قصة الحضارة - ول ديورانت - م 10 ك 1 ف 2

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 12867

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> مقدمة -> حرب السنين السبع -> كيف تشعل نار الحرب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني: حرب السبع سنين 1756 - 1763

كيف تشعل نار الحرب

حين وافت سنة 1756 كانت أوربا قد عرفت ثمانية أعوام من السلم. غير أن حرب الوراثة النمساوية لم تحسم شيئاً. فقد تركت النمسا قلقة في بوهيميا وإيطاليا، وبروسيا قلقة في سيليزيا، وبريطانيا قلقة في هانوفر، وفرنسا قلقة في الهند، وأمريكا، وعلى الرين. ولم تحقق معاهدة إكس لاشابل (1748) تسوية للأراضي يمكن أن تقارن في ثباتها بالتسوية التي حققتها معاهدة وستفاليا قبل قرن من الزمان. وتزعزع توازن القوى القديم نتيجة لنمو الجيش البروسي والبحرية البريطانية؛ فقد ينطلق ذلك الجيش ليلتهم أقاليم جديدة، ولا تحتاج تلك البحرية إلا إلى الوقت لتقتنص مستعمرات فرنسا: وهولندا، وأسبانيا. وتغذت الروح القومية الصاعدة في إنجلترا على أرباح التجارة وفرصها، وفي بروسيا على الحرب الظافرة، وفي فرنسا على تفوق ثقافي يشعر شعوراً غير مريح بالاضمحلال العسكري. وكان الصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية قد انتهى إلى مأزق، فترقب الطرفان تحولاً في الحظ ليجددا حرب الثلاثين، طمعاً في الاستيلاء على الروح الأوربية.

وكانت النمسا بادئة بالاستعداد لرمية جديدة للفرد البشري. ذلك أن ماريا تريزا، التي لم تزل رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة الجميل رغم بلوغها التاسعة والثلاثين، اجتمع لها كل كبرياء أجدادها الهابسبوج، وكل غضب المرأة المهانة؛ فكيف تحيا بعد أن بترت سيليزيا من ملكها الموروث، الملك الذي كفلت كل دول أوربا العظمى وحدة أراضيه؟ كيف وهي المرأة التي سيثني بعد حين، حتى فردريك هذا الذي أذلها من قبل، على "بسالتها وكفايتها" ويمتدح الطريقة التي "فطنت بها هذه الحاكمة الأصغر سناً إلى سر الحكم وعدت الروح المسيطرة على مجلسها...حين بدا أن الأحداث تأتمر بها لتدمرها"(1). وقد جعلت من الصلح هدنة فقط بعد أن هزمت وسلمت سيليزيا ثمناً للسلام. ثم كرست نفسها للنهوض بالحكم: وإصلاح جيوشها المحطمة، واكتساب حلفاء أقوياء. فترددت على المعسكرات التي يتدرب فيها جيشها؛ ولهذا الغرض سافرت إلى براغ في بوهيميا، وإلى أولمتز في مورافيا، وشجعت جنودها بالمكافآت والأوسمة، وأكثر من ذلك بحضرتها، حضرة الملكة والمرأة معاً. ولم يكن هناك داعٍ لأن يقسم قوادها يمين الولاء لها، فالولاء في دمهم وفروسيتهم؛ وآية ذلك أن أمير ليشتنشتين أنفق 2000.000 ايكو (1.500.000 دولار؟) من ماله الخاص لجند ويجهز لها سلاح المدفعية كاملاً. وأنسأت قرب فيينا كلية حربية لصغار النبلاء، وجلبت لها خيرة معلمي الهندسة، والجغرافيا، والتحصين والتاريخ. يقول فردريك "في عهدها بلغت العسكرية النمساوية درجة من الكمال لم يعرفها أسلافها قط، وقامت امرأة بتنفيذ خطط جديرة برجل عظيم".(2)

وكانت الدبلوماسية هي الوجه الآخر لخطتها. فأرسلت مبعوثيها إلى كل بلد لتكتسب أصدقاء للنمسا وتثير العداء لفردريك. ولاحظت قوة روسيا الصاعدة، بعد أن نظمها بطرس الأكبر وأطلعت بشؤونها الآن القيصرة اليزافيتا بتروفنا؛ فعملت على أن تصل تعليقات فردريك الساخرة على غراميات القيصرة إلى أذنيها. وكانت ماريا تريزا تتمنى لو جددت تحالفها مع إنجلترا، ولكن ذلك التحالف كدره الصلح المنفصل الذي أبرمته إنجلترا مع بروسيا (1745) والذي أكره النمسا على التخلي عن سيليزيا. وكانت سياسة إنجلترا الخارجية تتجه الآن إلى حماية تجارتها في البحر البلطي من سطوة روسيا، وإحكام قبضتها على هانوفر لتقيها أي خطر يتهددها من بروسيا أو فرنسا. وقد اعتمدت على روسيا في تزويدها بما يلزم بحريتها من أخشاب، واعتمدت على بحريتها في إحراز النصر في الحرب. ومن ثم وقعت إنجلترا في 30 سبتمبر 1755 معاهدة تعهدت فيها روسيا، نظير معونات مالية من إنجلترا، بأن تحتفظ بجيش من 55.000 مقاتل في ليفونيا، وعلل الإنجليز أنفسهم بأن هذا الجيش سيعوق فردريك عن أي مغامرات توسعية صوب الغرب. ولكن كيف تتصرف إنجلترا مع فرنسا؟ لقد ظلت فرنسا عدواً لها مئات السنين، وما أكثر ما أثارت فرنسا أو مولت الأعمال العدائية التي قامت بها اسكتلندا ضد إنجلترا؛ وكم من مرة تأهبت لغزو الجزر البريطانية أو هددت بهذا الغزو. وقد أصبحت فرنسا الآن الدولة الوحيدة التي تتحدى بريطانيا في البحار أو المستعمرات؛ ولو أن بريطانيا ألحقت بفرنسا هزيمة لظفرت بمستعمراتها في أمريكا والهند، ودمرت بحريتها أو شلت حركتها، وعندها لن تكون الإمبراطورية البريطانية آمنة من الخطر فحسب، بل سيداً غير منازع. كذلك كان وليم بت الأب يجادل البرلمان يوماً بعد يوم، بأبلغ ما سمع ذلك المحفل طوال عمره من خطب الخطباء ولكن أيمكن أن تهزم فرنسا؟ وقال بت، أجل، وذلك بحلف بين بروسيا وإنجلترا. وأليس خطراً كبيراً أن يسمح لبروسيا بأن تزداد قوة على قوة؟ وأجاب بت: لا، فإن لبروسيا جيشاً عظيماً سيساعد إنجلترا، بناء على هذه الخطة، على حماية هانوفر، ولكن ليس لها بحرية، ومن ثم لم تقوى على منافسة بريطانيا في البحر، وبدا أن من الأحكم أن يسمح لبروسيا البروتستانتية بالحلول محل فرنسا الكاثوليكية، أو النمسا الكاثوليكية، قوة "غالبة في القارة"، إن كان في هذا تمكيناً لبريطانيا من "أن تسود البحار" وتستولي على المستعمرات. وأي انتصارات يحرزها فردريك في أوربا من شأنها أن تدعم قوة إنجلترا وراء البحار، ومن هنا تفاخر بت بأنه سيكسب أمريكا والهند على ساحات القتال في القارة. فستقدم إنجلترا المال، ويخوض فردريك معارك اليابسة، وتكسب إنجلترا نصف العالم. ووافق البرلمان، وعرضت بريطانيا على بروسيا ميثاقاً للدفاع المشترك. واضطر فردريك لقبول هذه الخطة، لأنه تطور الأحداث حجب بهاء انتصاراته. كان يعلم أن فرنسا تحاول التقرب من فرنسا، فلو أن فرنسا والنمسا ومعهما روسيا أيضاً؛ وهو وضع أسوأ-اتحدت ضده لما استطاع أن يقاومها كلها، وفي مأزق كهذا لن يقوى على نجدته غير إنجلترا. ولو أبرم الميثاق الذي عرضته عليه إنجلترا لاستطاع أن يطالبها بمنع روسيا من مهاجمته ولو كفت روسيا لجاز ثني النمسا عن الحرب. وهكذا وقع فردريك في 16 يناير 1756 معاهدة ويستمنستر، التي تعهدت فيها إنجلترا وبروسيا بمعارضة دخول الجيوش الأجنبية إلى ألمانيا، وكان الحلفان يأملان أن تحمي هذه المادة الوحيدة بروسيا من روسيا، وهانوفر من فرنسا.

وشعرت فرنسا، والنمسا، وروسيا جميعاً أن هذه المعاهدة خيانة من حليفتهم. صحيح إنه لم يحدث إنهاء رسمي للحلفين اللذين ربطا إنجلترا بالنمسا، وفرنسا ببروسيا، في حرب الوراثة النمساوية. وصعقت ماريا يريزا-كما قالت للسفير البريطاني-حين علمت أن أصدقائها الإنجليز أبرموا ميثاقاً مع "الخصم اللدود المقيم لشخصي ولأسرتي(3)". وشكا لويس الخامس عشر من أن فردريك خدعه. ورد فردريك من أن المعاهدة دفاعية بحتة وينبغي ألا تسيء إلى أي قوة لا تنوي الإساءة. أما مدام دبومبادور، التي كانت تختار الوزراء الفرنسيين وتهيمن عليهم، فقد تذكرت أن فردريك كان قد اتهمها بإيداع المبالغ الطائلة في المصارف البريطانية، وسماها "الآنسة سمكة Cotillon Iv, La Demoiselle Poisson" (الجونلة الرابعة-أي رابعة خليلات لويس الخامس عشر). وأما لويس فقد تذكر أن فردريك سخر من أخلاق ملك فرنسا السوقية. ووقع هذا الخذلان لفرنسا على رأسها في وقت كانت فيه جيوشها مرهقة، وخزائنها خاوية، وبحريتها بادئة فقط بالإفاقة من الإهمال الذي لقيته في وزارة الكاردينال فلوري المسالمة. ففي 1756 كان لفرنسا خمس وأربعون بارجة، وإنجلترا مائة وثلاثون بارجة(4)، وكان تموين البحرية تعوقه الرشوة والسرقة، ونظامها تفسده ترقية غير الأكفاء من ذوي الألقاب ترقية مثيرة للسخط كما يفسده تعدد الهزائم. فإلى من تتجه فرنسا الآن حليفاً لها؟ إلى روسيا؟ ولكن إنجلترا سبقتها. إلى النمسا؟-ولكن في الحرب الأخيرة خرقت فرنسا تعهداتها بضمان ميراث ماريا تريزا، وانضمت إلى بروسيا لمهاجمتها، وواصلت الهجوم عليها حتى بعد أن عقد فردريك الصلح معها. لقد كانت النمسا تحت حكم الهابسبورج، وفرنسا تحت حكم البوربون، عدوين قروناً عدة، فكيف يمكن أن تصبحا صديقين هما وشعباهما بعد طول ما ألفا من كراهية متبادلة؟

ومع ذلك كان هذا بالضبط "قلب الأحلاف" الذي اقترحته حكومة النمسا الآن على فرنسا. وقد ولدت هذه الخطة أول ما ولدت-على قدر ما تستطيع الآن تتبع تاريخها-في ذهن الكونت فنتزل أنطون فون كاونتز، أقدر من أنجبته القارة الأوربية في القرن الثامن عشر من الدبلوماسيين وأثقبهم بصيرة وأشدهم إصراراً. وقد قدر لحرب السنين السبع أن تكون صراعاً في السلاح بين فردريك الأكبر والمارشال داون، وصراعاً في الذكاء بين كاونتز وبت. يقول فردريك "إن للأمير كاونتز أحكم رأس في أوربا(5)".

كانت أسرة كاونتز قد طلبت إليه أن يعد نفسه للقسوسية لأنه الابن الثاني، أما هو فأصبح في دخيلة نفسه تلميذاً لفولتير(6). ولما كان أبوه سفيراً لدى الفاتيكان وحاكماً لمورافيا، فقد ورث ابنه الدبلوماسية في دمه. وهكذا أصبح وهو في الحادية والثلاثين مبعوث النمسا في تورين. وكانت أول رسالة منه إلى حكومته مبنية منطقياً على ملاحظة للحقائق السياسية بلغت من الدقة مبلغاً حمل الكونت فون أولفلد على أن يقول لماريا تريزا وهو يعرفها: "هاكِ وزيركِ الأول(7)". وفي عامه السابع والثلاثين كان المفوض النمساوي في مؤتمر أكس لاشابل. وهناك دافع عن مصالح ماريا تريزا بإصرار وبراعة جعلا الإمبراطورة حتى في هزيمتها تشكر له خدماته وإخلاصه. ولما فاتحها في تاريخ مبكر (1749) بخطة التحالف مع فرنسا، تقبلت بذهن مفتوح فكرة معانقة العدو التقليدي لبيتها. لقد كانت مصممة على هزيمة فردريك واستعادة سيليزيا، ولكن كاونتز بين لها أن هذا محال بالتحالف مع إنجلترا التي ركزت قوتها في البحار، إنما هو يتطلب التحالف مع فرنسا وروسيا اللتين تركزان قوتيهما في اليابس. وبين شقي الرحى هذين-فرنسا وروسيا من ناحية، والنمسا من ناحية-يمكن أن يسحق فردريك. وأمرت الإمبراطورة كاونتز بأن يسعى لتحقيق هذا الهدف المنشود. وفي 1751 بعث سفيراً إلى باريس. وأدهش جماعة النبلاء بدهاء مقدمه الرسمي على المدينة، وأبهج عامة الشعب بإحساناته، ورفه عن الصالونات بثيابه الفاخرة، وتنوع عطوره وأسباب تجمله، وخصل شعره المبدرة بعناية(8). قال عنه كارليل "رجل شديد الخيلاء، غريب الأطوار، وقح بعض الشيء(9)". ولكنه وقع في نفس الملك، وخليلته، ووزرائهما؛ موقعاً طيباً بفضل إطلاعه على مواطن الأمور وحسن تقديره لشؤون السياسة. وراح يعد أذهانهم بالتدريج للتحالف مع النمسا. فصور لهم إمكان إقناع روسيا، وبولندا، وسكسونيا، بالإسهام في تأديب فردريك. وتسائل ما لذي جنته فرنسا من وراء تحلفها مع بروسيا-اللهم إلا تضخيم قوة دولة برية تتحدى زعامة فرنسا على القارة، ثم ألم يحنث فردريك المرة بعد المرة بعهده حين وجد أن الحنث في صالحه؟

وكان كاويتز يحرز تقدماً طيباً حين استدعته ماريا تريزا إلى فيينا ليكون مستشاراً لها، وحولت له كامل السلطة في الشؤون الداخلية والخارجية (1753) وعارض النبلاء الشيوخ في بلاط فيينا خطته طويلاً، فشرحها ودافع عنها في صير، وأيدته الإمبراطورة؛ وفي 21 أغسطس 1755 نال اقتراح التحالف مع فرنسا الرسمية للوزارة الإمبراطورية. وصدرت التعليمات للكونت جيورج فون شتارهمبرج، الذي خلف كاونتز سفيراً في باريس، بأن يروج للخطة الكبرى في كل فرصة تتاح له لدى لويس الخامس عشر ومدام ديومبادور. وأرسل كاونتز خطاباً كله إطراء إلى "الخليلة الرسمية" (30 أغسطس 1755) أرفق به مذكرة رجاها أن تسلما للملك سراً. ففعلت. وكانت المذكرة من ماريا تريزا، وهذا نصها. "إنني بصفتي إمبراطورة وملكة، أعد بألا يذاع شيء على الإطلاق من كل ما سيعرضه الكونت شتارهمبرج باسمي على الملك المسيحي جداً، وبأن يحتفظ دائماً بأعمق السرية في هذا الأمر؛ سواء نجحت المفاوضات أو فشلت. ومن المفهوم بالطبع أن الملك سيعطي إقراراً ووعداً مماثلين". فيينا، 21 يونيو 1755(10).

وعين لويس الابيه دبرنيس والمركيزة دبومبادور للاجتماع سراً بشتارهمبرج في جناحها "بابيول". هناك اقترح السفير باسم الإمبراطورة أن تتخلى فرنسا عن تحالفها مع بروسيا، وأن تتعهد بأن تقدم للنمسا على الأقل معونة مالية في حالة نشوب الحرب. وقال إن فردريك حليف عديم الفائدة، لا يركن إليه. ولمح بأن فردريك، حتى في تلك اللحظة مشغول باتصالات سرية مع الوزارة البريطانية. وتعد النمسا من جانبها بأن تمتنع عن أي عمل عدائي ضد فرنسا إذا دخلت فرنسا في حرب مع إنجلترا، وفي حالة نشوب هذه الحرب تسمح النمسا لفرنسا باحتلال أوستند ونيويورت، وقد تسمح نهائياً بأن تكون الأراضي المنخفضة النمساوية من نصيب فرنسا.

ولاحظ لويس أن هذا الميثاق سيورطه في حرب نمساوية ضد بروسيا، ولكنه لا يلزم النمسا بأن تعين فرنسا على إنجلترا. وكان له عذر في أن يخشى جيش فردريك أكثر من الجيش النمساوي-الذي طالما هزم، والذي كانت قيادته في الحرب الأخيرة غاية في السوء. فأمر لويس أن يرد بأن فرنسا لن تغير تحالفها مع بروسيا ما لم تقدم لها البراهين على اتصالات فردريك بإنجلترا. ولم يستطع كاونتز حتى ذلك التاريخ أن يقدم هذه البراهين، فتوقف سير خطته مؤقتاً. ولكن حين تلقى لويس اعتراف فردريك بمعاهدة ويستمنستر الإنجليزية البروسية، رأى أن تحالفه مع بروسيا مات في الحقيقة والواقع. وربما خطر له، وهو غارق في آثامه، أنه قد يسترضي الله بتوحيد الدول الكاثوليكية-فرنسا، والنمسا، وبولندا، وأسبانيا-في مخطط يهيمن به على مصائر أوربا(11). وعليه ففي أول مايو 1756 أتمت معاهدة فرساي قلب الأحلاف رأساً على عقب. وأعلنت ديباجة المعاهدة أن هدفها الوحيد هو المحافظة على سلام أوربا وتوازن القوى. فإذا تعرض أحد الطرفين المتعاقدين لتهديد في ممتلكاته الأوربية من أي دولة غير إنجلترا، ولا تعين فرنسا النمسا على بروسيا ما لم تكن بروسيا هي المعتدية على نحو واضح. وإذ لم يرَ لويس أي احتمال لأن تعرض بروسيا مكاسبها للخطر بعودتها إلى مهاجمة النمسا، فقد استطاع هو وخليلته أن يوهما نفسيهما بأن الحلف الجديد يعين على السلام في القارة.

ولم يحقق كاونتز إلى الآن كل هدفه في الحصول على المعونة الفرنسية ضد بروسيا. ولكنه تذرع بالصبر، فلعله يستطيع إثارة فردريك ليهاجم النمسا ولم يجد أحد أثناء ذلك صعوبة تذكر في إقناعه القيصرة بالانضمام إلى الحلف الجديد، فقد كانت اليزافينا تتوق إلى إزالة العقبة البروسية من طريق توسع روسيا غرباً. وعرضت أن تهاجم بروسيا قبل نهاية عام 1756 إن وعدت النمسا بأن تهاجمها هي أيضاً، ووعدت بأنها في هذه الحالة لن تعقد صلحاً مع بروسيا إلا إذا ردت سيليزيا كاملة إلى النمسا. وأبهجها أن تعام بأن فرنسا أبرمت معاهدة فرساي. وأضطر كاونتز إلى كبح حماستها، فهو يعلم أن جيوشها لن تكون مهيأة لخوض حملة كبرى قبل 1757. فتريث حتى 31 ديسمبر 1756، ثم وقع الاتفاقية التي انضمت روسيا بمقتضاها إلى الحلف الفرنسي النمساوي.

وخلال ذلك كانت إنجلترا؛ الواثقة من أن تحالفها مع فردريك سيشل حركة النمسا، قد بدأت فعلاً عملياتها البحرية ضد فرنسا دون أي إعلان للحرب. وراحت السفن الحربية الإنجليزية من يونيو 1755 تستولي على السفن الفرنسية كلما استطاعت. وردت فرنسا بالاستعداد لغزو إنجلترا، وبتجريد أسطول من خمس عشرة سفينة تحت إمرة الدوق دريشليو ليهاجم جزيرة مينورقة التي كان البريطانيون قد استولوا عليها في حرب الوراثة الأسبانية (1709). وتعزيزاً للحامية البريطانية الصغيرة في الجزيرة أرسلت بريطانيا عشر سفن يقودها الأميرال جون بينج، وانضمت إليها ثلاث سفن إضافية في جبل طارق. وفي 20 مايو 1756 أشتبك الأسطولان العدوان قرب مينورقة. فهزم الفرنسيون، ولكن الأسطول الإنجليزي أصيب بأضرار حملت بينج على العودة به إلى جبل طارق دون محاولة لإنزال تعزيزات على بر مينورقة. وسلمت الحامية العاجزة، وأصبح لفرنسا الآن موقع استراتيجي في البحر المتوسط. وأشاد القوم بريشليو بطلاً في باريس وفرساي، وأعدم بينج على سطح سفينته في ميناء بوردسموث (14 مارس 1757) بتهمة عدم بذله قصارى جهده للانتصار. وعبثاً تشفع له فولتير وريشليو، وقال فولتير إن هذا هو الأسلوب الذي تتبعه إنجلترا في "تشجيع الآخرين" الذين يتولون القيادات البريطانية. في 17 مايو 1756 أعلنت إنجلترا الحرب على فرنسا، ولكن البداية الرسمية لحرب السنين السبع تركت لفردريك.

وكان عليماً بأن فتحه لسيليزيا عرضة لمحاولة استردادها في أي وقت تجد فيه ماريا تريزا موارد وحلفاء جدد. وكانت موارده هو محدودة بشكل خطر، ومملكته أخلاطاً من الأوصال المقطعة؛ فبروسيا الشرقية تفصلها بولندا عن بروسيا، والأقاليم البروسية في ويستفاليا وفرزيا الشرقية تفصلها الدويلات الألمانية المستقلة عن براندنبورج. وكان سكان بروسيا بما فيها هذه الأجزاء المتنافرة وسيليزيا يبلغون نحو أربعة ملايين نسمة عام 1756، وسكان إنجلترا ثمانية ملايين، وسكان فرنسا عشرين مليوناً. وكان شطر كبير من سكان بروسيا في سيليزيا، التي ظل نصفها كاثوليكياً متعاطفاً مع النمسا. وعلى سبعة أميال فقط من برلين كانت حدود سكسونيا المعادية، التي كان أميرها: الناخب، أوغسطس الثالث ملك بولندا الكاثوليكي، ينظر إلى فردريك نظره إلى زنديق وقح جشع. فكيف السبيل إلى البقاء وسط هذا المرجل الذي يغلي بالعداء له؟

ليس إلا بالعقل الراجح، والاقتصاد، والجيش القوي، والقواد الأكفاء، أما عقله فقريع في حدة ذكاءه لأي عقل آخر؛ وهو أفضل حكام عصره تعليماً، وقد أثبت جدارته في رسائله وأحاديثه، وجدله مع فولتير. ولكن لسانه كان أحد من أن يسمح العقل بإطلاقه على الناس، ولعل أموره كانت تجري بأيسر مما جرت لو أنه لم يصف اليزافيتا بتروفنا، وماريا تريزا، ومدام دبومبادو، بأنهن "ثلاثة كبار عاهرات أوربا(12)"؛ ومن بواعث العزاء لنا أن نرى أنه حتى عظماء الرجال قد يسلكون مسلك الحمقى بين الحين والحين. أما عن اقتصاد بروسيا، فإن فردريك أخضعه لسيطرة الدولة ولما رآه ضرورات لا غنى عنها لحرب ممكنة. في هذه الظروف لم يجرؤ على تغيير الهيكل الإقطاعي للحياة البروسية مخافة أن يختل التنظيم الإقطاعي لجيشه. فلقد كان الجيش خلاصه ودينه. أنفق على صيانته تسعين في المائة من موارده(13) وسماه "أطلس" الذي حملت كتفاه القويتان الدولة(14). وزاده من 100.000 مقاتل خلفه له أبوه حتى بلغ به 150.000 في 1756. ودربه بالعقوبات الصارمة على الطاعة الفورية الصارمة؛ وعلى السير في ثبات صوب الخط المواجه له دون أن يطلق طلقة حتى يصدر إليه الأمر، وعلى تغيير اتجاهه، والمناورة بكتلته كلها، وهو تحت نيران العدو. وكان على رأس الجيش في بداية الحرب خيرة القواد في أوربا بعد فردريك نفسه-شفيرين، وسيدلتز، وجيمس كيث.

ولم يكن أقل من قواده أهمية أولئك الجواسيس الذين بثهم بين أعدائه ولم يترك له جواسيسه شكاً في أن ماريا تريزا تؤلف حوله نطاقاً من القوى المعادية. وفي 1753-1755 حصل جواسيسه في درسدن ووارسو على نسخ من رسائل سرية تبادلتها الوزارتان السكسونية والنمساوية، أقنعته بأن هذين البلاطين يأتمران للهجوم على بروسيا وتقطيع أوصالها إن حالفهما الحظ وأن فرنسا تتستر على المؤامرة(15). وفي 23 يونيو 1756 أصدر أمره للقائد البروسي في كونجزبرج بأن يستعد لمقابلة هجوم عليه من روسيا. وأبلغ الحكومة البريطانية بأن "لدى بلاط فيينا ثلاث خطط تشير إليها خطاه الحالية: أن يوطد حكمه الاستبدادي في الإمبراطورية، وأن يقضي على البروتستانتية، وأن يعيد فتح سيليزيا(16)". علم أن سكسونيا تدبر زيادة جيشها من سبعة عشر ألف مقاتل إلى أربعين ألفاً خلال الشتاء(17). وخمن أن الحلفاء يترقبون ربيع 1757 ليزحفوا عليه من ثلاث جهات، فصمم على أن يضرب ضربته قبل أن تكتمل تعبئة قواته.

وقد شعر أن فرصته الوحيدة للنجاة من الخطر الذي يهدده هي شل حركة عدو واحد على الأقل من أعدائه قبل أن يستطيعوا توحيد صفوفهم في مقاتلته. ووافقه شقرين، ولكن أحد وزرائه المسمى الكونت فون بوديفيليس رجاه ألا يعطي أعداءه ذريعة لاتهامه بأنه المعتدي. ولقبه فردريك "السيد صاحب السياسة الجبانة(18)" وكان قبل ذلك بزمن طويل، في "ميثاق سياسي" سري (1752) قد نصح خليفته بأن يفتح سكسونيا فيتيح بفتحها لبروسيا الوحدة الجغرافية، والموارد الاقتصادية، والقوة السياسية التي لا غنى عنها لمن يريد البقاء(19). ولكنه نحى الفكرة جانباً باعتبارها فكرة لا يقوى على تحقيقها. أما الآن فقد رآها ضرورة حربية فلابد له من حماية حدوده الغربية بتجريد سكسونيا من السلاح. وكان حتى في كتابه القريب من المثالية. "المعارض لمكيافللي" (1740) قد وافق على الحرب الهجومية إذا أريد بها الحيلولة دون هجوم داهم من العدو(20). وأخبره متشل، الوزير الروسي في إنجلترا، أنه رغم رغبة الحكومة البريطانية القوية في الحفاظ على السلام في القارة، فهي تدرك الضرورة القاهرة التي يواجهها فردريك ولن تعتبره "ملوماً" على الإطلاق إذا هو حاول أن يسبق أعداءه بدلاً من الانتظار حتى ينفذوا فيه نياتهم العدائية(21).

وقي يوليو 1756 أوفد مبعوثاً إلى ماريا تريزا يطلب تأكيداً بأن النمسا لا تنوي القيام بأي هجوم على بروسيا لا في تلك السنة ولا في السنة التالية. ورأى عضو في الوزارة النمساوية أن الواجب إعطاء هذا التأكيد؛ ولكن كاونتز رفض إرساله؛ فكل ما تود ماريا تريزا أن تقول هو أنه "في الأزمة الراهنة أراه ضرورياً أن أتخذ تدابير لتأمين نفسي وحلفائي، وليس من شأن هذه التدابير الإضرار بأحد(22)". وأرسل فردريك رسالة ثانية للإمبراطورة يسألها جواباً صريحاً على طلب التأكيد؛ فأجابت بأنها "لم تبرم حلفاً هجومياً, ومع أن موقف أوربا الدقيق يضطرها إلى التسلح، فإنها لا تنوي خرق معاهدة درسن ( التي تعاهدت فيها بمسالمة فردريك)، ولكنها لن تربط نفسها بأي وعد يمنعها من التصرف وفقاً لمقتضيات الظروف(23)". وكان فردريك يتوقع هذا الجواب، وقبل أن يصله قاد جيشه إلى سكسونيا (29 أغسطس 1756). وهكذا بدأت حرب السنين السبع.


طريد القانون 1756 - 1757

وبذل فردرك محاولة فاترة ليجند ناخب سكسونيا حليفاً له، فعرض عليه بوهيميا رشوة-وكانت ملكاً لماريا تريزا. ولكن أغسطس احتقر هذا التصدق بمال الغير، وأمر قواده بوقف زحف فردريك، ثم فر إلى وارسو. وكانت القوة السكسونية أصغر من أن تقاوم أعظم جيش في أوربا، فانسحبت إلى القلعة في بيرنا، ودخل فردريك درسن دون مقاومة (9 سبتمبر 1756) وأمر عملاءه للفور بأن يفتحوا المحفوظات السكسونية ويأتوه بأصول تلك الوثائق التي كشف من قبل عن اشتراك سكسونيا في الخطة المرسومة لتأديب بروسيا وربما لتقطيع أوصالها. ووقفت الملكة الناخبة العجوز بشخصها لتحول دون الوصول إلى المحفوظات، وطالبت فردريك بأن يحترم حقها بعدم العدوان عليها. أما هو فأمر بإزالتها من الطريق، ففرت، ووضع يده على الوثائق.

وأرسلت ماريا تيرزا جيشاً من بوهيميا لإزاحة الغازي من مكانه، فالتقى به فردريك وهزمه في لوبوزيتس، على الطريق من براغ إلى درسن (أول أكتوبر) وعاد ليحاصر بيرنا، فسلمت له (15 أكتوبر)، وحشد الأربعة عشر ألف جندي من أسرى السكسونيين في فرقة، وحجته أن هذا أرخص له من إطعامهم وهو أسرى حرب، فلقد كان شره الألمان للطعام أمراً مشهوراً ولا فخر. وأعلن أنه فتح سكسونيا، واستخدم مواردها لتلبية حاجاته. ونشر على الملأ خلال الشتاء الوثائق السكسونية. فزعمت ماريا تريزا أنها مزيفة، واستنجدت بفرنسا وروسيا وكل المسيحيين الذين يخافون الله واستعدتهم على ذلك الرجل الذي زج بعدوانه الصارخ أوربا في خضم الحرب من جديد.

واتفقت أوربا عموماً على إدانة فردريك. وأعلنت الإمارات الألمانية الحرب على بروسيا (17 يناير 1757) مخافة أن يحيق بها ما حاق بسكسونيا إذا انتصر فردريك، وجمعت جيشاً إمبراطورياً لقتال ملك بروسيا. ولم يضيع كاونتز وقتاً في تذكير لويس الخامس عشر أن فرنسا قد وعدت النمسا بالمعونة إذا تعرضت للخطر. وألحت الدوقينة؛ ابنة ناخب سكسونيا، على حميها في أن ينقذ أباها. أما مدام دبومبادور، التي عللت نفسها من قبل بأمل الاستمتاع بملكها في سلام، فقد مالت الآن إلى الحرب. وتقديراً لمعونتها أهدتها ماريا تريزا صورة ملكية رصعت بالجواهر وقدرت بمبلغ 77.278 جنيهاً؛(14) وانقلبت دبومبادور امرأة حربية. أما لويس الذي كان عادة بطيء الحسم، فقد اتخذ قراره بعزيمة لا تنثني. والتزمت فرنسا الآن بمقتضى معاهدة فرساي الثانية (أول مايو 1757) بتحالف دفاعي هجومي مع النمسا، وتعهدت لها بمعونة سنوية قدرها عشر مليون فلورين، ووافقت على تجهيز جيشين ألمانيين، وعرضت تخصيص قوة فرنسية قوامها 105.000 مقاتل لتدمير بروسيا تدميراً تاماً". ووعدت بألا تعقد صلحاً على الإطلاق مع بروسيا حتى ترد سيليزيا إلى النمسا. فإذا ردت حصلت فرنسا على خمس مدن حدود في الأراضي الواطئة النمساوية، ونقلت ملكية هذه الأراضي الواطئة الجنوبية إلى ولية عهد أسبانيا البوربونية لقاء دوقيات أسبانية في إيطاليا. ولعل فرنسا كانت تتخلى على وعي منها عن مستعمراتها للفتح البريطاني بتكريس مواردها كلها تقريباً لالتهام "بلجيكا". واستطاع كاونتز أن يحس بأنه أحرز نصراً دبلوماسياً عزيزاً.

ولم يجد الآن مشقة في أن يستميل روسيا إلى مديد العون النشيط إلى النمسا. وتعهدت روسيا والنمسا بمقتضى اتفاقية سانت بطرس بورج (2 فبراير 1757) بأن تضع كل منها ثمانين ألف جندي في الميدان، وأن تخوض الحرب إلى أن توحد سليزيا مع النمسا من جديد وتختزل بروسيا إلى دولة صغيرة. ثم اتجه كاولتز إلى السويد فأدخلها الحلف بأن كفل لها في حالة الانتصار كل الشطر البومراني الذي سلم لها في معاهدة وستفاليا. وفرض على السويد أن تقدم 25.000 مقاتل، وعلى النمسا وفرنسا أن تمولا هذا الجيش . وتعهدت بولندا التي كان يحكمها الملك اللاجئ أوغسطس الثالث بتقديم مواردها المتواضعة إلى الحلف الفرنسي والنمساوي، وهكذا تكتلت ضد فردريك كل أوربا باستثناء إنجلترا، وهانوفر، والدنمرك، وهولندا، وسويسرا، وتركيا، وهسه-كايل.

ووجدت إنجلترا من الأسباب ما يغريها بترك فردريك لمصيره. ذلك أن جورج الثاني رأى في فزع أن موطنه المحبوب هانوفر الإمارة الناخبة التي قدم منها أبوه ليحكم بريطانيا، وقفت عاجزة عن الدفاع عن نفسها في طريق جيش عرمرم، بينما كان فردريك أعجز من أن يقدم لها عوناً ذا بال وبينها وبين هذه الشقة والأعداء يشددون عليه النكير. وأصبح هذا الإغراء أمراً لا يكاد يقاوم حين عرض كاونتز عدم المساس بهانوفر إذا ظلت بمعزل عن الحرب القاربة؛ في تلك اللحظة كان مصير فردريك في خطر. وكان بت، الذي عين وزيراً للخارجية في 19 نوفمبر 1756 ميالاً أول الأمر لترك بروسيا وهانوفر تذودان عن نفسيهما دون عون من الخارج، بينما تركز إنجلترا كل مواردها الحربية على الصراع على المستعمرات، لا عجب إذن أن يبغض جورج الثاني المتعلق بهانوفر ووزيره بت ولكن بت لم يلبث أن غير رأيه. وصرح أن فرنسا المنتصرة على فردريك ستغدو سيدة على أوربا، وعلى إنجلترا أيضاً بعد قليل، فعلى البرلمان إذن أن يوافق على إرسال المال لفردريك والجنود لهانوفر، ولابد من إكراه فرنسا على استنزاف قوتها في أوربا، بينما تنتزع إنجلترا المستعمرات والأسواق من البحار التي تفتحها.

وعليه ففي يناير 1757، أبرمت بريطانيا حلفاً ثانياً مع بروسيا، تعهدت فيه بالعون المالي لفردريك، وبالجنود لهانوفر. ولكن حدث أن أقيل بت فجأة (5 إبريل) وأربكت أهواء السياسة حكمتها، وتعطل إرسال العون لفردريك، وظل عاماً تقريباً يقف وحيداً، ومعه 145.000 مقاتل، أمام جيوش تحدق به من كل صوب، ففي القرب 105.000 مقاتل من فرنسا، 20.000 مقاتل من الدويلات الألمانية، وفي الجنوب 133.000 من النمسا، وفي الشرق 60.000 من روسيا، وفي الشمال 16.000 من السويد. في ذلك اليوم الذي شهد سقوط بت، وسم الإمبراطور فرنسيس الأول-زوج ماريا تريزا، اللطيف الوديع عادة-فردريك رسمياً بأنه خارج على القانون، ودعا كل الرجال الصالحين إلى تعقبه وتصيده لأنه عدو للنوع الإنساني عاصٍ فاجر.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

من براغ إلى روسباخ 1757

في 10 يناير أرسل فردريك إلى وزاراته في برلين تعليمات سرية: "يجب أن تجري الأمور مجراها دون أدنى تغيير إن قتلت، وإن تعثر حظي فأسرت، فأني أمنع أقل اعتبار لشخصي، أو أدنى التفات لأي شيء قد أكتبه وأنا في الأسر"(25).

وكانت لفتة عديمة الجدوى، لأن بروسيا كانت ضائعة لا محالة بدون عبقريته الحربية. وكان أمله الوحيد في ملاقاة أعدائه كلٍ على حدة قبل أن يستطيعوا التجمع عليه. ولم يكن الفرنسيون مستعدين للمعركة، وربما استطاعت الفرق التي ترسلها إنجلترا لهانوفر أعاقته برهة. أما النمساويون فيحشدون في بوهيميا ومورافيا القريبتين مخازن هائلة من الأسلحة والمؤن لتجهيز جيوشهما لغزو سليزيا. وقرر فردريك أن يبدأ بالاستيلاء على هذه المخازن الثمينة، ومقاتلة النمساويين، ثم العودة لملاقاة الفرنسيين. فقاد قوته من سكسونيا، وأمر دوق برنزويك-بيفرن من ألمانيا الشرقية، والمرشال شيفرين من سيليزيا، بالزحف في بوهيميا وملاقاته في التلال المشرفة على براغ من الغرب. وقد تم هذا، استولى فردريك على المخازن، وفي 6 مايو على مقربة من براغ، التقى 64.000 بروسي بجيش نمساوي عدته 61.000 مقاتل تحت إمرة شارل أمير اللورين في فاتحة المعارك الكبرى في هذه الحرب. ولم يكن الفاصل في المعركة هو الكثرة، ولا الاستراتيجية، بل الشجاعة ذلك أن فرق شيفرين زحفت تحت نيران النمساويين مخترقة المستنقعات والماء يغطي خصور الجند ثم أكتافهم. وأدركهم اليأس حيناً وهموا بالفرار، فجمع شملهم شقرين البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عاماً ولف العلم حول بدنه، وركب رأساً في مواجهة العدو، فضُرب بخمس رصاصات في وقت واحد، وخر صريعاً، أما رجاله الذين كاد حبهم له يفوق خوفهم من الموت، فقد حملوا على العدو في غضبة مضرية وحولوا الهزيمة نصراً. وكان التقتيل في الجانبين رهيباً، وشملت خسائر فردريك أربعمائة ضابط وخير قائد عنده، في هذه الحرب لم يكن القواد يموتون حتف أنوفهم، وتقهقر من بقي من النمساويون وعددهم 46.000 إلى القلعة في براغ، وتهيئوا لمقاومة الحصار.

ولكن فردريك وجد الحصار عسيراً، لأن المرشال ليوبولد فون داون، أكفأ القواد النمساويين، كان قادماً من مورافيا على رأس 64.000 مقاتل آخرين. فسار فردريك شرقاً يقود 32.000 مقاتل بعد أن ترك جزءاً من جيشه ليحاصر القلعة، والتقى بالجحافل الزاحفة عند كولن (16 يونيو)، وكانت ميزة العدو عليه كبيرة جداً وبراعة داون الحربية في هذه الحالة تفوق براعته. وعصى اثنان من قواد فردريك أوامره فأحدثوا خللاً في الجيش، وفقد فردريك أعصابه وصاح بفرسانه "هل أنتم مخلدون؟"(26). أما المشاة فرفضوا الزحف وقد هالهم التقتيل. وانسحب فردريك من ساحة القتال جزعاً، بعد أن ترك عليها 14.000 بروسي ما بين قتيل وجريح وأسير وعاد بالأحياء وعددهم 18.000 إلى براغ؛ وأقلع عن الحصار ورجع بما بقي له من جيشه صوب سكسونيا. وفي لايتميريتس أراح جيشه ثلاثة أسابيع. وفي 2 يوليو تلقى هناك نبأ موت أمه صوفيا دوروتيا. وأنهار رجل الحرب الفولاذي، وبكى، واعتزل الناس يوماً، ولعله ساءل نفسه الآن ألم يكن هجومه على سيليزيا قبل سبعة عشر عاماً إغراء أحمق زينته له ربة الانتقام. وشاطرته الحزن شقيقته فلهلميني، أميرة بايرويت، التي أحبها أكثر من أي مخلوق آخر، ففي 7 يوليو أرسل إليها نداء يائساً بعد أن أوشكت كبرياؤه على النضوب: ما دمت يا شقيقتي العزيزة على الاضطلاع بمهمة السلام العظمى فأرجوكِ أن تتفضلي بالكتابة إلى المسيو دميرابو...ليعرض على السيدة المقربة (مدام دبومبادور سابقاً كوتيون الرابعة مبلغاً يصل إلى 500.000 كراون ثمناً للصلح...إني أترك الأمر كله لكِ...أنتِ التي أعبدها، والتي هي ذاتي الثانية، وأن كنتِ أكثر مني كياسة بما لا يقاس(27).

ولكن المحاولة لم تأتِ بنتيجة. فجربت فلهلميني طرقة أخرى: كتبت إلى فولتير الذي كان يقيم في سويسرا ورجته أن يستعمل نفوذه. ونقل فولتير إلى الكردينال دتانسان، الذي كان قد عارض في الحلف الفرنسي- النمساوي، وحاول تانسان ولكنه أخفق(28)، فقد كان الحلفاء يشمون ريح النصر وراحت ماريا تريزا تتحدث عن تمزق أوصال ملك فردريك إرباً، فلا يكفي أن ترد لها سيليزيا وجلاتز، بل يجب أن تعطي مجدبورج وهالبر شتات إلى أوغسطس الثالث وتعود بومرانيا إلى السويد ويكافأ ناخب البالاتين بكليفز ورافنسبورج.

وقد بدت آمالها معقولة. ذلك أن "جيش الدوفينة" الفرنسي كان قد دخل ألمانيا، وكان شطر منه بقيادة أمير سوبيز، القائد الأثير لدى بومبادور، في الطريق للانضمام إلى الجيش الإمبراطوري عند إوفورت، وزحف شطر آخر بقيادة المرشال دستربه ليلتقي بقوة هانوفرية يقودها الدوق كمبرلاند، وهو ابن جورج الثاني. وعلى مقربة من قرية هاشتنبيك هزم الفرنسيون هذه القوة هزيمة منكرة (26 يوليو) أكرهت الدوق على أن يبرم في كلوستر-تسيفين (8 سبتمبر) "اتفاقاً" تعهد بمقتضاه أن يمنع جنوده الهانوفريين من أي اشتباك مع فرنسا.

وربما بلغ فردريك نبأ هذا التسليم المذل تقريباً في نفس الوقت الذي بلغته فيه الأنباء بأن جيشاً سويدياً نزل أرض بومرانيا، وجيشاً روسياً 100.000 مقاتل بقيادة ستيبان أبراكسين غزا بروسيا الشرقية وسحق قوة من 30.000 بروسي عند جروس-ييجرزدورف (30 يوليو) وكادت الهزائم بالإضافة إلى الكارثة التي أصابته في بوهيميا تقضي على أمل فردريك في قهر أعداء بهذه الكثرة وهذا التعزيز باحتياطيات من العتاد والرجال. أما وقد كفر بفضائل المسيحية كما كفر بلاهوتها، فإنه لجأ إلى أخلاقيات الرواقيين وفكر في الانتحار. وظل إلى نهاية الحرب يحمل قنينة سم إذ عقد النية على ألا يضع أعداؤه أيديهم عليه إلا جثة هامدة. وفي 24 أغسطس أرسل إلى فهلميني خطاباً يسبح فيه بحمد الموت فيما يشبه الهستريا:

"والآن يا مروجي الأكاذيب المقدسة، أمضوا في سحب الجبناء من أنوفهم...أما أنا فقد انتهى في نظري سحر الحياة واختفت تعويذتها. ولست أرى في الخلق جميعاً غير ألعوبة في يد القدر، فإن كان هناك حقاً كائن عابس لا يرحم، يسمح لقطيع محتقر من المخلوقات بأن يتكاثر هنا، فهو لا يرى لهم وزناً، وهو ينظر من عليائه إلى مخلوق مثل فالاريس متوجاً، أو مثل سقراط مكبلاً بالأغلال، إلى فضائلنا ورذائلنا، إلى أهوال الحرب والأوبئة الرهيبة التي تدمر الأرض، وكأنها أشياء لا تهمه. لذلك كان ملجأي الوحيد وملاذي الذي لا ملاذ غيره يا شقيقتي العزيزة، إنما هو في حضن الموت".(29) وردت علة خطابه (15 سبتمبر) بأن أقسمت أن تنتحر مثله:

يا شقيقي العزيز، لقد كان يقتلني خطابكِ، والخطاب الذي بعثت به إلى فولتير. يا إلهي القدير، أي قرارات رهيبة! أواه يا أخي العزيز، تقول إنك تحبني، ومع هذا فأنت تغمد خنجراً في قلبي. إن خطابك جعلني أذرف أنهاراً من الدموع. وأنا الآن خجلة من هذا الضعف...ومصيرك سيكون مصيري. فلن أعيش بعد عثرات حظك وحظ البيت الذي أنتمي إليه. ولك أن تعتبر هذا قراري الذي لن أحيد عنه.

"ولكن بعد هذا العهد دعني أتوسل إليك أن تعود بفكرك إلى ما كان عليه العدو من حال سيئة وأنت مرابط أمام براغ. إنها دولة الحظ الفجائية يصيب الفريقين. لقد كان قيصر مرة عبداً للقراصنة، ثم أصبح سيداً على العالم. وإن عبقرية هائلة كعبقريتكَ لتجد لها المنافذ حتى حين يبدو أن كل شيء ضاع. إنني أقاسي أكثر ألف مرة مما أستطيع ذكره لك، ومع ذلك لا يفارقني الأمل...على أن أختم الآن، ولكني سأظل دائماً، مع أعمق الاحترام أختك فلهلميني".(30)

ولجأت إلى فولتير ليعزز رجاءها، فأمن على حججها في مطلع أكتوبر في أول خطاب كتبه لفردريك منذ 1753. وقال:

"إن المقاتلين من أمثال كاتو وأوتو، الذين ترى جلالتكم أن موتهم كان شرفاً لهم، ما كان في استطاعتهم أن يفعلوا شيئاً آخر غير القتال أو الموت". يجب أن تذكر كم من بلاط يرى غزوك لسكسونيا انتهاكاً للقانون الدولي...وأن أخلاقنا ومركزك في غير حاجة إطلاقاً لهذه الفعلة (الانتحار) وحياتك ضرورية وأن تعلم كم هي غالية في نظر أسرة كثيرة العدد...وأحوال أوربا لا تستقر طويلاً على أساس واحد، والواجب على رجل مثلك أن يتماسك استعداداً للأحداث...ولو أن بسالتك أفضت بك إلى ذلك التطرف البطولي لما استحسنها الناس فأنصارك سيدينونها، وخصومك سينتصرون(31)". وأجاب فردريك نثراً وشعراً وقال:

"أما أنا المهدد بالغرق، فعليّ وأنا أتصدى للعاصفة أن أفكر، وأحيا وأموت ملكاً(32)". وبين قصائد الشعر (التي نظمها دائماً بالفرنسية) راح يبحث عن الجيش الفرنسي، وتاقت نفسه الآن إلى معركة تحسم له مشكلة الحياة أو الموت. وحين كان في لييزج، في 15 أكتوبر أرسل في طلب يوهان كرستوف جوتشيد (الذي كنا يقرض الشعر بالألمانية) وحاول إقناعه بأن الشعر الألماني ضرب من المحال. ففيه فرقعات كثيرة جداً-وحتى في اسم الأستاذ هناك خمسة في صف واحد، فكيف تحدث اتساقاً في الأصوات من لغة كهذه؟ واحتج جوتشيد. وكان على فردريك أن يعد لزحف جديد، ولكن بعد عشرة أيام حين عاد إلى لييزج، استقبل الشاعر الشيخ ثانية، ووجد متسعاً من وقته ليستمع إلى قصيدة غنائية بالألمانية من نظم جوتشيد، وأهداه علبة نشوق ذهبية عربون الرضى وهو يودعه.

وخلال ذلك الفاصل الأدبي جاءته أنباء أسوأ: فقوة من الكروات يقودها الكونت هاديك تزحف على برلين، والشائعات تزحف بأن الكتائب السويدية والفرنسية تزحف لتطبق على العاصمة البروسية. وكان فردريك قد ترك فيها حامية ولكنها أصغر كثيراً من أن تصد هذا السيل العارم: ولو سقطت برلين لوقع في يد العدو أهم مصدر لإمداداته من السلاح، والبارود، والملابس، وهرع بجيشه لينقذ المدينة وأسرته. وخلال زحفه أنبئ بأن ليس هناك قوات فرنسية ولا سويدية تزحف على برلين، وأن هاديك توقف في ضواحي العاصمة وأقضى فدية قدرها 27.000 جنيه من برلين، ثم رحل بجنده الكروات راضياً (16 أكتوبر). وجاءه نبأ سرى عنه، هو أن الروس بقيادة أبراكسين انسحبوا من بروسيا الشرقية إلى بولندا بعد أن نال منهم المرض والجوع. وأتته رسائل لم تشرح صدره، تقول إن الجيش الفرنسي بقيادة سوبيز دخل سكسونيا، ونهب المدن الغربية، وأنظم إلى الجيش الإمبراطوري الذي يقوده دوق ساكس-هيلدبور جهاوزن. وعاد الملك المرهق أدراجه، وقاد جنده إلى قرب روسباخ، على نحو ثلاثين ميلاً غربي لييزج. هناك التقى جيشه المتعب الذي تقلص إلى 21.000 مقاتل في خاتمة المطاف وجهاً لوجه بجيوش فرنسا والرايش وعدتها 41.000 مقاتل. ورغم هذا أشار سوبيز بعدم المجازفة بخوض المعركة، وقال أنه خير منها المضي في تجنب الالتحاق بفردريك وإرهاقه بمسيرات عقيمة حتى يكرهه تفوق الحلفاء عدداً وعدة على التسليم. وكان سوبيز عليماً بانهيار النظام في صفوف جيشه، وافتقار جنود الرايش ومعظمهم من البروتستنت إلى الحماسة في مقاتلة فردريك(33). غير أن هيلبور جهاوزن ألح في طلب القتال، فأذعن سوبيز. وقاد القائد الألماني جيشه على منعطف طويل ليهاجم البروسيين على مسيرتهم. فما كان من فردريك وهو يرقب العدو من سطح بيت في روسباخ إلا أن أمر فرسانه بقيادة سيدلتز أن يقوموا بحركة مضادة على ميمنة العدو. وحمل الفرسان البوسيون، وعدتهم 3.800 مقاتل تحجبهم التلال وهم يسيرون بسرعة متربة، على وجود الحلفاء من تحتهم وهزموهم قبل أن يستطيعوا إعادة تشكيل صفوفهم وأقبل الفرنسيون بعد الأوان، فمزقتهم المدفعية البروسية أشد تمزق، وما مضت تسعون دقيقة حتى انتهت معركة روسباخ الفاصلة (5 نوفمبر 1757). وتقهقر الحلفاء في فوضى تاركين 7.700 قتيل في ساحة القتال، أما البروسيون فلم يفقدوا غير 550 رجلاً، وأمر فردريك بالرفق بالأسرى: ودعا الضباط المأسورين إلى مائدته: وفي كياسة وظرف فرنسيين اعتذر عن قلة الطعام قائلاً Maia, Messieurs, Je ne Vous Attendais Pas Si Tot, en si Grdand Nombre. "ولكني أيها السادة لم أتوقع مجيئكم بهذه السرعة، وبهذه الكثرة"(34).

وتعجب العسكريون من جميع الأطراف من ذلك البون الشاسع في الخسائر، ومن براعة القيادة التي أتاحت هذه النتيجة: وحتى فرنسا اعترفت بإعجابها، ولم يستطيع الشعب الفرنسي الذي كان حليفاً لبروسيا حتى الأمس القريب أن ينظر بعد إلى فردريك نظرته إلى عدو لهم: ألم يكن يجيد الحديث والكتابة الفرنسية؟ دهشت جماعة الفلاسفة لانتصاراته وأشادوا به مكافحاً عن حرية الفكر أمام الظلامية الدينية التي يحاربونها في وطنهم(35) واستجاب فردريك لعواطف الفرنسيين النبيلة فقال: (لم أعتبر الفرنسيين)(36) ولكنه كتب سراً-بالفرنسية-قصيدة أعرب فيها عن اغتباطه بأن ركل الفرنسيون في (إستهم) وهي كلمة ترفق كارليل فترجمها (معقدة الشرف)(37).

واغتبطت إنجلترا معه. وجددت إيمانها بحليفها. واحتفلت لندن بعيد ميلاده بالصواريخ في شوارعها، وأشاد المثوديون الأتقياء بهذا الزنديق منقذاً للمذهب الحق الوحيد. وكان بت قد أعيد ليرأس الحكومة (29 يوليو 1757)، فغدا منذ الآن النصير الثابت الوفي للملك البروسي. وقال فردريك (لقد أنفقت إنجلترا وقتاً طويلاً لتجنب رجلاً عظيماً كفئاً لهذا الصراع، ولكن هاهو قد جاء في النهاية(38))، وندد بت باتفاقية كلوستر-تسيفين لأنها ليست إلا جبناً وخيانة-وذلك رغم أن ابن الملك وقعها، ثم أقنع البرلمان بأن يرسل جيشاً أفضل لحماية هانوفر ومعونة فردريك (أكتوبر)، وبينما كان المبلغ الذي أقره البرلمان من قبل لجيش كمبرلاند (جيش المراقبة) لا يزيد عن 164.000 جنيه، وافق الآن 1.200.000 جنيه لتمويل (جيش عمليات)، واتفق بت وفردريك على أن يختار لقيادة هذه القوة الجديدة صهر فردريك وتلميذه الحربي، الدوق فرديناند البرنزويكي، البالغ من العمر ستة وثلاثين عاماً، الرجل الوسيم، المثقف، الشجاع، الذي قال عنه بيرني أنه يجيد العزف على الكمان إجادة كان يمكن أن يجمع من ورائها ثروة طائلة(39). هاهنا أداة صالحة صلاحية رفيعة لمصاحبة ناي فردريك.

الثعلب يكره على الدفاع 1757 - 1760

لم يتح لفردريك متسع من الوقت للابتهاج، فما زال جيش فرنسي بقيادة ريشليو واضعاً يده على جزء كبير من هانوفر. وفي اليوم الذي وقعت فيه معركة روسباخ ضرب 43.000 نمساوي الحصار على شفايدنتز، أهم معقل ومستودع للبروسيين من سيليزيا وكان فردريك قد ترك بها 41.000 رجل ولكن عددهم تناقص إلى 28.000 نتيجة الهروب أو الموت وكان على رأسهم قائد غير كفء هو دوق برنزويك-بيفرن، الذي تجاهل أمر الملك بمهاجمة المحاصرين، وفي 11 نوفمبر سلم الحصن، وسلم للنمساويين 7.000 أسير، و 330.000 طالر، ومؤناً تكفي لإعاشة 88.000 رجل مدى شهرين. وواصل المنتصرون السير إلى برزلاو، بعد أن زاد، عددهم إلى 83.000 بفضل انضمامهم إلى قوات يقودها الأمير شارل والمارشال داون؛ وفي 22 نوفمبر قهروا قوة صغيرة من البروسيين، وسقطت برسلاو ورد معظم سيليزيا الآن إلى ماريا تريزا الظافرة. وحق لفردريك أن يشعر أن انتصاره في روسباخ قد بطل مفعوله.

ولكن ذلك الانتصار كان قد جدد شجاعته، فلم يعد يتحدث عن الانتحار. كذلك كان جيشه قد أفاق من مسيراته ومعاركة، وبدا ساخطاً على الغارات التي دنس بها الجنود الفرنسيون الكنائس الكاثوليكية في سكسونيا وناشد فردريك رجاله أن يعينوه على استرداد سيليزيا. فساروا 170 ميلاً في اثني عشر يماً قارسة البرد، مخترقين أرضاً وعرة. وانظم إليهم في الطريق فلول القوات البروسية التي هزمت في شفايدنتز وبرزلاو. وفي 3 ديسمبر لمح فردريك ومعه 43 ألف مقاتلاً نمساوياً من 72.000 مقاتل يعسكر قرب لويتن على الطريق إلى برزلاو. في ذلك المساء خطب فردريك في كبار ضباطه سبق به خطب نابليون الحربية الرنانة، قال:

"أيها السادة أنكم لا تجهلون أي نكبات حلت بنا هنا بينما كنا مشتبكين مع الجيوش الفرنسية والإمبراطورية. فلقد ضاعت شفايدرنتز...وضاعت برزلاو ومعهما كل مستودعاتنا الحربية، وضاع أكثر سيليزيا. ولولا ثقتي التي لا حد لها بشجاعتكم وولائكم وحبكم لوطنكم، لما أفقت من عوامل ضيقي وارتباكي...فليس بينكم رجل لم يبرز بعمل ممتاز من أعمال البطولة لذلك أعلل نفسي بأنكم في الفرصة القادمة لن تضنوا بأي تضحية يطالبكم بها الوطن.

والفرصة سانحة الآن. وإنني لأشعر أنني لم أحقق شيئاً لو تركت سليزيا في قبضة النمسا. فدعوني إذن أخبركم إنني أنوي مهاجمة جيش الأمير شارل-وهو ثلاثة أضعاف جيشنا-أينما لقيته، متحدياً في ذلك جميع فواعد فن الحرب. فليست العبرة بكثرة جنده أو قوة موقعه، فأنا آمل-بفضل بسالة جنودنا، وتنفيذ حططنا بعناية-أن نذلل هذا كله. ولا مندوحة لي عن اتخاذ هذه الخطوة، وإلا دفنا تحت مدافعه. كذلك أرى الموقف، وكذلك سأتصرف. فأبلغوا تصميمي إلى جميع ضباط الجيش، وأعدوا الجنود للعمل الذي لابد آت، وأخبروهم أنني أشعر بأن لدي من الأسباب ما يبرر مطالبتي إياهم بتنفيذ الأوامر بكل دقة. أما أنتم، فهل يخطر ببالي- وأنا أذكر أنكم بروسيون-أنكم ستتصرفون تصرفاً غير نبيل، ولكن إذا كان بينكم رجل يخاف أن يشاطرني جميع المخاطر (وهنا تفرس فردريك في كل وجه بدوره) ففي استطاعته أن يسرح هذا المساء، دون أدنى لوم مني.... كنت عليماً بأن أحدا منكم لن يتركني. وعليه فأنا معتمد كل الاعتماد على معونتكم الصادقة، وعلى النصر الأكيد. فإن مت قبل أن أجزيكم على إخلاصكم فلا بد أن الوطن فاعل. عودوا الآن إلى معسكركم وانقلوا إلى جنودكم ما سمعتموه مني.

وسأجرد فرقة الفرسان التي لا تلقي بنفسها فور سماع الأوامر على العدو بمجرد انتهاء المعركة، وأحيلها إلى فرقة حامية. أما كتيبة المشاة، حتى أن بدأت تتردد، أياً كان الخطر الذي تواجهه، فإنها ستفقد رايتها، وسيوفها، والنوط الذهبي من ستراتها.

"الآن طابت ليلتكم أيها السادة. عما قليل سنكون قد هزمنا العدو، وإلا فلن يرى بعضنا البعض بعد اليوم"(40).

وكان النمساويون إلى الآن يتحاشون الالتحام في معركة مع فردريك متبعين بذلك سياسة فابيوس الروماني، وترددوا في وضع جنودهم وقوادهم أمام انضباط الجيش البروسي وعبقرية فردريك التكتيكية، أما الآن بعد أن شجعهم كثرة جيوشهم وانتصاراتهم الأخيرة، فقد قرروا مواجهة الملك في المعركة مخالفين في ذلك نصيحة المرشال داون. وعليه ففي 5 ديسمبر 1757 زحفت هذه البيادق في لعبة المنافسة بين الأسر المالكة-43.000 مقابل 73.000-على سيوف بعضهم بعض ومدافعهم في أعظم معارك هذه الحرب. يقول نابليون: "كانت تلك المعركة آية من الآيات وهي وحدها تبوئ فردريك مكاناً في الطليعة بين القواد"(41) وقد استهلها بمحاولة الوصول إلى التلال تمكيناً لمدفعيته من إطلاق نيرانها فوق رؤوس مشاته لتصيب صفوف العدو. ووزع جنوده بنظام منحرف استعمله قديماً أبامينونداس الطيبي، بحيث تتحرك طوابير منفصلة بزاوية 45 درجة تقريباً لتضرب العدو من الجنب فتشيع الخلل في خط دفاعه. وتظاهر فردريك بأنه يوجه أقوى ضغوطه إلى الميمنة النمساوية، فأضعف الأمير شارل مسيرته تعزيزاً للميمنة، وهنا صب فردريك خيرة رجاله فوق الميسرة التي تناقصت، فدمرها، ثم انقلب ليهاجم الجناح الأيمن في جيشه، بينما هبط الفرسان البروسيون على الجناح ذاته من مخبئهم في التلال. وانتصر النظام على الفوضى، فسلم النمساويون أو لاذوا بالفرار، وأسر منهم 20.000-وهو صيد لم يسبق له نظير في (تاريخ الحرب(42))، وترك 3.000 آخرون قتلى، ووقعت 116 قطعة من قطع المدفعية في أيدي البروسيين. كذلك كانت خسائر البروسيين كبيرة-1.141 قتلى، و 5.118 جرحى، و85 أسرى. فلما انتهت المذبحة شكر فردريك قواده قائلاً: (هذا اليوم سيذيع اسمكم واسم أمتكم إلى آخر الدهر(43)).

وواصل المنتصر انتصاره في عزيمة صادقة ليسترد سيليزيا. فلم يمضِ يوم على المعركة حتى حاصر جيشه الحامية النمساوية في برسلاو. وأقام قائدها شبريشر اللافتات في أرجاء المدينة ينذر فيها بالموت الناجز كل من يهمس بكلمة تسليم، ولكن لم ينق اثنا عشر يوماً حتى سلم (18 ديسمبر) واستولى فردريك هناك على 17.000 أسير وعلى مخازن حربية ثمينة. وما لبثت سيليزيا أن عادت كلها إلى قبضة البروسيين باستثناء شفايدنتز ذات الحامية الكبيرة الحصون المنيعة. وأعتكف الأمير شارل في ضيعته بالنمسا بعد أن وجد نفسه ذليلاً أمام لوم داون الصامت، ونصح رنيس وغيره من الزعماء الفرنسيين لويس الخامس عشر بعقد الصلح ولكن دبومباور تغلبت عليهم، وأحلت الدوق دشوازيل وزيراً للشؤون الخارجية محل برنيس (1758)، بيد أن فرنسا فقدت حماستها للحرب إذ خامرها الشعور بأنها تحارب دفاعاً عن النمسا بينما تضحي بمستعمراتها. أما ريشليو فلم يبد حماسة تذكر، ولا رغبة صادقة في مواصلة الإفادة من ميزته في هانوفر، بحيث استدعي من قيادة الجيش (فبراير 1758) وعين بدلاً منه الكونت دكليرمون، وهو رئيس دير صرح له البابا بأن يحتفظ بدخل منصبه الديني وهو يلعب دور القائد(44). وأخلى الفرنسيون هانوفر أمام خطى الزحف المصممة التي تقدم بها الدوق فريناند البرنزويكي، فسلموا له ميدن في مارس، وما لبثت وستفاليا كلها أن حررت من قبضة الفرنسيين الذين بغضوا الشعب فيهم هنا أيضاً بأعمال النهب والتدمير(45). وزحف فريناند غرباً وهزم قوة كليرمون الرئيسية بقوة لا تزيد على نصف رجال العدو في كريفيلد على الرين (23 يونيو)، وسلم كليرمون موقعه للدوق دكونتا، وانظم سوبيز إلى الجيش المهزوم بإمداد فرنسية جديدة وفلول من مقاتلي معركة روسباخ، وأمام هذه القوة المتحدة تقهقر فرديناند إلى مونستر وبادربورن.

وتشجعت إنجلترا بموسم الانتصارات هذا، فأمرت (11 إبريل) معاهدة ثالثة مع فردريك، ووعدته فيها بمعونة قدرها 670.000 جنيه قبيل أكتوبر، وتعهدت بعدم إبرام صلح منفرد(46). وفرض فردريك أثناء ذلك ضرائب على سكسونيا وغيرها من الأقاليم التي فتحها، مسوياً في ذلك بينهما وبين بروسيا التي أرهقت بالضرائب: وأصدر عملات مغشوشة، واستأجر (كفولتير) الماليين اليهود ليعقدوا له صفقات رابحة بالعملة الأجنبية(47). فما حل ربيع 1758 حتى كان قد أعاد بناء جيشه فأبلغه 145.000 مقاتل. وفي إبريل هاجم شفايدنتز واستردها، وتحرك صوب الجنوب على رأس 70.000 مقاتل إلى أولموتز في موافيا متحاشياً الالتقاء بالجيش النمساوي الرئيسي (الذي نظم من جديد تحت قيادة داون) وعلل نفسه بالزحف على فيينا ذاتها إذا استطاع الاستيلاء على هذا الحصن النمساوي.

ولكن في نحو هذا الوقت ذاته اكتسح 50.000 روسي يقودهم كونت فيرمور بروسيا الشرقية وهاجموا كوسترين، التي لا تبعد عن برلين شرقاً سوى خمسين ميلاً، وترك فردريك حصار أولموتز وهرع إلى الشمال على رأس 15.000 مقاتل. وفي الطريق نمى إليه نبأ مرض فلهلميني الذي بلغ مرحلة التأزم، فتوقف في جروسباو ليرسل لها رسالة قلقة قال فيها "يا أعز أهلي، يا اقرب إلى قلبي في هذه الدنيا-لأجل كل ما هو غالٍ عزيز لديك، احتفظي بحياتك، ودعيني أتعزى بذرف الدموع على صدرك"(48).

وبعد أن واصل السير أياماً وليالي انظم إلى قوة بروسية يقودها الكونت تسودونا قرب كوسترين. وفي 25 أغسطس 1758، وبقوة قوامها 36.000 رجل التقى بجيش فيرمور وعدته 42.000 روسي عند تسورندورف. واستحال عليه هنا استعمال تكتيكه المفضل، وهو الهجوم على الجناح، بسبب الأرض المليئة بالمنافع، وتبين أن فيرمور لا يقل عن فردريك براعة في القيادة وقاتل الروس ببسالة وإصرار ندر أن عرفها البروسيون في النمساويين أو الفرنسيين وكسب سيدلتز وفرسانه ما أمكن أن يقع لهم من أمجاد يوم تنافس فيه العدوان في التقتيل. وتقهقر الروس في نظام حسن تاركين 21.000 بين قتيل وجريح وأسير؛ وخسر البروسيون 12.500 بين قتيل وجريح و1.000 أسير.

ولكن منذا الذي يستطيع مواصلة القتال على كل هذه الجبهات في وقت واحد؟ بينما كان فردريك في الشمال قاد داون جيشه إلى نقطة اتصل فيها بالفرق الإمبراطورية، وشرع الآن في حصار درسدن التي كان فردريك قد ترك فيها حامية بقيادة الأمير هنري. وزحفت قوة من 16.000 سويدي مخترقة بومرانيا، وانضمت إلى الروس في تدمير شطر كبير من إمارة برندنبورج، وربما استطاعت معهم تهديد برلين ثانية. ودخل جيش جديد من 30.000 نمساوي ومجري، يقودهم الجنرال هارش، سيليزيا واتجه إلى برزلاو. بسرعة اثنين وعشرين ميلاً في اليوم مخترقاً بروسيا إلى سكسونيا، وبعد أن أعاد تنظيم جنوده الذين ثبطت همتهم وأخذوا الآن يتمردون، فوصل إلى صهره المحاصر في القوت المناسب لثني داون عن الهجوم وبعد أن أراح رجاله أسبوعين، انطلق ليطرد هارش من سيليزيا وعند هوكيرش بسيليزيا سد عليه داون الطريق. فضرب فردريك خيامه قرب العدو، وانتظر أربعة أيام وصول المون من درسن. وفجأة، في الخامسة من صباح 14 أكتوبر 1758، هاجم جناح البوسيين الأيمن، وكان فردريك قد اطمأن على أنه سيتجنب المبادأة. وتخفت حركة النمساويين وراء ضباب كثيف، وأخذ البروسيون على غرة وهم نيام فعلاً، فلم يتسع الوقت لتكوين الخطوط التكتيكية التي رسمها فردريك. وعرض فردريك نفسه للخطر في تهور وهو يحاول استعادة النظام، فوفق في ذلك، ولكن بعد أن فات أوان إصلاح الموقف. وبعد خمس ساعات من فتال اشتبك فيه 37.000 بيدق مع 90.000، أعطى الإشارة للتقهقر، تاركاً 9.450 رجلاَ على ساحة المعركة مقابل 7.590 خسرهم النمساويون.

وعاد يفكر في الانتحار. فأمام قائد كفء كداون يقود النمساويين، وأمام قائد كفء كسالتيوكوف يحشد جيشاً روسياً جديداً، وأمام قواته المضمحلة عدداً، ونوعاً ونظاماً، في الوقت الذي يستطيع فيه أعداؤه تعويض أي خسارة، أمام هذا كله وضح أن لا أمل في انتصار البروسيين إلا بمعجزة، وفردريك لا يؤمن بالمعجزات، ففي غداة هوخكيرش اطلع قارئه ديات على "دفاع عن الانتحار" كان قد كتبه، وقال له "في استطاعتي أن أختم المأساة حين أشاء"(49).في ذلك اليوم (15 أكتوبر 1758) ماتت فلهلميني تاركة تعليمات بأن توضع خطابات أخيها على صدرها في قبرها(50). وناشد فردريك فولتير أن يكتب شيئاً في ذكراها، فاستجاب فولتير، ولكن قصيدته "للنفس الباسلة النقية"(51) لم تستطع أن ترقى إلى مستوى الحرارة والبساطة اللتين نجدهما في رثاء الملك الذي ضمنه "تاريخ حرب السنين السبع" قال:

"إن طيبة قلبها، وأريحيتها وسماحتها، ونبل روحها وسموها، وحلاوة طبعها، جمعت فيها مواهب العقل اللامعة مع أساس من الفضيلة المكينة. وكان يربط الملك (وقد استعمل فردريك لفظ الغائب) بهذه الشقيقة الفاضلة أرق صداقة وأثبتها وقد تكونت هذه الروابط في بواكير صباهما، ثم وثق بينهما اشتراكهما في تربية واحدة وعواطف واحدة، وأصبحت هذه العواطف لا تقبل الانفصام بفضل وفائهما المتبادل في كل امتحان يبتليان به"(52).

وأتى الربيع بمزيد من الجيوش الفرنسية في ساحة القتال. ففي 13 إبريل 1759 في بيرجن (قرب فرانكفورت على المين) أذاقت قوة يقودها دبرولي بكفاية فرديناند البرنزويكي طعم الهزيمة. ولكن فرديناند كفر عن هزيمته في مندن، فهناك (أول أغسطس) بجيش قوامه 43.000 ألماني، وإنجليزي، واسكتلندي هزم 60.000 فرنسي يقودهم برولي وكنتار هزيمة منكرة؛ وبخسارة قليلة جداً نسبيا، بحيث استطاع أن يرسل 12.000 جندي إلى فردريك ليعوض عما حل بجيش الملك من ضعف إثر حملة مشؤومة في الشرق.

ذلك أنه في 23 يوليو قهر جيش ستاليكوف المؤلف من 50.000 روسي وكرواتي وقوقازي، عند تسوليشاو جيشاً بروسياً قوامه 26.000 مقاتل كان فردريك قد تركهم لحراسة مداخل البلاد من بولندا إلى برلين، ولم يقف الآن شيء في طريق سيل روسي عرم قد يتدفق على العاصمة البروسية. ولم يكن أمام الملك من سبيل إلا الاعتماد على صهره ليدافع عن درسدن أما داون، بينما سار هو بنفسه للقاء الروس، ووصلته التعزيزات في الطريق، فاستطاع أن يحشد 48.000 مقاتل، ولكن 18.000 نمساوي يقودهم الجنرال لاودون كانوا أثناء ذلك قد انضموا إلى الروس، فبلغ مجموع جيش ستاليكوف 68.000. وفي 12 أغسطس 1759 التحم هذان الجيشان- اللذان كانا أضخم كتلتين من اللحم البشري القابل للاستهلاك منذ المذابح التي تبارى فيها الأعداء في حرب الوراثة الأسبانية-وخاضا عند كونرزدوف (على ستين ميلاً شرقي برلين) أقسى معارك هذه الحرب-وأفجعها على فردريك. فبعد قتال دام اثنتي عشرة ساعة لاح أن الحظ في جانبه، وهنا هجم رجال لاودون الاحتياطيون-وعددهم 18.000-على البروسيين المنهوكي القوى وطاردوهم في هزيمة نكراء. واقتحم فردريك كل خطر ليلم شعث جنوده، وقادهم بشخصه ثلاث مرات في الهجوم، وضربت بالنار ثلاثة جياد من تحته، وأوقفت علبه ذهبية صغيرة في جيبه رصاصة كان يمكن أن تودي بحياته. ولم يكن سعيداً بفكرة الهروب، فصاح "هلا أصابتني طلقة لعينة؟"(53) وتوسل إليه جنوده أن ينجو بنفسه، ولم يلبثوا أن ضربوا له المثل بأنفسهم فناشدهم قائلاً: "يا أبنائي لا تتركوني الآن، أنا ملككم، وأبوكم!" ولكن ما من حض قان قادراً على إقناعهم بالتقدم مرة أخرى. فلقد حارب الكثيرون منهم ست ساعات تحت شمس محرقة، دون وقت أو فرصة يتناولون فيها قدحاً من الماء. فلاذوا بالفرار وأخيراً لحق هو بهم، مخلفاً وراءه 20.000 ما بين أسير، وجريح، وقتيل مقابل خسارة للأعداء قدرها 15.700. وبين الذين جرحوا جروحاً مميتة إيفالد فون كلايست، أعظم شعراء العصر الألماني. وحالما وجد فردريك مكاناً يستريح فيه أرسل إلى الأمير هنري رسالة يقول فيها "لم يبقَ لي في هذه اللحظة سوى 3.000 من جيش بلغ 48.000 مقاتل، ولم أعد السيد المسيطر على قواتي.. أنها لكارثة فادحة، ولن أعيش بعدها". وأبلغ قواده أنه يوصي بالقيادة للأمير هنري. ثم ارتمى على بعض القش واستغرق في النوم.

وفي الغد وجد أن 23.000 من الهاربين من المعركة عادوا إلى فرقهم خجلين من هروبهم، مستعدين للعودة إلى خدمته إن لم يكن لشيء فلأنهم يتوقون إلى الطعام. ونسي فردريك أن يقتل نفسه، وبدلاً من هذا أعاد تنظيم هؤلاء وغيرهم من الجنود المساكين في جيش جديد بلغ رجاله 32.000، وأتخذ له موقعاً على الطريق من كونرزدورف إلى برلين، متوقعاً أن يبذل آخر محاولة لحماية عاصمته. ولكن سالتيكوف لم يأتِ. فرجاله أيضاً يجب أن يطعموا، لأنهم كانوا في أرض العدو ووجدوا الحصول على الطعام محفوفاً بالخطر، وخط المواصلات مع بولندا طويل وغير مأمون. ورأى سالتيكوف أن قد آن الأوان ليأخذ النمساويون دورهم في قتال فردريك. ومن ثم أصدر أمره بالتقهقر.

ووافق داون على أن الخطوة التالية يجب أن تكون خطوته وأحس بأن هذا هو وقت الاستيلاء على درسدن. وكان الأمير هنري قد سحب قوة من المدينة لتنجد فردريك، ولم يترك سوى 30.000 مقاتل لحراسة القلعة، ولكن التحصينات القوية كانت قد أقيمت لصد الهجوم. وكان القائد الجديد في درسدن، وهو كورت فون شمتاو، خادماً وفياً للملك، ولكنه حين تلقى كلمة من فردريك ذاته، بعد كونرزدورف، بأن كل شيء قد ضاع، يئس من المقاومة المجدية. وكان جيش إمبراطوري عدته 15.000 مقاتل قادماً على درسدن من الغرب، وداون ماضٍ بهمة في قذف المدينة بالمدافع من الشرق. وعليه ففي 4 سبتمبر سلم شمتاو، وفي 5 سبتمبر جاءته رسالة من فردريك تأمره بالمقاومة لأن المدد في الطريق إليه..وأحال داون، ومعه 72.000 مقاتل، درسدن مقراً شتوياً لجيشه الآن. ووصل فردريك إلى فرايبورج القرية منها وعسكر في الشتاء بنصف هذا العدد.

وكان شتاء 1759-1760 قارس البرد جداً. فظل الثلج يكسو الأرض إلى الركب أسابيع عديدة. ولم يجد غير الضباط مأوى في البيوت؛ أما عامة جنود فردريك فسكنوا أكشاكاً مؤقتة، وراحوا يحتضنون النيران ليتدفئوا، ويكدون قي قطع الخشب وجلبه وقوداً لها، ولا يكادون يصيبون من الطعام غير الخبز وكانوا ينامون متلاصقين طلباً للدفء، واقتضى المرض المعسكرين من الأرواح ما كان يعدل ما اقتضته المعركة من قبل، ففي ستة عشر يوماً فقد جيش داون على هذا النحو أربعة آلاف رجل(54). وفي 19 نوفمبر كتب فردريك إلى فولتير يقول: "لو طالت هذه الحرب لارتدت أوربا إلى دياجير الجهل، ولأصبح معاصرونا أشبه بالوحوش الضارية"(55).

وأشرفت فرنسا على الإفلاس على عظم ثرائها عن بروسيا في المال والرجال ومع ذلك جهز شوازيل أسطولاً ليغزو إنجلترا، ولكن الإنجليز دمروه في خليج كويبيرون (20 نوفمبر 1759) وضوعفت الضرائب بكل ما أوتيت الحكومات ورجال المال من براعة. وفي 4 مارس 1759 كانت المركيزة دمبادور قد وفقت في تعيين إثيين دسلوويت مراقباً عاماً للمالية. فاقترح اختزال المعاشات، وفرض الضرائب على ضياع النبلاء، وتحويل فضيلته نقوداً، وحتى فرض ضريبة على الملتزمين العامين بجمع الضرائب. وشكا الأغنياء من أنهم يحالون إلى مجرد "ظل" لما كانوا عليه من قبل، ومنذ ذلك الحين أصبحت كلمة Silhouette دليلاً على شكل اختزل إلى أبسط صورة.

وفي 6 أكتوبر أوقفت الحكومة الفرنسية دفع التزاماتها. وفي 5 نوفمبر صهر لويس الخامس عشر أطباقه الفضية ليكون الأسوة الحسنة لشعبه، ولكن حين اقترح سلوويت أن يستغني الملك عن المبالغ التي تخصص عادة لقماره وألعابه، وافق لويس ولكن في ألم واضح جداً، مما حمل شوازيل على الاعتراض على الفكرة. وفي 21 نوفمبر أقيل سيلوويت.

وأحس الملك كما أحس الفرنسيون جميعاً أنه شبع حرباً، وكان على استعداد للاستماع إلى مقترحات الصلح. وكان فولتير قد جس نبض فردريك في أمر الصلح في يونيو، فأجاب فردريك (2 يوليو): "أني أحب الصلح بقدر ما تتمنى، ولكن أريده حسناً، متيناً شريفاً" وفي 22 سبتمبر أضاف في رسالة أخرى لفولتير هناك شرطان للصلح لن أحيد عنهما أبداً: أولاً: أن يبرم مشاركة مع حلفائي الأوفياء...ثانياً: أن يكون صلحاً شريفاً مجيداً(56). ونقل فولتير هذه الردود الأبية (التي كتب أحدها بعد هزيمة كونزردورف الساحقة) إلى شوازيل الذي لم يجد فيها ما يعين على المفاوضة. ثم هناك الحليف الوفي بت، المشهور بالتهام المستعمرات الفرنسية فكيف يبرم الصلح قبل أن يبني الإمبراطورية البريطانية؟


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بناء الإمبراطورية البريطانية

إن أهم طور من أطوار حرب السنين السبع لم يقاتل فيه الخصوم في أوربا، ففي أوربا لم يحدث غير تغييرات صغيرة في خريطة القوة. ولكنهم اقتتلوا على الأطلنطي، وفي أمريكا الشمالية، وفي الهند. في تلك المناطق كانت نتائج الحرب هائلة طويلة البقاء.

كانت أول خطوة تكوين الإمبراطورية البريطانية قد اتخذت في القرن السابع عشر، وذلك بانتقال التفوق البحري من أيدي الهولنديين إلى أيدي الإنجليز. أما الثانية فحددتها معاهدة أوترخت (1713) التي منحت إنجلترا احتكار توريد العبيد الأفارقة للمستعمرات الأسبانية والإنجليزية في أمريكا. وكان العبيد ينتجون الأرز والتبغ والسكر، وكان جزء من السكر يحول إلى شراب الروم، وشاركت تجارة الروم في إثراء تجارة إنجلترا (القديمة والجديدة) ومولت أرباح التجارة التوسع في الأسطول البريطاني. فما حلت سنة 58(57) حتى كان للإنجليز 156 سفينة حربية، ولم يكن لفرنسا غير 5.777 ومن ثم كانت الخطوة الثالثة في بناء الإمبراطورية هي إضعاف القوة الفرنسية في البحار. وقطع هذه العملة انتصار ريشيليو في منيورقة، ولكنها استؤنفت بتدمير أسطول فرنسي أما لاجورس، بالبرتغال (13 إبريل 1759)، وأسطول آخر في خليج كويبيرون. ونتيجة لذلك هبطت تجارة فرنسا مع مستعمراتها من ثلاثين مليوناً من الجنيهات في 1755 إلى أربعة ملايين في 1760.

أما وقد تمت السيادة على الأطلنطي، فقد انفتح الطريق أمام البريطانيين ليفتحوا أمريكا الفرنسية، ولم تقتصر هذه على حوض نهر سانت لورنس وإقليم البحيرات العظمى، بل شملت حوض المسيسبي من البحيرات إلى خليج المكسيك، لا بل أن وادي نهر أوهايو كان في قبضة الفرنسيين. وسيطرت القلاع الفرنسية على شيكاغو، وديترويت، وبتسبرج-التي كان تغيير اسمها من فوردوكين رمزاً لنتائج الحرب. وكانت الممتلكات الفرنسية تقف عقبة أما توسع المستعمرات الإنجليزية في أمريكا نحو الغرب. ولو لم تنتصر إنجلترا في حرب السنين السبع لانقسمت أمريكا الشمالية إلى إنجلترا جديدة في الشرق، وفرنسا جديدة في الوسط، وأسبانيا جديدة في الغرب، ولتكررت نسخة من انقسامات أوربا وصراعاتها في أمريكا. وقد حذر بنيامين فرانكلين المسالم المستعمرين الإنجليز من أنهم لن يكونوا آمنين في ممتلكاتهم، ولا أحراراً في نموهم، مل لم يوقف الفرنسيين في توسعهم الأمريكي، وقد دخل جورج واشنطن التاريخ بمحاولته الاستيلاء على فور دوكين.

كانت كندا ولويزيانا مدخلي أمريكا الفرنسية، وأقربهما إلى إنجلترة وفرنسا هي كندا فعن طريق السنت لورنس كانت تصل المؤن والجنود إلى "المستوطنين"؛ وكانت تحرس ذلك الباب قلعة لوبيورج الفرنسية على رأس جزيرة بريتون عند مصب النهر العظيم. وفي 2 يونيو 1758 حاصر لوبيورج أسطول إنجليزي صغير من اثنين وأربعين سفينة تحمل 18.000 جندي يقودهم الأميرال إدوارد بوسكاون. ودافع عن الحصن عشر سفن و 6.200 مقاتل، وأعترض الأسطول البريطاني التعزيزات المرسلة من فرنسا. وقاتلت الحامية ببسالة، ولكن سرعان ما حطمت المواقع البريطانية وسائل دفاعها. وكان تسليم الحصن (26 يوليو 1758) بداية الفتح البريطاني لكندا.

ولم تفلح استراتيجية المركيز دمونكالم وبطولته في تعطيل سير العملية إلا قليلاً. فبعد أن أوفدته فرنسا (1756) ليقود الجنود النظاميين في كندا، ظفر بالنجاح تلو النجاح إلى أن أحبطه ما تفشى في الإدارة الفرنسية-الكندية من فساد وخلل، وما تبين من عجز فرنسا عن موافاته بالمدد. وفي 1757 حاصر قلعة وليم هنري واستولى عليها؛ وهي تقع على رأس بحيرة جورج. وفي 1758 هزم 15.000 من جنود بريطانيا والمستعمرات عند تيكوند ورجا بقوة قوامها 3.800 مقاتل. ولكنه التقى بقريعه حين دافع عن كوبيك بقوة قوامها 15.000 رجل ضد القائد الإنجليزي جيمس وولف الذي لم يكن تحت قيادته أكثر من 9.000 جندي. وتقدم وولف بنفسه جنوده في تسلق المرتفعات إلى سهول ابراهام. وجرح مونكالم جرحاً مميتاً وهو يدير الدفاع، وجرح وولف جرحاً مميتاً على ساحة النصر (12-13 سبتمبر 1759). وفي 18 سبتمبر 1760 سلم فودربي-كافانيال، حاكم كندا الفرنسي، وبسطت بريطانيا سلطانها على هذا الإقليم الكبير.

وبعد أن وجه الإنجليز مراكبهم صوب الجنود هاجموا الجزر الفرنسية في البحر الكاريبي. فاستولوا على جودلوب في 1759، وعلى المارتنيك في 1762، ووقعت كل الممتلكات الفرنسية في جزر الهند الغربية- باستثناء سان- دومنج- في قبضة بريطانيا. وطلباً للمزيد من مكاسب النصر أرسل بت الأساطيل إلى أفريقيا للاستيلاء على محطات النخاسة الفرنسية على الساحل الغربي، فاستولت عليها، وانهارت تجارة الرقيق الفرنسية، واضمحل ثغرها الرئيسي في فرنسا وهو نانت. وارتفع ثمن العبيد في جزر الهند الغربية، وحقق تجار الرقيق البريطانيون ثروات جديدة لتلبية الطلب على العبيد(58). وينبغي أن نضيف هنا إن الإنجليز لم يكونوا أكثر قسوة في هذه العملية الإمبريالية من الأسبان أو الفرنسيين، إنما كانوا أكفأ منهم وفي إنجلترا بدأت حركة مقاومة الرق تتخذ شكلاً فعالاً.

وفي غضون ذلك كانت روح المغامرة البريطانية-الحربية والبحرية، والتجارية-مشغولة بالتهام الهند-فقد أقامت شركة الهند الشرقية الإنجليزية معاقل لها في مدراس (1639)، وبمباي (1668) وبوندتشيري، جنوبي مدراس (1683)، وفي شندرناجور شمال كلكتا.كل مراكز القوة هذه اتسعت في الوقت الذي اضمحل فيه حكم المغول في الهند، واستعمل كل فريق الرشوة والقوة العسكرية لمد منطقة نفوذه وكانت فرنسا وإنجلترا قد اشتبكتا معاً في الهند إبان حرب الوراثة النمساوية (1740-48) ولم يفعل صلح إكس لاشابل أكثر من قطع الصراع فترة، والآن جددته حرب السنين السبع. ففي مارس 1757 استطاع أسطول إنجليزي يقوده الأميرال تشارلز وطسن، ويعاونه جنود شركة الهند الشرقية بقيادة غلام من شرويشير يدعى روبرت كلايف أن ينتزع شندرناجور من الفرنسيين، وفي 23 يونيو، وبقوة لا تزيد على 3.200 جندي، هزم كلايف 50.000 هندوكي وفرنسي عند بلاسي (على ثمانين ميلاً شمال كلكتا) في معركة أكدت السيادة البريطانية على شمال شرقي الهند. وفي أغسطس 1758 طرد أسطول إنجليزي بقيادة الأميرال جورج بوكوك من المياه الهندية الأسطول الفرنسي الذي كان يحمي الممتلكات الفرنسية على طول الساحل. وبعد ذلك بفضل ما امتاز به البريطانيون على الفرنسيين من القدرة على جلب الرجال والمؤن، لم يكن انتصار إنجلترا إلا مسألة شهور. ففي 1759 أحبط وصول المؤن والإمداد البريطانية بحراً الحصار الفرنسي الذي فرضه على مدراس الكونت دلاللي. وهزم الفرنسيون هزيمة فاصلة في وانديووش في 22 يناير 1760، وسلمت بوندتشيري للبريطانيين في 16 يناير 1761 وقد ردت هذه المحطة الأمامية، وهي آخر المحطات الفرنسية إلى فرنسا 1763 ولكن كان مفهوماً للجميع أن بقاء السيادة للفرنسية رهن برضاء بريطانيا.

وظلت الهند وكندا حتى عصرنا هذا معقلين، في الشرق والغرب، لإمبراطورية بنيت بالمال والشجاعة، والقسوة والذكاء، في توافق تام مع أخلاقيات القرن الثامن عشر الدولية. ونحن ندرك الآن في استعراضنا للماضي بعد هذه الفترة الطويلة أن تلك الإمبراطورية كانت نتاجاً طبيعياً للطبيعة البشرية والأحوال المادية. وأن البديل لها لم يكن استقلال الشعوب العاجزة بل إمبراطورية نظيرها تؤسسها فرنسا. ويمكن القول إنه في المدى الطويل، برغم رجال من أمثال كلايف وهيستنجز وكبلنج، فإن حكم نصف العالم بواسطة البحرية البريطانية-إي الحفاظ على النظام حفاظاً إنسانياً وحسماً نسبياً وسط الفوضى المهددة أبداً-كان نعم لا نقمة على البشر.


الإعياء 1760 - 1762

ترى ماذا كان الثعلب البروسي المطارد يفعل في شتاء 1759-60 القارس؟ كان يجمع المال ويزيف العملة، يجند الرجال ويدربهم، ويقرض الشعر ويبيعه على الناس. ففي يناير أصدر ناشر باريسي لص "أعمال فيلسوف صان-سوسي" وطبع في اغتباط تلك القصائد المستهترة التي كان فولتير قد حملها معه من بوتسدام عام 1753 والتي بسببها أوقفت رحلته بأمر فردريك وحبس في فرانكفورت-على الماين. وقدر الناشر أن تلك القصائد ستضحك الرءوس غير المتوجة، ولكنها ستجعل الباروكات الملكية ترتعد غضباً، بما فيها باروكات جورج الثاني حليف فردريك. وأكد فردريك أن المطبوع المسروق شوهته إضافات مدسوسة خبيثة، وأمر صديقه المركيز دارجانس (مدير الفنون الجميلة في أكاديمية برلين) بأن يصدر للفور "طبعة صحيحة" منقاة بعناية. فما لبثت الطبعة أن صدرت في مارس، واستطاع فردريك أن يفرغ للحرب من جديد. وفي 24 فبراير كتب إلى فولتير يقول: لقد نشر الحديد والموت بيننا الخراب الرهيب والمحزن أننا لم نبلغ بعد نهاية المأساة. ومن السهل أن تتصور أثر هذه الصدمات القاسية في نفسي. وأنا ألوز بالرواقية ما استطعت. لقد غدوت عجوزاً، وحطماً، أشيب الشعر مجعد البشرة؛ وأنا أفقد أسناني ومرحي(59). وكانت الحشود الهائلة من الجند تساق للفصل في أي الحكام سيضني أكثر الرجال. كان سالتيكوف عائداً من بروسيا في إبريل على رأس 100.000 مقاتل، وكان للاودون 50.000 نمساوي في سيليزيا مقابل 34.000 يقودهم الأمير هنري؛ وكان داون في درسدن بمقاتليه المائة ألف يأمل أن يشق له طريقاً وسط رجال فردريك البالغ عددهم 40.000 والمعسكرين الآن قرب مايسن؛ وكان الفرنسيون وعدتهم 125.000 ينتظرون للزحف على 70.000 يقودهم فرديناند، وبلغت جملة المقاتلين الموجهين إلى برلين 375.000 رجل. وفي 21 مارس 1760 جددت النمسا وروسيا تحالفهما وأضافتا مادة سرية تعطي بروسيا لروسيا بمجرد رد سيليزيا إلى النمسا(60).

وكان لاودون البادئ بإراقة دماء عام 1760، إذ سحق 13.000 بروسي عند لانديشوت (23 يوليو). وفي 10 يوليو شرع فردريك في حصار درسدن بمدفعية ثقيلة، فدمر الجزء الأكبر من أجمل مدينة في ألمانيا، ولكن القصف لم يجده شيئاً، فلما نمى إليه أن لاودون يقترب من برزلاو أقلع عن الحصار، وسير رجاله مائة ميل في خمسة أيام والتقى بجيش لاودون في ليبرج (15 أغسطس 1760) وكبده خسارة 10.000 رجل، ثم دخل برزلاو. ولكن في 9 أكتوبر استولى جيش قوازقي يقوده فرمور على برلين، ونهب مستودعاتها الحربية، وفرض عليها فدية مقدارها مليوناً طالر-وهذا يساوي نصف المعونة المالية التي كان فردريك يتلقاها سنوياً من بريطانيا. وخف لنجدة عاصمته، ففر الروس حال سماعهم بقدومه، وقفل فردريك إلى سكسونيا، وفي طريقه كتب إلى فولتير (30 أكتوبر) يقول "إنك محظوظ بإتباعك نصيحة كانديد والاكتفاء بزرع حديقتك وما كل إنسان يتاح له أن يفعل ما تفعل. فعلى الثور أن يحرث الأرض، وعلى البلبل أن يغني، وعلى الدرفيل أن يسبح، وعليّ أن أقاتل"(61).

وعند تورجاو على نهر الألب (3 نوفمبر) التقى رجاله وعددهم 44.000 بجيش نمساوي قوامه 50.000؛ وأرسل فردريك نصف جيشه بقيادة يوهان تسيتن ليطوق العدو ويهاجمه في المؤخرة؛ ولكن المناورة أخفقت لأن فصيلة للعدو عطلت تسيتن في الطريق. وقاد فردريك كتائبه بشخصه إلى وطيس المعركة؛ هنا أيضاً أطلقت النار على ثلاثة جياد من تحته وأصابته قذيفة في صدره، ولكنها كانت قد فقدت مفعولها، وصرع على الأرض فاقد الوعي ولكن سرعان ما أفاق فقال: "حادث تافه" ثم عاد إلى المعركة. وكان انتصاره غالي الثمن، فقد ارتد النمساويون بعد أن فقدوا 11.260 رجلاً ولكن فردريك ترك 13.120 بروسياً على أرض المعركة، وانسحب إلى برسلاو التي أصبحت الآن أهم مركز لإمداداته. وكان داون لا يزال محتفظاً بدرسدن منتظراً في صبر موت فردريك. ثم منح الشتاء الأحياء مهلة ثانية.

وكانت سنة 1761 سنة دبلوماسية أكثر منها سنة حرب. ففي إنجلترا كان موت جورج الثاني (5 أكتوبر 1760) الذي كان عميق الاهتمام بهانوفر، وارتقاء جورج الثالث العرش، وكان اهتمامه بها الأقل بكثير، بمثابة تصديق ملكي على كراهية الشعب لحرب تكلف المالية الإنجليزية عبئاً باهظاً. وجرب شوازيل أن تجس فرنسا نبض إنجلترا لعقد صلح منفرد، ولكن بت رفض، وظل على وفائه المطلق لفردريك، ولكن القوة البريطانية في هانوفر خُفض عددها، واضطر فرديناند إلى التخلي برنزويك وفولفنبوتل للفرنسيين. واتجه شوازيل إلى أسبانيا، وعقد معها "ميثاقاً عائلياً" بيت الملكين البوربونيين؛ أغراها فيه بالانضمام إلى الحلف المعادي لبروسيا، وتضافرت التطورات الحربية مع هذه النكسات الدبلوماسية لدفع فردريك مرة أخرى إلى شفا الهزيمة النكراء. فقد استطاع لاودون بجيش من 72.000 مقاتل أن ينضم إلى 50.000 مقاتل روسي، فعزلوا فردريك عن بروسيا عزلاً تاماً، ووضعوا الخطط للاستيلاء على برلين والاحتفاظ بها. وفي أول سبتمبر 1761 عاد النمساويون للاستيلاء على شفايدنتز مستودعاتها. وفي 5 أكتوبر استقال بت، مؤثراً الاستقالة على خيانة فردريك بعد أن غلبته على أمره مطالبة الشعب بالصلح. ورأى خلفه إيرل بيوت أن قضية فردريك ميئوس منها، وأن المفاوضة للصلح وسيلة لدعم مركز جورج الثالث ضد البرلمان. فألح على فردريك في أن يسلم بالهزيمة ولو إلى حد التنازل عن جزء من سيليزيا للنمسا. وتردد فردريك، وقبض عنه بيوت المزيد من العون المالي ودعت أوربا كلها تقريباً، بما فيها الكثير من البروسيين، فردريك إلى بذل التنازلات. وكان جنوده قد فقدوا كل أمل في النصر، وأنذروا ضباطهم بأنهم لن يهاجموا العدو مرة أخرى، وأنهم يستسلمون إذا هوجموا(62). وما أختتم عام 1761 حتى وجد فردريك نفسه يقف وحيداً أمام أكثر من عشرة أعداء. واعترف بأن لا خلاص إلا بمعجزة.

وقد أنقذته معجزة. ففي 5 يناير 1762،(63) ماتت القيصرة اليزافيتا التي تمقت فردريك، وخلفها بطرس الثالث الذي كان يعجب به مثلاً أعلى للفاتح والملك. فلما سمع فردريك النبأ أمر أن يكسى جميع الأسرى الروس ويعطوا نعالاً ويطعموا ويطلق سراحهم. وفي 23 فبراير أعلن بطرس نهاية الحرب مع بروسيا. وفي 5 مايو وقع معاهدة صلح وضعها فردريك بنفسه بناء على طلبه. وفي 22 مايو حذت السويد حذو روسيا. وفي يونيو دخل بطرس الحرب من جديد، ولكن حليفاً لبروسيا، وارتدى حلة عسكرية بروسية وتطوع للخدمة "تحت قيادة مولاي الملك". فكان هذا من أعجب الانقلابات في التاريخ. ولقد أدفأ صدر فردريك، ورفع روح جيشه، ولكنه وافق أعداءه بعض الشيء على أن بطرس رجل مختل العقل، وأفزعه أن يسمع برغبة بطرس في مهاجمة الدنمرك ليستعيد هولشتاين. فبذل فردريك قصارى جهده ليثنيه، ولكن بطرس أصر، وأخيراً-في رواية فردريك-"أضررت لالتزام الصمت، وترك هذا الملك المسكين إلى هذا الاعتداد بالنفس الذي دمره"(64).

أما بيوت، الذي انقلب الآن عدواً نشيطاً لفردريك، فقد طلب إلى بطرس أن يترك العشرين ألف روسي الموجودين في الجيش النمساوي حيث هم. وأرسل بطرس نسخة من الخطاب إلى فردريك، وأصدر أمره للجنود الروسية بالانضمام إلى فردريك والخدمة في صفوفه، وعرض بيوت على النمسا صلحاً منفرداً، واعداً إياها بتأييد التخلي لها عن أقاليم بروسية، ولكن اونتر رفض، وندد فردريك ببيوت لأنه وغد(65). وسره أن يسمع بأن فرنسا أنهت معونتها المالي للنمسا، وأن الترك يهاجمون النمساويين في المجر (مايو 1762).

وفي 28 يونيو عزل بطرس بانقلاب أجلس على العرش كاترين الثانية "إمبراطورة الأقاليم الروسية كلها"، وفي 6 يوليو اعتقل بطرس، وأصدرت كاترين الأمر لكزرنيكيف، الذي تولى قيادة الروس تحت فردريك، بأن يعود بهم إلى أرض الوطن فوراً. وكان فردريك يتجهز لهجوم على داون. فطلب إلى كزرنيكيف أن يخفي نبأ تعليمات القيصرة ثلاثة أيام. وهزم فردريك داون في بوركرزدورف (21 يوليو) دون أن يستخدم هؤلاء الروس الاحتياطيين. وسحب كزرنيكيف الآن جنوده، ولم تعد روسيا تشارك بأي دور في الحرب. أما وقد خف الخطر عن الملك في الشمال، فأنه ساق النمساويين أمامهم، واستولى من جديد على شفايدنتز وفي 29 أكتوبر هزم الأمير هنري، بجيش من 24.000 مقاتل، 39.000 نمساوي وجندي إمبراطوري عند فرايورج بسكسونيا. وكانت هذه هي العملية الحربية الكبرى الوحيدة التي انتصر فيها البروسيون دون أن يكون تحت قيادة فردريك. وكانت أيضاً آخر المعارك الهامة في حرب السنين السبع.


الصلح

لقد أدرك الإعياء غرب أوربا كلها، وأولها بروسيا، التي جند فيها الصبية ذوو الأربعة عشر ربيعاً، ودمرت المزارع، وأفلس التجار من جراء خنق التجارة، أما النمسا فكانت تملك من الرجال أكثر مما تملك من المال، وقد فقدت المعونة الروسية القيمة. وأما أسبانيا ففقدت هافانا، ومانيلا لاستيلاء الإنجليز عليهما، فضلاً عن تدمير بحريتها كلها تقريباً. وأما فرنسا فقد أفلست، وضاعت مستعمراتها، وأوشكت تجارتها أن تختفي من البحار. وأما إنجلترا فقد احتاجت إلى السلام لتدعم مغانمها.

وفي 5 سبتمبر 1762 أوفد بيوت دوق بدفورد إلى باريس ليفاوض شوازيل في تسوية للصراع. فإذا نزلت فرنسا عن كندا والهند فإن إنجلترا سترد جواديلوب المارتنيك، ولفرنسا أن تحتفظ، بموافقة بريطانيا، بإقليمي فردريك الغربيين، وهما فيزل وجلدرلاند(66). وندد بت بهذه المقترحات ببلاغة ملتهبة، ولكن الرأي العام أيد بيوت، وفي 5 نوفمبر وقعت إنجلترا والبرتغال مع فرنسا وأسبانيا صلح فونتنبلو. ونزلت فرنسا عن كندا، والهند، ومينورقة، وردت إنجلترا لفرنسا وأسبانيا فتوحها في البحر الكاريبي. ووعدت فرنسا بأن تلتزم الحياد مع بروسيا والنمسا، وأن تسحب جيوشها من الأراضي البروسية في غرب ألمانيا. وأكد هذه الترتيبات صلح آخر يسمى صلح باريس (10 فبراير 1763)، ولكنه ترك لفرنسا حقوق صيدها قرب نيوفوندلند، وبعض المحطات التجارية في الهند، ونزلت أسبانيا عن فلوريدا لإنجلترا، ولكنها أخذت لويزيانا من فرنسا. وكانت هذه الترتيبات، من الناحية القانونية انتهاكاً لتعهد بريطانيا بألا تبرم صلحاً منفرداً، ولكنها من الناحية العملية كانت نعمة لفردريك. لأنها أعفته من جميع خصومه إلا اثنين، النمسا والرايش، وكان على ثقة الآن بأن في استطاعته أن يثبت لهذين العدوين الذين ثبطت همتهما.

وراضت ماريا تريزا نفسها على الصلح مع أبغض أعدائها إلى قلبها. فقد تخلى عنها جميع حلفائها الكبار، وكان 100.000 تركي يزحفون على المجر، فأوفدت مبعوثاً لفردريك يعرض عليه الهدنة، فقبلها، وفي هوبرتوزبرج (قرب ليبزج)، في 5-15 فبراير 1763، وقعت بروسيا، والنمسا، وسكسونيا، والأمراء الألمان، المعاهدة التي أنهت حرب السنين السبع. وبعد كل ما أريق من دماء ودوقاتيات، وروبلات، وطالرات وكرونات، وفرنكات، وجنيهات، أعيد "الوضع السابق للحرب" في القارة. واحتفظ فردريك بسيليزيا، وجلاتز، وفيزل، وجلدرلاند، وأخلا سكسونيا، ووعد بأن يؤيد ترشيح جوزيف ابن ماريا تريزا ملكاً على الرومان، وإذن إمبراطوراً مستقبلاً. وعند التوقيع النهائي هنأ فردريك مساعدوه على "أسعد أيام حياتك"، فأجاب بأن أسعد أيام حياته سيكون آخرها(67).

ماذا كانت نتائج الحرب؟ على النمسا فقد سيليزيا نهائياً مع دين حرب قدره 100.000.000 ايكو. وقضي على هيبة الحكام النمساويين باعتبارهم الأصحاب التقليديين للقب الإمبراطوري، وقد عامل فردريك ماريا تريزا معاملته لحاكمة لإمبراطورية نمساوية-مجرية، لا رومانية مقدسة، وترك أمراء الإمبراطورية الألمان الآن وشأنهم، وسرعان ما سيخضعون لزعامة بروسيا في الرايخ، قد اضمحل سلطان آل هابسبورج وصعد سلطان آل هوهنتسولرن، وأصبح الطريق ممهداً لبسمارك. وبدأت النزعتان الوطنية والقومية تفكران تفكير ألمانيا الموحدة بدلاً من تفكير الدولة المعتزة باستقلالها عن غيرها من الدويلات. وحفز الأدب الألماني فأنجب شتورم ودرانج، ثم صعد إلى جوته وشيلر.

أما السويد ففقدت 25.000 رجل، ولم تغنم غير الديون. وأما روسيا ففقدت 120.000 رجل بين المعارك، والشدائد، والأمراض، ولكنها ستعوضهم عما قليل، ولقد فتحت عهداً جديداً في تاريخها الحديث بزحف جيوشها في الغرب، وأصبح تقسم بولندا الآن أمراً لا مناص منه، وأما فرنسا فلم تجنِ غير الخسائر الفادحة في مستعمراتها وتجارتها، وحالة قريبة من الإفلاس دفعتها خطوة أخرى إلى الانهيار. وأما إنجلترا فكانت النتائج بالنسبة لها أعظم حتى مما قدر زعماؤها، السيطرة على البحار، والسيطرة على عالم المستعمرات، وتأسيس إمبراطورية عظيمة، وبداية 182 سنة من السيادة في العالم. وأما بروسيا فخسرت خراب أراضيها وتدمير ثلاثة عشر ألف منزل فيها، وإحراق مائة مدينة وقرية سويت بالتراب، واقتلاع آلاف الأسر من مواطنها، ومات 18.000 بروسي (حسب تقدير فردريك)(68) في المعارك أو المعسكرات أو الأسر، ومات حتى أكثر من هؤلاء لنقص الدواء أو الطعام، وفي بعض المناطق لم يبقَ غير النساء والشيوخ ليزرعوا الحقول، وهبط السكان من 4.500.000 في 1756، إلى 4.000.000 في 1763.

وغدا فردريك الآن بطل ألمانيا بأسرها (عدا سكسونيا!) فدخل برلين دخول الظافر بعد غياب ستة أعوام. وتوهجت المدينة بالأضواء ترحيباً به، وأشادت به منقذاً لها، وذلك رغم عوزها وفجيعة كل أسرة فيها. ولانت روح هذا المحارب القديم التي قدت من فولاذ فهتف "عاش شعبي العزيز طويلاً! عاش أبنائي طويلاً"(69). لقد كان في قدرته أن يتواضع؛ وفي الساعة التي تملقه فيها الجميع لم ينسَ الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها قائداً-مع أنه أعظم القواد الذين أنجبهم العصر الحديث باستثناء نابليون. ولم يغب عن بصره آلاف الشبان البروسيين الذين بذلوا دماءهم ثمناً لسيليزيا. ولقد بذل هو أيضاً الثمن، فشاخ قبل أوانه وهو بعد في الحادية والخمسين، واحدودب ظهره، وهزل وجهه وجسمه، وسقطت أسنانه، وشاب أحد مفرقيه، واضطربت أحشاؤه بالمغص، والإسهال، والبواسير(70) وقال معقباً "إن أصلح مكان له الآن هو ملجأ للعجائز ذوي العلل المزمنة" وقد عمر ثلاثة وعشرين عاماً أخر، وحاول أن يكفر عن آثامه بحكم يتسم بالسلام والنظام.

أما أهم نتائج حرب السنين السبع من الناحية السياسية فهي ظهور الإمبراطورية البريطانية، وانبعاث بروسيا دولة من الطراز الأول، أما من الناحية الاقتصادية فهي التقدم صوب الرأسمالية الصناعية: فقد كانت تلك الجيوش العملاقة أسواقاً رائعة للاستهلاك الجماعي للسلع المنتجة بمقادير كبيرة، فأي زبون أفضل من ذاك الذي يعد بتدمير السلع المشتراة من أقرب فرصة وطلب غيرها؟ وأما من الناحية الخلقية فأن الحرب أعانت على التشاؤم، والكلبية؛ والفوضى الخلقية، فالحياة رخصت، والموت قريب، والعذاب هو القاعدة، والنهب مباح، واللذة تقتنص حيثما وجدت ولو لحظة. قال جريم في وسفاليا عام 1757 "لولا هذه الحملة لما أدركت قط إلى أي مدى بعيد يمكن أن تبلغ أهوال الفقر وظلم الإنسان"،(72) ولم تكن الحرب إلا في بدايتها. وقد أعان العذاب الدين كما عوقه. فإذا كانت قلة من الناس تحولت إلى الكفر لواقعية الشر الصارخة، فأن الكثرة دفعت إلى التقوى لحاجتها إلى الإيمان بانتصار الخير في النهاية. وعما قليل ستكون عودة إلى الدين في فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا وقد أنقذت البروتستانتية في إنجلترا من الدمار، ولو أن فردريك خسر الحرب لحل ببروسيا في أغلب الظن ما حل ببوهيميا بعد عام 1620، فأكرهت على العودة إلى الذهب والقوة الكاثوليكيين؛ أن انتصار الخيال على الواقع ثروة من نزوات التاريخ.