قصة الحضارة - ول ديورانت - م 10 ك 3 ف 13

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 13407

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطورية الجديدة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث عشر: حركة التنوير في النمسا 1756 - 1790

الإمبراطورية الجديدة

إذا توخينا الدقة في التعبير قلنا أن كلمة "النمسا" إنما تدل على أمة، وقد تدل تجاوزاً على الإمبراطورية التي تزعمتها النمسا. فمن الناحية الشكلية كانت هذه الإمبراطورية حتى عام 1806 هي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي انتظمت ألمانيا وبوهيميا وبولندا والمجر وأجزاء من إيطاليا وفرنسا. بيد ا، الأهداف القومية أضعفت من الولاء للإمبراطورية إلى حد لم يبق معه الآن (1756) من هذه الأقطار سوى إمبراطورية نمساوية مجرية تظم النمسا وستيريا وكارنتيا وكارنيولا وتيرول والمجر وبوهيميا ومطرانيات كولونيا وتريير وماينز الكاثوليكية، وأشتاتاً متباينة من إيطاليا، ثم منذ 1713 الأراضي الواطئة النمساوية-التي كانت أسبانية فيما مضى-وهي على التقريب بلجيكا الحالية. أما المجر التي كان يسكنها قرابة خمسة ملايين من الأنفس فكان يسودها نظام إقطاع فخور. فأربعة أخماس الأرض يملكه النبلاء المجريون ويفلحه الأقنان، ولم يقع عبء الضرائب إلا على الفلاحين وأهل المدن الألمان أو الصقالبة. وكان الإمبراطورية الجديدة قد ولدت شرعياً في 1687، حين تخلى النبلاء المجريون عن حقهم القديم في اختيار ملكهم واعترفوا بأباطرة الهابسبورج ملوكاً عليهم. ودعت ماريا تريزا كبار النبلاء المجريين إلى بلاطها متبعة استراتيجية البوريون، وأعطتهم المناصب والألقاب والأنواط، وهدأتهم حتى قبلوا القانون الإمبراطوري قانوناً لأملاكهم وفيينا عاصمة لهم. وكلفت الإمبراطورة في استجابة سمحة لوكاس فون هلدبراند بعمل تصميمات للمباني الحكومية في بودا؛ وبدأ العمل في 1769، ثم جدد في 1894 فأعطى العاصمة القديمة بناء من أروع المباني الملكية في العالم. وشيد أغنياء النبلاء المجريين القصور الريفية الفخمة على الدانوب أو في خلواتهم الجبلية منافسين في ذلك الملكة، فبنى الأمير بال أسترهاتي مقراً لأسرته في أيزنشتات (1663-72) وبنى الأمير ميكلوس يوزف أستراهاتي بطراز النهضة على نحو ثلاثين ميلاً قلعة أسترهاتي الجديدة (1764-66) التي ضمت 126 حجرة للضيوف، وردهتين كبيرتين للاستقبالات وحفلات الرقص، ومجموعة غنية من التحف، وعلى مقربة منها مكتبة بها 7.500 مجلد ومسرح به أربعمائة مقعد. ومن حول القصر حول مستنقع شاسع إلى حدائق زينت بالمغارات والمعابد والتماثيل، وجهزت بالصوبات وأشجار البرتقال والأرض المخصصة للوحوش والطيور البرية. يقول رحالة فرنسي "هذه القلعة لا يضارعها أي مكان في فخامتها-ربما باستثناء فرساي". وإليها أقبل المصورون والمثالون والممثلون والمغنون والعازفون، وهنا ظل هايدن جيلاً كاملاً يقود فرقته ويؤلف موسيقاه ويتوق للانطلاق إلى عالم أرحب.

أما بوهيميا-وهو اليوم القسم التشيكي من تشيكوسلوفاكيا-فلم تحظ بمثل هذا التفوق في عهد ماريا تريزا. وكانت قد انسحبت من التاريخ بعد حرب الثلاثين وقد حطم روحها القومي حكم أجنبي وعقيدة كاثوليكية فرضت على شعب عرف يوماً يان هوس وجيروم البراغي. وعانت الملايين الثمانية التي تسكنها من جراح الحرب في الصراع المتكرر الذي دارت رحاه بين روسيا والنمسا، وانتقلت عاصمتها التاريخية من يد إلى يد مراراً وتكراراً، إذا كانت ملكتها الغربية تنتقل من هزيمة إلى نصر إلى هزيمة. واضطرت بوهيميا إلى أن تقنع باستقلال في الثقافة والذوق، فنشأت مؤلفيها الموسيقيين أمثال جيورج بندا، وتفردت براغ باستقبالها الحار لأول عرض لأوبرا موتسارت "دون جوفاني" (1787)، التي لم تصب بعد ذلك في فينا غير إطراء فاتر كان أشبه بالذم منه بالمديح.

وأما في الأراضي الواطئة النمساوية فقد كان كفاح النبلاء المحليين للاحتفاظ بسلطتهم التقليدية أنجح منه في بوهيميا، وسكيدر أيام "الإمبراطور الثائر" الأخيرة. وقد كان لتلك الأقاليم السبعة بالبانت (التي ضمت بروكسل، وأنتورب، ولوفان)، ولكسمبورج، وفلاندر، وهاينوت، ونامور، وجلدرز- تاريخ عريق جليل، وكان النبلاء الذين حكموا رعاياهم الملايين الأربعة شديدي الحرص على الامتيازات التي ثبتت لامتحان قرون كثيرة. وعرض المجتمع العصري أزياءه، وقامر بمكاسبه، وشرب أحياناً المياه المعدنية كما شرب الأنبذة في سبا في أسقفية ليبج المجاورة. وكان زهرة ذلك المجتمع في هذا العصر المير شارل-جوزف دلين، الذي وهبته بروكسل للعالم في 1735. وقد قام على تعليمه عدة أباء من الرؤساء الكاثوليك "لم يؤمن بالله منهم غير واحد"؛ أما هو نفسه فكان "متديناً أسبوعين"(1) في هذا البلد المغرق في الكثلكة. وقد أبلى بلاء حسناً في حرب السنين السبع وخدم يوزف الثاني مستشاراً وصديقاً حميماً، والتحق بالجيش الروسي في 1787؛ ثم رافق كاترين الكبرى في "مسيرتها" إلى القرم، وبنى لنفسه قطراً ريفياً فاخراً وقاعة للفنون قرب بروكسل، وكتب أربعة وثلاثين مجلداً من "المنوعات"؛ وأثار الإعجاب في النفوس-حتى نفوس الفرنسيين-بطباعه المهذبة، وأضحك أندية أوربا العالمية الطابع بظرفه وخفة دمه المشربة بالفلسفة.

هذه الإمبراطورية المعقدة؛ الممتدة من الكربات إلى الرين؛ هي التي دانت أربعين سنة لامرأة من عظيمات نساء التاريخ.


ماريا تريزا

رأيناها من قبل في الحرب، وفيها لم تسلم إلا لفردريك وأبلت في السياسة الحربية، وفي اتساع النظرة وإلحاح الهدف، وفي الشجاعة تواجه الهزيمة. قال فردريك عنها في 1752 "إذا استثنينا ملكة المجر وملك سرينيا (شارل إيمانويل الأول) الذي انتصرت عبقريته على تعليمه الرديء، لم نجد في ملوك أوربا وأمراءها كلهم غير معتوهين مشهورين(3). لقد فاقتها في فن الحكم إليزابث الأولى ملكة إنجلترا من قبلها، وكاترين الثانية قيصرة روسيا من بعدها ، ولم يفقها ملكات غير هاتين. وكانت في رأي فردريك "طموحاً محبة للثأر"(4). ولكن أكان يتوقع منها ألا تحاول استرجاع سيليزيا التي اغتصبها؟ أما الأخوان جونكور فرأيا فيها "ذهناً متوسطاً جيداً يرافقه قلب محب، وإحساساً سليماً بالواجب، وقدرات مذهلة على العمل، وحضوراً قوياً وجاذبية غير عادية...أماً حقيقية لشعبها"(5). وكانت غاية في اللطف مع كل من لم يهاجم إمبراطوريتها أو إيمانها؛ وعلى سبيل المثال نذكر استقبالها الحار لأسرة موتسارت في 1768(6). وكانت أماً فاضلة، ورسائلها لأبنائها نماذج في الرقة والمشورة الحكيمة، ولو أستمع إليها يوزف لما مات إنساناً فاشلاً، ولو أتبعت ماري أنطوانيت نصيحتها لكان من الجائز أن يُعفى رأسها من الجيلوتين. لم تكن ماريا تريزا ملكة "مستبدة مستنيرة". فهي لم تكن مستبدة. وفي رأي فولتير "أنها وطدت ملكها في جميع القلوب بدماثة طبع وشعبية لم يؤتهما غير قلة من أسلافها، وقد ألغت المراسم والقيود من بلاطها...ولم ترفض مقابلة إنسان، ولم يبرح شخص حضرتها غير راضٍ"(7). ولم تكن قط مستنيرة بالمعنى الذي يقصده فولتير، فقد أصدرت المراسيم المتعصبة ضد اليهود والبروتستانت، وظلت كاثوليكية صادقة إلى النهاية، وشهدت في هلع تسرب الشكوك الدينية إلى فينا من لندن وباريس، وحاولت أن تصد هذا التيار بتشديد الرقابة على الكتب والدوريات، ومنعت تدريس الإنجليزية "لطابع هذه اللغة الخطر من حيث مبادئها الدينية والخلقية المفسدة"(8).

ومع ذلك لم تنجُ تماماً من تأثير ذلك العداء للأكليروس الذي كان يكنه مستشاروها وابنها. فقد ذكروا لها أن ممتلكات الأكليروس الإقليمية وغيرها من أسباب الثراء تتزايد بسرعة نتيجة لتلميح الكهنة للمرضى المشرفين على الموت بأن في استطاعته التكفير عن آثامهم واسترضاء الله بالإيصاء ببعض الثروة للكنيسة، فإذا سارت الأمور على هذا المنوال فلابد أن يأتي قريباً ذلك اليوم الذي تصبح فيه الكنيسة-التي هي فعلاً دولة داخل الدولة-سيدة على الحكومة. وكانت أديرة الراهبات والرهبان تتكاثر فتقصي الرجال والنساء على الحياة الناشطة وتعفي المزيد من الثروة من الضرائب. وكان الصبايا يغرين بنذر أنفسهن للرهبنة قبل أن يبلغن السن التي يدركن فيها مغزى التكريس مدى الحياة وقد بلغ تسلط الأكليروس على التعليم حداً تشكل معه كل عقل نامٍ على أن يدين بولائه الأعلى للكنيسة لا للدولة. واستسلمت الملكة لهذه الحجج استسلاماً حملها على الأمر ببعض الإصلاحات الهامة. فحظرت وجود الكنسيين عند كتابة الوصايا. وأنقصت عدد المؤسسات الدينية، وأمرت بفض الضرائب على جميع الثروة الدينية. وحرمت النذر للرهبنة قبل سن الحادية والعشرين. وحظرت الكنائس والأديرة إيواء المجرمين بمقتضى "حق اللجوء". وأمرت بألا يعترف بأي منشور بابوي في المملكة النمساوية قبل أن يحصل على تصديق الإمبراطورة. واخضع ديوان التفتيش لإشراف الحكومة، لا بل أنه في الواقع ألغيً. وأعيد تنظيم التعليم تحت إدارة جوهارت فان سفيتن (طبيب الملكة) والأب فرانتس راوتنشراوخ، وأحل العلمانيون محل اليسوعيين في كثير من كراسي الأساتذة(9)، وأخضعت جامعة فيينا للإدارة العلمانية وإشراف الدولة، وروجت المناهج فيها وفي غيرها بهدف التوسع في تعليم العلوم والتاريخ(10). وهكذا سبقت الإمبراطورة التقية إلى حد ما الإصلاحات الكنسية التي سيقوم بها ابنه الشكاك.

وكانت مثلاً في الفضيلة في زمن نافست فيه قصور الدول المسيحية الآستانة في تعدد الزوجات. ولعل الكنيسة كانت مستخدمة إياها حجة وبرهاناً على فضل التمسك بالعقيدة لولا أن أغسطس الثالث ملك بولندا ولويس الخامس عشر ملك فرنسا وكلاهما كاثوليكي كان أشره العشاق استكثاراً من النساء. ولم تقتد أرستقراطية فيينا بها. فقد فر الكونت أركو إلى سويسرا مع خليلته، وهربت الكونتسية أسترهاتسي إلى فرنسا مع الكون فون در شولنبورج، وكان الأمير فون كاونتي يصحب خليلته في تلك الفترة في مركبته، فلما عاتبته الإمبراطورة قال لها "سيدتي، لقد أتيت لأتحدث عن شؤونكِ لا عن شؤوني(11)" ونظرت ماريا تريزا باشمئزاز إلى هذا التحلل، وأصدرت مراسم قاسي لفرض الوصية السادسة على الشعب. وأمرت بتطويل تنانير النساء في أسفلها وقمصانهن في أعلاها(12). ونظمت جيشاً من ضباط العفة خولت لهم القبض على أي امرأة يشتبه في احترافها البغاء. وشكا كازانوفا من أن "تعصب الإمبراطورة وضيق عقلها جعل الحياة شاقة على الأجانب بوجه خاص(13)".

ويرجع الفضل في كثير من نجاحها إلى وزرائها الأكفاء. فقد قبلت إرشادهم وكسبت إخلاصهم. وظل المير فون كاونتز منوطاً بالشؤون الخارجية رغم فشل سياسته "قلب الأحلاف"، وقد أخلص في خدمة الإمبراطورية أربعين عاماً. وغير لودفج هاوجفتز من الإدارة الداخلية، وأعاد رودلف شوتك تنظيم الاقتصاد. هؤلاء الرجال الثلاثة أدوا للنمسا ما أداه ريشليو وكولبير من قبل لفرنسا، والواقع أنهم خلقوا دولة جديدة، أقوى بما لا يقاس من المملكة المختلة النظام التي ورثتها ماريا تريزا.

بدأ هاوجفتز بإعادة بناء الجيش الإمبراطوري. وكان يعتقد أن هذا الجيش انهار أما الانضباط البروسي لأنه كان مؤلفاً من وحدات مستقلة يجمعها ويقودها نبلاء شبه مستقلين، واقترح وأنشأ جيشاً ثابتاً قوامه 108.000 محارب يخضعون لتدريب موحد وإشراف مركزي. ولكي يمول هذا الجيش أوصى بفرض الضرائب على النبلاء والكهنة كما تفرض على العامة، واحتج النبلاء والكهنة، وتصدت لهم الإمبراطورة بشجاعة وفرضت عليهم ضريبة ملكية وضريبة دخل. وامتدح فردريك عدوته إدارية كفئاً، "لقد نظمت ماليتها تنظيماً لم يبلغه أسلافها قط، ولم تقتصر على تعويض ما فقدته بالنزول عن أقاليم لملكي بروسيا وسردينيا بالإدارة الحسنة بل أنها زادت من دخلها زيادة كبيرة(14)". وواصل هاوجفتز جهوده لتنسيق القانون، وتحرير القضاء من تسلط النبلاء، ولإخضاع أمراء النبلاء لإشراف الحكومة المركزية. وأذيع في 1768 قوانين موحدة.

وكان شوتك يجاهد أثناء ذلك ليبث النشاط في الاقتصاد الخامل. فالصناعة كانت تعرقل مسيرتها الاحتكارات التي حابت النبلاء، ولوائح النقابات الحرفية التي ظلت سارية حتى 1774، على أن لنتز كلن بها رغم هذا مصانع للصوف تضم 26.000 عامل، وتفوقت فيينا في صناعة الزجاج والخزف الصيني، وتصدرت بوهيميا سائر أقطار الإمبراطورية في عمليات التعدين. وكان في النمسا والمجر مناجم منتجة، ففي غاليسيا رواسب ملحية كبيرة، وكانت المجر تستخرج من الذهب كل عام ما قيمته سبعة ملايين جولدن. وحمى شوتك هذه الصناعات بالرسوم الجمرجية، لأنه كان لزاماً أن يتحقق للنمسا، المشتبكة في حروب متكررة، اكتفاء ذاتي في السلع الضرورية، فالتجارة الحرة كالديمقراطية ترف لا يتأتى إلا في الأمن والسلام. ومع ذلك ظلت الإمبراطورية زراعية إقطاعية. ذل أن الإمبراطورية شأنها في ذلك شأن فردريك، لم تجرؤ وهي تواجه الحرب على المجازفة بالتفسخ الاجتماعي الذي قد يحدث نتيجة لمهاجمة الإشراف الراسخين في امتيازاتهم. وقد ضربت المثل الطيب بإلغاء القنية في أراضيها، وفرضت على أعيان المجر المتغطرسين مرسوماً يخول للفلاح أن يتنقل ويتزوج ويربي أبناءه كما يشاء، وأن يستأنف أحكام سيده الإقطاعي أمام محكمة المقاطعة(15). على أن طبقة الفلاحين في المجر وبوهيميا كانت رغم هذه المسكنات في فقر قريب من فقر فلاحي روسيا. وكانت الطبقة الدنيا في فيينا تعيش في فقر تقليدي، بين القصور الباذخة والأوبرات المتقنة والكنائس الضخمة توزع الأمل على البشر.

وكانت فيينا بادئة في منافسة باريس وضواحيها في الأبهة الملكية. فكان قصر شونبرن (الربيع الجميل) الواقع خارج المدينة مباشرة يحوي 495 فداناً من الحدائق، مخططة (1753-75) على غرار فرساي، بسياجات شامخة مستقيمة، ومغارات غريبة وبرك متناسقة، وتماثيل بديعة من نحت دونر وبيير ومعرض وحوش وحديقة نباتات، وعلى رابية في خلفية "جلورييت" بناها في 1775 يوهان فون هوهنبرج-مبنى مقنطر معمد في طراز رومانيسكي خالص. أما قصر شونبرون ذاته، وهو مجمع ضخم من 1441 حجرة، فقد صممه يوهان برنهارت فشر فون أرلخ في 1965، ولكنه ترك ناقصاً في 1705. فكلفت ماريا تريزا نيكولوبا كاسي بتصميمه من جديد، واسئؤنف العمل فيه عام 1744 وأكمل عام وفاة الإمبراطورة (1780). وكان في داخله قاعة كبرى طولها 141 قدماً لها سقف روكوكي الطراز رسمه جريجوريو جولييلمي (1761). وكان قصر شونبرون مقراً للبلاط من الربيع إلى الخريف. وبلغ عدد أفراد الحاشية الآن 2400. واقتضت رعاية الخيل والمركبات استخدم مائتين وخمسين سائساً وخادماً. وبلغت جملة نفقة صيانة القصر وملحقاته 4.300.000 وجولدن غب العام(16). أما الملكة ذاتها فقد مارست القصد في النفقة واعتذرت عن بهاء قصرها بضرورته لمراسم الحكم الملكي. وعوضت عن ذبح حاشيتها بسخائها في أعمال البر. ذكرت مدام دستال في معرض حديثها عن النمسا بعد جيل "إن عناصر البر هناك تنظم بكثير من الترتيب والسخاء، فالإحسان الخاص والعام يصرف بروح سامية من وكل شيء في هذا العدل...وكل شيء في هذا البلد يحمل طابع حكومة أبوية حكيمة متدينة(17)".

ولم يكد يوجد أثر للتسول رغم فقر الشعب، وكانت الجرائم قليلة نسبيا.(18) ووجد أفراد الشعب مسراتهم البسيطة في التزاور، واللقاء والاختلاط في الميادين، والابتراد في البساتين الوارفة الظلال والتمشي في طريق البراتر الذي يحفه الشجر، والتنزه في الريف، أو-في أدنى طبقاتهم-طرب لمرأى المعارك الضارية تنظيم بين حيوانات تتضور جوعاً. وأجمل منه هذه الرقصات لا سيما المنويت التقليدية، ففي هذه الرقصة نادرا ما كان الرجل والمرأة يتلامسان، فكل حركة تحملها التقاليد والقاعدة، وتؤدي بانضباط ورشاقة. أما الموسيقى فكان نصيبها في حياة فيينا من البر بحيث تطالبنا بتناولها في فصل خاص بها.

وبالقياس إلى هذا كله كان الأدب ضعيفاً فجاً.فلم يكن للنمسا التي سيطرت عليها المقدسات نصيب في حركة "شتورم فوند درانج" التي أثارت ألمانيا. ولم تكن ماريا تريزا راعية للعلم ولا للأدب البحت. ولم يكن في فيينا صالونات أدبية، ولم يختلط المؤلفون والفنانون والفلاسفة بالنساء والنبلاء والساسة كما في فرنسا. لقد كان مجتمعاً ساكناً، فيه ما في أساليب العيش القديمة المحسوبة من سحر وراحة، أنقذ من ضجيج الثورة وعجيجها ولكن أعوزته فتنة الأفكار المتحدية. وكانت صحف فيينا الخاضعة لرقابة دقيقة عوائق غبية للفكر، وربما باستثناء "الفيير تسايتونج" التي أسست في 1780. أما مسارح فيينا فكان ديدنها الأوبرا للأرستقراطية والبلاط، أو الملاهي الغليظة لعامة الشعب. كتب ليوبولد موتسارت يقول إن "شعب فيينا في جملته لا يشعر بالحب لأي شيء جاد أو معقول، بل إن أفراده لا يفهمونه. وفي مسارحهم البراهين الوفيرة على أن الهراء المطلق دون غيره هو الذي يرضيهم-كالرقصات والمنوعات المسرحية الخفيفة (البرلسك) والتهريجات وحيل الأشباح وألاعيب الشيطان"(19). ولكن بابا مونسارت كان قد خيب أمله استقبال فيينا لولده.

هذا الخليط من الممثلين والموسيقيين والعامة والأقنان والبارونات ورجال البلاط والكنيسة حكمته الإمبراطورة العظيمة بسهر الأم واهتمامها الشديد. وكان زوجها فرانسوا اللوريني قد توج إمبراطوراً في 1745، ولكن مواهبه وجهته إلى التجارة لا الحكم. فنظم الصناعات، وزود الجيوش النمساوية بالحلل والخيول والسلاح، وباع الدقيق والعلف لفردريك بينما كان هذا مشتبكاً في حرب مع النمسا (1756)(20)، وترك إدارة الإمبراطورية لزوجته. على أنه في الأمور الزوجية كان يتشبث بحقوقه، وقد أنجبت له الإمبراطورة التي أحبته رغم خياناته ستة عشر طفلاً(21). وربتهم في محنة وصرامة، وأكثرت من تعنيفهم، وأعطتهم من جرعات الفصيلة والحكمة ما جعل ماري أنطوانيت تبتهج بالفرار إلى فرساي، أما يوزف فكان يتسلى بالفلسفة. ودبرت الخطط بمهارة لتحصيل على مراكز مريحة لأبنائها الآخرين، فجعلت ابنتها ماريا كارولينا ملكة على نابلي، وابنتها ليوبولد دوقاً أكبر لتسكانيا، وأبتها فرديناند حاكما على لمبارديا. وكرست نفسها لإعداد ولدها البكر يوزف للاضطلاع بالتبعات الجسام التي ستخلفها له، وراقبت في قلق تطوره أثناء التعليم والزواج، وزعزع الفلسفة وخطوب الحب، حتى أتى الوقت الذي رفعته في نشوة من المحبة والتواضع وهو في الرابعة والعشرين ليتربع بجوارها على عرش الإمبراطورية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يوزف في مرحلة النمو 1741 - 1765

كانت قد وكلت اليسوعيين بتعليمه، ولكنها في سبق لأفكار روسو طلبت أن يعلم كما لو كان يلهو.(22) فلما ناهز الرابعة شكت من أن "ولدي يوزف لا طاقة له على الطاعة"(23) ولا غرور فالطاعة ليست لهواً. ذكر السفير البروسي حين كان يوزف في السادسة "لقد كون فكرة مغرورة عن منصبه" ولجأت ماريا تريزا إلى التهذيب وفرض التقوى، ولكن الصبي وجد الطقوس الدينية مملة، وأنكر الأهمية التي يعلقها الناس على العالم فوق الطبيعي. فحسبه العالم الذي يعيش فيه ويرث جزءاً منه. وما لبث أن سئم إتباع العقائد السنية وأكتشف ما في فولتير من فتنة. وفيما عدا ذلك لم يكن يهتم اهتماماً يذكر بالأدب، ولكنه شغف بالعلوم والاقتصاد والتاريخ والقانون الدولي. ولم يتخلص قط مع الزمن من غطرسة صباه وكبريائه، ولكنه ترعرع وأصبح فتى وسيماً يقظاً لم تباعد أخطاؤه بعد بينه وبين أمه. فكان في أسفاره يكتب لها رسائل تفيض رقة بنوية حارة. فلما بلغ العشرين عين عضوا في مجلس الدولة (شتاتسرات). ولم يلبث (1761) أن وضع ورقة تحمل أفكاره في الإصلاح السياسي والديني وقدمها إلى أمه، وظلت هذه الأفكار جوهر سياساته إلى نهاية حياته. وقد أشار على الإمبراطورة بأن تنشر التسامح الديني في ربوع مملكتها، وتقلص سلطة الكنيسة، وتخفف عن الفلاحين أعباء الإقطاع، وتسمح بحرية أكبر في انتقال السلع والأفكار.(24) وطلب إليها أن تقلل من نفقة البلاط ومراسمه، وتزيد من نفقة الجيش. وقال إن على كل عضو في الحكومة أن يعمل ليستحق راتبه، وإن من الواجب فرض الضرائب على الإشراف شأنهم شأن سائر الشعب.(25)

وكان أثناء ذلك يتعلم جانباً آخر من الحياة. ذلك أن لويس الخامس عشر كان قد عرض حفيدته إيزابللا البارسية عروساً تصلح للدوق الأكبر، كجزء من اتفاق عكس الأحلاف. وبدأ أن الحظ حالف يوزف: فإيزابللا فتاة في الثامنة عشر جميلة ذات خلق طيب باستثناء ميلها للاكتئاب. وفي 1760 جاءت عبر الألب في قافلة يجرها ثلاثمائة جواد. واحتفل بالزفاف في مهرجان باذخ، وسعد يوزف بأن يجد بين ذراعين مخلوقاً بهذا الحسن. ولكن إيزابللا كانت عميقة الإيمان باللاهوت الذي تلقته، ولم تجد لذة في كل الهبات التي حبتها بها الحياة، بل تاقت إلى الموت. كتبت إلى أختها في 1763 تقول "أن الموت رحيم، ولم أفكر فيه يوماً أكثر مما أفكر فيه الآن. وكل شيء يوقظ في الرغبة في أن أموت سريعاً. علم الله كيف أتمنى أن أترك حياة تهينه تعالى كل يوم...ولو كان مسموحا للمرء أن يقتل نفسه لما ترددت في ذلك"(26). وفي نوفمبر 1763 أصيبت بالجدري، ولم يبد منها أي تشجيع للأطباء الذين حاولوا شفاءها، فما انقضت خمسة أيام حتى ودعت الحياة. أما يوزف الذي أحبها عميقاً فلم يفق من هذه اللطمة.

وبعد شهور أخذه أبوه إلى فرنكفورت-على-المين ليتوج ملكاً على الرومان-وهي الخطوة التقليدية إلى العرش للإمبراطوري. وهناك انتخب في 26 مارس 1764 (وكان الشاب جوته بين الجمع الحاضر)، وفي 3 إبريل توج. ولم يستمتع بالمراسم المطولة، والخدمات الدينية، والخطب، وشكا في خطاب لأمه من "الهراء والحماقات البالية التي كان لزاماً علينا أن نستمع إليها طوال اليوم. أنه يقتضي جهوداً جبارة أن أمنع نفسي من مصارحة هؤلاء السادة بملغ ما في عملهم وكلامهم من بلاهة. "ولم يكف خلال هذا كله عن التفكير في الزوجة التي فقدها. "علي أن أبدو في غاية الابتهاج رغم ما يعتصر قلبي من ألم...أنني أحب الوحدة..ومع ذلك يجب أن أعيش بين الناس..وعلي أن أثرثر طوال النهار وأفوه بأحاديث كلها لغو وتفاهة(27)". ولابد أنه أحسن إخفاء مشاعره، لأن أخاه ليوبولد قرر أن "ملكنا-ملك الرومان-ساحر دائماً، رائق المزاج دائماً، مرح، كيس، مؤدب، وهو يكسب جميع القلوب(28)".

فلما عاد إلى فيينا أبلغ بضرورة زواجه ثانية، ذلك أن استمرار الحكومة المنتظم اقتضى فيما يبدو استمرار أسرة هابسبورج. واختار كاونتز زوجة له هي يوزيفا البافارية، لأن كاوتنز كان يأمل أن يضيف بافاريا إلى ملك النمسا. ووقع يوزف مشروع الزواج الذي وضعه له كاونتز، وبعث به، وكتب إلى دوق بارما (والد ايزابيللا) وصفاً ليوزيفا قال فيه "إنها مخلوق صغير قصيرة بدينة تجردت من سحر الشباب، على وجهها دمامل وبقع حمراء وأسنان منفرة..فاحكم بنفسك ما كلفني هذا القرار..ألا رفقاً بي، ولا يفتر حبك لابن لك قد دفن في قلبه إلى الأبد صورة معبودته رغم أن له زوجة ثانية"(29). وقد زف يوزف إلى يوزيفا في بواكير عام 1765. وحاولت أن تكون له زوجة صالحة، ولكنه زهد فيها سراً وعلانية. وقاست في صمت، ثم ماتت بالجدري في 1767. ورفض يوزف أن يتزوج مرة أخرى. وكرس الآن مل بقي من حياته للحكم وفية مزيج محزن من الفتور والإخلاص، من المثالية والغرور.


الأم وولدها 1765 - 1780

طلت ماريا تريزا فترة محطمة الجسد والعقل بعد موت الإمبراطور فرانسوا الأول (18 أغسطس 1765). وشاركت خليلته الحزن عليه، وقالت لها: "يا عزيزتي الأميرة؛ لقد فقدت كلتانا الكثير".(30) وقصت شعرها، وتصدقت بصيوان ثيابها، ونبذت كل أنواع الخلي ولبست السواد إلى يوم مماتها. وسلمت شؤون الحكم ليوزف ورددت حديث الاعتكاف في أحد الأديرة. على أنها عادت إلى الحياة العامة لخشيتها من أن يكون وريثها الطائش غير كفء للحكم؛ ثم وقعت في 17 نوفمبر إعلاناً رسمياً بالمشاركة في الحكم. واحتفظت بالسلطة العليا في الشؤون الداخلية للنمسا والمجر وبوهيميا؛ أما يوزف فتقرر باعتباره إمبراطوراً أن يناط به الشؤون الخارجية الجيش؛ ثم الإدارة والمالية بسلطة أقل؛ ولكنه في الشؤون الخارجية قبل إرشاد، كاونتز، وفي جميع الميادين خضعت قراراته لمراجعة الإمبراطورة. وقد خفف احترامه وحبه لأنه من حدة شغفه بالسلطة. فلما أشرفت على الموت تقريباً بالجدري في 1767 لزم سريرها إلا نادراً؛ وأذهل الحاشية بعمق قلقه وحزنه. وأخيراً أقنعت هذه الهجمات الثلاث التي أصاب بها المرض الأسرة المالكة الأطباء النمساويين بإدخال التطعيم ضد الجدري.

وأقلق الابن النحب أمه بإلحاح أفكاره المطالبة بالإصلاح. ففي نوفمبر 1765 أرسل إلى مجلس الدولة مذكرة لابد أنها أفزعت قراءها:

"رغبة في الاحتفاظ بالمزيد من كفاءة الرجال القادرين على خدمة الدولة سأصدر أمراً-مهماً قال البابا وجمع الرهبان في العالم-يحرم انقطاع أي من رعاياي للعمل الكنسي قبل... سن الخامسة والعشرين. فالعواقب والوخيمة-للجنسين-التي كثيراً ما تنجم عن النذور المبكرة خليق بها أن تقنعنا بنفع هذه الترتيب، فضلاً عن المبررات المتصلة بالدولة."

"وينبغي أن يكون التسامح الديني والرقابة المعتدلة على المطبوعات، والكف عن المحاكمة على الأخلاق وعلى التجسس في خصائص الناس-ينبغي أن يكون هذا كله من مبادئ الحكم الأساسية. إن الدين والأخلاق هما ولا شك من بين أهداف الملك الرئيسية". ولكن غيرته يجب ألا تتجاوز الحد إلى عقاب الأجانب وتحويلهم عن دينهم. فالعنف لا جدوى منه في مسائل الدين والأخلاق؛ إنما الحاجة إلى الإقناع. أما عن الرقابة فينبغي أن نكون شديدي التنبه لما يكتب ويباع ولكن تفتيش جيوب الناس وحقائبهم ولا سيما الأجانب إجراء متطرف في الغيرة.ومن اليسير أن نثبت أن كل كتاب محرم يوجد الآن في فيينا رغم الرقابة الصارمة على المطبوعات الآن، وفي وسع أي إنسان أن يغريه هذا التحريم أن يشتريه بمثلي ثمنه..

"ويجب دفع الصناعة والتجارة قدماً بحظر جميع البضائع الأجنبية فيما عدا التوابل، وبإلغاء الاحتكارات، وإنشاء مدارس تجارية، وبالقضاء على الوهم الذي يزعم أن الاشتغال بالتجارة لا يتفق مع النبالة.

وينبغي تقرير حرية الزواج، حتى ما ندعوه الآن بالزواج غير المتكافئ. فلا القانون إلهي ولا الطبيعي يحرمه، فالتحيز وحده هو الذي يوهمنا بأنني أعظم قدراً لأن حدي كان كونتاً، أو لأنني أملك رقاً وقع عليه شارل الخامس. أننا لا نرث من آبائنا غير الوجود البدني، إذن فالملك أو الكونت أو البرجوازي أو الفلاح كلهم سواء(31)".

ولابد أن ماريا تريزا ومستشاريها قد شموا ريح فولتير أو "الموسوعة" في هذه المقترحات. وكان على الإمبراطور الشاب أن يسير الهوينا، ولكنه تقدم. فنقل إلى الخزانة عشرين مليون جولدن-نقداً وسندات وأملاكاً-خلفها له أبوه يف وصيته، ثم غير الدين القومي بفائدة أربعة في المائة بدلاً من ستة. وباع أراضي الصيد والقنص التي كانت للإمبراطور المتوفى، وأمر بذبح الخنازير البرية التي كانت هدفاً وأداة تدمير لمحاصيل الفلاحين. وفتح البراتر وغيره من البساتين للشعب رغم احتجاجات النبلاء ولكن بموافقة أمه(32).

وفي 1769 صدم الإمبراطور والبلاط بذهابه إلى نايسي في سيليزيا وقضائه ثلاثة أعوام أيام (25-27 أغسطس) في مناقشات ودية مع فردريك الأكبر أعدى أعداء النمسا. وكان قد أخذ عن ملك بروسيا فكرة الملك "الخادم الأول للدولة". وأعجب بإخضاع فردريك الكنيسة للدولة، والتسامح مع شتى المذاهب والديانات، وحسد بروسيا على تنظيمها العسكري وإصلاح شرائعها. وقد شعر كلا الرجلين أن الوقت حان لإغراق خلافتهما في اتفاق وقائي ضد روسيا الصاعدة. وكتب يوزف لأمه يقول "بعد العشاء...دخنا ودار حديثنا حول فولتير(33)" ولم يكن الملك البالغ من العمر آنئذ سبعة وخمسين عاماً فكرة طيبة عن الإمبراطور ذي الثمانية والعشرين. كتب يقول "لقد اتخذ الملك الشاب مظهر الصراحة الذي ناسبه تماماً...أنه رغب في أن يتعلم، ولكنه لم يؤت من الصبر ما يتيح له أن يعلم نفسه، ومنصبه الرفيع يجعله سطحياً والطمع الذي لا حد له ينهش قلبه..وله من الذوق ما يكفي لقراءة فولتير وتقدير مزاياه(34).

وقد حمل المنذر بالخطر، الذي حققته كاترين الثانية في روسيا، كاونتز على ترتيب اجتماع ثانٍ مع فردريك. والتقى الملك والإمبراطور والأمير في تويشتات بمورافيا في 3-7 سبتمبر 1770. ولابد أن يوزف تطور تطوراً كبيراً خلال ذلك العام، لأن فردريك كتب الآن إلى فولتير يقول "أن الإمبراطور الذي نشئ في بلاط متعصب قد نبذ الخرافة، واتخذ العادات البسيطة رغم أنه ربي في جوف مترف، وهو متواضع رغم ما يحرق له من بخور، وهو مع شوقه للعظمة والمجد يضحي بأطماعه في سبيل واجبه البنوي(35).

وكان هذان اللقاءان جزءاً من تربية يوزف السياسية. وقد أضاف إليها بزيارة ممتلكاته وفحصه مشكلاتها وإمكاناتها بنفسه. ولم يزرها بوصفه إمبراطور بل سافر مثل عامة الناس يركب جواداً. وتجنب المراسم ونزل في الفنادق بدلاً من قصور الريف. وحين زار المجر في 1764 و1768 لاحظ فقر الأقنان المدقع وصعق حين رأى في أحد الحقول جثث أطفال ماتوا جوعاً. وفي 1771-72 رأى مثل ه1ا في بوهيميا ومورافيا وكان حيثما ذهب يسمع أنباء أو يشهد الأدلة على خشية الإقطاعيين وجوع الأقنان. وكتب يقول "إن الموقف الداخلي لا يصدق ولا يوصف، أنه يفطر القلوب(36)". فلما عاد إلى فيينا سخط على التحسينات التافهة التي ينويها مستشارو الإمبراطورة فقال "إن الإصلاحات الصغيرة لن تجدي قتيلاً، إذ لابد من تغيير في الكل". واقترح البدء بالاستيلاء على بعض الأرضي الكنسية في بوهيميا ليبني فوقها مدارس وملاجئ ومستشفيات. وبعد نقاش طويل اقنع المجلس بأن يصدر (1774) قانوناً ميسراً يقلل وينظم حجم تشغيل اٌنان (الذي كان البوهيميون يسمونه روبوتا) الواجب عليهم للسيد الإقطاعي وقاوم إقطاعيو بوهيميا والمجر، وهب الأقنان البوهيميون في ثورة غير منظمة، فأخضعتهم قوات الجيش. ولامت ماريا تريزا ابنها على هذه الضجة الكبرى فكتبت لعاملها في باريس مرسي دارجنتو:

"إن الإمبراطور الذي يسرف في شعبيته قد أفرط في الحديث خلال لرحلاته المختلفة...حول الحرية الدينية وتحرير الفلاحين. وقد أحدث هذا كله الاضطراب في جميع ولايتنا الألمانية...فليس الفلاح البوهيمي وحده هو الذي يخشى منه، بل المورافي والستيري والنمساوي أيضاً، لا بل أنهم في قسمنا يجرءون على التمادي في أشد الوقاحات(37)".

وزاد توتر العلاقات بين الابن والأم (1772) حين انظم يوزف إلى فردريك وكاترين الثانية في التقسيم الأول لبولندا. فاحتجت على اغتصاب أمة صديقة وكاثوليكية. وبكت حين أقنعها يوزف وكاونتز بعد إلحاح بإضافة توقيعها إلى الاتفاق الذي أعطى شطراً من بولندا للنمسا. وقد علق فردريك بخبث "أنها تبكي، ولكنها تأخذ(38)". على أنها كانت مخلصة في أسفها كما نرى من خطابها لولدها فرديناند "كم من مرة جاهدت لأتجنب اشتراكي في عمل يلوث ملكي كله؟ ليت الله يمنحني الإعفاء من تبعته في عالم آخر. إنه يثقل قلبي ويعذب ذهني، ويشيع المرارة في أيامي(39).

وقد تأملت خلق ولدها في خوف ومحبة. "إنه يحب الاحترام والطاعة،،ويرى المعارضة شيئاً كريهاً لا يكاد يحتمل...وكثيراً ما يكون غير مراع لشعور الآخرين...وحيويته الكبيرة المتزايدة تفضي إلى رغبة عاتية في أن ينال ما يريد بكل دقائقه...أن لولدي قلباً طيباً. ومرة أنبته بمرارة: "حين أموت أخادع نفسي بأنني سأظل حية في قلبك، بحيث لا تخسر الأسرة والدولة بموتي...أن تقليدك (لفردريك) ليس بالأمر السار. فهذا البطل... هذا الفاتح-أله صديق واحد؟...أية حياة هذه التي تنعدم فيها الإنسانية. أياً كانت مواهبك فليس أن تكون جربت كل شيء. حذار من الوقوع في خطيئة الحقد؟ إن قلبك ليس شريراً إلى الآن، ولكنه سيكون كذلك. لقد حان الوقت للكف عن التلذذ بكل هذه الملاحظات الظريفة، هذه الأحاديث الذكية البارعة التي لا هدف لها إلا السخرية من الغير...إنك عابث تتظاهر وأنت في الواقع لست إلا مقلداً عديم التفكير حين تحسب نفسك مفكراً مستقلاً(40)".

وكشف يوزف عن جانبه من الموقف في خطاب إلى ليوبولد:

"لقد بلغت شكوكنا وعدم ثقتنا هنا قمة لا تستطيع تخيلها. فالواجبات تتراكم كل يوم ولا شيء يعمل. وأنا أكدح كل يوم حتى الخامسة أو السادسة لا يتخلل ذلك غير ربع ساعة أتناول فيها الطعام وحيداً، ومع ذلك لا شيء يحدث. فإن أسباباً تافهة، ودسائس طالما كنت ضحيتها تسد الطريق، وكل شيء أثناء ذلك يذهب إلى الشيطان. أنني أهديك منصبي بوصفي الابن البكر(41)".

وقد احتقر الرجال الذين شاخوا في خدمة أمة. ولم يؤيده غير كاونتز، ولكن في حذر يغيظه.

وأما الإمبراطورة المسنة فقد استمعت إلى أفكار ابنها الثورية في ذعر. وصارحته برأيها: "إن أهم مبادئك السياسية هي: 1- إطلاق الحرية في ممارسة الدين، وهو ما لا يستطيع ملك أو أمير كاثوليكي السماح به دون أن يتحمل تبعة ثقيلة. 2- القضاء على طبقة النبلاء القنية... 3- الدفاع عن الحرية في كل شيء وهو مبدأ يتردد كثيراً جداً...أنني بلغت من الشيخوخة حداً لا يستطيع معه تقبل أفكار كهذه، وأسأل الله ألا يجربها خلفي أبداً. أن التسامح الديني، وعدم الاكتراث واللامبالاة هما بالضبط يكبح الجماح؟ لا ضابط ولا المشنقة ولا دولاب التعذيب.. إنني أتكلم سياسياً لا كمسيحية. فما من شيء ألزم وأنفع من الدين. أتريد السماح لكل إنسان بأن يسلك على هواه؟ وإذا لم يكن هناك عادة ثابتة، وخضوع للكنيسة، فأين ترانا نكون؟ ستكون النتيجة قانون القوة...ليس لي من أمنية إلا أن أستطيع حين أموت الانضمام إلى أسلافي متعرية بأن ابني سيكون عظيماً تقياً كأجداده، وأنه سيقلع عن حججه الباطلة، وعن الكتب الشريرة، وعن الاتصال بأولئك الذين أغووا روحه على حساب كل شيء ثمين مقدس، لا لشيء إلا لإقامة حرية موهوبة لا يمكن..أن تفضي لغير الخراب الشامل(42)".

ولكن إذا كان ثمة شيء يتوق إليه يوزف فهو حرية الدين. ربما لم يكن ملحداً كما خاله بعضهم(43)، ولكنه كان قد تأثر تأثيراً عميقاً بأدب فرنسا. وكانت جماعة من رجال الفكر النمساويين وقد ألفت فعلاً في 1772 حزب التنوير(44). وفي 1772 نشر جورجي بيسينيي المجري في فيينا مسرحية تردد أفكار فولتير، وقد قبل الدخول في الكاثوليكية إرضاء لماريا تريزا، ولكنه ارتد إلى العقلانية بعد موتها(45). ولا ريب أن يوزف كان على علم بهذا الكتاب المشهور المسمى "الوضع الكنسي والقانوني لبابا روما" (1763)، الذي أكد فيه أسقف كاثوليكي بارز تخفى تحت اسم فيرونيوس، من جديد سمو المجامع العامة على الباباوات، وحق كل كنيسة قومية في أن تحكم نفسها. ورأى الإمبراطور الشاب في ثروة الكنيسة النمساوية الموطدة الأركان عقبة كؤوداً في طريق التطور الاقتصادي، وفي سيطرة الكنيسة على التعليم، المعوق الأكبر لنضج العقل النمساوي. وفي يناير 1770 كتب إلى شوازيل:

"أما عن خطتك للتخلص من اليسوعيين فأنا موافق عليها موافقة تامة...ولا تسرف في الاعتماد على أمي، فإن التعلق الوثيق باليسوعيين صفة موروثة في أسرة الهابسبورج...على أن لك صديقاً في كاونتز، وهو ينفذ ما يشاء من الإمبراطورة(46)".

ويبدو أن يوزف استعمل نفوذه في روما ليوصل كلمنت الرابع عشر إلى الخطوة النهائية، وقد أبهجه إلغاء البابا للطائفة 1773(47).

ولو عرفت ماريا تريزا من خطابات ولدها مبلغ انحرافه إلى معسكر "الفلاسفة" لصعقت. لقد بذلت قصاراها لتمنع حل جمعية اليسوعيين، ولكن كاونتز أقنعها بالامتثال لرأي سائر الدول الكاثوليكية. كتبت إلى صديقة لها تقول "إنني مغمورة يائسة لما أصاب اليسوعيين. لقد أحببتهم وأكرمتهم طوال حياتي، ولم أرَ قط فيهم غير كل شيء بناء للروح(48)". وقد عطلت تنفيذ الأمر البابوي بتعيين لجنة لدراسة. وأتيح لليسوعيين النمساويين الوقت لنقل أموالهم ومقتنياتهم الغالية وأوراقهم من البلد. وصودرت أملاك اليسوعيين، ولكن الإمبراطورة حرصت على أن يلتقي أعضاء الطائفة المعاشات والثياب وشتى العطايا.

ووسع اغتباط يوزف الواضح بحل جماعة اليسوعيين الهوة بين الأم وولدها. ففي ديسمبر 1773 انهار تحت وطأة التوتر وتوسل إليها أن تعفيه من كل مشاركة في شؤون الحكم. وأفزعها اقتراح مذهل كهذا، وكتبت إليه نداء مؤثراً للمصالحة:

"يجب أن أعترف بأن قدراتي، ووجهي، وسمعي، وحذقي-كلها تتدهور سريعاً وبأن الضعف الذي ارتعت منه طوال حياتي-وهو التردد في اتخاذ القرارات-يرافقه الآن، تثبيط الهمة والافتقار إلى الخدام الأوفياء فالجفوة منك ومن كاونتز وموت مستشاري المخلصين، والمروق عن الدين، وتدهور الأخلاق، والرطانة التي تجري على كل لسان، والتي لا أفهمها-كل هذا يكفي لسحقي. أنني أقدم لك كامل ثقتي، وأسألك أن تنبهني لأي خطأ ارتكبه..أعن أما...تعيش في وحدة، وسيقضي عليها أن ترى كل جهودها وأحزانها ذهبت أدراج الرياح. قل لي ما تريد أفعله لك(49)".

وتصالح معها، ووافقت المرأة التي حاربت يوماً فردريك وأوقفت تقدمه، مؤقتاً على أن تتعاون مع تلميذ فردريك المعجب به. واستخدما معاً ثروة اليسوعيين المصادرة في الإصلاح التعليمي. وفي 1774 أصدرا "نظاماً عاماً للتعليم" أحدث تنظيماً جديداً أساسياً للمدارس الابتدائية والثانوية. فوفرت مدارس متدرجة للتعليم الإلزامي لجميع الأطفال، وسمحت بدخول البروتستنت واليهود طلاباً ومعلمين، وقدمت لتلاميذها التعليم الديني في كل دين، ولكنها وضعت الأشراف في أيدي موظفين حكوميين. وسرعان ما أصبحت مدارس الشعب Voikschulen هذه تعد خير المدارس في أوربا. وأنشئت مدارس لتدريب المعلمين، وتخصصت المدارس العليا Hauptschulen في العلوم والتكنولوجيا، وعلمت المدارس الثانوية Gymnasien اللاتينية والعلوم الإنسانية، وخصصت جامعة فيينا إلى حد كبير للقانون والعلوم السياسية والإدارة، وأدت وظيفة دار الحضانة لموظفي الدولة. واستبدل بإشراف الكنيسة على التعليم إشراف من الدولة لا يقل عنه صرامة ودقة.

واستمر التعاون بين الأم وولدها فألغى التعذيب (1776). ولكن الاتفاق بينهما حطمته أحداث السنة التالية. ذلك أن يوزف كان بنوي منذ زمن زيارة باريس-لا ليرى "الفلاسفة" وسيدفئ في الصالونات، بل ليدرس موارد فرنسا جيشها وحكومتها، وليرى ماري أنطوانيت، وليقوي الروابط التي ربطت ربطاً واهياً جداً بين الأعداء القدامى في حلفهما الهش. فلما مات لويس الخامس عشر، وبدا أن فرنسا على شفا التمزق، كتب يوزف إلى ليبوبولد يقول: "أنني قلق على أختي فسيكون عليها أن تلعب دوراً شاقاً(50)". ووصل باريس في 18 إبريل 1777، وحاول أن يتكتم زيارته فتخفى تحت اسم الكونت فون فلكشتين وأشار على الملكة الشابة المرحة بأن تقلع عن الإسراف والطيش، وصبغ وجنتيها وشفتيها، وأصغت إليه في ضجر. وحاول ولكنه فشل في كسب لويس السادس عشر إلى حلف سري لكبح توسع روسيا(51). وتحرك بسرعة في أرجاء العاصمة و"لم تمضِ أيام حتى عرف عنها أكثر مما سيعرف لويس السادس عشر طوال حياته(52)". وزار الأوتيل ديو ولم يخف دهشته لسوء الإدارة غير الإنسانية لذلك المستشفى. وفتن أهل باريس، وذعرت حاشية فرساي، حين وجدت أرفع ملوك أوربا يمشي في زي مواطن بسيط، يتكلم الفرنسية كأحد أبنائها. ويلتقي بجميع الطبقات دون تكلف. أما عن نجوم الأدب فقد التمس أولاً لقاء روسو ويوفون. وحضر أمسية عند مدام نكير، والتقى بجبون، ومارمونتيل، والمركيزة دودفان، ومما يشرفه أن رباطة جأشها وشهرتها أربكتاه أكثر مما أربكها مقامه الرفيع، فالعمى يسوي بين الناس لأن الشالات يتكون نصفها من الثياب. وحضر جلسة لبرلمان باريس وأخرى للأكاديمية الفرنسية. وأحس الفلاسفة أنهم وجدوا في النهاية الحاكم المستنير الذي تطلعوا إليه أداة لثورة سليمة. وبعد أن قضى يوزف شهراً في باريس تركها في جولة بالأقاليم فسافر شمالاً إلى نورمندية، ثم على الساحل الغربي إلى بايون، ثم تولوز، فمونيليه فمرسليا، ثم صعد مع الرين إلى ليون وشرق إلى جنيف. ومر بفرنيه دون أن يزور فولتير، إذ لم يشأ أن يغضب أمه أو يرتبط جهاراً برجل يخاله الشعب النمساوي والملك الفرنسي شيطاناً مجسماً.

وكان حريصاً على استرضاء أمه، لأن عشرة آلاف مورافي هجروا الكثلكة في غيبته إلى المذهب البروتستنتي، وكان رد الفعل من جانب ماريا تريزا-أو مجلس الدولة-على هذه الكارثة اتخاذ إجراءات تذكرنا بغارات الفرسان على بيوت الهجونوت أيام لويس الرابع عشر. فقبض على زعماء الحركة وشتتت اجتماعات البروتستنت وجند المتحولون العنيدون في الجيش وفرضت عليهم الأشغال الشاقة وأرسلت نساؤهم إلى الملاجئ. فلما عاد يوزف إلى فيينا قال لأمه محتجاً "أن السبيل لإعادة هؤلاء الناس إلى الكثلكة أن تجعلي منهم جنوداً أو ترسليهم إلى المناجم أو تستخدميهم في الأشغال العامة...يجب أن أعلن صراحة...أن المسئول عن هذا الأمر، أيا كان، هو أحقر خدامك، وهو لا يستحق مني غير الازدراء، لأنه أحمق وقصير النظر(53)". وأجابت الإمبراطورة بأنها ليست مصدرة هذه المراسيم بل مجلس الدولة، ولكنها لم تسحبها. وجاء وفد من المورافيين البروتستنت لمقابلة يوزف، فأمرت ماريا تريزا بالقبض على أفراده. وكانت الأزمة بين الأم وولدها تسير إلى طريق مسدود حتى أقنعها كاونتز بسحب المراسيم. فأوقفت الاضطهادات، وسمح لمعتنقي البروتستنتية بممارسة عبادته الجديدة شريطة أن يكون ذلك في هدوء ببيوتهم. وتوقف صراع الجيلين برهة.

ثم استؤنف صراع الجيلين لما مات مكسمليان يوزف ناخب بافاريا في 30 ديسمبر 1777 دون أن يعقب بعد حكم طويل رخي. وفي الصراع على وراثة دولته أيد يوزف الثاني ناخب بالاتين شارل (كارل) تيودور شريطة أن ينزل للنمسا عن جزء من بافاريا، وأيد فردريك الأكبر شارل دوق تزافا يبروكن، وأعلن أنه سيقاوم أي محاولة من النمسا لتملك أرض بافارية. وحذرت الإمبراطورة ولدها من تحدي ملك بروسيا الذي لم يزل منيعاً لم يقهر بعد. ولكن يوزف تجاهل نصيحتها، وأيده كاونتز، وجردت قوة نمساوية على بافاريا. وأمر فردريك جيشه بدخول بوهيميا والاستيلاء على براغ ما لم يجل النمساويون عن بافاريا. وقاد يوزف جيشه الرئيسي ليدافع عن براغ، واقترب الجيشان العدوان، ولاح أن حرباً نمساوية بروسية أخرى وشيكة على سفك دماء الأخوة. أما فردريك فقد تجنب خوض المعركة منتهكاً بذلك السوابق والتوقعات، واكتفى بإطلاق جنوده على المحاصيل البوهيمية ليأتوا عليها، وأما يوزف فقد تردد في الهجوم لعلمه بشهرة فردريك قائداً للجيوش. وكان يأمل أن تخف فرنسا لنجدته، وأرسل على وجه السرعة نداءات لماري أنطوانيت. فأرسل له لويس السادس عشر خمسة عشر مليون جنيه، ولكنه لم يستطع أن يفعل أكثر من هذا، لأن فرنسا كانت قد وقعت (6 فبراير 1778) حلفاً من المستعمرات الأمريكية الثائرة، وكان عليها أن تعد نفسها لخوض حرب مع إنجلترا. وأقام يوزف في معسكره نهباً للغيظ والقلق بينما نهبته البواسير في الطرف الآخر.

وهنا قبضت ماريا تريزا على زمام الأمور في انتفاضة أخيرة من انتفاضات الإرادة، وأرسلت إلى فردريك عرضاً للصلح (12 يوليو) ووافق فردريك على للتفاوض، وأذعن يوزف لأمه، وتوسط لويس ملك فرنسا وكاترين قيصرة روسيا في النزاع. وانتهى الأمر بمعاهدة تشن (13 مايو 1779) التي عزّت يوزف بأربعة وثلاثين ميلاً مربعاً من بافاريا، ولكن شارل تيودور استأثر بكل ما بقي من تلك الإمارة الناخبة، وهكذا توحدت بافاريا وبالاتينات، واتفق على أن تحصل بروسيا على بايرويت وانسباخ بعد موت حاكمها الأبتر. وادعى كل فريق أنه المنتصر.

هذه الأزمة الثالثة بين فردريك المسن والإمبراطورة المسنة قضت عليها. وكانت لا تتجاوز الثالثة والستين عام 1780، ولكنها كانت بدينة مصابة بالربو، أضعف قلبها حربان وستة عشر حملاً فضلاً عن الهم المقيم.وفي نوفمبر حاصرها مطر غزير وهي راكبة عربة مكشوفة، فأصابها سعال خبيث، ولكنها أصرت على أن تقضي الغد تعمل في مكتبها. وقد قالت مرة "إنني ألوم نفسي على الوقت الذي أنفقه في النوم"(54) وقضت أيام مرضها الأخيرة جالسة على كرسي إذ استحال عليها تقريباً أن تتنفس وهي راقدة. واستدعى يوزف أخوته وأخواته إلى جوارها، وقام على رعايتها في محبة. وطلق الأطباء كل أمل في شفائها فارتضت أن تتناول الأسرار الأخيرة. وفي ساعاتها الأخيرة قامت وتعثرت من كرسيها إلى سريرها. وحاول يوزف أن يريحها فقال "إن جلالتك في سيئ". فأجابت "نعم، ولكنه وضع مناسب للموت فيه". وماتت في 29 نوفمبر 1780.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المستبد المستنير 1780 - 1790

بعد أن حزن يوزف حزناً صادقاً على أم أدرك الآن مبلغ عظمتها، شعر بأنه حر في أن يكون نفسه، وأن يبدأ بتنفيذ أفكاره المتفتحة في الإصلاح. كان الحاكم المطلق للنمسا والمجر وبوهيميا والأراضي الواطئة الجنوبية، وكان أخوه ليوبولد مطيعاً له في تسكانيا، وأخته ماري أنطوانيت معينة له في فرنسا. وأحس إحساساً عميقاً بالفرص التي واتته في قمة حياته وذروة سلطته.

فأي رجل كان يومئذ؟ لقد بلغ الأربعين، ما زال في ربيع الحياة وكان وسيماً جداً حين يغطي رأسه الأصلع بباروكة. وقد وهب عقلاً يقظاً نشطاً نشاط شبه محموم، متمشياً مع جيله، ولكن هدأه شيئاً إلمامه بالتاريخ وخلق البشر. وكان دائم الإحساس بشح الوقت، لذلك لم يخطئ إلا بسبب التسرع والعجلة، وقلما أخطأ عن سوء قصد. وتروي القصص الكثيرة عن رفاهة حسه بخطوب غيره واستعداده لرفع المظالم التي يمكن رفعها(55). وقد أباح للشعب الالتقاء به على قدر ما سمحت به واجباته. وكان يعيش عيشة البساطة ويرتدي من الثياب ما يرتديه أي جندي، ويتجنب الظهور في ثياب الملوك الفاخرة. وكان مبرأ كفردريك من مخاللة الخليللات، ولم يكن له "أصدقاء إغريق"، وكان عمله غرامه الذي استغرقه. وكان كفردريك يبذل من الجهد في عمله أكثر مما يبذل أي مساعد له. وكان قد أعد نفسه إعداداً صادقاً أميناً للقيام بتبعاته، فلم يسافر للمتعة والظهور، بل للملاحظة والدراسة وفحص صناعات الكثير من الأقطار وفنونها وبيوتها الخيرية ومستشفياتها ومحاكمها ومؤسساتها البحرية والحربية؛ ونظر بعينيه هو إلى شعوب مملكته وطبقاتها ومشكلاتها. فصحت نيته الآن، على قدر ما وسع رجلاً واحداً، على تحقيق أحلام الفلسفة. "ما دامت قد ارتقت العرش، ولبست أعظم تاج في العالم، فقد جعلت الفلسفة المشرع لإمبراطوريتي"(56) ونظر الفلاسفة في كل أرجاء أوربا إلى المغامرة الكبرى وكلهم تطلعات صادقة. وكانت أولى الصعوبات في طريقه أن يجد الأعوان الذين يشاركونه حلمه. فأكثر الذين آلوا إليه بالوراثة كانوا من الطبقات العليا التي اختزلت إصلاحاته امتيازاتهم. لقد أيده كاونتز وفان شفيتن، وشجعه اثنان من المستشارين الخصوصيين-هما كوالتنبورج وجيلر-واثنان من أساتذة جامعة فيينا هما-مارتيني وزوننفيلس-، ولكن الأعوان الأدنى مرتبة من هؤلاء لم يكونوا سوى بيروقراطيين تجمدوا في المألوف من العادات، واستراحوا إلى الموروث من التقاليد، وقاوموا التغيير تلقائياً. وراح يوزف في عجلة لا تسمح بالمجاملة يعامل هؤلاء الأعوان معاملة الخدم، ويربكهم بحشد من الأوامر، ويطلب إليهم إبلاغه عن أي خطأ جسيم يرتكبه مساعدوهم(57)، ويغرقهم بالاستبيانات ويطالبهم بجهد لا يفتر كجهده. ووعدهم هم وأراملهم بمعاشات يستحقونها بعد خدمة عشر سنين، فشكروه، وأنكروا أساليبه، وسدروا في كبريائهم. وأفضت ثقة يوزف بعدالة أهدافه إلى ضيقه بكل نقد أو نقاش. وكتب إلى شوازيل (الذي كان الآن ينعم بالتقاعد) "عش أسعد مما أستطيع إنني لم أكد أعرف السعادة، وسوف أشيخ قبل أن أكمل الطريق الذي رسمته لنفسي"(58). ولكن أجله قصر عن أن يدرك سن الشيخوخة.

وقد نبذ كل تفكير في الديمقراطية، فقد أحس أن أفراد شعبه غير مستعدين لإصدار الحكم الصائب في السياسة، وأنهم باستثناءات قليلة سيعتنقون أي آراء يتسلمونها من سادتهم أو كهنتهم. وحتى الملكية الدستورية بدت له غير مبشرة بخير؛ فبرلمان كالبرلمان الإنجليزي سيكون مجتمعاً مغلقاً من كبار ملاك الأرض والأساقفة الذين يتحدون أي تغيير جذري. وكان من المسلمات في رأي يوزف أن الملكية المطلقة دون غيرها هي القادرة على تحطيم جدار العادات وكسر أغلال التعصب وحماية الضعفاء السذج من الأقوياء الماكرين.

ومن ثم تناول كل مشكلة بشخصه، وأصدر توجيهات نظمت كل مناحي الحياة. ورغبة في تشجع الأمثال لأوامره أنشأ نظام جاسوسية أفسدت عليه حسناته. وكان من مقومات حكمه المطلق أن يجند بالإلزام جيشاً دائماً كبيراً لا يعتمد على أمراء الإقليم، يغذيه بالتجنيد الإلزامي العام، ويخشنه بالتدريب البروسي. وراوده الأمل في أن يقوى هذا الجيش من صوته في المسائل الدولية، وأن يلزم فردريك حدوده، وربما أعانه على التهام بافاريا وطرد الترك من البلقان المجاورة (ولا عجب فقد كان في نفس فيلسوفنا شيء من شهوة التملك). ثم عين لجنة من الفقهاء لإصلاح القوانين وتنسيقها، وبعد أن قضت اللجنة ست سنوات من العمل الشاق نشرت قانوناً مدنياً جديداً للإجراءات القضائية. فخففت العقوبات، وألغيت عقوبة الإعدام. (في إنجلترا المعاصرة كانت مائة جريمة لا تزال تعتبر من الجرائم الجسمية) ولم تعد الشعوذة ولا السحر ولا الارتداد جرائم يعاقب عليها القانون. وحرمت المبارزة؛ واعتبر قضاء المبارز على غريمه في مبارزة جريمة قتل. وجعل الزواج عقداً مدنياً، وأحل الزواج بين المسيحيين وغير المسيحيين، وقضى بإمكان الحصول على الطلاق من السلطة المدنية. أما القضاة فلا يعينون إلا بعد تريب خاص وبعد اجتيازهم امتحانات عسيرة، وألغى الكثير من المحاكم الكنسية. وتقررت مساواة جميع الأشخاص أمام القانون، وصعق النبلاء حين عرض أحد أفرادهم في المشهرة وحكم على آخر بكنس الشوارع. وألغيت القنية بسلسلة من المراسيم، 1781-85. وكفل للجميع حق تغيير المسكن أو المهنة، وحق التملك، وحق الزواج بالرضى المتبادر، وأعد محامون خصوصيون لحماية الفلاحين في حرياتهم الجديدة. وفقد البارونات حق محاكمة مستأجريهم جنائياً، ولكن تحاشياً لضعف الإنتاج في ضياع البارونات، أجيز للسادة أن يقتضوا أقنانهم السابقين بعض الخدمات المألوفة.

وشجع بوزف الصناعة الرأسمالية لاقتناعه بأن لوائح الطوائف الحرفية معطلة للتطور الاقتصادي، ولكنه عارض في الاستكثار من الآلات مخافة (أن تحرم الألوف من أرزاقهم)(59). وأعفى العمال الصناعيين من التجنيد، ولكنهم تذمروا من إنقاصه أيام العطلات المقدسة. ثم رفع من مقام التجار ورجال الصناعة والمصارف وخلع عليهم ألقاب الشرف وأسباب التكريم القومي. وألغى المكوس الداخلية أو خففها، ولكنه أبقى على الرسوم الحماية الجمركية المرتفعة على الواردات. ورفع رجال الصناعة الوطنيون الأسعار بعد أن حصلوا على التحصن من المنافسة الأجنبية وانتخبوا السلع الرديئة(60). وساء بروسيا وسكسونيا وتركيا فرض هذه التعريفات فأوصدت أبوابها في وجه حاصلات الإمبراطورية. وفقد الألب والاودر والدانوب بعض تجارتها. وحاول يوزف أن يزيد حركة التجارة البرية مع ثغور الأدرياتيكي بشق طريق جديد هو طريق يوزفينا الذي اخترق جبال الألب الكرنيوليه، وأسس شركة هند شرقية وراوده الأمل في تطوير التجارة مع الشرق وأفريقيا وأمريكا بطريق ثغري فيومي وتريسته الحرين. وفي 1784 أبرم معاهدة تجارية مع تركيا، ولكن بعد ثلاث سنوات أغلقت حربه مع تركيا منافذ الدانوب إلى البحر الأسود وأفلس تجار الدانوب الواحد تلو الآخر.

وتشجيعاً لتداول رأس المال ألغى من القوانين التحريم القديم للفائدة، وأحل القروض بفائدة 5% ورقى مصرفياً يهودياً إلى رتبة البارونية. وقدم القروض الحكومية والاحتكارات الموقوتة إلى المشروعات الجديدة. واقتبس فكرة الفزيوقراطيين في فرض ضريبة واحدة تقع على الأرض فقط، وتتفاوت حسب الموقع والخصوبة، ويؤديها ملاك الأرض كبارهم وصغارهم واقتضى المشروع مسح جميع أراضي الإمبراطورية، فتم هذا بنفقة بلغت 120.000.000 جولدن دفعها الملاك. وقضى القانون الجديد بأن يحتفظ الفلاح بسبعين في المائة من محصوله أو دخله، ويعطي للدولة اثني عشر في المائة، ويقسم الباقي بين الفروض الإقطاعية والعشور الكنسية، وكان قبل ذلك يدفع للدولة أربعاً وثلاثين في المائة وللملك تسعاً وعشرين في المائة، وللكنسية عشرة في المائة، ولا يحتفظ لنفسه إلا بسبعة وعشرين في المائة(61). واحتج النبلاء بأن هذا التقسيم الجديد سيجلب عليهم الخراب، وفي المجر قاموا بثورة.

وزاد عدد سكان النمسا والمجر وبوهيميا من 187.700.000 في 1780 21.000.000 في 1790(62). وقرر كاتب معاصر أن الأكواخ المبنية بالآجر أخذت تحل محل الزرائب الريفية العتيقة، وأن الآجر يأخذ مكان الخشب في منازل المدن(63). وظل الفقر جاثماً على الصدور، ولكن مرسوماً إمبراطورياً صدر في 1781 أنشأ "مؤسسات للفقراء، يستطيع أي شخص عاجز عن التكسب أن يطالب بالمعونة منها دون أن يريق ماء الوجه.

ومع أن يوزف كان من الناحية الرسمية "نائب المسيح" والمدافع عن الكنسية المسيحية و"حامي فلسطين...والإيمان الكاثوليكي"، فقد شرع بمجرد تقليده زمام السلطة المطلقة في تقليص دور الكنيسة في أراضيه "المورثة"-أي النمسا والمجر وبوهيميا. ففي 12 أكتوبر 1781 أصدر مرسوم التسامح، وبمقتضاه تقررت حرية البروتستنت والروم الأرثوذكس في أن يكون لهم معابدهم ومدارسهم واجتماعاتهم، وفي تملك الأملاك وامتهان المهن الراقية، وشغل المناصب السياسية والحربية. وحث الإمبراطور الشعب على تجنب كل دواعي النزاع بسبب الخلافات المذهبية....ومعاملة من ينتمون لطائفة دينية أخرى بالود واللطف(64). وفي توجيه أصدره يوزف إلى فان زفيتن كشف في صراحة عن مصادر إلهامه: "إن التعصب قضي عليه في إمبراطوريتي التي قد يسعدها أنها لم تضح بأشخاص مثل كالاس وسرفن...أن التسامح هو ثمرة انتشار التنوير (Les Iumieres) الذي شاع الآن في جميع أرجاء أوربا. وهو قائم على الفلسفة، وعلى عظماء الرجال الذي أسسوها...إن الفلسفة دون غيرها هي التي يجب أن تكون رائد الحكومات"(65). على أنه كان لهذا التسامح حدود كما كان في مقال فولتير "عن التسامح" (1763)، فقد نبه بعض المستشارين يوزف إلى أن إزالة جميع الضوابط والقيود ستسفر عن نمو العقائد الجامحة نمواً مفرطاً، لا بل الإلحاد السافر، وأن هذا سيفضي إلى المذاهب المتناحرة والفوضى الاجتماعية وامتهان كل سلطة فلما نما إليه أن بضع مئات من البوهيميين جاهروا بالربوبية (1783) أمر بأن أي رجل يجهر بعقيدته هذه "يجب دون مزيد من التحقيق أن يجلد أربعاً وعشرين جلدة على ردفيه بسوط من جلد ثم يصرف". وتكرر هذه العملية كلما تجدد الجهر بهذه العقيدة(66). ورحل بعض الغلاة من الربوبيين إلى المستعمرات العسكرية. وسترى في مكان لاحق إلى أي حد بلغت جهود يوزف في تحرير اليهود.

وكان من نتائج مرسون التسامح الزيادة السريعة في عدد من جهروا بالبروتستنتية في المملكة، من 74.000 في 1781 إلى 157.000 في 1786. ونمت حرية الفكر، ولكنها ظلت محصورة في الدوائر الخاصة. أما الماسون الأحرار الذين رسخت أقدامهم في النمسا فقد نظموا في فيينا (1781) محفلاً أنظم إليه الكثير من المواطنين البارزين، وقد حماه الإمبراطور نفسه (رغم ربوبيته المفهومة ضمناً). قال أحد أعضائه "كان هدف الجماعة إعمال حرية الضمير والفكر التي احتضنتها الحكومة هذا الاحتضان الموفق، ومكافحة الخرافة والتعصب في ...طوائف الرهبان التي هي أهم سند لهذه الشرور(67), وتكاثرت المحافل الماسونية حتى بلغت ثمانية في فيينا وحدها، وأصبح من مجاراة العصر أن ينتمي شخص إليها، وارتدى الجنسان الشعارات الماسونية، وألف موتسارت الموسيقى للحفلات الماسونية. وبمضي الوقت اشتبه يوزف في اشتعال هذه المحافل بالتآمر السياسي. ففي 1785 أمر بأن تندمج محافل فيينا في محفلين فقط، ولم يسمح بأكثر من محفل واحد في عاصمة إقليمية.

وعين يوزف لجنة لتراجع قوانين الرقابة على المطبوعات. وفي 1782 نشر النتائج التي انتهت إليها في مدونة جديدة. فخطرت الكتب التي دأبت على مهاجمة المسيحية أو المحتومة على "عبارات لا أخلاقية وبذاءات قذرة"، ولكن حظرت أيضاً الكتب "المحتومة على أخبار المعجزات والأشباح والرؤى الخرافية وما إلى ذلك مما قد يقضي بعامة الناس إلى الإيمان بالخزعبلات ويثير الاشمئزاز في نفوس الدارسين"(68). وسمح بالمطبوعات المحتومة على انتقادات أو هجائيات ساخرة حتى لو هاجمت الإمبراطور، شريطة أن تحمل اسم المؤلف الحقيقي، وأن تخضع لقانون القذف. وأبيح للدارسين أن يقرءوا في المكتبات الكتب المدرجة في فهرس الكتب التي حرمتها الكنيسة الرومانية. وتعفى الكتب العلمية من الرقابة كلية، وكذلك الكتب الثقافية، شريطة أن تؤكد طابعها الثقافي سلطة معترف بها. وأبيح استيراد الكتب المؤلفة بلغات أجنبية وبيعت دون معوق. ووسعت الحرية الأكاديمية. فلما اتهم أربعة عشر طالباً بجامعة انزبروك معلمهم أمام السلطان لأنه زعم أن العالم أقدم من ستة آلاف سنة، حسم يوزف الأمر بهذه العبارة السريعة الموجزة "يجب أن يطرد الطلاب الأربعة عشر، لأن أدمغة في فقر أدمغتهم لن تفيد من التعليم(69)". وأثارت النظم الجديدة الاحتجاجات الغاضبة من الكهنوت، فرد يوزف بإعطاء فيينا حرية النشر الكاملة (1787). وحتى قبل هذا التحرير أفاد ناشرو فيينا من التراخي في تنفيذ قانون 1782: فأغرقت النشرات والكتب والمجلات النمسا بالفحش أو ما يقرب من الفحش، وبكشف أسرار الراهبات، وبالهجمات على الكنيسة الكاثوليكية أو على المسيحية ذاتها.

وأحس يوزف أن واجبه أيضاً أن ينظم الشؤون الكنسية. ففي 29 نوفمبر 1781 أصدر مرسوماً أغلق عدداً كبيراً من أديرة الرهبان والراهبات التي "لا تدير مدارس ولا تعنى بمرضى ولا تشتغل بدراسات". فأغلق 413 بيتاً دينياً من 2163 بتاً دينياً في الأقاليم الألمانية (النمسا وستيريا وكارنثيا وكارنيولا). وأفرج عن 27.000 من شاغليها البالغ عددهم 65.000 وقررت لهم معاشات، وأجرى مثل هذا الخفض في بوهيميا والمجر. قال يوزف "أن المملكة أشد فقراً وتخلفاً من أن تسمح لنفسها بترف الإنفاق على العاطلين(70)". أما ثورة هذه المؤسسات المنحلة-التي بلغت نحو ستين مليون جولدن-فقد أعلن أنها ملك للشعب، وصادرتها الدولة.

وأعلن أن الأديرة الباقية لا يجوز لها أن ترث أملاكاً. أما طوائف الرهبان المتسولين فأمرت بأن تكف عن التسول ومنعت من قبول رهبان جدد. وألغيت جماعات الأخوان الدينية. وتقرر أن تسجل جميع الممتلكات الكنسية لدى الحكومة، التي حرمت بيعها أو تبادلها.

ثم واصل يوزف جهوده ليخضع الأساقفة الكاثوليك لإشراف الدولة. فاشترط على الأساقفة الجدد أن يقسموا يمين الطاعة للسلطات العلمانية. وتقرر ألا تجار أي لائحة أو مرسوم بابوي في النمسا إلا بإذن الحكومة. أما الأوامر البابوية الصادرة في 1362 و1713، التي دانت المهرطقين والجانسنيين فتهمل. على أن يوزف نظم أبرشيات جديدة، وبنى الكنائس الجديدة، وقد الرواتب لإعانة طلاب القسوسة، وفتح مدارس لاهوتية جديدة ووضع لها برنامجاً يؤكد على العموم المعارف العلمانية كاللاهوت والطقوس سواء بسواء.

وأثارت هذه القوانين الأكليروس في كل أرجاء أوربا. ورجا أحبار كثيرون يوزف أن يلغي مراسيمه المعادية للأكليروس. فلما لم يلق إليهم بالا هددوه بالجحيم، فايتسم ومضى في طريقه. وأخيراً اتخذ البابا بيوس السادس بشخصه، وكان رجلاً وسيماً مثقفاً رقيقاً مغروراً، خطوة غير مألوفة، إذ غادر إيطاليا (27 فبراير 1782) وعبر الابنين والألب في الشتاء ووصل إلى فيينا (22 مارس) وقد عقد النية على الاتجاه برجاء شخصي للإمبراطور، وكانت هذه أول مرة منذ 1414 تطأ فيها أقدام أحد الباباوات أرض ألمانيا. أما يوزف خرج من المدينة مع رفيقيه في الشكوكية كاونتز ليرافقا الحبر الأعظم إلى الأجنحة التي كانت تشغلها ماريا تريزا. وخلال إفاقة البابا كانت الجموع تحتشد كل يوم تقريباً أمام القصر الملكي التماساً لبركته. وقد وصفهم بعد ذلك يوزف بهذه العبارات:

غصت جميع ممرات القصر وسلالمه بالناس، واستحال على الإنسان رغم مضاعفة عدد الحراس أن يحمي نفسه من كل الأشياء التي أتوا بها إليه ليباركها: أوشحة كتفيه، ومسبحات، وصور، وكان يتجمع لنيل البركة التي يمنحها من الشرفة سبع مرات في اليوم حشد من الناس لا يمكن أن يكون المرء فكرة عن ضخامته إلا إذا رآه. وليس من المبالغة القول أنه تجمع مرة ستون ألفاً على الأقل. وكان المنظر غاية في الجمال، فقد أقبل الفلاحون وزوجاتهم وأبنائهم من مناطق تبعد عشرين فرسخاً. وبالأمس ديست امرأة تحت نافذتي مباشرة(71).

وكان تأثر يوزف بمناشدات البابا البليغة أقل من تأثره بهذا الدليل على سلطان الدين على العقل البشري، ومع ذلك واصل إغلاق الأديرة "حينما كان بيوس في ضيافته(73)". وحذره البابا تحذير المتنبئ. أنك إن مضيت في مشروعاتك المدمرة للإيمان وقوانين الكنيسة فإن يد الرب ستكون ثقيلة الوطأة عليك، وستعطلك في مسيرتك، وستحفر من تحتك هوة تبتلعك وأنت بعد في عنفوانك، وستضع حداً للملك الذي كان في وسعك أن تجعله ملكاً عظيماً مجيداً(73). وبعد شهر من أسباب التكريم والإخفاق عاد بيوس حزيناً إلى روما. وعقب ذلك عين الإمبراطور رئيساً لأساقفة ميلان رجلاً يدعى فسكونتي غير مقبول من الإدارة البابوية، ورفض البابا أن يصدق على التعيين، وأشرفت الكنيسة والإمبراطورية على القطيعة. ولم يكن يوزف مستعداً لمثل هذه الخطوة العنيفة، فهرول إلى روما (ديسمبر 1782) وزاد بيوس وأعلن ولاءه للكنيسة وكسب موافقة البابا على تعيين الدولة للأساقفة-حتى في لمبارديه. وافترق الملك والحبر الأعظم على ود. ونثر يوزف ثلاثين ألف سكودي على جماهير روما، وهتف له القوم بصيحات الشكر "يحيا إمبراطورنا". فلما عاد إلى فيينا واصل حركته الإصلاحية الدينية القائمة على فرد واحد. وبعد أن تحدى البابا كما تحداه لوثر (الذي يشبهه به الكثير من البروتستنت وهم معترفون بفضلهم)، وبعد أن هاجم الأديرة كما هاجمها هنري الثاني، شرع مثل كلفن في تطهير الكنائس، فأمر بإزالة لوحات النذور ومعظم التماثيل، وبكف المصلين عن لمس الصور وتقبيل الرفاة وتوزيع التمائم...ونظم طول الخدمات الدينية وعددها، والملابس التي تغطي تماثيل العذراء، وطابع الموسيقى الكنسية، وتقرر أن تتلى الابتهالات مستقبلاً بالألمانية لا باللاتينية، وأن تحصل رحلات الحج والمواكب الدينية على موافقة السلطات المدنية، وانتهى الأمر بعدم التصريح إلا بموكب واحد-لعيد القربان المقدس، وأحيط الشعب رسمياً بأنه لا داعي للركوع في الشوارع أمام أي موكب ديني حتى ولو حمل القربان المقدس، ويكفي في هذه المناسبات خلع القبعات. وأخبر أساتذة الجامعات بأنه لا حاجة تدعوهم بعد اليوم إلى أن يقسموا بأنهم يؤمنون بعقيدة حمل العذراء غير المدنس.

ولم يستطع أحد أن يتشكك في إنسانية أهداف يوزف. فالثروة التي أخذها من الأديرة المستغنى عنها خصصها لإعانة المدارس والمستشفيات والمبرات، ولصرف معاشات الرهبان والراهبات الذين أخرجوا من أديرتهم، ولصرف إعانات إضافية لكهنة الأبرشيات الفقراء. وأصدر الإمبراطور سلسلة طويلة من الأوامر للنهوض بالتعليم، فكان على كل الجماعات المحتوية على مائة طفل بلغوا سن الالتحاق بالمدارس أن تمول مدارس أولية لهم. وتقرر أن يكون التعليم الأولي إلزامياً وعاماً. ووفرة الأديرة أو الدولة مدارس للبنات وأعينت الجامعات في فيينا وبراغ ولمبرج وبست ولوفان، أما جامعات انزبروك وبرون وجراتز وفرايبورج فحولت إلى معاهد Lyc(es لتعليم الطب أو القانون أو لفنون العملية. وأنشئت مدارس للطب من بينها "اليوزفينوم" للطب والجراحة العسكريين. وأخذت فيينا تشق طريقها لتصبح من أرقى المراكز الطبية في العالم.


الإمبراطور والإمبراطورية

تضاعفت المصاعب في وجه مشروعات يوزف الثورية بسبب تنوع ملكه. لقد كان يعرف النمسا جيد المعرفة، ولكنه لم يدرك رغم أسفاره الشاقة مبلغ تغلغل السادة المجريين في حياة أمتهم الاقتصادية والسياسية، ولا أدرك كيف تستطيع وطنية الجماهير المجرية أن تتغلب على المصالح الطبقية. ولقد رفض عند تقلده الملك أن يتبع تقليداً جرى عليه السلف فيذهب إلى برسبورج ليتوج ملكاً على المجر، لأنه سيطالب في ذلك الحفل بأن يقسم يمين الولاء للدستور المجري الذي يكرس أنظمة المجتمع الاقتصادية. ثم أغضب كل مجري حين أمر بنقل تاج القديس اسطفانوس حامي المجر من بودا إلى فيينا (1784). وكان قد أحل الألمانية لا المجرية محل اللاتينية لغة للقانون والتعليم في المجر. وأغضب رجال المال والأعمال المجريين حين عطلت رسومه الجمركية تصدير محاصيلهم إلى النمسا. ثم أنه صدم الكنيسة الكاثوليكية بتدخله في طقوسها التقليدية وبسماحه للجماعات البروتستنتية المجرية بالتكاثر من 272 إلى 758 في عام واحد (1783-84). ووقعت المجر في فوضى أصطرعت فيها الطبقات والقوميات واللغات والمذاهب. وفي 1784 قام فلاحو قلاشيا (بين الدانوب والألب الترنسلفانية) بثورة عنيفة ضد سادتهم الإقطاعيين، وأشعلوا النار في 182 قصراً ريفياً للأشراف وستين قرية، وقتلوا 4.000 مجري، وأعلنوا أنهم يفعلون هذا كله برضى الإمبراطور. وعطف يوزف على كرههم للظلم الطويل(75)، ولكنه كان يحاول إنهاء الإقطاع سلمياً بالتشريع، وما كان في وسعه أن يسمح للفلاحين بتعجيل الأمور بالتحريق والتقتيل. وعليه فقد أرسل جنوده لقمع الثورة، وأعدم مائة وخمسون من زعماء الثورة، وهدأت الثورة. ولامه النبلاء على الثورة، ولامه الفلاحون على فشلها. وتهيأ المسرح لثورة قومية على الإمبراطور في 1787.

وفي نوفمبر1780 ذهب يوزف بشخصه ليدرس مشكلات الأراضي الواطئة النمساوية. فزار تامور ومونز وكورتراي وابيير ودنكرك واوستنذ وبروج وغنت وأودنارد وأنتوب ومالين ولوفان بروكسل. وقام برحلة جانبية إلى الأراضي الواطئة المتحدة..إلى روتردام، ولاهاي ولايدن وهارلم وأمستردام وأوترخت وسبا (حيث تغذى مع الفيلسوف رينال). وقد راعه التناقض بين رخاء هولندا والركود النسبي في الاقتصاد البلجيكي. وعزا هذا إلى نشاط رجال الأعمال الهولنديين وفرصهم، وإلى إقفال نهر الشلت في وجه تجارة المحيط نتيجة لمعاهدة مونستر (1648) فعاد إلى بروكسل وعقد عدة اجتماعات لمحاولة تحسين التجارة والإدارة والمالية والقضاء. وفي يناير 1781 عين أخته ماريا كرستين وزوجها ألبرت دوق ساكستشن حاكمين على الأراضي الواطئة النمساوية.

وأدرك الآن لأول مرة مبلغ التضارب بين إصلاحاته والالتزامات الموروثة التي تمتعت بها الطبقات العليا في هذا البلد التاريخي. فكان إقليم من أقاليمها مثلاً، وهو برابانت، يملك مرسوماً للحريات يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر ويعرف بـــ "المدخل البهيج". وكان يتوقع من كل حاكم يدخل بروكسل أن يقسم يمين الولاء لهذا المرسوم، وجاء في إحدى مواده إنه لو انتهك الحاكم أي مادة منه كان لرعاياه الفلمنكيين الحق في أن يمتنعوا عن أداء أي خدمة له وأن يرفضوا طاعته. وطالبت مادة أخرى الملك بأن يحافظ على الكنيسة الكاثوليكية، في جميع امتيازاتها وممتلكاتها وسلطاتها الراهنة، وأن يطبق جميع قرارات ترنت. وأشباه هذا الدستور كان يتعلق بها الأشراف والأكليروس في الأقاليم الأخرى. وعقد يوزف النية على ألا يسمح لهذه التقاليد بأن تتحدى إصلاحاته. وبعد أن قام بزيارة قصيرة لباريس (يوليو 1781) قفل إلى فيينا.

وفي نوفمبر بدأ يطبق مرسوم التسامح الديني على هذه الأقاليم. فجعل الأديرة البلجيكية مستقلة عن البابا، وأغلق عدداً منها وصادر إيراداتها. واحتج أساقفة بروكسل وأنتورب ومالبن، ولكن يوزف واصل مسيرته ففرض على "بلجيكا" لوائحه الخاصة بلوحات النذور والمواكب والطقوس الدينية. ثم سحب من الأساقفة حقهم في الإشراف على المدارس قائلاً "إن أبناء لاوي (أي الكهنة) ينبغي أن يكفوا عن احتكار عقول البشر"(76). ثم ألغى الامتيازات الخاصة التي طالما تمتعت بها جامعة لوفان. وأنشأ هناك مدرسة لاهوتية جديدة محررة من السيطرة الأسقفية، وأمر بأن يدرس فيها كل طالب بلجيكي القسوسية خمس سنين(77). وإذ كان تواقاً إلى تحسين حكومة الأقاليم، فقد أستبدل بالمجالس الإقليمية والمجالس الخاصة الأرستقراطية القديمة (يناير 1787) مجلساً واحداً للإدارة العامة يرأسه مفوض يعينه الإمبراطور، ثم أحل هيئة قضائية موحدة علمانية محل المحاكم القائمة إذ ذاك، من إقطاعية وإقليمية وكنسية. وأعلن أن جميع الأشخاص أياً كانت طبقتهم سواسية أما القانون.

وأنظم الأشراف وكثير من البرجوازيين إلى الأكليروس في مقاومة هذه القوانين. ولم يلطف من أعدائهم تلك الجهود العقيمة التي بذلها يوزف بإعادة فتح الشلت أما تجارة المحيط، فقد رفضت هولندا الإذن بها، وشاركتها الرفض فرنسا رغم توسلات ماري أنطوانيت. وف يناير 1787 أخطر مجلس برابانت يوزف بأن لا سبيل إلى إحداث تغييرات في دستور الإقليم القائم إلا بموافقة المجلس، ومعنى ذلك في الواقع أنهم أخبروه أن حكمه للأراضي الواطئة النمساوية يجب أن يكون ملكية دستورية لا مطلقة. وتجاهل هو الإعلان، وأمر بتنفيذ مراسيمه. ورفض المجلس الموافقة على الضرائب ما لم تلقَ اعتراضاتهم الاهتمام. ثم تفجر الهياج في عنف اتسع نطاقه بحيث اضطرت ماريا كرستينا إلى الوعد بإلغاء الإصلاحات البغيضة (31 مايو 1787). أين كان الإمبراطور خلال هذا الجو الهائج المائج؟

كان يغزل كاترين الثانية دبلوماسياً، مؤمناً بأن التحالف مع روسيا سيعزل بروسيا ويشد أزر النمسا في حربها مع الترك. وكان يوزف حتى قبل موت أمه قد زار القيصرة في موجيليف (7 يونيو 1780) ومن هناك مضى إلى موسكو وسانت بطرسبوج. وفي مايو 1781 وقعت النمسا وروسيا تحالفاً تعهد فيه الطرفان بأن يخف الواحد لنجدة الآخر إذا هوجم.

فلما خيل إليه أن هذا الاتفاق سيشل حركة الملك السبعيني فردريك، عاد من جديد (1784) يعرض الأراضي الواطئة النمساوية على الأمير الناخب شارل تيودور بديلاً عن بافاريا. وكان العرض مغرياً للأمير، ولكن فردريك استنفر كل طاقاته ليفسد هذه الخطة. فحرك ثورة على الإمبراطور في المجر وبلجيكا، وحرض دوق تزفايبروكن-الوريث لعرش بافاريا-على مقاومة هذا البدل، وبعث عملاءه ليقنعوا الأمراء الألمان بأن استقلالهم يتهدده التوسع النمساوي. وأفلح في أن ينظم (23 يوليو 1785) بروسيا وسكسونيا وهانوفر وبرونزيك وماينز وهسي كاسل وبادن وساكسي فيمار وجوتا ومكلنبورج وأنزباخ وانهالت في حلف أمراء Furstenbund تعهدوا فيه بمقاومة أي توسع للنمسا على حساب أي دولة ألمانية. واستنجد يوزف ثانية بشقيقته في فرساي، واعترف يوزف بهزيمته أمام الثعلب العجوز الذي كان يوماً ما معبود شبابه. ولما تلقى في أغسطس 1786 نبأ موت فردريك أعرب عن أسف مضاعف: "بوصفي جندياً يؤسفني رحيل رجل عظيم كان صانع جيل في فنون الحرب، وبصفتي مواطناً يؤسفني أن موته تأخر ثلاثين عاماً"(78). أصبح الآن أمل الإمبراطور الوحيد في توسيع ملكه معقوداُ على الإنضمام إلى كاترين في حملة لتقسيم أملاك تركيا الأوربية في ما بينهما. فلما خرجت قيصرة الروسيا في يناير 1787 لتزور وترهب فتوحها الجديدة في الجنوب دعت يوزف ليلتقي بها في الطريق ويرافقها إلى القرم. ولكنه لم يوافق لتوه على اقتراحها بشن حرب صليبية موحدة، وقال "غنما أريد سيليرنيا، والحرب مع تركيا لن تنيلنيها"(79). ومع ذلك فحين أعلنت تركيا الحرب على روسيا (15 أغسطس 1787) وجد يوزف نفسه مكرهاً على خوضها، فقد ألزمه تحالفه مع كاترين أن يعينها في حرب "دفاعية". يضاف إلى هذا أن الفرصة أتيحت الآن للنمسا بسبب اشتباك تركيا في الحرب اشتباكاً حرجاً لاسترداد الصرب والبوسنة، وربما أيضاً للحصول على ثغر على البحر الأسود. وعليه ففي فبراير 1788 أرسل جنوده إلى الحرب وأمرهم بأن يستولوا على بلغراد.

ولكن السويديين اغتنموا هذه الفرصة ليرسلوا قوة تهاجم سانت بطرسبورج. واستدعت كاترين الجيش من الجنوب ليدافع عن عاصمتها. فلما خف على الترك ضغط الروس ركزوا قوتهم على النمساويين. وحين ذهب يوزف ليقود جيشه رآه وقد أضعفته اللامبالاة وفرار الجند ومرضهم، فأمر بالتقهقر وعاد إلى فيينا يملؤه اليأس ويجلله العار. وسلم القيادة إلى لاودن، وهو من أبطال حرب السنين السبع وأنقذ المارشال العجوز شرف الجيش النمساوي باستيلائه على بلغراد (1789). ولما فشل هجوم السويد على روسيا عاد جنود كاترين يتدفقون على الجنوب وتباروا مع الأتراك في مذابح رهيبة تركت الحياء منهم أكثر قليلاً من أعدائهم. وكان يوزف مغتبطاً بأمل النصر العسكري الذي طال ارتقابه، وإذا ببروسيا وإنجلترا والسويد وهولندا تتدخل لمساعدة الترك خوفاً من توسع الروس. ووجد يوزف فجأة أن جميع أوربا البروتستنتية تقريباً قد اتحدت وأخذت تمتشق الحسام ضده. وعاد ثانية يستنجد بفرنسا، ولكن فرنسا كانت في 1789 مشغولة بالثورة. ووقعت بروسيا التي يملك عليها فردريك وليم الثاني حلفاً مع تركيا (يناير 1790) وأرسلت العملاء لإذكاء الثورة على الإمبراطور في المجر والأراضي الواطئة النمساوية.

ورحبت المجر بهذه الدسائس لأنها كانت في ثورة سافرة على مراسيم يوزف في التجنيد الإجباري والضرائب وتغيير اللغة والإصلاح الديني. وفي 1786 دعا إمريش مالونجي المجريين إلى انتخاب ملك خاص بهم. وفي 1788 دبر رميجيوس فرانيو مؤامرة لجعل فردريك وليم ملكاً على المجر، وأفشى الكونتان أسترهاتي وكاروليي سر المؤامرة للإمبراطور فحكم على فرانيو بالسجن ستين عاماً. وفي 1789 وجه مجلس الطبقات المجري إلى بروسيا نداء لتحرير المجر من سلطان النمسا. ولما بلغ نبأ الثورة الفرنسية للمجر دوت صيحات المطالبة بالاستقلال في أرجاء البلاد. أما يوزف الذي شعر بالموت يسري في عروقه فلم يعد له من القوة ما يمكنه من الثبات على موقفه. وحثه أخوه ليوبولد على الاستسلام. وفي يناير 1790 أعلن ما يأتي: "لقد قررنا أن نرد إدارة المملكة-أي المجر-إلى وضعها في 1780 لقد أرسينا (الإصلاحات) بدافع الغيرة على الصالح العام مؤمنين أنكم بعد التجربة ستجدونها مبعث سرور لكم، بيد أننا الآن أقنعنا أنفسنا بأنكم تؤثرون النظام القديم...ولكننا نريد أن يظل قانون التسامح نافذاً...وكذلك قانون الأقنان ومعاملتهم وعلاقتهم بسادتهم"(80).

وفي فبراير رد تاج القديس أسطفانوس إلى بودا وكان يلقى الترحيب والابتهاج من الجماهير في كل خطوة على الطريق. وهدأت الثورة. أما الثورة في الأراضي الواطئة النمساوية فقد انطلقت بكل قوتها لأنها شعرت هناك بحرارة الحرة الثورية في فرنسا المجاورة. وأبى يوزف المصادقة على الوعد الذي قطعته شقيقته لمجلس برابانت بإلغاء الإصلاحات التي كرهوها. فأصدر الأمر بتنفيذها وأمر جنوده بإطلاق النار على أي حشود تقاومها، ففعلوا وقتل ستة من القائمين بالشغب في بروكسل (22 يناير 1788) وعدد غير معروف في أنتورب ولوفان. ودعا محامٍ من بروكسل يسمى هنري فان دن نوت أفراد الشعب إلى التسلح والتطوع في جيش استقلال. وأيد الأكليروس النداء تأييداً إيجابياً، وأضيف إليه حافز لم يكن في الحسبان هو نبأ سقوط الباستيل، وسرعان ما احتشد في الميدان عشرة آلاف من الوطنيين وعلى رأسهم قائدة أكفاء. وفي 24 أكتوبر أذاع إعلان "للشعب البرابانتي" خلع يوزف الثاني من منصب الحاكم عليهم. وفي 26 أكتوبر هزمت قوة من الوطنيين الجنود النمساويين. واحتل الثوار المدينة تلو المدينة. وفي 11 يناير 1790 أذاعت الأقاليم السبعة قرار استقلالها، وأعلنت قيام جمهورية الولايات المتحدة البلجيكية، واتخذت اسمها هذا من القبائل البلجيكية التي دوخت قيصر قبل ثمانية عشر قرناً. وأسعد إنجلترا وهولندا وبروسا أن تعترف بالحكومة الجديدة. واستنجد يوزف بفرنسا، ولكن فرنسا ذاتها كانت مشغولة بخلع ملكها. وبدا أن كل العالم القديم الذي عرفه يوزف يتمزق وينهار. ثم إن الموت كان يدعوه إليه.


الموت الأسود

كانت مرارة تلك الأشهر الأخيرة كاملة. فقد كانت المجر وبلجيكا تضطرمان بالثورة، والأتراك يتقدمون، وجيشه متمرداً، وشعبه من النمساويين الذين أحبوه يوماً ما انقلبوا عليه منتهكاً لحرمة تقاليدهم ومعتقداتهم المقدسة. وندد به القساوسة ملحداً، وكرهه النبلاء لأنه حرر أقنانهم، وتصايح الفلاحون مطالبين بمزيد من الأرض، وكان فقراء المدن يتضورن جوعاً، ولعنت جميع الطبقات الضرائب والأسعار المرتفعة التي سببتها الحرب. وفي 30 يناير 1790 أغلى يوزف جميع الإصلاحات التي أمر بها منذ وفاة ماريا تريزا بعد أن ألقى السلاح مستسلماً، ولم يبقَ منها إلا على إلغاء القنية. ترى لم فشل؟ لقد قبل بملء الإيمان وصادق الثقة نظرية جماعة الفلاسفة القائلة بأن الملك الذي يتوافر له التعليم الجيد والنية الحسنة هو خير أداة للتنوير والإصلاح. وقد أوتي التعليم الجيد، أما النية الحسنة فقد شوهها حبه للسلطة، وأخيراً غلبت لهفته على أن يكون فاتحاً حماسته لإجلاس الفلسفة على العرش. كان يفتقر إلى قدرة الفيلسوف على الشك، وكان من المسلمات لديه صواب وسائله كصواب غاياته. وقد حاةول إصلاح الكثير جداً من الشرور في وقت واحد، وفي عجلة كبيرة، ولم يستطع الشعب أن يستوعب تعدد قراراته المربك. ولقد كان يأمر بأسرع مما يستطيع أن يقنع، وحاول أن يحقق في عشر سنين ما يحتاج تحقيقه إلى قرن من التعليم والتغيير الاقتصادي. والشعب أساساً هو الذي خذله. فقد تعمقت جذوره وترسخت في امتيازاته وأهوائه، وفي تقاليده وكنائسه، إلى حد منعه من أن يعطيه التفهم والتأييد اللذين أصبح حكمه المطلق بدونهما عاجزاً لا حول له في مثل هذه الإصلاحات العسيرة..وآثر أفراده كنائسهم وقساوستهم وعشورهم على ضرائبه وجواسيسه وحروبه. ولم يستطيعوا وضع ثقتهم في رجل يهزأ بأساطيرهم الحبيبة، ويضايق أساقفتهم، ويذل باباهم.

وطوال هذه السنوات المرهقة بعد 1765 كان بدنه متمرداً على إرادته. فلم تقوَ معدته على هضم سرعة عدوه، وقد حذرته مراراً ودون جدوى بحاجته إلى الراحة. وأنذره الأمير دلين بأنه يقتل نفسه، وكان عليماً بهذا، ولكنه قال "وما الذي أستطيعه؟ أنني أقتل نفسي لأنني لا أستطيع أن استنفر الآخرين ليعملوا"(81). وكانت رئتاه مريضتين، وصوته ضعيفاً مكتوماً، وكان يشكو الدوالي وتدميع عينيه، والحمرة، والبواسير..وقد عرض نفسه لكل الأجواء في حربه مع الترك، وأصابته حمى الربيع كما أصابت الألوف في جيشه. وكان لا يقوى على التنفس أحياناً؛ "أن قلبي يخفق لأقل حركة"(82) وفي ربيع 1789 بدأ يتقيأ دماً-تقريباً ثلاث أوقيات في الدفعة كما كتب لأخيه ليوبولد. وفي يونيو أصيب بآلام عنيفة في كليتيه. "إنني أتبع أشد نظم التغذية صرامة فلا آكل لحماً ولا خضراً ولا مستحضرات ألبان، وغذائي الحساء والأرز"(83) ثم طلع له خراج شرجي وكان لابد من شقه هو وبواسيره بمبضع الجراح. وأصيب بالاستسقاء. فدعا ليوبولد ليحضر ويتسلم شؤون الحكم. وقال: "لست آسف على التخلي عن العرش. كل ما يحزنني أن يكون عدد الناس السعداء قلة قليلة كهذه"(84). وكتب إلى الأمير دلين "لقد قتلني وطنك. كان الاستيلاء على عنت عذابي وخسارة بروكسل هي موتي..اذهب إلى الأراضي الواطئة وأعدها إلى ملكها، فإن لم تستطع فابقَ هناك. لا تصحِ بمصالحك من أجلي فأنت أب لأطفال"(85). ثم كتب وصيته وترك الهبات السخية لخدمه وللـــ"سيدات الخمس اللاتي أطقن عشرته"(86). وتناول في استسلام أسرار الكنيسة الكاثوليكية الأخيرة وطلب الموت وفي 20 فبراير 1790 استجابت السماء وكان يومها في الثامنة والأربعين. واغتبطت فيينا برحيله وقدمت المجر الشكر لله.

أكان إنساناً فاشلاً؟ في الحرب نعم، بلا جدال. وقد وجد ليوبولد الثاني (1790-92) أن من الحكمة رغم انتصارات لاودن أن يبرم الصلح مع تركيا (4 أغسطس 1791) على أساس الوضع السابق للحرب. وإذ عجز عن تهدئة الأشراف المجريين فقد ألغى منح الحرية للأقنان. أما في بوهيميا والنمسا فقد احتفظ بمعظم الإصلاحات ولم تلغَ مراسيم الصلح، ولم تفتح الأديرة التي أغلقت، وظلت الكنيسة خاضعة لقوانين الدولة. وكان التشريع الاقتصادي قد حرر التجارة والصناعة وحفزهما. وانتقلت النمسا دون ثورة عنيفة من دولة وسيطة إلى أخرى عصرية، وشاركت في حيوية القرن التاسع عشر الثقافية المنوعة.

وكان يوزف قد كتب إلى كاونتز يقول "إنني لاقتناعي العميق بنزاهة نياتي أرجو أن يبحث الخلف بعد موتي أعمالي وأهدافي قبل أن يحكم علي وسيكون أميل وأنزه ومن ثم أكثر إنصافاً لي من معاصري"(88).

وقد اقتضى هذا البحث الخلف ردحاً طويلاً، ولكنه تعلم في النهاية أن يرى فيه-رغم أسفه على أوتقراطيته وتعجبه-أكثر "المستبدين المستنيرين" جرأة وتطرفاً وإن كان أقلهم حكمة..وبعد أن ولى رد الفعل الذي جاء في عهد مترنيخ، أعيدت إصلاحات يوزف الثاني واحداً بعد الآخر . ووضع ثوار 1848 إكليلاً من الزهور على قبره اعترافاً بفضله.