قصة الحضارة - ول ديورانت - م 10 ك 2 ف 8

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 13128

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثامن: روسو المنبوذ 1762 - 1767

الهروب

عجيب أن يفلت من الرقيب كتاب يحوي ما حوى إميل من هجوم صريح على كل شيء إلا أسس المسيحية، وأن يطبع في فرنسا. ولكن الرقيب كان مالزيرب المتسامح العطوف. وقبل أن يأذن بالنشر حث روسو على أن يحذف فقرات من المؤكد أنها تدفع الكنيسة إلى العداء النشيط. ولكن روسو رفض. ولقد نجا زنادقة آخرون من الاضطهاد لأشخاصهم بالتخفي وراء أسماء مستعارة، أما روسو فقد ذكر أسمه بشجاعة على صفحات غلاف كتبه.

وبينما ندد جماعة الفلاسفة بإميل باعتباره خيانة أخرى للفلسفة، أدانه أحبار فرنسا وقضاة باريس وجنيف باعتباره مروقاً من المسيحية. وأعد رئيس أساقفة باريس، عدو الجنسنين، للنشر في أغسطس 1762 رسالة قوية تهاجم الكتاب. وكان برلمان باريس المناصر للجنسنين مشغولاً بطرد اليسوعيين، ولكنه أراد رغم ذلك أن يبدي غيرته على الكاثوليكية، وأتاح له ظهور إميل فرصة ليضرب ضربته دفاعاً عن الكنيسة. واقترح مجلس الدولة الذي كان يخوض حرباً مع البرلمان، ويكره أن يكون دونه غيرة على سلامة العقيدة، أن يلقي القبض على روسو. فلما نمى الخبر إلى أصدقاء روسو من النبلاء نصحوه بالرحيل فوراً من فرنسا. وفي 8 يونيو بعثت إليه مدام دكريكي رسالة تشي بانفعالها. قالت: لا ريب في أن أمراً صدر بالقبض عليك. فاستحلفك بالله أن تهرب...إن حرق كتابك لن يضيرك أما شخصك فلا يطيق السجن. فاستشر جيرانك(1).

أما الحيران فكانا مرشال ومرشالة لكسمبورج. وقد خشيا أن يتورطا في الأمر لو قبض على روسو(2)، فحثاه هو وأمير كونتي على الهروب إلى سويسرا، وأعطوه مبلغاً من المال وعربة لعبر بها الطريق الطويل من فرنسا إلى سويسرا. وأذعن روسو على مضض. وترك تريز في رعاية المرشالة. وبرح مونمورني في 9 يونيو. في ذلك اليوم حضر مرسوم بالقبض عليه ولكنه نُفذ ببطء رحيم، لأن الكثيرين من رجال الحكومة سرهم أن يتركوه يهرب. وفي ذلك اليوم ذاته قال الأستاذ أومير جولي دفلوري لبرلمان باريس وهو يلوح بنسخة من إميل:

"يبدو أن هذا العمل ألف لهدف واحد هو رد كل شيء إلى الدين الطبيعي، وتطوير ذلك النظام الإجرامي في خطة المؤلف لتربية تلميذه..."

وأنه ينظر إلى جميع الأديان على أنها تستوي في الخير، وعلى أنها كلها منبعثة من مناخ الناس، وحكومتهم وطبعهم..وأنه بناء على هذا يجرؤ على هدم صحة الكتاب المقدس والنبؤات، ويقينية المعجزات الواردة في الأسفار المقدسة. وعصمة الوحي، وسلطان الكنيسة..وهو يسخر من الدين المسيحي ويجدف عليه. ذلك الدين الذي هو وحده من صنع لله.

ومؤلف هذا الكتاب الذي جرؤ على وضع أسمه عليه يجب القبض عليه بأسرع ما يمكن. ومن الأهمية لمكان، أن تجعل العدالة-من المؤلف وأولئك الذين...شاركوا في طبع هذا الكتاب وتوزيعه-مثلاً وعبرة للناس بكل صرامة.

ومن ثم فقد أمر البرلمان:

بأن يمزق الكتاب المذكور ويحرق في فناء القصر (قصر العدالة) أسف السلم الكبير، بيد كبير الجلادين، وعلى كل الذي يملكون نسخاً من الكتاب أن يسلموها إلى المسجل لإبادتها، ومحظور على الناشرين طبع هذا الكتاب أو توزيعه، وسيقبض على جميع بائعيه وموزعيه ويعاقبون طبقاً لنص القانون الصارم، ويجب القبض على ج-ج روسو وزجه في سجن الكونسيرجري في قصر العدالة(3).

وفي 11 يونيو مزق وحرق إميل كما نص الأمر، ولكن روسو كان قد وصل إلى سويسرا. أمرت الحوذي أن يقف لحظة دخولي إقليم برن وخرجت من مركبتي، وخررت على وجهي، وقبلت الأرض وصحت في غمرة فرحي: "حمداً لك أيتها السماء، حامية الفضيلة، إنني ألمس أرضاً للحرية(4)".

ولم يكن مطمئناً كل الاطمئنان. فواصل ركوبه إلى إيفردون، قرب الطرف الجنوبي لبحيرة نوشاتل، في مقاطعة برن، وهناك مكث شهراً مع صديقه القديم روجان. أيبحث عن منزل في جنيف؟ ولكن في 19 يونيو أدان مجلس الخمسة والعشرين الذي يحكم جنيف كلاً من "لإميل" و العقد الاجتماعي" لأنهما خارجان على التقوى، فاضحان، وقحان، مفعمان بالتجاديف والافتراءات على الدين. وقد جمع المؤلف تحت ستار الشك كل ما من شأنه أن يضعف المقومات الرئيسية للدين المسيحي المنزل، ويهزها ويهدمها...ويتعاظم خطر الكتابين ووجوب شجبهما لأنهما مكتوبان بالفرنسية (لا باللاتينية التي لا تعرفها غير القلة) بأسلوب شديد الإغراء، منشوران باس مواطن جنيفي(5).

وعليه فقد أمر المجلس بحرق الكتابين، وحرم بيعهما، وأصدر مرسوماً بالقبض على روسو إذا دخل يوماً ما أرض الجمهورية. ولم يتعرض قساوسة جنيف على هذا التبرؤ من أشهر أبناء جنيف الأحياء. ولا ريب في أنهم شعروا بأن أي عطف يبدونه لمؤلف "إعلان بإيمان كاهن سافوى"، سيؤكد ما كشفه دالامبير عما يبطنونه من ميول للتوحيد، وانقلب عليه يعقوب فيرن الذي ظل صديقاً له سنين كثيرة، وطالب بأن يسحب روسو أقواله. يقول روسو وهو يذكر ذلك الموقف "لو سرت بين الجماهير أي شائعة عني لأضرت بي، وقد عاملني كل مروجي الإشاعات والمتفيقهين كأنني تلميذ مهدد بالجلد لأنه لم يحسن حفظ درسه الديني(6)".

وتأثر فلوتير من موقف غريمه، فلقد قرأ إميل، وتعليقاته ما زالت ترى على نسخته المحفوظة بمكتبة جنيف. وفي خطاب مؤرخ 15 يونيو كتب عن الكتاب "إنه خليط تهرف به مرضعة بلهاء في أربعة مجلدات بها أربعون صفحة ضد المسيحية من أجرأ ما عرفنا...وهو يقول في الفلاسفة من الأشياء المؤذية قدر ما يقوله في المسيح، ولكن الفلاسفة سيكونون أكثر تسامحاً من القساوسة(7). على أية حال أعجبه "إعلان الإيمان" فقال عنه خمسون صفحة كاملة، ولكنه أضاف "من المؤسف أن يكون كاتبها...وغداً كهذا(8). وكتب إلى مدام دودفان سأحب مؤلف كاهن سافوي، مهما فعل ومهما يفعل(9)..ولما سمع أن جاك طريد لا مأوى له صاح "فليأتِ إلى هنا (إلى قريته)..يجب أن يأتي. سأستقبله بذراعين مفتوحتين. سيكون هنا سيداً أكثر مني. سأعامله كأنه أبني(10)". وبعث بدعوته إلى خمسة عناوين مختلفة, ولابد أنها وصلت إلى أحدها، لأن روسو أعرب فيما بعد عن أسفه لأنه لم يرد عليها(11). وفي 1763 جدد فولتير الدعوة، فرفضها روسو، واتهم فولتير بأنه حرض مجلس الخمسة والعشرين على إدانة "العقد الاجتماعي" و "إميل"..ولكن فولتير أنكر التهمة، وبحق فيما يبدو.

وفي بواكير يوليو 1762 أخطر مجلس الشيوخ برن روسو بأنه لا يستطيع السماح بوجوده في إقليم برن، وأن عليه أن يرحل عنه في بحر خمسة عشر يوماً وإلا واجه السجن. وتلقى خلال ذلك خطاباً رقيقاً من دالامبير ينصحه بأن يحاول الإقامة في إمارة نوشاتل، وكانت تقع في قضاء فردريك الأكبر، ويحكمها إيرل ماريشال جورج كيث، الذي قال عنه دالامبير إنه سيستقبلك ويعاملك كما كان الآباء في العهد القديم يستقبلون ويعاملون الفضيلة المضطهدة(12). وتردد روسو، لأنه كان قد انتقد فردريك زاعماً أنه طاغية في ثياب فيلسوف(13). ومع ذلك قبل في 10 يوليو 1762 دعوة ابنة أخي روجان مدام دلاتور، بأن ينزل بيتاً تملكه. موتييه-ترافير، على خمسة عشر ميلاً جنوب شرقي مدينة نوشايل في بقعة سيصفها بوزويل بأنها وادٍ بري بديع تحيط به الجبال الشاهقة(14). وحوالي 11 يوليو تقدم جان-جاك بالتماس إلى الحاكم، وبما تميز به من تواضع وإباء. كتب إلى: (ملك بروسيا).

"لقد قلت فيك الكثير من السوء، وأغلب الظن أني قائل فيك المزيد منه؛ ولكنني أنا مطارد من فرنسا ومن جنيف، ومن مقاطعة برن، جئت ألتمس ملجأ وفي ولايتك...سيدي، لم أستحق منك فضلاً، ولا أطلب فضلاً، ولكنني أحسست بأن من واجبي أن أصرح لجلالتك بأنني في قبضتك، وأنني شئت أن أكون كذلك، ولجلالتك أن تتصرف معي كما تشاء".

وكتب فردريك إلى كيث في تاريخ غير مؤكد، وهو لم يفرغ بعد من حرب السنين السبع: "يجب أن ننقذ هذا الشقي المسكين. فذنبه الوحيد أن له آراء غريبة يحسبها سديدة، سأرسل إليك مائة كروان، فتفضل بإعطائه منها ما يحتاج إليه. وأظنه سيقبلها عيناً بأسهل مما يقبلها نقداً، ولولا أننا نخوض حرباً، ولولا أننا أفلسنا، لبنيت له كوخاً بحديقة حيث يستطيع العيش كما عاش في ظني آباؤنا الأولون....أظن أن روسو المسكين قد أختار المهنة الخطأ، فواضح أنه ولد ليكون ناسكاً مشهوراً،وأباً من آباء البرية يشتهر بنسكه وجلده لجسده. ختاماً أقول أن نقاء أخلاقيات صاحبك المتوحسن يعدل عدم منطقية عقله(15)".

أما المريشال، الذي يقول روسو إنه قديس بخيل، عجوز، شارد الذهن، فقد أرسل إليه الزاد والفحم والخشب، وأقترح أن يبني له بيتاً صغيراً. وفسر جان-جاك هذا العرض بأنه آتٍ من فردريك، فرفضه، "ولكن منذ تلك اللحظة تعلقت به تعلقاً صادقاً حتى أصبحت أهتم الآن بمجده قدر ما كنت أرى انتصاراته إلى ذلك الحين ظالمة(16). وفي أول نوفمبر، والحرب قاب قوسين من نهايتها، كتب إلى فردريك يصف مهام السلم: "مولاي:

أنت حامي وولي نعمتي، وأن لي لقلباً خلق ليعرف الجميل، وأريد أن أبرئ نفسي معك إن استطعت. تريد أن تعطيني الخبز، أفليس بين رعاياك من يعوزه الخبز؟ أبعد عن عيني ذلك السيف الذي يومض ويجرحني...أن سيرة الملوك الذين أوتوا همتك عظيمة، وأنت لا تزال بعيداً عن ساعة منيتك، ولكن الوقت كالسيف، وليس أمامك لحظة واحدة تضيعها. أو تستطيع أن تعتزم الموت دون أن تكون أعظم الرجال قاطبة.

ولو أتيح لي يوماً أن أرى فردريك العادل المرهوب يملأ بلاده في نهاية المطاف بشعب سعيد سيكون أباً له، إذن لذهب جان-جاك روسو عدو الملوك، ليموت فرحاً في أسفل عرشه(17)".

ولم يرد فردريك رداً وصل إلينا علمه، ولكن حين ذهب كيث إلى برلين أخبره الملك بأنه تلقى توبيخاً من روسو(18).

وحين خيل لجان-جاك أنه ضمن بيتاً يقيم فيه، أرسل إلى تريز لتلحق به. ولم يكن واثقاً من أنها ستأتي، لأنه أحس قبل ذلك بزمن طويل بفتور محبتها له، وعزا هذا إلى توقفه عن الاتصال الجنسي بها، لأن "الاتصال بالنساء كان يؤذي صحتي(19)". فلعلها الآن تؤثر باريس على سويسرا. ولكنها حضرت. وكان لقاء ذرفا فيه الدموع وتطلعا أخيراً إلى بضع سنين ينعمان فيها بالسلام.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

روسو ورئيس الأساقفة

ولكن السنوات الأربع التالية كانت أشقى ما لقيا. ذلك أن قساوسة نوشاتل الكلفنين أدانوا روسو علانية بالهرطقة، وحظر القضاة بيع "إميل". واستأذن روسو راعي الكنيسة في موتيه في أن ينضم إلى شعب كنيسته، ربما ليهدئ ثائرة القساوسة، أو مدفوعاً برغبة صادقة في أتباع مبادئ كاهن سافوي، (أما تريز فظلت كاثوليكية)، فقبل واختلف إلى الكنيسة للصلاة، وتناول القربان "بعاطفة من القلب، وعيناي تملؤها دمع الحنان(20)". وأعطى الساخرين منه سلاحاً باتخاذ الزي الأرمني-قلنسوة من فراء، وقفطان، وحزام. وأتاح له الروب الطويل أن يستر آثار حصر البول الذي ابتلي به. وكان يختلف إلى الكنيسة في هذا الزي، وارتداه وهو يزور اللورد كيث، الذي لم يعلق عليه إلا بتحيته بعبارة (السلام عليكم). وواصل الإضافة إلى دخله بنسخ الموسيقى، ثم أضاف أليها الآن أشغال الإبرة، وتعلم صناعة الدنتلا. كنت أحمل كالنساء مخدتي في زياراتي، أو أجلس لأشتغل بالإبرة عند باب بيتي.. وأتاح لي هذا أن أنفق وقتي مع جاراتي دون أن أحي مللاً..(21).

وأغلب الظن أن الناشرين أقنعوه في هذه الفترة (أواخر 1762) بأن يبدأ كتابه "اعترافات" وكان قد أقسم أن يعتزل التأليف، ولكن هذا لن يكون تأليفاً بقدر ما هو دفاع عن خلقه وسلوكه ضد عالم من الخصوم، لا سيما ضد تهم جماعة الفلاسفة وشائعات الصالونات. أضف إلى ذلك أنه كان مضطراً إلى الرد على عدد كبير من مختلف الرسائل. وقدم له النساء على الأخص بخوراً معزباً من إعجابهم الشديد، لا لتعاطفهن فحسب مع المؤلف المطارد لرواية مشهورة، بل لأن نفوسهن كانت تهفو للرجوع إلى الدين، ولم يرين في "كاهن سافوي" وصانعه عدواً حقيقياً للدين، بل المدافع الشجاع ضد إلحاد يشيع الكآبة في النفوس. لمثل هؤلاء النساء ولرجال عديدين، غدا أب الاعتراف، ومرشداً للنفوس الضمائر. وقد نصحهم بأن يقيموا على دين شبابه أو يعودوا إليه، ضاربين صفحاً عن كل الصعوبات التي يوحي بها العلم الفلسفة. فتلك العجائب البعيدة التصديق ليست هي الجوهر، ولا ضير في تنحيتها في صمت، إنما العبرة بالإيمان بالله وبالخلود، فبهذا الأيمان والرجاء ستطيع الإنسان أن يتسامى فوق كل كوارث الطبيعة التي لا تفهم، وكل آلام الحياة وأحزانها. وطلب كاثوليكي شاب متمرد على دينه تعاطف روسو، فأجابه روسو ناسياً تمرداته ألا يهتم كثيراً بالتوافه العارضة. "لو أنني ولدت كاثوليكياً لظللت كاثوليكياً، علماً بأن كنيستك تضع قيداً صحيحاً على شطحات العقل الذي لا يجد قراراً ولا شاطئاً حين يريد سبر أعماق الأشياء السحيقة(22)". وأشار على جل طلاب الحكمة هؤلاء بالهروب من المدينة إلى الريف، ومن التكلف والتعقد إلى البساطة الطبيعية للحياة، والرضا الهادئ بالزواج والأبوة.

وأحبت النساء اللاتي صدمهن القساوسة المتعلقون بالحياة الدنيا ورؤساء الدين المتشككون، هذا المهرطق الزاهد الذي ندد به جميع الكنائس، وإن اقتصر هذا الحب على الرسائل. فقالت مدام دبلو، النبيلة المحترمة، لجماعة من النبلاء والنبيلات، "ما من شيء يمنع امرأة ذات حس مرهف صادق من تكريس حياتها لروسو إلا أسمى ضروب العفة، لو كانت واثقة من أنه سيحبها حباً حاراً(32). وحسبت مدام دلاتور بعض ما جاء في خطاباته لها من مجاملات اعترافاً بالحب، فاستجابت في رقة وحرارة وتدفق وبعثت إليه بصورتها، مؤكدة أنها لا تنصفها. وابتأست حين أجاب بهدوء رجل لم يرها قط(24). إلا أن معجبات أخريات تمنين لو قبلن الأرض التي يمشي عليها، وأقامت بعضهن مذابح له في قلوبهن، ودعاه بعضهن المسيح المولود من جديد. وكان يصدقهن أحياناً، ورأى في نفسه المؤسس المطلوب لدين جديد(25). وسط هذا التمجيد كله، أثار الشعب عليه كاهن أعلى من كهنة التمويل (الهيكل)-كأنما لتأكيد القياس-ليدينوه ثائراً خطراً. ففي 20 أغسطس 1762 أصدر كرستوف دبومون، رئيس أساقفة باريس، رسالة لجميع الكهنة في أسقفيته ليقرئوا على شعبهم، ويعلنوا على الملأ، اتهامه لإميل ذات التسع والعشرين صفحة. وكان رجلاً صارم العقيدة طاهر السمعة، حارب الجانسنيين والموسوعية والفلاسفة؛ وبدا له الآن أن روسو، بعدما ظهر من انفصاله عن الملحدين، صد أنظم إليهم في مهاجمة الإيمان الذي يرتكز عليه في رأي رئيس الأساقفة نظام فرنسا الاجتماعي كله وحياتها الأخلاقية بأسرها.

واستهل اتهامه بالاستشهاد لما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس:

"ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم..متعظمين، مستكبرين، مجدفين..غير طائعين لوالديهم متصلفين، محبين للذات، دون محبة الله...أناس فاسدة أذهانهم ومن وجهة الإيمان مرفوضون(26)". وهاهي قد جاءت تلك الأزمنة ما في ذلك شك:

"إن الكفر الذي تشجعه جميع الشهوات يلبس كل لبوس ليكيف نفسه على نحو ما وفق جميع الأعمار، والأشخاص والطبقات...فقد يستعير أسلوباً خفيفاً لطيفاً لعوباً، ومن هنا الحكايات الكثيرة التي تستوي بذاءة وزندقة (روايات فولتير)، وترفه عن الخيال لأنها غواية للعقل ومفسدة للقلب. وقد يدعي الرجوع إلى الأصول الأولى للمعرفة متظاهراً بعمق آرائه وسموها، ويزعم له سنداً إليها، لكي يخلع نيراً يقولون إنه يجلل البشر بالعار. وقد يعلوا صوته كأنه امرأة غضبى فيهاجم الغيرة الدينية، ومع ذلك يبشر بالتسامح الشامل بحماسة. وقد يمزج الجد بالهزل في جمعه بين هذه الأساليب الكلامية المختلفة، ويخلط الحكم بالفحش، والحقائق الكبيرة بالأخطاء الكبيرة، والإيمان بالتجديف، ويأخذ على عاتقه-باختصار-التوفيق بين النور والظلمة، وبين المسيح وبليعال"(27).

وقال رئيس الأساقفة أن هذه الطريقة لجأ إليها إميل بصفة خاصة، فهو كتاب حفل بلغة الفلسفة دون أن يكون فلسفة حقاً، وطفح بنتف من المعرفة لم تثر المؤلف، وكل ما تفعله أنها تربك قراءه لا محالة. أنه رجلٌ مولع بمفارقات الآراء والسلوك، يجمع بين بساطة العادات وخيلاء الفكر، بين الحكم القديمة وجنون التجديد؛ وبين احتجاب عزلته ورغبته في أن تعرفه الدنيا بأسرها. إنه يندد بالعلوم، ثم يصادقها. إنه يمتدح روعة الإنجيل، ثم يدمر تعاليمه. لقد أقام نفسه معلماً للنوع الإنساني ليخدعه، ومرشداً للشعب ليضل العالم، ونبياً للقرن ليهدمه، فيالها من مغامرة(28).

وهال رئيس الأساقفة ما أقترحه روسو من إغفال ذكر الله أو يدين لإميل حتى يبلغ الثانية عشرة أو حتى الثانية عشرة، فمعنى هذا أن "الطبيعة كلها تكون قد تحدثت عبثاً بعظمة الخالق..وأن كل تعليم خلقي سيفقد مساندة الإيمان الديني. ولكن الإنسان ليس بطبيعته خيراً كما زعم المؤلف. فهو يولد ملوثاُ بالخطيئة الأصلية، وهو يشارك في إفساد البشرية العام. والمعلم الحكيم-وخير المعلمين كاهن ترشده النعمة الإلهية-يتوسل بكل وسيلة سليمة ليغذي دوافع الخير في الناس، ويقتلع دوافع الشر، ومن ثم فهو يطعم الطفل بلبن الدين الروحي، لكي ينمو نحو الخلاص..وبهذا التعليم وحده يمكن أن يغدو الطفل عابداً مخلصاً للإله الحق ، وواحداً من رعايا الملك الأوفياء(29). وأن الكثير من الخطايا والجرائم ليظل باقياً حتى بعد هذا التعليم المجتهد، فما بالك بها إذا حرم الطفل منه. إن سيلاً عارماً من الشر يغرق في هذه الحالة(30)".

وقال رئيس الأساقفة في ختام كلامه إنه لهذه الأسباب:

"بعد استشارة عدة أشخاص عرفوا بورعهم وحكمتهم، وبعد التضرع لاسم الله القدوس، ندين هذا الكتاب لأنه يحوي تعليماً بغيضاً من شأنه أن يقلب القانون الطبيعي وأسس الدين المسيحي، وأن يرسي مبادئ تناقض تعليم الأناجيل الخلقي، وينحوا إلى تكدير سلام الدول. وتزعم الثورة على سلطان الملك، ولأنه يتضمن الكثير جداً من الدعاوى الباطلة المفترية المفعمة بالحقد على الكنيسة ورعاتها..لذلك نحظر صراحة على جميع الأشخاص في أسقفيتنا أن يقرؤوا الكتاب المذكور أو يقتنوه، وإلا وقعوا تحت طائلة العقاب(31)".

وطبع هذه الرسالة "بامتياز الملك" وسرعان ما وصلت إلى موتيه-ترافير. وقرر روسو أن يرد عليها، وهو الذي كان على الدوام مصمماً على الكف عن الكتابة. وقبل أن يضع قلمه (18 نوفمبر 1762) كان قد أطلق له العنان حتى بلغ الرد 128 صفحة، وطبع بأمستردام في مارس 1763، بهذا العنوان: "من جان-جاك روسو المواطن الجنيفي إلى كرستوف ديمومون رئيس أساقفة باريس". وسرعان ما أدانه برلمان باريس ومجمع جنيف. ورد روسو على الهجوم الذي شنه عليه مذهلا أوربا الكبيران بالهجوم عليهما جميعاً. وراح الرومانسي الخجول الذي نبذ من قبل جماعة الفلاسفة يكرر الآن حججهم بجرأة مستهترة.

وأستهل رده بسؤال ما زال يسأله جميع الخصوم بعضهم لبعض في هذا الجدل الذي لا ينتهي. "لم يتحتم عليّ أن أقول أي شيء لك يا صاحب النيافة؟ وأي لغة مشتركة يمكننا أن نتحدث بها، وكيف نستطيع أن يفهم الواحد منا الآخر(32)؟ وأبدى أسفه لأنه ألف كتاباً على الإطلاق، وهو لم يفل إلا حين بلغ الثامنة والثلاثين، وقد جره إلى هذه الغلطة أنه لاحظ مصادفة ذلك "السؤال التعس" الذي وجهته أكاديمية ديجون، ودفعه نقاد المقال إلى الرد عليهم، ثم أفضى كل جدل إلى جدل جديد...فألفيتني، إن جاز التعبير أغدو مؤلفاً في سن يهجر فيها المؤلفون التأليف عادة..ومنذ ذلك الحين إلى اليوم اختفت الراحة والأصدقاء(33)". وزعم أنه في حياته كلها كان:

"أكثر حماسة مني استفادة..ولكني كنت مخلصاً في كل شيء..بسيطاً طيعاً، وإن كنت مرهف الحس ضعيفاً أفعل الشر كثيراً وأحب الخير دائماً..أتبع عواطفي أكثر من مصالحي..أخشى الله دون أن أخشى الجحيم..أجادل في الدين ولكن دون إباحة. لا أحب الكفر ولا التعصب، ولكن أمقت المتعصبين أكثر مما أمقت الملحدين..وأعترف بأخطائي لأصدقائي وأعلن آرائي للعالم كله(34)".

وأحزنته إدانة الكاثوليك لإميل أقل مما أحزن إدانة الكلفنين. فهو الذي كان يعتز بلقبه "مواطناً جنيفياً" هرب من فرنسا أملاً في أن يتنفس في مسقط رأسه نسيم الحرية، وأن يجد من الترحيب ما يعزيه عما لقي من إذلال كثير. أما الآن "فمادا أقول؟ إن قلبي ينفلق؛ ويدي ترتعد، والقلم يسقط منها، وعليّ أن أصمت..ويجب أن أجتر في الخفاء أشد أحزاني مرارة(35). فها هو الرجل الذي اجترأ في قرن اشتهر بالفلسفة، والعقل والإنسانية، على أن يدافع عن قضية الله، هاهو قد وسم؛ وحرم وطورد من بلد إلى بلد، ومن ملجأ إلى ملجأ، دون اكتراث لفقره، ولا رحمة لأمراضه" ثم وجد ملاذاً آخر الأمر عند "ملك مستنير ذائع الصيت" وانزوى في قرية صغيرة رابضة بين جبال سويسرا، ظاناً أنه في النهاية، واجد العزلة والهدوء، ولكن طاردته حتى هناك لعنات الكهنة..أن رئيس الأساقفة هذا "الرجل الفاضل، النبيل النفس، الكريم المحتد"، كان ينبغي أن يوبخ هؤلاء المضطهدين، ولكنه بدلاً من هذا أصدر الأذن في غير خجل، "وهو الذي كان يجب أن يدافع عن قضية المظلومين(36).."

وأحس روسو أن أشد ما ساء رئيس الأساقفة هو تعليم روسو أن الناس يولدون أخيار، أو غير أشرار على الأقل، وقد أدرك بومون أنه لو كان هذا حقاً، ولو لم يكن الإنسان ملوثاً منذ مولده بوراثته خطيئة آدم وحواء، لسقط التعليم بكفارة المسيح، وهذا لتعليم لب العقيدة المسيحية. ورد روسو بأن تعليم الخطيئة الأصلية لم يذكر بوضوح في أي مكان من الكتاب المقدس. وقد أدرك أن رئيس الأساقفة قد صدمه الاقتراح بتحايل تعليم الدين، فرد بأن تربية الأطفال على أيدي الراهبات والقساوسة لم تقلل من الخطيئة أو الجريمة، فهؤلاء الأطفال بعد أن يكبروا يفقدون خوفهم من الجحيم، ويؤثرون لذة صغيرة حاضرة على الجنة التي وعدوا بها. ثم ما بال هؤلاء القساوسة أنفسهم-أتراهم نماذج للفضيلة في فرنسا المعاصرة(37)؟ ومع ذلك "فأنا مسيحي، مسيحي بإخلاص، طبقاً لتعليم الإنجيل، لا مسيحي متلمذ للقساوسة، بل تلميذ للمسيح". ثم أضاف روسو وعينيه على جنيف "إنني في سعادة بالولادة في أقدس وأعقل دين في الأرض، ما زلت متعلقاً تعلقاً لا انفصام فيه بأيمان آبائي. وأنا مثلهم أتخذ من الأسفار المقدسة والعقل القواعد الوحيدة بأيماني(38)..." وأحس بلوم من أخبروه بأنه "مع أن كل أصحاب العقول الذكية يفكرون كما تفكر، فأنه ليس من الخير أن يفكر العوام على هذا النحو".

"ذلك ما يتصايحون به عليّ من كل جانب، ولعله ما كنت نفسكَ قائله لي لو كنا وحيدين في مكتبك. هكذا الناس، فهم يغيرون لغتهم مع ملابسهم، ولا يقولون الحق إلا وهم في أروابهم، أما في ثيابهم التي يبدون فيها أمام الناس فلا يعرفون إلا أن يكذبوا. وهم ليسوا مخادعين غشاشين أمام وجوه البشر فحسب، بل إنهم لا يخجلون من أن يعقبوا كل من يأبون أن يكونوا غشاشين كذابين علانية مثلهم، مخالفين في ذلك ضمائرهم(39)".

وهذا الخلاف بين ما نؤمن به وما نبشر به هو سر الفساد في الحضارة العصرية. أن هناك تحيزات ينبغي أن نحترمها على ألا تحيل التربية إلى خداع هائل وتقوض الأساس الخلقي للمجتمع(40). فإذا أصبحت هذه التحيزات قتالة فهل نسكت على جرائمها؟

"لست أقول، ولا أرى، أن الدين الحسن لا وجود له...ولكن الذي أقول له....أنه ما من دين من الأديان التي سادت لم يثخن الإنسانية بالجراح. وكل المذاهب عذب بعضها بعضاً وكلها قدم لله قربان الدم البشري. وأياً كان مبعث هذه التناقضات فهي قائمة، فهل من الإجرام الرغبة غب إزالتها(41)؟".

وقبيل ختام رده دافع روسو عن إميل دفاع المحب المتيم بكتابه، وتسائل لم لم يقم لمؤلفه تمثال. "هبني ارتكبت بعض الأخطاء، لا بل كنت دائماً مخطئاً، أفلا شفاعة لكتاب يشعر المرء في كل جزء فيه-حتى في أغلاطه وحتى في الضرر الذي قد يكون فيه-بالحب الصادق للخير وبالغيرة على الحق؟..كتاب لا يشع غير السلام، واللطف، والصبر، وحب النظام، وطاعة القوانين في كل شيء، حتى في أمر الدين. كتاب تؤكد فيه قضية الدين تأكيداً رائعاً، وتحترم فيه مكارم الأخلاق احتراماً كبيراً....ويصور الشر فيه على أنه حماقة، والفضيلة على أنها شيء محبب للنفوس...أجل، إنني لا أخشى أن أقولها..فلو أن في أوربا حكومة وحدة مستنيرة حقاً .. لخلعت على مؤلف إميل أسباب التشريف العلنية، ولأقامت له تمثالاً...ولكن خبرتي الكبير بالبشر تمنعني من أن أتوقع تقديراً كهذا وأنا لم أعرفه معرفة تكفي لأن أتوقع ذلك الذي أتوه".

ولكنهم أقاموا له التماثيل.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

روسو والكلفنيون

لم يبتهج بخطاب روسو الذي وجهه إلى كرستوف بومون غير بعض أحرار الفكر في فرنسا وبعض المتمردين السياسيين في سويسرا. وجاءت من البروتستنت معظم الردود "المفندة" لدعاوى روسو والموجه إلى المؤلف. ورأى قساوسة جنيف الكلفنيون في الخطاب هجوماً على المعجزات وتنزيل الكتاب المقدس، والإغضاء عن هذه الهرطقات معناه التمهيد من جديد للخطر الذي عرضهم له دالامبير. وغضب روسو من إحجام الأحرار الجنيفيين عن الجهر بالدفاع عنه، فأرسل (12 مايو 1763) إلى مجلس جنيف الكبير يتخلى عن مواطنته. وقد حضي عمله هذا ببعض التأييد المسموع في 18 يونيو رفع وفد إلى الرئيس الأول للجمهورية "احتجاجاً غاية في التواضع والاحترام من مواطني جنيف وسكان مدنها" شكا فيما شكا من مظالم، من أن الحكم الصادر على روسو غير قانوني، وأن مصادرة نسخ إميل من مكتبات جنيف كانت عدواناً على حقوق الملكية. ورفض مجلس الخمسة والعشرين الاحتجاج وفي سبتمبر أصدر المدعي العام، جان روبير ترونشان (أبن عم طبيب فولتير)، خطابات مكتوبة من الريف "للدفاع عن إجراءات المجلس المختلف عليها. وناشد "المحتجون" روسو الرد على ترونشاني. وإذ لم يكن بروسو أي نية في البعد عن الشر، فقد نشر (ديسمبر 1764) تسعة "خطابات مكتوبة من الجيل"-وهي رد من بيته الجبلي على أوليجاركية السهل الجنيفي. وكان ساخطاً أشد السخط على القساوسة والمجلس جميعاً، فهاجم الكلفنية كما هاجم الكاثوليكية، وأحرق بذلك معظم جسور من خلفه.

وقد وجه الخطابات من الناحية الشكلية لزعيم المحتجين. واستهلها بتناول الأذى الذي لحق به من جراء الإدانة المتعجلة لكتبه وشخصه، دون أن تتاح له أي فرصة للدفاع. واعترف بعيوب كتبه. "لقد وجدت أنا نفسي الأخطاء الكثيرة فيها. ولست أشك في أن غيري قد يرون فيها أخطاء أكثر وأنه ما زالت هناك أخطاء أخرى لم أدركها لا أنا ولا غيري...فبعد الاستماع إلى الطرفين سيحكم الجمهور..وسينجح الكتاب أو يسقط وتنتهي القضية عند هذا(43). ولكن أكان الكتاب مؤذياً؟ أيمكن أن يقرأ إنسان "هلويز الجديدة" "وإعلان إيمان كاهن سافوي" ثم يعتقد حقاً أن مؤلفها قصد هدم الدين؟ صحيح أن الكتابين حاولا تدمير الخرافة لأنه شر بلاء رزئت به البشرية، ولأنها محنة الحكماء وأداة الطغيان(44). ولكن ألم يؤكد ضرورة الدين؟ إن المؤلف يتهم بعدم إيمانه بالمسيح، وهو مؤمن بالمسيح ولكن بطريقة مختلفة عن طريقة متهميه. إننا نعترف بسلطان المسيح، لأن فكرنا يوافق على تعليمه ولأننا نجدها تعاليم سامية. ونحن نسلم بالوحي منبثقاً من روح الله، دون أن نعرف كيف..وإذ نقر بسلطان إلهي في الإنجيل، فإننا نؤمن بأن المسيح بشر بهذا السلطان، ونحن نقر بفضيلة في سلوكه تفوق فضيلة البشر، وبحكمة في تعاليمه تفوق حكمة البشر".

وأنكر الخطاب الثاني حق مجلس مدني في الحكم في قضايا الدين (ناسيا العقد الاجتماعي). وفي إدانة إميل انتهاك لمبدأ أساسي من مبادئ حركة الإصلاح البروتستنتي، وهو حق الفرد في أن يفسر الكتاب المقدس لنفسه(45).

"لو برهنت لي اليوم في مسائل الدين مضطراً للإذعان لقرارات غيري، فسأتحول إلى الكاثوليكية غداً(46)". وسلم روسو بأن دعاة الإصلاح البروتستنتي أصبحوا بدورهم مضطهدين للتفسير الفردي(47). ولكن هذا لا يبطل المبدأ الذي لولاه لكانت ثورة البروتستنت على السلطة البابوية ظالمة. واتهم القساوسة الكلفنيين (باستثناء راعي) بأنهم اعتنقوا روح الكاثوليكية المتعصب، ولو كانوا أوفياء لروح الإصلاح البروتستنتي لدافعوا عن حقه في نشر تفسيره الخاص للكتاب المقدس. وجاد الآن بكلمة ثناء على رأي دالامبير في قساوسة جنيف:

"أن أحد الفلاسفة يلقي عليهم نظرة عجلى، ثم يتغلغل إلى أعماقهم، فيريهم أنهم أريوسيون، سوسينيون، فيقول هذا، ويحسب أنه بهذا القول يشرفهم ولكنه لا يدرك أنه يعرض مصالحهم الدنيوية للخطر، وهو الأمر الوحيد الذي يقرر على العموم إيمان البشر في هذه الدنيا(48)".

وفي الخطاب الثالث تناول اتهامه برفض المعجزات. فنحن إن عرفنا المعجزة بأنها خرق لقوانين الطبيعة، فلن نستطيع أبداً أن نعرف هل الشيء معجزة أم غير معجزة، لأننا لا نعرف كل قوانين الطبيعة(49). فحتى في ذلك العصر كان كل يوم يشهد معجزة جديدة يحققها العلم، لا مخالفاً بذلك قوانين الطبيعة، بل بفضل معرفته بها معرفة أعظم.

كان الأنبياء في قديم الزمان يستنزلون النار من السماء بكلمتهم، أما اليوم فالأطفال يفعلون هذا بقطعة صغيرة من الزجاج (المشتعل). إن يشوع أوقف الشمس، وأي واضع للتقاويم يستطيع الوعد بمثل هذه النتيجة إذا حسب كسوف الشمس(50). وكما أن الأوربيين الذين يجرون عجائب كهذه بين الهمج يعدهم هؤلاء آلهة، فكذلك معجزات الماضي-حتى معجزات المسيح-ربما كانت نتائج طبيعية فسرتها الجماهير خطأ بأنها تعطيلات إلهية للقانون الطبيعي(51). ولعل لعازر الذي أقامه المسيح من بين الأموات لم يكن في حقيقة الأمر ميتاً. ثم، كيف أن تثبت معجزات معلم صدق تعليمه، إذ كان معلمو التعاليم المعتبرة عموماً تعاليم كاذبة قد أجروا معجزات قيل إنها أيضاً حقيقية، كما حدث حين بارى سحرة مصر هارون في تحويل هارون في تحويل العصي إلى حيات؟(52). أن المسيح حذر من "المسحاء الكذبة" الذين يعطون آيات عظيمة وعجائب(53).

كان روسو قد بدأ خطاباته بغرض مساعدة المحتجين من رجال الطبقة الوسطى، ولم يطلب توسيعاً لحق الانتخاب في اتجاه ديمقراطي، لا بل إنه في الخطاب الرابع يلتزم بالرأي بأن الأرستقراطية المنتخبة هي خير أشكال الحكم، وأكد لحكام جنيف أن المثل الأعلى الذي رسمه في "العد الاجتماعي" كان في صميمه متفقاً مع الدستور الجنيفي(54). ولكن في الخطاب السابع أخبر أصدقاءه من البرجوازية المحتجة أن الدستور لا يقر سيادة المواطنين ذوي الحقوق الانتخابية إلا خلال الانتخابات للمجلس العام ومؤتمره السنوي، أم في باقي السنة فالمواطنون مجردون من السلطة. وفي تلك الفترة الطويلة كلها يكون مجلس الخمسة والعشرين الصغير هو الحكم الأعلى في القوانين، وفي مصير جميع الأفراد تبعاً لذلك، والواقع أن المواطنين والبرجوازيين الذين يبدون أصحاب سيادة في المجلس العام، يصبحون بعد فضه عبيداً لسلطة استبدادية بغير دفاع لرحمة خمسة وعشرين مستبداً(56).

وكان هذا أقرب إلى الدعوة للثورة. ولكن روسو استنكر هذا الملجأ الأخير. ففي خطابه الأخير أثنى على البرجوازية باعتبارها أعقل طبقة في الدولة، وأكثرها حباً للسلام، محصورة بين طبقة أشراف غنية ظالمة، وجماهير متوحشة غبية(57). ولكنه نصح المحتجين بالصبر والمصابرة، وبأن يركنوا إلى العدالة والزمن لينصفاهم من مظالمهم.

وأغضبت "خطابات الجبل" هذه أعداء روسو وساءت أصدقاءه..وأفزعت هرطقاته القساوسة الجنيفيين، وزادهم فزعاً ادعاؤه أنهم يشاطرونه إياها. فأنقلب الآن عنف على القساوسة الكلفنيين ورماهم بأنهم "رعاع غشاشون، بطانة غبية، وذئاب مسعورة". "وأعرب عن إيثاره للكهنة الكاثوليك البسطاء في القرى والمدن الفرنسية(58). ولم يستعن "المحتجون" بالخطابات في حملتهم الناجحة لنيل المزيد من السلطة السياسية؛ واعتبروا روسو حليفاً خطراً لا يركن إليهم، فاعتزم ألا يشارك بعدها بأي نصيب في السياسة الجنيفية".


روسو وفولتير

كان قد تساءل في الخطاب الخامس، لم لم يوحِ "المسيو فولتير" الذي "طالما زاره" أعضاء المجلس الجنيفيون، لهم "بروح التسامح تلك التي لا يني عن التبشير بها، والتي يحتاج هو إليها أحياناً؟ وأجرى على لسان فولتير حديثاً خيالياً(59) يحبذ فيه حرية الكلام للفلاسفة بحجة أن قلة لا تُذكر هي التي تقرأ لهم. وكان تقليده لأسلوب فولتير الخفيف الرشيق بارعاً. ولكنه صور حكيم فرنيه معترفاً بتأليفه لكتاب نشر حديثاً اسمه "عظة الخمسين" وكان فولتير أنكر أبوته غير مرة لأنه زخر بالهرطقات. ولا ندري أكان كشف روسو للسر متعمداً خبثاً؟ على أي حال هذا ما رآه فولتير، وحنق منه أشد الحنق، لأنه عرضه لإمكان طرده من فرنسا من جديد، في الوقت الذي كان مستقراً فيه في فرنية.

وصاح حين قرأ الخطاب الواشي "يا للمجرم! يا للوحش! كان يجب أن أضربه بالنبوت-نهم، سآمر بضربه بالنبوت في جباله عن ركبتي مربيته؛" وقال متفرج "أرجو أن تهدئ روعك، لأني أعلم أن روسو ينوي أن يزورك، وسيكون في فرنية قريباً جداً"..وصاح فولتير وقد بدت عليه نية الأذى "آه، فليأتِ فقط". "ولكن كيف ستستقبله؟".

"سأقدم له العشاء، وأعطيه فراشي، وأقول له هاك عشاء طيباً، وهاهو أفضل فراش في البيت؛ فتفضل بقبول الاثنين وانعم بالسعادة هنا(60)".

ولكن روسو لم يحضر. وثأر فولتير لنفسه بإصداره (31 ديسمبر1764) كتيباً بقلم مجهول، سماه "عواطف المواطنين" هو لطخة من أشد اللطخ التي تلوث خلقه ومهنته سواداً. ولا بد من نقل ما جاء به ليصدق القارئ:

"أننا نرثي للأحمق، ولكن حين تستحيل حماقته جنوناً فأننا نوثق رباطه. ذلك أن التسامح-وهو فضيلة-يصبح عنها رذيلة.....لقد غفرنا لهذا الرجل رواياته، التي آذى فيها اللياقة والحياء كما آذى المنطق السليم. وحين خلط الدين بقصصه، اضطر قضاتنا إلى محاكاة قضاة باريس....وبرن...واليوم ألا يفرغ الصبر حين ينشر كتاباً جدياً يعتدي فيه اعتداءاً مجنوناً على الدين المسيحي، وعلى الإصلاح البروتستنتي الذي يدعيه، وعلى كل خدام الإنجيل المقدس وكل هيئات الدولة؟-إنه يقول بجلاء، وبسمه صراحة، ليس في الإنجيل معجزات نستطيع أخذها حرفياً دون أن نطلق عقولنا...."

"أهو عالم يجادل العلماء؟ لا...بل رجل مازال يحمل آثار فجوره المخزية...ويجر معه من بلد إلى بلد، ومن جيل إلى جيل، المرأة التعسة التي كان سبباً في موت أمها، والتي ألقى بأطفالها على باب مستشفى...جاحداً كل مشاعر الطبيعة، كإنكاره لمشاعر الشرف والدين..."

"أيريد أن يطيح بدستورنا بتشويهه، كما يريد أن يطيح بالمسيحية التي يدعيها؟ يكفي أن ينذر بأن المدينة التي يزعجها تنكره......فإذا ظن أنها تمتشق الحسام (أي تقوم بثورة) بسبب (إدانة) إميل، فليضف هذه الفكرة إلى سخافاته وحماقاته..ولكن يجب أن يخبر بأننا إن ترفقنا في عقاب رواية فاجرة، فإننا سنقسو في عقاب خائن لئيم(61)".

وكان هذا الكلام فعلة مخزية لا يشفع لها غضب فولتير ولا أمراضه ولا شيخوخته، (وكان الآن في السبعين). لأعجب إذا كان روسو لم يصدق قط (وحتى في يومنا هذا لا نكاد نصدق) أن فولتير هو كاتبه، بل نسبه إلى القس الجنيفي فيرن، الذي أكد عبثاً أنه ليس كاتبه. وأذاع روسو في لحظة من أجمل لحظاته رداً على "العواطف" (يناير 1765):

"أريد أن أدلي ببساطة بالتصريح الذي يبدو أنه مطلوب مني بهذا المقال. فما من علة صغيرة أو كبيرة، كما يدعي المؤلف، قد لوثت قط جسدي. والعلة التي أصابتني ليس هناك أدنى شبه بينها وبين تلك المشار إليها فقد ولدت معي، ويعرف الذين رعوني في طفولتي، الباقون على قيد الحياة. وهي معروفة للسيدات مالوان، وموران، وتيري، وداران...فإذا وجدن في هذه العلة أقل أمارة من أمارات الفجور، فأني أرجوهن أن يلعنني ويفضحنني..والمرأة العاقلة التي يقدرها العالم، والتي تعنى بي في كوارثي..لا يشقيها إلا مشاطرتها لشقائي. أما أمها فهي في الواقع فياضة بالحياة، وفي صحة سابغة، رغم شيخوختها (فقد عمرت إلى الثالثة والتسعين). ولم ألق قط، ولا تسببت في إلقاء على باب مستشفى ولا في أي مكان آخر...ولن أزيد..اللهم إلا القول بأنني حين يحضرني الموت أؤثر أن أكون قد ارتكبت ما يتهمني به المؤلف، عن أن أكون كاتب كتيب كهذا..(62)"

ومع أن تسليم روسو أطفاله لملجأ للقطاء (لا إلقاءهم في العراء بالضبط) كان موضوعاً يعرفه المقربون في باريس (فقد اعترف به للمرشالة لكسمبورج)، فإن نشر فولتير كانت أول إفشاء علني لهذا السر. وخامر جان-جاك الظن في أن مدام ديينيه أفشته عند زيارتها لجنيف، واقتنع الآن بأنها هي وجريم وديدرو كانوا يأتمرون لتشويه سمعته. وقد هاجم جريم روسو في هذه الفترة غير مرة في "الرسائل الأدبية(63)". وفي خطابه المؤرخ 15 يناير 1765 في معرض الحديث عن "خطابات من الجبل" انظم إلى فولتير في اتهام روسو بالخيانة: "إن وجد في أي مكان على الأرض جريمة تدعى الخيانة العظمى، فهي ولا ريب في مهاجمة الدستور الأساسي لدولة بالأسلحة التي أستخدمها روسو ليطيح بدستور وطنه".

والشجار الطويل الذي نشب بين فولتير وروسو من أفجع اللطخ التي لوثت وجه حركة التنوير. لقد باعد بينهما مولدهما ومركزهما. ففولتير، ابن الموثق الموسر، تلقى تعليماً حسنناً، لا سيما في الدراسات القديمة؛ أما روسو المولود في أسرة فقيرة وشيكة التفكك، فلم يتلقَ أي تعليم نظامي، ولم يرث أي تقليد كلاسيكي، وقد قبل فولتير القواعد الأدبية التي وضعها بوالوا-"أحب العقل، ولتستقِ كل كتاباتك من العقل بهائها وقيمتها(64)". أما في رأي روسو (كما في رأي فاوست وهو يغوي مارجريت بروسو) فإن "الوجدان كل شيء(65)". وكان فولتير لا يقل عن جان-جاك حساسية وسرعة انفعال، ولكنه عادة كان يرى من سوء الأدب أن يترك الانفعال يشوه فنه، وقد اشتم في دعوة روسو للوجدان والغريزة لا عقلية فوضوية فردية تبدأ بالثورة وتنتهي بالدين. وقد شجب فولتير بسكال، أما روسو فردده كالصدى. وكان فولتير يعيش كما يعيش أصحاب الملايين، أما روسو فكان ينسخ الموسيقى ليكسب قوته. وكان فولتير خلاصة كل لطائف المجتمع، أما روسو فكان يشعر بالقلق في المجتمعات، وكان أقل صبراً وأضيق صدراً من أن تحتفظ بصداقة صديق. وكان فولتير أبن باريس، وربيب مرحها وترفها، أما روسو فكان طفل جنيف، برجوازياً مكتئباً، وبيورتانياً يكره تميز الطبقات الذي يجرحه، وألوان البذخ التي لا قدرة له على الاستمتاع بها، ودافع فولتير عن الترف لأنه يداول مال الأغنياء بتشغيل الفقراء، أما روسو فأدانه لأنه "يطعم مائة فقير في مدننا ويسبب هلاك مائة ألف في قرانا(66)" وذهب فولتير إلى أن آثام الحاضرة ترجحها فنونها وما توفره من أسباب الراحة، أما روسو فكان لا يشعر بالراحة في أي مكان، ويندد بكل شيء تقريباً. وأصغى المصلحون إلى فولتير، وأستمع الثوار إلى روسو.

إن هوراس وليلول حين قال إن "هذه الدنيا ملهاة لمن يفكروا، ومأساة لمن يشعرون(67)". أجمل في سطر واحد؛ على غير قصد منه؛ حياة أعظم عقلين من عقول القرن الثامن عشر تأثيراً في الناس.


بوزويل يلتقي بروسو

في رواية بوزويل لزيارات خمس قام به لجان-جاك في ديسمبر 1764 تصوير غاية في اللطف لروسو. فلقد أقسم ذلك المعجب الذي لا مهرب منه يميناً مغلظة (21 أكتوبر) أنه "لن يكلم ملحداً؛ ولن يتمتع بامرأة؛ قبل أن يلقى روسو(68)" وفي 3 ديسمبر شد رحاله من نوشاتل إلى موتييه-ترافير. وحين بلغ برو في منتصف الطريق وقف بنزل وسأل ابنة صاحبه ماذا تعرف عن فريسته. وكان جوابها مقلقاً:

"إن المسيو ورسو يحضر هنا كثيراً ويمكث أياماً مع مدبرة بيته؛ الآنسة ليفاسير. وهو رجل لطيف جداً؛ له وجه جميل؛ ولكنه لا يحب أن يأتي الناس ويحملقوا فيه كأنه رجل له رأسان. يا للسماء! أن فضول الناس لا يصدق؛ أن كثيرين؛ كثيرين يأتون ليروه؛ وكثيراً ما يرفض لقاءهم. إنه مريض، ويكره أن يزعجه أحد(69)".

ولكن بوزويل واصل رحلته بالطبع. وفي موتييه نزل بفندق القرية.

"وأعددت خطاباً لمسيو روسو أخبرته فيه أن سيداً أسكتلندياً عتيق الطراز في الرابعة والعشرين قدم بأمل لقائه. وأكدت له أنني جدير باحترامه...وفي خاتم خطابي بيت له أن لي قلباً وروحاً...والخطاب آية في بابه حقاً. وسأحتفظ به ما حييت برهاناً على أن في قدرة روحي أن تتسامى(70)".

وكان خطابه-الذي كتبه بالفرنسية-مزيجاً بارعاً من السذاجة المتعمدة والإعجاب الذي لا يرد:

"إن كتاباتك يا سيدي أذبلت قلبي. ورفعت روحي. وألهبت خيالي. صدقني سيبهجك أن تلتقي بي. إيه يا سان-برو العزيز! أيها المعلم المستنير! أي روسو البليغ المحبوب! يحدثني قلبي بأن صداقة شريفة حقاً ستولد اليوم..لدي الكثير الذي أحدثك به. ومع أنني لسن إلا شاباً فقد خبرت من ألوان الحياة ما سيدهشك...ولكني أتوسل إليك أن تلقاني وحدك...ولا أدري هلا أفضل أن ألقاك إطلاقاً من أن ألقاك أول مرة في صحبة. وأني مترقب ردك بفارغ الصبر(71).

وأرسل له روسو كلمة يقول إن في استطاعته الحضور إذا تعهد بأن تكون زيارته قصيرة. وذهب بوزويل "مرتدياً سترة وصدرية بدانتيللا مذهبة، وبنطلون ركوب من جلد الغزال، ومنتعلاً حذاءاً طويلاً. وفوق ذلك كله لبس معطفاً كبيراً من وبر الجمل الأخضر المبطن بفراء الثعلب". وفتحت تريز الباب "فتاة فرنسية قصيرة رشيقة أنيقة". وقادته صعداً إلى روسو-رجل ظريف أسمر اللون في زي الأرمن...وسألته عن صحته فقال: "مريض جداً ولكني طلقت الأطباء". وأعرب روسو عن إعجابه بفردريك وازدرائه للفرنسيين-"شعب جدير بالاحتقار، ولكنك ستجد نفوساً عظيمة في أسبانيا". بوزويل: " وفي جبال اسكتلندا". وقال روسو عن اللاهوتيين أنهم "سادة يقدمون تفسيراً جديداً لشيء من الأشياء ويتركونه مغلقاً على الإفهام كما كان". وناقشا أحوال كورسيكا، وقال روسو أنه قد طلب إليه أن يشرع لها قوانين، وبدأ بوزويل تحمسه الدائم لاستقلال كورسيكا. ثم صرفه روسو بعد قليل، قائلاً أنه يود التمشي منفرداً.

وفي 4 ديسمبر استأنف بوزويل الحصار. وتحدث معه روسو مليا، ثم صرفه: إنك "تزعجني. هذا طبعي ولا حيلة لي فيه". بوازيل: "أرفع الكلفة معي". روسو "أمضي". وصحبت تيريزا بوازوبل إلى الباب وقالت له "لقد عشت مع المسيو روسو اثنين وعشرين عاماً، ولن أتخلى عن مكاني لأكون ملكة فرنسا. وأنا أحاول الانتفاع النصيحة الطيبة التي يسديها إليّ. وإذا مات سأضطر إلى دخول الدير(71).

وطرق بوازيل الباب مرة أخرى في 5 ديسمبر. وتأوه روسو "يا سيدي العزيز، يؤسفني عجزي عن التحدث إليك كما أشتهي" بوزويل: بحي هذه الأعذار وأثار الحديث بقوله: لقد اعتنقت الكاثوليكية وأنوي الاختفاء في دير روسو يل للحماقة!..بوزويل: "أخبرني بحق أأنت مسيحي؟" وقرع روسو صدره وأجاب: "نعم إنني أعتز بأني مسيحي". بوزويل (الذي كان مصاباً بالاكتئاب) قل لي: هل تعاني من الاكتئاب؟ روسو: لقد ولدت هادئا، وليس بي ميل طبيعي للاكتئاب. لقد أصابتني به الكوارث التي حلت بي. بوزويل: ما رأيك في الأديار، والكفارات، والعلاجات التي من هذا النوع؟ روسو: كلها سخافات. بوزويل: هل لك يا سيدي أن تضطلع بإرشادي الروحي؟ روسو: لا أستطيع. بوزويل: سأعود. روسو: لا أعد بلقائك. إنني أعاني ألماً، إنني أحتاج إلى مبولة كل دقيقة(73).

في عصر ذلك اليوم، في بيت القرية كتب بوزويل في أربع عشرة صفحة مجملاً لحياتي وبعث به إلى روسو. وقد اعترف فيه بحادث زنا أتاه، وسأل روسو ألا يزال في إمكاني أن أجعل نفسي رجلاً؟ وعاد إلى نوشاتل، ولكنه كان بباب روسو مرة أخرى في 14 ديسمبر وأخبرته تريز أن سيدها مريض جداً، وأصر بوزويل، واستقبله روسو "ووجدته جالساً وهو في غاية الألم". روسو: لقد غلبتني العلل، وخيبات الأمل، والحزن. إنني أستعمل مجساً. كل إنسان يعتقد أن من واجبي أن أصغي له..عد في العصر. بوزويل: وكم تطول زيارتي؟ روسو: "ربع ساعة، لا أكثر. بوزويل: عشرين دقيقة. روسو: هيا انصرف. ولكنه لم يتمالك نفسه من الضحك.

وعاك بوزويل في الرابعة وهو يحلم بلويس الخامس عشر. "إن الأخلاق تبدو أي أمراً غير يقيني. فأنا مثلاً أحب أن يكون لي ثلاثون امرأة. ألا أستطيع أن أشبع تلك الرغبة؟ لا. ولكن انظر، لو كنت غنياً لاستطعت أن تتخذ عدداً من الفتيات، وأحبلهن، وبهذا يزداد النسل. ثم أعطيهن مهوراً، وأزوجهن لفلاحين طيبين سيسعدون جداً بالزواج منهن. وهكذا يصبحن زوجات في نفس السن التي كن يتزوجن فيها لو ظللن أبكاراً، وأكون أنا من ناحيتي قد أفدت بالاستمتاع بعدد كبير من مختلف النساء. فلما لم يقع من نفس روسو هذا الفرض الملكي، سأله "أخبرني من فضلك كيف أكفر عن الشر الذي ارتكبته؟" وأجاب روسو جواباً ذهبياً "ليس هناك تكفيراً عن الشر إلى الخير(74)". وطلب بوزويل إلى روسو أن يدعوه للغداء، وقال روسو "غداً" وعاد بوزويل إلى الفندق منتعشاً غاية الانتعاش.

وفي 15 ديسمبر تناول الطعام مع جان-جاك وتريز في المطبخ، وقد وجده نظيفاً مشرقاً. وكان روس رائق المزاج، ولم تبدُ عليه علامات الاضطراب العقلية التي ستظهر فيما بعد. وكان كلبه وقطعته على وفاق مع بعضهما البعض ومعه. "ووضع بعض الطعام على صينية خشبية، وجعل كلبه يرقص حوله وغنى روسو..لحناً مرحاً بصوت رخيم وذوق رفيع. وتحدث بوزويل في الدين.."أن الكنيسة الأنجليكانية أفضل المذاهب عندي. روسو: نعم، ولكنها ليست الإنجيل. ألا تحب القديس بولس؟ إنني أحترمه، ولكني أحسبه مسئولاً إلى حد ما عما في رأسك من اختلاط. لو عاش لكان قسيساً أنجليكانياً.

الآنسة ليفاسير: استلقى المسيو دفولتير يا سيدي؟ بوزويل: بكل تأكيد. ثم إلى روسو: أن المسيو دفولتير لا يحبك. روسو: أن المرء لا يحب من أذاهم أذى شديداً. أن حديثه ممتع جداً، لا بل إنه بفضل كتبه. وطال بوزويل المكث فوق ما تحتمله الضيافة، ولكن حين ودع "قبلني روسو مرات، وضمني بين ذراعيه بود رقيق". فلما وصل بوزويل إلى الفندق قالت ربته سيدي: أضنك كنت تبكي. ويضيف إنني أحتفظ بذكرى هذه الكلمات إطراءً صادقاً لإنسانيتي(75).


دستور لكورسيكا

بعد أن زار بوزويل فولتير في فرنيه، مضى في رحلته إلى إيطاليا ونابلي وكورسيكا، ربما بحث من روسو. وكانت كورسيكا بزعامة باسكالي دي باولي قد حررت نفسها من سيطرة جنوة (1755) ورحب روسو في "العقد الاجتماعي" من قبل بمولد الدولة الجديدة.

"ما زال في أوربا بلد واحد مفتوح للمشرع. إنه جزيرة كورسيكا. والبسالة والإصرار اللذان برهن بهما هذا الشعب الشجاع على قدرته على استرداد حريته والدفاع عنها يستحقان المعونة من إنسان حكيم يعلمهم كيف يحتفظون بها. ونفسي تحدثني بأن هذه الجزيرة الصغيرة سوف تدهش أوربا يوماً ما(76)". ولو أخذ رأي فولتير لرأى أن روسو آخر رجل في أوربا يصح دعوته للتشريع. ولكن الذي حدث أن جان-جاك تلقى في 31 أغسطس 1764 الخطاب الآتي من ماتيو بوتافوكو، المبعوث الكورسيكي لدى فرنسا:

"لقد ذكرت كورسيكا يا سيدي في "عقدك الاجتماعي" على نحو يتيه به وطننا. وهذا الثناء من قلم مخلص كل الإخلاص كقلمك...أوحى بالرغبة القوية في إنك يمكن أن تكون المشرع الحكيم الذي يعين الأمة على الحفاظ على الحريات التي اقتنتها بدم كثير. وإني أدرك بالطبع أن المهمة التي أجرؤ على الإلحاح عليك في الاضطلاع بها تحتاج إلى معرفة خاصة بالتفاصيل...ولكنك إن تفضلت أن تقبل المهمة فسأزودك بكل المعرفة الضرورية لإنارتك. وسيبذل المسيو باولي...قصاراه ليرسل إليك من كورسيكا كل المعلومات التي قد تحتاج إليها. ويشاطرني رغبتي هذا الزعيم المرموق، لا بل جميع إخواني المواطنين الذين أتيح لهم الإطلاع على أعمالك، ويشاركني مشاعر الاحترام التي تشعر بها أوربا كلها نحوك، والتي أنت أهل لها لأسباب كثيرة جداً(77)".

ورد روسو (15 أكتوبر 1764) بقبول المهمة، وطلب تزويده بالمعلومات عن طبيعة الشعب الكورسيكي، وتاريخه، ومشاكله. واعترف بأن العمل قد يكون "فوق طاقتي وإن لم يكن فوق تحمسي". ثم كتب إلى بوتافيوكو، في 26 مايو 1765 يقول: "غير إني أعدك أنه لن يكون لي اهتماماً فيما بقي لي من أجل غير نفسي وكورسيكا، وكل ما عدا ذلك من أمور سأقصيه عن أفكاري(78)". ثم عكف من فوره على وضع "مشروع دستور لكورسيكا".

واقترح روسو في مشروعه و"العقد الاجتماعي" في ذاكرته، أن يوقع كل مواطن على تعهد ملزم لا رجعة فيه بوضع نفسه-"جسدي وأملاكي وإرادتي، وكل قدراتي"-تحت تصرف الأمة الكورسيكية(79). وحيا "الكورسيكيين البواسل" الذين ظفروا باستقلالهم، ولكنه نبههم إلى أن فيهم رزائل كثيرة-كالكسل، وقطع الطريق، والعداوات، والوحشية-ومعظمها ناجم عن كراهيتهم لسادتهم الأجانب. وخير علاج لهذه الرذائل أن يعيشوا عيشة زراعية خالصة. وينبغي أن توفر القوانين كل إغراء للشعب ليلزم الأرض بدلاً من التجمع في المدن، فالزراعة تعين على الخلق الفردي والصحة القومية، أما التجارة بأنواعها والمالية فتفتح الأبواب لكل ضروب الغش والاحتيال، ويجب على الدولة ألا تشجعها. ويجب أن يكون السفر كله على الأقدام أو على ظهور الدواب، وأن يكافأ الزواج المبكر والأسرة الكبيرة؛ وأن تسقط المواطنة عن الرجال الذين يظلون عزاباً إلى الأربعين. ويجب خفض الملكة الخاصة وزيادة ملكية الدولة. "بودي أن أرى الدولة المالك الوحيد؛ ولا يصيب الفرد من الملكية المشتركة إلا بنسبة خدماته(80)"، وينبغي إلزام السكان بفلاحة أراضي الدولة إذا اقتضى الأمر، وأن تشرف الحكومة على التعليم كله، وعلى الآداب العامة كلها؛ وأن تشكل الحكومة نفسها على غرار الولايات السويسرية (الكنتونات).

وفي 1768 اشترت فرنسا كورسيكا من جنوه؛ وجردت عليها جيشاً؛ وعزلت باولي، وأخضعت الجزيرة للقانون الفرنسي. وكف روسو عن المضي في مشروعه؛ وندد بالغزوة الفرنسية لأنها انتهاك "لكل عدل؛ وإنسانية؛ وحق سياسي، وتفكير سليم(81)".

اللاجئ

ظل روسو عامين يحيا حياة متواضعة هادئة في موتييه؛ يقرأ؛ ويكتب ويرعى مرضه، ويعاني من إصابة بعرق النسا (أكتوبر 1764)؛ ويحتفي بالزوار الذين تجيزهم تريز بعد الفحص. وقد وصفه أحدهم وصف عارف بالجميل فقال:

"أنك لا تتصور أي سحر في الاجتماع به؛ ولا أي أدب صادق في سلوكه؛ ولا أي عمق في سلوكه؛ ولا أي عمق من الهدوء والبشاشة في حديثه. ألم تتوقع صورة مغايرة تماماً لهذه الصورة؛ وألم تصور لنفسك مخلوقاً غريب الأطوار؛ جاداً دائماً لا بل فظاً أحياناً؟ فيا لها من غلطة! إنه يجمع إلى سمات اللطف الكثيرة نظرة من نار؛ وعينين لم ير قط مثل لحيويتيهما. فإذ تناولت موضوعاً يهتم به، تكلمت عيناه، وشفتاه، ويداه-وكل ما فيه. وأنت تخطئ كل الخطأ أن تصورته إنساناً لا يكف عن التذمر. فهو على النقيض يضحك مع الضاحكين ويثرثر ويمزج مع الأطفال؛ ويسخر من مديرة منزله(82)".

ولكن القساوسة المحليين كانوا قد اكتشفوا ما في "إميل" و"خطابات الجبل" من هرطقات، ورأوها فضيحة أن يمضي هذا الوحش في تلويث سويسرا بوجوده فيها. ورغبة في تهدئة ثائرتهم عرض (10 مارس 1765) أن يتعهد، في وثيقة رسمية "بألا ينشر أبداً أي كتاب جديد في أي موضوع ديني، لا بل أن يتناوله عرضاً في أي كتاب جديد آخر...وأكثر من ذلك أنني سأظل شاهداً، بمشاعري وسلوكي، بالقيمة العظمى التي أعلقها على سعادة الاتحاد بالكنيسة(83)". واستدعاه مجمع كنيسة نوشاتل للمثول أمامه والرد على تهم الهرطقة الموجهة إليه، فالتمس إعفاءه: "يستحيل على رغم صدق نيتي أن أحتمل جلسة طويلة(84) وهو ما كان الحقيقة المؤلمة". وانقلب عليه راعي كنيسته، وندد به في مواعظ علنية متهماً إياه بأنه عدو المسيح(85). وألهبت هجمات القساوسة شعب أبرشياتهم، فراح بعض القرويين يحصبون روسو إذا خرج للتمشي. وقرب نصف ليلة 6-7 سبتمبر أيقظته هو وتريز حجارة تقذف على جدرانهما وتحطم نوافذهما. وأخترق حجر كبير الزجاج وسقط عند قدمه. واستدعى جار له-وكان موظفاً في القرية-بعض الحراس لإنقاذه، وتفرق الجمع، ولكن أصدقاء روسو الباقين في موتييه نصحوه بأن يبرح المدينة.

وأتته عدة عروض تقد له الملجأ "ولكني كنت متعلقاً بسويسرا تعلقاً منعني من أن أصمم على الرحيل عنها ما دام في استطاعتي العيش فيها(86)". وكان قد زار قبل عام "الأيل دسان-بيير"، الجزيرة الصغيرة الواقعة وسط بحيرة بيين، ولم يكن على الجزيرة سوى بيت واحد-هو بيت الوكيل، وخيل لروسو أن المكان بقعة مثالية لعاشق للعزلة يكرره الناس. وكان يقع في كانتون برن التي طردته قبل عامين، ولكنه تلقى تأكيدات غير رسمية بأن في استطاعته الانتقال إلى الجزيرة دون أن يغشى الاعتقال(87).

وهكذا، حوالي منتصف سبتمبر 1765؛ بعد ستة وعشرين شهراً في موتييه؛ ترك هو وتريز المنزل الذي أصبح عزيزاً عليهما وذهبا للإقامة مع أسرة الوكيل في مكان لا يتيح انعزاله "لا للجمهور ولا لرجال الكنيسة تكديره(88)". "وخيل إليه أنني سأكون في تلك الجزيرة أشد انعزالاً عن الناس....وأن البشر سيكونون أسرع نسياناً لي(89)". ورغبة في تغطية نفقاته أعطى الناشر دوبير حق نشر كل كتبه؛ "وجعلته مستودع جميع أوراقي؛ بشرط صريح هو ألا يستعملها إلا بعد موتي؛ لأن غاية أماني كانت أن أختم حياتي في هدوء؛ دون أن أفعل شيئاً يعيدني مرة أخرى إلى ذاكرة الجماهير(90)". وعرض عليه المرشال كيت معاشاً قدره ألف ومائتا جنيه؛ فوافق أن يأخذ نصفه. ودبر معاشاً آخر لتريز واستقر معها على الجزيرة وهو لا يتوقع من الحياة شيئاً آخر. وكان الآن في سنته الثالثة الخمسين.

وبعد ثلاثة عشر عاماً- في آخر سنة من عمره-ألف كتاباً من أروع كتبه اسمه "أحلام متجول وحيد" وصف في بلاغة مخففة معيشته على جزيرة سان-بيير "كانت أول وأهم متعة أتوق إلى تذوقها بكل حلاوتها هي حياة الدعة اللذيذة(91)". وقد رأينا في غير هذا الموضع مبلغ إعجابه بلينايوس؛ أما الآن، وفي بيده أحد كتب عالم نبات سويدي؛ فقد بدأ يعدد ويدرس النباتات التي وجدها على ملكه الصغير. أو كان إذ صحى الجو يفعل كما يفعل تورو على بركة فولدن:

"كنت أرتمي وحيداً في زورق أجدف به إلى وسط البحيرة حين يكون الماء هادئاً. هناك؛ وأنا ممدد بطولي كله في الزورق؛ وعيناي إلى السماء كنت أترك نفسي للماء يحملني هوناً كما يشاء؛ ساعات عدة أحياناً، وأنا غارق في مئات الأحلام المبهجة(92)".

ولكن راحته لم تطل حتى على هذه المياه. ذلك أن مجلس شيوخ برن أمره في 17 أكتوبر 1765 بأن يرحل عن الجزيرة والمقاطعة خلال خمسة عشر يوماً. وغلبته الحيرة والهزيمة "فالتدابير التي كنت فد اتخذتها تأميناً لموافقة الحكومة الضمنية، والهدوء الذي تركت فيه لأستقر، وزيارات العديدين من أهل برن لي"، كل هذا حدا به إلى الاعتقاد بأنه الآن في مأمن من الإزعاج والمطاردة. والتمس من مجلس الشيوخ شيئاً من التفسير والتأجيل، واقترح بديلاً يائساً لحكم النفي:

"لست أرى لي غير سبيل واحد، ومهما بدا رهيباً، فإني سأتخذه لا دون نفور فحسب، بل برغبة شديدة إذا تفضل أصحاب السعادة بالموافقة. وذلك إنني إن طاب لهم سأقضي ما بقي لي من أجل سجيناً في إحدى قلاعهم، أو في أي مكان آخر في ضياعهم يرون اختياره. وسأعيش فيه على نفقتي، وسأقدم ضماناً بألا أكلفهم أي نفقة. وأقبل ألا أحمل ورقاً أو قلماً، أو أكون على اتصال بأي إنسان في الخارج. فقد سمحوا لي، وع بعض الكتب، بالاحتفاظ بحرية المشي بين الحين والحين في حديقة، وسيرضيني هذا. أكان ذلك إيذاناً بانهيار عقله؟ إنه يؤكد لنا عكس هذا:

"لا تظنوا أن وسيلة تبدو بهذا العنف هي ثمرة اليأس. فعقلي في تمام الهدوء في هذه اللحظة. وقد ترويت في اتخاذ قراري، ولم انتهِ إليه إلا بعد تفكير عميق. وأرجو أن تلاحظوا أنه إذا بدا هذا قراراً شاذاً فإن وضعي أكثر شذوذاً. فالحياة المضطربة التي أكرهت على أن أحياها سنوات عديدة دون انقطاع، خليقة بتعذيب رجل موفور العافية، فما بالكم بعليل تعس براه التعب وسوء الحظ، ولم يعد له الآن من أمنية إلا أن يموت في هدوء وسلام(93)".

وكان رد برن أن أمرته بالرحيل عن الجزيرة وعن كل إقليم برن خلال أربع وعشرين ساعة(94). فإلى أين يمضي؟ كان لديه دعوات إلى بوتسدام من فردريك، وإلى كورسيكا من باولي، وإلى اللورين من سان-لامبير، وإلى أمستردام من ناشره ري، وإلى إنجلترا من ديفد هيوم. ففي 22 أكتوبر كتب إليه هيوم الذي كان يومها سكرتيراً للسفارة البريطانية في باريس يقول:

"أن محنك العجيبة التي لم يسمع بمثلها، فضلاً عن فضيلتك وعبقريتك لا بد أن تثير عواطف كل إنسان فينحاز إليك، ولكني أعلل نفسي بأنك واجد في إنجلترا أماناً مطلقاً من كل اضطهاد، لا بفض ما تمتاز به قوانيننا من روح سمحة فحسب، بل بفضل الاحترام الذي يكنه كل الناس هناك لشخصيتك(95)". وفي 26 أكتوبر غادر روسو جزيرة سان-بيير ورتب أن تظل تريز حيناً في سويسرا، ورحل هو إلى ستراسبورج، ومكث فيها شهراً كاملاً دون أن يستقر على رأي. وأخيراً قرر أن يقبل دعوة هيوم إلى إنجلترا، ومنحته الحكومة الفرنسية جوازاً بالحضور إلى باريس. هناك التقى به هيوم أول لقاء، وما لبث أن شغف به، وتحدثت باريس كلها عن عودة للنفي. وكتب هيوم يقول "محال وصف أو تصور تحمس هذه الأمور لروسو...فلم يظفر شخص قط بما ظفر به من اهتمام القوم...لقد حجب بهاء فولتير وسواه حجباً تاماً(96)".

ولكن الصدقة الوليدة أصيبت بصدع في المهد ومن العسير هنا أن نحدد الحقائق بدقة أو نرويها دون تحيز. ففي أول يناير 1766 أرسل جريم إلى قرائه التقرير الآتي:

دخل جان-جاك روسو باريس في 17 ديسمبر. وفي الغد تمشي في حدائق لوكسمبورج وهو يرتدي زيه الأرمني، وإذ لم ينبه أحد إلى الأمر فأن أحداً لم ينتفع بالمشهد. وقد أسكنه الأمير كونتي في التامبل حيث يعقد الأرمني المذكور بلاطه كل يوم. كذلك يتمشى يومياً في ساعة معينة في الشوارع الكبيرة القريبة من مسكنه . وهاهو ذا خطاب تداولته الأيدي في باريس خلال مكثه هنا، وقد لقي نجاحاً كبيراً(98)". وهنا نقل جريم خطاباً زعم أن روسو تلقاه من فردريك الأكبر. وكان قد زيفه على روسو هوراس والبول. ولندع والبلول نفسه يتحدث عنه في خطاب له إلى هوراس كونواي في 12 يناير 1766.

"أن الفضل في شهرتي الراهنة لتأليف تافه جداً، ولكنه أثار ضجة لا تصدق. ذلك إنني كنت ذات مساء في بيت مدام جوفران أسخر من ادعاءات روسو وتناقضاته، وقلت أشياء أضحكتهم. فلما عدت إلى البيت دونتها في خطاب، وأريته في الغد لهلفتيوس ودوق نفرنوا، وقد سرا به كثيراً حتى إنهما، بعد الإشارة على بعض الأخطاء اللغوية....شجعاني على إطلاع الناس عليه. وأنا كما تعلم يطيب لي أن أهزأ بالدجالين سواء السياسيين منهم أو الأدباء مهما عظم قدر مواهبهم، لذلك لم أنكر الفكرة. وسرت النسخ مسرى النار، وهاأنذا "أصبحت موضة Et Me Voici( la mode ...وإليك الخطاب (وهو مترجم حرفياً عن فرنسية وليلول): ملك بروسيا إلى مسيو روسو عزيزي جان-جاك

لقد لفظت جنيف وطنك، لقد جعلتهم يطاردونك من سويسرا، البلد الذي أطريته كثيراً في كتاباتك، وقد أصدرت فرنسا أمراً باعتقالك. فتعال إليّ إذن، فأنا معجب بمواهبك، وتمتعني أحلامك، وهي (بهذه المناسبة) تشغلك فوق ما ينبغي وأطول مما ينبغي. وعليك أن تكون في النهاية حكيماً وسعيداً. لقد أثرت ما يكفي من الأقاويل بسبب غرائب لا تليق برجل عظيم بحق. فأثبت لخصومك أن في استطاعتك أحياناً أن تكون معقولاً، فمن شأن هذا أن يغيظهم دون أن يؤذيك. إن بلادي تقدم لك معتكفاً هادئاً، وإنني أرجو لك الخير، وأحب أن أساعدك إذا استطعت أن تستطيب مقامك. أما إذا واصلت رفض معونتي، فتأكد أنني لن أخبر أحداً بالأمر. وإذا أصررت على إجهاد نفسك لتجد نكبات جديدة، فاختر ما يحلو لك منها، فأنا ملك، وفي استطاعتي أن أحصل لك منها على ما يلبي رغباتك، وسأكف عن اضطهادك حين تكف عن أن تجد فخرك في أن تضطهد-وهو بالتأكيد ما لن يحدث لك أبداً بين خصومك.

صديقك المخلص فردريك(69)

أما ولبول فلم يحدث له أن التقى بروسو قط. ولم يجد عقله الرفيع الثقافة، وثراؤه الموروث معنى في كاتبات روسو. وقد عرف عيوب روسو وحماقته من حفلات عشاء مدام جوفران، حيث كان يلتقي ديدرو وجريم. وأغلب الظن أنه لم يدرك أن روسو الحساس إلى درجة العصاب، قد دفعته إلى مشارف الانهيار العقلي سلسلة من المجادلات الضيقات. ولو كان وليول على علم بهذا حقاً لكانت دعابته قاسية شائنة. على أننا ينبغي أن نضيف أنه حين طلب هيوم رأيه في إيجاد معتكف لروسو في إنجلترا، تعهد وليول بأن يمد الطريد بكل ضروب المعونة(100).

أكان هيوم على علم بهذا الخطاب؟ يبدو أنه كان موجوداً ببيت مدام جوفران حين لفق أول الأمر، وقد اتهم بأنه "شارك" في تحريره(101). وقد كتب إلى المركيزة دباربنتان في 16 فبراير 1766:

"إن الدعابة الوحيدة التي سمحت بها لنفسي في أمر خطاب ملك بروسيا المزعوم كانت على مائدة عشاء اللورد أو سوري(102)". وفي 3 يناير 1766 قام هيوم بزيارة وداع لضيوف البارون دولباخ وأخبرهم بآماله في إنقاذ "الرجل القصير القامة" من الاضطهاد وتوفير أسباب السعادة له في إنجلترا. أما دولباخ فتشكك قائلاً يؤسفني أن أبدد الآمال والأوهام التي تخدعك، ولكني أقول لك أنه لن يمضي طويل زمن حتى ينقشع عنك الوهم بصورة محزنة. إنك لا تعرف صاحبك، وأصارحك بأنك تحتضن ثعباناً في صدرك(103)". وفي صباح الغد غادر باريس إلى كاليه في مركبتي أجرة هيوم وروسو مع جان-جاك دلوز وسلطان كلب روسو. ودفع روسو نفقاته بعد أن رفض عروض هيوم ومدام دبوفليه، ومدام دفرديلان بمده بالمال. فلما بلغوا دوفر (10 يناير) عانق هيوم، وشكره لأنه أتى به إلى بلد تسوده الحرية.


روسو في إنجلترة

وصلوا إلى لندن في 13 يناير 1766 ولاحظ المارة زي روسو-قلنسوته الفراء، وروبه الأرجواني، وحزامه، وأوضح لهيوم أنه يشكو مرضاً يجعل سراويل الركوب القصيرة غير مريحة له(104). واقنع هيوم صديقه كوفواي بأن يقترح معاشاً للغريب الكبير، ووافق جورج الثالث على منحه مائة جنيه في العام، وأبدى رغبة في أن يلقي عليه نظرة سريعة بصفة غير رسمية. وحجز جاريك لروسو وهيوم مقصورة في المسرح دروري لين في مواجهة المقصورة الملكية في ليلة تقرر فيها حضور الملك والملكة. ولكن حين زار هيوم روسو لقي عنتاً شديداً في إقناعه بأن يترك كلبه الذي مزق نباحه بسبب حبسه قلب الغريب المنفي. وأخيراً "احتويت روسو بين ذراعي و....حملته على المسير في شيء من الإكراه(105)". وبعد الحفل دعا جاريك روسو إلى عشاء لتكريمه وهنأه روسو على تمثيله: "سيدي، لقد جعلتني أذرف الدموع على مأساتك، وابتسم لملهاتك، مع أنني لم أكد أفهم كلمة من لغتك".

وإلى هنا كان هيوم على الجملة مسروراً غاية السرور بضيفه. وكتب إلى مدام دباربنتان بعد وصوله إلى لندن بقليل يقول:

سألتني رأيي في جان-جاك روسو. وأني بعد أن راقبته في جميع النواحي....أصرح بأنني لم أعرف رجلاً أكثر منه لطفاً ولا أكرم خلقاً. فهو رقيق، متواضع، ودود، نزيه، مرهف الحس، فإذا بحثت عن عيوب فيه لم أجد سوى قلة صبر مفرطة، وميل لاحتضان شبهات ظالمة في خير أصدقائه...أما عن نفسي فبودي لو أمضيت حياتي في صحبته دون أن يكدر علاقتنا مكدر. أن في سلوكه بساطة عجيبة. وهو في الأمور العادية طفل بمعنى الكلمة. وهذا من شأنه أن يسهل...لمن يعيشون معه أن يسوسوه(106)".

ثم يقول: "إن له قلباً حاراً ممتازاً، وفي الحديث كثيراً ما تشتد حماسته إلى ما يشبه الإلهام. وإني أحبه حباً جماً وأرجو أن يكون لي في وده نصيب...لقد تنبأ لي فلاسفة باريس إنني لت أستطيع اصطحابه إلى كاليه دون شجار، ولكني أحسبني قادراً على العيش معه طوال حياتي في صداقة وتقدير متبادلين. وأعتقد إن من أكبر أسباب انسجامنا أن كلينا لا يحب الجدل، وهذا ليس حالهم. ويسؤهم منه أيضاً ظنهم إنه مغال في الدين؛ ومن الغريب حقاً أن يكون فيلسوف هذا الجيل، الذي لقي أشد اضطهاد أكثرهم تديناً(107)...أن به شوقاً إلى الكتاب المقدس، وهو في الحق أفضل من المسيحيين قليلاً(108)".

على أنه كان هناك صعوبات. ففي لندن، كما في باريس، توافد النبلاء والنبيلات، والمؤلفين والنواب على بيت السيدة آدمز في شارع بكنجهام، حيث أسكن هيوم روسو. وسرعان ما ضاق بهذه المجاملات، ورجا هيوم أن يجد له بيتاً بعيداً عن لندن. وجاء عرض بالعناية به في دير ولزي، فأراد أن يقبله، ولكن هيوم أقنعه بأن يسكن مع بدال في تشيزيك على التيمز على ستة أميال من لندن..فانتقل إلى هذا المنزل روسو وسلطان في 18 يناير وأرسل الآن في طلب تريز، وأزعج مضيفه وهيوم بإصراره على وجوب السماح لها بالجلوس إلى المائدة معه. وشكا هيوم في خطاب إلى مدام دبوفليه.

"إن مسيو دلوز..يقول أن الناس يرونها شريرة محبة للشجار والثرثرة، ويظنون أنها أهم سبب في رحيله عن نوشاتيل (موتييه). وهو نفسه تعترف أنها من الغباء بحيث لا تعرف في أي سنة ميلادية نحن ولا في أي شهر من السنة، ولا في أي يوم من الشهر أو الأسبوع، وأنها لا تستطيع أن تتعلم أبداً القيم المختلفة للعملة في أي بلد. ومع ذلك فهي تحكمه حكماً مطلقاً كما تحكم المربية طفلاً. وقد اكتسب كلبه هذه السيادة في غيابها، فحبه لهذا المخلوق يفوق كل تعبير أو تصور(109).

ووصلت تريز خلال ذلك إلى باريس فاستقبلها بوزويل وتطوع باصطحابها إلى إنجلترا. وفي 12 فبراير كتب هيوم إلى مدام دبوفليه يقول "جاءني خطاب فهمت منه أن الآنسة مسافرة على جناح السرعة في صحبة صديق لي، وهو شاب في غاية الطيبة، وفي غاية اللطف، وفي غاية الجنون..وبه من الولع بالأدب ما يجعلني أتوجس من حدث مؤذ لشرف صديقنا(110). وقد ادعى بوزويل أنه برر هذا الإحساس السابق. وقد جاء في صفحات في يوميته، تالفة الآن(111)، أنه شارك تريز فرشها في نزل ثاني ليلة بعد رحيلها عن باريس. ثم ليالي عديدة بعدها. ووصلا إلى دوفر باكراً في 11 فبراير. وتقول اليومية: "الأربعاء 12 فبراير. ذهبت صباح أمس إلى الفراش مبكراً جداً، وفعلتها مرة، والجملة ثلاث عشرة. كنت في الحق محباً لها. وفي الثانية بعد الظهر قمنا في رحلتنا. في ذلك المساء صحب تريز إلى هيوم بلندن ووعدها بأنه "لن يذكر علاقتنا الغرامية حتى مماتها أو ممات الفيلسوف".

وفي المرة الثالثة عشرة أسلمها إلى روسو. ولقيها بقبلات كثيرة..وقد بدا في حال من الشيخوخة والضعف حتى "إنك (بوزويل) لم يعد فيك حماسة له(113) طبعاً".

وفي تشيزيك، كما في موتييه، تلقى رووس من البريد أكثر مما أراد، وشكا من نفقات البريد التي كان عليه أن يدفعها. وذات يوم، حين جاءه هيوم بــ"شحنة" من لندن، رفض تسلمها، وطلب إليه أن يردها إلى مكتب البريد. ونبهه هيوم أن موظفي البريد في هذه الحالة سيفتحون الخطابات المرفوضة ويطلعون على أسراره. وتطوع الاسكتلندي الصبور بأن يفتح ما يرد من رسائل روسو إلى لندن وألا يأتيه إلا بما يراه هاماً منها. ووافق جان-جاك، ولكنه سرعان ما توجس شراً من عبث هيوم ببريده.

وأتته دعوات للغداء، شاملة للآنسة ليفاسير عادة، من الأعيان في لندن فاعتذر روسو من قبولها بحجة مرضه ولكن السبب على الأرجح هو كرهه إظهار تريز أمام علية القوم. وكان يبدي رغبته في الانزواء في أعماق الريف. فلما سمع رتشارد ديفنيورت برغبته هذه من جاريك، عرض عليه بيتاً في ووتن بداربيشير على 150 ميلاً من لندن. فقبله روسو مغتبطاً. وأرسل ديفنيوت مركبة تنقله هو وتريز، وشكا روسو من أنه بعامل معاملة المتسولين، وأردف قائلاً لهيوم "إن كانت هذه حقاً حيلة من حيل ديفنبورت، فأنت عليم بها موافق عليها، وما كان في إمكانك أن تسيء ألي بأكثر من هذا". وبعد ساعة (كما يقول هيوم)، جلس فجأة على ركبتي، وطوق عنقي بيديه، وقبلني بكل حرارة ثم قال وهو يبلل وجهي كله بالدموع: "أممكن أن تصفح عني يا صديقي العزيز؟ إنني بعد جميع دلائل الود التي تلقيتها منك، أجازيك في النهاية بهذه الحماقة وهذا المسلك السيئ. ولكن لي رغم ذلك قلباً جديراً بصداقتك، وأنا أحبك ولأقدرك، ولم تضع علي سدى أقل مكرمة من مكرماتك" فقبله وعانقه عشرين مرة بفيض من الدموع(113).

وفي الغد 22 مارس انطلق جان-جاك وتريز قاصدين ووتن، فلم يرهما قط بعد. ولم يلبث هيوم أن كتب إلى هيوبليز تحليلاً بصيراً بحالة روسو وخلقه.

كان مصمماً تصميم البائس على الاندفاع إلى هذه العزلة رغم كل اعتراضاتي، أنا أتوقع لأنه سيكون تعساً في موقفه ذاك كما كان في الواقع تعساً في جميع المواقف. فسيكون محروماً تماماً من أي شغل يشغله، ومن الأصحاب ومن أي تسلية من أي نوع تقريباً. لقد قرأ أقل القليل في حياته، وطلق الآن كل قراءاته طلاقاً بائناً، ولقد رأى أقل القليل من الدنيا وليس به أي فضول ليرى أو يلاحظ. والواقع أنه لا يملك الكثير من المعرفة، وكل ما فعله طوال حياته أنه أحس فقط، وإحساسه في هذه الناحية مرهف إلى حد لا أعرف له مثيلاً، ولكنه مع ذلك يشعره بالألم بأحد مما يشعره باللذة، وما أشبهه برجل لم تنزع عنه ثيابه فحسب، بل جاده أيضاً. ثم دفع به ذلك الموقف ليصارع قوى الطبيعة الغاشمة الصاخبة التي تلم على الدوام بهذا العالم الأسفل(114).

ووصل وروسو وتريز إبلا ووتن في 29 مارس. وراقه البيت الجديد لأول وهلة. فوصفه في خطاب لصديق بنوشاتل: "بيت منعزل...ليس واسعاً جداً ولكنه مناسباً جداً، شيد في منتصف الطريق على جانب واد، وأمامه "أبدع مخضرة في الوجود" ومشهد طبيعي من مروج، وأشجار، ومزارع متفرقة، وعلى مقربة منه طرق للتنزه على ضفاف غدير. وفي أسوأ الأجواء أخرج في هدوء لجميع النباتات(115)". وكان آل ديفنبورت يشغلن قسماً من البيت حين يلمون به، وبقي به خدمهم ليعنوا بالفيلسوف و "مديرة بيته". وأصر روسو على أن يؤدي لديفنبورت ثلاثين جنيهاً في العام نظير الأجرة والخدمة.

ولم تعمر سعادتها أكثر من أسبوع. ففي 3 إبريل نشرت مجلة لندنية تسمى "سانت جيمس كرونكل" بالفرنسية والإنجليزية خطاب فردريك الأكبر المزعوم إلى روسو، دون إشارة إلى كاتبه الحقيقي. وحز الأمر في نفس جان-جاك حين نمى إليه الخبر، وزاد من ألمه أن محرر المجلة وهو وليم ستراهان كان صديقاً قديماً لهيوم. يضاف إلى هذا أن نغمة الصحف البريطانية في حديثها عن روسو تغيرت تغيراً واضحاً منذ برح تشزيك، فكثرت المقالات التي انتقد الفيلسوف الغريب الأطوار، واحتوى بعضها على أشياء أعتقد أن هيوم وحده هو الذي يعرفها، ويمكن أن يزود بها الصحف. على أية حال شعر أن واجب هيوم كان يقتضيه أن يكتب شيئاً للدفاع عن ضيفه الأسبق. وسمع أن الاسكتلندي كان يسكن بلندن البيت الذي يسكنه فرانسوا ترونشان، ابن عدو جان-جاك في جنيف، وأغلب الظن أن هيوم كان الآن على علم بنقائص روسو.

وفي 24 إبريل كتب روسو إلى سانت جيمس كرونكل ما يأتي:

"لقد عدوت يا سيدي على الاحترام الذي يدين به كل فرد لملك بأن نسبت علناً إلى ملك بروسيا خطاباً امتلأ مبالغة وغلاً، وكان يجب بناء عليه أن تعرف إنه ما كان يمكن أن يصدر عنه. لا بل إنك جرؤت على نقل توقيعه كأنك رأيته مكتوباً بيد. وإني أخبرك يا سيدي أن هذا الخطاب زيف في باريس، ومما يحزنني ويمزق قلبي أن المحتال الذي كتبه له شركاء ضالعون معه في إنجلترا. وواجبك نحو ملك بروسيا، ونحو الحقيقة، ونحوي أيضاً، يقتضيك أن تنشر خطابي هذا، الموقع بإمضائي، تصحيحاً لخطأ لا شك إنك كنت تلوم نفسك على ارتكابه لو علمت أن مؤامرة خبيثة سخرت لها. وإني أقدم لك خالص تحياتي".

جان-جاك روسو(116)

وفي وسعنا الآن أن نفهم لم ظن روسو أن هناك "مؤامرة" عليه. فمن غير خصومه القدامى، فولتير، وديدرو، وجريم، وغيرهم من نجوم التنوير، يمكن أن يدبروا هذا التغير الفجائي في لهجة الصحف البريطانية من الترحيب والتكريم إلى الهزء والتحقير؟ وفي نحو هذه الفترة نشر فولتير "خطاباً إلى الدكتور ج.ج يانسوف"، غفلاً من اسمه، أعاد فيه ذكر الإشارات المؤذي للشعب الإنجليزي في كتابات جان-جاك-كقوله إنهم ليسوا في الحقيقة أحراراً، وأنهم شديدو الولع بالمال، وأنهم ليسوا بطبيعتهم طيبين. وأعيد نشر أكثر الفقرات إيذاء في كتيب فولتير في دورية لندنية تسمى (للويدز افننج نيوز(117)). وفي 9 مايو كتب روسو إلى كونواي يطلب إليه وقف المعاش الذي يمنح له مؤقتاً. وألح عليه هيوم في قبوله، فرد عليه روسو بأنه لا يستطيع قبول أي امتياز يأتيه من وساطة هيوم. وطالبه هيوم بالتفسير. ويبدو أن روسو قد انتقل الآن إلى حالة من الشك والغيظ. ففي 10 يوليو بعث إلى هيوم بخطاب من ثماني عشرة صفحة من القطع الكبيرة، لا يسمح طوله المفرط بنقله هنا كاملاً، ولكنه من الأهمية البالغة لهذا الشجار الأشهر بحيث يقتضينا الأمر أن نتذكر بعض فقراته الرئيسية:

"إنني مريض يا سيدي، وليس بي كبير ميل للكتابة، ولكن بما أنك طلبت التفسير، فلابد من تقديمه لك.... إنني أعيش خارج العالم، وأجهل الكثير مما يدور فيه...ولا أعرف إلا ما أشعر به..." "إنك تسألني في جرأة من هو الذي يتهمك؟ أنه يا سيدي الرجل الوحيد في العالم كله الذي...أود تصديقه، إنه أنت...وإذا أشير إلى ديفد هيوم بشخص الغائب، فإني جاعلك الحكم فيما ينبغي أن يكون رأيي فيه".

واعترف روسو في إسهاب بأفضال هيوم، ولكنه أردف:

"أما إذا تحريت عن الخبر الحقيقي الذي صنعته بي، فإن هذه الخدمات ظاهرية أكثر منها جوهرية،..فأنا لم أكن نكرة تماماً بحيث أنني لو وصلت وحيدا. لما لقيت عوناً ولا مشورة..وإذا كان مستر ديفنبورت قد تفضل بإعطائي هذا المسكن فهو لم يفعل ذلك لإرضاء مستر هيوم الذي لم يكن يعرفه..وكل الخير الذي أصابني هنا كان يصيبني في الطريقة ذاتها بدونه (هيوم) ولكن الشر الذي أصابني ما كان يقع لي. إذ لم يكون لي أعداء في إنجلترا؟ وكيف لم يتفق أن يكون هؤلاء الأعداء بالضبط أصدقاء لمستر هيوم؟ "وقد نمى إلى أيضاً أن ابن المشعوذ تروشان، ألد خصومي، لم يكن فقط صديق مستر هيوم بل محسوبه أيضاً، وأنهما يسكنان معاً...."

وكل هذه الحقائق مجتمعة تركت في انطباعاً جعلني قلقاً...وفي الوقت نفسه لم تصل الخطابات التي كتبتها إلى وجهتها، وتلك التي تلقيتها كانت مفتوحة؟ وهذه كلها تناولتها يد مستر هيوم". "ولكن ما الذي حدث لي حين رأيت خطاب ملك بروسيا المزعوم منشوراً في الصحف العامة؟..لقد كشف لي شعاع من النور، سر ما طرأ على اتجاه الشعب البريطاني نحوي من تغير فجائي إلى حد مذهل؟ ورأيت في باريس مركز المؤامرة التي تنفذ في لندن..فحين نشر هذا الخطاب المزعوم في لندن لم ينبس مستر هيوم ببنت شفة، ولا كتب لي شيئاً، وهو العليم ولا ريب بأنه خطاب زائف...."

"لم يبقَ لي غير كلمة واحدة أقولها لك. إن كنت مذنباً فلا تكتب إلي، إذ لا جدوى من الكتابة، وثق إنك لن تخدعني. ولكن إن كنت بريئاً فتفضل بتبرير نفسك..وإلا فوداعاً إلى الأبد(118)".

وكان رد هيوم موجزاً (22 يوليو 1766) ولم يجب عن التهم، لأنه خلص إلى أن روسو مشرف على الجنون. وكتب إلى ديفنبورت يقول إن جاز لي أن أبذل النصح فهو أن تمضي فيما بدأته من حسنة حتى يحبس كلبه في مستشفى المجاذيب(119)...فلما سمع أن روسو ندد في خطابات أرسلها إلى باريس (كخطابه إلى الكونتيسة دبوفليه في 9 إبريل 1766)، بعث إلى دبوفليه صورة من خطاب جان-جاك الطويل. فردت على هيوم بما يلي:

"إن خطاب روسو فظيع، أنه مبالغ جداً ولا عذر له فيه إطلاقاً...ولكن لا تحسبه قادراً على الكذب أو الخداع، ولا تتصور انه دجال أو وغد، إن غضبه بلا مبرر حق، ولكنه غضب مخلص، وليس لدي في هذا أي شك..."

"وإليك ما أتصوره السبب فيه. لقد سمعتهم يقولون، ولعله أخبر، إنك صاحب عبارة من خير ما ورد في خطاب مستر ولبول-وأنك قلت مازحاً وأنت تتحدث باسم ملك بروسيا "إن شئت الاضطهاد، فأنا ملك، وأستطيع اضطهادهم نيابة عنك بأي نوع تريد" وأن مستر ولبول...قال إنك صاحب هذه العبارة. فإن صح هذا، وعلم به روسو، فهل تعجب أن يثور سخطه...وهو المرهف الحس، الغضوب، السوادي المزاج، المتكبر(120)".

وفي 26 يوليو كتب ولبول إلى هيوم يحمل نفسه كل اللوم-دون الإعراب عن اي ندم-في أمر الخطاب المزيف، ويدين "قلب روسو الجحود الشرير"(121)، ولكنه لم ينكر أن هيوم كان له يد في الخطاب. وكتب هيوم إلى دولباخ يقول "إنك محق تماماً؛ فروسو وحش". فلما سمع من ديفنبورت أن جان-جاك يكتب "اعترافاته" أفترض أن روسو سيذيع رأيه في الأمر على الملأ. ونصحه آدم سمث، وطورجو والمرشال كيث، بأن يتحمل الهجوم صامتاً، ولكن جماعة الفلاسفة في باريس يقودهم دالامبير، حرضوه على أن ينشر رايته عن نزاع ذاع خبره في عاصمتين. وعليه فقد أصدر (أكتوبر 1766) عرضاً موجزاً للنزاع الذي ثار بين السيدين هيوم وروسو، صاغه بالفرنسية دالامبير وسوار، وبعد شهر ظهر بالإنجليزية. وأذاع جريم مضمونه على نطاق واسع "في خطاب الاشتراك" الذي كتبه في 15 أكتوبر، فتردد صدى المشاجرة في جنيف، وأمستردام، وبرلين، وسانت بطرسبورج. وضاعفت الضجة أكثر من عشر نشرات، ونشر ولبول روايته للنزاع، وهاجم بوزويل ولبول، ورمت مدام دالاتور في "مجمل عن مسيو روسو"، هيوم بأنه خائن، ووفاه فولتير بمزيد من البيانات عن نقائص روسو وجرائمه، وعن اختلافه إلى أماكن سيئة السمعة وعن أعمال التحريض التي أتاها في سويسرا(123). أما جورج الثالث فقد تابع المعركة بفضول شديد(124). وأرسل هيوم الوثائق المتعلقة بها إلى المتحف البريطاني(125).

ووسط هذه الضجة الكبرى لزم روسو الصمت الرهيب. ولكنه صمم الآن على العودة إلى فرنسا أياً كان الخطر والثمن. فقد اكتأب لرطوبة مناخ إنجلترا وتحفظ الخلق الإنجليزي، وكانت العزلة التي نشدها فوق ما يطيق، ولم يكن قد بذل أي جهد في تعلن الإنجليزية فوجد مشقة في التفاهم مع الخدم. ولم يستطع الحديث إلا مع تريز-التي ما فتئت كل يوم تلح عليه في أن يأخذها إلى فرنسا. ودعماً لخططها أكدت له أن الخدم يبيتون دس السم له. وعليه ففي 30 إبريل كتب إلى مالك بيته الغائب يقول:

"غداً اترك بيتك يا سيدي..ولست أجهل الكمائن التي تدبر لي، ولا عجزي عن حماية نفسي، ولكني عشت يا سيدي، ولم يبقَ لي إلا أن أنهي بشجاعة حياة قضيت بشرف..وداعاً سيدي. سآسف دماً على المسكن الذي أبرحه الآن، ولكن أسفي سيكون أكثر لأنني وجدت فيك مضيفاً غاية في اللطف، ومع ذلك لم أستطع أن أجعل منه صديقاً"(126).

وفي أول ما يوفر مع تريز على عجل وفي رعب. وتركا حقائبهما ومالاً للوفاء بإيجار ثلاثة عشر شهراً..ولجهلهما بجغرافية إنجلترا استقلا مختلف وسائل الانتقال غير المباشرة،و قطعا شطراً من الطريق على الأقدام، وظلا عشرة أيام تائهين لا يعرف أحد مستقرهما. وأعلنت الصحف عن اختفائهما، ثم ظهرا في 11 مايو في سبولدنج لينكولنشير، ومنهما وجدا طريقهما إلى دوفر، وهناك استقلا سفينة إلى كاليه في 22 مايو. وبعد أن قضيا في إنجلترا ستة عشر شهراً. وكتب هيوم إلى طورجو وغيره من الأصدقاء طالباً إليهم أن يمدوا يد المعونة للمنبوذ الذي عاد الآن وحيداً مهجوراً إلى فرنسا وهو من الناحية القانونية لا يزال تحت طائلة الأمر باعتقاله.