رؤساء الوزارات: بالوثائق السرية البريطانية والأمريكية

رؤساء الوزارات: بالوثائق السرية البريطانية والأمريكية، هو كتاب من تأليف محسن محمد، نشرته دار الشروق للنشر في 2005.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عبد الخالق ثروت

التفاوض لانهاء الحماية البريطانية

كانت أيامنا رائعة التى تلت ثورة 1919. كل الرجال أبطال. والشعب المصري يلهمهم البطولة. عدلي يكن رئيس الوزراء يصل إلى لندن يوم أول يوليو عام 1921 فيتفاوض مع اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا، لإنهاء الأحكام العرفية والحماية البريطانية المفروضة على مصر سبع سنوات كاملة، منذ ديسمبر 1914، وإنهاء الإحتلال البريطاني ومنح البلاد إستقلالها.

عقد كيرزون ستة إجتماعات مع عدلي خلال شهري يوليو وأغسطس واجتمع عدلي مع لندساى وكيل وزارة الخارجية البريطانية خلال الشهرين التاليين سبتمبر وأكتوبر.

أما السبب في طول مدى المفاوضات فيرجع إلى أن عدلي يردي أن تنسحب القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس وإعادة وزارة الخارحية المصرية ويكون لمصر حرية التمثيل السياسي في الخارج. وكان كيرزون يطيل المفاوضات أملاص في أن تفتر عزيمة مصر.

فخشى المندوب السامي البريطاني في مصر أن يؤدي فشل المفاوضات إلى أن يرتفع سعد إلى قمة الثورة. وعندما يقال له في لندن:

-إذا نشأت اضطرابات في مصر فشل المفاوضات فاستخدم القوة.

قال المندوب السامي:

-لابد من زيادة القوات البريطانية في مصر.

قيل له:

-استخدم الجيش المصري.

قال:

-كل ضباط جيش مصر الشبان يؤمنون بسعد زغلول.

اقترح اللنبي على مجلس الوزراء – يوم 3 نوفمبر عام 1621 – ان تنسحب القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية إلى مناطق منعزلة خارج المدينتين بعد عام من الهدوء. . إذا تحقق.

رفض رئيس الوزراء لويد جورج خوفاً على الأحوال الداخلية في بريطانيا وحتى يبدو متشدداً.

وفي 10 نوفمبر، أي بعد أسبوع قدم كيرزون إلى عدلي مشروع معاهدة جديد وافق عليه مجلس الوزراء البريطاني بمنح مصرإستقلالاً ذاتياً بشرط أن تكون سياستها الخارجية متفقة ومتناسقة مع السياسة البريطانية وأن يبقى موقع ومنصب المندوب السامي كما هو ويحتفظ بلقبه وتبقى القوات البريطانية في مصر. ولكن عدلي رفض التنازلات واعتبرها غير كافية. وفي 19 نوفمبر أنهى عدلي المفاوضات.

وفي إجتماع لمجلس الوزراء البريطاني يوم 3 نوفمبر قال لويد جورج:

-سعد هو السبب في الخلاف بين البلدين. وسعد هو الذي يثير مصر ويحرضها ضد اتفاق معقول. وسعد هو الذي خلق مناخاً سيئاً في مجلس ال عموم البريطاني الذي يعتبره الممثل الحقيقي للوطنية المصرية. لذلك يجيب التعامل بعنف مع سعد إذا لم يكن من أجل الهدوء في مصر فلتهدئة الرأي العام في إنجلترا الذي يعادي أية تنازلات تقدم إلى مصر.

ومن ناحية أخرى فإن أحدا في مصر لم يكن على إستعداد لقبول وزارة أو توقيع معاهدة بعد الآمال العريضة التي أثارها سعد الذي كان لا يظال في الطريق إلى المنفى!

قال عدلي للوزير البريطاني:

- إن ما تعرضونه علينا، ببساطة، بقاء القوات البريطانية، أي الإحتلال الذي يهدم كل أمل في الإستقلال. ويجد عدلي أن قطع المفاوضات خير من قبول شروط إنجلترا حتى يعود إلى مصر دون أن يستطيع أحد التشكيك في وطنيته.

ويطلب كيرزون إلى عدلي ألا ينشر في مصر المقترحات البريطانية وأن يرجئ الإستقالة. أيدت صحيفة واحدة في لندن الجكومة البريطانية. أما باقي الصحف فقد أعلنت بصورة علنية عن شكها في حكمة حكومتها!

ويعود عدلي إلى مصر يوم 5 ديسمبر – بعد خمسة أشهر قضاها في لندن – ويقدم إستقالته إلى السلطان أحمد فؤاد – الملك فؤاد فيما بعد – بعد ثلاثة أيام من عودته فيتردد السلطان في قبولها 16 يوماً. أما السبب فيرجع إلى أن السلطان كان يبحث عن مصري يقبل رئاسة الوزارة في ظروف الإحتلال ونفوذ إنجلترا العالمي بعد إنتصارها في الحرب العالمية الأولى.

وكان المعتمد البريطاني في مصر أو الحاكم الحقيقي للبلاد هو الفيلد مارشال اللورد اللنبي الذي قاد حملتين عسكريتين ناحجتين ضد تركيا في أثناء الحرب، واستطاع أن يحطم قواتها تماماًوان يسود سوريا وفلسطين ويدخل القدس فاتحاً و غازياً، فاختارته حكومته – وهذا ماضيه – لمنصب المعتمد البريطاني في 25 مارس 1919 في عنفوان الثورة وقمتها فيكون قراره الأول – بعد أسبوع من وصوله – الإفراج عن سعد زغلول من منفاه في مالطة.

وقد أطلق على اللنبي في الجيش البريطاني لقب "الثورة"، لعناده وخشونته! قال اللنبي تعليقاً على رفض عدلي قبول المقترحات البريطانية: -عدلي جبان!

رئاسة الوزراء

ويختار اللنبي، عبد الخالق ثروت باشا رئيساً للوزراء لأسباب متعددة، فهو يمثل تيار الإعتدال لا التطرف، وكان نائباً لعدلي في أثناء الشهور التي غابها في لندن.

وثروت ولد عام 1873 وهو إبن اسماعيل عبد الخالق باشا – من أسرة تركية عريقة نزحت إلى مصر بعد الغزو العثماني.

تعلم في مدرسة عابدين، ثم التحق بمدرسة القانون – كلية الحقوق. عين سكرتيراً للمكتب القانوني للدائرة السنية.

واختاره السير جون سكوت المستشار القضائي للحكومة المصري ليكون سكرتيراً للجنة المستشارين الفضائيين البريطانيين.

ونقل نائباً لرئيس المحكمة الأهلية في قنا، ثم مديراً للمحاكم الأهلية بوزارة العدل. وعين عام 1905 قاضياً لمحكمة الأحداث.

وفي عام 1907 اختير مستشاراً بمحكمة الإستئناف. وعين في نوفمبر من نفس العام مديراً لأسيوط وأنعم عليه برتبة الباشوية.

وفي 1908 خلف مستر كوربيت كنائب عام للمحاكم الوطنية ست سنوات كاملة. وعندما تولى حسين رشدي باشا رئاسة الوزارة عام 1914 أسند إليه منصب وزير العدل. وظل يشغل هذا المنصب سبع سنوات. زفي وزارة عدلي اباشا عام 21 اختاره عدلي وزيراً للداخلية، ثم رئيساً للوزارء بالنيابة في أثناء سفره إلى لندن لمفاضوزة كيرزون.

عرضت عليه رئاسة الوزراة في أوائل عام 19 فاعتذر خوفاً من إتهامه بالخيانة. وعرض عليه اللورد اللنبي رئاسة الوزراة مرة ثانية عند لقائهما في دار الحماية بعد استقالة عدلي. خرج ثروت من الدار في طريقه إلى نادي محمد علي.

على باب النادي إعترضه إثنان من الجنود البريطانيين السكارى فعتديا عليه بالضرب وأسقطا طربوشه على الأرض، وسرقا ساعته فإدرك الرجل أن أي جندي بريطاني سكير يستطيع إهانة رئيس وزراء مصر!!

وعرف في مصر كلها أن ثروت هو رئيس الوزراء القادم، فسأل الإبن الأصغر لثروت باشا أباه قائلاً:

-هل أنت خائن يا أبي؟

ذهل الأب وروى هذا الحديث للورد اللنبي مبيناً أن من يقبل رئاسة الوزراة في مصر في هذه الظروف يعتبره الجميع – حتى ولده – خائناً!! (وضبطت عصابة دبرت محاولة إغتياله). كانت الخطة أن يطلق الناظر الرصاص على ثروت باشا. ولكنه لم يكن يجيد إستعمال الأسلحة النارية ففضل أن يلقي عليه قنبلة، ولكن شجاعة المجرم حانته فاعترف!


ومن هنا تردد ثروت باشا في قبول الوزراة وعرض – يوم 8 يناير 1922 – على اللورد اللنبي شروطه لقبول المنصب وأهمها:

1-أن تتعهد الحكومة البريطانية – كتابة – بإلغاء الحماية والإعتراف بإستقلال مصر، قبل الدخول في المفاوضات.

2-إعادة وزارة الخارجية المصرية التي ألغيت عام 1914.

3-رفع الأحكام العرفية.

4-إيجاد برلمان مشكل من هيئتين: إحداهما مجلس نواب، والأخرى مجلس شيوخ ويكون للبرلمان السلطة التامة على اعمال الحكومة وتكون الوزارة مسؤولة أمامه.

5-إطلاق يد الوزارة بلا مشارك – أي بلا إنجليز – في جميع أعمال الحكومة تمكيناً لها من تحمل مسؤولية الحكم أمام البرلمان.

6-ألا يكون للمستشارين الإنجليز في الوزرات إلا رأي إستشاري وأن يبطل ما للمستشارين الآن من حق في خضور جلسات مجلس الوزراء.

7-حذف وظائف المستشارين في القريب العاجل ماعدا وظيفتي مستشاري الحقانية والمالية فإنهما تبقيان إلى ما بعد ظهرو نتيجى المفاوضات الجديدة.

8-إستبدال الموظفين الأجانب بموظفين مصريين وتعيين وكلاء مصريين على الفور لجمكيع الوزارات وهم: وكيل للمالية, ووكيل للخارجية، ووكيل للمواصلات، ووكيل للأشغال العمومية، ووكيل للداخلية، وآخر للصحة.

9-الدخول في مفاوضات جديدة، بعد تشكيل البرلمان المصري – مع الحكومة البريطانية بواسطة هيئة مصرية يشرف البرلمان المصري نفسه على تعيينها للنظر في مسألة السودان وفيما لا ينافي إستقلال البلاد من الضمانات التي تطلبها الحكومة البريطانية تأميناً لمصالح الإمبراطورية البريطانية ومصالح الأجانب في مصر وذلك كله بشرط أن تكون هذه المفاوضات غير مقيدة بشرط أو قيد من القيود أو الشروط المبينة في مشروع اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا.

وبعد الإنتهاء من هذه المفاوضات يكون القول الفصل في نتيجتها للامة المصرية الممثلة في برلمانها. وقال ثروت إنه ليس مستعداً للتوقيع على معاهدة مع بريطانيا ولكنه يريد من الإنجليز أن يوافقوا على إستقلال مصر من جانب واحد، أي من جانبهم وحدهم.

عرض اللورد اللنبي هذه الشروط على الحكومة البريطانية وأبلغها بأن مصر بلا وزارة، أنه عهد إلى وكلاء الوزارات بتصريف شئون الدولة.

وكان اللنبي قد حذر حكومته أكثر من مرة خلال ذلك العام لتتخذ العدة التي تواجه بها فشل المفاوضات. وأبدى رأيه في أن السياسة الجديدة، يجب أن تتضمن إلغاء الحماية.

وحدد اللنبي موقفه، وموقف بلاده. وهوإلغاء الحماية وأعتراف بإستقلال مصر مقابل تعهد المصريين بالمحافظة على مصالح وحقوق إنجلترا في سلامة مواصلاتها، وحماية الأجانب وبقاء الوضع على ماهو عليه في السودان. ولكن المصريين رفضوا الإرتباط بمعاهدة تضمن هذه الحقوق لبريطانيا.

ومن هنا نص اللنبي حكومته بمنح مصر إستقلال من جانب واحد، مع احتفاظ الجكومة البريطانية بحرية العمل في بعض الشؤون التي عرفت فيما بعد بإسم التحفظات.

وهكذا تركز الخلاف بين اللنبي والحكومة البريطانية حول نقطة واحدة. الحكومة البريطانية تصر على على معاهدة مع مصر تتعهد فيها بحماية لمصالح إنجلترا. واللنبي يرى أن قوة بريطانيا تضمن لها حقوقها ولذلك يطالب بإعلان استقلال مصر من جانب بريطانيا وحدها.

سعد زغلول

البطل الأخير في تلك الأيام هو سعد زغلول زعيم الوفد المصري وقائد ثورة 1919. طلب سعد إلى الشعب مواصلة الجهاد. ودعا إلى إجتماع شعبي منعته السلطة العسكرية البريطانية وأنذرته بعدم عقد إجتماعات، او إلقاء خطب ومغادرة القاهرة والإقامة في الريف فرفض قائلاً: -هذا أمر ظالم أحتج عليه ولقوة أن تفعل بنا ما تشاء. فاعتقله اللنبي وخمسة من زعماء الوفد يوم 23 ديسمبر بعد 18 يوماً من عودة عدلي، وبعد يومين من إعتذار ثروت قبول الوزراة. ونفتهم بريطانيا إلى عدن ومنها إلى جزيرة سيشل. وكان رأي اللنبي أنه طالما بقى سعد في مصر فإن السياسيين المعتدلين سيخافون الإتفاق مع إنجلترا. ولم يكن رأي لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في سعد زغلول يهتلف عن رأي المعتمد البريطاني، بل كان أسوأ. وكان فيليب كبر السكريتر الخاص لرئيس الوزراء يحرض رئيسه ضد سعد ويتهمه بانه شيطان وأنه سيكون مثل ثوار أيرلندا, وسيبدأ في خلق جهاز إسلامي ثوري في كل مكان في العالم يتصل بالأتراك والهنود وغيرهم. وفي تلك الأيام كانت بريطانيا تعاني من ثوار إيرلندا وتخشى أن يكرر نموذجهم سعد زغلول في الدول الإسلامية! وفي الوقت الذي كانت تعطي فيه بريطانيا للأيرلنديين مزيداً من الحقوق، كانت تتعنت مع مصر. وكان لويد جورج يخشى أن تفسر أية تنازلات تقدمها بريطانيا إلى المعتدلين المصريين على أنها تمت تحت تأثير سعد زغلول, أو خوفاً من إضطربات يثيرها. وكانت هذه الفكرة إحدى العقبات في أية مفاوضات تجري مع مصر! ومن هنا وافق على اعتقال سعد وأيضاً ليبدو لويد جورج قوياً أمام مواطنيه. وهكذا بقيت مصر بلا وزراة. الكل يخشون تأليف وزارة بينما سعد زغلول في المنفى! وتحولت المسألة المصرية إلى مشكلة بين الحكومة البريطانية والمعتمد البريطاني في مصر اللورد اللنبي الذي عجز عن العثور علىر ئيس وزراء لمصر!

كان لويد جورج يرأس وزارة ائتلافية في إنجلترا. رئيس الوزراء من حزب الأحرار، ولكن أغلب الوزراء من حزب المحافظين وكذلك أغلب أعضاء مجلس العموم. ولم يكن لويد جورج مهتماً بالمواصلات البريطانية والنفوذ الإقتصادي البريطاني قد إهتمامه بالسياسة الداخلية في بريطانيا والمحافظة على إستمرار الإئتلاف الوزراي من ناحية وخلق مناخ في إنجلترا يقدم عروضاً سياسية مغرية إلى مصر.

كانت المشكلة التى تواجهها الحكومة البريطانية أن الوزراء لم يفهموا، ولم يقدروا قط قوة الوطنية المصرية.

وكان وزير الخارجية، مثل باقي الوزراء بطيئاً في تقدير مدى هذه القوة. وإن كان أسرع منهم في إستيعابها. وقدأوفدت بريطانيا وزير مستعمراتها اللورد ملنر إلى مصر في أواخر عام 19 للتحقيق في أسباب ثورة مارس من ذلك العام ووسائل الحل والعلاج.

أوصى ملنر أن يتفاوض مع سعد زغلول في لندن واتفقا على ضمان المصالح الخاصة لبريطانيا وبقاء قوة بريطانية في مصر لحماية المواصلات البريطانية، وبدلاً من المعاهدة تعقد معاهدة بين بريطانيا ومصر الدولة الدستورية والملكية.

قال مجلس الوزراء البريطاني أن اللورد ملنر تجاوز الصلاحيات والتعليمات التي تلقاها قبل سفره إلى مصر. ورأى اللورد كيرزون انه من الصعب العدول عن الإتفاق الخاص بين سعد زغلول وملنر، وخصوصاً وقد نشر ذلك في مصر ضمن تقرير ملنر الأخير.

نصح كيرزون بقبول تقرير ملنر. ولكن مجلس الوزراء رفض ذلك إذ إستطاع ونستون تشرشل إقناع المجلس أنه ليس ملزم بقبلو توصيات ملنر.

وفي فبراير 21 حث ملنر وزير الخارجية كيرزون على الإتفاق مع عدلي والمعتمدين العموميين قبول تقريره. ولكن تشرشل تدخل مرة أخرى، بعد شهور، في اجتماع مجلس الوزراء، وكان صعباً بل كان وقحاً، عىل حد تعبير كيرزون نفسه.

وكان تشرشل يردد في إجتماع المجلس: -سياسة وزير الخارجية كلها خطأ، وخطأ دواماً! وقال كيرزون لوكيل وزراة الخارجية: -حاولت الإتفاق مع عدلي ولكن مجلس الورزاء وبالذات رئيس الوزراء وتشرشل لا يريدون التنازل عن شئ ويسعون إلى إخماد الثورة المصرية بالسيف والنار. وسنواجه أيرلندا أخرى في مصر. وكان واضحاً أن المحافظين الإستعماريين في مجلس الوزراء – ملنر وكيرزون – يأخذان مواقف أكثر تحرراً من الوزراء أعضاء حزب الأحرار! ولكن الوزراة البريطانية ضمت وزيراً عاتياً هو ونستون تشرشل وزير المستعمرات – من حزب الأحرار – الذي يرفض تقديم أية تنازلات إلى مصر. أصر تشرشل على ضرورة تشكيل لجنة وزارية فرعية تبحث المسألة المصرية. عقدت هذه اللجنة إجتماعاً واحداً. وقال كيرزون للوزراء: -سنقدم عرضاً إلى مصر جزء من الإمبراطورية البريطانية، ويكون سخياً قدر الإمكان ولكن بشرط ان نكون واثقين برفض المصريين له. أعلن تشرشل أن مصر جزء من الإمبراطورية البريطانية، فلما عاتبه كيرزون قائلاً: -تصريحك هذا أثار الشعب المصري. رد تشرشل: -لا تنتظر مني ان أجلس صامتاً ورأى ضياع مصر هذا الأثر الناجح للإدارة البريطانية. وأضاف: -في الأمور التي تؤثر في مستقبل العالم، يجب أن يكون لنا رأي. ومعنى ذلك في رأي تشرشل ان مصر تمثل مستقبل العالم. وكان رأي تشرشل انه يمكن إخماد أية ثورة في مصر بالقوة. ولذلك أبعد لويد جورج تشرشل عن المسألة المصرية، وترك له شئون العراق وفلسطين، وجعل مصر من اختصاص كيرزون وزير الخارجية وحده.

ولكن العداء السياسي بين لويد جورج وكيرزون أوقف جميع الحلول للمسألة المصرية. وجد اللورد اللنبي أنه، بدون وزارة مصرية، فإن النفوذ البريطاني في مصر سينهار، نتيجة الإضطربات التي ستنشأ في البلاد، وعدم تعاون المصريين مع الإنجليز. وأن الثمن الذي سيدفع إلى المعتدلين، وهو إلغاء الحماية والإعتراف بإستقلال مصر يجب أن تدفعه بريطانيا. لجأ اللنبي إلى مجلس الوزراء البريطاني يرجوه الموافقة على شروط ثروت. وكانت وجهة نظر الحكومة البريطانية انها مصرة على الموافقة على إستقلال مصر بشرط أن يوقع المصريون معاهدة مع إنجلترا يوافقون فيها على بقاء الإحتلال وضمان المصالح البريطانية. ولكن وزير الخاريجة كيرزون كان يرفض تماماً أن يصدر إعتراف من جانب بريطانيا بإستقلال مصر من جانب واحد, أي دون الإتفقا مع المصريين على معاهدةـ، وذلك خوفاً من رفض زملائه الوزراء وبالذات تشرشل وزير المستعمرات وأوستين تشمبرلين حامل أختام الملك. ويجتمع مجلس الوزراء البريطاني في اليوم التالي – 4 نوفمبر – ويدعي اللنبي لحضور الإجتماع وكان في لندن. "أخفقنا ف يتشكيل حكومة، بسبب التضامن الوطني في مصر، وبسبب الضغط الذي مارسه الحزب الزغلولي. منذ إستقالة عدلي ونحن بدون حكومة مصرية بعد قبول إستقالة عدلي في 21 ديسمبر الماضي. ومضت الإدارة بشكل متعثر في ظل أحكام عرفية، وبمساعدة وطلاء الوزارات. وليس ممكناً أن تستمر هذه الحالة إلى أجل غير مسمى. إن سلبية الحكومة البريطانية يضاعف العناصر المعادية لنا في المجتمع المصري ويثير إضطرابات وعصياناً منظماً إن لم يكن مزمناً! إن اللحظة النفسية حانت. نحن نستطيع إما الحصول على وزارة مصرية بالشروط التي إقترحها، أة التخلي عن كل أمل في المصالحة".

وجد كيرزون أن اللورد اللنبي مصمم على حل القضية المصرية بأسلوبه وطريقته فرأى أن يتبنى وجهة نظره وأن بدافع عنها في مجلس الوزراء ضد زملائه. قال في مذكرة للمجلي: "التنازلات المقترحة لا تزيد على شئ كما كنا على إستعداد لعمله. إن لدينا الآن المندوب السامي الذي يقوم بوضع مقترحات محددة. وستكون مسئوليتنا كبيرة إذا رفضناها. لقد فشلنا حتى الآن في الحصول على أي نوع من أنوع الوزراة الوطنية. ولدينا آخر فرصة، الآن، للحصول على حكومة، بشروط قد تكون شاقة، ولكنها غير مهنية بأي حال من الأحوال. وحذرنا اللورد اللنبي من العواقب الوخيمة إذا رفضنا. والتسوية الأيرلندية ستشجع بشكل كبير المصريين، لأنهم يرون الجنود البريطانيين ينسحبون من أيرلندا ووضعها حيوي بالنسبة إلى أمن بريطانيا. وفي نفس الوقت نصر على إبقاء هؤلاء الجنود في مصر كما يحلو لنا .. وهم يرون شكلاً من أشكال الإستقلال يمنح لإيرلندا ولا يمنح لمصر. وأن مقتنع أننا لا نستطيع الإبقاء على هذا الوضع بصورة دائمة. وأود أن أشير في النهاية إلى أن مسئولية تنفيذ السياسة المقترحة هي أمر لسنا مطالبين بتنفيذه اليوم أو غداً. إن اللورد اللنبي يطالب – فقط – بضرورة أن نبدي إستعدادنا لتوصية البرلمان بتبني هذه السياسة. وفي التطبيق العملي فإننا سنحصل في الحال على وزارة مصرية بينما سيؤجل قرار البرلمان إلى وقت مناسب. وأكثر من هذا اللورد اللنبي بنجاح أن يمنع المصريين من أن يربطوا عودة زغلول بتفاضوهم معنا وهو أمر مستحيل. إن استمرار غيابه عن البلد عنصر ضروري من عناصر النجاح". ويرى كيرزون أنه مادامت القوة البحرية البريطانية قائمة في شرق البحر المتوسط وفي منطقة القنال فليس هناك ما تخشاه بريطانيا من مصر المستقلة التي لن تصبح أكثر استقالاً كما كانت عليه في عهد اللورد كرومر، أو اللورد كتشنر. ويطالب وزير الخارجية الموافقة على إعلان استقلال مصر. وكانت الحكومة البريطانية قد إلتزمت بعرض أي قرار خاص بمصر على مجلس العموم وأغلبية نوابه من حزب المحافظين فيرفضون الإعتراف باستقلالها! يعارض تشرشل الذي لايثق بحسن تقدير آراء اللنبي . . . . ويؤيده رئيس الوزراء نظراً لغياب أوستين تشمبرلين الذي يعؤف معارضة الأعضاء المتمردين الغاضبين في مجلس العموم في أية تنازلات لأيرلندا وبالتالي لمصر. ويقرر مجلس الوزراء البريطاني يوم 18 يناير إستدعاء إثنين من مستشاري اللنبي في مصر وهما الجنرال كلايتون مستشار الداخلية وأموس المستشار القضائي للتشاور. وكان الهدف تأجيل إتخاذ قرار من ناحية، ولمعرفة ما إذا كان صحيحاً إدعاء اللنبي بأن الخبراء البريطانيين في مصر يؤيدون آراءه.

رد اللنبي فأعلن أن يرفض إرسال المستشارين وكان رأي اللنبي انه لا يجب أن يضحى يه على مذبح حزب المحافظين وترضيه لأعضاء مجلس العموم لأن همه الأول تشكيل وزارة في مصر. وهدد بالإستقالة – في رسالة خاصة إلى الوزير – إذا لم يؤخذ بإقتراحاته. عقد مجلس الوزراء البريطاني إجتماعاً يوم 23 يناير، وإجتماعاً آخر بعد 48 ساعة. قرأ الوزير برقية اللورد اللنبي التي تدعو إلى ضرورة إتخاذ إجراء فوري للمصالحة الوطنية المصرية. وتقرر البرقية أنه لم تقدم التنازلات التي تدافع عنها بصورة سخية وشجاعة، فإن اللورد اللنبي لا يرى أن هناك فرصة للإبقاء على تعاون أولئك المعتدلين في مصر. . . يعنى عبد الخالق ثروت. وأضافت البرقية أنه حالة رفض نصيحة اللورد اللنبي، فلن يكون بمقدوره الإستمرار في منصبه بصورة شريفة، وبالتالي فهو يرجو تقديم إستقالته إلى صاحب الجلالة. وافق المجلس على إبلاغ اللنبي بانه سيطلب غلى البرلكان إصدار قرار بإلغاء الحماية إذا وافق الوزراء المصريون على إحترام التحفظات التي تريدها بريطانيا. وكان هذا أول تنازل من مجلس الوزراء البريطاني. ولكنه كان – نفس الوقت – تأجيلاً لإلغاء الحماية. ولكن اللنبي هدد مرة أخرى بالإستقالة. ويجتمع المجلس يوم 26 يناير. قرر وزير الخارجية أن الموقف قد تعقد كثيراً. وقال الوزير للمجلس: -علمت لتوي انه إذا إستقال اللورد اللنبي، فسيتبعه – في الإستقالة – أربعة من المستشارين البريطانيين. فقد أبرق المستر أموس إلى المستر مورى رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية إ عتزامهم الإستقالة ليعرف ذلك مسبقاً! وأظهر تهديدهم بالإستقالة أن مشاعرهم قوية للغاية إزاء هذا الموضوع، إلى الدرجة التي يتخلون فيها عن أعمالهم. قال وزير الخارجية إن الأمر متروك لمجلس الوزراء لتقرير ما إذا ما كان ممكناً تنفيذ السياسة البريطانية مع رحيل كافة موظفينا عن مصر. فإذا إستقال المندوب السامي البريطاني ومستشاروه الأربعة الرئيسيون، فسيتبع ذلك إرتباك كامل في احكومة. وقال الوزير إنه يرغب في تبني نصيحة اللورد اللنبي. وأضاف: -ليس هناك إلا إحتمال قليل في أن يتم تنفيذ سياسة الحكومة بصورة فعالة على يد المندوب السامي الحالي – النبي – ومستشاريه.

طلب مجلس الوزراء إلى اللورد اللنبي العوده إلى إنجلترا لتقديم تقرير عن الموقف. وعند وصوله يجري بحث مسألة قبول إستقالته. وطلب مجلس الوزراء إلى المستشارين البقاء في مصر وإدارة شئون الحكومة حتى يتم قبول إستقالتهم. وممارسة الضغوط على هؤلاء الموظفين لإقناعهم بالبقاء في مناصبهم حتى يتم تعيين مندوب سام جديد. ولكن تبين ان المستشارين المصريين لا يعملون لدى الحكومة البريطانية، وإنما لدى الحكومة المصرية. فإذا إستقالوا، فلا يستطيع أحد إجبارهم على البقاء في مناصبهم كما أن وضع المستشارين الإنجليز أصبح أكثر صعوبة في السنوات الأخيرة، ومن الضروري تقديم بعض التنازلات للمشاعر الووطنية المصرية لتمكين المستشارين من الإحتفاظ بتأثيرهم في الحكومة المصرية.

بعد الإجتماع أبرق وزير الخارجية إلى اللورد بأن برقيته سببت قلقاً خطيراً لمجلس الوزراء! وتضمنت برقية الوزير لوماً شديداً للورد. قال كيرزون: "كنتم على علم منذ بداية شهر ديسمبر بالمبادئ اعامة لسياسة الحكومة البريطانية والمدى الذي يمكننا الوصول إليه، وقد وصلنا إلى أقصى مدى تعبيراّ عن رغبتنا الشديدة في الوصول إلى تسوية. وقد عرضنا أن نوجه الدعوة لعقد مجلس العموم ليبدأ فوراً إجراءاته بحيث يمكن تلقائياً إلغاء الحماية والإعتراف لمصر دولة ذات سيادة بمجرد أن يتم وضع الضمانات التي وافق المفاوضون المصريون أنفسهم على تقديمها في شكل يتيح لنا تنفيذها. وإذا كان هذا الحل يعتبر من قبل سيادتكم – أيها اللورد – غير متوافق على الإطلاق مع المزاعم المصرية لدرجة أنك اصبحت غير راغب في تقديمها بوصفك ممثلاً لحكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا فإن هذا الأمر أثار الإستياء الشديد. وكنت على دراية تامة، عند عودتك إلى مصر، في بداية نوفمبر، بسياسة الحكومة البريطانية وهي السياسة التي تمت صياغة أغلي أجزائها بالتشاور معكم وقد تم إيضاحها لكم شخصياً. وبناء على هذا الأساس أعربت عن أملك بثقة في الحصول على تعاون الحكومة المصرية. وعندما أوضح ثروت باشا في مرحلة من المراحل عن الشروط التي يستعد على أساسها لتولي السلطة قبلنا هذه الشروط بلا تردد. وقد شعرت الحكومة البريطانية بشئ من القلق وهي ترى السابيع تمر دون ان يتحقق شئ من هذا الغرض. إنك عملياً يا سيادة اللورد تقدم إنذاراً نهائياً للحكومة البريطانية تطلب فيه تقديم تنازلات كاملة وفورية حول نقاط سيشعر إزاءها البلرمان البريطاني بأعظم قلق، وهي تنازلات تتضمن غياب أية ضمانات لوضع بريطانيا العظمى في المستقبل في مصر، ةبهذا تثير قضية تعتبر حيوية بالنسبة إلى الإمبراطورية. إنك لا تعترف بمزايا مشروعنا المعد بعناية. ولم تتقدم بتعديلات أو تحسينات تسهل الموافقة عليه بل رددت ببساطة بتقديم إنذار لنا. وذكرت أنه لا يمكن الموافقة على أي شئ أو حتى مناقشة أي شئ سوى ما تقدمت به أنت نفسك. وهو يماثل في الواقع، المطالب التى صاغها المصريون في الوقت الحاضر بوصفها الحد الأدنى لما يطالبون به! وإذا كان حقيقياً أنه لا يجرؤ مصري في الوقت الحاضر على التوقيع بإسمه على شئ أقل من الإستقلال الكامل فإنه حدث تغيير في المشاعر المصرية لم تكن تتوقعها انت عندما غادرت إنجلرتا ولم يتوقعها ثروت باشا عندما عرض في البداية تشكيل الوزراة. ونحن لم نتلق حتى الآن أية تفسيرات مناسبة لهذا التغيير الصارخ. ومن هذه الزاوية لا يسعنا سوى أن نعرب عن أسفنا لعدم قبولك إقتراحنا بإرسال أموس وكلايتون لتقديم ما نسعى للحصول عليه من معلومات أوفى. وعلى هذا فإن الحكومة البريطانية لا يمكنها ان تقبل إستقالتكم إلا بعد أن تتاح الفرصة لمقابلتكم شخصياُ والإستماع من فمكم إلى ال ظروف التي أدت إلى الموقف الحالي. وبناء عليه فإنه يسر الحكومة عودتك على الفور إلى لندن لإطلاع الحكومة على وجهة نظركم". وأصبح رأي الحكومة البريطانية يتلخص فيأن اللنبي يصوب مسدساً إلى رأس الحكومة وأنه أرسل إليها إنذاراً عسكرياً جافاً.

بدأت الحكومة البريطانية تفكر في تعيين مندوب سام جديد، ولكنها في الوقت نفسه كانت تخشى غضب جنرالات الجيش البريطاني الذي يؤيدون اللنبي.

وخافت الحكومة أن تكرر ما فعلته مع الجنرال وينجت عندما إستدعته إلى لندن لأنه قابل سعد زغلول وزميله عام 1918 ولم تعده إلى منصبه كمعتمد بريطاني في مصر.

ومن ناحية أخرى فغن اللنبي كان من انصار ومؤيدون في مجلس اللرودات! وفي مجلس الوزراء أيضاً مما يهدد بإنفضاض الائتلاف الوزاري إذا إتخذ إجراء عنيف ضد الضابط البطل!

غادر اللنبي الإسكندرية يوم 3 فبراير في طريقه إلى إنجلترا، ومعه الجنرال كلايتون مستشار وزارة الداخلية المصرية، وأموس المستشار القضائي فودع بحماس بالغ من الشعب المصري الذي إحتشد لوداعه في القاهرة والإسكندرية وعلى طول الطريق بين المدينتين مما جعل الحكومة البريطانية تتردد في العمل ضد نصائح اللورد وسياسته.

وصل اللنبي إلى لندن يوم 10 فبراير فإعلن في المطار لمن قابله من المسئولين انه مصمم على موقفه. وإجتمع بوزير الخارجية في نفس اليوم فأكد موقفه ثم إجتمع اللورد جورج لويد يوم 15 فبراير باللورد اللمبي ومستشاريه بحضور وزير الخارجية كيرزون. وكان واضحاً أن اللنبي لا يريد ان يحضر إجتماعات مجلس الوزراء البريطاني كما فعل في نوفمبر الماضي، ومن هنا إقتصرت الإجتماعات على رئيس الوزراء ووزير الخارجية.

وفي هذه الإجتماعات أصر اللنبي غلى اٌستقالة التي قدمها مرتين. بدأ رئيس الوزراء الإجتماع قائلاً: -إنه مغتبط بالفرصة لمناقشة الصعوبات بشان مصر مع اللورد اللنبي، فالصعوبات تنشأ عادة عندما يتم الإتصال كتابياً.

وتكون أشكال سوء الفهم محتملة الحدوث جداً حول التفسير الدقيق لجملة في برقية أو رسالة. وعندما يناقش الأمر وجهاً لوجه، ينتفس سوء الفهم ويتم التوصل إلى إتفاق. وبالطبع، ربما وجد ان هناك مشكلات – من حيث المبدأ – بين وجهات نظر اللورد ووجهات نظر الحكومة. ومن الأمور البالغة الأهمية ضمان عدم وجود نزاع حول مجرد سوء الفهم. سأل رئيس الوزراء اللورد اللنبي هل يمكنه أن يوجز الخلاف بينه وبين مجلس الوزراء؟ قال اللورد اللنبي: -إن المجلس يعتقد بإمكان تشكيل حكومة مصرية تكون مستعدة لتوقيع معاهدة لا تنح مصر الإستقلال الكامل . . وقد قلت إن ذلك مستحيل. . . .فاعتقادي أن أية معاهدة يجب أن تكون من جانب واحد. ولا يمكن لأية حكومة مصرية انو توقع معاهدة تساومها فيها الحكومة البريطانية. وقد عقدت مساومة مع ثروت باشا، ترفع بمقتضاها الحماية عن مصر، وتترك لمناقشة تالية وتسوية – تاتي في حينها – المشكلات المتعلقة بالوضع البريطاني في مصر. وهذه فرصة مواتية جداً لتحقيق تسوية. وذا لم يتم إنتهاز الفرصة أشعر بانه ليس أمامى بديل سوى الإستقالة، لأن آرائي معروفة تماماً في مصر. ومن ثم فإن المشكلة المطروحة هي أن اللورد كيرزون يعتقد أنه من الممكن عقد مساومة مع حكومة مصرية وإني مقتنع بأن ذلك غير ممكن، كما أن حياة ثروتباشا لن تساوي شيئاً إذا دخل في مساومة أعلم أنها غير ممكنة. ومن الأمور الأساسية ألا يعامل أصدقاء الحكومة البريطانية كما لو كانوا أعداء. ولو سمح لي بأن أتيح لهم الإستقلال طبقاً للشروط التي اقترحها، لكان بإمكاني أن أتعامل مع حكومة مصرية قوية وودية تكون مستعدة للتعامل علناً وبصورة شريفة. ومن الأمور الأساسية أن تكون هناك حكومة ودية. أما نوع الحكومة التي كان علي أن يتعامل معها خلال السنوات الثلاث الماضية فكانت معادية بأدب أو مجرد وزارة لإدارة الأعمال. ولم تكن لذلك قيمة. كان ثروت باشا شديد التطلع إلى تشكيل وزارة. وكانت الإحتمالات مشرفة حتى أنه فكر فعلاً في ضم أحد مؤيدي زغلول إلى الوزارة! على الرغم من ذلك فإن تأخر الحكومة البريطانية الطويل في إتخاذ قرار أدى إلى تغير الموقف وتحول بعض الأعضاء المعتزم ضمهم إلى وزرارة ثروت باشا المقترحة ضد الحكومة البريطانية. وقد إجتمعت بزعماء الحركة – الزغلولية – وأبلغتهم بان يعودوا إلى منازلهم ويظلوا هادئين فيها. وحذرتهم من الخطر الجدي الذي ستعرضون له إذا لم يفعلوا. وسمحت بإعادة إصدار ثلاث صحف من خمس كنت قد أقفتها. وهذه الصحف هي: الأخبار والمحروسة والنظام والأمة والمقطم. وكان رئيس تحرير إحدى هذه الصحف مصرياً شديد الود تجاهنا فيما سبق. وكان هذا درساً مفيداً . ولم تعد لدى مخاوف من تكرار هذا الحاث. والحقيقة أن اولئك الزعماء المصريين يرحبون بمساندة الحصان الرابح عندما يظنون أنه يحتاج إلى دفعة. وكان أحد أسباب هذه الصعةبات العديدة عمك السماح لي بنشق عبد الرحمن فهميـ الذي حكم عليه بالموت والسبب الوحيد لعدم شنق عبد الرحمن فهمي هو أن اللورد ملنر كان قد ذكر أن تنفيذ هذا الحكم يعني تدمير كل إحتمالات التسوية. وقال: -إن فشلنا في التعامل مع أولئك الناس، أحدث حالة من العرب. فحتى ثروت باشا ومن تعاونوا معه عوملوا كما لو كانوا خونة عندما رجعوا إلى بيوتهم، وكان المعتدلون المصريون جميعاً يخشون أن يسمحوا لزغلول باشا العودة من المنفى. وأشعر بان الحكومة البريطانية من القوة بحيث يمكنها لاسماح لمصر بالإستقلال. وإذا تم ستحتفظ بريكانيا العظمى بضمانات فعالة في جيشها وبحريتها ووضعها في مصر". وأوضح اللورد اللنبي أن ثروت باشا كان متوجساً من زغلول. وعندئذ وافقت الحكومة البريطانية على وجوب نفي زغلول. وبعد إستبعاد زغلول، غير ثروت باشا شروطه تماماً. إن السبب الحقيقي للصعوبات الحالية هو أن ثروت باشا كان خائفاً. قال لويد: -أود في اللحظة الراهنة أن أتجنب النقاط الخلافية بشان الماضي. وقال: -لقد وافق مجلس الوزراء على رفع الحماية، بشرط عقد معاهدة مناسبة مع مصر {. وقدأخذ اللورد كيرزون على عاتقه أن يبذل أقصى جهده لتتنفيذ هذا القرار. وقد أجرى المفاوضات التي فشلت مع عدلي باشا. ثم حاول اللورد اللنبي التوصل إلى معاهدة ولم ينجح. وكان سر فشله السبب الذي ذكره اللورد اللنبي، هو أن ثروت باشا كان خائفاص. وأشار رئيس الوزارة إلى أن السير ويليم هايتر، وهو موظف إانجليزي في مصر، كتب مذكرة ذكر فيها أن حكومة مصرية لن ترحب أبداً بتوقيع معاهدة تتعارض مع موقف الوطنيين المصريين. وهذه السياسة في الحقيقة لا تقل عن الإستقلال الكامل مثل ما تتمتع به رومانيا. وأي شخص يتخلى عن هذه السياسة سيعتبر خائناً. وقد ظللت أعتقد دائماً بان من المستحيل التوصل إلى معاهدة. وواصل رئيس الوزراء حديثه قائلاً إنه لم يكن من الممكن عقد معاهدة فمكاذا يمكن عمله؟ الموقف كما أفهمه أن الحكومة البريطانية لا تعتزم التخلي عن مصر، بمعنى المصالح الخاصة وسيطرة الحكومة البريطانية على ذلك البلد. استمر رئيس الوزراء قائلاً إنه يعيد وجهة نظر نقلها إليه البريطانيون المقيمون في مصر. وقد قيل له ان الرأي العام المصري لاي كن نفس الإحتارم لثروت با شا مثلما يفعل تجاه عدلي باشا، ولكن إختيار الإراد يجب أن يظل في يد المندوب السامي. ويبدو أن الإختلاف بين اللورد اللنبي والحكومة البريطانية هو ان الحكومة البريطانية ذطرت أن الحماية يجب أن تلغى، لكن وفق شروط محددة. قال اللورد: -لا. تخلصوا من الحماية وستكون النتيجة ان الرأي العام في مصر سيهدأ ويقبل المصريون شرطنا. وقالت الحكومة البريطانية: -لا. لن ندعها تفلت حتى نعلم بالضبك وضعنا بشأن شروطنا. وقال اللورد اللنبي: -دعونا الآن وثقوا بتأثير لفتتكم الطيبة. وإذا كان هذا هو الخلاف فإنه خلاف أساسي. وعند هذه النقطة طلب المستر اموس السماح له بالتدخل ليقول إنهم يعولون على الأمل في خلق إحساس طيب. قال رئيس الوزراء: -إن على المستر أموس ان يتعامل مع المصريين وعلى – أي رئيس الوزراء – وزملائي أن نتعامل مع مجلس العموم البريطاني. قال لويد جورج: -قل لي ما ساخبر به مجلس العموم لوكنت مكاني.فقال المستر اموس إن رأ]ه أ ن تبقى الحكومة البريطانية المور في حوزتها. فكل الأمور التي تؤجل للمناقشة التالية مع الحكومة المصرية هي بالفعل في أيدينا. . وسوف يقول للبرلمان إن هذه الأمور قد تأجلت للبحث فيما بعد وأن هذه الأمور في حوزتنا في نفس الوقت. قال رئي الوزراء: -ليس هناك شئ أسوأ من إ{سال خطاب بفهمه المصريون بمعنى ونحن بمعنى آخر. وطلب من المستر أموس أن يريه كلمة واحدة في مسودة إقتراحات اللورد اللنبي التي تحافظ على الوضع القائم. فقال المستر أموس إن الوضع القائم حقيقة صلبة، وهي غلإحتلال العسكري. أشار رئيس الوزراء إلى أن مصر لم تكن مستقلة قبل الحرب. وكانت سيادتها في دي تركيا. وإذا أرسلنا إلى السلطان أحمد فؤاد الخطاب الذي يقترحه اللورد اللنبي بإلغاء الحماية وإعلان إستقلال مصر، فسوف تلم هذه السيادة إلى مصر. وإذا كان المقصود هو الحفاظ على الوضع القائم بشأن هذه المشكلات المؤجلة، فمن الأفضل وضع وثيقة تقول ذلك. ومن السهل عمل ذلك فلا أرغب في أي شكل من أشكال سوء الفهم. وهل أفهم من ذلك أن اللورد اللنبي لا ينوي التخلي عن مصر؟ قال اللورد اللنبي: -إن هناك بعض الأِشياء التي نرحب بأن ندع المصريين ينالونها بدءاً بسحب الحماية وضماننا للسلطات التي نود الإحتفاظ بها. إننا إحتفظنا باللد 40 عاماً ويمكننا الإستمرار في عمل ذلك 40 عاماً أخرى إذا شئنا. قال رئيس الوزراء: لو أن إقتراحات اللورد اللنبي تمت الموافقة عليها وأرسلت لكان كل طربوش في القاهرة قد طوح في الهواء، ولكن كل مصري قج فسره على أنه يعني أن البريطانيين سيجلون عن مصر أنهم نالو الإستقلال الكامل. قال اللورد اللني: -في هذه الحالة لا أستطيع أن أعود إلى مصر، فمن المعروف جيداً في مصر أن سياستي كما وردت في إقتارحي. وأشار المستر أموس إلى أن الموقف الدبلوماسي في مصر مختلف تماماً عن الموقف السياسي في لندن. ولا شك أن لدى الجكومة البريطانية مصاعبها الخاصة، لكن هناك في مصر تهديد بخطر عظيم هو الإنهيار الكامل للحكومة. قال رئيس الوزراء: -ألا تكون نتيجة السياسة التي يفضلها مستر أموس هي فقداننا لكل سيطرة على مصر. أجاب مستر اموس بأن هذا لن يحدث. وليس لدى أي شخص في مصر وهم حول هذا الوضع. قال رئيس الوزراء: -إن معلوماته هي ان السياسة التي يفضلها المستر أموس تفسر بين المصريين وأجانب بأنها تعني التخلي عن وضعنا هناك. قال اللورد كيرزون بأن إقتراحات اللنبي ستعطي مصر إستقلالهاـ الذي لم تنله قط من قبل. وأعرب رئيس الوزراء عن آراء مشابهة واكد أن مصر لم تنل إستقلالها قط على مدى قرون. فقال أموس: أن سيادة الأتراك قبل الحرب لم تؤثر في مضع مصر ف يمواجهة بريطانيا العظمى. فأشار اللورد كيرزون إلى أن الإختلاف الأساسي هو أن مصر ستنال إستقلالها لأول مرة. قال اللورد اللنبي: -نصيحتى درست بعناية والآن رفضت. وعلى مدى ثلاث سنوات جاهدت لإبقاء الجماية، والآن رفضت نصيحتي للمرة الثانية ولابد لي ان أطلب من رئيس الوزراء قبول إستقالتي. فقال رئيس الوزراء: -لا أدرك بوضوح كاف الخلاف القائم بيننا. قال اللورد اللنبي: إن الخلاف هو ان أصر على إعلان من جانب واحد ولا أعتقد في الإمكان إجراء أية مساومة حول ذلك.

تتابعت إجتماعات مجلس الوزراء بعد ذلك أحياناً مرة في اليوم الواحد وأحياناً مرتين لحل الأزمة التي تصاعدت فأصبحت إثنتين. الأولى تشكيل وزارة مصرية لمنع الأزمة الثانية وهي إستقالة اللنبي. ولم يجتمع مجلس الوزراء البريطاني بهذه الصورة المتتابعة المكثفة إلا مرة ثانية عندما وقعت الأزمة اليت عرفت فيما بعد بحادث 4 فبراير 1942. والغريب في الأمر أن الظروف كانت متشابهة إلى حد ما. عام 22 حاول الإنجليز إقناع مصري، هو عبد الخالق ثروت بتشكيل وزارة. وبعد عشرين سنة، وفير فبراير أيضاً عام 1942 حاول الإنجليز أن يفرضوا على الملك فاروق تعيين مصطفى النحاس رئيساً للوزراة.

إجتمع مجلس الوزراء البريطاني برئاسة لويد جورج مساء 15 فبراير. قال اللورد كيرزون:

-في حالة تشكيل البرلمان المصري ووصول حكومة غير صديقة إلى السلطة فهل يمكنها الإلتزام بكل شئ. وهل يمكنها مثلاً أن ترفض الإعتراف بالترتيبات التي أجراها ثروت باشا. رد أموس: -نحن لا نضمن بأنه لن تكون هناك معارضة أو صعوبات سياسية في المشتقبل. قال رئيس الوزراء إنه يعتقد أن هذه الفقرة تقدم أساساً للتفاهم وان الأمر الآن يتعلق بوضع إطار الإجراءات. لم تعد المسألة مجرد ما إّا كان ثروت باشا سيوافق. إن ما تحتاجه الآن هو وجود أساس للسياسة. وسأل عما إذا كان يمكن أن يقوم المندوب السامي الآن بصياغة إعلان واضح عن الشروط التي تحكم بها مصر. تبنى رئيس الوزراء في النهاية آراء اللنبي. قال: -لايوجد وزير مصري يمكنه التوقيع على أية معاهدة وإذا فعل يطاح به في طريق شعبه نفسه. ومن المهم أن تكون لدينا وثيقة تحدد بدقة الشروط التي ستتعامل بها مع مصر. وقد شعرت بذلك خلال حديثي إلى اللورد اللنبي صباح اليوم. وقال رئيس الوزراء إني واللورد اللنبي مشتركان في نفس الأهداف النهائية المطروحة وأشعر بضرورة صدور الإعلان الذي إقترحه اللورد. ويجب ألا يكون طويلاً بل يتضمن فقط بياناً مختصراً قصيراً عن وضعنا في مصر كما يتضمن إعلاناً عن ال تناولات التي نحن على إستعداد لتقديمها. قال اللورد اللنبي: -كان يمكنني منذ خمسة أسابيع تأمين وجود وزارة صديقة ومستقرة وقوية ولكني الآن أٌل ثقة عن ذي قبل. وناشد اللورد اللنبي رئيس الوزراء أن يسمح له بمحاولة تحقيق ذلك. إختلف الحاضرون حول صيغة الإعلان الذي يقدم إلى مصر فقال اللنبي: -سأصر في هذه الحالة على قبول الإستقالة التي تقدمت بها منذ بضعة أيام. -طلب رئيس الوزراء من اللورد اللنبي الذي تذرع بالصبر لمدة خمسة أسابيع أن يصبر خمس دقائق أخرى. وقال: إني أبذل أقصى ما لدي للإستجابة لوجهات نظرك. فإذا رفض ال مصريون تشكيل الوزراة على أساس سياسة اللورد اللنبي فيجب حينئذ أن يحكموا بطريقة ما، وإذا لم يتمكن المندوب السامي البريطاني من تشكيل وزارة مصرية على أساس الإعلان المقترح فعليه أن يستمر في حكم البلاد كما هو الحال في الوقت الحاضر. وينتهي الإجتماع بوضع صيغة لما سمي بتصريح 28 فبراير الخاص بإلغاء الحماية وإعلان إستقلال مصر مع إحتفاظ بريطانيا بتحفظات أربعة خاصة بتأمين المواصلات الإمبراطورية، والدفاع عن مصر، وحماية المصالح الأجنبية، وحماية الأقليات والسودان. وقد أطلقف عليه في مصر تصريح 28 فبراير وأسماء مجلس الوزراء البريطاني "تصريج لمصر". وقال المؤرخون البريطانيون إنه تصريح اللنبي بإعتبار انه لولا إستقالته والتهديد بها ما كانت بريطانيا قد وافقت على إستقلال مصر. ولكن الحقيقة أن إمتناع ثروت عن قبول تشكيل الوزراة جعل اللنبي والحكومة البرطانية يخشون ان تشتعل الفوضى في مصر وان تتجدد ثورة 19 مرة أخرى. ويقر مجلس الوزراء البريطاني صيغة هذا الإعلان يوم 17 فبراير. ويعقد، بعد 72 ساعة إجتماع آخر برئاسة لويد جورج يحضره وزير الخارجية وأوستين تشمبرلين حامل أختام الملك، لوضع خطة لتنفيذ قرارات مجلس الوزراء. وتكون نتيجة إجتماعات لويد جورج باللنبي الموافقة على شروط اللنبي ومقترحاته بتعديلات بسيطة. بقد تراجع رئيس الوزراء أمام مندوبه السامي في مصر، وأمام الضغط ال شعبي المصري وزيادة الروح الوطنية في مصر كما إعترف لويد جورج، وأخيراً، وهذا هو العنصر الحاسم، أن مصرياً واحداً لم يقب رئاسة الوزراة في ظل الإحتلال والأحكام العرفية والجماية والقهر. وكان ذلك كله تعبيراً عن ثورة 19، أو أهم ما حققته الثورة بعد 3 سنوات ن إنفجارها. إن آثار ثورة 19 ظهرت في تصريح 28 فبراير الذي أذاعه اللنبي بعد عودته إلى مصر والذي تعلن فيه بريطانيا إستقلال مصر، وأنها لم تعد تابعة للسيادة التركية أو الحماية البريطانية.

رأى اللورد اللنبي ان نفوذه في مصر سيتضاءل وان له إمتيازات صغيرة قد تختفي مع الإستقلال فرأى إثارتها ليلتقي توجيهات محددى بشأننها. قال اللورد اللنبي: -عند ظهوري في مصر علناً بصورة رسمية يقوم حرس الشرف بإستقبالي وتعزف الفرق الموسيقية خمسة فواصل موسيقية من نشيد "ليحفظ الله الملك". وإقترح بانه يبكون من أفضل الإستمرار في ذلك. وافق اللورد كيرزون. قال اللورد اللنبي: -من المعتاد ان يقوم السلطان بزيارتي في عيد ميلاد ملك بريطانيا وأقوم بزيارة السلطان عند تولية السلطان في عيد ميلاده. وهكذا فإني أقوم بزيارة مرتين. . والسلطان يزورني مرة واحدة. قال اللورد كيرزون انه يجب الإستمرار في القيام بأي شئ يحفظ هيبة المندوب السامي ويجب ألا يتم أي تغيير في هذا الإجراء. قال اللورد اللنبي: -إن عيد ميلاد ملك بريطانيا يعتبر يوم عطلة رسمية في مصر في الوقت الحاضر وأن هذا يؤدي إلى إبراز الحماية كما لو أنها أمر مقيت للعديد من المصريين. ووافق اللورد كيرزون على إلغاء هذه العطلة الرسمية حيث إن هناك وفرة في الأعياد الرسمية الأخرى! قال اللورد اللنبي: -عندما اتوجه إلى حلبة السباق فالإجراء المتبع بالنسبة إلى أن يقوم الحرس بإستقبالي وتعزف الموسيقى خمسة فواصل من النشيد الملكي البريطاني. ويصل السلطان بعدي ويستقبله النشيد الخديوي. ثم يغادر السلطان أولاً على أنغام النشيد الخديوي ثم اللورد اللنبي عند عزف خمسة فواصل موسيقية من النشيد الملكي البريطاني. وإقترح الإستمرار في هذا الإجراء فوافق اللورد كيرزون. قال اللورد اللنبي: -إعتدت إستدعاء الوزير المفوض الفرنسي أو الإيطالي ولا أقوم بزيارتهما. وإقترح الإستمرار في هذا لإظهار ان المندوب السامي هو الممثل الأجنبي الأول. وافق اللورد كيروزن1

أبرق اللورد اللنبي إلى مقره في القاهرة قائلاً: -إني أعود منتصراً. يقصد بذلك أنه جاء يحمل معه إعترافاً بإستقلال مصر والإستجابة لمطالبه. وعندما إجتمع مجلس العموم يوم 14 مارس لتأييد إلغاء الحماية على مصر، قال أوستين تشمبرلين متحدصاً بإسم الحكومة محاولاً تخفيف وقع تصريح 28 فبراير على النواب فقال: "إن اللورد اللنبي هو الذي تقهقر لا الحكومة". ولكن التصريح كما قال كثيرون أعطى مصر إستقلالً ظاهرياً وبقيت السلطة الحقيقية الواقعية في يد إنجلترا. وضمن التصريح قيام حكومة وبرلمان يمنح الإمتيازات لملاك الأراضي ورجال الاعمال والأغنياء ويحرم منها طبقة الفقراء الكادحين من المصريين! بقى أن نعرف مجلس الوزراء البريطاني عندما إجتمع يوم 22 فبراير 1921 لبحث برقيات اللورد اللنبي وآراءه في المسألة ال نصرية بالوزارة لسؤاله في بعض الأمور. وكان موري قد عمل في مصر مع كرومر ومن خلفه من القناصل والمعتمدين البريطانيين منذ عام 1903 حتى عام 1919 عندما نقل إلى وزارة الخارجية البريطانية. وكانت هذه أول مرة يحضر فيها موظف صغير إجتماع مجلس الوزراء. وكان اللورد كيرزون وزير الخارجية يحضر الإجتماع، ولكن مجلس الوزراء الوزراء رأى أن مستر موري أكثر خبرة بالشئون المصرية من الوزير! وفي إجتماع لويد جورج باللورد اللنبي، شكلت لجان لوضع النهاية لتصريح 28 فبراير كان مستر موري عضواً فيها. وبعد قرار مجلس الوزراء يوم 17 فبراير بالموافقة على إستقلال مصر كان موري عضواً في اللجنة التي تولت وضع مص ال تصريح. ففي قضية إستقلال مصر كان الموظف الصغير طرفاً رئيسياً بإعتباره المختص والمسئول!!

لم يستمر ثروت في الوزراة سوى 8 شهور شكل خلالها لجنة الثلاثين لوضع الدستور الذي رأى فيه الملك إنتقاصاُ لحقوقه وإجحافاً به فأخذ يضغط على ثروت ويعرقل أعمال الوزراة فاضطر ثروت إلى الإستقالة في 29 نوفمبر 1922. أفرج عن سعد زغلول وأجريت الإنتخابات ففاز الوفد وشكل سعد زغلول وزارة إضطرت إلى الإستقالة بعد إغتيال السردار سيرلي ستاك فشكل أحمد زيور التي خضعت للإنجليز. وتدخل الملك. وتدخل المندوب السامي في الحياة السياسية المصرية. وغيرت الأحزاب مواقفها تبعاً للضغوط الملكية والبريطانية. وكانت التغييرات متلاحقة ومتناقضة. وبعد انتخاب مجلس جديد للنواب جرت عملية إنتخاب رئيس مرشح حزب الأحرار الدستوريين ثروت لرئاسة مجلس المجلس ضد سعد زغلول ففاز سعد وحل مجلس النواب بعد 9 ساعات فقط وهو أقصر المجالس عمراً في التاريخ المصري. وتعطلت الحياة النيابية وعندما عادت وفاظ الوفد رفض المندوب السامي الجديد اللورد لويد الموافقة على رئاسة سعد زغلول للوزارة فشطلها عدلي يكن باشا ثم إستقال. طلب سعد إلى ثروت تشكيل الوزارة في 26 إبريل عام 1927 بعد عدلي فإن الظروف السياسية فرضت على الأحزاب السياسية الإئتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين فقد إنتهى العداء بين سعد وعدلي. تفاوض ثروت مع أوستين تشمبرلين وزير الخارجية البريطانية لعقد معاهدة ظن أن الإنجليز شروطاً مما أفضل مما عرضوه من قبل ولكن مشروع المعاهدة الذي توصل إليه الطرفان في نوفمبر 1927 لم يرض الوفد الذي رأسه مصطفى النحاس بعد وفاة سعد فإستقال ثروت في 4 مارس 1928. وكانت هذه أطول وزارات ثروت عمراً فقد إستمرت 11 شهراً. ولم تحقق وزارتا شيئاً فإن أهم ما حققه ثروت باشا في حياته كان خلال الفترة من 8 ديسمبر 1921 حتى أول مارس عام 1922 عندما رفض منصب رئيس الوزارة قبل أن يتولى رئاسة الوزراة أي وهو بعيد عن المنصب، لأ،ه أصر على إستقلال مصر أولاً. وكان ثروت هو أول سياسي مصري يحقق مكسباً سياسياً لبلاده. وهو بعيد المنصب، يأبى الإقتراب منه. ولم يستطع أي سياسي مصري أن بفعل ذلك برفضه الوزارة! كان ثروت هو الوحيد الذي رفض الوزارة ليفرض مطالب شعب مصر.

مات ثروت باشا في باريس عام 1928 وعمره 55 عاماً. وكان رابع رئيس وزراء يموت خلال فترة لا تتجاوز 15 شهراً. سبقه رشدي باشا ومحمد سعيد باشا وسعد زغلول. ويكتب ركس هور القائم بأعمال المندوب السامي إلى لندن. "يعتقد الكثيرون أن مصر فقدت بثروت أعظم سياسي مصري على اٌطلاق. وقد أسرع بوفاته التوتر الذي كان يكدح من خلاله في شتاء عام 27، 28. وظهرت المرائي االبلاغية له في الصحف المصرية وقد وصفته إحداهما بأنه "رجل الساعات الصعبة". والدليل الكافي على مهارته السياسية وكفاءته كرجل دول تمكنه من إقناع المتطرفين المصريين والسياسيين البريطانيين ومقدرته الفريدة على لعب هذا الدور. وقال ركس هور: -بالنسبة إلى الملك فؤاد وفي هذه المناسبة كما في مناسبات قبلها. أزهر وضاعة التفكير المميز له فقد أظهر وضاعة حول إصدار مجلس الوزراء بياناً ينعي فيه للأمة ثروت باشا. وقد حاول الملك دون نجاح أن يقلل إحتفالت جنازة الرجل الذي جعل منه ملكاً! وبالإضافة إلى ذلك رفض السماح بنقل الجثمان على نفقة الدولة للذلك الرجل "الصانع الماهر" من صناع النجاح السياسي الملموس في مصر!


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سعد زغلول

محاكمة صحفية

جاءت به الأمة إلى الجكم بعد نضال طويل. فاز في أول إنتخابات عامة تجرى في ظل الدستور الصادر عام 1923. نال أنصاره 195 مقعداً من 214 وفاز أحدهم في دائرة كان خصمه فيها رئيس الوزراء يحيى باشا إبراهيم الذي أِرف على الإنتخابات. كان سعد زغلول في الثانية والسبعين. والده عمدة قرية أبيانه بمديرية محافظة الغربية. عين محرراً للطبعة العربية من جريدة الوقائع المصرية. تنقل بين وزارة الداخلية وإدارة المكتب القانوني لمديرية الجيزة. أصبح بعد ذلك من أتباع الشيخ جمال الدين الأفغاني الذي غرس بذور الثورة في ثلاث بلاد إسلامية هي فارس – إيران – وتركيا ومصر. إشترك سعد في الثورة العرابية فسجن وطرد من عمله الحكومي. بدأ يشتغل بالمحاماه ونبغ فيها. وعين وعمره أربعون عاماً قاضياً في محكمة الإستئناف الوطنية. درس القانون وحصل على شهادى فيه وتعلم الفرنسية. تزوج بصفية إبنة مصطفى فهمي باشا رئيس الوزراء ولم يرزقا بأولاد. إختاره اللورد كرومر وزيراً للمعارف عام 1906 – وكان في الرابعة والخمسين ومنها نقل وزيراً للعدل. خذله المندوب السامي اللورد كتشنر فانحاز مع الخديوي عباس حلمي الثاني ضده فاستقال من الوزراة. وعندما أجريت الإنتخابات للجمعية التشريعية عام 1913 رشح نفسه عن دائرتين ففاز فيهما وإختارته الجمعية الوكيل الثاني المنتخب وعين عدلي الوكيل الأول. لم يرحم زملاءه الوزراء من نقده العنيف ولكن قامت الحرب العالمية الأولى فتوقفت أعمال الجمعية. رغب المندوب السامي السير ماكماهون في تعيينه وزيراً للأوقاف عام 1916 ولكن اللورد كتشنر الذي أصبح وزيراً للحربية البريطانية إعترض فلم يعين. في 13 نوفمبر عام 1918 توجه إلى مقر المندوب السامي السير ريجنالد وينجيت مع إثنين من زملائه بطلب إستقلال مصر الكامل والسفر إلى لندن للمطالبة بذلك فرفض طلبه وغضبت بريطانيا على السير وينجيت فانتهزت أول فرضة للإطاحة به وحرمته من المعاش. نفي إلى مالطة فأصبح ممثلاً للشعب المصري آماله الوطنية في الحرية والإستقلال. أفرج عنه وسافر إلى باريس يطلب حضور مؤتمر الصلح فرفض طلبه. وجاءت إلى مصر لجنة اللورد ملنر وغادرتها وسمح لسعد في يونيو عام 1920 مع سبعة من أعضاء الوفد بالسفر إلى لندن وإجراء مفاوضات غير رسمية مع اللجنة. فشلت مفاوضات الوفد فقد أبدى سعد عدة تحفظات على مقترحات اللجنة بشأن مستقبل مصر. خلال التسعة شهور الأخيرة من عام 1921 بدات المقاومة العنيفة في مصر للإحتلال البريطاني ثم وجه الإنجليز إنذاراً بالإقامة في الريف فلما رفض نفي في 29 ديسمبر عام 1921 إلى جزيرة سيشل ومنها إلى جبل طارق بعد إعتلال صحته. أفرج عنه في 31 مارس 1923 فسافر إلى فرسنا. سمح له بالعودة إلى مصر في 18 سبتمبر 1923 بعد صدور الدستور. وفي الوثائق البريطانية السرية أن سعد زغلول منذ اعتقاله ونفيه إلى مالطة أصبح يمثل إعادة الروح للأمال الوطنية وصار محور السياسة المصرية. جرت الإنتخابات فاكتسح أنصاره مجلس النواب وتولى سعد رئاسة الوزراة لأول وآخر مرة في 28 يناير عام 1924.

بدأ سعد حكمه . . لم يأمر بمنع مظاهرات التأييد له وقيل أنه أصدر أوامر بعدم التعرض للمتظاهرين. وإجتمع مجلس الوزراء لأول مرة ليصدر قراراته بإحالة محمد مقبل باشا محافظ الإسكندرية إلى المعاش وتعيين بدله . . وكان السبب في ذلك أن مقبل باشا كان مديراً لأسيوط عندما زارها سعد عام 1921 فلم يستقبله إستقبالاً حسناً بناء على أمر الحكومة القائمة، ووقعت في أثناء الزيارة عدة حوادث صدام بين رجال الحكومة وأنصار سعد . .

لأفسحت صحيفة "السياسة" الناطقة بإسم حزب الأحرار الدستوريين المعارض وأغلب صفحاتها آراء رجال حزبها ومن عزلهم سعد من الموظفين. قالت السياسة: "الموظف يجب أن يطمئن إلى مكانه في الحكومة ولا يفصل إلا إذا ارتكب ما يوجب فصله. والإكتفاء بنقل الموظف من مصبه إلى منب آخر لا يتصل بسياسة الجكم إتصالاً مباشراً يكفل طمأنينة الوزراة". وكتب حلمي عيسى باشا سلسلة مقالات عن أسباب فصله قال: "إستعاضت الوزراة التي إصطفاها الرأي العام لتحقيق أمنيته الغالية - وهي المفاوضات الرسمية – بامور صغيرة تافهة لاتقدم الأمة وإنما تؤخرها في أخلاقها". وطالبت الجريدة بإنشار مجلس الدولة ونبهت إلى خطر إتخاذ السياسة مهنة ارتزاق. وناشدت الحكومة ان تحول الطعن على النواب إلى سلطة اخرى تبحثها غير مجلس النواب!!

كان سعد ينظر حوله فيجد أعداءه أو أعداء الشعب – كما يرى – يشغلون المناصب الكبرى وهو لا يطمئن إليهم ولذلك يقول في صراحة أنه يريد أن تكون الحكومة زغلولية لحماً ودماً. وهو يريد أن يعرض أنصاره عما قاسوه خلال سنوات الثورة وما بعدها. يريد لهم أن يحتلوا الوظائف الكبرى كما احتل الأفندية – في عهده – مناصب الوزراة بدلاً من الباشوات، وهو يعتقد أن أتباعه أحق بهذه المناصب من أتباع أحزاب الأقليات أو الإنجليز، ثم أنه يرى أن هؤلاء الموظفين المعزولين كانوا حزباً على الشعب عندما نكلوا بسعد. . في أثناء الكفاح والنضال وخلال المعركة! ولك يكن معقولاً ولا منطقياً أن ترى "السياسة" – صحيفة المعارضة – ذلك وتصبر وتتغاضى وتنتظر حتى يحقق سعد الأهداف الوطنية . . ومدام رئيس الوزراء قد بدأ حكمه بتصريف مسائل صغيرة فلا حرج على المعارضة ان إهتمت بهذه المسائل وجعلتها قوام حملتها على رئيس الوزراء السابق. وسعد يؤمن في قرار نفسه بأنه مدام قد فاز بالأغلبية في الإنتخابات، ومادام الشعب يسانده ويؤيده ويلتف حوله. ثم إن أحزاب الأقليات لا تمثل الأمة ولذلك لا ينبغي أن يرتفع لها صوت أو يحسب لرأيها حساب. . وأما الجريدة فترى أن الحياة النيابية لا تقوم بغير المعاضة. وفي هذا التفسير يمكن أن نفهم سر موقف سعد من الصحافة المعارضة وإن كنا لا نبرره. ولا يجب أن ننسى الأوصاف التي أطلقت على سعد من خصومه: "ألعبان – شرهان – أثيم – طاغية – شمشون-؟؟ عريض القفا، طويل الأذان. سنيد ذليل. دبان. كذاب!!

حدد موعد إفتتاح البرلمان – 15 مارس 1924 – ووجهت الدعوة إلى جميع الصحف لإيفاد مندوبين عنها لحضور الحفل واستثنيت "السياسة" فلم يدعها رئيس مجلس النواب أحمد مظلوم باشا. تساءلت الصحيفة: "هل حفلة إفتتاح البرلمان حفلة حزبية لا يدعى إليها إلا المنتصرون لسعد باشا والمنضمون تحت لوائه؟ ومتى كان البرلمان لحزب دون حزب؟ نود أن يكون هذا التصرف قد تم بغير علم من سعد باشا فإنه تصرف يدل على شئ غير قليل من الصفاء". وبهذه الطريقة الماكرة حاولت الجريدة أن تعطي سعداً الفرصة ليعدل عن هذا التصرف ويعالج خطأ في التقاليد البرلمانية والصحفية وفي أصول الحكم. ولكن سعد لم ينتهز الفرصة التي منحها أبى بحجة أن محرري "السياسة" ظلموه بمعارضتهم العنيفة له. ورفض أن يتراجع. وكان كتاب "السياسة" حريصون على أن يظهروا للناس أن سعداً يكره المعراضة ولا يحب أن يناقشه أحد الحساب. سأله مندوب "الجورنال دي كير" عن رأيه في عدم دعوة الصحيفة المعارضة لحفل إفتتاح أول برلمان في مصر. فقال سعد إنه منع السياسة عمداً ولم يتورط فيه لخطأ أو نسيان.

ورد على السؤال بسؤال آخر قائلاً: "أتريدون ان تدعو من يهينونا". "أتريدون أن أحمي خصومي".

علقت الجريدة على قرار حرمانها من حضور إفتتاح البرلمان: "إنكم لم تعتدوا على السياسة وحدها: ولم تعتدوا على أصحاب السياسة وكتابها وإنما إعتديتم على آلاف من قراء السياسة لا تحضر البرلمان لكتابها وأصحابها وإنما تحضر البرلمان لهؤلاء الآلاف الذين أباح لهم الدستور أن يعرفوا ما يجري في البرلمان". وأخذت السياسة تهاجم الوزارة بأسلوب يقطر مرارة وسخرية وإستهزاء. قاالت الصحيفة في مقال عنوانه "جزب الستمائة جنيه" . . –تعني بذلك حزب الوفد – بعد أن قرر مجلس النواب في أول جلسة له منح كل عضو مرتباً سنوياً قدره ستمائة جنيه تدفع بواقع خمسين جنيهاص شهرياً. "وكانت مكافأة هضو الجمعية التشريعية التي توقفت عام 1914 خمسة وعشرين جنيهاً في الشهر"! وقالت: "الحق أنها فضيحة تصغر أمامها كل فضيحة. كان الجندي المعرض لأنواع التضحيات يتقاضى إلى عهد قريب ثلاثين قرشاً مرتباً ثم لا يتضجر ولا يتبرم. فأما أغلبية الأماثل الموقرين فاعتبروا البرلمان واعتبروا النيابة عن الأمة مزرعة بل تكية يلجأ إليها العجزة والمعوزون ليعيشوا من ورائها عيشاً رغداً"! ونددت الصحيفة بتصرف النواب، وبأنهم فكروا في أنفسهم، وفي مكافأتهم أولاً وقبل كل شئ، ولأنهم جعلوا هذه المكافأة ستمائة جنيه في العام، وهو مبلغ كان يتقاضاه يومئذ كبار الموظفين دون سواهم. . . وكانت كثرة النواب من أهل الريف الذين لا يمتازون على غيرهم بشئ من المؤهلات العلمية أو المقدرة الممتازة. وصفت الجريدة أحمد مظلوم رئيس مجلس النواب الذي منع مندوب السياسة من حضور جلسات مجلس النواب فقالت: "مظلوم . . ومن مظلوم؟ الرجل برئ لم يعتدوا ولم يفكروا في الإعتداء. لم يكتب كتاب الحرمان هذا ولم يفكر فيه. ولعله لك يفهمه حين أمضاه، ولعله لم يقرأه حين طلب إليه أن يمضيه. الرجل برئ، أوحى إليه فإذعن للأمر، وطلب إليه أن يمضي فأمضى. ومكتبه برئ أيضاً لم يعتد ولم يفكر في الإعتداء، وإنما هبط عليه الوحي فسمع واطاع واعتدى مكتب مجلس النواب على الحرية، لأن زعيم الكثرة البرلمانية أراد هذا الإعتداء وأمر بهذا الإعتداء. ونحن لانخاصم عن الحرية مظلوماً ولا أصحاب مظلوم وإنما نخاصم عن الحرية سعداً. وأصحاب سعد. فسعد وأصحابه كل شئ. . إن تأت الكثرة البرلمانية خيراً غهو مصدره. وإن تأت الكثرة البرلمانية شراً فعليهم تبعته، سعد وأعوانه هم اللذينعينوا النواب وكونوا الكثرة البرلمانية كما أحبوا تسمع لهم وتطيع"! ومعنى هذه الكلمات أن رئيس مجلس النواب تابع لسعد وكذلك سائر الأعيان لاحرج عيلهم إن أخطأوا، ولا فضل لهم إذا أصابوا، ومع ذلك فالمفروض فيهم أنهم النواب الذين يعبرون عن إرادة الشعب. "إستمرت السياسة تنشر وتصف الجلسات وتنتقدها وتعلق عليها بأسلوب محمود عزمي. وهاج مجلس النواب مرة أخرى وطالب بإجراء تحقيق مع مندوبي الصحف وموظفي المضبطة لمعرفة الصحفي أو الموظف الذي يمد السياسة بما يدور في الجلسات. ولم ينته التحقيق إلى نتيجة، ةإستمر قرار المجلس بحرمان مندوب "السياسة" من دخول البرلمان قائماً حتى نهاية الدورة! وإستمر مندوب "السياسة" محمود عزمي – يصف جلسات البرلمان إل أخر الدورة فقد إستطاع أن يقنع أحد مندوبي أحد الصحف بان ينتقل إليه كل ليلة ما يدور في الجلسة من كلام وإشارات، وكان يتولى كتابة ما ينقله إليه مندوب الصحيفة بأسلوبه". كتب الدكتور طه حسين في السياسة مقالاً: ينضح سخرية جاءفيه ولكن بغير توقيع: "جعلت الوزارة سكرتارية البرلمان تكية من تكايا الإرتزاق". قالوا من حق الوزارة، وقد إنتصرت في الإنتخابات أن توزع أموال الأمة على العجزة والمعوقين من أقاربها والمحسوبين عليها. قالوا ذلك وأيدوه بأن أحوج الناس إلى الرزق أعجزهم عن العمل وأن أقارب الوزراء والمحسوبين عليهم، أكثرهم عاجزون عن السعي لرزقهم:.

وتقدم النائب المحترم عبد الجليل أبو سمرة يطلب إلى مجلس النواب مناقشة موضوع طرد مندوب السياسة: يدق رئيس مجلس النواب الجرس ويقول للنواب: -أنتم موافقون؟ أصوات: لا. النائب حنفي ناجي: يامعالي الوزير إن في شرفة الزائرين الآن مندوباً عن جريدة السياسة قد أعطاه أحد الأعضاء الموالين لخطة "السياسة" تذكرى دعوة إلى المجلس. وفي هذا خروج عن قرار المكتب وإهانة لكرامة النواب فأنا أطلب سحب التذكرة من ذلك العضو. وحرمانه من دعوة أي زائر إلى مجلس النواب. وأشار النائب حنفي ناجي إلى محمد توفيق دياب وكان يجلس في شرفة الزائرين بدعوة من الأستاذ هبد الجليل أبو سمرة. وكان توفيق دياب قد انقطع عن الترير في "السياسة" قبل ثلاثة أشهر. أصوات: يطرد مندوب السياسة من هنا. أبو سمرة: أنا أحتج على هذا العمل وأطلب تدوين الإحتجاج. (يقف النائب عبد الحميد سعد وبحاول أن يتدخل في المناقشة). الرئيس: أنا أطلعك بالقوة. عبد الحميد سعد: أنا أخرج وانا محتج. . هذا ليس مجلس النواب. أبو سمرة: أنا أطلب الكلمة وأحتج إحتجاجاً شديداً. توفيق دياب: انا لست مكاتباً للسياسة. (والمعروف أنه محظور على أي زائر أن يشترك في مناقشات المجلس النيابي). أصوات: أخرجوه. النائب حنفي ناجي:اخرجوا هذا ال (..). وانسحب توفيق دياب وغادر المجلس. عبد الجليل أبوسمرة: أنا أحتج وأطلب غسل هذه الإهانة. الرئيس: لأي عضو أن يطلب مني إخراجك. (وينسحب أبو سمرة من قاعة المجلس). عاد توفيق دياب إلى الكتابة في جريدة "السياسة" بعدما حدث ليعقب على قرار المجلس وليهاجمه بعنف. "شخصي "الضعيف وحزب الستمائة". "خالفوا الحق – وخالفت اللائحة". أنا الموقع لهذا خالفت أمس في مجلس النواب نصوص اللائحة الداخلية فصحت من شرفة الزائرين صيحة إحتجاج على الباطل الذي إدعاه حزب الحكومة! حرم حزب الستمائة على الجريدة التي استنكرت جشعه، واستقبحت استباحته لأموال الأمة أن يكون لها مندوب في المجلس النواب ليطلع على تلك الأفاعيل التي يفعلونها بمصلحة البلاد. (ومضت "السياسة" تهاجم سعداً وحزبه وتتطرف في الهجوم وتمعن في إهانة الوفد. . قالت السياسة:

  • إنها كثرة برلمانية مذعورة تخاف من الخيال ويروع أحلامها كتاب "السياسة" ومندوبوها البرلمانيين.
  • لانكون مغاليين إذا قلنا أعضاء الوزارة السعدية أقل إقتداراً من أعضاء الوزارات السابقة في تسيير دقة الأعمال الإدارية ودولاب الحركة الحكومية.

وأخذت الصحف الوفدية ترد الهجوم – ولكن على طريقتها – وهي أن تتهم المعارضة بالخيانة قالت جريدة "المحروسة": "علمنا بمزيد من الأسف من مصدر لا شك في صحته أن فريقاً من أبناء الأمة المصرية هم ذلك النفر الملقب بالأحرار الدستوريين والحزب الوطني تحالف من مندوب لحزب الإستعمار الإنجليزي حضر خصيصاً إلى مصر. وعلمنا أن حزب الإستعمار هو الذي يتولى الصرف على صحفهم بسخاء لتحمل هذه الحملات وتحمل أعضاءهم في مجلس النواب على القيام بمثل هذه المناورات". وحاولت الصحف الوفدية أن تجد في دفاع "السياسة" عن حرية الرأي مطعناً على الأحرار الدستوريين فرمتهم بالإلحاد في الدين كما رمتهم، في السياسة، بالمروق من الوطنية.

وكان أقوى معارضي سعد "وأطول الصحف لساناً ضده" هو طه حسين. كما إعترف بنفسه في مذكراته – بعد ذلك – وإن كان يكتب بغير توقيع، غير أنه كان معروفاً في الأوساط الصحفية والسياسية أن طه حسين هو كاتب عدد من المقالات التي نددت بسعد زغلول وتصرفاته. . ولعل أسلوب طه حسين يظهر بوضوح في كل سطر من مقالاته. . قال طه حسين يصف الوفديين تحت عنوان "المحدثون" . . محدثون في السياسة فهم لا يعلمون كيف تؤكل. ولا كيف تشرب، ولا كيف تلبس، وقد أرادت الظروف مع ذلك أن يأكلوها وان يشربوها وأن يلبسوها . . فانظر إليهم فهم ضحكة حين يأكلون ويشربون ويلبسون . . يقولون فلا ينطقون إلا بالسخف. ويعملون فلا ياتون إلا مضحكاً من الأمر. أما أعمالهم فقد رأيت منهك طرفاً وسترى منها أطرافاً. وأنت تشهدها في كل يوم، وفي كل حين، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. "وتحت عنوان "وجلون" قال طه حسين . . ولو كانوا على حق ما وجلوا ولا أشفقوا مهما يكن خصومهم أقوياء. ومهما تكن خصومتهم شديدة فصاحب الحق قوي بحقه، مطمئن إليه، شجاع في الإعتزاز به. لا يعرف الضعف إلى نفسه سبيلاً, ولا يجد الخوف إلى قلبه طريقاً .. و"في مقال عنوانه "نصيحة" قال طه حسين نقدمها إلى رئيس الوزراء خالصة، لا لوجهه، فرئيس الورزاء يعلم أننا لانخافه ولانرجوه، بل لوجه الله ولجه مصر. . لن يتاح لمصر أمن مصر إذا مضت الحكومة فيما هي فيه من سياسة حزبية في الوزارات والإدارات. وفي اضطهاد الخصوم وتجاوز القانون وتعدي حدوده".

حدث عند مناقشة موضوع السودان في مجلس النواب أن طلب النائب "عبد العزيز الصوفائي" من سعد زغلول أن يدلي بتفسير للموقف فيما يتعلق بعرض ميزانية السودان على مجلس النواب المصري فقال سعد زغلول: "لاتحرجني فإن إحراجي هو إحراج للمجلس" وإنك إذا أحرجت زغلولاً فإنما تحرج الأمة. وأنا صادق فيما أقول. وإن الذي يدفعني إلى العمل هو صوت ينبعث من ضميري إرتفع قبل ان يرتفع من إنسان"! حمل عبد القادر حمزة صاحب جريدة "البلاغ" ورئيس تحريرها على طه حسين وكتاب السياسة بقوله: "هؤلاء الصعاليك من الكتاب يكدون ويكدحون لإستخراج أفحش أنواع المثالب وأقبح الشتائم يوجهونها إلى سعد باشا وأنصاره. . . ونجد الآن بين المأجورين لتسويد جريدتهم مثل الشيخ طه حسين يتعمد التعامي عن رؤية ما حوله من الظروف ويتجاهل مبلغ الخيبة المؤلة التي يعانيها مستأجروه فيسود في رجيدة "السياسة" مثل سخافتها. . . هذا الشيخ جن جنونه فهو يطمع في إيجاد من يستمع له ويلتفت إلى هذيانه!! ويقول أمين عزب العرب في البلاغ عن محرري السياسة: "كنتم ضعافاً فانشققتم، ومترددين فانهزمتم، ثم ألقيتم بأنفسكم في أحضان خصوم بلادكم فكنتم خائبين". وعند هذا الحد كان صبر سعد زغلول قد نفذ فإن الصحيفة إستمرت في سياستها المعراضة . . فلم تفلح في إسكاتها المظاهرات وإحراق مجلة "الكشكول"، أو ضرب أمين الرفاعي بالحجارة، أو الهتاف بحياة "المقطم" الصحيفة التي يهتف المصريون بحياة أصحابها قط ويقولون عنها في مظاهرة عامة أنها الصحيفة الوطينة إلا في عهد سعد زغلول! وكان المتظاهرون الوفديون قد قاموا بمظاهرة أمام دار المقطم هتفوا فيها "تحيا الصحافة الحرة" ثم مروا أمام الصحف المعراضة جميعاً وألقوا عليها الطوب وهتفوا بسقوط أصحابها! ورأى سعد أن يلجأ إلى وسيلة أخرى. . وهي ان تتولى السلطات القضلئية التحقيق مع "السياسة" كما حققت النيابة من قبل وفي عهد سعد زغلول أيضاً مع أحمد فؤاد صاحب "الصاعقة"، وسليمان فوزي صاحب "الكشكول"، وأمين فوزي صاحب "الأخبار"، وإبراهيم عبد القادر المازني المحرر "بالأخبار". وحوكم بعد ذلك أحمد توفيق رئيس تحرير جريدة "اللواء"، ومحمد على حسن مراسل "اللواء" بالإسكندرية، لأنهم إتهموا سعداً بأنه اشترك مع اللصوص وقطاع الطرق في الإجرام الشنيع بتدمير دار الكشكول، ولأن وكيل الداخلية حظر على البوليس تشتيت المظاهرات. وإعتقل أحمد توفيق خمسين يوماً بعد وقوع حادث الإعتداء على سعد زغلول ثم أفرج عنه. وحوكم سليمان فوزي صاحب الكشكول، لأنه رسم لوحة كاريكاتورية لسعد زغلول ومعه بوق في فمه يدعو الناس إلى التفرج على أعضاء البرلمان قائلاً: "أدينا فتحنا البرلمان. فيه أشكال وألوان. وجبال ووديان. ومداين وبلدان. من إسكندرية لأسوان. بس بلاش السودان. قرب وشوف العجايب". وصور البرلمان على هيئة طبالين ورقاصين بمناسبة إحتفالهم بتكريم سعد، وقد قضت محكمة الجنايات ببراءة صاحب الكشكول، لأنها إعتبرت ذلك كله من النقد المباح!!

أخذت النيابة تحقق مع الدكتور حافظ عفيفي صاحب إمتياز جريدة "السياسة" والدكتور محمد حسين هيكل رئيس التحرير بتهمتين هما: إهانة مجلس النواب، والطعن والقذف في حق رئيس الوزراء والدعوة إلى كراهية الجكومة . . قال المحقق لحافظ عفيفي: -أليس من حق الأغلبية دستورياً أن تتولى الحكم؟ رد حافظ عفيفي فتحدث عن الطغيان البرلماني. وطلب الدكتور محمد حسين هيكل إلى المحقق سؤال سعد زغلول شخصياً عن تدخله ضد إنتخاب محمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين في دائرة أسيوط. دهش رئيس النيابة وكأنما إعتبر رئيس الحكومة فوق القانون، أو إعتبر سعد باشا بالذات فوق القانون. ولكن المحقق إستدعى الدكتور هيكل بعد ذلك وأخبره بأنه سأل سعد باشا، وبأنه أنكر أنه تدخل، ولكن رئيس تحرير "السياسة" أصر على أقواله التي وردت في مقال نشرته "السياسة"! أخذ المحقق يتلو للدكتور هيكل مقال "السياسة العملية" الذي حمل فيه على سعد زغلول . . يقول المقال: "لسنا نشتد في لومه لهذا الضعف، فطبيعي أن يضعف وزير يرتكز على ثقة أغلبية في مجلس النواب لا تجتمع فيها كفاءات الأمة، وليس من بينها الرءوس المفكره. وقد أصبح مجلس النواب أو أغلبيته لا عمل لهم إلا الوقوف والتصفيق والهتاف كلما حضر رئيس الوزراة أو تكلم أو إنصرف". وجاء في مقال سياسة الهوى: "في مصر دستور، ولكنه دستور غير قائم ولا محترم. في م صر برلمان. ولكنك تعلم كيف حال كثرته . . ولكن في مصر زعيماً فيجب أن يذوب الدستور. ويجب أن ينحني البرلمان أمام الزعيم وأنصار الزعيم. إن لي نصيحة أقدمها إلى النواب والشيوخ، وأستخرجها من التاريخ. وأنتم تعلمون ان التاريخ لايكذب إذا حدث، ولايخدع إذا أشار. إسمعوا جيداً وأيدوا جميعاً فقد كان أمس لنائب عابدين – إبراهيم راتب الذي عين وكيلاً لمحافظة مصر – وسيكون الغد لنائب كذا، فصفقوا، وأيدوا، وإهتفوا، فسيأتي لكل منكم يوم. وستجلسون جميعاً كراسي الحكم. وستستأثرون جميعاً بالأمر، وستحكمون وتشرعون وترتزقون على حساب الدولة.

وما فائدة أموال الدولة ّإذا لم تقسم بين ممثلي الدولة، كذلك فعل الأثينيون في وقت من الأوقات فاقتسموا بينهم جميع مناصب الدولة. فلما ضاقت بهم هذه المناصب قسموا ما بقى من اموال الدولة بين النواب وممثلي الشعب . . ولم لا تقتدي مصر بأثينا؟"! وتضمن مقال "حزب الستمائة" "دعوا أنفسهم حزب الوفد النيابي. وقديماً كانوا جماعة سعد. ودعوناهم نحن حزب الحكومة. والحقيقة أنهم عباد سعد وعباد الحكومة وعباد سلطتهم، لكن لهم فوق ذلك صفة تميزهم . . تلك حبهم للمال. . .لم تك إلا أيام حتى اظهر الوطنيون أن الوطنية عندهم هي إلتهام الوطن بأنفسهم، وحتى كان هؤلاء الرهبان المتعففون المتدلهون يحب أمتهم، أكثر الناس شراهة ونهما، وكذلك إستأسد الثعلب، وإستنسر البغات، وكذلك ظهر هؤلاء مرتزقة لا يبغون من وراء النيابة غير جاه كاذب وغير مال يسعون إليه"! قال ممثل النيابة إن هذه المقالات فيها إهانة وقذف في حق مجلس النواب ورد محمد حسين هيكل قائلاً إن الكلام موجه إلى حزب لا إلى هيئة المجلس. وقال المحقق: -لقد قلت في مقال "ضعاف". يجب أن يشهد هذا الشعب بأنه وكل إلأى قوم حماية الحرية والذود عنها وتثبيت أ{كانها في مصر فبدأوا حياتهم بالإعتداء على الحرية وتقويض أركانها. وفي هذا سبب للكثرة البرلمانية وإتهام لهم بأنهم ضعاف يخافون الحق ويفزعون منه وبان ثقة الله بهم مضطربة. -أجاب هيكل: -كتبت هذا المقال يوم ورد للسياسة خطاب رئيس مجلس النواب بحرمان مندوبها من حضور جلساته. وحرمان مندوب صحيفة من حضور جلسات المجلس هو عمل مخالف للدستور . . وفيه خروج على الحريات التي قدسها الدستور، وقرر عدم حواز التعرض لها حتى بالتنقيح. ولما لم تكن في مصر محكمة خاصة للنظر في مثل هذه الشئون فلا تفزع إلا للرأي العام وللأمة من إعتداء على الدستور ولم يقع له مثيل في بلد دستورية مطلقاً. ولو أن هذا حصل في غير مصر لكانت الصحف كلها حتى الموالية للحكومة قد كتبت في هذا الموضوع لتبين ما في قرار المجلس من التهديد للنظام العام . . واستطرد الدكتور هيكل يقول: -كل ما كتب في جريدة "السياسة" يكتب برأيي، ولا ينشر إلا بعد مراجعتي إياه. وتجري المسئولية فيه والزيادة عليه أو النقص منه. وكثير من المقالت لا يكون لكاتبها فكرة خاصة سوى فكرتي أنا. فأنا بذلك المسئول الوحيد عن كل ما يظهر بجريدة السياسة، لأنه من قلمي كما ان أسماء الكتاب داخلة في أسرار مهنتي ولا محل للإباحة بها . . ودافع توفيق دياب عن نفسه بأنه إنتقد الوفد بالبرلمان وأن مقاله "شخصي الضعيف" موجه إلى ال كثرة التي اقتطعت لنفسها من خزانة الأمة المصرية مرتبات تزيد نسبتها إلى الميزانية المصرية عن نسبة مرتبات النواب في البلاد الأخرى جميعاً من غير إستثناء. كما يزيد من حيث مقداره على مرتبات النواب في جميع البلاد الأوربية.

وتستمر الجريدة في سياستها وتنشر أول مقال تكتبه سيدة مصرية تهاجم فيها سعد زغلول. كتبت "هدى شعراوي" في عدد السياسة الصادر في 27 مايو مقالاً وجهته إلى الشعب المصري رجالاً ونساء جاء فيه: "هالنا ما جاء في مناقشة سعد زغلول باشا بمجلس النواب بشأن الأعمال الجارية في السودان بجلسة السبت 24 مايو 1934. هالنا أن يوجه دولته إلى حضرة النائب المحترم عبد الرحمن الرافعي العبارة الآتية: "نريد أن نعرف الطريقة التي نملك بها السودان. ونحن ليس في إمكاننا منع ما هو حاصل. هالنا أن نقول سعد باشا نفسه إذا كان في إمكانهم عمل تجريدة أو عندكم قوة لمنع الإنجليز وأخذ السودان من أيديهم تفضلوا ودلوني عليها. في هذه الحالة نعلن الشعب المصري الكريم رجالاً ونساء انه لا يوجد خطر على القضية المصرية أكبر من أن يتولى المفاوضات مع إنجلترا رجل يعترف علانية امام هيئة رسمية نيابية بأنه عاجز عن تنفيذ ما عاهد به الأمة قبل وعند توليته الحكم".

لم يستغرق التحقيق وقتاً طويلاً . . فقد استدعت النيابة الدكتور طه حسين وسألته عن صلته بجريدة "السياسة" وأنه الذي كتب عشرين مقالاص ينتقد فيها سعد زغلول فامتنع عن الإجابة إعتماداً على نص القانون، وعلى القاعدة الثابتة من أن كل رجل برئ حتى تثبت إدانته، وان ال نيابة العمومية هي المكلفة بإقامة الدليل. واعتذر طه حسين عن الإجابة عن أسئلة النيابة، ولم يكن هناك دليل أو قرينة واحدة ضده سوى الشائعات التي ملأت الجو الصحفي والسياسي من أنه كاتب تلك عام 1955. وكان طه حسين مصمماً على أن يعترف بأنه كاتب المقالات لولا ان محرري السياسة طلبوا إيله ان يكتفي بالإمتناع عن الإجابة . . لأن الصمت ليس إنكاراً أو كذباً وعلى ذلك كانت إجابته الوحيدة لوكيل النيابة المحقق هي "لا أجيب" . .قالها رداً على كل سؤال . . بعد أسبوع من بدء التحقيق مع "السياسة" أصدر عثمان يوسف عارف رئيس نيابة مصر قرار الإتهام. وجهت التهمة إلى كل من محمد حسين هيكل مدير "السياسة" ورئيس تحريرها، وحافظ عفيفي صاحب إمتياز الجريدة ومديرها أيضاً، ومحمد وجهت التهمة إلى كل من محمد حسين عيكل مدير "السياسة" ورئيس تحريرها، وحافظ عفيفي صاحب إمتياز الجريدة ومديرها أيضاً، ومحمد توفيق جياب المحرر السابق بالجريدة ووظيفته حين ذلك مدييري تعليم اللغة العربية بالجامعة الأمريكية. وقد إتهمت النيابة هيكل وحافظ عفيفي بأنهما نشرا مقالت "السياسة العملية" و "سياسة الهوى" و"ضعاف" و"شخصي الضعيف" تضمنت إهانة في حق هيئتين نظاميتين في الدولة المصرية وهما: مجلس النواب ومجلس الشيوخ بالعبارات الواردة في المقالت. كما وجه إلى توفيق دياب أنه بصفته شريكاً للمتهمين الأول والثاني في جريمة الإهانة المتقدمة ساعدهما بأن ألف المقالات بعنوان "شخصي الضعيف". وكتب طه حسين بغير توقيع يقول: "تتهمنا النيابة بإهانة البرلمان. وما للبرلمان غضب لسعد فنحن لم نهن البرلمان. وهو يعلم أننا لم نهن البرلمان وإنما يغضب سعد لنفسه ولحزبه. ويريد أن ينتقم لنفسه ولحزبه . . . . أراد رئيس الوزراء أن يبطش "بالأخبار" وأراد أن يبطش بغير "الأخبار" وهو اليوم يريد أن يبطش "بالسياسة". وثق بأنه سيحاول بغير "السياسة"، هو إذن لا يعمد إلى صحيفة بعينها، وإنما يعمد إلى الصحف المعراضة جميعاً . . . . سعد الذي يريد اليوم أن يبطش بالصحف، لأنه رئيس الوزراء، وهو سعد الذي كان يريد أن يبطش بالصحف حين كان وزير الحقانية في أيام سعيد، أما سعد الذي ظهر بين هذا وذاك . . سعد الذي كان يمجد الحرية ويدعو إلى حمايتها، فقد كان رجلاً آخر أنشأته المعارضة حين كان معارضاً. وقد ترك المعارضة فترك معها خصال المعارضين وعاد إلى طبيعته الأولى كما عادت الأيام إلى طبيعتها الأولى. وإستمرت الجريدة تنتقد سعداً فاستدعى رئيس التحرير ونبه عليه رئيس النيابة اكثر من مرة إلى عدم كتابة مقالت من نوع ما جرى التحقيق بشأنه، لأن في ذلك إستمراراً للجريمة.

لم تجد الجريدة بعد صدور قرار الإتهام إلا أن تنشر نصوص التحقيقات التي أجريت معها، لأن في ذلك وسيلة لنشر المقالات نفسها مرة أخرى! رأت النيابة أن في نشر نصوص التحقيقات جريمة، لأن في ذلك تكرار للإهانة ولأن هذه المقالات تدخل في التحقيق وتجري بشأنها المحاكمة فأمرت بإغلاق مطبعة السياسة وصادرت الأعداد المطبوعة التي تضمنت تفصيلات التحقيق.

عقدت محمكة الجنايات في سرعة غير مألوفة. إذ لم يكن قد مضى على صدور قرار الإتهام سوى أسبوعين لمحاكمة المتهمين الثلاثة، وكانت دائرة الجنياات برئاسة أحمد موسى "باشا"، وعضوية مستر كرشو، ومحمد مظهر "بك"، وممثل عثمان يوسف "بك". وحضر مع المتهمين إبراهيم الهلباوي، وتوفيق دوس، ووهيب دوس، ومحمد على علوية، وكامل البنداري. قدموا إلى المحكمة دفعاً فرعياً طالبوا فيع إلفاء قرار النيابة بإغلاق مطبعة "السياسة". ووقف ممثل النيابة يبرر القرار فقال: -وجدت أن القوم مستمرون في خطتهم السيئة فامرت بضبط آلة الجريمة ونظر إلى توفيق دوس المحامي، ثم قال: -ولما فعلت ذلك جاء توفيق دوس خلف آلة المطبعة وكان في حالة حداد لوفاة أخيه يطلب الإفراج عنها. وكان توفيق دوس ترك ماتم أخيه في أسيوط ليحضر إلى القاهرة ليترافع في هذه القضية. فرد على ممثل النيابة قائلاً: -لست أدري ماذا أراد النائب أن يعيب علي في أن أترك مأتم أخي وجئت لأشهد مأتم الحرية. وأقوم بواجب مقدس هو الدفاع عن الحرية، عن الصحافة، عن الدستور! لقد جاء زميلي المحامي إلى ممثل النيابة يطلب منه تأجيل الدعوى لأنني مازلت مبللاً بدموعي في أثواب حدادي. فرفض أن يوافقه على التأجيل ناسياً بهذا آداب الزمالة. ليس على من عيب إذن في أنني حضرت من مأتم أخي إلى مأتم الحرية، وأؤكد لكم أنه لن تموت الحرية ولن تموت الصحافة. ولن يموت الدستور. مادام في مصر قضاة. صفق الناس ممن حضروا المحاكمة وصدر الحكم على الفور بإلغاء قرار النيابة وفك الأختام فوراً عن مطبعة "السياسة". وخرجت الجريدة في اليوم التالي تقول: "إن ابتهاجاً بظهرو "السياسة" بعد إحتجاجها – يدين – لأشد وأعظم من ابتهاجنا بظهور "السياسة" يوم عرفت الحياة، ذلك أن ظهور "السياسة" اليوم، فوز بعد جهاد، وظفر بعد نضال، وهو فور خليق أن نبتهج له وظفر حري أن نسعد به "هو فوز الحق على الباطل، وظفر الحرية على العسف، وهو فوز يملأ النفوس اطمئناناً ودعة ويشعر ثقة وأمناً". وقالت الصحيفة تحت عنوان "في مصر قضاة": "مادام للقانون حماية فليطمئن الناس. ويلجأوا إلى ملاذ العدل كلما نزل بهم طيف، أو حل بهم ظلم.

وكان الكاتب الوفدي الوحيد الذي اغتبط بصدور هذا الحكم هو عباس محمود العقاد المحرر في جريدة "البلاغ" فقد كتب تحت عنوان ساخر "شداء ثلاثة أيام" يقول: "أخطأت النيابة في تطبيق القانون. فسرنا أن يردها القضاء إلى الصواب وأن يكون فيما حكم به قضاة مصر توسعة لحرية الصحافة وتسهيلاً لواجبها. وسيسرنا غداً أن يحكم هذا قضاة مصر توسعة لحرية وتسخيلاص لواجبها. وسيسرنا غداً ان يحكم هذا القضاء ببراءة كتاب "السياسة" إن رأى فيهم البراءة أو يجري عليهم حكم العدل رحيماً هيناً إن قضى عليهم بالإدانة . ."!

وأمرت النيابة بالقبض على سليمان فوزي صاحب "الكشكول" بشان حملته على سعد وأمر عفيفي عفت قاضي محكمة عابدين بإستمرار حبسه 14 يوماً، حتى لايفر من القطر المصري بدعوى إنه منقطع للإشتغال "بالكشكول" وليس له أولاد! ونشرت صحيفة "المقطم" على أثر ذلك تقول إن النيابة تراجع مقالات الصحف الأخرى وأنها استدعت أحمد فؤاد صاحب "الصاعقة" للتحقيق معه. وتلقف فكري أباظة هذا النبأ ليكتب مقالاص هازئاً . . "نشرت المقطم أن النيابة تراجع جرائد أخرى غير السياسة. وأن صاحب "الصاعقة" استدعى للنيابة . . الله يرحمك يا لورد كرومر. والله يمسك بالخير يا ثروت. . .فتح اللورد كرومر، الإنجليزي الدخيل الغاصب، الباب على مصراعيه لحرية الصحافة ولو قارناه في هذا الصدد بوزارة الشعب لكان من الظلم الفادح والغباوة المتناهية أن نضع الطرفين في كفتين متقابلتين . . وكان ثروت الهائل المخيف أوسع صدراً من سعد الحر، أبو الحرية، الرئيس، أبو الرياستين. أكتب الآن هذه الكلمة وأؤكد للنيابة أنني كتبت قبلها وصيتي. وأنني لن أتعبها في التحقيق وسيكون محضري أقصر من محاضر المخالفات . .ثم لتعلم النيابة غير متزوج، وأنني عديم الخلفة فعدم الإفراج عني مضمون مأمون .. ياوزارة الشعب. ياوزارة الشعب. عشنا وشفنا سنين. ومين عاش . . ياعيني . . يشوف العجب"! ورد امين الرافعي في "الأخبار" على تصرف النيابة بقوله: "هل ما تكتبه هذه الصحف يساوي عشر ما كانت تكتبه صحف الوفد عندما كانت في صحف المعارضة. فما الذي تبدل أو تغير حتى أصبح سعد باشا لا يتحمل جزءاً مما كان يوجهه إلى الحكومات السابقة؟ وهل ما يحل له عمله في موقف المعارضة لايحق لأي معارض أخر؟ وقال عبد العزيز جاويش في "اللواء المصري": "هل يراد بكم بذلك أن تكم الأفواه، وتغلق الصحف، ويعتقل الكتب، وتحطم الأقلام حتى إذا جاء وقت المفاوضات، وليس في القطر حر طليق يخشون منه النقد والحساب?!

واستمر الجدل بين "السياسة" وصحف المعارضة. تقول السياسة إن "البلاغ" تأثم ولا تحاكم، وغير "البلاغ" تحاكم، ونحن على ثقة بأن القضاء – سيحكم بأنها لم تأثم . . وكذلك خصوم الحكومة من موظفين وعمد يعاملون غي رمعاملة أنصارهم، لأن الحكومة ترى أن "السياسة" الحزبية تقتضي هذا التفريق. ويكتب عبد القادر حمزة في "البلاغ" عن "المعارضين العابثين". ويقول أحد كتاب البلاغ وهو ف. زيد هؤلاء الصعاليك من الكتاب يكدون ويكدحون لإستخراج أفحش أنواع المثالب وأقبح ألوان الشتائم ويوجهونها إلى سعد باشا وأنصاره . . وتقول "البلاغ" في يوم آخر: "الظاهر أن رئيس تحرير "السياسة" وإخوانه مدفوعون في تهورهم بفكرة فاسدة فهم يريدون أن يستغلوا ظرف التحقيق الذي يجري معهم لترويج جريدتهم والظهور بمظهر الأبطال الشهداء. ويسخر عبد القادر حمزة – من الدستوريين فيقول: "إن كان تأدية الحساب أمام القضاء بطشاً ونزعة رجعية فيجب أن نعرف ماهو العدل وما هي النزعة الدستورية. لعل العدل إذن هو ما كان هؤلاء الأحرار الدستوريون يفعلونه إذ يسجنون ويعذبون بلاحكم ولا محاكمة! ولعل هذا القول هو أفضل ما كتب دفاعاً عن تصرفات الوفد والوفديين.

وتنعقد محكمة الجنايات لتستأنف النظر في أول قضية صحفية بعد الدستور. وتنقلب قاعة محكمة الجنايات إلى مسرح سياسي فالدستوريون ينتهزون الفرصة ليعددوا مساوئ الوفد. بينما تريد النيابة ويسعى أ نصار سعد بكل قواهم حتى يصدر حكم القضاء بالإدانة فيتخلص الحزب الحاكم من أقوى معارضيه. تقول النيابة عن الدستوريين: -إن حزبهم تأسس بإتفاق مع الدولة الإنجليزية. ويرد رئيس المحكمة قائلاً: -لا يمكننا أن نجعل المحكمة "مسرحاً سياسياً". ويقول الدفاع : -إن النيابة تنزل لمستوى "زفت"! ويحضر إلى قاعة المحكمة النائبان المحترمان مكرم عبيد ومحمد علام ليقولا إنهما من أعضاء مجلس النواب وقد محقتهما إهانة كبيرة من مقالات السياسة ولذلك يدعيان بالحق المدني قبل المتهمين بقرش صاغ. ويقول محمد علام: -في فرسنا قبل حرب السبعين كان عضو مجلس النواب يتقاضى 12 ألفاً من الفرنكات الذهبية خفضت إلى 900 بعد الحرب ثم صدر قانون يجعل مكافأة النائب 15 ألف فرنط فرنسي أي 600 جنيه. وفي مصر نص الدستور على مكافأة النواب ثم إن الجمعية التشريعية زادت مكافأة أعضائها من 100 جنيه إلى ثلاثمائة. ولنفرض جدلاً أن مجلس النواب تجاوز كل حد. ألا توجد محكمة وهي محكمة الرأي العام التي رأت بنفسها ما حدث وسيرجع إليها النواب عندما تنتهي عضويتهم وهي تقرر إما إعادة انتخابهم أولا . . ويقف مكرم عبيد قائلاً: -أرجو عدم الإطالة حتى أجد وقتاً للرد. إبراهيم الهلبلاوي – عدم الإطالة شئ غريب – الا يسمح لنا بطللب البراءة أم نسلم أنفسنا؟ عفواً. حاضر. احكموا علينا إذن مادامت أغلبية النواب تريد ذلك. ويصفق أنصار الأحرار الدستوريين ومن بينهم السيدة هدى شعراوي، فيقول رئيس المحكمة، سأخرج من قاعة الجلسة الذي يصفقون، والمحكمة تعتبر التصفيق قلة أدب . . ثم يرجو الجمهور أن يجعل الإستحسان بقلوبهم لا بالهتاف ولا بالكلام الفارغ ده! وتمضي المحاكمة . .

يترافع رئيس النيابة فيكرق المنصة بقبضة يده فيقف الهلباوي معترضاً. -أرجو من عزة رئيس النيابة أن يعرف أن الخبط على المكتب هنا له معنى من المعاني هو أنك تنبهني لسلطتك. وانا هنا في هذه الجلسة لا أعرف إلا سلطة واحدة وهي سلطة المحكمة. ويعدد عثمان يوسف رئيس النيابة مساؤى الأحرار الدستوريين فيبتسم محمد على علوية في سخرية واستهزاء ويقول: -إن رئيس النيابة قد شتمنا وجوابي له إنه كان في شتمنا وفي قذفنا وفي طعننا في شرفنا ترقية لك ورضا عنك. فاشتم وسب واقذف كما تريد فإنا نردو لك الترقي والفلاح. وتطلب النيابة معاقبة المتهمين طبقاً للقانون. ويتعرض إبراهيم الهلباوي في مرافعته لتصرفات النواب فيقول: -كان يجب على النواب أن ينتظروا قبل أن يهجموا على أخذ امال الأمة. محمد علام: -يعني بنأخذ من جيبك؟ الهلباوي: طبعاً من جيبي. أمال الإيرادات جاية منين إلا من جيبي وجيبك. رئيس المحكمة: "ماتزعلوش"! الهلباوي: أزعل إزاي دول كلهم أولادي وهم يعترفون بذلك. هو نائب محترم . . وانا شيخ المحامين. ويدلل الهلبواي على أن حملة السياسة كانت تعبر عما في نفوس الشعب والنواب جميعاً . .فإن عدد النواب الذين عارضوا في منح النائب 600 جنيه سنوياً كانوا 26 في أول جلسة فلما نشر المقال "السايسة" ارتفع عدد المعارضين إلى 57 ثم قال إن ميزانية الدولة تضمنت مبلغ 100 ألفف جنيه فقط للتعليم في حين أن مكافأة أعضاء مجلس النواب بلغت 300 ألف جنيه!! وانتقد الدفاع تصرفات سعد زغلول، واستغل مكرم عبيد ذلك فكان يقف في قاعة الجلسة كلما جاءت سيرة سعد زغلول. فأنا لا أسمح مطلقاً بأن يمس سعد باشا بأية كلمة وأن يعرض به بسوء بعد كل هذا الجهاد الطويل لوطنه. ويصفق أنصار سعد فترة طويلة ويرددون داخل قاعة الجلسات الهتاف بحياته على الر غم من تحذير المحكمة وتنبيهها!

حفلت مرفاعة توفيق دوس بأمثلة لما قاله سعد – وهو في المعارضة عمن خصومه وما تقوله الصحف أوروبا وهي تنقد الوزراء وأعمالهم فقال: قال سعد زغلول عن الدستوريين: -إن عدلي رجل يمثل المصالح الإنجليزية لا المصرية. -ما أخبث نيات الوزاريين! ومااجرم أعمالهم! إن تاريخهم لم يكن إلا مجموعة مؤلمة من أشنع الجرائم وأفظعها. وهو يزداد في كل يوم ضخامة وفظاعة. رئيس المحكمة: اللي قيل لهم هذا الكلام عملوا إيه. توفيق دوس:"ماعملوش حاجه"، لأنهم يقدسون حرية الرأي كما تقدس المحكمة حرية الرأي! واستأنف الدفاع مرافعته قائلاً:

  • إن صحيفة "الكوتديان" التي تمثل الحزب الراديكالي الفرنسي قال عن رئيس الجمهورية الفرنسية "إنك ستذهب أو إننا سنطردك لا بدافع الحقد/ إنما لأنك فقدت ثقة الأمة.
  • وقالت نفس الجريدة عن "ماجينو" وزير حربية فرنسا إنه "أجوف غبي يفترسه الطمع".
  • ووصفت صحيفة "الأكسيون فرنسيز" التي تمثل حزب المحافظين أحد رؤساء الوزارات في فرنسا بأنه من الأوباش المداهنين . .

ولايجد مكرم عبيد مايرد به على ذلك كله إلا أن يقول: -إن الذي يفضلنا عن خصومه هو شعورا بحق الوطن علينا.

لم يدافع توفيق دياب عن نفسه طويلاً وطلب محاميه الأستاذ وهيب دوس أن يصدر الحكم بالإدانة بالنسبة إليه بشرط أن ينص في الحكم على أنه كفرد من الأمة المصرية دافع بحق عن الدستور. بينما حضرات النواب يقولون: "ولو أنه على حق إلا أنه لا يجوز له أن يتكلم"!

وتصدر المحكمة حكماً ببراءة حافظ عفيفي وتوفيق دياب وتغريم الدكتور محمد حسين هيكل مبلغ 30 جنيهاً وإلزامه بدفع قرش واحد للمدعين بالحق المدني ومصادرة عدد جريدة "السياسة" الصادر في 9 يونيو والذي احتوى على نص المقالات التالية "جزب الستمائة جنيه" و"ضعاف"، لأنها تضمنت قذفاً في حق مجلس الشيوخ والنواب. هللت السياسة لهذا الحكم – وكبرت – وكررت في أيام متوالية عبارة قالها سعد زغلول يوم صدر حكم بالبراءة في قضية رفعت في وزارة عدلي يكن ضد بعض الوفديين. قال سعد، يومئذ، حين أبلغ نبأ البراءة: -لو أن القضاء رجة في دوائر الحكومة أي رجة. واعتبرته السياسة نصراً مؤزراً لها ضد الحكومة!

ويطعن هيكل بالنقض في الحكم في نفس اليوم كما طعنت فيه النيابة بالنسبة إلى توفيق دياب ولكن محكمة النقض أصدرت حكمها بالبراءة. وقدم محمد حسين هيكل وحلمى عيسى إلى محكمة الجنايات مرة أخرى بتهمة إهانة رئيس الوزراء ولكن المحكمة بريائة أحمد عرفان باشا فقضت برائتهما أيضاً .. ويقول الدكتور هيكل في مذكراته: "إن حكم النقض ترك من الأثر في نفس سعد ومن الحفيظة على طلعت باشا رئيس المحكمة – مادعا سعد باشا بعد سنوات حين كان رئيساً لمجلس النواب أن يترك منصة الرياسة وأن يخطب طالباص تخفيض مرتب طلعت باشا مائة جنيه سنوياً كان قد منحها قبل ذلك بسنوات بصفة شخصية، تقديراً لكفاءته الممتازة في القانون". ويقول الأستاذ علي أمين إن توزيع "السياسة" لم يتحسن حتى نولي سعد رياسة الوزارة عام 1924 فتضاعف توزيع "السياسة" من ثمانية آلاف نسخة إلى أن وصلت إلى 38 ألف نسخة يومياً وكان هذا رقماً قياسياً في ذلك الوت. وكان سعد يقول علناً إنه لا يحب أن يقرأ السياسة أحد. قال الأستاذ كامل الشناوي: -كانت "السياسة" متفوقة من الناحية الصحفية على جميع الصحف في ذلك الوقت، فأقبل الناس على شرائها. وخطب سعد فدعا إلى مقاطعة "السياسة" وقال إنه سيقرؤها بالنيابة عن جميع المصريين . . ولكن القراء لم يلبوا هذا النداء، ولم يجرؤوا في الوقت نفسه على مخالفته، فكانوا يشترون "السياسة" خلسة، ويخبئونها داخل ثيابهم، حتى لا يراهم أحد فيتهمهم بالخيانة. وكتب الأستاذ عبد الرحمن الرافعي عن سياسة سعد إزاء صحف المعارضة فقال: "كانت وزارة سعد يضيق صدرها بالصحف المعارضة فتعقبتها بالإضطهاد والتحقيق والمحاكمة وأخلت بينها وبين المظاهرات الصاخبة ضدها ووقفت جامدة بإزائها. وكان هذا ولاشك مأخذاً كبيراً على سياستها. كانت هذه المظاهرات العدوانية تقوم ضد الصحف المعارضة فلا تبذل الوزراة أي جهد جدي لمنعها. . . ومن مظاهر حنق الوزارة على الصحف المعارضة كثرة تحقيقات النيابة مع معظم هذه الصحف . . فقد أسرفت الوزارة في التحقيق مع الصحفيين المعارضين وتقديمهم إلى المحاكمة، وقد قضت المحاكم في معظمها بالبراءة". وحاول عباس العقاد أن يدافع عن تصرفات سعد فقال في كتابه "سعد زغلول" . . "نال سعد من خصومه كما نال منه خصومه. وقد تمادوا مع اللدد في الخصومة. ولكن العذر من جانبه أظهر من العذر في جانب غيره. وكثيراً ماكان الإبتداء منهم والرد على ذلك الإبتداء ضرورة لا طاقة يدفعها لإنسان". والعقاد بهذا يعترف على أخطاء سعد ونقطة الضعف الأساسية فيه وإن كان العقاد يقصد الدفاع عنه!!


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

محمد محمود

قال له الإنجليز:قدم استقالتك

أقال الملك فؤاد الأول عام 1928 مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد بعد سعد زغلول – لأن الوزارة الائتلافية التي شكلت برئاسته قد تزعزعت وانقسمت وأخذ الوزراء يستقيلون واحداً بعد الآخر. وكان أمام الملك محمد محمود إسماعيل صدقي بتشكيل الوزراة قبل إقالة النحاس. طلب الملك إلى صدقي ألا يسافر إلى الخارج مما يعني لتشكيل الوزارة قبل إقالة النحاس. طلب الملك إلى صدقي ألا يسافر إلى الخارج مما يعني إتجاه النية إلى تعيينه. ولكن اللورد لويد المندوب السامي البريطاني أيد إختيار محمد محمود وزير المالية في وزارة النحاس بإعتبار أنه تعلم في إنجلترا! شكلت الوزارة في 25 يونيو 1928 برئاسة محمد محمود الذي تولى أيضاً وزارة الداخلية. وضمت الوزارة 8 وزراء آخرين هم: جعفر والي للحربية، وعبد الحميد سليمان وزير المواصلات وأحمد خشبة للعدل، ونخلة المطيعي للزراعة، وعلى ماهر للمالية، وإبراهيم فهمي للأشغال العامة، والدكتور حافظ عفيفي للخارجية، ولطفي السيد للتعليم. ومحمد محمود تخرج في كلية باليول في جامعة أكسفورد بعد أن درس التاريخ. وكان الثاني على دفعته والفارق بينه وبين أول الدفعة ضئيل جداً. وهو إبن محمود باشا سليمان من كبار أثرياء أسيوط وكان وكيلاً للجمعية التشريعية وصديقاً للورد كرومر. عمل مفتشاً للمالية والداخلية. وكان سكرتيراً لما قيل مدير البحيرة البريطاني ولكنه فشل في التعاون مع زملائه الموظفين الإنجليز. كان عضواً في الوفد المصري ونفي مع سعد زغلول إلى مالطة عام 19 واختلف معه عام 20 وكان مع على وسيطين بين سعد زغلول واللورد ملنر وزير المستعمرات البريطاني. انضم إلى حزب الأحرار الدستوريين عام 22 وكان وكيلاص له عند تعيينه رئيساَ للوزراء، وتم إختياره رئيساً للحزب بعد توليه الرئساة. لعب دوراً مهماً في إقناع الأحرار الدستوريين بالإنضمام إلى الوزراة الائتلافية عام 25. وفي كثير من الأحيان كان يقال عنه إنه وفدي أكثر ما هو دستوري فقد كان يأمل أن يكون زعيماً للوفج بعد سعد زغلول! اختير نائباً لدائرة الغنايم في أسيوط عام 26. وكان وزيراً للمواصلات في الوزراة الائتلافية عام 26. بدأ يتقرب للملك عام 27 ورأى صاحب الجلالة أن يحتفظ به لأي إنقلاب وزاري قادم. دخل وزيراً للمالية في وزارة النحاس عام 27 ثم أخذ يتآمر مع الملك ضد النحاس.

بدأ محمد محمود رئيس الوزراء عهده بتحجميد الدستور ثلاث سنوات قال إنها قابلة للتجديد وأخذ في إصلاح نظم الري والصحة وحاول رئيس الوزراء أن يحكم بطريقة غير منحازة لكنه سرعان ما وجد نفسه بين خصمين الوفد بعداوته المعلنة والملك الذي أجرك أنه لا يستطيع أن يجعل من رئيس وزارئه عميلاً خاصاً له ولذلك قاك بكل ما يستطيع لعرقلة الحكومة وإضعاف نفوذها. ولو حظى نظام محمد محمود بالدعم الملكي التام لكان في النهاية قد اجتذب عناصر متعددة من الوفد ودمر سلطة زمرته المسيطرة. ولكن معارضة الملك لم تعط محمد محمود فرصة في الإستمرار إلا بدعم مستمر من الإنجليز وهو مالا يستطيع الإعتماد عليه! في الأشهر الثلاثة الأولى قام الوفد بمظاهرات كثيرة ضده وحاول المتظاهرون الوفديون الوصول إلى السراي بالتماسات تطلب عودة الدستور. هذه المحاولات توجتها مظاهرة في يوم الإستقلال (15 مارس). وحاول عدد من الوفود الإقليمية مع كثير من سياسي الوفد باستمائة الوصول إلى السراي. ووقعت عدة إشتباكات داخل ميدان عابدين وحوله. وكان على البوليس أن يلجأ إلى بعض العنف لتفريق الجماهير. وتعرض عدد من الأشخاص المرموقين للضرب بالعصي ولكن لم تقع إصابات خطيرة. وصدر البعض إلى السراي واستقبلهم كبير الأممناء بشكل غير ودي وغير لائق. وكان رئيس الوزراء وقد أغضبته كل هذه المعارضة أن يلجأ إلى إجراءات استثنائية لحماية النظام. وصدر مرسوم بقانون يحظر أي محاولة للنشهير بانظام وظل هذا القانون مجرد نص ميت يرجع أساساً لخوف الحكومة من أن تواجه في المحاكم قضايا معينة ضد إمدادتها. واتخذت إحتياطات للتهدئة في الأقاليم على نظاق واسع بمصادرة النشرات الدورية وغيرها المعادية للدكتاتورية. ونظراً لوضع المرأة في بلد إسلامي لم يكن من الصعب حشد رصيد ضد إغارة البوليس المفاجئة على بيوت المسلمين، ولم يفوت الوفد الفرصة وأدى سوء معالجة الحكومة وأعوانها لموجة الحماس إلى حد كبير إلى تبرير الصيحة العامة ضده هذه الإحتياطات. وعرفت وزارة محمد محمود بانها وزارة اليد الحديدية. ومارس أعوان الحكومة في الأقاليم مهمة إضطهاج للوفديين مما أضعف الثقة في النظام ومارس محموج عبد الرازق باشا وهو من كبار أنصار حزب الأحرار واكثر نشاطاً فيه نفوذاً غير مرغوب فيه في وزارة الداخلية – واتجه الإهتمام إلى خدمة المصالح الخاصة في الأقاليم بدلاص في مصالح البلد أو حتى مصالح النظام نفسه. وكان الغمد والمشايخ يعزلون ويعينون لأسباب سياسية وشخصية. وعجز الوفد عن القضاء على ديكتاتورية محمد محمود. ولكنه امتنع عن اللجوء إلى العنف بسبب الخوف من ناحية وبدوافع سياسية من ناحية أخرى، وانخرط في إستنكارات دورية تعكس بإطراد نبرة معادية لبريطانيا. ونظم الوفد حركة مقاطعة للسلع البريطانية لكن هذه الحركة أوقفت من جانب الوفد نفسه، نتيجة للمعلومات التي تلقاها بأن هذا التطور يمكن أن يخسؤ فيه أصدقاءه في إنجلترا. عطل محمد محمود باشا أغلب الصحف المصرية وصادرها. ولم تجد مجلة مثل روزاليوسف التي عطلت كثيراً إلا أن تسخر من محمد محمود باشا في كل مرة تعود فيها إلى الصورة بعد التعطيل. رسمت صورة لمحمد محمود باشا وهو يناجي نفسه ويرتدي بدلة التشريفة – أي بدلة رئاسة الوزراة بالنياشين والأوسمة والسيف. قال محمود في الكاريكاتير: "ياسيفي يابدلتي ياكوم نياشيني". ضحيت علشانكم كثير الله يجازيني. ضاع اسمع. ضاع مجدي. بعت الجميع واشتريتكم يعني تستاهلوا. في 9 أغسطس مر أربعون يوماً على تعطيل الدستور. . فكتبت المجلة: "إحتفلت الحكومة المصرية بمرور أربعين يوماً على وفاة فقيد البلاد المأسوف على شبابه الدستور". ووجهت نداء إلى رئيس الوزراء. قالت: "إجمعوا أطراف شجاعتكم المبعثرة. وأطلقوا الأقلام. وأقفلوا أبواب السجون ودعوا الناس تقول ما تريد يوماً واحداً فقط. والشجاع الجرئ فيكم من يستطيع أن يواجه الرأي العام". ونشرت أن وفد الضفادع ذهب إلى محمد محمود باشا وقال له: "شعب الضفادع لازم له دكتاتور زيك. طولك وعرضك وفي ضعفك وفي وعيك. نتشت في كل الطغاة مالقتش فيهم زيك. ضعيف وعامل قوي أبكم ويترافع ماتحرموش دولتك نورك ولاضيك.

جرت الإنتخابات في لندن يوم 30 مايو عام 1929 ففاز حزب العمال بالأغلبية في مجلس العموم وشكل رامزي ماكدونالد زعيم الحزب الوزراة في 5 يونيو وأسند وزراة الخارجية إلى أرثر هندسون. كان أول ما فعله هندسون أنه أعاد بحث المسألة المصرية. ورأى أن المشكلة التي تواجهها الإمبراطورية البريطانية منذ الحرب العالمية الأولى ضرورة عقد معاهدة بين مصر وبريطانيا تنظم العلاقات بين البلدين على أساس جديد. ووجد أن بلاده تفاوضت مع مصر ثلاث مرات في أعوام 21 و24 و27 وفي كل مرة تتنازل بريطانيا لمصر عن شئ أكثر. ومن هنا كان المصريون ينتظرون الخطوة البريطانية ومزيداً من تنازل الإنجليز وكل حزب يخشى هجوماً عليه من المعارضة، لأن مشروعات المعاهدة لم تكن تحقق المطالب والآمال المصرية أو جلاء قوات الإحتلال عن مصر ولذلك فشلت كل المعاهدات ولم توقعها مصر. ولكن .. هاهي الفرصة قد جاءت لهندرسون فإن رئيس وزراء مصر محمد محمود باشا زعيم الأحرار الدستوريين في لندن جاء يطرق باب وزراة خارجية بريطانيا العظمى!

وصل محمد محمود إلى لندن يوم 13 يونيو، وبعد ثلاثة أيام توجه إلى أكسفورد ليتسلم من كلية باليول درجة الدكتوراة الفخرية التي قررت الدامعة منحه إياها. بعد أسبوع – يوم 20 يونيو – زار محمد محمود القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية واجتمع برئيسه. وقال له: -لا أريد بحث المسألة المصرية كلها. بل 3 مسائل فقط هي الإمتيازات الأجنبية. ودخول مصر عصبة الأمم، والسودان، الذي أرغم الإنجليز سعد زغلول عام 1924 على سحب القوات المصرية منه، وانفردات بريطانيا بإدراته وحدها ملغية من حيث الواقع أتفاقية الحكم الثنائي. وجد محمد محمود ان المباحثات في هذه النقاط تتقدم بسرعة. قال موري رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية لريس الوزراء: -مارأيك في معالجة المسألة المصرية كلها؟ وأكد له هذا الرأي أرثر هندرسون وزير الخارجية عندما التقى به يوم 24 يوينو. وقال جيرالد ديلاني مراسل رويتر في القاهرة وسيسل كامبل مساعد وزير المستشار المالي البريطاني في القاهرة والإثنان أيرلندان، وكانا في لندن في أثناء زيارة محمد محمود. -ستحصل من حكومة العمال على تنازلات لم يحصل عبد الخالق ثروت رئيس الورزاء على شئ منها في مفاوضاته مع السير أوستين تشمبرلين وزير الخارجية عام 27. وكان محمد محمود متردداً يخشى أن تؤدي المحادثات إلى استقالة وزارته كما حدث مع كل رؤساء الوزارات الذين تفاوضوا مع الإنجليز وفشلوا. استشار رئيس الوزراء صديقه الدكتور حسين هيكل رئيس تحرير السياسة الناطقة باسم حزب الأحرار الدستوريين فقال له: -هذا العرض لا يمكن رفضه بحال فأغلب الظن أن تبلغ الحكومة البريطانية فؤاد أنهم يرديون المفاوضة فإذا طلب الملك أن تفاوض، لم يكن لك أن ترفض ثم تبقى رئيس للوزارة. وإذا نجحت في تحقيق مالم تستطع المفاوضات السابقة تحقيقه كان ذلك فخراً لك.

كان هناك اتجاهان في وزارة الخارجية البريطانية، أحدهم يؤيد التفاوض مع محمد محمود. أهم الذين يؤيدون المفاوضة مع رئيس وزراء مصر رامزي ماكدونالد رئيس الوزراء الذي تفاوض مع سعد زغلول، وهندرسون وزير الخارجية الصي يتمنى ان يعقد معاهدة مع مصر وهو ما عجز عنه وزراء الخارجية السابقون وجون موري رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية وهو الخبير في شئون مصر بعد ان خدم فيها منذ 1905 أيام كرومر حتى التحق بوزارة الخارجية عام 1919. وكان على موري أن يتنبأ بالمشاكل الكامنى على الطريق. ولكن آراءه كانت مفرطة في التفاؤل. في مذكرة له تجاهل ولع الملك فؤاد بالمؤامرات ومعارضة الوفد وقوته وإمكانية تخريبه لأي معاهدة. وأصرت المذكرة على أنه إذا تحالف الملك فؤاد وحكومة محمد محمود والمندوب السامي على تأييد المعاهدة فإن الوفديين إذا وجدوا أنفسهم في العراء سيشعرون بأنهم مضطرون إلى قبول أو رفض شروطها على مسئوليتهم الخاصة. وقال مروي: -أنا متأكد أننا ماضون مع محمد محمود . .ويوم ان يوضع مشروع للمعاهدة وينشر . . ستنقلب دعاية الوفد رأساً على عقب. وكان في مقدمة المعارضين للتفاوض مع محمد محمود اللورد جورج لويد المندوب السامي البريطاني في مصر الذي أيد تعيين محمد محمود رئيساً للوزرة ويعلم أنه لا يملك أغلبية شعبية. وقال إن حكومته غير ديمقراطية. وأيد لويد موريس يترسون السكرتير الأول لدى المندوب السامي قال: -شارم لويد الرأي تماماً في أن هذه المحاولة ينبغي رفضها بوصفها سيئة التوقيت والمشورة من ناحية المبادئ التي تنطلق منها. ولابد أن أصر تماماً على ضرورة وجود ذلك الضمان من التأييد الشعبي الذي ليس بوسع محمد محمود أن يقدمه. وكان محمد محمود يشعر وهو في صحبة مسئولي وزارة الخارجية البريطانية، الذي يتسمون بالهدوء والكياسة، بالثقة في قدرته على إبرام معاهدة. وأعطى رجال الوزراة إنطباعاً مبالغاً عن قوته. كما قال ركس هور المندوب السامي يالنيابة في القاهرة. ولكن وزير الخارجية هندرسون نحى جانباً التحذيرات القاطعة التي قدمتها إليه كل المصادر المعارضة التي لم تكن محل ثقته. ولم يكن امراً غريباً أن الوزير لم يكن يعرف أول بديهية عن مصر وهي ان الأمور فيها ليست طبيعية في تلك الأيام!! وكان على موظفي وزارة الخارجية أن يضعوا هندرسون في الصورة الصحيحة لكنهم لم يفعلوا. وهكذا بدأت يوم 26 يونيو المفاوضات الرابعة بين مصر وبريطانيا في لندن، يتولاها من الجانب المصري رئيس الورزاء وحده مع وزير الخارجية البريطانية هندرسون ومجموعة من خبرائها يتقدمهم جاك موري رئيس القسم المصري. لم تستمر المفاوضات سوى أسبوعين بينما إستمرت مفاوضات ثروت عشرة شهور! في 3 يوليو أعد الإنجليز أول مشروع للمعاهدة وسلموه لرئيس وزراء مصر بعد يومين. استدعى رئيس الورزاء عبد الحميد بدوي باشا وهو رجل قانون ضليع إلى لندن لصياغة المشروع بصفة نهائية، وقدم رئيس الوزراء مشروعاً ثانياً، معدلاً إلى الإنجليز. وجاء الدكتور حافظ عفيفي وزير الخارجية إلى لندن وكان يرافق الملك فؤاد في رحلته الطويلة إلى أوروبا فقال لرئيس الورزاء بعد أن عرف بأمر المحادثات: -لابد من إطلاع صاحب الجلالة الملك فؤاد عليها. -سافر محمد محمود إلى باريس يوم 9 يونيو ليلتقي بالملك فؤاد ويطلعه على سير المحاذات. واستبد الغضب بصاحب الجلالة، لأن رئيس وزرائه تجاسر على أن يدخل تلك المحادثات دون أن يحصل على موفقته الملكية أولاً! عاد محمد محمود إلى لندن يستأنف المفاوضات بعد يومين وشكلت لجنة وزارية بريطانية برئاسة هندرسون لمتابعتها. ولكن . . اعترض رؤساء أركان حرب القوات البريطانية على المشروع فقد هندرسون بعد 48 ساعة مذكرة – مذكرة إلى لجنة الدفاع الإمبراطوري. أيد رئيس الورزاء راكزي ماكدونالد مشروع المعاهدة قائلاً:

-مرت علاقتنا بمصر في مراحل متعددة مما استدعى استخدام القوة أو التهديد باستعمالها من جانبنا أكثر من مرة تخللها فترات صعبة من الهدوء المتوتر. وهذه حالة غير مرضية. وهكذا وضع مشروع المعاهدة. وكان المشروع في مجمله مثل مشروع تشرلين – ثروت ولكن كانت هناك 3 تنازلات إضافية مهمة من جانب الإنجليز وهي:

  • انسحاب القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية إلى منطقة القناة. وهذه النقطة هي التي طالب بها عدلي وثروت ورفضتها بريطانيا التي أصرت على انتضار القوات البريطانية في كل مدن مصر.
  • اعتراف بريطانيا للحكومة المصرية بأنها "المسئولة منذ الآن عن أرواح الأجانب وحماية الأقليات".
  • استعداد بريطانيا أن تفحص بروح العطف إقتراحاً بعودة أورطة مصرية إلى السودان في الوقت الذي تنسحب فيه ال قوات ال بريطانية من القاهرة.

وافق محمد محمود وهندرسون على المشروع. ووعد محمد محمود بتقديمه إلى برلمان مصري منتخب إنتاخباً حراً!

هنا كانت مشكلة حول القانون الذي ستجرى على أساسه الإنتخابات المصرية. كان في إستطاعة محمد محمود أن يقول للإنجليز: -مصر دولة مستقلة طبقاً لتصريح 28 فبراير عام 1922 فلماذا تتدخلون في شئونها وتفرضون عليها القانون الذي تجرى على أساسه إنتخابات البرلمان المصري. ولكن محمد محمود لم يفعل واستسلم في هذه النقطة. ومن هنا طرح بشكل سافر أسلوب إجراء الإنتخابات في مصر. هناك أربعة قوانين للإنتخابات أولها ذلك وضع مع دستور 1923 وكان قائماً على الإنتخاب غير المباشر على أساس أن 90% من ال سكان أميون. ومع ذلك عاد به سعد زغلول إلى الحكم في أول برلمان مصري بأغلبية 85%. وحين جاء سعد زغلول إلى السلطة سارع إلى ضمان سيادة الوفد في كل وقت فوافق البرلمان في 1924 على قانون جديد للإنتخابات يعطي حق الإقتراع العام والإنتخاب المباشر. انتقد هذا القانون من كثير من المصريين والأجانب بوصفه غير ملائم لمصر. ولم يتم التصديق قط على محاولتين جرتا لتعديله. وكان محمد محمود في غاية الصراحة مؤيداً إعادة قانون إنتخاب 1923 مع بعض التعديلات. وأكد للقسم المصري أن التغييرات ترمي إلى إحتيار هيئة من الإداريين المتعلمين والمجربين من جميع الأحزاب. وقال إن إتمام إنتخاب البرلمان بهذه الطريقة سيجعله بوافق على المعاهدة. ولم يجد محمد محمود من القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية أي إعتراض. ولكن أدرك رجال وزارة الخارجية والمتعصبون دستورياً في ل ندن أن الإنتخابات غير المباشرة ستعود من جديد إلى مصر! وهذا مالم يمكن أن توافق عليه وزارة من حزب العمال. وساعتها طلب من رئيس الوزراء المصري أن يعطي تأكيدات بأنه سيجري إنتخابات على أساس قانون سعد زغلول لسنة 1924 أ]إجراء إنتخابات مباشرة وأنه لن يعدل الدستور. جاءت هذه الضربة قاصمة لمحمد محمود. لم يحاول المجادلة وكل ماطلبه إلتزام السرية فيما يتعلق بتعهده وانه سيختار بنفسه لحظة إعلان إجراء الإنتخابات سواء من حيث الموعد أو الأساس الذي تقوم عليه كما لو كان القرار نابعاً منه. وخطط محمد محمود لتحركاته بعناية وأيضاً في تعاون بموافقة القسم المصري في الخارجية البريطانية. وقرر العودة إلى مصر في الخريف ومعه معاهدة في جيبه على أن يظل وجودها وشروطها طي الكتمان ريثما يتولى شرحها للرأي العام المصري في سلسلة من الإجتماعات الجكاهيرية قبل عودة الجكم الدستوري وإجراء الإنتخابات. ورأى محمد محمود أنه يمكنه تمرير المعاهدة عن طريق إجراء بعض التعديلات في الدوائر الإنتخابية مما يضمن لحزبه الفوز في الإنخابات. وعندما تبدد هذا الأمل أدرك محمد محمود أن إستقالته أصبحت أكثر من محتملة ولكنه إلتزم موقفاً يقول فيه إن النعاهدة أهم لمصر من شخصه وهو موقف "غير مسبوق" بالنسبة إلى مصري كما قال الإنجليز!

هنا عدل رامزي ماكدونالد عن تأييده للمعاهدة بل للمفاوضة مع محمد محمود. وماكدونالد الذي تفاوض مع سعد زغلول عام 24 وفشلت مفاضواته لم يكن واثقاً بإمكانيات محمد محمود وقدرته في الحصول على برلمان يؤيدها. كتب رئيس الوزراء البريطاني إلى هندرسون ينتقد المدى الذي وصلت إليه المفاضوات وطريقة وأسلوب إجراءها. وقال في رسالته: -محمد محمود رجل يغرق، وسيأخذ المعاهدة معه إلى القاع. رد هندرسون قائلاً: -كل التقارير تؤكد أن موقف محمد محمود آمن تماماً. يعد تدخل رئيس الوزراء جاء تحذير من ركس هور القائم بأعمال المندوب السامي البريطاني في القاهرة مشيراً إلى عدم شعبية محمد محمود. عدل هندرسون مشروعه، وأجرى فيه تغييراً أساسياً حتى يفصل بين المعاهدة وشخص محمد محمود. ألغى ديباجة المشروع التي تذكر أسماء المفاوضين عن الدولتين. وألغى فقراته الختامية. جعله مجرد مقترحات مقدمة إلى الشعب المصري لتسوية الخلافات وتحديد العلاقات بين ال بلدين، وأن هذه المقترحات هي آخر ما يوصي حكومته بقبولها وليس هناك المزيد الذي يقدمه إلى مصر.

ومن هنا لم يعد ممكناً أن يوقع محمد محمود المعاهدة في لندن. وكان عليه أن يحمل في عودته إلى مصر "مقترحات" لتسوية مصرية – إنجليزية قيل عنها إنها أقصى ما يمكن أن تقدمه الحكومة البريطانية على أن تطرح هذه المقترحات على الصعيد الوطني المصري وتبت الأمة فيها بالإقتراع الشعبي.

تلقى محمد محمود ضربة أخرى. تسربت الأنباء عن وجود معاهدة وعن شروطها ونشرت على أوسع نطاق. ومن هنا أصبحت قدرته على المناورة محدودة. وانطوى النشر على تغيير في خطط الحكومة البريطانية نفسها. تم التوقيع بالأحرف الأولى على المذكرات المتعلقة بالمعاهدة. وتم تبادلها بين هندرسون ومحمد محمود في 3 أغسطس 1929 وعرضت على مجلس العموم يوم 6 أغسطس ثم سلمت إلى الصحافة في 8 أغسطس وعرض نص المقترحات على البرلمان في 5 أغسطس. ولكن . . وصل مكرم عبيد السكرتير العام للوفد إلى لندن يوم 24 يونيو، وهو نفس اليوم الذي التقى فيه محمود بهندرسون وزير الخارجية البريطانية. وظل مكرم في لندن ثلاثة أشهر وكان هدف "أن يقود مكرم عبيد حملة دعاية ضخمة ضد تعطيل الحياة النيابية وإقناع الرأي العام البريطاني [ان حكومته مسئولة عن قيام وزارة محمد محمود وبالتالي الحكم الديكتاتوري في مصر. وكان الوفد قد عرف بأن محمد محمود يجري مفاوضات مع الحكومة البريطانية فكان هدف مكرم عبيد عرقلة إتمام هذه المعاهدة، لأن تجاهل الوفد مستحيل، وأن وحده الوطيل عن شعب مصر للتفاوض، وأن محمود يحكم بلا برلمان ولا دستور. خطب مكرم عبيد في لندن وعقد إجتماعات هاجم فيها محمد محمود وقاد المظاهرات، وكتب في الصحف، واتصل بأعضاء البرلمان من حزب العمال الحاكم يستعيدهم ضد حكومتهم لتتخلص من رئيس ةوراء مص{. ودافع مكرم عبيد عن الحياة النيابية وانتقد بريطانيا للتفاوض مع حكومة محمد محمود التي لا تمثل الأمة. وأصدر مكرم في لندت كتاباً عنوانه "جهاد مصر في سبيل الإستقلال والدستور" وأصدر جريدة في لندن وعقد مؤتمراً للدمعيات المصرية في أوروبا! ولم يكتف بذلك بل طلب لقاء وزير الخارجية البريطاني أرثر هندرسون فوافق الوزير وتم اللقاء يوم أول يوليو بعد أسبوع واحد من وصول مكرم إلى لندن! قال هندرسون لمكرم عبيد: -أرغب في عقد تسوية نهائية للعلاقات المصرية البريطانية ولا توجد في الوقت الحاضر معاهدة أو مشروع معاهدة بل مجرد مقترحات كانت موضوع المباحثات مع محمد محمود باشا. وأضاف: -لن توقع معاهدة إلا إذا أقرها برلمان مصري منتخب إنتخاباً حراً. وما تقدمه الحكومة البريطانية من مقترحات ليست معروضة على سياسي مصري بالذات ولكنها للشعي المصري ككل. وهي أقصى ما يمكن أن تتنازل عنه الحكومة البريطانية. أبدى مكرم عبيد إرتياحه لأن المقترحات ليست مقدمة إلى محمد محمود شخصياً. واقترح على وزير الخارجية البريطانية عودة مجلس الشيوخ المصري إلى الإجتماع وذلك قبل إجراء الإنتخابات لمجلس النواب حتى يمكن البت في التجديد النصفي له طبقاً للمادة 76 من دستور مصر الذي ينص على إسقاط عضوية نصف الأعضاء كل خمس سنوات وإجراء إنتخابات جديدة. وقا ل: -مجلس الشيوخ مجلس دائم نصفه يتجدد كل خمس سنوات ولابد من معرفة الأعضاء الذين ستركون مقاعدهم، وأيهم سيتقدم للترشيح مرة أخرى. وأكد ان مجلس الشيوخ سيجتمع لهذا الغرض وحده ولن يناقش أية مسألة سياسية. وعد الوزير بدراسة الموضوع، وإن كانت وزارة الخارجية وجدت أن هذا الإقتراح يتعارض مع المرسوم الملكي بحل مجلسي النواب والشيوخ معاً. وقال وزارة الخارجية في مذكرة للوزير: -إن الملك فؤاد سيرفض هذه الفكرة، لأن معنى ذلك أن حل المجلس، قبل عام، لم يكن إجراء فالاً ومن ثم يمكن بطلان الأ‘مال التي وافق عل يها صاحب الجلالة". وما دام الوفد واثقاً بانه سيحصل في الإنتخابات على الأغلبية في المجلس فلا يوجد ما يتحقق من الإصرار على إعادة إجتماع مجلس الشيوخ القديم. وإذا كان الوفد مستعداً لإتخاذ موقف ودي من الحكومة البريطانية فعليه أن يمتنع عن طلب يسبب إحراجاً خطيراً للحكومة البريطانية، لأن الملك فؤاد قد يعتبره تدخلاً في شئون مصر ال داخلية الدستورية. ولم يعرف مكرم عبيد رأي وزارة الخارجية. واستطرد هندرسون قائلاً: -ما رأيك في عودة كتيبة مصرية للسودان؟ قال مكرم عبيد: -إني أتكلم دون استشارة أحد من زملائي ولكن يمكن الوصول إلى حل في هذه المسألة وإن كان الوفد أخمية كبرى على إعادة الحكم الثنائي ي السودان. وقال سكرتير عام الوفد: -إني وحزبي سنعمل لمصلحة مصر، لا لصالح أي حزب. ونحن نرحب بفوز حكومة العمال. حذر هندروسون مكرم من إثارة أية اضطرابات أو إثارة أو هياج في مصر في الوقت الحاضر، او في المستقبل القريب، لأن هذا يعرقل أي أمل في إقامة علاقات صداقة بين حكومة العمال البريطانية والوفد المصري. وافق مكرم عبيد. ودعا هيوج دالتون الوكيل البرلماني لوزراة الخارجية مكرم عبيد لزيارته صباح اليوم الذي نشرت فيه تفاصيل المباحثات مع محمد محمود، والمقترحات التي قدمتها بريطانيا إلى رئيس وزراء مصر. قال دالتون لمكرم عبيد مؤكداً ما قاله له وزير خارجية من قبل:

  • المقترحات لمصر وليست لسياسي معين أو لحزب معين. وهي أقصى ما تستطيع بريطانيا التنازل عنه وقد هوجمت بعنف من صحف حزب المحافظين البريطاني لكثرة التنازلات التي قدمها العمال إلى مصر.
  • لندن تنتظر نتائج الإنتخابات المصرية. وبريطانيا لا تؤيد محمد محمود أو غيره.

وقد أعلن محمد محمود طواعية أنها ستكون إنتخابات حرة. ولن يعدل قانون الإنتخاب المباشر.

  • من الضروري عدم إثارة أضطربات في مصر ولابد من حفظ النظلم ولا يجي ان ينتقم المنتصرون في الإنتخابات من المهزومين بل بلاد من بداية جديدة نظيفة.
  • الوفد لم يكن متعاوناً في الماضية مع التفاوض البريطاني. ولكني سعيد بان مصر استقبلت المقترحات استقبالاً حسناً.
  • يجب أن ترنفع إلى المستوى الذي عبرت عنه في لقائك مع وزير الخارجية بأنك وزملائك تتعهدون بأنكم يتعاملون المقترحات على أساس مصلحة مصر لا من خلال وجهة نظر حزبية ضيقة.

هاج مكرم عبيد في أثناء اللقاء وأخذ يكرر أن محمد محمود سيقبل المعاهدة. وسيعتبرها انتصاراً شخصياً له ولذلك يرغم الوفد إنكار مزاياها. وسيرتكب كل الفظائع ضد خصومه السياسيين في أثناء الحملة الإنتخابية وبذلك يحقق مناخاً حاملاً بالمرارة. وقال مكرم عبيد: -على الرغم من كل ما سيفعله محمد محمود فإن الوفد سيفوز بالأغلبية. ولكن من أجل الوصول إليها لابد له من إتخاذ موقف العداء للمعاهدة. قال دالتون: -إنها ليست معاهدى أو مسودة معاهدة بل مجرد مقترحات تدرسها الحكومة المصرية التي ستجئ لها الإنتخابات. وأضاف: -ماهي المقترحات التي لا توافق عليها؟ تخلص مكرم عبيد من الجواب وقال: -أرجو ألا يفهم من تعبير "الحد الأقصى للتنازلات" أن المقترحات تتضمن إنذاراً لشعب مصر. قال دانتون: -لن نتعارك حول كلمة. ويمكن التغيير والتعديل في المقترحات بشرط ألا تمس صلب المعاهدة ولكن لا أعد بقبول الحكومة البريطانية ذلك. أخذ مكرم يكرر الهجوم على محمد محمود فقال دالتون: -هل تستطيع أن تحدد لي بدقة وبالتفصيل مالذي يجب أن تفعله الحكومة البريطانية في هذا الشأن؟ قال مكرم: -نحن نعلم أن الملك يريد التخلص من محمد محمود، ولكنه منع من ذلك بواسطة الحكومة البريطانية. قال دالتون: -أوكد لك أن الحكومة البريطانية لم تتدخل ولا تنوي التدخل لصالح سياسي مصري أو آخر وأنه يخطئ عندما يظن أننا نضغط على الملك فؤاد من أجل محمد محمود. أخذ مكرم يكرر طلبه بضرورة أن تجرى الإنتخابات حكومة محايدة لصالح المعاهدة وقال إنه فهم من حديثه إلى وزير الخارجية هندرسون أن هذه الفكرة تلقى ترحيباً من الحكومة البريطانية. أخذ دالتون يكرر أن الحكومة البريطانية لا ترغب في التدخل في الشئون الداخلية لمصر أو في إختيار صاحب الجلالة ملك مصر لوزرائه. وقال: -أمامكم الآن فرصة ذهبية فإذا لم تنتهزوا فإنها لن تتكرر.

تلقى محمد محمود صدمة أخرى مباشرة حين استقبل هندرسون وزير الخارجية البريطاني مكرم عبيد السكرتير العام للوفد في مكتبه بوزارة الخارجية يوم 31 يوينو. من هنا كانت المواجهة التي اتخذتها الأحداث إذلالاً رهيباً لمحمد محمود الذي أدرك أن النشر دمر مركزه من أساسه.

وجاء لقاء دالتون الوكيل البرلماني لوزراة الخارجية مع سكرتير عام الوفد ضربة وطعنة أخرى لرئيس الوزراء. أما الضربة الثالثة والقاتلة فهي تصريحات دالتون العامة والتي أذاعتها صحف بريطانيا ومصر وقال فيها إن هندرسون جعل شرط المفاوضات العودة إلى الحكم الدستوري في مصر طبقاً لقانون الإنتخاب الحالي الذي لن يتغير. كتب السير رونالد لندساي الوكيل الدائم للخارجية البريطاني إلى دالتون فقال: "إن خطابك وبرقية مكرم عبيد لمصر قد أثار عاصفة كبيرة وتصريح محمد محمود للقسم المصري في وزارة الخارجية البريطانية بأنه سيعيد الدستور والبرلمان كان نقطة بداية في الإنتخابات وليس صحيحاً أن وزير الخارجية آرثر هندرسون فرض ذلك كشرط أساسي للتفاوض لعقد معاهدة. إن محمد محمود وعد بإجراء الإنتخابات على أساس القانون الصادر عام 24 بإعتبار أن هذا الوعد سري ولا يجب أن يعلن للرأي العام المصري كشرط فرض عليه من لندن".

أوفدت الحكومة البريطانية – السير رونالد لندساي الوكيل الدائم لوزراة الخارجية إلى فندق كلاريدج حيث ينزل الملك فؤاد الأول، وأخذ يتحدث إليه في الشئون العامة ثك قرا على صاحب الجلالة مذكرة باللغة الفرنسية. في هذه المذكرة مشروع طالبت الحكومة البريطانية ملك مصر بما يلي:

  • أن يؤيد مشروع المعاهدة بين مصر وبريطانيا.
  • أن يمنح الملك رئيس وزرائه الوشاح الأكبر لمحمد علي.
  • يعين محمد محمود باشا قائماً بأعمال الملك بدير شئون الحكم في مصر في أثناء غياب صاحب الجلالة وذلك حتى يمكن التعجيل بالإجراءات الدستورية الخاصة بإقرار المعاهدة.
  • أن يمنح الدكتور حافظ عفيفي باشا وزير الخارجية رتبة الباشوية.

وسلم لندساي ملك مصر نسخة من المذكرة. اضطرب صاحب الجلالة وهو يستمع لهذه المطالب وأدرك أنها – في حقيقتها – إنذار، وخصوصاً وان وكيل الخالرجية أعطاه يويمن مهلة للتفكير فيها. أعلن صاحب الجلالة على الفور أنه يؤيد المعاهدة تأييداً كاملاص. ولكنه بالنسبة إلى منح الوشاح لمحمد محمود وشاح محمد علي أو تعيينه وصياً أو منح الباشوية لحافظ عفيفي فقد طلب مهلة بويمن أو ثلاثة للتفكير فيها. وعندما زاره لندساي بعد يومين، أي يوم 5 أغسطس قال الملك: -سأناشد الحكومة البريطانية العدول عن هذه المطالب. قال لندساي: -المذكرة التي وجهتها إليك كانت بناء على قرار وزير الخارجية البريطانية السير أرثر هندرسون وهي مطالب نهائية متصلة بمشروع المعاهدة ولا نقاش فيها. وهي مطالب ضرورية وعاجلة وبالذات لأن نصوص المعاهدة ستعلن وسيكون إشارة واضحة منك بتأييد المعاهدة. أعلن ال ملك بعد حوار طويل أنه سيمنح الوشاح لرئيس وزرائه ورتبة الباشوية لوزير الخارجية. قال لندساي: -هل أستطيع إعلان ذلك للصحافة؟ وافق صاحب الجلالة وقال: -هذه تحية كبيرة من جانبي. وبالفعل منح صاحب الجلالة الرتبة والوشاح بعد عودته لمصر. وتخلص الملك من مسألة تعيين محمد محمود باشا وصياً وفقال: -لقد ألغيت الباقي من رحلتي في اسكتلندا وإسبانيا وفيشي للعلاج وسأعود فوراً إلى مصر. وبهذه ا لطريقة لن تكون هناك حاجة إلى تعيين مجلس وصاية، أو تفويض محمد محمود في إصدار المراسيم. وبالفعل غادر صاحب الجلالة لندن إلى باريس في الصبح التالي في طريق عودته إلى القاهرة. ولم يعرف شعب مصر قط، بهذا الإنذار. وربما يكون محمد محمود قد علم به ومن هنا سر العداء الذي استفحل بين ملك مصر ورئيس وزرائه إلى الحد الذي جعل محمد محمود عندما سئل في أوروبا عما إذا كان سيسافر في صحبة الملك فؤاد. أجاب قائلاً: -كلا – بل اختار الملك الباخرة التي قررت أنا السفر عليها ليعود إلى مصر!

أخفى أرثر هندرسون وزير ال خارجية البريطاني نبأ مفاوضاته مع محمد محمود عن اللورد لويد المندوب ال سامي البريطاني في القاهرة فالوزير يريد عقد معاهدة ووجود اللورد في مصر، وسياسته تمنع إتمام هذه المعاهدة. ورأى هندرسون أن اللورد لويد هو المسئول عن فشل معاهدة وزير الخارجية السابق أوستين تشمبرلين مع عبد الخالق ثروت رئيس وزراء مصر عام 27. بعث أرثر هندرسون إلى "لويد" يوم 3 يوليو عام 29 برقية قال فيها: "إن نظرتنا للأمور مختلفة، والفجوة بيننا واسعة لا يمكن عبورها والتغلب عليها . . وأريد مناقشة شخصية معك . .عند عودتك". أصيب "اللورد" بالإنزعاج وتوجه لأول مرة في حياته إلى منزل "موريس بيترسون السكرتير العام الأول بالقاهرة وأطلعه على البرقية وسأله رأيه فقال "بيترسون": -هذه معناها الوحيد . . الإستقالة . . إن وزير الخارجية يريد رجوعك . . أي يطلب استقالتك. وكان ضيق رجال وزارة الخارجية: اللورد هو السبب في البرقية التي بعث بها "هندرسون" لإستدعائه. أخفى "اللورد"، عن مصر، نبأ الأزمة بينه وبين وزير الخارجية الجديد. وأعلن أنه سيسافر إلى لندن ف يإجازته الصيفية كما اعتاد كل عام.

من اللحظة الأولى لوصول "اللورد" إلى لندن عامله السير رونالد لندساي الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية بجفاء، وأظهر له العداء، ومنعه من حضور الإحتفالات والمناسبات الرسمية لتكريم الملك فءاد، ومحمد محمود ورفض أن يوجه إليه الدعوة مع أن التقاليد تفرض ذلك. إجتمع "لويد" بأرثر هندرسون وزير الخارجية يوم 23 يوليو الذي طلب إليه الإستقالة فاستقال . . خرج اللورد لويد من الإجتماع ليلتقي بونستون تشرشل، الذي أثار الأمر في مجلس العموم البريطاني يوم 25 يوليو. دافع "هندرسون" عن نفسه بأنه تلقى برقية من "اللورد لويد" لم يعجبه أسلوبها ولا اللهجة التي صيغت بها. وكانت البرقية موجهة من "اللورد" إلى وزير الخارجية السابق السير "أوستين تشمبرلين". وقال "هندرسون" إنه طلب مراجعة برقيات "اللورد لويد" السابقة فوجد خلافات ضخمة بين المندوب السامي والوزير السابق. وحدد الوزير الأزمات الأربع التي ثارت بين امندوب السامي والوزير وأن العلاقات بين الإثنين كانت متوترة، وأن المندوب السامي رفض أن يقبل وجهة نظر الوزير. وهذه الأزمات الأربع: 1-منع "سعد زغلول" من تولي رئاسة الوزارة في صيف عام 1926. وكان رأي ال سير "أوستين تشمبرلين" وزير الخارجية عدم التدخل . . أي ترك الحكم في مصر للأغلبية والسماح "لسهد" بتولي رئاسة الوزارة. 2-بقاء الموظفين البريطانيين في خدمة الحكومة المصرية. وقد أصر "اللورد لويد" على بقاء أكبر عدد منهم في حين كانت وجهة نظر الحكومة البريطانية عكس ذلك، وقد أصرت الحكومة على وجهة نظرها . . ولكن "اللورد" لم يمتثل. 3-أزمة الجيش. وقد عارضت الخارجية البريطانية رأي "اللورد لويد" ولم تعدل عن معارضتها قط. 4-قانون الضرائب. فقد أرادت الحكومة المصرية فرض الضرائب على الرعايا البريطانيين في مصر . . وطبقاً للإمتيازات الجنبية فإن مصر لا تستطيع إتخاذ هذا الإجراء إلا بعد موافقة بريطانيا. وأصر "اللورد لويد" على عدم فرض معظم هذه الضرائب. وهذه الضرائب أربعة أنواع. وقد اعترض "اللورد" عليها جميعاً ولكن الحكومة البريطانية رفضت غعتراضاته على بعضها!

إمتلات كل مقاعد مجلس العموم يوم 25 يوليو عند مناقشة إستقالة "اللورد". وأعلن "أ{ثر هندرسون" في مجلس العموم أنه بسبب الخلافات بين "تشمبرلين" وزير الخارجية و "اللورد لويد" فإن كثيراً من المشكلات لا تحل في وزارة الخارجية، بل كانت تحال إلى مجلس الوزراء – وقال إن "اللورد" ظل عارماً على إساءة تفسير التعليمات التي توجه إليه. وقال "هندرسون" إن سياسة "تشمبرلين" هي التدخل المحدود للغاية، أو أقل تدخل ممكن في شئون مصر، وتفسيره تصريح 28 فبراير متحرر على العكس من "اللورد لويد". وقال وزير الخارجية إن مجرى الأمور أصبح قلقاً وغير واضح ولايمكن استمراره. وإن الخلافات بين دار المندوب السامي في مصر ووزارة الخارجية في لندن لا يمكن التغلب عليها . . وإن سياسة العمال أكثر تحرراً من المحافظين ولا يمكن "اللورد" تفسير هذه السياسة والتعبير عنها في مصر، وبالتالي لا يستطيع تنفيذها. لم يدافع عن اللورد لويد "في مجلس العموم إلا الوزراء الثلاثة الذين كانوا مكروهين في وزارة ستانلي بولدوين" – المحافظة – وهم "اللورد بيركنهد" واللورد "برنتفورد"، وونستون تشرشل". ورد "هندرسون على الوزراء الثلاثة قائلاً" نعم .. أنا بعثت إلى "لويد" أطلب استقالته!

استقبلت مصر بسعادة بالغة نبأ استقالة "لويد" .. وقالت إن "اللورد" أقيل . . وطرد! وعبر المندوب السامي البريطاني بالنيابة عن رد فعل مصر فكتب إلى لندن يقول: "قام "اللورد ليد بإجازته في 11 يوليو . . وفي أواخر يوليو قوبل نبأ استقالته بالترحيب من كل الأحزاب . . وكان ذلك ظاهراً في الوفد بغير تحفظ. إن الوفد يرى في رحيل "اللورد" تأكيداً بعوددة الحكم البرلماني. وقال صحيفة "الأجيبشيان الجازيت" – التي تصدر في مصر باللغة الإنجليزية – إن استقالته كانت متوقعة، ولكن المفاجأة في توقيتها، فإن "الملك فؤاد" ومحمد محمود باشا رئيس الوزراء كانا في لندن وقد وصلها صاحب الجلالة يوم أول أغسطس ورأى الملك ورئيس وزرائه سقوط المندوب السامي! وكان سقوط اللورد مقدمة وبداية طبيعية لسقوط حكم محمد محمود!

وتسخر الصحف الوفدية من محمد محمود الذي فقد سنده بعد إقالة اللورد لويد. كتبت هذه الصحف خطاباً كأن رئيس وزراء مصر وجهه إلى اللورد لويد. قال محمد محمود في خطابه: "بعد السلام والسؤال عنك. الناس بتتحاكى فيك بيقولوا أل عنك. مصمصمت عضمي ولحمي بكلمتين منك. ما كانش ودي ولكن برضه استحمل". اتصل محمد محمود من باريس قبل عودته إلى مصر، بوزارة الخارجية البريطانية يقترح تقديم استقالته. قال: -إن خطاب دالتون بأن إعادة الحكم البرلماني في مصر شرط أساسي يعتبر مضللاً فإنه أي محمد محمود هو الذي افتتح العملية كلها لأنه يزمع مع إعادة البرلمان. وكان محمد محمود: -إن تصريح دالتون خيانة للأمانة وقد تعهدت له بذلك بشرط عدم إفشائه أو على الأقل ألا يبدو وكأنه فرض على وإني أجبرت عليه وأرغمت. وقال حافظ عفيفي وزير الخارجية. -إن الوفد لا يبالي بعقد معاهدة وكل ما يعنيه العودة إلى الحكم، وإذا أعطى الوفد الإنطباع بأن الحكومة البريطانية عازمة على خروج محمد محمود من الحكم وعودة الوفد . . فإن الوفد لن يقبل المعاهدة ولن يقبل ائتلافاً برئاسة عدلي باشا بل سيبقى في إنتظار أن تتقدم إليه الحكومة البريطانية الوزارة. وقد نفى محمد محمود للصحف أن الحاكم البرلماني فرض عليه. ولكنه مع ذلك عدل عن الإستقالة وابتلع كبرياءه وكرامته ورأى الإستمرار في الحكم حتى لا يشجع الوفد على الإعتقاد بأن لندن ستضه النحاس مكانه مما يجعل الوفد متشدداً في عدم التعاون مع الإنجليز والموافقة على مشروع المعاهدة أي المقترحات البريطانية. وكان الوفد مقتنعاً بأن حكومة العمال التي قدمت هذه المقترحات السخية إلى محمد محمود، ستقدم مقترحات أفضل للوفد، فإن بريطانيا اعتادت القول بأن ذلك هو عرضها الأخير. والوفد كان يعرف أنه في موقف قوي ولذلك صرح بأنه لن يعلن رأياً في المقترحات إلا تحت قبة البرلمان وبعد عودة الحكم النيابي. وأصر الوفد على الصمت إزاء المقترحات، وكان محمد محمود يعتقد بأن الوفد إما أن يقبل المقترحات وبذلك يدعم ويقوي موقفه وإذا رفض الوفد فإن العلاقات ستسوء بينه وحكومة حزب العمال. ومن هنا رأى الوفد أن هذا الحل الثالث – أي عدم إدلائه برأي في المقترحات إلا تحت قبة برلمان منتخب انتخاباً حراً صحيحاً هو الحل الأمثل. وجد محمد محمود نفسه بين عدوين: الوفد بعداوته الصريحة المعلنة.\والملك الذي أدرك أنه لا يستطيع أن يجعل رئيس وزرائه عميلاً خاضعاً له. ولذلك قام بكل ما يستطيع لعرقلة الحكومة وإضعاف نفوذها. وأظهر معراضة واضحة لرئيس وزرائه فأدرك الشعي، وبالذات الوفد أن الحكومة لا تحظى إلا القليل من تأييد الرأي العام. وأضاف صاحب الجلالة عنصراً آخر وهو مغازلة الوفد بحذر من خلال توفيق نسيم باشا وآخرين مما أدى إلى حد كبير إلى احتفاظ الوفد بتماسكه. ومع معراضة صاحب الجلالة لم يكن لمحمد محمود فرصة الإستمرار في الحكم إلا بدعم مستمر من الإنجليز وهو مالم يقدموه.

عاد محمد محمود إلى مصر يوم 23 أغسطس مع الملك فؤاد. نظم الأحرار في الإسكندرية استقبال المنتصرين لمحمد محمود لدى عودته بمقترحات المعاهدة في 23 أغسطس ولوح لمعاونيه بغضن الزيتون ودعا إلى التعاون بين كل المصريين في إتمام المعاهدة. ولكن رامزي ماكدونالد اعلن في نفس اليوم أن القرار الأخير في المقترحات البريطانية سيكون لشعب مصر بواسطة نوابه المنتخبين. ورد النحاس باشا بعد عدة أيام في إجتماع ضخم في القاهرة بوابل من الشتائم صبها على محمد محمود وتمسك برفض الوفد إبداء رأي في مقترحات المعاهدة قبل انعقاد البرلمان. وصل إلى مصر السير برسي لوين المندوب السامي البريطاني الجديد يوم 2 سبتمبر وهو دبلوماسي عمل طوال حياته في وزارة الخارجية البريطانية وكان آخر عمل له أنه كان سفيراً في طهران. لم يتصل أي من زعماء الوفد بلورين بعد وصوله ولم يكن من اللائق للورين أن يبدو في مظهر من يسعى وزار الوفد. ومن جهة أخرى كان من المرغوب فيه إقامة إتصال بالنحاس باشا كزعيم ترى الحكومة البريطانية أنه الحزب الذي يتحكم في الموقف. ولحسن الحظ، نجح لوين في إقامة اتصال مع الوفد من خلال وسطاء. وكانت عودة مكرم عبيد يوم 7 سبتمبر مناسبة للمظاهرات العامة في الإسكندرية والقاهرة وقد أحدثت مزيداً من الضرر لهيبة الحكومة. لم تكن مهلة الشهر لإنهاء ديكتاتورية محمد محمود بلا قيمة فبعد مرور الأيام دون أن بادرة لإستقالة محمد محمود أصبح الوفد أقل عداء للإنجليز وفي الوقت الذي أقيمت علاقات ودية بين لورين وبين زعماء الوفد كانوا قد أصبحوا على إستعداد لقبول النصيحة.

ظنت الحكومة البريطانية أن الأحزاب المصرية ستسوي خلافاتها وتشكل حكومة ائتلافية تجري إنتخابات عامة يكون أساسها المقترحات البريطانية. وكانت التعليمات الواضحة من وزارة الخارجية للمندوب السامي الجديد أن يسعى لقيام حكومة ائتلافية في مصر وأن يحاول إقناع الوفد بإعلان رأيه في المقترحات. وفي نفس يوم وصوله تحدث السير برسي لورين المندوب ال سامي الجديد إلى محمد محمود عن الحكومة الائتلافية. قال رئيس الوزراء: -لقد غلت يدي تصريحات دالتون. وكان الشرط الأساسي عند بدء المحادثات ألا تقيد يداي بالطريقة التي أعيد بها الدستور أو أسلوب الإنتخابات. ومع ذلك وافق محمد محمود على قيام الجكومة الائتلافية فإن كل ما كان يعنيه أن تقر المقترحات البريطانية وتصدر المعاهدة بمزاياها وإن كانت محدودة ولكنها تعتبر نقلة ضخمة إذا قيست بالمفاوضات السابقة.

وفي اليوم التالي لوصوله التقى لورين بصاحب الجلالة الذي وعد بتأييد فيام الحكومة الائتلافية. وكان صعباً أو متسحيلاً تشكيل هذه الحكومة دون اشتراك الوفد فيها. وقد ظل لورين عشرة أيام يحاول تشكيل هذه الوزراة الائتلافية حتى أدرك أن قيام هذه الوزارة بعيد الإحتمال. ووجد لورين أن الائتلاف سيكون صعباً بسبب المرارة التي تشوب العلاقات بين الوفد والأحرار الدستوريين وقد جعل قرار الجكومة البريطانية بمنع أي تدخل في الصراع السياسي الداخلي من المستحيل على لورين أن يمارس أن ضغط على الوفد وهكذا أصبح الائتلاف غير عملي والعودة إلى الوفد حتمية. وكان هدف لورين السعي للحصول من الوفج على نوع من الإلتزام بالمعاهدة قبل أن يفتح أمامه طريق الحكم. وبقى خياران: الأول أن يؤيد الجكومة البريطانية استمرار محمد محمود رئيساً للورزاء وهو ما يراه لورين باعتبار أن بقاء الوفد خارج الجكم عاماً آخر سيضعف نفوذه. وفي اليوم التالي – 13 سبتمبر – تبين أن قوائم الناخبين في مصر لم تستكمل على أساس الإحصاء الأخير للسكان، وأن البرلمان المصري لن يتم انتخابه وبالتالي لن تستطيع الحكومة البريطانية عرض مشروع المعاهدة على مجلس العموم البريطاني عند اجتماعه في أكتوبر.

طلب لورين إلى الحكومة البريطانية تعليمات محددة بالسياسة التي يتبعها، فإن بريطانيا كانت مترددة في إتخاذ موقف من مصر وكتب لورين بذلك إلى رئيس الوزراء في لندن يوم 17 سبتمبر. وفي 21 سبتمبر أبلغ عدلي يكن باشا صاحب الجلالة ملك مصر بأنه لا أمل في قيام حكومة ائتلافية. وتلقى لورين يوم 25 سبتمبر رسالة واضحة من هندرسون قال فيها "إن عودة الوفد إلى السلطة أمرحتمي". دعا لورين النحاس ومكرم إلى الغداء في دار السفارة بعد يومين وتجنب خلال الغداء الحديث في السياسة، فقد أراد من اللقاء والغداء التعارف. عرض محمود على لورين أن يستقيل ليترك المكان لقيام وزراة ائتلافية وكانت الحوادث تدل على حرج مركز الوزراة إزاء السياسة الإنجليزية وإزاؤ صاحب العرش. وازداد موقف الوزارة دقة كل يوم. الوزارة تهاجم بضراوة من الوفد ولا تستطيع أن ترد حتى أن الدكتور محمد حسين هيكل كتب مقالاً عنوانه "أما لهذا الدليل من آخر". وكتب عبد القادر حمزة صاحب جريدة البلاغ الناطق باسم الوفد عنوناً ضخماً يقول: "استقالة فإلا تكن إقالة". وبنهاية سبتمبر أصبح واضحاً ان حكومة محمد محمود في مرحلتها الأخيرة وكان مسئولوها أنفسهم مقتنعين بعودة الوفد إلى السلطة ويؤدون واجبات مناصبهم بلا حماس. وكان رئيس الوزراء نفسه متلهفاً لإنهاء الموقف المهين تماماً. وظل الملك سلبياً على الرغم من أنه وعد لورين ببذل كل ما يستطيع لضمان إقامة ائتلاف وزاري. قام بعرض المقترحات التجريبية على النحاس باشا من خلال توفيق باشا لإقامة ائتلاف لكنه لم يقم بجهد حاسم في هذا الشأن. وظهر أن النحاس رفض الإشتراك في أي ائتلاف. وفي هذا الموقف المضطرب وصلت الحكومة عملياً إلى حالة تجمد. وعلى ذلك قرر لورين أن إطالة هذه المعاناة لا فائدة منها ووضع محمد محمود نفسه رهن إِارته بلا تحفظ وعرض الإستقالة إذا نصحه بذلك. وفي أول أكتوبر أخبره لورين بصراحة بأن الوقت قد حان ليتنحى وقبل محمد محمود الإقتراح بروح جنتلمان وقدم استقالته إلى الملك في اليوم التالي يوم 2 أكتوبر وإن كان قد شعر بالمرارة وبالذات من الإنجليز. قال لورين في تقرير إلى لندن: "وصلت لأجد حكومة محمد محمود في وضع ميئوس منه وكان تعهد الحكومة البريطانية بضرورة أن تعقد الإنتخابات على أساس الإنتخاب الحر المباشر بمثابة قرار إعدام لنظامه. وكانت الحكومة البريطانية تفضل ائتلافاً واسعاً لضمان بحق مقترحات المعاهدة على أساس قومي. تشاور السير لورين مع الملك ومع محمد محمود باشا لبحث إمكانيات تأليف وزارة محايدة. وكان الملك متفقاً على أن حكومة محايدة محترمة انتقالية امر ضروري كجسر بين نظام محمد محمود والعودة إلى الوفد. وفضلاً عن ذلك فهلال مثل هذه الحكومة فقط يمكن إجراء الإنتخابات. وبعد استقالة محمد محمود أرسل الملك إلى عدلي باشا ورجاه أن يتولى السلطة، لأنه الشخص المفضل ولكي يخرج التاج والبلد من موقف خطير. واستسلم عدلي باشا لهذا النداء الشخصي ووافق على تشكيل حكومة محايدة تعمل على عودة النظام الدستوري وشكلت حكومته على وجه السرعة يوم 4 أكتوبر.

أجرت حكومة عدلي الإنتخابات فقاطعها الأحرار الدستوريين. فاز الوفد وعاد النحاس إلى الحكم.

ويتولى محمد محمود الوزارة مرة ثانية، وأخيرة لمدة عشرين شهراً عامي 38، 39. ونجد محمد محمود لآخر مرة في الوثائق البريطانية يوم 26 ديسمبر عام 1940، عندما دعا السفير البريطاني السير مايلز لامبسون لمقابلته ليقدم إليه وصيته الأخيرة في الأسلوب الأمثل لحكم مصر. قال برقية السفير: "ظل محمد محمود باشا يعاني مرضاً خطيراً خلال الفترة الأخيرة. بدا كرجل يموت ولكن عقله وحديثه بقيا واضحين. وظهر لي منذ اللحظة الأولى أن لديه شيئاً خاصاً يريد أن يقوله لي. وبعد حديث صغير أشار فيه إلى السياسة الداخلية قال إنه على ثقة بأننا تحققنا الآن بألا أمل لمصر ولا لعلاقاتنا مع مصر ما بقى الملك جالساً على العرش. إن جلالته فاسد إلى الأعماق. ويخطئ خطاً كبيراً إذا آمنا بغير ذلك ولا امل في إصلاحه. إن محمد محمود يامل أن تساعدنا الحرب على التخلص نم فاروق. ولا يجب أن يصيبنا القلق عمن يخلف الملك فاروق. وقد أحسست أن محمد محمود كان حريصاً على أن يعلن آراءه وهو بعد في حالة يستطيع خلالها أن يعبر عن هذه الآراء بوضوح، ولأنه أحد المصريين القلائل الذين أثق بحكمه الصائب وتقديره الواقعي لمصالح بل اده الحقيقية ومصالحنا. ولقد شعرت شخصياً ومنذ فترة طويلة أن علاقتنا مع مصر لن تستقر مادام فاروق على العرش"!

اسماعيل صدقي

التماس لمفارقته الإنجليز! "مصر تحكم نفسها بنفسها. ومسئولية الحكم ملقاة على أحزاب مصر" هذا هو الشعار الذي رفعه رامزي ماكدونالد رئيس وزارة بريطانيا في 14 سبتمبر عام 1929. وأكد رئيس الوزراة ذلك في مجلس العموم يوم 17 يوليو 1930. وقال: -لن نتدخل في الشئون الداخلية المصرية. وكان المندوب السامي البريطاني في مصر من أنصار الحياد. والحياد في تلك الأيام، لم يكن حياداً بين القوى والدول الكبرى، بل كان حياد المندوب بين صاحب الجلالة أحمد فؤاد الأول ملك مصر، وبين الأحزاب السياسية كلها، وحياداً بين الأحزاب وبعضها. وبعبارة أخرى تترك بريطانيا صاحب الجلالة يحكم وحده، مادام هو والأحزاب لا يمسون التحفظات الأربعة التي وضعتها في إعلان الإستقلال في 28 فبراير عام 1922. بإختصار تفعل مصر بنفسها ما تشاء مادامت مصالح بريطانيا سليمة لا تمس. وفي كل أزمة دستورية في مصر كان المندوب السامي يطالب حكومته بإستمرار سياسة الحياد، لأنها تبعث على الرضا من وجهة النظر البريطانية. المندوب السامي هو السير برسي لورين، وهو ثامن معتمد بريطاني ومندوب سام لبريطانيا منذ احتلالها لمصر. وهو يختلف تماماً عن الذين سبقوه. الأربعة الآخرون بينهم اللورد كرومر الموظف الذي كان يعمل في حكومة الهند، والفيلد مارشال كتشنر فاتح الخرطوم والذي اختير بعد ذلك وزيراً للحربية في بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، واللورد اللنبي فاتح القدس، والسياسي البريطاني المحافظ وعضو مجلس العموم اللورد لويد جورج. أماالسير برسي لورين فظل طوال حياته في وزارة الخارجية يتنقل بين سفارات بلاده حتى جاء إلى مصر في 2 سبتمبر عام 1929. وخلال تسعة شهور تغير رئيس الوزارة مرتين محمد محمود رئيس حزب الأحرار الدستوريين استقال وكان يحكم بلا برلمان، ومصطفى النحاس استقال وكانت أغلبية مجلس النواب من حزب الوفد الذي يرأسه النحاس.

وفي ساعة متأخرة من مساء 19 يونيو عام 1930 جاء إسماعيل صدقي باشا إلى مقر المندوب السامي يبلغه إلى تشكيل وزارة جديدة. وصدقي باشا تعلم في مدرسة الحقوق وتخرج فيها عام 1894 فعين كاتباً بالنيابة بمرتب خمسة جنيهات على الرغم من من أنه كان أول فرقته. أمضى في هذه الوظيفة عامين ونقل منها إلى طنطا ثم المحلى وعاد إلى طنطا. كان يقف في محطة طنطا فسمع من سعيد – الذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراة – وكان رئيس نيابة الإسكندرية وعضواً بمجلس البلدية عرضاً بأن ينتقل معه إلى الإسكندرية فوافق ونقل مساعداً للنيابة بمرتب عشرة جنيهات. وتقدم لمسابقة التعيين في وظيفة السكرتير الإداري لمجلس بلدية الإسكندرية ورئيساً لقسم القضايا بها ومرتبها 30 جنيهاً فنجح في ال مسابقة وأختير للوظيفة ثم انتقل ليكون سكرتيراً عاماً للبلدية واختاره سعيد باشا رئيس الوزراة عام 1908 سكرتيراً عاماً لوزارة الداخلية لمدة عامين ثم عينه وكيلاً للداخلية وأنعم عليه برتبة الباشوية. وعينه حسين رشدي باشا رئيس الوزراة عام 14 وزيراً للزراعة ثم وزيراً للأوقاف. ولكنه أرغم على الإستقالة يعد فضيحة اكتشاف علاقته بابنة مستشار انتحرت بسبب هذه العلاقة. وانضم إلى الوفد المصري بزعامة سعد زغلول ونفي مع سعد زغلول إلى مالطة ثم سافر إلى باريس ولكنه اختلف مع الوفد وانفصل عنه وانقلب عليه. وعينه عدلي يكن وزيراً للمالية عام 21. وتقلب في المناصب الوزارية. وسقط في انتخابات مجلس النواب عام 24 وفاز مرشح الوزارة. وفي وزارة أحمد زيور باشا تولى وزارة الداحلية، وحاول توزير الإنتخابات لصالح ثروت باشا وكان العنصر القوي في هذه الوزارة – عام 1925 – ضد الوفدـ، وهو الذي أشار بحل مجلس النواب الذي اختار سعد زعلول رئيساً له ضد عبد الخالق ثروت باشا. وفي عام 28 بعد إقالة النحاس أراد السفر للخارج فطلب منه البقاء في مصر وقيل إنه مرشح لرئاسة الوزارة ولكن اختير محمد محمود باشا بدلاً منه. وأخيراً جاءت الفرصة لصدقي في رئاسة الوزارة. وصدقي باشا بلا حزب، ولا أتباع، سبق أن تولى أكثر من وزارة ولكن هذه أول مرة يرأس فيها الوزارة المصرية. قال صدفي للورين:

  • سأنهي الدورة البرلمانية. ولن أسعى للحصول على ثقة مجلس النواب. ومعنى ذلك أنه سيحل المجلس.
  • إني متلهف للعمل في أوثق وفاق صداقة مع الحكومة البريطانية وأ{جو أن تنظر هذه الحكومة بعطف إلى محاولتي. وآمل أن ألقى مساندة من دار المندوب.

وأخذ صدقي يتحدث عن تاريخه الطيب وصداقته القديمة لبريطانيا، وتلهفه للوصول إلى معاهدة معها. وقال:

  • آمل أيضاً ألا تصدر من بريطانيا تصريحات تضاعف الصعوبات أمامي.

التزم لورين الصمت، ولم يعلق على حديث صدقي، واكتفى بأن يؤكد له سياسة بريطانيا وهيا الحياد في شئون مصر الداخلية.

وفي اليوم التالي أعلن عن تشكيل وزارة إسماعيل صدقي الذي أجل البرلمان، ثم حله، وقهر الشعب بقوة الحكومة والشرطة والجيش، وعطل كثيراً من الصحف، ثم أغلى الدستور ووضع دستوراً جديداً اعتبره منحة من الملك ومنحه فيخ سلطات كثيرة، وجعل اقتراح القوانين من حق صاحب الجلالة وحده. ومن حقه ألا يصدق على أي قانون يقره البرلمان. وألف صدقي حزباً يرأسه اسماه "حزب الشعب" وأجرى انتخابات نيابية زور أغلبيتها له. وكلما شكلت أحزاب مصر للمندوب السامي قال: -نحن محايدون. ولكن أحزاب مصر رفضت الإعتراف بالحياد وألقت مسئولية ما يحدث في مصر على عاتق الإنجليز وبالذات استمرار صدقي في الحكم واستبعاد الأحزاب في الحكم. وظل لورين يبرر للأحزاب، وبالذات لحزب الوفد السياسة البريطانية. قال للنحاس: -كيف تدعي انك بطل الإستقلال الوطني والحريات الشعبية، ثم تطالبنا بالتدحل؟ أما شعب مصر فظل يعتقد بانه لا شئ يحدث في المجالات السياسية والإقتصادية. والإدارية إلا بموافقة البريطانيين، أو بمبادرتهم أو بإشرافهم. وعبر عن ذلك شاعر مصر حافظ إبراهيم فقال: لقد طال الحياد ولم تكفوا أما أرضاكم ثمن الحياد. أخذتم كل ما تبغون منا. فما هذا التحكم في العباد!

وعندما كانت لندن تطلب إلى المندوب السامي أن يلتزم بالحياد. وأن يعمل في الوقت نفسه، على التأثير في الأحزاب المصرية، كان يرد: "تدخل بريطانيا لن يكون مفيداً ، بينما لو كفت أيديها عن التدخل الآن، فستكون هناك فرصة ليصبح تدخلها أكثر فاعيلة في المستقبل". وتتمثل الحكومة البريطانية لنصيحته. ولكن الحكومة البريطانية ظلت تأمل في قيام وزارة ائتلافية تتفاض مع لندن لتوقيع معاهدة بين البلدين. وكان مشروع المعاهدة قد فشل منذ قيام أول وزارة مصرية برئاسة سعد زغلول عام 1924. ويلتقي السير برسي لورين بكل من عدلي يكن باشا ومحمد محمود باشا رئيسي الوزارة السابقين بناء على طلبهما في أواخر عام 1931. أوضح لورين موقف بريطانيا المحايد من المسألة الدستورية، وعدم تورطها في المسائل الداخلية، وذلك في مواجهة مطالب الرئيسين السابقين بتدخل بريطاني، طرح الرجلان مسألة الحكومة القومية الائتلافية. قال لورين: -إذا نجح المصريون أنفسهم، وبمبادرتهم الخاصة، في دفن خلافاتهم وتشكيل حكومة قومية فقد يكون بمقدوري أن ألعب دوراً مفيداً. فسر محمد محمود باشا هذه الكلمات بصورة بالغة التفاؤل، وافترض مساندة المندوب السامي لتشكيل فكرة ائتلافية، وفعل الوفد نفس الشئ. أسرع عدلي باشا يبلغ لجنة الإتصال التي شكلت من الوفد والأحرار الدستوريين لمقاومة صدقي بأن المندوب السامي أبلغه إذا تألفت وزارة قومية فإن بريطانيا مستعدة أن تعقد معها معاهدة طبقاً للقواعد التي اتفق عليها مع النحاس عام 1930 وكذلك إعادة دستور عام 1923. وقال محمد محمود للوفد إنه "يجري محادثات مع الإنجليز". قبل الأحرار الدستوريين هذا العرض، أي الإشتراك في وزارة ائتلافية. واجتمع الوفد يوم 30 ديسمبر 1931 لبحث تشكيل وزارة قومية. وحدث خلاف في الرأي. فالأغلبية تؤيد الفكرة. بينما تعارض أقلية بزعامة النحاس باشا، ورفض النحاس باشا الخضوع لقرار الأغلبية، وحدث انشقاق. وظل الإتشقاق بلا علاج لفترة قصيرة غير دقيقة. وعقب عودة واصف غالي باشا إلى مصر في 30 يناير 32 بوقت قصير أجريت مصالحة على أساس قرار يؤكد أولاً من جديد، القاعدة الوفدية بأن أي قرار يصبح نهائياً عندما توافق عليه الأغلبية: وثانياً: يؤيد تشكيل وزارة قومية من كافة الأحزاب التي وقعت على الميثاق القومي وإعادة العمل بدستور 1923، وإجراء الإنتخابات بمقتضاه. وهكذا، فإن ما كان يدور في أذهان الوفد لم يكن أن تتولى حكومة قومية التفاوض بشأن معاهدة بعيدة المدى، وإنما أن تعود في النهاية حكومة وفدية مخصة، مما يستبعد غير الوفديين جميعهم من التفاوض مع المملكة المتحدة. زانقسم الوفد إزاء الفكرة فقرر النحاس فصل سبعة من كبار أعضاء الوفد المؤيدين للائتلاف. وسببت هذه الشائعات، التي انتشرت في الأسابيع الأولى من عام 1932، بعض القلق لصدقي باشا، الذي شكا من أنها تستخدم من جانب المعارضة في محاولة لإضعاف موقف حكومته باعتبارها حكومة لا تنظر إليها الحكومة البريطانية بعين الرضا! وقال إن تكرار هذه الشائعات يضر إلى حد كبير ما يفعله لتدعيم الحكومة، وطالب بأن يفعل المندوب السامي شيئاً للقضاء عليها. وظهرت درجة قلقه في أن الملك، في تصرف غير معتاد، أرسل إلى مجلس النواب رسالة خاصة أعرب فيها عن ثقاه بحكومته. بدا المندوب السامي أنه من غير المرغوب فيه أن يشجع الإنطباع بأنه يتدخل في في الأمور الداخلية للبلاد، وأنه يبحث تغيير الحكومة مع أفراد في المعارضة من وراء ظهر الحكومة التي تتولى السلطة. ولذلك بعث برسالة إلى محمد محمود باشا قال فيها: -لم أجر معك أية محادثات لإستبدال الحكومة بحكومة ائتلافية . . ويقول لورين إن عدلي باشا، أساء فهم ملاحظات المندوب السامي واعتقد ان ما قاله إنه في حالة اتحاد كافة الأحزاب، بالمصريين أنفسهم، دون مساعدة المندوب السامي، فإن الحكومة البريطانية ستجد تعبيراً عنها بالضغط على الملك إذا رفض جلالته الموافقة على مثل هذا الإتحاد! غضب محمد محمود باشا بصورة بالغة وأنكر أنه مسئول عن الإشاعات، أو عن أي انطباع خاطئ وزعم محمد محمود للمندوب السامي أنه كان يحاول أن يعزل الوفدين المعتدلين عن القطاع المتطرف، وأن يحول دون اتخاذ الوفد لوقف معاد للبريطانيين. ولكن نتيجة هذه الشائعة شعور الأحرار الدستوريين بالإحباط وتمزق الوفد وانقسامه.

سافر لورين إلى لندن في أغسطس 1931 لقضاء الإجازة الصيفية فوجد ان حكومته مهتمة بمشاكلها الداخلية. ووجد أن لجنة شكلت لوضع ما تراه من شرط تتضمنها مسودة المعاهدة مع مصر. حضر لورين بعض اجتماعات هذه اللجنة فوجد أن قادة القوات المسلحة يصرون على بقاء القوات البريطانية في القاهرة والإسكندرية فأبلغ أنتوني إيدن. وكان وكيلاً برلمانياً لوزارة الخارجية - أن المصريين لن يقبلوا المسودة البريطانية كأساس للمفاوضات. قال إيدن: -بريطانيا تزمع الإحتفاظ بالوضع الحالي في السوجان. وفي بريطانيا، تلك الأيام، مليونان ونصف المليون من العاطلين. وقيمة الإسترليني هبطت. والعجز ضخم في الميزانية. وكل مسئول يتحدث عن هموم بريطانيا الإقتصادية مما أدى إلى تشكيل حكومة ائتلافية من الأحزاب الثلاثة برئاسة راندي ماكدونالد زعيم حزب العمال. بعد عودته قال له صدقي في نوفمبر: -لم لا نقوم أنا وأنت باستعراض عام للعلاقات البريطانية-المصرية. أدرك لورين أن صدقي يريد مفاوضات تمهيدية في القاهرة، فتخلص من الجواب لن حكومته مشغولة بالمشكلات العاجلة الضخمة الأخرى. عاد صدقي إلى الحديث مرة أخرى عن المعاهدة بين البلدين فقال – في أول مارس 32 – للمندوب السامي: -فهمت من حافظ عفيفي الوزير المصري في لندن أن الحكومة البريطانية بيست قلقة بشأن المستقبل فيما يتعلق بمصر. ولكني أريد معاهدة لا لتسوية الأمور البارزة وإنما كتحالف يبين للقوى الأخرى، أن مصر، اختارت بصورة محددة، توجهها السياسي، وهو الإرتباط بالكومنولث البريطاني. قال لورين: -تعرف أنه جرت الإنتخابات في بريطانيا. والحكومة الآن ائتلافية من 3 أحزاب وقد تولى السير جون سايمون وزارة الخارجية، ومن المشكوك فيه أن تستطيع الحكومة الحصول على موافقة مجلس العموم فيما يتعلق بالمسألة المصرية. عاد الملك فؤاد نفسه يطرق موضوع المفاوضات يوم 12 مارس المندوب السامي لإتمام المعاهدة بين البلدين بأسرع ما يمكن. قال: -الظروف الحالية هي أفضل ظروف ممكنة. ويمكن الركون إلى أن صدقي باشا سيشرف تماماً توقيع مصر. ويعود صدقي لموضوع المفاوضات في أواخر مايو مع سيسل كامبل رئيس الجالية البريطانية في مصر. قال صدقي: -إني مستقر تماماً داخلياً. فزت بتأييد جميع عائلات البلاد عدا عشرين فقط وكل ما في مصر يتم على أساس شخصي محض، فحيثما يذهب ا الزعماء يتبعهم القطيع. أشعر أني اجتزت الإختبارات التأهيلية. وآمل في مفاوضات مبكرة. وأشعر ياستحقاقي لمثل هذه المفاوضات مالم أحصل، على الأقل، على الشروط التي اعترضت على مصطفى النحاس عندما كرئيس للوزراة عام 1930. كتب لورين إلى لندن يوم 17 يونيو يقول: "الظروف المحلية، مواتية لإجراء مفاوضات ناجحة أكثر من أية مناسبة سابقة، بشرط: أ-أن ترغب لندن في إتمام المعاهدة. ب_ألا ترى مانعاً من التعامل مع حكومة صدقي باشا القائمة والتي لا يمثل فيها الوفد كما أن الوفد غير ممثل في البرلمان المؤيد لها. ج-ألا تكون الشروط التي ترغب فيها الحكومة البريطانية غير مقبولة من جانب صدقي باشا كأساس للتفاوض. وأعربت عن رأيي في انه ستكون هناك مخاطر من تأخير اتخاذ قرار فيما يتعلق بإمكانية التفاوض مع صدقي باشا – وفي حالة التوصل إلى قرار لصالح صدقي باشا، ستكون هناك مخاطر من إعلان ذك قبل أن تكون الحكومة البريطانية لبدء المفاوضات. لأن أي تأخير قد يستخدم من جانب العناصر المعارضة للمعاهدة لتعكير صفو العلاقات الإنجليزية – المصرية. وسيكون لإتخاذ قرار في وقت مبكر ميزة أن تكون هناك فرصة طيبة في الوقت الباقي للبرلمان الحالي الذي يستطيع صدقي باشا أن يعمل فيها لتنفيذ المعاهدة. ويفصح صدقي للورين يوم 29 يونيو عن سر رغبته في التفاوض. وقال: -من الضروري أن تفصح الحكومة البريطانية عما إذا كانت تعتبرني شخصاً مؤهلاً ومناسباً للتفاوض معي! أبرق لورين يتساءل عن الموقف فتلقى تعليمات من وزارة الخارجية يقول: "الحكومة البريطانية مشغولة بالمؤتمرات الدولية. وإن كان وزير الخارجية مهتم شخصياً بالعلاقات الإنجليزية – المصرية، ويدرك تماماً أهمية الموضوع". أبلغ لورين الرسالة إلى صدقي ولكنه قال: -هذه الرسالة لها طباعها الشخصي. ومن ال ضروري عدم الإعلان عنها. . أبداً! ارتاح رئيس الوزراة وبصورة كبيرة لأنه أنجز خطوة إلى الأمام وقال: -أحب أن أعرف ما إذا كانت وزارتي، في نظر الحكومة البريطانية تعتبر حكومة مناسبة للتفاوض معها؟! أجابه المندوب السامي: -هذه المسألة من ال عناصر التي تحتاج إلى دراسة. وأبلغت وزارة الخارجية البريطانية نفس الرسالة للدكتور حافظ عفيفي في لندن، فأعرب عن خيبة أمله! والسبب في ذلك أن بريطانيا في كل مفاوضاتها مع مصر كانت تريد أن تتفاوض مع الوفد أو مع وزارة ائتلافية تمثل كل الأحزاب باعتبار أن هذين العنصرين يمثلان الشعب المصري كله. وكان صدقي يريد من المفاوضات اعتراف بريطانيا بأن الشعب المصري يؤيده – أي صدقي –وحده!

ولكن الصحف البريطانية فضحت ما كان سراً، وتمادت في ذلك مما كانت نتيجته تدمير آفاق المفاوضات! نشرت صحيفة "ديلي تلجراف" من رماس لها في القاهرة عن تبادل المذكرات بين المندوب السامي ورئيس الوزراء، والجدول الزمني لمفاوضات المعاهدة وأنها ستبدأ في الخريف وأن بريطانيا تعتزم تعديل الشروط التي عرضت على النحاس. ومعنى ذلك أن الشروط المعروضة على صدقي أقل من تلك التي عرضت على النحاس! وأكدت ذلك صحيفة "المقطم" المسائية المصرية التي أعطت صورة قاتمى لإمكانية إتمام معاهدة مبكرة. وتبع ذلك مراسلو صحف "الديل ميل" و "الديلي اكسبريس" و "التايمز" في القاهرة ومراسلو الأهرام الغامضون في لندن! وكانت هذه التقارير منحازة وكلها تتحدث عن الصعاب التي تقف في طريق المفاوضات!

استخدمت المعارضة المصرية هذه التقارير لتثبت أن الحكومة البريطانية لا تفكر في الفتاوض مع صدقي الذي لن يستطيع الحصول على شروط جيدة كالتي عرضت على النحاس. اما صحافة صدقي والمتحدثون باسم الحكومة فقد استخدموا هذه ال تقارير لإثبات عكس ذلك. ولكن هذه التقارير سبب لصدقي بعض الإستياء والمضايقة. وكان من الطبيعي أن تجعله يتحرق شوقاً للحصول على تأكيدات. ولكن التقارير التي تلقاها صدفي عن الإستفسارات التي بعث بها كانت مخيبة للأمال!

أبلغ "جون سايمون" وزير الخارجية حافظ عفيفي أنه أي سايمون، سيلتقي بصدقي في جنيف وأن المحادثات تقتصر على امبادئ وحدها. وتم اللقاء على مأدبة عشاء أقامها سايمون يوم 21 32 في جنيف لم يحضرها سوى صدقي وحافظ وإيدن. قال سايمون: -نحن نعتبرك صالحاً للتفاوض! ونقل لرئيس الوزراء المصري تحذيراً بشأن الشروط التي يمكن توقعها فيما يتعلق بمرابطة القوات البريطانية في مصر ومصالح بريطانيا في السودان. وأصر سايمون على أن يبقى حديثهما سراً، ولا يعلن عنه! وقال: -ليكن معلوماً أنه لم تبدأ بيننا مفاضاوت بل كان لنا لقاء شخصي وحديث سار. وقال سايمون لرجال وزارته بعد عودته إلى لندن: -أخذ رئيس الوزراء ما قلته بروح طيبة، ولكن لقاءنا كان ودياً من الجانبين مما سبب ذلك لصدقي قدراً من السرور. إلا أن الفائدة كانت محددة بسبب ضرورة الإحتفاظ بالصمت فيما يتعلق باجتماع. وفي نفس الوقت، تعرض صدقي لهجمات ناجحة من جانب المعارضة، التي قالت إنه صار واضخاً من صمت صدقي باشا أن لندن رفضت التعامل معه. ولذلك تقدم الوزير المصري في لندن بطلب إلى وزارة الخارجية أن يصدر تصريح من لندن يعرب عن زيف إدعاءات المعارضة. في 27 أكتوبر أكد وكيل وزارة الخارجية أمام مجلس العموم أن حكومة صاحب الجلالة "ليس لديها أية تحفظات فيما يتعلق بالإدارة المصرية الحالية كإدارة تطورت – ويمكن أن تستمر في ال تطور- معها العلاقات الإنجليزية – المصرية بالطريقة التي تبدو مناسبة تماماً لهذا الغرض". وأمسك صدقي باشا على الفور بالفرصة. وفي سلسلة من الأحاديث الصحفية نجح في أن يحلق إنطباعاً، ليس فقط بأن الحكومة البريطانية مستعدة للتفاوض مع حكومته. بل توقع إجراء المفاوضات قريباً جداً، وأن لقاء جنيف كان بناء على إقتراح من وزير الخارجية، أي أن الحكومة البريطانية تتحرق شوقاً للمعاهدة! وقد سببت الإشارات التي أدلى بها في أول أحاديثه عن إجتماع جنيف، تأنيباً حاداً حاداً من جانب وزير الخارجية البريطانية بسبب نغمة الثقة التي تضمنتها هذه الإشارات وبينما أعرب صدقي باشا عن أسفه العميق، فإنه دافع عن مسلكه بصورة تستحق الإعجاب، ولكنها ليست مقنعة تمامً للبريطانيون! وكان صدقي قد اقترح على سايمون انه بعد عودته إلى القاهرة يجري محاثات سرية مع لورين حول مسودة المعاهدة. وافق سايمون وقال ظغنه سيعرض المسألة على مجلس الوزراء البريطاني. ولكن الرد لم يصل قط! وكلما سأل صدقي المندوب السامي عن موعد بدء المحاداثات التمهيدية كان لورين مضطرب لأن يقول: -انتظر التعليمات. ولم تصله التعليمات . . قط!

وفي 4، و5 نوفمبر. قابل الحاكم العام للسودان رئيس الوزراء والملك، منفردين وجرى تناول موضوع المعاهدة. أظهر الملك تفاؤله حول الموقف العام وهو ما كان قد فعله في أغسطس في أثناء المقابلة التي أجراها بأعمال المندوب السامي. وفي كلا اللقائين أشار السير جون مافي إلأى الصعوبات التي تثيرها السودان واتضح أن ما هو مطلوب من جانب المصريين بعض الإرضاء فيما يتعلق بالجانب "المعنوي" من المسألة. واقترح أن تفوض مصر بريطانيا العظمى كدولة منتدبة، كما اقترح وجود ضابط اتصال مصري في الخرطوم. عاد لورين من إجازة في إنجلترا في بداية نوفمبر، فسأله رئيس الوزراء والملك فؤاد عما إذا كان من الممكن بأسرع ما يمكن ولكن المندوب السامي يتلقى تعليمات تقضي أن ينتظر بحث الوزارات المعنية في الحكومة البريطانية لمسودة مقترحات المعاهدة التي تفكر الحكومة في عرضها على رئيس الوزراء المصري وإنه يجب على لورين ان يمتنع عن إجراء محادثات لإستكشاف إمكانيات المعاهدة، وأن يعتبر نفسه كما لو كان بلا تعليمات، فأبلغ صدقي باشا والملك بأنه ليست لديه تعليمات!!

وهكذا كان صدقي يتوق ويتوق بشدة، لضمان إقرار المعاهدة في وقت مبكر وعاد يتحدث إلى لورين عن هذه الرغبة مراراً وتكراراً! وكان الموقف السياسي الداخل ي يدفعه بصورة محتومة في هذا الإتجاه. وكان من الطبيعي أن تشعر الحكومة المصرية بأن لها مبرارتها في ان تضغط لتحقيق النجاح الخارجي، وهو حجر الزاوية في صرح استقرارها. وفي نفس الوقت، وفي اللحظات التي كانت فيها هجمات المعارضة عنيفة بصورة خاصة، والتي تحرز بعض التأثير، فإن حكومة صدقي كانت تشعر بحاجتها إلى القوة، التي ترى أن بمقدروها الحصول عليها عن طريق مفاوضات ناجحة للمعاهدة! ولكن في غياب أية إشارة واضحة عن موقف الحكومة البريطانية في استئناف المفاوضات، فإن رئيس الورزاء كان مضطراً لأ، يكون غاضباً بصورة تبعث على الأسى من التصريحات التي يرى من الضروري لأهدافه أن يدلي يها. وفي الجلسة الختامية للبرلمان المصري في 7 يوليو 1932، لم يكن بمقدور صدقي إلا أنه على الرغمن من أن حكومته لم تطلب بالتحديد بدء المفاوضات فإنه واثق بان الحكومة البريطانية تبادله المشاعر الودية. وفي خطاب الملك عند افتتاح البرلمان في 15 ديسمبر قال إن الحكومة المصرية بالإتفاق في الرأي مع الحكومة البريطانية، ستكون قادرة على أن تبحث – في اللحظة المناسبة تماماً – استئناف المفاوضات. وحتى نهاية العام، لم تتمكن الحكومة البريطانية، أو لم ترغب، في اتخاذ قرار فيما يتعلق بالشروط التي يمكن تقديمها إلى مصر، و فيما يتعلق بوقت بدء المفاوضات. رأى لورين تأثير عدم اتخاذ قرار من جانب لندن فأرسل برقية شاملة إلى وزير الخارجية. وفي هذه البرقية ألح على أنه من الضروري اتخاذ قرار مبكر فيما إذا كان من الواجب البدء في المفاوضات المعاهدة مع مصر خل المدة محددة أم لا، فإن كل تاريخ ال علاقات الإنجليزية – المصرية منذ 1919 يلزم الحكومة البريطانية بشكل متزايد بسياسة المعاهدة. فإذا لم تكن المعاهدة مرغوباً فيها، فيجب عندئذ إبلاغ الحكومة المصرية ذلك بأسرع ما يمكن. وقال هناك خطر من الإبقاء على اموقف غير المحدد القائم حالياً. فالعناصر المعادية – كالوفد – قد تستخلص أن الطريق الوحيد لجعل بريطانيا العظمى تدرك الموقف، هو سياسة العنف. ومن ال ناحية الأخرى، فإذا كانت المعاهدة مرغوبة، وهناك العديد من العناصر الموايتة في الموقف المصري. إلا أنه يمكن أن تكون هناك معاهدة، إذا جرى تبني أي اقتراح بألا تنسحب القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية. كما أن الضغط على مصر لإتمام المعاهدة شئ غير مرغوب فيه، لأنه جعل الحكومة المصرية أٌل قابلية للإنقياد. ولكن موقفاً معاكساً قد حدث؟ فمصر هي التي تمارس الضغط. فإذا كانت لندن لا تزال تريد المعاهدة فمتى تجاهل الضغط من الجانب المصري؟ مارس صدقي باشا فعلاً ولمدة من الزمن ضغوطاً لاستئناف المفاوضات فاستخدم هجمات معارضة ضد وقفه كحجج لتأييد مطلبه. وفي 31 ديسمبر، في حديث مع وارد مراسل "الديلي ميل" في القاهرة أشار صدقي مرة أخرى إلى ضرورة إيجاد توسية مبكرة، وأعرب عن رأيه إّا ك ان هناك مزيداً من التأخير، فقد يستخلص الشعب أن اللجوء إلى العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق أمانيه من الشعب البريطاني. سافر لورين إلى لندن يوم 25 فبراير، بعد وفاة أمه، لحل المشاكل المالية التي ترتبت على وفاتها. أصيب بانهيار عصبي وصحي في إنجلترا، مما اضطره إلى دخول مصحة أمضى فيها سبعة أسابيع. وفي ابريل التقى بجون سايمون وزير خارجية بريطانيا الذي رفض أن يسمح له بالتفاوض مع صدقي حول عقد معاهدة بين مصر بريطانيا. وحول لورين، بكل الطرق، أن يحصل من وزير خارجيته على سياسة محددة لبريطانيا في مصر ولكن بلا جدوى. وذهب لورين إلى اسكتلندا للاستشفاء! وفي يوليو تلقى لورين من سايمون يبلغه فيها أنه اختاره سفيراً لبلاده في أنقرة، وأن عليه يتسلم مهام منصبه قبل نهاية العام. اهتز لورين للنبأ . . وكتب إلى السير روبرت فانسيتارت الوكيل الدائم لوزراة الخارجية يسأله هل يستطيع تغيير ال قرار . . أو هل يمكنه أن يتحداه؟ وقال في هذه الرسالة: "أنقرة ليست هدفاً لطوحي. أشعر يأني أستطيع أحقق في مصر . . . أفضل من تاهات الأناضول". لن يتخيل أحد أن أنقرة أهم سياسياً من القاهرة التي ستسعد، لأنها حصلت على رأس مندوب سام آخر! وسينال الوفد . . هذا الفضل . . وعرف لورين أنه سيكون واضحاً للجميع أن فشل في مهمته .. وأنه طرد من مصر . .ولذلك قال في رسالته لفانسيتارت: "خطيئتي إذا كانت هناك خطيئة، عدم ميل الحكومة البريطانية إلى الإستمرار في في تنفيذ سياستها التي أعلنتها في تصريح 28 فبراير 1922. وكنت أؤمن أن الظروف المحلية في مصر ملائمة لذلك. إني أتساءل ما البديل الي كان يمكنني عمله. أحس لورين أنه أهين. وأنه جرح وظلم إلى أقصى حد. وإن الإساءة لحقت به إلى آخر مدى. ولم يستطع فانسيتارت أن يطيب خاطره أو يجعله يقبل المنصب الجديد راضياً. أما حماته فقالت له: -أنت ولويز – زوجتك – تأخذان الأمر على أنه مأساة، ويجب وأن تبدوا سعيدين لأنكما عينتما في سفارة من الدرجة الأولى. وفي هذه الحالة فقط ستتلقيان النهائي من الجميع إذا احستنما تمثيل الدور. ولكن التمثيل في تلك اللحظة كان فوق كل قدرات لورين. وبعد ربع قرن من ذلك التاريخ كان يشكو لكل من يلقاه سايمون!

أصيب صدقي بأزمة قلبية وسافر في مايو إلى أوروبا للعلاج ويلتقي رئيس بالمندوب السامي في السفارة البريطانية في باريس يوم 23 أغسطس عام 1932. وكان الإثنان مريضين – يائسين ويشعران بخيبة الأمل. أخذ كل منهما يشكو للآخر همومه. قال برسي لورين: -طعنني جون سايمون – وزير خارجية بريطانيا - في ظهري. وقال إسماعيل صدقي: -والملك أحمد فؤاد يطعنني في ظهري! إني أفكر في الإستقالة فالملك فؤاد ضدي. وزكي الإبراشي ناظر الخاصة في يده كل الصلاحيات، ويملي إرادته على الوزراة، ويحضر إجتماعات مجلس الوزراء. ولا فائدة من استمراري في منصبي مادمت لن تعود للقاهرة. أبلغ المندوب السامي بالنيابة رونالد كامبل ملك مصر بنقل لورين فاهتز صاحب الجلالة فهو يدرك أن الحياد لن يستمر وأن لورين كان مقتنعاً به ويؤيده ويصر عليه. كما أن النقل يدل على تغيير مقبل في السياسة البريطانية! قال الملك فؤاد: -كنت بودي لو بقى السير برسي لورين هنا بأن شكل لمدة عام آخر. وأضاف: -أتوقع أن تسوء الأمور نتيجة لذلك في الشتاء القادم فالمعارضة ستزعم – ومعها بعض الحق – أنها كانت محقة في قولها إن الحكومة ال بريطانية لم توافق على وزارة صدقي ولا تشعر بأنها مستعدة للسير معها على طريق المعاهدة. ووصف صاحب الجلالة تغيير المندوبين الساميين بأنه يعني أن كل شئ قلب رأساً على عقب. قال: -إنه فتح الطريق هنا وفي أماكن أخرى لكثير من المكائد تسهم فيها حتى النساء! ومن الطبيعي أن يصبح على المندوب السامي الجديد أن يلتمس طريقه بالبدء بمحاولة اكتشاف من يصدقه ومن يستمع إليه. وهذا من شأنه أن يتيح ميداناً معقولاً للمكائد! وعلم الملك فؤاد بأن صدقي التقى بالسير برسي لورين في باريس فانزعج جلالته! وعرف الملك أحمد فؤاد أن اسماعيل صدقي انتقده في باريس. فإن ما قاله صدقي للسير برسي لورين!! ردده أمام كثيرين. قال صدقي إن الملك منذ 8 سنوات – عام 1925 – أخرجني من الوزراة وأنا في باريس والتاريخ يعيد نفسه. على الرغم من أن صدقي صديق للمندوب السامي . . إلا أن السير برسي لورين له رأي خاص في استقالة إسماعيل صدقي. إن يرى أن مرض صدقي قد ترك آثاراً للهياج العصبي لديه . . وأنه – أي صدقي – انهار وبذلك فقد صلابته وهدوءه اللذين كانا يميزانه على الدوام. وعرف المندوب السامي بالنيابة رونالد كامبل بذلك فقال: -لقد أعلن صدقي باشا آراءه بطريقة تفتقر إلى الحكمة والكياسة! إن صدقي بسبب مرضه لم يعد يتحكم في عواطفه، ولا أعصابه، كما كان حاله دوماً!

-وقبل وصول صدقي إلى القاهرة ارتكب خطأين . . أو خطيئتين! بعث بخطاب إلى الملك أحمد فؤاد يقول فيه إنه سيستقيل لأسباب صحية – عقب وصوله إلى مصر. وكتب صدقي – خطاباً إلى محمد شفيق باشا وزير الأشغال الذي يقوم بعمل رئيس الوزارة بالنيابة. قال صدقي في هذا الخطاب إنه سيستقيل وإنه يرشح شفيق باشا برئاسة الوزارة، ويعتبره أفضل خليفة له في هذا المنصب. فكر شفيق باشا. وهداه تفكيره إلى أن يطلع الملك فؤاد على رسالة صدقي حتى يقول إنه لم يرشح نفسه لرئاسة الوزارة . . بل إن صدقي هو الذي رشحه! وتمادى شفيق باشا قال لصاحب الجلالة: -إني غير مستعد لتولي منصب رئيس الوزراء. وبقاء صدقي باشا في المنصب يعتبر ضروري في ظروف التغيير القادم في السياسة البريطانية. جن الملك ورأى أن تصرف صدقي يفتقد إلى اللياقة، لأن الملك هو الذي يختار رئيس الوزراء، وليس رئيس الوزراء المستقيل!

وفي 14 أغسطس أعلن في القاهرة ولندن عن نقل السير برسي لورين إلى منصب سفير بريطانيا في تركيا. وكان مقرراً نقل السير مايلز لامسبون من الصين ليكون سفيراً في انقرة. ولكن في اللحظة الخيرة وبلا أي سبب معلن تقرر نقل لامبسون إلى القاهرة ونقل لورين إلى أنقرة. كتب جاردين القائم بأعمال المفوضية الأمريكية في القاهرة إلى واشنطن البرقية رقم 794 عن الأسباب الأخرى لنقل برسي لورين! قال جاردين:-لم يكن إعلان نقل السير برسي لورين مفاجأة لي. ويبدو أن اهتزاز وضع المندوب السامي يرجع أصلاً إلى ربيع 1932، نتيجة لعدد من الفضائح التي تكاد تكون مكشوفة والتي تتعلق بحياة عدد لا يقل عن خمسة أشخاص من أعضاء طاقم مقر المندوب السامي. إن مركز مقر المندوب السامي بدأ بسرعة في التدهور الذي لم يوقفه نوع الأشخاص الذين سمح لهم بالتمتع بثقة الليدي لورين! والموظفات هما ستفنس وكونيليوس. والتقرير يوحي بأن علاقة بينهما وبين الليدي لورين! والمعروف أن محققين مخصوصين أبلغلوا بتقارير في 1932 تؤكد ذلك. وكانت النتيجة أن أعضاء طاقم دار المندوب السامي، الذين لصقت بيهم أية أيماءة للفضيحة بدأوا، في النصف الثاني من 1932، ينقلون ف يهدوء أو يفصلون من الطاقم، وترددت الإشاعات قبل عودة المندوب السامي من الإجازة بأنه سوف ينقل. ولكن ظهور كاريكاتير من مجلة روزاليوسف الوفدية حول المندوب السامي في 24 أكتوبر 1932 جعل من المستحيل نقله في ذلك الوقت لأسباب تتعلق بالمكانة البريطانية على الرغم من ان هناك من الأسباب ما يدفع إلى الإعتقاد بأنه نقله كان موضع دراسة جادة في ذلك الوقت. في الرسم الكاريكاتيري الذي نشر في الصفحة الأخيرة من المجلة يظهر السير برسي لورين وهو يفتح لالباب لمجموعة من الفلاحين المصريين يحملون القفف وتظهر منها مواد غذائية. ويقول الرسم: يقال إن بعض القضايا العائلية يؤخر عودة فخامة المندوب السامي إلى مصر. المندوب السامي يقول للفلاحين وهو يا مشايخ . . إيه اللي جابكم من مصر هنا. أحد المشايخ يرد قائلاً: صدقي باشا لما غبت بعتنا علشان يعني نساعدك إن كان عندك قضية حضانة ولا نفقة ولا عايز شهود. وهذا الرسم يوحي بأن خلافاً نشأ بين لورين وزوجته، ومعروف أن فارق السن بينمهما 13 سنة. وكان عمر الزوجة لويس حينئذ 40 عاماً اما برسي فكان 53 سنة. أخذ إسماعيل صدقي في مصر بعد عودته من أوروبا يوم 5 سبتمبر 33 يفكر في الإستقالة. وكان صدقي يرى أن القصر يدير المؤتمرات لإستبداله بعبد الفتاح يحيى باشا الذي تولى أعمال رئيس الوزراة أثناء علاجه . . ومن هنا فكر إسماعيل صدقي أن يسبق بالإستقالة ليفسد خطة القصر. وفشلت كل الجهود في نزع هذه الفكرة من ذهن صدقي باشا. أما الملك فؤاد فكان له رأي آخر. وجد الملك أن صدقي وقع تحت تأثيرات مشبوهة . . ومحل شك. الملك يرى أن صدقي في طريقه إلى أن يصبح دكتاتوراً .. وقد تجمعت السلطة في ديه. ومن ناحية أخرى فإن صدقي أصبح خاضعاً لنفوذ هنري نوس بك وللمصالح البلجيكية التي يرتبط بها نوس بك! وقال القصر إن صدقي استخدم أموال الحكومة وقامر على صفقات القطن تدر هذه الصفقات ربحاً للدولة . . واشترى أيضاً سندات البنك العقاري وتحملت الحكومة خسارة ضخمة. وارتبط إسماعيل صدقي بصديقه المقاول دنتماور وأنشأ كورنيش الإسكندرية وهذه العملية لم تطرح في مناقصة علنية، وإنما أرسيت على دنتماور . . وكانت تكاليف المشروع تفوق تقديرات بلدية الإسكندرية. واستمر الجدل بين القصور وإسماعيل صدقي . . وكل يعرض وجهة نظره على المندوب السامي البريطاني. الملك من خلال زكي الإبراشي باشا. وصدقي على رجال المندوب السامي مثل القنصل البريطاني في الإسكندرية. ودفاع صدقي عن نفسه أنه وجد القصر يتدخل في الحكم وإدارة شئون البلاد ويفرض التعيينات في عديد من مناصب الدولة. وقال صدقي إنه لا توجد قيود دستورية على نشاط الملك.

واجتمع بالملك في نفس يوم عودته من الخارج. استقبل الملك رئيس وزرائه بفتور . . وقال أحمد فؤاد: -إني أمل في أن تبقى في منصبك إذا سمحت صحتك. قال صدقي: -ولكني مريض! أجاب الملك: -هذه نقطة أنت وحدك التي تفصل، وتبت فيها. وطلب الملك من صدقي أن يفكر عدة أيام قبل أن يتخذ قراره ا لنهائي.

تشاور صدقي مع أنصاره. ثم عاد ليلتقي بالملك مرة أخرى يوم 8 سبتمبر ليقول: -سأبقى في منصبي! وأضاف: -إني بحاجة إلى إعادة تشكيل الوزراة. قال الملك: -الأمر لا يتطلب العجلة! ولكن صدقي كان في عجلة .. وبدا واضحاً أن الملك وإسماعيل صدقي . . في مفترق الطرق!!

وتجئ نهاية وزارة صدقي بطريقة لا تخطر على البال. وجد صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول أن صدقي باشا كان يستند ويعتمد على المندوب السامي البريطاني. وما دام السير برسي لورين قد نقل فإن صدقي يجب ان يخرج من الحكم. وقبل أن يغادر لورين القاهرة!

التقى صدقي بزكي الإبراشي ناظر الخاصة الملكية مرتين، ثانيتهما في 17 سبتمبر. قال صدقي: -أود تدعيم وزارتي بإدخال ثلاثة وزراء جدد، هم: حافظ عفيفي وزير مصر المفوض في لندن، وحسن صبري بك، ونجيب الغرابلي باشا، وهو وفدي منشق على الوفديين. وقال صدقي: -كلفت حسن صبري بجس نبض الغرابلي وهو يريد الإنضمام إلى وزارتي. أما بالنسبة إلى حافظ عفيفي فقال صدقي: -أرغب في أن يتولى وزارة المالية وهو يلقي التقدير من وزارة الخارجية البريطانية وفي لندن بصفة عامة. وقد اكتسب خبرة مالية مفيدة. واقترح صدقي عزل على جمال الدين باشا وزير الحربية والبحرية. ورغب في نقل علام باشا من وزارة الزراعة إلى وزارى الحربية وأن يضع حسن صبري في وزارة الزراعة. حث الإبراشي صدقي – كصديق - بعدم الإصرار على اقتراحه بشأن حافز عفيفي فإن لدى الملك شعوراً خاصاً معيناً تجاه حافظ عفيفي بالإضافة إلى أن جلالته يمكن أن يستخدم بعض حجج صدقي لتأكيد ضرورة بقاء حافظ عفيف في لندن. وقال الإبراشي: -حافظ عفيفي طيب وسياسي بليغ، لكنه لا يتمتع بخبرة خاصة في المالية. واقترح الإبراشي أن يتولى حسن صبري بك وزارة المالية، حتى يخفف عن صدقي الذي يتولى هذه الوزارة أيضاً. وأشار الإبراشي إلى أن المالية كانت هواية خاصة لحسن صبري في البلرمانات المتتابعة وأنه خدم في اللجان المالية المتتابعة. . أجاب صدقي: -حسن صبري بك شخص شديد التعنت بالنسبة إلى وزارة المالية.

ويتصل حسن صبري بالمندوب السامي بالنيابة يبلغه بالعرض الملكي الذي قدم إلأيه ليتولى وزارة المالية!! ويتصل صدقي بوالتر سمارت السكرتير الشرقي بدار المندوب السامي البريطاني يبلغه بما يجري بينه وبين الإبراشي وباستقالته وأن حافظ عفيفي يريد العودة من لندن إلى مصر لأسباب عائلية، ولكن صاحب الجلالة في نفسه أحقاد من حافظ عفيفي لأنه كان ضده قبل 4 سنوات، كما أن الإبراشي ورجل الأعمال أحمد عبود ضد حافظ عفيفي أيضاً لأن صدقي لم يمنح مناقصة إقامة خزان جبل الأولياء لعبود باشا وشركائه. بعد 48 ساعة كلف الملك الإبراشي بأن يبلغ صدقي باشا بأن جلالته لن يقبل الدكتور حافظ عفيفي، وأن رأيه أن حسن صبري بك يجب أن يتولى وزارة المالية. أبلغ الإبراشي هذه الرسالة إلى صدقي في الصباح الباكر من يوم 21 سبتمبر. بعد ساعات قام أحمد كامل بك، إبن شقيقة رئيس الوزارة الذي يعاون صدقي في العمل اليومي، بزيارة الإبراشي في منزله، وأخبره صدقي قرار الإستقالة في تلك المساء، إذا صمم جلالته، على رفض قبول حافظ عفيفي باشاـ كوزير للمالية. ورجاء الإبراشي إلى قصر المنتزة واقترح على الملك، اختيار أي وزير آخر غير حافظ عفيفي لشغل منصب وزير المالية وأن يعين حسن صبري بك وزيراً لأي وزارة أخرى. وافق الملك على ال حل الوسط الذي اقترحه الإبراشي ونقله بالتلفزيون إلى كامل بك. ولكن كامل بك أبلغه – تليفونياً – في الرابعة مساء بأن صدقي باشا مصر على الإستقالة. قال كامل بك: -قرار صدقي حاسم. وبالفعل سلمت الإستقالة المكتوبة إلى القائم بأعمال رئيس الديوان الملكي في الساعة السادسة مساء. وضع خطاب الإستقالة على أساس الحالة الصحية. ولم يتضمن خطاب الإستقالة أية إشارة إلى الخلافات التي كانت السبب الحقيقي للإستقالة. وصيغ الخطاب بعبارات مقبولة لجلالته، وأسهب في الإشادة بالجهود التي بذلتها حكومته لمعالجة مختلف الصعوبات الإدارية والإقتصادية.

اتصل زكي الإبراشي ناظر الخاصة الملكية بالسير والتر سمارت السكرتير الشرقي لدار المندوب السامي البريطاني وطلب لقاءه فوراً. تم اللقاء في السابعة مساء. الحديث بين الرجلين كان طويلاً. والمهمة التي كلف بها الإبراشي هي نقل رسالة من صاحب الجلالة يبلغ فيها المندوب السامي "بإقالة" صدفي وإن كانت المسألة ستتم بطريقة دبلوماسية وهي أن "يستقيل" صدقي باشا. والمندوب السامي البريطاني يجب أن يعلم بتغيير الوزارات في مصر، قبل شعب مصر!! واستمر الإبراشي في حديثه إلى السكرتير الشرقي قائلاً: -الملك يقترح تعيين عبد الفتاح يحيى باشا رئيساً للوزارة. والباشا موجود الآن في أوروبا وليس مكانه محدداً تماماً. اعتبر سنارت نتيجة خبرته بالأساليب الشرقية، أن الملك يتيح للمندوب السامي فرصة قول أي شئ يريد قوله. شكر سمارت الإبراشي لقيام صاحب الجلالة بإطلاع مقر المندوب السامي على أفكاره بشأن رئيس الوزراء المقبل. ولكنه امتنع عن إبداء رأيه قائلاً: -ليس لدى حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا نية في محاولة التأثير في قرار الملك فؤاد. ولكن رأيها أن أفضل مؤهل لأية حكومة مصرية أن تضمن لنفسها قدراً من التأييد الشعبي يتمشى مع الضمانات الأساسية لحسن الإدارة وحفظ النظام! ومعنى ذلك أن المندوب السامي لايهمه أن يبقى صدقي أو يخرج أو يجئ عبد الفتاح يحيى أو غيره بل يعينه الأمن فقط!! ويبلغ لورين الجميع عبد الفتاح يحيى وإسماعيل صدقي وزكي الإبراشي ممثل الملك بأن موقف المندوب السامي سيظل على ماكان عليه . . أي عدم التدخل في الشئون الداخلية والحياد وعدم الإرتباك بأية حركة ضد الحكومة الجديدة التي تتولى منصبها للدستور وموافقة الملك. . وبهذه الطريقة حدد المندوب السامي هدفه وهو أن يضحي بصدقي باشا ويتعامل مع عبد الفتاح يحيى باشا. ولكنه في نفس الوقت يقول السير برسي لورين لزكي الإبراشي باشا: -إن لدى الملك أحمد فؤاد رغبة واضحة في سحق سياسياً ولا يمكن أن أكون في مثل هذه المناورة . . بل اعتبرها حمقاء. قال الإبراشي: -أبداً . . إن كل ما يتمناه الملك ألا تشجع – أنت – صدقي على مهاجمة الحكومة الحالية . . مستنداً إلى تأييدكم. قال المندوب السامي: ويكتب السير برسي للندن قائلاً: "كانت السراي حذرة خشية أن تشجع صدقي على جعل موق يحيى باشا غير محتمل . . نظراً للتعاون الطويل بيننا وبينه". ولكن المندوب السامي يهاجم صدقي بعد استقالته كتب إلأى لندن: "وضع صدقي رأسه في المصيدة. لقد أقام صدقي عن طريق الإنقلاب، نظراً ليس له سند ولا تأييد ملحوظ بين المثقفين. وصدقي يعتمد على الملك تماماً ولديه قدرة على التحايل على جلالته، في الحفاظ على حرية الحركة بقدر محدود. والواضح الآن أن صدقي يعارض الملك. أما قدرة صدقي على إقناع حزبه بالسير ورائه فأكثر من مشكوك فيه. وكان لصدقي مصدر قوة آخر غير مباشر نظراً لأنه مفهوماً بشكل عام وصحيح أنه يعمل بالإتصال الوثيق والحميم مع دار المندوب السامي. وهو ما أثر بلا شك في المجى الطويل على حكم الكثيرين الذين يحكون من قدره. إن حزب الشعب صنيعته هو – أي صدقي – وليست له جذور في البلاد. وطالما بقى صدقي فيمكنه ضمان ولائه بالخدكات التي يمكنه توزيعها وبصفة عامة برغبة أعضائه في ان يكونوا على الجانب الرابح. أما الآن وقد أصبح خارج منصبه. فلن يكون من الصعب على الملك إغراء الكثير من أعضاء حزب ال شعب عن التخلي عن ولائهم للزعيم المنهار. ولا يفتح احتمال جعل عبد الفتاح باشا يحيى رئيساً لمجلس الوزراء آفاقاً مشجعة جداً. إنه رجل مهذب محبوب نزيه من عائة طيبة ولكنه غير كفء إدارياً. ولابد أن تأتي القوة الدافعة لمجلس الوزراء من مكان آخر غير مكتب رئيس الوزارء والمفترض أن يقوم الملك، بتقديم هذه القوة الدافعة! ويكتب السير رونالد كامبل المندوب السامي بالنيابة إلى لندن: "أحدثت استقالة صدقي باشا فراغاً كبيراً على المسرح الإداري المصري ومن خلال الثغرة التي تركها رحيله يبدو القصر الآن ضخماً في اعين المصريين على المستوى الرسمي والشعبي بصورة تنذر بالسوء. وربما تكون اللحظة مواتية لبحث المشكلة المهمة التي أثارها إهتمام الشعب وتركيز انتباهه على دور القصر في الإدارة المصرية". ويقول لورين: "آمل أن تكون لغتي فعالة في تبديد المخاوف كلها . . سيستمر مقر المندوب السامي عنصراً له أهمية رئيسية في السياسة الداخلية المصرية".

وبهذه الطريقة بقيت دار المندوب السامي قبلة للجميع الملك . . ورئيس الوزراء الحالي . . ورئيس الوزراء السايق. كلهم يلتمسون الرضا . . وكلهم يرجون ألا يستعين خصومهم بالمندوب السامي فيسقط الحكومة أو يشتت انصار الحكومة السابقة . . وظل المندوب السامي مركز دائرة السياسة المصرية كلها للذين يحكمون . . والذين يعارضون . . وقبل هؤلاء جميعاً الملك!! ولكن الأحزاب المصرية تعلمت من درس الحياد. أخذت كل الأحزاب المصرية بغير استثناء تلح على بريطانيا أن تتدخل في شئون مصر الداخلية وأن تمنح الأحزاب فرصة للحكم، فوافقت لندن، وتدخلت عام 1934 وفرضت على الملك وزارة انتقالية، ثم فرضت على الأحزاب أن تأتلف في جبهة وطنية وقعت معاهدة عام 1936 مع بريطانيا وبذلك كان التدخل لمصلحة بريطانيا أولاً. ويخرج صدقي ويجيئ عبد الفتاح يحيى ليستولي هلى حزب الشعب ويرأسه بدلاً منه دون اعتبار لمشاعر صدقي أو ما قدمه إلى صاحب الجلالة!!

سافر لورين من مصر في ديسمبر. ومن أنقرة إلى والتر سمارت يصف اللحظات الأخيرة له على رصيف القطار فقال: -كانت لحظات مرعبة . .أن أبتسم لكل المودعين وأنا أصافحعم وعندما بدأ القطار يتحرك والفرقة الموسيقية تعزف أحسست أني على وشك الإنهيار!! رد والتر سمارت في خطاب آخر قائلاً: -كالمعتاد . . تتوقع مصر شيئاً سريعاً من المندوب البريطاني الجديد. إن المصريين لا يعرفون أن الحكومة البريطانية لا تفكر . . ولا تتحرك . . وإلا إذا أرغمت على ذلك بفعل الضروريات!! بعد أن عمل السير برسي لورين سفيراً في تركيا، نقل إلى ايطاليا. وهناك ظن أنه سيقدر على إقناع زعيمها موسوليني بالوقوف على الحياد بين بريطانيا وألمانيا في الحرب العالمية الثانية. ولكن موسوليني خدعه وانضم إلى الزعيم الألماني هتلر في الحرب. هزت المفاجأة غير المتوقعة، لورين، الذي عاد إلى لندن في أواخر يوينو عام 1940 فلم يسند إليه منصب دبلوماسي آخر. ولم يسمح له بالمساهمة في أي جهد يتصل بالحرب مما جعله يكتب في مذكراته "أنا في خطر . سأتعفن"! ثم أحيل إلى المعاش وعمره 61 سنة فعاش حتى الثمانين يندب حظه بعد أن أصيبت زوجته "لويز" وهو يكبرها ب13 سنة بالشلل في أثناء إقامتها مع زوجها في روما! لقد انتقم "القدر" من المندوب اسلامي الذي ج عل مصر تتمزق تمامً خلال 4 سنوات من عمله في القاهرة!

ومن 13 سنة كان إسماعيل صدقي خلالها بعيداً عن السلطة. ولكن بعد استقالة محمود فهمي النقراشي يستدعيه الملك فاروق الأول ليتولى رئاسة الوزراة يوم 17 فبراير عام 1946. ألف صدقي وزارته من 11 وزيراً من حزب الأحرار الدستوريين، وضم إليها بعد ذلك وزراء من حزب السعديين استمرت الوزراة حتى 9 ديسمبر من العام نفسه أي أنها عاشت عشرة شهور كانت حافلة بالمفاوضات مع الإنجليز لتحقيق الجلاء عن مصر. طلب صدقي بعد 17 يوماً من تشكيل الوزراة التفاوض. وجرت المفاوضات ف يمصر حيناً وفي لندن حيناً آخر. واستطاع صدقي أن ينتزع من وزير خارجية بريطانية أرنست بيفين وعداً بأن يكون لقب فاروق ملك مصر والسودان. ونجح أيضاً في أن يجعل اللورد ستانسجيت الذي تفاوض معه في مصر يطالب حكومته بأن تتعاون مع مصر على أساس المساوامة التامة وأن يطالب إليها الإنسحاب من مصر كما انسحبت من بريطانيا. وعاد صدقي من لندن ليعطي للمصريين: -وعدتكم أني سأتي بالسودان وقد بررت بوعدي. ولكن ينقسم وقد المفاوضات المصري على نفسه إزاء مشروع المعاهدة مع بريطانيا. وتزداد حملة المعارضة في مجلس العموم البريطاني ضد التنازلات التي قدمها بيفين إلى صدقي. ويتحرك حاكم السودان البريطاني ضد الإتفاق ويحرض زعماء السودان ضده. وتندد المظاهرات في مصر ضد صدقي ومشروع المعاهدة والإتفاق مع بريطانيا. ويجد صدقي نفسه في حيرة إزاء تراجع الإنجليز عن وعودهم وبالذات بشأن بروتوكول السودان فيقدم الإستقالة. ويكون ذلك آخر عهده بالوزراة!

عبد الفتاح يحيى

أضعف رئيس وزارء! شكلت الوزارة بأغرب طريقة . . وأعجبها . . كان عبد الفتاح يحيى باشا يصطاف في باريس عندما عرض عليه الملك – تلغرافياً – الوزارة. وافق عبد الفتاح يحيى – تلغرافياً – أبضاً وأسرع بالعودة إلى مصر. وفي أثناء رحلة العودة قام الملك أحمد فؤاد بتشكيل الوزارة . . واختار أعضاءها التسعة بينما رئيس الوزراء في الطريق من باريس إلى القاهرة! والمجاملة الوحيدة التي قدمها الملك إلى رئيس وزرائه الجديد أنه لم يعلن قبول استقالة إسماعيل صدقي وتأليف الوزارة الجديدة إلا مساء يوم 27 سبتمبر 1934 . . أي يوم وصول رئيس الوزراء إلى مصر . . حتى يظن الناس أن رئيس الوزراء له دور . . أي دور! ووافق على قبول الوزراء وهو يعلم أنهم لا يتطلعون إليه كرئيس لهم بل يتطلعون إلى الملك لأنه اختارهم . . وهو – وحده – يرعاهم! وكان عبد الفتاح يحيى قد تولى الوزارة لأول مرة وزيراً للحقانية – العدل – عام 21 وتولاها مرة ثانية عام 30 ثم أسندت إلبه وزارة الخارجية 3 سنوات عام 1930 في عهد إسماعيل صدقي. كان الملك أحمد فؤاد يجلس على عرش مصر. عينه الإنجليز سلطاناً في 9 أكتوبر 1917 ونصبوه ملكاً في 15 مارس 1922 بعد أيام من تصريح 28 فبراير 1922 . . الشهير . . قال دافيد كيللي المستشار بمقر المندوب السامي أن الملك فؤاد بدأ حياته ضابطاً في الجيش التركي، تلقى تدريبه في إيطاليا وعمل ملحقاً عسكرياً تركيا فترة من حياته. وقال صاحب الجلالة يوماً لدافيد كيللي المستشار بدار المندوب السامي: -لقد درست بعنايه الشخصية الإيطالية والفرنسية والألمانية ولكن لم أفهم قط، ولم أجد معنى قط لما يفعله البريطانيون. وتحدث الملك بمرارة عن الإنجليز، لأنهم فرضوا عليه دستوراً وضع على النظام البلجيكي. وقال أحمد فؤاد: -إن المصريين لا يناسبهم الحكم البرلماني . . ومصالح الإنجليز في مصر استراتيجية فحسب فلم لا تتركوني _ أحكم مصر كما أريد لأني أعرف و أتقن هذه المهمة . . ولا تتدخلوا في شئون مصر الداخلية . . وأنا مستعد أن أترك لكم جميع المصالح الإستراتيجية والمواصلات الإمبراطورية! وصف دافيد كيللي الملك فقال إنه أصيب برصاصة في حلقه قبل أن يصبح ملكاً . .ومنذ ذلك الحين، كما غضب أو ثار يسعل سعالاً غريباً مثل نباح الكلب يفزع من يسمعه لأول مرة! وقد جمع الملك عدة ملايين من الجنيهات الإسترلينية واستغل جانباً من دخله لإقامة نظام – للمخابرات – خاص به. وهو – الملك – رجل أعمال ناجح، كانت زهور الحدائق الملكية تباع – بأمره – في المحلات العامة. وقد أرغم الإنجليز الملك على إصدار الدستور عام 1923. ولكن إسماعيل صدقي ألغى هذا الدستور بعد أن تولى رئاسة الوزارة وأصدر دستوراً جديداً عرف باسم دستور 1930. والدستور الجديد يعطي للملك صلاحيات واسعة وسلطات تكاد تكون مطلقة. وكان الشعب المصري كله يعارض دستور 30 ويطالب بإلغائه والعودة إلى دستور 23. ولكن عبد الفتاح يحيى قال للملك في خطاب تشكيل الوزراة: "كان لي شرف الإشتراك في وضه أسس النظام الحاضر والسهر على تنفيذه حتى استقر نهائياً. وستسير وزارتي في الطريق نفسه"!

كان البرلمان المصري المؤلف من مجلس الشيوخ والنواب قائماً في سبتمبر 33 عندما عهد الملك فؤاد إلى عبد الفتاح يحيى بتشكيل الوزارة. . وكان البرلمان في إجازة صيف. والوزارة الجديدة يجب أن يؤيدها البرلمان ولذلك كان أمام الملك خياران: الأول: أن يحل مجلس النواب . .والدستور يعطيه هذا الحق. الثاني: أن يؤيد المجلس الوزراة الجديدة. وهنا تذكر عبد الفتاح يحيى أنه كان نائباً لرئيس حزب الشعب وأنه استقال منه في يناير الماضي – أي يناير 1933 – وان استقالته لم تقبل. ومن هنا رأى الإحتفاظ بمجلس النواب وعدم طلب حله من صاحب الجلالة.

وقع حادث غريب، أو صدفة، تغير معها تاريخ مصر كله. . . ابنة شقيق السير مايلز لامبسون واسمها "بيتي" تجئ لزيارته في القاهرة ومعها صديقة لها أسمها جاكلين كاستيلاني من أصل إيطالي. يقع لامبسون – وهو أرمل – تجاوز الخمسين في غرام جاكلين فيخطبها ويقرر السفر معها إلى لندن ليتزوجها ويقضي شهر العسل هناك. ولأن لامبسون بقى مدة طويلة في الصين فإنه يحصل على إجازة 5 أشهر ليقضيها مع عروسه في بريطانيا.

حدد الملك يوم 16 أغسطس موعداً لإستقال السير مايلز لامبسون المندوب السامي . . قبل سفره . . كما جرى العرف. وفي آخر لحظة ألغى الموعد دون إعلان الأسباب فظن كثيرون أن هناك أزمة بين الملك والمندوب السامي. وكان السبب الحقيقي ان الملك فؤاد أصيب بأنفلونزا وأخطر لامبسون بذلك. ونشرت الصحيفة الأجيبشيان جازيت التي تصدر في القاهرة وتنطق بلسان الإنجليز – وحدها – نبأ مرض الملك بعد سفر لامبسون. اما الصحف المصرية فقد امتنعت عن النشر، لأن مرض الملك موضوع شديد الحساسية . .ولم يعلن رسمياً .

كان مريس بيترسون رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية في إجازة. وتلقى القائم بعمله تقريراً من القنصلية البريطانية في الإسكندرية عن تطور الأزمة بين بلدية الإسكندرية، لأن الحكومة المصرية تعد قانوناً جديداً للبلديات تلغى في وجود الأجانب في المجالس النيابية. ووجد رئيس القسم ال مصري بالخارجية البريطانية ان هذه المشكلة ستتطور إلى أزمة يرن صداها في الدول الأجنبية التي لها امتيازات في مصر. عرض الموضوع على روبرت فانسيتارت الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية وقال له: -إن أزمة الإسكندرية خطيرة، ولابد من أن يكون في القاهرة رجل متابع للشئون المصرية وتفصيلاتها الدقيقة. إن موريس بيترسون رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية في إجازة . . ومن حسن الحظ أنه يقضي إجازته في "فرينتون" في بريطانيا فلم لا نستدعيه ليقوم بعمل المندوب السامي المؤقت في مصر . . بضعة أسابيع فقط حتى تنتهي ازمة بلدية الإسكندرية . وبعدها يعود بيترسون إلى لندن. وقال: -إن بيترسون عمل في مصر عامين حتى سنة 1930. وقد شغل منصب رئيس القسم المصري منذ سنة 1931 حتى الآن . . وهو أفضل من يصلح لهذه المهمة. وافق روبرت فانسيتارت على ذلك وطلب من الخارجية البريطانية الإتصال بموريس بيترسون تليفونياً للحصول على موافقته. ولم يتردد بيترسون في الترحيب بهذه المهمة. كان قد بقى في لندن 3 سنوات كاملة لم يسافر خلالها إلا مرة واحدة لحضور مؤتمر في روما . . وكان يحس بالملل . . وكان يذوب حنيناً وشوقاً إلى مصر . كما كتب في مذكراته.

جرى هذا سراً دون أن يعرف بأمره أحد. ولكن مصر كلها فوجئت يوم 21 أغسطس 1934 – بعد 3 أيام من سفر لامبسون – ببيان أذاعته ووزارة الخارجية البريطانية يقول إن موريس بيترسون رئيس ال قسم المصري اختير مندوباً سامياً مؤقتاً في مصر في أثناء غياب السير مايلز لامبسون. وكان هذه أول مرة تعين فيها بريطانيا مندوباً سامياً مؤقتاً في مصر! عبرت إحدى الصحف المصرية عن المشاعر المصرية من مخاوف وترحيب . . وأمل. قال العنوان: "مصر . . في مفترق الطرق". وقد عبرت هذه الكلمات عن الحقيقة الكاملة . .والكامنة!

بدأ بيترسون حياته بالعمل في وزارة الخارجية البريطانية قبل قيام الحرب العالمية الأولى بسنة واحدة. وتنقل في سفارات بريطانيا بين واشنطن وبراج وطوكيو. وقبل هذه الأحداث بست سنوات عين بيترسون سكرتيراً أول في دار ال مندوب ا لسامي البريطاني في القاهرة اللورد جورج لويد لمدة عامين، وقلب نقله من مصر عام 1930 رقى إلى درجة مستشار. وحتى نعرف أفكار وسياسات بيترسون نرى مافعله بعد ذلك بسنوات!! عندما كان سفيراً في العراق عامي 38 و39 ذهب إلى الأمير عبد الإله ليقول له: -الملك غازي يجب السيطرة عليه أو يخلع. وألح على ملك العراق أن يأتي إلى دار السفارة ليلعب معه – أي بيترسون – التنس فجاء الملك مرة واحدة. . ونصحه مستشاروه بالإمتناع عن ذلك، لأنه "هوان"! وكان وزير ملك العراق ةيتحدث إليه في كل شئ. وفي إحدى المرات وجد وكيل وزارة الخارجية عباس مهدي حاضراً . . فشكا لوزير الخارجية توفيق السويدي الذي كان في إجازة وقال له: -إني أقابل الملك وحدي دون حضوركم . . فكيف يتصرف وكيل الوزراة بهذا الشكل . . أريد أن أقابل الملك وحدي . . وفعلاً أصبح يقابل الملك غازي على انفراد . . ولفت نظر وكيل الخارجية إلى أن البروتوكول شئ . . والإحتلال البريطانية شئ آخر. وأصر على عزل طه الهاشمي وزير الدفاع لأن الوزير معدب بألمانيا ويرد شراء أسلحة ألمانية . . كما أن الوزير كان رئيساً لجمعية الدفاع عن فلسطين . . وقد أصر على استقالة طه الهاشمي من هذه الجمعية . .فلما لم يستقل طلب بيترسون عزل الوزير من منصبه الوزراي . . فعزل. وزار نوري السعيد رئيس الوزراء وطلب منه تخفيف خكم الإعدام الذي صدر على حكمت سليمان رئيس الوزراء لإشتراكه في مؤامرة لقلب نظام الحكم . . فخفف حكم الإعدام. وهو يكتب الخطابات الموجهة من رئيس وزراء العراق إلى الموظفين البريطانيين الذين يعملون في خدمة الحكومة العراقية . . ويحمل هذه الخطابات إلى رئيس الوزراء العراقي فيوقعها كمنا هي. وكان السفير البريطاني الوحيد في بغداد الذي لم يكن على وفاق، أو علاقة طيبة، مع نوري السعيد! ومن العراق نقل سفيراً لبريطانيا في إسبانيا عامي 39 و40 ولكن الحكومة البريطانية وجدت أن سفارتها في مدريد تحتاج إلى تعزيز . . . . إسبانيا كانت نقطة اتصال للجواسيس . . وكان فرانكويميل إلى هتلر . .ولذلك عين السير صامويل هور وزير خارجية بريطانيا السابق سفيراً في إسبانيا. وإذا كان بيترسون يعمل مرؤوساً لصامويل هور ولكنه ضاق بتعيينه سفيراً مكانه فتذمر . . وشكا دون نتيجة . . واكتفى بأن يلوم حظه. وإذا كان في العراق يقابل الملك وقتما يشاء وعلى انفراد فإنه بعد شهر واحد وفي إسبانيا التقى بالجنرال جوردانا وزير الخارجية الإسباني. فاجأه جوردانا قائلاً: -عل من المعتاد للسفراء أن يتأخروا عند استدعائهم من قبل الحكومات التي يمثلون بلادهم فيها؟ رد بيترسون معتذراً: -لو ألغيت بدعوة مستعجلة لحضرت فوراً. وقابل الوزير مرة أخرى ليدعوه للإنضمام لمقاوممة الشيوعية فإذا بالوزير يجيبه بغلظة ويقف على قدميه مشيراً إلى إنهاء المقابلة! وهاد بيترسون إلى لندن ليكون وكيلاً مساعداً لوزارة الخارجية البريطانية في سنوات الحرب الحرجة من 40 حتى عام 1944 ويكون له رأي في حادث 4 فبراير. بعد ذلك عمل سفيراً في انقرة ختى عام 46 ثم سفيراً في موسكو حتى عام 49. ولم تزد مدة خدمته في أية سفارة عن عامين، لانه كان يتصرف بعقلية بريطانيا في أقوى عصورها الإمبراطورية. وفي موسكو عومل من قبل الزعماء السوفييت معاملة مهينة . . ذهب يزور مولوتوف وزير الخارجية السوفيتي ليشكو إليه مسألة روتينية بناء على طلب الحكومة البريطانية. قال له مولوتوف: -لم تزعجني بهذه الأمور التافهة. رد بيترسون معتذراً: -وماذا أعمل. اضطررت إلى ذلك بعد أن أخفقت مع موظفي وزارة الخارجية السوفيتية. ورفض مولوتوف أن يستقبله مرة أخرى. وأحاله نائب الوزير – جاكوب ماليك – الذي حدد موعد المقابلة في منتصف اليل . . بمبنى الوزراة! أما في سنة 1934 فكان بيترسون في الخامسة والأربعين من عمره يكتسب خبراته ضد ملوك الشرق . . أو ملوك العرب. وكان بيرتسون يعلم أن مجته في مصر موقوتة . . ومع ذلك فإن ما قام به خلال تلك الفترة ظل بعيد الأثر في التاريخ المصري . . يتجاوز ما فعله بعد ذلك عندما رقي سفيراً! وكان السبب في ذلك أن بيترسون لقى العذاب من المندوب السامي البريطاني في مصر اللورد لويد الذي عمل معه عامين كاملين. ومن ناحية أخرى تأثر بيترسون – دون أن يدري – باللورد لويد وأراد أن يقلده في كل شئ. كان اللورد لويد يتعمد استدعاء بيترسون للعمل معه من الصبتح حتى المساء بحيث لا يستطيع – السكرتير العام بيترسون – أن يتناول طعام الغذاء. ورآه اللورد لويد – مرة – نائماَ على مقعده في السفينة أثناء رحلة البحر الأحمر فأمره بان يلقي نفسه في البحر . . عقاباً . . وفوق هذا كله فإن بيترسون عندما وصل إلى مصر – لأول مرة عام 1927 – وجد اللورد لويد في إجازة ونيفيل هندرسون قائماً بعمل المندوب السامي يتصرف مثله – يامر وينهي ويحكم مصر. رأى بيترسون هذا كله فأراد أن يقلد لويد . .ويلقد هندرسون أيضاً. استقل موريس بيترسون الباخرة "أوزونيا" من ميناء "برنديزي" في طريقه إلى الإسكندرية ليصلها يوم 4 سبتمبر. وشاءت الصدف أن يكون مع بيترسون على نفس الباخرة التي أقلته إلى الإسكندرية محمد توفيق نسيم باشا رئيس وزراء مصر السابق ورئيس الديوان السابق أيضاً. وشاءت الصدف أيضاً أن تكون على نفس الباخرة قرينة عبد الفتاح يحيى باشا وابنته وصعد رئيس وزراء مصر إلى ظهر الباخرة لإستقبالها. وعلم رئيس الوزراء أن المندوب السامي المؤقت على ظهر "أوزونيا" أيضاً فتوجه للتحية والترحيب. ولا يستطيع موريس بيترسون أو غيره أن يدعي أن يحيى باشا جاء من أجل قرينته وابنته. وأنه استقبل المندوب السامي صدفة!

بعد 24 ساعة من وصوله توجه بيترسون إلى مبنى الوزارة بيوكلي – في ضاحية الرمل بالإسكندرية ليقوم بزيارة مجاملة وتعارف لرئيس وزراء مصر عبد الفتاح يحيى باشا. ورد له يحيى باشا الزيارة بمقر المندوب السامي بالإسكندرية بعد 5 أيام.

من اللحظة الأولى يحاول بيترسون منع مصر من تعيين وزير مفوض لها في لندن، أو إرجاء هذا التعيين بعد استقالة الدكتور حافظ عفيفي. وهدف بيترسون من ذلك ألا تعرف وزارة الخارجية البريطانية شيئاً من أخبار مصر بصفة رسمية إلا عن طريقه!

التقى بيترسون بعد تسعة أيام من وصوله بالملك فؤاد وذلك يوم 13 سبتمبر، وبعث إلى لندن يقول: "1-استقبلني الملك فؤاد في حضرته، هذا الصباح، بقصر المنتزه. . وباستثناء مقابلة ملكية لرئيس الوزراء، قبلي مباشرة فإن هذه أول مناسبة يسقبل فيها جلالته، أي شخص، من خارج دائرة السراي، خلال أسابيع. 2-وقد أجرى معي حديثاً دام نحو أربعين دقيقة بحيوية أقل من حيويته السابقة. . وقد تأثرت بدرجة كبيرة بما يبدو من نقص وزن جلالته بحوالي 28 أو 42 رطلاً بالمقارنة مع وزنه كما كان يبدو منذ 5 سنوات. أي عندما كان بيترسون في مصر. وربما يكون نقص أكثر من ذلك. وتؤكد التقارير التي بلغتني أن هذا النقص في الوزن غريب الحدوث. وطبقاً لهذه التقارير صدر الأمر لترزي الملك مرتين خلال الأسابيع القليلة من عينيه تماماً، واصفرار محياه". ومن وصف بيترسون للقاء الأول سكتشف المندوب السامي بالنيابة أن ملك مصر . . مريض . .

أمضى بيترسون شهراً كاملاً في الإسكندرية لأ، وزارة عبدالفتاح يحيى كانت تصطاف في الإسكندرية أو تعمل من مقرها في ضاحية بولكي خلال الصيف كما جرت عادة الحكومة في العهد الملكي. ثم طارفجأة بيترسون إلى ا لقاهرة بطارة خاصة ليقوم بما لا يجب أن يقوم به المندوب السامي. إنه يذهب ليزور و"يفتش" عن وحدات البوليس! أقام الملك أحمد فؤاد حفلاص في قصر عابدين يوم 25 يناير 1934 لرجال السلك السياسي وأجنبي. وطال الحفل حتى منتصف الليل. وعاد الملك بسيارته . . الرولزرويس . . الملكية من قصر عابدين إلى قصر القبة فأصابه بد شديد. وفي أول فبراير لم يستطع الملك حضور افتتاح مؤتمر البريد الدولي فأناب عنه ولي عهده الأمير فاروق – 14 سنة. وظل الملك رهين غرفته شهرين . . وكان شفاؤه بطيئاً جداً . .

  • 8

قبل سفره في إجازة شهر العسل أطلق مايلز لامبسون المندوب السامي يوم 19 أغسطس إشارة تحذير. كتب إلى لندن ينبهها إلى خطورة مرض الملك ويعطي مزيداً من التفصيلات عن الإجراءات التي تتبع في هذه الحالة. قال: "بدا واضحاً قوة الشائعات حول تجعور صحة الملك أحمد فؤاد. إنه في السادسة والستين ومريض جداً. وأكدت المعلومات السرية أنه يعاني من تفاقم عدة بالكلى طال أمرها . . بالإضافة إلى أمراض أخرى خطيرة تحمل – في ذاتها – خطر نوبة قلبية في أية لحظة. والأمير فاروق وفحص مواد الدستور حسب القانون المصري، عام 1938. وأظهرت دراسة وفحص مواد الدستور حول الوصايا وضعا فريد التعقيد. "ينص المرسوم الملكى الصادر في 13 إبريل 1922، على أن يعين الملك الأشخاص الثلاثة الذين يشكلون مجلس الوصاية. وتكون الوثيقة من نسختين مختومتين إحداهما لدى ال ديوان الملكي، والثانية لدى رئاسة مجلس الوزراء. ولا تفض الأختام إلا بعد وفاة الملك. وتفض الأختام في حضرة البرلمان. ويجب أن يؤيد البرلمان تعيين أعضاء مجلس الوصاية. ويجب أن يجتمع البرلمان خلال عشرة أيام من وفاة الملك. وحتى يقوم مجلس الأوصياء الذين عينهم الملك، والذين مازالت هويتهم سراً، سيثيرون عداء الرأي العام المصري. ويبدو أن نفوز جلالته المعروف من كل العناصر السياسية المعارضة لدستور 1930 يستبعد أي احتمال بأن يكون قد اختار مجلس الوصاية بين ممثلي "الأغلبية". "يقصد الوفد". "إن أحداً – غير الملك – لا يعرف أسماء الأوصياء . . ومن المؤكد أن الأوصياء سيعكسون أفكار الملك ورعباته وامنياته حتى بعد وفاته. وسيصبح تولي الأمير فاروق مهدداً بأن يكون موضع مساومة خطيرة الظروف"! كتب روبرت فانسيتارت الوكيل العام لوزارة الخارجية البريطانية إلى موريس بيترسون بعد وصوله إلى القاهرة يقول: "سيكون موضع سروري أن أعرف في أسرع وقت ممكن رأيكم بالنسبة إلى الإتجاه الذي يحتمل أن تتخذه الأحداث في السراي ودوائر الوزارة في حالة وفاة الملك، مع خاصة إلى من يرشحهم لعضوية مجلس الوصاية. ومن الواضح أن الأسماء المقترحة حتى الآن لا تبعث على الثقة إطلاقاً. بل إن هذه الأسماء تكاد تبدو باعتة على السخرية، وبالتالي خطيرة. وحتى إذا توصلنا إلى حال مرض بشأن هذه النقطة، فهل يمكن الحصول على أية ضمانات بشأن المظروف الغلق الذي سيتركه الملك واحتمالات التلاعب به في الفترة بين وفتح الملك وفتح المظروف بحضور البرلمان؟ إني أفكر – بطبيعة الحال – في احتمال قيام محمد زكي الإبراشي ناظر الخاصة الملكية بمثل هذه المناورة، الأمر الذي قد يؤدي إلى متاعب. هلى ترون من المفيد إثارة موضوع مجلس الوصاية مع الملك على امل معرفة فيما يفكر فيه؟ وإني أدرك إن المسألة السيئة في هذا الصدد تتمثل في خطر إثارة موضوع صحة الملك لخوفه من ذكر مسألة وفاته. ويبدو لي – قدر استطاعتي الحكم – أن الملك تحت رحمة مستشاريه الذين قد يستغلون وفاته لتحقيق أهدافهم الشخصية. ومن ثم ربما يكون ضرورياً – مراعاة لمصالح مصر – إسداء النصح لجلالته الشأن. إن وفاته الملك ستكون – على أية حال – لحظة خطيرة. ولابد أنها ستثير هياجاً شعبياً أحزاب المعارضة، وبصفة خاصة الوفد. وتعبر التقارير الأخيرة عن استياء البوليس، لأن هذه الحالة قد تخرج عن نطاق سيطرة الحكومة، الأمر الذي قد يستلزم التدخل لحماية الأجانب وممتلكاتهم".

مع زيادة الأنباء وانتشارهم حول تدهور صحة الملك يجد بيترسون أنه يواجه مشكلة خطيرة خلال أيام. إن المستقبل – فيما يبدو – يبشر ثورة أخرى مثل ثورة 1919.

اتفق بيترسون مع القائد العام للقوات البريطانية على إجراءات المحافظة على النظام العام عند وفاة الملك. وتقضي هذه الإجراءات بأن تكون الوفاة إشارة لبدء تنفيذ قانون الطوارئ بما في ذلك ظهور القوات البريطانية في المدن. في مجموعات كبيرة، وفي دوريات صغية بالسيارات، وفي زيارات وحدات الفرسان المدرعة لبعض الأماكن في الأقاليم. بل إن بيترسون يعد البيان الذي سيذيعه على شعب مصر عند الوفاة. ويطلب بيترسون سفينة حربية بريطانية في ميناء الإسكندرية وأخرى في بورسغيد استعداداً للطوارئ فإنه يرى أن الملك فؤاد مريض جداً وقد يموت في أية دقيقية . . وبريطانيا متورطة إلى حد ما، في نظر الشعب، في سوء السمعة الناتجة عن تفشي الفساد الذي اتسم به الحكم الملكي. وبدون القوات البريطانية، ما كان ممكناً أن تبقى سلطة لهذا النظام غير الشعبي في مصر!

ويطلب المندوب السامي إذناً من لندن بالتدخل واستخدام نفوذه لتامين الوصاية على العرض، أو قيام وزارة مقبولة لكل من مصر . . والحكومة البريطانية. إن الحل الوحيد – في رأي بيترسون – أن يتدخل في شئون مصر . .وإذا مات الملك فعلى بريطانيا أن تتدخل إلى أقصى حد. بعث يوم 22 سبتمبر يقول: "على الرغم من أن الأمر لا يمكن أن يكون بالغ الصعوبة فقد خطر لي أنه قد يكون ممكناً الإتصال بالملك فؤاد بشأن ترتيبات مجلس الوصاية مادمنا قد اعترفنا بأحقية الأمير فاروق في ولاية العرض عام 1920".

ويوافق مجلس الوزراء البريطاني برئاسة بولدوين رئيس الوزراء بالنيابة – يوم 25 سبتمبر – على مذكرة وزير الخارجية بالتدخل في السياسة المصرية. كما يوافق على مذكرة أخرى أعدها السير روبرت فانسيتارت الوكيل الدائم لهذه الوزارة ويتبنى المجلس هاتين المذكرتين باعتبارهما تمثلان ساسة جديدة لبريطانيا في مصر . . وهذا نص محضر مجلس الوزراء وقراره: "كان امام أعضاء مجلس الوزراء مذكرة وزير الخارجية الخاصة بموضوع مصر والتي لفت فيها الإنتباه إلى الحالة الصحية الخطيرة للملك فؤاد والوضع الحرج الذي قد ينشأ إذا توفى جلالته فجأة. وكانت النقطة الرئيسية في مذكرة الوزير أنه إذا توفى الملك فؤاد ونشأ تهديد بوقوع اضطرابات داخلية في مصر فستظهر فرصة رائعة لتبرير دعوى الإحتفاظ بوجودنا في مصر. وسلم الوزير مذكرته بضرورة إصدار التعليمات سواء للوزارات المعنية في الداخل أو للقائم بأعمال المندوب السامي في مصر لنكون مستعدين للأحداث المحتمل ووقعها. وقدم الوزير صياغة لعدد من التوصيات من بينها: -قبول المبدأ القائل بأنه في حالة وفاة ملك مصر أو حدوث أية أزمة سياسية داخلية أخرى يكون من واجب المنوب السامي أن يستخدم نفوذه لضمان تعيين مجلس وصاية على العرش أو "مجلس وزراء او الإثنين معاً". يتمتع بقبول كل من مصر والحكومة البريطانية. وهذا يعني الموافقة على البند المقترح في برقية المندوب السامي بالنيابة المتعلقة بالتطورات المتوقع حدوثها عند وفاة الملك فؤاد".

بعد ثلاثة أيام – وفي 28 سبتمبر – بعث السير جون سايمون وزير الخارجية البريطانية بقرار مجلس الوزراء إلى بيترسون . . بالبرقية رقم 802 . . يبلغخ موافقة بريطانيا على مقترحات لامبسون . . ومقترحات بيترسون أيضاً وتفويضه ليتدخل في مصر. قال سايمون: "نحن نفوضك – أي بيترسون – في استخدام نفوذك لإحداث تحسين في الظروف السياسية الداخلية في مصر، وبالذات رفع كفاءة الإدارة في البلاد بما يتحقق مصالح الشعب ككل لا بما يحقق امتيازات لفئة محدودة. وفي حالة وفاة الملك فؤاد أو وقوع أية أحداث سياسية داخلية أخرى، عليك استخدام نفوذك لتحقيق قيام مجلس وصاية على العرش، ومجلس وزؤاء يكون مقبولاً من كل من مصر والحكومة البريطانية. وفي هذا الشان عليم بعد ان تقرأ تعيينات الملك لمجلس الوصاية الجديد أن تجد المبررات الضرورية لتأجيل البرلمان المصري فوراً. وفي حالة ما إذا كنت متأكداً من أن مجلس الوصاية الذي اختاره الملك غير مرغوب فيه تكون مهمتك، استبعاد غير المرغوب فيهم، واستبدالهم بمرشحين آخرين يحوزون ثقة مصر. ويعتمد الإختيار الحقيقي للأفراد على الظروف . . وفي هذه الحالة فإن حكومة جلالة الملك فؤاد سيتم توجيهها من قبلك فقط . وعلى أية حال فمن المرغوب فيه، إذا كان ذلك ممكناً أن يكون واحد على الأقل من أعضاء مجلس الوصاية الثلاثة وفدياً". ولم يكن هدف السير جون سايمون، أو مجلس الوزراء البريطاني من العضو الوفدي إلا استرضاء الوفد . . ومنع قيام ثورة يحرض عليها، ويدعو لها الوفد، مثل ثورة 1919.

حدث هذا كله دون ان تعلم مصر، أو يعرف الملك فؤاد، أو حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا رئيس وزراء مصر! أن الحكومة البريطانية حرصت على |ان يبقى القرار سراً ولذلك أرسلت إلى بيترسون الإيضاح التالي: "1-ينبغي أن يستقر في الذهن أن قرار استخدام القوة العسكرية إّا دع الضرورة لحفظ النظلم في حالة وفاة الملك هذا الموضوع سري للغاية وأي كشف سابق لأوانه عنه هذه النوايا قد يعقد الموقف. إن تأثير تحركنا إذا اضطررنا إلى اتخاذ هذا الإجراء سيكون اكبر ما يكون لأنه يتم دون إنذار. إن نقاشاً حاداً سيثور في مصر إذا أعلن الإجراء قبل التحرك ولا يعرف ما إذا كانت القطاعات، او تلك، من الرأي العام ستقبله ام لا. ولن يسفر ذلك إلا عن الضرر. 2-فيما يتعلق بالإجراءات الوقائية التي تمت الموافقة عليها، فمن الواضح أنه من المستحيل إتخاذ قرار مسبق حول مدى الرغبة في تطبيقها وإلى أي حد. إن القرار المحيط بهذا الموضوع يعتمد على ظروف الساعة وعلى ذلك فهو قرار نترك لك اتخاذه عندما يحين الأوان. إن غرض السلطة الممنوحة لك هو توقع ألا يكون هناك وقت لإستشارتي. ومن المفترض أن أي عرض للقوة سيعالج بحيث لا يثير إلا الحد الأدنى من الإستفزاز".

ذهل موريس بيترسون من القرار . . لقد طلب التدخل . . لكنه لم يتوقع أن يوافق مجلس الوزراء على أن يكون التدخل بهذه الصورة. إن تنفيذ القرار ليس صعباً فحسب . . بل هو . . مستحيل . إن الحل الوحيد هو الحصول على ضمان من رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب والشيوخ بأنه بعد وفاة الملك يفتح المظروف الذي كتبه الملك وتقرأ أسماء مجلس الوصاية ثم يؤجل غجتماع البلرمان للحصول على موافقة بيترسون على الأسماء، أو يغيرها ثم يجتمع البرلمان مرة اخرى لإقرار يقترحه بيترسون. ولا يمكن تنفيذ هذا الحل إلا إذا كان رئيس البرلمان على يقين من موافقة الأعضاء أو أغلبيتهم، على هذا الإجراء.

قصد موريس بيترسون يوم 3 أكتوبر إلى مصيف الحكومة المصرية في بولكلي برمل الإسكندرية ليلتقي برئيس وزراء مصر ليبحث معه موضوع بلدية الإسكندرية . . وليعرف منه الحالة الصحية للملك فؤاد. استغرق الإجتماع 30 دقيقة . . وقد أنهاه بيترسون بسرعة حتى يتسنى له أن يبعث بتقرير عاجل إلى لندن عن حديثه إلى رئيس الوزراء. فوجئ بيترسون بأن يحيى باشا يشير – من تلقاء نفسه – إلى الموقف الذي ينشأ في حالة الملك فؤاد . . وكرر يحيى باشا ذلك مرتين . . وأضاف: "إن ذلك قد يستلزم مسئولية مشتركة منا . . يقصد مصر وبريطانيا". وأشار رئيس الوزراء بشكل خاص إلى مشكلة مجلس الوصاية على العرش، وأقر بجهله التام الشخصيات التي عينها الملك. ولم يخف وجهة نظره في إنها قد تكون شخصيات غير مرغوب فيها. وأشار إلى المصاعب التي تحيط بمحاولة منه البرلمان من التصديق على هذه التعيينات. وقال: "الطريق – الآن - أصبح مفتوحاً أمامنا أكثر من أي وقت مضى للعمل". ويهلل بيترسون لهذا الحديث ويعتبره "مبادرة من جانب رئيس وزراء مصر".

تلقت وزارة الخارجية البريطانية هذه البرقية ووجدت أن النداء الذي وجهه رئيس وزراء مصر – بشكل شخصي – إلى المندوب السامي بالنيابة وخصوصاً إقراره الأخير بأن "الموقف الناجم عن موت الملك يستدعي مسئوليتنا المشتركة، يتيح لمستر بيترسون الفرصة لإستثمار مبادرة رئيس الوزراء لتحقيق مقترحاته . . وتبعث وزارة الخارجية إلى بيترسون بالتفويض المطلوب يوم 5 أكتوبر بأن يعمل منخلال رئيس الوزراء. وقال الخارجية البريطانية لمندوبها السامي المؤقت في مصر: "إننا نشاركك رأيك في الإحتفاظ برئيس الوزراء الحالي في جميع الأحوال حتى نصبح في موقف يتيح لنا معرفة ما إذا كان رئيس الوزراء مفيداً، أو غير مفيد، لتحقيق أغراضنا . . وهي قيام حكومة أفضل للشعب المصري تتمشى مع الإحتفاظ بالعلاقات الأنحلو – مصرية على أساس الصداقة والتعاون. ويجب أن نوضح أن الخطوة الأولى تم اتخاذها من جانب رئيس الوزراء نفسه . . وأن تصرفه الشجاع، لقى ترحيباً لأن الحكومة البريطانية استعرضت باهتمام كبير الموقف السياسي البائس المتصاعد الذي أثارته شرور النظام الحالي والعبء، الذي وضعه هذا النظام على عاتق الشعب المصري. ومن الأفضل أن تظل وزراء الكواليس طالما كان ذلك ممكناً وأن يجري رئيس الوزراء بنفسه الإتصالات الضرورية بالملك".

رأت الحكومة البريطانية أن – التماس – رئيس وزراء مصر يزيح آخر اعتراض أمامها للتدخل في شئون مصر مادام رئيس الوزراء – نفسخ – يطلب التعاون والإتصال الوثيق مع مقر المندوب السامي. وأنه يريد تفويضاً من لندن لتعديل وزارته ومنع ملك مصر من التدخل في الحكم عن طريق ناظر خاصته محمد ظكي الإبراشي. . . كل ذلك وملك مصر طريح الفراش . . أو – كما قيل – على فراش الموت.

ولكن . . وقعت معجزة بين يومي 3 أكتوبر 1934، و7 أكتوب 1934 . . يوم 3 أكتوبر كان الملك فؤاد مريضاً جداً. ويوم 6 أكتوبر تحسنت صحة الملك . .فقد وصل من روما الطبيب الشهير الأستاذ فيرجوني وقام بفحص الملك. وقال للمحيطين به إن هناك تحسناً كبيراً وملموساً في حالة هبوط القلب التي كان يشكو منها . .وأنه يستطيع أن يستأنف نشاطه في وقت قريب جداً. وعرف رئيس الوزراء بما قال الطبيب الإيطالي قبل ان تصدر النشرة الطبية. وأدرك يحيى باشا ان حالة الملك مطمئنة. . . في اللقاء الأول يوم 13 أكتوبر بين عبد الفتاح يحيى وموريس بيترسون كان الباشا متجاوباً للغاية مع المندوب السامي. وفي اللقاء الثاني – 6 أكتوبر - كان الباشا عنيداً للغاية ضد المندوب السامي البريطاني. في اللقاء الثاني تكلم الباشا مع ال مندوب ال سامي بطريقة ودية ولكنه رفض بحث المطالب التي تقدم بها بيترسون. قال الباشا: -لا أستطيع أن أبحث معك أية تغييرات من أي نوع حتى يشفى صاحب الجلالة وأستشيره أن رئيس الوزراء عرف أن صحة الملك تحسنت ولذلك يماطل ولا يستجيب للمندوب السامي في الإطاحة بناظر الحاصة الملكية محمد زكي الإبراشي الذي يتدخل في شئون الحكم ويحضر اجتماعات مجلس الوزراء ليملي رأيه على المجلس وللإطاحة بوزيرين مشكوك في نزاهتما وهما : إبراهيم فهمي كريم وزير المواصلات، وعلي المنزلاويوزير الزراعة. ويكتب بيترسون إلى لندن يصف التغيير الضخم في لهجة رئيس الوزراء. برقية رقم 254: من موريس بيترسون: إلى وزارة الخارجية البريطانية. بتاريخ 7 اكتوبر. "تحدثت إلى رئيس الوزراء لمدة ساعة في منزله مساء امس". وقد تحدثت بوجهة النظر التي فوضتني إياها برقيتكم محافظاً على خط أساسه أننا نستجيب لطلبه الخاص بالتعاون معنا. وربما كان سوء حظي أن رئيس الوزراء تلقى من إخصائي إيطالي وصل حديثاً تقريراً عن تحسن صحة الملك فؤاد. ولا حدثته عن تدخل محمد الإبراشي ناظر الخاصة الملكية في شئون الحكم وإدارة البلاد طلب مني رئيس الوزراء أن أنقل لكم كلمة شرف شخصية بان هذا التدخل توقف مع نهاية حكومة صدقي باشا"! وكان رئيس الوزراء يكذب!

يواجه بيترسون بالمشكلة الكبرى. . ماذا يفعل الآن؟ وفي أي إتجاه يسير . . لقد تبين له – كما كتب – أن عبد الفتاح يحيى باشا كان يكسب في اللقاء الأول إذا نفذ نصيحة المندوب السامي. . وفي اللقاء الثاني اكتشف يحيى باشا أنه يكسب أكثر إذا رفض نصيحة المندوب السامي!

يبدأ عبد الفتاح يحي يغير موقفه إزاء موريس بيترسون فلا يطلعه على ما جرى بينه وبين الملك. ويلتقي رئيس وزراء مصر بالمندوب السامي للمرة الثالثة خلال أسبوع واحد ويقول له: -لا أستطيع أن أحدث الملك في عزل محمد الإبراشي وإقالة الوزيرين المتهمين في نزاهتما. ويثير تعدد اللقاءات بين الرجلين ما يثيره من إشاعات تنطلق في كل إتجاه . . كتبت الأهرام: "الجو السياسي عندنا ملبد بالغيوم . . مملوء بالإشاعات عن المستقبل وكأن الناس يتوقعون حدثاً سياسياً لايدركون مداه . . ولعلهم لا يعرفون أسبابه ومناهجه. وهناك المتشائمون والمتفائلون". وفي اليوم التالي قالت الأهرام: "بين الإشاعات المسموعة في بعض الدوائر أن لدار المندوب السامي مطالب معينة طلبتها إلى الوزارة . .ولكن رئيس الوزراء نفى ذلك وصرح بأن العلاقة بين الحكومة المصرية ودار المندوب السامي استمرت عادية . . ولم يشبها تكدير أو طلبات. ويدرك بيترسون أن أضعف رئيس للوزراء في مصر قد خدعه . . ولكنه – أي المندوب السامي – يتلقف فكرة توفيق نسيم رئيس الوزراء السابق ورئيس الديوان السابق التي عرضها عليه وهي فرض مجلس وصاية على ملك مصر . . وهوعلى قيد الحياة . . فيبرق إلى لندن يطلب تفويضاً جديداً . . إنه يقترح: "أن يبعث برسالة إلى الملك أحمد فؤاد يبلغه فيها بأنه إما أن يقبل رئيس الوزراء لمطالب بريطانيا بإبعاد الإبراشي باشا والوزيرين إبراهيم فهمي كريم وعلى المنزلاوي . . بل وفيروتشي الإطالي كبير مهندسي القصور الملكية أيضاً. وفي حالة رفض رئيس الوزراؤ الإستجابة لهذه المطالب يستدعي الملك توفيق نسيم باشا لتولي الجكم . . أو . . 2-أن يبعث برسالة إلى الملك يكلفه فيها بضرورة تشكيل مجلس للوصاية في أثناء مرض الملك وقبل وفاته يتولى الحكم حتى يتم شفاء الملك". ويبدأ بيترسون هجومه على الملك والإبراشي عن طريق صحيفة "التايمز" البريطانية التي كتبت تقول: يوم 10 أكتوبر: "إن النشرة الكبية التي أذيعت من أيام عن حالة الملك فؤاد أرضت مطالب الصحف والنواب الملحة لمعرفة معلومات. وتدل عبراة النشرة الطبية دلالة صريحة على القل الذي استحوذ على النفوس من ناحية صحة جلالته في الأيام العشرة الأخيرة . .

بدأت الأنباء تنتشر على نطاق واسع . . نشرت ألأهرام تحت عنوان الحالة الساسية: "لا نذيع سراً إذا قلنا إن موضوع البحث الآن بين الدوائر المسئولة هو أن يتفضل جلالة الملك بأن ينيب عنه شخصاً أو أشخاصاً من ذوي المكانة المعروفين بالنزاهة والمقدرة للقيام بالأعباء إلى أن تتقدم صحة الملك فيتولى شئون الدولة بحكمته السامية وعقله الراجح. وقد حدث هذا في إنجلترا عندما مرض صاحب الجلالة الملك جورج فقد عين مجلساً للوصاية تولى أعباء الملك إلى أن شفي جلالته". وتردد الصحف الأوربية خطورة مرض الملك . .

ويحاول الملك أن يرد . . وتكون وسيلته – لذلك – مزيداً من النشرات الكبية. . . يوم 11 أكتوبر وصل البروفسور فون برجمات على الباخرة أسبيريا . .وتولى فحص الملك . . وصدر بلاغ من رئاسة مجلس الوزراء يقول: "وصل جناب البروفسور فون برجمات يوم الثلاثاء الساعة العاشرة مساءً بالباخرة أسبيريا فحص حضرة صاحب الجلالة المك مع أكبار جاللته المعالجين . . وقد أصدروا جميعاً النشرة الآتية: فحصنا جلال ة الملك فؤاد الأول بسراي المنتزه يومي 10 و11 أكتوبر 1934 ووضعنا التقرير التالي عن حالة ج لالته: نتيجة الفحوص هي بينها نتيجة الفحص التي صدر بها بلاغ 7 أكتوبر فإن حالة الهبوط القلبي التي نشأت، على أثر عدوى الإنفلونزا، لاتزال تتحسن تدريجياً. وإننا وإن رأينا نرجو جلالة الملك أن يأخذ بالراحة البدينة فإننا مجمعون على أن جلالته يستطيع أن يستمر في مباشرة كافة الأعمال العقلية التي يقتضيها مركزه السامي كما كان يباشرها فيما مضى . . توقيعات: فون برجمان دكتور باروي جينو جروسي محمد شاهين (الطبيب الخاص للملك ووكيل وزارة الصحة). والحقيقة أن الملك فؤاد كان مريضاً. ولكنه لم يكن على شفا الموت كما ظن بيترسون. إن الملك كان في قلب الأحداث. . أبلغه عبد الفتاح باشا بكل ما جرى بينه وبين المندوب السامي ويحاول الملك ان يتخذ خطوة للمصالحة بعيدة عن تحقيق مطالب بيترسون ولكنها تتمشى مع ما يطالب به . .ولا تعتبر من جانب الملك تراجعاً . . يوم 11 أكتوبر يتوجه علي ماهر باشا – الذي كان وزيراً للعدل ف يحكومة صدقي – إلى مقر المندوب السامي ليقول له: -عرض منصب رئيس الديوان الملكي . . ولا أعرف هل أقبل هذا المنصب أم أ{فض. يرد بيترسون قائلاً: -لاتقبل – إنك بذلك فساد الإبراشي وتتحمل مسئولية كل الفساد نيابة عنه. قال على ماهر: -هل هذه نصيحة من حكومتك . .أم منك شخصياً. أجاب بيترسون: -إنها نصيحة شخية. ويستجيب علي ماهر للنصيحة الشخصية للمندوب السامي . . ويعتذر عن قبول المنصب!

ويتذكر يحيى باشا أن لديه حزباً هو حزب الشعب وأن هذا الحزب يمكن أن يؤيده ضد المندوب السامي فيدعو الهيئة البرلمانية للحزب إلى الإجتماع. ويعلم رئيس الوزراء أن صحة الملك تحسنت . . ويقول إن الوزراة تقوم بعملها. ولا يذكر يحيى باشا للحاضرين كلمة واحدة عن أحاديثه إلى المندوب السامي . . وطلبات من رئيس وزراء مصر . . ومليكها! وكل ما يقوله يحيى باشا إنه سيعقد إجتماعاً ثانياً للحزب . . وإن حزب الإتحاد – الموالي للملك – سيجتمع أ]ضاً. ويتذكر رئيس الوزراء أن لجنة من النواب برئاسة إبراهيم دسوقي أباظة باشا طلبت الإجتماع به. فيدعو اللجنة للإجتماع ويقسم بشرفه أن صحة الملك تحسنت وأن جلالته قال له: -صحتي لا تتقدم كل يوم فحسب . . بل إنها تتقدم كل ساعة أيضاً! ولما سأل النواب رئيس الوزراء عن الحالة السياسية قال: -لم يحدث تغيير في العلاقات مع بريطانيا . . ولم نتلق أي طلب من الإنجليز . . وسأضمن مصالح البلاد . .ولن أتنازل عن شئ!

وتدرس وزارة الخارجية البريطانية الموقف بعناية طويلة . . ويشترك وكلاء وزارة الخارجية ومستشاروها في تحليل كل الظروف. وفي النهاية ترفض الخارجية البريطانية – يوم 17 أكتوبر – اقتراحات بيرتسون، بفرض مجلس وصاية على الملك، أو كتابة خطاب له.

وقالت الوزارة:

"التدخل يكون في حالة وفاة الملك . . وليس قبل ذلك".

قصد عبد الفتاح يحيى باشا إلى قصر المنتزه للقاء الملك يوم 17 أكتوبر وليطمئن على تقد صحته . .ويطلعه على آخر التطورات وافتصالات بينه وبين المندوب الاسمي. وكان ذها هو اللقاء الثاني بين رئيس الوزراء على الرغم من أن المندوب الاسمي فشل في الإجتماع بأحمد فؤاد لأنه مريض.

ولاييأس بيترسون أبداً . . إن يزداد غيظاً من الملك . . وهو، وحده، الذي لا يستطيع ذلك لأن الثلاثة ضده .. وهو لا يملك السلطة اللازمة لإقتحام مخدع الملك. ماذا يفعل بيترسون إذن وهو يرى أن ال قاهرة كلها تعرف ماذا يريد . . ولا يوجد حل أمام بيرتسون إلا أن يضغط على حكومته .. ويقول بيترسون في برقية لحكومته: "التدخل البريطاني لتغيير الأوصياء، والحكومة، بعد وفاة الملك قد لا يحقق النتيجة المطلوبة فلن تساعد الحكومة الحالية بريطانيا، ولن تساعد التدخل البريطاني". ويطلب بيترسون من حكومته تصريحاً بدخول مخدع الملك ليملي عليه مطالبه وهي عزل الإبراشي والوزيرين وأيضاً معرفة أسماؤ الأوصياء على العرش وتغييرهم أو بعضهم إذا كانت لا ترضى عنهم. ولكن توافق لندن على أن يقابل بيترسون رئسي الوزراء فقط!!

اضطر سكرتيره إلى أن يبتلع كبرياءه بعد قرار لندن السماح له بمقابلة رئيس الوزراء .. فحسب. اتصل سكرتيره برئاسة الورزاء يطلب تحديد موعد للقاء يحيى باشاـ فحدد له ظهر اليوم التالي 20 أكتوبر. وفي الموعد دخل موريس بيترسون مقر الرئاسة يرتدي بدلة الردنجوت السوداء على غير عادته ومعه ياوره الخاص الكابت فلاور يرتدي بدلته العسكرية. على غير عادته أيضاً . . تماماً كما كان يفعل اللورد جورج لويد وياوره.

استغرقت المقابلة 35 دقيقة . . وكان الهدف منها أن يوده بيترسون سؤالاً إلى رئيس الوزراء: -ماذا قلت للملك . . وماذا قال لك . . جلالته؟ برقية رقم 272: في 20 أكتوبر. قابلت رئيس الوزراء هذا الصباح. سألته عما إذا كان لديه أيى أنباء لي. قال رئيس الوزراء: -إن صحة الملك مستمرة في التحسن، والنشرة التالية ستقول إن صاحب الجلالة يستطيع – بالتدريج – التغلب على الإرهاق الجسماني الذي تقتضيه مباشرة مهام منصبه. واستفسرت – والحالة هذه – عما إذا كان رئيس الوزراء تمكن من إثارة موضوع تعديلات النظام مع جلالته. قال إن هذه هي نيته وإنه حظي بلقائين طويلين مع جلالته. وقال رئيس الوزراء إنه لم يتمكن من تحمل مسئولية إثارة أمور كهذه مع الملك فؤاد حتي يسمح له الأطباء بذلك أن هذه التعديلات ليست لها صفة الإستعجال بحيث يعرض صحة جلالته للخطر. ولكن إذا كان لحكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا رأي آخر فإنه على استعداد لدعوة مجلس الوزراء وطرح الموضوع أمامه". ويجد عبد الفتاح يحيى أن تحسن صحة الملك . .هو أفضل مبرر يمكنه من اتخاذ خطوة أخرى ضد المندوب السامي. رأي يحيى باشا أن يلجأ إلى الطريق الدستوري السليم فيعرض الأمر على مجلس الورزاء. قال المندوب السامي في برقية مؤرخة 20 أكتوبر: "أفشى عبد الفتاح يحيى باشا رئيس الوزراء السر – عن غير قصد – بدعوته مجلس الورزاء إلى الإنعقاد للنظر في الإقتراحات التي مكن أن نرغب في طرحها، وبذلك يمكنه تقديم الإقتارحات على أنها موجهة إلى الحكومة المصرية وليس – كما كان يصر بنفسه – على اعتبارها مسألة تخص الملك. وليس لدي شك على الإطلاق في اننا لو قعنا في هذا الشرك فإن مقترحاتنا سترفض علناً بمصاحبة دقات الإستقلال العالية. وسيكون ذلك متماشياً مع موقف رئيس الوزراء ف يجميع المسائل الصغيرة المطروحة للمناقشة، وثمة شعور، لدي باننا نملك الآن مفتاح الوصول لموقفه إزاء المسائل الكبيرة سواء برزت إلى السطح قبل أو بعد وفاة الملك فؤاد". ويستكمل بيترسون اقتراحاته في برقية يوم 21 أكتوبر يذكر فيها ما سيقوله للملك . .في غرفة النوم الملكية. بعث إلى لندن: برقية رقم 275. بالإشارة إلى برقيتي رقم 273. حيث إن المقابلة إذا تمت، ستكون أميل إلى الإنحياز والإقتضاب، لذلك فإنني أعتزم نقل لب رسالتي بأقل تأخير ممكن. ومضمون الرسالة أن مرض صاحب الجلالة جعل الإنتباه يتركز بالضرورة على النظام كما كشف النواقص التي لا يمكن أن تغفلها حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا". رد وزير الخارجية البريطاني على بيترسون يوم 22 أكتوبر بالبرقية رقم 230: إجابة على برقياتكم بتاريخ 21 أكتوبر حول الموقف في مصر: "1-اقتراحاتكم تثير موضوعات مهمة لدرحة أنه ينبغي أن أستشير مجلس الوزراء بشانها وخلال هذا الوقت يسعدني أ، أتلقى على وجه السرعة ردكم على السؤالين التاليين: أ-هل هناك سبب مناسب للافتراض أن الملك فؤاد في صحة جيدة تمكنه من التعامل مع مسألة خطيرة كهذه بالقرار الذي تريده؟ ب-على افتراض أنه في حالته الصحية السيئة رفض نصيحتكم فما هو خط التحرك الذي تفكر فيه . . وما هي التدابير التي تراها مناسبة؟". ويبعث وزير الخارجية إلى المندوب السامي المؤقت بالبرقية التالية: "1-يرى مجلس الوزراء أنه لا ينبغي عليكم في هذه المرحلة أن تصلوا بالأمور إلى المدى الذي أِرتم إليه. يبدو أن الملك لم يستعد صحته بأي شكل إلى المدى الذي ورد في النشرات الرسمية. وفي مثل حالته لا يمكننا أن نفترض أنه يمكنه السيطرة على حاشيته واتخاذ المواقف القوية المطلوبة منه. وإذا رفض النصيحة المسداة إليه فإن المسألة ستصبح متعلقة بمكانة بريطانيا بدرجة أكبر، والآن أصبح من المعروف أن نصيحتنا الأصلية أسديت إلى رئيس الوزراء وحده بناء على طلبه والمتوقع أن يكون هذا مبرراً لعملنا أن يؤدي إلى إضعاف موقف رئيس الورزاء".

نشرت صحف لندن – في 3 أيام متتالية – هذه القصة المتشابهة التي تكاد تكون متكررة بنفس الكلمات . .والحروف. قال جريدة التايمز: "تحاول الحكومة المصرية خلق حادث دبلوماسي مؤملة أن تحول به الرأي العام من أخطائها الناشئة عن إغفال نصيحة المستر بيترسون التي ثبت أن عبد الفتاح باشا لا يسيغها. إن إتهام المستر بيترسون بالتدخل في الشئون الداخلية هو تشويه للحقائق . . فليس ثمة سبب لهذا التدخل إلا إذا هددت اضطرابات محلية الجاليات الأجنبية. والقول بأن مستر بيترسون حاول تعديل قانون وراثة العرش هو من الأمور الموجبة حقاً للسخرية. ومن الواضح أن الغرض هو الدعاية لتحويل الأفكار عن المسألة الدستورية لمصلحة السياسيين الذين يبدوا أنهم اختارو لأنفسهم شعار:"التطلع إلى إطالة الحكم مرة أخرى".

تظاهر موريس بيترسون بأن الأمور تجري كما يهوى . . وبطبيعة الحال لم يقل لأحد في مصر – على الإطلاق – أن الحكومة البريطانية لم تفوضه لعمل أي شيء. كان يوحي بأنه المندوب السامي الذي أرسلته وزارة الخارجية إلى مصر ليحكم باسمها . . وأن ما يقوم به من عمل لا يتم من تلقاء نفسه . . بل بتكليف. . . وبيترسون لا ييأس أبداً . . إنه يصر على مطالبه . . يريد أن يكتب إلى لندن مرة أخرى. طالباً التصريح بمقابلة الملك . .أو على الأقل إبلاغه رسالة عن طريق كبير الياوران. برقية رقم 282. من موريس بيترسون بتاريخ 24 أكتوبر 1934: "الأمر الآن أكثر أهمية لأطلب مقابلة عاجلة مع الملك. وإذا كان الأمر ضرورياً فإنه يمكنني أن أفسح الطريق لإجراء هذه المقابلة عن طريق إجراء حديث شفوي مع كبير الياوران الذي اجتمع به الملك مرة أخرى والذي يتميز بانه صديق. وإضا ثارت أية صعوبات حول هذا الإجتماع سأرسل كتاباً رسمياً عن طريق كبير الياوران". وييمضي بيترسون . .يستعطف لندن . . لتوافق!

لم يعرف أحد في مصر أن بيترسون . . ينتظر. . الرد. وخلا فترة الإنتظار . . بقى موريس بيترسون في الإسكندرية يستحم في بحرها، ويركب الخيول، ويتظاهر بعدم الإهتمام بالأزمة. وظل عبد الفتاح يحيى باشا ينتقل بين القاهرة والإسكندرية يلتقي بالملك، وبمحمد زكي الإبراشي وبالوزراء . . يلتمس النصيحة. والأحزاب تهلل، لأن الوزراة في طريقها للسقوط . . ودستور 1930 الذي وضعه صدقي في طريقه للزوال . .والجميع في انتظار من يقع عليه اختيار الملك أو الإنجليز لتولي الحكم. وخلا أسبوع كامل . .اشتعلت حرب الكلمات بين الطريفين عنيفة . قوية . . وحادة. كانت الكلمات هي الكلقات المتبادلة بين الطرفين. وفي مذكرات جرانتي سميث: مساعد السكرتير الشرقي للمندوب السامي. "أصبحت القاهرة كلها تعرف ان أضعف رئيس للوزراء في مصر قال للمندوب السامي وللإنجليز: -اذهبوا إلى جهنم! وبدأت أزيف برقيات مع صديقي مستر "لامبي" مراسل صحيفة "التايمز" البريكانية في مصر فكانت الصحف المصرية تعيد نشر هذه البرقيات مرة أخرى على انه حقائق. وبهذه الطريقة استطعنا أن تبقى القاهرة في جو من الشك والتردد". وترسم صحف مصر صورة كاريكاتورية لعبد الفتاح يحيى باشا على هيئة نعامة. ولكن النعامة تغادر القاهرة الإسكندرية يوم 24 أكتوبر للإجتماع الثالث بالملك خلال شهر . .وهو أطول اجتماع بينهما فقد دام مائة دقيقة . . وبينما المندوب السامي لا يستطيع أن يحصل من وقت الملك على عشرة دقائق يسلمه – خلالها – الإنذار! خرج عبد الفتاح يحيى من مقابلة الملك في قصر المنتزة مطمئناً تمام الإطمئنان إلى الثقة الملكية والتأييد السامي . . قال للصحفيين: "يسرني أن أعلن أني وجدت تقدماً جلياً في حصة جلالة الملك. إذ تفضل وقابلني في مكتبه، وهو بملابسه العادية، وقد بدت عليه دلائل القوة والنشاط مما يبشر بقرب شفائه . . وقد عرضت على مسامعه العالية جميع مسائل الدولة فكان يستمع إليها . . ويناقشها – كعادته المألوفة – في كل مسألة منها. ومعنى ذلك أن الملك يعرف كل ما طلبه المندوب السامي. ويدلي رئيس الورزاء لصحيفة "المقطم" بتصريحات مهمة: قال إنه لم يطلب نصيحة أحد . . وقال: -الوزراة لن تستقيل . . وإذا أرادت قوى أن تقيلها . . فلتفعل. وقال: -إن الوزراة تستقيل . . إذا لم تتمتع بثقة الملك. ويتمادى رئيس الورزاء في تحديه. إنه يكلف المفوضية المصرية في لندن أن قتدم احتجاجاً إلى وزارة الخارجية البريطانية لما تنشره صحف لندن ضد الملك وضد رئيس الوزراء وضد مصر لموقف الصحافة البريطانية جميعاً حيال الشئون المصرية. ولكن المندوب السامي يستمر في الإيحاء لصحف المعارضة، وصحف لندن بأن الوزارة على وشك أن تستقيل. وتبدأ الصحف البريطانية تهدد وتستعدي الملك ضد رئيس الوزراء . . وتوقع بينهما . . وتهدد بعودة الوفد. ويستقبل ملك مصر رئيس وزارئه يوم 27 أكتوبر وهو اللقاء الرابع بينهما خلال شهر. ويصرح يحيى بعد المقابلة:

  • لم نتلق إنذاراً أو تبليغاً من بريطانيا.
  • مستر موريس بيترسون لم يطلب مقابلة الملك.
  • لايوجد خلاف في الرأي بيننا وبين المندوب السامس.
  • لا يجري بحث أي شئ خاص بالإبراشي باشا.

وكان ال تصريح محالوة لوقف تدهور الموقف بين يحيى باشا والمندوب السامي . . ولكن كل كلمة قالها رئيس وزارء مصر . . كانت أكذوبة!

وصلت الأمور إلى حد القطيعة الكاملة بين رئيس الورزاء والمندوب السامي . . وبدأ الضغط يشتد من الجانبين. ويقرر عبد الفتاح يحيى وضع حراسة خاصة على موريس بيترسون ليثبت له وللحكومة البريطانية، أن هناك خطراً على حياة المندوب السامي وأنه غير محبوب من مصر، ويقبض على عدد من الأشخاص بدعوى أنه أرادوا الإعتداء على بيترسون . . حتى ينتشر ذلك في صحف لندن.

وتستمر حرب الكلمات . . والأعصاب. ولكن انهار الملك. عين أحمد زيور – 69 سنة رئيساً للديوان يوم 27 أكتوبر – دون استشارة المندوب السامي. إن زيور رجل تعتمد عليه بريطانيا في تنفيذ سياستها في مصر . . ومن هنا فلم تكن – بالملك – حاجة إلى استشارة بريطانيا في هذا التعيين!

ولكن مجلة آخر ساعة، قالت إن الإستشارة تمت بطريقة غير مباشرة. كتبت المجلة: . . إن تعيين زيور باشا في منصب رئيس الديوان الملكي تم بعد أخذ رأي المندوب السامي بالنيابة. وبيان ذلك أن الواسطة في تبادل الرأي هو جناب سير فرانك واطسون المستشار المالي. وتستقبل الصحف البريطانية تعيين زيور بارتياح كبير .. قالت التايمز: "إن هذا التعيين يعتبر خطوة صغيرة في الإتجاه القوي". استقال الوزيران كريم المنلاوي يوم 29 أكتوبر . . أي بعد 48 ساعة من تعيين زيور!

هل يستكين بيترسون . . أو يستسلم؟ أبداً . . إنه يعاود الطلب بمبررات جديدة. ويكون رأي القسم المصري "الرفض . . وتأكيد هذا الرفض بمبررات واضحة تفسر موقف بريطانيا، أو خطواتها. إذا قابل بيترسون الملك – فعلاً – ورفض الملك عزل عبد الفتاح يحيى ومحمد زكي الإبراشي" بأن بريطانيا رأت أن تتجنب الموقف الذي يحتمل أن تستخدم فيه القوات البريطانية. وهكذا وللمرة الأخيرة يصبح الأمر واضحاً . . والتعليمات صريحة وهي: "يا مستر بيترسون . . كفى". ولكن الملك لم يعرف قط أن بيترسون لم يحصل على موافقة لندن . . إن بيترسون احتفظ بهدوء أعصابه. استغل الصحافة المصرية، والبريطانية، وتصفيق المعارضة للمبارة بينه – أي بيترسون – ورئيس الوزراء . . والإبراشي نيابة عن الملك. رأى بيترسون أن يظل ثابتاً على موقفه حتى النهاية أسوة بما كان يفعله مثله الأعلى اللورد جورج لويد.

ويتوجه يحيى باشا مرة أخرى إلى الإسكندرية يوم أول نوفمبر يحمل إلى الملك فؤاد استقالة الوزيرين باعتبارهما ترضية تغني بيترسون عن التهام الوزارة كلها! ويكتب بيترسون إلى لندن . . بإصرار غريب!! "بعد مقابلة الملك والتي يزعم رئيس الورزاء أنها استغرقت ساعتين، أبلغ رئيس الوزراء ممثلي الصحافة بأنه وضع استقالة الوزيرين أمام المل، الذي سيقابله مرة أخرى يوم السبت. وسوف تدركون أنني في الظروف الراهنة لا أعتبر أنه حتى قبول هذه الإستقالات في أعقاب تعيين زيور، يعد حلاص مرضياً أو مناسباً لصعوباتنا الراهنة. واكثر من ذلك، يبدو أ، هناك فرصة كبيرة أن يشغل مكانهما . . نكرات"!

ويبعث جون سايمون وزير الخارجية إلى موريس بيترسون بقرار مجلس الوزراء . . دون أن يذكر له أنه اضطر لعرض طلبات بيترسون من جديد على المجلس لأ،ه ما يطلبه بيترسون يتجاوز اختصاصات وزير الخاريجة وسلطاته. . برقية رقم 237: من وزارة الخارجية إلى موريس بيترسون بتاريخ 2 نوفمبر 1934: 1-أوافق على لهجتك لزيور باشا. 2-نظراً لحقيقة أن الملك قام بالمبادرة في الإتصال بك، فإنك مخول باقتراح عزل رئيس الوزراء الحالي، واستبداله برئيس وزراء أقوى بالإضافة إلى التأكيد الذي قدمه زيور باشا بشأن الحد من نشاطات الإبراشي السياسية، سيمكننا من تجنب الضغط لعزل الأخير – الإبراشي – مما ينشأ عنه خطر تهديد صحة الملك. ويجب أن توضح لنا موقفنا من هذه النقطة يعتمد على تحقيق ضمان زيور وعلى تعيين رئيس وزراء أقوى. 3-لا يجب أن تربط نفسك بوضوح شديد باختيار أي خلف محدد لرئيس الوزراء بدرجة تجعل حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا مسئولة عن أفعاله أو سياسته التالية. وبالتالي يجب أن تحاذر ف يتقديم نصيحتك حتى تتجنب هذه المسئولية. ويجب أن توضح تماماً أنك في اقتراحاتك إجراء تغيير في الحكومة فإنك تستجيب لطلب النصيحة الذي نقله إليك جلالته من خلال زيور باشا". وينتقل زيور إلى القاهرة للإجتماع ببيترسون بعد أن عقد اللقاء التمهيدي مع مساعد السكرتير الشرقي . . ويحمل زيور إلى بيتروسون خضوع الملك . . واستسلامه.

قال زيور: -لقد عينت رئيساً للديوان لأجمد نشاط رئيس الديوان الآخر، غير الدستوري . . يقصد زكي الإبراشي باشا. رد بيترسون: -إن الأزمة لا يمكن التغلب عليها بهذه الطريقة . . الإبراشي يجب أن يخرج أو يعين رئيس جديد للوزارة. ويساعد زيور باشا المندوب السامي. إنه ينتقل للملك تهديدات مبالغ فيها . . حتى ينزل الملك على رغبات بيترسون . . فما دام لم يتلق شخصياً بيترسون . .فإن الوسيط يستطيع أن يقول ما يريد . . وأن يبالغ . . وأن يحذف . . كما يريد . . من الإنذارات التي يتلقاها من بيترسون. نشرت مجلة "المصور": "صرح زيور باشا رئيس الديوان بعد مقابلته لبيترسون أن الحالة سيئة جداً. ونسب إلى دولته أنه قال: -إن عبد الفتاح يحيى باشا غرز الحكومة في الوحل "الوحل للرقبة". والحقيقة أن ملك مصر كان أكثر المسئولين المصريين . . ارتعاشاً . . وارتجافاً . . وخوفاً! إنه طلب – عن طريق زيور – معرفة ما إّا كان بيترسون يكتفي بالوزيرين فرباناً فلما رفض، كان لابد من أن يكون رئيس الوزراء هو نفسه الضحية. ولا يستطيع بيترسون – بطبيعة الحال – إبلاغ الملك فؤاد بقرار مجلس الوزراء البريطاني. بل إن المندوب السامي يستمر في حملته على يحيى باشا ويوغز للصحف المصرية والبريطانية على السواء بأن الوزارة استقالت أو هي في طريقها إلى أن تستقيل. ومن جديد يلعب بيترسون بالورقة الرابحة في يده . . بعث إلى لندن يقول: "علمت من مصدرين منفصلين موثوق بهما أن حالة، صاحب الجلالة الصحية أصبحت مرة أخرى".

وتلف الحيرة وزارة الخارجية البريطانية إزاؤ هذه البرقية . . ويكتب القسم المصري في هذه الوزراة مذكرة طويلة يقول فيها: "إن الملك قابل رئيس الوزارء ساعتين مما يدل على أنه ليس مريضاً! ويتم اللقاء الخامس بين الملك ويحيى باشا يوم 3 توفمبر ويصرح رئيس الوزراء للصحفيين: -لا جديد! وبالفعل لم يكن هناك جديد فإن المندوب السامي اكتفى بالهجوم الصحفي على ملك مثر ورئيس وزرائها!! ولم يعرف الملك فؤاد قط أن مجلس الوزراء خذل المندوب السامي البريطاني . .وأنه أي الملك كان يستطيع الإستمرار في المقاومة! ويوجه بيترسون الطلقة الأخيرة لرئيس الوزراء عن طريق صحيفة "الأجيبشيان جازيت" . . وصفت الجازيت رئيس وزراء مصر . . صباح يوم 6 نوفمبر بانه رجل محدود الكفاءة ومع ذلك وصل إلى أعلى منصب في بلاده. وهو يتهم بالبرتوكول ويصلح لمنصب وزير الخاريجة وقت الهدوؤ – لا خلال الأزمات – ولا يستطيع أن يلعب دوراً سياسياً مهماً. إن رئيس وزراء مصر ليس له اتصال بالواقع وأعصابه تخونه وتمنعه وساقاه معلقان في الهواء، ولا يستطيع ان يتصرف وحده. واستقالته مؤكدة ولكن الشك فقط في موعد الإستقالة . . ومن المصلحة أن يستقيل قبل ان تواجه مصر مشاكلها. وستمر المقال عنيفاً . . مندفعاً ضد الملك نفسه . . قال الجازيتك "إن استقالة يحيى هو نهاية عصر . . والشعب لن يقبل حكومة قصرة مرة أخرى . . إن عرش مصر كاد أن يسقط عام 1882 لولا الإنجليز. والأسرة المالكة لم تبق إلا بسبب تدخل الإنجليز. والخديوي ما كان يملك أو يحكم لولا الإنجليز. وخلال ال15 سنة الماضية كاد العرش يسقط اكثر من مرة لاولا القوات البريطانية . . وعدم التدخل مستحيل مادامت القوات البريطانية في مصر . . ووجود هذه القنوات هو تدخل مستمر في التطور السياسي المصري . .لأنها تمنع العماصر السياسية الحيوية من فرض الطريقة المحتومة للتغيير وهي . . الثورة. إن القوات البريطانية منعت العناصر الثورية من النجاح . . فالثورة تكلف مصر غالياً، لأن لبريطانيا مصالح طثيرة في مصر وللمحافظة على التحفظات الأربعة التي فرضها تصريح 28 فبراير 1922. إن العقول القصر يتدخل فستنشأ براعم جديدة للثورة في مصر. وكل من يقبل الحكم الآن سيفشل وستشضيع سمعته السياسية إلا إذا حصل على ضمانات".

وجد الملك أنه وحده الخاسر في الصراع بين رئيس وزارئه والمندوب ا لسامي . . إن ا لملك رأى أن يجعل رئيس وزرائه مسئولاً عن كل ما وقع . . رأى الملك أن من مصلحته الإتفاق مع المندوب السامي . . ولا توجد له – أية مصلحة – في الإختلاف مع ممثل بريطانيا المؤقت . . وجد المك أن من الإفضل له أن يتفق مع المندوب السامي على حكم مصر بينهما . . ولا يوجد ما يدعو أبداً للخلاف بين الملك والإنجليز . . ويلتقي صاحب الجلالة برئيس وزرائه . . دام اللقاء ساعة . . وخرج عبد الفتاح يحيى من الإحتماع يقول: -رفعت الإستقالة وزارة إلى حضرة صاحب الجلالة الملك . .

ولايجد عبد الفتاح يحيى باشا ما يقوله للتاريخ إلا أن يؤكد أنه أخلص للملك في مرض الموت. وتكون بعض سطور الإستقالة هي الإشارة الواضحة لكل ما دار من مفاضوات ومناورات وضغوط. قال عبد الفتاح يحيى: "في الشهر الأخير والمصريون جميعاً يدعوا إلى الله أن يتم لجلالتكم أسباب الصحة أبلغت رغبات من الحكومة البريطانية لا يسعني قبولها دون التفريك في حقوق البلاد". "ويكتفي الملك بسطر واحد في كتاب قبول الإستقالة الذي وجهه الباشا رأى أن فيه العزاء عن كل ما بذله يحيى باشا. قال: "أسفنا لإستقالتكم لما نعرفه فيكم من خالص الولاء لنا".

ووصفت آخر ساعة اللقاء الأخير بين الملك ورئيس وزارئه . . كتبت تقول: "في أثناء تشرف عبد الفتاح يحيى بمقابلة جلالة الملك وهو يرفع استقالته إلى مقامه السامي أفاض دولته في شرح ما تحمله وما رضى باحتماله رغبة منه في خدمة العرش والوطن. وهنا غلب التأثر في دولته فبكى بين يدي المليك. وطيب جلالة الملك خاطر الرئيس المستقيل. وربت جلالته حفظه الله كتف عبد الفتاح يحيى باشا إظهاراً لعطفه السامي. ودعا عبد الفتاح يحيى باشا لجلالة الملك بالصحة زالعافية ثم انصرف من الحضرة الملكية ودموع التأثر لا تظال تبلل خديه". ورسم فنان الكاريكاتير صاروخان لوحة تبين عبد الفتاح يحيى باشا يجلس على كرسي يبكي وقد سالت دموعه . . وامامه بدلة رئيس الوزراء الموشاه. وطنب الدكتور سعيد عبده الزجل التالي على لسان عبد الفتاح يحيى بعنوان "يا بلدة العز": يابدلة العز يا فاكهة مولية يا مدندشة بالقصب، يا مكلفة يا مرصعة بميت نيشان يا حلوة في عنيه أودعك بودي لو يودعني طيب الحياة وانتي تفضلي ليه بعد العذاب اللي شفته كل يوم ألوان والأسبيرين اللي خدته كل ليلة حفان والمرمطة والقرف والزفت والقطران من بعد ده كله لو كنتي فضلتي ليه

            مكنتش أزعل ولا قلبي يكون حزنان

فين عهدك الحلو؟ راحت فين لياليكي؟ وفين نهار ما خطر طيفي الجميل فيكي؟ ياريتني حنة بطانة من حواشيكي لو كنت أعرف بأنك مش راحا تدومي

وهكذا يجلس على كرسي رئاسة الوزراء توفيق نسيم بعد أن افتقد هذا الكرسي 12 سنة كاملة . . لأن آخر مرة تولى فيها هذا المنصب كانت عام 1922. وحفت المناورات والمخاطر والشد والجذب بعملية تشكيل الوزراة بين الملك وتوفيق نسيم والمندوب السامي بالنيابة. كان توفيق هو الرجل المناسب في الوقت المناسب. تعلم في مدرسة الجيزويت بمصر وحصل على ليسانس الحقوق واشتغل بالمحاماة. اختير وزيراً للأوقاف 6 أشهر في وزارة محمد سعيد باشا الإدارية بعد قيام ثورة 1919 ووزيراً للداخلية 6 أشهر أخرى في وزارة يوسف وهبه باشا . . والوزارتان إداريتان شكلتا لتصريف الشئون الإدارية ولا علاقة لهما بالسياسة أبداً. لم يشترك في ثورة 19 وبقى مناوراً ورأس الوزارة 10 أشهر عامي 20 و21. وقد اكتفت وزارته أيضاً بتصريف الأمور. ورأس الوزارة مرة أخرى نحو شهرين في أواخر 1922 وأوائل 23. واختاره سعد زغلول وزيراً للمالية 10 أشهر. عين رئيساً للديوان الملكي 3 مرات. ويموت صاحب الجلالة يوم 28 إبريل عام 1936 أي بعد رحيل بيترسون عن مصر بأكثر من عام. وتجري الإنتخابات في مصر ويفوز وياولى مصطفى النحاس رئاسة الوزراة.

ويجتمع البرلمان المصري يوم الجمعة 8 مايو 1936 ليبحث أسماء الأوصياء على العرش. فتح المظروف الذي كتب فيه أحمد فؤاد أسماء الأوصياء الذين اختارهم. وتبين أن الملك اختار الأوصياء يوم 21 يونيو 1922 أي بعد 3 أشهر من إعلانه ملكاً على مصر . .وبعد عامين من ميلاد فاروق الذي ولد يوم 11 فبراير 1920. لم يكن هناك ما يدعو بيترسون إلى الخوف أو القلق فالأوصياء الثلاثة اختارهم الملك قبل 14 سنة من وفاته . . وهم: محمد توفيق نسيم باشا. وعدلي يكن باشا. ومحمود فخري باشا. وكان أحدهم – وهو عدلي يكن – قد مات. وعلى ذل ك فإن كل ما وصل بيترسون من إشاعات عن الأوصياء كان أكذوبة ضخمة.

ويرفض البرلمان الوفدي عام 1936 أن يعين الأوصياء الثلاثة الذين اختارهم الملك عام 1922! وكانت حجة الوفد ان الوصية قديمة . . وأن أحد الأوصياء – عدلي يكن – قد مات. واحتار البرلمان بدلاً منهم الأمير محمد على وعيد العزيز عوت باشا ومحمد شريف صبري باشا خال الملك فاروق!

أما عبد الفتاح يحيى فقد تولى بعد استقالته منصب وزير الدولة ثم وزارة الخارجية مرتين. وعندما سافر محمد محمود باشا رئيس الوزراء إلى أوروبا اسندت رئاسة الوزراة بالنيابة إلى عبد الفتاح يحيى باشا نحو شهرين. ولكن. لأن الإنجليز غضبوا عليه وهو رئيس للوزراة فإنه لم يتولى هذا المنصب بعد ذلك لا في عهد الملك فؤاد أو ابنه فاروق!

مصطفى النحاس

أول مرسوم لصاحب الجلالة إقالة رئيس الوزراء! مات الملك فؤاد، يوم 18 أبريل عام 1936، وابنه وولي عهده فاروق يدرس في إنجلترا فأسرع بالعودة إلى مصر ليعلن جلوسه على العرش. في أثناء رحلة عودة صاحب الجلالة جرت الإنتخابات لمجلس النواب يوم 2 مايو، وكان الملك الراحل قد حدد موعدها ففاز حزب الوفد برئاسة مصطفى النحاس بالأغلبية. كان فاروق في السادسة عشرة من العمر، لم يبلغ سن الرشد بعد ولذلك اختار البرلمان – يوم 8 مايو – ثلاثة أوصياء على العرش هم: الأمير محمد على بن عم فاروق، وعبد العزيز عزت، ومحمد شريف صبري. استقال على ماهر رئيس الوزراة ليتولاها مصطفى النحاس. وكان ولي العهد منحازاً إلى النحاس باشا. ولكن النحاس لم يبذل جهداً للتقرب من الأمير الوصي على العرش. شكا الأمير للسفير البريطاني مايلز لامبسون قائلاً: -أجبرني النحاس على الموافقة على توزيع حوالي 850 لقباً ونيشاناً. أغلبها على أعضاء الوفد. ويكتب السفير إلى لندن قائلاً: "ارتكب النحاس باشا الخطأ الفادح بعدم بذل أي جهد لمصالحة الوصي على العرش". وأبلغ دوماني مساعد السكرتير الخاص للنحاس السفير البريطاني بأن النحاس، بعد زيارته لألمانيا ولقائه بالزعيم الألماني هتلر تأثر إلى حد كبير بما رآه وأنه يطمح في تبني بعش أساليب النازي لخدمة أغراضه في مصر على الرغم من بقائه معادياً للفاشية في إيطاليا!

بدأ النحاس حياته العملية في السلك القضائي. عمل قاضياً، من الدرجة الأولى، بمحكمة طنطا الأهلية. شغل بالحركة الوطنية، فكان وهو قاض يزور منطقة قناة السويس ليرى ما إذا كان الأتراك قد عبروا القناة في الحرب العالمية الأولى. وانضم إلى ثورة عام 1919، وفي السنة التالية أصبح أهم مساعدي سعد زغلول وينظم الطلبة الوفديين. نفس سعد زغلول إلى سيشل عام 1921، وعادمنها في يوينو 1923. في أول انتخابات لمجلس النواب اختير عضواً عن دائرة سمنود. وتولى وزارة المواصلات في يناير عام 1924 في أول وزارة يشكلها سعد زغلول. وانتخب نائباً في البرلمان 1926. وحاول الوفد إدخاله وزيراً في الوزارة الائتلافية في يونيو عام 1926 ولكن المندوب السامي اعترض فانتخب نائباً لرئيس مجلس النواب. وأصبح رئيساً لحزب الوفد في سبتمبر عام 27 بعد وفاة سعد زغلول. ضد منافسه على الرئاسة فتح الله بركات. وأصبح رئيساً للوزراة عام 28 بعد استقالة عبد الخالق ثروت. ودخل في خلاف حاد مع الحكومة البريطانية حول قانون الإجتماعات العامة. واضطر إلى تأجيل بحث مشروع القانون من مجلس النواب عبد أن وجه إليه الإنجليز إنذاراً. أقاله الملك فؤاد لأول مرة في يوينو عام 38. فالوزراة كانت ائتلافية من حزبي الوفد والأحرار الدستوريين فاستقال أربعة وزراء من الأحرار ورأى الملك فؤاد أن الائتلاف تصدع لذلك. وكانت هذه أول مرة يقال فيها النحاس. رأى الوفد ألا يدخل بعد ذلك أية وزراة ائتلافية. وتولى رئاسة الوزراة عام 30 يعد استقالة عدلي يكن من مارس إلى اميو. واستقال النحاس بعد هذه الشهور، لأ،ه فشل في مفاوضاته مع الإنجليز لتحقيق الجلاء. تزوج في 12 يوينو عام 1934، قبل يومين من عيد ميلاده الخمسين بالسيدة زينب الوكيل – وهي كريمة وفيد كبير من البحيرة وكانت في الثالثة والعشرين. أصبح في نهاية عام 1935 رئيساً لجبهة موحدة من كل الأحزاب السياسية ثم رئيساً للوفد المصري الذي وقع معاهدة 1936 مع بريطانيا في أغسطس عام 36 وصدق البرلمان المصري بأغلبية كبيرة على المعاهدة في نوفمبر.

وصلت السفينة "النيل" إلى الميناء في الثامنة من صباح يوم 6 مايو تقل الملك فاروق. قام عدد من الشخصيات المصرية المرموقة باعتلاء متن السفينة. استقل جلالته زورقاً إلى رصيف قصر رأس التين حيث كان في استقباله السير مايلز لامبسون السفير البريطاني ورجال السلك الدبلوماسي. مر الملك في طريقه من القصر إلى محطة السكك الحديدية بالشوارع المزدانة، وقامت الجماهير العريضة بتحيته بحماس. وفي الجماهير اجتمع عدد آخر من الشخصيات بينهم رؤساء الوزارات السابقون لتحية جلالته ولوحظ ان الملك انفرد بعلي ماهر باشا وأخبره برغبته في أن يذهب على باشا فوراً إلى القاهرة. وقد دفع ذلك علناً لتأكيد أن جلالته مصمم على إبقاء العلاقة الوثيقة بينه وبين على ماهر الذي كان ئيساً لديوان أبيه الملك فؤاد. وعلى ماهر كان رئيساً للوزراء 4 أشهر في أواخر عهد الملك فؤاد. وفي رأي القائم بالأعمال الأمركي: "إنه لم تتح له الفرصه لتحقيق برامجه وطموحاته". وكما هي العادة في مثل هذه المناسبات، توقف القطار الملكي في المحطات الرئيسية في الطريق إلى القاهرة لتتمكن الجماهير من التعبير عن ولائهم لصاحب الجلالة. وفي القاهرة توجه القطار مباشرة إلى محطة قصر القبة.

وضع علي ماهر لصاحب الجلالة برنامجاً ليجعل صورته تظهر امام الشعب باعتباره "الملك الصالح" لإجتذاب الجماهير. بعد وصوله من لندن زار يوم الجمعة مسجد الإمام الحسين، وأدى فيه صلاة الجمعة. في الأسبوع التالي صلى في مسجد السيدة زينب. ونشرت الصحف أن جلالة الملك سيصلي الجمعة دواماً في المساجد في القاهرة والإسكندرية، وأنه سيعلن في الوقت المناسب أسماء المساجد.

وأعلن القصر الملكي أن صاحب الجلالة يريد إحاطة زيارته للمساجد بالمظهر الديني فحسب، ولا يريد أن يكون لها الطابع الرسمي، ولذلك فإنه لا داعي لن يحيط بالملك أعضاء مجلس الوصاية أو مجلس الوزراء. ولم يكن ذلك هو الهدف بل أراد على ماهر أن تكون الإستقبالات الشعبية لصاحب الجلالة وحده وهو يصلي! وأعلن أن الملك سيزور المساجد متخفياً ليختلط برعاياه كما كان يفعل الفاروق عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين فإن من الصدف أن يكون اسمه فاروق أيضاً! ورأى الوفد أن شعبية الملك ستفوق النحاس ولذلك بدأ ينافسه. عندما قرر الملك أن يصلي الجمعة في مسجد أبو العلا ببولاق أعلن أن الوفد هو الذي اقم بإصلاح المسجد. وظهر النحاس بجوار فاروق ليهتف لهما الناس معاص مما أثار حفيظة الملك ضد رئيس وزرائه. ويختار على ماهر الشيخ المراغي شيخ الأزهر ليكون – دون غيره – مدرس اللغة العربية للملك! والمراغي لم يكن على وئام مع الوفد.

في 11 يونيو قال أمين عثمان، الوسيط بين السفارة البريطانية والنحاس، ورسول كل منهما للآخر: -النحاس قد يرى التخلص من الوزير محمود فهمي النقراشي فهو عنيد ومعاد للإنجليز وعازم على التخلص من كل الأجانب، وكل الوزارات الأخرى في وزارته ويريد محو النفوذ الإنجليزي حيث يوجد. إن مشاعره الأساسية معادية للإنجليز بينما يرى النحاس أن التعاون المخلص بين مصر وبريطانيا هو أساس وصلب حكمه وإذا لم يمض النقراشي في هذا الخط فيجب أن يذهب. أبدى السفير البريطاني سعادته بذلك. وفي 11 يوليو التقى السفير البريطاني بالنحاس الذي قال له: -النقراشي يجب أن يذهب. قال: -من سياسة النقراشي التخلص من أي بريطاني يعمل في الحكومة المصرية. ومن ناحية أخرى فإن مكرم عبيد كان يريد التخلص من الوزراء الأقوياء وقد أوحى للنحاس بأن النقراشي جاسوس للملك يسرب إليه أخبار الوفد!

وفي 17 سبتمبر قال الأمير محمد على الوصي على العرش لدافيد كِلي الوزير المفوض في السفارة البريطانية والقائم بأعمال السفير أن أحمد ماهر والنقراشي قد ينفصلان عن النحاس ومكرم. ويبدو أنهما عنصرا معارضة في الوفد باعتبارهما الرجلان القويان في احوب القادران على التصدي للزعماء الراسخين. وقال الأمير إن النحاس ومكرم أظهرا عدم ثقتهما بأحمد ماهر والنقراشي بأن سحبا منهما أعمال الدعاية للوفد.

. . ويبقى الأوصياء الثلاثة. يقومون بمهامهم حتى يوم 29 يوليو 1937 عندما تولى الملك سلطاته الدستورية بعد ان قالت فتوى يأنه يمكن لفاروق أن يبلغ سن الرشد إذا حسب عمره 18 سنة بالتقويم الهجري لا الميلادي . وهو ما اتبع من قبل في أواخر القرن الماضي مع الخديوي عباس حلمي الثاني الذي توفى والده الخديوي توفيق وابنه لم يبلغ الثامنة عشرة بعد! وكان النحاس من الذين رحبوا بالفتوى بينما قال الأمير محمد على: -لابد أن ننتظر ليكمل فاروق الثامنة عشرة . . حتى ينضج! ولكن النحاس ةكثيرين غيره أرادوا أن يعجلوا بجلوس الصبي على عرش مصر ليحكموها من خلاله . . وليحكموه!

ويقترب موعد بلوغ فاروق الثامنة عشرة بالتقويم الهجري فيبدأ الأمير محمد على يعرض اقتراحاته لحفل التتويج. قال وكيل وزارة شئون القصر – الوفدي – عبد الفتاح الطويل: -أريد أن أعرف من الآن كيف سيتوج الملك عند بلوغه سن الرشد في يويلو المقبل. التتويج يجب أن يكون على نمط ما طان في عهد الحدويين فيجتمع شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء في مسجد محمد على الكبير بالقلعة، ثم يأخذ شيخ الأزهر الإسلام – شيخ الأوهر – الشيخ محمد مصطفى المراغي سيف رأس الأسرة العلوية، ومعه تاج كبير، فيسلم السيف إلى فاروق ويلبسه التاج، وبهذا يكون التتويج شرعياً قانونياً. وكان فاروق في ذلك الوقت في سويسرا، والصحف والمجلات المصرية ترسل إليه بالطائرة بانتظام فطابت له الفكرة!

قال النحاس للأمير محمد على: -هذا عهد مضى ونحن الآن في عصر دستور وحياة نيابية وتتويج الملك وتوليه سلطته الدستورية نص عليه الدستور وحدد معالمه، وجعل التولية من شأن النواب وحدهم. زمجر الأمير – غضب – قام من كرسيه وقال: -شيخ إيه ونواب إيه أين سيف رأس العائلة محمد على الكبير وأين الشيوخ الكبار؟ رد النحاس: -هذه هو رأي الدستور، ونحن بلد لنابرلمان، ولنا نظام دستوري. غضب الأمير مرة أخرى وقال: -هذا عمل لا ينفع. ولا يمكن أن يكون الملك ملكاً إلا إذا أمسك بسيف جده وخرد بين الشيوخ الكبار. قال النحاس: -هذا لا يكون تتويجاً ولكن يكون (كرنفالاً) ولن أوافق عليه بحال من الأحوال.

عاد فاروق إلى إنجلترا ليمضي أيامه هناك ثم رجع إلى مصر في 25 يوليو 1937 ليجد في انتظاره استقبالاً حاراً . . جديداً! أدى فاروق اليمين الدستورية أمام البرلمان. استقبله الأعضاء استقبالاً حاراً نهض كل من في المجلس وصفقوا بقوة لقدومه وتركت – الملكة الأم – المنصة الخاصة بها لمشاهدة وصول موكب ابنها. وعند عودتها حاولت قرينة النحاس باشا – السيد زينب الوكيل – التي كانت تجلس بين السيدات في المقصورة، أن تبين عدم قدرتها على النهوض من مقعدها فتبادلت الملكة وقرينة رئيس الورزاء – على البعد – إيماءات غير مشجعة! وإذا كان النحاس قد أصبح نداً أو منافساً لصاحب الجلالة فإن السيدة زينب الويل أصبحت منافسة لجلالة الملكة نازلي! قدم النحاس استقالته لصاحب الجلالة كما تقضي التقاليد. وأعاد تشكيل وزارته فقدم قائمة بأسماء الوزراء إلى مراد محسن باشا ناظر الخاصة الملكية لأن على ماهر كان مستشار الملك غير الرسمي، فليس له أي منصب. لم يعترض مراد محسن باشا على أي من الأسماء، ولذلك جلس الوراء في بيت النحاس وهم يرتدون "الفرك" في انتظار مثولهم أمام الملك لأداء اليمين الدستورية. فوجئ النحاس باعتراض الملك على تعيين يوسف الجندي نائب زعيم المعارضة بمجلس الشيوخ والوكيل البرلماني لوزارة الداخلية والمحامي الشاب . . وزيراً للمعارف بحجة أن نزاهته في أثناء وكالته البرلمانية ليست فوق الشبهات! وقال مراد محسن باشا صراحة للنحاس: -الوزير ليس اميناً. أخذ النحاس على غرة بسبب هذا الرفض غير المتوقع. وبدلاً من الإصرار على تعيين الوزير إذا بالنحاس يستسلم ولا يقاوم. ولم يذكر حقه الدستوري بشان اختيار وزرائه. فقد أراد صاحب الجلالة بذلك أن يوجه ضربة إلى هيبة النحاس باشا. وقبل النحاس حلاً وسطاً بعد شهور عندما وافق صاحب الجلالة على تعيين يوسف الجندي وكيلاً برلمانياً مرة أخرى! وهناك عامل مهم شجع فاروق ومستشاريه على ذلك فإن النحاس أخرج أربعة من وزرائه من وزارته السابقة أهمهم، وفي مقدمتهم محمود فهمي النقراشي وهو زعيم الشباب الوفدي ووزير المواصلات، والوزير الوحيد الذي خلت وزراته من الإستثناءات والمحسوبية! برر النحاس ذلك بأنه يريد وزارة متجانسة. قال: -سير العمل يقتضي تجانساً وانسجاماً داخل هيئة الوزارة وتحقيقها لعامل الإنسجام في مجلس الوزراء رأيت إخراج النقراشي ولكن برضائه مع الإحتفاظ بوفديته. ولكن كانت هناك أسباب أخرى أهم من عدم التجانس. هاجم النقراشي في مجلس الوزراء إرساء عطاء مشروع توليد كهرباء خزان أسوان على شركة إنجليزية دون مناقصة بينما الفارق بين عطائها والعطاء الآخر الأقل مليونين ومائتي جنيه فأثار بذلك قضية نزاهة الحكم. عرض النحاس على النقراشي عضوية مجلس إدارة شركة قناة السويس، ومرتبها أكبر من مرتب الوزير، خمسة آلاف جنيه سنوياً والوظيفة دائمة فرفض النقراشي. قال الوفديون معلقين بأن النقراشي قبل المنصب في أول المر. ولكن صحيفة "البلاغ" الناطقة باسم القصر عاتبته لقبوله المنصب ذي الخمسة آلاف جنيه فاعتذر عنه. وكان هدف الوفديين من ذلك الإساءة إلى النقراشي وأنه ليس على المستوى الذي يدعيه من النزاهة. ولكن الحقيقة في الوثائق البريطانية أن النقراشي رفض المنصب منذ البداية وأبلغ ذلك لرئيس تحرير صحيفة "الأجيبشيان جازيت" الذي سربه للسفير البريطاني! قالت السيدة صفية زغلول للنحاس ععندما زراها بعد رفضه تعيين النقراشي: -لقد فتحت لكم هذا البيت وتركت مكتب سعد تجتمعون فيه عندما كنتم كتلة واحدة ويداً واحدة، أما وقد اخلفتم وانقسمتم فلا يسعني إلا أن أغلق باب علي وأمنع الإجتماعات فيه. فيجيبها النحاس وهو يضغط على أعصابه: -أنت حرة فيما تريدين، ولقد خصصنا بيت الأمة لسكنك بعد سعد لأنك شريكة حياته. ولست أقول لك كما قال عبد اللطيف الصوفاني لسهد حين قال له كيف تخاطبني بلهجة عنيفة وأنت في بيتي فيرد الصوفاني بأنه بيت الأمة. ولكني أقول لك إن البيت بيتك ولك أن تدخلي من تشائين، أما عني فلن أدخل هذا البيت بعد الآن ولن يكون للوفد اجتمع فيه. ويكتب السفير إلى لندن: "ليس من الحكمة المبالغة في تقدير الشعبية التي أعطت الملك فاروق فكرة مبالغاً فيها عن نفسه. والإحتمالات هي ان الشعب المصري سيعود على المدى الطويل إلى كراهيته الأساسية لأسرة محمد علي وينبغي الإقرار بأن الحكام المتعاقبين لهذه الأسرة لم يقدموا إلى رعيتهم ما يكفي للتغلب على هذه الكراهية. وسيكون من عدم الإنصاف الحكم على شعبية الملك فاروق في المستقبل استناداً إلى الحفاوة الحالية بشبابه. والعالمون ببواطن الأمور يرون أنه غير مثقف وكسول، وغير مسئول، ولاه. ولكنه يتمتع بذكاء وجاذبية في الطباع وهو مالا يمكن أن يوفر له سيطرة دائمة على شعبه. وإذا نجح في إزاحة الوفد فعلينا أن نتوقع عودته في أشكال مبالغ فيها مع كل تجاوزات الحكومة التي كان يتميز بها عصر والده الملك فؤاد خلال فترات تدخله في الحكم بإقامة حكومات موالية للسراي". زادت الخلافات بين فاروق والنحاس يضاعفها ما قيل لفاروق من أن النحاس كان خصماً لبيه وقد سبق إقالته. الحكومة لم تحقق أية إصلاحات تحتاج إليها البلاد في أعقاب الأزمة الإقتصادية التي مرت بمصر والعالم. والنحاس ظن أنه لا يزال يعيش في عصر الملك فؤاد ويحارب امتياز القصر، ولم يستطع أن يتكيف مع ملك شاب يتمتع بشعبية هائلة.

ومن هنا فإن الملك لم يترك نفسه ليقوده ويوجهه رئيس وزرائه ويعملان معاً، بل ترك صاحب الجلالة نفسه لمستشاريه الذين كونوا فريقاً معارضاً للحكومة خارج نطاق البرلمان. وكان صاحب الجلالة يرغب في قيام وزارة ائتلافية كما كان الأمر في أواخر عهد أبيه الملك فؤاد. وتجئ مشكلة أخرى، وهي القمصان الزرقاء، وهو تنظيم عسكري، أقامه الوفد ويضم 30 ألفاً مسلحين ليحميه من ناحية ورداً على تنظيم أقامه حزب مصر الفتاة برئاسة أحمد حسين وهو تنظيم القصمان الخضراء. قال حكمدار شرطة القاهرة بالنيابة فيتزباتريك للسفير البريطاني: -من الواضح أن غرضهم الآن ليس فقط حماية حزب الوفد ضد القصر، ولكن أيضاً الدفاع عن النحاس ضد المعارضة داخل حزب الوفد نفسه أو خارجه. وتزود كل مدينة وبلدة وقرية في مصر جماعة القصمان الزرقاء بأفراد جدد. وأعضاء القصمان الزرق يقفون خلف النحاس ومكرم. وقرر مكرم عبيد أنه لابد من بذل كل الجهود لزيادة قوة حركة القمصان الزرق إلى 100.000، ولابد من توفير الإعتمادات المالية الضرورية فوراً. ويتم إنشاء معسكرات تدريبية لأعضاء حركة القمصان الزرق بمصر, البعض منها في الإسكندرية، وفي كل بلدة وقرية في مصر. وعند انضمام الأعضاء الجدد يتم تزويدهم بزي معين وإطعامهم أو يتسلمون تصريحاً بحصة طعام، وإذا لمي كن لديهم مأوى فيمكن إيوائهم في المعسكرات. ويشعر القصر بالقلق الشديد تجاه انشطة حركة القمصان الزرق المتزايدة. ولكن النحاس عنيد فيما يختص بأي تدخل في شئونهم، ويؤيدهم بشدة مكرم. قال الأمير محمد على للسفارة البريطانية: -القمصان الزرقاء تنظيم عسكري يقوده ضباط سابقون وله هيئة مخابرات. ومن الواضح أن النحاس ومكرم يحكمان البلاد بأنهسهما. وفي تقرير للإدارة الأوربية لوزراة الداخلية المصرية بعثت به إلى السفارة. "القمصان الزرقاء تأسست في الأصل لمواجهة نظم القمصان الخضر المناهضة للوفد، ولتثبيت المتداعي للوفديين، وقد اكتسبت قوة دافعة إلى الدرجة التي يمكن أن تكون هناك خطراً أن يفلت عقالها. وتبعث على القلق نسبة العمال والعاطلين والدهماء في صفوفها وخصوصاُ في القاهرة، حيث تقدر هذه النسبة ب85% بالمقارنة ب15% للطلاب. ويبدو أيضاً أن الأقلية الطلابية فقط هي التي تلتزم بسيطرة الوفد، أما الأغلبية العظمى فهي تحت قيادة محمد بلال الذي يعارض نفوذ اللجان الفرعية للوفد! وقد حدث صدام بين قسمي القمصان الزرق. وهذه الحادثة بالإضافة إلى هجوم مجموعة كبيرة من القمصان الزرق على أحد أقسام البوليس في القاهرة، والدور البارز الذي لعبه القمصان الزرق في المظاهرات الأخيرة التي نظمت لتكريم النحاس باشا ومكرم باشا، مما اكتسب قدراً كبيراً من اهتمام الرأي العام الذي بدأ ينظر في قلق ملحوظ لنمو حركة شبه عسكرية لا تخضع ليسطرة أي حكومة أو حزب. ويشارك بعض الورزاء سراً في استياء الرأي العام، وفيما يتعلق بالدرجة التي يشعر بها النحاس باشا ومكرم باشا حقاً بالثقة في قدرتهما على السيطرة على الحركة، فذلك شئ لا يمكن تحديده فربما كانا كتأثرين بالأمل في استخدامها، لا كأداة وفدية فحسب بل إذا اقتضت الحاجة كسلاح شخصي ضد أي حركة انشقاق داخل الوفد نفسه.

ويقوم النحاس بإنشاء قطاع جديد من القمصان الزرقاء يكون مقصوراً على الجامعة! بعد تسعة شهور من تولي النحاس باشا رئاسة الوزارة كتب السفير البريطاني السير مايلز لامبسون إلى لندن يصف أحوال مصر السياسية بعد توقيع معاهدة 36 وتحرر مصر من الرقابة التي كانت تمارسها دار المندوب السامي ونفوذ العناصر البريطانية في جهازي الإدارة والأمن. قال في 16 فبراير 37 يبين سياسة الوزارة في المحسوبية والمحاباة:

"النحاس يعتمد على مكرم عبيد وزير المالية والسكرتير العام لحزب الوفد ويهمل الدكتور أحمد ماهر رئيس مجلس النوب وهو يعادي مكرم بسبب المنافسه، أما باقي الوزراء فقد أصبحوا قلقين، بسبب عجز مكرم والنحاس. والحقيقة أن ماهر وجد أن النحاس كان يفوض كثيراً من الإختصاصات والصلاحيات لمكرم عبيد". وأضاف السفير في تقريره: "النقطة التي يمكن أن تتجمع فيها عناصر المعارضة في عهد ما بعد المعاهدة القصر الذي يديره في الوقت الحاضر على ماهر رئيس الديوان الملكي السابق ورئيس الوزراء السابق أيضاً". وتحدث السفير في رسالته طويلاً عن الجهود التي تبذل لجعل الملك الطفل شخصية محبوبة وتقية، نقية. والدعاية له غير مألوفة. وغير عادية في الصحف"! ويفزع إيدن للصورة التي رسمها السفير لمصر في تلك الفترة التي تلت توقيع معاهدة الصداقة والتحالف بين البلدين. فيكتب وزير الخارجية إلى سفيره في القاهرة قائلاً: "لا أملك إلا أن أنظر بقلق إلى الوحل الذي تتقدم إليه، لا محالة، مصر. وإني متلهف على القيام بأي شئ من الممكن أن يوقف سقوطها". ويضيف: "إذا وضعنا في اعتبارنا أولاً مسألة الإدارة فسنجد أن تدهور وزارة العدل أمر خطير، وهو في غاية الأهمية وينبغي التحقيق فيه قبل أن يتطور. وكذلك سوء الأحوال في وزارة الأشغال وسلوك القائد السياسي وسلوكه في المسائل المالية. إن الجهل المالي والتأخير في وزارة المالية، يعتبر باعثاً على شكوك خطيرة. وإذا استمرت محاباة الأقارب في التوظيف التي يمارسها النحاس باشا، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى زبادة عجز الحكومة وخصوصاً إذا صاحبه فشل وزارة الداخلية، وهي الوزارة المهمة وسيؤدي ذلك إلى امتداد العجز إلى الأقاليم. والمنافسة الواضحة القائمة من أجل مصلحة الشعب، بين الملك كرئيس صوري لحزب القصر من ناحية، وبين الوفد من الناحية الأخرى، أصبحت ذات خطورة واضحة. والملك، بدون أدنى شك، متاكد من فوزه في الوقت الحالي. أما إذا خسر جلالته، وقاد معارضة قوية ضد الوفد، فمن المحتمل أن يجني استياء شعبه. وموقف من هذا القبيل في أي حدث، خصوصاً إذا كان غير مر غوب فيه بعد، فمن الممكن أن يصبح ذا خطورة، إذا قرر أعضاء الوفد تحقيق غرضهم الذي تبدو علاماته في إدخال المحاباة السياسية في الجيش"!! ويخشى إيدن وزير الخارجية أن يؤدي الفساد وسوئ الإدارة في مصر إلى عدم تنفيذ شروط المعاهدة وتدهور الأحوال في مصر إلى درجة تتطلب ضرورة التدخل الأجنبي، وأن تلعب القوى الأخرى دوراَ في هذا التدخل كما حدث عام 1882 فيطلب إلى سفيره تحذير النحاس من المخاطر التي تهدد الحكومة ومصر وسكانها بسبب سوء الإدارة الحالية. وأن يطلب السفير من النحاس اتخاذ خطوات فورية لإصلاح الموقف الحالي". وقال الوزير للسفير: "لابد أن توضح للنحاس بطريقة رسمية أنك تحذره باسم الحكومة البريطانية وبناء على تعليماتها". ومعنى ذلك توجيه إنذار للنحاس. رد السفير قائلاً: "إنه لا يريد توجيه إنذار للنحاس فإن العلقاة بين مصر وبريطانيا تغيرت بعد توقيع معاهدة فقد أصبحت مصر دولة مستقلة". وقال السفير: "أنصح بشدة بترك الموضوع تمامً في الوقت الراهن. ولا شك أن النحاس وزعماء الوفد ينظرون إلى منظمة القمصان الزرقاء على أنه تنظيم شبه فاشل للدفاع عن الوفد. واتفق معك في أن هذا الموقف من سوء الطالع كما أنه خطر، لكن المسألة هي كيف ندفع النحاس إلى التخلي عنه إذا لم نكن على استعداد للقيام بما يجبره على ذلك. والظروف الحالية لا تجعل ذلك ممكناً. ينبغي أن يكون لنفوذنا في الظروف الجديدة بعد المعاهدة أساس ومدى. وأن يستخدم هذا النفوذ بحذر. على الرغم من أننا مازلنا مسئولين بشطل غير مباشر عن حماية الأجانب وفقاً للإتفاقية فإن مسألة القمصان الزرقاء تظل مسألة داخلية. وقد قمت مؤخراً بمساع مخلصة في هذا الشأن لدى النحاس باشا. لقد أسر أمين عثمان، وكيل وزارة المالية ومسئول الإتصال بين الوفد والسفارة البريطانية، إلى العاملين معي عن أمله في ألا تستمر هذه الإتصالات لأن النحاس باشا حساس جداً للموضوع. وإذا كان علي الآن أن أقوم بمحاولات أخرى ويتجاهلها النحاس باشا فسوف تكون النتيجة ضعف نفوذنا إلى حد ما. ولن يكون من المفيد أن يفقد صبره ويتهمنا بالتدخل في الشئون الداخلية المصرية! وبطبيعة الحال يسارع رجال القصر لإبلاغ فاروق بخطورة هذا التنظيم على العرش وأن الملك لن يستطيع في يوم من الأيام الإطاحة بالنحاس، بسبب القصمان الزرقاء".

رد النقراشي على استبعاده من الوزارة فأذاع بياناً في 7 سبتمبر أوضح فيه موقفه من المعارضة في تنفيذ مشروع كهربة خزان أسوان واعتراضه على إرساء العطاء على شركة بريطانية دون مناقصة وكذلك ما قاله النحاس من أن يخرج النقراشي من الوزراة: كان بموافقته. وقال البيان: "حرص النحاس على إيهام الناس أن ما أحدثه كان بموافته وموافقتي وموافقة أعضاء الوزراة وليد الرغبة في انسجام من نوع جديد من نوع معناه عدم مخالفة رأي الرئيس. إن ما يراد اليوم هو فرض جو على البلاد لا يسمع فيه صوت يخالف صوت الزعيم". ودعا النقرشي إلى حل جميع فرق ذوي القمصان على اختلاف ألوانها. وهاجكم عدوان فرق القمصان الزرقاء على الناس وحرياتهم. وهاجم إقامة الحفلات لإستقبال الزعيم بينما البلاد في عسر مالي. أيد الدكتور أحمد ماهر رئيس مجلس النواب النقراشي، وناقش النحاس في ذلك وحاول إقناعه بالعدول عن سياسته، واشتد الخلاف بين الرجلين فدعيت الهيئة الوفدية إلى الإجتماع يوم 13 سبتمبر. قررت الهيئة بالإجماع اعتبار النقراشي منفصلاً عن الوفد. ولكن أحمد ماهر قال إنه لايزال يعتبر النقراشي عضواً في الحزب! ويتلقى إيدن تقريراً من القاهرة عن الأحوال في مجلس الورزاء المصري والإنقسام في مجلس الوزراء وفي قيادة الوفد. وكذلك عدم الإرتياح الأصيل لقوة الوفد.

قال التقرير:

"يمكن أن يجتمع مناوئو النحاس ومكرم في السراي التي تدار حالياً من على ماهر باشا. والمعتقد بشكل عام أن جناح أحمد ماهر – النقراشي من الوفد قد يقوم بتأييد أحزاب المعارضة والمستقلين ودعم السراي بتشكيل معارضة قوية للوفد الرسمي. ولم يوجه أي من هذه العناصر ضد النحاس أي نداء شعبي للجمهور، ولكي تنجح هذه العناصر ضد النحاس لابد لها من زعيم يمكن أن ينافس شعبية زعماء الوفد والملك الشاب هو الوحيد الذي يمكنه أن يمثل هذا العنصر. ولاشك أن النحاس بدأ يفقد جاذبيته الشعبية. وقد أظهرته زوجته الشابة وهي من الأقاليم وتدهل خصائص الحياة الوزراية في مظهر شاذ بولعه الزائد بها!! وقد تعود منذ زواجه بها التأخير في ذهابه إلى مكتبه بحيث لا يستطيع إنجاز أي عمل جاد. وهو ما أثار استياء من يظلون في انتظاره واضعين فيه أملهم في الإنجاز. وتقوم زوجته بالإتصال المباشر مع الوزراء بهدف تعيين وترقية أقاربها وكان يمكن أن تمر فترات حكم النحاس القصيرة في الماضي دون أن يلاحظ الجمهور ضعفها الإداري لكن ذلك سيتضح خلال فترات أطول كما يحدث حالياً".

جرت مشاورات بين القصر والوفد رئيس لديوان صاحب الجلالة. رشح الوفد عدداً من رجاله، وبعض المحايدين فرفض القصر، وقال الوفد إنه يريد تعيين علي ماهر باشا. بعث النحاس رسولاً يقول للقصر: -التعاون مع علي ماهر مستحيل. والوفد لا يمكن أن يوافق عليه لأن علي ماهر سبق أن اشترك في وزارات أحمد زيور، ومحمد محمود، وإسماعيل صدقي، وهي وزارات اعتدت على الحياة النيابية وعلى الدستور. ولكن صاحب الجلالة عين علي ماهر – يوم 20 أكتوبر – رئيساً للديوان الملكي على غير إرادة النحاس! وكان فاروق قد ظل متردداً في اتخاذ هذا القرار ثلاثة أشهر. ولكنه رأى أن يتحدى الوفد وأن يستهين بالبرلمان والحكم النيابي. ورأى صاحب الجلالة أن يرد على أقاربه الأمراء الذين يسخرون منه ويعيرونه بحداثة سنه ويعقدون المقارنات بينه وبين أبيه فرغب أن يثبت لهم أنه عنيد وليس ضعيفاً أمام الوفد. وكان فاروق يثق بعلي ماهر، لأنه رجل أبيه الراحل الملك أحمد فؤاد. ولم يكن الإنجليز يعارضون تعيين علي ماهر بل رغبوا في أن يتولى هذا المنصب ليكون مسئولاً بدلاً من ممارسة نفوذه سراً!

علي ماهر

كان علي ماهر مديراً لمدرسة الحقوق، وأيد – في وقت مبكر – الوفد. ساعد على الإتصال بين عدلي وسعد زغلول عام 20، وهكذا سهل المفاوضات المصرية مع اللورد ملنر. انضم بعد ذلك إلى حزب الأحرار الدستوريين. وفي عام 25، انضم إلى حزب الإتحاد تحت تأثير نشأت باشا رجل الملك والمؤسس الحقيقي للحزب. تولى وزارة المعارف في وزارة أحمد زيور في مارس 25. وكان وزيراً للمالية في يوينو عام 28 في وزراة محمد محمود. وعمل لصالح الملك ضد رئيس الوزراة. رشحه حزب الإتحاد في إحدى دوائر القاهرة ولكنه هزم هزيمة منكرة. أصبح ناظراً على وقف سيف الدين ثم مديراً للبنك الأهلي ووزيراً للمعارف ثم الحقانية – العدل – في وزارة إسماعيل صدقي. وقد أخرجه صدقي من الوزارة بعد قضية البدراوي التي عذب فيها رجال الشرطة بعض المتهمين.

عين رئيساً لديوان الملك فؤاد في يوليو 25، ثم رئيساً للوزارة في 30 يناير 1936 واستقال في 9 مايو 1936. على الرغم من بقائه خارج السلطة، كان الملك فؤاد يستشيره باستمرار بصورة غير رسمية. وظل بحركته خلف الكواليس يمارس نفوذاً ملحوظاً على سياسة السراي. وأصبحت إعادة تعيينه في رئاسة الديوان الملكي مسألة وقت. ولما عين توترت العلاقات بين السراي والوزراة لدرجة القطيعة . . تقريباً.


توجه النحاس إلى الإسكندرية يوم 26 أكتوبر يشكو لصاحب الجلالة تأخير توقيع المراسيم التي طلبتها الحكومة فحيته القمصان الزرقاء في الذهاب والعودة. طلب صاحب الجلالة من النحاس حل القمصان الزرقاء! بعد شهر أطلق عز الدين عبد القادر أحد أفراد القمصان الخضراء النار على النحاس الذي اعتقل كثياً من أعضاء الجماعة وأعد قانوناً لضمان صيانة الدستور يقضي بمعاقبة أي رئيس للوزراة يحكم أكثر من شهرين بلا برلمان ودون إجراء انتخابات نيابية. رفض الملك إحالة هذا المشروع إلى مجلس الشعب وقال علي ماهر للنحاس: هذا المشروع يعني أن من يعينه الملك يخرق الدستور! ويلتقي السفير البريطاني بالنحاس. اكتفى السير مايلز لامبسون بالإقرار بأن الطريقة التي تم بها تعيين علي ماهر كانت خاطئة من أساسها وافتقرت إلى الحكمة. -ينبغي للحاكمين أن يتذكروا الموقف الدولي وأن يركوزا جهودهم لتهدئة الموقف في الداخل. ونصح النحاس أن يتجنب أي شئ يؤدي إلى تفاقم المشكلة. ولكن تبدأ المظاهرات في جامعة فؤاد الأول – جامعة القاهرة – بين أنصار الوفد وخصومه فيقرر أحمد لطفي السيد مدير الجامعة تعطيل الدراسة في الجامعة أسبوع، ولكن الوزارة لم توافق على هذا القرار فاستقال مدير الجامعة من منصبه.

ويتحرك علي ماهر باشا في اتجاه السفارة التي تصبح طرفاً بين كل الخصوم، باتفاق كل الأطراف على تدخلها!! زار علي ماهر دافيد كيللي المفوض بالسفارة البريطانية – وأمضى معه ساعتين. أدان علي ماهر بشدة كلاً من النحاس ومكرم مشيراً إلى تصرف النحاس (الذي لم يسبق له مثيل) حيث أمر خطباء المساجد بالدعوة له من فوق المنابر. وهناك من الناس من يود قتله لهذا السبب وكذلك السلوك الفاسد الذي تمثل في إجبار فندق محلي على استضافة ثمانية من أفراد عائلته مجاناً مقابل وعد بإعطاؤ الفندق إعانة مالية مقنعة!! وقال علي ماهر: -تركت للنحاس أمور بلج متحد. ولكن النحاس استعدى عليه الزعماء الآخرين. والآن يستعدي أقطاب حزب الوفد وأصبح حكم النحاس مقترناً بانعدام الكفاءة والفساد. رد كيللي مؤيداًن أهمية قيام علاقات بريطانية مع الحكومة الحالية في هذه المرحلة التي يتم فيها وضع المعاهدة موضع التنفيذ. قال علي ماهر: -إذا بولغ في الصداقة البريطانية يمكن أن بقال إن المعاهدة ربطت مصر بالنحاس ومكرم إلى الأبد. وسوف يكون هناك تذمر ضد المعاهدة . . ويزور شيخ الأزهر مصطفى المراغي كيللي أيضاً مندداً بالنحاس مما يجعل السفارة ترى أن هناك تفكيراً جدياً في عمل إنقلاب ضد رئيس الوزراء وأن الموقف البريطاني عامل مهم في هذا الشأن. قال كيللي لأحمد حسنين الأمين الأول للملك، ورئيس ديوانه فيما بعد: -النحاس ومكرم غاضبان إلى الحد أنه إذا استمر الملك في مضايقتهما فربما يشعران بالقلق، وربما يخوضان معركة لإظهار قوتهم عندما يجتمع البرلمان. ومن رأيي أن يتغاضى الملك عن غضبه باتباع أسلوب أكثر رحابة واسترضاء. قال حسنين: -الملك يكره النحاس ويتسلى بمضايقته!! ويعتقد حسنين أن الملك يتجنب الحديث إلى السفير البريطاني والوزير المفوض كيللي في السياسة (كحاله مع بقية الممثلين الأجانب)، خوفاً من أن تكشف حقيقته، وأن يظهر جهله. وقال أحمد حسنين: -وعلي ماهر هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه التأثير في الملك ولا أشعر بالثقة لا في أفكار علي ماهر الداخلية في الموقف الحالي، ولا في أنه يستطيع التعامل مع الملك، فيما يختص بالصراع بين صاحب الجلالة، وحزب الوفد. ويلتقي دافيد كيللي بمكرم عبيد ويقول له: -هناك نية – في الوفد - لوضع قانون خاص لإلغاء الإمتيازات الملكية! أكد مكرم عدة مرات، وبطريقة رسمية للغاية، أنه ليست هناك أية نية لذلك ولن نتطرق إطلاقاً إلى تلك السياسة الخطيرة إلا إذا لم تكن هناك وسيلة غيرها. ويبدأ الصدام العنيف بين القصر والوفد. خلا مقعد في مجلس الشيوخ فأراد النحاس تعيين وفدي هو حسن نافع. اعترض صاحب الجلالة واقترح تعيين عبد العزيز فهمي وزير العدل الساق ورئيس محكمة النقض السابق، وكان رئيساً قبل ذلك لحزب الأحرار الدستوريين. عدل النحاس عن تعيين حسن نافع ورشح بدلاً منه فخري عبد النور وكان له دور بارز في ثورة 1919، وفي حزب الوفد. ولكن الملك أصر على اسم عبد العزيز فهمي. وكان للفريقين سند من الدستور. النحاس يرىأن الوزارة مسئولاً – دستورياً – عن التعيين أمام البرلمان والرأي العام. والملك يرى أن الهدف من تعيين بعض أعضاء مجلس الشيوخ أن يضم المجلس الكفاءات التي لم تدخل الإنتخابات أو لم تفز فيها. والملك في هذا الشان يطبق الدستور ويحميه. تمسك كل فريق برأيه وبحجته الدستورية. ويظل السفير البريطاني طرفاً في الصراع بينهما. وصف النحاس "فاروق" للسفير يوم 2 نوفمبر فقال: -الملك فاروق "لا يحتمل بالمرة" فقد استخدم معي لغة مثيرة للإستفزاز خلال لقائنا الأخير. وكان واضحاً بما لا يدع مجلاً للشك أن الملك يسعى بذلك إلى إحداث تصدع في العلاقات بيننا واستقالتي! تمالك السفير نفسه بصعوبة وامتنع عن التفوه بأي شئ قد يصل إلى الملك فيستغله لصالحه. وواصل النحاس حديثه قائلاً: -من غير المعقول أن يقوم مجرد "ولد" عديم الخبرة بهذا الدور العدواني. قال السفير: -ما يفعله الملك مخالف للدستور تماماً وأني أتساءل عما إذا كان التعاون مع الملك سيكون أمراً ممكناً فيما بعد وعما إذا كان في صالح البلاد . . أن يذهب الملك! حاول السفير تهدئة النحاس بكل طاقته وقال إن الإستسلام لأزمة سياسية كبرى في الوقت الذي يواده فيه العالم أزمة دولية سيكون عملاً غير وطني، وأن أي تحرك عنيف ضد الملك سيؤدي إلى تفاقم الأزمة بصورة خطيرة. وأهاب بالنحاس ألا يتلاعب حتى بالفكرة. أقر النحاس بصحة كلام السفير وأضاف: -يجب على البرلمان أن يؤكد الوضع الدستوري من جديد لمراعاة المصالح القومية. قال ال سفير: -لقد احتج الملك لأن الحكومة لا تتشاور معه بدرجة كافية ولكني لا أستطيع أن أثق برجاحة عقل املك. وكان مكرم أكثر صراحة وجرأة من النحاس مع السفير. قال: -الملك فاروق ليس جاهلاً وعديم الخبرة فحسب، بل أخشى أن يكوت مخالفاً للدستور مناهضاً للبريطانيين والأجانب عن عمد . .والمسألة باختصار هي: هل يجب التخلص من الملك وتعيين ملك آخر مكانه أم لا؟ ولكن مكرم وافق على عدم اتخاذ أي إجراء في الوقت الحالي حتى لا تتفاقم الأمور. وقال: -إذا كان مفترضاً أن تستمر الحكومة فينبغي تحديد الوضع الدستوري بين الملك والحكومة بشكل حاسم. وقال أيضاً إن المصلحة في المستقبل تقتضي "تخويف" الملك فاروق. أجاب السير مايلز لامبسون: -الوقت لم يتسن لي لأفكر بوضوح في موضوع أبعد من النتائج العامة والواضحة التي مكن أن تحدث وهي أن وقوع أية أزمة دستورية في الوقت الحالي بالذات ستكون من أخطر الأمور على مصر. وهذه الأحاديث تكشف على أن الوفد والإنجليز فكروا في عزل الملك، وهو ما كاد الإنجليز يفعلونه يوم 2 فبراير 1942.

ويلتقي السفير بالملك يوم 5 نوفمبر . . وكان المسار الذي اتخذ في حديثه هو أن أفضل نصيحة يمكن تقديمها إلى الملك هو أن يتذكر حالة التوتر العالمي الراهنة والتعزيزات الإيطالية في ليبيا. قال: -من البديهي أن تكون ظروف العمل بين الحاكم وبين رئيس وزرائه المنتخب بجدارة، ظروفاً معقولة. ومن الأفضل بكثير ألا تتطور المشكلة ولا يعلم أحد نتيجتها. ولكن من شبه المؤكد أنها لن تمر بلا ضرر. الملك الدستوري يجب أن يملك ولا يحكم مباشرة. ومن الخطر الشديد عليه أن ينزل إلى ساحة السياسة الحزبية! واختتم السفير حديثه مؤكداً أنه ينبغي في ال وقت الحالي أن يمتنع الجميع عن تصعيد المشكلة وأن يعهد جلالته إلى علي ماهر بمهمة إيجاد حل عملي لهذه المشكلة. وأضاف أنه نصح النحاس باشا بالفعل بالإعتدال. وذكر السفير فاروق أن تأييد بريطانيا لصاحب الجلالة يعتمد دائماً على سلوكه الدستوري الحكيم. وكان فاروق هادئاً وواثقاً بنفسه بشكل ملحوظ، واتسم حديثه بالوقار وهو يتحدث إلى السفير. تناول الملك الجانب الذي يخصه من القضية. وأكد بأنه موقفه لا ينطوي على مصلحة شخصية وإنما تحكمه المصالح القومية. وقال: -النحاس باشا يحاول القضاء على امتيازات التاج بكل الوسائل وأشعر بأن واجبي يحتم علي حمايتها. واختتم الملك حديثه فتعهد بأن بتذرع بالصبر. قال له السفير: -سلوك جلالتك يجب أن يتسم بالحكمة وعليك أن تدع الزمن يقوم بدوره.

قال السفير في برقية عاجلة وزعت على دول الكومنولث: "الموقف في مصر تدهور مرة أخرى بعدأن شهد فترة مؤقتة من الهدوء وقد أبلغني رئيس الورزاء بأن الملك يزداد غطرسة يوماً بعد يوم كما توداد إهانته له. وأصبح من المستحيل تقويمه. وعندما كان النحاس وبعض زملائه في رفقة الملك لدى عودته من الإسكندرية بالقطار إلى القاهرة – بعد انتهاء فصل الصيف – يوم 15 نوفمبر، بذل الملك جهداً ليتفادى الحديث إلى النحاس على الرغم من أنه استدعى علي ماهر إلى صالونه مرتين، وقال النحاس: -الملك يلعب أيضاً لعبة خطيرة في مجال الدين . .ويتصرف وكأنه شبخ تقي"! وقال النحاس للسفير: -عقدت العزم على استعادة حريتي الكاملة في التحرك في القضية الدستورية العامة الخاصة بالعلقات بين الملك والحكومة والإنتهاء من هذه المشكلة إلى الأبد. قال السفير للنحاس: -الوضع الذي نتعرض له لا يحتمل ذلك. ولكني سأبذل محاولة جديدة مع علي ماهر. وقال مايلز لامبسون للندن: "الملك فاروق يبدو وكانه كالأطفال وبدون أي حكمة على الرغم من أني أشك في ان النحاس ومكرم قد أثار غضبه بشكل كبير. والمثال على ذلك تجمع حركة القمصان الزرقاء امام قصر عابدين يوم افتتاح البرلمان.

التقى السفير مع علي ماهر رئيس ديوان فاروق. قال السفير، بصراحة: -أعتقد أن الملك فاروق شاب أحمق متهور وعنيد! وأضاف: -الملك يكرر أخطاء أبيه. وقالإن النحاس استعاد حريته الكاملة في التحرك نتيجة لإهمال الملك فاروق. واستطرد السفير قائلاً: -يتعين علي بنتهى الحزب أن أحذرك بأن الملك فاروق يرتكب أفدح الأخطاء لن النتائج لن تخرج عن أمر من أثنين وهما: إما فوز النحاس، أو إقالته من منصبه . . وفي الحالتين يشتد عداؤه تجاه القصر إلى أقصى حد، وهناك احتمال بأن يأخذ الإتجاه المناوئ للأسرة المالكة دفعة قوية! أجاب علي ماهر: -الملك فاروق هو الذي يتصرف بطريقة دستورية ولو لم يتصرف كذلك لما واصلت العمل معه، والمخطئ الحقيقي هو النحاس. ولو أن النحاس قبل – أو يقبل – الإصغاء لنصيحة الملك بحل حركة القمصان الزرقاء وتخلي عن أسلوبه الأخير في إحضار عمال مسلحين لكنت قد أعطيته كلمة شرف بأن يعمل الملك معه بإخلاص! قال السير مايلز لامبسون: -وجهات النظر البريطانية إزاء حركة القمصان الزرقاء معروفة جيداً وتتفق باالفعل مع وجهة نظر رئيس الديوان. ولكني لست متأكداً بالمرة من قدرة النحاس على حلهم حتى لو رغب في ذلك! بدا واضحاً أن النحاس قلق للغاية. وأعرب للسفير عن اعتقاده بضرورة الذهاب إلى البرلمان ليشرح الموقف أمامه ويحظى بتأييده في التصدي الفعال للمحاولات الي يبذها الملك لوضع يده عل كل شئ في البلاد. وأضاف أن الملك قد يسارع بإقالته . . ولا شك أنه في هذه الحالة سيقوم بتعيين رئيس وزارء من الأقلية ويحل البرلمان. وهنا لم يجد الوفد مناصأ من خوض صراع شبيه بالصراع الذي اضطر إلى خوضه في الماضي. ولابد أن العواقب ستكون وخيمة فيما يتعلق بالموقف الدولي وبمصالح الأجانب الذين وافقوا على إلغاء نظام الإمتيازات وأودعوا ثقتهم بالحكومة الشرعية العادية في مصر! وكان واضحاً ان النحاس يهد إذ يستند إلى التأييد البريطاني لأنه – أن النحاس – ينفذ بنود المعاهدة وستتحمل مصر أعباء مالية لإقامة الثكنات للجيش البريطاني في منطقة قناة السويس لنقل القوات البريطانية إنها، من القاهرة والإسكندرية.

ويحار السفير، وتحار معه حكومته في الموقف الذي ستتخذها، خصوصاً وأن الموقف الدولي الخطير فإيطاليا استولت على أثيوبيا – الحبشة- في العام الماضي وقد أخذت تعزز قواتها في ليبيا على حدود مصر! أعلن السفير للندن يوم 29 نوفمبر أن تصادماً مفتوحاً يدو وشكياً بين الملك فاروق والنحاس باشا والنصائح والإحتجاجات الودية التي تقدمها بريطانيا لن تعود بعد ذلك بالجدوى على أي من الطرفين. والبدائل المطروحة التي يمكن أن تتغير في ظل تطورات المستقبل البعيد هي:

-وقوف بريطانيا بكل ثقلها إما في جانب النحاس باشا أو في جانب الملك فاروق. وكان السفير يميل إلى التدخل لصالح النحاس ولكنه كان يرى أن ذلك خطأ على المدى البعيد لأن الملك الشاب في النهاية سينتقم من الإنجليز. -وقوف بريطانيا على الحياد وترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي. وهذا ما أوصى به السفير حكومته، والتحفظات الأربعة التي وردت في تصريح 28 فبراير 1922 كانت تبيح لبريطانيا سلطة التدخل!! وقال السفير إن الحل الأمثل هو افكتفاء بتقديم النصيحة الصديقة وأن يترك للطرفين أن يتحاربا لتقرير المنتصر فيهما، أي أن يحسم المعركة لصالحه أحد الطرفين المتصارعين. وقال السفير: -إذا استقال النحاس، فإن تنفيذ المعاهدة بشكل سلسل يتأثر سلبياً لأنه من غير المتوقع تقريباً أن تتمتع الحكومة التي ستخلفه بنفس المرونة الحالية. وسيحمل الوفد هذه الإنتقادات حول تنفيذ المعاهدة إلى الجموع الجاهلة . . وحتى لو كانت حكومة السراي حسنة النية فإنها ستواجه عقبات أكبر من تلك التي تواجهها الحكومة الحالية. ومن ناحية أخرى فقد الوفد جزءاً كبيراً من قوته بين أوساط المتعلمين في القاهرة والإسكندرية بسبب قصوره وانقسام أحمد ماهر والنقراشي.

وأياً كان الوضع في الأقاليم، فإن الوفد بوضعه الحالي، هال السفير . . فقد اعتبر أن الوفد يهبط إلى مستويات أقل شيئاً فشيئاً وإنه ليس بالجواد الأصيل الذي يمكن المراهنة عليه بلا تردد! وقال السفير إن عودة النقراشي وعلى الشمسي وبعض المفكرين مثل حافظ عفيفي إلى صفوف الوفد مرة أخرى قد تزيد من فرص استمرار الوفد في السلطة لفترة أطول. إن النحاس قد يتوقع – وله أسبابه – أن تقدم إليه الحكومة البريطانية تأييدها الكامل لإتفاقه معها في هذه الظروف وفي الحالين ستضطر بريطانيا إلى مواجهة حقيقية مؤكدة وعملية وهي أن الملك سيستمر لفترة أطول من الوفد إلا إذا فقد عرشه . . أما إذا تغلب على الوفد على الرغم من تأييد بريطانيا للوفد فإنه قد يصبح في القريب العاجل سبباً دائماً للعداء. إن شروط ما بعد المعاهدة لا تغطي مسألة تدخل المملكة المتحدة بشكل جدي. وسيصبح هذا التدخل في النهاية أمراً يستحيل الدفاع عنه قانوناً فضلاً عن أنه سيجلب على بريطانيا انتقادات عامة أكثر من تلك التي ط انت تواجهها قبل المعاهدة في مصر وربما أيضاً في المملكة المتحدة.

ولعل أكثر هذه الإعتبارات ثقلاً هو احتمال أن يتجاهل "هذا الولد غير المسئول" كل هذه الأمور ثم ينجح في إٌامة جكومة مناهضة للوفد على الرغم من تأييد بريطانيا الكامل للنحاس باشا. وفي هذه الحالة ستتلقى بريطانيا صفهة قوية في نفوذها مع النظام الجديد ومع الملك نفسه بل وستهتز مكانتها العامة التي تعتمد بدرجة كبيرة على قوة سلوكها. واختتم السفير برقيته قائلاً: "كنت أميل شخصياً إلى انتهاج سياسة متشددة مع الملك بهدف إبقاء النحاس في السلطة إلا أن الظروف تقودني رغماً عن ذلك إلى الإستنتاج أن مثل هذه السياسة لن تكون حكيمة على المدى البعيد . . والنظرة البعيدة يجب أن تسود في مثل هذه الأمور بسبب المخاطر التي يتضمنها الإستبعاد النهائي لملك شاب، لذلك أشعر – بأسف شديد – أن السياسة المضمونة الوحيدة الوحيدة هي عدم الخروج على السياسة المتبعة منذ عودة الملك، والتي تتمثل في تقديم الإحتجاجات والنصائح الودية . . وإذا فشلت هذه الساسة فإنه ينبغي ترك المسألة كلها للطرفين"! تعقدت الأمور بين الملك والنحاس وصارت البرقيات بين السفير البريطاني وحكومته يومية، بل أكثر من برقية كل يوم حول هذه الأزمات المصرية. اجتمع مجلس الوزراء البريطاني يوم أول ديسمبر وكانت أمام المجلس مذكرة من السفير البريطاني السير مايلز لامبسون يطلب فيها توجيهها بماذا يفعل، ومع من يقف: ملك مصر أم رئيس الورزاء الذي وقع مع الإنجليز معاهدة الصداقة يوم 26 أغسطس 1936؟ قال وزير الخارجية لمجلس الوزراء: "لقد اقترحت حلاً وسطاً. طلبت إلى السفير إقناع النحاس بأن يوسع حكومته. وفي الوقت نفسه يلتقي السفير بصاحب الجلالة ويقنعه بأسلوب قوي عنيف أن يتعاون مع الحكومة الحالية وأن يترك سياسة العناد ووخز الحكومة بالإبر في كل مناسبة. وقلت للسفير أن يبلغ النحاس بأن هذه أسوأ لحظة يختارها لتوجيه نداء إلى الشعب. فهناك احتمال أن يقيله الملك ويجيئ بحكومة، إيطالية الميول فالملك يعارض الإرتباك ببريطانيا. وفي الوقت نفسه تركت للسير مايلز لامبسون وأنا شديد الثقة به الحرية في بعض التصرف. قال وزير الطيران: -إذا كان هناك شك في تواطؤ فاروق مع إيطاليا فيجب أن نتخذ إجراء أكثر عنفاً. قال وزير الخارجية: -لقد منح السير مايلز لامبسون حق التلميح للملك فاروق بأن تأييدنا له يعتمد على تبنيه سلوكاص يتفق مع الدستور. ولكن السير مايلز لامبسون، في الوقت نفسه يبلغ حكومته بأن الملك لم يخرق نصوص الدستور المكتوب أو التقاليد الدستورية ولكن سلوك الملك بصفة عامة يبين أنه علاينة يكره حكومته ولا يثق بها. وقد جعل مهمتها صعبة للغاية.

وبغض النظر عن الخلاف القانوني بين الملك وحكومته، واختلاف الآراء السياسية فإن الملك لم يضيع فرصة في أن يبين عداوته وكراهيته للنحاس ومكرم. وهو – الملك – يتآمر بنشاط مع عناصر المعارضة، ويتعمد تسريب ملاحظاته المحرجة عن رئيس الورزاء وأحاديثه إليه إلى صحيفة "البلاغ". وكان عبد القادر حمزة صاحب "البلاغ" مؤيداً للوفد فانقلبت الصحيفة معارضة تهاجم الحكومة بعنف وتنشر أنباء عن عدم التزامها بنزاهة الحكم.


أصبحت الأزمة بين ملك مصر ورئيس وزرائه الموضوع الرئيسي الذي يشغل مجلس الوزراء البريطاني ودول الكومنولث فقد تعاقبت الأحداث الداخلية بسرعة بالغة في مصر، منذ جلس فاروق على العرش وتوليه سلطاته الدستورية يوم 29 يوليو. وكان الشعب المصري محيطاً بتفصيلات الأزمة، لأن الصحف تنشر كل ما يجري من مفاوضات بين القصر والوفد وتتابع الإتصالات بينهما يومياً. وأصبحت شائعات قرب إقالة الوزراة تتردد في الصحف باستمرار. وتتجدد مظاهرات الطلبة في 21 ديسمبر والأيام بتحريض من الطرفين لإستعراض العضلات! الوفديون يقولون: -النحاس أو الثورة. والأزهريون يتجهون إلى قصر عابدين يهتفون بسقوك النحاس فيطل عليهم فاروق ثلاث مرات من شرفة القصر محيياً مما يدل على أنه مؤيد لهذه المظاهرات. وجاءت الأزمة الدستورية حول صاحب الحق في اختيار عضو في مجلس الشيوخ لتستمر شهرين كاملين! وبعد رونالد كامبل – رئيس القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية – يوم 3 ديسمبر – مذكرة عن الموقف في مصر قال فيها: "الملك والنحاس متمتعان بشعبية كبيرة بعكس ما كان عليه الحال في عهد الب الملك فؤاد الذي لم يكن محبوباً على الإطلقا. وفاروق ترك سياسة العزلة التي التزمها والده، ومضى خطوة أبعد في تحقيق الشعبية التي كان يحتكرها النحاس، ولكنه ورث عن أبيه كراهية النحاس. وكان رد فعل النحاس أنه تصرف بلا كياسة في مناسبة كان يحق فيها أن يقنع بالمركز الثاني وأن يترك الجماهير تركز في هتافاتها وتصفيقها لصاحب الجلالة. والنحاس بدون شك ديكتاتور. ويريد أن يكون صاحب السلطة وحده وهو يغار من الملك وقد عادى القصر بل وصل إلى حد معاداة الملكية نفسها. وقد بدا شيطانياً لصاحب الجلالة عندما بنى القمصان الزرقاء "جيش الوفد". وفي مذكرة للمستشار القانوني للسفارة البريطانية بالقاهرة حول حق الطرفين في تعيين كبار الموظفين . . وقال إن كليهما على حق. وهناك عامل إضافي وهو فشل حكومة النحاس في إدارة البلاد مما أضعف موقفه وقلل من شعبيته. وصاحب الجلالة على حق أيضاً عندما ضغط على النحاس لحل القمصان الزرقاء والمنظمة المنافسة "القمصان الخضراء" . ولكن النحاس فشل في تحقيق الرغبتين الملكيتين. وقد تضاعف التوتر بين الجانبين. إن الأزمة الحالية هي أن رئيس الدولة ورئيس الورزاء لا يستطيعان العمل معاً. والملك فاروق يرفض تسهيل عمل رئيس الورزاء، وهو بذلك يعجز عن أداء واجبه كملك دستوري. ونحن في بريطانيا أمامنا 3 طرق: 1-أن نتنحى جانباً بعيداً عن الأحداث. 2-أن نقدم نصيحة قوية إلى الملك فاروق وهو ما يطالبنا به النحاس. ومعنى ذلك أن نتدخل لصالح الحكومة الحالية. 3- الضغط على النحاس لتوسيع حكومته وهو ما فعلناه حتى الآن. ولابد من بحث نتائج تدخلنا في الشئون المصرية الداخلية. إن نصيحتنا لأي طرف إذا لم تقبل فهل نتدخل بالقوات البريطانية لفرض هذه النصيحة كما كنا نفعل في مصر قبل المعاهدة، مع العلم بأن جيشنا في مصر للدفاع عن أ{ض مصر بما فيها قناة السويس ضد أي عداون خارجي وحفظ النظام وإعادة الأمن وتأييد حكومة فرضتها بريطانيا. وفي هذه الحالة سيعرف العالم أن مصر ليست دولة مستقلة وأنها لن تكون أبداً دولة دولة مستقلة ما دام الجيش البريطاني فوق أ{ضها. وهذا التطور ستكون له نتائج خطيرة". ومعنى هذا كله ألا تتدخل بريطانيا بقوة في الخلاف بين فاروض والنحاس. ولكن النحاس لم يكن يعرف قرار مجلس الوزارء بعدم التدخل وبقى معتمداً على أن الحكومة البريطانية ستتضامن معه في اللحظة الأخيرة ضد فاروق!

ويوجه السفير يوم 20 ديسمبر ما يشبه الإنذار إلى فاروق. اجتمع به 90 دقيقة، والسفير يعرف أن النحاس سيجمع اللجنة التنفيذية للوفد بعد 48 ساعة. قال: -مستر إيدن وزير الخارجية منزعج للغاية من اتجاه الأحداث ولأن الملك يسير قس منحنى خاطئ. وقد عرفت الحكومة البريطانية بقلق بالغ حالة التوتر الشديد بينك وبين الحكومة مما يثير القلق وخصوصاً في الموقف الدولي الراهن. والحكومة البريطانية لا تتدخل في شئون مصر ولكن نظراً لمصالح الدولتين المشتركة وأهمية صيانة الإستقرار فإننا نوجه نصيحة إلى صاحب الجلالة بأنه انسجاماً مع روح الدستور فإن أي عمل مخالف سيؤدي إلى إضعاف العرش. وأن تأييدنا يعتمد على أن صاحب الجلالة سيتصرف بحكمة واعتدال.

وينصح السفير النحاس بأن يجمع الوفد صفوفه ويستعيد العناصر المتمردة في الوفد مثل أحمد ماهر ليتبدد الإعتقاد الراسخ بأن الحكومة تحتكر الوظائف العامة. عرض انحاس على أحمد ماهر منصباً وزارياً فقال أحمد ماهر للسفير إنه لن ينضم إلى مجلس الوزارء الذي يراه النحاس، لأن مكرم يهيمن عليه أكثر مما ينبغي. وأبدى أحمد ماهر استعداده لتشكيل حكومة وفدية طالما أن كافة سبل التسوية بين الملك والنحاس مسدودة، بسبب تعنت النحاس.

اجتمعت اللجنة التنفيذية لحزب الوفد يوم 22 ديسمبر. اقترح النحاس ألا يتولى أي عضو في الوفد تشكيل الوزارة في حالة إقالته – أي النحاس – أو يقبل الإشتراك في وزارة يرأسها النحاس. رفض الدكتور أحمد ماهر الموافقة على ذلك وقال إنه لا يقيد نفسه وقراره يعتمد على الظروف. وإذا كان الأمر يتعلق بتجنب كارثة فإنه قد يقبل تشكيل حكومة. وكان النحاس يرغب في طرد أحمد ماهر من الوفد إذا لم يوافق على اقتارجه، ولكنه رأى أن يتفادى القطيعة النهائية مع رئيس مجلس النوب. ولم يطلب من الأعضاء التصويت على اقتراحه. وجمع النحاس الهئية البرلمانية الوفدية يوم 23 ديسمبر ليعرض عليها نتائج المفاوضات بينه وبين القصر. قال النحاس إنه يفكر في حل القمصان الزرقاء ويوافق على اليمين التي يقسمها ضباط الجيش بالولاء للملك ويحذف التعديل الذي اقترحه النحاس بأن يقسم الضباط يمين الولاء للدستور. ولكنه لن يوافق أبداً على تعيين عبد العزيز فهمي عضواً بمجلس الشيوخ، لأنه شديد العداء للوفد. وقف الدكتور أحمد ماهر معارضاً النحاس ومكرم. قال: -في حالة عدم الوصول إلى حل بين الملك والنحاس أ{يد أن أحتفظ بالتعاون بين القصر والأغلبية فإذا عرض علي تأليف وزارة جديدة فإني أقبل تأليفها وبذلك يبقى المر للأغلبية بزعامة النحاس. سأله العضاء: -وإذا لم يؤيدك البرلمان؟ قال بأنه سيحل البرلمان. وأبدى انتقادات كثيرة لسياسة الوزراة. وكان أحمد ماهر يظن أن النواب سيؤيدونه ولكن 223 أيدوا النحاس. وأعلنوا ثقتهم الكاملة به بل قاطعوا أحمد ماهر وهو يلقي خطابه. ولم يؤيد أحمد ماهر سوى نائبين هما الدكتور حامد محمود، عضو الوفد، وإبراهيم عبد الهادي الذي رأس الوزارة عام 49. وقررت الهيئة فصل أي وفدي يوافق على تشكيل وزارة أو الإشتراك في أية وزارة لا يرأسها النحاس. وعند باب النادي السعدي وجد أحمد ماهر مظاهرة عنيفة تهتف بسقوطه وبحياة النحاس بل أن بعض النواب ضربوه. وبذلط اطمأن النحاس إلى تأييد نواب الحزب له! أذاع أحمد ماهر يوم 27 ديسمبر بياناً اتهم فيه الوزارة بكل فساد مثل الإستثناءات وقوانين الطلبة وإجابة مطالب العمال ومصادرة الصحف. دافع عن النحاس كريم ثابت في جريدة "المصري" الوفيدة ففي تلك الأيام كان كريم ثابت شديد الحماس للوفد قبل أن يصبح – بعد ربع قرن – المستشار الصحفي لفاروق وأحد وزرائه! وكان الملك فاروق يرغب في انقسام الوفد والإستيلاء عليه من الداخل عندما يحصل الدكتور أحمد ماهر والنقراشي على أغلبية من النواب فيتولى أحمد ماهر رئاسة الوزارة. ولكن هذا الأمل تحطم تماماً وظهر بوضوح أن مجلس النواب مع النحاس. وعلى الفور استبعد القصر فكرة إسناد الوزراة إلى أحمد ماهر!

أحمد ماهر

كان أحمد ماهر، وقت اغتياله، في الثامنة والخمسين من عمره. وكان من أصل شركسي. والده محمد ماهر باشا وكيلاً لوزارة الحربية عام 1894 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عندما أهان الخديوي اللورد كتشنر سردار الجيش المصري والحاكم العام للسودان. تخرج في كلية الحقوق عام 1908. مارس المحاماة لمدة عامين، ثم سافر عام 1910 إلى مونبلييه ليدرس القانون والإقتصاد في جامعتها ثلاث سنوات ونال منها درجة الدكتوراة.

قام بالتدريس عام 1913 ولمدة ثمان سنوات في مدرسة التجارة العليا حيث ارتبط مع النقراشي بصداقة وثيقة.

أثيرت شكوك حول صلته بالجماعات التي كانت تقتل الإنجليز عام 22 واعتقل بعد مصرع حسن باشا عبد الرازق وإسماعيل زهدي في نفس السنة ولكن لم يثبت أي اتهام ضده. انتخب عضواً بمجلس النواب عام 24 واختاره سعد وزيراً للمعارف في أكتوبر عام 24. وكان شفيق منصور أحد المتهمين الساسيين في اغتيال السردار في مكتب أحمد ماهر بعد وقوع الجريمة. قبض عليه في مايو 25 وحوكم في قضية الإغتيالات السياسية مع النقراشي ولكنه برئ معه. اختير مرة ثانية عضواً في مجلس النواب وأصبح رئيساً للجنة الميزانية والمحاسبة في البرلمان. وفي أغسطس 1927 مثل مصر في المؤتمر البرلماني الدولي في ريو دي جانيرو ولكنه عاد فوراً عندما علم بوفاة سعد. أصبح مديراً لجريدة "البلاغ" الوفدية وأعيد انتخابه نائباً عام 30. ورافق الوفد المصري في مفاوضات المعاهدة في ذلك العام كخبير مالي.

تولى رئاسة تحرير جريدة "كوكب الشرق" الوفدية عام 1934. وانتخب نائباً ثم رئيساً لمجلس الناوب في مايو 1936 وعضواً في وفد مفاوضات المعاهدة وفي مؤتمر مونتريه. وكان أحمد ماهر يسعى للصلح بين القصر والوفد واجتمع مع شقيقه علي ماهر لهذا الغرض بحضور أمين عثمان. وما جرى في اجتماع الهيئة البرلمانية الوفيدة جعله يتوقف عن محاولاته.

ولكن الملك بلسان علي ماهر يحدد شروطه للسفير وهي: 1-حل حركة القصمان الزرقاء. 2-قبول مرشح الملك لمقعد في مجلس الشيوخ، وهو عبد العزيز فهمي بدلاً من مرشح الوفد فخري عبد النور. 3-تعهد النحاس بالتشاور مع الملك في أي قرار خاص بالتعيين في المنماصب المهمة قبل اتخاذ أي قرار وزاري. ويوافق النحاس على حل القمصان الزرقاء ولكنه يرفض التناول في مسألة تعيين عضو مجلس الشيوخ، لأن فيها ضياعاً وإهداراً لماء الوجه. وتبقى عدى مسائل معلقة لم يتم التوصل فيها إلى حل وهي الحكومة في تقديم مشروعات القوانين إلى البرلمان دون اساشلرة القصر على موافقته مقدماً، وحقها في تعيين الموظفين وفصلهم حتى درجة سكرتير عام أية وزارة.

وتتطور الأزمة. وفي اليوم التالي – 24 ديسمبر – يلتقى أمين عثمان وهو وسيط السفير البريطاني أكثر مما هو وسيط للنحاس – بعلي ماهر. قال رئيس الديوان: -مايشغلني الآن أمان البلاد وأمن صاحب الجلالة نفسه وقد سحبت اختصاص الإشراف على البوليس من يوسف الدندي الوكيل البرلماني لوزراة الداخلية وهو وفدي – وعهدت به إلى حسن رفعت باشا وكيل وزراة الداخلية. وتثير هذه المسألة غضب النحاس، لأن رئيس الديوان ليس له حق التدخل في مثل هذه الأمور!

ويجتمع السفير بأحمد ماهر رئيس مجلس النواب يوم 26 ديسمبر الذي يبدو متشائماً من إمكان حل الأزمة بين القصر والوفد. قال أحمد ماهر للسفير: -أعتقد أن الوقت سينتهي بتعيين محمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين رئيساً للوزارة. وأضاف السفير: -من السخف أن تتوقف المفاوضات وتختفي الحلول للخلاف حول تعيين عبد العزيز غهمي. أبلغ أخاك علي ماهر.

ولكن أحمد ماهر لا يبدو ميالاً إلى ذلك. وفي الوقت نفسه تراجع علي ماهر عن وعده بإقناع فاروق تسهيل عمل الحكومة والتعاون معها إذا حل النحاس القمصان الزرقاء. ويفطن السفير إلى مؤمرات علي ماهر وهي أنه وافق النحاس على أحد مطالب القصر فإن علي ماهر يثير مشكلة جديدة لتعقيد الموقف.\** وتتركر لقاءات السفير بالمسئولين المصريين لمنع إقالة النحاس من رئاسة الوزارة كما تكررت بنفس الصورة المكثفة بعد خمس سنوات لتعيين النحاس رئيساً للوزراة في 4 فبراير 1942! التقى السفير لآخر مرة بعلي يوم 28 ديسمبر. لام السفير رئيس الديوان، لأنه لم يلتزم بوعوده لحل الأزمة. اعتذر علي ماهر، وأطال الحديث عن ظروف التي تغيرت. قال: -سأذهب الآن للقاء النحاس وأوجه إليه إنذاراً نهائياً وأعرض عليه مقترحات جديدة تماماً فإذا لم يوافق عليها النحاس سأقول له إن صاحب الجلالة لا يستطيع العمل مع الحكومة الحالية وأطلب منه تشكيل حكومة ائتلافية. أجاب السفير: -لا أعرف لماذا يوافق النحاس على تشكيل مثل هذه الحكومة وعنده أغلبية برلمانية مؤيدة. وعندما ينصرف رئيس الديوان، يتصل السفير تليفونياُ بالنحاس ويبلغه المقترحات التي سيقدمها علي ماهر ويقول له: -أحذرك. لا ترفض هذه المقترحات فوراً. قال النحاس: -سأقول له لابد من استشارة زملائي. قدم علي ماهر إنذاراً إلى النحاس بأن يشكل حكومة ائتلافية، أو يقبل التحكيم في المسألة الدستورية من لجنة تضم رؤساء الوزارات السابقين ورؤساء مجلس النواب والشيوخ السابقين ووزراء العدل السابقين ووزير العدل الحالي ورئيس الوزراء النحاس. ويتصل أمين عثمان بالسفير قائلاً: -مكرم عبيد أبلغني بأنه يرى أن تشكيل لجنة الحكماء تعتبر حلاً غير عملي فكلهم معادون للوفد. والحل الأمثل تشكيل لجنة من أعضاء مجلس النواب والشيوخ للتحكيم في الخلاف هو الحل الأمثل. رفض النحاس اقتراحات علي ماهر مفضلاً لجنة برلمانية والأغلبية للوفد في البرلمان فيقبل فاروق – يوم 30 ديسمبر – النحاس وهو – فاروق – في الثامنة عشرة من العمر ويقول في كتاب الإقالة "شعبنا لم يعد يؤيد طريقة الوزارة في الحكم"! وكان النحاس يهدد بحشد البرلمان ضد فاروق، فسبقه الملك وأقاله قبل أن يجمع النحاس البرلمان لمساندة الدستور. لم يدافع الإنجليز عن مصطفى النحاس، ولم يصروا على باقئه في الحكم فقد أدى مهمته لحسابهم ووقع معاهدة 1936 ورأوا الوقوف على الحياد مما يعني تأييدهم لصاحب الجلالة. وهو ما حدث عام 1944 عندما أقال فاروق النحاس للمرة الثانية. وعندما أراد وزير الدولة البريطاني المقيم في الشرق الأوسط كيسي الدفاع عن النحاس عام 1944 جاءت برقية من وزراة الخارجية البريطانية تقول له: -لا تتدخل! وكانت الحرب العالمية الثانية في مراحلها الأخيرة والإنجليزية ليسوا في حاجة إلى النحاس الذي حرص على وقوف مصر كلها معهم وعندما انتهت معمته خذلوه مرة أخرى كا فعلوا عام 1937. وجد الملك صحيفة "البلاغ" تؤيده في هذا العمل غير الدستوري. كتب عباس محمود العقاد الذي كان قد انقلب على الوفد: "الحق مع الملك. ومن نصر الملك فقد نصر الحق ونصر الأمة. ومن تولى فعليه لعنة الحق المة". وقال تحت عنوان "زالت دولة المهرجين". "نادى المهرجون النحاس أو الثورة فنادى الناس لا الثورة ولا النحاس. ويغري ذلك الملك بتكرار إقالة الوزارات وحل البرلمان. وإذا كان الإنجليز قد فضلوا البقاء على الحياد في الصراع بين الملك ورئيس وزرائه، فإن الإنجليز بعد خمس سنوات في 4 نوفمبر 1942 لفرض النحاس رئيساً للورزاة. وإذا كان فاروق قد أقال النحاس في الأيام الأخيرة من السنة فإنه كرر ذلك عام 49 عندما طلب إلى إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء الإستقالة ليلة العيد وقال إنها هدية العيد للشعب!

ظل السفير البريطاني سير مايلز لايسون ينتظر الفرصة للإنتقام من فاروق. وحانت اللحظة المناسبة عند تقدم الألمان داخل الحدود المصرية في الصحراء الغربية وأصبحوا يهددون مصر والمظاهرات تجتاح القاهرة والشعب المصري يهتف. -إلى الأمام يا روميل. -القائد الألماني. حصل لامبسون على موافقة الحكومة البريطانية فحاصر قصر عابدين. ووجه إنذاراً إلى فاروق بإسناد رئاسة الوزراة إلى مصطفى النحاس فخضع فاروق. وتولى النحاس رئاسة الوزراة نحو عامين فلما تراجع الغزو الألماني انتهز فاروق سفر لامبسون الذي أصبح لقبه اللورد كيلرون فأقال النحاس. وفي عام 50 أجريت الإنتخابات ففاز الوفد وتولى النحاس رئاسة الوزراة للمرة الأخيرة. ووقع حريق القاهرة في يناير 52 فأقال فاروق النحاس للمرة الأخيرة بعد أقل من عامين في 27 يناير 1952. كان السفير البريطاني صادق الرؤية عندما يكتب عام 1937 بأن كل شئ في مصر يعتمد على موقف الجيش. ويتحرك الجيش لا لتأييد النحاس، وعزل الملك، بل يتحرك الجيش عام 1952 لعزل الملك لا لحساب حزب من الأحزاب السياسية المصرية بل ضد كل الأحزاب . .!

محمد توفيق نسيم

رئيس الوزراء يحب! فوجئ الرأي العام المصري، صباح يوم من أيام يونيو 1937، بنبأ من فيينا يقول بأن صاحب المقام الرفيع محمد توفيق نسيم باشا خطب فتاة اسمها "ماري هوبنر". ولم تكن المفاجأة لأن الفتاة كاثوليكية, تتردد على الكنيسة بانتظام صباح كل أحد بل لأن أباها يملك فندقاً، وماري كما قالت الصحف، تجلس بجانب "الكيس" تقوم بعملية "الجمع والطرح" وتحصيل الإيرادات من الزبائن. وكان العنصر الأهم الذي هز الرأي العام أن الباشا الصعيدي من أسيوط، في السابعة والستين من العمر، والخطيبة الشقراء الجميلة في السابعة عشر ففارق العمر بين الطرفين 50 سنة . . كاملة!

فتح هذا النبأ الباب على مصراعيه، لحديث لا ينتهي في الحب والسياسة وغرام الكهول المصريين بفتاة أجنبية. أخذت الصحف المصرية، وصحف سويسرا وإنجلترا، تتحدث عن الباشا، والصغيرة الشقراء، وكيف التقيا، وكيف تحابا. الباشا تولى رئاسة الوزراة في مصر ثلاث مرات. الأولى عام 1920 في أعقاب ثورة عام 1919 لمدة عشرة شهور. والثانية عام 1922 لمدة 3 أشهر. والثالثة عام 34 لمدة 14 شهراً. فكأن نسيم باشا حكم مصر، أو شارك في حكمها 27 شهراً في وزارات انتقالية! تمهيداً لرئيس جديد وعهد جديد! وتولى منصب الوزراة 7 مرات متنقلاً بين وزارات الأوقاف والداخلية والمالية. وكان رئيساً لديوان الملك أحمد فؤاد الأول ملك مصر مرتين. تزوج لأول مرة وهو في الخامسة والعشرين. وتوفيت زوجته الأولى قبل أن تضع مولودها الأول بشهر واحد، فعاش مع حماته في بيت واحد، فلما توفيت أوصت له بكل أملاكها. وكانت زوجته من أجمل سيدات مصر.

اللقاء بين الباشا والشقراء، تم بالفندق في الأسبوع الأول لوصول نسيم باشا إلى فيينا جاءها لقضاء جانب من فصل الصيف في أوروبا والإستشفاء كعادة باشاوات "مصر" في ذلك الزمان! أصيب الباشا في الأسبوع الأول بأزمة شديدة فكانت ماري تسهر على صحته. وحدث مرة أن اضطرت إلى البقاء بجانب رفعة الباشا طوال اليل. وبقيت يومين دون أن تنام دقيقة واحدة. وجاء الطبيب لبقول للباشا: -لولا سهر الآنسة ومداومتها على العناية بصحة رفعتك، لأصبت بمكروه. خرج الباشا والآنسة يمشيان سيراً على الأقدام يوم 12 يوينو فقال لها: -لو كنت أصغر مما أنا عليه بعشرين عاماً لعرضت عليك الزواج؟ أجابته: -سأكون سعيدة بالزواج برجل عظيم مثلك. والمدة التي عرفتك فيها تشجعني على قبول هذا الزواج. وسألته. -كيف فكرت في ذلك؟ أجاب. -لأنك أتقذت حياتي. سألها "محمد التابعي" رئيس تحرير آخر ساعة عن غرابة الزواج بين عجوز وصبية شابة فقالت: -أني أسعد امرأة في العالم. وأعتقد أن زواج الفتاة الصغيرة بالرجل الذي يكبرها سناً هو أسعد الزيجات. وقد شعرت أن نسيم باشا رجل وحيد في الحياة، ومحتاج إلى خدمتي وعنايتي. ولهذا لم أتردد في القبول. رأى نسيم باشا أن يفاتح الأب في الزواج بكريمته فاستمهله حتى يستشيرها. ولما سألها قالت لأبيها: -نحن متفقان! وقال أفراد أسرة "ماري" للصحافة المصرية: تقدم كثيرون إلى خطبة الآنسة ماري، وكان آخرهم فرنسي من كبار الأغنياء في باريس ولكنها رفضت الزواج به. ومعنى ذلك أن الصغيرة التي تصمم فساتينها بنفسها، ومنها فستان الخطوبة، فتنت بالباشا المصري . . سليل الفراعنة، والمريض بالسكر قبل 15 سنة! ولكن "ماري" قالت: -سأكرر حياتي كلها للعناية بصحتك! وأبدت ماري مزيداً من الإستعداد للتضحية. قال لها الباشا يصارحها بموقفه المالي: -لا أنوي إجراء أي تعديل في نظام الوقف الخيري بالنسبة إلى أملاكها وثروتي فقد أوقفتها للخير العام. قالت: -أحب أن تعرف أني لم أقبل الزواج بك، لأنك غني. بل قبلت الزواج لأن غرضي الوحيد أن خدمك وأؤنسك وأعتني بصحتك!

الباشا من أغنياء المصريين. يملك 474 فداناً في كناح، والتسمية – نسبة إلى نسيم – وميت لوزة بمركز المنصورة. وله منزل بالحمية الجديدة من 3 أدوار. ويملك 16 فداناً بشارع الأهرام بالجيزة، بها مبان ومستوصف لعلاج الأطفال. وفي وسط هذه الأراضي عمارة كبيرة من 12 شقة، وفيللا من 3 أدوار بها مبنى لنقطة شرطة وحديقة كبيرة. وقدرت ثروته بمائتي ألف جنيه وهو كبير بمقاييس تلك الأيام! ولكن ماري أكدت للصحافة المصرية: -لا أطمع في مال نسيم باشا. بل أشفقت عليه وعلى صحته الضعيفة فرأيت أن أضحى بزهرة شبابي في سبيل إسعاده! نشر الدكتور سعيد عبده بهذه المناسبة زجلاً بعنوان "كيوبيد" عن هذه الخطبة الغربية قال فيه "وقتها أزاي" يقصد بذلك نسيم باشا الذي أوقع ماري في غرامه! قال الدكتور سعيد عبده: يا للي الهوى خللي غصتك يعتدل ويميل وخللي عاصي الدموع فوق الخدود بيسيل مبروك عليك القمر أبو خصر حلو نحيل لو كنت اعرف بأنك فيط الرمق للحب

            كنت أشبكك في غزال من شغل وادي النيل

عمرك ما كنتش بتتنازل وتتكلم حتى السلام بالإشارة لما بتسلم ولا كان يبان لما تفرح وإلا تتألم أول ما تنطق كده تنطق غزال صافي

          وقعتها أزاي في حبك . . . بدي أتعلم؟

في القاهرة رحب السفير البريطاني السير لامبسون – اللورد كيلرن فيما بعد – بهذه الخطبة وقال: -سررت جداً بالخبر فأنا متزوج بسيدة تصغرني في العمر بسنوات عديدة. ومع ذلك فأنا أسعد الأزواج. ولم تكن حالة السفير تختلف عن حالة رئيس وزارء مصر السابق، ففارق السن أيضاً كبير، وزوجة السفير ليست بريطانية، بل من أصول إيطالية! وكان هدف السفير الذي تزوج قبل عامين للمرة الثانية، بعد وفاة زوجته أن يقول للجميع: -الباشا يقلدني! أما الفارق بين الرجيلن فهو أن السفير أب لعدة أولاد، والباشا لم ينجب! ويلتقي أحد السياسيين بالسفير البريطاني ويقول له: لقد انتهى الباشا، ولن يكون له أي مستقبل سياسي. وترددت أنباء بأن أعداء نسيم باشا يقترحون تجريده من قلادة فءاد الأول التي تعطيه الحق في لقب صاحب امقام الرفيع، لأنه لا يليق أن يتزوج أحد حاملي قلادة فؤاد الأول بفتاة أجنبية. رد السفير الذي يعرف الحقيقة ما يجري في مصر: -هذه إشاعة سخيفة، وأعتقد أن نسيم باشا بدأ من جديد. وفسر السير مايلز ذلك قائلاً: -أقصد من الناحية العائلية لا السياسية!

ولكن الدوائر السياسية في مصر بدأت تفكر في مستقبل نسيم باشا، على ضوء ماضيه، والظروف التي تمر بمصر. قال نسيم باشا للصحف: -سأعتزل السياسة نهائياً وأريد أن أقضي بقية حياتي في العناية بصحتى. واستدرك الباشا قائلاً: -ولكن مستعد دائماً لخدمة جلالة الملك. ويسعدني أن أقدم حياتي في سبيل الملك المحبوب. ومعنى ذلك أن الباشا مستعد للعودة إلى السياسة إذا كلبمنه!

جلس فاروق على عرش مصر في 29 يوليو 1937. وكان مصطفى النحاس باشا يرأس الوزارة المصرية. وكان منصب رئيس الديوان الملكي شاغراً. وبدأت الخلافات بين صاحب الجلالة ملك مصر، ومصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء وزعيم حزب الوفد. ونصح كثيرون بشغل منصب رئيس الديوان ليقوم بدور في تحسين العلاقة بين القصر والوفد، ومن هنا نشأ التفكير في تعيين محمد توفيق نسيم باشا رئيساً للديوان باعتبار أنه في وزارته الأخيرة ألغى دستور عام 1930 الذي وضعه إسماعيل صدقي باشا، وأعاد دستور عام 1923، تلبية لطلب الأحزاب السياسية المصرية وفي مقدمتها الوفد. وجرت الإنتخابات النيابية في أواخر أيام الملك فؤاد ففاز الوفد وتولى النحاس رئاسة الوزارة. ومن ناحية أخرى فإن نسيم باشا تولى منصب رئاسة الديوان الملكي مرتين من قبل. ومن هنا كانت العلاقة بين النحاس ونسيم طيبة وقوية باعتبار أن نسيم باشا هو الذي مهد لعودة الوفد! ونسيم باشا مستعد للعودة إلى الحلبة السياسية. وبقى سؤال يتردد بقوة: -هل يؤثر زواج الباشا بماري هوبنر في مستقبله السياسي؟ هنا تبدأ المناورات والمؤمرات لمنع الباشا من أن يعود للسياسة باعتبار أن الزواج غير متكافئ يعطي فرصة للمتآمرين. ومن ناحية أخرى فإن الملك أحمد فؤاد – والد فاروق – قبل وفاته ضاق بنسيم باشا، لأنه كان مسئولاً عن عودته النحاس وإعادته دستور 23. وكان فاروق الذي ورث العداء للوفد عن أبيه يكره نسيم. وكان رجال القصر جمسعاً يكرهون توفيق نسيم أيضاً للسبب نفسه. ومن هنا كان غرام الباشا فرصة أمام خصومه للحيلولة بينه وبين منصب رئيس الديوان وإنهاء مستقبله السياسي كله. وصل إلى مصر بعد شهرين من الخطبة هوبنر، والد الخطيبة وزوجته – أمها – فاستقبلهما الباشا في ميناء الإسكندرية. ثم انتقلا إلى القاهرة وأقام في قصر الباشا في شارع الهرم. بعد ساعات من وصولهما سأل هوبنر نسيم باشا عن الشروط الحالية لإتمام الزواج. قال نسيم باشا: -لم أفكر بعد!

اتبع نسيم باشا نظام الوقف بالنسبة إلى ثروته بعد وفاته. أوقف حوالي 160 فداناً على مستشفيات خيرية أي أن ربع هذه الأراضي ينفقمنه على هذه المستشفيات باستمرار. وأوقف على بعض أفراد أسرته وجيرانه وخدمه وبواب بيته وابن البواب أيضاً نحو خمسين فداناً. وأوقف ربع فدان لكل من الخريج الأول والثاني من الجامعة الأزهرية، والأول من كلية الحقوق والأول في اللغة العربية من مدرسة الفرير بالخرنفش التي تعلم فيها. وأهدى مكتبته للجامعة. ومن هذا يتضح أن الباشا رجل هير. ولكن . . -ماذا عن باقي الأموال والثروة؟ الباشا أوقف 80 فداناً على شقيقته أرملة فتحي باشا زغلول شقيق سعد زغلول. والباشا لم ينجب، ولذلك تبنى فتاتين، دون أن يمنحهما اسمه، وقد قام بالإنفاق عليهما وتعليمهما. رأت الفتاتان إبعاد شقيقة الباشا باعتبارهما أقرب أفراد الأسرة إليه، فسعت بكل الطرق للوقيعة بينه وبينها فغير الوقفية وحرم شقيقته من كل شئ. ولكن الباشا لاحظ سوء تصرفات الربيبتين اللتين تبناهما فعاد وغير الوصية وحرم الفتاتين من الميراث! ولكن نسيم باشا وضع شرطاً مهماً في الوقفية وهو أن منحقه تغيير شروكهما والمستحقين فيها متى شاء!

بدأ هوبنر يطالب نسيم باشا بضمانات مالية لابنته فصدم الباشا الذي ظن أن ماري تحبه لشخصه فحسب! وأحس هوبنر أن الباشا يقاوم وأن أفراد أسرته يحرضونه ضد الخطيبة. وكذلك مستشارو الباشا وأصدقاؤه فأبرق إلى ماري يطلب منها الحضور . .وذلك دون عل م الباشا العجوز! في أحد الأيام دق جرس التليفون في قصر الباشا الذي فوجئ بصوت خطيبته وهي تحدثه من الإسكندرية، فلم يتمكن من استقبالها إلا في محطة سكة حديد القاهرة. وعلى الفور بدأت المفاوضات المالية من جديد، ووجه الآنسة ماري وجمالها يجعل الباشا يرق، ويرق! وعلى الفور غير الباشا في وقفيته. أوقف نصف أملاكه من عقارات وسندات أملاك علة من تكون زوجته والنصف الآخر لمن ينجبه منها! قيل للباشا: -ولكن في ذلك عبثاً عليك؟ قال: -الفتاة ووالدها يستحقون العطف ولن أخذ شيئاً معي بعد عمر طويل إن شاء الله. . . وبهذا وافق الباشا على كل الشروط التي وضعتها أسرة هوبنر. التقت ابنتا الباشا – بالتبني – بماري وقالتا لها: -الباشا يستطيع تغيير وصيته، في أي وقت، وبالذات، بعد الزواج سيحرمك من الميراث ولن تنالي شيئاً. وشروط الوقفية، والدين أيضاً، يمنحانه هذا الحق. ولم تكتفيا بذلك بل شرحنا النصوص للسيد هوبنر وزوجته. ومن هنا تمسك النمساويون بضمانات أكثر. وافق عليها الباشا يوم أول سبتمبر، وجعل نظارة الوقف، أي إدارة الوقف لزوجته ومعه صديقه عبد العزيز محمد باشا وزير الأوقاف السابق!!

رأى أفراد أسرة الباشا الذين اطلعوا على الوقفية، الجديدة، في محكمة مصر الشرعية أنهم سيحرمون من الميراث فألحوا عليه تغيير الوقفية مرة أخرى.

اشتركت الصحف المصرية في إقناع نسم باشا بالعدول عن الزواج، وشنت حملة عليه – أي على الزواج – بعد أن عمدت أسرة الباشا وأصدقاؤه المخلصون إلى إذاعة تفاصيل الشروط المالية. كتبت صحيفة المصري تقول: "لو كان نسيم باشا فرداً عادياً لما كان لأحد أن يعنى بمسائله الشخصية. ولكن الأمر يتعلق بنسيم باشا الرجل العام، الذي بلغ في مصر أسمى المراتب، وأصبح تاريخه جزءاً من تاريخ البلاد. وقد قدم إلى مصر من ال خدمات ما يستحق معه أن يحرص المصريون جميعاً على ألا يترك في شيخوخته هدفاً لطمع وللطامعين. والمسألة بعد هذا كله لا تمس شخص نسيم باشا، الرجل العام وكفى. ولكن لها ناحية قومية وطنية لا يمكن، ولا يجوز، ألا يقام لها أكبر نصيب من الإعتبار. وتلك الناحية تعرض ثروة ضخمة للتسرب إلى الخارج, والتدفق في جيوب أجنبية بعد أن كانت مرصدة للخير العام داخل البلاد".

انهار الباشا تحت وطأة النشر عن تفاصيل تنازلاته المالية للعروس وأبويها! وبدا واضحاً له ولمصر كلها أنه ليس زواجاً عن حب بل إن العروس عقدت صفقة مالية، فقرر العدول عن الزواج خصوصاً وأن الصحف نشرت أن بعض الجهات كانت قد رشحت رفعته لمنصب كبير. وقال الباشا: -لن أتراجع، ولن أتزوج وسأقف كالأسد في مكاني لا أتزحزح عنه. وكان من مبررات العدول عن الزواج حلم الباشا في رئاسة الديوان الملكي من ناحية، ولأن نسيم باشا وجد أن الفتاة تحب ماله فحسب! ورأى والد العروس أن الصفقة ستفشل فعاد إلى بلاده، وترك زوجته وابنته في ضيافته الباشا لعلهما يتمكنان وحدهما من إقناعه! وتدخلت أرملة فتحي زغلول فقد خشيت أن يعود الباشا إلى ابنتيه وأن يوصي لهما من جديد بثروته فألحت على أخيها أن يتزوج بماري وعقدت بينهما صلحاً. وكان هدف الأرملة الأول الإنتقام من الفتاتين وذلك قبل تحقيق آمال الباشا في الزواج. وبالفعل عدل الباشا وقرر إتمام الزواج، وقاطع أصدقاءه، ومنهم نجيب الهلالي باشا المحامي الشهير! وتولت ماري الرد على كل المكالمات التليفونية بدلاً من الباشا! ونشرت صحيفة "ديلي تلجراف" التي تصدر في لندن أن نسيم باشا وقف على خطيبته وأولادهما إذا ولد لها أولاد 150 ألف جنيه وذكرت الصحيفة تفاصيل الصلح. وهكذا صارت الثروة محور الصراع حول الزواج أو العدول عنه. قالت مجلة آخر ساعة: "إن أوراق البنكنوت أو الطمع هو الذي لعب الدور الأول في الرواية التي قامت بتمثيلها أسرة الخطيبة".

ومرة أخرى تدخل أصدقاء الباشا لإقناعه بعدم إتمام الزواج، وكان في مقدمة هؤلاء نجيب الهلالي باشا المحامي! والذي تولى رئاسة الوزراة بعد عام 1952، الذي كلفه توفيق نسيم بدراسة كل الشئون المالية للزواج. اجتمع نجيب الهلالي بمسيو فايل وكيل أسرة هوبنر للشئون المالية والذي رافقها إلى مصر. قال نجيب الهلالي لتوفيق نسيم: -الأسرة تعتبر الزواج صفقة مالية لاغير. ونصح الهلالي نسيم باشا بعدم إتمام الزواج. وزذهب أصدقاء نسم باشا إلى "فايل" ولاموه على طلبات الأسرة المرهقة فأجاب: -مونشير . . يجب أن تفهم أن هذا الزواج ليس بين شاب وشابة! ونشرت الصحيفة أن ماري صارحت أحد كبار المصريين ممن يقابلوها في النمسا بأنها تزوجت (مركز) نسيم باشا . . لا (شخصه)!! تألم نسيم باشا من المفاوضات وارتفعت حرارته ولازم الفراش ولم يعد حريصاً على إتمام الزواج بعد أن انكشف أمامه المستور. وأبدى استعداده لدفع جميع النفقات التي تكبدتها الأسرة في حضورها إلى مصر غير أن "فايل" الوكيل المالي لأسرة هوبنر نصح والد الخطيبة باستشارة محام من المحاكم المختلطة التي تنظر قضايا الأجانب فيما إذا كان القانون المصري يسمح لهم بطلب تعويض. وكان "فايل" يطمع في الحصول على تعويض لا يقل عن عشرة آلاف جنيه بخلاف مصاريف الإنتقال من فيينا إلى مصر والعكس!! قال نسيم باشا لأصدقائه محاولاً تخفيف انباء الصفقة إن ماري من أشرف بنات العالم وأكملهن خلقاً غير أنها مضطرة لمسايرة والديها، بسبب صغر سنها! وأضاف أن خطيبته لا ترضى عن تصرفات عائلتها كما أكد لأخصائه بأنها صارحته بذلك وهي تبكي!!

أصبح واضحاً أن الزواج لن يتم فبدأت مارسي هوبنر تفصح للصحافة المصرية عن الصفقة بلا خدل أو حياء. قالت: "إنني حزينة ومتألمة لكل ما حدث وحالتي النفسية سيئة جداً وأعصابي في اضطراب شديد! لأن فسخ خطوبتي من نسيم باشا لم يخطر لى على بال. ولا أظن أن هناك فتاة في العالم تحسدني على موقفي الحالي ولا على العودة إلى بلادي وقد تحطمت تلك القصور العالية التي اشتركت في بنائها مع خطيبي السابق نسيم باشا. ويجب أن يعرف الجميع أنني لم أطمع في مال نسيم باشا بل أشفقت عليه وعلى صحته الضعيفة فرأيت أن أضحي بزهرة شبابي في سبيل إسعاده .. ولكن نسيم باشا على الرغم من نبله وكرمه وكرم أخلاقه لا يريد أن يفكر في مستقبلي إذا حدث ولم نتفق في حياتنا الزوجية، أو إذا انتقل إلى رحمة الله! وقد تصادمت للأسف الشديد رغبات أسرتي في التأمين على مستقبلي مع ما يسميه نسيم باشا كرامته. فقد رفض رفعته بحزم غريب أن يجيب طلبات أسرتي أو أن يعطي الأسرة ضماناً مالياً على أحد البنوك لأعتمد عليه إذا حدث ما لم يكن في الحسبان1 بل وقد رفض رفعته أن يعدل في الوقفية التي يعتبرها نهاية الكرم بالنسبة إلي كما أصر على عدم إعطائي ضماناً مالياً يزيد قليلاً على مائة ألف جنيه لأستطيع أن أضمن مستقبلي إذا أخرجني من الوقف أو حرمني من الميراث. ولم أكن أعرف عند قبولي الزواج بنسيم باشا أن الدين الإسلامي يبيح لرفعته أن يحرمني من ميراثه ومن وقفيته إذا شاء دون أن يضمن لي جزءاً من ثروته الكبيرة. لقد أطلع صديقنا مسيو فايل أسرتي على النظم الإسلامية وعلى الحقوق المالية التي تتمتع بها زوجة المسلم فرأت أسرتي أن خير وسيلة لحفظ مستقبلي هو الحصول على الضمانات التي طالبوا بها والطلبات التي تعتقد أسرتي أنها معتدلة ومعقولة والتي قال عنها نسيم باشا: -حتى المجنون لا يمكن أن يقبلها! غير أني شرعت منذ حضوري أن أصدقاء رفعته يعملون على إحباط زواجنا ظناً منهم أن في زواجه قضاء على مستقبله السياسي. إني آسفة جداً . . وكلما فكرت في المأساة انهمرت الدموع من عيني . . ما كنت أنتظر أن أصدم وأنا في مثل هذا السن بمثل هذه الصدمة الهائلة . . ولكنها الحياة!! أحب ن يعرف أصدقاء نسيم باشا أني لست من الباحثات وراء الذهب ولا أنا نفعية وأنا واثقة بأن نسيم باشا أول من يشهد على صدق ما أقول . . سأسافر إلى أوروبا . . ولا أظن أنني سوف أعود الآن إلى فيينا. وربما سافرت إلى إنجتلرا حيث تقيم شقيقتي. لقد أعجبتني بلادكم . . ولو أنها ليست مثل بلاد ألف وليلة التي قرأت عنها كثيراً والتي كنت أظن أن المصريين يعيشون على نمطها. إني آسفة . . آسفة!!

أصبحت قصة الزواج منتهية، ومن هنا تجددت احتمالات عودة نسيم باشا للأضواء السياسية وتوليه منصب رئاسة الديوان الملكي مرة أخرى. ومن هنا رأى أعداء الباشا المحامي والطامعون في المنصب أن يحطموه تماماً!! قصد توفيق دوس باشا المحامي يوم 3 أكتوبر إلى النائب العام المرجوشي باشا وقدم إليه طلباً غريباً، هو الأول من نوعه بالنسبة إلى رؤساء الوزارات في مصر. وتوفيق دوس محام تولى الوزارة عدة مرات، وتقلب بين الأحزاب السياسية كلها! طلب توفيق دوس توقع الحجز على رئيس وزراء مصر السابق نسيم باشا. وذلك بالنيابة عن ابني بنت عم توفيق نسيم وابن عمه. وقال نسيم باشا للنائب العام مبرراً طلب الحجز: "لا شك أن سعادتكم قرأتم في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية كما قرأ غيركم قصة خطبة صاحب المقام الرفيع محمد توفيق نسيم باشا رئيس مجلس الوزراء سابقاً لسيدة نمساوية والأدوار التي مر بها موضوع تصرفه في أمواله الموقوفة والحرة إتماماً لعقد الزواج بالسيدة المذكروة حتى انتهى بها المطاف إلى وقف جيمع أمواله لها. وحيث أنه باستعراض ظروف هذه الخطبة وما أحاط بها يستخلص ما يأتي: -بلغ حضرة صاحب المقام الرفيع توفيق نسيم باشا سبعة وستين عاماً. وأصيب في السنتين الأخيرتين بنوبة قلبية مخية – نقطة – كان من أثرها شلل خفيف انتهى بضعف كبير في قواء الجسمية. ويقول الأطباء المتخصصون إن من طباع هذا المرض أن يؤثر أيضاً في القوى العاقلة، ومجرد النظر إلى نصرفات رفعته الأخيرة تؤيد هذا القول دون الحاجة إلى الإلتجاء لفحص طبي. توجه هذا الشيخ الفاني – وقد أخذ هذا المرض منه مأخذه – إلى فيينا للعلاج والراحة. وهناك رأى في أحد الفنادق شابة تبلغ من العمر سبع عشرة سنة – قيل قي رواية أنها كانت تؤدي وظيفة الصرافة في المحل، وفي رواية أخرى أنها كانت تؤدي وظيفة الخدمة – فسرعان ما وقع في حبها وعرض عليها الزواج به. إلى هنا – ورغماً عن التفاوات العظيم بين الشخصين في السن والمراكز والبيئة والدين والجنس – إلى هنا ورغماً عن كل ذلك قد لا يجوز الإعتراض على الزواج من حيث هو – ولكن ال زواج من حيث الخطيبة تكشف عن صفقة مالية غريبة جداً. ذلك أن نسيم باشا بمجرد عودته من أوروبا أصدر إشهاداً شرعياً بتعديل وقفيته بأن أدخل فيها زوجته المستقبلية بالنصف وذريته منها بالنصف الآخر. وتشمل هذه الوقفية أعياناً تبلغ قيمتها مائة وخمسين ألف جنيه، وقد كان محدداً للزواج الشتاء المقبل. ولكن حدث ان أصيب رفعته بنكسة، رأى معها المهتمون بإتمام هذا الزواج أن يعجلوا به، خشية أن يصيب رفعته مكروه. لذلك جاءت الخطيبة واهلها وأخذوا يساومون على شروط الزواج فطلبوا أن تعدل الوقفية بأن تكون كلها للخطيبة – أي باسمها لا بصفتها زوجة – وبأن يحرم الوقف نفسه من الشروط التي تسمح له بتغيير الوصية، وأن يكتب لها من الآن ما باسمه من سندات وأسهم. وقد رأى أصدقاء نسيم باشا ما في هذه الشروط من إجحاف – ولا نيرد أن نقول أكثر – فرفضوا ونجحوا في أن يقنعوه بالرفض. ولعلمهم بأن حالته الصحية إرادته الضعيفة قد يؤديان إلى القبول مرة أخرى أحاطوه بحرس من ممرضتين إنجليزيتين حتى لا تصل إليه الخطيبة فتؤثر فيه من جديد. وبذلك يحمونه ضد نفسه وضد ضعفه في إرادته أو في قواه. على أن تلك الخطيبة أمكنها أن تتوصل إليه عن طريق آخر. وتم ما كان يخشاه الحريصون عليه فقبل بجميع شروكها وهو يشرع الآن في تحرير الإشهاد.

وحيث إنه وإن كان الزواج قد لا يكون عليه اعتراض من الوجهة الشرعية كما تقدم إلا إنه من المسلم به طبعاً أن زواج رجل مسن مصاب بمثل ما أصيب به نسيم باشا- بفتاة في سن الخطيبة إنما يقتله في الحال ويعجل بذلك موته. على أن المهم الآن هو التصرف المالي الذي يدل في ذاته على أن القوى العقلية أو على الأقل ضعيف الإرادة لدرجة قصوى. وهو على أي حال يدل على سفه بالغ حده الأقصى. وفي خروج مائتي ألف جنيه من مصر لفتاة لا تمت إلى المصريين بصلة ولا تحفظ لخطيبها أي شعور أو احساس كما ثبت من طلباتها المالية إنما هو جناية في حق نسيم باشا وحق مصر خصوصاً وأن هذه الأملاك كلها مرصودة على أعمال البر والخير في هذا البلد المنكوب. وحيث إن النيابة العامة هي الجهة المختصة في مسائل الحجر كما أن طلب الحجر إنما خو حسبه يجوز أن يتقدم بها كل إنسان. فضلاً عن أن الموقعين على هذا هم من أقارب نسيم باشا. وهو إنما يتقدمون بهذا الطلب لمصلحة نسيم باشا أولاً حتى لا ينسب إليه في آخر أيامه ما كان ليقدم عليه لولا تأثير المرض. ولمصلحة البلد ثانياً بإبقاء مالها المرصود على الخير فيها"!!

بعد لقاء توفيق دوس بالنائب العام، اجتمع بوزير العدل محمد صبري أبو علم باشا ثم قال للصحف: "نسيم باشا في محنته هذه يستحق العطف فهي في الواقع محنة، رجل مريض لا يستطيع التسيطر على قواه وميوله". قالت صحيفة المصري مؤيدة لطلب الحجر على الباشا: "سمعنا في جميع الدوائر ثناء على سعادة دوس باشا فإن العمل الذي قام به إنما أراد به حفظ كرامة نسيم باشا نفسه وحفظ كرامة المصريين قاطبة وحفظ ثروة ضخمة من التسرب إلى جيوب أجنبية بطريقة تتقزز منها النفوس، طريقة بشعة ضخمة أشبه بالإتجار في الرقيق الأبيض منها بأي شئ أخر. وهي أبعد الأشياء عن الزواج، فإن الأمر لا يعدو أن أسرة تبيع ابنة صغيرة السن لشيخ فإن انهكه المرض يكبرها بأكثر من خمسين عاماً يختلف عنها حنساً وديناً ولغة وطبعاً مقابل تنازل هذا الشيخ لها عن املاكه وأمواله – فهل لهذا اسم آخر غير الإتجار في الرقيق الأبيض"؟! وقال توفيق دوس باشا للصحف: "إن رفعته كان منذ أكثر من ثلاثين عاماً متزوجاً بالمغفور لها السيدة حبيبة هانم ومرضت في يوم ما فصرح الأطبار بأنها لا يمكن أن تشفى إلا إذا سارت على قدميها كل يوم مسافة معينة وفي مكان طلق الهواء فلم يرض رفعته عن هذا العلاج، لأن التقاليد الإسلامية لا تسمح به، ولأن مكان الزوجية هو (البيت). ولكن رفعته الآن يسمح لخطيبته بركوب السيارة وسوقها بنفسها والذهاب إلى مجال الرقص والمجتمعات العامة. وفي هذا دليل عىل مدى ما طرأ على حاله من تغيير. ومما لاحظوه الذين يدققون في إدراك رفعة نسيم باشا الآن أنه بتنازله عن ثروته للآنسة هوبنر إنما يفضلها على أولاده منها إذا تزوجها. ومما لاحظوه كذلك عدم استقراره على أمر من الأمور في أيامه الأخيرة من يوم أن أصيب بمرضه الأخير. ففي كل يوم يغير وقفيته وفي كل يوم يعدل عن الزواج وفي كل يوم يصر عليه". وتقدم الأستاذ محمد شوكت التونسي المحامي إلى المجلس الحسبي بطلب جديد للحجر على نسيم بالنيابة عن عبد الخالق حمزة أفندي، وهو ليس قريباً لنسيم باشا ولكنه قدمه باعتبار معبراً عن آراء طائفة كثيرة من شبابا مصر. واعتمد مقدم الطلب على السفه. أي سفه الباشا – أكثر من اعتماده على العته، لأن العته قد يدفع بشهادة الأطباء، أما السفه فهو واضح في تصرفاته. قال شوكت التوني المحامي: "إن في هذا الزواج مساساً بحياة البلاد الإقتصادية إذ إن معنى ذلك حوالي مائتي ألف جنيه ستلقى إلى أيد أجنبية تستغلها فيها في الوقت الذي تحرم فيه كثير من البلدان الراقية كالجمهوريتين التركية والألمانية والدولة الإيطالية تملك الأجانب شيئاً من أملاكها وأراضيها وخروج أهلها من حدودها إلا بالقليل من المال، حتى أن من يضبط خارجاً بأكثر مما قررت الدولة له يحاكم وقد يحاكم عليه بمصادرة أملاكه جميعها. ومن حيث إن هذا العمل فيه أكبر الدلالة على أن رفعته فقد أهليته وأصبح في حالة سفه يبذر أمواله في غير الوجوه التي ينفق فيها ذوو العقول الكاملة أموالهم أو يتصرفون فيها التصرف الذي يدور حول المنفعة الخاصة أو العامة. ولئن كان إنفاق بضع مئات من الجنيهات من شاب حديث موجباً للحجر عليه للسفه فإن إنفاق مئات الألوف هذه أوجب في ترجيح حالة السفه عند رفعته. ومن حيث إنه علاوة على ذلك قد أّيع أن صحة رفعته ساءت في وقت بلغ فيه رفعته سناً هي الشيخوخة التي تحتمل حدوث الضعف فيها بحيث يفقد صاحبها قدرته على التمييز بين الضار والمفيد، فإن علاوة على سبب السفه قد يكون هناك سبب آخر وهو فقدان الأهلية للشيخوخة وضعف التمييز".

انهار الباشا بعد أن سمع بقصة طلبي الحجر عليه. أذاع بايناً للصحف قال فيه: "يحزنني وأنا طريح الفراش أن يتآمر خصومي وخصوم البلاد على الحط من كرامتي في شيخوختي فيوجهوا سهامهم إلى الرجل الذي خدم بلاده ومليكه بكل إخلاص غير مبال بالمتاعب والآلام. ونال تقدير الوطن من سعد زغلول ومصطفى النحاس فيتعرضون لحياتي الخاصة التي أرغب أن أعيش عيشة هادئة هنية. لم أفكر في يوم من الأيام في تغيير مقصدي النبيل في الوقف بأن يعود بعد عائلتي للخيرات ككل الأوقاف كما أنني لا أستطيع أن أقبل مساومة من شانها أن تجعل زواجي صفقة تجارية وأني واثق بأن خطيبتي بريئة من ذلك ومع هذا فقد رأيت أو أؤجل التفكير في الزواج إلى أن أسترد صحتي وعافيتي". واضطرت ماري هوبنر بعد أن رأت موقف الباشا أن تقرر العودة إلى النمسا وأصدرت بياناً آخر. قالت فيه: "إني لم أقبل خطبة صاحب المقام الرفيع نسيم باشا لي طعماً في ماله وإنما لأجل اسمه ومجده. ولكنني بعد كل هذه المؤامرة التي تحاك ضد كرامة الرجل الذي أحببته قررت مغادرة البلاد إلى أن يقدر الرأي العام في القطر المصري شعوري الحقيقي"!

أحال النائب العام طلب توفيق دوس باشا إلى المجلس الحسبي برئاسة حسين إدريس بك وعضوية الشيخ احمد شرف الدين القاضي الشرعي وحلمي الكفراوي بك من الأعيان. عقد المجلس الحسبي جلسة سرية. شهد لصالح نسيم باشا من وزرائه السابقين توفيق عبد الله باشا وعبد المجيد عمر باشا وعبد العزيز محمد باشا. ودافع عن الباشا محرم فهيم بك نقيب المحامين الشرعيين وعدد كبير من المحامين. قرر المجلس ندب الأطباء الدكتور محمود ماهر باشا وسليمان عزمي باشا، الذي عين وزيراً للصحة فيما بعد، والدكتور يوسف برادة والدكتور عبد العزيز إسماعيل والدكتور محمد فؤاد للكشف عن صحة نسيم باشا وتقديم تقرير عنه. وقرر المجلس منع الباشا من التصرف في أمواله وقرر له نفقة شهرية قدرها 400 جنيه لينفق على نفسه وعلى أطيانه إلى أن يفصل في القضية.

هنا تتحول المسألة من حكاية حب وزواج إلى مأساة. جلس الأطباء إلى توفيق نسيم فأذلوه بالأسئلة حتى أرهق تماماً. وكان الهدف من الأسئلة طبقاً لقرار المجلس الحسبي معرفة ما إذا كان رئيس الوزراء عاقلاً أم مجنوناً. ورغبوا أن يعرفوا ما إذا كان يحتفظ بذاكرة قوية أم لا. سألوه مثلاُ: -متى توفي عدلي يكن باشا رئيس الوزراء؟ وأذخوا يوجهون إليه أسئلة عن مختلف الوزارات المصرية ومتى شكلت ومتى استقالت أو عزلت؟ وتكررت الجلسات الطبية 4 مرات ودامات كل جلسة 3 ساعات أحس خلالها الباشا بالهوان. وقدم الأطباء تقريراً تعمد المجلس الحسبي إذاعته على الرغم من أن الجلسات سرية! قال التقرير: "وجدنا عنده عدة أخطاء خاصة بالذاكرة والعاطفة وقوة الحكم على الشئ كما أن تصرفاته في بعض الأحيان كانت شاذة وملفتة للنظر ونكتفي منها بما يأتي: لم يذكر أنه وقف شيئاً على شقيقته مع أنه وقف عليها ثمانين فداناً ونوقش في هذا جملة مرات فأصر على نفي اواقعة. لم يعرف مقدار ما وقفه على ربيبتيه. ولما سئل عن تاريخ وفاة المغفور له الملك فؤاد قال إنه توفي في سنة 1925 أو سنة 1926 فظننا أنه خلط بين العشرين والثلاثين وأعدنا عليه السؤال. يعني من كام سنة مات الملك فؤاد فقال من أ{بع أو خمس سنوات. سئل عما إذا كان يقرأ شيئاً من الجرائد فاجاب: -أنا لا أحب قراءة الجرائد كلها كذب وأنا أبص فيها علشان أشوف المتوفين والمتزوجين. وسئل عن الحرب العالمية فقال إن هناك حرباً بين اليابان وروسيا. وسئل عن أسهم شركة المياه التي يملكها وقيمة ربح كل سهم فذكر أنها ألف سهم وانها تجيب له 90 جنيهاص في حين أن ربح الألف سهم 200 جنيه. ولما سئل عن رئيس شركة المياه الذي سبقه قال المرحوم عدلي باشا وقال إنه توفي من أربع او خمس سنوات في سنة 1928 أو سنة 1929. ولماأشار الأطباء إلى أنه من أ{بع أو خمس سنوات لا يطابق سنة 1928 أو سنة 1929 أخذ يعد على أصابعه وقال إذن من عشر سنوات. وسأله الأطباء عن سبب إدخال أحمد أفندي مظهر شريكاً في النظارة على أوقافه مع عبد العزيز محمد باشا فقرر أنه لم يشركه مع عبد العزيز باشا محمد مطلقاً فلما أبرزوا له ثلاثة شهادات مختلفة أدخل فيها أحمد أفندي مظهر في النظارة مع عبد العزيز باشا أنكرها جميعاً. ثم سئل متى فكر في الزواج فقال في أوروبا وإنه لم يفكر فيه قبل ذلك. فواجهه الأطباء بأنه قبل سفره لأوروبا في أواخر سنة 1936 أصدر إشهاداً شرعياً يرتب فيه استحقاقاً لمن تكون زوجته، فقال إن هذا لم يحصل فأطلعوه على الإشهاد وفيه حالات متعددة خاصة بالزواج فأنكر صدوره منه. وسئل عن مقدار حسابه في البنك فقال إنه لا يعرفه، فألح عليه الأطباء أن يذكر ذلك ولو بالتقريب فقال إنه لا يعرفه، فكرروا عليه سائلين حسابه في البنك آلاف أو مئات، فأصر على أنه لا يعرفه. وقرر الأطباء أن أصبح يشك في جميع الأشخاص الذين كان يقربهم إليه وأنه أصبح سهل التأثير والإنقياد متضارب العواطف ومن السهل أن يرضى ومن السهل أن يغضب مما يسهل معه أن يقع تحت تأثير شخص ما يستهويه لمصلحته. وختم الأطباء تقريرهم بقرار أصدروهه بالإجماع وقالوا فيه: "إن عنده تصلباً في الشرايين يشتمل شرايين القلب والمخ وأن حالته الآن تشير إلى وجود ظواهر اضطراب وضعف في الذاكرة، وظواهر ضعف في ال حكم على الحوادث وتقديرها. ووجود بعض الشذوذ في أعماله. وظواهر تشير إلى أنه أصبح سهل التأثير والإنقياد مع شئ من البساطة. ومن رأينا أن هذه الحالة العقلية بدات تأخذ من الظهور بعد حادث الفالج الذي حصل له في سنة 1936. ومن رأينا أن حالته الآن وإن كانت لا تمنعه من أن يشرف على إرادة شؤونه إلا أنها تتعراض قطعياً من السماح له بالتصرف في أملاكه بالبيع او الرهن أو التغيير في الوقف إلى آخره. ورأى الأطباء الإذن له بإرادة شؤونه، لأن هذا الإذن قد يخفف أو يمنع من الصدمة التي يحتمل أن تحل به إذا حجر عليه حجراً كاملاً". وبعد أن ختم الأطباء تقريرهم أوردوا العبارة الآتية: "ملاحظة: لا يوجد في حالة الباشا الصحية ما يتنافى مع قدرته على الزواج"!!

تلوثت سمعة الباشا تماماً، وصار مؤكداً أنه لن يعين في منصب رئيس الديوان. وبالفعل أصدر الملك فاروق مرسوماً بتعيين علي ماهر باشا رئيساً للديوان يوم 20 أكتوبر. ورات أرملة فتحي باشا زغلول، شقيقة نسيم باشا أن كل أمر في مصر تحسمه السفارة البريطانية، وأنه لن ينقذ شقيقها سوى السفير البريطاني. ومحمد توفيق نسيم خلال رئاسته للوزارة 3 أشهر عام 1923 ألغى من مشروع الدستور المصري ال نص ا لخاص بأن ملك مصر والسودان خضوعاً لمطالب الإنجليز. وفي كل المذكرات التي أصدرها الدبلوماسيين الإنجليز الذين عملوا في مصر قالوا إن توفيق نسيم كان يتردد باستمرار على السفارة البريطانية يسألها الرأي وبالذات في وزارته الأخيرة. قالت شقيقة الباشا لوالتر سمارت المستشار الشرقي للسفارة تذكرة بما يفعله نسيم باشا للإنجليز فأن السفير البريطاني كان في لندن لقضاء إجازته: "ليس نسيم باشا أول من يسمح بأمواله بالخروج من مصر فإن كثيراً من الأمراء والباشوات تصرفوا بأموالهم في الخارج.

والباشا حر في التصرف في ممتلكاته وأمواله كما يشاء فأمواله ورثها عن أبيه أو جمعها بمجهوده وعرقه وعمله. والباشا حر في أن يتزوج بمن يشاء. وأضافت: -الدعاية المهنية التي أحاطت بفحص الباشا بواسطة الأطباء تعتبر عاراً وفضيحة فقد شملت كل حياته الشخصية وأحاطتها بالشائعات، وأن الأطباء الذين فحصوه ليسوا مؤهلين للحديث إلى الباشا فضلاً عن فحصه. وقالت: -فحص الباشا بمعرفة هؤلاء الأطباء يجب أن يتوقف. وأعلنت أرملة فتحي زغلول باشا أنها حضرت إلى السفارة دون علم الباشا وأنه لم يلجأ إلى مصطفى النحاس أو مكرم عبيد سكرتير عام حزب الوفد ووزير المالية على الرغم من أنه النسئول عن وصولهما إلى مناصبها الحالية الرفيعة. ولم يحاول مكرم عبيد الإتصال به والسؤال عن صحته! . .تقصد بذلك أنه أعاد دستور عام 1923 الذي مهد لعودة الوفد للحكم. وقالت لتفسير موقف حزب الوفد من شقيقها: -المصريون لا يحترمون الأشخاص بل ينحنون أمام المناصب، وكل خصوم الباشا خرجوا الآن لإذلاله بدافه الغيرة. وحاولت أرملة فتحي زغلول استدرار عطف السفارة البريطانية فقالت: -المصريون غير مؤهلين للإستقلال ولا فائدة من طلب المساعدة منهم وأن نسيم باشا يستحق عملاً كيباً من جانب أصدقائه القدامى. . . تقصد الإنجليز. واستغاثت بالسفارة قائلة: -ألا يمكن القيام بعمل يوقف هذه الدسائس والمؤمرات ضده ويسمح له باستئناف حياته الخاصة في سلام وهدوؤ؟

وضع السير والتر سمارت المستشار الشرقي للسفارة تقريراً قال فيه: "لقد أبلغنا توفيق نسيم باشا بالمؤامرة ضده منذ البداية ولكنه لم يطلب منا التدخل والعمل. العمل الذي اتخذ ضد توفيق نسيم في المحاكم أوصى به القصر الملكي وخصوم الباشا السياسيين بالدور الذي قام به توفيق نسيم لإعادة دستور عام 1923 وإعادة الوفد إلى الحكم وذلك بهف باعتباره غير مؤهل للمنصب الذي كان مرشحاً له.

اتصل السير والتر سمارت بادجار جلاد باشا رجل القصر وصاحب جردية الجورنال ديجبت، والذي أصدر جريدة الزمان بعد ذلك ليبلغ علي ماهر باشا رئيس الوزراء السابق الذي الذي أصبح رئيساً للديوان الملكي ليطلب إليه وقف الإجراءات الإنتقامية التي اتخذت ضد توفيق نسيم. وعلى الفور قال علي ماهر لادجار جلاد: -سأبذل جهدي. نقل دلاد رسالة رئيس الديوان إلى السفارة التي أبرقت إلى لندن تقول: -لا نستطيع التدخل في مثل هذا اللمر على الرغم من أننا نتعاطف مع نسيم! ولكن الرسالة التي وجهت إلى علي ماهر ونقلها إليه جلاد كانت تدخلاً حاسماً لصالح نسيم باشا فمعناها – يا علي ماهر لا تخذل وتفضح رجلنا!

قرر توفيق نسيم السفر إلى أوروبا لاسشتارة الأطباء المتخصصين للحصول منهم على شهادة بسلامته العقلية. سأل نجيب الهلالي الذي كان قد أصبح وزيراً للمعارف فنصحه بعدم السفر. ولكن الباشا سافر على غير نصيحة نجيب. قال الهلالي لوالتر سمارت. -أعتقد أن الباشا سافر ليلتقي أيضاً بالآنسة ماري هوبنر. وأضاف: -الأطباء الذين فحصوا الباشا يعتقدون أنه بسفره قد أكد أنه لا يستطيع إدارة شئونه! وأعلن نسيم باشا أنه يفضل الإعتزال وحياة الهدوء والراحة، لأنه قام بواجبه حق القيام فضحى بكل قواه في عهد القوة والنشاط في خدمة مليكه المحبوب ووطنه العزيز!! وكان اعتزال السياسة هو ما يستهدفه القصر وخصوم الباشا منذ البداية وقد رد عليهم قائلاً بذكر الآية الكريمة: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين". (المائدة: 28)

رافق نسيم باشا في رحلته لأوروبا كبيب سوري يعنل في القاهرة اسمه الدكتور حجار. في باريس عرض نسيم باشا نفسه على عدد من الأطباء الذين تولوا فحصه. وكتبوا تقريراً جاء فيه: 1-على أثر "نقطة" بسيطة أصيب بها رفعة نسيم باشا في سنة 1936 ظهرت على رفعته درجة خفيفة من الشلل النصفي الأيمن، ومن التهيج في المفاصل. وظلت تبدو عليه آثار طفيفة جداً من هذا الشلل والشلل الوجهي الأيمن، ولو نطق رفعته بطئ وبالكاد تظهر درجة خفيفة من تهيج المفاصل دون أن تؤثر في تفهم العبارة أو على القراءة وليس عند رفعته ميل إلى الضحك أو البكاء بهيئة أزمة. 2-من الجهة النفسانية لا يدل رفعته على شئ من الإضطراب في الحكم أو الإستنتاج وفي حديثه إلينا كان تسلسل أفكاره صحيحاً وشرحه سليماً في جميع الموضوعات التي طرقناها، وبدت لنا ذاكرته طبيعية تماماً ماعدا بعض النقاط البسيطة والعديمة الأهمية. وليس في رفعة نسيم باشا أي ميل إلى التهيج أو اليأس والهبوط وهو لا يبدي أفكار خيالية قابلة للنقد ولا يبدو عليه اضطراب فى توجيه أهوائه. وقد بحثنا إذا كانت لديه بعض أفكار عن اضطهاد ومطالبة استرداد حق تؤدي إلى تهيج. وميله من جهة الزواج لا يدل على حالة عاطفية لها طابع بعيد عن التعقل ولا يمكن أن تؤخذ عليه بعض الأسباب العاطفية التي يظل فيها مقداراً لصالحه الشخصي. 3-يستدل من فحصنا أن رفعة نسيم باشا بعيداً عن حالات ضعف العقل والخبل والتهيج التي تخول – في الظروف المشابهة في التشريع الفرنسي – اعتباره غير كفء لإدارة نفسه وشؤونه. وفي لندن قال الأطباء: "بينما تدل حالة نسيم باشا الطبية على وجود بعض التلف بالجانب الأيسر في دماغه كنتيجة للصدمة التي حصلت له في يوليو سنة 1936 فإن هذه الحالة لا تدل على وجود أي مرض في الدماغ يمنعه من أن يصدر حكماً بدرجة معقولة في شؤونه الخاصة من حيث إنفاق إيراده أو تعديلات وصايته. فى لندن رغب محمد توفيق نسيم في مقابلة وزير خارجية بريطانيا فلما عرف حافظ عفيفي باشا السفير المصري قال لرونالد كامبل المسئول عن الشئون المصرية في وزارة الخارجية وقد اختير سفير لبلاده في مصر عام 1946. -لا اعرف ما إذا كان الباشا سيشرح مشكلته للوزير ولكني أعتقد أنه سيفعل، ولكن مجرد استقبال السير أنتوني إيدن وزير الخارجية له سيفسر في مصر على أنه محاولة منالباشا لطلب تدخل بريطانيا لصالحه، وسيكون لذلك تأثير غير مرغوب فيه في القاهرة. وعلى هذا الأساس اقترح حافظ عفيفي أن يترك نسيم باشا بطاقته لوزير الخارجية البريطانية الذي يقوم بترك بطاقته للباشا في الفندق.

أذاع الباشا بعد عودته من لندن بياناً قال فيه: -اعتبرني بعض أبناء وطني في حالة عجز من الوجة النفسية، ولذلك أصدر المجلس الحسبي، قراراً احتياطياً واستثنائياً بحسباني قاصراً. ولقد كنت من ناحية اخرى، عرضة للتشهير بي في الصحف، وهدفاً لدعاية قائمة على الأغراض، ثم كنت إلى هذا مهدداً بإجراءات المجلس الحسبي غير المحمودة. ولذلك اضطررت – لأقيم البرهان على هذه المعاملات الجائرة – إلى مغادرة وطني في أحوال عرفها الجميع. ولكي أستعيد أمام الرأي العام مكانتي لم أتردد في مواجهة كل المشاق الأدبية والطبيعية ومعاناة كل التقلبات الجوية الأوروبية في أثناء أشهر الشتاء الشديدة هذه، واحتمال أنواع الفحص الطبي والكشف الذ يقام به أساتذة الطب في فرنسا وإنجلترا. والآن أشكر الله تعالي على ما أمدني به العزيمة والقوة على احتمال كل هذه النواع من المتاعب، وأنا رجل اعترف ثقات الأطباء في العالم بأنه مالك لقواه بكل معنى الكلمة. وأطلب منه تعالى أن يغفر لكل من تعمد الإساءة إلي!

عين المجلس الحسبي سليمان السيد سليمان باشا وطيل مجلس الشيوخ مديراً مؤقتاً لأموال نسيم باشا استناداً إلى رفعته سافر فجأة إلى أوروبا دون إبلاغ المجلس! واستأنف نسيم باشا هذا القرار بعد عودته من لندن وباريس، امام المجلس الحسبي العالي برئاسة أتربي بك أبو النصر رئيس محكمة استئناف مصر الأهلية وعضوية كامل الوكيل بك زمحمد محمود بك المستشارين وأحد أعضاء المحكمة العليا الشرعية. وكان محامو نسيم باشا قد طلبو إلى المجلس الحسبي الموافقة على صرف مبلغ من المال بصفة نفقات لصاحب المقام الرفيع وفعلاً أوفدوا الأستاذ عزيز مشرقي المحامي لمقابلة رئيس مجلس مصر الحسبي. طلب الأستاذ عزيز مشرقي من رئيس المجلس الحسبي الموافقة على صرف مبلغ 400 جنيه مبيناً الأسباب التي دعت إلى هذا الطلب وهي السفر ونفقاته. رد رئيس المجلس الحسبي على محامي رفعة نسيم باشا بأنه علم أن رفعة نسيم باش قد باع قطنه بمبلغ 1000 جنيه. وإنه يأسف إذ ليس في استطاعته التصريح بصرف المبلغ المطلوب لأنه لا يعرف إذا كانت الألف جنيه قد صرفت أم لا؟ . .وإذا كانت قد صرفت . . فما الوجوه الني صرفت فيها؟! قال محامي نسيم باشا أمام المجلس الحسبي أن الدكتور محمد بك باشات حكيماباشي مصلحة السجون جاءه وأبلغه بانه ع لم من الشابين (من أسرة باشات) اللذين قدما طلب الحجر على الباشا أن أحد وكلاء النيابة – أرسل إليهما بعض رجال البوليس الذين استكتبهما طلب الحجر بطرق غريبة بعد أن فهما أن هذا العمل إحدى الجهات. ومعنى ذلك أن مسئولين مجهولين كانوا وراء تقديم طلب الحجر على رفعة الباشا! ولكن توفيق دوس باشا أصر أمام المجلس الحسبي العالي على طلب الحجر على رئيس الورزاء ورئيس الديوان الملكي السابق. وطعن في تقارير الطباء الأجانب قائلاً: -إن هؤلاء الأطباء لم يكلفهم المجلس بأية مهمة، ولم يحلفوا اليمين القانونية أمامه، وليس معروفاً مبلغ كفاءتهم الطبية، والظروف التي فحصوا فيها رفعته وكتبوا تقاريرهم منها، هذا إلى أنهم قد أعدوا هذه التقارير مقابل أجر دفع إليهم. وأشار توفيق دوس إلى زواج رفعته، وتغييره لأوقافه لمصلحة الزوجة المنتظرة وما كان هناك من مساومات وطلب من المجلس توقيع الحجر على نسيم باشا وتعيين قيم عليه ذاكراً ان هذا في مصلحة مقامه الرفيع نفسه! دعا إبراهيم الهلباوي بك المحامي عدداَ من الشهود للإدلاء بأقوالهم أمام المجلس الحسبي لصالح الباشا بينهم الدكتور محمد حسين هيكل وفارس نمر أصحاب جريدة المقطم. ولكن الهلباوي طلب أن يترافع قبل سماع الشهود فقرر المجلس الحسبي العالي يوم 12 ديسمبر رفض طلب الحجر فتلقى الباشا التهاني من الأمير محمد علي ولي عهد الملك فاروق وكل الوزراء والمسئولين في مصر. وكانت الصحافة تنشر قوائم طويلة للمهنئين! لم يزر الباشا ماري هوبنر في أثناء رحلته في أوروبا، ولم يتصل بها في القاهرة. وعندما فكرت في أن تقيم دعوى تعويض ضده تطالب بعشرة آلاف جنيه، لأنه اخلف وعده بالزواج بها قرر منحها ثلاثلة آلاف جنيه بدل الزواج، لأن ظروفاً قاهرة تمنعه من إتمام الزواج. ولكن قلب الباشا كان قد تحطم. عاش في قصره بالهرم زاهداً، معتزلاً ينفر من كل الناس. وطلت وقفيته باقية كما هي دون تغيير. رصد أملاكه لجهات البر. ولكن الحزن والأسى لم يفارقا الباشا قط. حطمه رجال السياسة وعذبه هجر ماري!

بعد أقل من ثلاثة أشهر، وفي 8 مارس 1938 مات توفيق نسيم فشيعت جنازته رسمياً في موكب عسكري سار فيه فرسان البوليس والحرس الملكي وفرسان الجيش المصري وأورطتان من البيادة وحمل النعش على عربة مدفع. وسارت الجنازة من دار الفقيد بالحلمية إلى مسجد الرفاعي حيث صلي على الجثمان.

وكان يتقدم المشيعين حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا الرجل الذي حصل على منصب رئيس الديوان الملكي الذي كان يطمح أو رشح له توفيق نسيم. وفي موكب الجنازة سار خمسة من رؤساء الوزارات السابقين في مصر!! ونعت الصحيفة المانشستر جارجيان فقالت: "إنه كان بعيداً عن المطامع الشخصية وغير مكترث للرأي العام وتوصل بسلوكه إلى أن صار يعد السياسي الكبير سناً مقاماً في مصر".

عادت ثروة نسيم باشا إلى القضاء المصري مرة أخرى. أمام المحكمة الشرعية عرضت النظارة على وقف الباشا، ومن يتصرف في أملاكه وينفذ وصيته. قالت وزارة الأوقاف إنها الأولى بأن تكون ناظرة على الوقف، لأن الباشا لم يترك وريثاً. وقال عبد العزيز محمد باشا وزير الأوقاف السابق في وزارة نسيم باشا الأخيرة إن الأشهاد الصادر في أول سبتمبر 1937 الذي تركه نسيم باشا في أثناء الأزمة يقضي بأن تكون نظارة الوقف لمكن تكون زوجة للباشا منضماً إليهما عبد العزيز محمد. وعلى هذا يصبح سعادته ناظراً للوق, لأنه الفقيد لم يتزوج. وقالت أرملة فتحي زغلول إنها أٌرب الناس للباشا فهي شقيقته ولذلك تطلب أن تكون ناظرة على وقفه. ولكن ممثل وزارة الأوقاف قال إن شرط النظر على الوقف قد انقطع لوفاة رفعة الواقف بلا زوجة ولا ذرية. وتبين أن الباشا قبل وفاته بستة أسابيع، غير وصيته – في 16 فبراير 1938- فجعل النظر من بعد لزوجته وحدها!! ومعنى ذلك أن نسيم باشا إلى ما قبل وفاته بستى أسابيع كان لا يزال يفكر في الزواج وأنه بقى يحب الشابة ال نمساوية ولذلك جعل زوجته – أيا من تكون – ناظرة على اوقافه. وكان يعني ماري بالذات! لقط ظلت ماري هوبنر في قلب وعقل توفيق نسيم ولكن ما جرى له من إهانات جعله يخاف المتآمرين ويقتل الحب في نفسه وقلبه ولكن الغرام ظهر في وصيته الأخيرة التي لم يطلع عليها أحد إلا بعد وفاته. ومادام الباشا لم يتزوج فقد قررت المحكمة الشرعية إقامة وزارة الأوقاف وحدها ناظرة على الوقف لأن ا لباشا أوصى بالنظارة لزوجته . . وهو لم يتزوج. وبهذا انتهت قصة غرام رئيس الوزراء. وهو غرام لم يتم!! وهي، في البداية والنهاية، مأساة عاشق عجوز!!

محمود فهمي النقراشي

انتصر وهو يظن نفسه مهزوماً تولى محمود فهمي النقراشي باشا رئاسة الوزارة مرتين. الأولى بعد اغتيال أحمد ماهر في 24 من فبراير عام 1945 لمدة عام، والثانية في 9 ديسمبر عام 1946. كان النقراشي هده المرة في الثامنة والخمسين ولد من أسرة فقيرة، حصل على دبلوم المعلمين، وأوفده سعد زغلول في بعثة إلى إنجلترا وبعد عودته عين مدرساً ثم ناظراً لمدرسة رأس التين بالإسكندرية واختاره سعد زغلول عندما تولى رئاسة الوزارة وكيلاً لمحافظة الإسكندرية، ثم وكيلاً لوزارة الداخلية. اتهم بالإشتراك في اغتيال السردار البريطاني لي ستاك عام 1924 فاعتقل ثم أفرج عنه. واتهم مرة ثانية، بالإشتراك مع أحمد ماهر في تنفيذ الإغتيالات الكبرى عام 1925 فاعتقل وأحمد ماهر عاماً كاملاً حتى صدر الجكم ببرائتهما عام 1926. انتخب عضواً في مجلس النواب عن الوفد، واختاره مصطفى النحاس زعيم الحزب وزيراً للمواصلات عام 1930 وعضواً في هيئة المفاوضات في معاهدة عام 1936. واختلف كوزير للمواصلات، مع النحاس في العام التالي فأخرجه النحاس من الوفد ومن الوزارة فأسس مع أحمد ماهر الحزب السعدي عام 38 وتولى منصب الوزارة أكثر من مرة. رأى المسئولون في وزارة الخارجية البريطانية أن الملك أساء باختيار النقراشي رئيساً لوزارته وأنه لا يوجد من هو أسوأ من النقراشي باشا فإن الإنجليز ظلوا حاقدين عليه منذ اتهامه بالإشتراك في اغتياله السردار. وكان السفير البريطاني اللورد كيلرن شديد العداء للنقراشي الذي طلب التفاوض مع بريطانيا وحدد صراحة مطالبه وهي الجلاء ووحدة وادي النيل، وكان الإنجليز يرفضون ذلك ويطلبون إدخال وزراء وفديين في الحكومة. ويستدرج الملك فاروق السفير البريطاني فيطلبه ليسأله النصيحة. قال السفير: -لا أستطيع التعاون مع النقراشي. قال صاحب الجلالة: -قدم إلى مذكرة كتابية. قدمها السفير يوم 31 من يناير عام 1946 فيقدمها عبد الفتاح عمرو باشا السفير المصري في لندن إلى وزير الخارجية البريطانية قائلاً: -طلب السفير تغيير رئيس الوزراء ويعتبر الملك هذه رسالة غير ودية. تحقق اللعبة أو الخدعة الملكية هدفها فيقرر مجلس الوزارء البريطاني يرفض التدخل في تشكيل الوزارات المصرية نقله ليكون مندوباً خاصاً في جنوب شرق آسيا. ويجد صاحب الجلالة أن النقراشي حقق هدفه، أي هدف صاحب الجلالة فيبلغه أن الأغلبية طلبت إخراجه من منصبه. ويستقبل النقراشي يوم 15 من فبراير عام 46. ويرأس الوزارة بدلاً من إسماعيل صدقي الذي نجح في الوصول مع بريطانيا إلى ما عرف باسم معاهدة صدقي بيفن، ونص فيها على جلاء القوات البريطانية عن مصر قبل أول سبتمبر عام 1949. فشلت المعاهدة. فقد أصر الإنجليز على أن يتمتع السودان بالحكم الذاتي، وهو ما لم يعترض عليه صدقي. ولكنه اعترض على ماأراده الإنجليز من حق السودان في تقرير المصير والإستقل ال عن مصر. عاد النقراشي ليرأس الوزارة مرة ثانية في 9 ديسمبر عام 1946. رأى أن يستكمل ما فعله صدقي بالنسبة إلى الجلاء والسودان. تفاوض مع السفير البريطاني في مصر السير رونالد كامبل بعد أقل من شهر من توليه الوزارة. بدأ المفاوضات يوم 4 يناير 47 وهي أقصر مفاوضات في تاريخ مصر وأنهاها وقطعها في 25 يناير من نفس الشهر. وكان السبب إصرار الإنجليز على عقد معاهدة دفاع مشترك مع مصر وأيضاً لأن الإنجليز وقفوا مع النقراشي نفس موقفهم مع صدقي أي ضرورة منح السوجانيين حق تقرير المصير والإستقلال. وكل ما طلبه النقراشي أن يعلن الإنجليز أنهم لن يشجعوا السودان على الإنفصال عن مصر فرفضوا. أبلغ النقراشي مجلس الوزراء بأن المفاوضات مع بريطانيا لم تؤد إلى نتيجة وأنه قرر قطعها فقرر المجلس عرض قضية مصر على مجلس الأمن. وأعلن النقراشي ذلك في بيان ألقاه في جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب يوم 27 يناير ناشد فيه أبناء وادي النيل شماله وجنوبه أن يقضوا على الجدل بينهم وأن يقفوا صفاً واحداً. وقد حضر الملك فاروق هذا الإجتماع تأييداً لقرار النقراشي بقطع المفاوضات.

كان من رأي الدكتور محمد حسين هيكل باشا الإحتكام إلى الجمعية العامة خصوصاً بعد أن أصدرت هذه الجمعية قراراً بانه لا يجوز أن يكون لدولة عسكرية في دولة أخرى بغير موافقة هذه الدولة. وكان رأي جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكي مماثلاً لرأي الدكتور هيكل. قال في برقية لسفيرة بنكي تاك في القاهرة: "من الناحية الفنية ترى الولايات المتحدة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي المكان المناسب لحل القضية السودانية لأنه من الصعب على مصر إثبات أن هذه المسألة أي عدم الجلاء عن مصر تعرض السلام الدولي للخطر نظراً للعلقاة الطويلة بين مصر وإنجلترا. وفي غياب هذا العنصر فإن قرار مجلس الأمن سيكون مطالبة الطرفين بالتفاوض على أساس المادة 33 أو يقدم المجلس توصيات أخرى إذا وافقت بريطانيا على تطبيق المادة 38. وإذا كان قرار الجمعية العامة لا يرضي مصر فإنه يضع عبئاً أقل على القوى الكبرى بعكس قرار مجلس الأمن". وظلت الولايات المتحدة متمسكة بعرض القضية على الجمعية العامة وليس مجلس الأمن. قالت الوزارة لسفيرها في القاهرة: إن الجمعية العامة ستفصل بين مسألتي السودان وقوات الإحتلال. وبالنسبة إلى مسألة السودان فإن مجلس الأمن سيضعها ضمن جدول أعماله إذ لا توجد سوى علاقة قليلة بين المسألة السودانية وتعريض الأمن والسلام العالمي للخطر، لأن مجلس الأمن سيحيل قوات الإحتلال إلى الجمعية العامة. ولكن وزارة الخارجية الأمركية طلبت من السفير الأمريكي ألا يعلن السر الحقيقي وزراء موقفها لأنه عندما تصوت الولايات المتحدة ضد مصر في الجمعية العامة فسيكون لذلك تأثير أقل في العالم العربي فالدول التي ستدلي بأصواتها كثيرة بعكس الأمر في مجلس الأمن. وهذا يبين أن هدف واشنطن من تشجيع مصر على عرض القضية على الأمم المتحدة أن تختفي معارضة واشنطن لمصر وراء دول أخرى كثيرة! ولكن السفير الأمريكي في القاهرة بنكي تاك يرى أن المدة الباقية حتى اجتماع الجمعية العامة في سبتمبر ستتيح لخصوم النقراشي ومنهم هيكل الفرصة لتولي رئاسة الوزراة. ويقول السفير لحكومته: "يشعر النقراشي بأن الرمال تتحرك من تحت قدميه. وهناك تغييرات وزارية متوقعة ستضعف حكومته. وهو يعتقد أن فترة حكمه أوشكت على الإنتهاء. ويفطن، تاك، السفير الأمريكي، إلى هدف واشنطن من عدم عرض القضية على مجلس الأمن. إن أهم ضرر ينتج عن عرض الخلاف المصري – البريطاني على مجلس الأمن هو انحياز الإتحاد السوفيتي إلى الدول العربية. قال: "يعرف النقراشي تماماً خطورة الإلتجاء إلى مجلس المن، ويتوقع أن يرفض المجلس سماع مسألة السودان وربما يحيل برمتها إلى الطرفين المعينين طبقاً للمادة 33. ويعرف أيضاً أن الملك فاروق وآخرين بما فيهم إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي وعبد الحميد بدوي باشا القاضي المصري في محكمة العدل الدولية والذي يعتمد على حكمه بشكل كبير يعارضون عرض القضية على مجلس الأمن أو الجمعية العامة. ويصير النقراشي على أن عرض القضية على مجلس الأمن يمثل أكبر فرصة لضمان إجراء من الأمم المتحدة بالنسبة إلى جلاء القوات البريطانية. وقال إنه لن يعدل عن هذا الإجراء إلا إذا ضمن الجلاء بوسائل أخرى غير استئناف المفاوضات المباشرة مع الإنجليز. عارض عدد من السياسيين الإلتجاء إلى مجلس الأمن وفي مقدمتهم إسماعيل صدقي الذي أعلن في أكثر من مناسبة استئناف المفاوضات المباشرة. وعاد صدقي بسرعة من الخارج فأحس النقراشي بأن رئاسة الوزارة ستعرض على صدقي ليتفاوض بدلاً منه.

ناقش النقراشي باشا الأمر مع وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم بالقاهرة يوم 17 مارس فأيد الوزراء مطلب كصر ووحدة وادي النيل. ولكن قرار النقراشي بإحالة القضية إلى مجلس الأمن أحدث دوياً ضخماً فهذه بريطانيا التي خرجت منتصرة من الحرب، وتدعى أن الأمم المتحدة أٌقيمت لتحقيق العدل تقف على قدم المساواة مع دولة صغيرة مثل مصر تشكوها وتندد بها وتطالب بطرد قواتها من مصر!

أخذت الحكومة البريطانية تحاول الضغط على مصر بكل الطرق. طلب سكوت فوكس رئيس القسم المصري بالنيابة في وزارة الخارجية البريطانية من السفي الأمريكي في لندن لويس دوجلاس – بصفة غير رسمية – أن تمارس الولايات المتحدة نفوذها على الحكومة المصرية حتى لا تعرض النزاع المصري البريطاني على مجلس الأمن. وقال سكوت فوكس: "مادام مصرحصلت على ما تريد من الجامعة العربية فإنها قد تعرض القضية على مجلس الأمن خلال أسبوعين. ولا يزال الوقت في أيدينا عندما تستطيع الولايات المتحدة بصفتها قوة ذات نفوذ أن تبلغ الملك فاروق أنه إذا ذهبت مصر إلى مجلس الأمن فستواجه وقتاً صعباً ولن تجد تأييداً من الولايات المتحدة. ولا توجد فائدة من الحديث إلى النقراشي أو غيره من السياسيين المصريين. ولا تجد بريطانيا ما تقوله للملك فاروق الذي ضاق بالإنجليز لإشارتهم مجلس العموم أن الحكومة المصرية الحالية هي حكومة أقلي. ولا يمكن أن يستمع فاروق إلى الولايات المتحدة بوقف التحرك نحو مجلس الأمن". رد دين أتشيسون القائم بأعمال وزير الخارجية على بريطانيا قائلاً: "لا تستطيع الولايات المتحدة كعضوة في مجلس الأمن أن تحكم على القضية مقدماً بإبلاغ المصريين أنهم لن يلقوا تأييداً أمريكياً خصوصاً وأن الولايات المتحدة لا تعرف على وجه الدقة المطالب المصرية. وهناك مؤشرات على أن مصر لم تتخذ قراراً بالنسبة إلى موضوع القضية وصيغتها أو توقيت تقديمها. ونعتقد أنه ليس من حسن النصيحة الإتصال بالملك فاروق فوق رأس النقراشي في مثل هذه المسألة".

اجتمع في موسكو الزعيم السوفيتي المارشال جوزيف ستاين بأرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا يوم 24 مارس. ونشرت صحيفة الأهرام بأن الحكومة السوفيتية – خلال اللقاء – قررت عد تأييد مصر في الأمم المتحدة. ونشرت صحيفة برافدا السوفيتية بياناً لوكالة تاس بأنه تقرر في هذه المحادثات أن العلاقات بين مصر وبريطانيا مسألة داخلية بين مصر وبريكانيا وسياسة السوفيت لم تتغير ولا يفكرون في التدخل في هذه المسألة: ومعنى ذلك أن السوفييت أعلنوا رسمياً أنهم تخلوا عن مصر. ورأى النقراشي تأجيل عرض القضية حتى يتم إجلاء القوات البريطانية عن القاهرة والإسكندرية والدلتا. ورفع الملك فاروق العلم المصري فوق ثكنات قصر النيل التي كانت تحتلها القوات البريطانية يوم 31 مارس وأشاد بشهداء الطلبة عام 1935. ويجتمع السفير البريطاني في واشنطن بوزير الخارجية الأمريكي وبقول له: -تأمل الحكومة البريطانية ألا تلعب الولايات المتحدة الدور البارز الذي كانت تلعبه بريطانيا في الشئون العسكرية المصرية. رد أتشيسون: -أؤكد لك أنه ليست لدينا الرغبة أو النية لنلعب هذا الدور. ويجتمع أرنست بيفن وزير الخارجية البريطاني بالسفير الأمريكي الجديد في لندن لويس دوجلاس أول مايو. وقال السفير: -نأمل ألا تبدوللحكومة المصرية أية رغبة في الوساطة بيننا وبينها خصوصاً وأن دين أتشيسون أبدى لبيفن في موسكو أنكم أيديكم من هذه المسألة. وأضاف السفير: -عرضت على الحكومة المصرية سحب كل القوات البريطانية من مصر قبل أول سبتمبر عام 49. وقد رفضت حكومة النقراشي هذا العرض.

أدركت بريطانيا أن مصر مصممة على عرض قضيتها على مجلس الأمن فبدأت تعلن أنها مستعدة للجلاء عن مصر طبقاً لمعاهدة صدقي بيفن قبل أول سبتمبر 49. قال لاسي رئس القسم المصري بوزارة الخارجية البريطانية للسفير الأمريكي في لندن دوجلاس: -تقدر الحكومة البريطانية صعوبة تراجع السياسيين المصريين عن موقفهم وإن كانت قد تحققت أن بيفن بأمانة وإخلاص تحرك إلى أقصى مدى نحو الإستجابة للمطالب المصرية. ولو أدرك المصريون ذلك ما كانوا قد وضعوا أنفسهم في هذا الموقف المحرج. وليست لدى بريطانيا تنازلات جديدة.

ضغطت بريطانيا على كل من سوريا ولبنان كما هو ثابت من الوثائق الرسمية السرية البريطانية، ومن البرقيات المتبادلة بين بيفن وحكومتي البلدين. أبدت الدولتان في فبراير استعدادهما للوساطة بين مصر وبريطانيا فرفض النقراشي. وبعث الملك عبد العزيز آل سعود برسول خاص إلى القاهرة لنفس الغرض. وأبدى الملك عبد العزيز مخاوفه من أن يستغل السوفييت الفرصة للتدخل في مسألة السودان والوصول إلى هذا البلد القريب من السعودية. ولكن الحكومة المصرية لم تستطع التراجع. وفي مارس أعلن النقراشي في مؤتمر صحفي أن الحكومة قررت الإلتجاء إلى مجلس الأمن.

ةتجئ الطعنة الكبرى في ظهر النقراشي من الملك فاروق. ومن حسن حط النقراشي أنه لم يعرف بهذه الطعنة . . قط. أراد الملك أن يتفاوض مع الإنجليز جون علم النقراشي بدلاً من الإلتجاء إلى مجلس الأمن. أوفدوا وسيطاً إلى السير والتر سمارت الوزير المفوض الشرقي بدار السفار البريطانية. عرض صاحب ال جلالة أن يتم الجلاء عن مصر خلال سنة وأن توجد صيغة مرضية بشأن السودان. وقال الوسيط: -الملك في حالة الإتفاق سيعزل النقراشي ويأتي بحكومة توقع المعاهدة. والملك لا يريد الإلتجاء إلى مجلس الأمن. اعتذر الإنجليز عن قبول العرض الملكي قائلين: -من الصعب إبقاء هذه المحادثات سراً. وأراد صاحب الجلالة أن يخفف على الإنجليز وقع اللجوء إلى مجلس الأمن فقال حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالنيابة لجيمس بوكر الوزير البريطاني المفوض بالقاهرة: -نحن نذهب للأمم المتحدة كأصدقاء يلجأون إلى طرف ثالث لتسوية خلاف بينهم! ويبعث مصطفى النحاس رئيس وزارء مصر السابق وزعيم حزب الوفد يوم 15 يوليو ببرقية إلى مجلس الأمن والسكرتير العام للأمم المتحدة يقول فيها: -الحكومة المصرية التي رفعت دعوى أمام مجلس الأمن لا تمثل على أي وجه شعب وادي النيل! ويدلي الأمير محمد علي ولي عهد فاروق بحديث إلى صحيفة "المقطم" يتوقع فيه خيبة مصر في مجلس الأمن!

وتستمر اتصالات بريطانيا مع الدول العربية للضغط على القراشي حتى يحس بأنه يقف وحده ضد بريطانيا. زار نوري السعيد رئيس وزارء العراق السابق مستشار السفارة البريطانية في بغداد وقال له: -سأطلب بعقد اجتماع للجامعة العربية لتنسيق السياسة العربية مع بريطانيا إما بمعاهدات بين الدول أو بمعاهدة صداقة. ويعقد الإجتماع في سوريا أو لبنان. وأعلن سمير الرفاعي رئيس وزارء الأردن أنه سيطلب أيضاً عقد اجتماع للجامعة العربية للتوصية باستئناف المفاوضات. ولكن نوري السعيد وسمير الرفاعي وكل الزعماء العرب لا يجرءون على اتخاذ هذه الخطوة العلنية بل يكتفون بالإتصالات السرية فيما بينهم وبين السفارات البريطانية في العواصم العربية والضغط على النقراشي أو على الملك فاروق. . ! ويلتقي فاضل الجمالي وزير خارجية العراق بالنقراشي في القاهرة ويقول له: -قضية مصر في مجلس الأمن ميئوس منها. والهدف أن يتراجع النقراشي من تلقاء نفسه ويسحب الشكوى من مجلس الأمن. ويزور الجمالي مستشار السفارة البريطانية في بغداد – باسك – ويقول له: -سأقابل النقراشي مرة أخرى وأطلب منه أن يستدعي السير رونالد كامبل ويبلغه استعداده للتفاوض. ويجتمع عاهل الأردن الملك عبد الله مع صالح جبر رئيس وزراء العراق. وتتفق الدولتان على إبلاغ النقراشي بأن موقفه بالنسبة إلى قضية السودان لا يمكن الدفاع عنه ولابد أن يسحب شكواه من مجلس الأمن ويستأنف المفاوضات. ويتفق الزعيمان في الضغط على سوريا ولبنان لاتباع الموقف نفسه. ويجتمع سمير الرفاعي رئيس وزراء الأردن بالأمير عبد الله الوصي على عرش العراق لهذا الغرض. ويتصل الرئيس السوري شكري القوتلي بالملك فاروق ليرغم النقراشي التراجع قائلاً: -لا أوافق على سلوك الحكومة ال مصرية وأطالب بالتدخل فصلاح الأمور. ويبلغ صالح جبر السفير البريطاني في بغداد بذلك. ويقول نوري السعيد للسفير البريطاني في بيروت: -إني مستاء للغاية من موقف الدول العربية فإنها على الرغم من صداقتها الحارة لبريطانيا مترددة في ترجمة هذه الصداقة إلى عمل إزاء مصر وعرض قضيتها في مجلس الأمن. ويجتمع رئيسا وزراء سوريا ولبنان في دمشق لبحث اقتراح بالإتصال بالدول العربية وتنسيق مواقفها بشأن هذه القضية. وينتقد الرجلان موقف مصر لرفضها وساطة البلدين. ويقول وزير الخارجية اللبناني للسكرتير الشرقي للسفارة البريطانية في بيروت: -نريد أن نعمل كل مافي وسعنا للمساعدة. ويوقل السفير البريطاني في بيروت لرئيس وزراء لبنان: -يجب أن تحاول الدول العربية الضغط على مصر وإقناعها بسحب القضية. ويصدر البرلمان اللبناني بيناً بتأييد مصر في صراعها، ويأمل البرلمان ان تحقق الشقيقة الكبرى آمالها الوطنية. ويعتذر رئيس الوزراء للسفير البريطاني قائلاً: -البيان عام وغامض ومبهم! ويحضر إلى القاهرة صالح جبر رئيس وزراء العراق يوم 20 يوينو، ليحث النقراشي على استئناف المفاوضات!

وقد انتقد النقراشي، لأنه لم يعرض القضية مباشرة على مجلس الأمن بعد ما أعلن قطع المفاوضات بل انتظر ستة شهور. ولكن خلال هذه الشهور الستة، كان النقراشي يقاوم الضغوط العربية والضغوط من الملك فاروق وأغلب السياسيين المصريين حتى شركاءه في الائتلاف الوزاري.

عرض النقراشي على الدكتور محمد حسين هيكل رئيس حزب الأحرار الدستوريين ورئيس مجلس ال شيوخ أن يصحبه إلى نيويورك ولكن الدكتور هيكل اعتذر قائلاً: -أنت الذي يجب أن تسافر. وأنت في وزارتك الأولى الذي كتبت إلى إنجلترا تطلب المفاوضات لإعادة النظر في معاهدة 36، وبدأت الخطوات التمهيدية لها. وأنت الذي تفاوضت في وزارتك هذه، ثم قطعت المفاوضات، وقررت الإلتجاء إلى مجلس الأمن، وألفت هيئة المستشارين، وأعددت كل شئ للإحتكام فمن الطبيعي أن تتولى الأمر ولا يتولاه سواك. وأضاف هيكل: -إذا أنا ذهبت فيكون دوري ثانوياً. وهذا سر اعتذار هيكل ولكنه أراد أن يبرر ذلك قائلاً: -حديثك عن سفري بعض ما تقضي به المجاملة. وأنا أبقى في مصر لأرد على حملات المعارضة. وأبدى الدكتور هيكل رأياً في تشكيل الوفد قال: -لو كنت أتولى المر لما اصطحبت أحداً إلا مستشاراً أو أثنين من الذين تولوا دراسة المسألة في الأشهر الأربعة الأخيرة فسفيرنا في واشنطن محود باشا حسن هو ومحمود فوزي بك رجلان مشهود لهما بالكفاءة. رد النقراشي قائلاً: -لا غنى لي عن السنهوري باشا وممدوح رياض. قال هيكل: -ليكن معك رجلان من الأحرار الدستوريين عضوين في الوفد ليكون ذلك مظهراً لتآزر الحزبين. تردد النقراشي. وأصر هيكل. ويشكل وفد مصر إلى مجلس الأمن برئاسة محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء وعضوية الدكتور عبد الرازق السنهوري وزير المعارف، وممدوح رياض وزير التجارة والصناعة، ويمثلون الحزب السعدي وعبد المجيد إبراهيم صالح وزير الأشغال، وأحمد رمزي عضو مجلس الشيوخ ممثلين لحزب الأحرار الدستوري ومحمود حسن سفير مصر في واشنطن، ومحمود فوزي الوزير المفوض ومندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة وعدد من المستشارين القانونيين. وقد تولى وزارة الخارجية ورئاسة الوزراة بعد ثورة 23 يوليو 52 محمود فوزي ويبدي السفير البريطاني في مصر السير رونالد كامبل تعليقه على تشكيل الوفد المصري ويكتب للندن عن غياب الدكتور هيكل قائلاً: -هذا الغياب له معنى. ولم يدرك السفير أن الدكتور هيكل كان يرى أنه أحق من النقراشي في البداية برئاسة الوزراة، وهذا هو المعنى الوحيد لغيابه. وبطبيعة الحال كان مستحيلاً تمثيل حزب الوفد.

أخيراً . . وقع النقراشي يوم 8 يوليو عريضة دعوى إلى مجلس الأمن وقدمها لسفير المصري محمود حسن إلى تريجفي لي السكرتير العام للأمم المتحدة بعد ثلاثة أيام. طلب النقراشي جلاء القوات البريطانية عن مصر والسودان جلاء تاماً ناجزاً وإنهاء النظام الإدراي في السودان. وقال إن النزاع بين مصر وبريطانيا يعرض السلام والأمن الدولي للخطر.

ويسافر النقراشي ووفد مصر إلى واشنطن يوم 22 يوليو، ويلتقي النقراشي بجورج مارشال وزير الخارجية الأمريكي يوم أول أغسطس محاولاً الحصول على مساندة واشنطن. قال: -جئت لأعرض قضية مصر على مجلس الأمن في اجتماعه يوم 5 أغسطس . . ومصر تتطلع إلى تأييد الولايات المتحدة فبدون هذا التأييد لن نكسب. وقال: -وجود القوات البريطانية فوق الأراضي المصرية يعوق استقلالنا الكامل. ومعاهدة 36 تمنع مصر من تكوين جيشها. المعاهدة تسمح ب18 ألف جندي للقيام بأعمال بوليسية ولكنها امتدت إلى الجيش المصري الذي فقد روحه. ومن الضروري لمصر أن تستعد للدفاع فالحرب القادمة ستبدأ في مصر. وإذا جلت القوات البريطانية فمصر ستكون حرة في تكوين قواتها الدفاعية وستكون قاردة على إعداد جيش كاف وسيمكن ضمان أمن المنطقة. وستأخذ مصر مكانها الصحيح بين شعوبها. وأعتقد أن الولايات المتحدة مهتمة بالمساهمة التي يمكن أن تقدمها مصر إلى الكتلة الديمقراطية. وإني على يقين من أن الولايات المتحدة تؤيد التصنيع كوسيلة لتنمية علاقات الصداقة بين شعوب العالم. ومصر على حافة برنامج تصنيعي. ومصر ضد الشيوعية، لأنها ضد العقيدة الإسلامية. قال مارشال: -فسر لي ذلك. قال النقراشي: -العقيدة الإسلامية تؤكد حقوق الفرد وتحترم المشروعات الخاصة والملكية الخاصة والديانة الإسلامية في أساسها تعارض المبدأ الشيوعي. وإذا لم تنسحب القوات البريطانية من مصر. ولم تستطع مصر تكوين قواتها الخاصة فإن إحساساً بعدم الرضا سينتشر بين الجماهير، مما سيؤدي، حتماً، إلى انتشار الدعاية الشيوعية. وستصبح مصر حقلاً خصباً للإختراق الشيوعي. سأله مارشال: -كم عدد سكان مصر؟ -قال النقراشي: -26 مليوناً بما في ذلك السودان. عاد يسأله: -ونسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة؟ قال النقراشي: -25 في المائة ولا يدخل في ذلك السودان. وبدأ رئيس الوزراء يتحدث عن الخطوات التي اتخذت لرفع مستوى التعليم. تدخل السفير المصري محمود حسن فتكلم عن فشل الإنجليز عندما كانوا يحكمون مصر في محو الأمية، وقال: -إذا عوملت مصر كدولة مستقلة فإنها يمكن أن تلعب في المستقبل دوراً مهماً مع الكتلة الديمقراطية وإلا فإن هناك مخاوف من أن تأييد مصر الديمقراطيات لن يجئ. قال جورج ماراشال: -إن وجهة نظر رئيس الوزراء ستؤخذ بعين الإعتبار. ولكن الحقيقة أن واشنطن لم تأخذ وجهة نظر مصر بعين ولا باعتبار!

قبل اجتماع مجلس الأمن بيوم واحد أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية هيرشيل جونسون مندوبها الدائم في الأمم المتحدة بتعليماتها المحددة وهي: 1-بعد إلقاء ممثلي مصر وبريطانيا خطابيها الإفتتاحيين يؤجل المجلس اجتماعته اسبوعياً ليدرس الأعضاء الموقف. وبذلك تعطى الفرصة لمصر وبريكانيا لإستئناف المفاوضات بينهما والوصول إلى حل. 2-إذا نشأت مسألة اشتراك السودانيين وتمثيلهم في مجلس الأمن فالولايات المتحدة ترى دعوتهم للمشاركة أو يقدمون المساعدة 3-تأمل الولايات المتحدة أن يستأنف الطرفان المفاوضات على الرغم من أن فرصة ذلك ضئيلة. ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة كانت ترى استئناف المفاوضات بين مصر وبريطانيا فحسب.

اجتمع مجلس الأمن يوم 5 أغسطس برئاسة جروميكو ممثل الإتحاد السوفييتي ووزير خارجيته، فيما بعد، لنظر قضية مصر. بدأ النقراشي الإجتماع بعرض لمطلب بلاده فهاجم الإنجليز علناً وأمام العالم، كما لم يهاجمهم سياسي مصري من قبل. قال للمجلس في خطاب طويل: -نطلب إليكم أن تقرروا إجلاء القوات البريطانية جميعها عن وادي النيل. عن السودان وعن أي جزء من الأراضي المصرية، وأن يكون هذا الجلاء حالاً، كاملاً، غير مشروط بشرط. ومعاهدة 1936 لا تعبر عن رضائنا الحر، ولا تتلاءم مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة. ولم تكن مصر طرفاً حراً عند إبرامها، لأن القوات البريطانية كانت تحتل أراضيها. ولم يدع الجانب البريطاني عند المفاوضين المصريين مجالاً للشك فيما يترتب على نتائج رفضهم للتسليم بمطالب بريطانيا. قبل بدء المفاوضات مباشرة وجه المندوب السامي البريطاني إلى ملك مصر ورئيس وزرائها مذكرة شفهية أوضح فيها ان الإخفاق في عقد اتفاق قد ترتب عليه نتائج جدية، وأن بريطانيا تحتفظ بحق إعادة النظر في سياستها نحو مصر. وعندما احتد رئيس وزراء مصر على ذلك أجابه المندوب السامي بأن حكومته تحتفظ لنفسها بحرية العمل بالنسبة إلى مستقبل مجهول المدى. وقبضة بريطانيا على مصر سندها القوة لا الحق ونحن لا نعيش في ظلمات القرن التاسع عشر بل نحن نحيا في عالم اليوم، عالم لا يطيق مغامرات التوسع والإستعمار. وقال: -الحكم المصري فتح السودان للمدنية الحديثة. وقد أرغمت بريطانيا الجيش المصري على الخروج من السودان وفرق الإنجليز بين مصر والسودان سياسياً واقتصادياً وأبقت السودان متخلفاً ممزقاً. وتتلخص وجهة نظر مصر في أن معاهدة 36 استنفدت أغراضها. رد السير ألكسندر كادوجان ممثل بريطاني في المساء فتمسك بمعاهدة 36 حتى تنتهي مدتها عام 1956 وقال: -إنها عقدت باختيار مصر التي رفضت قبل ذلك عدة معاهدات. وقد حددت هذه المعاهدة الأسلوب القانوني لتعديلها. أما بالنسبة إلى السودان فإن بريطانيا ترى أن يكون له حق تقرير مصيره، بعد بلوغه مرتبة الحكم الذاتي. وطلب ممثل بريطانيا رفض طلب مصر وشطب النزاع من جدول أعمال مجلس الأمن. وقال إن بريطانيا مستعدة لتوقيع معاهدة صدقي بيفن مع تعديل بروتوكول السودان للنص على حق الشعب السوداني في تقرير مصيره.

أجل المجلس اجتماعاته كما اقترحت الولايات المتحدة حتى تهدأ مشاعر العداء بين ممثلي مصر وبريطانيا. وأجرى هير شيل جونسون المندوب الدائم للولايات المتحدة في مجلس الأمن مباحثات مع ممثلي مصر وبريطانيا يدعوهما لإستئناف المفاوضات فرفض الطرفان، كما رفض أية توصية قد تصدر من مجلس الأمن بذلك. بحثت الولايات المتحدة المشكلة وهي انسحاب القوات البريطانية من مصر قبل الموعد الذي تريده بريطانيا. وجدت واشنطن أن هذا الإنسحاب يمثل خطورة على أمن المنطقة في وقت كانت فيه الحرب الباردة على أشدها بين واشنطن وموسكو. وفي الوقت نفسه نظراً لعنف المشاعرالوطنيو في مصر فإن حكومة الولايات المتحدة لا ترغب في اتخاذ موقف يزيد تعقيد العلاقة بين الولايات المتحدة وشعوب منطقة الشرق الأوسط. وخشيت واشنطن أن يؤيد الإتحاد السوفييتي مصر. وأرادت أن تقلل فرص الدعاية السوفيتية أو تقدم موسكو حلا لا يتناسب ومصالح الحكومة الأمريكية ولذلك فإن وجهة النظر الأمريكية تركزت في حل عاجل للمشكلة. وبنت الولايات المتحدة سياستها على أساس: -إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية للنظر في مدى سريان معاهدة 1936 أو إحالة القضية إلى هيئة تحكيم من اختيارها. وفي الوقت نفسه تبقى القضية مدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن وتقدم الأطراف إلى المجلس النتائج التي تحققت. ولكن القائم بالأعمال البريطانية يقدم مذكرة إلى وزارة الخارجية الأمريكية يعترض فيها على إحالة القضية إلى محكمة ال عدل الدولية بل اقترح أن يرفض مجلس الأمن على الفور طلب مصر وأن يعلن المجلس أن الموقف لا يهدد الأمن والسلام العالمي وإلا فإن أية معاهدة دولية لن تبقى آمنة. رفض وزير الخاريجة الأمريكي وجهة نظر بريطانيا وقال: -نحن نرغب في إبعاد القضية من مجلس الأمن في أسرع وقت. ولكن هذا يتحقق باتفاق الطرفين على التفاوض أو محاولة الحل بوسيلة سلمية. وترتكب الحكومة البريطانية خطأ بالغاً إذا ظل موقفها جامداً بالتمسك بحقها القانوني في بقاؤ قواتها في مصر وإصرارها على أن يرفض مجلس المن طلب مصر. وتمنت الحكومة اللأمركية أن تجد بريطانيا كريقاً آخر.

استأنف مجلس الأمن اجتماعاته يوم 11 أغسطس، وكان مقرراص أن يبدأ كادوجان الكلام، ولكن فارس الخوري ممثل سوريا أعطى الكلام للنقراشي الذي رد على خكاب كادوجان. قال النقراشي: -إن التحالف الأبدي الذي نصت ع ليه المعاهدة هو تحالف مصطنع خلا من التوازن. والبريطانيون يريدون استمرار هذا التحالف غير طبيعي ليستمر الإحتلال البغيض. وما دام الإحتلال باقياً فلن يكون في الطرق تهدئة سخط الشعب. ولا سبيل إلى إخماده إذا اشتعل وزمام الأمر يفلت بسهولة في مثل هذه الأحوال. والعلاقات بين السكان الذي يقطنون شطري وادي النيل مسألة داخلية بل أهلية. ولن ندع المسألة رهناً بأهوء السياسة الإستعمارية يل إن الأمر سيعالجه المصريون والسودانيون لا أن يتحدث عنهم لسان حكومة أجنبية في لندن النائية. وقال النقراشي: -إن خطاب كادوجان اعتذار عن استعمار القرن التاسع عشر. وكل الطرق تؤدي إلى استعمال بريطانيا القوة لوضع أقدامها في مصر. وقد أصبح واضحاً أن أسطورة الإستعمار يجب أن تنتهي. لقد استعملت بريطانيا قواتها لعزل الوزارات المصرية أعوام 40 و42 و45. رد كادوجان فأشار إلى أن تدخل بريطانيا العسكري في مصر 1882 يرجع إلى سوء الحكم والفوضى. ولكن كلمة النقراشي التي دوت في مصر والعالم هي: -اخرجوا من بلادنا أيها الإنجليز . . أيها القراصنة.

وأصرت بريطانيا على أن النزاع مع مصر لا يمكن أن ينشأ عنه إخلال بالسلام العام العالمي وهي القضية الأساسية بالنسبة إلى مجلس الأمن باعتباره هيئة سياسية تصون السلام. وما دام لا يوجد تهديد للسلام فلا يوجد ما يدعو لعرض النزاع أو بقائه قائماً.

فتح النقراشي بعد ذلك في مجلس الأمن باباً لمناقشة عامة بين ممثلي الدول الأعضاء الإثنتي عشرة فرد النقراشي على كادوجان قائلاً: إن مصر تريد أن تتمتع بحياتها الحقيقية طليقة من تلك اليد الحديدية التي يبطش بها غزاة عتاة.

في الجلسة الثالثة يوم 13 أغسطس أيد مندوب بولندا طلب مصر بضرورة انسحاب القوات البريطانية العاجل من مصر. وأيد جروميكو المندوب السوفييتي وجهة نظر بولندا. ويتوجه عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ليلتقي مع لوي هندرسون رئيس قسم الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية. وقدم إليه كتاباً يطلب فيه تدخل الولايات المتحدة كوسيط في المفاوضات بين مصر وبريطانيا، لأن مصر لن تقبل مجرد توصية بسيطة من مجلس الأمن باستئناف المفاوضات. وإن رفض طلب مصر سيؤدي إلى زيادة مشاعر العداء المصري العربي ضد الولايات المتحدة. وقال إن مصر تطلب النص على وجود طرف ثالث في هذه المفاوضات. ولكن وجهة نظر وزارة الخارجية الأمريكية كانت أن يوصي المجلس باستئناف المفاوضات أو بالوساطة لحل الخلافات بأية وسيلة أخرى يرتضيها الطرفان في أقرب فرصة وأن يبلغها مجلس الأمن بذلك. وكانت وجهة نظر بريطانيا التي عبرت عنها للحكومة الأمريكية استئناف المفاوضات وعدم الإشارة إلى أية وسيلة سلمية أخرى. أبلغ محمود فوزي مندوب مصر في الأمم المتحدة، وفارس الخوري مندوب سوريا، وعبد الرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية وزارة الخارجية الأمريكية بأن مصر مستعدة لقبول أي من التسويات التالية: 1-أن يوصي مجلس الأمن كلا من صر وبريطانيا باستئناف المفاضوات بمساعدة وسيط. 2-أن يوصي المجلس باستئناف المفاوضات خلال فترة محدودة وأن يقدم الطرفان للمجلس النتائج. 3-إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

في الجلسة الرابعة يوم 20 اغسطس قدم ممثل البرازيل قرار إلى المجلس يدعو إلى استئناف المفاضوات بين مصر وبريطانيا، أو تسوية النزاع بوسائل أخرى يختارانها وإبلاغ المجلس بسير المفاوضات. اختلفت آراء الدول في المجلس. الولايات المتحدة أيدت المشروع البرازيلي. بريطانيا: أصرت على ضرورة رفض طلب مصر وعدم استمرار القضية مدرجة في جدول أعمال المجلس. وبريطانيا كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع مصر. مصر: كان النقراشي يرغب في انسحاب القوات البريطانية من السودان. وكان النقراشي مستعداً للتراجع إذا وجد تسوية مرضية. وكان النقراشي يوعز إلى عزام فوزي بالبحث عن حلول أخرى تحقق لمصر الجلاء. البرازيل: ترى أن مصر لم تقدم قضية قوية إلى المجلس وترى أن يرفض المجلس طلب مصر وأن يستأنف الطرفان التفاوض وتسقط القضية من جدول الأعمال أو التفاوض مع بقاء القضية مدرجة في جدول الأعمال. أيدت بريطانيا الإقتراح البرازيلي فهو ينص على استئناف المفاوضات، ولكن النقراشي رفضه. وظل المجلس يبحث القضية ال مصرية أيام 22 و26 و28 أغسطس ثم عرض مشروع القرار البرازيلي للتصويت يوم 29 أغسطس فحصل على 6 أصوات بينها أمريكا. وصوت واحد ضده وامتنع ثلاثة وبذلك لم يحصل على الأصوات السبعة المطلوبة لإقراره.

في لندن اجتمع أرنست بيفن وزير الخارجية البريطانية بالسفير الأمريكي لويس دوجلاس وكان غاضباً جداً، لأن بقاء القضية في جدول العمال يعني أن هناك خطأ من جانب الحكومة البريطانية فهو لا يريد أن يتفاوض تحت ضغط خصوصاً وان المصريين سيستغلون هذا النص ويهددون به عند استئناف المفاوضات. قجم مندوب كولومبيا اقتراحاً آخر من 3 نقاط بأن يتحقق الجلاء في أقرب وقت ممكن ف يمصر، وإنهاء الإدارة الثنائية في السودان مع مراعاة حق تقرير النصير. وغبلاغ مجلس الأمن بسير المفاوضات بين البلدين فإن الإقتراح دعا في مقدمته إلى استئناف المفاضوات المباشرة في الحال. ولكن هذا الإقتراح لم يلق أيضاً الأغلبية. الغريب في الأمر أن الإقتراح الكولومبي تم باتفاق بين ممدوح رياض عضو الوفد المصري، ومندوب كولومبيا – لوبيز – وبعلم النقراشي. وعندما نشر ذلك في القاهرة انطر النقرشاي لنه يعني موافقته على التفاوض قبل الجلاء. اقترح الوفد الصيني ان تجري مفاضوات حول الجلاء وتبلغ نتيجتها إلى مجلس الأمن قبل ديسمبر القادم. وهذا الإقتراح رفضته مصر وبريطانيا معاً ولم يحصل إلا على صوتين اثنين. ولم تقدم اقتراحات أخرى فإن أغلب الأعضاؤ كانوا مؤيدين لاستئناف المفاوضات بين مصر وبريطانيا.

وأصرت بريطانيا على أن النزاع مع مصر لا يمكن أن ينشأ عنه إخلال بالسلام العام العالمي وهي القضية الأساسية بالنسبة إلى مجلس الأمن باعتباره هيئة سياسية تصون السلام. وما دام لا يوجد تهديد للسلام فلا يوجد ما يدعو لعرض النزاع أو بقائه قائماً.

فتح النقراشي بعد ذلك في مجلس الأمن باباً لمناقشة عامة بين ممثلي الدول الأعضاء الإثنتي عشرة فرد النقراشي على كادوجان قائلاً: إن مصر تريد أن تتمتع بحياتها الحقيقية طليقة من تلك اليد الحديدية التي يبطش بها غزاة عتاة.

في الجلسة الثالثة يوم 13 أغسطس أيد مندوب بولندا طلب مصر بضرورة انسحاب القوات البريطانية العاجل من مصر. وأيد جروميكو المندوب السوفييتي وجهة نظر بولندا. ويتوجه عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ليلتقي مع لوي هندرسون رئيس قسم الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية. وقدم إليه كتاباً يطلب فيه تدخل الولايات المتحدة كوسيط في المفاوضات بين مصر وبريطانيا، لأن مصر لن تقبل مجرد توصية بسيطة من مجلس الأمن باستئناف المفاوضات. وإن رفض طلب مصر سيؤدي إلى زيادة مشاعر العداء المصري العربي ضد الولايات المتحدة. وقال إن مصر تطلب النص على وجود طرف ثالث في هذه المفاوضات. ولكن وجهة نظر وزارة الخارجية الأمريكية كانت أن يوصي المجلس باستئناف المفاوضات أو بالوساطة لحل الخلافات بأية وسيلة أخرى يرتضيها الطرفان في أقرب فرصة وأن يبلغها مجلس الأمن بذلك. وكانت وجهة نظر بريطانيا التي عبرت عنها للحكومة الأمريكية استئناف المفاوضات وعدم الإشارة إلى أية وسيلة سلمية أخرى. أبلغ محمود فوزي مندوب مصر في الأمم المتحدة، وفارس الخوري مندوب سوريا، وعبد الرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية وزارة الخارجية الأمريكية بأن مصر مستعدة لقبول أي من التسويات التالية: 1-أن يوصي مجلس الأمن كلا من صر وبريطانيا باستئناف المفاضوات بمساعدة وسيط. 2-أن يوصي المجلس باستئناف المفاوضات خلال فترة محدودة وأن يقدم الطرفان للمجلس النتائج. 3-إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

في الجلسة الرابعة يوم 20 اغسطس قدم ممثل البرازيل قرار إلى المجلس يدعو إلى استئناف المفاضوات بين مصر وبريطانيا، أو تسوية النزاع بوسائل أخرى يختارانها وإبلاغ المجلس بسير المفاوضات. اختلفت آراء الدول في المجلس. الولايات المتحدة أيدت المشروع البرازيلي. بريطانيا: أصرت على ضرورة رفض طلب مصر وعدم استمرار القضية مدرجة في جدول أعمال المجلس. وبريطانيا كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع مصر. مصر: كان النقراشي يرغب في انسحاب القوات البريطانية من السودان. وكان النقراشي مستعداً للتراجع إذا وجد تسوية مرضية. وكان النقراشي يوعز إلى عزام فوزي بالبحث عن حلول أخرى تحقق لمصر الجلاء. البرازيل: ترى أن مصر لم تقدم قضية قوية إلى المجلس وترى أن يرفض المجلس طلب مصر وأن يستأنف الطرفان التفاوض وتسقط القضية من جدول الأعمال أو التفاوض مع بقاء القضية مدرجة في جدول الأعمال. أيدت بريطانيا الإقتراح البرازيلي فهو ينص على استئناف المفاوضات، ولكن النقراشي رفضه. وظل المجلس يبحث القضية ال مصرية أيام 22 و26 و28 أغسطس ثم عرض مشروع القرار البرازيلي للتصويت يوم 29 أغسطس فحصل على 6 أصوات بينها أمريكا. وصوت واحد ضده وامتنع ثلاثة وبذلك لم يحصل على الأصوات السبعة المطلوبة لإقراره.

في لندن اجتمع أرنست بيفن وزير الخارجية البريطانية بالسفير الأمريكي لويس دوجلاس وكان غاضباً جداً، لأن بقاء القضية في جدول العمال يعني أن هناك خطأ من جانب الحكومة البريطانية فهو لا يريد أن يتفاوض تحت ضغط خصوصاً وان المصريين سيستغلون هذا النص ويهددون به عند استئناف المفاوضات. قجم مندوب كولومبيا اقتراحاً آخر من 3 نقاط بأن يتحقق الجلاء في أقرب وقت ممكن ف يمصر، وإنهاء الإدارة الثنائية في السودان مع مراعاة حق تقرير النصير. وغبلاغ مجلس الأمن بسير المفاوضات بين البلدين فإن الإقتراح دعا في مقدمته إلى استئناف المفاضوات المباشرة في الحال. ولكن هذا الإقتراح لم يلق أيضاً الأغلبية. الغريب في الأمر أن الإقتراح الكولومبي تم باتفاق بين ممدوح رياض عضو الوفد المصري، ومندوب كولومبيا – لوبيز – وبعلم النقراشي. وعندما نشر ذلك في القاهرة انطر النقرشاي لنه يعني موافقته على التفاوض قبل الجلاء. اقترح الوفد الصيني ان تجري مفاضوات حول الجلاء وتبلغ نتيجتها إلى مجلس الأمن قبل ديسمبر القادم. وهذا الإقتراح رفضته مصر وبريطانيا معاً ولم يحصل إلا على صوتين اثنين. ولم تقدم اقتراحات أخرى فإن أغلب الأعضاؤ كانوا مؤيدين لاستئناف المفاوضات بين مصر وبريطانيا.

التقى النقراشي بالرئيس ترومان ووزير خارجيته جورج مارشال. قال النقراشي للوزير: -إذا لم تعامل الولايات المتحدة مصر على قدم المساواة باعتبارها دولة مستقلة فإن التأييد المصري للدول الديمقراطية لن يكون متوقعاً. أعرب مارشال عن سروره الشخصي للإجتماع برئيس وزراء مصر، ولكن الرجلين بقيا متباعدين كما وصف مارشال الإجتماع. ويطلب النقراشي مساعدة اقتصاديه أمريكية وقرضاً قدره 80 مليون دولار وشراء القطن المصري طويل التيلة وبعثة عسكرية أمريكية لتطوير الجيش والطيران المصري وتدريب الضباط المصريين في أمريكا وإقامة مصانع للأسلحة الصغيرة والذخيرة. ولكن الأمريكيين يردون: -لا يوجد قانون أمريكي لتقديم مثل هذه المعونة. وقالوا للنقراشي: -إذا نشأ لدى المصريين انطباع بأنه يمكن الحصول على مساعدة أمريكية بمجرد طلبها فإن ذلك يعتمد على التوصل إلى نهاية ناجحة للمفاوضات مع بريطانيا. وكان البريطانيون قد قالوا للأمريكيين: -إقامة بعثة عسكرية أمريكية في مصر بعد سنوات طويلة من النفوذ البريطاني إحراج قاسي لبريطانيا قد يؤثر في العلاقة والدول العربية ويقلل من النفوذ البريطاني في المنطقة.

اجتمع محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر مع لوفيت وزير الخارجية الأمريكي بالنيابة بناء على طلب السفارة المصرية. اتفق على ألا يتناول الإجتماع مسائل سياسية. ولكن النقراشي باشا على الرغم من ذلك قال إنه أحس بأن الجميع بما في ذلك الإنجليز متفقون أساساً على أن القوات البريطانية يجب أن تنسحب من مصر. ولكن الإنجليز يرغبون في انتزاع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر مقابل هذا التنازل ومن المستحيل أن توافق مصر على استئناف المفاوضات على هذا الأساس. وقال إنه يأمل أن تكسر الولايات المتحدة الجمود بإقناع الإنجليز بإعلان انسحابهم من مصر بلا شروط. وقال إن نفوذ الولايات المتحدة وقوتها يجعلها تستطيع تحقيق أي شئ تريده من مجلس الأمن. ومرة أخرى لم يجد النقراشي استجابة في واشنطن.

عقد مجلس الأمن عشر جلسات انتهت في 10 سبتمبر عندما قرر جروميكو رئيس مجلس الأمن أن المجلس لم يتمكن من اتخاذ قرار بشأن القضية وستظل المسألة مدرجة في جدول الأعمال. وتعقد الجلسة القادمة بناء على طلب أي عضو من أعضاء المجلس أو أي طرف من الطرفين المتنازعين.

ولم يعرف الرأي العام المصري بما يجري بين النقراشي والأمريكيين وانهم رفضوا الضغط على بريطانيا. وان النقراشي حاول الوصول إلى حل بعيداً عن مجلس الأمن دون جدوى. ولم يعرف النقراشي الإتفاق بين بريطانيا والولايات المتحدة ضده. ولم يعرف أيضاً بالخلاف بين الدولتين فإن واشنطن فيتلك الأيام كانت تحاول إقناع بريطانيا بالجلاء. ولم يعرف النقراشي قط أنه حقق انتصاراً على بريطانيا عندما بقيت القضية مدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن وهو ما كانت تقف ضده، وبشدة، الحكومة البريطانية. ولكن الرأي العام المصري صدم لفشل القضية في مجلس الأمن، كما صدم النقراشي الذي كان يعتقد أنه لا توجد دولة تستطيع ألا تجيب طلبه الخاص بجلاء القوات البريطانية عن مصر. ولم يفطن النقراشي إلى أن مجلس الأمن ليس محكمة تقرر ما إذا كانت معاهدة 1936 قائمة أو ليست قائمة بل هو هيئة سياسية تمثل دولاً لكل منها مصلحتها ا لخاصة. ولكن أهم ما لم يدركه أو يتبينه رئيس وزراء مصر أنه في تلك الأيام كانت الجرب ال باردة قائمة بين الإتحاد السوفيتي والغرب وأن رئيس وزراء بريطانيا السابق تشرشل أطلق على الإتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية كلها دول "الستار الحديدي"، وأن الولايات المتحدة بدأت عملية إحتواء الإتحاد السوفيتي بقواعد عسكرية في كل مكان وبينها مصر. ولو أن النقراشي فطن إلى أن بريطانيا مستعدة للتفاوض وتتمناه وأنها في هذه الحالة قد تنسحب من مصر . . لتغير التاريخ كله!

    • وضع لوي هندرسون رئيس قسم الشرق الأدني بوزارة الخارجية الأمريكية مذكرة قال فيها:

"أصبح واضحاً أن استمرار بقاء ال قوات البريطانية في مصر يمثل عبئاً لا على بريطانيا وحدها بل على الولايات المتحدة والعالم الغربي بصفة عامة ووجودها يسمم مناخ الشرق الأدنى والأوسط وإذا لم تكن هناك إشارة قريبة إلى أن القوات البريطانية ستنسحب من مصر بلا شروط في موعد محدد عملي قريب فإن علاقات العالم العربي بالغرب ستتأثر لسنوات طويلة. وأشار إلى أن بريطانيا تبحث اختيار قاعدة برقة بديلاً عن مصر. وأوصى بأن تحث الحكومة الأمريكية بريطانيا لإعلان نيتها في جلاء كل قواتها عن مصر في موعد محدد، وأن ذلك ينبعث من رغبة في الصداقة مع مصر على الرغم من أنها تعتبر أن معاهدة 36 تعطيها الحق في الإحتفاظ بقواتها في مصر. ويجب أن تبلغ الحكومة البريطانية أننا نحب أن تنقل قواتها ومعداتها بسرعة إلى برقة".

التقى السفير الأمريكي في مصر، بنكي تاك بالنقراشي باشا يوم أول أكتوبر. لاحظ السفير أن النقراشي بدا متحفظاً ولكنه عبر عن امتنانه للإجتماع بالرئيس الأمريكي ترومان ووزير الخارجية ونائبه. وتجنب النقراشي الإشارة إلى عدم مساندة الولايات المتحدة لمصر في مجلس الأمن او أنه كان متوهماً ويأمل في موقف أكثر إيجابية. ووضح أنه يشارك الرأي العام المصري اعتقاده بأن الولايات المتحدة ساندت الإنجليو، وأن الإنجليز ليسوا ميالين إلى اتخاذ أية خطوة لحل المشكلة وانه يجلسون على ضفة القنال في انتظار التطورات. وتبلغ الولايات المتحدة في نفس اليوم النقراشي وصاحب الجلالة بأن نقاطاً قليلة باقية وأن القضية المصرية أمام مجلس الأمن لم تكن مقنعة لإصدار قرار طبقاً للمادة 37 وأنها تأمل فيأن تصل الطرفان مصر وبريطانيا إلى حل لن يكون مرضياً تماماً لكل طرف.

ظن النقراشي أن انجلترا هزمته ولكن الحقيقة كانت شيئاً مختلفاً. انتصر النقراشي. اجتمع رؤساء أركان حرب القوات البريطانية مرتين ليبحثوا الجلاء عن مصر، مع بقاء المعدات البريطانية في قاعدة قناة السويس، ويرتدي الضباط البريطانيون الملابس المدنية، وهو ما وافقت عليه الثورة عام 1953. فقد أحست بريطانيا أن مصر بدأت تستيقظ من سبات عميق. ولكن مصر لم تستكمل المفاوضات فقد فوجئت في 29 توفمبر 1947 بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين. وأدركت بريطانيا أن مصر المنقسمة على نفسها والعرب الممزقون وأن الحرب الباردة بين الشرق والغرب تزداد اشتعالاً والقاعدة البريطانية في مصر ضرورة للغرب. وعرفت مصر منذ عام 1947 أن الأمم المتحدة لن تنصفها ولن تحقق العدل العربي وهو ما يحدث الآن. ويكون الإثنان مع حسن صبري رؤساء الوزارات المصرية الثلاثة الذين تنتهي رئاستهم بالموت. وقد مات حسن صبري مثل أحمد ماهر داخل البرلمان عندما كان يتلو خطبة العرش يوم 14 نوفمبر عام 1940 فسقط مغشياً عليه ويفشل الأطباء في إنقاذه. وكان الثلاثة حسن صبري وأحمد ماهر والنقراشي في غاية الصحة قبل دقائق من اغتيال اثنين منهم ووفاة الثالث!

مصطفى بن حليم

طرد القضاة المصريين من ليبيا ليبيا أول دولة في العالم العربي أنشأت محكمة دستورية عليا، ونصت على ذلك في دستورها. ومع ذلك فإن ليبيا أهدرت، ولم تنفذ أول حكم أصدرته هذه المحكمة، حول حقوق صاحب الجلالة ومسئوليته. وكان يمكن أن يكون حكم المحكمة بداية لحكم دستوري، لو أن رجال الحاشية أقنعوا الملك إدريس السنوسي أن يلتزم، ويخضع للدستور، ولو أن السفارة البريطانية لم تتدخل، ولو أن القضاة المصريين أدركوا أن مهمتهم في بلد عربي الإلتزام بالقانون وتطبيقه وأيضاً المرونة الكافية بحيث يجمعون إلى تطبيق القانون ومعرفة الظروف الواقعية التي يمر بها العالم العربي! وقد أدت هذه الأزمة إلى "طرد" القضاة المصريين من ليبيا! الأزمة وقعت في ليبيا التي استقلت في 24 ديسمبر عام 1951 كدولة اتحادية، في البداية، تضم 3 ولايات هي برقة وطرابلس وفزان. وقد وقعت ليبيا معاهدة تحالف مع بريطانيا في 29 يوليو 1953ـ ووقعت مع الولايات المتحدة معاهدة أخرى في 9 سبتمبر 1954 منحت واشنطن بمقتضاها حق استخدام قاعدة "ويلس" الليبية. وهذه أحداث الأزمة الدستورية التي جرت بين المعاهدتين عام 1954! عزل الملك إدريس ملك ليبيا فاضل بن ذكري والي طرابلس الذي يتميز بنزاهة شديدة، لأن حاشية صاحب الجلالة ضاقت بصرامته وحزمه وصراحته ونزاهته ورفض أن تستغل الحاشية مرافق الدولة. وعين صاحب الجلالة صديق منتصر – ابن عم – رئيس وزراء سابق – والياً على ليبيا. وانتخب المجلس التشريعي بأغلبية كبيرة على الديب رئيساً للمجلس التشريعي. وينشأ خلاف بين المجلسين التنفيذي والتشريعي في ولاية طرابلس حول ال قانون الأساسي للولاية وذلك عند عرض هذا القانون على برلمان الولاية أي على المجلس التشريعي. أراد المجلس التنفيذي النص على أن الوالي – أي والي طرابلس – ليس مسئولاً أمام المجلس التشريعي باعتباره ممثل الملك. اعترض علي الديب – في شجاعة – قائلاً إن الوالي في هذه الحالة يصبح مجرد رمز وليست له سلطات تنفيذية أو عمل. وما دام الوالي ينفذ القوانين والدستور مصل ررئيس الحكومة الإتحادية يصبح مثله. فرئيس الحكومة مسئول أمام البرلمان. والوالي يكون مسئولاً أمام المجلس التشريعي، أي البرلمان المحلي. ولكن وزير العدل – في الولاية – هدد أعضاء المجلس وحذرهم من اتخاذ قرار وعلى الرغم من ذلك وافق المجلس على مسئولية الوالي أمامه بأغلبية 33 صوتاً ضد صوتين. ولكن الوالي صديق المنتصر اعتبر ذلك القانون تحدياً لشخصه ومساساً بمركزه وإنقاصاً من شأنه خصوصاً وأن المجلس التشريعي بدأ بعد ذلك يتنقد تصرفاته، أي تصرفات الوالي. طلب صديق المنتصر من الملك حل المجلس التشريعي. رفض الملك ولكن إبراهيم الشلحي ناظر الخاصة أيد صديق المنتصر وأقنع الملك بذلك وامتدح الإدارة الطرابلسية الحالية وضرورة استمرار الوالي ليتسنى له متابعة سياسته الإصلاحية. وقال له: -أكد لي الوالي أن انتخابات المجلس التشريعي كانت غير نزيهة. فأصدر صاحب الجلالة مرسوماً في 19 يناير 1954 بحل المجلس "لما ظهر من افتقاد روح التعاون من قبل المجلس التشريعي مع المجلس التنفيذي"! وكان المفروض العكس، وهو حل المجلس التنفيذي. أغلق الوالي مبنى المجلس التشريعي ووضعه تحت حراسة الشرطة. ولكن أقنع رجال الحاشية الملك إدريس بأن علي الديب رجل له طموحات خطرة ويجب التخلص منه قبل فوات الأوان، وقبل تفاقم الأمور! وعلى الفور أوعز الوالي إلى بعض رجاله إرسال برقيات عديدة إلى الملك ساندين قرار الحل ومؤيديه له. اطمأن الوالي إلى أن ذلك السبيل من المديح والتملق سيرضي صاحب الجلالة. وفي الوقت نفسه أبلغت السفارة البريطانية لندن بأن كثيراً من الليبين البارزين أبدوا انزعاجاً بالغاً من حل الجمعية التشريعية. وكثرت التعليقات حول "الديكتاتورية" في ولاية طرابلس! رأى علي الديب وهو رجل تعليم سابق، وقاض سابق، ومحام. أن المملكة الليبية دولة وليدة ولا بد من وضع أسس دستورية للحكم – ولذلك أقام دعوى أمام المحاكم العليا الإتحادية يطلب فيها اسئتناف المجلس التشريعي لعمله باعتبار أن قرار الحل باطل، وذلك بعد 12 يوماً من صدور قرار الحل. ووجد أنه من الضروري وقف رجال الحاشية والوالي عند حدود الدستور، وأنه إذا لم بقم، هو أي على الديب، بذلك، فإن أحداً لن يفعل. والدستور في ليبيا ينص على إنشاء محكمة اتحادية عليا تنظر أية قضية دستورية. وفي قانون المحكمة الصادر عام 1953 نص على أن قضاتها غير قابلين للعزل ويتمتعون بحصانة ويعين الأجانب كقضاة لمدة 10 سنوات حتى تستكمل ليبيا قضاتها المتخصصين. والمحكمة يرأسها مصري هو الدكتور محمود صبري العقاري وتضم 7 مستشارين منهم ثلاثة من المصريين وهم: علي منصور وحسن أبو علم وعثمان رمزي وبريطاني هو جيمس آلان بيل، وأردني، واثنان من الليبين. والقانون يشترط أن يوقع على عريضة الدعوى محام مقيد للترافع أمام المحكمة أو أمام محكمة الاستئناف فطاف علي الديب بمكاتب المحامين في طرابلس وهم محام عربي واحد و12 من الإيطاليين، لأن ليبيا ظلت منذ عام 1922 حتى الحرب العالمية الثانية خاضعة لإيطاليا التي تحتلها! اعتذروا جميعاً، ومن قبل منهم عاد إلى الإعتذار بعد أن هددته السلطات الحكومية فوقع علي الديب على عريضة الدعوى وفي الجلسة جاء معه محام إيطالي اسمه "فرارا" اقتنع بعدالة القضية وقال لعلي الديب: -أعدد حقيبتي لأخذها معي إذا طردتني وأبعدتني الحكومة. والمحام الإيطالي يجهل اللغة العربية، ومع ذلك فالقانون يسمح له بذلك! . .ولكن الحكومة لم تطرده، فقد أصبح كل شئ خاصاً بالقضية علنياً أمام الرأي العام.

كانت هذه أول قضية تعرض على هذه المحكمة الدستورية التي افتتحها صاحب الجلالة نفسه في أوائل العام. نظرت المحكمة القضية في 3 جلسات. وبنى علي الديب دفاعه على أساس ان امر الحل رقعه الملك وحده، ولم يوقع عليه رئيس الوزراء. قبلت المحكمة الدعوى شكلاً مادام المحامي الإيطالي قرر أنه يعتبر صحيفة الدعوى مقدمةمنه. وأثيرت في المرافعات مسألة واحدة حول حقوق الملك الدستورية. فالملك الدستوري غير مسئول بحكم أنه منزه عن الخطأ! وما دام الملك غير مسئول، وأعمال الدولة تحتم إيجاد شخص مسئول، لذلك أصبح وزراء الملك هم المسئولون عن أعماله مادام – صاحب الجلالة – غير مسئول. انتهت المحكمة إلى أن القرار الصادر في 19 يناير بحل المجلس التشريعي غير دستوري فلم يوقع عليه رئيس الوزراء الذي يمكنه تحمل المسئولية. وقالت المحكمة إن الولاة ليسوا في حكم نواب الملك ولا يجوز له تفويضهم بعض صلاحياته.

وحكمت المحكمة في 5 إبريل – في حكم من 16 صفحة – ببطلان الأمر الملكي الصادر في 19 يناير 1954 بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس. قالت السفارة البريطانية في برقية إلى لندن: "مهما كان الموقف القانوني فإن الملك إدريس ملك عربي يحكم ليبيا بطريقة مباشرة وشخصية ولا يهتم كثيراً بالمسائل القانونية. والسبب في حدة رد فعل الملك إدريس للحكم أنه في حيثياته أوضح أن الملك ليست له سلطة حقيقة وأنه يستطيع أن يعمل فقط بناء على نصيحة، ومن خلال الوزراء الإتحاديين، ويجب أن يخضع لهم!! بل إن الحكم يمضي أبعد من ذلك فيقول بأن السيادة للشعب الليبي. وإذا كان هذا حقيقياً بالنسبة إلى ملكية دستورية على نموذج أوروبا الغربية فإنه لا يتمشى مع المبدأ الذي يقتنعه ملك عربي في موقعه. ولو أن الحكم اقتصر على مرسوم حل المجلس التشريعي، لأن هذا المرسوم تضمن خطأ شكلياً فإن الأمر كان يمكن تسويته بدون صعوبة كبيرة. ولكم الحكم مضى بطريقة أعمق فأشار إلى ان الملك ليست له تجربة قانونية ومبادئ القانون الدستوري ليس لها إلا معنى قليل في نظره فإن صاحب الجلالة رأى في الحكم محاولة للإنتقام منه شخصياً وجعله رمزاً عاجزاً. وما دام الحكم قد أصدرته دائرة من المحكمة تضم قاضيين مصريين وقاض ليبي شرعي ليست له خبرة إلا في الشريعة فإن الملك اقتنع بأن الحكم جاء عمداً وأوحت به الحكومة المصرية التي تعارضه منذ أقر معاهدة التحالف الليبية البريطانية في 29 يوليو 1953. ومن الصعب القول ما إذا كانت شكوك الملك نحو الحكومة المصرية صحيحة أم لا. لكن يمكن القول إن محاولة تقليص نفوذ الملك إدريس الشخصي أمر تقبله وتوافق عليه السلطات المصرية"!! وقالت السفارة أيضاً: "من سوء الحظ أن الملك إدريس ابتلى بالوالي غير الجماهيري في طرابلس وانحياز الملك إليه قد يؤدي إلى معارضة خطيرة في طرابلس يمكن أن تهدد مركز الملك وتماسك دولة الإتحاد". وهذه البرقية تؤكد أن موقف صاحب الجلالة لن يمر بسهولة بل ستكون له أصداء .. في أثناء نظرالقضية سافر قائد الجناح حسن إبراهيم عضو مجلس قيادة الثورة المصرية إلى ليبيا واجتمع بالقضاة المصريين. وقد اعترفت مصر، بعد حين، بأنها أخطأت بسفر حسن إبراهيم إلى طرابلس فإن اجتماعاته بالمستشارين المصريين أوحى بأن القاهرة يمكنها التأثير في قضاتها العاملين في ليبيا وأن لها دوراً في صدور الحكم بحل المجلس التشريعي. ونقل بعض الليبيين الذين يكرهون مصر إلى المسئولين الليبيين أن السفارة المصرية تتدخل، سراً، لدى مستشاري المحكمة المصريين، حاثة إياهم على الوقوف في دانب الشعب لا في جانب الملك. ونقل إليهم أيضاً أن أحد الذين يحملون رسالت ال توصية من السفارة المصرية إلى رئيس المحكمة هو مدير بنك مصر في بنغازي أحمد فتح الله! قال السفير البريطاني في لندن لحكومته: "من وجهة نظري أن نتيجة هذا الخلاف كان لها جانب مفيد. وقد استخلص والي طرابلس في فورة انتصاره – كما يسميه – أن حكم المحكمة العليا هو مؤامرة مصرية لتدمير سلطته. وكان وجود ثلاثة قضاة مصريين على المنصة والزيارة التي لم تكن مناسبة من جانب وزير الدولة المصري وعضو مجلس الثورة قائد جناح حسن إبراهيم للحوار مع هؤلاء القضاة في طرابلس قبل ان يخمد الرماد كانا كافيين لترسيخ هذه الفكرة في ذهن الوالي ولدفعه لإعلان أن أفضل أصدقائه هم البريطانيون. ولذلك مزاياه في علاقتنا اليومية مع والي طرابلس". فوجئ الملك بحكم المحكمة، وشعر بحرج شديد، فقد تورط بالتوقيع على مرسوم خاطئ. وبدلاً من أن يوجه غضبه ضد الذين نصحوه بالتوقيع على الأمر الملكي، تمكن الصديق المنتصر والي طرابلس مع أعوانه من رجال الحاشية الملكية، من توجيه غضب الملك ضد الحكومة الإتحادية والمحكمة العليا التي تجرأت وعارضت أمراً ملكياً.

وصف الوالي حكم المحكمة بأنه مؤامرة مصرية لإثارة مشاكل داخلية في ليبيا، وأخذ ينتقد ويهاجم كل ما يمت إلى المصريين بصلة. ورأى الوالي أن يتحدى حكم المحكمة فأمر في اليوم التالي مباشرة بإخراج عمال المصالح الحكومية وغيرهم لينطلقوا في مظاهرة صاخبة تهتف بسقوط المحكمة العليا، وسقوط العدالة، وتحطم نوافذ المحكمة. اتجهت المظاهرة إلى منزل على منصور رئيس الدائرة التي أصدرت الحكم تهتف تحت شرفة منزله، بتلك الشعارات. أطلق عليهم على منصور من الشرفة قائلاً: -يا أبنائي لا تهتفوا بسقوط العدالة فإن كلا منكم سيحتاج إلى هذه العدالة، ولكن لا مانع عندي من أن تهتفوا بسقوط على منصور الذي أصدر الحكم! وشنت الصحف الحكومية حملات مسعورة عنيفة، وواسعة، ضد المحكمة، وضد كل من يحاول أن يتحدى الأوامر والمراسيم الملكية. ونشط المنافقون والإنتهازيون، من المقربين للقصر الملكي، في تصعيد الأزمة، وتفسير حكم المحكمة العليا على انه محاولة مقصودة من محمد الساقزلي رئيس الوزراء لمعارضة سلطة ال ملك وأن الحكم محاولة لزعزعة النظام الملكي وتقويضه. وسيطرت الحماقة والأعمال الغوغائية على الساحة السياسية الليبية. وتبارى أصحاب امأرب وخصوصاً من رجال الحاشية الملكية في تصوير الحكم على أنه تدخل تآمري من المستشارين المصريين في شئون ليبيا الدستورية. وبدت المظاهرات معبرة عن الولاء والإخلاص للملك وكأنما كانت المحكمة العليا تحاول المساس بذلك الولاء!

كان يجب تنفيذ الحكم ويعود المجلس التشريعي إلى ممارسة مهمته وينتهي الأمر عند هذا الحد. فقد أبدى محمد الساقزلي رئيس الحكومة الإتحادية احترامه لحكم المحكمة وأصر على تنفيذه. قال السفير البريطاني: "الحكومة الإتحادية متشددة جداً بشأن الإبقاء على المحكمة العليا في موقعها والمحكمة العليا متشددة في طرابلس بشان التأكيد على سلطتها". ولكن أقنع رجال الحاشية الملك بأن ما أصدرته المحكمة العليا يعتبر مجرد رأي وليس حكماً ملزماً. واستدعى صديق المنتصر والي طرابلس إلى بنغازي حيث قابله الملك إدريس وقال له: -تجاهل حكم المحكمة وأمض في إجراء الإنتخابات للمجلس التشريعي الجديد. لقد صدر مرسوم حل المجلس السابق ويجب تنفيذه. عاد الوالي إلى طرابلس ليعلن تحديه للحكم وقال: -إنها مؤامرة مصرية لإثارة الإضطرابات في ليبيا. إنه مهما كان شعورنا حالياً بشان الحاجة إلى قرار لصالح الحكومة الفيدرالية لتدعيمها فإن من الإفضل في الوقت الراهن وضع المسألة على الرف. فسلطة الملك في الوقت الراهن هي الأمر المهم. وعلينا أن نفعل كل ما نستطيع لتفادي التدخل ومن الإفضل أن نترك الحالة السعيدة التي يتحمل فيها المصريون اللوم عن الأزمة دون تغيير". جرت الإنتخابات للمجلس التشريعي الجديد لولاية طرابلس، بعد خمسة أيام من صدور الحكم. زار ليبيا في تلك الأيام الدكتور عبد الرازق السنهوري رئيس مجلس الدولة المصري وهو الخبير الدستوري والقانوني الضليع فقال لبعض الوزراء ورجال الديوان الملكي: -بعض تصرفات الملك إدريس غير دستورية! فرأى رئيس الوزراء يعقد جلسة عاجلة لمجلس الوزراء. قال خليل القلال وزير الدفاع: -الأمر من الخطورة بحيث يتطلب الإتصال الفوري بالملك ومطالبته بإصدار أمر إلى والي طرابلس بوقف انتخابات المجلس التشريعي إلى ان تبت الوزراة في المشكلة الدستورية. وأصر الوزير على ضرورة اتخاذ موقف حازم على الفور، وأخذ يشجع رئيس الوزراء على الإتصال تليفونياً بصاحب الجلالة. استجاب الساقزلي واتصل بقصر "الغدير" فقال له التشريفاني إن الملك يؤدي صلاة المغرب. قال رئيس الوزراء: -سأنتظر على التلفون حتى يرد على الملك. بعد ربع ساعة جاء الملك فشرح له رئيس الوزراء آخر أخبار طرابلس، وطلب منه إلحاح أن يصدر أمره الفوري إلى الوالي طرابلس بوقف الإنتخابات. كان رئيس الوزراء عصبياً جداً وهو يتحدث إلى صاحب الجلالة وأصر على تنفيذ حكم المحكمة العليا. ضاق الملك بلهجة رئيس الوزراء، خصوصاً انه يتحدث إليه أمام باقي الوزراء، فقطع المحادثة ووضع سناعة التليفون بغضب شديد في وجه الساقزلي! عقد مجلس الوزراء صباح اليوم التالي جلسة مستعجلة. فوجئ خلالها رئيس الوزراء بأن وكيل الديوان الملكي حضر إلى مقر رئاسة الوزراء دون موعد سابق يطلب لقاءه، لأنه يحمل رسالة من الملك. قال وكيل الديوان: -يطلب صاحب الجلالة منك تقديم استقالتك، لأنك على ما يظهر لم تتعلم تخاطب سيدك ومولاك! قدم الساقزلي استقالته – في 18 فبراير – بعد أربعين يوماً فقط من توليه منصبه. ومما يذكر أن الساقزلي أمضى ثلاثين عاماً من العمل خادماً أميناً وصادقاً للأسرة السنوسية وللملك إدريس شخصياً وكانت استقالته في حقيقتها إقالة لموقفه الشجاع! كتبت السفارة البريطانية في ليبيا إلى لندن: "للساقزلي العديد من المناصب والمحاسن التي يفتقدها سياسيون ليبيون ولكنها ليست المرة الأولى التي يخونه فيها عناده وصلابة رأيه وتجعل قدمه يزل:!

شكل مصطفى بن حليم وزارته في 15 أبريل، وهو نفس اليوم الذي جرت فيه الإنتخابات للمجلس التشريعي الجديد في طرابلس. كان مصطفى بن حلين يومها في الثالثة والثلاثين أي أصغر رئيس للوزراء في العالم العربي بعد جمال عبد الناصر. ولد مصطفى بن حليم بالإسكندرية وهاجرت أسرته إلى مصر عقب الإحتلال الإيطالي لليبيا بعد محاكمة عسكرية لأبيه وإن برأته المحكمة. تعلم بن حليم في الإسكندرية وتخرج مهندساً في جامعة القاهرة وعمل في شركة للإنشاءات بالإسكندرية وأصبح من رجال الأعمال الناجحين. عاد إلى بلاده عام 1950، فتولى منصب وزير الأشغال والمواصلات في ولاية برقة في نفس السنة ضم وزيراً اتحادياً للمواصلات بعد 4 سنوات لمدة أربعين يوماً تولى بعدها رئاسة الورزاة. وكان الملك إدريس السنوسي نفسه الذي اختاره وزيراً في المرتين.

وكان معروفاً في ليبيا أن مصطفى بن حليم مشايع ومؤيد لمصر. وكان هو نفسه يردد ذلك في مصر وليبيا. ولكن حقيقة موقف بن حليم من مصر تظهر في لقائه مع السفير البريطاني في طرابلس والذي أرسل تفاصيله إلى لندن. قال بن حليم: -لقد أمضيت سنوات التكوين الأولى في المدرسة بمصر. وكنت مغرماً جداً بها. ولكني في المقام الأول ليبي محب لوطني أضع مصالحها فوق كل الإعتبارات الأخرى. وسأعارض أية محاولة من قبل الحكومة المصرية للسيطرة والهيمنة على ليبيا أو استخدام ذلك البلد للمآرب المصرية. علق السفير البريطاني على هذا الحديث بكلمتين واصفاً بن حليم فقال عنه إنه "شريف جداً". ووضع السفير علامة تعجب بعد هاتين الكلمتين دليلاً على أنه يسخر من أقوال بن حليم. وأضاف تقريرالسفير: "مصطفى بن حليم كان "رجل الملك" دائماً. وإذا كان قد أيد الملك في تعيين المصريين في الوظائف بليبيا فإنه ما دام الملك قد أدار ظهره للنفوذ المصري فإن بن حليم سيفعل ذلك أيضاً! وقد يكون ميل مصطفى العاطفي نحو مصر نتيجة لنشأته في الطفولة هناك ولكن عرف عنه إدخار رأس مال في مصر حصل عليه من برقة بطريقة غير معلومة. وقد أودع مبالغ لصالحه في بنك مصر". قال السفير البريطاني في برقة في برقية إلى لندن: "مصطفى بن حليم يدين بصعوده للسلطة في مرحلة مبكرة للملك إدريس ويخشى تنحيته من منصبه إذا استاء صاحب الجلالة منه". في اللقاء الأول برئس الوزراء الجديد بالملك إدريس كانت الأزمة الدستورية هي موضوع الحديث. انتقد الملك إدريس تسرع محمد الساقزلي وقال: -إنه المسئول الأول عن المشكلة! قال بن حليم: -الحكم صحيح في مجمله، لأن توقيع صاحب الجلالة وحده على مرسوم ملكي دون أن يوقع معه مسئول تنفيذي يتحمل مسئولية نتائج ذلك المرسوم أمر باطل ومخالف للدستور، ومهما يكن من أمر فإن حكم المحكمة العليا على الرغم من تحفظي عليه، لابد من احترامه وتنفيذه، حرصاً على سمعة البلد، واحتراماً لأعلى سلطة قضائية فيه. وخشى رئيس الوزراء الشاب أن يغضب صاحب الجلالة فاستدرك قائلاً: -ولكن لدى بعض التحفظات على الحكم خصوصاً أنه، أقحم رئيس الورزاء في النزاع واشترط توقيعه على مرسوم في أمر يخص الولاية، ولا يدخل في نطاق اختصاص الحكومة الإتحادية. قال الملك: -أوافق على ضرورة احترام حكم المحكمة. ولكني لا أقبل بأي حال من الأحوال عودة المجلس التشريعي السابق فإذا وجدت حلاً في هذا النطاق فإني سأوافق عليه بلا تردد. وأضاف: -وقد تم انتخاب مجلس تشريعي جديد! وهكذا أراد صاحب الجلالة من رئيس وزرائه أن ينفذ أمرين متناقضين ومتعارضين تماماً: الأول: تنفيذ حكم المحكمة العليا الذي يقضي ببطلان مرسوم حل المجلس التشريعي أي لابد من عودة هذا المجلس. الثاني: ألا يعود المجلس التشريعي المنحل. في مذكراته "صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي" كتب مصطفى حليم يقول: "شعرت بأن الخطوط الرئيسية في حل الأزمة تحددت أمامي وسيسهل علي إيجاد عدد من المخارج داخل الحدود التي حددها الملك"! وكان رئيس الوزراء بذلك يغالط نفسه. قال للملك: -سأتصل برئيس المحكمة العليا في طرابلس على الفور ومحاولة الإتفاق معه على مخرج.

اتصل رئيس الوزراء بالدكتور محمد صبري العقاري رئيس المحكمة العليا وطلب لقاءه. كان رئيس المحكمة – المصري – متجاوباً يميل إلى التعاون للوصول إلى حل يحافظ على وقار المحكمة وفي نفس الوقت يجنب البلاد أزمة دستورية في أوائل عهد الإستقلال. اتفق مع رئيس الورزاء على إصدار مرسوم ملكي جديد يوقع عليه نائب رئيس الوزراء يؤكد فيه حل المجلس التشريعي القديم، وبذلك يتم تصحيح المرسوم الجديد. وتعلن المحكمة العليا من ناحيتها أن هذا المرسوم يفي بمتطلبات وأغراض الدستور الليبي وأنه لا يلزم القيام بأية إجراءات بشأن قرار المحكمة. واشترط رئيس المحكمة العليا أن تعتذر الحكومة عما بدر منها! وألقى بن حليم بياناً بذلك في مجلس النواب يبين أن الأزمة حلت فامتنع مجلسا النواب والشيوخ عن مناقشة الأزمة وكأنها ليست قائمة! ولكن . . كان الدكتور محمد صبري العقاري قد اشترط على رئيس الوزراء أن يوافق المستشار علي علي منصور على هذا الحل أي أن يصدر، هو نفسه، ذلك البيان. وهو ما لم يتم، لأ، المستشار علي علي منصور استقال من منصبه وعاد إلى مصر مستشاراً بمحكمة الإستئناف. ومن ناحية أخرى فإن الدكتور العقاري طلب من مقابلة صاحب الجلالة الملك إدريس ولكنه رفض مقابلته!!

كان السفير البريطانية في ليبيا السير إليك كيرك برايد حريصاً على ألا يتدخل بطريقة مباشرة في الأزمة الدستورية التي كان لها التأثير الكبير في زيادة عداء الملك ومعظم مستشاريه الكبار ضد النفوذ المصري في ليبيا وضد جمال عبد الناصر. وكان الكثير من الليبيين قد طلبوا إلى السفير البريطاني أن يفعل شيئاً لإغراء الملك لإبعاد الصديق المنتصر من منصب والي طرابلس. ولكن السفير كتب إلى لندن يقول: "كنت حريصاً في هذا الأمر لأن أي تدخل من جانبي غير مج، وسيضر أكثر مما يجلب نفعاً. ولو سألني صاحب الجلالة عما إذا كان الصديق المنتصر قد فعل شيئاً ضد المصالح البريطانية فلن أجد ما أٌوله". وقال السفير: "عارضت بشدة كل الضغوط علي للتدخل لدى صاحب الجلالة فإن اللوم يقع كله على منافسينا الرئيسيين "المصريين" ومن الأفضل إبقاء الحالة السارة التي عليها الأمور دون إثارة أو تشويش". ومن الحماقة أي تدخل بريطاني لأن هذا الأمر في منتهى الدقة والحساسية ولا يجب أن نغامر بفقدان صادقة الملك إدريس كما فعل المصريون ولا أرغب في أن نصبح طرفاً في الخلاف الدائر بشكل مباشر أو غير مباشر". وأضاف: "ما يرجح كفة الوالي بصورة رئيسية في الوقت الحاضر كراهيته لكل ما هو مصري". وقال السفير في برقية إلى لندن: "أصبح المصريون، في الوقت الحاضر، غير محبوبين في الدوائر العليا في ليبيا ولهذا أهمية كبيرة وعلينا في هذه الحالة تشجيع هذا الإتجاه النامي. لقد أصبح الملك مصمماً على التخلص من أغلبية القضاة المصريين بل أخذ يتحدث عن تعديل الدستور للتخلص من المحكمة العليا نفسها". وكان المستشار البريطاني جيمس آلان يبل – عضو المحكمة الدستورية – متضامناً مع حكم المحكمة، وإن لم يكن بين أعضاء الدائرة التي أصدرت الحكم. ومن هنا ألحت عليه السفارة البريطانية وأنذرته وحذرته ليلتزم الصمت ولا يعلن رأيه في الحكم". ولكن السفير البريطاني يعترف في تقريره السنوي لحكومته بأنه "قرار المحكمة كان صائباً وان كفاءة القضاة المصريين في هذه القضية ليست موضع شك"!

في أول لقاء بين رئيس الوزراء والسفير البريطاني السير إليك كيرك برايد قال بن حليم: -سأحتاج إلى المساعدة من كل أصدقاء ليبيا في هذه الأزمة الدستورية. قال السفير: -مهمتنا الأولى مساعدة السلطات الليبية، وتستطيع الإعتماد علي! قال بن حليم: -أو لخطوة هي استبعاد القضاة المصريين الذين يمثلون أغلبية في المحكمة خلال 3 أشهر – وفي رأيي ألا تكون لأية دولة أغلبية في هذه المحكمة وبالذات المصريون الذين لهم أهداف سياسيسة في ليبيا. وتعيين عدد كبير من القضاة المصريين كان خطأ أساسياً منذ البداية. وافق السفير البريطاني وقال: -لقد عملنا سنوات على بقاء ليبيا – ولا نستطيع الوقوف صامتين ونحن نرى الآخرين يحاولون تدميرها. وكان من الخطورة تعيين عدد كبير من الموظفين المصريين الذين ما زالوا يحصلون على مرتبات من حكوماتهم. ووجودهم، كما ترى بريطانيا، يمثل خطراً على ليبيا. وهم يثيرون المتاعب بين بريطانيا وليبيا. قال بن حليم: -سأعارض أية محاولة من قبل مصر للسيطرة على ليبيا أو استخدام ذلك البلد للمآرب المصرية. علق السفير البريطاني في برقيته على أقوال مصطفى بن حليم قال بأسلوب ساخر إنه "شريف جداً".!! وقال: -كان خطأ وضع المصريين في الوظائف الرئيسية وإن كان ضرورياً الإستعانة ببعض الموظفين المصريين في الوظائف الفنية. وأضاف: -لفت نظر السفير المصري فيما يتعلق بارتباطه بالمعارضة، وخصوصاً صالح بويصير الذي أصبح أول وزير للخارجية الليبية بعد ثورة القذافي، وقد لفت نظر الحكومة المصرية لذلك أيضاً وقلت إنه إذا لم يغير السفير أسلوبه من مصر فسنطلب استدعاءه!

ظل الإنجليز يبحثون موقف بن حليم من مصر، الرجل الذي قفز فجأة من ممنصب وزاري ثانوي – وزارة الأشغال – إلى رئاسة الحكومة ولم يكن مشهوراً حتى في بلاده. وتصرفاته تشكل مسعى لتوفيق الميل الغريزي إلى مصر مع سياسة الملك إدريس بعدم موالاة المصريين. وقال السفير: "ومصطفى بن حليم يود ان يكون في الكفة الراجحة. وشخصية بن حليم من الدهاء وهمه الوحيد مصالحه المادية وأن يميل مع الكفة الراجحة! أما عن موقف تجاه المصالح البريكانية فإنه منذ توليه منصب رئيس الوزراء لم ينجح لنا أية فرصة للتذمر. ولم يعرف عنه أنه معاد للإنجليز وهو المسئول ف يالمفاوضات مع بريطانيا عن منحنا الأرض المتفق عليها في برقة". وعندما زار بن حليم مصر في طريق عودته من تركيا يوم 20 يونيو قال السفير البريطاني: -أريد أن أقابل سلوين لويد وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية لأبين له ما فعلته في مصر وسياستها نحو الدول العربية وكذلك أحدثه عن سياسة الحكومة الليبية نحو النفوذ المصري بعد شهر من صدور حكم المحكمة العليا.

تم الإستغناء عن أغلب القضاة المصريين في ليبيا خلال العطلة الصيفية. وأصدر الملك مرسوماً في 3 نوفمبر اشترط فيه أن يكون رئيس المحكمة العليا ليبياً حتى لا يعود المستشارون المصريون إلى رئاسة المحكمة. . أبداً! ومنع تعيين أكثر من مستشارين إثنين من جنسية أجنبية في المحكمة حتى لا تكون الأغلبية فيها للمصريين. ويبرر بن حليم على ذلك بأنه ظاد من فرص تعيين مستشارين ليبين من الحاصلين على شهادات عالية في الشريعة الإسلامية. وألغى النص الذي كان يقضي بتوقيع عقوبة على من لا ينفذ قرار المحكمة!! وفي نفس اليوم أي بعد 11 شهراً من صدور أمر الحل، وبعد 8 شهور من حكم المحكمة صدر مرسوم آخر وقعه نائب رئيس الوزراء اعتبر حل المجلس التشريعي الطرابلسي القديم في 19 يناير 1954 قانونياً ودستورياً! ورأى بن حليم ألا يوقع المرسوم حتى لا تكون له صلة بالأزمة الدستورية، وكان هو صاحب الإقتراح بتوقيع نائب رئيس الوزراء! ومع ذلك وعلى الرغم من هذا كله، قال مصطفى بن حليم في مذكراته إن الملك إدريس اقتنع في آخر المطاف، وتراجع في تواضع، وصحح مرسومه الملكي المطعون فيه بذلك أعطى مثالاً عالياً في احترامه لأحكام القضاء لأن صاحب الجلالة يكن احتراماً كبيراً للسلطة القضائية ويسعى دائماً إلى الحفاظ على هيبتها وعدم تجاوز أحكامها"! ولكن الحقيقة أن صاحب الجلالة رفض تنفيذ حكم المحكمة الدستورية وتحايل عليه بإصدار مرسوم جديد استوفى الشكل القانوني. ولو أن صاحب الجلالة نفذ حكم المحكمة عند صدوره في 5 إبريل عام 1954 لكانت قد تغيرت أشياء كثيرة في ليبيا ولاستمر الجكم الدستوري، وساد القانون، وخضعت الحاشية لسلطانه.

ولكن الحاشية وجدت أنه يمكن التلاعب بالقانون وتحديه ومن هنا تنازع أفراد الحاشية وتصارعوا حول المناصب والصفقات والأموال وكذلك أفراد الأسرة الملكية أيضاً فيما بينهم وقد وصل الأمر إلى حد القتل. قبلأن ينتهي العام – 1954 – كان إبراهيم الشلحي ناظرالحكومة الخاصة الملكية يقتل برصاص أحد أفراد الأسرة المالكة فيعدم القاتل. ويضع صاحب الجلالة جميع أفراد البيت السنوسي تحت اٌقامة ال جبرية في منازلهم. وينفي الملك سبعة من الشباب من أعضاء أسرته بعيداً عن مقر إقامته ويحرم الجميع من لقائه. ويبعد الصديق المنتصر والي طرابلس من منصبه ويعينه سفيراً!! بناء على اقتراح مصطفى بن حليم الذي قال لصاحب الجلالة إنه لابد من تعيين شخص آخر ذي كفاءة لا ينتظر منه تصرف متهور. ولو أن صاحب الجلالة أبعده بعد صدور حكم المحكمة الدستورية لتغيرت أشياء كثيرة في ليبيا.

أما مصطفى بن حليم فقد ظل رئيساً للوزراء ثلاث سنوات، ثم اضطر للإستقالة فعين مستشاراً خاصاً للملك ثك شغل منصب السفير الليبي في فرسنا عامين. واشتغل بعد ذلك بالأعمال التجارية الخاصة. وفي الوثائق السرية الأمريكية أن السفير الأمريكي في ليبيا أرنست لندلي أقام مأدبة عشاء لعدد محدود من الشخصيات يوم 18 نوفمبر 57 حضره مصطفى بن حليم مستشار الملك إدريس. انتحى بن حليم بالسفير الأمريكي وقال له: -كنت في القاهرة أخيراً وقد لفت نظري حجم فساد فريق عبد الناصر، وهو يعادل الفساد الذي كان سائداً في عهد ملك مصر فاروق. وعلى الرغم من أن نفوذ عبد الناصر ينحسر في مصر فإنه يقوى خارجها. وقال: -إن مصر تستغل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتستغلهم كأداة سياسية وتمنع هجرتهم. ولو أعطى هؤلاء الفلسطينيين فرصة الهجرة إلى العراق فإنها سترحب بهم وتستوعبهم. فالرجل – مصطفى بن حليم – لم يتوقف عن العداء لعبد الناصر واستعداء الإنجليز والأمريكيين ضده على الرغم من إدعاءاته بأنه يقف مع مصر! على الرغم من زيارته المتكررة لمصر ولقاءاته مع عبد الناصر وعندما قامت ثورة القذافي في سبتمبر عام 1969 كان في لندن فلم يعد إلى بلاده قط. ولم يدرك مصطفى بن حليم أن خطأه الأول والكبير ارتكبه في بداية توليه رئاسة الوزارة، وكانت مهمته عند إسناده المنصب إليه حل الأزمة الدستورية. ومن هنا أفرد لها فصلاً خاصاً كبيراً في مذكراته. ولم يعرف قط مصطفى ين حليم أن الإستهانة بالقانون إذا بدأت في مكان ما من الدولة، فإنها حتماً تنتشر، وفي النهاية . . تسود!! وقد عصفت؟ بالفعل بالنظام كله، ولكن بعد 15 سنة بقيام ثورة القذافي!!

عبد الله خليل

أول إنقلاب عسكري في السودان توجه الملحق العسكري البريطاني الكولونيل "ويلوباي" إلى مقر قيادة الجيش السوداني يستطلع الموقف فالأنباء والإشاعات السائدة في الخرطوم تتحدث عن احتمال انقلاب عسكري. بعث ويلوباي إلى لندن يوم 4 نوفمبر عام 1958، ويقول: "الجو في مقر القيادة لا يدع مجالاً للشك فيما يختمر ويدبر وإمكانية وقوع انقلاب تلوح في الأفق متذ فترة طويلة". ورأى السفير البريطاني في السودان السير تشابمان أندروز أن يبحث الإحتمالات السياسية مع زملائه سفراء الدول الغربية في الخرطوم. والسفير البريطاني عمل وزيراً مفوضاً في السفارة البريطانية في القاهرة عدة سنين قبل تعيينه سفيراً في السودان، يعرف كل رجال السياسة والحكم في مصر. يجيد اللغة العربية. وكان يتابع تطورات الموقف في السودان، من القاهرة، قبل استقلال السودان باعتبار أن مصر وبريطانيا تشتركان، على ال ورق، في إدارة السودان وإن كان النفوذ الفعلي لللإنجليز! اجتمع في بيت اندروز بالخرطوم سفراء 5 دول هي: الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا وأثيوبيا أيضاً. وكانت أمام السفراء الخمسة تقارير شاملة، عما يجري في السودان منذ أعلن استقلاله في أول يناير عام 1956.

كان إسماعيل الأزهري هو الذي أعلن استقلال السودان. والأزهري يرأس الحزب الوطني الإتحادي الذي ينادي بالوحدة بين مصر والسودان، ولكنه تحول عن هذا المبدأ لأسباب كثيرة. وبعد شهر واحد، من الإستقلال، اضطر الأزهري في فبراير 56 إلى تشكيل وزارة ائتلافية بعد تهديد الختمية بسحب الثقة منه. وفي 4 من يوليو سقط الأزهري بعد أن سحبت الثقة منه. وألف عبد الله خليل سكرتير حزب الأمة الوزراة. واستمر عبد الله خليل يحكم خلال عام 1957، وهي السنة الثانية في عمر السودان المستقل. وحفلت السنة الثالثة للإستقلال بأحداث جسام. قبل الإنتخابات بعشرة أيام، في فبراير 1958 وقعت أزمة بين مصر والسودان بسبب منطقة "حلايب"، وملكيتها. وتحركت قوات البلد نحو "حلايب" وقدم السودان شكوى إلى مجلس الأمن ضد مصر. وكادت تقوم ال حرب لولا أن جمال عبد الناصر تراجع في اللحظة الأخيرة وسحب القوات المصرية وأرجأ بحث ملكية حلايب . . إلى حين! ولكن هذه الأزمة جعلت أحزاب السودان كلها، بما فيها الحزب الووطني الإتحادي، تتضامن ضد مصر دفاعاً عن أرض السودان. وأدى ذلك إلى أن الحزب الإتحادي لم يستطع الحصول على الأغلبية في دوائر النواب السوداني، وإن كان قد حصل على أعلى الأصوات بصفة عامة. ويرجع السبب في فوز حزب الأمة بأعلى نسبة في الدوائر الإنتخابية وأقوى الأحزاب في البرلمان إلى أن السيد عبد الرحمن المهدي راعي الحزب انفق نصف مليون جنيه لشراء أصوات الناخبين. ولكن لم يحصل أي من الأحزاب على الأغلبية التي تمكنه – وحده – من تشكيل حكومة. اضطر عبد الله خليل إلى أن يشكل حكومة تضم حزب الشعب الديمقراطي الذي يرأسه علي عبد الرحمن وكذلك نواباً جنوبيين.

ولد عبد الله خليل عام 1888. تعلم في كلية جوردون بالخرطوم، ثم في المدرسة العسكرية – الكلية الحربية – بالخرطوم أيضاً. خدم في الجيش النصري 14 سنة متصلة بدأت عام 1960. واشترك مع الجيش البريطاني عام 1915 في أثناء الحرب العالمية الأولى. وانضم إلى قوات الدفاع السودانية – الجيش – عام 1925 وكان أول سوداني يحصل على رتبة الأميرالاي – عميد. ساهم في إنشاء حزب الأمة عام 1945 واختير سكرتيراً لهذا الحزب. عندما عرض محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر قضية مصر والسودان ووحدة وادي النيل مطابلاص بخروج الإنجليز أسس عبد الله خليل وفداّ سودانياً سافر إلى نيويورك مؤيداً استقلال السودان! وفي عام 48 أصبح رئيساً للجمعية التشريعية ووزيراً للزراعة. وانتخب عضواً في مجلس النواب عن "درافور" عام 1953. وفي حكومة إسماعيل الأزهري الائتلافية التي شكلت في فبراير عام 1956 عين وزيراً للدفاع والأشغال العامة. ويقول تقرير بريطاني إنه شجع الأزهري على التحول من تأييد الوحدة مع مصر إلى طلب الإستقلال. وكان له دور رئيسي في المفاوضات بين أحزاب السودان عام 1955 نحو تقرير المصير. بعدسقوط وزارة الأزهري في يوليو 56 تولى رئاسة الوزارة لأول مرة. وفي الإنتخابات الأخيرة التي جرت عام 58 انتخب عضو لمجلس النواب. عن دائرة "كوستي" وأعيد انتخابه رئيساً للوزارة كما تولى وزارة الدفاع. وقد حصل على 103 أصوات من 172 صوتاً في المجلس مما يدل على أن للوزراة أغلبية البرلمان. ويرى الإنجليز انه يتميز بالشجاعة أكثر من أي سياسي سوداني وأنه كان يحكم البلاد بيد حازمة في أثناء حرب السويس، وهو أكثر زعماء حزب الأمة يتمتع بالإحترام. يتكلم الإنجليزية ويميل تماماً إلى الإنجليز كما يقول تقرير للسفارة البريطانية في الخرطوم. والوزارة تضم – بالإضافة إلى حزب الأمة – وزراء من حزب الشعب الديمقراطي الذي يرأسه علي عبد الرحكم المين رئيس الحزب ووزير التجارة. وفي المعارضة يوجد الحزب الوطني الإتحادي الذي يرأسه إسماعيل الأزهري زعيم الحزب. ويرأس مجلس النواب القاضي السابق محمد صالح الشنقيطي، الذي يرأس أول جمعية تشريعية للسودان عام 1948، وهو ينتمي إلى حزب الأمة.

في الشهور الأخيرة تتابعت الأزمات الإقتصادية. الإقتصاد السوداني يعتمد على محصول واحد وهو القطن. والمصحول – في المتوسط – حوالي 400 ألف بالة. وجزء كبير من المحصول لم يصدر، لأن الأسعار التي تحددها الحكومة تزيد على أسعار السوق العالمي. والمحصول الجديد كبير كما تؤكد كل المصادر. وعلى هذا الأساس سيتراكم مخزون يصل إلى ربع مليون بالة ثمنها حوالي 15 مليون جنيه استرليني. أصبح العجز في الميزان التجاري 12 مليون جنيه استرليني، وأدى ذلك إلى انخفاض احتياطي العملة الأجنبية، ففرض نظام صارم لأذون الإستيراد، لأن احتياطي العملة الصعبة ينفد بسرعة. والوم – كما يقول السفير البريطاني – يقع على عبد الله خليل رئيس الوزراء! وفي الوقت نفسه تقرر موسكو إفاد بعثة تجارية إلى الخرطوم لشراء القطن السوداني بينما باع السودان قطناً بمليون جنيه استرليني ونصف المليون للمجر كما بدأ رئيس الوزراء الإتصالات بدول شيوعية أخرى لهذا الغرض.

أخذ السفير البريطاني بعد ظهور نتائج الإنتخابات – يلح على عبد الله خليل وزعماء حزب الأمة أن يتفاضوا مع الحزب الوطني الإتحادي الذي يرأسه الأزهري لتشكيل حكومة أوسع تكون لها سمة قويمة. وافق عبد الله خليل من حيث المبدأ، ولكنه لم يفعل شيئاً على الإطلق. حزب الأمة لا يثق بالحزب الوطني الإتحادي، وعبد الله خليل لا يثق بالأزهري. ولهذا السبب لم يتوقع أحد قيام تحالف بين الحزبين الكبيرين، على الرغم من أن المفاضوات بينهما ظلت مستمرة. قال محمد أحمد محجوب وزير خارجية السودان، ورئيس وزرائها فيما بعد كتابة "الديمقراطية في الميزان". "كانت العقبة الرئيسية في قيام وزراة ائتلافية بين الحزبين منصب رئيس الورزاء. أراد عبد الله خليل الإستمرار في رئاسة الوزراة بينما أصر إسماعيل الأزهري على العودة إلى رئاسة الوزراة مرة أخرى. وقد نجحت أخيراً في إقناع الأزهري بأن يتولى رئاسة مجلس النواب وهو منصب أعلى – في البروتوكول، من رئاسة الوزراة. وإن كان بلا سلطة تنفيذية". ولكن هذا الإتفاق لم ينفذ.

وكان عبد الرحمن المهدي يطمع في رئاسة الحمهورية السودانية. وكان يامل أن يخلفه في الرئاسة ابنه صديق المهدي. وفي رأي السفير أن صديق المهدي وعبد الله خليل يتجاوزان البلاهة . .بالكاد! طلب السيد الميرغني أن يكون نائباً لرئيس الجهورية ولكن المهدي رفض. ولهذا السبب لم تستطع لجنة إعداد الدستور للسودان أن تجتمع، ولم يعد مشروع للدستور. قال السفير: -ينبغي للمرء تحميل المسئولية إلى حد كبير للسيد عبد الرحمن نفسه وذكلك سياسة حزب الأمة برئاسة السيد صديق. وقد أوغرت خلافاته مع عبد الله خليل صدر رئيس الوزراء.

زار عبد الله خليل رئيس الورزاء لندن واجتمع بها رولد ماكميلان رئيس الوزراء. أثار ماكميلان مع رئيس الوزراء الموقف السياسي في السودان. قال عبد الله خليل: -أريد التخلص من علي عبد الرحمن ووزراء حزبه الشعب الديمقراطي – ولكن ذلك سيؤدي إلأى أضعاف الحكومة إلا إذا وجدت بديلاً آخر وهو الائتلاف مع الحزب الوطني الإتحادي. وأضاف: -قدمت الحكومة إلى البرلمان مشروع قانون بقبول المعونة الأمريكية ولكن حزب الشعب الديمقراطي الذي يميل إلى مصر اضطرنا إلى عدم الإصرار على عرض المشروع على المجلس وبذلك ضاع علينا 2.5 مليون دولار من المهونة الأمريكية بسبب انتهاء السنة المالية الأمريكية. ولكننا وافقنا أخيراً على قبول هذه المعونة ولكن بشروط وقيود. كما عرض علينا الإتحاد السوفيتي معونة قد نضطرلقبولها سبب ضغوط من حزب الشعب. وقال عبد الله خليل: -وضع مشروع الدستور السوداني ولكن الجنوب يرفضه لأنه يريد اتحاداً مع الشمال بدلاص من الوحدة الحالية. شجع ماكميلان رئيس الوزراء السوداني على الائتلاف مع الحزب الإتحادي وكذلك مع الجناح الذي يعارض مصر في حزب الشعب. وأيد هذا الإتجاه وزير الخارجية البريطاني في لقائه مع عبد الله خليل. ونوقشت مسألة إعانة مايلة بريطانية للسودان، ومعونة عسكرية وتدريب للطيارين السودانيين وشراء محصول القطن السوداني. ووجهة نظر الإنجليز أن السودان مثل ليبيا يعتبر منطقة عازلة ضد زيادة النفوذ المصري في إفريقيا يعتبر نقطة مهمة في الطريق الجوي بين لندن وعدن والخليج. وأثار عبد الله خليل مسألة اتفاقية مياة النيل بين مصر والسودان والموقعة عام 1929. وكانت مصر في طريقها لإقامة السد العالي وهناك خلافات كثيرة مع السودان حول اتفاقية مياه النيل. والإتفاقية تنص على أن يحصل السودان على 4 مليارات من المياه ومصر على 48 ملياراً. وتوجد الآن 84 ملياراً. والسودان يريد توزيع هذه المياه بنسبة الثلثين للسودان ومصر الثلث!

سافر وزير الخارجية السوداني محمد أحمد محجوب إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة وفشل في الحصول على الأصوات التي ترشحه لرئاسة الجمعسة. وفي طريق عودته. مر بلندن، واجتمع برئيس الوزراء هارولد ماكميلان يوم 2 سبتمبر، ووزير الدولة للشئون الخاردية السير نوبل. طلب الوزير السماح للطائرات البريطانية بالعبور فوق أجواء السودان. وفي المقابل طلب محجوب مساعدات اقتصادية لشراء أسلحة القوات السودانية. وكان نائب رئيس الأركان السوداني في لندن ومعه قائمة طويلة بالأسلحة المطلوبة. وتوافق الحكومة السودانية يوم 8 سبتمبر على السماح للطائرات البريطانية بالعبور فوق السودان. وأثار محجوب مع رئيس الوزراء ووزير الدولة اتفاقية مياه النيل. قال: -السودان ليس ملزماً بهذه الإتفاقية فلم يكن مستقلاً ولم يوقع عليها، بل وقعت عليها بريكانيا نيابة عن السودان. وطلب محجوب مساعدة وزارة الخارجية البريطانية في مد السودان بالمستندات والوثائق اللازمة. وهو نفس ما طالب به عبد الله خليل. بحثت وزارة الخارجية البريطانية المشكلة من الناحية القانونية ووجدت أن الإتفاقية ملزمة للسودان وإن لم تبلغ الوزارة محجوب بذلك. ومن ذلك يتضح أن هناك أزمة قائمة بين السودان ومصر حول مياه النيل بالإضافة إلى مشكلة حلايب التي ثارت بين البلدين في فبراير الماضي. وقال تقرير لمجلس الأمن القومي الأمريكي إن هف السياسة الأمريكية إبعاد السودان عن الهيمنة المصرية، وعن مصر، وتوثيق علاقاته بأثيوبيا وتشجعيها على سماعدة السودان اقتصادياً وأمنياً ودراسة تقديم مساعدة عسكرية أمريكية للسودان لتدعيم زعماء السودان المؤيدين للغرب. وتقرر الحكومة البريطانية يوم 16 أكتوبر منح السودان قرضاً قدره خمسة نلايين جنيه استرليني من بنك باركليز البريطاني. وكانت الحكومة البريطانية تشك في أنها ستسترد الملايين الخمسة . . ولكنها طلبت إلى عبد الله خليل إعلان القرض لتدعيم مركزه. وقالت وزارة الخارجية البريطانية أنه ما دام عبد الله خليل وحزب الأمة في الحكم فإن السودان سيقف بحزم ضد المصريين والشيوعيين، أما إذا سقط هبد الله خليل فإن مستقبل السودان سيكون غيرمؤكد. وقالت السفارة البريطانية في الخرطوم إن الحيلولة دون وقوع ازمة اقتصادية سيمنع أي تدهور سياسي. وعندما لتقى جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية بالسير هارولد كاشيا السفير البريطانية في اجتماع حلف الأطلنطي قال دالاس: -نحن نريد الضغط على جمال عبد الناصر عن طريق مياه النيل والسودان.

وضعت وزارة الخارجية البريطانية تقييماً لأفكار دالاس انتهى إلى أن هذا الإقتراح، أي الضغط على جمال عبد الناصر، عن طريق مياه النيل ليس عملياً. ويزور فاضل الجمالي رئيس وزارء العراق الخرطوم لمحاولة جذبه بعيداً عن مصر. ولكن يقع انقلاب في بغداد فيقتل الملك فيصل الثاني ويتولى عبد الكريم قاسم الحكم فيبعث السفير البريطاني في بغداد السير مايكل رايت تقريراً إلى حكومته يقول فيه: "على الرغم من أن الحكومة العراقية الجديدة تصرح بأنها تريد الوحدة العربية وتريد التعاون مع الجمهورية العربية المتحدة – مصر وسوريا – إلا أن سياستها الحقيقية المحافظة على التوازن بين الشرق والغرب، وهي في ذلك مثل السودان"! وتدس الحكومة البريطانية هذا التقرير وتحدد سياستها بضرورة تأييد كل من تونس والمغرب والعراق والسودان لتكون كتلة ضد مصر وجمال عبد الناصر لتحقيق التوازن داخل الجامعة العربية. وهذه السياسة تبين بوضوح محاولة أمريكا وبريطانيا والإبتعاد بالسودان عن مصر. ومن ناحية أخرى قال تقرير لوزراة الخارجية البريطانية: "إن عبد الله خليل رئيس وزراء السودان معروف بميوله الغريبة وقيام حكومة سودانية أخرى تحافظ على استقلال السودان – بعيداً عن مصر – أفضل من عبد الله خليل لأن هذه الحكومة لن تستطيع مصر اتهامها بالإنحياز إلى الغرب"!

انتشرت إشاعات عن حجم الفساد في السودان. أصدر مبارك زورق الوزير السابق وزعيم المعارضة في مجلس النواب وهو من قيادات الحزب الوطني الإتحادي الذي يتزعمه الأزهري بياناً قال فيه: "إن سفارة تنتمي إلى دولة غريبة كبرى، تريد الإحتفاظ بالوضع الراهن في السودان، أنفقت عشرة آلاف جنيه على عدد من النواب كرشاوي لتأييد حكومة عبد الله خليل". شكا بعض نواب حزب الأمة من هذا الإتهام إلى مجلس النواب، وقالوا إنه لا يتفق مع التقاليد البرلمانية. ولكن مبارك زورق لم يعبأ بهذا الإتهام وقال إنه يتحدى خصومه أن يلجأوا إلى القضاء، وهو مستعد للوقوف ضدهم في ساحة العدالة. وهاجمت صحيفة "الميدان" سفيري بريطانيا والولايات المتحدة، فشكا السفير البريطاني إلى وزارة الخارجية التي أنذرت الصحيفة بعدم مهاجمة السفارات الأجنبية.

وأخيراً وقع الزلزال . . زار إسماعيل الأزهري بغداد لتهنئة عبد الكريم قاسم حاكم العراق بثورته وفي طريق العودة لبلاده مر الأزهري بالقاهرة والتقى بجمال عبد الناصر عدة مرات وكان مع الأزهري ثلاثة من الوزراء أعضاء حزبه الإتحادي، وعقد مؤتمراً صحفياً في القاهرة هاجم فيه حكومة السودان وقال: -إذا أردنا إنقاذ السودان من الخراب فإن عبد الله خليل يجب أن يستقيل. واجتمع الأزهري بصلاح سالم الذي كان قد استقال من وزارة السودان وابتعد عن الإضواء. وصلاح سالم هو أول وزير مصري سافر إلى جنوب السودان ورقص فيه حتى أطلق عليه العالم "الصاغ الراقص". وأدت زيارة صلاح سالم إلى خلخلة النفوذ البريطاني في جنوب السودان وشماله أيضاً. وقد اعترف الأزهري بعد ذلك بأن لصلاح سالم الفضل في في تحقيق استقلال السودان. وزار علي عبد الرحمن زعيم الحزب الديمقراطي ووزير تجارة مصر في نفس الوقت، أي في أثناء وجود الأزهري في القاهرة. ولم يستأذن علي عبد الحمن رئيس وزراء السودان في السفر بل عقد مؤتمراً صحفياً في القاهرة هاجم فيه بعنف الوزارة التي ينتمي وينتسب إليها، والتي يوجد ضمن أعضائها! والتقى علي عبد الرحمن في القاهرة بالرئيس جمال عبد الناصر. في مذكرات إسماعيل الأزهري التي نشرها الصحفي السوداني بشير محمد سعيد بشير قال: "بعث سفير السودان في القاهرة يوسف مصطفى التني بتقرير إلى حكومة السودان يزعم فيه أنه تم الإتفاق في القاهرة، بحضور الرئيس جمال عبد الناصر بين قيادة الحزب الوطني الإتحادي. وقادة حزب الشعب الديمقراطي للإطاحة بالحكومة السودانية وإعلان الوحدة مع مصر". وفي مذكرات علي عبد الرحمن الأمين والتي نشرها بعنوان "الديمقراطية والإشتراكية في السودان، قال السفير الأمريكي في القاهرة كتب إلى زميله بالخرطوم يخبره عن اجتماعات الأزهري وعلي عبد الرحمن والنتائج المتوقعة المزعومة عن الإطاحة بالحكومة فذهب السفير الأمريكي بالخرطوم إلى عبد الله خليل وأطلعه على هذه الرسالة". . . والتقريران – كما يقول الأزهري، وعلي عبد الرحمن – كاذبان. ولكنهما جعلا عبد الله خليل يفكر في الرد واتخاذ إجراء يحول دون تنفيذ الإنقلاب الديمقراطي، عن طريق مجلس النواب!

كانت هذه الحقائق كلها أمام السفراء الخمسة عند اجتماعهم في بيت السفير البريطاني في أوائل نوفمبر. وكان النقاش بينهم يدور حول الإنقلاب العسكري الذي يبدو في الأفق. وكانت له أسباب كثيرة أهمها: أ-انهيار النظام الحزبي والبرلماني بسبب الفساد. ب-الموقف الإقتصادي وسوء علاجه من جانب حزب الأمة. ج-استحالة قيام ائتلاف فعال بين حزب الأمة والحزب الوطني الإتحادي لعدم الثقة العميق من جانب حزب الأمة بالأزهري. د-سوء إدارة السيد عبد الرحمن المهدي لحزب الأمة وبسبب ترشيحه لرئاسة الجمهورية. بحث لاسفراء الخمسة مستقبل الحكم في السودان باعتبار أن كلاً منهم يمارس نوعاص من النفوذ على حكومة السودان وعلى عبد الله خليل رئيس الحكومة. قال السفير البريطاني تشايمان أندروز: "أعترف لي عبد الله خليل بأنه مشترك في مؤامرة انقلاب عسكري وبصفته وزيراً للدفاع أمر الجيش – كما يقول تقرير السفير البريطاني – بتخطيط الإستيلاء على السلطة في أثناء حرب السويس عام 1956. وفي أثناء أزمة حلايب بين مصر والسودان في فبراير 58 تجددت خطة استيلاء الجيش على السلطة. وتجددت مرة ثالثة هذه الخطة بعد انقلاب عبد الكريم قاسم في بغداد في يوليو. وكلما زاد التدريب على الورق أصبح الأمر أسهل دون شك"!

قال السفير الأمريكي، طبقاً للمحضر الذي كتبه تشايمان أندروز وبعث يه إلى حكومته والمحفوظ في مركو الوثائق العامة في ضاحية "كيو" في لندن: -أريد حكومة تحت رائسة عبد الله خليل تتكون من العناصر الأكثر ولاء من جميع الأحزاب، ولست مستعداً للضغط من أجل قيام هذه الحكومة، كما أني يائس من إمكان قيامها وأرغب في أن يستمر عبد الله خليل رئيساً للوزارة بأي ثمن. وقال السفير الفرنسي: -أريد أن يتولى الحزب الوطني الإتحادي تشكيل الوزراة، تحت رئاسة أي شخص، عدا عبد الله خليل لأنه أثبت عدم قدرته على الحكم. زأعارض قيام انقلاب لأنه يمثل كارثة. وقال السفير البريطاني: -نحن نريد ما يريده الأمريكيون. ولكننا على العكس منكم – أيها الأمريكيون – مستعدون لإعلان رأينا هذا بصراحة. أما السفير البريطاني: -كنت مع عبد الله خليل في أثناء زيارته لبلادي أثيوبيا، وقد أكد له جلالة الإمبراطور هيلا سلاسي رغبته ألا تقوم ديكتاتورية عسكرية عربية بجواره. -لم أتلق أية توجيهات من حكومتي، ولكني ممن يرون أن الإنقلاب العسكري أمر لا يمكن تحاشيه وهو أفضل المخاطر! وهكذا أصبح واضحاً أن السفراء مختلفون فيما بينهم، ولكن موضوع الإنقلاب العسكري كان معروفاً وشائعاً ومطروحاً على بساط البحث بين السفراء الأجانب في الخرطوم! وهم يبحثون عن البدائل لحكم السودان.

بدأ السفير البريطاني ينشط ويتحرك، بعد اجتماع السفراء الخمسة. وزار نشاط – السفير – بعد عودة عبد الله خليل من أثيوبيا. اجتمع السفير بعبد الله خليل وقال له: -أبلغني الملحق العسكري بأن الجيش مستعد للقيام بانقلاب وإني أحذرك من ذلك ويمكن منع الإنقلاب على الرغم من أن الوقت قد تأخر. وطلب السفير من عبد الله خليل توسيع الحكومة وضم وزارء من الحزب الإتحادي. طلب عبد الله خليل من السفير مساعدته على تشكيل حكومة ائتلافية. اجتمع السفير وتفاوض مع الحزب الوطني الإتحادي لتشكيل حكومة ائتلافية تقوم على قاعدة أوصع. وأبدى الأزهري موافقته على بحث شروط الائتلاف إذا دعاه حزب الأمة. وفي الوقت نفسه حذر السفير عبد الله خليل من أخطار ممارسة القوة بشكل غير دستوري. واجتمع السفير مع مبارك زورق زعيم المعارضة الذي قال: -أعتقد أنه من الممكن وقوع انقلاب. ولكن إذا حدث ذلك فستكون فيه نهاية حزب الأمة. ويلتقي السفير البريطاني بالقاضي الشنقيطي على مائدة إفطار في بيت القاضي. قال الشنقيطي رئيس مجلس النواب: -النظام البرلماني لا يلائم البلاد التي تشبه السودان. وأضاف: -الديمقراطية في السودان تمارس فقط داخل البرلمان وليس خارجه. يقصد بذلك أنها "مجرد كلام"! وأبدى الشنقيطي أسفه على انتهاء الإدارة المشتركة . . أي الإدارة المصرية – البريطانية، أو بمعنى أصح انتهاء الحكم البريطاني في السودان! وقال: -أخشى أن يؤدي فشل محاولات الائتلاف إلى فوضى شاملة.

كتب السفير البريطاني إلى لندن: "انهار النظام البرلماني في السودان منذ اليوم الذي بدات فيه الرشاوي المصرية تنتشر بين مرشحي البرلمان والناجين. ولم يعد أي حزب يستطيع مواجهة الإنتخابات العامة بأي أمل في أن يكون له كيانه الخاص بغض النظر عن النجاح فيها مالم ينفق مبالغ سرية ضخمة. وقد أنفق السيد عبد الرحمن المهدي 500 ألف جنيه على الإنتخابات في فبراير الماضي وقد ضاعف ذلك أنصار حزبه في البرلمان ولكن لم يضمن له أغلبية مطلقة. وما دامت النتائج غير حاسمة، وغير مرضية نثل نتائج الإنتخابات الأخيرة فلم يعد هناك أمل في الحصول على نتائج أخرى لأنها "مكلفة للغاية"!

كان مقرراً أن تجتمع لجنة الدستور يوم 25 أكتوبر ولكن اللجنة لم تجتمع في هذا اليوم، ولم تجتمع في الأسبوع التالي لعدم توافر العدد القانوني، وكان مقرراً أن يجتمع مجلس النواب يوم 17 نوفمبر وفي اليوم السابق تقرر تأجيل الإجتماع إلى 8 ديسمبر لإعطاء رئيس الوزراء الفرصة لتكشيل حكومة ائتلافية مع الحزب الإتحادي. وكان عبد الله خليل يخشى أن يطاح به في اجتماع مجلس النواب يوم 17 نوفمبر. ومن هنا دبر عبد الله خليل الإنقلاب العسكري لأنه لا يوافق على الائتلاف مع الحزب الوطني الإتحادي. ومن ناحية أخرى فإن عبد الله خليل كان يعتقد أنه سيطاح به، لأن الأزهري ينوي ذلك بعد أن تفاهم مع زعيم حوب الشعب في القاهرة، وسيعقد الأوهري اتفاقاً دفاعياً مع مصر كما أعلن ذلك بنفسه في أثناء زيارته للقاهرة. وفي لقاء مع السفير البريطاني قال عبد الله خليل. -الخوف يتملكني من قيام حكومة سودانية موالية لمصر – وحتى إذا حصلت على ثقة مجلس النواب يوم 17 نوفمبر فقد أهزم بعد ذلك في اقتراع بالثقة حول مسألة من مسائل السياسة الخارجية التي ينقسم حولها العالم العربي.

أصر عبد اله خليل قبل سفره إلى أديس أبابا يوم 29 أكتوبر بأن يكون الجيش على استعداد للتحرك يوم 17 نوفمبر، أي اجتماع البرلمان. وفضل التراجع يوم 7 نوفمبر بعد عودته من أديس أبابا – بناء على نصيحة الإمبراطور هيلا سلاسي وغيره من الأصدقاء. ولكنه فوجئ بأنباء اجتماعات القاهرة فقرر أن يترك الأمور تأخذ مجراها. وفي نفس الوقت كان الجيش يتوق إلى التحرك! ولو أن عبد الله خ ليل حاول إبقافه لفشل وفقد ثقته – أي ثقة الجيش – وهو الأمر المهم بالنسبة إليه: في تقرير السفير البريطاني إلى لندن قال بالحرف الواحد: "اعترف عبد الله خليل لي شخصياً، سراً قبل شهور، بأنه مشترك في المؤامرة وأعلن عن اعتقاده بأنه بدون الإنقلاب يفقد السودان استقلاله. وقد أمر – بصفته وزيراً للدفاع – الجيش بتخطيط الإستيلاء على السلطة كتدريبات وكان ذلك احتياطياً حكيماً في أثناء حرب السويس عام 56 وبعد عامين عندما بدا أن المصريين يهددون الحدود الشمالية للسودان – ازمة حلايب – تجددت خطط استيلاء الجيش على السلطة. وتجددت مرة أخرى أيضاً خلال الإضطرابات التي تبعث الإنقلاب الذي قام به الجيش في بغداد.

في برقية تاريخها 27 نوفمبر، بعد الإنقلاب بعشرة أيام، من وزارة المستعمرات البريطانية إلى دول الكومنولق قالت الوزراة: "قام عبد الله خليل بتسهيل عملية الإنقلاب، وهو الذي لقنها للجيش. وقد عجل بالعملية عودة إسماعيل الأزهري رئيس الحزب الوطني الإتحادي من القاهرة فقد علم عبد الله خليل أن الحزب الإتحادي وحزب الشعب سيتخذان سياسة معارضة لحزب الأمة وان النواب الجنوبيين سيقفون بشدة للتصويت ضد الحكومة. وعندما اتصل مبعوثو حزب الأمة بالجنوبيين رفضوا الموافقة على تأييد الحكومة، لأنها تعارض انفصال الجنوب. ونتيجة لذلك وخوفاً من هزيمة في البرلمان، بالتصويت على عدم الثقة بالحكومة، فقد اتصل عبدالله خليل بنائب القاءد العام للقوات المسلحة وطلب إليه المضي قدماً في تنفيذ الخطط الموضوعة قبل شهور للقيام بانقلاب واستيلاء العسكريين على الحكم. وقد حصل الفريق عبود بعد الإنقلاب على تأييد السيد عبد الرحمن المهدي فقد وعد باستشارته وأسرته في تشكيل الحكومة الجديدة. ولما لم تتفق أسرة المهدي على ذلك، اختار القائد وزراءه.

باستثناء وزيرين عسكريين فقط، فإن كل الوزراء معادون لمصر – والوزيران العسكريان المؤيدان  لمصر في الحكومة بناء على نصيحة عبد الله خليل وهو يتابع كل التطورات عن طريق رجله أحمد ع بد الوهاب وزير الداخلية.

وقد رؤي من المحكمة أن يبقى الوزيران في الرخطوم تحت الرقابة بدلاً من بقائهما مع قواتهما خارج العاصمة".

وأحمد عبد الوهاب رجل عبد الله خليل وقريبه عمره 43 سنة التحق بالكلية الحربية عام 38 وكان ألو دفعته. وقد اشترك في الحرب العالمية الثانية مع القوات البريطانية في إريتريا وشمال إفريقيا. وكان قائد القوات التي أخمدت تمرد الجنوب. وقد عين نائباً للقائد العام في أول يناير 58. وقد أوفد ثلاث مرات إلى إنجلترا للتدريب ورأس بعثة شراء السلاح من إنجلترا. ويرى الإنجليز أنه من أكفأ الضباط وأقدر المجموعة التي قامت بالإنقلاب. وقد رافق عبد الله خليل في زيراته لأثيوبيا قبل عام. وهو من أسرة المهدي. وهو الذي نظم الإنقلاب فقد ذكر للملحق العسكري البريطاني يوم 4 نوفمبر أن الجيش مصمم على الحصول على هدية الأسلحة التني قدمتها بريطانيا. وألمح إلى ان الجيش، ليحقق ذلك، مستعد للاستيلاء على الحكم. وكانت هناك معارضة لقبول هذه الهدية.

في واشنطن قالت صحيفة "نيويورك هير الدتريبيون": "هناك ما يدل على أن الديكتاتور المصري ليس سعيداً بالتطورات الأخيرة للأحداث. تحرك الجيش في الرابعة من صباح 17 نوفمبر وهو اليوم الذي كان مقرراً لإجتماع البرلمان – على الرغم من أن المجلس أجل، في اللحظة الأخيرة، الإجتماع إلى 8 ديسمبر! حقق الإنقلاب نجاحاً ساحقاً فلم يسبق، إلا نادراً أن صادف إنقلاب عسكري هذا النجاح بعد رصده مسبقاً بهذه الدقة. والسبب في ذلك أن الإنقلاب كان يشمل الأركان العامة للجيش بأكملها. فهم لم يكن مؤامرة جسورة خطرة من جانب من المتهورين بل عميلة عسكرية نظامية خططتها الأركان العامة في وضح النهار. فجميع ضباط الجيش الثلاثة عشر الكبار قائد الجيش ونائب القائد ورئيس العمليات وقائد حامية الخرطوم وقائد المدفعية وقائد فرقة المدرعات وقائد مدرسة تدريب المشاة وقائدا قطاع الخدمات وقواعد المناطق الأربعة الرئيسية في "المجلس الأعلى للقوات المسلحة". وتولى الفريق إبراهيم عبود منصب قائد الجيش ورئاسة الوزراة وتولى كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

والفريق عبود في الثامنة والخمسين من العمر. درس الهندسة في كلية جوردون بالخرطوم ثم التحق بالكلية العسكرية وتخرج ضابطاص برتبة الملازم ثان وعمره 18 سنة. التحق بالجيش المصري كضابط مهندس. وقد انضم إلى قوة الدفاع السودانية عند إنشائها عام 25. وخدم في واحة الكفرة وطبرق والجيش الثامن في أثناء الحرب العالمية الثانية. حصل على رتبة الفريق في العام السابق للأنقلاب. وهو من الختمية. وقد عينه الأزهري قائداً للجيش السوداني في إبريل عام 1956. قال الإنجليز إن شخصيته ليست قوية ولا يستطيع أن يتخذ قراراً!! في اجتماع للحلف الأطلسي في باريس يوم الإنقلاب نفسه سأل هنري سباك البلجيكي – سكرتير عام الحلف السير شيشهام السفير البريطاني: -هل حقيقي أن رئيس وزراء السودان الجديد "إنجليزي أكثر من الإنجليز"؟! قال شيشهام: -أعرف انه كان في كلية ساندهيرست العسكرية البريطانية. ولكن وصفه الجنرال جيفورد القائد البريطاني السابق للجيش السوداني قائلاً: -الفريق عبود متزوج بالأفكار البريطانية والصداقة البريطانية! وأصبح اللواء أحمد عبد الوهاب – من الأنصار أي أتباع السيد عبد الرحمن المهدي ومن رجال عبد الله خليل – نائباً للقائد العام ووزيرا الداخلية والإدارة المحلية. وقد سبق له التدريب في إنجلترا. وأصبح جميع ضباط الجيش الكبار – الثلاثة عشر – أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة ولا يوجد بينهم إلى الحزب الوطني الإتحادي! وشكل مجلس للوزراء من 11 وزيراً منهم 6 عسكريين من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة و5 مدنيين بينهم جنوبي واحد، ومنهم أيضاً وزيران من الحكومة السابقة وهما سانتيتينو دنج الجنوبي للثروة الحيوانية وزيادة أرباب وزير المعارف. حل الإنقلاب العسكري البرلمان والأحزاب وألغي الدستور. وأيد السيد عبد الرحمن المهدي قد قرر – من قبل – العودة إلى السودان يوم 17 نوفمبر فلما وقع الإنقلاب أرجأ عودته حتى أطمأن إلى أن الجيش لن يمسه بسوء! قالت السيدة فاطمة كريمة المهدي لجراهام توماس الموظف البريطاني في السودان ومؤلف كتاب "السودان موت حلم": -كان أبي يعلم بالإنقلاب وقد وافق على قيامه. وأكد ذلك أيضاً السيد صديق المهدي. ووصل إلى الخرطوم سبعة من الصحفيين البريطانيين لمتابعة أنباء الإنقلاب. في بيت صديق المهدي ردد لهم ذلك الشنقيطي رئيس مجلس النواب الذي حله الإنقلاب مؤكداً دور عبد الله خليل في الإنقلاب! وقال عبد الله خليل لسليد بيكر مراسل صحيفة التايمس البريطانية: -لقد أعطيت الأمر بالإنقلاب قبل شهرين فلا يوجد بديل آخر للمناورات المصرية. وقال ويكي مراسل صحيفة "نيوز كروفيكل" للسفير البريطاني: -في وزترة الخارجية البريطانية اكدوا لي في الأسبوع الماضي ان إنقلاباً عسكرياً سيحدث وان وراءه عبد الله خليل. وكتب السفير إلى لندن: -إذا انتشرت هذه الفكرة وهي أن حزب الأمة وزراء الإنقلاب فإن الإستنتاج السريع سيكون أننا وراءه!

قال السفير الإسرائيلي في لندن لوكيل الخارجية البريطانية: -أعرف العربية وكنت طالباً أدرس مع الأزهري في بيروت، وفي رأيي أن عبد الله خليل كان في موقف يائس للتفاوض مع مصر حول مياه النيل، ومن هنا تقرر لإمكان التفاوض مع مصر، قيام حكومة أقوى. أما إيتال مدير وزارة الخارجية الإسرائيلية فقال للسفير البريطاني في تل أبيب يوم 20 نوفمبر أي بعد 3 أيام. -المعلومات المتوافرة لدى الحكومة الإسرائيلية أن الإنقلاب وقع بعلم رئيس الوزراء عبد الله خليل وبموافقته وكان المهدي طرفاً فيه أيضاً. وقال الوزير الإطالي المفوض السنيور بروناس لوكيل الخارجية البريطانية: -يقول البعض إن الإنقلاب هو رد بريطانيا على اتفاق جمال عبد الناصر مع السوفييت لبناء السد العالي! وطتب "تشابان أندروز" إلى لندن بعد الإنقلاب: "فشل الديمقراطية البرلمانية في السودان يعني هزيمة للغرب من نوع ما فنحن والسودانيين الذين حاولوا جعل النظام ينجح إذا أخرجنا من السودان – ليس من المتوقع أن نستعيده. والحكومة العسكرية الجديدة هنا بعكس حكومات القاهرة وبغداد من هذه الزاوية فقط ليست حكومة ثورية في جوهرها. إنها حكومة بمجلس جيش بدلاً من مجلس وزارءه. ومجلس الجيش هو نفسه الذي كان قبل حدوث الإنقلاب "فلم يتغير شئ" مثلما اكد لي كثير من السودانيين. لكن الحقيقة ان تغييراً كبيراً قد حدث وثد يكون التغيير للأحسن في الوقت الراهن. ولا شك أن القيادة العليا للجيش تكن الصداقة تجاه الغرب وخصوصاً تجاه بريطانيا. لقد تلقوا تدريبهم جميعاً على يد ضباط بريطانيين. إنهم يعرفوننا وقد عرفونا لسنوات وهم ممتنون لنا. وطالما بقوا ف يالسلطة فإن لدي كل الأمل في ألا تتعرض سياستنا والسياسات الغربية بشطل عام في هذا البلد لأية نكسة طالما بقوا في السلطة. وليس هناك ما يمكن أن نفعله سوى أن نبذل غاية جهودنا لإبقاء الحكومة والبلد بشكل عام في المعسكر الغربي. التقى السفير البريطاني السير تشايمان أندروز في اليوم التالي للإنقلاب بالفريق إبراهيم هبود، ثم بعث إلى لندن يقول: "على المستوى الشخصي كان الفريق عبود كيسا. وكان يخاطبني قائلاً "سعادتك" ملحوظة: السفير البريطاني يجيد اللغة العربية. وهذا التعبير في السودان يستعمله الخدم عندما يخاطبون مخدوميهم. ولكن لا تسيئسوا فهمي. إن القائد "دقة قديمة" وهو يخاطبني بأفضل أسلوب يعامل به السودانيون الضباط الإنجليز. وقال لي إنه ممتن لبريطانيا لكل مساعداتها ف يالماضي وكيف أنه شخصياً كقائد عام للجيش السوداني سعيد لهدية الأسلحة الأخيرة التي قدمت إلينا في الصيف الماضي. واختتم السفير برقيته قائلاً: "قدم الجيش حكومة صديقة إلينا . . أي إلى بريطانيا.

طلب الفريق عبود من السفير أن تعترف بريطانيا بحكومة الإنقلاب فاعترفت بها في اليوم التالي!

قال أحد أقارب عبد الرحمن المهدي لتشابمان أندروز: -الفكرة هي أن تسلم السلطة للمدنيين خلا ل ستة أشهر تقريباً بعد أن ينظف الجيش المكان!! ولكن الجيش بقى يحكم ست سنوات كاملة!! حتى أطاحت به في 21 أكتوبر 1964 أكبر ثورة شعبية في تاريخ السودان لتدئ حكومة ديمقراطية منتخبة. لم تكن هذه أول محاولة للإنقلاب في السودان، ولكنها كانت أول محاولة ناجحة. سبقتها محاولة عام 1957 قادتها مجموعة من ضباط الجيش والطلاب العسكريين يقيادة إسماعيل كبيد ضد أول حكومة ديكقراطية منتخبة برئاسة إسماعيل الأزهري. ولكن هذه المحاولة أحبطت في آخر مراحلها. وفي 25 مايو 1969 قام العميد جعفر نميري ومجموعة من الضباط الشيوعيين والقوييني العرب بالإنقلاب الثاني. بين قادة الإنقلاب اللواء خالد حسن عباس وزين العابدين محمد عبد القادر وأبو القاسم محمد إبراهيم وأبو القاسم هاشم، وهاشم العطا وبابكر النور، وفارق حمدنا الله. وبقي النميري يحكم 16 سنة. ووقع الإنقلاب الثالث وهو شيوعي في 19 يوليو 1971 وقاده هاشم العطا فاستولى على الخرطوم لمدة يومين. ولكن النميري نجح في القضاء على الإنقلاب ونصب المشانق لقادته فأعدم زعيم الحزب الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب ومساعده الأيمن الشفيع أحمد الشيخ وبابكر النور وقائد الإنقلاب هاشم عطا. وفشلت محاولة الإنقلاب الرابع بقيادة العميد محمد نور سعد فأعدم رمياً بالرصاص وتحولت شوارع الخرطوم لمدة يومين إلى ميدان قتال بين نميري وقادة الإنقلاب. ولكن. عصفت ثورة شعبية عارمة بحكم النميري في 6 إبريل أطلق عليها انتفاضة إبريل. ووقع آخر إنقلاب برئاسة عمر حسن البشير في 30 يونيو بمساعدة الإسلاميين بزعامة الدكتور حسن عبد الله الترابي وحزبه "الجبهة الإسلامية القويمة". وجدت عدة محاولات انقلابية ضد نظام البشير فشلت جميعها وأبرزها إنقلاب رمضان عام 1990 بقيادة اللواء عبد القادر الكدرو واللواء طيار محمد عثمان حامد. وقد انتهت هذه المحاولة بإعدام 28 ضابطاً. إن عبد الله خليل فتح شهية ضباط السودان للقيان بإنقلابات.