هاملت نصاً، وحفظ هردر المسرحية كلها تقريباً عن ظهر قلب. واختلفت إلى محاضرات كانط في الجغرافيا والفلك وفلسفة فولف. وبلغ من حب كانط له أنه أعفاه من الرسم الذي يحصل من الطلبة نظير حضورهم المحاضرات. وكسب هردر قوته بالترجمة وتدريس التلاميذ الخصوصيين، ثم قام بالتدريس في مدرسة الكتدرائية بمدينة ريجا من سن العشرين إلى سن الخامسة والعشرين. وحين بلغ الحادية والعشرين رسم قسيساً لوثرياً، وفي الثانية والعشرين أصبح ماسونياً(63)، وفي الثالثة والعشرين عين مساعداً للراعي في كنيستين قرب ريجا. ودخل عالم النشر في الثانية والعشرين بكتاب في الأدب الألماني الحديث، ثم أضاف إليه جزءاً ثانياً وثالثاً بعد عام. وراعت ثقافة المؤلف الشاب كانط وليسنج ونقولاي ولافاتر-وامتدحوا دعوته إلى أدب قومي متحرر من الوصاية الأجنبية.

واستبق هردر الموضة "الفرترية" بوقوعه في غرام يائس بامرأة متزوجة. واشتدت معاناته من الاكتئاب والغم في بدنه وعقله، فمنحه رؤساؤه إجازة ينقطع فيها عن عمله، ووعدوه بأن يوظفوه من جديد براتب أعلى عند عودته. وافترض مالاً، ثم غادر ريجا (23 مايو 1769) ولم يرها ثانية قط. وركب البحر إلى نانت، وأقام فيها أربعة أشهر، ثم مضى إلى باريس والتقى بديدرو ودالامبير، ولكن أحداً لم يستطع إقناعه بالانحياز إلى التنوير الفرنسي.

وذلك أن ميله الفطري كان جمالياً (استطيقياً) أكثر منه عقلياً. ففي باريس بدأ يجمع الشعر البدائي، ووجد فيه متعة تفوق ما في أدب فرنسا الكلاسيكي. وقرأ كتاب مكفرس: "أوسيان" في ترجمة ألمانية، وحكم بأن هذه التقليدات البارعة أروع من معظم الشعر الإنجليزي الحديث بعد شكسبير. ثم بدأ في 1769 مقالات في النقد الفني والأدبي أطلق عليها اسم (الغياض)، ونشر ثلاثة مجلدات منها في حياته بعنوان (غابات من النقد). وفي فبراير 1770 أنفق أربعة عشر يوماً في اتصال مثمر مع ليسنج في همبورج. ثم صاحب أمير هولشتين-جوتورب معلماً ورفيقاً. وجاب معه ألمانيا الغربية. وفي كاسل التقى برودلف راسبي، أستاذ الآثار والمؤلف القادم لكتاب "قصة البارون مونتشاوزن عن أسفاره وحملاته العجيبة في روسيا" (1785). وكان راسبي قد استرعى اهتمام ألمانيا بكتاب توماس برسي "مخلفات من الشعر الإنجليزي القديم" سنة ظهوره (1765).


وتقوى هردر في إيمانه بأن واجب الشعراء أن يهجروا الدعوة الفنكلمانية، اللسنجية لتقليد الكلاسيكيات اليونانية، وأنه أخلق بهم أن يتشبثوا بالمنابع الشعبية لتقليد أمتهم في الشعر الفولكلوري والتاريخ القصصي الغنائي.

وانتقل هردر مع الأمير إلى دارمشتات، فالتقى بجماعة "الحساسيين" فيها. وراقه إعلاؤهم شأن العاطفة، وخص بالتقدير عواطف كارولينية فلاخسلاند، الأت اليتيمة لزوجة عضو المجلس الخاص أندرياس فون هسه، ودعي هردر للوعظ في كنيسة محلية، فسمعته، وتأثرت بوعظه، وتمشيا معاً في الغابات، وتلامست أيديهما، فانعطف قلبه، وعرض عليها الزواج ولكنها نبهته إلى أنها تعيش على صدقة أختها، وأنها لن تستطيع أن تدفع له مهراً، ورد هو بأنه مثقل بالدين، وأن المستقبل أمامه غامض جداً، وأنه ملتزم بمرافقة الأمير. وتعاهدا بألا تكون خطبة رسمية، ولكنهما اتفقا على تبادل الحب بالرسائل. ثم رحلت جماعته إلى مانهايم في 27 أبريل 1770.

فلما وصلوا إلى ستراسبورج ترك هردر الأمير رغم شوقه لرؤية إيطاليا. ذلك أن الناسور الذي في غدته الدمعية سد القناة الدمعية الموصلة إلى المنخر فأصابه بألم لا يهدأ. ووعده الدكتور لوبشتين أستاذ أمراض النساء في الجامعة بأن الجراحة ستزيل الانسداد في ثلاثة أسابيع. واستسلم هردر، دون مخدر، للثقب المتكرر لقناة خلال العظم إلى ممر الأنف. ولكن الجرح بدأ يتلوث، وظل هردر ستة أشهر تقريباً حبيس حجرته في الفندق وقد فت في عضده فشل الجراحة، وران عليه اكتئاب بسبب شكوكه في مستقبله. في هذه الحالة النفسية من المعاناة والتشاؤم، التي بجوته (4 سبتمبر 1770). ويذكر جوته هذه الفترة فيقول "أتيح لي أن أحضر الجراحة وأن أكون نافعاً في نواحي كثيرة"(64). وقد ألهمه رأي هردر القائل بأن الشعر ينبثق غريزياً في الشعب، لا من "بضعة رجال مهذبين مثقفين"(65). وحين رحل هردر وقد نفد ما معه من مال، "اقترض جوته مبلغاً من أجله" رده هردر فيما بعد.

ثم قبل على مضض دعوة من الكونت فلهلم تسوليبي، حاكم إمارة شاومبورج-ليبي الصغيرة في شمال غربي ألمانيا، ليعمل واعظاً لبلاطه ورئيساً للمجلس الكنسي في عاصمته المتواضعة بوكيبورج. وفي أبريل 1771 غادر هردر استراسبورج، وزار كارولينه في دارمشتات وجوته في فرانكفورت، ووصل إلى بوكيبورج في الثامن والعشرين. فوجد الكونت حاكماً "مستبداً مستنيراً" من طراز إداري صارم، أما المدينة فكانت قروية في كل شيء إلا الموسيقى، التي كان يحسن تزويدها بها يوهان كريستوف فريدريش باخ، وراض هردر نفسه عن الانفصال عن التيار الرئيسي للفكر الألماني، ولكن الكتب التي أصدرها في مكانه الصغير أثرت تأثيراً قوياً في ذلك التيار، وأسهمت في تشكيل الأفكار الأدبية للحركة الزوبعية. وقد أكد للكتاب الألمان أنهم إن التمسوا الإلهام في جذور الأمة وحياة الشعب فسوف يأتي الوقت الذي يبزون فيه الفرنسيين كل ما حققوه. وقد تحققت هذه النبوءة في الفلسفة والعلم.

وقد ظفر بحثه في أصل اللغة (1772) بالجائزة التي قدمتها أكاديمية برلين عام 1770. ومع أن هردر كان يجهر بتدنيه مخلصاً، إلا أنه رفض الفكرة التي تزعم أن اللغة من صنع الله وحده؛ وقال أنها من صنع البشر، وأنها نتجت طبيعياً من عمليات الإحساس والتفكير. وألمع أن اللغة والشعر كانا واحداً باعتبارهما تعبيرين عن الانفعال، وأن الأفعال، المعبرة عن الفعل، كانت أول أقسام الكلام". وفي مجلد آخر سماه "فلسفة أخرى مضافة إلى فلسفات التاريخ" (1774) عرض التاريخ على أنه "الفلسفة الطبيعية للأحداث المتعاقبة" فكل حضارة هي وجود بيولوجي له مولده وشبابه ونضجه وانحلاله وموته؛ ويجب أن تدرس من وجهة نظر عصرها، دون تحيزات مبنية على بيئة وعصر آخرين. وقد أعجب هردر إعجاب الرومانتيكيين عموماً بالعصور الوسطى لأنها زمان الخيال والوجدان، والشعر والفن الشعبيين، والبساطة والسلام الريفيين؛ وعلى نقيض ذلك كانت أوربا بعد النهضة عبارة عن عبادة للدولة، وللمال، وللترف الحضري، وللتكلف والافتعال، وللرذيلة. وانتقد التنوير لأنه عبادة لوثن العقل، وقارن بينه وبين ثقافات اليونان والرومان مقارنة لا تخدم التنوير. ولقد أبصر هردر يد الله كما أبصرها بوسويه في العملية التاريخية كلها، ولكن الواعظ المفوه كان أحياناً ينسى لاهوته، ويرى أن "التغيير العام للعالم كان يقوده الإنسان أقل كثيراً مما يقوده قدر أعمى(66)".

وحمله شعوره بالوحدة إلى أن يطلب كارولينة وزوج أختها أن يأذنا له بالحضور والزواج منها رغم ضآلة دخله. فوافقا، وزف الحبيبان في دارمشتات في 2 مايو 1773. ثم عادا إلى بوكيبورج، واقترض هردر بعض المال ليجعل دار القسيس بيتاً مبهجاً لزوجته. وقد بذلت له زوجته الخدمة والحب الخالص مدى الحياة. وبفضل وساطتها انقشع الفتور الذي ران من قبل على المودة بين هردر وجوته، وحين وجد جوته نفسه في موقف يسمح له بتزكية الراعي لوظيفة أسخى عطاء، أسعده أن يفعل ذلك. وفي أول أكتوبر 1776 وصل هردر وكارولينة إلى فايمار، وانتقلا إلى البيت الذي أعده لهما جوته. ولم يبق الآن سوى عضو واحد ليكتمل عقد الرباعي الذي سيضع شهرة فايمار.


5- شيلر في سني تطويقه 1759-1787

ولد يوهان كريستوف فريدريش شيلر في 10 نوفمبر 1759 بمدينة مارباخ في فورتمبرج. وكانت أمه ابنة صاحب فندق الأسد، وأبوه جراحاً-ثم ضابط برتبة الكابتن-في جيش الدوق كارل أويجين؛ وكان يتنقل مع فوجه، ولكن زوجته أقامت أكثر الوقت في لورش أولود فجزبرج. وفي هاتين المدينتين تلقى فريدريش تعليمه. وقد نذره أبواه للقسوسية، ولكن الدوق أقنعهما بأن يبعثا به وهو في الرابعة عشرة إلى كارلشولي (مدرسة كارل) في لودفيجزبرج (ثم في شتوتجارت)، حيث يعد أبناء الضباط لمهنة المحاماة أو الطب أو الجندية. وكان نظام المدرسة نظاماً عسكرياً صارماً، والدراسات مجافية لطبيعة غلام فيه حساسية مرهفة تقرب من حساسية الفتيات. وكان رد فعل شيلر أن تشرب كل ما وجد إليه سبيلاً من الأفكار الثورية، ثم صبها (1770-1789) في مسرحية "اللصوص" التي فاقت جوتز فون برليشنجن تعبيراً عن الحركة الزوبعية.

وفي 1780 تخرج شيلر في الطب، وأصبح جراحاً لفوج في شتوتجارت. وكان راتبه ضئيلاً، وسكن حجرة واحدة مع الملازم كايف. وكانا يجهزان طعامهما وأكثره من السجق والبطاطس والخس، ثم أن النبيذ في المناسبات السارة. وقد شق على نفسه ليكون رجلاً له كل حس الجندي بالمعركة والجعة والمواخير، وزار المومسات اللاتي يختلفن إلى المعسكر(67)؛ ولكنه لم يكن يسيغ الابتذال والسوقية، فالنساء في نظرته المثالية أسرار غامضة مقدسة يجب أن يدنو منها الرجل في إجلاله ورعدة. وكانت صاحبة الدار واسمها لويزة فيشر أرملة في الثلاثين، ولكنها إذا عزفت على الهاربسيكورد "فارقت روحي جسدي الترابي الفاني"(68)، وتمنى لو "أنني التصقت إلى الأبد بشفتيك"... لا تشرب أنفاسك"(69). وهي طريقة مبتكرة في الانتحار.

وحاول عبثاً أن يجد ناشراً لمسرحية "اللصوص"، فلما أن أخفق، وفر واقترض ثم طبعها على نفقته (1781). وقد أدهش نجاحها الناس حتى مؤلفها ذا الاثنين والعشرين ربيعاً. وفي رأي كارليل أنها بدأت "عصراً في الأدب العالمي"(70)، ولكن ألمانيا الوقور صدمها أن المسرحية لم تترك ناحية من نواحي الحضارة الراهنة إلا إدانتها. وذكرت المقدمة التي صدر بها شيلر تمثيلته أنها تبين عظمة الضمير وأذى التمرد.

وخلاصة التمثيلية أن كارل مور، وهو الابن البكر للكونت المسن مكسمليان فون مور، يخصه أبوه بحبه لما اتسم به من مثالية وسماحة خلق؛ ومن ثم يحسده ويبغضه أخوه فرانتن. ويرحل كارل ويدخل جامعة ليبزج، ويتشرب مشاعر التمرد التي تضطرب بها صدور شباب أوربا الغربية. فلما ألح الدائنون في مطالبته بالدين، راح يندد بعباد المال القساة الذين "يلعنون الصدوقي الذي يقصر في الحضور إلى الكنيسة بانتظام، ومع أن تقواهم لا تخرج عن عد مكاسبهم، المجلوبة بالربا، على مذبح الكنيسة ذاته"(71).

ثم يفقد كل إيمان بالنظام الاجتماعي القائم، وينضم إلى عصابة من اللصوص، ويصبح زعيماً لها، ويقسم يمين الولاء لها حتى الموت، ثم يهدي ضميره بلعب دور روبن هود. ويصفه أحد أفراد العصابة بهذه العبارات: "إنه لا يقتل كما نقتل طمعاً في شيء يسلبه، أما المال... فيبدو أنه لا يعبأ به مثقال ذرة، فثلث الغنيمة الذي هو حق خالص له يعطيه لليتامى، أو ليعين به شباب الكلية المبشرين بمستقبل مرموق. أما إذا وقع في براثنه عين من أعيان الريف الذين يسومون فلاحيهم سوء العذاب كأنهم الأنعام، أو وغد يرفل في فاخر الثياب ممن يعوجون القضاء ليخدم مآربهم... أو أي رجل من هذا النوع-عندها يا بني يتجلى على فطرته ثائراً هادراً كأنه شيطان رجيم"(72).

ويندد كارل برجال الدين لأنهم يتملقون السلطان ويعبدون صنم المال سراً، "وخيرهم لا يتردد في أن يخون الثالوث الأقدس كله في سبيل عشرة شواقل"(73).

ويدبر فرانتس في غضون هذا إبلاغ الكونت في رسالة كاذبة أن كارل مات. ويصبح فرانتس الوريث لثروة أبيه، ويتقدم لخطبة إميليا التي تحب كارل حياً أو ميتاً. ويدس فرانتس السم لأبيه، ويهدئ وخز ضميره بالإلحاد: "لم يثبت بعد أن فوق هذه الأرض عيناً ترقب كل ما يجري عليها... ليس هناك إله(74). ويسمع كارل بجرائم أخيه، فيقود عصابته إلى قلعة الأب ويضرب حصاراً على فرانتس، فيتضرع هذا إلى الله مستمياً في التماس العون، فإذا لم يصله عون قتل نفسه. وتقدم أميليا نفسها لكارل شريطة أن يقلع عن حياة اللصوصية؛ وهو تواق إلى هذا، غير أن أتباعه يذكرونه بتعهده البقاء معهم حتى الموت. فيحترم تعهده، وينصرف عن أميليا؛ ولكنها تتوسل إليه أن يقتلها، فيستجيب لها، وبعد أن يرتب أن ينال عامل فقير المكافأة المرصودة للقبض عليه، يستسلم للقانون وللمشنقة.

وهذا كله بالطبع هراء. فالشخوص والأحداث يستحيل تصديقها، والأسلوب منمق طنان، والخطب لا تطاق، والفكرة عن المرأة مثالية على نحو رومانسي. ولكنه هراء قوي. ذلك أن فينا كلنا تقريباً تعاطفاً خفياً مع أولئك الذين يتحدون القانون؛ فنحن أيضاً نحس أنفسنا أحياناً وقد ضيقت علينا الخناق وأرهقتنا آلاف القوانين والأوامر التي تكبلنا أو تغرمنا وقد طال اعتيادنا على المنافع التي وهبنا إياها القانون حتى أننا لنأخذه قضايا مسلمة؛ ونحن لا نشعر بتعاطف طبيعي مع الشرطة حتى نقع ضحية من ضحايا التمرد على القانون. ومن ثم وجدت التمثيلية المطبوعة قراء متحمسين واستحساناً حاراً، ولم تمنع شكاوي الوعاظ والمشرعين، الذين زعموا أن شيلر مجد الجريمة، أحد النقاد من أن يحييه لأنه يعد بأن يصبح شكسبيراً "ألمانيا"(75)، ولا منعت المخرجين من أن يقترحوا إخراج المسرحية.

وعرض البارون فولفجانج هريبرت فون دالبرج أن يقدمها على المسرح القومي بمانهايم إذا وضع لها شيلر نهاية أسعد. ففعل: واقتضى التعديل أن يتزوج مور أميليا بدلاً من أن يقتلها. وتسلل شيلر من شتوتجارت دون أن يستأذن الدوق كارل أو بجين قائده الحربي ليحضر العرض الأول للمسرحية في 13 يناير 1782. وأقبل الناس من فورمز ودارمشتات وفرانكفورت وغيرها من المدن ليشهدوا التمثيل. ولعب أوجست افلاند دور كارل، وكان من ألمع ممثلي الجيل؛ وأبدى النظارة استحسانهم بالصياح والتشيج، ولم تلق مسرحية ألمانية أخرى من قبل مثل هذا الاحتفاء(76)، وكانت قمة في الحركة الزوبعية. وبعد المسرحية كرم الممثلون شيلر وتودد إليه ناشر من مانهايم، وشق عليه أن يعود إلى شتوتجارت ويستأنف حياته جراحاً للفوج. وفي شهر مايو تسلل ثانية إلى مانهايم لشهد عرضاً آخر لمسرحية ثانية. فلما أن عاد ثانية إلى فوجه، وبخه الدوق وحظر عليه تأليف المزيد من التمثيليات.

ولم يقو على تقبل هذا الحظر. ففي 22 سبتمبر 1782 هرب إلى مانهايم في صحبة صديق يدعى أندرياس سترايشر. وهناك قدم لدالبرج تمثيلية جديدة سماها "مؤامرة فييسكو في جنوه". وقرأها على الممثلين، فحكموا أنها هابطة مؤسفاً عن مستوى "اللصوص"، وقال والبرج أنه قد يخرج المسرحية إذا راجعها شيلر؛ فعكف شيلر أسابيع على هذه المهمة، ولكن دالبرج رفض حصيلة هذا الجهد. ووجد شيلر نفسه لا يملك فلساً. وأنفق سترايشر على إعاشته النقود التي ادخرها ليدرس الموسيقى في همبورج. فلما نفدت، رحب شيلر بدعوة للإقامة في باورباخ في كوخ تملكه السيدة هنرييتا فون فولتسوجن. وهناك كتب تمثيليته ثالثة سماها "الدسيسة والحب". ووقع في غرام الآنسة لوته فون فولتسوجن البالغة من العمر ستة عشر ربيعاً. ولكنها آثرت عليه منافساً في حبها. وظفرت "فييسكو" التي نشرت في غضون هذا بتوزيع جيد. وندم دالبرج، وأرسل إلى شيلر دعوة ليكون كاتب التمثيليات المقيم لمسرح مانهايم براتب قدره ثلاثمائة فلورن في العام. فوافق (يوليو 1783).

ونعم شيلر بعام من السعادة القلقة رغم كثرة ديونه التي عجز عن سدادها ورغم ما أصيب به مرة من مرض خطير. وعرضت فييسكو على المسرح أول مرة في 11 يناير 1784، وقد أفسدها ما أصر عليه دالبرج من نهاية سعيدة لا يمكن تصديقها، ولم تثر المسرحية أي حماسة من النظارة. بيد أن "الدسيسة والحب "كانت أفضل بناء، وأقل خطباً، وأظهرت حساً متزايداً بالمسرح؛ وقد رأى فيها البعض، من وجهة النظر المسرحية، أفضل المآسي الألمانية قاطبة(77). وبعد أن فرغ الممثلون من العرض الأول (15 أبريل 1784) ضج النظارة بتصفيق صاخب حمل شيلر على أن يقوم من مقعده في إحدى المقصورات وينحني للجمهور.

كانت سعادته مفرطة قصيرة الأجل. ذلك أنه لم يكن بطبيعته صالحاً للتعامل مع الممثلين، الذين كانوا على شاكلته تقريباً في عصبيتهم؛ فقد قسا في الحكم على آدائهم، ولا مهم على عدم حفظ أدوارهم حفظاً دقيقاً(78). ولم يستطع أن يكمل تمثيلية ثالثة سماها "دون كارلوس" في الزمن المشروط. فلما أن قارب عقده "كاتباً للمسرح" الانتهاء في سبتمبر 1784 رفض دالبرج تجديده. ولم يكن شيلر قد ادخر شيئاً، فعاد من جديد يواجه الإملاق والدائنين الذين فرغ صبرهم.

في هذه الفترة أو نحوها نشر بعض "الرسائل الفلسفية" التي تدل على أن الشكوك الدينية قد أضيفت إلى مشكلاته الاقتصادية. فهو لم يستطع تقبل اللاهوت القديم، ومع ذلك اشمأزت روحه الشاعرة من الإلحاد المادي، كذلك الذي عبر عنه دولباخ في كتابه "مذهب الطبيعة" (1770). ولم يعد قادراً الآن على أن يصلي، ولكنه كان يحسد القادرين على الصلاة؛ وقد وصف في إحساس بالخسارة الفادحة ذلك العزاء الذي يهبه الدين لآلاف النفوس في ظروف الألم والحزن والاحتضار(79). على أنه احتفظ بإيمانه بحرية الإرادة، وبالخلود، وبإله مجهول، بانياً هذا كله، كما بناه كانط، على الوجدان الأخلاقي. وقد أعرب في عبارة لا تنسى عن مبدأ المسيح الأخلاقي "حين أبغض انتزع شيئاً من نفسي، أما حين أحب فإنني أزيد ثراء بما أحب. والصفح معناه أن أتلقى ثروة فقدت. وكراهة البشر إنما هي انتحار بطيء"(80).

وسط هذه الظروف المعقدة جمل كرستيان جوتفريد كورنر حياة شيلر بصداقة من أروع الصداقات في تاريخ الأدب. ففي يونيو 1784 أرسل إلى شيلر من ليبزج رسالة تنم على الإعجاب الحار، مشفوعة بصور له، ولخطيبته مناشتوك، وأختها دوراً، وخطيب دوراً لودفج هوبر، ومحفظة جيب طرزتها منا. أما كورنر هذا فقد ولد في 1756 (قبل مولد شيلر بثلاثة أعوام) لراعي كنيسة القديس توماس التي قاد فيها باخ قبل جيل الكثير من الموسيقى الخالدة. وقد نال الشاب إجازته في القانون وهو في الحادية والعشرين، وكان الآن مستشاراً لمجلس الكنيسة الأعلى في درسدن. وآخر شيلر رده حتى 7 ديسمبر، إذ كان مرهقاً بمتاعبه وهمومه. ورد عليه كورنر يقول "نحن نقدم لك صداقتنا دون تحفظ، فاحضر إلينا بأسرع ما تستطيع"(81).

وتردد شيلر. وكان قد كون صداقات في مانهايم، ووقع في غرام العديدات، لا سيما (1784) شارلوته فون كالب، التي تزوجت قبل ذلك بعام واحد. وفي دارمشتات، في ديسمبر 1784، التقى بالدوق كارل أوجست أمير ساكسي-فايمار، وقرأ عليه الفصل الأول من "دون كارلوس، ونال لقب Rat أو المستشار الفخري، ولكن لم يصله أي عرض بمكان في سماء فايمار. ومن ثم فقد قرر أن يقبل دعوة كرونر لليبزج. وعليه، ففي 10 فبراير 1785 أرسل إلى المعجب الذي لم يعرفه به نداء عاطفياً يظهره ريباً من نقطة الانهيار. "في الوقت الذي في نصف سكان مانهايم إلى المسرح... أطير إليكم أيها الأصدقاء الأعزاء... فمنذ أن تلقيت خطابكم الأخير لم تبرحني قط الفكرة بأننا مخلوقون بعضنا لبعض، لا تسيئوا الظن بصداقتي إذ تبدو متعجلة بعض الشيء. فالطبيعة تطرح الكلفة في رضاها عن بعض الكائنات. والنفوس النبيلة ترتبط بخيط رقيق كثيراً ما يتبين أنه طويل البقاء.

"فإذا ما التمستم العذر لرجل تدفئ قلبه أفكار عظيمة ولكنه لم ينجز غير أفعال صغيرة؛ رجل لا يستطيع إلى الآن إلا أن يحدس من حماقاته أن الطبيعة رصدته لشيء ما، ويطالب بالحب الذي لا حدود له، وهو مع ذلك يجهل ما في وسعه أن يقدمه رداً على هذا الحب؛ ولكنه رجل يستطيع أن يحب شيئاً ما يتجاوز شخصه، ولا يعذبه شيء كرؤيته نفسه بعيداً كل البعد من أن يكون ما يشتهي أن يكونه؛ أقول إذا تطلع رجل هذه طبيعته إلى صداقتكم فإن صداقتنا ستكون أبدية، لأنني أنا ذلك الرجل. فلعلكم ستحبون شيلر، حتى إن كان تقديركم للشاعر قد تضاءل".

وقد توقف عن إكمال هذا الخطاب، ولكنه استأنفه في 22 فبراير: "لا أستطيع المقام بعد اليوم في مانهايم... فلا بد لي من زيارة لايبزج والتعرف إليكم. إن نفسي متعطشة لغذاء جديد-لناس أفضل-للصداقة، والمودة، والمحبة. لا بدأن أكون قريباً منكم، وبفضل حديثكم وصحبتكم ستنتعش روحي الجريحة... يجب أن تهبوني حياة جديدة، وسأصبح خيراً مما كنت في أي وقت مضى. سأكون سعيداً-إنني لم أنعم بالسعادة قط إلى الآن.. أتراكم ترحبون بمقدمي؟"(82).

ورد كورنر في 3 مارس يقول "سنستقبلك بأذرع مفتوحة" ثم نقد ج. ي. جوشن الناشر الليبزجي بعض المال ليرسل إلى شيلر مقدم أتعابه عن مقالات مستقبله(83). فلما أن وصل الشاعر إلى ليبزج (17 مارس 1785 كان كورنر غائباً في درسدن، ولكن خطيبته، وأختها، وهوبر، أدفأوا شيلر بالطعام والحفاوة البالغة. وأحبه جوشن لتوه، وكتب يقول "لا أستطيع أن أصف لك مبلغ عرفان شيلر واستجابته حين تبذل له النصيحة الناقدة، ومبلغ جهاده في سبيل تطوره الخلقي"(84).

والتقى كورنر بشيلر أول مرة في ليبزج في أول يوليو، ثم قفل إلى درسدن. وكتب إليه شيلر يقول "لقد جمعت السماء بيننا بطريقة عجيبة، وصداقتنا معجزة." ولكنه أردف أنه أشرف على الإفلاس من جديد(85). فبعث إليه كورنر بالمال، والطمأنينة، والنصيحة:

"إن كنت في حاجة إلى المزيد فاكتب لي وسأرسل لك أي مبلغ برجوع البريد. أنني لو كنت ذا ثراء طائل، وكان في استطاعتي... أن أرفعك فوق العوز والحاجة لضروريات الحياة في يوم من الأيام، لما جرؤت على أن أفعل هذا، فأنا عليم بأنك قادر على كسب ما يفي بكل حاجاتك بمجرد أن تشرع في العمل. ولكن اسمح لي-على الأقل سنة واحدة-بأن أعفيك من ضرورة العمل. في استطاعتي أن أدبر هذا دون إعسار، وفي استطاعتك أن ترد لي المال إن شئت حين تسمح بذلك ظروفك"(86). وزاد من قدر هذا الجود أن كورنر كان يجهز نفسه للزواج. وزف العروسان بدرسدن في 7 أغسطس 1785. وفي سبتمبر لحق بهما شيلر وعاش معهما، أو على حسابهما، حتى 20 يوليو 1787. في هذه الفترة أو نحوها-ربما وسط سعادة العروسين-كتب أشهر قصائده "أغنية للفرح" التي أصبحت تاج السمفونية التاسعة. وكلنا يعرف ميلودية بيتهوفن المؤثرة، ولكن القليلين منا، خارج ألمانيا، من يعرفون كلمات شيلر. وقد بدأت بنداء للمحبة الشاملة، وانتهت بدعوة للثورة:


أيتها الفرحة المنبثقة من لهب سماوي يا ابنة الفردوس، إننا نقبل إلى هيكلك ملتهبين بتلك النار المقدسة. أنت صاحبة التعاويذ التي وحدت من باعت التقاليد الرهيبة بينهم، كل الناس يصبحون أخوة حيث يمتد جناحاك الرفيقان.

الكورس: نحن نجمع الملايين بين أحضاننا، ونرسل قبلتنا إلى الدنيا بأسرها! أيها الأخوة، إن وراء السماء المرصعة بالنجوم يسكن أب محب من جرب النعم المقيم في صداقة الأصدقاء، ومن ظفر بعذرية محبوبة ليشاركنا في ابتهاجنا. ومن سبى قلباً يملكه دون الناس أجمعين-ومن أخفق، فلينصرف عن جماعتنا باكياً.

الكورس: كل ساكن للكون الكبير يقدم الإجلال للمحبة وهي تتقدم إلى طريق النجوم حيث يملك الإله المجهول. إن القلوب الباسلة الرازحة تحت الآلام تمد يد العون حيثما يبكي الأبرياء. والعهد الذي لا يخذل أبداً والوفاء للصديق والعدو! وتحدي الملوك، والروح الجريئة، وإن كلفتنا المال والدم أيها الأخوة، التيجان لأشرف مستحقيها والموت لكل سلالة الكذابين!

الكورس: اقفل الدائرة المقدسة وأقسم بالخمرة الذهبية! أقسم بالوفاء بهذه العهود المقدسة أقسم برب الفلك. وظل كورنر يعون شيلر عامين أملاً في أن يصوغ الشاعر في شكل لائق تلك المسرحية التي قصد بها تصوير الصراع بين فليب الثاني وابنه كارلوس. ولكن شيلر طال توانيه وتسويفه للتمثيلية حتى فقد المزاج التي بدأها به، ولعل ازدياد إطلاعه على التاريخ غير نظرته إلى فليب؛ ومهما يكن الأمر، فقد غير الحبكة حتى افتقدت الوحدة والتسلسل. "وفي غضون هذا (فبراير 1787) وقع في غرام هنرييتا فون أرنيم، واستهلكت الخطابات الغرامية مداد قلمه، بينما كانت هي تتصيد خطيباً أغنى منه. وأقنع كورنر شيلر بأن يعتكف في إحدى الضواحي حتى يفرغ من مسرحيته. وأخيراً تمت (يونيو 1787)، وعرض مسرح همبورج أن يخرجها. وانتعشت معنوية شيلر وكبرياؤه، فلعله الآن يرى جديراً بالانضمام إلى كوكبة الأدباء المتألقة حول الدوق كارل أوجست، أما كورنر الذي تنفس الصعداء فقد وافقه على أنه ليس للشاعر مستقبل في درسدن. ثم إن شارلوته فون كالب كانت في فايمار، بغير زوج، تغريه بالمجيء. وعليه، ففي 20 يوليو، وبعد الكثير من عبارات الوداع، ركب شيلر منطلقاً من درسدن إلى حياة جديدة. فوصل فايمار في الغد، وهكذا اكتمل عقد الزمرة العظمى.