تفكيك اوروپا العثمانية

من معرفة المصادر

تفكيك اوروپا العثمانية

إنشاء دول البلقان القومية 1804 – 1920

محتويات

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مقدمة المترجم

غلاف الكتاب الأصلي

في عام 1998 انتهيت من ترجمة الكتاب الخامس من سلسلة بعنوان "تاريخ شرق وسط أوروبا" المعروفة اصطلاحاً ببلاد البلقان وعنوانه "جنوب شرقي أوروبا تحت الحكم العثمانى 1354 – 1804" لمؤلفه بيتر شوجر وقد اخترت له عنوان "أوروبا العثمانية" للتعبير عن المرحلة مثلما نقول "مصر العثمانية" للإشارة إلى فترة وقوع مصر تحت الحكم العثمانى, وقد نشرته "دار الثقافة الجديدة" وقد رأيت مواصلة ترجمة ما يتعلق بالتاريخ الحديث لمنطقة البلقان في هذه السلسلة بعد عام 1804 الذى يقف عنده كتاب بيتر شوجر.

وهذا الكتاب الذى بين يدى القارئ يتناول الفترة من ثورة الصرب في 1804 وحتى خروج العثمانيين من المنطقة بعد هزيمتهم مع النمسا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) حيث فرض الحلفاء المنتصرون ما شاءوا من تسويات وعقوبات وغرامات على المنهزمين وكان أبرزهم فيما يتعلق بموضوع الكتاب تخلى تركيا عن كل البلاد التى كانت ترتبط بها علاقة تبعية كاملة أو علاقة تبعية غير مباشرة (الحكم الذاتى)، وإقامة دول قومية جديدة في المنطقة ظهرت بأسماء يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا ورومانيا وبلغاريا والمجر.

وتجدر الإشارة إلى الفترة الزمنية التى يغطيها هذا الكتاب (1804 – 1920) تمثل فترة الصراع القومى ضد الإمبراطوريتين العثمانية والنمسوية اللتان كانتا تسيطران على كثير من شعوب البلقان. وكان الصراع ضد الدولة العثمانية على وجه الخصوص وبتأييد القوى العظمى آنذاك إنجلترا وفرنسا والنمسا وروسيا يمثل أحد فصولب المسألة الشرقية التى كان محور الصراع فيها يدور حول كيفية إخراج العثمانيين باعتبار أنهم يمثلون دولة إسلامية بالمعنى الإصطلاحى ويحكمون بلاد أوروبية يعتنق أهلها المسيحية. وعلى هذا اختلط العامل القومى بالعامل الدينى في الصراع وأصبح الدين يمثل الشخصية القومية لشعوب البلقان في نضالها من أجل تأكيد خصوصيتها الذاتية.

وفي هذا الخصوص تدخلت القوى العظمى لصياغة مستقبل هذه الشعوب كنوع من تأمين حدودها المتاخمة للدولة العثمانية, ثم اصبح أمر إقامة دول قومية ملكية ومحافظة في البلقان أكثر إلحاحاً بعد قيام الثورة الشيوعية في روسيا (اكتوبر – نوفمبر 1917) وخشية دول غرب أوروبا من انتشار الشيوعية بسهولة في بلاد البلقان ومن ثم كان "حق تقرير المصير" الذى أعلنه الرئيس الأمريكى وودرو ولسون في مبادئه الأربعة عشر (يناير 1918) على أمل أن تقوم دول البلقان الجديدة بدور المصد الأول لتيار الشيوعية إذا ما تسرب إلى البلقان خاصة وأن روسيا هى أقرب القوى الكبرى لثقافة شعوب المنطقة.

على أن متابعة سياسات القوى الكبرى في التعامل مع قضية "تحرير" شعوب البلقان من تحت سيطرة الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى يثبت إلى حد كبير أن أهداف الغرب واحدة تجاه المسألة الشرقية وخاصة بعد الثورة الصناعية, وثابتة, ولم تتغير طوال القرن العشرين وما بعده إلا في وسائل تحقيق هذه الأهداف حسب مقتضى الحال.

ولعل هذا الكتاب يساعد القارئ العربى غير المتخصص على معرفة صفحة من تاريخ منطقة البلقان التى تشابهت ظروفها مع ظروف البلاد العربية في النضال من أجل تحقيق الاستقلال عن الدولة العثمانية وإبراز شخصيتها القومية في القرن التاسع عشر الذى عرف بقرن القوميات. ومن ناحية أخرى يعطى لهذا القارئ فكرة عن طبيعة حكم العثمانيين لتلك البلاد الذى كان شبيها بحكمهم في البلاد العربية من حيث آلياته وأدواته في السيطرة خاصة إذا كان هذا القارئ لم يدرس إلا تاريخ الحكم العثمانى في ديار العرب.

وأخيراً آمل أن تساعدنى الظروف لكى أقدم للقارئ العربى الكتاب الثالث من هذه السلسلة الخاص بتطور المنطقة بين الحربين العالميتين في القريب العاجل.


تصدير

بدأت الدراسة المنهجية لتاريخ شرق وسط أوروبا بمعرفة باحثين من خارج المنطقة ذلك أن معظم المؤرخين من أبناء المنطقة نفسها اتجهوا إلى الكتابة عن تاريخ بلد كل منهم فقط, ولهذا لم تظهر دراسة تاريخية شاملة للمنطقة ككل بأى لغة من اللغات.

وعلى هذا تم إعداد هذه السلسلة من الدراسات لتكون وسيلة تمد الباحث غير المتخصص في تاريخ شرق وسط أوروبا, وكذا الدارس الذى يسعى لأن يكون متخصصاً بمقدمة للموضوع وبإطار عام للمعرفة من خلال ما تم نشره من كتابات. ثم تبين فيما بعد ضرورة إعداد بحوث جديدة لكى نتمكن من عرض موضوعات معينة وفترات تاريخية معينة بقدر من التخصص والعمق لم تشملها الكتابات السائدة. وتحقيقاً لهذا الغرض قام المشرفان على تحرير هذه السلسلة بمناقشة الأهداف المشتركة والإجراءات المناسبة مع مؤلفى كل موضوع على حده حتى يتحقق قدر معين من التوازن والتكافؤ بين الموضوعات المختلفة, وبحيث تكون الحد عشر كتاباً في هذه السلسلة وحدة واحدة لا تتجزأ وليس مجرد تجميع لكتابات متباينة.

أما مسائل التفسير ووجهات النظر لكل مؤلف فقد تركت كما هى دون تدخل من جانب المشرفين على المشروع باعتبارها مسئولية كل كاتب. وينبغى التأكيد في هذا التصدير على أن أى كتاب في هذه السلسلة لا يتناول بلداً معيناً بمفرده ذلك أن المشروع يتعامل مع الوحدات الجغرافية أو السياسية التى كانت قائمة خلال فترة البحث, ولا يستهدف تفسير الماضى في ضوء مشاعر وأمانى الثانى من القرن العشرين.

وحدود "شرق وسط أوروبا" في هذه السلسلة حدود لغوية حيث تعيش الشعوب التى لا تتكلم الجرمانية من ناحية الشرق, والشعوب التى لا تتكلم الإيطالية من ناحية الغرب, والحدود السياسية لروسيا جهة الشرق. على أن هذه الحدود غير ملتزم بها بدقة في كل كتاب من كتب السلسلة يختص بفترة زمنية معينة. ورغم أن إدخال شعوب فنلندا واستونيا ولاتفيا وليتولانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا في تلك الحدود أمر مفهوم من حيث الملائمة, إلا أننا رأينا ألا نحاول إدخالها منهجياً في بحوثنا رغم تكرار ذكرها في كتب السلسلة, على حين تمت الكتابة بعمق عن البولنديين والتشيك والسلوفاك والمجريين والرومانيين واليوجوسلاف والألبان والبلغار واليونايين.

وحتى يكون الاهتمام بأقاليم المنطقة متساوياً موضوعياً وزمنياً خصصنا ثلاثة كتب عن المنطقة شمال خط نهرى الدانوب-سافا, وثلاثة عن المنطقة جنوب هذا الخط, وأربعة كتب عن المنطقتين معاً, وأربعة من هذه الكتب عن فترات التاريخ قبل العصر الحديث, وستة عن العصر الحديث, أما الكتاب الحادى عشر فيحتوى على أطلس تاريخى وقائمة بيلوجرافية عن الموضوع كله, وكل كتاب في السلسلة مزود بمقالة بيلوجرافية خاصة بموضوعه تذكر الحد الأدنى من المراجع حتى يكون الكتاب في متناول أكبر قدر ممكن من القراء.

ويود المشرفان على هذه السلسلة أن يشكر مؤسسة فورد Food Foundation للدعم المالي الذى قدمته من أجل هذا المشروع, ومدرسة هنرى جاكسون للدراسات الدولية (كعهد دراسات الشرق الأقصى وروسيا سابقاً), ومديريه الخمسة على التوالى: جورج تايلور, وجورج بيكمان, وهربرت إليسون, وكينيث بايلى Pyle, ونيقولا لاردي, إذ بفضل رعايتهم وتشجيعهم أمكن للمشروع أن يتحقق.

ولقد أخذ المشروع في إنجازه وقتاً أطول من الوقت اذلى كان محدداً له أصلاً, ذلك اثنين من الباحثين الذين تم الاتفاق معهما قد توفيا قبل أن ينهيا بحثيهما, وبالتالى تم تكليف غيرهما, وقد تم نشر كتب السلسلة كما كتبها مؤلفوها دون تدخل من جانبنا. ونأمل أن الفائدة المرجوة منها تبرر المعاناة الطويلة التى عانيناها في تصور موضوعاتها وتنفيذها وظهورها إلى حيز الوجود, وأن تؤدى إلى إثراء المعغرفة والاهتمام بالتاريخ الثرى المتعدد الجوانب لبلاد شرق وسط أوروبا بين الذين يقرأون الإنجليزية في كل مكان, وأن تحث على مزيد من الدراسة والبحث لمختلف مظاهر تاريخ هذه المنطقة التى ما تزال بحاجة لدراسات علمية دقيقة.

مقدمة المؤلفين

يتناول هذا الكتاب التاريخ الحديث لسبعة شعوب بلقانية وهم: الأبان والبلغار والكروات واليونانيون والرومانيون والصربيون والسلوفينيون, وكل منها له أساسا تاريخى يتساوى في القدم مع أي شعب من شعوب أوروبا الغربي إن لم يتفوق عليه. واليونانيون أقدم هذه الشعوب الذين يقولون بأن لديهم تاريخاً طويلاً متصل وتقاليد ثقافية لأكثر من أربعة ألاف عام, وبعدهم يأتى الإليريون IIIyrians أسلاف الألبان الذين قدموا إلى منطقة البلقان في الألف الثانى قبل الميلاد نقريباً. وثالث هذه الشعوب الرومانيون وهم عند مؤرخيهم من نسل الداشيين Dacians والرومان القدامى الذين سيطروا على المنطقة من عام 106 – 271 ميلادية. وفي نهاية القرن السادس عشر تمكنت مملكة رومانية من العصور الوسطى تحت حكم مايكل الشجاع من ضم أقاليم شكل منها فيما بعد دولة حديثة.

أما الشعوب الأربعة الأخرى وهو السلاف فقد استقروا في البلقان بعد القرن السادس, والبلغار الذين اشتقوا اسمهم من جماعة من الغزاة تدعى الفينو-تارتار Fino-Tartar هزموهم في البداية ثم تم استيعابهم داخل السلافيين, وأقاموا امبراطوريتين على مرحلتين من أزهى فترات العصور الوسطى: الإمبراطورية البلغارية الأولى التى وصلت ذروتها تحت حكم شيميون Simeon من عام 893 – 927 ميلادية, والإمبراطورية الثانية تحت حكم جون آشن الثانى Asen من 1218 – 1241. أما الصربيون فيعود تاريخهم إلى الوراء لفترة مشابهة من العظمة والقوة بلغت قمتها خلال حكم ستيفان دوشان Dusan من 1331 – 1355 . وخلال العصور الوسطى مر الصربيون واليونانيون والرومانيون والبلغار وبعض الأبلان بتجربة التحول إلى المسيحية من خلال بيزنطة. وهكذا وفي العصور الحديثة أصبح الجميع مثل الروس أعضاء في الكنيسة الأرثوذكسية. وعلى العكس من هؤلاء أصبح الكروات والسلوفينيون كاثوليكط وظلوا مرتبطين على مدى الزمن بالغرب الأوروبى.

أما الكروات فكانت لهم مملكة مستقلة في القرن التاسع انتهت تحت أقدام المجريين في عام 1102 واضطر نبلاؤهم لتوقيع ميثاق مع المجر Conventa Pacta اعترفوا بمقتضاه بأن ملك المجر هو أيضا حاكم مملكة تريونيه Triune الكرواتية وسلوفينيا ودلماشيا مع احتفاظ كل منهم بحق إدارة بلادهم بمعرفتهم. وكان للسلوفينيين أيضاً خلال القرن السابع ولفترة قصيرة دولة مستقلة سرعان ما سقطت تحت حكم الجرمان. وفي القرنين 13-14 كان للألبان أيضاً إمارة مستقلة أو شبه مستقلة على فترات مختلفة.

وعلى عكس دول أوروبا الغربية خلال العصور الوسطى تعرض تاريخ البلقان المتواصل في التطور والتنمية إلى الإنقطاع بسبب الخضوع لحكم خارجي, وكان الغزو العثمانى هو أكبر حدث شكل مستقبل حياة كل شعوب البلقان. وفي هذا الإطار هناك جيش صربي يساعده محاربون من البوسنة والكروات والبلغار والأبان أمام القوات العثمانية. والتاريخ الثانى سقوط القسطنطينية عام 1453 وحتى القرن التاسع عشر عاشت شعوب البلقان تحت حكم أجنبي. ولكن ينبغى التأكيد على أن هذا التاريخ الطويل من الخضوع الذى استغرق حوالي خمسة قرون أعاق إلى حد ما اندماج شعوب البلقان فيما بينها, لكنه لم يؤد أبداً إلى إبادة الوعي القومي, لأن الحكومة العثمانية لم تعمل على استيعاب الشعوب المسيحية في الثقافة التركية (أى تتركيهم) أو القضاء عليهم. ولهذا وعلى الرغم من زوال ممالك البلقان, إلا أن الشخصية القومية ظلت قائمة من خلال الكنيسة واللغة والثقافة الشعبية, وبالتالى لم ينمحي الماضي من الذاكرة. وكما سوف نرى كانت الخطوة الأولى في الأحياء القومي لكل شعوب البلقان العمل على إحياء أمجاد التاريخ القديم أو تاريخ العصور الوسطى لتلك بجهود الكتاب والمؤورخين.

ولقد حاولنا في هذا الكتاب التمسك بفكرة محرر السلسلة التى أوردها في التصدير من حيث تقديم مدخل للموضوع "للباحث غير المتخصص في تاريخ وسط أوروبا, وللطالب الذي يسعى للتخصص في تاريخ تلك المنطقة". وطبقاً للمنهج هذه السلسلة من الدراسات فقد قللنا من الهوامش والإحالات المرجعية إلى أقصى حد ممكن خاصة وأن المراجع التى ناقشناها في البيلوجرافية في نهاية الكتاب مطبوعة باللغة الإنجليزية رغم أننا اعتمدنا بشكل أساسي على مراجع غير إنجليزية اللغة, ولسوف يتضمن المجلد الأخير من هذه السلسلة أطلس تاريخي وقائمة الكتب والمراجع الكاملة بتاريخ تلك المنطقة على مدى العصور.

أما نطق الأسماء والمواقع الجغرافية في هذه الدراسة فقد وجهت مشكلات معينة بسبب تنوع اللغات واختلاف أشكالها وبنيتها في القرن التاسع عشر عن الوقت الحاضر. ولم يكن ممكنا التوافق التام بين زمنين ولكننا اعتمدنا النطق الحديث إلا إذا كان بعض الأسماء والأماكن معرفوة أكثر بنطق آخر. فمثلا استخدمنا اسم القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية العثمانية وليس استانبول لأنها كانت مستخدمة بين أهالي المنطقة خلال القرن التاسع عشر. وبشكل عام استخدمنا نظام مكتبة الكونجرس الأمريكية في نقل الأسماء البلغارية واليونانية والصربية إلى اللغة الإنجليزية مع بعض التعديل. أما الأسماء الألبانية والرومانية والتركية فقد كتبناها وفقا لشكلها القومي ما لم تكن معروفة بشكل أفضل في الإنجليزية عن أي نطق آخر. وفي وقت ما كانت هناك أسماء مختلفة لأسماء معينة مثل بيتولا Bitola بدلا من دورازو Durazzo, والتى تعني ولاية موناستير. كما قمنا بنجلزة الأسم الأول عادة ولكن ليس بشكل دائم, ونحن نعترفبأن البعض قد لا يتفق معنا في هذا الرأي الذي انتهينا إليه في نطق الأسماء لكننا حاولنا استخدام الأشكال المفهومة فعلا لقراء الإنجليزية والأكثر شيوعاً في الإستعمال.

ونحن مدينون بشكل كبير لأصدقائنا ولزملائنا الذين رضوا عن طيب خاطر قراءة مخطوطة هذا الكتاب قبل طبعه, ونشعر بالفضل الكبير لتعليقاتهم وانتقاداتهم لبعض الأفكار المعقدة والتي هي محل دل كبير بين الباحثين. ولقد قرأ المخطوطة كلها أو قسماً كبيراً منها كل من الأساتذة: كيث هيتشنز Keith Hitchins بجامعة اللينوي, وجون لامب Lampe بجامعة ماريلاند, وجون بتروبولوس Petropulos بكلية آمهرست Amherst, وماريني بونديف Pundeff بجامعة ولاية كاليفورنيافي نورثريدج Northridge, وترايان ستويانوفيتش Traian Stoianovich بجامعة روتجرز, ووين فوكينيتش Wayn S. Vucinich بجامعة ستانفورد, والأستاذ رودريك دافيسون بجامعة جورج واشنطن, والأستاذ ستانفورد شو بجامعة كاليفورنيا-لوس آنجلوس الذي قرأ الأجزاء الخاصة بالإمبراطورية العثمانية, والأستاذ ستافرو سكيندي Stvro Skendi بجامعة كولومبيا اذلي علق على الفصل الخاص بألبانيا, والأستاذان ويليز بارنستون Willis Barnstone, وآنتيه كاديتش Ante Kadic بجامعة آنديانا اللذان قدما مساعدة لها أهميتها في الفصل الخاص بالثقافة.

كما نود أن نعرب عن مشاعر تقديرنا للاستاذ مايكل بتروفيتش Petrovich بجامعة ويسكونسن لسماحه لنا بالإطلاع على مخطوطة دراسته الرائعة "تاريخ الصرب الحديث 1804-1918" :A History of Modern Serbia 1804-1918, New York Harcourt Brace Jovanich, 1976 قبل أن تنشر في مجلدين. كما نقدر بالغ التقدير الإقتراحات القيمة التى قدمها كل من الأستاذين بيتر شوجر Sugar, ودونالد تريدجولد Treadgold محررا هذه السلسلة. كما نرغب في تقديم الشكر لزميلنا نورمان باوندز Pounds الذي أعد الخرائط للطبع, وجون هوللينجزورث Hollingsworth الذي جهزها له, ونانسي فيل Weil التي أعدت فهرس الأعلام.

وأخيراً قرأ ولدينا مارك وبيتر ييلافيتش المخطوطة كاملة وقدما إسهامات مهمة.

تشارلز ييلافيتش

باربرا ييلافيتش

الفصل الأول: البلقان العثماني

الأحوال العامة

في مطلع القرن التاسع عشر كان الجانب الأكبر من أراضي البلقان يشكل جزء من الإمبراطورية العثمانية التى امتدت إلى بلاد كثيرة في آسيا وأفريقيا وأوروبا. وكانت تلك الإمبراطورية بهذه التوسعات تحتل موقعا استراتيجياً جعل مصيرها أمراً حيوياً يشغل بال كل القوى الكبرى. والحال كذلك كانت الحكومة العثمانية تسيطر على شعوب مسيحية تعيش في شبه جزيرة البلقان بلغ عددها حوالي تسعة ملايين نسمة في بلاد بلغت مساحتها حوالي 238000 ميلاً مربعاً, وخضعت لنظام فريد في نوعه يتعامل معها حسب المعتقد الديني.

كانت منطقة البلقان تنقسم إلى خمسة أقاليم هي روميليا, والبوسنة, وسيلستريا, والجزر (أى البلوبونيز واليونان), وكريت, ثم أصبحت تسعة أقسام فرعية: روميليا, والبوسنة, وبلجراد, وسكورد (سكوتاري), ويانينا, الجبل الأسود, والمورة (البلوبونيز), وكانديا (كريت), والأرخبيل. ثم ألحقت بالأمبراطورية مناطق معينة تمتعت بحكم ذاتي ذي صلاحيات واسعة مثل ولاشيا وملدافيا (تعرف بإمارتي الدانوب أو الأقاليم الرومانية) وبعض الجزر اليونانية. ولقد شهدت مناطق الحكم الذاتي تلك تغيرات كثيرة في القرن التاسع عشر فقد امتلأ كل قسم منها بالموظفين العثمانيين الذين كانت تعينهم الآستانة من لدنها, وكل رئيس إدارة في كل قسم يعاونه ديوان يضم مساعدين وموظفين رسميين آخرون بما فيهم القضاة, وجامعوا الضرائب, والشرطة, وضباط الجيش. وكانت مهمتهم الأساسية تتلخص في الدفاع عن الإمبراطورية, وجمع الضرائب, وحفظ النظام العام, ورعاية أحوال المسلمين. وكان بكل مدينة ومركز وقرية موظفون من هذا النوع.

ورغم أن الإدارة العثمانية كانت تمارس نفوذاً مباشراً بدرجة كبيرة على شعوب البلقان, إلا أن الجاليات المسييحية كانت تتمتع بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي من خلال الكنيسة والحكومة المحلية التى اعترف بها العثمانيون الغزاة. ولما كان العثمانيون يعتبرون أنفسهم مسلمون في المقام الأول فقد كانوا يفضلون تنظيم إمبراطوريتهم على أساس المعتقد الديني لرعاياهم. وعلى هذا أقاموا أربع وحدات إدارية كبرى عرفت باسم "الملل" لكل من الأرثوذكس, والأرمن الجريجوريون, والروم الكاثوليك, واليهود. كما كانت هناك ملة للمسلمين, وتنظيم للبروتستنت تم الاعتراف به في منتصف القرن التاسع عشر. ورغم أن هناك معتقدات دينية أخرى تسامح معها العثمانيون, إلا أن المسيحية واليهودية بصفة خاصة كانتا سواء عند العثمانيين بكل المعاني. غير أنه كان بإمكان أي فرد من الرعايا أن يلحق يركب الإدارة والحكم, أو يتولى أعلى الوظائف الإدارية أو العسكرية متى كان مسلماً. ورغم أنه لم تبذل جهود حقيقية من قبل العثمانيين لتحويل شعوب البلقان إلى الإسلام أو تحويلهم عن عقائدهم, إلا أن الأسلام انتشر في مناطق معينة وخاصة في البوسنة والهرسك وكريت وألبانيا وأجزاء من مرتفعات رودوبيه Rhodope, ومن هنا تمتع سكان تلك المناطق بالمميزات التى حفظتها لهم عقيدتهم.

وعلى هذا بقي معظم سكان البلقان مرتبطين بكنيستهم وبالتالي أصبحوا منتمين إلى طائفة "ملة" الأرثوذكس, ووقعوا قضائياً تحت ولاية بطريرك الآستانة الذي اعتبر موظفاً لدى الحكومة العثمانية. وكان البطريرك وإدارته ينوبون عن الأرثوذكس في التعامل مع السلطات الأسلامية ويتكلمون باسمهم. وفي الوقت نفسه لهم ولاية شرعية (قانونية) على كل ما يخصهم من الأمور القانوينة والأخلاقية. وقد تمثل التأثير الرئيسي العام لنظام الملل في المحافظة على التقسيمات القومية التي كانت قائمة قبل الغزو العثماني وعلى الخصوصيات المحلية. وخلال أغلب فترات العصر العثماني تم تقسيم الإدارة العليا في الكنيسة على أساس القوميات. فاليونانيون مثلاً كانول أكثر انتشاراً في الآستانة حيث كان البطريرك يمثل أعلى مرتبة رسمية إكليروسية في العالم الأرثوذكسي على حين كان الصرب يتوجهون لبرطريركيتهم في بيش Pec, والبلغار لأسقفيتهم في أوهريد Ohrid وهم من الأرثوذكس. ورغم هذا الانفصال استطاعت الكنيسة الأثوذكسية أن تصون بشكل عام روح الوحدة المسيحية ضد الإسلام. وقد علمهم الإيمان فقدوا حريتهم بسبب خطاياهم ولكن يوم الخلاص قد يأتي عندما تنتصر كنيستهم.

وبالإضافة إلى "نظام الملة" كان لمسيحي البلقان كثيراً من السيطرة على شؤونهم الخاصة على المستوى المحلي. ورغم تنوع الأحوال بشكل واسع في انحاء البلقان, إلا أن الفلاحين تمتعوا بدرجة من الخصوصية الذاتية تحت حكم نبلائهم الذين كانوا يعرفون باسم "الشوربجية" في بلغاريا. وهؤلاء الرجال (النبلاء) كانوا إما ينتخبون أو يعينون من بين أعضاء الجالية الأكثر ثروة وقدرة على القيادة والذين كونوا ثروتهم من الزراعة والتجارة أو جمع الخراج. وعلى وجه الإجمال كانوا ينوبون عن قراهم أمام الإدارة الإسلامية في الإقليم, وكانوا مسئولون أمامها عن جمع الضرائب والمحافظة على القانون والنظام. كما كانوا شأن رجال الكنيسة جزء من لاحياة السياسية العثمانية. كما يلاحظ أن بعض المناطق مثل البلوبونيز تمعت بقدر ملحوظ من الحكم الذاتي, والبعض الآخر مثل بلاد البلغار كانت تشعر بثقل الحكم العثامني بدرجة أقوى.

ومع تلك السلطات السياسية المنفصلة كان المسيحيون يخضعون لثلاثة أنظمة قانوينة في مقدمتها الشريعة الإسلامية التى تطبق على كل المسلمين وعلى الأمور التي يشترك فيها مسيحيون ومسلمون. والنظام الثاني تمثل في القانون الكنسي للملة الذي ينظم على وجه الخصوص المسائل التي تتعلق بالأسرة مثل الزواج والأخلاق العامة. والنظام الثالث يتمثل في الأعراف المحلية التي تسود في بعض التجمعات وكان هذا يعني أن المصالح الدنيوية للناس كانت تفرض نفسها على تعاليم الكنيسة وتتقدم عليها.

ولقد مكنت ظروف حياة التجمعات المحلية القائمة في البلقان الأهالي من المحافظة على التقسيمات القومية فيما بينهم على الأقل بشكل كامن. فمن ناحية أدى نجاح العثمانيين في القضاء على دويلات البلقان التي كانت قائمة وعلى طبقاتها الحاكمة إلى أن المسيحي أصبح يميل في تعريف نفسه بأسرته وبقريته وبكنسيته ويعطي لهم ولاءه في المقام الأول. ومن ناحية أخرى لم تحاول الدولة العثمانية من جانبها أن تقضي على العناصر الكثيرة والمتنوعة في البلقان أو تعمل على توحيدها بل تركتها كما هي ربما طالبا للتوازن. كما لو تبذل الدولة أية محاولات قبل القرن التاسع عشر لوضع أسس قانوينة أو سياسية أو ثقافية لمواطنة عثمانية عامة تشمل كل تلك العناصر التمنوعة التى تحكمها, بل على العكس تم تقوية الخصوصيات المحلية والقومية بقدر متزايد, ففي بعض الأماكن والقرى عاش المسلمون والصرب والبلغار واليونانيون جنباً إلى جنب قروناً طويلة دون أن تختلط ثقافتهم وشخصياتهم أو تمتزج إلا قليلاً في بعض الأحيان. وفي المدن كانت مجموعة سكانية تعيش في الحي الخاص بها أي "الحارة". وعلى هذا فعندما حاولت الحكومة العثمانية في القرن التاسع عشر تطبيق مبادئ نظام الدولة الحديثة كما هو في أوروبا فشلت المحاولة لأن الإمبراطورية العثمانية وعلى مدى أربعة قرون خلت كانت قد نظمت على أسس مختلفة تماماً عن الأسس الأوروبية.

وعلى الرغم من ميل شعوب البلقان أنفسهم إلى أن يعيش كل منهم على حده ليحتفظ بخصوصياته فمن المؤكد أ، القسم الأكبر منهم كان يعيش بين امتيازات الأقلية المسلمة والأغلبية المسيحية الأرثوذكسيية. وعندما بدأت الإمبراطورية العثمانية في التدهور والإحتضار كان المسلمون شأن المسيحيين يقاسون غالباً من فساد الحكم ولو أن المسلمين كانوا يتمتعون ببعض الميزات الأساسية في المحاكم مثلا وبضرائب أقل وبمكانة متفوقة معترف بها, بينما كان المسيحيون في غاية القلق على وضعهم المختلف عن المسلمين. ومع ذلك يصعب تعميم الأحكام نظرا لاختلاف الأوضاع اختلافاً كبيراً بين منطقة وأخرى في البلقان . . فالمسيحيون كانوا يلاحظون - وهو أمر مفترض - وجود بعض المحرمات عليهم أو الممنوعات التي جرحت كبريائهم الشخصي وأضرت بمصالحهم المادية, فمثلا لم يكن الواحد منهم يستطيع من ناحية المبدأ أن يحمل سلاحاً أو يرتدي ملابس ملفتة للنظر أو غالية الثمن أو خضراء اللون وهو اللون الذي له قداسته أو حرمته عند المسلمين. وكان على المسيحي أن يترجل عن صهوة جواده إذا ما مر به مسلم, ولا ينبغي أن تكون منازل المسيحيين أكثر فخامة من منازل جيرانهم المسلمين أو تعلوها, ولا ينبغي أن تعلق الكنائس أجراساً أو أن تزود بالقباب, ولا ينبغي أن تبنى كنائس جديدة ولكن يمكن إصلاح القديم منها. ورغم حقيقة أن كثيراً من هذه الإجراءات لم تعد تفرض بحلول القرن التاسع عشر إلا أن المسيحيين ظلوا في وضع أدنى بشكل واضح ومعترف به وربما كان هذا الملمح من حكم العثمانيين أكثر ما كان يضايق رعاياهم المسيحيين, كما كان سبباً لامتعاضهم واستيائهم دوماً.

ويضاف إلى هذا أن الضرائب التي كان على الفلاح المسيحي في البلقان أن يدفعها جعلته يندب حظه. ومما زاد من صعوبات الحياة أن الإمبراطورية بحلول القرن التاسع عشر لم تكن منتعشة اقتصادياً ولم تكن تتوفر فيها الشروط الصحية اللازمة للتنمية. ورغم أن المسيحي لم يكن مطلوباً للتجنيد بل لم يكن مسموحاً له بذلك, إلا أنه كان عليه أن يدفع ضرائب لإعانة القوات العسكرية والضرائب الأخرى التي يتطلبها تسيير دفة أمور الدولة. وعلى هذا كان على الفلاح المسيحي أن يدفع ضرائب على تنتجه أرضه, وما يصنعه في منزله, وعلى ممتلكاته الخاصة, فضلاً عن ضريبة رأس مقابل إعفائه من الخدمة العسكرية المفروضة على المسلم, وهذا يعنى أن تلك الضريبة الرئيسية لم تكن تفرض على المسلمين. كما كان المسيحي شأن جميع رعايا الإمبراطورية يخضع لواجبات أخرى إضافية يتعين عليه القيام بها مثل العمل في شق الطرق والأشغال العامة وتوفير ما يطلب منه من جياد وثيران وعربات, وبطبيعة الحال لم يكن سعيداً بتلك الأعباء التي كان على الفلاح أن وقت الحرب. فإذا ما وضعنا في الإعتبار الضرائب الأخرى التي كان على الفلاح أن يدفعها عيناً أو عملا (سخرة) مقابل انتفاعه بالأرض التي يفلحها أدركنا ثقل مشكلة الضرائب بالنسبة له.

وكانت الطرق المتبعة في تحصيل الضرائب سيئة تزيد من عبئ دفعها, وهي مشكلة كان الفلاح المسلم يواجهها أيضاً بطبيعة الحال. وكانت الحكومة تحصل الضرائب بواسطة الملتزمين الذي يأخذ الواحد منهم حق جمعها من خلال مزاد يجرى سنوياً لهذا الغرض. ولم يكن هذا الموظف الرسمي (الملتزم) الذي قد يكون مسيحياً أو مسلماً يعنيه في كثير أو قليل مصلحة الفلاح أن حتى مصلحة الحكومة بقدر ما كان يعنيه في المقام الأول الحصول على أعلى الأرباح من عمله. وكان من شأن هذا العمل أن يحقق لصاحبه ثروة ضخممممة لكن نتائجه على الفلاح كانت وخيمة. على أن عبء الضرائب غير المحتمل فضلاً عما كان الفلاح أ، يدفعه مقابل انتفاعهع بالأرض كما سبقت الإشارة كان أحد الأسباب الرئيسية لثورة الفلاح في الإمبراطورية. ورغم أن كلا من المسلم والمسيحي كان يقاسى من فساد النظام المالي للإمبراطورية وظلمه وعدم عدالته, إلا أن المسيحي كان يتحمل العبء الأكبر من الضرائب فضلاً عن ضآلة فرصته في الدفاع عن حقوقه في مواجهة الشرطة أو في ساحة المحاكم.

ومن الطريف أن نذكر أنه رغم سوء الظروف الشخصية والمالية التي كان المسيحيون يعملون في ظلها, إلا أنهم كانوا أكثر صحة من المسلمين بشكل عام. ففي نهاية القرن الثامن عشضر دخل المسلمون في حالة من التدهور النسبي اقتصادياً وأخلاقياً, وهناك عدة تفسيرات وشروح لهذا التطور في مقدمتها أن قصر الخدمة العسكرية على المسلمين فقط أسهم في ضعفهم على مدى الزمن, كما أن تركزهم في المدن جعلهم أكثر تأثراً بالتدمير والخراب الذي تحدثه الأوبئة والطواعين, كما أن العادات التركية وخاصة فيما يتعلق بتعدد الزوجات لعبت دوراً في هذا. والحق أن عوامل ذلك التدهور والإنحلال كانت قد تبلورت في القرن الثامن عشر وبدا مظهرها في التغير الديموجرافي في مدن البلقان حيث كان المسيحيون أكثر عدداً بالنسبة لسائر السكان.

أما فيما يتعلق بحياة المسيحي البلقاني العادي تحت الحكم العثماني فمن الصعب تعميم الأحكام بشأنها وذلك نظراً لاختلاف الظروف وتنوعها من مكان لآخر في البلقان. ولكن يمكن القول أن أغلبية المسيحيين كانوا من الفلاحين الذين ينتجون المواد الغذائية, ويتحملون الجانب الأكبر من تمويل خزينة ضرائب الإمبراطورية, وتعتمد الأوضاع التي يعيش في ظلها أي منهم بشكل كبير على المكان الذي يعيش فيه من حيث مدى قربه أو بعده من أدوات الحكم المسئولة عن الرقابة. ولتوضيح ذلك ففي الأماكن البعيدة نسبياً وخاصة في المناطق الجبلية الأقل جاذبية للإقامة فقد يتمتع الفرد بوضع مستقل نسبياً سواء كان راعياً للغنم أو فلاحاً يزرع أرضه الخاصة. وعلى النقيض من ذلك وحيث تكون الأرض خصوبة كما هو الحال في وادي مارتيزا Maritsa وتسالياً والبوسنة, فإن الفلاح كان يزرع الأرض بنظام المشاركة سواء كان صاحبها مسلم أو مسيحي. أما في مولدافيا وولاشيا فإن ملكية الأرض كانت تقتصر على المسيحيين الأرثوذكس, وقد يملك الفلاح حسب مقتضى الحال منزله وحديقته ولكن كان عليه أن يتنازل عن نسبة 10% - 50% من محصول الأرض التي يزرعها. وكان يخضع أيضاً لالتزامات لا حصر لها, عينية أو سخرة للإقطاعي سيد الأرض تضاف بطبيعة الحال إلى الضرائب المفروضة عليه من قبل الحكومة العثمانية.

والحقيقة أن أساليب الزراعة في البلقان العثماني كانت بدائية للغاية فبينما كانت أوروبا الغربية قد تخلت عن أوضاع العصور الوسطى قبل ذلك بمدة طويلة كان الفلاح البلقاني ما يزال يعتمد على نظام الدورة الزراعية الثلاثية, وعلى المحراث الخشبي الذي يجره ثور أو بقرة, وأرضه قد تتكون من قطع صغيرة المساحة متناثرة هنا وهناك على مساحة عريضة وبعيدة عن قريته, ويزرع محاصيل تقليدية مثل القمح والذرة والشعير والذرة العويجة والشليم. وخلال القرن الثامن عشر بدأ يهتم أكثر بزراعة القمح والقطن باعتبار أنهما من المحاصيل النقدية (محاصيل السوق), كما كان يربي الخيول والماشية والغنم والخنازير.

كان فلاح البلقان ينتج ما يحتاجه للاستهلاك, ولتوريد ما يطلبه أصحاب الأرض, وما تطلبه الحكومة أيضاً عيناً نظراً لقلة أهمية النقود في التعامل آنذاك. كما كان يصنع في بيته احتياجات أهل بيته من الملابس وكذا أدوات الزراعة اللازمة ويخزن بعض أنواع الطعغام القابلة للتخزين. ويعيش في منزل بسيط للغاية من الطين والحجر والخشب أو من القرميد (الطوب), ويتكون من غرفتين, والأثاث غاية في البساطة وعبارة عن مائدة صغيرة لتناول الطعام (تشبه الطبلية في مصر – المترجم) وحولها مقاعد منخفضة دون مساند (تشبه كرسي مطبخ أو كرسي حمام في مصر – المترجم), ومصطبة عليها بطاطين لزوم النوم, وموقد نار (يشبه الكانون في مصر – المترجم) في الغرفة الرئيسية لإعداد الطعام في أوعية من الصلصال وأطباق من الخشب. أما إذا كان صاحب المنزل غنياً ويعيش في قرية أهلها أغنياء فإن أثاث منزله يكون متكاملاً إلى حد ما حيث تفرش الأرض بالفراء أو السجاد الفاخر المزركش, والخدمات تكون مطرزة, ويزدان بالبشاكير والستائر التي تضفي عليه بهجة. وفي كل الأحوال فإن ملابس أسرة الفلاح تتوقف على مدى ثروة الإقليم ورخائه وعلى ظروف الأسرة نفسها حيث تتراوح بين أبسط مظهر يكاد يفي بالغرض إلى أفخم الملابس الشعبية وأجملها.

كانت معظم منازل الفلاحين ملتصقة بعضها ببعض في شكل عنقودي تكون قرى صغيرة وكفور تحيط بها الحقول التي يزرعها الأهالي. وفي هذا الإطار كان الفلاح يخضع لنموذج من التقاليد شديد المحافظة فضلاً عن الكنيسة التي تمثل مركزاً للمجتمع السكاني. ومع هذا كان من الطبيعي ا، توجد فروق اجتماعية محددة في هذا المجتمع الزراعي الشاكل فالفلاح الذي يحوز أرضاً جيدة كان على ثراء مفرط, والذي يزرع أرضه بنظام المشاركة على المحصول أو استخدام عمالة مؤجرة يكون دخله أقل. أما في المدن فكان لكل طائفة مقراً معيناً يجتمعون فيه ويديرون شؤونهم من خلاله مثل طائفة القساوسة والتجار والحرفيين والمدرسين بل والنبلاء. ويلاحظ أن القساوسة والنبلاء وهم قيادة المجتمع ارتضت تلك الأوضاع تحت الحكم العثماني التي اعتادت أن تعيش في ظلها على مدى قرون ومن ثم نراها تقاوم التغيير حفاظاً على وضعها المتميز بين الأهالي وخاصة الكنيسة التي لم تكن ترحب بالحركات التي تدعو للثورة وتعد الأهالي بتحويل مجتمع البلقان إلى النمط الغربي والأسلوب العلماني.

ورغم الفقر المدقع والتخلف الواضح للبلقان تحت الحكم العثماني إلا أن الحياة لم تكن قائمة أو رتيبة وملولة, فالكنيسة كانت تقدم وجهة نظر أساسية للحياة امتزجت ببعض الخرافات والتقاليد الشعبية التي شرحت وفسرت مكانة كل إنسان في دنيا الحياة العريضة. ولقد تولت هذه المؤسسة رعاية طويلة من الأعياد الدينية كسرت رتابة الحياة الريفية, كما أن كل جماعة من الجماعات كانت لها قصصها الشعبية المتواترة, وأغانيها التي ترددها في المناسبات على إياقع الرقصات المشتركة, وكانت الرابطة العائلية بين الفلاحين تعطي الأمان لأفرادها في وقت الخطر ومنها يستمد الفرد وضعه داخل الجماعة.

وإذا كانت قرى البلقان معروفة بأنها مجتمعات فلاحية وريفية بدائية فإن المدن كانت مقراً للسلطات الإدارية والعسكرية ومراكز تجارية وحرفية. وكانت المدن الكبيرة تقع على الطرق الرئيسية المؤدية إلى أوروبا حيث توفر ما تحتاجه الحرب والتجارة حسب مقتضى الحال وأهمها ما يقع على طريق استانبول-ادريانوبل-بلوفديف Plovdiv –صوفيا-نيش-بلجراد. كما كانت موانئ فارنا وتسالونيكا على البحر, وفيدين Vidin وروزيه Ruse على النهر تمثل أهمية موازية لأهمية تلك المدن, كما كانت بعض المدن مثل سراييفو وساموكوف Samokov مراكز إدارية كبرى.

ويلاحظ أن المنشآت العامة العثمانية كانت من الحجر عادة وتعطي المظهر العام النمطي للمدن البلقانية مثل المساجد بمآذنها والخانات والنافورات والحمامات والأسواق المسقوفة, وكذلك القناطر والمقابر والقلاع. وعلى العكس كانت المباني المسيحية بسيطة ومتواضعة بالضرورة إذ فرضت قيود عثمانية على الشكل المعماري للكنيسة وكذا بيوت المسيحيين. ولكن في بعض المدن مثل بلوديف وتسالونيكا كان بمقدور التجار الأثرياء خلال القرن التاسع عشر أن يشيدوا منازل رائعة ويمكن ملاحظتها بسهول لندرتها.

ولما كانت المدن الرئيسية مراكز إدارية وعسكرية عثمانية فقد اكتظت بعدد كبير من المسلمين والأتراك. وكما هو حال قرى الريف كانت كل مدينة تنقسم إلى محلات (أحياء) على أسس دينية وقومية, وكل حرفة تنظمها طائفة. وهذه الطوائف التي كونها الحرفيون والتجار لعبت دوراً رئيسياً في حياة المدن. وكانت مهمة طوائف الحرف التي قد تكون من المسلمين فقط أو من المسيحيين أو من الأثنين معاً مراقبة جودة الأصناف والتحكم في كمية الإنتاج وسعر كل صنف. كما يلاحظ ارتباط بعض المهن أو الحرف تقليدياً بعناصر معينة قومية أو دينية فمثلاً اختص المسلمون بالحرف المعدنية والجلدية.

وبالإضافة إلى التفريق بين المسلمين والمسيحيين في مدن وقرى البلقان نمت تقسيمات مماثلة بين الأهالي المسيحيين أنفسهم. ففي إطار النظام العثماني وفدت مجموعات مسيحية معينة أصبح لها وضعاً ممتازاً بين الشرائح الحاكمة ومنهم اليونانيون الذين كانوا مع نهاية القرن الثامن عشر يتمتعون بأفضل مكانة بين شعوب البلقان. ففي بلاد اليونان كانت الطوائف المحلية تدبر شؤونها الخاصة رغم حروب الفترة وكان للخارجين على القانون شأناً فضلاً عن القوة والثروة التي كان يتمتع بها التجار اليونانيون والموظفون. ولأن منصب البطريركية الأرثوذكسية في استانبول كان بيد اليونانيون أساساً, فكان باستطاعة ذوي النفوذ من اليونانيون أن يتفوقوا في المجالات الثقافية والدينية في البلقان خاصة وأن الكنيسة كما سبقت الإشارة كانت تمثل السلطة الحكومية الرئيسية على المسيحيين تحت الحكم العثماني. والأكثر أهمية التعاون الذي حدث بين البطريرك والباب العالي في موضوع إلغاء الأبرشية الصربية في بيش Pec عام 1766, والأسقفية البلغارية في أوهريد في العام التالي. وعلى هذا أصبحت الوحدات الكنيسة الصربية والبلغارية تحت سيطرة وإشراف بطريرك استانبول وموظفيه اليونانيون. مع نهاية القرن الثامن عشر كان البطريرك يرعى شؤون حوالي ثمانية مليون مسيحياً يمثلون ربع سكان الإمبراطورية آنذاك.

وكان من الطبيعي أن يقاوم السلافيون والرومانيون هيمنة الكنيسة الأرثوذكسية على ذلك النحو فقد رأوا في السيطرة اليونانية علامة قهر وخنق لحقوقهم القومية. وكان تحقيق حلم التحرير القومي بالنسبة لكثيرين منهم يعني التخلص من هيمنة الكنيسة اليونانية ومن سيطرة الإمبراطورية العثمانية. وأكثر من هذا كانت الوظائف الكنسية وكذا وظائف الأبروشية تحت الهيمنة اليونانية والعثمانية تزداد فساداً فقد كانت الوظائف العليا منها شأن وظائف الحكومة العثمانية تباع لأنها كانت تضفي ثروة عظيمة على من يتولونها. وعلى الرغم من أن رجل الكنيسة كان يمثل المسيحيين المقهورين إلا أنه كانت له مصلحة في المحافظة على الحالة القائمة وهنا كانت تكمن المفارقة.

والحقيقة أن اليونانيون لم يكونوا يهيمنون على الكنيسة الأرثوذكسية فقط بل لقد كانوا بحلول القرن الثامن عشر يقومون بنشاط ملحوظ في الإدارة العثمانية, فقد كانوا أفضل المسيحيين تعليماً, وكانت براعتهم في اللغات وهي موهبة محل تقدير المسئولين العثمانيين منحتهم ميزات خاصة, وبفضل قدراتهم وطموحهم كان بإمكانهم تولي مراكز مهمة في أنحاء الإمبراطورية. وعلى هذا النحو وبحلول القرن التاسع عشر كان اليونانيون يحتكرون ثلاثة وظائف إمارتي الدانوب (مدير إقليم). وكانت تلك الوظائف تدار بقدر كبير من الفساد وبعضها مثل الخوسبدارية كانت تستخدم وسيلة للهيمنة اليونانية سياسياً وثقافياً. وقد عرف هؤلاء اليونانيون الذين تولوا وظائف في الإدارة العثمانية باسم "الفناريون" نسبة إلى "حي الفنار" باستانبول الذي كانت تعيش فيه عائلات كثيرة منهم.

وبالإضافة إلى تلك الوظائف الثلاثة كان اليونانيون ومعهم اليهود الأرمن يتولون الوظائف التجارية الرئيسية في الإمبراطورية. ولأن التجار كانت لديهم فرصة السفر والتعلم تعليماً عالياً فقد وقع عليهم عبء قيادة الحركة القومية اليونانية. وقد استطاعوا بفضل نشاطهم الديني والسياسي والإقتصادي أن يعقدوا علاقات حميمة مع روسيا بل لقد عمل كثير منهم في خدمة دولة الروس, وأكثر من هذا أنهم حصلوا على حق الإبحار تحت العلم الروسي بمقتضى معاهدة كوتشك قينارجي 1774.

ويلي اليونانيين في المكانة الرومانيون في إمارتي ولاشيا ومولدافيا حيث تمتعوا بوضع خاص في دوائر الدولة العثمانية. ولأنهم كانوا يعيشون بعيداً نسبياً عن العاصمة استانبول فلم تقع إمارتيهم تحت الحكم العثماني مباشرة حيث لم تكن بلادهم "باشاوية" عثمانية. وكل ما هنالك أن الحقوق العثمانية في تلك المنطقة تمثلت فقط في احتلال نقاط قوية معينة, وفرض الضريبة, وشغل مناصب الخوسبدارية. ولكن بعد أن قام بطرس الأكبر قيصر روسيا بغزو أراضي رومانيا (الإمارتان) في 1709 بمساعدة بعض أصحاب المزارع هناك تدهور الوضع السياسي لروماتنيا. وعلى هذا قامت الحكومة العثمانية بتعيين خوسبدار على كل إمارة من الإمارتين من الفناريين اليونانيين وليس من الرومانيين أهل الإمارتين. وخلال القرن الثامن عشر أصبحت هذه المناصب مصدراً لقوة الموظفين اليونانيين وثروتهم. وعلى هذا كان من الطبيعي أن تبدأ الحركة الوطنية الرومانية بالعمل ضد السيطرة الثقافية والسياسية لليونانيين.

أما الصربيون والبلغار فقد كانوا يشغلون وظائف أقل ميزة في الإدارة العثمانية وأقل مكانة بالقياس إلى اليونانيين والرومانيين. فالفلاحون عموماً من الشعبين يعيشون تحت ضغط قسوة الفقر, والصربيون يعانون بشدة من حالة الإضطراب الت يسادت نهاية القرن الثامن عشر, والبلغار أشد بؤساً من الصربيين بسبب كثرة الضرائب وأكثر معاناة من الحروب بسبب قرب بلادهم من استانبول على طريق الجيوش العثمانية فضلاً عن أن كنيستهم شأن الصربيين كانت تقع تحت سيطرة اليونانيين في القرن الثامن عشر.

عوامل الثورة

إن معظم الأوضاع التي كانت مثار اعتراض مسيحي البلقان كانت قائمة منذ سيطر العثمانيون على المنطقة وخاصة بعد أن أخذت الدولة في التدهور. ورغم اندلاع عدة تمردات في الماضي بشكل غير منتظم ومتفرق هنا وهناك, إلا أن القرن التاسع عشر كان قرن الثورات الوطنية ففي خلال المدة من 1804 إلى 1878 استطاعت الحركات الوطنية الكبرى أن تحقق قدراً كبيراً من النجاح نتج عنها قيام أربعة دول مستقلة هي: الصرب, واليونان, والجبل الأسود, ورومانيا, وحصلت بلغاريا على حكم ذاتي, واضطر الأبان إلى تنظيم أنفسهم عندما تعرضت بلادهم للتهديد بمعرفة مجموعات وطنية أخرى, وعندئذ طرح سؤال يقول: لماذا أصبحت شعوب البلاقن بعد فترة طويلة من تحمل الحكم العثماني قادرة في فترة قصيرة نسبياً على استعادة السيطرة على مستقبلهما السياسي ومصيرها . . ؟. وحيث أن هذا الكتاب سوف يتعامل مع هذا السؤال فينبغي أن نوجه عناية خاصة للأحوال التاريخية والأوضاع العامة التي كانت قائمة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. ويمكننا أن ناقش تلك الأحوال تحت عنوانين رئيسيين: أولهما تغير الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية, وثانيهما نمو المعارضة الداخلية والخارجية ضد السلطات العثمانية والحكومة العثمانية المركزية.

التغير الإجتماعي والإقتصادي (التأثيرات السياسية والثقافية) بنهاية القرن الثامن عشر كانت شعوب البلقان قد تأثرت تأثراً قوياً بما كان يحدث في أوروبا فقد كان ذلك القرن عصر انتفاضة اقتصادية في بلاد غرب أوروبا ووسطها, وباعث على التنمية بالتقدم التكنولوجي التي كانت الثورة الصناعية وراءه. وآنذاك بدأ طلب الدول الصناعية على المواد الخام في البلقان يزيد وخاصة بالنسبة للقطن والقمح وأيضاً اللحوم والجلود والشمع والحرير والصوف والدخان والخشب ومنتجات أخرى. وقد تزامن مع هذا الطلب تغير في طبيعة ملكية الأراضي الزراعية في البلقان سمح بغنتاج الفائض الضرورى لإمداد السوق الأوروبي بما يحتاجه.

والحاصل أن العثمانيين عندما كانوا يدخلون بلداً وينتصرون على أهله يعتبرونها أرض الله, وبما أن السلطان يعتبر في عرفهم خليفة الله يصبح له حق التصرف في كيفية توزيع الغنائم. والحال كذلك تصبح الأرض "الجديدة" من نصيب السباهية (الفرسان) الذين لهم فضل تحقيق الإنتصارات العسكرية, حيث يحصل كل قائد عسكري أو مسئول إداري وغالباً ما يكون مسلماً على قطعة أرض تعرف ب"التيمار", منحة لا تورث. وكان على فلاح التيمار أن يزرع الأرض مقابل الوفاء ببعض الإلتزامات في مقدمتها توريد عشر المحصول (10%) لصاحب التيمار, ودفع الضرائب المقررة, وتقديم بعض الخدمات الإضافية حسب مقتضى الحال. وطالما أن الفلاح يؤدي ما عليه من إلتزامات فإنه يظل يزرع الأرض باستثناء حالات نادرة, فضلاً عن أنه لم يكن مرتبطأً بالأرض بصفة قانونية شأن الفلاح في النظام الإقطاعي.

ولقد ظل التيمار قائماً كوسيلة إقتصادية للقوة العسكرية العثمانية إلى أن بدأ استخدام البارود في الحروب وأصبح العسكري المشاة ببندقيته أكثر كفاءة في المعارك من الفارس (السباهي), وعلى هذا أصبحت فوق الإنكشارية (المشاة) السلاح الرئيسي للدولة الذين يتم تجنيدهم أصلاً من بين المسيحيين بنظام الدفشرمة. وكان هؤلاء المجندون الذين يتم تحويلهم إلى الإسلام يضاهون أفضل القوات العسكرية في اوروبا. ورغم أن المشاة قد أصبحوا أكثر أهمية عسكرياً من السباهية إلا أن الدولة ظلت تحتفظ بنظام التيمار (الإقطاع) كمصدر للمواد الغذائية والإمدادات العسكرية والضرائب لإعانة الدولة في حروبها. ورغم إلغاء هذا النظام في عام 1831 إلا أن نظاماً جديداً إقطاعياً حل محله وساد المنطقة ألا وهو نظام الجفلك.

وفي ظل نظام التيمار كانت الأعباء المفروضة على استخدام الأرض محدودة وكذا الواجبات المفروضة على زراعها والخدمات المطلوبة منه. وكان بمقدور بعض أفراد معينيين حيازة أرض واسعة المساحة بطرق غير قانوينة وبشروط قريبة عملياً من شروط ملكية الأراضي في مجتمعات أخرى بما فيه ذلك حق التوريث. والحاصل أن أرض التيمار تحولت إلى أرض جفلك من خلال عمليات مختلفة . . فمالك الجفلك قد يحوز أراضيه بالإستيلاء على عقود الإيجار من مختلف الفلاحين, وقد يكون ملتزماً (جامع ضرائب) ويستغل وظيفته لإكتساب أراضي. وقد يستخدم عناصر مرتزقة يرهب بها الفلاحين فيأخذ حيازتهم. وكانت الميزة الكبيرة لنظام الجفلك هذا بصرف النظر عن طريقة ملكيته إمكانية التكيف مع طريقة الزراعة الرأسمالية, ومن ثم إمكانية مواجهة الطلب الأوروبي المتزايد على المواد الغذائية والمواد الخام من بلاد البلقان .

ولقد جلب هذا التطور في نظام الأراضي من التيمار إلى الجلفك معه تغيرات اجتماعية وسياسية جوهرية وتحول في ميزان القوة بين الحكومة العثمانية وبين الولايات. ولعل أبرز هذه التحولات ذات المغزى صعود قيادات مسلمة محلية عرفوا بالأعيان إلى صفوف النخبة السياسية. والأعيان هم المقابل التام للنبلاء المسيحيين واستندت قوتهم على الثروة الإقتصادية الناتجة من ملكية الأرض أو التجارة, وعلى العلاقة بالحكومة المركزية, فقد كان الواحد من الأعيان شأن النبلاء المسيحيين يعمل وكيلاً للإدارة المركزية في محل إقامته حيث يتولى بعض المسئوليات مثل جمع الضرائب والإشراف على نظام الأرض والمحافظة على الأمن. وعندما ضعفت الحكومة المركزية بسبب كوارث حروب القرن الثامن عشر كان الأعيان قادرون على زيادة استقلالهم في قراهم. وقد زاد من قوتهم أنهم جمعوا قوات خاصة لهم وصل عددها في بعض الأحيان إلى آلاف من الخدم والأتباع استخدموها هذه ضد منافسيهم, وكذا ضد الحكومة, ولإبقاء فلاحي الجفلك تحت السيطرة.

على أن تغير الأحوال الإقتصادية لم يفد فقط الأعيان بل لقد أفاد أيضاً التجار المسيحيين, ففي القرن الثامن عشر كانت تجارة لنقل البري في انحاء الإمبراطورية في يد الأرثوذكس, وكانت التجارة البحرية في دي اليونانيين واليهود وقد شاركهم في فوائد كل من الصربيين والبلغار والفلاحين ***Vlachs . وكان هؤلاء يعيدون استثمار ثروتهم من التجارة في مشروعات تجارية أخرى أو تودع في البنوك أو تستخدم في الإقراض الربوي حسب مقتضى أحوال الإمبراطورية. ويلاحظ أن التجارة مع أوروبا وفرت ثروات متساوية لكل من التجار المسيحيين والأعيان المسلمين حيث استخدمت في تمويل العمليات الزراعية وحماية التجارة. وكان كل المسيحيين والمسلمين يريدون نظام تجاري حر ومفتوح بين بلاد الإمبراطورية ويعارضون الإشراف الحكومي على التجارة.

أما الفلاح فقد وجد أحواله تتدهور بسرعة ملحوظة على عكس التجار وأصحاب الإقطاعيات. ففي الجفلك تحول الفلاح إلى مشارك أو منتفع فزادت أعبائه وإلتزماته التي يقدمها تجاه صاحب الأرض زيادة حادة سواء أكانت عملاً (سخرة) أو عيناً (محاصيل). وبدلاً من أن يكون خاضعاً لالتزامات محددة أصبح تحت رحمة صاحب الجفلك الذي يسيطر بدوره على السلطة السياسية في المنطقة, ويستخدم حراس مسلحون لضبط أولئك الذين يعملون في الأرض. ولقد انتشر نظام القرية الجفلك (أو القرية المجفلكة) في بعض أجود الأراضي الزراعية مثل وادي مارتيزا وأجزاء من البوسنة. أما في المناطق الجبلية والبعيدة كانت عائلات الفلاحين تتمتع بقدر أكبر من السيطرة على الأرض وعلى المراعي وإن كانت عائلات الفلاحين تتمتع بقدر أكبر من السيطرة على الأرض وعلى المراعي وإن كانت الضرائب المفروضة عليها أعلى, وحيازتها غير مؤكدة في بعض الأحيان إذ كانوا بدورهم تحت رحمة أولئك الذين بيدهم السلطة السياسية والبوليسية في الأقليم. لقد كان لغضب الفلاحين الذي لا يمكن تجنبه أو تحاشيه عواقب سياسية في الوقت الذي كانت في قوة الحكومة المركزية تتآكل ولهذا سوف تكون مشكلة الأرض وعدم لإستقرار الفلاحين الموضوع الأساسي في الصفحات التالية.

ولأن أصحاب الجفالك كانوا مسلمون غالباً وإن لم يكونوا دائماً كذلك والفلاحون مسيحيون فقد اختلطت مواقف الفلاحين بمشاعر الكراهية الدينية. ولقد كانت الأوضاع السيئة للفلاحين تدفعهم للهروب من الأرض, أو العمل تحت قيادة أحد العسكريين الأقوياء وبهذا زاد عدد العصابات المسيحية المسلحة شأن أتباع الأعيان. وفي الوقت نفسه كانت هناك مجموعات أخرى خارجة على القانون تتمتع بشهرة رومانسية مثل الهايدوكيون Haiduks والكلفتيون Klephts, بل لقد زاد عدد الرجال المسلمون ومسيحيون الذين لديهم الإرادة والسلاح للدخول في معارك.

ولم يتوقف أمر الغضب على الفلاحين فقط بل لقد أصيب أصحاب الحرف في المدن بكثير من الأذى بسبب التطورات الإقتصادية, فلقد أدت زيادة المنتجات الأوروبية المستوردة ذات الجودة العالية والثمن الرخيص إلى الإضرار بمصالح الحرفيين من كل العقائد والقوميات في الوقت الذي فشلت فيه الحكومة العثمانية في اتخاذ إجراءات لحماية المنتجات المحلية. والحقيقة أنه في القرن الثامن عشر تبلورات عملية كانت قد بلغت ذروتها قبل قرن من الزمان ألا وهي أن الإمبراطورية العثمانية أصبحت مصدراً للمواد الخام وسوقاً لمنتجات الغرب وكان من تداعياتها تحطيم الطاقة الصناعية داخل الإمبراطورية.

ورغم أن التجار الأرثوذكس أفادوا كثيراً من تلك الأوضاع إلا أن اتصالاتهم المتزايدة مع بلاد غرب أوروبا ووسطها كان لها تأثير ثوري على عالم البلقان. وبسبب موقع بلاد اليونان الجغرافي ومصالح اليونانيين البحرية كان بعضهم على صلة وثيقة بالتطورات الثقافية في أوروبا. وفي القرن الثامن عشر أيضاً أتيحت فرص مشابهة لشعوب مسيحية أخرى في البلقان كما كان لأفكار التنوير ومبادئ الثورة الفرنسية فيما بعد تأثيرها على موقف بعض الرعايا ليس فقط ضد الحكومة العثمانية بل تجاه كنيستهم أيضاً. ورغم حقيقة أن الكنيسة الرثوذكسية كانت عنصراً أساسياً في المحافظة علفى الوعي بالذات المسيحية إلا أنها كانت أيضاً جزءً من النظام العثماني. ففي الماضي وقفت بشدة ضد النفوذ الغربي وكانت ترى في الكاثوليكية عدوها الرئيسي. وكان من شأن المذاهب الجديدة تقوية المعتقدات القومية لدى زعماء البلقان بل زودتهم بنظرية علمانية سائدة. ولقد قدر للكنيسة الأرثوذكسية وخاصة صغار رجالها أن يقوموا بدور مهم في الحركة الثورية وإن وقعت قيادتها في أيدي آخرين.

وعندما حدث الإحياء الثقافي احتل اليونانيين موقعاً ريادياً فيها, وكان التجار اليونانيين في السابق يرغبون في استثمار جانباً من أرباحهم في إنشاء المدارس حيث أدركوا قيمة إرسال أولاادهم للتعلم في أوروبا, ومن ثم فقد كانوا أول شعوب البلقان في تأسيس نظام التعليم العلماني على النموذج الغربي. ورغم أن سائر شعوب البلقان من العلمانيين أو من الكنسيين هاجموا اليونايين بسبب احتكارهم عملية التعليم, إلا أن المدارس اليونانية أتاحت لكل المسيحيين الفرصة لتوسيع معارفهم عن العالم رغم أن لتعليم كان يتم باليونانية. وهكذا مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر اشتركت شعوب البلقان الأخرى في اليقظة الثقافية القومية التي كان لها مغزى كبير للحركة الثورية في المستقبل. ورغم قلة عدد هؤلاء بشكل ملحوظ ومحدودية تأثيرهم المباشر على مجمل الأحوال إلا أن الباحثين والكتاب ودعاة القومية عبروا عن مصالح قوميتهم, واهتموا اهتماماً بالغاً بلغتهم القومية من تاريخهم كما كانوا على دراية جيدة بالتنوير. ويتعين التعريف بهؤلاء الرجال لأهمية كل منهم في الحركة الوطنية والإيدلوجية القومية فيما بعد.

وفي هذا المقام يأتي آدمانتيوس كورايس Adamantios Koraes, وريجاس فيرايوس Rhigas Pheraios في المقدمة اليونانيين الذين لا نظير لهما. وقد ولد كورايس في 1748 وكتب معظم أعماله وهو في باريس ودخلت مؤلفاته لل{اضي العثمانية. ولأنه كان متعاطفاً مع الملامح العقلية المعادية للكنيسة في حركة التنوير فقد سعى لإحياء التراث الكلاسيكي اليوناني في عقول اليونانيين وكذا الحضارة اليوناينى باعتبارها أصل اليونانيين المحدثين. وقد كان ناقداً متطرفاً للكنيسة الأرثوذكسية, ومن أعماله التي لها مغزاها بالنسبة للمستقبل "المقدمات" التي حررها للكتب اليونانية الكلاسيكية عند إعادة نشرها. وحيث أنه لم يكن يرضى عن لغة اليونانيين المعاصرين له نراه يحاول إيجاد لغة أدبية تتصل بأشكال اليونانية القديمة. وهكذا بدأ الرجل عملية الإنشقاق اللغوي بين لغة الكتابة كاثيريفوزا Katharevousa ولغة الحديث الديموتقية (العامية) لكنها كانت محاولة غير ناجحة. وعلى عكس كواريس الباحث كان ريجاس مهيجاً ثورياً وصحفياً يكتب في المشكلات الحيوية, ولقد في 1757 وسافر كثيراً, وترجم أعمالاً فرنسية إلى العامية اليونانية, واشترك بشكل دائم في مؤمرات كثيرة حتى اعتقلته حكومة النمسا وسلمته إلى السلطات العثمانية التي أعدمته في 1798 بسبب تصرفاته, فأصبح بطلاً يونانياً وشهيداً قومياً وانتشرت كتاباته الثورية بشكل هائل.

وفي الصرب قام الباحثان دوشيتي أوبرادوفيتش Dositej Obradovic, وفوك كارديزتش Vuk Karadzic بجهود مماثلة لما قام به كواريس في بلاد اليونان. وقد ولد أوبرادوفيتش عام 1743 في بانات Banat وقد بدأ حياته راهباً ثم سافر إلى عدة جهات وأصبح على دراية بالفكر الأوروبي. وقد اهتم اهتماماً عميقاً بمسألة اللغة وكان يرغب أن يكون للصرب أدب يكتب بلهجتهم, وهي رغبة نفذها كاراديزتش فيما بعد الذي يعتبر "أب" اللغة الصربية الحديثة. وقد اهتم شأن أوبرادوفيتش بالتراث الثقافي الصربي, وجمع الشعر الشعبي الصربي والقصص, والأكثر أهمية قيامه بتأليف قواعد وقاموس للهجة بلاد الهرسك التي كانت مفضلة لديه وقد أصبحت لغة الكتابة عند الصرب والكروات فيما بعد قريبة للغة الحديث بعكس اليونانية.

أما في ولاشيا ومولدافيا (إمارتا الدانوب-رومانيا) وبلغاريا فقد تأخر ظهور مثل هذه التطورات الثقافية اللغوية بسبب هيمنة اليونانيين على الحياة الثقافية هناك. فقد كانت اليونانية اللغة الرئيسية للثقافة والتعليم في ولاشيا ومولدافيا في القرن الثامن عشر بسبب خضوعهما ليسطرة الأمراء الفنارين (أي اليونانيون) حتى حلت الفرنسية محلها بدرجة ما فيما بعد. ومن خلال الفرنسية تسللت الأفكار الغربية وآدابها أمام تأخر تطور اللغة القومية في البلاد. أما إحياء الثقافة البلغارية فقد حدث فيما بعد وفي هذا الخصوص فإن المؤرخين البلغاريين المعاصرين يشيرون إلى أعمال رائدة لكاتبين بلغاريين وهما" الأب بايزي Paisii والأسقف صوفروني Sofronii من فراتزا Vartsa. ففي 1762 وكان بايزي راهباً في جبل آثور Athos كتب تاريخاً قومياً رائعاً لبلغاريا تم نسخه عدة نسخ فيما بعد وتداولها الناس. أما صوفروني فقد بدأ حياته معلماً مدرسياً في كوتل Kotel ثم انتقل في 1802 إلى بوخارست حيث المناخ أكثر حرية. وعندما أصبح يكتب أعماله باللهجة البلغاريةمن بينها مذكرات "حياة صوفروني" الآثم وآلامه", و"كتاب الأحد" وهو مجموعة مواعظ وعظات.

وهكذا ففي نهاية القرن الثامن عشر حدثت تغيرات إجتماعية وإقتصادية وفكرية في بلاد البلقان لصالح أقسام بعينها من المسيحيين على الأقل تزامن معها وقوع سلسلة من الأحداث هددت بتفكيك الحكومة العثمانية في المركز نفسه أي العاصمة استانبول, إذ تعرض الباب العالي للهجوم من جانبين: الأعيان (المسلمون) بما يملكونه في الريف من نفوذ وقوات خاصة, والقوى الدولية الكبرى التي كانت تواصل ضغطها على الممتلكات العثمانية.

التهديدات الداخلية والخارجية (الأعيان والقوى الكبرى)

الأعيان

ربما جاءت أكبر الأخطار التي تحدت الدولة العثمانية في ذلك الوقت من جانب الأعيان المسلمين في المقام الأول وليس من القوى الأوروبية أو من رعاياها المسيحيين الغاضبين. وبسبب الإضطرابات التي أحدثتها الحروب والغليان الداخلي في البلقان كان الناس في حاجة إلى من يحميهم. وأكثر من هذا ففي بعض الأماكن أصبح الأمراء المحليون زعماء شعبين لأنهم ظهروا بمظهر الذي يحول بين السكان وبين السلطة المركزية العثمانية التي اتسمكت آنذاك بالجشع غير المعقول. ولما عجزت الحكومة عن إخضاع هؤلاء الزعماء للإعتراف بهم وعينتهم في وظائف رسمية, بل لقد اضطر الباب العالي أمام ضغط الأزمات المدنية والعسكرية إلى استخدام القوات غير النظامية بل والعصابات المحلية حين ضعفت كفاءة الجيش النظامي, ومن هنا حصل الأمراء المحليون على وظائف عسكرية علياً. وأمام عجز الحكومة عن السيطرة على الأعيان بشكل مباشر وجدت أن أفضل وسيلة تأليب بعضهم على بعض حتى يحدث توازن في القوة. وتلك السياسة في أحسن الأحوال كانت لعبة خطرة ذلك أنه في المقابل كان أولئك الأعيان يقومون بمساندة القوى المعادية للحكومة مثل الإنكشارية المتمردة.

والحقيقة أن القيادات العثمانية ذاتها أدركت ضعفها العسكري, وكانوا منشغلين بتدهور قوة دولتهم قبل أن يدركها خصوم الدولة في الداخل والخارج.وبالتالي لم تعد المسألة هي الحاجة إلى الإصلاح التي كانت واضحة بقدر ما كانت البحث عن الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الدولة لتحقيق الإصلاح. وكان البعض يرى أن مكمن الضعف في الإمبراطورية يعود إلى انحرافها عن الممارسات التقليدية, وأنه يجب استعادة الأوضاع السابقة. وعلى العكس من ذلك كان هناك تيار قوي رأى أصحابه وجوب أن تتخلى الدولة عن أساليب التقاليد القديمة في الحكم والأخذ بنظام الؤسسات الغربية.

لكن المحاولات الأولى للإصلاح أخفقت بسبب معارضة النبلاء المحليين رغبة منها في استغفلال كوارث الفترة لصالحهم. وكان السلطان سليم الثالث الذي اعتلى السلطنة في 1789 هو أول سلطان يتجه لللإصلاح فقد أتاحت له فترة من الهدوء والسلام خلال عام 1792 من أن يقترب من مسألة إعادة تنظيم الجيش الذي كان تدريبه يتم بمعرفة الفرنسيين وكانت الحكومة الفرنسية ما تزال راغبة في استمرار تقديم هذه المساعدة والواقع أن الفرق الإنكشارية كانت هي مظهر ضعف القوات العثمانية حيث أصبحت جناحاً سياسياً منظماً له نفوذ في الحياة السياسية ويمثل خطراً محتملاً في الشؤون الداخلية أكثر من كونها مجرد قوة عسكرية تقوم بدورها إزاء التهديدات الحارجية. وعلى هذا استهدف سليم من الإصلاح تطوين قوة مشاة جديدة موازية لكي تنافس الإنكشارية عرفت باسم "النظام الجديد" تلقى أفرادها تدريباً على الأسس الغبربية بما فيه إرتداء الزي العسكري. وقد شمل منهج الإصلاح عنده إرساء سياسات ضريبية وإدارية جديدة لكن الإصلاح العسكري كان أكثر أهمية.

ولكن من سوء حظ الدولة العثمانية أن سليم كان أضعف من أن يقوم بتنفيذ أفكاره الإصلاحية إذ لم يكن يملك تجهيزات مناسبة لما ينويه من إصلاحات, ولم تكن بجانبه مجموعة قوية من المؤيدين تتولى تنفيذ التغييرات المطلوبة التي تعارضها العناصر لها مصلحة في بقاء النظام القديم. وهكذا بقيت الإنكشارية تمثل خطراً سياسياً كبيراً يمكنها تهديد حكومة السلطان في الداخل وفي القوت نفسه تعجز عن هزيمة أعدائه في الخارج.

وأكثر من هذا ففي 1807 وقع صراع حاسم بين انصار السلطان سليم الثالث ومعارضيه من المحافظين الإنكشارية والأعيان, وكانت الدولة في حرب مع روسيا وفي الوقت نفسه وقع تمرد في بلاد الصرب كما سوف نرى وانتهى الأمر بوقوع انتفاضة عسكرية في مايو 1807 أطاحت بالسلطان واعتلى العرش محله مصطفى الرابع في يولية من العام نفسه الذي أبقى على خياة سليم, ونشأ نظام جديد هيمنت على أركانه عناصر من المحافظين ومن الإنكشارية المسلمون بطبيعة الحال. لكن ما لبث أنصار سليم ومؤيدو الإصلاح أن تجمعوا في في روزيه Ruse تحت قيادة مصطفى باشا البيرقدار الذي هو نفسه من الأعيان, وتحرك بقواته تجاه استنبول فما كان من مصطفى الرابع إلا أن قتل سليم لكن الحركة نجحت في التخلص من مصطفى الرابع وتولية محمود الثاني ابن عم سليم الحكم, ومات مصطفى باشا البيرقدار في العام نفسه وظل محمود الثاني في الحكم حتى عام 1838 وكان أول سلطان ينجح في تحقيق الإصلاح.

لقد نجح تمرد 1807 في الإستيلاء على الحكومة المركزية وأما حركات التمرد الأخرى التي قام بها الأعيان والإنكشارية والغاضبون من المسلمين فقد هددت بتقطسع أوصال الدولة. ورغم أن هذا الكتاب معني أساساً بقوميات البلقان المسيحية, إلا أنه من الأهمية بمكان أن نستعرض نشاط ثلاثة حركات تمرد ضد سلطة الدولة قام بها كل من بشفان أوغلو عثمان باشا, وعلي باشا اليانيني نسبة إلى يانينا Janina, ومحمد علي باشا (والي مصر) لأن تمردهم تشابك مع ثورات مسيحي البلاقان, بل إن تاريخ حياة كل منهم له أهميته من حيث تصوير مناخ الحياة في البلقان في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الذي تمخض عن انتفاضة المسلمين والمسيحيين ضد الدولة. كماهو حال الزعماء القوميين عادة كان كل منهم يسعى لإقامة حكم مستقل لبلاده بالإنفصال عن الدولة العثمانية أو الفوز بحكم ذاتي على الأقل.

كان لتاريخ بشفان اوغلو عثمان باشا تأثيراً على بدايات ثورة بلاد الصرب وعلى التاريخ القومي لكل من بلغاريا ورومانيا, فعندما أ‘دمت الحكومة العثمانية والده فر هارباً وانضم إلى المجموعات الخارجة على القانون, ثم حارب إلى جانب الجيش العثماني فيما بعد في حرب 1787-1792. وقد أقام لنشاطه مركزاً في مدينة فيدين على الدانوب جمع فيه قوة كبيرة من قطاع الطرق والمارقين المرتدين. وفي 1795 أعلن استقلاله عن الحكومة العثمانية وظل في ثورة مستمرة ضدها كما سوف نرى عندما نتناول ثورة الصرب.

أما نشاط علي باشا اليانيني الذي يشبه نشاط بشفان اوغلو فكان هو الآخر شيئاً رائعاً فقد ولد في 1750 في تبلينه Teplene في ايبروس (المورة) وعندما مات والده لم يجد أمامه إلا أن يكون قاطع طريق. وبعد عدة مغامرات تتناسب مع شبتبيته استطاع أن يؤسس له قاعدة في يانينا, وتمكن من زيادة قوته وعدد أتباعه عن طريق المكائد والدسائس أحياناً والعنف أحياناً أخر. وفي بداية نشاطه عمل في خدمة الباب العالي واستخدم مواقعه الوظيفية في تقوية نفوذه الشخصي. وعلى هذا وفي 1788 أصبح حاكماً على يانينا حيث تمكن من مد سلطته على الإقليم وعلى الأراضي المحيطة بها في تساليا وايبروس وألبانيا. ورغم أن المساحة التي كانت تحت سيطرته لم تكن ثابتة خلال السنوات التالية, إلا أنها كانت دائماً كافية لتكون مركز قوة لحكم شبه مستقل. وفي 1799 كان الباب العالي في حاجة ماسة لمساعدة من الرجل نراه يقدم على تعيينه حاكماً على روميليا وهو منصب تولاه أكثر من مرة وفقده أكثر من مرة أيضاً. أما المساعدة التي طلبها الباب العالي منه فكانت التصدي لحركة بشفان اوغلو وقطاع الطرق وزعماء الأعيان, ولما كان اليانيني مهتم بمصالحه الخاصة رأيناه يحتفظ بعلاقات وثيقة مع فرنسا بل لقد قدم مساعدة للباب العالي في 1809 أثناء الحرب ضد روسيا.

وبناء على المساعدات التي كان اليانيني يقدمها للحكم العثماني فقد كان يتصرف كحاكم مستقل من ايبروس له سيادة ومع ذلك تغاضى الباب العالي عن تصرفات الرجل ولم يحاول التخلص منه كما هو متوقع في مثل تلك الحالات. ولكن في عام 1820 وفي ظروف مواتية قام الباب العالي بالتحرك براً وبحراً ضد اليانيني الذي حصن نفسه بعقد اتفاقات مع نبلاء اليونان وأخذ يشجع شعوب البلقان الأخرى على الثورة. لكنه لم يتمكن من مواجهة القوات العثمانية فاضطر إلى الإنسحاب إلى يانينا قاعدته الأولى فحاصرته القوات العثمانية حتى مات في يناير 1822 أثناء الحصار.

أما محمد علي باشا في مصر فكان أكثر تلك الزعامات نجاحاً ورغم أنه أخفق في تحقيق أهدافه الطموحة, إلا أن أبناءه ظلوا يحكمون مصر حتى 1952. وقج ولد في مقدونيا في 1769 من عائلة تركية-ألبانية, وجاء إلى مصر على رأس فرقة ألبانية لإخراج الفرنسيين (1801), وبقى في مصر بعد خروج الفرنسيين ثم بزغ نجمه في الوظائف الإدارية والمهمام العسكرية. ولما كان أستاذا في الدسائس والمؤمرات التي كانت قد تفشت في أنحاء الإمبراطورية العثمانية فقد استطاع إبعاد منافسيه حتى أصبح والياً على مصر في 1805. وخلال الفترة الأولى من ولايته بقى في خدمة الباب العالي مثلما فعل علي باشا اليانيني وفي الوقت نفسه استخدم منصبه الرسمي في تأمين وضعه الشخصي وتقويته. وبفضل مساعدة إبنه إبراهيم باشا تمكن من ضم السودان وإخماد المتمردين في الجزيرة العربية (الحركة الوهابية).

وفي 1825 وعده الباب العالي بالحصول على جزيرة كريت وحصول إبنه إبراهيم على حكم المورة في مقابل القضاء على التمرد في بلاد اليونان الذي عجزت الدولة عن مواجهته. ورغم أن قوات محمد علي نجحت في القضاء على التمرد, إلا أن هزيمة العثمانيين في الحرب مع روسيا 1828-1829 حرمت محمد علي من المكافأة الموعودة. وبسبب هذه النكسة التي ألمت به ورغبته في ضم مزيد من المناطق تحت حكمه قام بغزو بلاد الشام في 1832 وتسبب في كثير من الأزمات لأوروبا. وآنذاك بدت نيته في إيجاد مملكة عربية عظمى مركزها البحر الأحمر وتضم مصر والسودان والجزيرة العربية. وباستثناء كريت والمورة لم يكن محمد علي يهدد بلاد البلقان حيث يقيم المسيحيين بشكل مباشر. على أن محمد علي شأن بشفان اوغلو, وعلي باشا اليانيني كان يمثل محاولة في تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية وتفتيتها وذلك بتكوين دول منفصلة تحت حكم قادة عسكريون مسلمون. غير أن محمد علي بجيشه العرم الهائل وطبيعة حكمه كان يمثل تهديداً لوجود الدولة العثمانية أكثر مما كانت تمثله ثورات الصربيين واليونانيين.

تحدي القوى العظمى

في الوقت الذي كان الباب العالي يواجه فيه التفكيك الداخلي كان عليه أن يواجه تجدد هجمات القوى الخارجية, فعندما اعتلى سليم الثالث العرش في 1789 كانت حكومته ما تزال في حرب مع النمسا التي كانت قد احتلت بلجراد ثم أعادتها بمقتضى معاهدة سيستوفا Sistova في 1791 مقابل أن تأخذ النمسا البوسنة, والحرب مع روسيا التي كانت قواتها تتحرك بطول الدانوب إلى أن تم عقد صلح ياصي Jassy في 1792 وبمقتضاه مدت روسيا أرضيها حتى نهر الدنيستر Dinester وتنازلت عن مولدافيا وولاشيا التي كانت قد احتلتهما. وتعتبر هاتان المعاهدتان خاتمة لقرن من التعاون المتقطع بين النمسا وروسيا ضد العثمانيين, ولكن وبعد انقضاء ثمانين عاماً عليهما هاتين تعاونت الدولتان مرة أخرى للاتفاق على كيفية تقسيم أراضي الدولة العثمانية, وكانت ثمة ظروف قد حالت دون استمرار التعاون.

والحاصل أن القوى العظمى صرفت انتباها عما يحدث في بلاد الشرق الأوسط وركزت اهتمامها على بولندا ثم على فرنسا الثورة, وكانت بولندا قد تعرضت للتقسيم على ثلاث مراحل في 1772, 1793, 1795, واشتعلت الحرب في أوروبا عام 1792. وعلى هذا ظل التركيز الأساسي للعلاقات الأوروبية قائماً على ما يدور في القارة الأوروبية من أحداث كانت لها تداعيات واسعة في كل من البلقان وشرق البحر المتوسط. ففي 1779 وبمقتضى معاهدة كامبو فورميو Campo Formio ضمت فرنسا جزر أيونيا مما كان له تأثيره على ثورة اليونانيين, وحصلت النمسا على بقايا أراضي البندقية وبهذا تم وضع حد للقوى البحرية المستقلة (البندقية) التي كانت في السابق أكبر غريم للعثمانيين.

في يوليو 1798 بدأت فترة من التدخل الفرنسي المباشر في الولايات العثمانية عندما غزا بونابرت مصر وانهزمت أمام جيوشه عساكر المماليك بسرعة ملحوظة وأصبح الباب العالي طرفاً في الصراع ضد فرنسا مع بريطانيا التي ساءها انفراد فرنسا باحتلال مصر, وانتهى الأمر بمعاهدة صلح بين فرنسا وانجلترا في 1802 نصت فيما نصت على خروج الإنجليز من مصر وظلت تلك المعاهدة فاعلة حتى 1806.

على كل حال . . ففي فترة التدخل الفرنسي في شؤون الولايات العثمانية زاد نفوذ فرنسا زيادة ملحوظة في السياسة العثمانية حتى لقد ارتبطت الدولة العثمانية بفرنسا ضد كل من روسيا وبريطانيا. ورغم أن الفترة من 1806-1812 لم تشهد معارك مستمرة بين روسيا والدولة العثمانية إلا أن روسيا حاولت استغلال الفرصة لزيادة نفوذها في الصرب وإمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا-رومانيا فيما بعد). وقد انتهى الصراع بين الدولتين بمعاهدة بوخارست 1812 اكتفت فيها روسيا بتنازل الدولةالعثمانية عن بسارابيا والإنسحاب من إمارتي الدانوب برغم موقف العثمانيين الضعيف لأن روسيا كانت معنية آنذاك بأمر غزو بونابرت لأراضيها.وكانت خسائر العثمانيين في هذه التسوية يعد أول تغيير في حدودها نتيجة لحروب الثورة الفرنسية في أوروبا بقايدة بونابرت, وأكثر من هذا أن تسوية فيينا (1815) بعد هزيمة بونابرت والتي لم تحضرها الدولةالعثمانية قضت بمنح جزر أوينيا لبريطانيا, وساحل دلماشيا لنمسا فكانت بمثابة الإقتطاع الثاني من آفاق الدولة العثمانية.

لقد كان مؤتمر فيينا بداية فترة من السلام النسبي بين القوى العظمى في أوروبا دامت قرناً منالزمان فقدت خلاله الدولةالعثمانية معظم ممتلكاتها في أوروبا وأثبتت الأيام عجزها عن الدفاع عن وحدة ممتلكاتها أو حتى صيانة استقلالها السياسي دون مساعدة خارجية, ولم تبق دولة عثمانية قائمة إلا بسبب موقع أراضيها الإستراتيجي والحيوي لصالح توسع الدول اللإمبرالية. وفي هذا الخصوص احتلت روسيا وبريطاينا أهمية خاصة إذ أصبح صراعهما على الدلوة العثمانية وعلى البلقان جزء من السباق الإمبرايالي الكبير الذي اندلع بين هاتين الدولتين وامتدت ميادينه من شرق البحر المتوسط إلى الصين مروراً بأسيا الصغرى.

والحاصل أن بريطانيا كانت قد استمدت سيطرتها على الهند في القرن الثامن عشر واعتبرتها درة التاج البريطاني, وأصبحت الدولة التجارية والصناعية الأولى في العالم وسيدة البحار ومن ثم كانت تخشى أن ينتزع منها أحد تلك المكانة. وفي نهاية القرن الثامن عشر كانت ترى أن فرنسا زمن بونابرت هي منافستها الرئيسية في العالم بما في ذلك بلاد الشرق الأدنى, ثم أصبحت روسيا هي المنافس بعد القضاء على بونابرت وقبل إعلان دولة ألمانيا. وكانت أراضي الدولة العثمانية من وجهة نظر بريطانيا تمثل مفتاح توسعها الإمبرايالي تجارياً وبحرياً دفاعاً عن الهند ولهذا كانت تخشى دوماً أن تستولي روسيا على تلك الأراضي سواء بالغزو المباشر أو بالسيطرة على الحكومة العثمانية أو بإقامة دولة بلقانية تابعة لها. وبسبب هذا الخوف ظلت بريطانيا ترفع شعار وحدة الأراضي العثمانية وتكاملها طوال القرن التاسع عشر ويقوم سفيرها في استنبول بالضغط على الحكومة العثمانية لإصلاح نظام الحكم والإدارة فيها والسعي للتوفيق بينها وبين شعوب البلقان حفاظاً على الاستقرار.

أما وضع روسيا بالنسبة للدولة العثمانية فكان أكثر تعقيدأ فبعد أن ابتلعت روسيا بساربيا في 1812 كما راينا لم تضع في حساباتها أن تضم أراضي عثمانية أخرى رغم الفرص التي أتيحت لها لمد نفوذها هنا وهناك فمثلاً كان من الممكن أن تستثمر الحركات القومية بين شعوب البلقان التي كانت تعتبر روسيا أعظم قوة أرثوذكسية وهو شعور كانت روسيا تغذيه كلما سنحت الفرصةو ففي معاهدة كوتشك قينارجي 1774 مع الدولة العثمانية نجحت روسيا في أن تضع بذرة لنوع من إدعائها الحماية الدينية للأارثوذكس ولو بشكل ملتبس وغامض. ولم مسيحيو البلقان ينتظرون فقط المساعدة ن روسيا بل لقد كانت هناك عناصر مهمة بين الروس أنفسهم انجذبت بشدة لفكرة تقديم المساعدة للحركات القومية في البقلان على أسس أرثوذكسية وسلافية. وهكذا وجدت حكومة روسيا نفسها تحت ضغط استغاثات البلقانيين من جهة وتحت ضغط الرأي العام في الداخل من جهة أخرى للقيام بشي ما لمواجهة القهر الذي يتعرض له المسيحيون في البلقان والسلافيون بشكل عام.

وفي كل الأحوال كانت روسيا تحت إغراء التدخل في الشؤون لعثمانية بطريقة أو بأخرى لتحقيق مكانة ممتازة من ناحية ولتوسيع دائرة قوتها ونفوذها من ناحية أخرى, لم تكن تتصور شأن بريطانيا أن ترى قوة أخرىة تسيطر على البقان. وفي هذا الخصوص كانت روسيا تملك عدة أسلحة قوية في التعامل مع الباب العالي في مقدمتها القوة العسكرية الضخمة والحركات القومية في البلقان. غير أن قادة روسيا كانوا يفضلون إتباع السياسة التي تم إقرارها في معاهدة خونكارية اسكله سي في 1833 التي تقوم على السيطرة على الدولة العثمانية من الداخل.

أما النمسا فكان موقفها بالنسبة للقوى العظمى التي كانت معينة بشؤون البلقان هو الموقف الأضعف نسبياً فيما يبدو, فباعتبارها إمبراطورية متعددة القوميات فإنها قد تكسب قليلاً إذا ما حدث تغيير في أوضاع الممتلكات العثمانية, ومن ناحية أخرى فإن استيلائها على أرضي جديدة في البقلان قد يزيد من مشكلات الأقليات القومية التي تحت سيادتها, ومن ناحية ثالثة فإن تأسيس دول مستقلة في البلقان العثماني قد يشجع مختلف المجموعات القومية تحت حكمها على السير في الطريق نفسه. ورغم أن النمسا كانت تتعاون مع روسيا في إطار سياسة توازن القوى إلا أن قادة النمسا كانوا يدركون في الوقت نفسه مخاطر هذا الطريق إذ لم يكونوا يعتقدون ابدأ بغمكانية هزيمة جيوش روسيا إذا ما اندلعت حرب البلقان بسبب أزمة حقيقية. وعلى هذا وفي إطار تفضيل النمسا لمبدأ المحافظة على وضع الدوةل العثمانية وممتلكاتها كان عليها أن تتعاون مع بريطانيا التي كانت تخشى مثلها توسيع روسيا, وهو تعاون إذا ما تم وضعه في صيغة تحالف فإن النمسا سوف تتحمل الأعباء العسكرية والمخاطر الحقيقية في قيام حرب ضد روسيا على حين سوف تكون الحاجة للبحرية البريطانية منعدمة أو ضئيلة في حالة الحرب البرية ضد روسيا.

أما فرنسا بعد الحروب النابوليونية ورغم مكانتها الهائلة في القرون السابقة إلا أنهما كانت أقل نفوذاً في الإمبراطورية العثمانية بالقياس للقوى الثلاثة الأخرى (روسيا والنمسا وبريطانيا). ورغم أن إيديولوجية الثورة الفرنسية لعبت دوراً كبيراً في الحركات القومية في البلقان إلا أن فرنسا نفسها خلال الفترة من 1815-1848 لم تعد مركزاً للتهيج والإثارة ومع هذا كانت فرنسا في عهد نابليون الثالث تساند الحركات القومةي في البلقان غير أن فرنسا بدون جيش على المسرح السياسي وأسطول بحري أقل درجة من أسطول منافستها بريطانيا ترددت في التدخل في صراعات الشرق الأدنى. وفي الوقت نفسه كان لها أهداف في أجزاء من الدولة العثمانية. ففي 1830 احتلت الجزائر, وازدادد نفوذها في مصر, وفي أربعينات وستينات القرن التاسع عشر تدخلت في سوريا ولبنان ولما كانت ترغب في توسيع إمبراطوريتها في إفريقيا وآسيا فقد كانت تساند عادة تكون الدول القومية, وإضعاف الحكومة المركزية, وتعارض أى سياسة قد تؤدي إلى انفراد روسيا أو بريطانيا وخصوصاً في البلقان.

ولما كانت الإمبراطورية العثمانية عاجزة بمفردها عن الدفاع عن نفسها ضد الدول الأوروبية الطامعة فيها فقد اضطرت لأن تتبنى سياسة للتوازن بين القوى العظمى حفاظاً على مصالحها عن طريق ضرب تلك القوى بعضها بالبعض الآخر كلما أمكن ذلك. ولكن في القرن التاسع عشر كان واضحاً أن الدولة تخسر في هذا الصراع إذ نراها تضطر لتقديم تنازل سياسياً وإقتصادياً لصالح أوروبا. وفي الوقت نفسه كانت الحركات القومية في البلقان العثماني تحقق تقدماً ملحوظاً بفضل مساندة إحدى الدول الأوروبية أو كل من الدول الأوروبية مجتمعة. ورغم أن مسيحي البلقان هم الذين بدأوا الثورة إلا أن القوى العظمى هي التي صنعت في النهاية خريطة الدول القومية الجديدة بحدودها وشكل حكومتها. وفي هذا الخصوص كان الزعماء الأوروبيون في الإجراءات التي اتخذوها أبعد ما يكونوا عن الإيثار ونكران الذات إذ وضعوا في إعتبارهم مصالحهم الخاصة والمحافظة على توازن القوى, وهي اعتبارات كانت تستخمها في مختلف مغامراتها الإستعمارية ولم يكن أمام الإمبراطورية العثمانية بل ودول البلقان الجديدة إلا الخضوع لها.

وهكذا . . وبحلول القرن التاسع عشر كانت الأحوال السائدة في البلقان في صالح تمرد المسيحيين, ولم يكن باستطاعة الحكومة العثمانية السيطرة على النبلاء المتمردين أو هزيمة الجيوس الأجنبية. وأثناء اضطراب المواقف تمكنت قايدات عسكرية قوية من السيطرة على مراكز السلطة المحلية مما ساعد على بلورة تقاليد التمرد. ومن هذا المناخ وتلك الظروف انبثقت حركات التمرد عند مسيحي البلقان. وكانت ثورة الصرب أول الثورات اتصالاً بمعنى فشل الحكومة العثمانية في المحافظة على سلطتها في المراكز المحلية وكذا ضعفها أمام خصومها.

الهوامش

  • مصطلح الباب أو الباب العالي كان يطلق على الحكومة العثمانية ويشير إلى المبنى الذي يضم المكاتب الحكومية الرئيسية وكذا الإدارات.
  • كانت السلطة العثمانية في البلقان تأخذ خمس سنوات تقريباً صبياً من كل أربعة صبية بين عمر عشر سنوات إلى عشرين سنة من المسيحيين كضريبة راس خاصة. وهذه الضريبة كانت تعرف بالدفشرمة حيث يتحول الصبي إلى الإسلام ويتم تعليمه وتربيته أفضل تربية في معسكرات خاصة وبعدها يعين في أعلى الوظائف في الإمبراطورية ويبقى آخرون في الفرق الإنكشارية ثم انتهى هذا النظام في القرن السابع عشر.
  • الفلاخيون يتكونون من ثلاثة أقسام :كوتزوفلاخيون Kutzovachs, وأرومانيون Arumanians, وتنزنتساريون Tsintsars, وهم شعوب سبه بدوية من أصول رومانية قديمة كانت تعيش في البلقان وتعمل بالتجارة ورعي الغنم والبقر.

الفصل الثاني: ثورة الصرب

كانت باشاوية بلجراد (الصرب) مركزاً لأول ثورة ناجحة قامت بها شعوب البلقان ضد السلطة العثمانية, وكانت مشكلاتها الإدارية في نهاية القرن الثامن عشر في مختلف المجالات تعكس مشكلات أنحاء الإمبراطورية تحت حكم السلطان سليم الثالث. وكانت الصرب خلال القرن الثامن عشر مسرحاً لمعارك متكررة بين النمسا والدولة العثمانية بين أعوام 1716-1718, 1737-1739, 1788-1791 ارتبط خلالها مصير الصربيين بمصير أسرة الهابسبورج التي تحكم النمسا ذلك أن تلك المعارك وما ارتبط بها من فوضى واضطراب دفعت مجموعات كبيرة كم الصربيين إلى الهجرة إلى المناطق النمساوية في البلقان وخاصة في جنوب المجر. وكانت أكبر هجرة جماعية ضمت حوالي سبعين ألف صربي قد حدثت زمن البطريرك أرسينيه الثالث Arsenije عام 1690 جعلت من سرمسكي كارلوفيتش Sermski Karovci مركزاً دينياً وثقافياً للصربيين وهو أمر له مغزاه. وعلى هذا بقى الصربيون في مملكة النمسا في ظروف مواتية ساعدتهم أكثر على الإتصال الوثيق بالأحداث التي تقع في بلادهم (الصرب) عن بعد. وكان لابد أن يكون لهم تأثيراً مهماً على الحركة القومية وعلىالتنمية الثقافية إدارة دولة الصرب القومية في القرن التاسع عشر.

والواقع أنه أثناء تلك الحروب كانت حكومة النمسا تباشر فعلياً أمور الصرب من الناحية الإدارية وهو أمر لم يكن محل ترحيب من غالبية الصربيين بسبب نشاط الكنيسة الكاثوليكية النمساوية في بلادهم وهم (الصربيون) من الأرثوذكس بصصرف النظر أن الصرب شأن النمسا تعارض الحكم العثماني. وكانت الكنيسة الكاثوليكية بموافقة حكومة النمسا تعمل على تحويل الصربيين إلى الكاثوليكية عكس الدولة العثمانية الت يتحاول عملياً تحويل إلى الإسلام. وهكذا لم يكن إحلال لورد إقطاعي مسيحي كاثوليكي نمساوي حل أحد الأعيان المسلمين أمراً مغرياً للصربيين أو هدفاً سياسياً يسعون له ذلك أن الإستقلال كان يمثل الأولوية بالنسبة لهم.

على كل حال . . كانت النتيجة الرئيسية لحالة الحرب على الحدود طوال تلك السنوات أ، الصربيين اكتسبوا خبرة القتال فقد اشتركوا في كثير من المعارك كعساكر نظامية في جيش النمسا أو في جماعات فدائية غير نظامية, أو في وحدات خاصة بهم وتحت قيادة ضباط منهم. وأكثر من هذا أنهم كانوا يتولون وظائف إدارية عليا في بلادهم أثناء الإحتلال النمساوي لها أكثر مما كانوا يحصلون عليه وهم تحت الحكم العثماني. وكانت الخبرة التي حصلوا عليها من حرب 1788-1791 ذات قيمة إذ التحق كثير منهم في الفرق العسكرية النمساوية غير النظامية حيث تحملوا في الواقع العبء الرئيسي في المعارك. وأثناء تلك الحرب اقم كوكا انديلكوفيتش Koca Andjlkovic بثورة لم تنجح عرفت بثورة كوكا. ورغم أن الصربيين لم يجنوا فوائد فورية من اشتراكهم في الأعمال العسكرية وغيرها إلا أنها دربت قادتهم جيداً وجعلتهم يثقون في قدراتهم أكثر وأكثر.

غير أن سنوات تعاون الصربيين مع النمسا كانت مخيبة لآمالهم فقد شعروا أن النمسا لم تفي بوعودها تجاههم, وأن شروط الصلح لم تجلب لبلادهم أية ميزات أو مكاسب. ورغم أن حدود النمسا ظلت أمراً يهم الصربيين بحكم القرب من بلادهم, إلا أن قادة الصرب اتجهوا إلى طلب المساعدة من روسيا التي سارعت بتقديمها عبر الدانوب عندما لم تساندهم النمسا, وفي الوقت نفسه ظلت هجرة اللاجئين من الإضطهاد العثماني تتدفق على النمسا والبلاد التابعة لها.

على كل حال فإن صلح سيستوفا في 1791 وصلح ياصي في 1792 كما سبقت الإشارة أعطيا للسلطان سليم الثالث فترة للتفكير في إصلاح شؤون الإمبراطورية والحاصل أن رغبته في تحقيق أوضاع سليمة وقانونية تطابقت مع رغبة رعاياه من الصربيين, ذلك أنه بعد فترة الخراب والتدمير التي احدثتها الحرب كان الصربيون يمانعونن في قبول استمرار الحكم العثماني في مقابل حصولهم على حقوق الحكم الذاتي وضمان تهدئة الأحوال في الريف. غير أن لم يكن ممكناً تحقيق الإصلاح المطلوب بمرعفة الحكومة المركزية ذلك أنه بتوقف الحروب وجدت الإنكشارية والفرق العسكرية غير النظامية نفسه دون عمل ومن ثم انقلبوا على أهل الريف وأعملوا فيهم الإستغلال وافترسوهم ووقعت القرى في قبضة رجال تلك العصابات الذين حولوا أراضيها إلى مقاطعات خاصة. وانضمت مجموعات أخرى إلى الأعيان الثائرين وإلى عصابات قطاع الطرق وأعملوا السلب والنهب في المسالمين من المسلمين والمسيحيين على حد سواء وتحت تلك الظروف افقت مصالح الحكومة المركزية ومصالح الرعايا المسيحيين حيث لم يكن أحدهما يقبل تحمل استمرار تلك الأوضاع.

ولقد حاول السلطان سليك الثالث الذي كان متهماً بتلك المشكلات توفيق أوضاع الصربيين وتخفيف سوء الأحوال القائمة فبادر أولاً بتعيين رجال للإدارة المحلية لهم صلاحيات التعامل مع الرعايا وقمع العناصر الخارجة على القانون, وثانياً أصدر ثلاثة فرمانات في سنوات 1793, 1794, 1796 أعطت الصربيين ما كانوا يتطلعون إليه. ولقد حددت هذه الإجراءات علاقات الصربيين بالحكومة العثمانية, فقد حصلو على حقوق واسعة وكثيرة فيما يتعلق بالحكم الذاتي المحلي, وأصبح باستطاعتهم جمع ضرائبهم بمعرفتهم, وحمل السلاح, وتكوين ميلشيات, كما تقرر تصحيح عيوب نظام الجفلك. ولقد أصبحت هذه الفرمانات تشكل البرنامج السياسي لزعماء الصرب في السنوات التالية. ولو كان قدر لهذه الفرمانات أن تطبق لكان من المحتمل تأجيل ثورة الصرب القومية.

غي را، السلطان سليك الثالث لم يتمكن هو وأعوانه من تنفيذ ما أصدروه من قرارات وكان هذا من سوء الحظ. وفي السنوات التالية تعاظمت مشكلات الإمبراطورية بشكل كبير, وظلت استانبول مركزاً للدسائس التقليدية والمؤمرات, وتكرر نقل المسئولين ذوي الطفاءة الإدارية القادرين على التفاهم مع الرعايا من مواقعهم وحلت محلهم العناصر التي كان الإصلاح يهدد مراكزها أو أولئك الذين أضيرت مشاعرهم الدينية جراء التنازلات التي قدمت.

ومن ناحية أخرى ظلت المشكلة الرئيسية في باشاوية بلجراد متمثلة في وجود فرق الإنكشارية التي قاومت فرمان 1791 الذي أصدره سليم الثالث بمنع عودتهم إلى هناك. ومما سهل تحديهم للحكومة المركزية نشاط مجموعات صغيرة أخرى متمردة وكذا نشاط بشفان اوغلو كما سبقت الإشارة. وهكذا صنعت الإنشكارية قضية مشتركة مع أولئك الذين لا يقبلون سلطة الباب العالي. ولمواجهة القوة العسكرية لتلك المعارضة اضطرت السلطات العثمانية لطلب المساعدة من الصرب. ولقد ارتبطت سياسة العثمانيين في الإعتماد على الصرب مقابل تقديم تنازلات لحاكم بلجراد حاجي مصطفى باشا الذي عرف ب "أب الصربيين".

في تلك الأثناء كانت أكبر مشكلة تواجه العثمانيين في البلقان هي كيفية السيطرة على بشفان اوغلو, فهو لم يقنع بحكم مناطق بلغارية واسعة النطاق, بل لقد كان يرغب في أن يكون لأصدقائه الإنكشارية وضعاً راسخاً في بلجراد. وعلى هذا قرر السلطان سليم الثالث أن يتصرف بشدة وبحسم خاصة وأن الصربيين حصلوا بدورهم على امتيازات وسمح لهم بتكوين جيش خاص تحت رئاسة قياداتهم فأصبح كل السكان والحال كذلك يحملون السلاح. ولأن التحالف بين القوات العثمانية الرسمية والمسيحيين كان قوياً وناجحاً تلقى بشفان اوغلو هزائم متكررة حتى اضطر للتقهقر داخل قلعته في فيدين التي ضرب عليها الحصار. ولكن الظروف الدولية العامة عرقلت الجهود العثمانية, ففي 1798 دخل بونابرت مصر واضطر الباب العالي لتجريد البلقان من القوات العسكرية النظامية لمواجهة الغزو الفرنسي لمصر, وزادت في الوقت نفسه الضغوط على الباب العالي إذ كان من شأن سياسة تسليح المسيحيين ضد المسلمين استمرار جرح كبرياء العناصر المحافظة في الحكم.

كانت مجموعة الظروف الجديدة المتكافئة تمثل خطراً حقيقياً على مصالح الصرب ولما لم يكن باستطاعة سليم حشد قواته أو القيام بعمل عسكري فقد اضطر لمساومة بشفان اوغلو والعفو عن الإنكشارية والسماح لهم بالعودة إلى بلجراد شريطة أن يطيعوا حاجي مصطفى باشا. ولكن بمجرد عودتهم بوضعية قوية عادوا مرة أخرى إلى أساليبهم القديمة إذ سرعان ما تمردوا على حاجي مصطفى وقتلوه ميزان القوة إلى الإنكشارية وبشفان اوغلو على حساب السلطة المركزية والصرب.

بعد فترة من الصراع والإضطراب كانت فرق الإنكشارية خلالها تحارب بعضها بعضاً صعد أربعة من ضباط الإنكشارية من الصفوف الدنيا إلى قمة القيادة في عام 1802. وكان إمساك هؤلاء الضباط بناصية القوة يعني بالنسبة للصربيين انتهاء الحقوق التي نالوها في الحكم الذاتي, ذلك أن الإنكشارية عادت ترهب أهالي الريف وتثير الرعب في نفوسهم وتكررت من ثم أحداث الماضي, وفر عدد كبير من الصربيين إلى التلال وانضموا إلى العصابات غير النظامية أو كونوا لأنفسهم عصابات جديدة. وظهرت من جديد وحدات عسكرية صربية في أنحاء البلاد وتركزت المقاومة في التلال ذات الغابات الكثيفة في إقليم سومادييا Sumadija, وهناك استطاع كارادورديه بتروفيتش Karadjordje Petrovic أحد النبلاء المحليين أن يجمع حوله ثلاثين ألف مسلح بحلول ربيع 1804. وتمكن قادة محليون آخرون من تجميع عدد من الرجال في عدة مراكز في أنحاء الباشاوية.

ثم ما لبث الموقف أن فرض هذه العصابات المسلحة على مسرح الحوادث, ففي مطلع 1804 واجهت الصربيين حقيقة مؤداها أن عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم وما أن يشهدوا قادتهم وهم يتحطمون تماماً. والحاصل أن الإنكشارية كانت قد بدأت خلال يناير وفبراير 1804 في تنفيذ مذبحة لنبلاء الصرب المسيحيين تم التخطيط لها سلفاً بحيث لم ينقضي شهران إلا وتم قتل من 70-150 نبيلاً. وعلى الفور اجتمع حوالي ثلاثمائة من نبلاء الصرب في أوراشاك Orasac في إقليم سومادييا في فبراير واختاروا كاراديوررديه بتروفيتش قائداً لهم بهدف تنسيق العمل وتوجيهه. وكانم هذا يعني في النهاية أن ثورة الصربيين قد بدأت إذ أصبح لديهم قائد وقضية يحاربون من أجلها.

ولما كان لكاراديورديه دوراً غاية في الأهمية في القيام بالثورة وفي بناء أول تنظيم سياسي لدولة الصرب يتعين أن نعطي فكرة موجزة عن تاريخه. والحقيقة أننا لا نعلم إلا القليل عن حياته المبكرة بل أن تاريخ ميلاده غير مؤكد ويحتمل أنه ولد في 1766 من أبوين فقيرين اضطرتهما الظروف للتنقل من مكان لآخر بحثاً عن الرزق. وقد عمل بطلنا عند عدد من كبار ملاك الأراضي حتى عام 1787 حين غادرت أسرته إقليم سومادييا إلى فويفودينا Vojvodina هرباً من الإنكشارية ولجأت إلى دير كروشيدول Krusedol طلباً للحماية. ولما اندلعت الحرب النمساوية-العثمانية انضم كارديورديه للفرق العسكرية غير النظامية واشترك في المعارك التي دارت في غرب الصرب حيث اكتسب خبرات عسكرية لا يستهان بها . وبعد صلح سيستوفا استقر في توبولا Topola في إقليم سومادييا وتاجر في المواشي. وقد أتاحت له هذهذ التجارة أن يتعامل مع النمسا وأن يكون على صلة بكثير من مواطنييه فضلاً عن حصوله على رتبة "بوليوباسا" Buljubasa (أي رئيس وحدة عسكرية من مئة رجل) في الميليشيا الصربية التي كونها السلطان سليم الثالث. وبهذه الصفة تعاون مع حاجي مصطفى ضد الإنكشارية إلى بلاد الصرب عام 1801 كما سبقت الإشارة رأي كارديورديه شأن كثير من الصربيين أنه يتعين القيام ببعض الإجراءات الدفاعية فرق الإنكشارية التي اشتهرت بالعنف والفوضى. على أن تاريخ كارديورديه والخبرة التي اكتسبها كانت تتماثل مع كثير من أهل بلاده مما سهل من مههمته فيما بعد.

لقد أصبح كاراديورديه زعيماً لأول تمرد صربي ضد الحكم العثماني وذلك بسبب قدراته الشخصية التي جذبت إليه الصربيين فضلاً عن شجاعته, وقدرته على حسم الأمور, وحكمته التي بدت في تعامله مع الموقف الدولي المعقد زمن نابليون بونابرت, إذ نجح في رفع المسألة الصربية من مجرد مشكلة عثمانية داخلية إلى مسألة دولية, وكان قادراً على التعرف على مزاج رجال بلاده وتعامل معهم على هذا الأساس, وبالتالي نجح في السيطرة على الحركة الثورية في مواجهة صراع المصالح العظمى التي لا حصر لها.

ويبدو واضحاً أن قدرات كاراديوريه في التعامل مع الشؤون المحلية كانت عاملاً حاسماً في احتفاظه, ففي بداية الثورة واجهته تحديات من القوى السياسية في المدن والضواحي والقرى بسبب النظام العثماني اللامركزي في حكم الأقاليم التابعة والذي سمح بمشاعية السلطة على ذلك النحو وعدم تركزها في هيئة محددة, وهي أمور ظلت قائمة حتى أن إصلاحات تسعينات القرن الثامن عشر لم تمسسها, فمثلاً لم تكن هناك سلطة "صربية" مركزية للباشاوية بل كان لكل منطقة قادتها والمتحدثون باسم أهلها. وعلى هذا وفي 1804 (عام الثورة) كان كارديوريه شخصية معروفة وتحظى بالاحترام في منطقته فقط (سومادييا). وفي الجزء الغربي من الإقليم الشرقي كان ياكوف نينادوفيتش Jacov Nenadovic هو الشخصية الرئيسية بين أهلها, وفي القسم الشرقي كان يحظى بالمكانة نفسها كل من ملينكو ستويكوفيتش Milenko Stojkovic, وبيتر دوبرنياك Dobrnjac. وسرعان ما انفجر حاداً بين هؤلاء الرجال وأتباعهم وبين كاراديورديه وأنصاره ولما كان منافسو كاراديورديه مهتمون فقط بالإفادة من الموقف لمصلحتهم الشخصية ومكانتهم في الإقليم فقد فعلت الغيرة بينهم ووقفوا ضد كل المحاولات التي كانت تستهدف إيجاد حكومة مركزية صربية قومية وقوية, فلم يكن أي منهم يرغب في أن يرى قوته تضعف بين أهله في منطقنه لحساب سلطة مركزية, وأقصى ما كان يمكن أن يقدموه مجرد التعاون مع حكومة مركزية للإطاحة بالحكم العثماني. وأكثر من هذا أنهم حاولوا كما سوف نرى تجنيد عناصر لمساعدة روسيا ضد كاراديورديه.

لقد وضع كاراديوريه في اعتباره أن حل مشكلة بلاده الصرب لن يأتي إلا بإيجاد سلطة مركزية للثورة تعمل على تسوية المشكلات الداخلية التي يعاني منها الأهالي مثل توزيع الأراضي الزراعية, وتحقيق لعدالة ضماناً لوحدة الموقف. غير أن منافسيه ظلوا ينتقدونه بشدة بغية عزله من القيادة وإحلال غير محله واستخدموا كل الأساليب التي من شأنها تشويه صورته بين الناس ولدى حكومة روسيا التي تناصر حركة الصربيين. ومن ذلك أنهم خاضوا في حياته الشخصية, وانتقدوا أخلاقه, وادعوا أنه يتعامل بقسوة متناهية,وأنه أثرى من حيازته لمنافع عثمانية, وأنه تورط في مختلف المكائد التي التي دبرت ضد الصرب وممارسة العنف ضدهم, بل لقد أعلنوا أنه لن تأتي مساعدات من روسيا ما لم يتم استبداله بقائد آخر. ورغم قسوة الهجوم إلا أن الرجل ظل محتفظاً بقدرته على قيادة أول ثورة صربية بشكل مركزي حتى هزيمته العسكرية, وهي خصوصية صربية لم تشهدها ثورة اليونانيين فيما يعد ضد الحكم العثماني.

على كل حال . . فإن تلك الإنقسامية بين القوى السياسية في الصرب لم تكن واضحة المعالم خلال الأيام اللأولى من الثورة لكن سلوك فرق الإنكشارية الفجائي في يناير 1804 كما سبقت الإشارة أنتج رد فعل قومي عفوي من أجل البقاء ومن هنا جاء اختيار كاراديورديه قائداص أعلى للثورة دون منازع في فبراير كما رأينا. وآمن كل الصربيون بضرورة وجود سلطة فردية تنفيذية قوية تتولى قيادةالأمور وعلى هذا أصبح بإمكان كاراديوريه بعد مايو 1804 أن يوقع أوامره وبياناته باسم "الفويفودا الأعلى" Vojvoda (أي الدوق) زعيم الصربيين وقائدهم.

وفي البداية كانت هناك وحدة بين الصربيين ليس فقط في القيادة وإنما في الهدف المراد تحقيقه. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الثورة في تلك المرحلة لم تكن تستهدف الإستقلال عن الدولةالعثمانية بل كانت موجهة ضد سيطرة الإنكشارية في لباد الصرب باتجاه استعادة حقوق الحكم الذاتي التي كانت الحكومة العثمانية قد وافقت عليها من قبل. وآنذاك كان ممثلو الثورة على إتصال منتظم بالباب العالي بشأن أماني الصربيين حيث أكدوا خلال مباحثاتهم معه أن غرضهم التوصل إلى شروط تضمن وضع حكومتهم الذاتية داخل نطاق الإمبراطورية العثمانية. وكانت مطالبهم الفورية تتلخص في إبعاد رؤساء فرق الإنكشارية الأربعة, والعفو التام عن المتمردين الصرب. وفي الوقت نفسه أبدوا رغبتهم في أن يعترف الباب العالي برئيس من بين الصربيين يكون كبيرهم Kens سلطة على صرب الباشاوية (أي بلجراد), ويكون مسئولاً عن تسديد الضرائب, وتمثيل قومه أمام الحكومة العثمانية. كما شملت الرغبة أيضاً أن تفرض الضرائب والجزية دون تعسف في جمعها فضلاً عن منع الإنكشارية من حيازة أرض ريفية, ووضع ضوابط لحق المسلمين في الإقامة في المدن الصربية, وكذا ضمان حرية العقيدة, والتجارة, والإنتقال. وفي أثناء المباحثات مع السلطات العثمانية حول تلك النقاط كان زعماء الصرب يرنون ببصرهم لحكومتي النمسا وروسيا لتقديم العون والمساعدة اللازمة.

وبهذه المطالب الصربية كان على الحكومة العثمانية أن تواجه تمرد فرق الإنكشارية مرة أخرى ومما ساعدها في ذلك أن علاقتها بالمسيحيين كانت قوية وأن السلطان سليم الثالث نفسه لم يكن يرغب في الوقوف ضد أمني الصرب. وعلى هذا أوفد أبوبكير باشا وزير البوسنة إلى بلجراد للقضاء على الإنشكارية وقد نجح في إيقاع الهزيمة بهم في أغسطس 1804. ومع ذلك لم تستقر الأمور ذلك أن فرق المسلمين المتمردة كانت ما تزال قوية وفي الوقت نفسه لم تكن الحكومة العثمانية راغبة رغبة حقيقية في تقرير الحكم الذاتي للصرب الأمر الذي دفع زعماء الصرب للبحث عن مساندة خارجية لضمان تنفيذ شروط الحكم الذاتي. وعلى هذا ذهب إلى روسيا في نوفمبر 1804 وفد صربي كان من أعضائه ماتييا نينادوفيتش Matija Nenadovic من أشهر رجال الكنيسة حيث استقبله وزير خارجية روسيا آدم سيزارتورسكي Czartoryski الذي نصحهم بالتعامل مع الباب العالي مباشرة لأن روسيا كانت تتعاون آنذاك معه في ضد نابليون بونابرت.

وهكذا بقيت الأوضاع في الصرب مائعة ومن ثم اخذ زعماؤها يتطلعون للإتصال بالجماعات المسيحية في البوسنة والهرسك وعصابات اللصوص اليونانيين وحكام مولدافيا وولاشيا استعداد لإمكانية التحرك في المستقبل. وعلى الجانب الآخر أخذت فرق الإنكشارية تتجمع من جديد وتضم إليها العصابات الخارجة على القانون لإستعادة مكانتهم مرة أخرى حيث تسللت داخل القرى خلال شتاء وربيع 1805 لتثير الفوضى والفساد والرعب بين الأهالي. وكانت الإدارة العثمانية أضعف من أن تضبط العناصر الخارجة علىالقانون, والأهم من ذلك أن السلطان سليم اضطر تحت الضغط إلى تغيير موقفه حيث أصبح مقتنعاً في ربيع 1805 بأن الصربيين متمردون ووجب تأييدهم, ومن ثم تخلى عن سياسة التآلف معهم وبادر بتعيين باشا نيش Nis حافظ باشا حاكماً جديداً على بلجراد وزوده بجيش للتعامل مع الصربين. غير أن جيش حافظ باشا هزم عند ايفانكوفو Ivankovo في أغسطس 1805 الأمر الذي شجع الصربيين على التقدم نحو بلجراد وفي نوفمبر استولوا على سميدروفو Semederovo التي أصبحت أول عاصمة لحكومة الصرب الجديدة ثم سقطت بلجراد في أيديهم في العام التالي.

وأمام سيطرة قوات الصرب على باشاوية بلجراد وتجدد حالة الحرب كان من الطبيعي أن تبدي الحكومة العثمانية رغبتها في تسوية المسألة الصربية عن طريق التفاوض مع إبداء استعداد حقيقي لتقديم تنازلات عريضة. وكان من شأن هذا الموقف الجديد أن تتغير مواقف كل من الصرب والروس. فروسيا وهي في حالة حرب مع العثمانيين كانت لها مصلحة في استمرار ثورة الصرب, والصرب التي حققت النجاح في المعارك الحربية كانت تجذبها أكثر فكرة الإستقلال, والباب العالي أظهر استعداده لمنح الصرب قدراً كبيراً من الحكم الذاتي. وأصبح السؤال بالنسبة للصرب آنذاك ما الذي يمكنهم الحصول على أكثر, وإلى أى مدى يمكن الثقة في إلتزام الباب العالي بالإتفاق معه والعمل على تنفيذه ولكن تحت الظروف القائمة ظل إغراء استمرار التمرد لتحقيق استقلال حقيقي أمراً قوياً. وكان الصربيون يدركون أن التوصل إلى قرار نهائي في هذا الشأن يتوقف على موقف روسيا الذي سيكون له تأثير حتمي على مستقبل وجود دولة صربية قوية.

على كل حال . . ففي صيف 1807 وصل إلى الصرب الكولونيل الروسي بولوتشي F.O. Paulucci لتقدير الموقف السياسي والعسكري هناك, ولتحديد نوع المساعدة التي تحتاجها الصرب, ونوع المساعدة التي تستطيع روسيا أن تقدمها في الحرب المشتركة ضد الدولة العثمانية. ولكنه مزوداً بصلاحيات لعقد أي اتفاق ملزم, وهو أمر لم يكن موضع اهتمام الصربيين كما تكشف الوثائق المتاحة. وانتهت الزيارة بتفاهم في العاشر من يوليو عرف باتفاق بولوتشي-كاراديورديه طالب ضمن شروط أخرى بتعيين مسئولون روس في بلاد الصرب, وإقامة حامية عسكرية روسية في المدن, وإرسال مساعدات روسية عسكرية واقتصادية. أما وقد اعتقد كارارديورديه أنه حصل على تأكيدات واثقة بدعم روسي فقد تبنى سياسة تستهدف استقلال الصرب وليس مجرد الحصول على حكم ذاتي تحت الحكم العثماني. وسرعان ما اتضح التسرع في توقيع اتفاق بولوتشي-كاراديورديه هذا عندما تبين أن روسيا وفرنسا عقدتا معاهدة تيلست Tilsit قبله خلال أيام 7-9 يوليو وكانت أحد موادها تنص على أن تحاول فرنسا من جانبها أن تعمل من أجل التوصل إلى عقد صلح بين روسيا والدولة العثمانية.

كان للتفاهم بين روسيا وفرنسا على ذلك النحو تجاعيات سيئة وفورية على الصرب إذ سرعان ما عقدت روسيا في أغسطس هدنة سلوبوزيا Slobozia مع الدولة العثمانية على أثرها تركت القوات الصربية في العراء تواجه القوات العثمانية رغم أن المفاوضين الروس لتوقيع الهدنة كانت لديهم تعليمات بعدم التخلي عن الصرب. وعلى هذا كان من الطبيعي أن يزداد عداء العثمانيين للمتمردين الصرب.

روغم صعوبة الموقف إلا أن قوات الصرب كانت قادرة على الإحتفاظ بالسيطرة على الموقف في الريف وأصبح مصير الصرب النهائي يتوقف فيما يبدو على تطور الأحوال الدولية. وكانت الظروف في الصح الصرب على وجه الإجمال فقد انشغلت الإدارة العثمانية بالصراع على العرش الذي انتهى بخلع سليم الثالث وصعود السلطان محمود الثاني للحكم, ولم يكن بامكان السلطان الجديد تجريد حملات عسكرية ضد متمردي الصرب بل كان أكثر ميلاً للتفاوض للتوصل إلى تسوية, وكانت مشكلة التسوية تبدو في صعوبة الإتفاق على وضع حدود معينة لدولة الصرب الجديدة.

وفي تلك الفترة الحاسمة من الصراع استمر كاراديورديه يواجه خصومه في الداخل, وكانوا قد نجحوا في 1805 في تشكيل مجلس لمراقبته باسم المحكمة العليا, لكنه كان مجلساً شكلياً لم يحل دون أن يعلن كاراديورديه نفسه القائد الأعلى للبلاد 1808 وذلك بعد فشل مؤامرة خصومه ضده بتأييد من المبعوث الروسي كونستاتيور رودوفنكين Rodofinikin الذي كان قد وصل إلى الصرب في أغسطس 1807. وعلى هذا أخذ الرجل يتطلع للحصول على مساعدة فرنسا والنمسا للإحتفاظ بسلطته رغم أنف المعارضة.

ورغم المعاناة التي لقيها كاراديورديه من المبعوث الروسي إلا أنه اعترف بوحدة المصالح التي تربط بلاده بروسيا. ولهذا فعندما اندلعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية مرة أخرى في 1809 كان كاراديورديه يستعد لمساندة جيوش روسيا. غير أن التعاون بين الطرفين لم يكن مؤثراً فرغم أن كاراديورديه شن هجوماً ناجحاً على نوفي بازار Novipazar إلا أنه هزم هزيمة شديدة في نيش أمام القوات العثمانية التي واصلت تقدمها إلى بلجراد, مما أدى إلى فرار عدد كبير من الصربيين عبر الدانوب في أغسطس 1809 بما فيها المبعوث الروسي رودوفنكين. ومع أن الصرب لم تهزم تماماً في هذه المواجهة إلا أنه حدث تحول ملحوظ في حركة المتمردين, إذ كان عليهم البقاء في خط الدفاع للإحتفاظ بالمقاطعات التي تحت سيطرتهم.

وبناء على تلك التطورات عادت القوات الروسية إلى الصرب في يونية 1810 للمرة الثانية بقيادة المارشال كوتوزوف Kutuzov مزودة بأسلحة ومعدات ومواد طبية لللإشتارك مع الصربيين في وضع خطة مشتركة للمواجهة مما جعلهم يشعرون بأن انتصارهم في قضيتهم بات قريباً أو قاب قوسين أو أدنى. غير أن مجريات الأمور على المسرح السياسي في أوروبا عصفت بآمال الصربيين وخيم التشاؤم عليهم.

والحاصل أن قيصر روسيا ألسكندر الأول وكان يواجه غزواً فرنسياً وشيك الوقوع أصبح راغباً في عقد معاهدة صلح نهائية مع الباب العالي حتى يكون بإمكانه سحب قواته المشاركة مع العثمانيين لمواجهة ذلك الغزو المتوقع. لكن كما حدث عند توقيع هدنة سلوبوزيا تصرفت روسيا ضد مصالح حلفائها إذ لم يعلم الصربيون مسبقاً بمفاوضات الروسي في هذه المرة الثانية في وقت كانت توقعات الصربيين فيه عالية في حقيق الإستقلال, وكان كاراديورديه قد بلغ أوج قوته.

وفي المفاوضات الروسية-العثمانية التي انتهت بعقد بوخارست في مايو 1812 حاول المفاوضون الروس عمل شئ للصربيين حلفاؤهم السابقين فكانت المادة الثامنة من المعاهدة تختص أثناء الثورة ما لم تكن لها قيمة معينة لدى الحكومة العثمانية, وتعاد الأجهزة العثمانية والمنشآت التي كانت قائمة في بلاد الصرب قبل عام 1804 وتكون تحت حماية قوات عثمانية. وفي المقابل وعد الباب العالي بإصدار عفو عام عن المعارضة الصريبية, ومنح حقوق حكم ذاتي مؤكدة, وأن يقوم الصربيون "بإدارة شؤونهم الخاصة", وتثبيت الضرائب وجمعها بمعرفتهم وتوريدها إلى الخزانة العامة في استنبول.

كان رد فعل تلك المعاهدة لدى الصربيين شديداً ذلك أن عودة العثمانيين لاحتلال قلاع ومدن الصرب مرة أخرى كان أمراً مرفوضاً ومن ثم توقع الجميع اندلاع موجة من الثأر المخيف خاصة وأن حكومة الصرب لم يكن لديها ضمانة با، الحكومة العثمانية سوف تنفذ المادة الثامنة من المعاهدة, بل أن قيام روسيا بتشجيع الصربيين على التفاوض المباشر مع العثمانيين أشعرهم بعدم الأرتياح خاصة عندما أصبح واضحاً أن روسيا للصرب في المرحلة التالية مجرد دعم دبلوماسي. ولقد تأكدت مخاوف الصربيين فور رجوع القوات الروسية إلى بلادهم إذ أصبح بإمكان الدولة العثمانية تركيز قواتها في الصرب بعد صلحها مع روسيا إلى بلادها إذ أصبح بإمكان الدولة العثمانية تركيز قاوتها في الصرب بعد صلحها مع روسيا (صلح بوخارست) . وسرعان ما تقدمت ثلاثة جيوش عثماينة في أراضي الصرب دفعة واحدة واضطر كاراديورديه ومعه عدد من القادة لعبور نهر الدانوب في يوليو 1813 إلى أراضي النمسا وهنا دخلت القوات العثمانية بلجراد وهي المدينة التي أجبروا على مغادرتها في 1806 كما رأينا ووقع أهالي المدينة ضحية أعمال ثأر بشعة وعقوبات شديدة. وبهذا انتهت ثورة الصرب الأولى بعد حالة من الحروب دامت تسع سنوات استنزفت خلالها مصادر الصربيين بشرياً ومادياً.

ورغم فشل الصربيين في ثورتهم إلا أن بلادهم حققت الكثير تحت قيادة كاراديورديه إذ تم تنظيم التمرد, وتم تأسيس أول حكومة صربية منفصلة عن الدولة العثمانية, ووقعت في يدهم كثير من ممتلكات العثمانيين بما فيها أراص ومنازل ومحلات ومخازن. ومن ناحية أخرى لفتت الثورة انتباه دول العالم وخاصة روسيا إلى المسألة الصربية التي أثبتت الحوادث بدرجة غالية أن مستقبل الحكم الذاتي للصربيين مرهون بموقف روسيا وعلى مدى رغبتها في استعادة الحكم الذاتي للصربيين. والأكثر أهمية أن محاولات جرت للإجابة على سؤال جوهؤي بمسألة سياسية كبرى ألا وهو: هل وجود نظام حمن مركزي لأقاليم تابعة متنوعة الأعراق والأديان أكثر فائدة أم قيام حكومة تمسك بزمام السلطة فيها مختلف الأقليات والجاليات المحلية القائمة؟.

والملاحظ أنه بعد الغزو الفرنسي لروسيا في يونيو 1812 تركزت أنظار الدولة العثمانية وكل دول أوروبا على المنطقة ثم على المعارك التي دارت في وسط أوروبا حتى هزيمة نابليون واحتلال فرنسا ذاتها. وخلال تلك الفترة من الإضطرابات كانت الحكومة العثمانية تزيد السلام على أراضيها, ومن ثم اتبعت سياسة لتوفيق الأوضاع مع الصربيين ومن ذلك أنها أعلنت في اكتوبر 1813 العفو العام الذي أفاد منه بكثير من قيادات الصرب بما فيهم زعيم المرحلة التالية من حركة الصرب القومية ميلوش أوبرينوفيتش Milos Obrenovic حيث عادوا إلى مواقعهم في السلطة المحلية. ومع عودة الصربيين إلى وطنهم غادر العساكر العثمانية المناطق الريفية وكذا كثير من المسلمين.وهكذا كان الصربيون ما يزالون أقوياء ولكن زيادة عدد خصومهم كان أمراً محتملاً أيضاً.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات العثمانية للوفاق مع رعاياها إلا أن المشاعر السيئة بين المسيحيين والمسلمين ظلت قائمة ولم يتم اتخاذ مواقف محددة بشأنها. وهكذا وفي 1814 انفجرت ثورة في مدينة رودنيك Rudnik في باشاوية بلجراد وعرضت السلطات العثمانية على رئيس المدينة (Kens) ميلوش أوبرفيتش إنهاء الثورة في مقابل العفو العام عن المتمردين. ورغم أن محافظ بلجراد سليمان باشا أكد هذا العرض إلا أنه تم ذبح كثير من المتمردين بعد القضاء على التمرد. وهنا عادت مخاوف الصربيين مرة أخرى فهرب بعضهم واستعد البعض الآخر للثورة. وفي أبريل 1815 تخلى ميلوش عن سياسة التعاون مع العثمانيين وتولى زعامة الثورة. وفي هذه المرة كانت الظروف المحلية والدولية في صالح الصربيين, فأولاً كان الصربيون أفضل عدداً مقارنة بالقوات العثمانية, وثانياً أن حالة الحرب العامة التي كانت سائدة في أوروبا ووترلو في ويونية 1814 بهزيمة نابليون وفي الوقت نفسه لم تكن الحكومة العثمانية مستعدة لمواجهة ثورة كبرى.

وعلى هذا انفتح الطريق للإتفاق بين الصربيين والحكومة العثمانية, فالباب العالي كان في حالة مزاجية إيجابية, وميلوش يرغب في التفاوض في الوقت نفسه. وهكذا ذهبت وفود صربية لاستانبول لتعلن أ، تمرد الصربيين لم يكن ضد السلطان وإنما كان ضد سليمان باشا بسبب حكمه السيئ. وقد زاد من قوة الصربيين في الحقيقة موقف روسيا التي أفهمت الباب العالي بأنه إذا لم يتوصل إلى اتفاق مع الصربيين فإنها سوف تثير مسألة تطبيق المادة الثامنة من معاهدة بوخارست, فما كان من الحكومة العثمانية إلا أن سحبت سليمان باشا وعينت بدلاً منه علي باشا المرعشلي.

وهكذا وفي إطار هذا المناخ الجديد تم التوصل في نوفمبر 1815 إلى تفاهم شفاهي بين المعشلي باشا وميلوش الذي طالب بتنفيذ الشروط التي سبق أن وافقت عليها الحكومة العثمانيةةة في عام 1807 والتي كان كاراديورديه قد رفضها عندما قرر الدخول في حرب من أجل الإستقلال. وتم الإتفاق على الإعتراف بميلوش كبيراً للصربيين Kens, وأن يزود كل إقليم بموظفون صربيين وعثمانيين رسميين لتولي القضاء في الحالات التي يكون فيها الصربيون طرفاً في الخصومة, وإنشاء مجلس قضائي في بلجراد يكون بمثابة محكمة عليا في البلاد, وأن يتولى مسئولون صربيون مهمة جمع الضرائب المقررة, وتسوية ضرائب الأطيان مبقتضى فرمان. وبالفعل وبعد ثلاثة أشهر من هذا الإتفاق الشفاهي أصدر السلطان محمود الثاني فرماناً يؤكد على هذه الترتيبات. كما تم منح الأراضي ميزات في التعريفة الجمركية والتجارية, وتم إبعاد عائلات الإنكشارية عن الأراضي المملوكة للصربيين, وأن يعمل مسئولون صربيون وعثمانيون معها في إدارة شؤون المدن والمواقع العسكرية,كما تم إصدار العفو العام.

غير أن تلك الشروط الجديدة لم تجعل من الصرب حكومة ذاتية حقيقية داخل الإمبراطورية العثمانية وهو الأمر الذي لم يتحقق إلا في عام 1830, لكنها أنهت أعمال الثورة والمعارك العسكرية, ثم أخذت خطوات الحكم الذاتي تتحقق تدريجياً بفضل المفاوضات الدبلوماسية وضغط روسيا على الحكومة العثمانية. وفي كل الأحوال تمكن الصربيون من إدارة شؤون بلادهم بانفسهم وأصبح لهم قائدأ وطنياً معترف به, وأقاموا قاعدة وطنية أسهمت في تحقيق التطور القومي في المستقبل.

الفصل الثالث: الثورة اليونانية

إذا كانت ثورة الصرب تركت انطباعاً عارضاً في الدبلوماسية الأوروبية بشكل عام فإن ثورة اليونان على العكس أصبحت المشكلة الدولية الأساسية في عشرينيات القرن التاسع عشر بحيث كان التدخل الخارجي له الدور الكبير في تقرير النتيجة النهائية أكثر من جهود زعماء اليونان بل إن تطور الحياة السياسية لليونانيين ظل يعتمد بدرجة كبيرة على موقف الدول الكبرى.

يضاف إلى ذلك أن تعقد الأحوال الإجتماعية لليونانيين تعقداً ملحوظاً كان له تأثيره على مجرى الثورة هناك. فالفلاحون الصربيون مثلاً هم الذين قاموا بالثورة في بلادهم كما رأينا وحاربوا بأسلوب المجموعات الفدائية وتحت قيادة عسكرية محلية وفي ظل مناخ إجتماعي لا تشويه اختلافات صارخة رغم وجود طبقة تجار وطبقة كبار ملاك زراعيين لأنهم كانوا مرتبطين بالمكان ارتباطاً وثيقاً, عكس اليونانيين الذين دخلت حياتهم الإجتماعية عناصر أخرى كما سبقت الإشارة.

ولقد قام بالخطوات الأولى في ثورة اليونان اليونانيين الذين كانوا يعيشون خارج بلاد اليونان جغرافياً وهم أولئك الذين يعملون بتجارة البحر الأسود والبحر المتوسط, والفناريون في استانبول, وأولئك الذين يعيشون في إمارتي الدانوب (مولدافيا وولاشيا). وقد انضم إلى هؤلاء وأولئك بعض النبلاء داخل بلاد اليونان والأرستقراطية الدينية من كبار رجال الدين. كما انخرط عسكريون وفلاحون من المورة والروميلي في صفوف الثورة فور اندلاعها. وقد كان لهذه التركيبة الإجتماعية المتناقضة أثرها في انقسام الثوار على أنفسهم نظراً لاختلاف المصالح الطبقية, والتنافس فيما بينهم على قيادة الحركة حتى لقد قامت بينهم حرب أهلية تزامنت مع الحرب ضد الحكم العثماني. فمثلاً كان النبلاء والفناريون وملاك السفن التجارية يمثلون مصلحة مشتركة تناقضت بطبيعة الحال مع الفئات الإجتماعية الأخرى, وحدثت منافسة بين القيادات العسكرية وبين الطبقات العليا للسيطرة على حركة الثورة, فضلاً عن وجود تنافس على مستوى آخر بين يونانيي شبه جزيرة المورة ويونانيي الروميلي ويونانيي الجزر الأخرى.

وعلى هذا فإن تغيير الولاءات المستمر والصراع بين الأفراد حال دون بروز زعامة قوية في الثورة اليونانية عكس ثورة الصرب. كما عجز اليونانيين عن تشكيل حكومة مستقرة تتحمل أعباء الثورة, وحال تعدد الحروب الأهلية بين اليونانيين انفسهم دون تكوين جبهة متحدة حتى عام 1827, بل إن الحكومة التي تأسست تلقائياً بعد أربع سنوات عندما تم اغتيال رئيسها. وأكثر من هذا أنه عندما تحقق النصر النهائي للثورة وقعت البلاد في حالة من الفوضى السياسية.

وكما لم يكن هناك سلطة حكومية دائمة في بلاد اليونان لم تكن هناك أيضاً قيادة عسكرية دائمة فمثلاً نجد أن تيودور كولوكوترونيس Kolokotrones يوجه نشاط رجاله وعملياتهم في المروة, وجورج كاريسكيكس Karaiskakes يوجه رجال الروميلي وهكذا لم يكن اليونانيين يحاربون معاركهم كجيش قومي واحد تحت قيادة واحدة, بل كانوا يحاربون في شكل عصابات ومجموعات فدائية, وساعدهم على ذلك طبييعة جغرافية بلادهم التي جعلت من حرب العصابات منهجاً عملياً. غير أن الوجه السلبي لهذا الأسلوب تمثل في التدمير الذي ألحقته تلك المجموعات باهالي الريف الذي كان مسرحاً للقتال بين مجموعة وأخرى أو ضد سلطات المدينة. وقد حدث مثل هذا في سلاح البحرية الذي تفشى بين رجاله وباء التمرد والعصيان رغم أن الأسطول أثبت فاعليته ضد البحرية العثمانية.

ولقد انعكس توزع اليونانيين بين أكثر من مكان وأكثر من قيادة على نحو ما رأينا على مسيرة الثورة ومجرياتها, فقد كانت للثورة قيادات في مكانين مختلفين أحدهما خارج بلاد اليونان حيث التجار والفناريون في بلاد الشتات, والأخرى داخل البلاد (في المورة) حيث الفلاحين والعساكر. وعلى هذا اندلعت الثورة الأولى من يونانيي إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا), وقامت الثانية في المورة (بلاد اليونان) في إطار محاولة السلطان محمود الثاني القضاء على تمرد علي باشا اليانيني. وبينما كانت الثورة الأولى على درجة عالية من التنظيم ووفق إيديولوجية متأثرة إلى حد كبير بالفكر الغربي, قامت الثانية بشكل تقليدي كرد فعل للفلاحين الأرثوذكس ضد سوء حكم العثمانيين وحالة الفوضى العامة والخروج على القانون شأن حالة ثورة الصرب.

أما النشاط الثوري لليونانيين في الشتات فقد حدث من خلال "رابطة الأصدقاء" The Philike Hetairia التي قادت الثورة بنجاح ملحوظ ليس في بلاد اليونان فقط وإنما في كل بلاد البلقان. وهي رابطة أسسها في عام 1814 ثلاثة من التجار اليونانيين المفلسين في أوديسا Odessa على البحر الأسود, وتلقت دعماً كبيراً وخاصة من صغار التجار والحرفيين وقليل من أغنياء التجار والفلاحين. وقد تم تنظيم هذه الرابطة على طريقة الماسونية والمنظمات الثورية الأخرى في التآمر والسرية والتكتم, وكان الأنضمام لها يتم وفق طقوس محددة, ولأعضائها مراتب ودرجات ومستويات مختلفة. وفي 1818 نقلت الرابطة مركزها إلى استانبول عاصمة الدولة العثمانية حيث يعيش عدد كبير من اليونانيين وهناك بدأت تتخذ الإجراءات والاستعدادات اللازمة للقيام بثورة بلقانية عامة تدعمها روسيا.

ولقد كانت الرابطة تعول كثيراً على مساعدة روسيا في القيام بالثورة حتى لقد تردد أن هناك زعامة خفية لها ربما تكون قيصر روسيا نفسه (ألكسندر الأول). والحقيقة أن روسيا كات لها مصلحة في إقصاء العثمانيين من البلقان من قديم, ففي 1770 وقفت بجانب ثورة المورة التي كان حظها سيئاً, وفي المعاهدات التي كانت تعقدها لتسوية آثار الحروب في البلقان كانت تحرص على أن تؤكد حقها في حماية أرثوذكس البلقان, وحقها في التحدث باسم الصربيين والرومانيين (ولاشيا ومولدافيا). وأكثر من هذا كان عدد كبير من قناصلها في بلاد البلقان ومعظمهم يونانيين أصلاً أعضاء في "رابطة الأصدقاء" التي كان المسئولون الروس في مختلف المستويات يعرفون بامرها وبأهدافها.

كانت الرابطة بحاجة لقيادة تنفيذية للثورة فوقع اختيارها على جون كابوديسترياس Capodistrias وهو يوناني من جزر أيونيا وكان آنذاك وزير خارجية روسيا, فلما اعتذر تمت مفاتحة ألكسندر بيسيلانتيس Ypsilantes وهو يوناني آخر ويعمل ياور لقيصر روسيا, وكان والده خوسبدار سابق لولاااااشي. وقد قبل الرجل مهمة تنظيم الثورة حيث عمل على تجنيد عناصر يونانية متنفذة تعيش في بلاد اليونان نفسها, ومنهم تيودور كولوكوترنيس, وبتروبى مفروميخاليس Petrobey Mavromichales أحد النبلاء المهيمن في ماني Mani بالمروة, وجرمانوس Germanos أسقف بترا. ومن ناحية أخرى قام وكلاء الرابطة بتمشيط بلاد اليونان طولاً وعرضاً بحثا عن أنصار لتأسيس خلايا ثورةي. ولما كانت الرابطة تستهدف القايم بثورة عامة في البلقان فقد عملت على تجنيد عناصر من قوميات أخرى من غير اليونانيين وقد حققت نجاحاً ملحوظاً في هذا المقام إذ انضم إليها بلغاريون ورومانيون وصربيون وأصبح لها مئات الفروع التي ضمنت اعداداً هائلة من الأعضاء.

وضعت الرابطة خطتها على أساس أن تقوم الثورة في كل من المورة والصرب في وقت واحد ولكن لسوء الحظ لم تكن ظروف الصرب مواتية للاشتراك في عمل من هاذ النوع, ذلك أن ميلوش زعيم الصرب الذي خلف كاراديورديه كان يفضل تحقيق الاستقلال بالتدرج ومن خلال التعاون مع السلطان العثماني خاصة وأنه كان يتفاوض مع الباب العالي لكي تكون الصرب "إمارة وراثية" ولهذا لم يكن يريد تشويشاً على مفاوضته. غير أن الرابطة نجحت في أن تضم إلى صفوفها كاراديورديه فور عودته من منفاه عام 1817 انضم إلىالرابطة بعض خصوم ميلوش مثل ستويكوفيتش Stojkovic ثم جاء شنق كاراديورديه ليقضي على احتمال اشتراك الصرب في خطة الثورة العامة البلقانية ضد العثمانيين.

وأمام خروج الصرب من ترتيبات الثورة على ذلك النحو وقع اختيار الرابطة على إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا) بديلاً رغم أن معظم الأهالي هناك من الرومانيين. وكان اختياراً منطقياً إلى حد كبير ذلك أن الأمارتين أصبحتا مركزاً للاجئين من الصرب والبلغار, وأن زعيم حركة القوميين الرومان تيودور فلاديمريشكو Vladimirescu الذي يعتمد على الغلاحين وصغار ملاك الأراضي الزراعية كان عضواً في الرابطة, فضلاً عن أن النفوذ السياسي الرئيسي في الأمارتين كان في يد اليونانيين الفناريين فمثلاً كان اليوناني ميخائيل سوتسوس Soutsos خوسبدار مولدافيا عضواً في الرابطة,كما أن الرابطة كانت تنتظر المساندة من كبار رجال الدين في الإمارتين وكبار ملاك الأراضي الزراعية ومعمهم من اليونانيين أصلاً. ومن ناحية أخرى كان الوجود العثماني في الإمارتين ضعيفاً, فالقرى تخلو من الموظفين العثمانيين, والحامية العسكرية لا توجد إلا في حصون الدانوب, والميليشيات المحلية في عناصر تعتقد الرابطة أنها خير معين.

ومع أن ظروف الثورةالعامة كانت مواتية في إمارتي الدانوب على ذلك النحو إلا أن الثوار كما سبقت الإشارة كانوا يعولون كثيراً على مساندة روسيا ويعتبرونها أمراً جوهرياً, بل إن الرابطة كانت تعتقد أن روسيا فور اندلاع الثورة سوف ترغم علىالتدخل نظراً لسابق نفوذها الهائل في الإمارتين, وأن السلطان العثماني قد لا يدفع بقواته إلى هناك بدون موافقة روسيا طبقاً للإتفاقية الروسية-العثمانية عام 1802, أي أن روسيا سوف تدفع بقواتها إلى المنطقة أو تمنع دخول القوات العثمانية.

وهكذا وفي ربيع 1821 اندلعت الثورة في الإمارتين تحت قيادة بيسيلانتيس عندما تيقنت الرابطة من وقوف فلاديمريشكو بجانب الثورة, ومن انشغال القوات العثمانية القوات العثمانية في قمع تمرد علي باشا اليانيني في المورة والتي كانت الرابطة تتابع مجرياته عن قرب لعل الثورة العامة تقوم فيها.

والحق أن الثورة التي اندلعت في إمارتي الدانوب كانت كارثة بكل المقاييس منذ البداية, فمن ناحية لم تقم ثورة عامة في بلاد البلقان كما كانت الرابطة تتوقع, ولم تتحرك الصرب لمضايقة الباب العالي, ولم تقدم روسيا مساعدة للثوار من أي نوع, بل قلد استنكر قيصرها ألكسندر الأول الأمر برمته علناً ولم يتحرك ليحول دون دخول القوات العثمانية في البلاد فقد كان في مؤتمر في لايباخ Laibach لمتابعة حركات الثورات القومية في كل من إيطاليا وأسبانيا تنفيذاً لتسويات مؤتمر فيينا 1815 الذي قرر بتأثير مترنيخ مستشار النمسا – بعد التخلص من نابليون والثورة الفرنسية – المحافظة على خريطة توازن القوى في اوروبا والذي كان يعني الوقوف ضد أي ثورة قومية تؤدي إلى الإخلال بهذا التوازن.

ومن احية أخرى واجهت الثورة في الإمارتين نكسات شديدة لم تكن متوقعة, فعندما لم يحدث التدخل الروسي المنتظر بدأت العلاقات بين اليونانيين والرومانيين في الإمارتين تتدهور وكانت غالبية الرومانيين يكرهون سيطرة الفنارين اليونانيين بصرف النظر عن أي موقف طبقي اجتماعي. ومن ناحية أخرى كانت الرابطة منظمة يونانية قومية في الأساس وليس للرومانيين مصلحة أساسية في تحقيق نصر يوناني عظيم. وأكثر من هذا أهمية أن الثورة تحت قيادة تيودور فلاديمريشكو اكتسبت ملامح اجتماعية قوية إذ انتهز الفلاحون الفرصة لكي يثورا ضد سيادتهم ملاك الأراضي الزراعية في طول البلاد وعرضها حتى أصبح الرجل نفسه في وضع صعب للغاية وعندما أدرك أن الثورة قد لا تنجح حاول إنقاذ نفسه بالشروع في التفاوض مع السلطات العثمانية فما كان من الرابطة إلا ن اختطفته وأعدمه بيسلانتيس في 27 مايو 1821, وبموته قضى تماماً على أي امل في وجود مساعدة رومانية للرابطة في تفجير الثورة العامة في البلقان.

والحال كذلك دخل الجيش العثماني أراضي الدانوب وهزم الفرقة اليونانية التي أطلق عليها اسم "الكتيبة المقدسة" شر هزيمة في معركة درجاساني Dragasani وفر بيسلانتيس هارباً إلى النمسا في يونية من العام نفسه وهناك سجن لمدة تسع سنوات. ولما كانت الفرقة اليونانية في بداية الثورة قد أعملت القتل في العثمانيين في مدينتي ياصي وجلاطة Galata فقد كان من المتوقع أن يقوم الجيش العثماني بالثأر لما حدث. وبهذا انتهت الثورة في إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا).

ورغم فشل "رابطة الأصدقاء" في القيام بالثورة في بلاد الرومانيين (إمارتا ولاشيا ومولدافيا) كما رأينا إلا أنها رتبت لقيام الثورة في بلاد اليونان ذاتها (المورة). وكانت الظروف هناك مواتية حيث الفلاحون يحملون السلاح. وجاءت الفرصة عندما قرر السلطان محمود الثاني القضاء على تمرد علي باشا اليانيني. ففي خلال عام 1819-1820 وجد اليانيني نفسه محاصر بجيش عثماني مصمم على الإطاحة به فجأة إلى طلب المساعدة من الرابطة رغم أنه أفشى سرها للباب العالي من قبل, ومن الألبان, ومن الفلاحين المسيحيين عن طريق تخفيض الضرائب عليهم وتخفيف أعمال السخرة, كما التمس من قباطنة الروميلي Kapetanioi الانضمام إليه ضد الجيش العثماني, فضلاً عن اعتماده بطبيعة الحال على المسلمين.

غير أن علي باشا اليانيني لم يحصل على مساندة اليونانيين في بادئ الأمر ففي أغسطس 1820 تقدم الجيش العثماني بقوة وتقهقر أمامه عي باشا وبصحبته ألفين من أعوانه إلى قلعته في يانينا فحاصرها الجيش العثماني. وخلال المعارك الحامية التي دارت بين الطرفين انضم العسكريون اليونانيون إلى جانب العثمانيين, فلما بدأت العساكر العثمانية في تخريب البلاد غير اليونانيين موقفهم وانضم إلى اليانيني في مطلع 1821 حوالي خمسة آلاف أو سبعة من سكان الجبال ومن ثم وجد الجيش العثماني نفسه في موقف أضعف. ورغم وجود شبكة لرابطة الأصدقاء في المروة, إلا أنه لم يحدث تنسيق بين ثورة اليونانين والثورة في إمارتي ولاشيا ومولدافيا ففي الوقت الذي علم فيه اليونانيون بعبور يبسيلانتيس نهر بروث Pruth هارباً إلى النمسا كانت ثورتهم في طريقها إلى الإندلاع.

والحق أن المورة كانت مكاناً مناسباً لكي تكون مركزاً لتنظيم المقاومة اليونانية شأن إمارتا الدانوب بالنسبة للرومانيين فقد كانت تتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي قريب لما كانت تتطلع إليه الصرب وقد تحقق لهم هذا الوضع بعد سنوات من المعراك والمفاوضات فاليونانيون في إقليم المروة كانوا يشغلون وظائف البلاد, ولهم جمعيات تشريعية وأخرى تنفيذية تتكون من ممثلين منتخبين عن كل جالية. وتقوم كل جمعية تشريعية باختيار أعضاء مجلس الشيوخ على مستوى الإقليم الذي له كامل السيطرة على الإدارة وعلى الضرائب, فضلاً عن انتخاب عضوين مسيحيين وعضوين مسلمين للمجلس الدائم لوزير المروة. وأكثر من هذا أن أقليم المورة كان له حق إيفاد مندوبيه مباشرة للباب العالي في استانبول لمناقشته في الشكاوي والمطالب.

غير أن كبار الملاك الزراعيين من نبلاء المورة وكبار رجال الكنيسة الأرثوذكسية ككانوا في كل الأحوال راغبين عن الثورة ضد الحكم العثماني إذ كانوا جزء من نظام الحكم القائم ولهم مصلحة في استمراره, فضلاً عن أن المبادئ الثورية العلمانية كما تعبر عنها "رابطة الأصدقاء" لم تكن تتلاءم مع عقائد رجال الدين وتتعارض مع توجهات الكنيسة التي كانت ترى الخطر كل الخطر ياتي من الغرب الكاثوليكي ومن هنا كان رجال الدين يتعاونون مع السلطات العثمانية.

على أن الأحداث أرغمت كل الأطراف على الاشتراك في الثورة رغم ما بينهما من اختلافات في التوجهات والرؤى. والحاصل أن السلطات العثمانية بلغتها شائعات ترددت بأن الثورة في بلاد البلقان توشك أن تنفجر فبادرت باستدعاء نبلاء المورة في مارس واجتمعت بهم في تريبوليتزا Tripolitsa كنوع من اختبار الولاء فلما انجرت الثورة فعلا في السادس من أبريل تم احتجاز من وصل من أولئك النبلاء بصفة رهائن لديها. ويلاحظ أن جرمانوس أسقف بترا والنبيل بتروبى من ماني قد أعلنا الثورة من مدينة كالاماتا Kalamata دون أن تكون هناك خطة متكاملة أة تنظيماً مركزياً وكل ما هنالك أن أعضاء رابطة الأصدقاء استثمروا الظروف فانضم بعض النبلاء للثورة إيماناً بالمبدأ وانضم البعض الآخر بسبب المذابح التي ارتكبها العثمانيون وتحمل الفلاحون والميليشيات المحلية عبء المعارك.

والحقيقة أن رد فعل العثمانيين لثورة اليونان كان ضعيفاً في البداية وذلك بسبب انشغالهم بثورة الرومانيين في ولاشيا ومولدافيا, ومواجهة تمر علي باشا اليانيني, والحرب مع بلاد فارس في شرق وشمال العراق. غير ا، قيام الثوار بإعمال القتل والذبح بعمليات دموية مماثلة, ففي ليلة عيد القيامة قامت مجموعة من الإنكشارية بشنق بطريرك استانبول وبعض أساقفته أمام كنيستهم كما أعملوا القتل في اليونانيين في استانبول وفي أماكن أخرى. وتبادل الطرفان عمليات الذبح والقتل والانتقام في صورة دموية غاية في البشاعة. ومع ذلك فإن الذي لفت انظار بلاد أوروبا وروسيا لما يحدث كان تصرفات العثمانيين فقط وخاصة المذبحة التي راح ضحيتها حوالي ثلاثمائة ألف من أهالي جزيرة خيوس Chios في أبريل 1822 الأمر الذي كان له تأثيره القوي في بلورة أسباب للتدخل الأوروبي.

وإذا كان الجيش العثماني قد نجح في قمع ثورة الرومانيين إلا أنه لم يتمكن من قمع ثورة اليونانيين بالسرعة المطلوبة لانشغاله بمواجهة علي باشا اليانيني إلى أن مات في فبراير 1822, فضلاً عن أن اليونانيين كانوا يحاربون على أراضهم وفي مناطق جبلية تصلح لحرب العصابات ولم يكن بإمكان السلطات العثمانية توفير جماعات مناسبة للحرب متينة للعمليات البحرية والتموين في المورة بعد أن سيطروا عليها وفي عدة جزر أهمها هايدرا Hydra, وسبتساي Septsai, وبسارا Pasara, وميسولونجي Misolonghi شمال خليج كورنثا, وأثينا, وطيبة Thebes والمنطقة المحيطة. وأصبحت ميسولونجي المركز الرئيسي للثورة بعد أن تمكن الجيش العثماني من قمع الانتفاضات التي هبت في الأماكن الأخرى, وأصبحت مشكلة العثمانيين تتلخص في كيفية إخضاع ميسولونجي.

وخلال المرحلة الأولى من الثورة 1821-1825 تمكن الثوار من الاحتفاظ بمواقعهم الرئيسية وساعدتهم خبرتهم في القرصنة البحرية على إيقاع خسائر بالبحرية العثمانية, لكنهم أثبتوا فشلهم في مواجهة مشكلاتهم الداخلية بالتفاهم بدلاً من الحرب ذلك أنهم في وقت الفراغ من قتال العثمانيين كانوا يقتتلون فيما بينهم في حرب أهلية, وأصبحت الحاجة إلى وجود سلطة مركزية لإدارة الثوار أمراً أساسياً. وآنذاك كان ثمة شخصيات يونانية قد عادت إلى بلادهم بسبب المواجهات مع العثمانيين في المناطق التي يعيشون فيها, وهي شخصيات نالت حظاً راقياً من التعليم واكتسبت خبرات سياسية مركبة مع إيمان بكثير من مبادئ الثورة الفرنسية. ومن هؤلاء ديمتريوس يبسيلانتيس الذي رجع في يونية 1821 وتبعه ألكسندر مفروكورداتوس Mavrokordatos الفناري واذلي كان لظهوره على مسرح الأحداث مغزى سياسياً.

وفي هذا الخصوص أصبح بيسيلانتيس في جانب الفكرة التي تدعو إلى عقد جمعية تأسيسية وتكوين دولة يونانية موحدة تحت قيادة مركزية بتأييد من العسكريين وخاصة تيودور كولوترونيس وكان يأمل أن يكون رئيساً للحكومة. وعلى هذا وفي ديسمبر 1821 انعقدت الجمعية التأسيسية في إبيدارو Epidaurus قامت بتشكيل حكومة تركيز السلطة في يد شخص واحد حيث عهد بالسلطة التنفيذية إلى لجنة خماسية برئاسة مفروكورداتوس, وبهذا الدستور تحقق لسكان الجزر ونبلاء المورة ما كانوا يتطلعون إليه من نظام. وقد أسرع مفروكورداتوس الذي أدرك أن قوة الدولة لحقيقية ما تزال في الأقاليم بالرجوع إلى ميسولونجي قاعدة محلية له هناك. ومع هذا فإن الحكومة الجديدة التي وقعت تحت سيطرة النبلاء وسكان الجزر باحترام كولوكوترونيس وأنصاره من الميليشيات والفلاحين.

وفي ديسمبر 1822 عقدت جمعية أهلية ثانية في آستروس Astros من أجل الاتفاق على جعل الحكومة مركزية وذات طابع مدني, وتحقيقاً لذلك تم عزل كولوكوترونيس من رئاسته العسكرية فما كان إلا أن اختطف بعض أعضاء الحكومة وأرغم الآخرين على الفرار. وبهذا ظهر مركزان للسلطة, واحد عسكري في نابليون Nauplion برئاسة كولوكوترونيس, والآخر مدني في كرانيدي Kranidi برئاسة كونتوريوتيس Kountouriotes وهو من سكان الجزر واغنى رجل في البلاد, وكان على صلة وثيقة باهالي جزيرتي هايدرا وسبتساي. وقد انضم إليه أندرو زايمس Zaimes أحد نبلاء المورة, وجون كوليتيس Kolettes الذي جاء إلى المورة في 1821 وستكون له أهميته في السياسات اليونانية في المستقبل وهو فلاخي وعلى اتصال سابق ببلاط علي باشا اليانيني وله نفوذ كبير بين العسكريين في الروميلي.

وفي الصراع بين هذين المركزين على سلطة الحكم كانت الغلبة للمجموعة المدنية في كرانيدي التي كانت أقرب ما تكون لسلطة سياسية شرعية خاصة وأنها تلقت قرضاً من بريطانيا في 1824 لدعم مسيرتها, أما كولوكوترونيس فقد تخلى عن حكومته في نابليون وغادرها في مقابل مبلغ من المال.ورغم هذا فإن الأحوال السياسية لم تهدأ وتستقر بين اليونانيين, ففي نهاية 1824 انفجرت الحرب الأهلية مرة أخرى بين أهالي الجزر والروميلي من جهة وأهالي المورة من جهة أخرى حيث شنت عصابات الروميلي غارات وحشية داخل المورة. وبحلول عام 1825 كان الجيش العثماني قد عجز عن سحق الحرب الأهلية الدائرة وعجز المتمردون عن توسيع دائرة سيطرتهم وتبددت قوتهم في المعارك الداخلية وتجمد الموقف عند هذا الحد. لكن سرعان ما تغير الوضع عندما قام السلطان محمود الثاني باستدعاء محمد علي باشا وإليه على مصر للقضاء على ثورة اليونانيين وهو ذلك الإجراء الذي انتهى بالتدخل الأجنبي وتغيير الموقف برمته في شرق البحر المتوسط.

أما محمد علي فقد اشترط ثمناً عالياً مقابل خدماته فوعده السلطان بجزيرة كريت وأن يكون ابنه إبراهيم باشا حاكماً على المورة. وعلى هذا تقدمت قواته بسهولة فاستولت على كريت وفي فبراير 1825 دخلت المورة وعجزت العساكر اليونانية غير المنظمة عن مواجهة القوات المصرية التي كانت مدربة تدريباً عسكرياً حديثاً. وعلى هذا دفع اليونانيين ثمن السنوات التي أضاعوها في الصراع الداخلي فيما بينهم وحين كانت القوات المصرية تقوم بعملياتها في الجنوب كان الجيش العثماني يكثف هجومه في الشمال. وفي أبريل 1836 سقطت ميسولونجي الحصن الكبير, وفي يونية استولى العثمانيون على الأكروبوليس في أثينا, وبدا أن الثورة تحتضر ولم يكن يفلح في إنقاذها من الموت إلا تدخل خارجي كبير.

على ان التدخل الخارجي في الثورات المحلية قد لا يكون إيجابياً بشكل عام, فمثلاً كان تدخل روسيا إيجابياً في حالة ثورة الصرب, وكارثة في حالة ثورة الرومانيين في ولاشيا ومولدافيا حين أنكرها قيصر روسيا. أما بالنسبة لموقفها تجاه الثورة اليونانية فكان غاية في التعقيد, فمن ناحية كان القيصر ملتزماً بسياسة مترنيخ مستشار النمسا بشأن سياسة قمع الحركات القومية في أوروبا التي تم إقرارها في مؤتمر فيينا 1815 حفاظاً على التوازن الدولي, ومن ناحية أخرى كانت عليه التزامات تجاه الأرثوذكس باعتباره حامي حماهم في أنحاء الإمبراطورية العثمانية. وفي هذا الخصوص كان شنق بطريرك استانبول والمذابح التي جرت لليونانيين من الأحداث التي لا يمكن التسامح معها بسهولة, لكن الدخول في حرب دينية أمر له حسابات أخرى. أما التدخل لقمع ثورة قومية أمر ممكن وله حسابات وتوازنات, فمن ناحية أضيرت الملاحة التجارية لروسيا في البحرين الأسود والمتوسط بسبب معارك الثورة اليونانية وأصبحت البحار غير آمنة, ومن ناحية أخرى كانت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والدولة العثمانية مقطوعة منذ صيف 1821 بسبب الأوضاع في إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا) التي كانت روسيا تضعها في أولياتها مع حماية الأرثوذكس أكثر من اهتمامها بثورة اليونانيين القومية. وقد ظل هذا هو موقف روسيا والقوى الأوروبية الأخرى عند بداية ثورة اليونانيين حيث لم تكن هذه الدول تريد حرباً في البلقان.

على كل حال .. ففي الوقت الذي أخذ فيه اهتمام روسيا بثورة اليونانيين يقل لعد عام 1821 كان اهتمام الغرب يزداد, ففي أغسطس 1822 تولى جورج كاننج Conning رئاسة الحكومة البريطانية وكانت السياسة البريطانية ما تزال تتمسك بمبدأ المحافظة على وحدة الإمبراطورية العثمانية من باب كبح جماح روسيا. لكن الثورة اليونانية ضايقت التجارة البريطانية في المنطقة وأدت إلى قلقلة الأوضاع في جزر أيونيا التي كانت تحت الحماية البريطانية. فلما عجزت الدولة العثمانية عن قمع تمرد اليونانيين وجدت بريطانية نفسها في قلب الأحداث. وكانت كل ما تود أن تتجنب وقوعه مهما كان الثمن هو قيام كاننج الذي اشتهر بالمرونة ينتهج سياسة تدعو التعاون مع روسيا ثم فرنسا بشأن حل المشكلة اليونانية بهدف أن يمنع أحدهما من التصرف بما قد يؤدي إلى الإضرار بالمصالح البريطانية.

وآنذاك كان الرأي العام في بريطانيا كما هو الحال في الباد الأوروبية الأخرى يعشق الرومانية الهللينية ويناصر اليونانيين في قضيتهم, كما أن حكام تلك البلاد وساستها من بريطانيا وحتى روسيا تلقوا في مراحل دراستتهم دروساً عن العصر الكلاسيكي اليوناني والروماني ومن ثم رأوا في اليونانيين المحدثين سلالة أبطال الأساطير اليونانية الذين تعرفوا عليهم في كتب المدرسة وتخيلوهم شعباً نبيلاً وشجاعاً وجميلاً يشبه التماثيل القديمة في عظمتها ويحاربون حشداً من المسلمين الإرهابيين. وأكثر من هذا أن أول دستور يوناني وضعته الحكومة القومية كان مستمداً من نماذج الغرب الليبرالي, ولهذا فإن الليبراليين الأوروبيين رأوا في ثورة اليونان كفاحاً ونضالاً اجتماعياً وسياسياً يتفق مع معتقداتهم السياسية. والحق أن أنصار الهللينية جاءوا من مختلف قطاعات بلاد أوروبا ليقفوا بجانب ثورة اليونانيين وفي مقدمتهم ملك بافاريا لودفيج الأول, والشاعران بيرون وشيلي, وفي روسيا كان توظيف الأرثوذكسية جاهزاً لمناصرة الثورة.

وعلى أساس هذا الاهتمام بدأ كاننج رئيس الحكومة البريطانية يتخذ سلسلة من الإجراءات, ففي 1832 اعترف بأن اليونانيين قوم يحاربون قضية بلادهم وهذا يعطيها ميزة معينة في حالة الاشتباك البحري مع الأسطول العثماني. وفي 1834 منح الحكومة اليونانية ثلاثة مليون جنيهاً قرضاً اسمياً ولو أن الصفقة صاحبها بعض التدليس بحيث تسمح بوجود حقوق مالية لرجال المال الإنجليز في مستقبل اليونان, كما تتالت القروض من عدة جهات. ولكن الخطوة الأكثر اهمية كانت تحرك كاننج للتعاون مع روسيا رغم ما بين البلدين من خصومة في عدة مسائل لكن كانت لهما مصالح مشتركة في المسألة اليونانية حيث أضيرت مصالحهم التجارية ولم يكن أي منهما يرحب بتدخل محمد علي باشا والي مصر.

غير أن ألكسندر الأول قيصر روسيا مات في 1825 وخلفه نيقولا الأول وهو أكثر محافظة وأكبر خصم للثورات القومية وأكثر حسماً فيما يقرره. وقد انتهز كاننج فرصة تتويج نيقولا وأوفد إليه دوق ولنجتن في أبريل 1836, وهناك تم عقد بروتوكول سانت بطرسبرج بين البلدين ونص على أن يقوما بدور الوساطة بين الثوار اليونانيين وبين الحكومة العثمانية لإقامة دولة يونانية ذات حكم ذاتي. على أن روسيا لم تكن تضع المسألة اليونانية في أوليات اجندتها السياسية بل كان يأتي قبلها شؤون الصرب وإمارتا الدانوب (ولاشيا ومولدافيا). ولهذا انتهز القيصر الفرصة وأرسل إنذار إلى الباب العالي في مارس 1826 با، الأمور في الصرب والدانوب تخالف المعاهدات التي سبق الاتفاق عليها, وهي إشارة إلى المادة الثامنة من معاهدة بوخارست. وبناء عليه تم سحب القوات العثمانية من المنطقتين لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ثورة اليونانيين.

وفي تلك الأثناء كانت الدولة العثمانية تواجه أزمات داخلية حقيقية فرغم أن السلطان محمود الثاني تخلص من الإنكشارية في يونية 1816, وهذا أمر له أهميته في إنقاذ دولته من سيطرتهم, إلا أن الجيش العثماني كان في حالة من التفكك بحيث لم يكن السلطان ليغامر بمقاومة مطالب روسيا. وعلى هذا تم الاعتراف في مؤتمر القرم بأن تكون روسيا حامية للصرب ولإمارتي الدانوب ولها الحق في التدخل في شؤونهما الداخلية.

ومن ناحية أخرى انضمت فرنسا لكل من بريطانيا وروسيا في جبهة دبلوماسية مشتركة إذ لم يكن بإمكان فرنسا أن تقف بعيداً عن أزمة في عالم البحر المتوسطك وتسمح لقوى أخرى بالتوسط فيها دون مشاركة منها خاصة وأن ملكها شارل العاشر كان هو الآخر من عشاق الهللينية. وهكذا وفي معاهدة لندن في يوليو 1827 اتفقت الدول الثلاث على إقامة حكومة ذاتية يونانية عن طريق الوساطة بين الباب العالي والثوار, وفرضت حصاراً بحرياً على المورة لقطع اتصال القوات المصرية بمركز قيادتها في مصر. وفي أكتوبر 1827 دخلت القوات المشتركة خليج نفارين حيث ترسو قطع الأسطول العثماني-المصري وتبادل الطرفان إطلاق النار وانفجرت معركة بحرية انتهت بغرق الأسطول العثماني بالكامل رغم أن أثينا كانت قد سقطت في يد القوات المصرية. وكانت تلك الموقعة بداية لسلسلة من الوقائع انتهت بتدخل روسيا عسكرياً في البلقان بشكل مباشر.

ومن سوء حظ اليونانيين أن كاننج كان قد مات قبل معركة نفارين بشهرين وتنصل خليفته ولنجتن مما فعله الحلفاء وأخذ سياسة عكسية, وتنكر الباب اعالي لإتفاق القرم مع روسيا بسبب ما حدث لأسطوله في نفارين.وهكذا اندلعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية في أبريل 1828. وفي تلك الحرب تمكنت القوات الروسية من الوصول إلى آدريانوبل Adrianople بعد حملة صعبة داخل البلقان وفي سبتمبر 1829 عقدت معاهدة آدريانوبل بين الطرفين. وآنذاك كان يمكن لروسيا التي كانت منتصرة أن تنهي وجود الإمبراطورية العثمانية وتعمل على تقسيمها لكنها فضلت أن تبقي عليها وتكون تحت هيمنهتا. ولهذا لم تكن شروط معاهدة الصلح صعبة إذ اكتفت روسيا بالحصول على أراضي في القوقاز مع تأكيد حمايتها للصرب وإمارتي الدانوب والنص على تسوية المسألة اليونانية بواسطة دولية.

وفي تلك الأثناء كانت الأحوال السياسية في اليونان قد تحسنت إلى حد ما فقد حلت حكومة أندرو زايمس محل حكومة كونتوريوتيس بعد سقوط ميسولونجي ولكن كولوترونيس ظل يمثل مشكلة. وفي 1827 انعقدت جمعية وطنية ثالثة في مدينة تروزينه Troezene وأعدت دستوراً عرف باسمها, وقامت بدعوة كابوديسترياس لليونان لكي يكون رئيساً للبلاد, واختارت بريطانيين من عشاق الهللينية ليرأسا الجيش اليوناني والبحرية وهما السير ريتشارد تشارش Charch, وألكسندر كوشرين Cochrane.

وفي فبراير 1828 وصل كابوديسترياس إلى اليونان وكان قد طرد من وظيفته في روسيا في عام 1822 وعاش في سويسرا, وذلك بعد أن حصل على مساندة كولوترونيس وأنصاره وكذا نبلاء المورة. وكان الرجل يدرك من واقع خبرته الإدارية أن البلد في حاجة حكومة قوية ومستقرة وإلى دعم القوى الكبرى, وعلى هذا حاول إعادة تنظيم اتلبلاد في ضوء الفكر السياسي الليبرالي ومقتضيات نظريات العصر ومفاهيمه,وكان يرغب في تأسيس إدارة مركزية بيروقراطية تستطيع إدارة ابلاد لصالح كل القوى الإجتماعية.

ولكن سرعان ما واجه عقبات هائلة لم تكن في حسبانه, ذلك أنه لم يتمكن من السيطرةة على عملية إعادة توزيع ممتلكات العثمانيين من الأراضي وكانت أثناء الثورة قد انتقلت إلى أيدي النبلاء والعسكريين والسياسيين ولم يحصل الفلاحون الذين يزرعونها على أي نصيب. وفي العلاقات الخارجية كان مركزه ضعيفاً لأن بريطانيا وفرنسا اعتبرتاه ظلماً بأنه من شيعة روسيا.

ورغم تلك الصعوبات استطاع وضع أول لبنة في طريق ترتيب شؤون البلاد على طريق القومية الواحدة ولكن لسوء الحظ تم اغتياله في أكتوبر 1831 ورأس الحكومة بعد ثلاثة أشخاص هم شقيقه آجوستينو, ومعه كولوكوترونيس, وكوليتيس. وسرعان ما دخل هؤلاء الثلاثة ذوي الاتجاهات المتباعدة في شجار وانزلقت البلاد مرة أخرى إلى نفق الفوضى السياسية. ولقد أدى إخفاق اليونانيين في تكوين حكومة مستقرة إلى تدخل الدول الكبرى لإقامة هذه الحكومة. وهذا التدخل يشرح لنا ضآلة دور اليونانيين السياسي في دولة اليونان المستقلة فيما بعد. والحاصل أن الدبلوماسية البريطانية والفرنسية والروسية هي التي بحثت كيفية خروج اليونان من مأزقها السياسي بمعزل عن ممثلي الشعب اليوناني نفسه, حيث رأت بعد عدة مداولات أن اليونان يجب أن تكون دولة مستقلة ذات مساحة محدودة وليس حكومة تتمتع بالحكم الذاتي, وأن يكون الحكم فيها ملكياً مع إرجاء وضع الدستور. ووقعت الدول الثلاث اتفاقية في لندن في فبراير 1830 أعلنت تأسيس مملكة اليونان بضمان الدول الثلاث وبرعايتها.

وكانت الخطوة التالية هي اختيار ملك للمملكة الجديدة ولقد عرض التاج في بادئ الأمر على ليوبولد أمير ساكس-كوبيرج Saxe-Coburg الذي وافق من حيث المبدأ لكنه سرعان ما رفض ربما لعدم رضائه عن الحدود المقترحة للمملكة أو لعدم رضاه عن الترتيبات المالية, فضلاً عن أنه لم يكن محل تشجيع آجوستينو شقيق كابوديسترياس. ومما زاد من صعوبة اختيار ملك البلاد أن الدول الثلاث اتفقت فيما بينها على ألا يتولى أحد أمراء الأسر المالكة في كل منها حكم بلاد اليونان. وأخيراً وفي 1832 وقع الإختيارعلى أمراء الأسر المالكة في كل منها حكم بلاد اليونان. وأخيراً وفي 1832 وقع اختيار على الأمير أوتو Otto ابن لودفيج ملك بافاريا وكان في السابعة عشر من عمره وجاء لليونان وفي جعبته قرضاً أوروبياً جديداً مع خريطة لحدود المملكة تمتد إلى خط آرتا-فولوس Arta-Volos وادخل تعديلاً على اسمه ليكون يوناني الشكل فأصبح أوثون Othon.

وهكذا وبحلول عام 1833 كانت مملكة يونانية قد أنشئت يحكمها ملك أجنبي ويبلغ سكانها ثمانمائة ألف حيث ظل ثلاثة أرباع الشعب اليوناني في مناطق تحت سيطرة الحكم العثماني. وهذا ما جعل المراقبون يقولون أن الثورة اليونانية نجحت لكن الأمة اليونانية خسرت أكثر مما كسبت ذلك أن اليونانيين فقدوا الوضع الممتاز الذي كانوا يتمتعون به في الإمبراطورية العثمانية قبل الثورة في 1821. صحيح أنهم ظلوا يتولون وظائف عليا في الإدارة العثمانية إلا أنهم فقدوا المناصب ذات القيمة الأكبر مثل منصب "الخوسبدارية" في إمارتي ولاشيا ومولدافيا, وكذا الامتيازات التي يتمتع بها اليونانيون في الإمارتين, بل لقد أصبحوا محل نظرة شك وعداوة من قبل السلطات العثمانية. ولقد امتد تأثير الوضع الجديد إلأى دوائر المال والتجارة حيث حل الأرمن محل اليونانيين في بنوك استانبول, وتولى البلغار بدلار من اليونانيين مهمة مد الدولة العثمانية بما تحتاجه من مواد تموينية واحتاجات عسكرية ففقدوا وضعاً خاصاً ومميزاً. ويضاف إلى هذا أن السفن اليونانية قد تحطمت وتحتاج أموالاً كثيرة لإصلاحها. أما الأوضاع في الريف فكانت غاية في السوء بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية والثورة إذ تم تدمير مساحات كثيرة من الأراضي الزراعية وخاصة في المورة وهلك ما يقرب من 10% من سكانها.

أما آخر النتائج السلبية لإقامة المملكة اليونانية فإنه يتمثل في الدور الذي لعبته الدول الثلاثة الحامية (إنجلترا وروسيا والنمسا) في الشؤون الخارجية والداخلية للملكة. فبالرغم من أن اليونان أصبحت دولة مستقلة بعكس الصرب, إلا أنها ظلت تخضع لدرجة من التدخل الخارجي طالما كان الوجود العثماني مزعجاً. ورغم أن روسيا جعلت من نفسها قوة حامية ومعترف بها في كل من الصرب وإمارتي الدانوب إلا أن هذين الكيانين كانا يتمتعان بميزة التعامل مع دولة واحدة ألا وهي روسيا, أما اليونان على العكس كان عليهما أن تتعامل مع ثلاث دول كل منها له سياسات تتعارض مع الأخرى. لكن كان لبريطانيا الوضع الأقوى بين الدول الثلاث نظراً لتفوقها البحري ومع ذلك كان لفرنسا وروسيا كما سوف نرى نفوذاً كبيراً بالنسبة لتشكيل مستقبل اليونان.

الفصل الرابع: حكومة الصرب الذاتية

بتوقيع اتفاقيتي عامي 1815-1816 مع السلطات العثمانية أصبح الصربيون يتمتعون بحكومة شبه ذاتية, ومن ثم كان على قادتهم أن يتفقوا على كيفية تشكيل الحكومة وتنظيم إدارة البلاد. وفي السنوات التالية واجهوا المشكلات الكبرى التي واجهت كل رجال السياسة في بلاد البلقان فور استقلالهم عن الدولة العثمانية, فقد كان عليهم أولاً تحديد الإطار السياسي لعمل الحكومة وعلاقتها بالسلطات الفرعية والمحلية في الأقاليم, وثانياً تحديد مسار السياسة الخارجية للبلاد, وثالثاً الاهتمام بالأوضاع اٌجتماعية والإقتصادية الداخلية.وكانت المشكلات الرئيسية هي المشكلات نفسها التي كانت قائمة أيام الثورة وتتلخص في العلاقة بين ميلوش والنبلاء المعارضون وضرورة تسويتها,وتشكيل جمعية شعبية لمراقبة السلطة التنفيذية, فضلاً عن تحديد مكانة الكنيسة الأرثوذكسية في الحكومة العلمانية الجديدة.

أما فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية فقد واجهت الحكومة الجديدة مشكلتين غاية في الأهمية أولهما عدم وضوح حقيقة وضع الصرب داخل الإدارة العثمانية رغم الإتفاقيتين, ومن ثم ظل هدف الصرب التوصل إلى حكومة ذاتية كاملة تكفلها معاهدة دولية. وثانيهما أن "دولة" الحكومة الجديدة وفق حدودها المقررة كانت تضم أقلية من الصرب, وكان هذا يعني ضرورة توسيع الحدود في المستقبل بحيث تشمل المناطق التي يعيش فيها كل الصربيين, وتنظيم العلاقات مع الدول الكبرى والباب العالي فيما يتعلق بالشؤون الخارجية, ذلك أنه بالرغم من أن روسيا كانت "الدولة الحامية" للصرب إلا أن النمسا وفرنسا وبريطانيا كانت تتدخل في شؤون الصرب حسب مقتضى الحال وخاصة النمسا التي كانت أراضيها متاخمة لأراضي الصرب عكس روسيا التي لم تكن بينها وبين الصرب حدود مشتركة.

وأخيراً كان على قادة الصرب الجديدة مواجهة مشكلة إنهاض بلدهم من وهدة التخلف الشديد وإدخاله إلى العالم الحديث من حيث إقامة شبكة من الإتصالات, وتوفير شروط ملائمة للتجارة والتبادل التجاري, وإقامة نظام تعليمي وطني, وهي مسائل ظلت مهملة في القرن التاسع عشر إلى حد كبير بسبب الانشغال بالصراع السياسي الداخلي والاهتمام بالتوسع الخارجي. ولما كان أغلب الصربيين من الفلاحين فقد كانت مشكلة الأرض الزراعية من حيث التملك والاستغلال وعلاقات الإنتاج لها أولويتها على سائر المشكلات.

كانت أول مشكلة سياسية واجهت حكومة الصرب الجديدة وجود ميلوش اوبرنوفيتش نفسه على مسرح السياسة مسيطراً على الأمور في العاصمة بلجراد. وقد استند في هذا إلى دوره في الثورة ضد كاراديورديه التي شارك فيها وهو في الثالثة والعشرين من عمره ضمن مجموعة كان يرأسها شقيقة ميلان. وعندما مات ميلان مسموماً اتهم أنصاره كاراديورديه الذي لم تثبت مسئوليته عن ذلك أبداً, واستمر ميلوش في العمل مع أصدقاء أخيه وزادت مكانته بين مواطنيه عندما هرب كارديورديه في 1813.

كان ميلوش كما رأينا يفضل تحقيق مكاسب لبلاده عن طريق التفاوض مع الباب العالي أكثر من اللجوء إلى التمرد والعصيان المسلح.ورغم أن هذا الأسلوب كان يتفق مع ظروف دولية مواتية وأدى إلى تحقيق مكاسب للصرب, إلا أن شخصية ميلوش نفسه ظلت مثار اختلاف وجدل كبير بين معاصريه, فلقد تولى السلطة (1816) في وقت لم تكن الصرب قد أقامت حكومة مركزية أو نظام إداري أو قوانين وتشريعات. وعلى هذا كان عليه أن يعمل من أجل إقامة بناء دولة نفسه يتعامل مع الحكومة العثمانية أصلاً في الحصول على حقوق أكثر ضمان عدم التعدي على حقوق التي تم اكتسابها فعلاً وفي إطار تلك الظروف قام ميلوش بتركيز كل مظاهر السلطة في يده حتى لقد قيل أنه كان يدير أمور البلاد كأحد الباشاوات الأتراك. ولقد جاءت المعارضة الأساسية له من أولئك الذين يساندونه إلى حد ما وخاصة النبلاء الذين كانت لهم مكانة زمن الثورة ولكنه ظل محتفظاً بشعبيته بين الغالبية العظمى من الفلاحين الذين اعتادوا لقرون طويلة العيش في مجتمع أبوي تحت سلطة مطلقة, ولهذا لم يجدوا في أسلوب حكمه تناقضاً مع فهمهم لمعنى القوة السياسية.

على أن ميلوش لم يتردد في تسخير منصبه السياسي ومكانته بين الناس للحصول على أكبر قدر من المكاسب لنفسه, ورغم أن زعماء الحركات الثورية الأخرى كانوا سواء في هذا السلوك بدرجات متفاوتة إلا أن ميلوش اختلف عنهم جميعاً من حيث درجة النجاح الذي حققته وطبيعته . . فرغم أنه ينحدر من أسرة فقيرة إلا أن ثروته بلغت في عام 1837 أي قبل تنازله عن العرش بعامين فقط مليون وستمائة ألف جروسه Groschen أي ما مقداره 17% من دخل الدولة وقدره تسعة مليون ونصف مليوناً. ولكي يحقق هذه الثروة استخدم عدة وسائل كالاستيلاء على أراضي الملاك الأتراك السابقين, واحتكار تصدير الثروة الحيوانية وبيع الملح, والإبقاء على سخرة الفلاحين في الأراضي التي استولى عليها, ومن ثم توفرت له أموالاً اشترى بها أثنا عشر إقطاعية في ولاشيا حتى لقد كان وهو في المنفى في أربعينات القرن التاسع عشر يعد واحداً من أغنى أغنياء العالم.

على كل حال . . فرغم فساد ميلوش الواضح وفق المقاييس الغربية على الأقل, إلا أنه أقام حكماً وطنياً, واكتسب اعترافاً دولياً بحكومة بلاده الذاتية وربما كان هذا أفضل شئ جدير بالاعتبار حققه الرجل في تاريخه. وفي هذا الخصوص ينبغي أن نعرف أن الشروط التي منحت لحكومة الصرب الذاتية بمقتضى اتفاقية فيينا التي سبقت الإشارة إليها لم تكن مرضية لميلوش إذ تم الاعتراف به حاكم عالي المقام دون أن يكون حكمه وراثياً في أسرته, كما أن حدود دولته الجديدة لم تكن قد حددت بعد, والموظفون العثمانيون ما يزالون يقومون ببعض الوظائف في بلاده. وهكذا كان أول هدف له الحصول على حق الوراثة في حكمه, وتسوية الحدود بأكبر قدر ممكن من التوسع, والتخلص من كل الموظفين العثمانيين والعساكر التي تعسكر في بلاده.

وفي علاقته بالباب العالي واصل ميلوش إتباع سياسته التقليدية من حيث التفاوض واستخدام الرشاوي وإظهار الولاء للسلطان والتعاون معه, وكان أحد مظاهر هذه السياسة قيامه بتسليم رأس كاراديورديه, والامتناع عن تقديم مساعدات لليونانيين في ثورتهم ضد السلطان. وأما بخصوص رغبته في أن يكون حكمه وراثياً نجده يكون جمعية في 1817 انتقى أعضاءها بنفسه بادرت بإعلانه "أميراً وراثياً" ولكنه كان بحاجة إلى موافقة الباب العالي لكي يجعل الأمر نافذاً.

الجدير بالذكر أن النجاحات الأولى التي حققها ميلوش لم تكن بسبب مهارته الخاصة فقط بقدر ما كانت بسبب تأييد روسيا ومساندتها له وخاصة في العلاقات الدولية. فمن المعروف أن معاهدة القرم عام 1826 اشترطت تنفيذ المداة الثامنة من معاهدة بوخارست الخاصة بوضع الصرب تحت حماية روسيا, ثم تأكدت هذه النقطة في معاهدة آدريانوبل عام 1829. ثم أصدر السلطان العثماني في 1830 "خط شريف" أصبحت الصرب بمقتضاه حكومة ذاتية حقيقية . . أي أنه بحلول عام 1830 أصبح ميلوش حاكماً على الصرب معترف به ويتمتع بحق توريث الحكم في أسرته, وسيطر زعماء الصرب على شؤون بلادهم الداخلية, وتولى الموظفون الصربيون أمور الإدارة من حيث جمع الضرائب, وتم تنظيم شؤون الكنيسة وكافة المسائل المتعلقة بالوطنيين. وتقرر منع العثمانيين من البقاء في قرى البلاد, ومنع تركز المسلمين في المدن الرئيسية الحصينة, ومصادرة أراضي العثمانيين بإتفاق مع الباب العالي على تعويض أصحابها من حصيلة الجزية المقررة على الصرب.

على أن مشكلة رسم حدود الصرب مع جيرانها ظلت قائمة, وفي هذا الشأن طالب ميلوش بتنفيذ ما تقرر في اتفاقيتي القرم وآدريانوبل من أن تشمل الصرب على الستة أحياء التي كان كاراديورديه قد ضمها. ولما كان السلطان العثماني آنذاك مشغولاً بمواجهة توسع محمد علي باشا والي مصر في بلاد الشام فلم يفكر في مقاومة مطالب ميلوش فبادر بالتنازل عن الستة أحياء للصرب في نوفمبر 1833. وبهذا التنازل امتدت حدود الصرب حتى نهر تيموك Timok شرقاً وإلى نهر الدانوب شمالاً وفي الجنوب امتدت من الشرق إلى الغرب شمال مدينتي نيش وراشكا Ruska باتجاه شمالي غربي حتىنهر درينا مكونة الحدود نمت بلاد الصرب وتطورت حتى عام 1878.

وبتسوية قضايا الحكم الذاتي الأساسية وترسيم حدود البلاد أصبح بالإمكان الالتفات لسؤال قديم له أهميته يتعلق بكيفية مراقبة القوة السياسية في الدولة الجديدة, وكانت هذه المسألأة مثار صعوبات واجهت كاراديورديه حتى في أثناء الخطر المحدق بالبلاد زمن الثورة. وفي هذا الخصوص كانت الحكومة أمام أحد اختيارين عميلين: إما أن تخضع لسيطرة قائد قوي, وإما لمجموعة من النبلاء. والحق أن إقامة حكومة مركزية بالمعنى الاصطلاحي كان يتناقض مع التقاليد التي كانت قائمة في البلاد تحت الحكم العثماني, فقد كانت السلطة الصربية عشضية الثورة سلطة أبوية بطبيعتها تقوم على لامركزية الإدارة حيث يدير شؤون الريف والمدن في القرى والأحياء أحد الكبراء Kens كل في مكانه. وكذا النبلاء باعتبارهم زعماء شرفيين. وكاراديورديه يرغب في استبدال هذا النظام بحكم مركزي يقوم على سيطرة فرد قومي, غير أن خصومه الذين يستخدمون مصطلحات الغرب الأوروبي في النظم الدستورية, كانوا يرغبون في الإبقاء على الشكل اللامركزي العثماني مع إيجاد نوع من "الوحدة بين الأقاليم" في إطار حكومة جمهورية جماعية بيد أبناء البلاد لحماً ودماً, ومن هنا طلبوا دعم روسيا.

ولقد استمر الصراع السياسي حول نموذج الحكم في البلاد قائماً خلال فترة حكم ميلوش وكانت الحياة السياسية في البلاد بشكل عام محل اهتمام قلة قليلة من الناس انتظمت في جمعيات معينة لعل أبرزها جماعة الاسكوبشتينا Skupstina وهي مؤسسة ديموقراطية تقليدية تكونت من رجال مسلحين يلتقون في الهواء الطلق لتقرير مسائل ذات أهمية عامة. وقد حرصت الحكومة على دعوة تلك الجمعيات من آن لآخر ليس بهدف تكوين مجلش شورى منها وأنما للتصديق على قرارات أو برامج أعدتها الحكومة. كما واجه ميلوش مثلما واجه كاراديورديه من قبل تحديات متكررة من جانب النبلاء الذي أصبحوا يتمسكون بإصدار دستور يمكنهم من تكوين جمعية تشريعية لمراجعة الحاكم وانضم إليهم التجار ورجال الحكومة وآخرون ممن كانوا يكرهون الأسلوب الاستبدادي التعسفي الذي يدير به ميلوش شؤون البلاد. ولما كان اتفاق 1815 بين ميلوش وعلي باشا المرعشلي قد نص على إقامة مجلس قضائي صربي فقد قام ميلوش بتعيين إثني عشرة من أعوانه من النبلاء في هذا المجلس الذي تعمد تجاهله فيما بعد. ووقعت ضده عدة تمرادات في عشرينات القرن التاسع عشر تمكن من قمعها. ورفض تشكيل مجلس من النبلاء طبقاً لخط شريف أصدره السلطان في 1830. والحال كذلك كان من الطبيعي أنتحشد المعارضة في عام 1835 حوالي أربعة آلاف مؤيد لها في اجتماع أسفر عن إعداد "دستور" نصت مواده على تأسيس جمعية عمومية, فما كان من ميلوش إلا أن قام بتعيين مجلس نبلاء بمعرفته لا حول له ولا قوة.واللافت للنظر أن كل من السلطان العثماني وإمبراطور النمسا وقيصر روسيا ووقفوا إلى جانب ميلوش لأنهم جميعاً كانوا ضد إصدار دساتير توفر مؤسسات نيابية حقيقية.

غير أن هذا الموقف لم يكن يعني تدخل تلك القوى الكبرى في شؤون الصرب بشكل مباشر مثلما كان حال بلاد اليونان وإمارتا الدانوب (ولاشيا ومولدافيا – رومانيا). ولكن وجدنا أن كل من ميلوش والمعارضة يسعون للحصول على مساندة القنصليات الأجنبية التي كانت قد بدأت تتأسس منذ ثلاثينات القرن, ففي 1835 افتتحت النمسا مقر بعثة دبلوماسية لها, تلتها بريطانيا في 1837, ثم فرنسا 1838. ولما كانت الصرب ما تزال دولة مستقلة آنذاك فقد كان يتعين موافقة الباب العالي على أية تغييرات تطرأ على نظامها السياسي. وفي تلك الأثناء وقفت فرنسا وبريطانيا إلى جانب ميلوش ودعما حكمه المطلق على حين كانت روسيا تساند عملية تكوين مجلس من النبلاء طبقاً لما جاء في خط شريف 1830.

وفي هذا الخصوص تمت عدة مفاوضات في استانبول أصدر السلطان العثماني عل أثرها ما يعرف بالدستور التركي الذي كان أساس حكومة الصرب حتى عام 1869. وهذه الوثيقة التي تشبه القانون الأساسي المعمول به آنذاك في إمارتي الدانوب كان قانوناً إدارياً أكثر منه دوستورياً, إذ لم يتضمن مبادئ عامة عن حقوق المواطنين وواجباتهم, بل إن السلطة الحقيقية للحكومة وضعت في أيدي مجلس مكون من سبعة عشر عضواً قام الأمير بتعيينهم ويبقون ووظائفهم مدى الحياة إلا في حالة فصلهم نتيجة ارتكاب جرائم معينة, فضلاً عن اشتراك الحاكم والمجلس في الوظائف التشريعية, والوزراء مسئولون أمام المجلس الذي يصدق على القوانين والضرائب لكن للأمير حق الأعتراض المطلق. وفي 1839 أدخل تعديل على هذا الدستور نص على تعيين الوزراء من بين أعضاء المجلس, وتنظيم القضاء وشغل الوظائف المدنية ووضع ملامح لإدارة الدولة في المجالات الأخرى.

ورغم أوجه القصور التي شابت هذا الدستور, إلا أنه أنهى فترة الحكم المطلق في بلاد الصرب, فلم يعد الحاكم أكثر من كونه أعلى سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية في البلاد, وأصبحت الحكومة قائمة على أساس ميثاق مكتوب. وخلال العقدين التاليين كان المجلس يمثل القوة الحقيقية في حياة الصرب السياسية انطلاقاً من هذا الدستور أو القانون الأساسي.

وبالإضافة إلى تأسيس حكومة مركزية على قاعدة تشريعية قوية فرض ميلوش نظام مركزي في الإدارة المحلية في البلاد, وبمقتضاه بهذا أصبح موظفو الإدارة المحلية تابعون للحكومة المركزية وينفذون تعليماتها حفاظاً على وضعية الأمير.وتأكيداً لهذا الوضع كان الأمير يعين بمعرفته مسئول الناحية ويدفع له مرتبه بل لقد أعاد الجمعيات المحلية التي لا حول لها ولا قوة مما أدى إلى تحطيم النظام التقليدي للحكم المحلي, وأصبح رؤساء الطوائف ورجال الشرطة تحت مراقبة الحكومة المركزية, ومن ثم أصبحت الطوائف مركز المعارضة لحكمه.

ولكن . . لكي يؤسس ميلوش نظاماً إدارياً قومياً وفعلاً كان بحاجة إلى مسئولين متعلمين وهو طلب لم يكن متوفراً بين الصربيين آنذاك وعلى هذا فقد اضطر لتوظيف صربيين يعيشون في النمسا توفر لهم قدراً معتبراً من التعليم. لكن مشكلة الإدارة لم تكن في عدم توفر المتعلمين في الصرب بل كانت في أن ميلوش كان يحتقر كل من يعمل تحت رئاسته ويتعامل معهم كأنهم خدم شخصيين له. ومع هذا زاد عدد الموظفين زيادة ملحوظة في عهده حتى بلغ عددهم مع نهاية حكمه 672 موظفاً منهم 201 من رجال الشرطة. وكان من الطبيعي أن يكون هؤلاء الموظفون جماعة مصالح استهدفت حماية وضعهم وساتمرارهم في وظائفهم.

كما كان على ميلوش أن يتعامل أيضاً مع وضع الكنيسة في "دولته", وكانت مشكلته تبدو في أن الكنيسة في إمارة ذات حكم ذاتي لا يصح أن تظل في نطاق بطريركية استانبول التي هي مؤسسة غالبيتها العظمى من اليونانيين كما هو معروف, وبالتالي استند في تكوين كنيسة مستقلة في بلاده على موافقة السلطان في خط شؤيف 1830 على إعادة كنيسة الصرب التي كانت قد ألغيت في 1767, وهي تسوية وافق عليها بطريرك استانبول عام 1832. وبهذا تخلصت الأرثوذكسية الصربية من هيمنة الفنارين اليونانيين, وأصبح بإمكان ميلوش تنظيم الأمور الكنسية (الإكليروس) كما يحلو له. وكانت أول خطوة في هذا السبيل أنه اعتبر الكنيسة المستعادة الأسقف يوفانوفيتش Jovanovich الذي كان أقدر من يتولى هذا المنصب واستمر فيه ستة عشر عاماً 1833-1859, ولما كان قد تلقى تعليمه في النمسا فقد تقدم بإصلاحات للكنيسة الجديدة على أساس نظام كنيسة الصربيين في النمسا.

وفي السياسة الخارجية حرص ميلوش في المقام الأول كما رأينا على توسيع نطاق الحكم الذاتي لصرب فنراه بشكل ثابت الدخول في مغامرات خارجية, ويرفض المشاركة في الانتفاضات القومية في أي بلد من بلاد البلقان, وظل هدفه الحصول على أقصى مكاسب ممكنة لبلاده من الباب العالي عن طريق التفاوض.

أما مسألة التنمية الإقتصادية والإجتماعية في الصرب فقد كانت تنطوي أساساً على حل مشكلات الفلاحين الذين يمثلون 95% من السكان. وكان هؤلاء الفلاحون يهدفون إلى امتلاك الأراضي التي يفلحونها ملكية تامة, خاصة وأن ثورة الاستقلال التي اشتركوا فيها أنهت الملكية العقارية للأتراك في الريف,وأصبحت الحياة مستحيلة بانسبة لهم بعد أن تم إلغاء الجفالك في 1815, وحرمان السباهية في 1830 من حق جمع الضرائب من الفلاحين. لكن هذا التطور لم ينتج عنه أية فوائد مالية للفلاحين الذين أصبحوا يدفعون ضريبة للدولة مقدارها 10% وتحولت أعمال السخرة في أملاك الأتراك إلى العمل في المشروعات العامة مثل شق الطرق وبناء الكباري, أي أن الحكم الذاتي للصرب في الواقع جلب على الفلاحين تبعات أكثر من التبعات التي كانوا يتحملونها في الأيام السابقة.

على أن زيادة عبء الضرائب على كاهل الفلاحين لم يكن يرجع فقط إلى مساعدة الحكومة لمواجهة نفقاتها العالية, بل كان يرجع أيضاً إلى تغير الأوضاع الإقتصادية. ففي أثناء الحكم العثماني كان الفلاح يعيش في إطار إقتصاد الحاجة وليس إقتصاد السوق حيث ينتج فقط كل ما يحتاجه تقريباً, ويدفع الضرائب المقررة عيناً. ولكن بتأسيس دولة جديدة تسعى لإقامة نظام سياسي حديث كان لا بد من دفع الضرائب نقداً وليس عيناً. وفي الوقت نفسه سيطرت موجة من شراء المصنوعات الأساسية والفاخرة كانت في متناول جميع الأهالي عدا الفلاح الذي كان بحاجة إلى مواد أساسية مثل الملح ثم أصبحت لديه رغبة محمومة لشراء منتجات أخرى مثل القهوة والسكر والدخان والشمع. وفي الوقت نفسه بدأت الآلات محلية الصنع أو المستوردة تصنع المنتجات المعدنية مثل المسامير والإبر والمحاريث بشكل أكثر كفاءة من تلك المصنوعات يدوياً. وفي إطار سيطرة التعامل بالنقد وليس بالمحصول اضطر الفلاح لأن يهتم أكثر بزراعة المحاصيل التي يمكنه تسويقها أكثر من اهتمامه بزراعة احتياجات أسرته. وهذا التعامل الجديد مهد الطريق إلى تصفية وحدات الزراعة الجماعية "الزادروجا"Zadruga التي انعدمت كفاءتها مع مرور الزمن.

وإذا كان ميلوش معني بصفة شخصية برفاهية الفلاحين الذين ساندوه ضد النبلاء, والذين حصلوا على حق استغلال أرضهم, إلا أنهم سرعان ما اكتشفوا سهولة فقدانهم إياها بسبب نظام الإقتراض الجنوني الذي كان يسحب الأرض منهم وفاء للقرض في حالة عدم التسديد. وكان قانون المساكن الذي صدر في 1836 لحماية الفلاحين من مصادرة ممتلكاتهم وفاء للديون قد قرر عدم جواز مصادرة ممتلكات الفلاح إذا كانت تتكون فقط من منزل, وقطعة أرض صغيرة, وبعض المواشي, إلا أنه حيث تراخ وتهاون في تطبيق هذا القانون حتى لقد احتاج الأمر في أعوام 1860, 1861, 1873 إلى إصدار تشريعات جديدة.

على كل حال . . فمن بين التغييرات ذات المغزى التي حدثت أثناء حكم ميلوش ذلك التغير التدريجي في ملامح المدن الصربية. ففي العهد العثماني كانت كل مدينة عبارة عن سوق ومراكز إدارية تحت سيطرة الأتراك واليونانيين واليهود, ولكن مع قيام الحكم الذاتي بدأ الأتراك والحرفيون يغادرون المدن, وأخذ التجار الصربيون يحلون محل نظراتهم من اليونانيين واليهود وسرعان ما سيطروا على تجارة الصادرات وخاصة في الثروة الحيوانية.

كما أثيرت أيضاً مسألة إقامة نظام تعليمي قومي لكن لم يفعل إلا القليل لبلوغ هذا الغرض الذي كان بحاجة إلى إمكانيات كبرى, فالمدارس تعاني من نقص الكتب والورق وقلة المدرسين الأكفاء. ولم يبدأ الإهتمام بالتعليم إلا بعد عام 1830 حين صدر في 1833 أول قانون خاص بالمدارس الإبتدائية. ولكن لم تؤسس مدارس ثانوية رغم الحاجة إلى موظفين متعلمين, وكل ما هناك إنشاء أول مطبعة في بلجراد في 1831 ولو أن مشكلة توفير الورق ظلت قائمة. وفي ضوء كل تلك الظروف ظلت النمسا تمثل مركز الحياة الثقافية الصربية.

وفي عام 1839 وبعد إصدار الدستور بفترة قصيرة ترك ميلوش البلاد مفضلاً ألا يحكم تحت شروط مقيدة لسلطاته, وخلفه في الحكم ابنه ميلان Milan الذي مات في غضون شهر, ثم تلاه ابنه الثاني ميخائيل الذي تولى الحكم من خلال مجلس وصاية لأنه كان في السابعة عشر من عمره. ولم تكد تمر ثلاثة سنوات حتى تمت الإطاحة بأسره ميلوش اوبرنوفيتش الحاكمة وفر ميخائيل هارباً. وعلى الفور انعقدت جمعية عمومية سيطرت عليها المعارضة السياسية واختارت ألكسندر كاراديورديه الثائر القومي.

لقد كان هذا التغيير الراديكالي في رئاسة حكم البلاد علامة على الانتصار التام لمؤيدي دستور 1838 والذين عرفوا فيما بعد بالحزب الدستوري. ولقد تكون هذا الحزب من النبلاء ورجال الإدارة وكبار التجار وآخرين من الذين وقفوا ضد الحكم المطلق الذي كان يمارسه ميلوش. وكانوا يرغبون في إقامة حكم القانون, وتنظيم أسلوب الإدارة بما يمكنهم من المحافظة على مالصحهم الخاصة, وأكدوا على الشرعية, والحرية الإقتصادية, وتقدم التعليم, وإصدار قوانين يطبقها القضاة في المحاكم تحقيقاً للعدالة بعيدأً عن سطوة الأمير الحاكم. وقد تزعم هذه المجموعة ثلاثة شخصيات وهم: تومافوشيك-بيرزيشيك Toma Vuucic-Perisic, وأفرام بترونيفيتش Avram Petronjevic, وثالثهم وهو أكثرهم أهمية إيليا جاراشنين IIija Garasnin. والحق أن أ‘ضاء هذه المجموعة لم يكونوا ديموقراطيون أو من أنصار المساواة, كما لم يكونوا مع فكرة قيام الدولة بتنظيم الحياة العامة.

ورغم ما كان يبدو من قوة للمجلس بوجود هذه المجموعة, إلا أن الحقبة الدستورية في تاريخ الإمارة حفلت بالصراع المتواصل بين المجلس وبين الأمير الحاكم, كان الأمير (ألكسندر كاراديوريه) وهو الطرف الضعيف لأن شخصيته لم تكن قوية, ولم يكن له أنصاراً أقوياء, ولأنه تولى الحكم بالإختيار وليس بحق الوراثة الذي كان معمولاً به فقط في أسرة أوبرينوفيتش والتي كان منها ميلوش. ومن المسائل التي كانت محل نقاش وضعية مجلس الوزراء الذي كان أعضاؤه يعينون بمعرفة مجلس النبلاء فقط. وعلى هذا ازدادت حدة الصدام بين أنصار الأمير وبين أنصار المجلس وخاصة بعد عام 1855. وفي هذا الخصوص استاء مستشارو الأمير من ضعف سلطته أمام المجلس فأشاروا عليه بطرد جميع أعضاء المجلس وغيرهم من المسئولين دون انتظار لموافقة الباب العالي كما يقتضي الدستور بذلك, فأسرع الأمير بالتخلص من بعض المشئولين بطريقة غير قانونية منتهزاً اكتشاف مؤامرة لقتله, لكن الحكومة العثمانية أجبرته على إعادة الذين فصلهم إلى الحكومة.

وفي هذا الخصوص كانت المعارضة (الحزب الدستوري) تود تجاوز الأزمة عن طريق دعوة جمعية لتقرير حدود صلاحيات الأمير ألكسندر الحاكم وسلطته, ولو أنها تسعى من خلال هذا الإقتراح للتخلص منه. وهي دعوة أيدها كل الذين كانوا يرغبون في إعادة أسرة ميلوش اوبرنوفيتش للحكم, وكذا العناصرالتي شكلت فيما بعد "الحزب الليبرالي" وهو جماعة من المثقفين الشبان الذين تلقوا تعليمهم خارج البلاد وكانوا يتطلعون لتقديم ضمانات للحقوق وللإصلاح الديموقراطي وليس فقط مجرد إقامة حكم القانون. ولأن هؤلاء المثقفين كانوا رومانسيون حتى النخاع فقد رأوا في الدعوة إلى عقد الجمعية تجسيدأً لإرادة شعب الصرب في الوقت الذي لم يأنسوا فيه لبرنامج الدستوريين البيروقراطي.

على كل حال . . لقد وافق ألكسندر على دعوة الجمعية التي عرفت باسم سانت اندرو واجتمعت في ديسمبر 1858 في كراجيوفاش Kragujevac خارج سيطرة الدستوريين, وقررت عزل ألكسندر من الحكم, وأثنت على الأمير ميلوش. وهكذا كانت نهاية زمن الدستوريين في الحكم وعاد الحكم المطلق من جديد ولكن في هذه المرة كان بناء على إرادة شعبية. وررغم هزيمة الدستوريين في هذه الجولة إلا أنهم استطاعوا تحقيق هدفهم في تنظيم دولة مركزية بيروقراطية, وإقرار مدني تضمن قانوناً جنائياً وإدارياً, وتنظيمات تتعلق بالحرفيين والموظفين والتعليم والحكومات المحلية. على أن هذا التشريع الذي صدر في 1844 والذي اعتبر أكبر إنجاز للدستوريين كان منقولاً جملة وتفصيلاً من النموذج النمساوي وضمنوا به حماية مصالحهم في مواقعهم كرجال دولة مسئولين. ولا ينبغي يغرب عن البال أن وظائف الحكومة شغلتها عناصر قامت بتعيينهم, وضمنت أنهم التشريعات الجديدة البقاء في وظائفهم مدى الحياة. فإذا عرفنا أن معظم هذه العناصر قد ولدت ونشأت وتعلمت في النمسا, أي خارج باشوية بلجراد في زمانها, أدركنا أنها كونت طبقة بيروقراطية انفصلت عن الأغلبية من الفلاحين بامتيازاتها, وانفصلت عن عموم الناس بتفوقها الوظيفي في الحكومة.

والحقيقة أن توظيف الصربيين الذين يعيشون في النمسا في وظائف حكومة الصرب الجديدة كانت سياسة جارية زمن حكم ميلوش كما سبقت الإشارة نظراً لقلة عدد المتعلمين وقلة حتى الذين يعرفون القراءة والكتابة. وكان هؤلاء الصربيون القادمون من بلاد النمسا يعرفون لدى عامة الصربيين باسم "البريشانية" Precani (أي الذين جاءوا عبر النهر). ورغم أ، كثير منهم كانوا يمتازون بالقدرة والموهبة والشعور الوطني إلا أن آخرين لم تتوفر لديهم أية مواهب وجاءوا للفوز بوظيفة لم يكن من الممكن أن ينالوها في النمسا وكان ما يعيبهم أن لهم عادات وتقاليد مغايرة لأهالي الصرب. ولعل أطرف وصف لهؤلاء الموظفين ورد فعل البلاد تجاههم ما قاله أحد رجال الحكم عنهم: "إن أولئك الصربيون عابرو النهر ينظرون إلى أنفسهم على أنهم حملة ثقافة الغرب, وأن قدرهم فرض عليهم أن يديروا شؤون أهل الإمارة الأميين ونصف البرابرة المتوحشين, ولقد فصلهم ملبسهم ولغتهم ومظهرهم عن أهالي الصرب. إن "حملة القلم" الجدد هؤلاء يحتقرون الزراعة والعمل اليدوي, ويخجلون من أن يتعلم أولادهم إحدى الحرف, أو يزوجوا بناتهم لأحد أصحاب الحرف. وقد ظلوا لسنين طويلة يرتدون ملابس "ألمانية" بدلاً من زي الصرب القومي. وبدلاً منأن يخاطبوا بعضهم البعض بكلمة "أنت" "وأنا" كما اعتاد أهل الصرب كانوا يقدمون أنفسهم للغير بالطريقة الألمانية ذات الواقع السخيف على الأذن الصربية, بل كانوا يرفضون أن ينادوا كل صربي "بالأخ" طبقاً لعادة الصربيين في مجتمع "أبوي".

على أن هيمنة هؤلاء القادمين عبر النهر (البريشانية) لم تدم طويلاً إذ سرعان ما أخذت دولة الصرب الجديدة ترسل على نفقتها أبناءها الذين ولدوا على أرضها ويقيمون فيها في بعثات علمية للخارج نظراً لعدم وجود جامعات في الصرب آنذاك. وفي خلال الفترة 1839-1855 تم إيفاد حوالي خمسون طالباً للدراسة في باريس حلوا بالتدريج مكان البريشانية في مختلف الوظائف إلا أن هذا لم يقضي على الفجوة بين الإدارة وبين الفلاحين لأن المتعلمين الجدد تأثروا بالحضارة الفرنسية وأصبحت فرنسا مصدر الوحي والإلهام في السياسة والأدب والفن بدلاً من النمسا التي قدم منها البريشانية.

على كل حال فرغم أن العهد الدستوري شهد تقوية أبناء الدولة وأجهزتها, إلا أنه لم يشهد أي تقدم في السياسة الخارجية. ومن المعروف أنالحكومة كانت مهتمة باستمرار بمسألة التوسع القومي, أي ضم المناطق التي يعيش فيها صربيون. ولعل أفضل تعبير عن وجهة النظر الصربية في هذه المسألة ما جاء في "خطة ناشرتانييا" Nacertanija التي وضعها جاراشين Garasnin في 1844 لتكون دليلاً للأمير ألكسندر الحاكم. وكانت الخطة تستهدف إحياء إمبراطورية قيصر دوشان Dusan التي كانت قائمة زمن العصور الوسطى, وفيها تكون حكومة الصرب الذاتية نواة لهذا التوسع القومي لتضم كل من البوسنة, والهرسك, والجبل الأسود, وسريم Esrm, وبانات Banat, وبشكا Backa, وشمال ألبانيا, ويكون لها مخرج على البحر الإدرياتي, وهي بلاد كان جاراشين يعتقد أن أهلها أساساً صربيون من الناحية الثومية. وكانت خطته في البداية تقوم على أن يبدأ حملة دعاية مكثفة وتفصيلية, وتعليمية ودعائية بين سكان تلك البلاد وبين صرب المجر. وقد وضع في اعتباره أن إمبراطورية الهاسبورج (النمسا) قد تكون خصماً دائماً لهذه الخطة لا يتغير, وأن روسيا قد لا تؤيد خطته, ومن ثم اقترح أن تسعى الصرب للحصول على المساعدة من فرنس وإنجلترا. والخلاصة أن هذا البرنامج كما اتضح من خطط حكومة الصرب فيما بعد أنه كان يركز تركيزاً واضحاً على الإستيلاء على البلاد التي يكون أهلها صربيون ومذهبهم أرثوذكسي.

غير أن سقوط نظام الحكم الدستوري وعودة ميلوش للحكم لم يحل مشكلات الصرب السياسية, فمع عودته كانت هناك ثلاثة مراكز قوى قائمة وهي: الأمير الحاكم, والمجلس, والجمعية الوطنية التأسيسية التي كانت بمثابة أداة لتغيير الحكام رغم أنها لم تكن منظمة تنظيماً طبقاً للأأصول البرلمانية. وفي الوقت نفسه بدأ يظهر على الساحة حزبان سياسيان من خلال الصراع على القوة بين مؤسسات الدولة. وفي هذا الخصوص ظل الليبراليون ينادون بأن تكون الجمعية الوطنية أعلى مؤسسات الدولة, على حين كان المحافظون يفضلون أن يكون الحاكم والمجلس هما أعلى سلطة في الدولة. وانتهى الجدل السياسي بين مختلف القوى بصدور قانون في يناير 1859 يدعو لتكوين جمعية وطنية كل ثلاثة سنوات تكون لها سلطة استشارية فقط. والحقيقة أن ميلوش كان يريد أن يكون حاكماً مطلقاً فأصبح كذلك وبعد وفاته في 1860 خلفه ابنه ميشيل الذي أصبح حاكماً للمرة الثانية.

كانت المرة الأولى التي حكم فيها ميشيل اوبرنوفيتش (ابن ميلوش) بين 1839-1842 فترة صعبة بسبب صغر سنه آنذاك. ولكن ععندما عاد للحكم مرة ثانية بعد وفاة والده كان في السابعة والثلاثين من العمر ناضجاً وسياسياً حصيفاً وداهية حتى لقد اعتبره البعض أعظم حاكم له تأثير في تاريخ الصرب الحديثة. ففي أثناء منفاه ارتحل كثيراً هنا وهناك, وتعلم تعليمأً جيدأً, واكتسب خبرات هائلة, وأصبحت له وجهة نظر واقعية في الموقف الدولي. وقد تزامن حكمه مع عصر الثورات القومية الكبير في وسط أوروبا, ففي 1859 اتحدث كل من ولاشيا ومولدافيا مكونتين دولة رومانيا الحديثة. وفي ستينات القرن التاسع عشر أعلنت دولتا إيطاليا وألمانيا بتوحيد قومية كل منهما. وكان من الطبيعي وهذه الحوداث تهيمن على المسرح الأوروبي أن يحول حاكم الصرب انتباهه الأكبر للتوسع الإقليمي-القومي. وكانت الخطوة التالية لميشيل في العلقاات الدولية كيفية ضمان إبعاد الوجود العثماني كلية من البلاد, أي الإحتلال التركي لعدد كبير من القلاع والحصون ولعل خطة إستيلاء الصرب على البلاد الصربية المجاورة كما سبقت الإشارة قد تم وضعها موضع التنفيذ. ومن باب الإستعداد لتنفيذ هذه الخطة كان ميشيل يريد تركيز سلطة الدولة في ديه ليتصرف بفاعلية أكثر, وتقوية الجيش, كما أعرب عن رغبته في عقد تحالفات مع شعوب البلقان المسيحيين من اجل تكوين جبهة ضد الإمبراطورية العثمانية.

كانت حكومة الصرب أثناء حكم ميلوش كما رأينا عبارة عن حكم ملكي مطلق, وتحت حكم دستوري شكلياً, وتخضع لأوليجاركية (أقلية عسكرية). وفي عهد حكم ابنه ميشيل لم يتغير الوضع كثيراً فقد أعطى نظام الحكم شكل الملكية الدستورية وليس مضمونها, ولأنه كان يريد أن يمسك بكل السلطات في يده فكان عليه أن يلغي كل القوانين القائمة التي تفيد سلطته ولكن بطريقة تبدو مشروعة. ومن ذلك أنه كان يعمل على أن يضمن دائماً أغلبية من انصاره في الجمعيات الوطنية التي تم انتخابها في سنوات 1861, 1864, 1867 حتى لو اضطر لاستخدام البوليس بحيث كانت تلك الجمعيات أدوات في يده دائماً.

كما لو تحرك ميشيل أيضاً ضد الجهاز البيروقراطي أي رجال الإدارة وذلك بإقرار إجراءات جديدة جعلتهم يخضعون للفصل من وظائفهم بناء على ظروف معينة. ولقد رحب عموم الناس بهذه الإجراءات لأن أولئك الموظفين (رجال الإدراة) فشلوا في اكتساب حب الناس ومودتهم, كما استعان بحزب المحافظين طوال فترة حكمه, وحرم الحزب الليبرالي المعارض من أن يكون له نفوذ وتأثير عن طريق ملاحقة أعضائه بإجراءات قمع بوليسية بدون ضوابط حتى لقد اضطرهم لمغادرة البلاد حيث أخذوا ينشرون كتاباتهم المضادة للحكم ويعملون على تنظيم مقاومته. وكان أقرب الشخصيات له إيليا جاراشنين رئيس وزرائه أكثر شخصيات الفترة شهرة في الحكومة الدستورية.

ولما كان ميشيل يهتم اهتماماً رئيسياً بالسياسة الخارجية من حيث التوسع القومي إقليمياً رأيناه يزيد عد الميليشيات. ويعيد للحياة الشعار الثوري "أمة مسلحة", ويصدر في أغسطس 1861 قانوناً بتجنيد الذكور الذين يتراوح عمرهم من 20-50 سنة. وبفضل هذه الإجراءات تمكنت الصرب في 1863 من توفير ألف جندي بينما كان عدد سكانها 1.138.000 نسمة, فضلاً عن إنشاء وزارة للحرب وتوفير تسهيلات لتدريب الضباط وإعدادهم الإعداد العسكري اللازم. ورغم سوء تجهيز هذا الجيش وضعف تدريبه, إلا أنه كان أعظم الجيوش التي كانت متمركزة في ستة مدن على رأسها بلجراد وكانت تعد آخر مظاهر الحكم العثماني. وقد نتج عن أحد هذه الإشتباكات في 1862 قيام الأتراك بقصف بلجراد بالمدافع فاستنجدت الصرب بالقوى الدولية الضامنة لاستقلالها. وفي النهاية أدى الضغط الخارجي على الدولة العثمانية إلى انسحاب حاميتين عسكريتين ثم انسحاب باقي الحاميات في 1867, فلم يتبق من مظاهر السيادة العثمانية على الصرب إلا العلم المرفوع على قلعة بلجراد ودفع الجزية السنوية.

وفي الوقت نفسه نجح ميشيل في عقد محالفات مع جيرانه من دويلات البلقان ضد الحكم العثماني, ومن ذلك اتفاقية مع الجبل الأسود في 1866, ومع اليونان 1867, ومع رومانيا 1868 فضلاً عن علاقاته القوية مع المجموعات البلغارية الثورية. وتمشياً مع خطة جاراشنين وضع في اعتباره ضم بلاد الكروات الكاثوليك ضمن الأمة التي يريد تحقيقها حول نواة الصرب. غير أن المفاوضات التي انتهت بعقد تلك المحالفات كشفت عن مدى تناقض أفكار القومية ومعنى الأمة عند شعوب البلقان.

غير أن ميشيل لم يعش ليرى بنفسه تحقيق أي من أهداف سياسته الخارجية إذ انشغل انشغالاً شديداً بمواجهة المعارضة الداخلية التي ظلت تهاجم سياساته الأوتوقراطية حتى تم اغتياله في يونية 1868. ولما لم يكن له أبناء يخلفونه في الحكم تولى العرش ابن عمه ميلان اوبرنوفيتش الذي كان في الرابعة عشر من عمره يعيش طفولة مضطربة وبائسة بسبب سمعة أمه التي كانت عشيقة ألكسندر كوزا Cuza حاكم رومانيا. وسرعان ما تم تجهيزه للحكم في وقت قصير جداً تحت مجلس وصاية.

وفي العام التالي لتولي ميلان الحكم صدر دستور جديد في 1869 أعدته جمعية منتخبة من خمسمائة عضو, وتمت صياغته وهو أمر له مغزاه, دون تدخل خارجي على عكس دستور 1838 مع أن الصرب كانت لا تزال جزء من الإمبراطورية العثمانية. وفي أثناء مناقشات وضع الدستور سعى الليبراليون لكي تضمن مواده أفكاتر ليبرالية, بينما سعى مجلس الوصاية لوضع مواد لتقوية السلطة التنفيذية. وفيالنهاية وضع دستور أعطى للجمعية الوطنية دوراً تشريعياً قوياً بحيث تقرر ألا يصدر أي قانون أو يعطل أو يعدل أو يفسر دون موافقتها, وتقرر أن يكون 75% من أعضائها بالأنتخاب و 25% يعينهم الحاكم, وتقلص دور مجلس الوصاية ولم يعد أكثر من كونه لجنة إدارية. كما تقرر أن يكون الحكم في الصرب وراثياً في أسرة اوبرنوفيتش.

وبرغم هذا الدستور فقد احتفظ الحاكم بوضع قوي في نظام الحكم إن لم يكن قد احتفظ بكامل السيطرة والسيادة والهيمنة, فقد كان من حقه تعيين 25% من أعضاء الجمعية الوطنية, وإقالتها إذا ما رفضت الموافقة على الميزانية المقترحة وأن يتولى بنفسه تصريف ألأمور وفقاً للقواعد المعمول بها في العام السابق.

كما يلاحظ أن الدستور الجديد على عكس دستور 1838 احتوى على مبادئ عامة عن الحقوق المدنية, والمساواة بين جميع المواطنين,وحقوق الملكية, وحرية القول والمعتقد والصحافة, وكذا حق الشكوى. ولكن لم يرد نص بشأن حرية تكوين الجمعيات والروابط الأهلية, بل إن الحقوق المدنية التي تم منحها خضعت لقانون الأراضي.

ويتعين القول أنه في السنوات السابقة على اعتلاء ميلان العرش شهدت البلاد منجزات اجتماعية وإقتصادية رغم أن اهتمام الحكومة كان مركزاً على مشكلات السياسة الخارجية وليس على المسائل الخاصة بالتنمية الداخلية. وابتداء من حكم ميشيل التهمت النفقات العسكرية نسبة متزايدة من الدخل العام, ولكن استمرت عملية إنشاء المدن وتنميتها وإن ظلت الصناعة دون تطور حقيقي. فالصناعات الديوية هي الغالبة بينما الصناعة الثقيلة الوحيدة القائمة هي صناعة الحديد بغرض تموين الجيش باحتياجاته. وحدث بعض التحسن في المواصلات الداخلية حيث زاد عدد الطرق والكباري, وامتدت خطوط البرق عام 1855 داخل جهات كثيرة, وفي عام 1868 اتصلت بلجراد بكل من فيينا واستانبول برقياً. واستمرت العلقات التجارية مع النمسا الشريك الرئيسي ثم مع رومانيا ثم الدولة العثمانية وتمثلت الصادرات الرئيسية في الماشية والمنتجات الحيوانية وتمثلت الورادات الرئيسية في المصنوعات وأدوات الرفاهية.

واتجهت إقتصاديات الريف نحو زيادة إنتاج الحوب وخاصة القمح والذرة, ولكن أهملت تربية حيونات الفلاحة نظراً لإختفاء غابات شجرة البلوط التي كان الفلاح يعتمد على ثمارها في تغذية الماشية ولم يعد باستطاعته إلا تربية عدد قليل من الخنازير. وظل صغار الفلاحين يعانون مشكلة رهن الأرض مقابل القروض حتى صدر قانون زراعي في 1873 يمنع مصادرة الأرض وفاء للدين إذا كانت مساحتها تقل عن ثمانية أفدنة ونصف.

وخلال تلك الفترة بذلت جهود كبيرة لإصلاح التعليم فزاد عدد المدرسين وبلغت نسبة المتعلمين 4.2% من السكان عام 1866. ولما كان ميشيل معني بشكل خاص بأن تكون بلاده الصرب وليس النمسا مركزاً للثقافة الصربية رأيناه يقوم بتشييد مكتبة عامة وكتحف (خمسينات القرن التاسع عشر), ويؤسس الأكاديمية الصربية الملكية للعلوم (ستينيات القرن التاسع عشر) مع الاهتمام بالدراما الغربية والموسيقى.

لقد كانت الصرب خلال فترة الحكم الذاتي من 1830 حتىسبعينيات القرن التاسع عشر منشغلة بإقرار أوضاعها السياسية في المقام الأول, وكان السؤال الرئيسي بدور حول من له حق السطرة على البلاد . . الأمير, أم الأوليجاركية, أم جمعية تاسيسية ديموقراطية. وكالعادة كان الأمير يحتفظ بوضعه القوي, ولكن عندما كان يعجز عن القيام بمهامه في الحكم تتولى الأوليجاركية (العسكرية) إدارة شؤون البلاد. وخلال تلك الفترة أيضاً ضمت الصرب بعض الأراضي إلى حدودها, ووسعت من حقوق الحكم الذاتي حتى شؤون الصربيين الداخلية. وحدث أيضأً تحول راديكالي في إطار الاهتمامات السياسية حيث أخذت مسائل التوسع الإقليمي-القومي تسيطر على اهتمام حكام الصرب.

الفصل الخامس: المملكة اليونانية

رأينا أن كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا أقامت في عام 1830 مملكة يونانية مستقلة بمقتضى معاهدة دولية. وقد بدأت هذه الدولة تطورها السياسي من الناحية النظرية على الأقل متقدمة بخطوة على الصرب التي كانت حكومتها الذاتية قد بدأت في ذات العام. والحقيقة أن تاريخ اليونان وحضارتها كان يسبق وضعها السياسي الجديد عكس الصرب ، كما لم تكن معزولة عن اهتمامات المحيط الأوروبي نظرا لموقعها الجغرافي شرقي البحر المتوسط ، ومن هنا كانت ثورة اليونانيين ضد الحكم العثماني أمر يهم مصالح الدول الكبرى . ياضف إلى هذا أن اليونان كانت "تتمتع" بحماية ثلاثة قوى دولية لكل منها ماصلح متعارضة في منطقتي البلقان والبحر المتوسط ، الأمر الذي جعل منها بؤرة لصراع سياسات تلك القوى حيث كان من الممكن إستدراج أي منها للتورط في لامشكلات التي تكون دائما محل خلاف بين القوى السياسية في بلاد اليونان . وقد كان من المقدر منذ البداية أن بريطانيا وهي إحدى القوى الثلاثة الحامية لليونان سوف تسيطر على مقدرات البلاد نظرا لوجود أسطولها في البحر المتوسط والذي من شأنه حسم الأمور في حالة وقوع أزمة .

كان الملك أوثون Othon قد وصل إلى بلاد اليونان في فبراير 1833 واتخذ من ناوبليون Nauplion عاصمة لمملكته حيث لم تكن أحوال أثينا تسمح حتى عام 1835 بأن تكون مقرا للحكم . ولما كان الملك الجديد في الثامنة عشر من عمره فقد اصطحبه وصيا اختاره أبوه لو دفيج ملك بافاريا . ولأن لودفينج كان معني بنجاح ابنه في الحكم قثد اختار له مجموعة من الإداريين والمستشارين على درجة عالية من المهارة . وقام بتعيين الكونت جوزيف فون ارمانزبرج Armansperg رئيسا لمجلس الوصاية المعروف باتجاهاته الليبرالية وخبراته الهائلة في العمل في بافاريا . أما أعضاء المجلس الآخرون باتجاهاته الليبرالية وخبراته الهائلة في العمل في بافاريا. أما أعضاء المجلس الآخرون فكانوا كل من جورج لودفيج فون ماورير Maurer القاضي المعروف واستاذ القانون, والميجور جنرال كارل فون هيدسك Heudack الذي كان يقيم باليونان أثناء حوادث الثورة وكان على علم بمجريات الأمور فيها. وعهد بأمانة المجلس إلى كارل فون آبل Abel, وتم تعيين يوهان جرينر Johann Greiner مستشاراً. وعلى الفور شرع هؤلاء الرجال مع مساعديهم اليونانيين في العمل على تكوين جهاز إداري للدولة فقسموا العمل فيما بينهم حيث اختص هيدسك بشؤون الجيش والبحرية, واختص ماورير بالقانون والكنيسة والتعليم, وآبل بالشؤون الداخلية والخارجية على حين اختص جرينر بالمشكلات الإقتصادية, وكل منهم اختار نماذج من أفضل بلاد أوروبا الغربية تقدماً واستنارة لتطبيقها في بلاد اليونان. وفي هذا الخصوص كان للنموذج النابوليوني في فرنسا شأنه في المحاكاة والتقليد.

وسرعان ما دخل أعضاء مجلس الوصاية في صراع حاد فيما بينهم مما أضر باستقرار أمور البلاد في الداخل. وفي هذا الصراع قام ارمانزبرج في 1834 باستدعاء ماورير, وقلل من نفوذ هيدسك. وفي عام 1835 بلغ أوثون سن الرشد فأصبح ملكاً دون وصاية لكن ارمانزبرج ظل محتفظاً بنفوذه حى عام 1837 حين حل محله شخصية بافارية أخرى ألا وهوة ايجناس فون رودهارد Igans Von Rudhardt, وفي العام نفسه استقبلت اليونان أول رئيس وزراء لها من بين اليونانيين أنفسهم وهو قسطنطين زوجرافوس Zographos.

لقد قامت الدول الكبرى في اليونان حكماً ملكياً رغم أن اليونانيين كانوا بفضلون كما بدا من أحداث ثورتهم, قيام حكومة دستورية بسلطات تنفيذية مقيدة. غير أن الدول الكبرى وكانت قد وضعت في أولوياتها تأمين النظام والسلام في اليونان وإنهاء حالة الفوضى التي خلفتها الثورات وكانت ترى في وجود ملك يتمتع بسلطات مطلقة بعيداً عن قيود دستورية ما يساعد على تحقيق ذلك الهدف رغم أن تلك الدول كانت تظهر من آن لآخر تقديرها لفكرة الملكية الدستورية. غير أن الذي كان يحول دون وجود حكومة دستورية في اليونان لودفيج الأول بافاريا ووالد ملك اليونان أوثون إذ كان يعارض فكرة الدستور, ويمارس ضغطاً هائلاً على إبنه في الحكم, وأقصى ما كان يمكن أن يسمح به هو الرضوخ لميثاق "وطني" يتضمن حقوقاً محددة للشعب. وفي عام 1835 حين بلغ أوثون سن الرشد كان مجلس الوصاية لا يزال يمارس سلطات مطلقة ويخضع لرقابة الملك لودفيج الذي كان ينفرد بتعيين أعضائه واستدعائهم حسب إرادته. وهكذا كانت أعلى سلطة في أول حكومة يونانية مستقلة "بافارية" الطابع والهوى رغم وجود مجلس وزراء كله من اليونانيين لكن دون أ، تكون له سلطة حقيقية.

وينبغي التأكيد على أن هذه الإدارة الحكومية غير اليونانية حاولت إقامة ما اعتقد أعضاؤها أنه أفضل نظام حكم ممكن في البلاد. وقد تكون هذه الحكومة قد ارتكبت أخطاء وخاصة في الأمور المالية, وقد تكون قد ضيعت مبالغ كبيرة في محاولة منها لوضع اليونان في الإطار الصحيح الذي تتمتع به الدول الأكثر ثروة والكثر تقدماً. لكن أعضاء هذه الحكومة باستثناء ارمانزبرج لم يكونوا مرتشون, وقد بذلوا جهداً كبيراً من أجل تحقيق الأهداف. لكن من وجهة نظلا اليونانيين أنهم أصبحوا والحال كذلك مواطنين لحكومة دولة ضعيفة ألا وهي بافاريا وليس لإحدى الدول الكبرى الحامية لإستقلال بلادهم, وبالتالي لم يكن باستطاعتهم ممارسة فعلي على تلك الحكومة إلا إذا ضمنوا تأييد إحدى الدول الحامية.

على كل حال . . ففي السنوات الأولى من عهد المملكة الجديدة واصل مجلس الوصاية جهوده لوضع أسلوب للإدارة المحلية, وإعداد كنيسة وطنية, وتنظيم شؤون الجيش والبحرية, وإقامة مؤسسات تعليمية ومالية وغير ذلك من مؤسسات الدولة الحديثة. ولكن عند وضع نظام للإدارة المحلية واجه المجلس كثيراً من الصعوبات تماثل تلك التي واجهها ميلوش حاكم الصرب من قبل, ذلك أن أوثون ومستشاريه البافاريين شأن ميلوش كانت لهم مصلحة في كبح جماح المؤسسات التي قد تصبح مصدراً لمعارضة السلطة المركزية, وكانوا يفضلون الأسلوب المركزي في الحكم لأسباب عملية ونظرية وهو الأسلوب الذي قد يؤدي إلى تحطيم الحكومة الذاتية المحلية التي كانت قائمة زمن الحكم العثماني مثلما حدث في الصرب.

والحقيقة أن محاولة تطبيق الإدارة المحلية في البلاد كانت قد بدأت بطريقة أو بأخرى زمن ثورة اليونانيين عندما عمل قادة الثورة على تشكيل حكومة قوية لتقود النضال, وحينئذ تم تقسيم المناطق التي كات تحت سيطرة الثوار إلى أقاليم وكل إقليم يقسم إلى مدن وقرى (كوميونات), وعلى كل إقليم يعين إيبارش Eparch (أي والي) وسكرتير عام ورئيس للشرطة. وبمقتضى هذا النظام يصبح من حق كل كوميونة أن تدير شؤونها الخاصة بمعرفتها. غير أن هذا التخطيط الإداري لم يوضع أبداً موضع التنفيذ بسبب اضطراب أحوال البلاد خلال فترة الثورة.

وكانت أول خطوة اتخذت تجاه تنظيم إدارة وطنية قد تمت حكومة كابوديسترياس Capodistrias زمن ثورة الثورة وقد سبق أن ناقشنا رغبته في تكوين حكومة مركزية قوية تنزيا بالقوانين واللوائح مع بقاء جميع الأمور في يد الحكومة. ومن هنا وفي أبريل 1828 صدر قرار بتقسيم شبه جزيرة الموةر (البلوبونيز) إلى سبعة أقسام, وتقسيم مجموعة الجزر إلى ستة أقسام, وكل قسم يقسم إلى أقاليم, وكل إقليم إلى مدن وقرى كل منها يخضع لحكم مجلس محلي. ولما كان كابوديسترياس بحاجة إلى موظفين خبراء ومتعلمين يضمن ولاءهم فقد شغل كل المواقع المحلية برجال يونانيين ولكن من خارج بلاد اليونان بالمعنى الجغرافي, أي من استانبول وجزر أيونيا على سبيل المثال. غير أن هؤلاء الرجال كانوا بطبيعة الحال منفصلين عن السكان المحليين (الأهالي) من واقع سلوكياتهم ومصالحهم واهتماماتهم الشخصية شأن البريشانية بالنسبة لبلاد الصرب.

ولقد استمرت فلسفة الحكم هذه تحت حكم الملك أوثون, إذ كان مجلس الوصاية يرغب شأن كابوديسترياس في مركزة الحكومة مع ارتداء زي قانوني وتبني معايير قانوينة, ففي 1833 تك تقسيم بلاد اليونان إلى عشرة أقاليم (نومارخيات nomarchies), وكل إقليم يقسم إلى مقاطعات (إيبارشيات eparchies), وكل مقاطعة إلى بلديات (ديمات demes). وتقوم الحكومة بتعيين مسئول كل إقليم وكل مقاطعة. أما البلديات فقد تم تنظيمها بحيث تكون السلطة الحقيقية في يد الحكومة المركزية. ويلاحظ أنه حتى بعد إقامة المملكة استمرت حالة الإنفصال بين الحكام والمحكومين قائمة كما كان الحال من قبل. وكما هو معروف كانت قيادة مملكة اليونان في العقد الأول من وجودها "بافاريا" الهوية وتتكون من يونانيين تم استقدامهم من خارج البلاد. وحتى عندما قامت الحكومة المركزية فيما بعد بتعيين المسئولين المحليين في الريف اختارتهم من بين صفوف الشباب المتعلم الذين كانت مصالحهم في الغالب مختلفة عن مصالح الأهالي تماماً حدث في بلاد الصرب.

كما قام مجلس الوصاية بتنظيم شؤون الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية لتكون مستقلة عن البطريركية في استانبول التي كانت تحت سيطرة الباب العالي مباشرة. وكانت هناك محاولة جرت زمن الثورة لتحقيق هذا الاستقلال وخاصة بعد أن أصدر بطريرك استنابول تحت ضغط السلطات العثمانية قرار الحرمان الكنسي ضد الكنيسة اليونانية التي وقفت مع الثورة. وعلى هذا تدهورت الشؤون الكنيسة في اليونان أثناء الثورة شأن أمور أخرى وأصبحت أسيرة الفوضى والإضطراب. ولكن بعودة السلام بدا أن تنظيم الكنيسة أمواً ضرورياً وملحاً. وهنا يأتي دور جورج لودفيج فون ماورير ومجمع الأساقفة (السنودس) في إستقرار الكنيسة اليونانية لتكون مؤسسة ضمن مؤسسات الدولة. ولتحقيق ذلك نجد أن ماورير باعتباره ليبرالياً بروتستانتيا يستعير نموذج وذع الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا, والكنيسة الكاثوليكية في بافاريا وهما مؤسستان تابعتان للدولة.

وعندما صدرت التنظيمات الجديدة للكنيسة اليونانية في 1833 أعلن استقلالها عن بطريركية استانبول, وأصبحت شؤونها تدار بمعرفة مجمع (سنودس) يعين الملك أعضاؤه, ووجه المفارقة هنا أن رأٍس الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية أصبح في الواقع ملكة كاثوليكياً. كما امتدت يد الإصلاح الكنسي لتشمل الأديرة التي كانت أوضاعها في حالة يرثى لها بسبب حوادث الثورة. ومن ذلك أنه تقرر إغلاق الأديرة التي يقل عدد رهبانها عن ستة على تنتقل مملكاتها إلى الحكومة, ويستخدم عائدها في المستقبل للصرف منه على الإحتياجات الكنسية والتعليمية.

على أن هذه الإصلاحات كانت محل جدل كبير ساخن داخلياً وخارجيأً لأكثر من سبب, فلقد قام على تنفيذها قيادات يونانية تؤمن بالعلمانية والأفكار الغربية, ولم تؤيدها بطبيعة الحال العناصر المحافظة في الكنيسة اليونانية, ولأنها تنتهت بوضع ملك كاثوليكي على رأس الكنيسة الأرثوذكسية في البلاد الأمر الذي نتج عنه انشقاق أكثر من بطريرك رفض المثول لها بدعوى أنها فرضت دون التفاوض مع بطريركية استانبول فكانت علامة على قطيعة مع هيئة تعتبر يونانية لأن غالبية أعضائها من اليونانيين. وأكثر من هذا أن روسيا انغمست بعمق في تلك المشكلة للمحافظة على وحدة الأرثوذكسية.

لكن الجرح الذي أحدثته الإصلاحات لم يندمل وظلت الخلافات حوله قائمة ولم يتم التوصل إلى تسوية نهائية بشأنه إلا في عام 1850 حيث وافق بطريرك استانبول بوساطة روسية على الإعتراف بإنفصال الكنيسة اليونانية في مقابل تنازلات قليلة نسبياً. وفي عام 1852 صدر قانون جديد بقيت الكنيسة بمقتضاه تحت رعاية مجمع (سنودس) يرأسه كبير أساقفة أثينا, وبشرط ألا يسري أي قرار تصدره الكنيسة إلا بتوقيع المدعي العام ممثل الحكومة, وبهذا بقيت الكنيسة تابعة لسلطة الحكومة المدنية.

أما فيما يتعلق بالحالة العسكرية وخاصة حالة المحاربين القدماء اليونانيين فقد أصبحت تمثل مشكلة كبرى في السنوات الأولى من استقلال اليونان دون أن تجد لها حلاً مرضياً وذلك على عكس الصرب التي نجحت في إعاشة الفرق العسكرية غير النظامية (الميليشيات) داخل قرى الريف بعد أن شاركت ف يمعارك الثورة. والحاصل أن أوثون عندما قدم إلى اليونان ملكا عليها رافقته قوة عسكرية قوامها ثلاثة آلاف وخمسمائة نفر أغلبهم من الجرمالانن ومن السويسريين لأن الدول الكبرى كانت تريد الاطمئنان على أن الملك الجديد لديه قوة عسكرية يمكنه الاعتماد عليها . وكان من مصلحة الملك الجديد والدول الكبرى التخلص من العساكر النظامية اليونانية التي بلغ عددها سبعمائة عسكري ومن المحاربين غير النظاميين (الميليشيات) وعددها حوالي خمسة آلاف نظرا لإسهامهم في الفوضى التي سادت البلاد آنذاك . ولم يكن هذا الأمر سهلا أن هؤلاء الجند لم يكونوا يتقاضون مرتبات منتظمة ، ولايعيشون في المواقع التي يتمركزون فيها ، ولا يستطيع أغلبهم العودة إلى بلدتهم التي كانت ما تزال تحت يد العثمانيين. وعلى هذا رئي توزيد الجيش النظامي باليونانيين, ولم تكن عملية سهلة أيضاً لسبب بسيط وهو أن الملك القادم من خارج اليونان كان بحاجة إلى جيش يعتمد عليه في حماية سلطته ومساندته وحفظ الأمن ويقبل الخضوع لللإنضباط العسكري في التدريب والزي على الطريقة الأوروبية وهما مظهران لم يكن اليوناني يفضلهما. وانتهت هذه المشكلة بإلحاق بعض هؤلاء العسكريين بالجيش النظامي وبعضهم بالجندرمة (الشرطة), وعاد أكثرهم إلى قراهم, وشكل آخرون عصابات لقطع الطرق سواء داخل اليونان أو على الحدود مع العثمانيين وأصبحوا يمثلون مشكلة حقيقية خلال حكم أوثون.

على كل حال . . لقد كان الجيش سواء أكانت عناصره أجنبية أو محلية يمثل عبئا مالياً ضخماً على الدولة الوليدة إذا كان يستهلك مثلما حدث في الصرب أكثر من نصف ميزانية الدولة محدودة المصادر بسبب ضخامته بالقياس لعدد السكان, ففي عام 1835 بلغ سبعة آلاف نفر بما فيه قوات الشرطة اي بما يعادل عسكري لكل مائة يوناني, وكان نصفه تقريباً من اليونانيين والباقي من المرتزقة, ويخضع لنفوذ أجنبي بإستثناء سلاح البحرية الذي كان يخضع لسيطرة اليونانيين أنفسهم.

وأما فيما يتعلق بالتعليم فقد وضع مجلس الوصاية نظاماً للمدارس الإبتدائية والثانوية, وفي 1837 تأسست جامعة أثينا التي كان لها أفضل إعداد رجال المستقبل في الإدارة وفي السياسة على نطاق واسع. كما تم تنظيم مسألة اللغة التي تستخدم وذلك في أواخر أيام حكم الملك أوثون. ففي 1849 تم إصطناع الكاثاريفوزا Katharevousa لتكون اللغة التي تستخدم في الكتابة والتعليم والصحافة محل لغة العوام (الديموقراطية). وكان هذا التغيير مثار جدل مرير منذ حدوثه, إذ كان وجود لغتان معاً أحدهما لا يستخدمها غالبية الناس سبباً في تعقيد الحياة السياسية والتعليم في المملكة.

وفي تلك الأثناء قام ماورير بوضع النظام التشريعي لليونان وسن مختلف القوانين المدنية. واهتم مجلس الوصاية بتشجيع من الملك اهتماماً بالغاً بمدينة أثينا وكانت عند نهاية فترة الثورة أقل قيمة من أي مدينة عثمانية إقليمية, وأشهر معالمها البارثينون وبقايا الآثار التي تشهد بعظمة الماضي. غير أن عشاق الهللينية من البافاريين واليونانيين أنفسهم اهتموا بكل حب وتقدير أن يجعلوا عاصمتهم خير خلف للمدينة القديمة, وإلى تلك الفترة من التاريخ تعود مدينة أثينا الحديثة.

ورغم إنجاز الكثير فيما يتعلق بتنظيم شؤون الدولة وترتيب أحوالها خلال السنوات الأولى من حكم الملك أوثون, إلا أنه بقيت مشكلات كبيرة دون تسوية. ورغم أن أوثون كان حاكماً مطلقاً, إلا أنه لم يكن على شاكلة ميلوش أو كاراديورديه, كما لم يكن رجل مكائد ومؤامرات, لكن شخصيته وقدراته لم تكن بالقوة التي تمكنه من السيطرة على الموقف السياسي المعقد, إذ لم يكن باستطاعته التصدي لتدخل الدول الحامية لإستقلال اليونان في شؤونه الداخلية بشكل متواصل بسبب ضعف إقتصاديات الدولة, وزاد من تأزم شخصيته زواجه في نوفمبر 1836 من آمالياً دوقة أولدنبرج Oldenburg وهي بروتستانتية ورغم احتفاء الشعب بهذا الزواج إلا أنه ظل زواجاً طفولياً.

وفي الواقع أن بلاد اليونان التي استقلت كانت ف يحالة يرثى لها بسبب تدمير غابات الكروم والزيتون وحدائق الفاكهة نتيجة أعمال العنف التي صاحبت فترة الثورة, فضلاً عن اضطراب نظام جمع الضرائب. وأكثر من هذا فإن أراضيها لم تكن كلها خصبة, والصالح للزراعة منها لا يتجاوز 25% على حين أن الفلاحين يمثلون 75% من إجمالي السكان. وعلى هذا فقد وجهت أول حكومة مشكلة إقامة نظام إداري حديث بميزانية خاوية, زمصادر قليلة, ووجود التجارة والملاحة خارج سيطرة الحكومة, فضلاً عن الديون التي مقعت فيها البلاد أثناء الثورة وكان على الحكومة تسديدها. وهكذا ظلت المشكلات تحيط بالبلاد حتى نهاية القرن إلى أن أقدمت الحكومة في النهاية على إشهار إفلاسها بوضوح.

ثم إزداد المواقف الإقتصادية سوء بسبب أسلوب تحصيل الضرائب الردئ الذي لم يتغير منذ العهد العثماني, إلا قليلاً, إذ سرعان ما اكتشف الفلاح اليوناني مثلما فعل الفلاح الصربي أن الإستقلال أكثر كلفة من الحكم العثماني, وأن تهرب من الضرائب أمر بالغ الصعوبة, فمثلأً استمر الفلاح في دفع ضريبة العشر لكن الطريقة المتبعة في تحصيلها أدت إلى زيادة قيمتها المقررة. كما اتبعت الحكومة نفس وسائل إبتزاز الأموال التي كانت سائدة تحت الحكم العثماني ومن ذلك استمرار منح إمتياز جمع الضرائب بالمزاد لمن يدفع أكثر (أي نظام الإلتزام), ودفع الضرائب عينأً عكس الحال في الصرب, وقيام الملتزم أو وكيله بتقدير المحصول على الأرض. ولم يكن الفلاح يجمع محصوله إلا بعد أن يسمح له الملتزم بل كان عليه أ، يجمعه بشروط يضعها الملزم, فإذا كان المحصول من النوع سريع التلف يقوم الفلاح برشوة المسئول لكي يسرع بتقدير الضرائب. ولم هذا النظام بأكملع يمثل كارثة بالنسبة للفلاح فقط بل كان كارثة على الحكومة التي لم يكن يصل خزنيتها إلا نسبة قليلة مما يجمعها ملتزمو الضرائب من الفلاحين بسبب تقشي الفساد والإبتزاز. ولقد أدرك مجلس الوصاية وكذا الوزراء هذا الوضع فاجتهدوا لتحسين نظام دفع الضرائب لضمان توريد الملتزمين كافة الضرائب لضمان توريد الملتزمين كافة المبالغ التي يجمعونها من الفلاحين.

وبالإضافة إلى تلك المشكلات المالية كان على الحكومة أن تتعامل مع موقف داخلي معقد وصعب استمد خصوصيته من طبيعة النظام الملكي المطلق, ومن الأسلوب القمعي الذي كانت الحكومة تمارسه ضد أحزاب المعارضة, ومن تدخل القوى الدولية الدولية الثلاثة الحامية لإستقلال اليونان. وكانت الأحزاب القائمة في العقدين الأولين من حكم الملك أوثون ثلاثة أحزاب ترجع أصولها إلى فترة الثورة, وبينما تشكلت الحياة الحزبية في الصرب من واقع الصراع بين الحاكم والنبلاء فكان هناك حزب دستوري وآخر ليبرالي وثالث محافظ, تشكلت أحزاب اليونان على أساس التبعية لأحد الدول الثلاثة الحامية فكان هناك حزب فرنسي وآخر إنجليزي وثالث روسي. ولكل حزب مركز ف يالمفوضية اليونانية تعقيداً أن كل دولة من تلك الدول الثلاثة كانت لها مواقف سياسة ثابتة بشأن اليونان تعكس مصالحها.

ويبدو أن الحزب الفرنسي كان أكثر الأحزاب الثلاثة شعبية في السنوات السابقة على حرب القرم, وربما يعود هذا بصفة رئيسية إلى قدرته على مناصرة برنامج للتوسع القومي-الإقليمي, وكان زعيم هذا الحزب جون كوليتيس Kolettes وهو سياسي متطرف ذو قدرات عالية وله إرتباطات وثيقة بملكية يوليو 1830 في فرنسا حيث كان يمثل بلاده في باريس لمدة ثان سنوات. ويليه في النفوذ والتأثير الحزب الروسي Napist وهو حزب أرثوذكسي محافظ تزعمه في البداية كولوكوترونيس, وكابوديسترياس أثناء الثورة وبعد وفاتهما تزعمه أندرو ميتاكساس Metsxas. أما الحزب الإنجليزي فكان أقل الأحزاب الثلاثة نفوذاً وتأثيراً رغم أنه كان بإمكانه ممارسة ضغط كبير على الحكومة اليونانية استناداً إلى الأسطول البريطاني القابع على سواحل البلاد, لكن لم يكن بإمكانه تأييد سياسة قومية توسعية كبرى نظراً للحقيقة السائدة بان إنجلترا كانت لا تزال آنذاك تتمسك بوحدة الأراضي العثمانية وتكاملها في إطار فلسفة التوازن الدولي. وكان رئيس الحزب ارمانزبرج الذي كان يحظى بتأييد الملك ثم خلفه مفروكورداتس, وكان برنامجه يركز على الإصلاحات الداخلية وإقامة حكومة دستورية. وعلى كل حال كان كل حزب من تلك الأحزاب الثلاثة يسعى للسلطة وعندما يصبح أحدها في الحكومة نجده يبادر بمساندة الملك, وعندما يكون خارج السلطة يقوم بالتآمر ضد الحكومة وضد أي حزب آخر في الحكم وهكذا.

ومن المشكلات الرئيسية التي واجهت أوثون خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه وكان لها تأثير على مساره في الحكم أنه لم يكن له فريق منظم يسانده, ولم يكن له حزب "بافاري" يعتمد عليه وهي إشارة لبلده بافاريا التي قدم منها, وكان عليه أن يتحمل عبء امتعاض اليونانيين من وجود أجنبي يحكمهم وهو ما أطلقوا عليه الإيكسنوقراطيةXenocracy (أي حكم الأجانب) رغم أن اليونانيين أخذوا يتولون تدريجياً معظم الوظائف الإدارية. ففي نهاية ثلاثينيات القرن التاسع عشر مثلاً حل العساكر اليونانيين محل القوات الأجنبية لكنهم لم يكونوا من أنصار الملك وبالتالي لم يكن من الممكن الإعتماد عليهم يضاف إلى هذا أن أوثون ظل طوال فترة حكمه يعاني من نظر الناس له إعتباره كاثوليكياً يحكم بلداً أرثوذكسياً. ومما زاد من حجم معاناته عدم إنجابه ولداً ذكراً يخلفه في الحكم وينشأ نشأة أرثوذكسية من البداية. أما أعظم أخطائه طرة في أعين الناس إخفاقه في إحداث أي تقدم بشأن ضم أراضي يونانية لدولة اليونان على أساس التوسع القومي-الإقليمي وهي مسألة عاطفية لها أهميتها القصوى في نظر اليونانيين فمثلاً عندما ثارت كريت ضد الحكم العثماني في 1841 لم ينتهز الفرصة ويعمل على ضمها للبلاد.

وفي أربعينيات القرن (التاسع عشر) واجه أوثون أزمة داخلية حيث بلغ السخط مداه ضد حكمه بسبب سياساته الداخلية والخارجية. فقد زاد الوضع الداخلي سوء بسبب ضغوط الدول الدائنة لليونان حتى لقد أصبحت الشؤون المالية في 1838 تحت إشراف المندوب الفرنسي آرتمون دي رينيه Artemonis de Regny, ثم حلت الكارثة بالموقف المالي تماماً في 1843 إذ توصل العجز السنوي في الميزانية بإستثناء عام واحد بل وتوقف تسديد الديون لمدة أربع سنوات.ورغبة من القوى الدولية في حماية استثماراتها بدأت تمارس ضغطاً على الحكومة اليونانية لتخفيض نفقاتها الداخلية تخفيضاً كبيراً فبادرت بتخفيض ميزانية الجيش فأعرب العسكريون عن سخطهم وشاركتهم مجموعات أخرى ساخطة على الوضع العام.

وفي تلك الأثناء كان الحزب الفرنسي في السلطة ويحكم بتنسيق تام وتعاون مع الملك, أما الحزبان الروسي والبريطاني فكانا خارج الحكم. ثم عرفت الحكومة بنبأ إستيلاء ألكسندر كارديورديفيتش على الحكم في الصرب (1842) بإنقلاب عسكري فأصبحت قضية هذا الإنقلاب موضوع جدل داخل الحكومة اليونانية. وعلى هذا أثار الحزب البريطاني فكرة الرقابة على الملك أوثون وتقييد سلطاته بواسطة دستور ربما تجنباً لحدوث إنقلاب, وأصبح الموضوع شاناً سياسياً عاجلاً لدى اليونانيين.

ثم تجمعت كل تلك المسائل وأصبحت أسباباً لثورة في 1843 حين تركت فرقة عسكرية مرابطة في أثينا تجاه القصر الملكي في سبتمبر واعتقلت الملك وحكومته, وطلب قادتها أن يقوم أوثون بتشكيل حكومة جديدة وأن يدعو لعقد جمعية تأسيسية لوضع دستور. والحق أن الحركة كانت إنقلاباً عسكرياً مدعوماً من الحزبين البريطاني والروسي ونفر من الحزب الفرنسي, أكثر من كونها انتفاضة شعبية كبرى استهدفت تقييد سلطة الملك بالدستور, وتجدر الإشارة إلى أن الصرب كانت تشهد في الفترة حياة دستورية.

ولما لم يكن أمام الملك إلا أن يختار بين إصدار الدستور أو التنازل عن العرش وجدناه يوافق على طلبات الثوار ومن ثم دعا إلى تشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور ضمت ممثلين من كل من مقدونيا وإيبروس وتساليا وهي مناطق كانت لا تزال تحت الحكم العثماني. وقد استمرت الجمعية منعقدة من سبتمبر 1843 إلى مارس 1844, وقام بدور رئيسي في مشاورات الأعضاء كل من مفروكورداتوس الذي عاد من استانبول حيث كان يمثل بلاده هناك, وكوليتيس Kolettes الذي كان قد عاد من باريس, وقدمت فرنسا وإنجلترا النصائح اللازمة لإعداد الدستور, وابتعدت روسيا عن المشاركة نظراً لأن القيصر نيقولا الأول كان ينظر بريبة تجاه الحركات الثورية.

لقد كانت القضية الرئيسية التي دارت حولها مناقشات وضع الدستور هي تحديد العلاقة بين الملك وبين الهيئة التشريعية, ورغم أن فرنسا وإنجلترا كانتا تساندان فكرة الحكومة الدستورية في اليونان, إلا أنهما لم تتحمسا كثيراً لإعطاء صلاحيات واسعة للهيئة التشريعية, ذلك أن الهيئة التشرعية في فرنسا نفسها (ملكية يوليو) وفي إنجلترا (بعد قانون الإصلاح عام 1832) لم يكن لها حق الراقبة الشعبية, وبالتالي كان كل ما يعني هاتان الدولتان أ، تقوم في اليونان حكومة مستقرة, ومن هنا جاء الدستور الذي صدر في 1844 محافظاً وشبيهاً بدستور ملكية يوليو في فرنسا التي كان كوليتيس يعرفها تمام المعرفة. وعلى هذا نص الدستور الجديد على إيجاد مجلسين تشريعيين: مجلس نواب Vouli ينتخب أعضاؤه انتخاباً حراً مباشراً, ومجلس شيوخ Gerousia وأعضاؤه يعينهم الملك مدى الحياة من بين المواطنين أصحاب المكانة الممتازة وبموافقة رئيس الوزراء, وللملك حق الفيتو المطلق على قرارات الهيئة التشريعية, ومن حقه تعيين الوزراء وعزلهم, ويكونون مسئولون أمامه. كما تضمن الدستور المبادئ العامة التي يصدر بشأنها قوانين مثل المساواة بين المواطنين, وحرية الصحافة, وحرية الإجتماعات . . الخ.

وبصدور الدستور في 1844 أصبحت اليونان ملكية دستورية من الناحية النظرية, ولكن من الناحية الفعلية كان دور الدستور في توجيه الحكومة دوراً ضئيلاً, ذلك أن القيادات السياسية اليونانية تبنت مثلما حدث في الصرب المبادئ السياسية الغربية باشكالها الدستورية بعد تكييفها طبقاً للعادات والتقاليد المحلية. وقبل أن يصدر الدستور كانت الأحزاب الثلاثة الرئيسية في البلاد (الفرنسي والروسي والإنجليزي) تتصارع على السلطة, ولم تتعاون معاً إلا في أثناء مناقشة وضع الدستور. وآنذاك كانت الحكومة القائمة برئاسة ميتاكساس ثم حلت محلها حكومة مفروكورداتوس, وسبيريدون Spyridon, وتريكوبيس Trikoupes التي اعتبرت موالية للإنجليز وهي الحكومة التي كانت في الحكم أثناء إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وأثناء إجتماعات الجمعية لمناقشة مبادئ الدستور. وأخيراً كان الدستور نفسه من ناحية المبدأ حصيلة عمل لجنة مكونة من واحد وعشرين عضواً أبرزهم مفروكورداتوس, وتريكوبيس, وكوليتيس, وظل الحزب اروسي بعيداً عن الساحة بسبب موقف القيصر كما سبقت الإشارة.

وبمجرد صدور الدستور عادت سياسات كل الأطراف إلى وضعها الطبيعي وفي أول إنتخابات أجريت عام 1845 فاز كوليتيس الذي بادر بتشكيل حكومة إئتلافية منه ومن ميتاكساس واستبعد الحزب الإنجليزي, وظل في الحكم مسيطراً على كل الأمور حتى وفاته في 1847. ووضع خلال وزارته أسلوب ممارسة الحكومة لمهامها ظل معمولاً به إلى أن تم عزل الملك أوثون في 1862. ومن ذلك أنه جعل الإدارة مركزية رغم وجود الدستور ليضمن نجاح مرشحي الحكومة في الإمنخابات, ووضع كل أنصاره في كل الوظائف, واستخدم أسلوب الترغيب ليضمن الحصول على مؤيدين وأنصاره, وأسلوب الترهيب لإخافة المعارضة وترويعها حتى ولو تطلب الأمر تجنيد عصابات وقطاع طرق يعملون لحسابه وتحريك مظاهرات الشوارع ولصالحه. ولأن مرشحي الحكومة كانوا يفوزون دوماً في انتخابات مجلس النواب بأغلبية الماقعد, فإن المعارضة لم تجد فرصتها في القيام بدور مؤثر في الحياة النيابية.

ورغم هذه الشوائب التي اعترت الحياة السياسية والنيابية في الحكم والإدارة إلا أن كولتيس والملك لقيا تأييداً عريضاً من الرأي العام, فقد كان بإستطاعة كولتيس استخدام الإذاعة ليتحدث منها إلى الشعب لكسب تأييده, وأصبح المتحدث الرسمي عن خطة التوسع الإقليمي-القومي التي عرفت بالفكرة الكبرى Megale Idea. واقع الأمر أن المملكة اليونانية الجديدة التي تأسست في 1830 كما سبقت الإشارة ورثت مجموعة من التقاليد المزدوجة منالحضارة اليونانية القديمة ومن الإمبراطورية البيزنطية. ورغم أن هذه التقاليد الموروثة ظلت محل شد وجذب بين اليونانيين المحدثين إلا أنها لعبت دوراًى نشطاً في مجمل السياسات اليونانية, فقد سبق أن رأينا أهمية التراث الكلاسيكي اليوناني في مسألة اللغة, وفي حركة أنصار الهللينية التي ساعدت الثورة اليونانية بدرجة ملحوظة. كما أن التراث البيزنطي كان واضحاً بدروه فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للدولة الجديدة وكذلك في التوسع الإقليمي-القومي, بل لقد تمت صياغة ملامح مشروع الفكرة الكبرى لإحياء الإمبراطورية البيزنطية أساساً بدليل أن المشروع اقترح أن تكون القسنطنطنية (استانبول) وليس أثينا عاصمة للدولة القديمة الجديدة. وكانت حدود تلك الدولة تشتمل في الوعي اليوناني على ك من إيبروس, وتساليا, ومقدونيا, وتراقيا, وجزر بحر إيجة, وكريت, وقبرص, وبلاد الساحل الغربي لآسيا الصغرى, والأراضي الواقعة ما بين البلقان ومرتفعات رودوبيه Rhodope التي عرفت فيما بعد باسم شرق روميليا. ويلاحظ أن تحديد تلك البلاد لم يتم على أساس عرقي أي أنها بلاد تضم سكان يونانيي الملامح مثلاً, ولكن تم على أساس أنها بلاد تسود فيها الحضارة الهللينية من قديم. وحتى ينفسح المجال أمام الدولة الجديدة لسيطرة التراث الإغريقي دينياً وتعليمياً في المناطق التي يسكنها سلفيون تم إخضاع كل الؤسسات الدينية والتعليمية للرقابة السياسية.

ولقد بذل المثقفون اليونانيون جهداً كبيراً لإثبات شرعية المطالبة بضم تلك الأماكن لليونان الجديدة وظلوا يكتبون في هذا الإتجاه إلى أن انتهى أمر "الفكرة الكبرى" بالفشل في 1922 في إطار تسويات الحرب العالمية الأولى. ومن مظاهر الدفاع عن تلك الفكرة الرد على ما كتبه يعقوب فالمراير Fallmeraye الذي ادعى في كتاب نشره في 1836 بأن الهجرات السلفية في القرنين السابع والثامن أهلكت معها اليونانيين المقيمين آنذاك, وهذا يعني أن اليونانيين المحدثين هم سلافيون تأغرقوا. وفيما بعد كتب قسطنطين باباريجو باولوس Paparrego Poulos خلال 1860-1872 كتابه "تاريخ الأمة اليونانية" للتعبير عن وجهة نظر القومية اليونانية.

وفي هذا الخصوص لا ينبغي أن ننسى أن كوليتيس وقبل تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور, هو الذي أعلن في 15 يناير 1844 بيان "الفكرة الكبرى" حين قال "إن المملكة اليونانية ليست هي كل بلاد اليونان . . إنها فقط الجزء الأصغر والأكثر فقراً من تلك البلاد . . إن بلاد اليونان الحقيقية لا تشمل حدود المملكة الحالية فقط بل إنها تشمل كل من يانينا, وتسالونيكا, وسيزر Serres, وىدريانوبل, والقسطنطينية, وطرابيزون, وكريت, وساموس Samos, أي أرض أخرى أقام فيها الجنس اليوناني وشهد الحضارة الهللينية . . هناك مركزان كبيران للهللينية: أثينا والقسطنطينية . . إن أثينا مجرد عاصمة للمملكة فقط . . أما القسطنطينية فإنها العاصمة الكبرى . . المدينة Polis . . أمل كل الهللنيين . . تجذبهم إليها ويتطلعون لها . . "

كان على اليونان لكي تحقق أهدافها القومية أن تدخل في صراع مباشر مع بريطانيا. وكان بإستطاعة اليونان في عهد الملك أوثون أن تستثمر الأزمات الدبلوماسية المتكررة بين الدول الأوروبية لتحقق بعض أمانيها القومية لكن حال دون ذلك تمسك بريطانيا بسياسة المر الواقع status quo عملاً بمبدأ توازن القوى. وقد اتضح هذا في موقفها أثناء انتفاضة كريت 1841 كما سبقت الإشارة وفي ثورة جزر أيونيا 1848-1849, ثم دخلت الحكومة اليونانية عام 1850 في عراك كبير مع بريطانيا أثناء حكومة حزب الأحرار برئاسة لورد بالمرستون بسبب وقوفه إلى جانب دون باسيفيكو Pacifico وهو شخص يهودي برتغالي بريطاني الجنسية ادعى ملكية جزيرتين صغيرتين في حبر اليونان. وكان بعض الغوغاء قاموا بتخريب منزله وصادرت حكومة اليونان بعض ممتلكاته وفقاً لرواية بعض المؤرخ فينلاي Finlay. ولكي تفرض بريطانيا موقفها المناصر لإدعاءات دون باسيفيكو بادرت بإرسال أسطول إلى ميناء بيريه لتهدد اليونان وعلى الرغم من تسويةى المسائل المالية بين الطرفين في النهاية, إلا أن الأزمة في حد ذاتها جعلت أوثون أكثر شعبية بين اليونانيين لوقوفه ضد القوى العظمى, وجعل اليونان تسعى إلى تحسين العلاقات مع روسيا, وآية ذلك تسوية مسألة الكنيسة بإتفاق مع البطريرك.

على كل حال لقد كان على اليونان لكي تتوسع توسعاً إقليمياً-قومياً أن تبدأ بضم الأراضي العثمانية المتاخمة لها ف يتساليا ومقدونيا. وكان بإستطاعة اليونان أن تنتهز فرصة إنشغال الباب اعالي في أزمات متتالية لكي تتحرك نحو أهدافها كان أولها خلال الفترة من 1830-1833, والثانية 1839-1840 حين كان محمد علي والي مصر يتحدى السلطان, والثالثة عام 1853 حين نشبت حرب اقلرم التي أدخلت بريطانيا وفرنسا وهما دولتان حاميتان لليونان في حرب مع الدولة الثالثة الحامية ألا وهي روسيا. وبينما لم يكن من الممكن إستغلال أزمة محمد علي مع السلطان, كانت حرب القرم تقدم فرصة مناسبة لتحقيق الآمال القومية لليونان ذلك أن عواطف اليونانيين كانت مع روسيا الأرثوذكسية . وعلى هذا في بداية الحرب بدأت عصابات يونانية تعمل في الأراضي العثمانية بمساندة من حكومة اليونان. ورغم أنه كان بمقدور القوات العثمانية أن تسحق تلك العصابات بسهولة, إلا أنها لم تفعل, وتكلفت بريطانيا وفرنسا بإجهاض حلم اليونان حفاظاً على سياسة التوازن الدولي حين حركت الدولتان قطعاً بحرية ظلت راسية ف يميناء بيريه خلال المدة من 1854-1857, وتم إراغام الملك أوثون على تعيين حكومة جديدة برئاسة مفروكورداتوس والحزب البريطاني. وهكذا أدت هزيمة روسيا ف يتلك الحرب (1856) إلى إخماد أية آمال يونانية في التوسع الإقليمي بل إن الظروف الدولية حتى نهاية حكم أوثون حالت دون تحقيق أية مكاسب إقليمية يونانية.

ومع خيبة الآمال التي واجهت اليونان في السياسة الخارجية تحت حكم الملك أوثون, شهدت البلاد في فترة حكمه تقدمكاً محدوداً في الشؤون الداخلية. وعلينا أن نتذكر في هذا الخصوص أن الدولة الجديدة بدأت بموارد جد محدودة, وديون خارجية هائلة زاد من وطأتها تفشي الفساد في إدارتها. ويضاف إلى ذلك أن تسوية النزاع في المناطق الثائرة أفاد النبلاء بصفة أساسية على حين ظل غالبية الفلاحين يعيشون على ريع مساحات زراعية ضئيلة للغاية أو يعملون في فلاحة أرض الغير مقابل أجور زهيدة, فضلاً عن معاناتهم من نظام جمع الضرائب مثلما كانت الأحوال في الصرب.

وأكثر من هذا كان على اليونان مواجهة صعوبات أساسية لم تواجهها شعوب البلقان المجاورة, فالصرب مثلاً بعد ثروتها أفادت من أراضي زراعية كافية وغابات واسعة لم تكن قد استغلت بعد, وأما اليونان فلم يكن بإمكانها إنتاج الحبوب التي تكفي إستهلاك سكانها مما اضطرها للتركيز على تصدير العنب والزبيب والزيتون والموالح والطباق لتوفير المال اللازم لشراء الحبوب. وآنذاك لم تكن هناك نهضة صاعية في البلاد بل إن المصنوعات المتقدمة المستوردة. وفي مقابل هذه الصورة الإقتصادية القاتمة كانت الملاحة اليونانية هي النشاط الوحيد الذي صادف انتعاشاً.

وعلى الرغم من أن الأحوال الإقتصادية في المملكة المستقلة ظلت على حالها من السوء كان وضع اليونانيين الذين يقيمون خارج البلاد أفضل بكثير. ورغم الحقيقة القائلة بأن بلاد اليونان فقدت مكانتها المرموقة إلا أن اليونانيين ظلوا يعملون في خدمة الدوةل العثمانية, بل واستعادوا أهميتهم في الحياة الإقتصادية فيها, وظلت حياة التجار منهم مزدهرة ومنتعشة في مدن البلقان, ومصر, وفي منطقتي الدانوب والبحر الأسود. وكان المركز الحقيقي للقوة الإقتصادية لليونانيين في استانبول وتسالونيكا وأزمير, ولكن لم يكن أيا من تلك المصادر المالية في خدمة الدولة اليونانية ذاتها. والحاصل أن اليونانيين الذين يعيشون خارج المملكة كانوا يستثمرون أموالهم داخل المملكة لكن الحكومة اليونانية لم تستطع أن تفرض أية ضرائب على أموالهم أو مراقبتها. وينبغي أن نتذكر في هذا الخصوص ونؤكد على أن المشكلة الرئيسية لليونان المستقلة كانت المشكلة المالية, ذلك أن دولة فقيرة في الأساس وتنفق معظم دخلها على الجيش وعلى الديون لم يكن أمامها أي فائض مناسب في الموازنة لتحسين الأحوال الداخلية حتى ولو كان لدى قادتها الرغبة في إتخاذ سياسات في هذا الشأن.

وأمام تلك الظروف لم يكن من الممكن تجنب حالة السخط على حكم الملك أوثون وعدم الرضا عنه, ذلك أنه بعد موت كوليتيس لم يتغير أسلوب وزراء الملك في إدارة البلاد, ففي 1862 حاول الأدميرال قسطنطين كناريس Kanares وكان رئيساًُ للوزراء التأثير على الملك لإصلاح نظام الحكم من حيث تقييد التدخل الملكي في شؤون الحكم ولكن دون جدوى.

وفي تلك الأثناء شهدت اليونان كما حدث في الصرب جيلاً جديداً يملك أفكاراً مختلفة ويتطلع إلى الإمساك بمراكز السلطة قوامه طبقة وسطى من التجار وموظفي الحكومة, والشباب الذين تعلموا في جامعة أثينا أو في خارج الذين ضاقوا ذرعاً بسلطة الحكم القائمة, وانضم إليهم بالتأييد مجموعة من السياسيين ذوي الفكر الإصلاحي لعل أفضل مثل لهم إبامينوناس ديلجورجيس Epaminonads Delegeorges الذي هاجم كافة المؤسسات التي أقيمت بمقتضى دستور 1843. وكانت تلك العناصر ترغب في إقامة ديموقراطية برلمانية حقيقية, وتحجيم سلطة الملك, وتحسين الإدارة في البلاد.وكان هؤلاء قد تأثروا بما جرى في فرنسا عام 1848 من حيث الإطاحة بملكية يوليو. وبعد حرب تتزعمها شخصيات سياسية مرموقة مثل ديلجورجيس, وديمتريوس فولجاريس Voulares, وثراسيفولوس زايمس Thresyvoulos Zaimes. وهكذا واجهت الطبقة الحاكمة من النبلاء وأغنياء التجار تحدياً جديداً.

على أن عجز أوثون عن أن ينجب من يخلفه على العرش استمر يمثل مشكلة قائمة حالت دون تمتعه بالشعبية المناسبة فضلاً عن المشاكل الأخرى التي عرضنا لها. ومن ذلك أن دستور 1843 اشترط أن الملك القادم يجب أن يكون أرثوذكسياً, لكن المشكلة أنه لم يكن في الأفق من يخلف أوثون لاستيفاء هذا الشرط, كما لم يبد أي من إخوته وهم كاثوليك ميلاً لتغيير مذهبهم إلى الأرثوذكسية من اجل الإحتفاظ بعرش اليونان. ومن ناحية أخرى أضعفت حوادث أوروبا من مكانة الملك الشخصية ففي 1859 اندلعت الحرب بين النمسا وفرناس بسبب الوحدة الإيطالية وبينما كانت عواطف اليونانيين مع القومية الإيطالية كان أوثون الذي ولد أميراً يساند النمسا. ولقد أدت هذه المشكلات مع فشل الملك في إحراز أية أهداف قومية إلى تآكل مكانته تدريجياً.

وعلى هذا كانت ثورة 1862 التي انتهت بتنازل أوثون عن العرش تشبه سابقتها في 1843 التي كانت إنقلاباً عسكرياً وليس انتفاضة قومية. ولقد قاد هذه الثورة صغار الضباط وبعض الضباط المتقاعدين بمساندة المعارضة السياسية. وبدأت بإنتفاضة في فبراير 1862 قامت بها الحامية العسكرية المرابطة في ناوبليون , ورغم فشلها إلا أن روح التمرد انتشرت في البلاد, وفي أكتوبر (1862) تمردت الحامية العسكرية في أثينا وكان أوثون وزوجته آماليا في جولة بالأقاليم فنصحهمها القناصل الأجانب بعدم العودة إلى أثينا, ومن ثم عاد أوثون إلى بافاريا موطنه السابق تاركاً مملكتهع في اليونان في هدوء. وعلى الفور تم تشكيل حكومة جديدة مع مجلس وصاية على العرش من كل من فولجاريس, وكناريس, وروفوس فنزيلوس Roufos Venizelos, ومجلس وزراء أبرز أعضائه ديلجورجيس, وزايمس, وألكسندر كومندوروس Koumoundouros. وتم دعوة جمعية تأسيسية لوضع دستور.

واللافت للنظر أن الدول الثلاثة الحامية لمملكة اليونان وافقت على رحيل أوثون عن البلاد وأبدت إهتمامً عميقاً بشأن إختيار ملك جديد وصياغة دستور جديد. ومرة أخرى تقوم هذه الدول الثلاثة بتسمية الملك وكان اليونانيين يفضلون أن يكون الأمير ألبرت البريطاني إبن الملكة فيكتوريا ملكاً عليهم على أساس إفتراض مؤداه أن وجود هذا الملك سوف لا يجعلهم يحصلون على جزر أيونيا فحسب, بل سوف يحصلون على دعم بريطانيا ومساندتها في إحارز توسع وإمتداد قومي أكبر. غير أن الحكومة البريطانية رفضت هذا الإقتراح إذ كانت الدول الثلاثة (الحامية) ما تزال عند كلمتها بأن لا يجوز أن يتولى أحد أفراد الأسرة المالكة في أي منها حكم مملكة اليونان. ووقع الإختيار النهائي على مرشح بريطانياً ألا وهو الأمير كريستيان وليام فرديناند أديلفوس Adelphus جورج الدانمركي الذي أصبح جورج الأول ملك اليونان, وهو الأبن الثاني لملك الدانمرك وكان عمره آنذاك ثمانية عشر ربيعاً. وكان حاكماً شعبياً ناجحاً إلى حد بعيد حتى عام 1913 ربما لأنه كان ينأى بنفسه عن السياسيين اليونانيين. وقد وافقت على ترشيحه جمعية دستورية في مارس 1863, وأخذ لقب "ملك الهللينيين", وكان هذا اللقب يعني ببساطة أن رعاياه نظرياً كل أولئك اليونانيين الذين يعيشون خارج البلاد. وفور الموافقة على توليته تخلت بريطانيا عن ملكيتها لجزر أيونيا, وفي 1866 تزوج الدوقة أولجا الروسية.

ولقد قبلت الجمعية التشريعية الأمير الذي شحته الدول الثلاث ولكنها أعدت إطاراً عاماً لدستور يحقق رغبات الأمة مستقى من الدستور البلجيكي الصادر في 1831. وتقييداً لسلطة الملك نصت المادة (21) من هذا الدستور على "أن كل السلطات نابعة من الأمة وتمارسها طبقاً لمبادئ الدستور". وتقرر إلغاء مجلس الشيوخ الذي كان الدعامة الأساسية لسلطة املك, واقتصرت السلطة التشريعية على مجلس واحد من 150 عضواً ينتخب أعضاؤه بواسطة البالغين الذين لهم حق التصويت وذلك بالإقتراع السري لمدة أربع سنوات, وأن تكون الوزارة مسئولة أمام هذا المجلس. واحتفظ الملك ببعض صلاحيات مطلقة يستخدمها أي حاكم قوي من ذلك حقه في تعيين الوزراء وإقالتهم, وحل المجلس وإعلان الحرب, وإبرام المعاهدات.

وفي أكتوبر 1864 تم التصديق على الدستور, وترأس ككناريس أول حكومة, ثم حل محله موكندوروس في 1865, وتبع ذلك فترة من التغيرات السريعة. ففي خلال الفترة من 1864-1881 أجريت تسع إنتخابات, وتشكلت واحد وثلاثين حكومة. ورغم الإطار الليبرالي للنظام السياسي, إلا أن السياسات عادت إلى طبيعتها السابقة بإستثناء أن الملك لم يعد يتحكم في الإجراءات. ومن ناحية أخرى أضاف أسلوب التعددية الحزبية القائم حيث كانت الأحزاب في الحقيقة مجرد أجنحة تتحلق حول الزعيم, الشئ الكثير لأسباب عدم الإستقرار السياسي, إذ كانت عضوية الأحزاب والتحالف بينها قائمة على تناوب المواقع بشكل مستمر, وأصبحت المسائل الإنتخابية الإيديولوجية الطابع. وأكثر من هذا فإن أسلوب الإدارة المركزية, ومنح الوظائف بمعرفة من يكسب الإنتخابات كائناً ما كان جعل الغش والخداع إغراء لا يقاوم.

ومن ناحية أخرى كان تغيير الحكومة قد يعني تغييراً كاملاً لكل الأشخاص من القمة إلى القاعدة عكس الصرب حيث كان تولي الوظائف فيها أو المناصب الوزارية لفترة محدودة مضمونة. وعلى هذا وفي ضوء تلك الظروف كانت عمليات الخداع والتوزير والعنف والبلطجة تصحب العمليات الإنتخابية.ومن العجيب أ، مصلحين سابقين أمثال فولجاريس, وديلجورجيس بدت منهم رغبة في تنبي مناهج تشبه تلك التي سبق أن هاجموا أصحابها من أجل الإحتفاظ بقوتهم السياسية.

ورغم أن السياسات الداخلية بقيت كما هي لم تتغير إلا أن عهد الملك جورج شهد نشاطاً ملحوظاً في السياسة الخارجية من حيث تحقيق بعض أهداف اليونانيين القومية, ذاك أن الحكومة اليونانية في هذا العهد لم تضع في إعتبارها القوى العظمى والباب العالي فقط, بل لقد وضعت في إعتبارها سياسات جيرانها في البلقان وعلى سبيل المثال ما حدث من التحاق رومانيا اموحدة بحكومة الصرب الذاتية في الستينيات (القرن التاسع عشر). أما ما كان يحتل أهمية خاصة لدى اليونان كان نمو الحركة القومية البلغارية المنافسة لها بدرجة أو بأخرى في المسألة القومية.

الفصل السادس: ولاشيا ومولدافيا قبل 1853

رومانيا

رأينا في الفصول السابقة كيف أن الحركة القومية في الصرب أحرزت نجاحاً جزئياً يإقامة حكومة ذاتية والتخلص من الإدارة العثمانية, وكيف أن الحركة القومية في اليونان نجحت أيضاً في التخلص من الحكم العثماني وإقامة دولة مستقلة بحماية دولية بعد أن تحمل الفلاحون في هذين البلدين عبء معارك الثورة والقتال من أجل الإستقلال. أما الحركة القومية في إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا – الأفلاق والبغدان في المصادر العربية – المترجم) فقد اختلفت عن الحركة في الصرب واليونان رغم وجود بعض أوجه الشبه بين ذلك أن هاتين الإمارتين كانتا قد حققتا تطوراً ملحوظاً سياسياً وإقتصادياً في نهايةالقرن الثامن عشر كما سبقت الإشارة.

ففي القرن الثامن عشر كانت الإمارتين تحت حكم مسيحي ولكن من قبل يونانيين من منطقة الفنار حول استانبول والمعروفون بالفنارين, وبالتالي فإن الحكومة العثمانية لم تحكم الإمارتين بشكل مباشر لأن هؤلاء اليونانيين الفناريين يحكمون باسم السلطان. وعلى هذا كانت أول خطوة في الحركة القومية في الإمارتين هي العمل على التخلص من حكم أولئك اليونانيين الأجانب كجزء من النضال ضد السيادة العثمانية. وثانياً لم يكن بالإمارتين طبقة من المسلمين ملاك التيمارات الكبيرة أو الجفالك, وإنما كان بها أرستقراطية محلية من النبلاء الإقطاعيين (البويار Boyars) الذين كانوا في وضع سياسي قوي ليس لأنهم يمثلون زعامات طبيعية للبلاد, ولكن لأنه كان بإمكانهم الإفادة بشكل هائل من التطورات الإقتصادية في أوروبا آنذاك.

كانت إمارتا الدانوب أو البلاد الرومانية تمثل مصدراً للمواد الطبيعية اللازمة لتوسيع آفاق الإنتاج في الدول الصناعية الغربية مثلما كان حال بولندا والمجر وبروسيا وروسيا, ذلك أن التربة في الإمارتين ملائمة جداً لزراعة الحبوب للتصدير على نطاق واسع بعكس أراضي البلقان الأخرى. ولهذا وبناء على هذه الظروف كان من مصلحة أي نبيل إقطاعي أن يحوز أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية وأن يضمن قوة أيدي عاملة من الفلاحين تحت يده, وفي القوت نفسه كان أي فلاح يسعى لكي يحوز أي قطعة أرض تكون تحت تصرفه حتى يتحرر من الإلتزامات الإقطاعية المفروضة عليه. ولهذا كانت هناك خصومة طبيعية بين طبقة الفلاحين وطبقة الإقطاعيين بسبب تناقض مصالح كل منهم.

وبالتالي لم يكن من المنتظر وجود إندماج بين الطبقتين في الحركة القومية عكس ما كان قائماً في بلاد اليونان والصربو ومن ثم فإن المراحل الرئيسية في تحقيق إستقلال رومانيا ثامت على أساس المفاوضات الدبلوماسية وليس على معارك القتال ومن هنا كان فشل الثورة التي تزعمها في 1821 تيودرو فلاديميريشكو Vladimirescu, وكذا الثورة في ولاشيا في1848 اللتان كانت عنواناً على الإنقسام بين الفلاحين والإقطاعيين.

وهناك إختلاف ثالث بين أحوال رومانيا وكل من الصرب واليونان راجع إلى الموقع الجغرافي لإمارتي الدانوب (رومانيا), فلأنهما تقعان على الطريق إلى استانبول فقد كانتا مسرحاً لإحتلال روسي متكرر في سنوات 1711, 1736-1739, 1787-1792, 1806-1812, 1828-1834, 1849-1851, وأخيراً 1853-1854. وعلى هذا كان وجود جيوش أجنبية على أراضيهما عاملاً له أهمية حيوية في الحركة القومية بين الرومانيين, إلا أنها تسببت في جلب التدخل الخارجي في المنطقة, بل إن النمسا مارست إلى حد ما ضغوطاً على الرومانيين أثناء حرب القرم 1854-1857. ومن هنا فقد أجبر تصارع النمسا وروسيا على حدود الإمارتين الزعماء الرومانيين على الإعتماد على الدبلوماسية أكثر من الإعتماد على المعارك لتحقيق هدف الإستقلال, إذ لم يكونوا يرغبون في مقاومة جيرانهم الأكثر قوة كما لم يكونوا يريدون تحويل بلادهم إلى أرض معارك.

وبسبب تلك الملامح الفريدة لأوضاع البلاد الرومانية فمن الأفضل أن ندرس الحركة القومية هناك على فترتين, الأولى وتمتد حتى إشتعال حرب القرم في 1853, وهي موضوع هذا الفصل وقد تم خلالها التخلص من سيطرة اليونانيين الفنارين لتحل محلهم حماية روسية تغلغلت في كل مجالات حياة الرومانيين. أما الفترة الثانية فتبدأ من 1853 إلى 1878 وقد شهدت تحقيق الإستقلال الذي رافقه إيجاد موقف في البلقان سمح لحكومة رومانيا أن تقوم بدور التوازن بين القوى الكبرى.

على أن إحلال النفوذ الروسي في بلاد رومانيا محل النفوذ اليوناني-العثماني قد مر بعدة عمليات منذ أواخر القرن الثامن عشر وبناء على معاهدة موتشك قينارجي, ذلك أن هذه المعاهدة التي حدت من مضايقات الحكم العثماني كانت خطوة أولى ف يمكاسب روسيا في الإمارتين, فقد نصت المادة 16 منها على الباب العالي يصدر أوامره بالعفو العام عن "رعاياه" الرومانيين الذين حاربوا في صفوف روسيا, وأن يعد با، يمارس المسيحيون شعائرهم الدينية في حرية, وأن يحدد الجزية المفروضة, فضلاً عن أن يكون لخوسبدار كل من الإمارتين وكيلاً في العاصمة استانبول. والأهم من كل ذلك أنه أصبح بإمكان روسيا أن تتحدث بإسم هاتين الإمارتين, وأن الحكومة العثمانية وعدت بالإستماع بقدر كبير من الإعتبار إلى صوت القوى الدولية. وفي 1779 وفي مؤتمر آينالي كافاك Aynali Kavak بشأن القرم تقرر أن يتم دفع الجزية كل عامين, وأن يكون لروسيا حق التدخل في شؤون الإمارتين حسب مقتضى الحال. وف يالعام التالي (1780) تم تعيين أول ممثل روسي لدى الإمارتين في بوخارست.

ولقد أصبحت الإمتيازات الجديدة التي حصلت عليها الإمارتين حقيقة واقعة اتضحت في المراسيم التي أصدرتها الحكومة العثمانية. ففي عامي 1783, 1792 وافق الباب العالي على أن تقوم روسيا بتعيين ممثلين لها للتباحث بشأن الأعباء المالية المفروضة على الإمارتين. وفي 1784 صدر خط شريف يعترف بالآثار السلبية التي تنجم عن التغيير السريع لحكام الإمارتين وقرر أن خلع الأمراء الحكام أو عزلهم يكون فقط بسبب إرتكاب الجرائم. كما تقرر ألا تفرض أية أعباء جديدة على الإمارتين في المستقبل فيما عدا الجزية المقررة. وإذا إحتاج الباب العالي أية مواد تموينية من أي منهما فعلية أن يشاريها بسعر السوق.

لكن هذه الشروط لم تنفذ أبداً أذ استمرت أساليب الإدارة الداخلية بالإمارتين طبقاً لما كان عليه الحال من قبل من حيث تغيير الحكام بشكل سريع. ففي خلال المدة من 1792-1802 تم تغيير حكام ولاشيا شأن الصرب وبلغاريا من هجمات بشفان أوغلو ومن حملات السلب والنهب التي كانت تشن من القلاع العثمانية على الدانوب.

ومن الملاحظ أن الأخطاء التي ارتكبها بشفان أوغلو من حيث تدريد الناس من أملاكهم وحرمانهم من حقوقهم أدت إلى وقوع أزمة أخرى في العلاقة بين الباب اعالي والإمارتين في عام 1802. وفي تلك الأثناء تمكن النبلاء (البويار) بتأييد من روسيا من إستصدار خط شريف من السلطان يؤكد على إمتيازاتهم السابقة وعلى إستمرار سريانها. ومن ذلك أن تعيين خوسبدارية الإمارتين أصبح لمدة سبع سنوات متتالية من أجل الإستقرار, وعدم جواز عزلهم إلا في حالة إرتكاب جرائم وبموافقة روسيا ورضاها, وإلغاء كل الضرائب التي فرضت بعد مرسوم 1783, وإعادة ما صادرته السلطات العثمانية من ملكيات وعقارات وأموال النبلاء. كما تقرر تنظيم إحتياجات الباب العالي من مواد تموينية من الإمارتين بمقتضى فرمانات وليس بالإجراءات التحكمية القسرية وأن يدفع ثمنها بأسعار السوق الجارية. كما تقرر منع المسلمين من دخول الإمارتين أو الإقامة فيها بإستثناء التجار الذين يحملون فراماناً بالدخول. ويضاف إلى هذا أن الأوامر صدرت للخوسبدارية لكي يضعوا في إعتبارهم النصيحة التي يتقدم بها المندوبون الروس لدى الإمارتين في بوخارست. وكان من شأن هذا الإجراء أن يحد من التدخل العثماني في الإمارتين وأن يفتح الباب في الوقت نفسه لزيادة النفوذ الروسي هناك.

وهكذا وبعد عام 1802 تولى الخوسبدارية في الإمارتين يونانيين من الفناريين وهما قسطنطن يبسلانتيس ypsilsntes, وألكسندر مورزي Moruzi. وعندما تجدد القتال بين الدولة العثمانية وروسيا في 1806 أصبحت الإمارتين ميداناً للمعارك الحربية. ثم موضع مقيضة بين نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا وألكسندر الأول قيصر روسيا في صلح تيلست Tilsit عام 1807 وفي صلح إرفورت Erfurt عام 1808 الذي حصلت روسيا بمقتضاه على حق السيطرة على الإمارتين, ولم يحل دون تمتعها بالسيطرة الحقيقية على الإمارتين إلا إستمرار خلافاتها مع فرناس. ففي 1812 والإستعدادات قائمة لمواجهة غزو فرنسي متوقع على الإمارتين اضطرت الحكومة الروسية لتوقيع معاهدة بوخارست 1812 تنازلت بمقتضاه عن أراضي الإمارتين للدولة العثمانية فيما عدا الأرض بين نهري الدنيستر وبروث Pruth المعروفة ببساربيا Bessarabia رغم أن الجيوش الروسةي ظلت باقية في الإمارتين. وكان هذا يعني ضم بساربيا إلى روسيا رغم أن بساربيا تخص مولدافيا لأن سكانها رومانيون أساساً. وكان ضم بساربيا إلى روسيا على هذا النحو صدمة كبيرة للعلاقات الطيبة بين روسيا والإمارتين ف يالمستقبل. وفي أثناء تلك التطورات كان يوان كاريجيا Ioan Caragea خوسبدارية ولاشيا, وسكارليت كاليماخي Scarlat Calimachi خوسبدارية مولدافيا.

ورغم ما سببته الحروب من خراب ودمار, إلا أن هذه الفترة شهدت فرصاً كبيرة وواسعة لتسويق المنتجات الزراعية خارج البلاد. والحاصل أنه بعد أن إستعادت روسيا شبه جزيرة القرم من الدولة العثمانية في 1783 بدأ الباب العالي يعتمد بشكل متزايد على إمارتي الدانوب (رومانيا) في إمداد الدولة العثمانية بكافة المواد اللازمة. وهكذا سنحت الفرصة لملاك الأراضي الزراعية في الإمارتين لتحقيق أرباح حقيقية عندما أكدت لهم السلطات العثمانية بأنها سوف تشتري ما تريد من محاصيل وخلافه بسعر السوق. وبدأ أولئك الملاك في إقامة مشروعات صناعية صغيرة في إقطاعياتهم تقوم على الإنتاج الزراعي مثل دباغة الجلود, وتقطير الكحول, وإعداد اللحوم المدخنة. وبناء على إمكانات هذا الثراء سعي الملاك الكبار (البويار) لتوسيع حجم إقطاعياتهم مع ضمان إستمرار وجود اليد العاملة لسد إحتياجات السوق, وفي الوقت نفسه أبدوا رغبتهم ف يالتخلص من القيود التي تفرضها الحكومة العثمانية على كل نشاط يقومون به.

وفي هذا الخصوص كان ثمة تنظيم لأوضاع الفلاحين حدث أثناء حكم قسطنطين مفروكورداتوس لولايتي ولاشيا ومولدافيا في منتصف القرن الثامن عشر, وكان الفلاح بمقتضاه إنسان متحرر م كل القيود الإقطاعية من الناحية القانوينة ذلك أن حقوقه في الأرض والضرائب المقررة عليه لم تكن قد استقرت بعد. ففي 1774 تقرر أن يقوم الفلاحون بزراعة ثلثي أرض النبيل الإقطاعي (من البويار) سخرة Claca مدة إثنا عشر يوماً متصلة أو متفرقة, ثم تم تقنين أيام العمل وتحديدها حسب نوع العمل المطلوب, أي ما بين 25 يوماً إلى 40 يوماً. وكان من الصعب عملياً فرض هذه القواعد على فلاحين لا يقيمون في مكان واحد وإنما يعيشون في أماكن متناثرة ومتباعدة ويتحركون من مكان إلى آخر, ويعتمدون إعتماداً رئيسياً على تربية الحيونات للتصدير. ولهذا تم إستبدال سخرة أيام العمل بمال يدفعه الفلاح. وقد ظل هذا المقابل المادي (العشر) الذي دفعه الفلاح للإقطاعي يمثل المصدر الرئيسي لدخل النبلاء حتى منتصف القرن التاسع عشر. وفي الوقت الذي كان النبلاء فيه لا يدفعون أية ضرائب للحكومة كان الفلاحون يدفعون ضرائب ويخضعون لإلتزامات أخرى كثيرة. ولم يقتصر الأمر على هذا بل إن النبلاء سعوا فيما بعد لمد بساط السخرة وضم مزيد من أراضي الغابات والمراعي لإقطاعياتهم والتي كانت من قبل للمنفعة العامة.

وبالإضافة إلى أراضي النبلاء وإقطاعياتهم الخاصة والتي يزرعها لهم الفلاحون كانت الكنيسة الأرثوذكسية تمتلك خمس مساحة الأراضي الزراعية في الإمارتين تحت تصرف رهبان الأديرة, وخلا فترة حكم اليونانيين الفناريين تمتعت مؤسسات الكنيسة بميزات هائلة ساعدتها على تكوين الثروة وممارسة النفوذ, فلم تكن تخضع لسلطة حكومة مدنية, ولم تكن تدفع ضرائب بدعوى أن الأرباح التي تجنيها تصرف على إعانة رهبان الأماكن المقدسة مثل جبل ايثوز Athos وجبل سيناء والضريح المقدس. كما كانت تتمتع برعاية روسية منذ استخدما الجيش الروسي أثناء غزوه المتقطع لأراضي الإمارتين, وكان الفلاحون في تلك المناطق يعانون قسوة الحياة.

ولكن وعلى الرغم من تصادم المصالح بين الفلاحين والنبلاء إلا أنهما كانا يعارضان السيادة العثمانية وسيطرة اليونانيين الفنارينين, فالنبلاء كانوا يعارضون القيود التي فرضتها الحكومة العثمانية على نشاطهم حيث كانوا يتطلعون لإيجاد سوق حرة تماماً لتسويق منتجاتهم, والفلاحون كانوا يعانون من إهمال الحكم العثماني لهم وعدم توفير ضمانات لتطبيق القانون والأمن في مناطق الريف, كما كانوا دوماً ضحية ليس فقط للطبقة الحاكمة بل أيضاً للعصابات المتناحرة وللتخريب الذي تحدثه الجيوش شأن ما كان يحدث الفلاحين في بلاد الصرب. ويضاف إلى هذا أن الحرفيين والتجار وهم يشكلون طبقة صغيرة كانوا غير راضين عن نظام الإمتيازات المعمول به في الإمبراطورية العثمانية, إذ رأوا أن الأجانب يتمتعون بإمتيازات هائلة في التجارة على أراضيهم ويتمتعون بإستثناءات وإعفاءات من دفع الضرائب وسائر القيود التي يقاسي منها فلاحو البلاد. وهكذا وجدنا أن كل القوى الإجتماعية في الإمارتين (رومانيا) منالنبلاء والفلاحين والتجار يرغبون في إحداث تغيير في الحياة السياسية في البلاد.

ولقد إتضحت وجهات نظر تلك القوى ودى تأثيرها أثناء التمرد الذي تزعمه كل من ألكسندر ايشيلانتيس, وتيودور فلاديميريشكو وقد سبق أن شرحنا الأسباب التي كانت وراء إختيار الإمارتين مفتتحاً للثورة اليونانية. والحقيقة أن دور فلاديميريشكو كان أكثر تعقيداً فهو ابن لعائلة ولاشية من الفلاحين الأحرار تزعم حركة تمتعت بتوافق إجتماعي قوي, وكانت تعبر عن رغبة الفاحين في التخلص من السخرة وسائر الإلتزامات القهرية الأخرى, وهاجم في خطابه السياسي الإمتيازات التي يتمتع بها النبلاء.

في مارس 1821 كما رأينا دخل إيشيلانتيس مولدافيا ومعه عصبة من اليونانيين وسرعان ما تبين صعوبة التعاون بين اليونانيين والرومانيين من أي طبقة إجتماعية, ذلك أن اليونانيين أقدموا على ذبح التجرا الأتراك في مدينتي ياصي Jassy وجلاطة ثم تصرفوا بشكل عام في مولدافيا بأسلوب أثار شعور العداء للفناريين اليونانيين. وكان هذا من شأنه أن جعل الأمر ف يالنهاية بيد الروس. وهنا نلاحظ أن رابطة الفيليك هيتايريا Philike Hetairia كانت حرة في تقديم المساعدة الروسية, في الوقت الذي لم يكن من حق الجيش العثماني دخول أراضي الإمارتين دون موافقة الدول الثلاث الحامية. ولهذا كان الثوار يأملون في إيجاد موقف في المنطقة يعجز الباب العالي عن التعامل معه, ويضطر روسيا للتدخل مثلما كانت النمسا تتصرف في الأراضي الإيطالية بموافقة دول الحلف المقدس.

ولكن روسيا رفضت التحرك بل لقد وافقت على دخول القوات العثمانية أراضي الإمارتين فكان هذا بمثابة إعلان ليس فقط عن هلاك الثورة بل عن أن التعاون اليواني-الروماني أصبح أكثر توتراً. ورغم أن فلاديميريشكو تعاون في البداية مع إبشيلانتيس, إلا أن هزيمة الحركة جعلته يتصل بالباب العالي طلباً للتفاوض, وفي القوت نفسه زاد شعور عداء للنبلاء الرومانيين لليونانيين. وفي أثناء تفاوض الرومانيين مع مندوبي الباب اعالي ركز فلاديميريشكو والنبلاء القول على أن غضبهم ليس موجهاً ضد السيادة العثمانية بل ضد حكم الفناريين, وهي أقوال تشابهت مع الحجج التي كان يبديها زعماء لصرب طوال الفترة من 1790-1805 عندما كانوا يعلنون أنهم يهاجمون حكم الإنكشارية وليس حكم السلطان بشكل مباشر. وعندما علم إبشيلانتيس بتصرفات فلاديميريشكو في التفاوض مع العثمانيين قام بتحريض أتباعه على إختطافه وتم إعدامه بتهمة الخيانة وانتهى الأمر العثمانيين قام بتحريض أتباعه على إختطافه وتم إعدامه بتهمة الخيانة وانتهى الأمر بإنضمام بعض قواته إلى إبشيلانتيس وإنصرف البعض الاخر إلى بيوتهم تاركين الميدان.

وبعد القضاء على التمرد والتخلص من فاديميريشكو وتصفية قواته أصبح بإمكان نبلاء رومانيا التفاوض مع الحكومة العثمانية بدعم من روسيا للحصول على مكاسب سياسة أفضل لبلادهم. ورغم أ، الإنتفاضة تسببت في خسائر إقتصادية حقيقية في البلاد وأدت إلى إحتلال عثماني لمدة ستة عشر شهراً, إلا أنه تحققت أهداف سياسية مهمة لعل أهمها قاطبة إنتهاء حكم اليونانيين الفناريين الطويل للإمارتين, ففي 1822 تم تعيين جريجوري غيكا Ghica حاكماً على ولاشيا, ويونيتا ستوردزا Ionita Sturdza حاكماً على مولدافيا وهما من الرومانيين أهل البلاد, وحل النبلاء الرومانيون محل أولئك اليونانيين في مختلف هيئات الحكم والدواوين (الإدرات). ورغم أن عائلات من أصول يونانية ظلت أصحاب نفوذ في شؤون البلاد, إلا أن الثورة أنهت التقوق اليوناني الذي كان سائداً في حكم الإمارتين من قبل.

على أن إستمرار أزمة اليونانيين مع قيام إنتفاضة في شبه جزيرة المورة كان من شأنه إحداث تغييرات سياسية حاسمة في الإمارتين وبمقتضى مؤتمر آكرمان Akerman في أكتوبر 1826 تدعمت حقوق الرومانيين ضد السيادة العثمانية وكذا حقوق روسيا في التدخل فضلاً عما تقرر في المؤتمر بشأن الصرب, وأصبح من المتعين أن إختيار الخوسبدارية (حكام الإمارتين) وعزلهم يكون بمعرفة دواوين النبلاء ولمدة سبع سنوات وبموافقة روسيا والدولة العثمانية. كما قرر المؤتمر أن يقوم النبلاء في كل من ولاشيا ومولدافيا بإصدار القانون التنظيمي اللازم لشؤون الحكم والإدارة في الإمارتين.

ولقد أكدت معاهدة آدريانوبل في 1829 التي أعقبت الحرب الروسية-العثمانية على نصوص معاهدة آكرمان ووسعت من أفاقها, إذ تقرر أن يعين الخوسبدارية في مناصبهم مدى الحياة, وأن تخلي القوات العثمانية القلاع القائمة على الضفة اليسرى من الدانوب, وأن يخرج الرعايا العثمانيون من البلاد في خلال ثمانية عشر سهراً بعد أن يبيعوا ما بحوزتهم من أراضي لأهالي البلاد الأصليين (إمارتا الدانوب). كما تم تنظيم مسألة الجزية المقررة بشكل نهائي حيث تقرر ألا تدفع عيناً وإنما تدفع نقداً وفي 1834 تحددت قيمتها بثلاثة مليون قرشاً. كما تخلت الدولة العثمانية عن حق الشفعة الذي كانت تتمسك به في شراء محاصيل الإمارتين من الحبوب والماشية الأغنام. كما تقرر تكوين ميلشية رومانية,وأخيراً كررت المعاهدة ما سبق أن أكدت عليه المعاهدة آكرمان من حيث ضرورة إصدار قانون تنظيم إداري للبلاد.

ويلاحظ أيضاً أن معاهدة آدريانوبل أكملت عملية كانت قد بدأت مع معاهدة كوتشك قينارجي تتعلق بالسيادة العثمانية على البلاد, إذ تقرر أن تكون السيادة على الإمارتني اسمية على حين زاد نفوذ روسيا في المقابل. وأكثر من هذا فقد ضمنت روسيا بمقتضى المعاهدة دلتا نهر الدانوب مما جعلها تتمكن من مراقبة النهر إستراتيجياً, وإحتفظت بقوتها العسكرية في كل أراضي الإمارتين حتى يتم دفع تعويضات الحرب مع العثمانيين. كما شرعت روسيا في تنظيم الحياة السياسة في الإمارتين من واقع إدراكها الكامل لوضعها الجديد.

ومن حسن حظ الرومانيين (أهالي الإمارتين) أن المسئول الروسي عن إدارة أحوالهم كان الكونت بول كيزليف Kiselev الذي برهن خلال مدة وجوده من 1829-1834 على أنه رجل دولة من الطراز الأول, إذ يرجع له الفضل في إجراء التغييرات التي حدثت, فقد وضع في إعتباره أولاً الزمات الناتجة عن فترة الحروي وكذا المشكلات الصحية القائمة بما فيها التعامل مع طاعون الكوليرا وإعادة تأسيس الحجر الصحي في الدانوب. وكان أكبر إنجاز حققه إشرافه على وضع الدستور فعندما وصل إلى البلاد كانت لجان وضع الدستور تعمل تنفيذاً لنصوص معاهدتي آكرمان وآدريانوبل. وكانت اللجنة في كل إمارة تتكون من أربعة نبلاء (بويار) إثنان منهم إختارهم الديوان, وإثنان إختارتهما الحكومة الروسية. وبعد إنتهاء من وضع مسودة الدستور تم إرسالها إلى روسيا وهناك تولت مراجعتها لجنة أخرى برئاسة الأمير داشكوف Dashkov وبعدها أرسلت كافة الأوراق إلى الباب العالي الذي أعادها بدوره إلى ديوان الحكم في الإمارتين وبناء على ذلك صدر دستور ولاشيا في 1830 ودستور مولدافيا في 1832.

على أن دستور الولايتين كانا يتشابهان ويتوازيان في كثير من المواد ويمثلان خطوة للأمام تجاه قيام وحدة سياسية بينهما. لكنهما لم يكونا دساتير سياسية بالمعنى الإصطلاحي بل كانا أقرب إلى صياغة تنظيم إداري طويل المدى, إذ كانت موادهما تغطي كل ملامح الحياة القومية إبتداء من تنظيم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للحكومة وإنتهاء بالتفاصيل الصغيرة التي تتعلق بالشؤون الصحية العامة والإدارات المحلية. وبشكل عام كانت نصوصهما جملة وتفصيلاً لصالح طبقة من النبلاء (البويار), إذ أصبحت القوة في الإمارة في يد مجموعة من الملاك على حساب السلطةالتنفيذية مثلما جاء في دستور الصرب عام 1838, ومرة أخرى يخرج الفلاحون من المشاركة في الحكم بشكل مباشر. ومثلما حدث في الصرب واليونان كان أسلوب الإدارة في الإمارتين مركزياً يعطي الحكومة سلطة مراقبة الشؤون المحلية الني يقوم بها مسئولون في المديريات والمراكز عينتهم الحكومة المركزية في مناصبهم.

ومن الناحية النظرية كانت سلطة الحكم موزعة . . فالسلطة التنفيذية في يد الخوسبودار الذي يتم إختياره من بين كبار النبلاء مدى الحياة وتنتخبه جمعية خاصة تتكون من 150 عضواً منهم 123 نبيلاً, و27 عضواً يمثلون التجار والطبقة الوسطى ولا يوجد فيها من يمثل الفلاحين. والسلطة التشريعية في يد جمعية من 49 نبيلاً يتم إنتخابهم بمقتضى حق التصويت العام فتمكنوا من السيطرة على الأمور وضبطها لصالحهم. وطبقاً لهذا النظام فليس للخوسبدار إلا حق الإعتراض (الفيتو) على قرارات الجمعية أو تأجيل إنعقادها وليس حلها وبموافقة روسيا والباب العالي, ولها أيضاً حق الإعتراض على الميزانية ولكن ليس من حقها عزل الخوسبودار ولكن يمكن لها بالإتفاق مع الأمير الحاكم مناشدة روسيا عزله. على أن هذا الأسلوب الذي من شأنه أن يسمح للسلطتين التنفيذية والتشريعية أن تعرقل كل منهما الأخرى أعطى الحكومة الروسية فرصة غير محدودة للتدخل في شؤون الإمارتين.

وفي ضوء هذا الأسلوب السياسي الذي يتمشى مع مصالح النبلاء إتجهت أنظارهم للحصول على إمتيازات أكثر تضمن مصالحهم الإقتصادية, فأصبحت الفرصةمتاحة أمامهم لتقوية سيطرتهم على الفلاحين فضلاً عن إستثنائهم من دفع الضرائب. وبمقتضى الدستور أصبح النبيل يعرف لأول مرة ب"مالك الأرض", وأصبح للفلاح حق المشاركة في ثلثي الأرض (ارض الإقليم التي أصبحت بإسم النبيل) مقابل دفع الضرائب المقررة, وإلتزامه بأيام العمل المفروضة عليه في أرض النبيل سخرة وقدرها 12 يوماً في السنة ولو أنها بلغت فعلياً 36 يوماً في ولاشيا وضعفها في مولدافيا. وكان هذا يعني أن الفلاح في ولاشيا مدين بعمل 52 يوماً سخرة ودفع ما عليه من إيجار نقداً, والفلاح في مولدافيا ملتزم بالعمل 84 يوماً. وعلى الرغم من أن الفلاح لم يكن من الناحية النظرية مرتبطاً بالأرض ولا يبرحها إلا بإذن النبيل شأن نظام القنانة في أوروبا العصور الوسطى, إلا أنه كان يتعين عليه إذا أراد ترك الأرض أن يبلغ النبيل برغبته قبل الموعد بستة أشهر, وأن يدفع ما عليه من ضرائب قبل المغادرة. ومع هذا ينبغي الإشارة إلى أنه كان من الصعوبة بمكان فرض إلتزام أيام العمل المقررة على الفلاح بدقة خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر. ولكن يلاحظ بشكل عام أن مقاطعات مولدافيا كانت تدار بواسطة النبلاء مباشرة المقيمون في المكان, وأما في ولاشيا فكان كثير من الملاك يفضلون الحياة في بوخارست ويؤجرون ضياعهم للغير أو يزرعونها بطريقة المشاركة.

عل كل حال . . لقد أفاد مالك الأرض من إلغاء العمل بحق الشفعة العثماني الذي تقرر دستورياً, ومن زيادة طلب بلاد أوروبا على المحاصيل الزراعية مما أدى إلى حدوث توسع هائل في الزراعة في الإمارتين وخاصة بعد حرب القرم, إذ بدأ الإنتفاع بمساحات كبيرة من الأرض, وارتفعت الإيجارات بشكل حاد, وجرت محاولات لتحسين أساليب العمل الزراعي. ولكن ترتب على هذه التغيرات زيادة في إنتاج الحبوب ونقص نسبي في الثروة الحيوانية مثلما حدث في الصرب, مما أدى في النهاية إلى سوء حالة الفلاح وخاصة في نظامه الغذائي.

وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن دستور الإمارتين (ولاشيا ومولدافيا) سبق دستور الصرب (1838), ودستور اليونان (1844, 1864), وكانت نصوصهما إنعكاس لأركان الفكر الدستوري في أوروبا الغربية آنذاك من حيث وقوع المؤسسات الحكومية في أيدي أصحاب الثروة والمال مما ترتب عليه إضعاف السلطة التنفيذية المركزية, وإبعاد غالبية الشعب عن المشاركة الساسية, وهونفس ما حدث في إنجلترا بمقتضى قانون الإصلاح عام 1832 وفي ملكية يوليو في فرنسا, في الوقت الذي ظلت فيه روسيا وهي القوة الراعية للإمارتين تخضع لنظام حكم الملكية المطلقة.

كان من المتعين أن تكون مواد الدستور في كل من الإمارتين التي استهدفت بناء حكومة قومية طبيعية خطوة متقدمة على طريق تحقيق الإستقلال القومي, لكن الذي حدث أ، هذه المواد كانت علامة على بداية فترة من زيادة تدخل روسيا في شؤون الإمارتين ففي 1834 وبمقتضى معاهدة سانت بطرسبرج نجحت روسيا والباب العالي في تسوية مسائل الحرب بينهما شملت جلاء القوات الروسية, وإختيار ألكسندر غيكا خوسبودار جديد لولاشيا ومايكل ستوردزا خوسبودار لمولدافيا. ورغم أ،الدستور نص على أن يكون التعيين في الوظائف العليا مدى الحياة إلا أن القوى الدولية وافقت على أن تتولى الدفعة الأولى من الأمراء مناصبهم لمدة سبع سنوات فقط. وسرعان ما اتضح في السنوات التالية أن البلاد أصبحت أما ثلاث مراكز قوة كل منها منفصل عن الخرى وتتصارع معها وهي: الخوسبدارية, والجمعية التشريعية, والقنصلية الروسية, ذلك أن الدستور والمعاهد الروسية-العثمانية سمحت بتآمر لا حدود له بمعرفة الأمير الحاكم في الوقت الذي كانت فيه القوى الدولية الحامية والجمعية التشريعية ضد الخوسبدار, وأكثر من هذا أن فترة الحماية الروسية للإمارتين حتى 1856 شهدت من جديد كثير من الملامح السيئة التي كانت سائدة في فترة سيطرةالفناريين اليونانيين.

على أن النبلاء كانوا راضين بشكل عام عن هذا الموقف السياسي أساساً خاصة أن بعض كبارهم أثبتوا تشيعهم بقوة لروسيا التي ضمنت حمايتها وجود حكومة محافظة من شأنها تأمين ميزاتهم الإقتصادية والأجتماعية والسياسية. وفي هذا الخصوص ينبغي أن نتذكر أن الحكم في الإمارتين لم يكن أمامه بديلاً إلا التعاون مع روسيا, وذلك في ضوء توقيع روسيا في عام 1833 معاهدة خونيكار اسكلسي مع الباب العالي جعلت الدولة العثمانية في وضع هامشي, ثم توقيع معاهدة مونشنجراتز Munchengratz في 1834 مع النمسا جاءت علامة على تجديد التعاون بين هاتين الدولتين المحافظتين تجاه المنطقة. وعلى هذا لم يكن في وسع الإمارتين التطلع لمساعدة خارجية لمقاومة التدخل الروسي وفي الوقت نفسه لم يكن بإستطاعة إنجلترا وفرنسا تقديم مساعدة إيجابية للإمارتين واكتفتا بحياكة المؤامرات في بوخارست وياصي ضد روسيا.

ومن الملاحظ أن شؤون الإمارتين في فترة الحماية الروسةي كانت تجري في سهولة ويسر في مولدافيا أكثر منها في ولاشيا. ففي مولدافيا أثبت مايكل ستوردزا (الخوسبدار) أنه حاكم قوي وجرئ رغم أنه كان فاسداً وكثيراً ما كان يتغاضى عن حالات السرقة والرشوة, كما كان قادراً على التعامل مع قناصل روسيا وخاصة مع بيزاك Besak, ثم مع موتزيبو Kotsebu رغم حدوث بعض المضايقات. ولما كان قد وضع في إعتباره إصلاح البلاد طبقاً للدستور فقد طرأ تحسن ملحوظ على حالة الطرق والبريد والتعليم بصفة خاصة, فكان من الطبيعي والحال كذلك أن يواجه معارضة نبلاء الإمارة لكنه كان قادراً على السيطرة على الأمور بما كان يملكه من خبرات في المناورات السياسية.

أما الموقف في ولاشيا فكان أكثر صعوبة من مولدافيا ذلك أن حاكمها الخوسبدار ألكسندر غيكا لم يكن يواجه معارضة نبلاء الإمارة فحسب بل لقد اصطدام مع القنصل الروسي في إمارته, ففي 1837 طلب القنصل ريكمكان Rikman أن تقبل جمعية الإمارة وضع مادة إضافية للدستور تقضي بألا يحدث تغيير في مواد الدستور دون موافقة روسيا والدولةالعثمانية, وقد برر هذا الطلب بقوله إن المادة المقترحة قد سقطت سهواً من المسودة الأصلية للدستور. ولما كانت هذه المادة تمثل ضربة قاصمة للحكم الذاتي للإمارة فقد رفضت الجكعية الموافقة عليها. كما أن الجمعية التالية التي تكونت بعد حل الأولى لم تعارض فقط المادة المقترحة بل وقفت موقفاً عدائياً وقوياً ضد الخوسبدار وطلبت من الباب العالي وروسيا التدخل, وعلى الفور أوفدت الدولتان بعثات للتحقق من الأمور, وانتهى الأمر بعزل غيكا في 1842. وفي ديسمبر من العام نفسه اجتمعت جمعية تشريعية خاصة تكونت طبقاً للدستور واختارت جورج بايبيشكو Bibescu خوسبدار بأغلبية الأصوات فكان أول خوسبدار ينتخب بهذه الطريقة.

ولقد واجه الحاكم الجديد (الخوسبدار بابيشكو) المشكلات نفسها التي واجهت سلفه من قبل من حيث الضغط الروسي ومؤمرات النبلاء التي لم تنقطع. وعندما اجتمعت الجمعية التشريعية وكانت تضم أغلبية معادية له بادر بحلها فوراً, وعندما اجتمعت مرة أخرى في 1844 وقعتأزمة كبيرة مع روسيا وخلاصتها أن ألكسندر تراندافيلوف Trandafilov وهو مهندس روسي يمثل شركة مناجم روسية طلب إذناً لإجراء مسح للبلاد بحثاً عن المناجم وبحيث يكون من حق الشركة استغلال المناجم التي يتم كشفها لمدة 12 سنة مقابل دفع تعويضات للحكومة ولملاك الأراضي التي يتم اكتشاف المناجم بها. ولقد وافق الخوسبدار وديوانه على العرض المقدم من المهندس لكن الجمعية رفضته ولهذا تم حلها فوراً ورفض المشروع كله. وفي 1847 انتخبت جمعية جديدة بأغلبية في صف الحاكم لكن مؤمرات ضده لم تنقطع وكذا توجيه الإتهامات المتنوعة لعل أبرزها أنه يوالي روسيا كل الولاء فضلاً عن أن معارضة قناصل روسيا وفرنسا وإنجلترا الدائمة له جعلت حياته صعبة وسمعته سيئة في كل من بوخارست وبلجراد وأثينا.

غير أن بايبيشكو نجح مثلما فعل ستوردزا قبله في تحسين الأحوال العامة في الأقليم رغم نقص الأموال اللازمة, فقد تم تحسين وسائل المواصلات, وتنظيم المدارس الإبتدائية والثانوية, وإقامة مسرح في بوخارست, وإنشاء حديقة عامة محل المستنقع الكبير في وسط العاصمة. كما أصدر تشريعين على جانب كبير من الأهمية ففي 1847 صدر قانون بتطبيع العلاقات مع ولاشيا وبمقضاه أصبح من السهولة بمكان لأي مولدافي أن يحصل على جنسية ولاشيا. وفي العام نفسه تأسس إتحاد جمركي بين الإمارتين, وكانت الوحدة الإقتصادية هي الخطوة الصحيحية الكبيرة تجاه الوحدة السياسية وقد مهد لها بالقوانين التي سبق ذكرها.

والحق أن الحماية الروسية على الإمارتين كانت الفترة التي شهدت نمو المشاعر القومية الرومانية بدرجة عالية وخاصة بين المتعلمين والشرائح الممتازة في المجتمع. وفي هذا الخصوص تكونت جمعيات وطنية لتنمية تلك المشاعر انعكست بدورها على برامج التعليم. ولما كان التدخل الروسي في شؤون الرومانيين أكثر وضوحاً بدرجة أكبر من أية إجراءات إتخذتها الدولة العثمانية فقد أصبحت الحماية الروسية هدفاً رئيسياً لهجوم الحركة القومية التي تولى زمامها في المستقبل الشباب من أبناء النبلاء الذين تم إيفادهم لجامعات أوروبا وخاصة باريس لإستكمال تعليمهم.

وإبتداء من أربعينات القرن التايع عشر بدات أعداد كبيرة من الشباب الروماني الذين يتعلمون في باريس تتزايد يوماً بعد يوم ويشكلون مجموعات متنوعة وقد جذبتهم محاضرات مفكرين أمثال/ الفونس دي لامارتين, وجول ميشيليه, وإدجار كينيه وغيرهم من أنصار الفكر القومي. ولقد فضل أغلبية هؤلاء الشبان الإلتحاق بالكوليج دي فرانس حيث لا توجد درجات علمية ولا توجد إمتحانات, ومن ثم أصبحت الفرصة متاحة لهم لتكريس معظم نشاطهم للدعاية القومية الرومانية لبلادهم وتكوين جمعيات لهذا الشأن تعقد إجتماعات بين آن وآخر بشأ، موضوع القومية. ورغم عدم وجود هدف سياسي محدد يجتمعون حوله, إلا أنهم يشتكرون في أفكار معينة تدعو – وهذا له أهمية كبرى – إلى توحيد البلاد الرومانية (إمارتا الدانوب) في دولة واحدة مستقلة, كما نادوا بحكومة دستورة ووضع برنامج للحقوق المدنية. ولكن لسوء الحظ فإن كثيراً من البرنامج الليبرالي الذي نادى به أولئك الشباب مثل المساواة بين الطبقات في فرض الضرائب وأما القانون, وإقامة حكومة نيابية حقيقية كان من شأنها أ، تقوض دعائم المؤسسات السياسية والإقتصادية للطبقة الإجتماعية لهؤلاء الشباب التي تحكم في الإمارتين. وأكثر من هذا فإن أولئك الشباب بأصولهم الإجتماعية وتعلمهم في فرنسا لم يكن لديهم فرصة لمعرفة الفلاح وفهم مشكلاته, كما كانت تنقصهم الرؤية المستقبلية, بل إن كلمة "الشعب" في تفكيرهم عبارة عن تصور مجرد تعرفوا عليه من خلال الكتب. ومن المفارقات الجديرة بالإعتبار أن زعامة الحركة القومية في الإمارتين حتى نهاية القرن التاسع عشر جاءت من بين هؤلاء الطلاب حيث برزت منهم أسماء مهمة في مقدمتها ألكسندر كوزا Cuza, ونيقولا جوليشكو Golescu, ورادو جوليشكو, وروزتي C. A. Rosetti, وإيون براشيانو Ion Bratianu, وشقيقه ديمترو, ونيقولا بالشيسكو Balcescu. أما المؤرخ ميشيل موجالينشانو Kogalniceanu المولدافي الذي تعلم في برلين فقد كانت له مرتبة سياسية تناظر مكانة أولئك الذين درسوا في باريس.

والحاصل أنه عند إندلاع الثورة في باريس ضد حكم لويس فيليب في فبراير 1848 رجع معظم الشباب الروماني من الذين كانوا يدرسون في باريس إلى بلادهم للقيام بدور في الأحداث التي وقعت هناك. وكانت مدينة ياصي مركز الحركة في بواكيرها, ففي الثامن من أبريل 1848 تجمع هناك حوالي ألف رجل أغلبهم من ملاك الأراضي الزراعية الليبراليون بينهم ألكسندر كوزا, وإيمانويل ايبوريانو Emanoil Epureanu. وفي هذا التجمع تم إختيار لجنة من ستة عشر فرداً لصياغة عريضة تضمنت 33 مادة وقع عليها حوالي ثمانية آلاف شخص تطالب بإصلاح إجتماعي وسياسي معتدل يشمل قرار الحرية الفردية, والمسئولية الوزراية, وإقامة بنك وطني, وتكوين ميليشية قومية, وإنهاء الوصاية على الصحف والمطبوعات, وإنتخاب جمعية تشريعية جديدة. ورغم أن هذه الحركة لم تكن "ثورة" حقيقية بالمعنى الإصطلاحي, إلا أ، ستوردزا (خوسبدار مولدافيا) تحرك فوراً لإخماده كلية حيث اعتقل بعض قادتها ونفى آخرين إلأى خارج البلاد.

أما في ولاشيا فقد كان الموقف غاية في الصعوبة والتعقيد عكس ما حدث في مولدافيا, إذ تشكلت حكومة ثورية في بوخارست نجحت في السيطرة على الأمور لمدة ثلاثة أشهر, وقام الشقيقان براشيانو ومعهما روزتي, وبالشيسكة, وآخرون فور عودتهم من باريس بإعداد خطط للتمرد والعصيان واتصلوا بالزعماء الرومانيين في ترانسلفانيا. وكان الهدف الرئيسي في حركتهم مقاومة الحماية الروسية, وتطلعوا إلى أن يتعاون معهم الخوسبدار بايبشكو بنفسه. وأول خطوة اتخذت في الثورة كانت في 21 يونيو في ايشلاز Islaz وهي مدينة على الدانوب حيث أصدر الثوار بياناً يحتوي على 22 مطلباً أساسياً في مقدمتها المساواة في الضرائب, وإقامة جمعية تشريعية تمثل كل الطبقات, وإنتخاب مسئول تنفيذي من أي طبقة من الطبقات لمدة خمس سنوات. ويتضمن المطلب الثالث عشر تدعيم تحرير الفلاحين دون تعويض لملاك الأراضي الزراعية التي يعملون فيها. ولقد حرص الثوار من البداية أن يؤكدوا على أن حركتهم ضد الدستور القائم المعمول به, وضد روسيا, وليست ضد الدولة العثمانية, وأن كل ما يرغبون فيه هو إعادة حقوقهم السابقة.

وبعد إصدار البيان إعلن الثوار قيام أول حكومة مؤقتة ضمت كل من كريستيان تل Tell, واصطفان جوليشكو Golescu, ورادو شابكا Sapca, ونيقولا بليشويانو Plesoianu, وانتقلت إلىمدينة كرايوفا Craiova في يوم 25 يونيو. وفي تلك الأثناء كانت وقائع الثورة في بوخارست تتقدم في الطريق نفسه حيث وقع الخوسبدار بايبيشكو "بيان ايشلاز" ولكنه لم يتخذ خطوة عملية للقضاء على التمرد. وهكذا وفي 26 يونيو تشكلت حكومة مؤقتة أخرى ضمت بعض أعضاء مجموعة "بيان ايشلاز" وفي ليلة 26 يوينو تنازل بايبيشكو عن الحكم وذهب إلى مدينة براصوف Brasov في ترانسلفانيا. ومن مظاهر سيطرة الثوار على الحوال اختيارهم راية جديدة ثلاثية الألوان: أزرق وأصفر وأحمر في وسطها شعار العدالة والإخاء Dreptate-Fratie. وقد تلقت حكومة الثروة منذ البداية تأييد مدينة بوخارست إذ عقدت سلسلة من الإجتماعات في ميدان الحرية حضرها آلاف البشر أظهرت مدى عمق المشاركة الشعبية للثورة.

ولاشك أن الحكومة المؤقتة كانت في وضع غير مستقر فقد كانت في خطر دائم من قيام ثورة مضادة بقيادة العناصر المحافظة, فضلاً عن أن أعضاءها لم يكونوا متفقون على البرنامج الإجتماعي والسياسي الذي يقدموه. وفي أول يوليو تم إعتقال أعضاء تلك الحكومة في مؤامرة بقيادة الكولونيل ايوان أودوبشكو Ion Odobscu, وايوان سولومن لكن تم الإفراج عنهم تحت ضغط جماهير بوخارست. وسرعان ما أصبح الإنشقاق بين قيادات الثورة واضحاً بين هؤلاء الذين يرغبون فقط في إجراء تغييرات سياسية وأولئك مثل بالشيسكو الذين رغبوا في إصلاح إجتماعي وإقتصادي شامل وخاصة تنفيذ المادة 13 من بيان ايشلاز فيما يتعلق بحالة الفلاح. كما حاولت الحكومة المؤقتة تطبيق بعض مواد البيان مثل إلغاء العقوبة البدنية وعقوبة الإعدام.

على أن أكثر المخاطر التي كانت تنتظر الحكومة المؤقتة لم تكن تلك التي تأتي من العناصر المضادة لها داخل البلاد بل كانت تلك التي أتت من الخارج وبخاصة من روسيا. ففي يوليو احتلت القوات الروسية مدينة ياصي استعداداً لإقتحام ترانسلفانيا لمواجة الثورة في المجر, وسرت شائعات في أنحاء بوخارست مؤداا أ، روسيا قد تحتل ولاشيا فما كان من أعضاء الحكومة المؤقتة إلا أن غادروا بوخارست, وأقام نيوفيت Neofit حكومة جديدة استناداً إلى الدستور وتشكل مجلس وصاية Caimacamie من كل من تيودور فاكاريشكو Vacarescu, وباليانو E-Baleanu أ]ده كل كل من أودبشكو, وسولومون ولكن سرعان ما أطيح به.

وفور عودة الحكومة المؤقتة إلى بوخارست أخذت تخطط للدعوة لجمعية تشريعية قومية يتم إنتخابها على أساس حق التصويت العام, وفي الوقت نفسه جرت محاولات للتوصل إلى إتفاق مع الباب العالي. وفي 9 يوليو بعثت الحكومة برسالة إلى استانبول تؤكد فيها أن الحكم الجديد لا يرغب في الإنفصال عن الدولة بإيفاد سليمان باشا على رأس قوة عسكرية من عشرين ألف رجل إلى مدينة روزيه Ruze وتوجه وحدة إلى بوخارست حيث استقبل بترحيب حار. ورغم أنه لم يعترف بالحكومة المؤقتة, إلا أنه قبل تكوين مجلس الوصاية الذي يضم أعضاء من حكومة الثورة, لكن الباب العالي رفض كل ههذ الترتيبات. وفي 25 سبتمبر من العام نفسه قدم مندوب آخر من لدن الباب العالي (فؤاد أفندي) تصحبه قوات عثمانية دخلت بوخارست ولم تواجه مقاومة شديدة ذلك أن قوات الثورة كانت أضعف من أن تنظم مقاومة عسكرية حقيقية. وعلى هذا وفي يوم 27 سبتمبر دخلت قوات روسية أرض الإمارة واختار مندوب السلطان العثماني شخصاً واحد فقط ليكون وصياً على العرش ألا وهو قسطنطين كنتاكوزينو Cantacuzino أحد النبلاء المحافظين وتم نفي جميع زعماء الثورة.

وهكذا . . وبوجود قوات روسية في مولدافيا وقوات روسية وعثمانية في ولاشيا تأسس نظام سياسي جديد في الإمارتين أكثر قمعاً. وفي مايو 1849 عقدت روسيا والدولة العثمانية معاهدة بلطة ليمان وافقاً فيها على أن يقوم الطرفان بتعيين الخوسبودار لمدة سبع سنوات بدلاً من إنتخابه, وأن تستبدل بالجمعية التشريعية في الإمارتين ديوان يعين الخوسبودار أعضائه,وظلت القوات الروسية في الإمارتين حتى 1851.

وبناء على هذا تعين باربو ستيربي Barbu Stirbey وهو شقيق بايبيشكو خوسبودار لولاشيا, وعتين جريجوري غيكا خوسبودار لمولدافيا. وقد حاول الإثنان العمل من أجل تحسين أحوال البلاد رغم الموقف الصعب,وكان أكبر تشريع له مغزاه إصدار "قانون الأراضي" في 1851 الذي قرر زيادة عدد أيام العمل سخرة على الفلاح مع تحديد المطلوب منه عمله. ولقد أفاد هذا القانون بطبيعة الحال النبلاء الذين بقيت أهدافهم كما هي وتتلخص في الإحتفاظ بسيطرة كاملة مع الأرض مع ضمان توفير قوة عمل زراعية مجانية.

وهكذا . . انتهت أكبر حركة ثورية في البلاد الرومانية (ولاشيا ومولدافيا) في القرن التاسع عشر بالفشل ذلك أن قيادتها كانت أضعف من أن تواجه المعارضة المشتركة الروسيةالعثمانية. كما لم تكن الظروف في ترانسلفانيا مواتية لتساعدج حالةالتمرد في البلاد فالعناصر الرومانية النمساوية مساو لوضع لمجريين. ولهذا وقفت تلك العناصر إلى جانب التدخل الروسي في ولاشيا ومولدافيا, وإلى جانب حكومة النمسا ضد ثورة المجر.

ويضاف إلى عوامل الفشل ما حدث من إنقسام بين قياداتها حول برنامج الإصلاح الداخلي. والحق أن أي برنامج قومي كان لابد وأن يتضمن تحرير الفلاح من قيود التبعية والسخرة لكنها مسألة لم يكن يقبلها إلا قلة قليلة من الزعماء مثل بالشيسكو وبشرط ألا يمس هذا التحرير إمتيازات النبلاء الإقتصادية والإجتماعية.

وفي المنفى لم يتفق زعماء الثورة على برنامج واحد للعمل بل لقد انتقل معظمهم إلى صفوف تيار اليمين المحافظ حتى أن برنامج ثوار عام 1848 الذين عرفوا فيما بعد بجماعة الثامنة والأربعين كان برنامجاً محافظاً نسبياً وأبعاده القومية محدودة, فبدلاً من أن يعملوا من أجل إقامة دولة قومية تضم كل الأراضي الرومانية, وتقديم برنامج إجتماعي حقيقي, وجدناهم قد حددوا أغراضهم في توحيد ولاشيا ومولدافيا فقط تعيين حاكم أجنبي عليها, بل لقد اعترف كثير منهم بعدم جدوى الثورة المسلحة. وطالما وقفت الثلاث إمبراطوريات (روسيا والنمس والدولةالعثمانية) ضد المطالب القوميةالرومانية ظل أمل الرومانيين في تحقيق أهدافهم بالقوة ضعيفاً, الأمر الذي دفع الكثير منهم للإعتماد على الوسائل الدبلوماسية.

ورغم الحقيقة القائلة بأن المنفيين الرومانيين لم يكونوا تنظيماً سياسياً في المنفى إلا أنهم كانوا يتصرفون كما لو كان هناك تنظيماً يجمعهم. ولم يكن أمامهم وقد منوا بفشل الثورة إلا أن يستعدوا للمستقبل, فشرعوا من ثم في تنظيم دعاية قومية, وعقدوا كثيراً من الإجتماعات وحرروا كثيراً من المقالات في الصحف, وبذل بعضهم جهداً كبيراص لمحادثة رجال السياسة الأوروبيين ذوي النفوذ الملحوظ. وكان أكبر نجاح حققوه في هذا المجال اكتساب تأييد نابليون الثالث إمبراطور فرنسا على حين خابت مساعيهم مع إنجلترا لأنها كانت ما تزال آنذاك مع مبدأ المحافظة على وحدة الأراضي العثمانية كدعامة ضد أطماع روسيا. ومن ناحية أخرى لم يكن من الممكن تحقيق الحد الأدنى من برنامج القومية الرومانية ألا وهو توحيد ولاشيا ومولدافيا ما لم يتم إبعاد الحماية الروسية بطريقة أو بأخرى. ثم كانت حرب القرم هي الحادثة التيقد تساعد على بلوغ المرام.

الفصل السابع: الإمبراطورية العثمانية حتى إصلاحات 1876

رأينا في الفصول السابقة الخطوات التي اتخذتها ثلاث قوميات بلقانية للإنفصال عن الدولة العثمانية وإقامة حكم ذاتي أو نظم مستقلة. كما رأينا أيضاً كيف أن كل بلد من البلاد الثلاث وضع دستوراً له بشكل متزامن طبقاًً للمبادئ الأوروبية في وضع الدساتير. ومن الطريف أن نلاحظ أن الحكومة العثمانية آنذاك والتي كانت سلطتها تمتد على كل شبه جزيرة المورة فيما عدا دولة اليونان الصغيرة واجهت كثيراً من المشكلات التي كانت تواجه القوميات الثلاث ووجدت نفسها وهي الحكومة الإسلامية تأخذ ببعض الحلول التي أخذت بها شعوب مسيحية.

والحاصل أنه كان على الحكومة العثمانية خلال القرن التاسع عشر أن تتعامل مع مشكلة واحدة فرضت نفسها سواء في الداخل أو الخارج ألا وهي وقوعها تحت ضغط ظروف معاكسة سبق أن شرحنا كثيراً منها, إذ كان على الباب العالي أن يواجه عدةتحديات ليس فقط من جانب القوميين المسيحيين والعيان المسلمين, وإنما من جانب القوى العظمى التي كانت تضغط للسيطرة على قرارات الدولة العثمانية بشكل مباشر أو غير مباشر. وتلك هي الظروف التي انتهت بإقامة حماية فرنسية – بريطانية – روسية في اليونان, وحماية روسية في الصرب وإمارتا الدانوب (ولاشيا ومولدافيا), وقيام روسيا وإنجلترا بإجراءات مشابهة في فترات مختلفة تستهدف السيطرة على الحكوممة العثمانية نفسها.

ولقد أدركت قيادات الدولة العثمانية أنه ما لم يحدث إصلاح داخلي لمجمل أركان النظام السياسي للبلاد فلن يكون بإمكانهم أن يقفوا ضد الضغوط الخارجية أو ضد عناصر الهدم الداخلية من جانب المسيحيين والمسلمين, فمثلاً كان الجيش بصفة خاصة بحاجة إلى إعادة تنظيم شامل, ولكن التغيير في كل الأحوال أمر من الصعب تحقيقه دفعة واحدة . . فالمسيحيون كان بإمكانهم وبصعوبة قليلة نسبياً إقامة حكومات في بلادهم تصبح فيها الكنيسة احد إدارات الدولة ويكون رئيسها الشرفي الحاكم نفسه. ورغم أ، الثوار كانوا يستخدمون لهجة عدائية ضد المسلمسن إلا أن ثورتهم لم تأخذ شكل الصراع الديني. وأكثر من هذا وجدنا أن الصربيين والرومانيين ثم البلغار فيما بعد رأوا في سيطرة اليونانيين على سلك الكنيسة الأرثوذكسية عقبة أمام آمالهم الذاتية, خاصة وأن البطريركية كانت جزء من البناء السياسي العثماني.

وعلى العكس من هذا ظل النفوذ الديني إسلامياً مهيمناً في الحكومة العثمانية التي كانت ما تزال كيان إسلامي وليس تركياً ذلك أن الإسلام وطوال خمسة قرون كان يوفر أساساً لإمبراطورية عظمى تمكنت من تحقيق إنتصارات كبرى على الآخرين الأمر الذي جعل تغيير المؤسسات القائمة التي تم إحراز النصر بمقتضاها وكذا الأفكار المصاحبة أمراً صعباً, فضلاً عن أن نسبة كبيرة من "مواطني" الدولة كانت لهم مصلحة في الإبقاء على الأوضاع كما هي رغم تعاستها. والحال كذلك لم يكن من الممكن القايم بالإصلاحات وتمريرها إلا في حالة تقديمها على أنها وسيلة لتقوية الأساليب القديمة السائدة.

والحق أن ثورة البلقان لم تكن كما رأينا انتفاضة مسيحية ضد المسلمين بشكل دائم وواضح, بل كانت صراع طبقي وإجتماعي هؤلاء الذين انتفعوا من النظام القائم وأولئك الذين أضيروا منه واختنقوا بسببه. فمن ناحية كان رؤساء الملة المسيحية لا يشجعون الإصلاح إذ كانوا يرون فيه معولاً يحطم وضعهم ومكانتهم ويقود إلى علمنة مجتمعهم, وبعض التجار المسيحيين والنبلاء الذين كانوا مستفيدون إستفادة كبرى من التعاون مع الدولة العثمانية لم تكن لديهم رغبة في تغيير النظام السياسي القائم, والعلماء الذين يسيطرون على التعليم وأمور الشريعة في الدولة لم يروا أية ميزة في إتخاذ إجراءات إصلاحية تقدمية قد تؤدي إلى وضع نظام تعليم عام طبقاً للنموذج الأوروبي أو الأخذ بنظام تشريعي منفصل عن الشريعة الإسلامسة, بل إن كل من قادة المسيحيين والمسلمين المحافظين عارضوا أيضاً الأفكار الغربية لأنها في رأيهم لا بد وأن تؤدي إلى إقامة دولة عثمانية لا محالة تصبح فيها المؤسسات الدينية في وضع هامشي وثانوي.

وإذا كان ولا بد من إصلاح النظام العثماني فإن الطريق إلى الإصلاح ينبغي أن يسير في نفس الإتجاه الذي سارت فيه ولايات البلقان في ثلاث خطوات, الأولى إقامة إدارة مركزية قانونية يدين أعضاؤها بالولاء لحكومة الولاية, والتوقف عن سن قوانين تطبق في كل المناطق دون تمييز, وهذه الخطوة تمت بمعرفة اللسطان ومجموعة من رجال الإدارة المقربين منهم, وثانياً الأخذ بنظام التمثيل النيابي لشغل بعض وظائف الحكومة. أما الخطوة الثالثة وهي محاولة نقل الرقابة التي تمارسها الحكومة إلى جمعية تشريعية ينتخب أعضاؤها فلم تتحقق إلا عن طريق الثورة.

وعلى أن الدولة العثمانية كانت تواجه فيالقرن التاسع عشر حالة حرب دائمة في الداخل والخارج على السواء بعكس ولايات البلقان. وبينما كان بإمكان ولايات البلقان الإعتماد على صداقة دولة أو أكثر من الدول الكبرى لتحقيق مطالبها القومية لم يكن من الممكن للباب العالي أن يضع في حساباته الحصول على دعم قوى أخرى له, بل قلد كان يشعر بعد منتصف القرن التاسع عشر بالخطر من دول يفترض أنها صديقة مثل إنجلترا وليس ورسيا عدوته التقليدية. وواقع الأمر أن الدولة أخذت بالإصلاح تحت ضغط القوى الخارجية وأثناء الأزمات الشديدة التي كانت تتعرض لها ولم تقم به طواعية.

وثمة محاولة حقيقية للإصلاح حدثت كما رأينا في عهد السلطان سليم الثالث عندما بدا واضحاً أن الدولة علىوشك الإنهيار بسبب التمرد الداخلي الذي تحرك ضدها من كل الأعيان المسلمين والمتمردين المسيحيين الأمر الذي اضطر السلطان للبدء بإصلاح أحوال الجيش أولاً, ولمتكن تلك هي المحاولة الأولى في هذا الشأن فقد سبقتها محاولات في عصور سابقة. ولما كانت فرنسا تعتبر أكبر دولة عسكرية آنذاك وأقدم حليف أوروبي للعثمانيين كان من الطبيعي أن يتجه السلطان سليم الثالث إليها طلباً للمساعدة فاستقدم لهذا الغرض مستشارين عسكريين فرنسيين لتأسيس جيش حديث علىالنموذج الأوروبي. لكن محاولته فشلت فشلاً ذريعاً بسبب تمرد العساكر في 1807 فاضطر إلى التراجع عن محاولته بل لقد تم إغتياله في العام التالي (1808) وخلفه السلطان محمود الثاني يرتب لتحركه لمواجهة الإنكشارية ترتيباً جيداً فنراه يستميل إلى جانبه المؤسسة الدينية ويحصل على تأييد المفتي(شيخ الإسلام) والعلماء للتخلص منهم لتأسيس جيش حديث على أساس أن الدولة العثمانية وهي دولة إسلامية أصبحت مهددة ويتعين تقويتها للدفاع عنها والإنكشارية أعجز من أن تقوم بهذا الدور. غير أن الإنكشارية رفضت قبول جيش جديد ينتقص من ميزاتها ومكانهتا ومن ثم أعلنوا التمرد في 1826. وفي هذه المرة كان السلطان قد أعد للأمر عدته حيث سحق التمرد وقرر إلغاء نظام الإنكشارية, وحل الطريقة البكتاشية الصوفية التي كانت سند الإنكشارية. وبهذا فقدت القوى المحافظة في الإمبراطورية أحد مصادر قوتها العسكرية في مواجهة السلطان.

وعلى الرغم من أن إلغاء الإنكشارية كان أمراً ضرورياً, إلا أنه ترك الدولة العثمانية في وضع ضعيف ومكشوف لأنه لم يكن قد تم إعداد الجيش البديل بعد. ففي نفس العام الذي تم فيه إلغاء الإنكشارية وجدنا أن روسيا تفرض معاهدة آكرمان على الباب العالي, وفي 1827 اشتركت كل من فرنسا وإنجلترا وروسيا في ضرب حصار بحري على الدولة العثمانية انتهى بهزيمتها في موقعة نفارينو وإنتهاء الحرب الروسية-التركية. وفي 1829 وبمقتضى معاهدة آدريانوبل تنازلت الدولة العثمانية عن دلتا الدانوب لروسيا, واضطرت للموافقة على وضع الصرب وإمارتا الدانوب (ولاشيا ومولدافيا) تحت الحماية الروسية. ثم شهد عام 1830 تأسيس دولة اليونان المستقلة والإعتراف بالحكومة الذاتية للصربيين, وإحتلال فرنسا للجزائر الذي كان إيذاناً بإجتياح أوروبي لبلدان شمال أفريقيا المرتبطة بالدولة العثمانية بدرجة أو باخرى. ومن سوء الحظ أنه في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تخسر فيه كثيراً أمام أعدائها التقليدين في أوروبا كانت تتعرض لتهديد خطير جراء تحركات محمد علي باشا والي مصر.

والحقيقة أن محمد علي باشا ذلك الحاكم القدير ذو المطامع الكبيرة بدأ يستعد للتحرك لتحقيق أهدافه بعد أن انتهى من تنظيم "دولته" وتكوين جيشه الممتاز. وعلى الرغم من أنه لم يحصل على جزيرة كريت مكافأة له على خدماته للسلطان في إخماد الثورة اليونانية, إلا أنه لم يحصل على جزيرة المروة التي كان يتطلع إليها, وعلى هذا طلب أن يأخذ سوريا من بابا التعويض. ولما رفض السلطان محمود الثاني هذا الطلب قامت القوات المصرية بمهاجمة الجيش العثماني وأوقعت الهزيمة به في معركة قونية 1832. وهكذا أصبحت الدولة العثمانية مرة اخرى تواجه خطراً حقيقياً إذ أصبحت استانبول عرضة للهجوم. وفي هذا المنعطف الخطر اضطر اللسطان لطلب مساعدة روسيا التي أسرعت بإرسال أسطولها إلى المضايق وعقدت مع السلطان معاهدة "خونكيار أسكله سي" في يوليو 1833, وهي معاهدة على جانب كبير من الأهمية لأنها معاهدة تحالف ودفاع مشترك أظهرت مدى سيطرة روسيا على الشؤون العثمانية. والخلاصة أنه كان قد تم إنقاذ السلطان من خطر محمد علي إلا أن معاهدة كوتاهية التي أنهت حرب الشام أعطت لمحمد علي السيطرة على سوريا, وفي القوت نفسه كانت فرصة للسلطان لكي يلتقط فيها أنفاسه من الحروب الخارجية.

وعلى الرغم من أن السلطان محمود الثاني كما رأينا كان قد شرع في إصلاح أحوال الإمبراطورية, إلا أن التغيرات الأساسية حدثت بعد الحرب مع روسيا. وفي هذا الخصوص فإن محمود الثاني يعتبر "بطرس الأكبر" للدولة العثمانية نظراً لطبيعة الإجراءات التي قام بها أثناء حكمه. فقد وحه لتغيير دولته بإتجاه الغرب الأوروبي من حيث تغيير مؤسسات الحكم شكلاً ومضموناً, فرأيناه يركز مثلما فعل سلفه السلطان سليم الثالث على تقوية الجيش الذي ثبت عجزة أما ثورة اليونانيين, وأما محمد علي باشا مصر. ومن هنا سعى للحصول على الخبرة الأجنبية وهكذا وفي 1835 وفد إلى استانبول هلموت فون مولتكه وعدد من الضباط البروسيين لتدريب الجيش العثماني. ثم جاء مستشارون إنجليز لتطوير الأسطول الحربي, وتم إيفاد طلاب أتراك للتدريب العسكري خارج البلاد.

ثم التفت السلطان محمود الثاني إلى إعادة تنظيم الإدارة السياسية, وهي مشكلة كانت ضاغطة على الأوضاع العامة. وآنذاك كان السلطان يحكم ممتلكاته حكماً مطلقاً بإستثناء الولايات التي يحكمها محمد علي باشا (مصر والسودان والشام), ولم يكن بمقدور الأعيان المحليين في أي منطقة أن يتحدوا سلطته. وكان هدفه الرئيسي تقوية السلطة المركزية وإيجاد مؤسسات للدولة تخدم هذا الهدف. كما كان يرغب في إعطاء نظام حكمه مظهر الحكومات الأوروبية. وفي هذا الخصوص قام بتغيير ألقاب المسئولين في السلطنة إذ أصبح لديه وزيراً للخارجية ووزيراً للداخلية وثالث للمالية. أما الصدر الأعظم فقد أخ لقب رئيس الوزراء رغم أن اللقب القديم ظل يستخدم لفترة قصيرة تالية. وتم تكوين مجلس وزراء يرأسه رئيس الوزراء يماثل أي مجلس وزراء أوروبي. كما منحت الإدارات المحلية في الأقاليم سلطات قيدت قبضة الحكومة المركزية على الأقاليم. ثم أجرى تعداد للسكان في 1831 لإستخدامه في تقدير الضرائب وتجنيد الشباب.

لقد واجه محمود الثاني مشكلة إيجاد المسئولين الذين يقدرون على شغل مختلف وظائف الإدارة الحديثة في الدولة الحديثة في الدولة من المتعلمين والمدربين تدريباً جيداً وهي ذات المشكلة التي واجهت حكومات دويلات البلقان الجديدة (اليونان, والصرب, ورومانيا). وفي هاذ الخصوص أبدى محمود الثاني بعض الإهتمام بمشكلة التعليم العلماني (المدني), لكنه لم يحرز إلا تقدماً ضئيلاً في هذا المجال, فمثلاً تأسست مدرسة للطب في 1827 دون إحراز تقدم كبير ذلك أنه لم يكن من السهل توفير المدرسين اللازمين لهذا النوع من التعليم.

ولما كانت المشكلات الخارجية تحوط الدولة العثمانية من كل جانب فقد إعترف السلطان محمود الثاني بحاجته إلى تحسين علاقاته مع ملوك أوروبا وأباطرتها.وعلى هذا ففي 1834 تم إفتتاح سفارات دائمة في العواصم الرئيسية في بلاد قامت بدور مهم في تحسين صورة الدولة وأحوالها فيما بعد.وفي تلك العواصم تعلم كثير من المصلحين ورجال السياسة الأتراك وخبروا الحياة في أوروبا مثل علي باشا وفؤاد باشا. ولما كانت العلاقات المباشرة مع دول أوروبا قد زادت ملحوظة فقد فرضت اللغات الأوروبية نفسها على السياسة العثمانية, وآنذاك لم يكن هناك إلا قلة من الأتراك يعرفون لغات أوروبية, وكان الباب العالي يعتمد إعتماداً كبيراً على المترجمين من اليونانيين والأرمن ولأن الثقة أصبحت مفقودة في اليونانيين بعد ثورتهم ضد الدولة أصبح البحث عن مصادر أخرى أمراً ضرورياً. ومن هنا تأسست إدارة للترجمة للتعامل مع مراسلات الدولة مع حكومات الدول التي لها سفارات في باريس. ومع البعثات التعليمية إلى فرنسا أصبح بإمكان الطلاب الأتراك تعلم اللفة الفرنسية وتلقي دروساً في بعض الموضوعات مثل التاريخ والحساب.

كما شهد عهد السلطان محمود الثاني تطورات أخرى مثل ظهور أول صحيفة باللغة التركية في ثلاثينات القرن التاسع عشر, وتأسيس نظام البريد في 1934. كما اهتم شان بطرس الأكبر في روسيا الذي يرتديه الموظفون والمسئولين فأدخل الطراز الأوروبي في الأزيء وإستبدل بالعمامة الطربوش. وبهذه التغييرات في الملبس والتعليم والسلوك بدات العملية التي سبق أن رأيناها في بلاد البلقان إذ سرعان ما بدات تتكون صفوة من رجال الإدارة تولت إدارة شؤون الحكومة وأخذت تنعزل تدريجياً عن جماهير الناس.

ورغم أن حكم محمود الثاني انتهى بكارثة خارجية إلا أنه لا ينبغي أن نغفل عن ذكر ما قام به من إنجازات, فقد كان هو الذي إتخذ الخطوات الأولى لتغيير تنظيم الدولة ونجح في تقوية الإدارة المركزية وتحمل في سبيل هذا حملات القوى الخارجية ضده, وكذا الجماعات المنشقة عليه من داخل البلاد. وأكثر من هذا فإن إلغاء الإنكشارية فتح الطريق أمام تكوين قوات محاربة أكثر كفاءة, وقضى على إمكانية قيام العناصر المحافظة والرجعية بالإطاحة بالحكم. ورغم أنه لم يستطع تحقيق رغبته في تكوين إدارة على درجة عالية من الكفاءة والقضاء على الفساد الحكومي, إلا أنه تمكن من التعرف على أحد مصادر الشكاوي الرئيسية للرعايا.

والواقع أن محمود الثاني واجه أثناء حكمه مشكلة محمد علي باشا والي مصر من حيث طموحه الواضح لإقامة دولة كبرى لنفسه ولأولاده. وفي هذا الخصوص لم ينس السلطان الإهانة التي تلقاها عام 1832 عندما قام محمد علي بضم بلاد الشام إلى ولايته في مصر. ولهذا وبمجرد أن تأكد من أن جيشه الجديد قد أصبح قوياً أعلن الحرب على تابعه محمد علي في 1839 ليرد الإهانة لكنه كان قراراً غير حكيم لأن جيش محمد علي بقايدة إبنه إبراهيم باشا أوقع الهزيمة بالجيش العثماني بل لقد إنضمت معظم قطع الأسطول العثماني إلى أسطول محمد علي وعلى أثر ذلك مات السلطان وخلفه عبد المجيد ذو الستة عشر عاماً. وهكذا وفي خلا إسبوعين إثنين فقط وقعت ثلاث أحداث جسام وهي هزيمة الجيش العثماني, وموت السلطان محمود الثاني, وفقدان الأسطولز

وفي هذا المنعطف من أحوال الدولة العثمانية بدت أنها على وشك الإنهيار. وآنذاك لم تكن الدبلوماسية الأوروبية ترى أن روسيا تمثل تهديداً للدولة العثمانية, بل لقد كانت تهتم أكثر وأكثر بالعلاقة الوثيقة التي اصبحت تربط بين فرنسا ومحمد علي باشا في مصر والذي كان قد إنتصر على العثمانيين. وخوفاً من حدوث خلل في توازن القوى في البحر المتوسط تكاتفت كل من روسيا وبريطانيا والنمسا وبروسيا للعمل على إعادة بناء الأوضاع القاتمة. وأمام هذا التحالف الدولي إندفعت فرنسا بكل قوتها لـاييد محمد علي الذي رغم إنتصارته لم يحصل في التسوية الأخيرة للصراع إلا على ولاية مصر والسودان حكاً وراثياً. وقد كان بإستطاعته سحق الجيش العثماني لكنه لم يكن يقدر على مواجهة الضغط الدولي. وفي الوقت نفسه جمدت روسيا معاهدة خونكيار إسكله سي مع الدولةالعثمانية, وإنضمت إلى القوى الدولية في إطار إتفاق جديد,ومن ثم قضت معاهدة المضايق في 1841 بوضع المنطقة تحت الرقابة الدولية لأول مرة, وقيدت في الواقع صلاحيات السلطان العثماني على ممتلكاته, إذ قررت أنه في حالة السلم تغلق المضايق أمام السفن الحربية الأوروبية. وكان هذا الشريط عبارة عن مساومة بين المصالح الروسية والبريطانية, ومعناه في نهاية الأمر أن السفن البريطانية لم يعد بإمكانها أن تهدد شواطئ روسيا على البحر الأسود, كما لم يعد بغمكان البحرية الروسية تهديد الملاحة البريطانية في البحر المتوسط.

على كل حال . . كان عهد السلطان عبد المجيد إفتتاحاً لحركة الإصلاحات الكبرى في السلطنة المعروفة بالتنظيمات وإستهدفت المحافظة على الإمبراطورية مثلما كان يريد سلفه السلطان محمود الثاني. وكان مغزى التنظيمات من وجهة نظر شعوب البلقان يكمن فيما إذا كان بالإمكان تغيير بناء الإمبراطورية ليكون أكثر جاذبية لسكانها غير المسلمين والإنصراف عن البديل القومي لشعوبها, أو أن يكون البناء من القوة بحيث تصبح الثورة الثومية في البلقان أمراً مستحيلاً. وقد كان وضاحاً منذ البداية أن المصلحين من رجال التنظيمات إستهدفوا تقوية الإمبراطورية بحيث تستحيل الثورة ضدها,وهذا معناه التغافل عن مطالب المسيحيين في المساواة. وفي الوقت نفسه لم يكن زعماء البلقان يسعون لتحقيق المساواة بقدر ما كانوا يرومون وجوداً قومياً منفصلاً. غير أن التصور العثماني لمفهوم المواطنة آنذاك لم يجد إلا إستجابة ضئيلة من أهالي البلقان. وفي الإتجاه نفسه لم تسعى أي مجموعة إسلامية ذات مغزى نحو إصلاح الدولة على أساس المساواة الدينية والقومية فإذا لم يكن من الممكن تحشي الإصلاح,فإن رعايا الدولة من غير المسلمين كانوا أكثر ميلاً للنموذج المصري الذي كان يمثله محمد علي باشا من حيث تحقيق إنفاصل مشابه عن الدولة.

غير ا، السلطان عبد المجيد لم يقم بأي إجراء حقيقي محدد لإحداث التغيير المنشود, إذ وقعت القيادة أكثر وأكثر في يد عناصر نشطة وحيوية من رجال الدولة أمثال مصطفى رشيد باشا الذي يعد نموذجاً ممتازاً للمشئول العثماني الجديد والذي يعرف طريقه جيداً, قبل أن يتولى منصب الصدر الأعظم كان سفيراً لبلاده في فرنسا وبريطانيا. ومما ساعد في إدارة شؤون الإمبرطورية أن السطان نفسه كان شحص معتدل المزاج وكان من الذكاء بحيث أعطى وزراءه حرية التصرف. ولقد صادف هذا التفوق العثماني الجديد في الإدارة فترة طويلة من التراخي الدولي تجاه شؤون الشرق الأدنى. فمنذ إنتهاء الأكمة المصرية (أي تحجيم محمد علي باشا في مصر) وحتى إندلاع حرب القرم (1840-1854) كانت روسيا وبريطانيا في وفاق عادي بشأن سياستهما الشرقية. ورغم أن النفوذ البريطاني في استانبول ظل قويا كالعادة, إلا أن الحكومة البريطانية لم تقم بأي مجهود إضافي لتأكيده, بل لقد كانت ما تزال معنية بكيفية المحافظة على تكامل الإمبراطورية العثمانية وإصلاحها بعد توقيع معاهدة بلطه ليمان في 1838 التي كانت لصالح التجارة البريطانية إذ فتحت ابلاد العثمانية للصادرات البريطانية على أساس قاعدة حرية التجارة.

ومن المعروف أن خط شريف كولخانه (1839), وخط شريف همايون (1856) يعتبران علامتين رئيسيتين لعصر التنظيمات العثمانية, إذ صدر الأول أثناء الأكمة مع محمد علي باشا والي بمصر وكان الصدر الأعظم مصطفى رشيد يسعى لإقناع القوى الدولية بأن الإمبراطورية العثمانية تستطيع أن تصلح من أحوالها وتحافظ على كيانها كدولة تملك مقومات الحياة والبقاء. وكان خط كولخانه عبارة عن بيان بالبرنامج الذي تنوي الحكومة تقديمه في شأن الإصلاح وكان يستهدف تحقيق مزيد من مركيزة الدولة وبيروقراطيتها, وكسب التأييد الشعبي للسلطان وموظفيه المسئولين ضد النبلاء المحليين وقيادات بلاد البلقان. وقد أكد هذا المرسوم على إتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين حياة الرعايا وشرفهم وثروتهم, والمساواة في الضرائب, وإصلاح نظام جمع الضرائب,ووضع نظام جديد للتجنيد العسكري. وقد قدمت هذه الضمانات لكافة الرعايا العثمانيين بصرف النظر عن إختلاف عقائدهم. ومن الطريف أن نذكر أنه تم تبرير هذه التصريحات بالقول بأنها عودة للأساس القديم الذي قامتعليه الإمبراطورية, إذ جاء في إعلان الخط "أنه على مدى قرن ونصف من الزمان تعاقبت حوادث وقضايا مختلفة صرفت الأنظار عن أحكام الشريعة الإسلامية والتنظيمات التي كانت تتقرر بحيث إنتهت قوة الدولة وثروتها إلى الضعف والفقر.

ورغم قوة النفوذ البريطاني في استانبول إلا أن المصلحين العثمانيين كانوا يفضلون عادة إتباع النموذج الفرنسي في إصلاح الإدارة بشكل يشه ما حدث في دويلات البلقان بدرجة أو بأخرى. ففي 1840 صدر قانون جديد تمت صياغته على أساس مبدأ المساواة بين جميع الرعايا, وأدخلت بعض التحسينات على نظام التعليم المدني. وكان أهم إجراء تم في نظر البلقانيين وله مغزاه الأخذ بنظام جديد للحكم المحلي في عام 1840, وبمقتضاه تم تقييد سلطة حاكم الإقليم بتاسيس مجلس من النبلاء يدخل فيه غير المسلمين. على أن هذه المجالس التي تم تعيين أعضاؤها بمعرفة الحاكم لم تكن تخضع فقط لهيمنة المسلمين بل لقد كانت تعبر عت أولئك الذين لهم مصلحة في الأوضاع القائمة وبالتالي لم تكن لهم مصلحة في إجراء أي إصلاح. ويضاف إلى هذا محاولات الدولة تحسين نوعية المسئولين الذين توفدهم مزودين بتعليمات للقضاء على إستخدام الرشوة في قضاء الحاجات كما تقرر أن يكون رجال الإدارة المحلية مسئولون مباشرة أمام الحكومة المركزية وليس أمام الحومة المحلية. وفي هذا الإطار تم تنظيم دفع الرواتب بشكل دوري.

ولسوء حظ السلطان العثماني أن عملية التغيير التي شرع فيها قاطعتها الأزمات الخارجية التي واجهتها الدولة, إذ تجد السباق بين القوى العظمى للسيطرة على كل أجزاء الإمبراطورية أو بعضها. وكانت نفوذ روسيا في الدولة العثمانية كما سبق شرحه تفصيلاً في الصفحات السابقة يستند على قوتها العسكرية وعلى علاقاتها مع الجماعات القومية البلقانية, وعلى سلسلة من المعاهدات أعطتها حق الحماية على كل من الصرب وإمارتا الدانوب (ولاشيا ومولدافيا-رومانيا), وعلى حقوق معينة فيما يتعلق بالمسيحيين الأرثوذكس بشكل عام. أما مسألأة وضع روسيا الحقيقي فيما يتعلق بالكنيسة الأرثوذكسية فقد أصبح أمراً محل إهتمام دولي بسبب النزاع بين الكنائس الأرثوذكسية والكاثولكية على حقوق كل منها على بعض الأماكن المقدسة في القدس. ففي هذا النزاع وجدنا أن روسيا تؤيد الأرثوذكس على حين وقفت فرنسا إلى جانب الكاثوليك. وعندما إتخذت الحكومة العثمانية في 1852 موقفاً لصالح الفرنسيين كان رد الفعل عند روسيا عنيفاً إذ حركت جزء من قواتها تجاه استانبول وأوفدت رسولاً خاصاً إلى السلطان.

وفي فبراير 1853 وصل إلى استانبول الموفد الروسي الأمير ألكسندر منشيكوف Menshikov مزوداً بصلاحيات واسعة للتفاوض وقدم للسلطان في أسلوب من الخشونة والغطرسة عدة مطالب تتضمن إعترافاً عثمانياً صريحاً بحق روسيا في حماية المسيحيين الأرثوذكس في الإمبراطورية العثمانية, وعقد معاهدة شبيهة بمعاهدة خونكيار إسكله سي على أن هذه الشروط التي حولت المسألة من مجرد نزاع حول الأماكن المقدسة إلى نزاع حول السيطرة على الإمبراطورية العثمانية دفعت ببريطانيا إلى مساحة النزاع.

الفصل الثامن: الإمارتان المتحدتان (ولاشيا ومولدافيا) حتى عام 1876

كان مطلع خمسينات القرن التاسع عشر يعتبر فترة عصيبة بالنسبة للقومية الرومانية, فقد أدى إخفاق ثورات 1848 إلى تجديد التدخل الروسي والعثماني في الشؤون الداخلية لكل من ولاشيا ومولدافيا. وبدا واضحاً أنه لم تقع أحداث دولية معينة تردع هاتين القوتين (روسيا والدولة العثمانية) سيكون تحقيق القومية الرومانية وتوحيد الإمارتين تحت حكم أمير أجنبي أمراً محتملاً. وفي هذا الخصوص وفرت حرب القرم فرصة ما لتحقيق هدف القوميين الرومانيين. إذ أن معاهدة باريس (1856) التي أنهت الحرب ضمنت أنه لا يمكن لروسيا منفردة تقرير شؤون الإمارتين, وأنه لا يمكن إعادة فرض السيطرة العثمانية مرة أخرى. ولنتذكر في هذا الشأن أن المعاهدة استبدلت بالحماية اروسية ضمان القومية الكبرى. ومن ناحية أخرى كان من شأن المنافسة بين تلك القوى وعدم الثقة المتبادل بينها ما يحول دون فرض نفوذ حقيقي من أي قوة دولية على الإمارتين. كما كان حييد البحر الأسود وتخلي روسيا عن ثلاثة مناطق جنوبي بساربيا لمولدافيا كان خطوة في صالح هدف الإمارتين.

يضاف إلى هذا أن معاهدة باريس أعطت نابليون الثالث إمبراطور فرنسا الفرصة لمساندة الوضع القومي في الإمارتين. ففي نهاية حرب القرم إحتلت القوات النمساوية والعثمانية أراضي الإمارتين. ومن ثم واجهت القوى الدولية مشكلة الإتفاق على ماهية النظام السياسي الذي يمكن أن يحل محل الحماية اروسية والهيئات التشريعية القائمة هناك. وكان واضحاً أن تلك القوى في مناقشتها لهذا الأمر كانت تراعي مصالحها في المنطقة, كان نابليون الثالث الذي ظهر ىنذاك بمظهر راعي الحركات القومية الأوروبية يؤيد توحيد الإمارتين توحيداً تاماً تحت حكم أحد أمراء أوروبا من خارج الإمارتين. وقد أيده في هذا أميراً بروسيا وبيدمونت وكان كل منهما يعيش حالة من الجيشان القومي, وكذا روسيا التي كانت قد ارتبطت بفرنسا فيما عرف ببداية فترة قصيرة من التعاون في الشؤون لدولية. غير أن الدولة العثمانية وقفت ضد هذه القوى جميعاً إذ كانت ترى في إتحاد الإمارتين إنتهاكاً للحقوق التي نصبت عليها معاهدة باريس (1856), وخطوة من شأنها أن تؤدي إلى إستقلالهما لا محالة. وقد وقفت النمسا إلى جانب الدولة العثمانية في هذا الأمر لأنها كاهنت تخشى أساساً من ضياع ترانسلفانيا منها في قابل الأيام حيث كان بنامج القوميين الرومانيين يضع في أولوياته ضم ترانسلفانيا لدولتهم الجديدة, وأما بريطانيا فكانت تعارض توحيد الإمارتين في البداية بدعوى المحافظة على وحدة الإمبراطورية العثمانية من أجل التوازن الدولي.

ولما عجزت القوى الدولية عن التوصل إلى تفاهم ما في إجتماعهم بباريس حول المسألة إتفقت على القيام بمحاولة لإستطلاع رغبات الرومانيين أنفسهم (أهالي الإمارتين), وتحقيقاً لذلك قررت تلك القوى إجراء إنتخابات لما يعرف بالديوان في كل إمارة (إي المجلس) للتعرف على إراء الناس في النظام الذي قد يمنح للبلاد. وعلى هذا وفي يوليو 1857 أجريت أول إنتخابات لكنها كانت مزورة حيث حصلت الدوائر المحافظة التي كانت ترغب في عدم توحيد الإمارتين على أغلبية ملحوظة في مولدافيا تحت الضغوط التي مارستها الحكوةمة العثمانية وجماعات أخرى ضد التوحيد. ولقد أدت هذه النتيجة إلى نشوء أزمة بين فرنسا الت يكانت ترغب في إعادة الإنتخابات وبين بريطانيا التي كانت لا تزال مهتمة أساساً بالمحافظة على وحدة الإمبراطورية العثمانية. وأخيراً وفي إطار من المساومة وافقت فرنسا على ألا تمارس أي ضغط من أجل توحيد الإمارتين, ووافقت بريطانيا على إجراء إنتخابات جديدة وهي الإنتخابات التي أجريت في سبتمبر 1857 وإنتهت بإختيار مرشحين وحدويين لعضوية الديوان في كل من الإمارتين سرعان ما إقتراعوا في أكتوبر على وحدة الإمارتين تحت حكم أمير غير روماني. ولكن ولأن القوى الدولية لم تكن تقبل هذا الحل فقد أقدمت الحكومة العثمانية على حل مجلس الإمارتين أي الديوانين المنتخبين, وأصبح الأمر في يد القوى الدولية من جديد.

على كل حال . . ففي مايو 1858 إجتمع ممثلو الدول العظمى في باريس لمناقشة المسألة الرومانية, وكانت فرنسا عند موقفها الأول المؤيد للوحدة على حين وقفت ضدها كل نم النمسا والدولة العثمانية. ثم تم التوصل إلى نوع من المساواة تمت صياغتها في ميثاق بتاريخ 19 أغسطس 1858 حل محل الهيئات التشريعية الأساسية القائمة ونص على تنظيم سياسي جديد للإمارتين بإسم "إتحاد إمارتي مولدافيا وولاشيا" مع بقائهما تحت السايدة العثمانية وبضمان القوى الدولية. كما نص الميثاق على إيجاد مؤسسات متوازية في الإمارتين ولكن كل منهما منفصل عن الآخر فيكون لكل إمارة "خوسبدار" ورئيس في فوكشاني Focsani ومحكمة إستئناف واحدة. وإستمر العمل بنظام إنتخاب الخوسبدار بواسطة جمعيات خاصة ويوافق عليه السلطان, على ا، تتوزع السلطة التشريعية بين الجمعية التشريعية في كل إمارة والهيئة المركزية في فوكشاني. وتقرر إنتخاب أعضاء الجمعيتين كل سبع سنوات, ويكون الوزراء في كل إمارة مسئولون أمام الجمعية, ويكون من صلاحية كل جمعية ضبط الموازنة المالية والضرائب. ولأن الإنتخابات تمت على أسس محددة غاية في التقييد فإن الأعضاء الذين فازوا كان يعني إستمرار سيطرة البويار (أي كبار الملاك) على أمور الدولة العثمانية.

ولقد تضمن الميثاق الجديد عدة تعديلات على نظام الأراضي حيث نصت المادة 46 منه على "إلغاء كل المميزات والإستثناءات والإحتكارات التي تتمتع بها طبقات معينة, وتعديل القانون الذي ينظم علاقات أمراء الإقطاع بالفلاحين فوراً من ا<ل تحسين أحوال الفلاح". كما نصت المادة نفسها على "أن كل المواطنين متساوون في الخضوع للضرائب وفي العمل في الوظائف العامة في كل من الإمارتين, وأن حرياتهم الفردية مضمونة ومصونة".

ورغم أن ميثاق 19 أغسطس كان علامة متقدمة على طريق الوحدة, إلا أنه فيما يبدو لم يحقق رغبات القوميين والعناصر السياسية الأكثر نشاطاً في كل من الإمارتين. ومع ذلك فقد رحبت تلك العناصر بإنشاء الهيئة المركيزة في فوكشاني لإصدار تشريعات للإمارتين بعد عرض كل تشريع على الجمعية المختصة في كل إمارة, وكذا موافقة القوى العظمى بشأن مسألة الوحدة الرومانية فإن نصوص ميثاق 19 أغسطس تصبح أفضل شيئ كان يمكن التوصل إليه في مثل تلك الحالة.

وبتوثيق الميثاق بدأت الإمارتين تستعدان للإنتخابات لإختيار الخوسبدار الجديد لكل منهما. وقد جرت الإنتخابات كما كان الحال في المرات السابقة وسط فوضى وإتهامات متبادلة بين المرشحين, وكل إمارة كانت تحت مسئولية قائمقام بثلاثة أشرطة. والحقيقة أن وظائف كل من هذه الهيئات لم تكن واضحة, وكان أعضاؤها منقسمون بين أولئك الذين يرغبون في إقامة الوحدة وبين المحافظين الذين يرفضونها. وفي الأسبوع الأخير من ديسمبر أجريت في مولدايفا أول إنتخابات ورغم أن العناصر الوحدوية التي نجحت في الإنتخابات لم تهيمن على الجمعية التشريعية إلا أنهم نجحوا بلا شك في ضمان إنتخاب ألكسندر كوزا Cuza في 17 يناير 1859 (خوسبدار). وفي ولاشيا جرت الإنتخابات في مطلع فبراير ولم يفز الوحدويون لكن المحافظين إنشطروا بين المرشحين المتنافسين. وفي أثناء إجتماعات الجمعية التشريعية في بوخارست كانت المظاهرات الحماسية للوحدة تطوف بالشوارع مؤيدة للوحدويين داخل الجمعية. ورغم أن الأعضاء كانوا منقسمين على أنفسهم إلا أنهم إختاروا في النهاية كوزا وكان إنتخابه يعد نصراً للقيادات الليبرالية وخطوة كبيرة تجاه تحقيق برنامج ال 48 وبهذا إرتبطت الإمارتين برباط شخصي تمثل في شخصية كوزا.

وكانت النتائج التي أسفرت عنها الإنتخابات تعد تحطيماً لميثاق 19 أغسطس نصاً وروحاً, فإن القوى العظمى بدأت تتشاور من جديد حول ما يمكن عمله. وكما هو متوقع فقد وقفت فرنسا بجانب الوحدة الرومانية, وأيدتها في هذا روسيا التي كانت ترغب في المحافظة على الوفاق مع فرنسا الذي تأسس بعد حرب القرم. وظلت النمسا والدولة العثمانية تعارضان الوحدة, بينما ترغب بريطانين كعادتها في التوصل إلى مساومة. والحقيقة أن المشكلة الرئيسية التي كانت تواجه أولئك الذين يتطلعون لتنفيذ الميثاق بحذافيره هي كيف يفرض على الإمارتين إجراء إنتخابات جديدة في الوقت الذي لم تكن هناك دولة من الدول العظمى ترغب في السماح للسلطان العثماني بإرسال قوات لفرض القرارات التي تم التوصل إليها فيما سبق.

على كل حال . . لقد أدى إندلاع الحرب بين فرنسا والنمسا على الأراضي الإيطالية في أبريل 1859 إلى تقديم مساعدة قوية للقضية الرومانية من حيث لا يحتسب الرومانيون أنفسهم, فقد أدت الحرب إلى إبعاد النمسا تماماً من المفاوضات الدبلوماسية بشأن الإماريتن, ذلك أ، هزيمتها في الحرب جعلها عن فرض أرائها في المسألة الرومانية. وأخيراً وفي سبتمبر 1859 وافقت القوى العظمى على الإعتراف كحالة إستثنائية بالإختيار المزدوج من الإمارتين لألكسندر كوزا, مع التأكيد على المبدأ الفصل بين الإمارتين والموافقة فقط على تلك الوحدة الشخصية مدى حياة الكسندر كوزا.

غير أن الأمير الكسندر كوزا كما بدا للوهلة الأولى لم يكن هو الشخص المناسب ليقوم بالدور الذي استدعى من اجله لإجراء إصلاح حقيقي في الإمارتين لأكثر من سبب, فقد إرتبط إسمه قديماً بالليبراليين, وإنضم لثورة 1848 في مولدافيا وعلى أثرها نفي خارج البلاد لفترة قصيرة, ثم عاد في 1849 وخدم في الإدارة تحت حكم كل من غيكا Ghica ونيقولا فوجوريديس Vogorides. وعلى هذا كان إنتخابه ف ي ياصي Jassy مفاجأة كاملة للجميع لأكثر من عامل, فهو لم يكن يسعى للمنصب, ولم يكن بالرجل الذي له تأثيره على الغير, ولم يكن وراءه حزب أو جماعة تسانده, ويعاني من قصور ملحوظ في الكفاءة. ولكن يبدو أن أنصاره من الليبراليين رأوا فيه أفضل بديل سيء يحكم البلاد بدلاً من أن يتولى أمير أجنبي الحكم. وكان على كوزا في نهاية الأمر وبكل ما عرف غنه من خصائص أن يتعامل مع الموقف الداخلي الصعب, والمنافسة المستمرة بين السياسيين الطموحين, والضغوط القائمة من القوى الخارجية.

والحقيقة أن الأنتخاب "المزدوج" الذي تم بمقتضاه إختيار كوزا حاكماً أسهم قليلاً في تبسيط مشكلة التنظيم السياسي الذي تم إقراره بمقتضى أغسطس, فقد أصبح للإمارتين خوسبدار واحد ألا وهو كوزا وهيئة تشريعية مركزية, ولكن مؤسسات الخرى بقت كما هي منفصلة فلكل إمارة جمعيتها التشريعية ونظامها الإداري الخاص بها. وعلى هذا لم يقم كوزا بعمل شيء ذا مغزى أثناء توليه منصب الخوسبدارية ومما حال دون ذلك أن كل من الليبراليين والمحافظين على ما بينهما من تناقض كانوا مهيمنون على الحياة السياسية في البلاد وكانوا يعارضون حكم كوزا رغم أنهم جميعهم يمثلون أقلية عددية بين الرومانيين بشكل عام. فالمحافظون الذين يمثلون إلى حد كبير كبار ملاك الأراضي الزراعية لم يكن لديهم برنامجاً سياسياً حقيقياً قوياً, ولكنهم وبسبب نظام التصويت سيطروا على الجمعيات التشريعية. وأدت مواقف التحزب والتشبع بينهم إلى صعوبة تكوين جبهة واحدة. أما الليبراليون فكانوا على النقيض سياسيون بدرجة أفضل ويتكونون من صغار الملاك والموظفين وبعض المهنيين ورجال الأعمال ممن تزعموا ثورة 1848 وهم الذين أمدوا الإمارتين بالسياسين الأكفاء, فضلاً عن أن بعضهم كانوا مع فكرة الإصلاح الزراعي بعكس الذين يرديون الإبقاء على الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية على ما هي عليه.

وفي كل الأحوال كان جهاز الحكم المربك والمعقد, وكذا التنافس الحاصل بين القوى السياسية جعل تجربة إمارتين منفصلتين على ذلك النحو من الصعوبة بمكان. لكن فعلياً شأن زعماء البلقان الآخرين كان يدرك أن أية خطوة تجاه إتحاد الإمارتين إتحاداً فعلياً هي المسألة الوحيدة التي يمكن أن تتوحد عندها كل الجماعات السياسية المتنافسة بمن فيهم العناصر المحافظة التي تعارض كوزا والذين قد يوافقون مع الأغلبية على الخطوة الأولى على طريق الوحدة, ألا وهي التوحيد الإداري للإمارتين. وعلى هذا قرر كوزا بشيء من الحكمة أن يعمل تجاه هدف الوحدة ليس من خلال المؤسسات القائمة ولكن من خلال التفاوض مع الدولة العثمانية صاحبة السيادة على افمراتين. وهكذا وفي ربيع 1861 حصل على موافقة السلطان العثماني على أن يكون للإمارتين وزارة واحدة وجمعية تشريعية واحدةوإلغاء الجمعية التشريعية المركزية. غير أن هذا الشكل الوحدوي الذي توصل إليه كوزا كان مرهوناً بوجوده في الحكم. وبما أن تلك التغيرات التي أحدثها كانت تعني تغييراً لميثاق أغسطس فكان لا بد من ضمان رضا القوى الدولية التي وقعت على الميثاق. لكن روسيا عارضت خطوة وحدة الإمارتين حيث رأت أن ما حدث قد يعني تعيين حاكم أجنبي غير كوزا فضلاً عن أنه يعد إنتهاكاً للمعاهدات الدولية بهذا الشأن. أما الدولة العثمانية صاحبة السيادة على الإمارتين فلم تعارض خطوة الإتحاد التي قام بها كوزا. وعلى هذا قبلت القوى الدولية في ديسمبر 1861 التوحيد الكامل للإدارة في الإمارتين ولكن طوال فترة حكم كوزا. وكان هذا القبول رغم تقييده بحياة كوزا يعد إنجازاً عظيماً في نظر القوميين الرومانيين إذ كان يعني أن دولة رومانية حقيقية قد وجدت للمرة الأولى في التاريخ الحيث حتى لقد كان بإمكان كوزا أن يقول في ديسمبر "أيها الرومانيون لقد تحققت الوحدة . . وتأسست القومية الرومانية . . لتحيا رومانيا". وفي الثالث من فبراير 1862 تشكلت أول حكومة واحدة للإمارتين برئاسة الشخصية المحافظة باربو كاتارجيو Barbu Catargiu, وفي الخامس من فبراير تمت الدعوة لإجتماع الجمعية التشريعية الواحدة للإمارتين وأصبحت مدينة بوخارست عاصمة الدولة الجديدة.

غير أن هذا التغيير السياسي لم يقلل من جحم المشكلات التي كان على كوزا مواجهتها, إذ كان عليه أن يتعامل مع المعارضة الداخليةو ويواجه مشكلتين متداخلتين وهما الإصلاح الزراعيو وتوسيع قاعدة التصويت في الإنتخابات العامة,لأنه أدرك أن بقاء قاعدة التصويت المحدودة المعمول بها بمقتضى قانون الإنتخاب يعني باقء سيطرة العناصر المحافظة على الجمعية التشريعية الذين سوف يسعون بكل الطرق للإبقاء على نظام الأراضي القائم. وطالما ظل المحافظون يسيطرون على الجمعية التشريعية فلم يكن من الممكن تحقيق أي خطوة تجاه الإصلاح الزراعي مع أنها مسألة كانت شديدة الإلحاح وآنذاك كان المشهد السياسي يتلخص في أن كاتارجيو رئيس الحكومة يتزعم المحافظين, وأن ميخائيل كوجالينشينو Kogalinceanu يتزعم الليبراليين. فلم اغتيل كاتارجيو في يونيو 1862 خلفه نيقولا كريتوليشكو Cretulescu وهو شخصية محافظة أيضاً.

وفي أكتوبر 1863 إتخذ كوزا خطوة حاسمة بتعيين كوجالينشينو زعيم الليبراليين رئيساً للحكومة وهو من مولدافيا, وبدأت البلاد تحت قيادته مرحلة عظيمة من التغيرات الإجتماعية والإقتصادية كان أبرزها تخصيص الأوقاف الدينية للأغراض الدنيوية أي علمنتها, وكذا إصدار قانون الإصلاح الزراعي. وتجدر الإشارة إلى أن الرجل أقدم أولاً على علمنة الأوقاف الدينية على إعتبار أنه إجراء لن يلقى إلا معارضة ضئيلة. والحاصل أنه مه نهاية حكم الفناريين في 1820 كما سبقت الإشارة حاولت كل حكومة في كل من الإمارتين التعامل مع هذه المسألة لتحرير ربع مساحة رومانيا تقريباً من السيطرة الأجنبية (أي الأوقاف الدينية التي هي ملك البطريركية اليونانية) بغرض إمتلاك هذه الأراضي الغنية بما تدره من ريع هائل. ولكن لم يكن من السهل إتخاذ إجراء ضد رؤساء الأديرة أصحاب الأوقاف الدينية في الماضي ذلك أنهم يعتبرون أنفسهم غير خاضعين للنظام القانوني للدولة, وقد أيدتهم في هذا الموقف روسيا التي كانت لا ترغب في إضعاف مكانة البطريركية العامة في استانبول. وفي الوقت نفسه كانت كل الطبقات في الإمارتين تعارض الميزات الخاصة التي يتمتع بها الرهبان وهيمنتهم على مساحات واسعة من الأراضي. فرجال الدين الرومانيون كانوا ممتعضين من بقايا الهيمنة اليونانية عليهم, والبويار يأملون في إساتغلال هذه الأراضي لصالحهم, والفلاحون كانوا يعلمون تماماً أن الذين بفلحون أراضي الأديرة أسوأ حالاً من الذين يعملون في الإقطاعات الخاصة.

والحاصل أنه بعد 1821 بذلت محاولات جادة للتوصل إلى إتفاق مرضي عن طريق التفاوض وفي 1843 عرض الرهبان أن يدفعوا مبلغاً محدداً من المال للحكومة لكن هذا العرض لم يكن مرضياً من وجهة نظر الإمارتين. وظل الأمر على ما هو عليه حتى بعد أن تحققت الوحدة بين الإمارتين, إذ كان كل من الطرفين يتمسك بوجهة نظره, فالرهبان لم يكونوا على إستعداد للإستسلام في المسائل الكبرى, والحكومنة الرومانية تريد السيطرة الكاملة على أراضيها. وفي هذا الخصوص بقيت روسيا بإعتبارها الوسيط المنطقي والدولة الأرثوذكسية الوحيدة والكبرى في المنطقة منحازة للبطريركية. ولما كانت المفاوضات مع الرهبان في هذا الشأن تسير ببطء وتتعثر نظراً لتمسك الرهبان بموقفهم قرر كوزا الإنصراف عن التفاوض وإتخذ قراره في ديسمبر 1863 بعلمنة الأوقاف الدينية,ووافقت الجمعية التشريعية على نزع ملكية الأوقاف مقابل تعويض. وعندما إحتجت القوى الدولية بما فيها الدولة العثمانية أعلن أن هذا شأناً رومانيا داخلياً وظل البطريرك على موقفه المعارض في صلابة لكنه لم يحصل على شيء في النهاية.

وإذا كانت مصادرة أراضي الأوقاف الدينية لقيت تجاوباً شعبياً من كافة الطبقات إلا أن مسألة الإصلاح الزراعي أثارت كثيراً من الإعتراضات الداخلية بل لقد أدت إلى أزمة سياسية. ففي أبريل 1864 طرح على الجمعية التشريعية التي تسيطر عليها أغلبية من العناصر المحافظة التصويت على مشروع قرار بتوجيه اللوم إلى رئيس الحكومة كوجالينشينو لكن كوزا رفض إقالته بل لقد أقدم على حل الجمعية في الشهر التالي (14 مايو 1864), وأعلن أنه سوف يجري إستفتاء عاماً على قانون إنتخاب جديد بشأن توسيع قاعدة الناخبين لكنه كان يستهدف زيادة العناصر المؤيدة له. ولقد نجح هذا الإجراء الذي بعد إنقلاباً فعلياً وإستخدم كافة أجهزة الحكومة المركزية لتويجه عملية التصويت فحصل على 682621 صوتاً مقابل 1307 صوتاً وإمتناع 70220 عن التصويت. وحيث أن ما حدث يتصل بميثاق أغسطس بشكل أو بآخر فكان لا بد من موافقة القوى الدولية على ما تم من إجراءات. والحاصل أن السلطان العثماني إحتج على ما حدث, وحيث الدول الأوروبية الضامنة لوحدة الإمارتين أو دولة رومانيا الجديدة لكن بدا أنها سوف تدخل في أية مسألة تتصل بعلاقة التبعية بين رومانيا والدولة العثمانية.

وبإنتخاب جمعية تشريعية طيعة يسهل قيادها أصبح بإمكان كوزا (رئيس الإتحاد) وكوجالينشينو (ريس الحكومة) المضي قدماً في إقرار الإصلاح الزراعي أعظم مشورعات الإصلاح. وفي هذا الخصوص ينبعي أن نتذكر أن المادة 46 من ميثاق أغسطس 1858 دعت إلى إصدار تشريع في هذا المجال. وآنذاك كان البويار المحافظين قد بلورا تصورهم عن إصلاح زاعي يتلخص في طرد أي فلاح صغير من أرضه ويأخذها الإقطاعي المجاور وبالتالي يسيطر الإقطاعيون (البويار) على كل الأرض فقط, بل يضمنوا وفرة في اليد العاملة. لكن قانون الإصلاح الزراعي الذي قدم في يوليو 1863 تجنب هذا الإجراء المتطرف ونص على أن يتنازل المالك عن ثلثي أرضه بحد أقصى, ويحصل الفلاح على حصة معينة من الأرض الخاضعة للمصادرة بصفة ملكيةى قانونية تتحدد مساحتها طبقاص لما تملكه أسرة الفلاح من مواشي . . فإذا كانت مساحة أرض الدولة. كما نص القانون على إلغاء كل الإلتزامات التي على الفلاح للإقطاعي من مدفوعات متأخرة وخدمات. وقرر القانون أن يحصل كل إقطاعي (من البويار) خضع لقانون الإصلاح على تعويض مالي من الدولة عن الأراضي التي تؤخذ منه (ثلثا ما يملك), وعلى الفلاح المستفيد أن يدفع مقابل ملكية الأرض وإستغلالها مبلغاً محدداً على مدى خمسة عشر عاماً ولا يجوز له أن يتصرف فيها بالبيع لمدة ثلاثين عاماً وذلك لمنع إعادة بيعها مرة أخرى لمالكها الإقطاعي القديم. وبالإضافة إلى هؤلاء الفلاحين المستفيدين كان هناك حوالي 107000 فلاح يقومون بزراعة أرضهم وإدارتها بانفسهم. وفي الحقيقة كان القانون يستهدف إيجاد طبقة من الفلاحين الأحرار, لكنه لم يكن محل رضا البويار بطبيعة الحال.

على أن هذا القانون الذي صدر على عجل كان مليئاً بالثغرات التي ساعدت على الإلتفاف حوله والتهرب من تنفيذه. وكانت أكبر الصعوبات التي تعترض تنفيذه بدقة نقص الرقابة السليمة لضمان تنفيذ مواده, فالبويار كانوا في وضع أقوى من الفلاحين وكل إقطاعي منهم يتحكم في دائرته, ولم تكن هناك عملية مسح دقيقة للأراضي أو إحصائيات للإعتماد عليها في تحديد الأرض التي تصادر والأرض التي يتم توزيعها, ومن هنا إقتطع الإقطاعي لنفسه أجود الأراضي خصوبة بما فيها أراضي المراعي المراعي والغابات وترك الأراضي فقيرة الخصوبة إلى الفلاح وأكثر من هذا فإن نصيب الفلاح جاء متناثراً بين أكثر من جهة بعيدة جداً عن قريته. ومن أكبر المشكلات التي فرضت نفسها في المستقبل زيادة السكان ففي خلال الفمدة من 1859-1899 زاد عدد سكان رومانيا بنسبة 54% ومن ثم فإن المشكلات التي ترتبت على توزيع الأرض على الفلاحين الذين كان عددهم يتزايد يوماً بعد يوم كانت أوضح ما تكون في رومانيا أكثر من أي مكان آخر في بلاد البلقان. وقد إتضح سوء حظ الفلاح الروماني من حالة الإضطراب المستمرة وعدم الإستقرار بلغ ذروته في الإنتفاضة الكبرى عام 1907 فرغم زيادة حجم صادرات الغلال بشكل عام حتى نهاية القرن (التاسع عشر), إلا أن الفلاحين لم يستفيدوا إلا قليلاً من هذه التجارة الناجحة, ذلك أن معظمهم وقعوا أسرى الديون حتى لقد إضطروا لإستئجار أراض أخرى لتغطية حاجاتهم بشروط إيجار متعسفة كما يتضح من العقود التي أبرمت خلال المدة من 1866-1872, وتخول بعضم إلى عمال زاعة في الإقطاعات الكبيرة حيث عادوا إلى وضع ملاك أراضي للإقطاعي القديم. وعلى هذا فإن الإصلاح الزراعي لم يؤد إلى تكوين طبقة ملاك أراضي من الفلاحين مستقرة وراضية, وظلت روماني أراض إقطاعية كبيرة تزرع القمح والغلال للتصدير.

وبالإضافة إلى علمنة الأوقاف الدينية والإصلاح الزراعي قامت حكومة كوجالينشينو بإصلاحات أخرى مثل تأسيس نظام قومي للتعليم الإبتدائي والثانوي في جميع أنحاء البلاد, وللجامعات في بوخارست وياصي. كما صدر القانون المدني على غرار قانون نابليون, وأعيد تنظيم الحكم المحلي على الأسس الفرنسية أيضاً. ولكن كان من شأن الإدارة المركزية القوية أن تسمح للحكومة بالتحكم في شؤون المحليات من خلال مديري الولايات ورجال الشرطة, وهو أسلوب أعطى للحكومة قوةملحوظة لضبط الإنتخابات مثلما حدث في اليونان والصرب. كما شهد عهد كوزا بداية دخول الإستثمارات الأجنبية في البلاد كانت له تداعيات مهمة فيما بعد.

ورغم ضخامة تلك الإصلاحات وعظمتها, إلا أن كوزا واجه بسببها معارضة متزايدة وكراهية من كبار ملاك الأراضي الزراعية وهم قوام العناصر المحافظة بسبب الإصلاح الزراعي وقانون الإنتخاب. كما لم يرض عنه الليبراليون على وجه العموم رغم إنقسامهم فيما بينهم حول المسألة الزراعية. وأكثر من هذا فإن كوزا لم يكن نموذجاً للأمير الحاكم, فلم يكن طموحاً كما سبقت الإشارة, ولم يحط نفسه بمظاهر حياة الملوك والأمراء, وكانت العادات والتقاليد, إذ كانت له بجانب زوجته خليلة وهي ماري أوبرنوفيتش Obrenovic الذي أصبح إبنها ميلان Milan أول ملك على الصرب, ولم يكن له وريثاً شرعياً مما جعل من مشكلة وراثة العرش أمراً قائماً.

وفي فبراير 1865 إختلف كوزا مع كوجالينشينو فإنتهزت قوى المعارضة من المحافظين والليبراليين الفرصة للتخلص منهما. وقد تزعم الموقف كل من لاسكار كاتارجيو Catargiu Lascar , ويون غيكا Ion Ghica, ويون براشيانو Ion Bratianu, والأخوان جوليشكو Golescu, وروزتي Rosetti. وهكذا ومرة أخرى تزعم قادة ثورة 1848 في ولاشيا حركة العصيان الجديدة, وتولى روزيتي الدوةر الرئيسي داخل رومانيا, وذهب براشيانو إلى باريس لتأمين مساندة فرنسا لتغيير الحاكم وللبحث عن مرشح آخر للعرش وهو الأمر أكثر أهمية.

وفي ليلة من ليالي فبراير 1866 إقتحم عدد من الضباط الذين تم تجنيدهم للحركة غرفة الأمير كوزا وأرغموه على التنازل عن العرش وغادر البلاد, وتشكل مجلس وصاية فوراً من كل من الجنرال يون. جوليشكو, ويون غيكا, والكولونيل هارالامبيه Haralmbie, وسرعان ما أعلنت الحكومة الثورية أن هذفها وضع برنامج يدعو للوحدة والحكم الذاتي, وأمير أجنبي يحكم البلاد, وتأسيس حكومة دستورية. وقامت الجمعية التشريعية بترشيح فيليب كونت فلاندرز شقيق ليوبولد الثاني ملك بلجيكا ليكون أميراً على رومانيا. غير أن هذا الأمير الذي لم يكن يحظى بدعم فرنسا إمتنع عن قبول الإمارة لكن برايشانو وجد البديل المناسب.

كان هذا البديل هو الأمير تشارلز أوف هوهنزوليرن سيجمارنجين Hohenzolern Sigaringen الذي وافق عليه نابليون الثالث إمبراطور فرنسا والذي يلعب دوراً غامضاً في إختياره. وكان تشارلز هو الإبن الثاني للأمير كارل انطون رئيس الفرع الكاثوليكي للأرة الحاكمة جنوبي بروسيا, فرنسي بالمولد أكثر منه ألمانيا, ويمت بصلة القرابة لنابليون الثالث من ناحية والدته, ولملك روسيا من ناحية والده. وفي مارس التقى براشيانو به وبوالده وفور إنتهاء الزيارة أبرق لبوخارست بموافقة تشارلز على قبول عرش رومانيا. وفي أبرلي 1866 أجرت الحكومة المؤقتة إستفتاء عاماً لتأكيد هذا الإختيار, وفي ضوء الأوضاع السياسية القائمة لم تكن مفاجئة أن يحصل تشارلز على 685969 صوت ذد 244 صوتاً فقط. وهكذا ومرة أخرى نلاحظ أن الظروف الدولية ساعدت الزعماء الرومانيين في خططهم, ذلك أن خطر إحتمال إندلاع حرب بين بروسيا والنمسا جعلت تشارلز وهو ضابط بالجيش البروسي يقبل العرض, ويضطر إلى مغادرة أراضي النمسا متنكراً حتى وصل إلى بوخارست في مايو 1866 حيث تم الترحيب به ترحيباً حاراً كأمير لعرش البلاد طال إنتظاره. ولكن ولأن الموقف الدولي كان يزداد سوء ً فكان على القوى الدولية أ، تتعامل مع مشكلة رومانية على أرض الواقع.

وكانت المشكلة أنه طبقاً للمعاهدات كان ينبغي بعد تنازل كوزا عن عرش رومانيا أن تعود الإمارتان لحالة الإنفصال التي كانا عليها في أغسطس 1858 (توقيع الميثاق). ولكن لم تكن هناك أي قوة دولية تتوقع أن يحدث هذا الإنفصال طالما أن الجميع إعترفوا بوحدة الإمارتين حتى عندما حددوا بقاء الوحدة بحياة كوزا. كما كانت مسألة الأمير الأجنبي الذي يحكم رومانيا أكثر أهمية. وكان من حسن حظ روماينا أن القوى الدولية إنقسمت بشأن هذه المسائل في 1866 كما كانت من قبل في عام 1859, وعام 1861. زكالعادة ظلت فرنسا المؤيد الرئيسي للبرنامج القومي الروماني كما هي, على حين وقفت ضده الدولة العثمانية والنمسا وروسيا. وكانت المشكلة هي كيف يتم إقصاء تشارلز عن عرش رومانيا إلتزاماً بالمعاهدات خاصة وأنه لم تكن ناك قوى تسمح بتدخل عثماني في الموضوع. وأكثر من هذا ففي يونية إندلعت الحرب بين النمسا وبروسيا وكان إنتصار بروسيا الكاسح قد أبطل معارضة النمسا لما يجري من حوادث في رومانيا ذلك أن ملك بروسيا ومعه مستشاره أوتو فون بسمارك Otto Von وافق على قبول تشارلز عرش رومانيا.

في تلك الأثناء أسرعت الحكومة المؤقتة وفي عجالة بإعداد الدستور الذي وعدت به, وكانت المحصلة مشروع دستور مستند إلى دستور بلجيكا عام 1831 نص كما هو مألوف في الدساتير على حرية الكلمة, والصحافة,والإجتماع, والمساواة بين المواطنين, ومنح الحاكم وضعاً قوياً نسبياً فأعطاه حق تعيين الوزراء وطردهم, وحل البرلمان (الجمعية التشريعية), والأكثر أهمية حق الإعتراض المطلق على أي تشريع. ونص الدستور أيضاً على أن الهيئة التشريعية تتكون من مجلسين: مجلس الشيوخ وآخر للنواب ينتخب لمدة أربع سنوات, وينعقد بشكل دوري سنوياً, وله حق مراقبة الموازنة العامة. وأكدت الإنتخابات غير المباشرة أن ملاك الأراضي الزراعية الذين تولوا السلطة السياسية في 1866 قد يحتفظون بسيطرتهم على الحكومة. وقد تضمن الدستور مادة كانت محل جدل كبير في المستقبل تنص على "أن الأجانب من المسيحيين فقط يمكنهم أن يصبحوا مواطنين". ورغم أن صياغة الدستور جاءت ليبرالية الأسلوب, إلأ أنه شأن دستور الصرب واليونان لم يقدم حكومة برلمانية حقيقية, ذلك أن أسلوب الإدارة المركزية كان يسمح لحكومة قوية أو حاكم ذو عزيمة من أن يسيطر على العملية الإنتخابية. ومع هذا كان عام 1866 ولا شك عام تحقيق الأهداف التي صاغها زعماء الحركةالقومية الرومانية عام 1848, فلقد توحدت الإمارتان وأصبحتا تحت حكم أمير أجنبي.

وبصرف النظر عن الأساس الثوري لسلطة حمك الأمير تشارلز, إلأ أنه إستطاع الحصول على إعتراف القوى الدولية به. ففي أكتوبر 1866 قلده السلطلن العثماني خلعة الولاية, ومنحه إمتياز إصدار عملة خاصة به, وتكوين جيش من ثلاثين ألف نفر. وعاد لأمير الطموح والمتمكن إلى رومانيا وكله عزيمة لإقامة حكومة مسئولة, وإقتصاد مزدهر. لكنه ومن واقع وعيه بمكانته الشخصية كان يكره في أعماقه أن يكون وهو الأمير الهوهنزوليري تابعاً لللطان العثماني. وفي 1869 تزوج باليزابيث أوف فايد Wied وهي لوثرية المذهب وكان زواجاً حظى بشعبية هائلة,ولما كان كاثوليكي المذهب فقد وافق مثلما فعل أوثون ملك اليونان من قبل على تنشئة أولاده تنشئة أرثوذكسية.وقد فعلت زوجته الكثير لتقديم روماينيا إلى شعوب أوروبا من خلال ما كانت تكتبه تحت إسم سيلفا Sylva. وبإعتباره ضابطاً بروسيا في الأصل فقد ركز جهوده لبناء ميليشيا رومانية ذات كفاءة عالية قد تستخدم لتحقيق مكاسب خارجية إذا ما سمحت الظروف. وفي 1876 تحالف سراً مع ميشيل أمير الصرب. ورغم أنه اتبع في الشؤون الخارجية علاقات غاية في الحذر حتى عام 1877, إلا أنه وجد نفسه مضطر لدخول الحرب ضد السلطان العثماني مرغماً بسبب هذا التحالف.

ورغم أن تشارلز كان حاكماً قوياً وله شعبية هائلة, إلا أنه وجد نفسه في سنوات حكمه الأولى متورطاً في جدال سياسي مستمر. ففي خلال فترة الأزمة القومية التي أعقبت سقوط كوزا تكاتف المحافظون والليبراليون لصيانة مصالح بلادهم. ولكن بمجرد زوال الخطر الخارجي عاد الطرفان إلى خصوماتهم الحزبية. غير أن تشارلز لم يكن زعيماً سياسياً خبيراً, ولم تكن لديه معلومات مناسبة عن البلد الذي جلس على عرشه, إذ سرعان ما دخل في شجار مع براشيانو والليبراليين الذين كانوا مسئولين عن إختياره. وكان خريف وشتاء 1870-1871 من أصعب الأيام في حياته ففي يوليو 1870 أعلنت فرنسا الحرب علىبروسيا, وفي الشهور التالية كان واضحاً أن الفرقة الرومانية التي شاركت في الحرب إلى جانب بروسيا قد سحقت تماماً, وبإعتباره ضابط بروسي ووطني ألماني فلم يحاول إخفاء تعاطفه مع بروسيا بل أعلن أنها سوف تنتصر في الحرب. وفي أغسطس 1870 إندلعت إنتفاضة في بلوشتي Polesti بتحريض من العناصر الجمهورية ورغم قمع الإنتفاضة إلا أن الأمير أصبح أكثر إضطراباً عندما برأت المحكمة ساحة المشاركين فيها مما إعتبره تحدياً مباشراً لسلطته.

ومما أدى إلى تهشيم مكانة الأمير تشارلز إضافة إلى الإضطرابات السياسية فضيحة مد خط سكك حديدية. وكان الأمير رغبة منه في تحديث رومانيا يريد إقامة خط سكك حديدية, ولما كانت رومانيا شأن كل بلاد البلقان تنقصها الخبرة الفنية ورأس المال اللازم المشروع فقد كان هذا يعني الإستعانة بخبرة الشركات الأجنبية والحصول على القروض لإقامة المشروع. ورغم أن معظم الشركات التي تقوم بإستثمارات في البلاد تحقق أهدافها دون مشكلات, إلا أن مقاول المشروع ستروزبرج Strousberg وهو بروسي يهودي وقع في مأزق مالي وعجز عن دفع الفوائد لحملة الأسهم ومن ثم حاول أن يرغم حكومة روماينا على أن تتحمل ديونه المالية. وقد كشف هذا المشروع عن تورط بعض السياسيين الرومانيين في صفقات مشبوهة. ومما زاد الأمر سوء أن بسمارك (مستشار ألمانيا) وقف بقوة مع مواطنه البروسي وهو المقاول. والحاصل أن هذه الحادثة إستخدمت في تدمير الأمير خاصة وأنها توافقت مع نمو المشاعر المعادية للسامية التي كانت تزداد بسرعة ملحوظة.

وعلى هذا أصبح الأمير مكتئباً أشد الإكتئاب وأصبح مقتعناً بإستحالة إستمراره في الحكم في إطار دستور يسمح للأحزاب السياسية بإحباط سياساته مع أنها لا تمثل إلا شريحة من الرومانيين. وهذا الصراع بين الحاكم والأحزاب المتنافسة هو نفسه الذي حدث في اليونان والصرب كما رأينا,وأثناء حكم كوزا أيضاً, ويتكرر مع الأمير تشارلز. وفي خريف 1870 وكان الأمير على إستعداد تام للتنازل عن العرش قام بتحرير خطاباً شخصياً للقوى الدولية الحامية لوجود رومانيا إستعراض فيه الموقف السياسي في البلاد والصعوبات التي يواجهها في الحكم. ومن سوء حظ الرجل أنه إختار اللحظة الخطأ للتصرف فلم تكن فرنسا وبروسيا في حالة حرب فقط بل إن روسيا في أكتوبر أنكرت مواد معاهدة باريس فيما يتعلق بالملاحة في البحر الأسود. وبالتالي لم تكنت هناك أي دولة أوروبية تريد مشكلات أخرى. وأكثر من هذا فإن معظم الحكومات أساءت فهم الهدف من خطاب الأمير إذ كانت تظن أنه يمهد الأرض لإعلان إستقلال رومانيا إستقلال رومانيا تاماً.

على أن وضع تشارلز أصبح غاية في الخطر والقلق وخاصة بعد ما حدث في ليلة 22-23 مارس 1871 ففي مساء تلك الليلة أقام الألمان الذين يعيشون في بوخارست مأدبة عشاء إحتفالاً بإنتصار بروسيا وتأسيس الإمبراطورية الألمانية. وقد فوجيء المحتفلون بهجوم من الغوغاء في حماية البوليس المر الذي دفع تشارلز ليكاشف لاسكار كاتارجيو ونيقولا جوليشكو برغبته في التنحي عن العرش. لكن الرجلين وقد أدركا خطورة الموقف أكدا دعم المحافظين له. وعلى هذا نجح كاتارجيو في تشكيل مجلس وزراء إستمر خمس سنوات وأصبح كوستافورو Costaforu وزيراً للخارجية. ولكن طالما كان بإمكان الحكومة المركزية التحكم في الإنتخابات فإن المجالس التشريعية تقع حت هيمنة الوزارة.

على كل حال كان تشكيل حكمة كاتارجيو بشيرا بفترة قصيرة من الهدوء في رومانيا داخلياً. والحقيقة كانت وزارة محافظة وترغب في أن تصبح رومانيا بلجيكية حتى مفتتح الدانوب ولا تنخرط في أية مغامرات خارجية. وكانت الأحوال في أوروبا مهيأة لمثل هذه التوجهات السياسية. فبعد إنتصار بروسيا وتوحيد إجتمعت ألمانيا وروسيا مع النمسا وكونت إتئلافاً داخلياً عرف بإسم "تحالف الأباطرة الثلاثة", وبالتالي أصبحت جارتا رومانيا (النمسا وألمانيا) حليفتان, وكان إرتباط رومانيا بأسرة الهوهينزوليرون المنتصرة قد أكسب رومانيا ميزة إضافية.

وحال شعور شارل بقوة وضعه أصبح حراً في التركيز أكثر وأكثر على تقديمن مصالح رومانيا في العلاقات الدولية. وفي هذا الخصوص كان يفضل الإعتماد على الدبلوماسية للنهوض بالقضية القومية مثلما كان يفعل الساسة الرومانيون من قبل. وعلى هذا بدأت حكومته تأخذ خطوات نحو عقد معاهدات ومواثيق مع الدول الأخرى لإختبار إمكانية قيام حكومة رومانيا "الذاتية" بسياسة خارجية مستقلة. وكانت البداية عقد إتفاقيات بشأن البريد والبرق أعقبها إفتتاح وكالات دبلوماسية لرومانيا في العواصم الرئيسية: فيينا, وبرلين, وروما,وسانت بطرسبرج في سبعينيات القرن 19. ومنذ ذلك الوقت توثقت علاقات رومانيا مع كل من ألمانيا والنمسا لأن فرنسا المهزومة في حرب السبعين لم يكن لها مكاناً في تحالفات حتى إندلاع الحرب العالمية الأولى.

وفي هذا المنهج الدبلوماسي الذي قام به شارل كانت أهم خطواته محاولة عقد إتفاقيات تجارية منفصلة أو منفردة لكل منها نظامها الجمركي. لكن إنجلترا والدولة العثمانية رفضتا الإعتراف بحق رومانيا في عقد مثل هذه الإتفاقات بحجة أن رومانيا ترتبط بالإتفاقيات التجارية التي تعقدها الدولةالعثمانية, وهي إتفاقيات كانت في صالح إنجلترا. أما رومانيا فكانت ترى في نهجها مسألة ذات طابع سياسي أكثر منه إقتصادياً بحيث كانت تعتبر نجاحها في إبرام إتفاقية إقتصادية ما خطوة أكثر تقدماً نحو الإستقلال.

أما الدولة التي كانت لها المصلحة الأكبر في تلك المسائل فهي النمسا بما لها من مصالح قومية إقتصادية أولية في رومانيا فضلاً عن وضعها القيادي في منطقة الدانوب. ولكن ومن باب الضغط على النمسا أقرت حكومة رومانيا في يونية 1874 نظاماً جمركياً يقضي بأن الدول التي ليس لها إتفاقيات جمركية مع رومانيا سوف تدفع جمارك عالية لدخول بضائعها. وبالتالي لم يكن أمام النمسا إلا الدخول في مفاوضات مع رومانيا في هذا الشأن إنتهت بعقد إتفاقيات في يونية 1875. ورغم أن شروطها الإقتصادية كانت مقبولة من النمسا إن لم تكن في صالحها, إلا أن ما كان يعني رومانيا في المحل الأول هو الجانب السياسي الذي يؤكد أنها حكومة مستقلة, ومن ثم إعتبرت الإتفاقية نصراً. وفي مارسص 1876 عقدت إتفاقية مشابهة مع روسيا تلتها إتفاقيات مع دول أخرى.

على كل حال لقد حققت رومانيا الشئ الكثير خلال عشرين عاماً من 1856-1876 كما رأينا, ومن ذلك برنامج ال48, ووحدة الإمارتين, والأمير الحاكم من الخارج, وأيضاً قانون الإصلاح الزراعي, ووضع دستور, ووجود حكومة قومية, رغم أن البلاد كانت ما تزال تحت السيادة العثمانية. ولقد تحقق معظم البرنامج القومي من خلال الدبلوماسية ومواجهة الدول الكبرى بالأمر الواقع. كما خرجت رومانيا من حروب الدول الأخرى بدرس مؤداه ألا تحارب وألا تدخل حرباً منفردة. على أن كل تغيير حدث في رومانيا وكان في صالحها تم بالمخالفة للمعاهدات الدولية من ناحية وبسبب إنقسام الدول الكبرى حول ما ينبغي إتخاذه حيال رومانيا من ناحية أخرى.

ورغم ما حققته رومانيا خلال هذه العشرين سنة, إلا أنه بقي أمامها الكثير لتحقيقه إذ كان الهذف النهائي للقوميين الرومان شأن اليونان والصرب يتمثل في ضم كل الأراضي التي يعيش فيها رومانيون ألا وهي ترانسلفانيا وبوكوفينا Bukovina ومعظم بسارابيا, وهو هذف كانت له جاذبيته لدى الأمير شارل أيضاً, وكان واضحاً إستحالة ضم هذه الأراضي لأنها تحت سيادة كل من روسيا والنمسا وهما حليفتان. وأصبح الهدف أكثر تعقيداً وإستحالة بسبب ما حدث من تطروات, ففي صيف 1875 حدث تمرد الفلاحين في ولايتا البوسنة والهرسك العثمانتين وعجزت السلطات عن قمعه, وفي مايو 1876 إندلعت إنتفاضة بلغارية ضد الدولة العثمانية, وفي صيف العام نفسه دخلت الصرب والجبل الأسود في حرب ضد الدولة العثمانية, وبهذا إنفتح ملف المسألة الشرقية برمته مرة أخرى. وكانت مشكلة رومانيا تكمن في تحديد الجانب الذي يحقق مصالحها في مجمل هذا الصراع المعقد كما كان عليها أن تتعمل مع حركة قومية جديدة إندلعت في بلاغاريا المجاورة لها مطالبها القومية أيضاً.

وكلما ضعفت قبضة الحكم العثماني على بلاد منطقة البلقان تصبح الفرصة مواتية أكثر للقوى الكبرى لتحقيق سيطرة مباشرة على تلك البلاد. وفي بداية القرن التاسع عشر لم يكن لأي دولة أوروبية نفوذ أو سيادة على حياة أي شعب مسيحي من شعوب البلقان ولكن مع حرب القرم كان لثلاث قوى حق الإشراف على اليونان,وفرضت روسيا حمايتها على الصرب وعلى إمارتي الدانوب. وقد حددت معاهدة باريس (1856 التي أنهت حرب القرم9 واجب كل قوة من تلك القوى الحارسة. وعلى هذا كان تدخل تلك الحدود البلقانية تحددها المعاهدات الدولية,وأنه لم يكن من الممكن تعديلها أو تغييرها بدون موافقة الموقعين على معاهدة باريس, وأنه لم يكن من حق حكومات البلقان أن ترتب مشكلات الحدود فيما بينها بمفردها حتى ولة إتفقت, إذ يجب أن تكون الدول الكبرى راضية على كل التغيرات التي يمكن أن تحدث. وحيث أن الدول الرئيسية في الشؤون الدولية آنذاك وهم روسيا وإنجلترا والنمسا كانت في تنافس شديد فيما بينها ويتربص كل منها بالآخر فكانت تسوية معظم الخلافات تتم على أساس توازن القوى, ومعناه من ناحية المبدأ أنه لا ينبغي أن تنفرد أي دولة من تلك الدول بنفوذ ما أو سيادة على بلاد المنطقة. ومن هنا كانت الحلول التي تقترحها تلك الدول لرسم الحدود تؤدي إلى تدمير المصالح الشمروعة لأمم البلقان, بل لقد أضافت عاملاً آخر معقداً لموقف صعب في حد ذاته.

على كل حال لقد بدأت أزمة السبعينات التي أظهرت كل تلك المشكلات في دائرة الضوء بثورة الفلاحين المسيحيين في البوسنة والهرسك وبتأييد ومشاركة عميقة من أهالي الصرب والجبل الأسود. ولكن قبل أن نتناول موضوع تلك الثورة ينبغي أن نشير في عجالة إلى أحوال الجبل ألأسود والبوسنة خلال القرن التاسع عشر.

لعبت إمارة الجبل الأسود دوراً مهماً في حياة البلقانيين تنحت حكم الإمارة-الأسقفية (أي يحكمها أمير وأسقف) على فترات متقطعة رغم صغر حجمها وفقرها, فخلال المدة ومضاعفة مساحتها,ودخل في حرب ضد السلطان العثماني مرتين: الأولى أثناء الحملة العثمانية ضد علي باشا حاكم يانينا 1819-1821, والثانية أثناء الحرب الروسية-العثمانية 1828-1829. وكان خلفه بطرس الثاني المعروف بإسم نياجوش Njegos شاعر وصاحب قصيدة "إكليل الجبل" Mountain Wreath أحد أعظم أدباء سلاف الجنوب, وقد إستكمل فرض سلطة افمارة على القبائل المتمردة والمعزولة حولها, كما حارب القوات العثمانية أيضاً في 1832.

ثم حدث تغييراً كبيراً في عهد خلفه الأمير دانيلو الأول Danilo بيتروفيتش (1852-1860) عندما رغب في الزواج ثم علمنة الإمارة (أي إلغاء مشاركة الأسقف في الحكم), فأصبح عرش الإمارة وراثياً في عائلة بتروفيتش. وفي عهده تجدد القتال ضد الدولةالعثمانية في عامي 1852, 1858. وفي 1860 تولى عرش نيقولا الأول الذي كان يعرف أحياناً بإسم نيكيتا Nikita والذي ظل متربعاً عليه حتى 1918. وخلال الفترة الأولى لحكمه إستمر الصراع مع الدولة العثمانية قائماً حول تبعية أقاليم في البوسنة والهرسك وإلبانيا لأي منهما وكذا حقيقة وضع إمارة الجبل الأسود الذي كان السلطان يطالب بأنها جزء من إمبراطوريته. وفي هذا الصراع كان أهالي الصرب والجبل الأسود على علاقة وثيقة بسبب مصالحهما المشتركة وقوميتهم الصربية العامة وعقيدتهم الأرثوذكسية رغم وجود منافسة دائمة ومضمرة بين الطرفين حول قيادة شؤون الصربيين وسلاف الجنوب. كما كان أمراء الجبل الأسود يحاولون إستثمار الخلاف بين عائلتي كارديورديفيتش Karadijordevic, وأوبرونوفيتش Oprenovic لصالحهم.وما أطلت السبعينات حتى كانت الجبل الأسود تهتم بشكل رئيسي بالحصول على ميناء على البحر الإدرياتي وبكيفية ضم الهرسك.

أما البوسنة والهرسك فكانتا شأن الجبل الأسود تمثلان مشكلة دائمة بالنسبة للدولة العثمانية ولكن لأسباب مختلفة. فبينما كانت الجبل الأسود مركزاً دائماً للتمرد المسيحي كانت البوسنة خلال الجزء الأول من القرن على الأقل تقف بكل صلابة ضد الإصلاح العثماني وتحتفظ بشدة بالتقاليد القديمة,وخلال حكم السلطان سليم الثالث كانت مركزاً قوياً لقوى الأعيان. وينبغعي التذكير هنا بأن البوسنة كانت أحد الأماكن القليلة التي حدثت فيها عمليات إعتناق للإسلام كثيرة العدد بعد الغزو العثماني, وبالتالي كان نبلاء المنطقة ويعرفون بالبكوات من المسلمين والسلاف على حد سواء الذين وقفوا بصلابة للمحافظة على سلطتهم ضد الدولة العثمانية وعلى حساب فلاحيهم المسيحييين بطبيعة الحال الذين الحال يتفقون معهم في القومية ويتكلمون اللغة نفسها.ومن هنا نفهم ثورة البكوات ضد الدولة العثمانية في أعوام 1821, 1828, 1831, 1837 حيث تمكنوا من الإحتفاظ بحم ذاتي محلي كاملاً حتى عام 1850 عندما سحقتهم القوات العثمانية بقايدة عمر باشا وأعادت تأكيد سلطة الحكومة المركزية.

ورغم الحقيقة القائلة بأن كل من البك والفلاح في البوسنة والهرسك ينتميان إلىأصول قومية واحدة, إلا أن وضع الفلاح فيهما كان أسوأ بكثير من أي مكان آخر في البلقان. فقد كانت الضرائب لمفروضة عليه وأعمال السخرة فادحة للغاية وتستهلك أكثر من 40% من دخله.ومما زاد الأمر سوء أن الإصلاحات العثمانية لم تفرض في هذه المنطقة,وبهذا فإن ثورات الفلاحين التي وقعت في 1857-1858 ثم في 1861-1862 كانت تستهدف تحسين الأحوال الإقتصادية وليس التغيير السياسي. ثم وقعت أسوأ الأزمات في منتصف السبعينات بسبب غنخفاض محصول عام 1874 مما زاد من شدة الحال وضيق الناس. وعلى هذا إنفجر عصيان مسلح في الهرسك ثم في البوسنة في يوليو 1875 عجزت السلطات العثمانية عن قمعه مثلما في اليونان والصرب في مطلع القرن لأن الفلاحين هناك كانوا تحت قيادة محلية وإستخدموا حرب العصابات,وظلت شكاوى المتمردين الرئيسية تتمثل في تعاسة أحوالهم في الريف.

وحيث كانت البوسنة والهرسك في حالة تمرد وعصيان ضد الحكم العثماني فلم يكن من الممكن أن تقف الصرب واجبلالسود بعيداً عن هذا الصراع, بل لقد أيدتا التمرد وتعاطفتا مع أهله وإشترك بعض الصربيين في تنظيم الإنتفاضات هنا وهناك. وكان رد فعل حكومة الصرب هو أكثر المسائل أهمية في الموضوع فخلال معظم فترة حكم الأمير ميلان Milan كان يوفان ريستتش Jovan Ristic الشخص المسئول عن السياسة الخارجية للصرب.وكان الموقف الدبلوماسي في بلاد البلقان آنذاك مختلف جداً عما كان عليه الحال في عهد حكم الأمير ميشيل إذ كانت بلجراد عاصمةالصرب مركز تنظيم تمرد البلقانيين ضد الحكومة العثمانية. ورغم أن حكومة الصرب تغاضت عن وجود مجموعاتمختلفة منخارج البلاد مثل الثوريين البلغاريين إلا أنها لم تشجع نشاطهم.

الفصل التاسع: حركة القومية البلغارية حتى 1876

كانت القومية البلغارية آخر قوميات البلقان التي حققت إستقلالها عن الدولةالعثمانية في القرن التاسع عشر, وكان تأخرها يكمن في مجمل ظروف المنطقة التي سبق دراستها, لعل أبرزها وجود بلغاريا بالقرب من استانبول ومن ثم سهولة إبقائها تحت السيطرة, فضلاً عن أن البلغاريين أنفسهم دون شعوب البلقان كانوا يعانون بشدة من إختفاء القانون من حياتهم أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر.ففي خلال تلك الفترة كانت عصابات الإنكشارية, والعساكر الرديف (المسرحون من الخدمة), وقطاع الطرق يجوبون أفاق المنطقة من مرتفعات البلقان وحتى سهول الدانوب.وقد رأينا أن بشفان أوغلو جمع حوله عدداً كبيراً من هؤلاء الخارجين على القانون في فيدين حيث يقيم فتحولت أجزاء كثيرة من شمالي بلغاريا على أيديهم إلى أرض خراب, وأجبروا سكانها على الهروب إلى سفوح التلال والجبال.

ومن ناحية أخرى كانت أراضي بلغاريا شأن أراضي إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا-رومانيا) مسرحاً لمعارك الحروب بين روسيا والدولة العثمانية بين عامي 1806-1812, ثم عامي 1828-1829. وفي هذه المعارك إنضم بعض البلغار للجيش اروسي على أمل أن إنتصار روسيا قد يحقق لهم مكسباً سياسياً. لكن روسيا كما سبقت الإشارة كانت مهتمة بالدرجة الأولى بالصرب وإمارتي الدانوب ولهذا خلت معاهدات الصلح بين الدولتين من أية مواد تتعلق بالبلغار من قريب أو بعيد. ومع هذا كان زعماء القومية البلغارية يرون في روسيا خلال القرن التاسع عشر أفضل قوة بين القوى الخارجية يمكن التعويل عليها في تحقيق أمالهم.

والحاصل أنه بعد إنتهاء الحروب النابليونية وشيوع حالة من الإستقرار العام في أنحاء الإمبراطورية العثمانية بدأت الحياة في بلغاريا في التحسن. وكان أغلب البلغار شأن اليونانيين والصربيين فلاحون في قرى شأن شعوب البلقان الأخرى تحت سيطرة سادتهم النبلاء الذين كانوا يعرفون آنذاك بالشروبجية. وكان لرجال الكنيسة والفناريين اليونانيين وهم جزء من نظام الدولةالعثمانية مصلحة في المحافظة على وحدة الدولة العثمانية ومن ثم أبدوا إهتمامات كبيرة بحركة الإحياء القومي والثقافة القومية التي تسود أنحاء البلقان, ولكنهم كانوا مترددين في إتخاذ مواقف راديكالية لتحقيق التحرر السياسي وينبغي التأكيد هنا على أن الوظائف العليا بالكنيسة والمؤسسات التعليمية القائمة كانت تحت سيطرة اليونانيين وبالتالي كان على البلغار التخلص من نفوذ أولئك اليونانيين قبل الشروع في أية تحركات سياسية مناجل تحقيق أهدافهم القومية.

على أن وضع البلغار تحسن كثيراً نتيجة للثورة اليونانية والتغيرات التي طرأت على وضع إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا) حيث تم إبعاد سيطرة النفوذ اليوناني من استانبول وأصبح اليونانيين موضع شك بشكل عام, ومن هنا إنتهز التجار البلغار الفرصة لتقوية مكانتهم في استانبول على حساب تدهور نفوذ اليونانيين (الفناريون) مثلما فعل الأرمن من قبل.وبإنتهاء حق الدولة العثمانية في الإستحواذ على منتجات إمراتي الدانوب في 1829 جعل السلطان العثماني يركز إهتمامه على بلاد البلغار لإمداده بالتموين اللازم للدولة وللجيش الجديد الذي كان السلطان محمود الثاني قد شرع في تكوينه عام 1826, ومن مث أصبحت بلغاريا مصدر التموين الأساسي لإحتياجات هذا الجيش من طعام وملابس وبطاطين وخلافه. وهكذا وخلال المدة من 1830-1878 أمدت بلغاريا الدولة العثمانية بإحتياجاتها من الحبوب والشمع والحرير والمواشي والنبيذ, ومنتجات الجلود وخاصة الأحذية وايضاً الملابس والحديد والمعادن والمنسوجات الصوفية التي كانت تتم في القرى الجبلية.ورغم أنه بعد عام 1856 بدأت بوادر تدهور الصناعات البلغارية بسبب تغلغل المنتجات الأجنبية في أنحاء الإمبراطورية, إلا أن إنتعاش ثروة بلغاريا نسبياً خلال تلك الفترة (1830-1878) كان له فضل توفير الأساس المادي للحركة القومية.

وأكثر من هذا فرغم إستمرار شكوى الفلاحين من نظام الضرائب ومصاريف الزراعة, إلا أنهم شعروا بتحسن أحوالهم, وكان الأحرار منهم شأن قرى البلاقن الأخرى يعيشون بشكل عام في الأقاليم الجبلية وعند التلال وفي ظروف حياة أفضل من ألئك الذين يعيشون في جفالك الإقطاع التي تقع في أكثر الأراضي خصوبة. غير أن نظام الجفالك كان يتعرض بدروه للتغيير فقد أدرك صاحب الجفلك أن الأرض لم تعد مريحة بتأثير المنافسة الإقتصادية من البلاد المجاورة وبالتالي كان يرغب في بيعها للفلاح. وعن هذا الطريق إنتقلت أراضي كثيرة إلى ملاك صغار بعكس ما حدث في رومانيا. كما يلاحظ أ، الفترة التي شهدت هذه التحولات تزامنت مع الإصلاحات العثمانية المعروفة بالتنظيمات. ورغم أن قوانين التنظيمات لم تنفذ بأريحية, إلا أن المناخ العام تحسن بل لقد شارك الفلاحون البلغار في الأعمال الثورية لكن لم تحدث مشاركة شعبية عامة في الثورة مثلما حدث في اليونان والصرب كما سوف نرى.

لكن الثروة المتزايدة بين البلغار وما صاحبها من زيادة القلق السياسي أدى إلى صراع المصالح بين الطبقات الإجتماعية والمجموعات القومية مثلما كان الحال في كل بلاد البلقان. ولقد كان على البلغار لكي يحققوا قوميتهم شأن الرومان (ولاشيا ومولدافيا) أن يتخلصوا من سيطرة اليونانيين أولاً على حياتهم التعليمية والكنسية وكذا التحرر من الهيمنة السياسية للدولةالعثمانية. وفي هذا الخصوص نشطت دوائر معينة داخل البلاد لتحقيق الأهداف القومية وفي مقدمتها التجار الذين أصبحوا أكثر إهتماماً بشخصيتهم المستقلة في إطار تنافسهم مع اليونانيين, وأيضاً طوائف الحرف التي كانت تمثل الطوائف الأوروبية في التنظيم كانت تساند المشروعات التعليمية والثقافية لتنمية الشخصية البلغارية.

وهكذا كانت الخطوة الأولى الكبرى التي كان على البلغاريين إتخاذها في حركتهم القومية إقامة مؤسسات تعليمية علمانية (مدنية) متحررة من سيطرة الكنيسة اليونانية,ذلك أن التعليم في بلغاريا في مطلع القرن التاسع عشر كان شأن بلاد البلقان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالكنيسة. ورغم أن التعليم العالي كان يونانياً صرفاً, إلا أن المدارس البلغارية الصغيرة التي تشبه الكتاتيب في العالم الإسلامي كانت موجودة في كنائس معينة وفي بعض الأديرة حيث يتعلم الصبية الصغار قراءة الأعمال الدينية بالسلافية والكتابة بها. ويبدو واضحاً أن هذا النوع من المدارس لم يكن مرضياً بالنسبة لسكان تتوسع أنشطتهم الإقتصادية وأصبحوا أكثر إهتماماً بعالم أوسع من عالمهم. وكانت أهم المؤسسات اليونانية قاطبة المدارس الهللينية-البلغارية التي قام بتأسيسها التجار اليونانيين في المدن التجارية الرئيسية, وكان التعليم فيها يركز على الموضوعات الضرورية لأعمال التجارة مثل الحساب واللغة الفرنسية والتاريخ والجغرافيا. وقدجذبت هذه المدارس عدداً من البلغاريين وعن طريقها تم الإتصال بالفكر السياسي الأوروبي الخاص بالثورة الفرنسية على وجه الخصوص. وشاعت الأفكر الليبرالية والقومية.

ويرجع الفضل في تأسيس أول مدارس بلغارية حديثة إلى جهود فاسيل آبريلوف Vasil Aprilov وكان هذا الرجل قد نشأ يتيماً وأخذه إخوته التجار إلى موسكو وأدخلوه مدرسة يونانية وأصبح بالتالي محباً لليونانيين. وفي عام 1831 قرأ كتاب "البلغاريون القدماء والمحدثون" بقلم شخص أوكراني يدعى يوري فينيلين Iuri Venlin نبهه إلى معنى القومية البلغارية,ومن ثم أصبح رجلاً وطنياً بلغارياً ووجه إهتمامه لتعليم أبناء بلده لحب قوميتهم, ورأى في تأسيس نظام تعليمي قومي خطوة أساسية على طريق تحقيق الإستقلال السياسي لبلاده. وعلى هذا قام بتأسيس أول مدرسة مشابهة افتتحت في مدينة جابروفو Gabrovo عام 1835 أصبحت فيما بعد نموذجاً لمدارس مشابهة افتتحت في كل من كازانليك Kazanlik, وكالوفير Kalofer, وتريافنا Triavana, وصوفيا, وباناجيوريشت Panaguirishte, وكوبريفيشتيتسا Koprivshtitsa, وفي غيرها من المدن التي كانت مراكز للتجارة أو الصناعات الحرفية.

غير أن تلك المدارس الحديثة شأن المدارس في الصرب وسائر بلاد البلقان كان ينقصها المدرسون الأكفاء, إذ كان التعليم في معظمها يقوم على طريقة بل-لانكستر Bell-Lancaster حيث يقوم أفضل تلاميذ الفصل بمهمة التدريس للأخرين. وفي الوقت نفسه التحق بعض شباب البلغار- كما حدث في بلاد أخرى – بجامعات وسط أوروبا أو في فرنسا, وتلقى آخرون منحاً دراسية من روسيا. ولهذا سوف نلاحظ أن غالبية القيادات الثورية التي ظهرت فيما بعد تلقت تعليمهما في مدارس يونانية أو في مؤسسات أجنبية خارج البلاد.

ولم تقتصر مشكلات التعليم على توفير المدرسين الأكفاء, بل لقد كان ينقص التلاميذ وسائل التعليم اللازمة والكتب الدراسية المكتوبة بلغتهم القومية. وكانت الكتب البلغارية تطبع في بوخارست واستانبول أكثر من مدن بلغاريا نفسها بإستثناء بعض الكتب التي طبعت في لغاريا في حرب القرم. وآنذاك كان الوقت يستدعي بناء مستوى معين من اللغة يستخدمه الجميع في الكتابة غير النموذج اليوناني والسلافية التي تستخدمها الكنيسة رغم إرتباطها الوثيق بالتاريخ القومي للبلاد. ولأن غالبية أفضل المؤلفين والكتاب جاءوا من شرق بلغاريا فقد أصبحت لهجة أبناء تلك المنطقة هي لغة الكتابة والأدب.

لكن الملاحظ أن الحياة القومية في بلاد البلقان كانت ما تزال تختنق بسبب ضعف بطريركية استانبول على الكنائس المحلية في تلك البلاد, ومن هنا كان تأسيس كنيسة محلية (قومية) خطوة منطقية وضرورية حدثت في كل من بلاد الصرب واليونان وإمارتي الدانوب (رومانيا) على طريق تحرير المؤسسات من السيطرة الخارجية وخاصة بعد التوصل إلى إقامة حكومات ذاتية في تلك البلاد. لكن في بلغاريا حدث العكس إذ بدأت خطوة إنشاء الكنيسة المحلية قبل التوصل إلى وضع سياسي أفضل في العلاقة مع الدولة العثمانية حيث بذل البلغاريون جهوداً ملحوظة إبتداء من الربع الأخير من القرن التاسع عشر لإعادة تأسيس كنيستهم المستقلة في أوهريد Ohrid التي كانت قد ألغيت في 1767.

والحقيقة أن صدور خط شريف مولخانة في 1839 كان أمراً له مغزى كبير بالنسبة للمسألأة الدينية في البلقان عموماً. ورغم أنه كان يستهدف المساواة بين المسيحيين والمسلمين فقد رأى البلغاريون فيه أنه يؤكد المساواة بينهم وبين اليونانيين الأرثوذكس. وعلى هذا وبعد عام 1845 بدأت محاولة إنشاء كنيسة بلارية مستقلة بجهود كل من نيوفيت بوزفيلي Neofit Bozveli, وإيلاريون مكاريو بولسكي Ilarion Makrio Polski في مدينة Turnovo أولاً ثم في استانبول حيث كانت تقيم فيها جالية بلغارية من التجار غاية في الثراء والإزدهار وععد كبير منهم يرغب في الإسهام في هذا المشروع. وكان المطلب الأول في هذا الشأن أن يكون للبلغاريين أساقفة منهم يختارونهم بأنفسهم ويكون لهم ممثلاً لدى الباب العالي فضلاً عن رغبتهم في بناء كنيسة لهم في استانبول وإصدار صحيفة تعبر عنهم.

ولما كانت روسيا بإعتبارها أكبر أمة أرثوذكسية تعارض إقامة رهبنة ديرية وكنيسة بلغارية مستقلة عن البطريركية العامة في استانبول بدعوى أن ذلك من شأنه أن يضعف الكنيسة العامة وسبق أن فعلت ذلك من قبل في 1833, فكان هذا يعني أن أي صراع تتورط فيه بطريركية استانبول سيتدعي تدخل روسيا بالضرورة. وعلى هذا وافقت روسيا على إتخاذ إجراء قوي ضد المحاولات التي يقوم بها كل من نيوفيت وإيلاريون إلا في عام 1850. ورغم ذلك إلا أن زعماء البلغار لم يتوقفوا عن المحاولة حتى نجحوا في أن يستصدروا من السلطان العثماني في 1849 فرماناً بالسماح "لملة البلغارية" بإفتتاح كنيسة لهم في استانبول,وكان هذا في حد ذاته يعني الأعتراف لأول مرة بوجود أمة بلغارية منفصلة.

على أن صدور خط شريف همايون في 1856 شد من إصرار البلغار على حصولهم على وضع متساو مع اليونانيين.ورغم إختلاف الرأي بين زعماء البلغار فيما يتعلق بالمدى الذي ينبغي الوصول إليه في هذا الطريق, إلا أنهم كانوا متفقون كلية على مبدأ تلك المحاولات أصر من جانبه على المحافظة على ما تحت يده من مؤسسات. ولهذا ففي 1858 دعا مجلس الكنائس للإجتماع ودعا للجلسة الأولى ثلاثة عضواً (إستمرت الجلسات حتى 1842) حيث تم رفض مطلب البلغاريين بتعيين أساقفة منهم في الأسقفيات البلغارية أو المطرانيات. وتمت الموافقة فقط على تعيين أسقفاً واحداً بلغارياً وهو إيلاريون مكاريو بولسكي الذي كان قد أفرج عنه في 1850 كما سبقت الإشارة. ورغم أن إيلاريون لم يكن راضياً عن تلك الترتيبات إلا أنه خطا خطوة درامية ملحوظة عندما أقام شعائر عيد القيامة لعام 1860 دون موافقة البطريرك, وإستبدل بإسم البطريرط إسم السلطان العثماني في الصلاة كإشارة منه الإنفصال كنيسته عن دائرة البطريرك وولايته.

ولقد أجاب البطريرك على تصرف إيلاريون هذا بدعوة مجلس الكنائس لجلسة ثانية حضرها بطاركة القدس وأنطاكية واللإسكندرية حيث تم لعن إيلاريون وحرمان مؤيديه من رحمة الكنيسة. غير أن قوة المعارضة البلغارية أكسبتها تنازلات أكثر من جانب خصومها فقد أصبح من حق الأساقفة البلغار أن يكتبوا بلغتهم, وأن يطبعوا ما يكتبون من مادة دينية في بلغاريا بعد موافقة البطريرك أولاً على المحتوى. وإستمر إيلاريون رغم لعنته وإنكاره يقوم بالخدمات والطقوس الدينية بمساندة جماعته. ولم يكن من الممكن أن يصبر بطريرك استانبول على هذا الوضع طويلاً فما لبث أن أرغم إيلاريون وإثنين آخرين من قيادات كنيسة بلغارية على مغادرة البلادد إلى المنفى.

وفي تلك الأثناء حدث تغير في موقف روسيا التقليدي تجاه وجود كنيسة بلغارية منفصلة ساعد البلغاريين في قضيتهم من أجل إنشاء كنيسة خاصة بهم. والحاصل أن حركة التوحيد الكنسي التي كانت تسعى لأن يقبل الأرثوذكس رئاسة بابا روما لفتت نظر البلغاريين بشكل ملحوظ. ورغم أن تلك الحركة وكذا البعثات البروتستانتية الأمريكية التي كانت نشطة بدورها في بلغاريا لم تكن تمثل تهديداً حقيقاً للأرثوذكسية لك نشاط تلك الجماعات كان يضيق بشدة الأسقف فيلاريه Filaret من كنيسة موسكو فأصبح من ثم يؤيد تأسيس كنيسة بلغارية وطنية بدلاً من أن تبقى في وحدة مع بطريركية استانبول.

وفي 1864 قامت روسيا بتعيين الكونت إجناتيف N. P. Ignative سفيراً لها في استانبول وبإعتباره مؤيداً للرابطة السلافية سعى للإبقاء على وحدة الشعوب الأرثوذكسية عن طريق تقديم حل وسط بين الأوضاع اليونانية والبلغارية. وفي هذا الخصوص حصل على تأييد البلغاريين بعد أن أكد لهم عودة إيلاريون وزميلاه من منفاهم الذي ذهبوا إليه عام 1861. لكنه لم يظفر بتعاون حقيقي من بطريرك استانبول الذي كان يشعر بأن مصالحه في طول بلاد البلقان تتعرض للتهديد خاصة وأن حكومة رومانيا إستولت في ذلك العام نفسه (1864) على أراضي أديرة الرهبان في بلادها, وإنعقدت ثلاثة مجالس كنيسة لمناقشة المشكلة البلغارية في أعوام 1863, 1864, 1866 ولم يتحقق إلا تقدماً ضئيلاً. وهكذا وفي 1866 تصرف زعماء الكنيسة البلغارية بسخط شديد وأقدموا على طرد الأساقفة اليونانيين من بلادهم وكان هذا يعني في كل الأحوال أن سلطة البطريركية لم يعد لها وجود في بلغاريا من الناحية الفعلية De facto وأصبحت المشكلة تكمن في كيفية الحصول على إعتراف شرعي بهذا الموقف.

وعند ذلك المنعطف إهتمت الحكومة العثمانية إهتماماً عميقاً بالمشكلة خاصة وقد بدت إشارات هنا وهناك تنبئ بقيام إنتفاضة مسيحية من جديد في إنحاء البلقان, ففي 1867 إضطرت السلطات العثمانية في الصرب لترك مواقعها هناك كأحد نتائج قصف بلجراد في 1862. وفي 1866 أصبحت كريت مسرحاً لإنتفاضة كبيرة مرة أخرى. وبالتالي كان من الطبيعي أن تعمل الحكومة العثمانية على الحيلولة دون أن تصبح بلغاريا مسرحاً للتمرد والعصيان. وعلى هذا طلبت إختيار من يقوم بدور الوساطة بينها وبين خصومها على أن تحتفظ لنفسها بالإجراء النهائي. وتحول الموضوع من مجرد تأسيس كنيسة بلغارية إلى تحديد المناطق التي ستكون تحت ولايتها. والحقيقة أن الموقف برمته كان مشحوناً بورطات سياسية كبيرة, وإدراكاً من بطريرك استانبول والحكومة اليونانية أن إمتداد سلطة الكنيسة البلغارية إكليروسيا على مناطق بعينها سوف يعتبر رمزاً لهيمنة سياسية في النهاية فقد رأى كل منهما تضييق مجال همينة الكنيسة البلغارية قدر الإمكان.

وأمام تشابك النافس الديني مع السياسي لم يكن بإمكان الهيئتين الدينيتين (الكنيسة البلغارية وبطريركية استانبول) تسوية مشكلاتهما وحدهما, فبلغاريا كانت ما تزال آخر المصادر الكبرى لدخل البطريركية فضلاً عن أن حكومة اليونان والبطريركية كانتا لا ترحبان بالتخلي عن المستعمرات اليونانية الكبيرة في بلاغريا وخاصة في كل من بلوفديف Plovdiv, وفارنا رغم أن المناطق الريفية المحيطة بتلك المستعمرات مناطق بلغارية تماماً. كما أن الكنيسة اليونانية لم تكن ترغب في التنازل عن أسقفية فيليس Veles في مقدونيا. وما لبث الموقف أن تعقد تماماً عندما دخلت حكومة رومانيا في الصراع بإدعاء حقها في أسقفيتي بيش Pec وأوهريد اللتان كانتا مركزاً بلغارياً كنسياً تاريخياً. ولعل هذه المرارة التاريخية تفسر لنا لماذا عجزت المجالس البلغارية-اليونانية التي أنشاها الباب العالي عن الوصول إلى تسوية للأمور. ولأن الحكومة العثمانية كانت تدرك أن موضوع الكنيسة البلغارية موضوعاً سياسياً أكثر منه دينياً, وجدنا أن السلطان العثماني يصدر فرماناً في 1870 بإنشاء وظيفة "نائب بلغاري لبطريرك استانبول" تحددت ولايته الدينية قانوناً على بلاد شملت بلوفديف وفارنا على طريق تسوية المشكلات الرئيسية.وأكثر من هذا فقد نصت المادة العاشرة من الفرمان على أنه إذا كان ثلثا سكان أي منطقة أو حي يرغبون في التبعية للنائب الكنسي فسوف يكون لهم هذا. ولقد فتحت هذه المادة الباب على مصراعية لصراع مكثف ومرير ودموي إنفجر في مقدونيا بين كل من اليونانيين والصرب والبلغار.

علىأن فرمان 1870 لم ينه الصراع الكنسي ذلك أن التقاليد الأرثوذكسية تقتضي ضرورة تصديق البطريركية على إنشاء كنيسة جديدة.وظل أطراف الصراع عاجزين على مدى عامين من الجدل والنقاش عن تسوية المسائل الدينية والسياسية المتعلقة برسم حدود الولاية الشرعية لكل منهم. وعندما فشل التفاوض في تسوية الأمر بدأ البلغاريون في التصرف بمفردهم, ففي 6 يناير 1872 وفي إبيفاني Epiphany تم قبول فرمان السلطان كاملاً في محاولة من البطريرك وإجناتيف إنهاء الموقف ولكنهما لو يوفقا في غلق ملف الموضوع. وسرعام ما إنعقد المجلس البطريرك السادس الذي قرر حرمان الأسقف إيلاريون البلغاري وعدداً كبيراً معه من رحمة الكنيسة. وفي مارس 1872 تم تعيين أنتيم الأول Antim نائباً للبطريرك في بلغريا, لكن أول إجراء رسمي قام به كان قراءة تصريح يعلن إستقلال كنيسة بلغاريا فما كان كم البطريرك إلا أن أعلن أن نائبه آنتيم الأول منشق.وبينما لم تقبل هذا الحكم كل من الكنيسة الروسية والرومانية والصربية ورفضه بطريرك القدس, صادق عليه بطاركرة الكنائس الأخرى بما فيهم الكنيسة اليونانية.

ورغم الخلاف الذي حدث بين زعماء بلغاريا حول مسألة تأسيس كنيسة بلغارية مستقلة لها ولاية على أقاليم واسعة, إلا أن إنشاء الكنيسة في النهاية أكسبهم وجوداً ذاتياً لبلدهم بفضل مساندة الحكومة العثمانية التي كانت ترغب في الإحتفاظ بولاء هذا الجزء من ممتلكاتها,وأيضاً بفضل موافقة روسيا مرغمة على إنشاء منصب نائب البطريرك. أما فيما يتعلق بمسألة تحقيق وضع سياسي منفصل لبلغاريا فلم يحدث إتفاق في الرأي حوله فلقد توازى مع جهود إنشاء منصب نائب البطريرك ظهور جماعات تعمل من أجل ضمان إقامة حكومة ذاتية بلغارية ذات علاقة مع الدولة العثمانية. على أن أغلب العناصر بين الجماعتين كانت تفضل العمل الثوري لتحقيق الإستقلال بدلاً من الإجراءات التفاوضية البطيئة ولو أنها حققت إنتصاراً ما بالنسبة لوضع الكنيسة.

ولقد سبق النشاط الثوري الكبير الذي حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من أجل الإستقلال عدة تحركات صغيرة بدأت بتأسيس منظمة خيتا Cheta في برايلا Braila بولاشيا بمعرفة فاسيل هادزيفولكوف Vasil Hadzivulkov ومعه الكابتن الصربي فلاديسلاف تاتيش Tatic وكانت منظمة مسلحة صغيرة العدد. وفي 1841 عبرت هذه الجماعة نهر الدانوب وإستقرت في بلغاريا بأمل المشاركة في التمرد العام. ورغم أنها فشلت شأن المنظمات التي أعقبتها, إلا أنها ظلت تمثل ملامح النشاط البلغاري الثوري حتى عام 1868 عندما تأكدت ضرورة أن يعتمد النشاط الثوري في بلغاريا على البلغاريين أنفسهم أكثر من مشاركة منظمات أو جماعات أخرى من خارجها.

وفي تلك الأثناء أيضاً أظهر الفلاحون البلغار في الجفالك ضيقهم ليس بسبب قضية الإستقلال وإنما بسبب نظام الضرائب وأحوال معيشتهم فقاموا بعدة إنتفاضات هنا وهناك أبرزها إنتفاضة في شمال غرب بلغاريا (1835), وفي إقليم فيدين (1841), وفي باريلا Barila (1841-1842), ثم في فيدين مرة أخرى (1850). ولأن تلك الحركات كانت ضعيفة التنظيم فكان من السهل سحقها على يد السلطات العثمانية.

وبعد حرب القرم بدت ظواهر لتجديد النشاط الثوري مرة أخرى حيث أقنعت حوادث الحرب وخاصة هزيمة روسيا زعماء بلغاريا بالتصرف منفردين دون أن ينتظروا مساعدة خارجية لتحقيق الإستقلال. يضاف إلى هذا أن تمتع الصرب وإمارتي الدانوب (رومانيا) بإستقلال أو بحكم ذاتي كان في حد ذاته إغراء للبلغاريين بالنضال لتحقيق هدف مماثل. لكن الصعوبة كانت تكمن في الإتفاق على الطريق الذي يمكن إتباعه لتحقيق هذا الأمل, فآنذاك كانت البلاد تتمتع برخاء إقتصادي نسبي, والمنتفعون منه من التجار والحرفيين والشوربجية كانوا راغبين عن المخاطرة بمصالحهم بطبيعة الحال, وكانوا يفضلون تحقيق المكاسب السياسية عن طريق الدبلوماسية والتفاوض في إطار الدولة العثمانية. وبمعنى آخر كانوا يرغبون في إستخدام الطرق نفسها التي أثبتت نجاحها في حصول إمارتي الدانوب على الحكم الذاتي, ولم يكونوا يريدون ثورة على نمط ما حدث في اليونان والصرب.

لكن كان هناك آخرون يرفضون هذا الطريق وهم أولئك الشباب أبناء كبار التجار والمهنيين الذين توفرت لهم فرص السفر لإستكمال تعليمهم خارج البلاد شأن مجموعة ال48 في مولدايفا وولاشيا (رومانيا) التي سبقت الإشارة إليها. وقد تأثروا شأن نظرائهم من الرومانيين بالإيديولوجيا السياسية الأوروبية, وبالتالي لم يكونوا "رجال الشعب" شأن كل من كاراديورديه,وفلاديميرشكو, وكولوكوترونيس ومن شابههم من زعماء الفلاحين, بل كانوا مثقفون صاغوا أفكارهم على أساس ما تعلموه ودرسوه وليس من خلال تجاربهم الميدانية.

وبينما تشكلت أفكار شباب الرومانيين بتعليمهم الفرنسي تأثر البلغاريون بدراستهم في المدارس اليونانية والمعاهد الروسية وفي مدارس الإرساليات الأمريكية البروتستنتية في بلغاريا واستانبول إلى حد ما. وفي تلك المعاهد تعرضوا للإيدولوجيا السياسية الليبرالية-القومية. أما الذين تعلموا في روسيا فقد ذهبوا إليها من خلال منح دراسية خصصتها منظمة سلافية تكونت في موسكو عام 1858 بإسم "الجمعية الخيرية الموسكوية" كرست نفسها لخدمة السلاف الأرثوذكس ورفاهيتهم. وقد حدث أن إتصل هؤلاء الشباب بحركة الشباب الروسية الراديكالية في ستينيات القرن التاسع عشر. وكانت كتابات كل من الكسندر هرزن Herzen, وتشيرنشفسكي N.G. Chernyshvesky, ودوبروليوبوف N.A. Dobroliubov, وبيساريف D.I. Pisarev تعبر عن الشخصية البلغارية وتنتقد شخصية قيصر روسيا الأوتوقراطية ولهذا عاد هؤلاء إلى بلادهم غير معجبين بنموذج إمبراطورية القياصرة الروس, بل لقد إستقر في تفكيرهم ضرورة تبني برامج ثورية إجتماعية.


ونظراً لشدة رقابة السلطات العثمانية على الحركة في البلاد ومعارضة كثير من البلغاريين للعمل الثوري فقد تم إعداد الخطط الأولى للعمل خارج بلغاريا في كل من الصرب وإمارتي الدانوب (رومانيا). وكانت حكومات تلك البلاد تغمض عينها عن المتآمرين البلغاريين على أرضيها أو تقدم المساعدة لهم أملاً في الحصول على منافع من وراء ذلك بطريقة أو بأخرى. غير أن زعماء الحركة البلغارية لم يكونوا أبدأً متحدين في أهدافهم,وبحكم تكوينهم الإيدولوجي بددوا كثيراً من طاقاتهم في مناقشة المبادئ, وقد إنحصرت المشكلات الرئيسية التي واجهتهم في أربع مشكلات: أولها . . هل يناضلون من أجل حمك ذاتي في إطار الدولةالعثمانية أم من أجل الإستقلال التام, والثانية . . هل ينضمون إلى فيدرالية بلقانية وإذا كان ذلك كذلك فأي نوع من الفيدراليات ينضموا إليها, والثالثة . . هل يعتمدون على مساعدات خارجية أم على جهودهم الخاصة, أما المشكلة الرابعة فكانت تتعلق بنوع التنظيم الداخلي الذي يجب أن تكون عليه دولة بلغاريا المرتقبة.

كان كل من جورج راكوفسكي Rakovski, وليو بن كارافيلوف Liu Ben Karavelov, وفاسيل ليفسكي, وخريستو بوتيف Botev أهم زعماء الثورة البلارية قاطبة, إذ كان كل منهم يمثل مرحلة في تطور الحركة القومية ولاا يمكن فهم أفكارهم إلا بالرجوع لخلفية الحوادث . . فعندما كانت الصرب في مطلع ستينات القرن التاسع عشر مركزاً للنشاط البلغاري كان لراكوفسكي مقراً لعملياته في بلجراد ونوفي صاد Novi Sad, وقد ساعدته حكومة الصرب في تنظيم كتيبة بلغارية وفي طبع الكتب والنشرات وفي 1861 أصدر جريدته "بجعة الدانوب" Dunavski Lebed وكان يعتقد شأن فاسيل ليفسكي فيما بعد أن تكتيكات منظمة خيتا Cheta ليست كافية وأنه ينبغي الترتيب للقيام بثورة شاملة داخل بلغاريا نفسها. كما كان يرغب في الدخول في فيدرالية مع الصرب رومانيا وليس مع اليونان. ورغم أنه تلقى تعليمه في المدارس اليونانية, إلا أنه كان يرغب في إبعاد النفوذ اليوناني عن بلاده. والخلاصة أن فلسفته السياسية كانت تابعة من الليبرالية البلقانية.

وفي كل الأحوال لم يكن من الممكن أن يتحاشى البلغاريون في نشاطهم التصادم مع المجموعات القومية الصربية, إذ سرعان ما تصادم راكوفسكي واتباعه بمؤيديهم من الصربيين حول مسألة وحدة سلاف البلقان, ذلك أن الصرب كانت قد تبنت برنامجاً للتوسع يستهدف السيطرة على المناطق الجنوبية السلافية التي كانت في الوقت نفسه مطمعاً للبلغاريين. وهكذا وفي 1862 وبعد إنتهاء أزمة قصف العثمانيين لبلجراد إنتقل مركز الحركة البلغارية إلى بوخارست (رومانيا), وفي الوقت نفسه إحتفظ البلغار بتعاون وثيق مع الصرب وخاصة أثناء حكم الأمير ميشيل. ورغم الخلاف الذي كان قائماً بينأبناء الحركة إلا أن الإعداد للعمل السري لثورة بلقانية عامة كان يجري متوازياً مع جهود الأمير ميشيل من أجل توحيد حكومات البلقان.

ومن ناحية أخرى قدمت رومانيا أفضل الفرص للثوار البلغار الذين يعملون من أراضيها, فمثلاً تعاطف معهم الحزب الليبراالي الحاكم ولم يكن موضوع حدود أراضي بلغاريا المرتقبة مثار خلاف مع رومانيا آنذاك ربما بتاثير وجود جالية كبيرة من التجار البلغار كانوا يعيشون في بوخارست ومدن موانئ الدانوب. وفي هذا المناخ المواتي واصل راكوفسكي نشاطه وفي أبريل ومايو 1866 تم إيفاد مجموعتين من البلغار عبر الدانوب للعمل في إطار خطط منظمة خيتا, وعندما أخفقتا في مهمتهما أصبح التجار البلغار يعارضون تكرار إجراءات من هذا النوع مرة أخرى وتجمدت الأمور حتى مات راكوفسكي في العام التالي.

وعلى الرغم من الفشل الذي حاق بخطط منظمة خيتا, إلا أنها ظلت تلعب دوراً رئيساً في التخطيط الثوري. ففي 1868 تم تكوين جمعيتين ثوريتين برئاسة كل من حاجي ديميتور Hadzhi Dimitur, وغصطفان كارادجا Karadzha وهما منمنظمة خيتا وكانت خطتهما تقضي بعبور الدانوب بإتجاه ستارا بلانينا Stara Planina لتأسيس حكومة ثورية تقوم بالإعداد لإنتفاضة بلغارية عامة. وهكذا وفي يوليو 1868 عبر مائة وعشرون رجلأً الدانوب غير أن دورية تركية من خفر السواحل إكتشفتهم وتم الإجهاز عليهم في غضون إسبوعين.

وبعد وفاة راكوفسكي تولى أمر الحركة كل من كارافيوف, ولفسكي,وبوتيف, وكان من راي كارافيلوف وهو أكثر الثلاثة إعتدلاً أن ترتبط بلغاريا بالدولة العثمانية على غرار إرتباط المجر بالنمسا بمقتضى تسوية أوزجليخ Ausgleich وفي هذه الحالة يصبح السلطان العثماني ملك بلغاريا. وهذا الإرتباط في رأيه يقطع الطريق على رغبة الصرب واليونان في الإستيلاء على بلغاريا التي يطالبان بها. لكنه تخلى عن هذه الخطة فيما بعد وأيد فكرة تأسيس فيدرالية البلقان ومعتقداً أن قيام إنتفاضة عامة في البلقان أمر ضروري لحصول البلغار على حريتهم وهذه لا تتم إلا إذا بقيت الخطط الثورية قائمة. ولما كان سياسياً ليبرالياً فقد كان يتوجس خيفة من سيطرة روسية قد تحدث في المستقبل.

أما فاسيل ليفسكي فكان أكثر الثلاثة قرباً لتقاليد ثورة الرومانيين, إذ كان يرغب في تحقيق إنفصال لبلغاريا عن الدولة العثمانية عن طريق قيام ثورة فلاحية عامة دون الإعتماد على دول اخرى. وكان يعتقد شأن راكوفسكي بأهمية تكوين شبكة ثورية في بلاد البلقان, وعلى هذا ذهب إلى بلغاريا في عام 1869 لتكوين لجان تعد للثورة في المستقبل.

أما ثالث هؤلاء خريستو بوتيف فكان أعظم شعراء البلغار قاطبة,وعلى العكس من زميليه كان إشتراكي النزعة ويأمل في إمكانية قيام ثورة عامة لا تؤدي فقط إلى الإستقلال السياسي بل إلى التغيير الإجتماعي. وكان يرى بلادهخ بلغاريا في المستقبل جمهورية ترتبط بكونفدرالية بلقانية من دول حكوماتها متشابهة. ورغم أنه بلور معتقداته أثناء تعلمه في روسيا إلا أنه لم يربط نفسه بتبعية لها.

على كل حال ففي 1870 إتحدت الجماعات المتصارعة والزعانات المتنافسة في لجنة واحدة بغسم "اللجنة المركزية للثورة البلغارية" إجتمعت في 1872 وضمت ممثلين من بلغاريا ومن جماعات البلغار خارجها وتم الإتفاق على تبني حل وسط من مختلف البرامج الثورية للجميع يقضي بإستخدام الوسائل الثورية للتحرر من السيطرة العثمانية وليس أساليب التفاوض, وأن يكون الغرض الرئيسي للحركة تكوين فيدرالية تضم كل من بلغاريا ورومانيا والصرب والجبل الأسود واليونان تتمتع كل منها بالحكم الذاتي. غير أن الإختلاف الكبير في وجهات النظر داخل اللجنة المركزية حال دون الإتفاق على طبيعة التنظيم الداخلي للبلاد في حال نجاح الثورة.

ورغم أن كارافيلوف كان رئيس اللجنة المركزية, إلا أنه عهد إلى فاسيل ليفسكي ومساعده الرئيسي ديميتور اوبشتي Dimitur Obshti بالعودة إلى بلغاريا للإعداد للثورة. غير أن هذا الترتيب إنتهى إلى كارثة ذلك أن اوبشتي في سبيل الحصول على أموال لتمويل الثورة قام بسرقة قطار البريد التركي دون الرجوع إلى اللجنة مما أدى إلى إعتقاله وكشف عناصر الحركة, ولكي ينفي عن نفسه تهمة السرقة أما المحققين صرح بأنه ليس مجرماً عادياً وإنما هو رجل ثورة محترم وإعترف لهم بالخطط العامة للقيام بحركة تمرد ةعصيان على السلطات العثمانية. وبهذه المعلومات تم غعتقال ليفسكي الذي شنق زمعه اوبشتي وآخرون. وأمام هذهالتحولات التي لم تكن متوقعة ترك كارافيلوف وآخرون اللجنة المركزية في عام 1874 وأقتنعوا بأهمية وضرورة الإعتماد على مساعدة خارجية وخاصة من الصرب وجبل الأسود إذا كان عليهم تحقيق أهدافهم. كما أدركوا أيضاً أنه بتعيين العمل على تلقين زملائهم القوميين داخل بلغاريا روح النضال.

ورغم تلك الإحباطات إستمرت خطط التمرد على الحكم العثماني قائمة فعندما إنفجرت الثورة في البوسنة-هرسك عام 1875 وعجلت بنشوب أزمة كبرى أسرعت القيادة الجديدة للجنة المركزية للثورة البلغارية بقايدة خريستو بوتيف وغصطفان ستامبولوف stambolov في لإعداد لثورة تتركز في مدن لوفش Lovech, وستارا زاجورا Stara Zagora, وسيلفن Siliven, وشومون Shumen, وتيرنوفو Turnovo, وروزيه Ruse. غير أن الثورة واجهت نفس المصير الذي واجهته ما قبلها من ثورات وذك بسبب التسرع والتخطيط المتواضع والتوقيت السئ, وقصور التأييد الداخلي للثورة, ففي شيربان Chirpan مثلاً كانت اللجنة تنتظر تقدم ثلاثمائة متطوع لكن الذين تقدموا كانوا أربع وعشرون متطوعاً فقط. وفي روزيه بلغ عد المتطوعين خمس وعشرون, وفي شومن بلغوا ستة عشر, وبالتالي كان من السهل علىالسلطات العثمانية أن تسحق الثورة.

ومع هذا فإن تلك الكوارث التيحاقت بالحركة الثورية لم تضعف قيادتها البلغارية في الخارج أو تجعلها تيأس, ذلك أن إستمرار الثورات في البوسنة-هرسك والإستعداد الواضح للحرب في كل من الصرب والجبل السود واليونان جعل فرصة القيام بثورة ناجحة تبدو ماثلة. ففي تلك الأثناء كانت قبضة الحكومة العثمانية قوية في بلاد البلقان الأخرى, وبالتالي لم يكن بإمكان السلطات العثمانية تحريك قوات عسكرية إلى بلغاريا. وفي إطار تلك الظروف تم التخطيط للقايم بثورة أخرى كبيرة تحت قيادة جورج بنكوفسكي Benkoveski وتوجيهه حيث تم تجميع السلاح وسائر الإمدادات مرة أخرى في رومانيا للقيام بثورة في مايو 1876. ولتنظيم الحركة تم تقسيم بلغاريا إلى أربعة أقسام لكل منها رئاسة في كل من تيرنوفو, وسيلفن, وفراتزا Vratsa وبلوفديف. وهكذا وفي يناير 1876 عبر منظمو الثورة إلى بلغاريا وإتخذوا من بلوفديف مركزاً لهم.

وفي نهاية أبريل إجتمع ممثلو مجموعات الثورة وقرروا التحرك يوم 13 مايو. غير أن السلطات العثمانية إكتشفت خطط الثورة, ولماأدرك الثوار إنكشاف أمرهم قرروا التعجيل بالتحرك قبل الموعد المحدد وذلك في الثاني من مايو في كل من كوبريفتشتزا ثم في باناجيورشتا Panagiuishte, وكليسورا Klisura, ودارت معارك ضخمة في المناطق الجبلية وخاصة في رودوب Rhodope, ومرة أخرى لم تكن هنهاك ثورة عامة بلغارية.

ولما كانت الحكومة العثمانية مشغولة بقواتها في كل مكان فلم يكن بإمكانها إلا إرسال عدد محدود جداً من العساكر لمواجهة المتمردين لكنها إضطرت إلى إرسال فرق عسكرية إضافية غير نظامية لقمع المتمردين. غير أن قيام المتمردين بذبح الأتراك المدنيين المقيمون في البلاد كما حدث في باد بلقانية في ظروف مماثلة أثار خاطر العثمانيين فحدثت معارك قتالية ثقلية, وإرتكبت أعمال وحشية من الجانبيين, وشاعت في أوروبا أخبار الأعمال الإنتقامية التي قام بها العثمانيون وكذا الفظائع التي إرتكبها البلغار حيث لم تكن أوروبا تعرف طبيعة ما حدث إلا من وجهة نظر البلغاريين فقط. وفي هذا الخصوص إختلفت المصادر في تقدير عدد القتلى من البلغاريين جراء قمع ثورتهم, فالعثمانيون قدروا القتلى بنحو 3100 قتيلاً, وقدرها الإنجليز بإثنى عشر ألفاً, والأمريكيون بخمسة عشر ألف, أما البلغاريون أنفسهم فقد قدروا قتلاهم ما بين ثلاثين ألف ومائة ألف.

ةفي الشهر نفسه فقد قدروا آخر محاولة بلغارية للقيام بحركة عصيان ففي نهاية مايو إستقل المركب نفسه رادتزكي Radetzky ومعه حوالي مائتين من أتباعه, ولما تحركت الكرب على سطح الدانوب سيطر الثوار عليها وأرغموا ملاحيها على إنزالهم على شاطئ بلغاريا. ومرة أخرى علمت السلطات العثمانية بالأمر فإعتقلت بوتيف وقتلته وتشتت شمل رفاقه.

وهكذا إنتهت الحركة الثورية البلغارية إلى الفشل التام ذلك أن الخطط الموضوعة كان يمكن أن تنجح في تحقيق الغرض إذا ما تحرك الفلاحون في ثورة عامة فور عبور المجموعات الثورية الصغيرة الدانوب, أو إذا ما إتبع أغلبية البلغار توجيهات اللجان الثورية, وحينئذ كان التدخل الخارجي أمر ضروري لتحقيق الأغراض السياسية المرجوة. وعلى هذا كان على القوميين في النهاية أن ينتظروا وقوع أحداث أوروبية عامة قد تكون مواتية لصالح أهدافهم.

ورغم إخفاق الثوار في تحقيق أي هذف سياسي لهم نحو التحرر من الحكم العثماني, إلا أن هدفاً دينياً قد تحقق حين أعلن في صيف 1876 عن تأسيس هيئة إكليروسية بلغارية منفصلة, وعن تعيين نائب البطريرك في بلجراد وذلك بفعل التفاوض وبمساعدة روسيا والدولةالعثمانية. ولكن وفي أثناء التفاوض مع بطريرك استانبول على المسائل الدينية إتضح الخطر على الأهداف القومية البلغارية وعلى تنظيم الجمعيات الثورية خارج البلاد. ويلاحظ أنه حتى ذلك الوقت وأثناء حوادث ثورة إستقلال اليونان وقيام الحكم الذاتي في رومانيا والصرب كان هناك ثمة مساعدات مشتركة وتعاون بين شعوب البلقان مع قليل من الخصومات حيث لم تكن في تلك البلاد الثلاثة مشكلة مناطق تختلط فيها الأعراق على حين كان هذا الأمر واضحاً في بلغاريا عند الحيدث عن تحديد ولاية نائب البطريرك علىمناطق معينة وكذا وضع الصربيين في منطقة سلافية جنوبية وغير ذلك من مسائل معقدة تارخية. وبصفة عامة كان من شأ، الشجار الذي نشأ عن هذه الأحوال والأوضاع أن يقود شبه جزيرة البلقان إلى مرحلة تاريخية مختلفة.

الفصل العاشر: أزمة سبعيينات القرن التاسع عشر

تابعنا في الفصول السابقة التطورات الداخلية في كل من الإمبراطورية العثمانية والصرب واليونان حيث إستطاعت "دول" مسيحية ثلاثة خلال القرن التاسع عشر تحقيق قدر من الحرية والإستقلال عن الدولة بدرجات متفاوتة, وإقامة نظام حكم قومي. وفي كل دولة منها تكونت منظمات سياسية إحتل فيها المسيحيون مكانة مهمة وملحوظة سواء قبل الثورات أو فترة الإحياء القومي وتكوين أجهزة الدولة الجديدة الأمر الذي كان يعني أن الحركات القومية أدت إلى تغيير سياسي وليس تغييراً إجتماعياً. ورغم أن كل الدول القومية الجديدة أخذت بأساليب دستورية ليبرالية بدرجة أو بأخرى, إلا أن السيطرة السياسية عملياً إستقرت في يد نسبة ضئيلة من السكان, وحتى هذه النسبة إنتظمت في أحزاب سياسية وأجنحة متنافسة كل منها يحارب للسيطرة على الحكم بحيث كان كل حاكم في تلك الدول في مكانة لا يحسد عليها في مواجهة كل تلك القوى السياسية. وتجدر الإشارة إلى أن حكام البقلان الجدد (الأمراء) لم يكونوا يمارسون حكماً اوتوقراطياً فيما عدا الأمير ميلوش Milos في بداية حكمه للصرب, ذلك أن حكام اليونان ورومانيا بعد 1866 كانوا غرباء عن البلاد وليس لهم حزب خاص يستندون إليه في الحكم بعكس أمير الصرب الذي كان مهدداً دوماً من أسرة مالكة صربية منافسة.

ولما كان حكام البلقان يواجهون دائماً معارضة داخلية مستمرة فقد وجدوا أن افضل طريقة لحماية سلطتهم وتوحيد بلادهم تنفيذ برامج قومية نشطة سواء للحصول على حقوق سياسية أكثر من الدولة العثمانية أو التوسع الإقليمي قومياً. وآنذاك كانت كل أمة من أمم البلقان قد إنتهت من صياغة أهدافها القومية والتي لم تشتمل فقط على ضم بلاد لها فيها غلبة قومية, بل لقد إشتملت على المطالبة بضم بلاد تضم عدة أعراق بلقانية مختلطة وتبرر مطالبتها بحقوق تاريخية وثقافية وجغرافية أو بدواعي إستراتيجية. وفي هذا الخصوص أمامنا ثلاثة برامج ترمز إلى هذا الإتجاه وهي: فكرة اليونان العظمى Great Megal Idea, وخطط إقامة "الصرب الكبرى" كما وردت في ناشرتانيه Nacertanje, ورغبة رومانيا في توحيد ترانسلفانيا وبوكوفينا Bukovina, وبسارابيا ثم دوبروديه Dobrudja, وبانات Banat مع ولاخيا ومولدافيا (إمارتا الدانوب).

وقبيل سبعينيات القرن التاسع عشر لم تدخل تلك الدول في صراع مكشوف حول تقسيم أقاليم البلقان قومياً وذلك بسبب وجود بلاد ما تزال تخضع لحكم عثماني وتمثل مناطق حاجزة للتواصل وهي بلغاريا ومقدونيا والبانيا والبوسنة والهرسك. ولما بدا ممكناً خلال السبعينيات إنسحاب العثمانيين من بعض تلك الأقاليم وخاصة تلك التي كان يصعب تقسيم معظمها على أسس قومية صارمة, بدأت موجة من الإدعاءات المتبادلة بين دول البلقان حيث كانت كل دولة تطالب بنصيب في تلك المناطق مما أدخل عنصراً جديداً في العلاقات البلقانية.ولقد زاد من حدة الصراع والتنافس أن المسألة القومية في السياسة الخارجية لكل دولة قد أصبحت موضوعاً راسخ وعميقاً من أجل التوازن السياسي الداخلي, بحيث أن الحاكم أو الحزب الحاكم الذي يفشل في تحقيق أي تقدم في المصالح القومية يحطم مستقبله السياسي بشكل خطير.

وكلما ضعفت قبضة الحكم العثماني على شبه جزيرة البلقان تصبح الفرصة مواتية أكثر للقوى الكبرى لتحقيق سيطرة مباشرة على المنطقة. والحاصل أنه في بداية القرن التاسع شعر لم يكن لأي دولة أوروبية نفوذ أو سيادة على حياة أي شعب مسيحي من شعوب البلقان. ولكن مع حرب القرم أصبح لثلاثة دول حق الإشراف على اليونان وفرضت روسيا حمايتها على الصرب وعلى إمارتي الدانوب (رومانيا), وحددت معاهدة باريس (1856) التي أنهت حرب القرم واجل كل دول من تلك الدول الحارسة. وكان تدخل تلك الدول في نزاع بين الدولةالعثمانية ورعاياها يعني أن الحدود بين بلاد البلقان تحددها المعاهدات الدولية, وأنه لا يمكن تعديلها أو تغييرها بدون موافقة الدول الموقعة على معاهدة باريس, وأنه لا يمكن لحكومات البلقان أن ترتب شؤونها بمفردها حتى ولو إتفقت بدون رضا الدول الكبرى. وحيث أن الدول الرئيسية في الشؤون الدولية آنذاك روسيا وإنجلترا والنمسا كانت في تنافس شديد فيمابينها وتتربص كل منها بالأخرى فكانت تسوية معظم الخلافات تتم على أساس مبدأ توازن القوى الذي كان يعني أنه لا ينبغي أن تحصل أي دولة من تلك الدول على نفوذ ما أو سيادة في كل المنطقة, وأكثر من هذا أن الإقتراحات التي كانت تقدمها تلك الدول لتسوية مشكلات الحدود بين بلاد البلقان من شأنها أن تؤدي إلى تدمير المصالح المشروعة لأمم البلقان مما أضاف عاملاً آخر على الصراع زاد من تعقيد الموقف الصعب في حد ذاته.

على كل حال لقد بدأت أزمة السبيعنيات التي أظهرت كل تلك المشكلات في دائرة الضوء بثورة الفلاحين المسيحيين في البوسنة والهرسك, وبتأييد ومشاركة عميقة من أهالي الصرب والجبل الأسود. ولكن قبل أن نتناول موضوع هذه الثورة ينبغي أن نشير في عجالة إلى أحوال الجبل الأسود والبوسنة والهرسك خلال القرن التاسع عشر.

لعبت إمارة الجبل الأسود دوراً مهماً في حياة البلقانيين تحت حكم الإمارة-الأسقفية (أي يحكمها أمير وأسقف) على فترات متقطعة رغم صغر حجمها وفقرها. فخلال المدة من 1871-1830 تمكن حاكمها بطرس الأول بيتروفيتش من تقوية إمارته داخلياً ومضاعفة مساحتها, ودخل في حرب ضد الدولة العثمانية مرتين أثناء الحملة العثمانية ضد علي باشا حاكم يانينا 1819-1821, والثانية أثناء الحرب اروسية-التركية 1828-1829. وكان خلفه بطرس الثاني المعروف بإسم نييوجوش Niegos شاعر وصاحب قصيدة "إكليل الجبل" Mountain Wreath أخد عظماء أدباء سلاف الجنوب وتمكن من فرض سلطة إمارته على القبائل المتمردة والمعزولة حوله, كما حارب القوات العثمانية أيضاً في 1832.

ثم حدث تغيير كبير في عهد خلفه الأمير دانيلو الأول Danilo بيتروفيتش (1852-1860) عندما رغب في الزواج من ناحية وفي علمنة الإمارة من ناحية أخرى (أي إلغاء إشتراك الأسقف في الحكم), وبزواجه جعل عرش الإمارة وراثياً في عائلة بتروفيتش. وتجدد القتال بينه وبين الدولة العثمانية في 1852 وفي 1858. وخلفه على العرش في 1860 نيقولا الأول الذي كان يعرف أحياناً بإسم نيكيتا Nikita والذي ظل متربعاً على العرش حتى 1918. وخلال الفترة الأولى من حكمه إستمر الصراع مع الدولة العثمانية قائماً حول تبعية أقاليم بعينها في البوسنة والهرسك والبانيا لأي من الطرفين وكذا حقيقة وضع إمارته (الجبل اسود) الذي كان السلطان العثماني يعتبرها جزء من ممتلكاته. وفي هذا الصراع توثقت العلاقات بين أهالي الصرب والجبل الأسود نظراً لمصالحهما المشاركة وقوميتهم الصربية العامة وعقيدتهم الأرثوذكسية رغم وجود منافسة دائمة ومضمرة بين الطرفين حول قيادة شؤون الصربيين وسلاف الجنوب. كما كان أمراء الجبل الأسود يحاولون إستثمار الخلاف بين عائلتي كاراديوريفيتش Karadijordjevic واوبروفيتش Obernovic لمصلحتهم. وما أن أطلت السبعينيات حتى كانت الجبل الأسود تسعى بشكل رئيسي للحصول على ميناء على البحر الإدرياتي وتبحث في كيفية ضم الهرسك إليها.

أما البوسنة والهرسك فكانتا شأن الجبل الأسود تمثلان مشكلة دائمة بالنسبة للدولة العثمانية ولكن لأسباب مختلفة, فالجيل الأسود كانت مركزاً للتمرد المسيحي, أما البوسنة فكاتنت خلال الجزء الأول من القرن على الأقل تقف بكل صلابة ضد الإصلاحات العثمانية حفاظاً على التقاليد القديمة, وكانت خلال حكم السلطان سليم الثالث مركزاً قوياً للأعيان بإعتبارها أحد الأماكن القليلة لتي حدثت فيها عمليات إعتناق للإسلام كثيرة العدد بعد الغزو العثماني وبالتالي كان نبلاء المنطقة هم البكوات من المسلمين والسلاف على السواء, ومع ذلك فقد وقفوا بصلابة ضد الولة العثمانية على سلطتهم وإن كان ذلك على حساب فلاحيهم المسيحيين بطبيعة الحال تضمهم قومية واحدة ويتكلمون لغة واحدة. وهكذا ثار أولئك البكوات ضد الدولة العثمانية في أعوام 1821, 1828, 1837, 1831 وتمكنوا من التمتع بحكم ذاتي محلي كامل حتى عام 1850 حين سحقتهم القوات العثمانية بقيادة عم باشا ليعودوا مرةأخرى تحت سلطة الحكومة المركزية العثمانية.

ورغم الحقيقة القائلة بان كل من البكوات والفلاحين في البوسنة والهرسك ينتمون إلى أصل قومي واحد, إلا أن وضع الفلاح هناك كان أسوأ بكثير من أي مكان في بلاد البلقان, إذ كانت الضرائب المفروضة عليه وكذا أعمال السخرة في أرض البكوات تستهلك أكثر من 40% من دخله. ومما زاد الأمر سؤ إن التنظيمات العثمانية لم تفرض في تلك المنطقة ولهذا فإن ثورات الفلاحين التي وقعت هناك في أعوام 1857-1858, 18611862 كانت تستهدف تحسين الأحوال الإقتصادية وليس التغيير السيساي. ثم وقعتأسوأ الأزمات في منتصف السبعينيات بسبب نقص محصول عام 1874 وهي الأزمة التي ترتب عليها إنفجار عصيان مسلح في الهرسك ثم في البوسنة عجزت السلطات العثمانية عن قمعه مثلما عجزت من قبل في اليونان والصرب لأن قيادة الفلاحين كانت محلية وإستخدمت أسلوب حرب العصابات وظلت شكاوي المتمردين الرئيسية تتمثل في بؤس أحوال المناطق الريفية.

ولما كانت البوسنة والهرسك في حالة تمر ضد الحكم العثماني فلم يكن من الممكن أن تقف الصرب والجبل الأسود بعيداً عما يحدث, ومن ثم فقد أيدتا التمرد وتعاطفتا مع أهله بل لقد إشترك بعض الصربيين في تنظيم الإنتفاضات هنا وهناك. وكان وراء موقف حكومة الصرب المؤيد للبوسنة والهرسك يوفان ريستتش Jovan Ristic الذي كان مسئولاً عن السياسة الخارجية للبلاد في عهد حكم الأمير ميلان Milan, وهو الذي جعل من عاصمة بلاده بلجراد مركزاً لتنظيم البلقانيين ضد الدولة العثمانية بشكل عام ومن ذلك التغاضي عنوجود مجموعات ثورية مختلفة في بلجراد من بلاد بلقانية أخرى مثل الثوريين البلغار عكس الحال أيام الأمير ميشيل.

على كل حال لقد إستثارت أنباء ثورة البوسنة المشاعر القومية والدينية لدى الصربيين ومن هنا جاءت إنتخابات أغسطس 1875 بجمعية فاز فيها الليبراليون بأغلبية وكانوا يؤيدون إتخاذ ما يدعم موقف متمردي البوسنة, وتشكلت حكومة ليبرالية برئاسة ستيفشا ميهايلوفيتشStevca Mihajlovic تولى فيها ريستش وزارة الخارجية,وتولى يفرم جرويتش Jevrem Grujic وزارة الداخلية وأخذت تعمل على إتخاذ مايمكن لدعم البوسنة بشكل صريح. وهنا ضاق الأمير ذرعاً بسبب الضغوط التي تعرض لها لكي يأخذ موقفاً إيجابياً من دعم التمرد وزاد موقفه حرجاً عندما أبدى أمير الجبل الأسود نيقولا في أغسطس 1875 تأييده لدعم البوسنة. ومع هذا ظل ميلان على موقفه, ذلك أنه كان يدرك ، بلاده غير مستعدة للحرب فضلاً عن أنه تلقى تحذيرات من الدول الكبرى بعدم التحرك. وعلى هذا وفي أكتوبر قام بتشكيل حكومة إئتلافية جديدة برئاسة ليوبومير كالفتش Ljubomir Kaljevic لكنها لم تبق في الحكم إلا سبعة أشهر. وآنذاك كانت ثورة البوسنة قد أصبحت أزمة دولية الأمر الذي جعل حكومة الصرب تتطلع لروسيا طلباً للرأي والتوجيه, لكن لم يكن معروفاً ما الذي تريده روسيا وكل ما هنالك من الناحية الرسمية ومعها دول أخرى حذرت الصرب من التورط في التمرد ولكن في الوقت نفسه أبدت الدوائر السلفية في روسيا حماساً عظيماً وواضحاً تجاه التمرد.

ورغم أن المحافظين في الحكومة الإئتلافية الجديدة كانوا أقلية إلا أنهم إستمروا في تأييد السلم, إلا أن الأمير ميلان أرغم على تغيير سياسته وبدا أن الظروف الدولية دفعته دفعاً لكي يتصرف ففي مايو 1876 إنفجرت البلغار وتبعتها أزمة داخلية كبيرة في الدولة العثمانية بعزل السلطان عبد العزيز عن العرش وخلفه مراد الخامس. وفي الشهر نفسه وصل إلى بلجراد تشيرنيايف Cherniaev بطل الحملات الروسية على أواسط آسيا لتقديم الخدمات اللازمة, وتغلغل المتطوعون الروس بكثرة داخل البلاد بترتيب من لجان الرابطة السلافية حتى بدا واضحاً أن روسيا تساند بقوة تدخل الصرب لدعم تمرد البوسنة رغم التصريحات الروسية التي تنفي ذلك.

على كل حال . . ففي مايو خرجت الحكومة الإئتلافية من الحكم وحلت محلها حكومة برئاسة ريستتش وجرويتش مرة أخرى, وكانت ومعها الرأي العام تؤيد دعم تمرد البوسنة. وفي الشهر التالي (يونية) قررت القيام بحملات عسكرية على كل من البوسنة, وسنجق نوفي بازار, ومناطق نيش وتيموك Timok وعلى أمل أن يقوم البلغار في الوقت نفسه بثورة تشد من أزر ثورة البوسنة. وهكذا وفي يوليو 1876 إقتحمت قوات الصرب والجبل الأسود, ولاية البوسنة والهرسك بهذف ضم البوسنة للصرب وضم الهرسك للجبل ألأسود. ولكن بينما كانت قوات الجبل الأسود تقوم بعملياتها بكفاءة ملحوظة تعرضت عمليات الصرب لكارثة عسكرية.

والحاصل أن الصرب كما تخوف أميرها (ميلان) لم تكن مستعدة للحرب بحال من الأحوال, فالمحاربون همفلاحون تحت قيادة غير مدربة وبالتالي عجزوا عن إيقاع هزيمة بالقوات العثمانية التي كانت أفضل تجهيزاً وتحت قيادة مدربة على فن القيادة والقتال,كما أن خبرة الجنرال الروسي تشيرنييف الذي جاء لدعم الصرب كانت محدودة حتى لقد أصبح المتطوعون الروس تحت قيادته مجرد فضيحة عسكرية في معارك القتال, فضلاً عن وقوع خلاف كبير بين الروس والصربيين بسبب الترتيب والتنسيق معاً. ومما أضعف من موقف الصرب في الحرب عدم قيام ثورة بلقانية كبرى في إماكن أخرى فالبلغار لم يثوروا كما كان منتظراً, وظلت رومانيا واليونان تنتظران أن الإحتمالات المتوقعة من المعارك, والمصيبة الأكبر في هذا المقام إخفاق حكومة روسيا في تقديم أية مساعدات عملية.

ولقد حاولت القوى الدولية إيقاف المعارك في أقصر وقت ممكن إذ كان لكل منها مصلحة كبيرة في إنهائها, فتم التوصل إلى هدنة مسلحة في أغسطس. إلا أن الصربيين خرقوا في الشهر التالي (أكتوبر) فإنهزموا هزيمة ساحقة فتحت الطريق أمام القوات العثمانية إلى وادي مورافا Morava وبلجراد. ولم تتدخل روسيا ولكنها وجهت إنذاراً للحكومة العثمانية بالتوقف وفرضت هدنة في الثالث من نوفمبر. ورغم العودة لحالة السلم, إلا أن الحرب كان لها تأثير كارثي على الصرب مادياً ومعنوياً, فقد خسرت خمسة عشر ألف رجلاً من مقاتيلها, وبدا واضحاً أن جيشها لا يمكن أن يتكافأ بحال من الأحوال مع الجيش العثماني خصمها.

ورغم إنتهاء الحرب على ذلك النحو, إلا أن مشكلة ثورة البوسنة ظلت باقية كما هي ومن هنا وجدت القوى العظمى نفسها مشدودة مرة أخرى لتسوية المسائل التي أدت إلى تمرد الفلاحين في القوت الذي لم يكن أي منها يرغب في إحياء المسألة الشرقية من رقادها الطويل, ذلك أنه بعد إنتهاء حرب القرم (1856) شهدت بلاد البلقان هدوءاً نسبياً, وإنتقلت الأحداث الكبرى بعد تلك الحرب إلى وسط أوروبا وإيطاليا حيث تمكنت بروسيا من هزيمة مملكة النمكسا والمجر في 1866 الأمر الذي فرض ضرورة إعادة تنظيم المملكة في أوزجليخ Asgleich عام 1867 وذلك بتقسيمها إلى قسمين إداريين (النمسا والمجر) ولكن متحدين تحت حكم إمبراطور واحد, ووزير واحد لكل من القسمين في ئؤون الحرب, والشؤون الخارجية,والشؤون المالية. أما الحادث التالي فكان وقوع الحرب البروسية-الفرنسية وإعلان دولة المانيا الموحدة تحت زعامة بروسيا. . دولة قوية أصبح لسياستها فيما بعد تأثيراً كبيراً في شؤون البقلان بعد أن كان دور بروسيا من قبل ضئيلاً هناك كما رأينا.

ورغم توحيد المانيا قد تم بموافقة روسيا ومساعدتها, إلا أن الدولة الجديدة سرعان ما أعلنت رفضها لمواد معاهدة باريس (1856) الخاصة بالملاحة في البحر الأسود ونجحت في الحصول على موافقة دولية لإعادة النظر في هذا الموضوع مع أنها لم تكن قد شرعت آنذاك في بناء أسطول بحري. ولكن هذا الموقف الألماني جعل الطريق أمام روسيا مفتوحاً مرةأخرى لمواصلة سياسة بلقانية نشطة.

والحاصل أنه بعد تلك الأحداث العظمى قامت كل من روسيا والمانيا والنمسا في مطلع السبعينيات بتكوين "عصبة الأباطرة الثلاثة",وكانت رابطة غير معلنة رسمياً وتقوم على تبادل الزيارات والإتصالات بهدف التعاون معاً في حالة نشوب أزمة مجاورة. وعلى هذا عمل الثلاثة معاً أثناء ثورة البوسنة في 1875 لا لشيء سوى أنه لم يكن في مقدور أحدهم مواجهة الأزمة بمفرده, وكانوا يودون إنهاء الثورة سلمياً حتى ولو إقتضى الأمر تدخل خارجي بالوساطة حتى لا تقود هذه الثورة منقطة البلقان إلى تمرد مسيحي كبير.

والحقيقة أن روسيا كانت أكثر الحلفاء الثلاثة وقوعاً في موقف لا تحسد عليه, ذلكأنها كانت تزعم بأن لها علاقة خاصة بمسيحي البلقان, مما يعني أن لها حق التدخل في شؤون البوسنة, وأن من واجبها أن تتصرف إذا ما تعرضت حقوق المسيحيين للخطر. ولسوء الحظ فإن أزمة البوسنة وقعت في وقت كان الحماس يغمر المجتمع الروسي بكل ما هو سلافي فأضيف إلى وحدة المذهب الأرثوذكسي في الرابطة السلافية وحدة الرابطة العرقية مع الروس. لكن الرابطة السلافية كانت شيئاً أكبر من المشاعر اروية, إذ كانت الرابطة تتطلع لتحرير الشعوب السلافية الأرثوذكسية من السيطرة الأدبية العثمانية والنمساوية وتوحيدهم في شكل فيدرالي تلعب فيه روسيا دور السيادة. ومن الملاحظ أن شخصيات روسية مرموقة بينها ولي العهد (الإمبراطور الإسكندر الثالث فيمات بعد) ومعه إجناتيف وعدد كبير من الجنرالات كانوا يؤيدون هذه الأفكار. وبطبيعة الحال كانت الرابطة السلافية تود مساعدة كل شعوب البلقان ضد الحكم العثماني ومن ثم كانت وراء أرسال المتطوعين والإمدادات اللازمة للصرب.

وعلى العكس من إتجاهات الرابطة السلافية كان معظم المسئولين في روسيا يكرهون التورط في الأزمة القائمة في البلقان آنذاك,فقد كانوا يخشون أن تجر روسيا إلى حرب مع الدولة العثمانية قد تدخل معها القوى الكبرى وتتكرر معها من جديد حوادث حرب القرم,أو قد تواجه تحالفاً أوروبياً للمحافظة على توازن القوى. وهكذا تبلورت السياسة اروسية رسمياً في العملا على التوصل إلى حل عن طريق التفاوض بين مختلف القوى وبتفاهم وثيق بين النمسا والمانيا, على حين أن أنصار الرابطةالسلافية إستمروا في إصرارهم على ضرورة تقديم مساعدة روسية للتمردين البلقان, وعلى أن تتم التسوية النهائية للمشكلة في إطار تفاهم ثنائي روسي-عثماني.

ولما كان الموقف الروسي يتطابق مع مصالح النمسا والمانيا فكان على هذه الدول الثلاثة أن تتعاون معاً أثناء الأزمة. أما بريطانيا فكانت أكثر الدول الكبرى إثارة للقلق في هذه المسألة, إ كان رئيس حكومتها (بنيامين دزرائيلي) لا يريد أن تتعرض المصالح العثمانية للتهديد بالمبدأ الذي وضعته ألا وهو المحافظة على تكامل الإمبراطورية العثمانية من باب المناورة بين الدول الطامعة في الإمبراطورية, وكان يكرهالعلاقة الوثيقة التي تربط بين الدول الثلاثة المحافظة (روسيا والمانيا والنمسا) وهي العلاقة التي منحتها نفوذاً وهيمنة على الشؤون الأوربية. وهكذا فعندما بدا واضحاً عجز الدولةالعثمانية عن قمع التمرد في البوسنة والهرسك عملت تلك الدول الثلاثة معاً للمحافظة على الإجراءات الإصلاحية التي تم إتخاذها من قبل. وفي هذا الخصوص تقدم وزير خارجيةالنمسا يوليوس آندراسي Andrassy في ديسمبر 1875 بإقتراح لتسوية الموقف قبلته الدولة العثمانية ولم يقبله المتمردون. وفي مايو 1876 إقترحت الدول الثلاثة خطة ثانية رفضتها بريطانيا والدولة العثمانية. وفي تلك الأثناء كانت الثورة البلغارية قد أخذت مجراها, ودول البلقان تستعد للحرب, والدولة العثمانية تعيش وسط الأزمة التي حملت مراد الخامس إلى عرش السلطنة في مايو ثم إعتلاء اللسطان عبد الحميد الثاني العرش في أغسطس من العام نفسه.

على أن إندلاع الحرب بين الدولة العثمانية وأتباعها أمراء الصرب والجبل الأسود لم تزعج الأباطرة الثلاثة (روسيا والمانيا والنمسا) ففي يوليو 1876 وافق وزير خارجية روسيا جورشاكوف A.M. Gorchakov, وآندراسي (وزير خارجية النمسا)* على ما قرره رايخستاج المانيا. ورغم نشوب الخلاف فيما بعد حول حقيقة ما قرره الرايخستاج, إلا أن التحالف الثلاثي حافظ على التوازن بين مصالح أطرافه. وفي هذا الخصوص تقرر أنه في حالة هزيمة دويلات البلقان في الحرب أمام الدولة العمثانية فسوف تتعاون النمسا وروسيا للإبقاء فسوف تقدم الدولتان على تقسيم مناطق البلقان العثماني بطريقة تحول دون إقامة دولة بلقانية كبرى, وأن يتم إقرار الحكم الذاتي في بلغاريا وروميليا, وأن تكون استانبول مدينة حرة, وتحصل اليونان على تساليا وكريت. أما روسيا فتحصل بالمقابل على على جنوبي بسارابيا ومنطقة في آسيا الصغرى, وتحصل النمسا على البوسنة والهرسك. وعلى هذا وفي ضوء تلك الترتيبات ينبغي الإشارة إلى أن البلاد التي كانت الصرب تستهدف ضمها من هذه الحرب دخلت في حوزة النمسا وهو ما كان يتناقض تناقضاً كاملاً مع آمال الرابطة السلافية.

على كل حال . . فبعد إنتهاء حرب قوى البلقان ضد الدولة العثمانية في 1876 إستمرت الدول الكبرى في محاولة للتوصل إلى تسوية ترضي شعوب البلقان وتراعي مصالح تلك الدول اليت قامت في ديسمبر 1876 بمحاولة أخيرة لإنقاذ الموقف حيث تم التوصل في مؤتمر الأستانة إلى إقتراحات إصلاحية جديدة لرعايا الدولة من غير المسلمين. ولكن في 23 ديسمبر أعلن السلطان العثماني عن تقديم دستور عام للدولة وبالتالي لم تعد مشروعات الإصلاح المقدمة ضرورية، وعلى هذا أصبح لا مناص من قيام روسيا بغعلان الحرب على الدولة العثمانية. وفي هذا الخصوص إتفقت روسيا والنمسا في يناير 1877 على أن تبقى النمسا على الحياد ومعها البوسنة والهرسك اللتان سبق أن تقرر ضمهما للنمسا فيما عدا سنجق نوفي بازار الذي يفصل الصرب عن الجبل الأسود والذي وسف يتقرر مصيره فيما بعد. كما وافقت روسيا على ألا تحارب قواتها في أراضي هاتين الولايتين.

اندلاع الحرب الروسية التركية

وهكذا بعد أن وقعت روسيا إتفاقية مع رومانيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية في 24 أبريل 1877. لكن الحرب لم تكن سهلة فقد وضعت روسيا خطتها على أساس أن تكون قصيرة المدى وبالتالي لم تضع في حساباتها أن تستعين بأطراف أخرى. لكن منذ البداية عجزت القوات الروسية عن الإستيلاء على قلعة بلفنا التركية التي ظلت تحاصرها من يولية إلى ديسمبر دون جدوى الأمر الذي أوقع ولايات البلقان في حالة من الرعب الشديد. وأمام هذا العجز طلبت مساعدات من رومانيا والصرب والجبل الأسود واليونان. ولم تستجب لهذا الطلب سوى رومانيا التي رأت في الحرب الوقت المناسب لتحقيق أهداف معينة. وأما الباقون فكانوا يبحثون عن توفير الأموال اللازمة للتجهيزات العسكريةو وكيفية توفير ضمانات إقليمية للمستقبل. ومما زاد الموقف العام سوء وتفسخاً تأخر الصرب واليونان.

غير ا، الثورة في البوسنة والهرسك شأن أزمات البلقان السابقة كانت تمثل لرومانيا فرصة لتحقيق مصالحها وفي الوقت نفسه كانت تمثل تهديداً مباشراً لها. والحاصل أن روماينا مثل اليونان لم تكن ترحب بإحتمال إيجاد دولة صربية أو بلغارية قوية ومستقلة وترتبط بروسيا بشكل ما, خاصة وأن الموقف كان يوحي بتقديم فرصة للحصول على ميزات أكثر من الدولة العثمانية. وعلى هذا وخلال السنوات الثلاثة التالية ظل زعماء رومانيا معنيون في المقام الأول بثلاثة ظواهر تحدث على المسرح السياسي العالمي وفي ذهنهم كل تلك الأوضاع. فأولاً وكما سبقت الإشارة كيفية إستغلال وضع الحكومة العثمانية الصعب في تلك الحرب, وثانياً كيفية الحصول على مكاسب إقليمية وتحقيق الإستقلال التام في حالة حدوث حرب عامة, وثالثاً عدم رغبتهم في أن تحصل روسيا مرة ثانية على وضع سيادي في دولتهم. وفي هذا المقام تولى الأمير تشارل (أمير الصرب) الدور الرئيسي في سيادة الموقف. وحتى أبريل 1876 كانت حكومة المحافظين بزعامة لاسكار كاترجيو ما تزال في الحكم,ثم حلت محلها حكومة ليبرالية في مايو. وعلى هذا تعاون زعيما الحزب الليبرالي إيون براشيانو وميشيل كوجالنيشينو Kogalinceanu تعاوناً وثيقاً مع الأمير وشاركاه مسئولية إتخاذ القرارات الرئيسية التي تم التوصل إليها. وهكذا وأمام الخطر الخارجي وقف الحزب الليبرالي وراء العرش خلافاً لموقفه السابق.

وخلال العامين الأولين من الأزمة وأثناء إنفجار ثورة البوسنة والهرسك وبلغاريا, وإشتعال الحرب بين الدولةالعثمانية والصرب التي إنضمت إليها الجبل الأسود ظلت روماناي متمسكة من الناحية الرسمية بسياسة حيادية. ولكن في الوقت نفسه كانت تضغط على الحكومة العثمنية للحصول على حقوق أكثر وإمتيازات في نطاق الدولة العثمانية, كما قدمت مساعدات محدودة للقوى المسيحية المجاورة المتحاربة مع الدولة العثمانية, ومن ذلك السماح بمرور متطوعين يحمولن السلاح من أراضيها إلى الصرب حيث ميدان المعركة, وإستمرار العصابات البلغارية في تنظيم أمورها من داخل رومانيا. ومع هذا لم يتطور الموقف العام خلال تلك الفترة لصالح طموحات رومانيا, بل لقد رفضت الحكومة العثمانية مطالب رومانيا حال إنتصاراتها على جيوش البلقانيين. ومرة أخرى كان من شا، هزية الشعب المسيحي السلافي, وتصلب العثمانيين في مواقفهم أن يستدعي تدخل روسيا, وهو أمر كانت رومانيا تخشاه ويثير منخاوفها. وأصبح واضحاً أنه في حالة دخول روسيا الحرب ضد الدولة العثمانية يصبح على رومانيا إما أن تسمح للقوات الروسية بالمرور عبر أراضيها, أو أن تتحمل مخاطرة أن تصبح أراضيها ميدان المعركة. غير أن جميع القوى السياسية في رومانيا كانت أكثر تردداً في قبول وجود جيش روسي على أراضيها وذلك إستفادة من دروس التاريخ الذي مرت به البلاد.

ثم أوضحت روسيا نياتها العاجلة في أكتوبر 1876 في أعقاب زيارة قام بها وفد روماني براسة براشيانو إلى الكسندر الثاني (قيصر روسيا) في ليفاديا Livadia وفي ذلك اللقاء ضغطت روسيا بشدة على رومانيا لتوقيع إتفاق بينهما بشأن كيفية مرور الجيش الروسي إلى الدانوب, على حين كان الرومانيون يرومون تفاهماً سياسياً كاملاً يعبر عن حماية مبدأ تكامل أراضي رومانيا ووحدتها, إذ كانو يخشون أن يفقدوا بصفة خاصة نواحي جنوب بسارابيا الثلاثة التي كانوا قد ضموها في 1856. وفي أثناء المفاوضات التي إستمرت حتى إبريل 1877 تم إستكشاف طرق بديلة لمرور الجيش الروسي إلى الدانوب. كما إستمرت المناقشات مع السلطات العثمانية حيث ذهبت وفود أخرى إلى دول أخرى من التي تضمن إستقلال رومانيا بغية التأكد من مساعدتها إذا ما قررت مقاومة ضغط روسيا عليها.

غير أن نتائج كل هذه التحركات لم تكن مشجعة لب كانت مخيبة للأمال, ذلك أن الدستور العثماني الصادر في ديسمبر 1876 أعلن با، رومانيا "جزء لا يتجزأ" من الأراضي العثمانية. وأنها ضمن "الولايات المتميزة" من ولايات الدولة. وكان هذا الإعلان في حد ذاته هو مجال المخاطرة والأزمة بين الطرفين ذلك بأن إمكانية حصول رومانيا على مساعدة خارجية ضد روسيا كان أمراً غير مضمون, فالنمسا مرتبطة بتفاهم سري مع روسيا نصحت رومانيا بألا تعقد أي إتفاق مع روسيا بشأن مرور الجيش الروسي في أراضي رومانيا, بل لها أن تسمح بالمرور دون توقيع إتفاق, وأن ينسحب جيش رومانيا إلى غرب ولاشيا. أما المانيا فكان من رأيها أن تستسلم رومانيا لكل رغبات روسيا. وأما فرنسا فلم تكن لها أهمية في هذا الموضوع بسبب ضعف جيشها آنذاك, وبريطانيا لم يكن بإمكانها أن تقديم أية مساعدة فضلاً عن أنها كانت راغبة عن تقديم مساعدات.

والحقيقة أن الإتفاق الذي عقد أخيراً مع روسيا في 16 أبريل 1877 كان بمثابة إكراه لرومانيا وخاصة عندما وافقت حكومة روسيا على أن يشتمل الإتفاق على مادة تضمن تكامل أراضي رومانيا. وتجدر الإشارة إلى أن رومانيا لم تكن آنذاك متحمسة كثيراً للدخول في حرب ضد الدولة العثمانية بالتحالف مع روسيا. ففي إجتماع لبلاط رومانيا في 13 أبريل وقلب توقيع الإتفاق بثلاثة أيام حضره الوزراء ونخبة من أبناء المجتمع كانت الأغلبية تفضل الوقوف علىالحياد وإنسحاب الجيش إلى جنوب ولاشيا بعيداً عن طريق القوات الروسية إلى الدانوب. أما القرارات الخاصة بالتعاون مع روسيا حتى دخول معارك القتال فقد تولاها الأمير بنفسه وبمساعدة براشيانو وكوجالينشينو.

أما مشاركة رومانيا في الحرب الروسية-التركية نشطة فلم تظهر بشكل واضح لأن روسيا كانت تأبى أن تقدم رومانيا لها مساعدة عسكرية, مع ملاحظة أن الإتفاق بين البلدين كان ينص فقط على مرور القوات الروسية خلال أراضي رومانيا. وعلى هذا ظلت المساعدات الفنية الرومانية على الحياد حتى بعد إنفجار الحرب في يوم 24 أبريل. غير أن الأمير الحاكم ومعه جيشاً قوامه ثلاثين ألف رجل مدربين أحسن تدريب وجد أن وضع الحياد غير مريح بالمرة وخاصة بعد هجوم القوات العثمانية على موانئ الدانوب.وفي 12 مايو وافقت الجمعية التشريعية في رومانيا على إعلان بالإستقلال التام عن الدولة العثمانية وبهذا أصبحت حالة الحرب ضد الدولة قائمة. ومع هذا إستمرت الحكومة الروسية في إبداء قليل من الإهتمام في تلقي مساعدة عسكرية من رومانيا بإستثناء قيام القوات الرومانية بحراسة أسرى الحرب أو حماية المدن. ورغم هذا فقد سعى أمير رومانيا للقيام بدور أعظم إذ كان ينبغي التصرف بشكل مستقل والإحتفاظ بجيشه وحدة عسكرية مستقلة في المعارك.

غير أن الموقف الروسي تجاه مشاركة رومانيا في الحرب تغير بشكل مفاجئ في أغسطس 1877 بعد كارثة الجيش الروسي أمام قلعة بلفنا, إذ أصبحت روسيا في مسيس الحاجة لجهود رومانيا, ومن ثم أعطى قادة اروس لأمير رومانيا القيادة التامة للعمليات العسكرية. وسرعان ما تخلى الأمير وبقدر من التملق والنفاق عن إصراره السابق بإنفراد جيشه بالعمل مستقلاً. كما لم ينتهز فرصة إحتياج روسيا له لكي يحدد ما سوف يحصل عليه في مفاوضات الصلح القادمة. وعموماً وأثناء الهجوم على قلعة بلفنا كانت العلاقات الروسية-الرومانية حسنة نسبياً.

ولكن بسقوط قلعة بلفنا الحصينة في ديسمبر 1877 حدث تغير مفاجئ في موقف رومانيا بشأن الحرب وتعامل روسيا معها. ففي أثناء الحرب حددت رومانيا أهدافها من دخول الحرب في الإعتراف بإستقلالها, والحصول على تعويضات مناسبة, والإستيلاء على دلتا الدانوب, وعلى أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة اليمنى للنهر بما فيها دوبروديا. وأكثر من هذه المطالب أهمية كان الحفاظ على تكامل أراضي رومانيا. ورغم أن روسيا لم تبلغ رومانيا رسمياً بنيتها في إستعادة جنوبي بسارابيا حتى يناير 1878, إلا أن الشائعات وصلت إلى رومانيا من عدة مصادر. وكان هذا هو موضوع الدبلوماسية الرومانية بشكل رئيسي في الفترة التالية والذي إنقسمت بشأنه الحكومة, فكان براشيانو الذي نجحت سياسته في التعامل مع الأزمة يشعر بأن الضغط الشعبي قد يدفع الحكومة إلى التمسك بالموقف. أما الأمير الحاكم ومعه موجلينشينو وكانا يعتقدان بأن القضية خاسرة, كانا يفضلان إستخدام المسألة كنقطة مساومة ربما لضم المنطقة بإمتداد مدينة روز-فارنا لدوبروديا.

أما الصرب فكانت غير متحمسة لدخول الحرب, فعند توقيع معاهدة الصلح مع الدولة العثمانية في مارس 1877 كانت قواتها مجهدة تماماً, وأكثر من هذا أنه لم تكن هناك دلائل محددة بشأ، ضمان مكاسب إقليمية كانت تأمل في الحصول عليها, فقد كانت \تريد ضم أراضي من البوسنة والصر بالقديمة.لكن روسيا كانت تربطها بالنمسا إتفاقيات سرية لم يكن بإمكانها أن تمنح اصرب وعوداً معينة بشأن ترتيبات معاهدة الصلح. وفي الوقت نفسه أطلت مخاطر أخرى على المسرح السياسي إذ إتضح للصرب بكل جلاء أن روسيا تقف بشدة إلى جانب المصالح البلغارية, ففي مؤتمر الآستانة كان اجناتيف يريد منح نيش وسكوبيه Skopje وبريزرن Prizren لبلغاريا برغم إدعاءات الصرب في تلك المناطق. ولهذا عندما ضغطت روسيا على الصرب لتقديم مساعدتها بعد هزيمة القوات اروسية أمام قلعة بلفنا أخذت الصرب وقتاً طويلاً للرد, وطلبت من روسيا تقديم مساعدة مالية, وإشارة واضحة بشأن المكاسب الإقليمية التي ستحصل عليها. وهكذا لم تدخل الصرب الحرب إلا في العاشر من ديسمبر وبعد ثلاثة أيام من سقوط بلفنا. حقيقة أن روسيا قدمت بعض الأموال للصرب لكنها لم تعد بشيء بشأن المكاسب الإقليمية التي تطلبها.

وأما اليونان فكانت شأن الصرب لم تحدد موقفها من الحرب إلا في اللحظة الأخيرة. ففي أثناء تمرد البوسنة وإندلاع الحرب الصربية-العثمانية من قبل لم تقم اليونان بأية حركة أو خطوة لمساعدة جيرانها وذلك إمتثالاً للضغط البريطاني. وقد وضع هذا الموقف برمته اليونان أمام صعوبات كان عليها مواجهتها تشبه إلى حد كبير الصعوبات التي واجهتها بشأن موضوع نائب البطريرك. ولم تأت الصعوبات في هذه المرة من جانب الدولة العثمانية بل جاءت من جانب حكومات البلقان السلافية المنافسة التي أصبحت تهدد بقطع الطريق على تحقيق الأمال القومية لليونانيين. فقد كانت اليونان تريد أن يدخل تحت سيادتها كل من كريت وتساليا وإيبروس وتراقيا وأكبر مساحة من مقدونيا كلما أمكن. وعلى هذا فإن قيام شعوب البلقان بحملة ناجحة ضد الدولةالعثمانية من شأنه الإضرار بالمميزات التي تتمتع بها اليونان إن لم يؤد إلى تدهور الموقف تدهوراً سيئاً. ورغم تلك الحقائق الصعبة الواضحة, إلا أن اليونانيين إنقسموا في الرأي فيما بينهم بشأن التعامل مع الحرب مثلما رأينا في كل من رومانيا والصرب. فكثير من اليونانيين كانوا يخشون إستبعاد بلادهم من ترتيبات الصلح في المستقبل إذ لم تدخل الحرب. وفي الوقت نفسه كان هناك حماس هائل شأ، حال الصربيين للقيام بأي عمل ضد الدولةالعثمانية حتى ولو لم تكن الظروف مواتية. ولقد كانت هذه الدوائر العامة تمثل ضغطاً كبيراً على الملك وعلى الحكومة في آن واحد.

على كل حال . . ففي 1876 رأس الوزارة اليونانية الكسندر كوموندوروس Koumoundouros وكان يقف إلىجانب المحافظة على حالة السلام مع تحقيق المكاسب الإقليمية عن طريق الدبلوماسية. ولهذا فقد تعرضت حكومته لهجوم من العناصر التي كانت تؤيد إعلان الحرب على الدولة العثمانية وإثارة التمرد في مقدوينا. وأصبح اليونانيين في وجل كبير وخشية وخوف من الخطط التي قدمت لمؤتمر الآستانة بشأن تكوين بلغاريا الكبرى من أراضي تطالب بها اليونان خاصة وأنه لم توجه دعوة لحكومة اليونان لحضور هذا المؤتمر. آنذاك وفي وقت هذا الخطر على المصالح القومية اليونانية تشكلت حكومة إئتلافية في يونية 1877 برئاسة الأدميرال كاناريس Kanares محل خاريلاوس تريكوبيس Charilaos Trikoupes, وإتخذت الإستعدادات اللازمة لتقوية اليونان عسكرياً, وحشدت القوات على الحدود العثمانية. ولهذا فعندما طلبت روسيا بعد محنة قلعة بلفنا المساعدة من اليونان وجدت الحكومة اليونانية نفسها في موقف صعب. فمن ناحية ضغطت بريطانيا عليها بشدة حتىلا تدخخل الحرب بل وتعمل على قمع المتمردين في المناطق العثمانية. وكان هذا يعني أنه لو دخلت اليونان الحرب فإن بريطانيا قد تساعد الدولة العثمانية فضلاً عن أن القوات العسكرية اليونانية لم تكن جاهزة للحرب. ومن ناحية أخرى إذا لم تدخل الحرب فمن المحتمل أن الحكومات السلافية وسف تجني وحدها فوائد إنتصار روسيا, ذلك أن صراع المصالح الصربية والبلغارية في مقدونيا كان شيئاً مخيفاً.

وفي مفاوضات مؤتمر الآستانة لم تقدم بريطانيا أو روسيا لحكومة اليونان أية ضمانات محددة بشأن مسألة المكاسب الإقليمية, بل إنه في أثناء أزمة حصار قلعة بلفنا قدمت روسيا وعوداً غامضة بتساليا وإيبروس دون إشارة إلى مقدوناي وتراقيا وهما محل جدل كبير. وهكذا ورغم أن جهود حكومة اليونان الدبلوماسية في تحقيق الآمال القومية قد أخفقت فقد واجهت الحقيقة القائلة بأن الرأي العام أصبح مع الحرب,وتحددت إحتمالات التحرك في إحتمالين: إما أن تدخل اليونان الحرب, وإما أن تحرض اليونانيين في الممتلكات العثمانية على الثورة.

على كل حال . . كان سقوط قلعة بلفنا في يد الروس صدمة لكل من الحكومتين اليونانية والصربية, وزادت المخاوف من أن الحرب قد تنتهي وتطوي معها إدعاءات اليونان أومطالبها, وزاد من إحتمال هذه النتائج سقوط آدريانوبل في يناير 1878. وآنذاك شعر اليونانيين أن ملكهم جورج كان في خوف حقيقي من أن يفقد العرش, ومن ثم أمر بتحريك جيشه بإتجاه الحدود. ولما كان هذا الإجراء غير دستوري فقد تسبب في أزمةداخلية سريعة أدت إلى تشكيل حكومة جديدة برئاسة كوموندوروس تولى وزارة الخارجية فيها تيودور ديليانيس Deliyannes الذي كان مع الحرب. وإندلعت المظاهرات في شوارع أثينا, وأصدرت الحكومة التي كانت مع الحرب بوضوح توجيهاتها لبدء حالة التمرد العام في تساليا وإيبروس ومقدونيا. وفي الثاني من فبراير أعلنت أن وقاتها قد تدخل مناطق عثامينة في الثالث من فبراير أن هناك هدنة وقعت بين روسيا والدولةالعثمانية في يوم 31 يناير لم يرد ذكر لليونان فيها. وعلىهذا وضحت المخاوف التي وضعتها اليونان في إعتبارها, فمن الممكن والحال كذلك أن تركز القوات العثمانية هجماتها على اليونانيين, وأن تنسحب القوات اليونانية خلف حدود بلادها, وتتدخل القوى الدولية لمنع مزيد من التحركات العثمانية. وفي نهاية الأمر وجدت اليونان نفسها في موقف ضعيف بالنسبة لشروط الصلح المقبلة, فقد تحصل علىمساندة روسيا وكذلك بريطانيا التي لم تكن ترغب من البداية أن تدخل اليونان الحرب.

لقد أدى إنتصار روسيا في الحرب ونهاية الصراع مع الدولة العثمانية على ذلك النحو إلى إزدياد مخاوف رومانيا والصرب واليونان على حد سواء, فقد عكست بنود إتفاقية الهدنة في يناير نيات روسيا تجاه البلقان, وكانت صدمة عميقة لهذه الدول الثلاث.وفي مقدمة هذه المخاوف البند الخاص بإيجاد دولة بلغاريا الكبرى, وهو ما إتضح بشكل محدد في معاهدة سان ستيفانو في 3 مارس 1878. وقد أدت هذه المعاهدة التي قامت على التفاوض الثنائي بين روسيا والدولة العثمانية إلى كسر سلسلة من المعاهدات الدولية عقدت قبيل الحرب بما فيها التحالفات التي عقدت مع النمسا. وكانت أهم ملامح هذه المعاهدة شأن إتفاقية الهدنة البنود الخاصة بإقامة بلغاريا والتي سوف تجمع في طياتها مناطق شمال وجنوب جبال البلقان أي تراقيا ومعظم مقدوينا, وبهذا سوف تكون أقوى دول البقان, وسوف تكون تحتهيمنة روسيا من خلال وجود جيش روسي على أراضيها لمدة عامين (طبقاً للمعاهدة), فضلاً عن إمارة الجبل الأسود التي كانت تتمتع بتأييد روسيا حصلت علىمكاسب ضخمة وإتسع حجم مساحتها ثلاثة أضعاف.

أما حكومات البلقان الأخرى فلم تنل من هذه الحرب إلا قليلاً من المكاسب بإستثناء اليونان التي لم يحصل على شيء على الإطلاق. فالصرب التي كانت تريد أن تضم باشويات نيش وبريزرن وسكوبيه ونوفي بازار فضلاً عن فيدين ومناطق أخرى محيطة أخذت فقط نيش وبعض اراضي أخرى بلغت مساحتها جميعاً حوالي 150 ميلاً مربعاً. أما رومانيا حليفة روسيا فربما تلقت أسوأ معاملة من الجميع إذ قامت روسيا بإعادة ضم الثلاثة أحياء جنوبي بسارابيا والتي كانت قد فقدتها بعد حرب القرم, رغم تعهدها لرومانيا بضمان وحدة أراضيها في مقابل تنازل الدولة العثمانية عن دلتا نهر الدانوب ودوبروديا لروماناي. ويضاف إلى هذه النتائج إعلان إستقلال الصرب ورومانيا والجبل الأسود دول مستقلة طبقاً لنصوص إتفاقية الهدنة.

والحق أن شعوب البلقان لم تكن وحدها التي فزعت من هذه التسوية (معاهدة سان ستيفانو) بل إن النمسا وبريطانيا وجدتا إستحالة قبولها, كما لم تتصور أي دولة من الدول الكبرى إاقمة دولة بلغارية قد تسيطر إستراتيجياً على شبهع جزيرة البلقان كلها مع وجود جيش روسي بين ظهرانيها وعلى مسافة قريبة من الآستانة, فضلاً عن تجاهل الإتفاقات التي منحت البوسنة والهرسك للنمسا من قبل, فضلاً عن أن روسيا بمقتضى التسوية حصلت على أحد الأقاليم العثمانية بآسيا وهو ما يضر بمصالح بريطانيا. وعلى هذا سرعان ما نشأت أزمة دولية حول بنود سان ستيفانو, وبعد فترة من المفاوضاتت المستمرة وافقت روسيا على أن تعرض المعاهدة للمراجعة بمعرفة الدول الكبرى في مؤتمر يعقد في برلين في شهر يونية. وقبل أن ينعقد هذا المؤتمر كانت روسيا قد إتفقت مع إنجلترا على التغيرات الأساسية التي يجب إحداثها وأهمها مواقفة روسيا على تقسيم دولة بلغاريا الكبرى.

وهكذا وقبيل المؤتمر في برلين وجدت حكومات البلقان نفسها في وضع العاجز اليائس فقد تم إتخاذ القرارات الكبرى مسبقاً في عواصم كل من المانيا وبريطانيا والنمسا وروسيا وقبيل عقد المؤتمر, وأصبح مصير تلك الحكومات يتوقف على قدر المساومة في يمكن أن تقوم بها القوى الكبرى الراعية لها. وربما كان أقوى رد فعل لشروط الصلح جاء من رومانيا التي حرمت من أراضيها القومية, وظل الجيش الروسي في اراضيها طبقاً لأحد مواد معاهدة سان ستيفانو التي نصت على مروره في ا{اضيها خلال العامين التي يحتل فيها هذا الجيش بلغاريا. وأكثر من هذا روسيا أخذت تضغط على رومانيا لعقد إتفاق جديد بخصوص مرور الجيش الروسي في أراضيها. ولما كانت رومانيا تخشى من أن تؤدي إطالة وجود القوات الروسية بها إلى إعادة إعتبارها محمية روسية فقد قاومت هذا الإجراء وطلبت المساعدة الخارجية للتغلب على هذا الضغط. ورغم أنه لم يكن لرومانيا أصدقاء حقيقيون أو رعاة من بين الدول الكبرى لمساندتها, إلا أن النمسا كانت ترغب في الإبقاء على صداقة رومانيا قدر الإمكان لا لشيء إلا لاحتمال إنفجار حرب جديدة نتيجة شرط الصلح, وهوماجعل علاقة رومانيا بالنمسا وثيقة.

أما الصرب فكانت في موقف مشابه لا تحسد عليه, فرغم ا، معاهدة سان ستيفانو قد أشارت بوضوح إلى تخلي روسيا عن إدعاءاتها في الصرب, إلا أن الدبلوماسيين الروس أبغوا مندوبي الصرب بوضوح أن عليهم أن يطلبوا مساعدة النمسا في هذا الشأن.كما أن الصربيين شعروا بمرارة شديدة من إقرار معاهدة سان ستيفانو قيام دولة بلغارية أقوى بكثير من دولتهم.ولما لم يكن أما الصرب أي بدائل أخرى فقد اتجهت النمسا للحصول على تأييدها بإعتبارها أحد القوى الكبرى, فما كان النمسا إلا أن أصرت على إجراء مفاوضات عاجلة لعقد إتفاقية إقتصادية بين الطرفين تم توقيعها في 8 يوليو 1878 بمعرفة ريستش وآندراسي كانت أكثر فائدة للنمسا وأقل إضراراً بمصالح الصرب, تناولت مشكلات التجارة والسكك الحديدية وحق النمسا في تحسين الملاحة في نهر الدانوب عند البوابات الحديدية كما تضمنت مادة بشأن عقد معاهدة في المستقبل بشأن التوحيد الجمركي بينهما.

ورغم أنه لم يسمح لأي حكومة بلقانية بالإشتراك إشتراكاً كاملاً في أعمال مؤتمر برلين, إلا أ، كل حكومة تمكنت من إرسال ممثلين لها لتوضيح وجهة نظرها أمام الجلسات التي كانت تخصص للمسائل المتصلة إتصالاً مباشراً بها. وفي كل الأحوال لم تفلح الحجج التي قدمها أولئك الممثلون في تغيير أي قرار من القرارات الكبرى, فمثلاً تحدث براشيانو وكوجلينشينو حديثاً طويلاً إحتجاجاً على فقدان بلادهم (الصرب) لجنوبي بسارابيا دون جدوى, وكذلك أبدى ديليانيس (رئيس حكومة اليونان) حججاً قوية بشأن حق بلاده في تراقيا وتساليا وكريت.وبينما كانت فرنسا تؤيد اليونان دون تحفظ, بدا لوهلة أن بريطانيا قد تؤيد مطالب اليونان كنوع من كبح مكاسب السلاف.

على كل حال . . لقد كانت معاهدة برلين التيتم التوصل إليها في ختام أعمال المؤتمر أهم الإتفاقيات قاطبة بالنسبة لشعوب البلقان خلال القرن التاسع عشر, وكان الإختلاف الرئيسي بينها وبين معاهدة سان ستيفانو ما يتعلق فقط بأراضي بلغاريا الكبرى التي قسمت بلغاريا إلى ثلاثة أجزاء وهي: بلغاريا (الحقيقية) وهي منطقة شمال جبال البلقان تشمل صوفيا وتصبح إمارة ذات حكم ذاتي تابعة للدولة العثمانية وتدفع جزية, والجزء الثاني يتكون من شرق روميليا جنوب الجبال ويكون ولاية شبه جكم ذاتي يحكمها مسيحي يختاره السلطان العثماني وتوافق عليه الدول الكبرى, والجزء الثالث وهو مقدونيا وتراقيا تستعيده الدولةالعثمانية. وتبقى القوات الروسية في بلغاريا الأصلية لمدةتسعة أشهر. أما الجبل الأسود فقد تم الإعتراف بإستقلالها وتقلصت مكاسبها ولكنها ظلت تحصل على توسعات إقليمية ملحوظة ولها مغزاها. وأما الصرب فقد أضافت لمساحتها مائتي ميل مربع من الأراضي بضمها كل من نيش وبايروت Pirot وفرانيه Vranje وليس فقط مائة وخمسون كما كانت تأمل كما تم الإعتراف بإستقلالها. أما بالنسبة لرومانيا فقد ظلت أمورها كما تم الإتفاق عليه في معاهدة سان ستيفانو وتم ربط الإعتراف بإستقلالها بشروط تتعلق باليهود سوف نناقشها فيما بعد.

وأما اليونان فلم تحصل على أية أراضي بشكل مباشر, ذلك أن المؤتمر دعاها والدولة العثمانية للتفاوض لضبط الحدود بينهما في تساليا وإيبروس ونصت المادة 24 من المعاهدة على أنه ف يحالة فشل المفاوضات فإن الدول الكبرى سوف تتوسط في الأمر. وقد حاولت اليونان تنفيذ هذا القرار بسرعة لكن الدولة العثمانية-كما كان متوقعاً-كانت تعمل قدر الإمكان على تأخير بدء التفاوض. وأخيراً إلتقى الطرفان في بريفيرا Preveza في فبراير 1879 ولما أخفقت المفاوضات بينهما إضطرت القوى الكبرى للتدخل حيث عقد مؤتمر في الآستانة من أغسطس إلى نوفمبر 1879 دون التوصل إلى شيء. لكن قضية اليونان حصلت على مساعدة من خلال وجود حكومة ليبرالية في بريطانيا في 1880 برئاسة وليام جلادستون عاشق الهللينية, وعلى هذا وفي مؤتمر دولي عقد في برلين في يونية 1880 حصلت اليونان علىتسوية حدود مرضية.ولكن فرض التسوية كان يستدعي إستخدام القوة فلم تكن الدولة العثمانية هي الوحيدة التي إعترضت على التسوية بل إن الألبانيين-كما حدث عند تسوية حدود الجبل الأسود-قاوموا أي تغيير للحدود. وأخيراً وفي يوليو 1881 نجحت القوى الكبرى في تسوية المسألة حيث أخذت اليونان تساليا وجزء من إيبروس فقط وهي مساحة أقل مما كانت تأمل ثم رسمت الحدود بشكل نهائي في عام 1882.

على أن التوسع الإقليمي لم يقتصر على الكيانات الصغرى بل إن الدول الكبرى تمتعت بهذا التوسع حي ثحصلت روسيا على جنوبي بسارابيا,وحصلت النمسا على حق إحتلال البوسنة والهرسك وإدراتهما وكذا إدارة سنجقية نوفي بازار. وأكثر من هذا أن الدولة العثمانية أرغمت على أن تتنازل لروسيا عن باطوم وقارص وأردهان وهي مناطق آسيوية فضلاً عن خسائرها في أوروبا ذاتها كما راينا,كما حصلت بريطانيا على جزيرة قبرص بمعاهدة منفصلة. وفي كل هذه التسويات والتوسعات كانت الدولة العثمانية هي الضحية الرئيسية لمعاهدة برلين ذلك أنكل من الصرب والجبل الأسود ورومانيا أصبحت دولاً مستقلة وأصبحت بلغاريا تتمتع بحكم ذاتي, ولو أن الدولة العثمانية ظلت تحتفظ بسيطرتها على تراقيا ومقدونيا والأراضي الألبانية وهي مناطق مصيرها إلا بعد خمس وثلاثين عاماً.

والخلاصة أنه بعد مؤتمر برلين أعادت القوى الرئيسية في أوروبا بناء تحالفاتها. ففي 1879 عقدت المانيا والنمسا حلفا ثنائياً إنضمت إليه إيطاليا في 1882 فأصبح يعرف بالحلف الثلاثي وظل قائماً حتى الحرب العالمية الأولى. وفي 1881 تجاوزت روسيا والنمسا ما بينهما من جراح قديمة ووقعتا مع المانيا إتفاقية أنعشت تحالف الأباطرة الثلاثة. وكانت المادة الثانية في معاهدة هذا التحالف تخص البلقان وتقضي بالتصرف الجماعي لمواجهة أية تغيرات قد تحدث هناك. كما نص التحالف على أن تقوم المانيا والنمسا بتأييد التفسير الروسي للإتفاقيات الدولية في حالة غلق المضايق العثمانية. وأبدى الثلاثة إستعدادهم لقبول رغبة روسيا في توحيد بلغاريا وشرقي روميليا مستقبلاً, وضم النمسا للبوسنة والهرسك حال تكون الفرصة متاحة في أي وقت. وبهذه التحالفات تم تأسيس توازن بين القوى الكبرى في البلقان على حين ظلت فرنسا معزولة عن هذه الترتيبات حتى تسعينيات القرن التاسع عشر.

الفصل الحادي عشر: بلغاريا تحت الحكم العثماني 1878 – 1896

رغم أن أحداث السبعينيات كما عرضنا لها في الفصل السابق إنتهت بإنشاء كنيسة بلغارية منفصلة وإيجاد حكومة ذاتية بلغارية عام 1878, إلا أن القوميين البلغار إعتبروا هذه النتائج مخيبة للأمال وظلوا يعتبرون حدود بلادهم الحقيقية هي ما حددته معاهدة سان ستيفانو وليس مؤتمر برلين. ومع ذلك فلقد تحقق الكثير من الأمال فقد أصبح هناك حكم ذاتي بلغاري على الأقل رغم إستمرار السيادة العثمانية, وهناك عاصمة في صوفيا, وأمير حاكم, ونظام دستوري تضمنه الدول الكبرى, وتنظيم خاص لمنطقة شرق روميليا يستند إلى قانون تشريعي خاص, ويدير شؤنهاه محافظ عام مسيحي يعينه السلطان العثماني وتوافق عليه الدول الكبرى. والحق أن إنفصال بلغاريا وشرق روميليا عن بعضهما البعض على ذلك النحو كان في عرف مؤتمر برلين أمراً مؤقتاً وأنهما لابد أن يتوحا في النهاية. أما الجزء الثالث من بلغاريا الكبرى وفق سان ستيفانو ألا وهي مقدونيا فقد رجعت للسيادة العثمانية كما سبقت الإشارة.

غير أن هذا التقدم السياسي الذي حققته بلغاريا صاحبه بعض أوجه القصور وبعض العيوب, فقد أدركت حكومتها أنه كلما ضعفت السيطرة العثمانية كلما زاد النفوذ الروسي بشكل حاد مثلما كان حال إمارتي الدانوب (رومانيا) بعد الحرب اروسي-العثمانية 1828. ومن ناحية أخرى كانت بلغاريا أهمية إستراتيجية قصوى بالنسبة لروسيا لقربها من المضايق العثمانية وإستانبول, وكانت روسيا قد عزمت على جعل صوفيا (عاصمة بلغاريا) مركزاً أمامياً يعتمد عليه لمصالحها. ولما كانت الدول الكبرى قد إعترفت بوضع متميز وسيادي لروسيا في بلغاريا الجديدة فقد أصبح بإمكان المسئولين الروس أن يتصرفوا بحرية نسبية في هذه البلاد كما يحلوا لهم. وكان هؤلاء المسئواون مهتمون حقيقة وبإخلاص بوضع نظام إداري للبلاد متقدم قدر الإمكان, ووضع أساس بلناء علاقة صداقة حقيقة في المستقبل بين بلغاريا وروسيا مثلما كان الحال في إمارتي الدانوب أثناء إدارة كيسليف Kiselev

وفي هذا الخصوص كانت هناك مشكلتان تطلبا إهتمام روسيا بشكل عام,تتعلق الأولى بوضع دستور, والثانية تختص بإنتخاب أمير لحكم البلاد. وكان وضع الدستور له أولوية خاصة وأن مؤتمر برلين قرر أن الجيش الروسي الذي يحل بلغاريا سوف يرحل بعد تسعة أشهر من التصديق على معاهدة برلين. وللحيلولة دون وقوع فوضى سياسية وإدارية في البلاد قد تتخذها الدولة العثمانية أو بريطانيا وفرنسا ذريعة للتدخل في شؤون بلغاريا الداخلية فقد عزمت روسيا على وضع دستور قبل أن يحين موعد رحيل جيشها عن البلاد. وعلى هذا وفي نوفمبر 1878 إنتهى المندوب الإمبراطوري اروسي في بلغاريا الأمير دوندكوف-كورساكوف ومساعديه من وضع مشروع الدستور على نفس مبادئ دستوري الصرب ورومانيا.

ثم أرسل المشروع إلى روسيا لمراجعته بمعرفة وزيري الخارجية والحربية ولجنة خاصة. وكان رأي جيرز N.K. Giers القائم بعمل وزير الخارجية أنه يجب تركيز السلطة الرئيسية في الدولة في الهيئة التنفيذية أي الأمير الحاكم, على حين كان من رأي زميليه ميليوتين Miliutin وزير الحربية أن نفوذ روسيا في بلغاريا لا بد وأن يعتمد على التأييد الشعبي وليس على حاكم أجنبي يأتي ليحكم البلاد ولم يكن قد تم إختياره بعد, وهذا يعني أن السلطة المطلقة يجب أن توضع في هيئة تشريعية وليس في يد الحاكم. كما أثار ميليوتين مسألتين أخرتين الأولى: ألا يكون طابع دستور بلغاريا أكثر محافظة من دستوري رومانيا والصرب, بل ينبغي أن يكون نموذجاً يحتذى وليس صورة معكوسة, والثانية: الدستور ينبغي أ، يكون أكثر تقدمية من القانون الأساسي الذي وضع لشرق روميليا. فإذا ما تحقق هذا فإن أهالي شرق روميليا قد يتحمسون للدخول في وحدة مع بلغاريا. وبغختصار كان يريد أن تصبح بلغاريا نموذجاً لدولة تقدمية في البلقان. أما وقد شاءت فكرته فقد أصدر جيرز تعليماته إلى إلى دوندوكوف-كورساكوف لإخبار الجمعية الدستورية البلغارية التي كان يجري تشكيلها بأن الدستور الذي قدمته روسيا هو مجرد إقتراح وأن للوفود المعنية "الحرية الكاملة" لإبداء أرائهم بشأنه والتوصل إلى قرارهم الخاص. والحقيقة أن الحكومة الروسية لم تمارس أية ضغوط على أعضاء الجمعية خلال مناقشة مشروع الدستور.

وفي فبراير إجتمعت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور في تورنوفو Turnovo وكانت تتكون من 231 عضواً منهم 89 تم إنتخابهم على أساس مندوب وأحد لكل عشرة آلاف رجل ذكر, والآخرون تم إختيارهم من السلك الكنسي ومن موظفي مجالس المدن والأحياء. وعلى هذا أصبح واضحاً وبسرعة أ، الجمعية منقسمة بين مجموعتين متعارضتين: مجموعة كونت حزب المحافظين والخرى كونت الحزب الليبرالي. وكان قوام المحافظين العناصر الأكثر ثروة وجاء وغنى والأفضل تعليماً, وكان من بينهم ديميتيور جريكوف Dimitur P. Grekov, وتيودور إيكونوموف Ikomonov, وقسطنطين ستويلوف Stoilov. وكان هؤلاء قبل عام 1878 (أي قبل مؤتمر برلين) يؤيدون إتخاذ سياسة إنتقالية متطورة تجاهالدولة العثمانية ويقاومون البرامج الثورية لتحقيق الإستقلال. كما كانو يعتقدون بضرورة أن تهيمن الهيئة التنفيذية على أمور البلاد والعباد طالما أن دولتهم ستصبح دولة دستورية. ولما كانوا يظنون أن الناخبين غير ناضجين سياسياً بدرجة كافية فقد أدركوا حاكماً قوياً أبوياً يقود رعاياه ويحسن تربيتهم. وأكثر من هذا كانوا يفضلون أن تكون الهيئة التشريعية من مجلسين, كما كانوا ضد حرية الصحافة. وفي السياسة الخارجية كانوا موالين لروسيا حيث كانت وجهات نظرهم السياسية بشكل عام تتطابق مع وجهة نظر خارجية الروسية.

أما وجهة نظر الليبراليين في الدستور فقد كانت أقرب إلى وجهة نظر وزير الحربية الروسي. وكان معظمهم قد جاءوا من المدن وليس من الريف وشاركوا من قبل في الحركات الثورية, وفي مقدمتهم بيتكو كارافيلوف Petko Karavelov, وبيتكو شلافيكوف P.R. Slaveikov, واستفان ستامبولوف Stambolov, ودراجان تزانكوف Dragan Tasnkov. ولأن كثيراً منهم تعلم في الخراج أو إطلع على أفكار الغرب بطريقة أو بأخرى فقد كانوا أحكثر ديموقراطية ولا يقبلون مساومة وجود حياة برلمانية وحريات مدنية فضلاً عن أنه كان بينهم خطباء مفوهين نجحوا في أن تسود أفكارهم في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور. وهكذا فإن دستور تورنوفو 1879 كان ثيقة ليبرالية غاية في التطرف إذ وضع السلطة الرئيسية في الحكم في الهيئة التشريعية.

ولقد نص الدستور على إنشاء مجلسين: الجمعيةالعمومية وهي هيئة تشريعية تقليدية, والهيئة القومية الكبرى Grand National ويدخل في إختصاصها التعامل مع الأمور غير العادية مثل التنازلات الإقليمية وتعديلات الدستور, وإنتخاب الحاكم الجديد. أما الجمعية العمومية فتتكون من أعضاء يتم إنتاخبهم بواقع مندوب واحد لكل عشرة آلاف شخص من السكان وعلى أساس حق التصويت العام, ولها حق التشريع ومراقبة الموازنة العامة,وللحاكم حق إصدار مراسيم حكومية أثناء وجودها في إجازة, ولا يمكنه فرض ضرئاب جديدة لأن هذا الإجراء من حق الجمعية العمومية فقط ودون منازع. وللأعضاء التعبير عن أرائهم في جلسات الجمعية في حرية تامة, ولهم حصانة قضائية, ولا تجتمع إلا مرة واحدة سنوياً وبدعوة من الحاكم ولمدة شهرين إبتداء من 15 أكتوبر من كل عام.

ورغم هذه السلطة التشريعية القوية التي تتمتع بها الجمعية العمومية, إلا أن الحاكم كانت له صلاحيات كثيرة فهو الذي يدعوها للإنعقاد, وهو الذي يأمر بفض إجتماعتها, وهو الذي يؤجل إنعقاد جلساتها لمدة تزيد على شهرين, وهوالذي يعين وزراء الحكوممة وكل المسئولين في الدولة, والوزارة مسئولون أمامه وأما الجمعية. غير أن الدستور لم يحدد ما الذي يتعين إتخاذه في حالة نشوب خلاف حول مسألة ما, ذلك أن إصدار القانون يتطلب توقيع الحاكم والوزراء. ومن ناحية أخرى فالحاكم يتمتع بالسلطة التقليدية التي لحاكم أي دولة, فهو القائد الأعلى للجيش, وهو الذي يتولى بالعلاقات الخارجية لبلاده.

كماتم تقسيم البلاد إدارياً إلى عدة محافظات Okruzi, وكل محافظة تنقسم إلى ماركز Okolii, وكل مركز إلى مدن أو قرى, وكل مدينة أو قرية إلى نواحي Obshtini, وكل محافظة يديرها محافظ يعينه الأمير الحاكم, ويساعده مجلس ينتخب أعضاؤه إنتخاباً عاماً لمدة ثلاث سنوات, ويختص بتقدير الضرائب وإعداد الموازنة وإدارة الشؤون العقارية والملكيات في المراكز والمحافظة. وأما المراكز فإنها تتبع المحافظات ويديرها نواب للمحافظ وكل منهم مسئول عن الشرطة وإقرار النظام. وأما الناحية وهي أصغر وحدة إدارية فقد أبقى عليها الدستور وعلى وظائفه حيث أنها لعبت دوراً له مغزاه في بلغاريا أثناء الحكم العثماني. ويدير الناحية مجلس منتخب يختار من بين اعضائه العمدة وإثنان مساعدين له يقوم العمدة بإدارة شؤونها ويقوم بدور همزة الوصل مع الإدارات الرئيسية في الحكومة. وبمعنى آخر فقد إحتفظت بلغاريا بمقتضى الدستور بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي بالقياس إلى غيرها من الحكومات البلقانية المجاورة.

وقد نص الدستور أيضاً على إيجاد نظام قضائي, وعلى حماية الحريات المدنية وضمان حرية الكلمة والصحافة والإجتماع والإتصال شأن دساتير بلاد البقان. كما نص على حماية الملكية الخاصة ومنع التفتيش بإذن قانوني,وإعتبار البريد والتلغراف من المسائل السرية لا يجوز التجسس عليها, وحق الشكوى مكفول للجميع. غير أن تطبيق هذه الضمانات كان يحتاج إلى وقت طويل شأن ما يحدث في كل مكان.

وبمجرد صدور هذا الدستور الليبرالي كانت المشكلة التالية هي إختيار الأمي رالحاكم ومثلما حدث في اليونان تولت الدول الكبرى تسمية امرشح وكانت قد أتفقت في برلين على ألا يكون الأمير المرشح أحد أبناء الأسر الملكية الكبيرة. وعلى هذا وبعد عدة مشاورات تم إختيار الكسندر البناتنبرجي Battenberg أمير إمارة هيس Hesse واكن في الثانية والعشرين من عمره ويعمل ليفتنات بالجيش. وهكذا تلقت بلغاريا شأن كل من رومانيا واليونان أميرا ألمانيا ليحكمها. وقد بدا أن إختيار الكسندر كان جيداً بنظره أولية, فقد كانت عمته إمبراطورة روسيا,أي أنه إبن أخت قيصر روسيا. ولما كانت من المفترض أن يكون لروسيا نفوذاً واضحاً في بلغاريا الجديدة فقد كانت تلك العلاقة على جانب كبير من الأهمية. ومن الطريف أن نذكر أن هذا المير الصغير لم يكن موضوع حسد القيصر وزوجته على هذا المنصب, فعندما ظهر إسمه كمرشح صرح الكسندر الثاني قيصر روسيا أنه لا يرغب لإبن أخته هذا الوضع الصعب. ورغم أنه غير رأيه فيما بعد, إلا أن زوجته الإمبراطورة ظلت تعارض بشدة تعريض قريبها للمشكلات التي قد يواجهها في بلغاريا.

ولقد قبل الكسندر عرش بلغاريا لا لشيء إلا أنه لم يكن يأمل كثيراً في الترقي في الجيش الألماني. ورغم روابطه العائلية الملكية العظيمة, إلا أن أصوله الأرستقراطية وحياته العسكرية زودته بخبرات محدودة لم تكن لتساعده في حكم دولة فلاحين وضع له دستور على درجة عالية من الليبرالية. ومثلما فعل الأمير تشارل ملك رومانيا رأينا الكسندر قد عقد نيته لحكم بلغاريا بطريقة أو بأخرى. وكانت مشكلته أنه وبخلفيته الأرستقراطية لم يكن ليقبل كثيراً القيود الدستورية الموضوعة ولا يقبل أيضاً أفكار الحزب الليبرالي المسيطرة هناك. وعلى هذا ومع أول قرار إتخذه وقع الصدام الذي لم يكن من الممكن تحاشيه, فبدلاً من أن يختار أحد أعضاء الحزب الليبرالي صاحب الأغلبية لتشكيل الحكومة, أو يشكل حكومة إئتلافية كما إقترح عليه البعض, عهد بتشكيل الحكومة إلى بوموف T.S. Burmov وهو شخص محافظ.وكانهذا معناه أنه أراد أن يفهم الجميع من اللحظة الأولى أنه سوف يحكم البلاد متجاهلاً الدستور والقوى الليبرالية.

وكان على بلغاريا لكي تدافع عن نفسها وتستعد للتوحد مع شرق روميليا في المستقبل أو ضمها أن تضمن وجود جيش نظامي مزوداً بالأسلحة المناسبة. وتحقيقاً لهذا الغرض لم يكن من الممكن الإستغناء عن مساندة روسيا وتأييدها. وعلى هذا ورغم أن الأمير الكسندر كان حراً في إختيار وزير الحربية فقد كان من المفهوم أنه لا بد وأن يتشاور مع عمه قيصر روسيا في هذا الإختيار الذي إنتهى بتعيين بارنسوف P.D. Parensov أحد جنرالات الجيش الروسي لكي يقوم بتدريب الجيش البلغاري. ولما كان بارنوسف يتصرف في ضوء توجيهات رئيسه ميليوتين فسرعان ما إختلف مع الأمير (الحاكم) ووقف إلى جانب الليبرالين. ورغم ذلك فلم يكن بإستطاعة الأمير أن يستغني عن خدماته أو عزله لأنه ضابط روسي عينه قيصر روسيا لهذه المهمة.

ولكي تتعقد الأمور أكثر وأكثر رأينا أن القنصل العام الروسي دافيدوف A.P.Davydov في صوفيا الذي يتلقى تعليماته من وزارة الخارجية الروسية يقف بكل ثقله خلف الأمير وجماعة المحافظين. وبمعنى آخر كان المسئولان الروسيان الروسميان في بلغاريا (مسئول الجيش والقنصل) يتبعان سياسات على طرفي نقيض, وأصبح من المفهوم أن الأمير والحزبين الرئيسيين والمواطنين البلغار الذين يتبع كل منهم سياسات الحزب التابع به قد وقعوا في إضطراب شديد.

والحاصل أن الصراع بين الأمير ومعه المحافظين من جهة وبين الليبراليين من جهة أخرى أخذ يشتد بوضوح على مدى العامين التاليين. فقد كان خصوم الأمير يتشككون كثيراً في مستشاريه الألمان, وقد أزعجهم إزعاجاً شديداً تفكيره في إدخال ضباط المان في جيش بلغاريا. وبدا الأمر كما لو كان الأمير يعمل للسيطرة على الجيش لإعداد إنقلاب Coup d'etat, وعلى هذا إزداد إقتناعه بأنه يجب إيقاف العمل بالدستور أو البحث عن وسائل للتحايل عليه. ومن باب الإستعداد للقيام بتغيير في الدستور وجدنا الأمير وعائلته يلتمسون من قيصر روسيا المساندة فيما ينوي الأمير عمله, ولكن دون جدوى. وفجأة وبشكل غير متوقع تم إغتيال القيصر الكسندر الثاني في 1881 وخلفه على العرش إبنه الكسندر الثالث وهو شديد الرجعية, والذي بفضل موقفه أصبح بإمكان حاكم بلغاريا أن يوقف العمل بالدستور في ظل موافقة روسية رسمية.

ورغم أن أمير بلغاريا كان يعتقد أن بإمكانه حكم البلاد حكماً قوياً, إلا أنه سرعان ما واجه مشكلة حادة تمثلت في أن قيصر روسيا (الكسندر الثالث) كان رجلاً اوتوقراطياً يطلب من الجميع إحترامه وطاعته بما فيهم حاكم بلغاريا. وأكثر من هذا أنه كان يعتبر بلغاريا مجرد تابع لروسيا أو مجرد إقليم في إمبراطوريته الشاسعة, على حين كان أمير بلغاريا يعتقد أنه يمكنه أن يتعامل مع القيصر كقريب وكشخص مساو له. وكان هذ يعني أن صراعاً وحشياً بين الرجلين لم يكن من الممكن تحاشيه, وأكثر من هذا فقد بدا واضحاً أن الروس البلغار لم يكونوا متعاونين في كافة المستويات الوظيفية والإدارية, ولم يقتصر الإضطراب العصبي على مستوى الحكام. وكان أكبر مظهر للصراع قد حدث في الجيش بين صغار الضباط البلغار والعسكريين من أصول بلغارية وبين رؤسائهم اروس وذلك بسبب تخصيص الرتب العسكرية في الجيش البلغاري من رتبة الكابتن فما فوق للوس, مما جعل شباب البلغار الطوح يدركون أن ترقياتهم في الجيش محدودة ومقيدة. كذلك مقعت مصادمات مشابهة داخل مختلف الأجهزة الإدارية في ابلاد بسبب تصرفات بعض الرسميين الروس التي كانت فوق الإحتمالات.

ونتيجة لكل هذه المواقف تدهورت العلاقات الروسية-البلغارية بشكل حاد, ففي عام 1883 زجد الليبراليون أنفسهم وهم الذين كانوا يقاومون الأمير بقوة قد إقتنعوا بأنهم إستبدلوا بالسيطرة العثمانية سيطرة روسية. ومن هنا ولكي ترهن الأحزاب السياسية المتنافسة على قدرتها في حكم أنفسهم بأنفسهم إصطفت جميعها وراء الأمير لتكوين جبهة متحدة في مواجهة المسئولين الروس. وبادر الأمير من جانبه بإعادة العمل بدستور تورنوفو وأصبح حاكماً حقيقياً لدولة بلغاريا, وأصبح هناك ولأول مرة منذ 1879 مظهر للوحدة في البلاد. على أن هذا النصر الذي أحرزته القوى السياسية في بلغاريا مع الأمير جعل قيصر روسيا يضيق ذرعاً ومن ثم قرر الإطاحة به. كما أصبح واضحاً للأمير الكسندر انه طالما يحكم بلغاريا فإن روسيا سوف تعارض وحدة بلغاريا وشرق روميليا. وآنذاك تطورت الحوادث في الإقليم تطوراً جعل مسألة الوحدة يمكن أن تثار بطريقة أو بأخرى.

ولما كانت روسيا قد إتفقت على إنشاء بلغاريا بحدودها وفق مؤتمر برلين في 1878 فقد ظلت منطقة شرق روميليا في يد هيئة دولية من الدول الكبرى. ولقد قامت تلك الهيئة بإصدار نظام سياسي للمنطقة في أبريل 1879 وهو نفس العام الذي صادقت فيه بلغاريا على دستور تورنوفو. وعلىالعكس من دستور بلغاريا الذي تمت صياغته بعناية ملحوظة كان النظام السياسي لروميليا المكون من 495 مادة غير قابلة للتطبيق, ذلك أن أعضاء الهيئة التي أصدرته تصرفوا بشكل فردي ولم يكن هناك تنسيق فيما بينهم, بل إن الذي حدث أن كل دولة من الدول الكبرى أنيط بها إعداد قسم معين في لائحة هذا النظام. وهكذا صاغ البريطانيون قوانين الإنتخاب. وصاغ الإيطاليون البنود المالية و وكان النمساويون مسئولون عن الجانب التشريعي, وقدم الفرنسيون نظامهم الإداري وتعاون معهم اروس في تنظيم الميليشيا العسكرية. وتم إهمال كل ما يتعلق بالحاجات المحلية وعادات الناس. ولكي يمكن إدارة شؤون هذا الإقليم وافقت القوى العظمى على قرار السلطان العثماني بتعيين آليكو باشا Aleko المسيحي حاكماً عاماً ومعه أحد الألمان للشؤون المالية, وتعيين بريطاني رئيساً للجندرمة, وفرنسي مسئول عن الميليشيا التي كان ضباطها روس أو بلغار مدربون تحت قيادة روسية. وتم منح الإقليم جمعية عمومية تتكون من 56 عضواً, عشرون منهم بالتعيين والباقي بالإنتخاب. وبهذا أصبحت روميليا الشرقية نمنوذجاً صعباً للدولة . . فمواطنوها قد ينجذبون إلى بلغاريا ذات النظام الدستوري الذي كان يأمله ميليوتين فيما سبق.

كانت المشكلتان اللتان واجهتا آليكو باشا تتعلقان بمصير الأراضي التي كان المسلمون يملكونها في السابق وتخلوا عنها ووضع السلكان المحليون يدهم عليها, وكذا إستمرار حماس أهالي روميليا للتوحد مع بلغاريا. أما المشكلة الأولى فقد تم حلها عن طريق إرهاب الملاك السابقين وترويعهم بالثأر منهم لما بدر منهم أثناء المعارك وبالتالي لا يمكن أن يعودوا للمطالبة بأراضيهم. أما أولئك الذين عادوا رغم التهديدات فقد وجدوا أن ضريبة قد فرضت على أراضيهم مقدارها 10% من قيمتها, ومن هنا لم يكن أمامهم إلا بيع أراضيهم للوفاء بالضريبة. أما بيوت العثمانيين وأراضيهم ومقاطعتهم فقد إشتراها فلاحو روميليا. كما تم إنهاء العمل بنظام الملكية والإيجار السابق,وأصبحت أراضي هذا الإقليم مثل أراضي بلغاريا الواقعة على شماله . . ملكيات زراعية صغيرة بشكل أساسي.

أما موضوع وحدة رميليا الشرقية مع بلغاريا فكان على جانب من الخطورة, فمن ناحية كان السكان إجمالاً يرحبون بالوحدة وعلى إستعداد لإتخاذ الخطوات لإتمامها, ومن ناحية أخرى كان المندوبون الروس في بلغاريا متحمسون بشكل ملحوظ لتحقيق الوحدة بل وشجعوا الأهالي للعمل من أجل تحقيق هذا الأمل. أما المسئولون الرسميون فقد عملوا من ناحيتهم سواء بموافقة حكومتهم أو عدم موافقتها على إحتضان مختلف الحركات التي تسعى لضم روميليا الشرقية وقاموا بتسليح الأهالي سراً. ورغم أن معاهدة برلين (1878) حددت حجم الميلشية العسكرية بالبلاد, إلا أنه تم إنشاء أندية رياضية ينخرط فيها الشباب للتدريب على مختلف الرياضيات بحيث يصبح من السهولة بمكان تحويل تلك الأندية إلى وحدات عسكرية عند الضرورة.

ولقد كان هذا التعاون المبدئي بين الروس وأهالي روميليا الشرقية بشأن موضوع الوحدة فوق كل المشكلات الأساسية التي رأيناها عند تكوين بلغاريا, ذلك أن بعض الروس في روميليا كانوا يعون للتمتع بمزايا خاصة لهم على حساب الأهالي, وكان صغار الضباط في ميلشيا روميليا من الأهالي يكرهون رؤساؤهم الروس, وقد شاركهم تلك الكراهية كثير من أعضاء الحزب الليبرالي البلغاري الذين إضطروا لمغادرة صوفيا بعد صدور الدستور بتصديق من قيصر روسيا. وفي عام 1884 وكان امير بلغاريا وقيصر روسيا قد أصبحا أعداء وجد آليكو باشا حاكم روميليا الشرقية نفسه موضع كراهية من قيصر روسيا (الكسندر الثالث). وإذا لم يكن بإمكان القيصر أن يرغم أمير بلغاريا (الكسندر) على التنازل عن عرشه بلغاريا فقد كان بإمكانه إبعاد آليكو باشا الذي السلطان العثماني قد عينه ولمدة خمس سنوات. وعلى هذا ففي 1884 رفضت روساي الموافقة على مد ولاية الرجل فترة أخرى وإختارت الدول العظمى جفريل أفندي كروستيفتش Grvril E.Krustevich الذي كان مقبولاً من روسيا بدرجة كبيرة نظراً لما كان يبدو عليه من ضعف وبالتالي يسهل السيطرة عليه ولم تكن أفكاره القومية الحماسية معروفة آنذاك.

وفي عام 1885 كانت الحركة الوحدوية في روميليا نشطة وقوية من خلال اللجان المحلية التي انتشرت في أنحاء الإقليم حتى إذا كان منتصف ليلة 17-18 سبتمبر 1885 أعلن قادة روميليا تدعمهم الميلشيا عزل حكومتهم وافتحاد مع بلغاريا, ولم يبذل كروستيفتش أية مقاومة لعزله. وعلى الفور قام الثوار في روميليا بدعوة من أمير بلغاريا لتولي رئاسة الدولة الجديدة المتحدة (إتحاد بلغاريا ورميليا الشرقية). غير أن تلك الدعوة وضعت أمير بلغاريا أمام قرار صعب, فأولاً أنه يعلم أن رعاياه البلغار يرغبون رغبة عارمة في تحقيق هذه الوحدة, لكن تحقيقها تحت قيادته قد يجعل وضعه في البلاد عرضة للخطر, وإذا إختار ألا يقود الوحدة فعليه أن يعد نفسه للتخلي عن العرش. ومن ناحية أخرى فهو قد سبق أن أكد لروسيا في أغسطس أنه لن يكون طرفاً في أية حركة تجاه الوحدة, وأن تغيير موقفه بعد شهر واحد قد تفتح من جديد باب المسألأة الشرقية برمتها دون ضمان أن تكون نتيجتها النهائية في صالح بلغاريا.وهكذا عندما أخبره أحد مستشاريه بوضوح أن عليه أن يختار قيادة الوحدة أوأن يغادر بلغاريا, إختار المغادرة بلا تردد.

وعلى الرغم من أن مسألة الوحدة لم يكن يتوقعها أحد, إلا أن طرحها تسبب في أزمة دبلوماسية لأن قيامها كان يعد خرقاً لمعاهدة برلين ومن شأنه بالتالي توريط الدول العظمى. والحال كذلك طفت على السطح مسألة تعويض اليونان والصرب عن الأراضي التي إنتزعت منكل منهما عند الإستقلال. ولقد جاء أقوى رد فعل لخطوة الوحدة من روسيا كما هو متوقع ولكي يعبر قيصرها عن رفضه الكامل لها سحب كل الضباط الروس من بلغاريا بقصد إقناع البلغار بأنه دون مساعدة روسيا ستكون الوحدة في خطر, وأنه سوف يتخذ خطوات لعزل أمير بلغاريا عن العرش. وبينما كان القيصر يتصرف في الموقف تحت تأثير غضبه الشخصي كان وزير خارجيته ينظر إلى المشكلة من وجهة نظر الضغط الذي يحتمل أن تواجهه عصبة الأباطرة الثلاثة, وإحتمال أن تنتهز النمسا الفرصة لكي ينضم البوسنة والهرسك, وأن تدخل اليونان والصرب الأراضي المقدونية.

وهكذا ولكي تحول روسيا دون وقوع إنقلاب مفاجئ وهائل في البلقان دعت لمؤتمر على مستوى سفراء الدول الكبرى إقترحت فيه إعادة الأوضاع في المنطقة إلى ما كانت عليه في السابق. وقد أيدتها في هذا الإقتراح حليفتيها النمسا والمانيا, على حين أيدت بريطانيا قيام الوحدة بعد أن غيرت سياستها التي كانت قد إتبعتها عام 1878 في مؤتمر برلين (توازن المصالح وتكامل الأراضي العثمانية). ولما كانت بلغاريا المتحدة تقف ضد التوجهات الروسية فكان هذا يعني أنها سوف تكون حاجزاً قوياً أمام النفوذ الروسي في البلقان وليس بالنسبة للقوى العظمى هي نفسها المشكلة التي برزت خلال مختلف مراحل الحركةالقومية الرومانية ولكن مع تبادل المواقف. وكل ما كان هنالك أن الحكومة العثمانية كانت ترغب في إستخدام القوة لحل الإتحاد, لكن روسيا كانت راغبة عن دعم السلطان العثماني في هذا الشأن.

على أن الأمور تطورت لصالح بلغاريا نتيجة لإجراء غير موفق أقدم عليه ميلان Milan أمير الصرب الذي رأى أن الوحدة قد تضر بالتوازن السياسي بين حكومات البلقان وتعطي لبلغاريا ميزة في الصراع الذي ينشأ حول مقدونيا, وحتى يحمي مصالح بلاده بغعلان الحرب على جارته بلغاريا. ونلاحظ أنه لم يوضح أهدافه أمام رعاياه الذين كانوا غير متحمسين كثيراً لهذا الصراع. وعلى الرغم من أن معظم المراقبين كانوا يتوقعون إنتصار الصرب في الحرب, إلا أن أمير بلغاريا الكسندر وجيشه الذي أصبح تحت قيادة ضباط صغار حلوا محل الضباط الروس نجحوا في إيقاع الهزيمة بجيش الصرب. وبعد هذا النصر الحاسم إضطرت روسيا للموافقة على الوحدة, وفي 1886 قبلت الدول العظمى أن يكون أمير بلغاريا حاكماً عاماً على روميليا الشرقية لمدة خمس سنوات. ورغم أنه لم تتم تسميته لهذا المنصب بشكل محدد, إلا أن الدول الكبرى فهمت أن الوحدة قد تكون دائمة.

وهكذا وبعد مرور سبع سنوات على توقيع معاهدة برلين (1878) تمت وحدة منطقتين من الثلاثة مناطق التي كانت بلغاريا تطالب بها, فبدأ أمير بلغاريا (الكسندر) في صورة المنتصر, وأخذ يتلقى مديحاً هائلاً لمهاراته الدبلوماسية, وتم تكريمه لإنتصاره على الصرب. غير أن هذا المجد العظيم كان له ثمنه العظيم أيضاً. فقد شعر قيصر روسيا (الكسندر الثالث) بالإهانة الشديدة لإنتصار قريبه أمير بلغاريا, وأصبح أكثر إقتناعاً بأن هذا الأمير هو العقبة الوحيدة أمام حسن العلاقات الروسية-البلغارية ومن ثم قرر الإطاحة به. وعلى هذا بدأ ممثلو القيصر في صوفيا ورجاله يحيكون المؤمرات للخلص من أمير بلغاريا وقد وجد هؤلاء مساندة من بعض كبار السياسيين البلغار الموالين لروسيا ومن بعض ضباط الجيش البلغاري الساخطين الذين ساورهم الإعتقاد بأنهم لك يكافأوا المكافأة المناسبة لدورهم في هزيمة الصرب. كما كان حلفاء روسيا من جهة أخرى لا يتصورون أن تحصل بلغاريا على مقدونيا دون مساعدة روسيا ومن ثم كانوا على إستعداد للتضحية بامير بلغاريا. وعلى هذا وبعد تخطيط محكم تمكن المتآمرون من القيام بإنقلاب في أغسطس 1886 حيث أرغموا أمير بلغاريا على التنازل عن العرش ورحل عن البلاد.

وبعد نجاح الإنقلاب قام كليمنت الموالي لروسيا بتشكيل حكومة بلغارية جديدة, إلا أنه سرعان ما إتضحت شعبية الأمير المخلوع فقد قامت ثورة مضادة بقيادة استيفان ستامبولوف أحد أبطال إنتفاضة 1876 البارزين وأحد الوزراء السابقين أرغمت حكومة كليمنت على الإستقالة بعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة, وعاد الأمير المخلوع لعرش بلغاريا بعد عشرة أيام من إرغامه على التنازل عن العرش. وكان من بين الجماهير التي إحتشدت لتحيته نائب قنصل روسيا في بلغاريا مما جعل الأمير يعتقد أن قيصر روسيا قد سامحه وعفا عنه, ومن هنا بادر بإرسال برقية له دون أن يستشير ستامبولوف (قائد الحركة الشعبية) عبر فيها عن إخلاصه قائلاً: "حيث أن روسيا أعطتني تاج العرش فأنا على إستعداد تام لإعادته لأصحابه", فما كان من القيصر الذي لم يوافق على عودة الأمير إلا أن رد عليه بخشونة وفظاظة قائلاً: "لسوف تقدر جنابكم ما ينبغي أن تفعله", وهكذا لم يكن أمام الكسندر أمير بلغاريا إلا أن يتنازل عن العرش للمرة الثانية.

ورغم أن بلغاريا أصبحت بدون أمير يحكمها, إلا أنه كان من بين البلغاريين قائد سياسي عظيم ألا وهو ستيفان ستامبولوف الذي قام بتشكيل الحكومة. لكنه واجه مشكلتين أولهما مقاومة الضغط الذي تمارسه روسيا وثانيهما إختيار حاكم جديد. وعلى هذا تمت دعوة الهيئة القومية الكبيرة للتصديق على إختيار الأمير الجديد. لكن روسيا أصرت على إرجاء عملية الإختيار بدعوى أن الفوضى تضرب أطنابها في البلاد وتحول دون إرجاء عملية الإنتخاب بشكل سليم. وتحقيقاً لتلك الرغبة أسرع بإيفاد مبعوث خاص وهو الجنرال كولبارز N.V.Kaulbars لشرح وجهة نظر روسيا.

ولم يكترث ستامبولوف بوجهة النظر التي قدمها ذلك المبعوث لكن الغالبية العظمى من القيادات البلغارية كانت تؤيد المبعوث فشعر بكثير من الزهو والفخر وإنطلق يطوف بأنحاء البلاد يحاول إقناع الأهالي بوجهة نظر القيصر, وخطب فبهم متوعداً إياهم بالويل والثبور وعظائم الأمور بتدخل دولي شنيع في شؤون بلغاريا, وسرعان ما تحركت سفينتان حربيتان روسيتان بإتجاه ميناء فارنا على البحر الأسود. غير أن ستامبولوف لم يستسلم ولم يتنازل عما قرره من حيث إجراء الإنتخابات التي تمت بالفعل وأصبحت الجمعية مستعدة لإتخاذ قرار بشأن تعيين حاكم جديد. وإنتهزت حكومة روسيا الفرصة لتقطع العلاقات الدبلوماسية مع بلغاريا وكان هذا بعد مضي ثمان سنوات فقط من إندفاع روسيا لخوض غمار حرب من أجل سلاف البلقان وتأييد إنشاء بلغاريا الكبرى طبقاً لمقررات مؤتمر سان ستيفانو.

على أن إختيار أمير جديد لحكم بلغاريا لم يكن أمراًُ سهلاً نظراً لضرورة موافقة الدول العظمى على هذا الإختيار في الوقت الذي إعتزمت فيه روسيا على الإعتراض على أي ترشيح لهذا المنصب. وأكثر من هذا أن المرشحين الذين قدمتهم الهيئة القومية العامة رفضوا هم أنفسهم قبول المنصب. وفي النهاية وفي أغسطس 1887 وافق فرديناند الكوبورجي of Coburg وهو أمير الماني على المنصب ولو أنه لم ينعم بموافقة الدول العظمى, ومن ثم حفلت السنوات الأولى من حكمه بعدة صعوبات وقلاقل وعدم إستقرار. ولقد كان يعتمد في إدارة الشؤون الداخلية على ستامبولوف الذي كان وراء ترشيحه للحكم والذي كانت حكومته تحظى بتأييد الأهالي الذين إمتعضوا من المؤمرات والحيل التي إستمر حلفاء روسيا وأنصارها في البلاد يدبرونها. وقد بلغت هذه المؤمرات ذروتها بإغتيال وزير المالية في 1891 فأدرك ستامبولوف أنه هو المستهدف الحقيقي من كل المتآمرين. ولكي يقضي على مثل هذه المؤمرات ويحتفظ بشعبيته بين ناخبيه حصل على موافقة السلطان العثماني على تأسيس أسقفية بلغارية جديدة في مقدونيا. كما نجح في 1893 في تعديل الدستور بما يسمح بزواج فرديناند من أميرة كاثوليكية فظهرت مشكلة جديدة وهي أن أولادها لا يمكن تعمديهم أرثوذكسياً. وكان هذا الإجراء في حد ذاته يعد تحدياً مباشراً لتزعم روسيا حق الدفاع عن الأرثوذكس فكان علامة على تفوق ستامبولوف ولو أنه طرد من الحكم في 1894 بعد سنة واحدة من هذا الإجراء.

والحاصل أن فرديناند الكوبورجي كان حاكماً متكبراً وطوحاً ومتسلطاً وكان يحلم بأن تكون بلغاريا قوة مهيمنة في البلقان. ولكن نظراً للصعوبات التي كانت تواجهه في بدايات حكمه عهد إلى ستامبولوف بمسئولية إدارة شؤون الحكم إلى أن أدرك في لحظة معينة المخاطر التي تحوطه فكان عليه إعادة التآلف بين بلغاريا وروسيا مرة أخرى, ذلك أنه بعد مرور سبع سنوات عليه في حكم بلغاريا لم تعترف به اي حكومة من حكمات الدول العظمى كحاكم شرعي للبلاد, وأكثر من هذا أن توسعه في مقدونيا بدا مستحيلاً بدون مساندة روسيا. وعلى هذا بدا للأمير أن ستامبولوف يمثل عقبة رئيسية في طريق عودة العلاقات الطبيعية مع روسيا. وهكذا وفي 1894 عندما هدد ستامبولوف بتقديم إستقالته بسبب الإختلاف بينه وبين الأمير حول مسألة صغيرة, وكانت إستقالته مجرد مناورة كان يلجأ إليها من آن لآخر لإخافة الأمير الذي أصبح يعتمد عليه, فاجأه الأمير بقبولها. وفي أكتوبر 1894 مات قيصر روسيا (الكسندر الثالث) وخلفه نيقولا الثاني فأصبح الطريق ممهداً لتجديد العلاقات الروسية-البلغارية.

وعلى هذا كان على فرديناند أن يمهد الأرض لعودة العلاقات أولاً, وفي مقدمة الخطوات التي كان عليه أن يقوم بها تحويل إبنه بوريس Boris من الكاثوليكية إلى الأرثوذكسية وكان هذا ضد الخطوة التي قام بها ستامبولوف التي إعتبرت وقتها أحد نجاحاته العظمى. وكانت الخطوة الثانية ذهاب وفد برئاسة كليمنت الموالي لروسيا إلى العاصمة الروسية لكي يضع إكليلاً من الزهور على قبر الكسندر الثالث حيث إلتقى القيصر الجديد نيقولا الثاني بهذا الوفد, كما تم الإفراج عن السياسيين الموالين لروسيا من السجن. وهكذا وفي 1896 عادت العلاقات من جديد بين البلدين ومن ثم تمهد الطريق لإعتراف الدول العظمى بفرديناند ليس أميراً لبلغاريا فقط وإنما حاكماً لروميليا الشرقية مما يعني الموافقة رسمياً على الوحدة بين بلغاريا وروميليا الشرقية والتي كانت قد أعلنت من طرف بلغاريا فقط في عام 1885 كما سبقت الإشارة.

وبمجرد إعتراف روسيا والدول العظمى الأخرى بفرديناند حاكماً على بلغاريا أصبح بإمكان الأمير أن يركز جهوده في تنمية بلاده وحل مشكلاتها الداخلية وفي مقدمتها مسألة التوسع القومي. وكانت المشكلة المسيطرة على الحياة السياسية في بلغاريا بعد مؤتمر برلين 1878 هي مصير مقدونيا, وهو الموضوع الذي تجتمع عليه الأمة وتتوحد بشأنه الأحزاب السياسية, ذلك أن الحدود التي رسمتها معااهدة سان ستيفانو أصبحت تمثل البرنامج القومي لبلغاريا. وكان النضال من أجل تحقيق هذا الهدف قد شكل ملامح تاريخ بلغاريا المستقبلي.

الفصل الثاني عشر: التطورات الداخلية لدول البلقان حتى عام 1914

بإستقلال كل من الصرب ورومانيا والجبل الأسود والإعتراف الدولي بهذا الإستقلال, وتمتع بلغاريا بحكم ذاتي فضلاً عن إستقلال اليونان من قبل في عام 1830, تم وضع أسس نظام الدولة الحديثة في البلقان. وبإستثناء البانيا التي لم تبدو في الأفق إلا في عام 1913 كانت معظم قوميات البلقان قد نجحت في إقامة وضع سياسي لها بعيداً عن السيطرة العثمانية المباشرة. ورغم أن تلك الدول جميعاً دخلت في صراع فيما بينها في الغالب, إلا أنها كانت تتفق فيما بينها في كثير من خصائص التطور القومي, فأربعة منها وهي رومانيا والصرب واليونان وبلغاريا كانت ملكيات دستورية ذات نظام حكم مركزي, والسلطة الفعلية في كل منها في يد البوليس والجيش. ولم يقتصر الصراع السياسي في كل منها بين القوى السياسية فقط, بل لقد كان أيضاً بينها وبين العرش. وطالما كان بإستطاعة الملك الإعتماد على القوات المسلحة فإنه يحتفظ بعرشه. أما إذا فقد هذا التأييد حدث مع كوزا في 1866 ومع أثون في عام 1843 وعام 1862 يصبح مركزه على شفا الهاوة, أو يرغم على التنازل عن العرش. ولقد إستمر هذا النموذج في تلك العلاقات بين العرش والقوة قائماً.

ولقد كانت تلك الدول تستلهم غرب أوروبا في التطور الإقتصادي-الإجتماعي رغم إعتمادها بشكل أساسي على روسيا بإعتبارها فضل مصدر للمساعدة ضد الدولة العثمانية. وعلى هذا فقد أخذت كل منها بالشكل السياسي الغربي وإستهدفت تحقيق مستويات التطور والتنمية التي حققتها دول غرب أوروبا. وبكلمات أخرى فإن دول البلقان ذات المجتمعات الريفية-الفلاحية كانت تسعى لأن تحقق بسرعة وفي وقت قصير ما أنجزته بلاد غرب أوروبا في عدة قرون.

ورغم تلك ارغبة الواضحة في التنمية السياسية والإقتصادية, إلا أن الأولوية التي وضعتها تلك الحكومات الجديدة لنفسها جعلتها تتجه إتجاهات أخرى. والحاصل أنه فور تحقيق هذه الدول إستقلالها القومي أو حكمها الذاتي إلتفتت جميعها نحو التوسع القومي لإستعادة حدودها الإثنية أو التاريخية التي كانت لها يوماً ما, فلم تكن أي منها راضية عن الحالة status quo التي وصلت إليها ذلك أنه بعد مؤتمر برلين (1878) كانت الدولة العثمانية لا تزال تضع يدها على تراقيا ومقدونيا والبانيا, والنمسا تسيطر على أماكن أخرى مثل ترانسلفانيا ودلماشيا وكرواتيا, كما كان التأكيد بإستمرار على التطرف القومي يفسر أهمية وجود الجيش في تلك الدو لليس فقط لتحقيق الأماني القومية أو لاستخدامه ضد الدولة العثمانية والنمسا, وإنما لإستخدامه ضد الدول المجاورة حسب مقتضى الحال, وعلى هذا كانت كل دولة ترقب القوة العسكرية للدول المجاورة لها.

وعلى هذا فإننا سوف نناقش في هذا الفصل التطور الداخلي لكل دول البلقان خلال الفترة قبل الحرب العالمية الأولى, وأيضاً قضايا السياسة الخارجية. أما قضايا الدول العظمى مثل طرد العثمانيين من أوروبا, ومصير الرومانيين, وكذا العناصر اللسافية التي كانت تعيش جنوبي الإمبراطورية النمساوية فسوف نتناولها في الفصول التالية.

اليونان

سبقت الإشارة إلى أن اليونان حصلت في 1864 على دستور جديد وعلى أسرة ملكية دانمركية. وآنذاك كانت الطموحات القومية تمثل القضية الكبرى التي يلتف حولها اليونانيين, ورغم الأزمات المتلاحقة التي كانت تواجه اليونان, إلا أنها إستطاعت تحقيق قليل من المستهدف خلا العقد التالي, ذلك أنها وجهت إهتماماتها ناحية الشمال تجاه مقدونيا وناحيةالجنوب تجاه جزيرة كريت. ففي 1881 وبمقتضى قرارات مؤتمر برلين (1878) حصلت اليونان على تساليا وجزء من إيبروس كما سبقت الإشارة . لكن تطلعهما لضم مقدونيا كان يحول دونه معاهدة سان ستيفانو التي إعتبرتها اليونان أسوأ حل ممكن لمشكلة مقدونيا لأن بلغاريا الجديدة وليس اليونان كانت محط آمال سلاف مقدونيا. كما كان توسع الصرب في الجنوب في ذات الوقت يمثل خطراً على اليونان فضلاً عن بقاء كريت تحت سيطرة العثمانيين. وحيث أنه لم تكن هناك قوة أخرى تنافس اليونان في المطالبة بضم كريت فقد ركزت اليونان على مقدونيا, كانت على إستعداد للتخلي عن مقدونيا في مقابل حصولها على كريت.

غير أن فقر اليونان الذي حال دون إمتلاكها القوة العسكرية الضرورية لتحقيق آمالها القومية الطموحة كان يمثل أحد العقبات الرئيسية لتقدمها. وفي هذا الشأن كانت اليونان في أسوأ وضع بالنسبة لمنافسيها بين دول البلقان, فلم تكن تملك أي أساس لإتخاذ سياسة خارجية قوية إذ كانت بلداً ريفياً نصف أراضيه غير صالحة للزراعة. وشأن بقية دول البلقان كانت تعتمد على أساليب بدائية في الزراعة, فالتربة فيها فقيرة لا تستطيع توفير الغلال اللازمة لحاجات الناس, والأرض المزروعة مقسمة لوحدات صغيرة يقوم أهلها بزراعة ما يسد رمقهم بالكاد. لكن بضم تساليا كسبت الدولة إقليماً زراعياً غنياً كان في السابق عبارة عن إقطاعيات كبيرة في حيازة ملاك مسلمين أتراك ولم يحدث أن تم توزيع هذه الإقطاعات على الفلاحين بعد أن تركها المسلمون, بل لقد وقعت في يد كبار ملاك الأراضي اليونانيين. وكانت تلك الإقطاعيات مثلما كان الحال في رومانيا تزرع بنظام المشاركة حيث يقوم الفلاح بفلاحة الأرض مقابل أن يعطي للمالك ثلث أو نصف المحصول. والحال كذلك فلم يكن هناك أي دافع أو حافز لإدخال تحسينات على أسلوب الزراعة بل لقد ظلت مساحات كبيرة عبارة عن أراضي مراعي.

كانت مشكلة اليونان أنها لكي توفر أمولاً لشراء القمح ومنتجات أخرى من الخارج لم يكن أمامها إلا تصدير الزبيب. وهنا كانت تكمن خطورة الإعتماد على غلة واحدة في السوق العالمي قد تتعرض لأية هزة لأسباب طارئة, وهو ما حدث فعلاً, فقد زادت صادرات الزبيب من 42 ألف طن عام 1861 إلى مائة وسبعمائة ألف طن في 1878 لأنه في ذلك العام هاجمت حشرة الفاكهة مزارع الكروم في فرنسا الأمر الذي جعل تجار النبيذ الفرنسيين يستوردون حاجتهم من الكروم من اليونان. على أن الحكومة الفرنسية بدأت تبذل جهودها لحماية محاصيلها الزراعية أمام المنافسة الخارجية, وفي 1892 وضعت تعريفة جمركية جديدة على الواردات أضرت بطبيعة الحال بصادرات اليونان من الكروم أو من النبيذ. وعلى هذا بدأت اليونان في البحث عن محصول بديل لمواجهة الأزمة فوجدته في الدخان ألأذي أصبح تجارة مهمة ورائجة ورئيسية بعد الحرب العالمية الأولى.

على كل حال . . لقد ظلت الأحوال الإقتصادية في اليونان قبل الحرب العالمية الأولى متخلفة ومتدهورة ففي 1870 كان هناك خط سكة حديد واحد طوله تسع كيلومترات ما بين أثينا وميناء بيرا Piraeus. ولم تتخذ أية خطوة تجاه التصنيع ففي عام 1875 كان هناك 89 مصنعاً فقط فضلاً عن مشكلة الديون التي وقعت فيها البلاد للصرف على نفقات الثورة وعلى الحكومات الأولى في عهد الاستقلال, بل إن الحكومات التالية إضطرت أيضاً للإستدانة من الخارج. وربما أدت هجرة أعداد كبيرة من اليونانيين إلى الخارج إلى تخفيف وطأة الأوضاع المالية السيئة فخلال تلك الفترة هاجر من البلاد حوالي نصف مليون إلى الولايات المتحدة الأمريكية, وأرسل هؤلاء أمولاً كافية للبلاد خلال الفترة من عام 1905-1914 كان من شأنها تعديل ميزان المدفوعات.

ومن ناحية أخرى كانت السياسات الداخلية للحكومات اليونانية تعكس بدقة المشكلات الرئيسية التي تواجهها, فقد ظل التوسع الإقليمي هاجساً قومياً عاطفياً عند تلك الحكومات, على حين كان المطلوب الإصلاح الداخلي والتنمية الإقتصادية. ولقد إتضحت معالم الجذب والشد بين هذين الإتجاهين (أي التوسع الإقليمي والإصلاح الداخلي) في الصراع السياسي الذي ساد العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر, وكذا في المنافسة الشديدة بين كل من خاريلاوس تريكوبيس Charilaos Trikoupes, وتيودور ديليانيس Deliyannes. ففي اليونان كما هو الحال بلاد البلقان الأخرى كانت الأحزاب السياسية عبارة عن مجموعات من الناس تتحلق حول شخص أكثر من أن تلتف حول برامج تنظيمية عكس ماكان قائماً في الغرب. وكان الملك جورج قد وافق في 1875 على مبدأ أن تتشكل الحكومات بواسطة أي حزب سياسي يتمتع باغلبية برلمانية. وبمقتضى هذا القرار برز إلى الساحة السياسية نوعان من الأحزاب, وشكل تريكوبيس أول حكومة من حكوماته السبع التي شكلها في حياته, ومن البداية كان محل معارضة قوية من كوموندوروس وأتباعه, ثم من حزب ديليانيس بعد عام 1885.

لقد وضع حزب تريكوبيس برنامجه الإصلاحي على أساس الحاجة لتحسين أوضاع اليونان الداخلية, وتمتع بتأييد المهنيين والتجار, وخلال فترة حكمه الكبرى من مارس 1882-أبريل 1885, ثم من مايو 1886 إلى نوفمبر 1890 قدم كمية كبيرة من التشريعات في هذا الخصوص. ورغم أنه لم يتردد في تعيين خلصائه وأتباعه في المناصب العامة, إلا أنه حاول بكل إخلاص تحسين الخدمات المدنية والنظام الإداري البلاد, إذ نجح في تعيين القضاة بشكل دائم, كما أصلح من شأن البوليس, وتبنى برامج للأشغال العامة لتوسيع الطرق والسكك الحديدية, وتسهيلات للموانيء, فضلا عن تقوية الجيش. وفي هذا الشأن إستقدمت حكومته بعثة عسكرية فرنسية لتدريب الجيش خلا المدة من 1844-1887.

لقد صادف تريكوبيس وضعاً لا يستهان به فقد كانت خططه الطموحة تتطلب أمولاً كثيرة إضطرته للوقوع في شرك القروض التي بلغت 630 مليون فرنك ذهبياً خلال الفترة من 1879-1890, وتضاعفت الضرائب على الأهالي بين عامي 1875-1895. كما تعرضت سياسته الخارجية لنقد شديد بسبب ميله للعمل تحت جناح بريطانيا وإتباع نصائحها التي كانت تقول بأسبقية التنمية الداخلية على التوسع الخارجي-القومي.

ونتيجة لحركة المعارضة ضد سياسة الحكومة في فرض الضرائب وضد سياستها الخارجية بشكل عام تم تكليف ديليانيس بتشكيل الحكومة ثلاث مرات في أعوام 1885, 1890, ثم في 1895. وقد ركز سياسته على التوسع القومي إبتزازاً للمشاعر القومية لدى الجماهير ولم يهتم بخطط الإصلاح الداخلي والتنمية. والحقيقة أن تداول السلطة بين هاتين المجموعتين الحزبيتين المتعارضتين, وتدهور الوضع الإقتصادي للبلاد كان كارثة حيث إزدادت المشكلة المالية سوءً. ففي عام 1892 كانت خدمة الديون تستهلك ثلث الميزانية حتى لقد أفلست اليونان تماماً في العام التالي (1893). وفي عام 1895 إعتزل تريكوبيس السياسة على أثر سقوطه في الإنتخابات ثم توفى في العام التالي وخلفه في رئاسة الحزب جورج ثيوتوكيس Theotokes.

على أن تركيز ديليانيس على مجال السياسة الخارجية وإهمال الإصلاح الداخلي لم يأت بنتيجة إيجابية في مجال التوسع الإقليمي بل لقد فشلت سياساته في هذا الخصوص ففي نوفمبر 1885 وعندما دخلت الصرب الحرب إلى جانب بلغاريا وكان ديليانيس في السلطة كان اليونانيون شأن الصربيين يشعرون بأحقيتهم في ضم باقي إيبروس تعويضاً عن شرقي روميليا التي إلتهمتها بلغاريا. ولما لم يتحقق شيء من هذا بدأت اليونان في تعبئة الجيش إستعداداً للدخول في معركة والحصول على ما تريد بالقوة, لكن الدول الكبرى فيماعدا فرنسا تحركت بسرعة وطلبت من اليونان إيقاف التعبئة وعدم تحريك الجيش. وعندما رفضت اليونان الإمتثال فرض عليها حصار بحري في مايو (1886). ونظراً لفشل سياسة ديليانيس على ذلك النحو عاد تريكوبيس للحكم ولم يكن أمامه إلا الإستسلام للأمر الواقعولم تكسب اليونان من تلك المغامرة إلا زيادة الضغط على الميزانية المرهقة بإضافة تكاليف التعبئة العسكرية التي تمت.

لقد ظلت الأهداف القومية الرئيسية لدى حكومات اليونان ثابتة ومحددة ليس فقط في الحصول على إيبروس ولكن الحصول أيضاً على مقدونيا وكريت بدرجة أقل. وحتى عام 1913 كانت مشكلة كريت تشغل حيزاً كبيراً في السياسات الداخلية إلى أن صبحت جزء من مملكة اليونان. والحاصل أنه بعد ثورة اليونانيين ضد الحكم العثماني في عشرينيات القرن التاسع عشر وضعت كريت تحت حكم محمد علي في مصر مكافأة له على دوره في إخماد الثورة, وظلت كذلك حتى رجعت إلى الدولةالعثمانية بمقتضى تسويات لندن عام 1840 التي جردت محمد علي باشا من كل سلطاته خارج حدود ولاية مصر. وبعد هذا أصبحت الجزيرة مسرحاً لحركات عصيان متكررة إختلطت فيها الأبعاد الإجتماعية والقومية بدرجة تشابهت في كثير من ملامحها مع الموقف في البوسنة والهرسك. وتتخلص المشكلة في أن نصف سكان كريت كانوا يونانيين تحول معظمهم إلى الإسلام بعد الغزو العثماني للجزيرة, وإمتلك المسلمون أجود الأراضي وأكبر الإقطاعيات, وكانت حركات التمرد والعصيان تحدث ضد سيطرة هؤلاء الملاك على الحياة السياسية والإقتصادية. وقد إنتهت الإنتفاضات التي حدثت في عامي 1841, 1858 بحصول أهالي الجزيرة على بعض مظاهر الحكم الذاتي في إطار السيادة العثمانية. وع ذلك فقد إستمرت حركة العصيان المسلح قائمة بين عامي 1866-1868.

على أن تلك الأحداث كانت تمثل ضغطاً كبيراً على ملك اليونان جورج الأول حيث كان رعاياه يتوقعون منه التصرف بقوة تجاه المسائل القومية. ولكنه وفي وسط تلك الأزمة تزوج منالدوقة أولجا الروسية (1867), وبالتالي كان يأمل في الحصول على بعض التأييد من روسيا في مجال الأهداف القومية. وفي 1868 أطلق على مولده إسم قسطنطين في إشارة إلى تركيز بيزنطة على "الفكرة الكبرى". ولكنه شأن سلفه الملك أوثون لم يكن بإمكانه التصرف ضد رغبات معظم الدول الكبرى. وعلى هذا فإن التدخل من جانبه فقط في شؤون كريت لميكن مطروحاً على الساحة بصرف النظر عن الضغوط الداخلية عليه بالتدخل. ورغم أن ثورة ستينيات القرن التاسع عشر إنتهت إلى تطبيق القانون الأساسي لعام 1868, ومع ذلك لم يهدأ الموقف ففي خلال الفترة من 1875-1878 وقع عصيان مسلح آخر جذب الإنتباه عن الأحداث الدرامية الكبرى التي كانت تحدث في بلاد اليونان.وفي أكتوبر 1878 وافقت الدولة العثمانية على ميثاق هاليبا Halepa Pact وهو عبارة عن إتفاق يدعو إلى إنتخاب جمعية تشريعية وفقاً لقواعد تضمن سيطرة المسيحيين عليها. وفي هذا الخصوص رشح السلطان العثماني شخصاً مسيحياً لحكم الجزيرة ووعد بإدخال إصلاحات اخرى. غير أن إستمرار التوتر أدى إلى عدم تطبيق هذا الإتفاق وعلى هذا تولى حكم الجزيرة حكام مسلمون خلال تسعينيات القرن التاسع عشر ولم يحدث أن إجتمعت الجمعيةالتشريعية أبداً.

على كل حال . . لقد ظلت مشكلة كريت جزء لا يتجزأ من سياسة حكومات اليونان التي كانت تواجه أكثر من مشكلة قومية. ففي 1894 تكونت الرابطة العرقية Ethnike Hetairia وكانت تستهدف تعزيز قضية القومية اليونانية وإنضم إليها ثلاثة أرباع ضباط الجيش. ورغم أنها كانت مهتمة أساساً بموضوع مقدونيا, إلا انها اقمت بدور في شؤون كريت حيث تحولت مكاتبها في انحاء اليونان لمراكز ترسل منها متطوعين وأسلحة للجزيرة من وراء ظهر الحكومة.

وفي 1896 وبعد عدة إضطرابات في الجزيرة وافق السلطان العثماني على إعادة العمل بميثاق هاليبا مع وعد بغتخاذ إجراءات تؤدي إلى الحكم الذاتي. وفي الوقت نفسه وجدت الحكومة اليونانية نفسها تح ضغط هائل من الدول العظمى التيكانت ترغب في إيقاف تدفق المتطوعين والأسلحة لكريت من القوميين اليونانيين الذين كانوا يريدون فتح الباب لغزو الجزيرة. وفي فبراير 1897 أعلنت القوى الثورية في كريت وحدتهم مع اليونان وعلى الفور وصلت قوة من خمسة عشر ألف يوناني إلى الجزيرة. وفي مارس أعلنت الحكومة اليونانية برئاسة ديليانيس التعبئةالعسكرية, وفي أبريل دخلت القوات اليونانية الأراضي التركية وأصبح الجيش اليوناني تحت قيادة الأمير قسطنطين الإبن الأول لملك اليوان وأصبح الأسطول تحت قيادة الأمير جورج الإبن الثاني.

غير أن الحرب التي إستغرقت شهراً واحداً أوضحت مدى نقص التجهيزات والإستعدادات العسكرية لدى اليونان على حين أثبتت القوات العثمانية تفوقها الهائل, فضلاً عن أن اليونان لم تتلق أية مساعدات من جيرانها, فقد وقفت كل من الصرب وبلغاريا على الحياد تحت ضغط الدول الكبرى و خاصة روسيا والنمسا. وأمام توغل الجيش العثماني في تساليا بعمق تدخلت الدول العظمى لحفظ السلام حي ثتم توقيع الهدنة في مايو ومعاهدة صلح ف يدسيمبر (1897). ورغم أن اليونان خسرت الحرب, إلا أنها لم تعاني إلا قليلاً فقد تخلت فقط عن بعض المراكز على الحدود مع إعفائها من غرامة قدرها مائة مليون فرنكاً. أما فيما يتعلق بالمسألة الكريتية فقد وافقت الدولة العثمانية تحت ضغط الدول الكبرى على تقرير الحكم الذاتي في كريت, وتم تعيين الأمير جورج الإبن الثاني لملك اليونان في منصب المندوب السامي على كريت.

ورغم إحراز بعض التقدم في الشؤون السياسية بخصوص كريت, إلا أن الحرب تسببت في إهانة كبرى للأمة اليونانية. ومرة أخرى تصبح الأسرة الملكية هي كبش الفداء, إذ تعرض كل من الملك وإبنه الأمي رقسطنطين لهجوم شديد للمظهر المتواضع الذي ظهر به الجيش. وأكثر من هذا فقد أدت الأعباء المالية للحرب والحاجة إلى دفع غرامات مالية إلى فرض رقابة مالية دولية على البلاد, ومن ثم تكونت بعثة مراقبة دولية في أثينا لها حق جمع ضرائب معينة (لاحظ صندوق الدين في مصر زمن الخديو إسماعيل-المترجم). ولكن ورغم أن تلك الرقابة الدولية كانت ضربة في صميم كبراياء اليونان وتحجيماً لسيادة الدولة, إلا أن الموقف المالي للبلاد تحسن في السنوات التالية حيث تم تخفيض حجم الديون.

وهكذا دخلت اليونان القرن العشرين وهي في حالة من خيبة الأمل وعدم الرضا, ومع الإعتراف بالحاجة للإصلاح الإداري وتحسين أحوال الجيش, إلا أن المشكلة كانت تكمكن في عدم توفر الموال اللازمة للإقدام على أي شيء, فضلاً عن أن النظام السياسي القائم لم يكن في صالح النهضة القومية إن لم يكن معادياً, فخلال المدة من أبريل 1897 إلى ديسمبر 1905 تغيرت الحكومة عشر مرات ثم تشكلت حكومة برئاسة ثيوتوكيس الذي ظل رئيساً لحزب تريكوبيس حتى يوليو 1909. وفي مارس 1905 تم إغتيال ديليانيس وإنقسم حزبه إلى فريقين أحدهما برئاسة كيرياكوس مافرو ميخاليس Kyriakoulkes Mavro Michaels, والآخر برئاسة ديمتروس راليس Delerious Ralles فأصبح هناك ثلاثة احزاب فضلاً عن حزب رابع تشكل بقيادة زايميس Zaimes. ولم يكن تعدد الأحزاب يعني تغييراً في أسلوب الحكم إذ بقيت السياسات التقليدية كما كانت من قبل, حيث يقوم الحزب المنتصر في الإنتخابات بوضع أتباعه في مناصب الدولة وأجهزتها, وإستمرت المنافسات الشخصية والرشوة, والوساطة والمحسوبية والفوضى أحد سمات ملامح الحياة السياسية. كما أن الجمعية التشريعية أصابها الشلل بسبب مناورات العرقلة وإعاقة تطبيق اللائحة البرلمانية.

أما كريت فلم تكن أسوارها بأفضل من اليونان إذ سرعان ما إصطدم حاكمها الأمير جورج مع القوى السياسية بالجزيرة بمن فيهم إليوثيريوس فينيزيلوس Eleutherios Venizelos الذي سرعان ما أصبح الشخصية السياسية المهيمنة في البلاد. وإستمر أهالي كريت يأملون في تحقيق الوحدة مع اليونان enosis, ولم تكن حكومة اليونان تعارض هذا ولكنها كانت تخشى التدخل الدولي, كما لم تكن ترغب في أن تكون في وضع يضطرها لمبادلة سيطرتها التامة على كريت مقابل الأراضي السلافية في مقدوناي. ولهذا وبمجرد أن أعلنت الجمعية الكريتية في ربيع 1905 إتحاد الجزيرة مع اليونان تدخلت الدول الكبرى وعاد الأمير جورج حاكم الجزيرة إلى أثينا وتولى الحكم مكانه الكسندر زايمس.

لقد أدت هزيمة الجيش اليوناني أمام القوات العثمانية إلى إدراك أن إصلاح الجيش أصبح أمراً جوهرياً. ففي مطلع 1900 كان عدد أفراده أكثر من 25 ألف مقاتل لكن أوضاعه لم تكن ترضي أحداً, وفي أبريل تم تعيين الأمير قسطنطين قائداً له بصلاحيات إعادة تنظيمه. وفي 1904 وضع برنامج لإصلاح الجيش أبقى على أفراد القوات المسلحة عند 25 ألف مقاتل معه زيادته إلى 60 ألف وقتالحرب, كما تم إدخال التحسينات اللازمة على البحرية. غير أن الأزمة المالية الدائمة حالت دون إتخاذ إجراءات أخرى في سبيل الإصلاح من حيث إعادة تجهيز تلك القوات بالأسلحة والمعدات اللازمة. ولهذا كان جيش اليونان أضعف من جيش الصرب أو بلغاريا وكانت مشكلة الأمير قائد الجيش رغبته في أن يلعب دوراً سياسياً.

على أن الإجراءات التي إتخذت في مطلع القرن العشرين بشأن تقدم الدولة وتحديثها لم تؤد إلى إنهاء حالة السخط المتزايدة وذلك بسبب بطء الإجراءات الواجب إتخاذها للتوسع القومي. وعلى هذا كان برنامج "حزب اليابان" (أخذ إسمه من إنتصار اليابان على روسيا في 1905 وتقدم اليابانيين بسرعة في وقت ضئيل) بقيادة ايون دراجوميس Ion Dragoumes بعكس الرغبة العامة في التغيير, لكنه لم يحقق شيئاً بل سرعان ما إتفرط عقد أنصاره. ومن هنا يمكن فهم أحداث عام 1909* التي كانت في مجملها ضد تدهور العملة ووضع الصعوبات أمام عربة التقدم.

وفي يولية 1908 نشات أزمة بلقانية كبيرة بسبب إستيلاء جمعية تريكا الفتاة على السلطة في الدولة العثمانية حيث تبعها إعلان إستقلال بلغاريا, وقيام النمسا بضم البوسنة والهرسك. وكانت لهذه الأحداث التي سوف نناقشها في الفصل التالي عقابيل في ولايات الدولة العثمانية. ففي أكتوبر من العام نفسه أعلن الكريتيون مرة أخرى الإتحاد مع اليونان, لكن حكومة اليونان خشيت أن تستجيب تحسباً لتدخل الدول الكبرى. كما لم تستجب لإعلان كريت الإنضمام لليونان مرة أخرى في يوليو 1909, ومع ذلك تدخلت الدول الكبرى مرة أخرى.

والحاصل أن عجز الحكومة عن الإصلاح الداخلي والفشل الستمر في السياسة الخارجية أدى إلى وقوع إنقلاب عسكري قامت به منظمة تدعى "العصبة العسكرية" قوامها صغار الضباط من الوطنيين والقوميين بقيادة الكولونيل زورباس N.K.Zorbas الذي قاد حامية أثينا من ثلاثة آلف ضابط وجندي في مظاهرة عسكرية ضد الحكومة. ومثلما حدث ف يعامي 1843, 1862 أدت ثورة العسكريين إلى تغييرات كبيرة في الحياة السياسية في البلاد, إذ إستقالت حكومة راليس Ralles وخلفتها حكومة جديدة برئاسة كرياكوليس مفرو ميخاليسش الذي كان يتزعم مجموعة لها علاقات مع "العصبة العسكرية".

وفور وصول "العصبة" إلى الحكم أرادت إصدار تشريعات إصلاحية لكن أفرادها كانوا يعارضون وجود الأمراء على قيادة الجيش. ولما كان الضباط يدركون أن خبرتهم السياسية معدومة ولم تظهر بينهم قيادة يمكنها مباشرة السياسة, فقد إتجهوا إلى فينزيلوس السياسي الكريتي ليكون مستشاراً سياسياً للحكم الجديد, وكان قد جاء إلى أثينا في يناير 1910, وساعد الحكم الجديد في الدعوة إلى جمعية وطنية لتغيير الدستور. ورغم أن فيزيلوس كان يعمل مستشاراً للعصبة, إلا أنه كان يعرض الدكتاتورية العسكرية. ولهذا يبدو أن الملك عندما وافق على فكرة دعوة الجمعية الوطنية كانت موافقته تعني ضمنياً حل العصبة.

وعلى هذا الأساس قام فينزيلوس بتشكيل حكومته الأولى في أكتوبر 1910 ومنذ هذا التاريخ وحتى صيف 1912 من الهيمنة على سياسات اليونان, ولأنه أصر على أن الجمعية ليس لها حق في تعديل الدستور فإن إصلاحاته لم تؤد إلى تغيير دستور 1964 تغييراً سياسياً, فأصبح الملك في وضع قوي. وإستهدفت التعديلات الدستورية 53 مادة تتعلق بتحسين الجهاز الحكومي القائم, ومن ذلك على سبيل المثال: حصول الموظفين على وظائف دائمة وتأسيس وزارة للزراعة, وجعل التعليم إلزامياً, وتعديل قاعدة الحد الأدنى لصحة إنعقاد الجمعية العامة من النصف إلى الثلث لمنع مناورات إعاقة الحركة عن طريق الغياب العمدي. وفي الوقت نفسه قدمت بعض مشروعات القوانين للإصلاحات الإجتماعية مثل قوانين المصالنع, ووضع حد أدنى لأجور التساء والأطفال, وتوزيع أراضي بعض الإقطاعيات الكبرى في تساليا. كما إهتم فينزيلوس إهتماماً كبيراً بإصلاح حال الجيش والبحرية وإحتفظ بتلك الوزارة لنفسه. وكانت الحصيلة النهائية للإصلاحات تحسن الموقف المالي بشكل عام, وتمتع فينزيلوس بشعبية كبيرة بدت واضحة في إنتخابات الجمعية العمويمة في مارس 1912 حيث حصلت أنصاره على 150 مقعداً نم إجمالي 181 مقعداً.

لقد كانت إصلاحات فينزيلوس إجراءات ثورية بكل المقاييس, ولكن النظام السياسي لم يتعرض إلا لتغييرات قليلة, حيث ظل النظام الملكي قائماً في الوقت الذي زاد هجوم اليونانيين عليه, ولكن أنشطة فينزيلوس أدخلت ملامح جديدة في الحياة السياسية القائمة من لذك أن حزبه كان منظماً على أساس جماهيري وله قيادة مركيزة, وإتسعت أجهزة الدولة الإدارية خلا سنوات حكومته, ولكن ظل كثير من العيوب قائماً وفي مقدمتها منح المناصب الرئيسية لأنصاره. ومهما يكن من أمر فلا شك أن هذه الحكومة حددت التوجهات وأعدت البلاد لحر بطويلة, وفي كلمة واحدة كانت علامة على خطوة محددة للأمام.

رومانيا

مثلما كان الحال في بلاد اليونان تركت تسوية مؤتمر برلين 1878 حالة من عدم الرضا في رومانيا. حقيقة أن رومانيا قد إستقلت لكنها فقدت ثلاثة ضواحي من جنوبي بسارابيا وأوجدت تسوية حدودها سخطاً دائماً فضلاً أنها كانت تطالب بضم سيليستريا Silistria من دوبروديا وأيضاً دلتا الدانوب. لكن روسيا التي كانت تساند مطالب بلغاريا ساعدت على ضم تلك الأراضي إليها في يونية 1880.

يهود رومانيا

وأكثر من هذا أن رومانيا حصلت على إستقلالها وفق شروط معينة حددتها المادة 44 من معاهدة برلين التي إشترطت "ألا تسمح الدولة بالتفرقة بين مواطنيها على أساس العقائد والمذاهب", أو تحرم أي مواطن من "التمتع بالحقوق المدنية والسياسية, ومن الإلتحاق بالوظائف العامة, ومن ألقاب الشرف, ومن ممارسة النشاط المهني والصناعي في أي مكان من البلاد". ورغم أن هذه المادة قصد بها الإشارة إلى المسلمين, إلا أن تأثيرها الرئيسي كان على وضع اليهود, حتى لقد أصبح هذا الموضوع قضية قومية كبرى في نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر.

والحاصل أنه في منتصف القرن التاسع عشر وكنتيجة لتدهور أحوال يهود روسيا وسوء أوضاعهم بدأت أعداد كبيرة منهم تتدفق على إمارتي الدانوب (ولاشيا ومولدافيا-رومانيا). ففي عام 1859 كان يعيش في مولدافيا 118 ألف يهودياً, وفي ولاشيا 9200, ثم إراتفع هذا الرقم بشكل حاد حتى بلغ عددهم في مولدافيا 210000 في 1899, وفي ولاشيا 68 ألف, أي حوالي ربع مليون من إجمالي عدد السكان وقدرهم ستة ملايين. وفي المدن بلغ عددهم 215000 من إجمالي عدد السكان وقدره 1131000 نسمة أي بنسبة 19%.

على أن تركز اليهود في المدن لم تكن مسألة إختيارية بقدر ما كان لأسباب إقتصادية حيث أن المادة السابعة من دستور 1866 تنص على إمكانية منح الجنسية "للأجانب من الكاثوليك" فقط. وهكذا لم يكن بإمكان اليهود أن يصبحوا مواطنين رومانيين, وهذا يعني حرمانهم ليس فقط من الحقوق المدنية بل من شراء الأراضي وإمتلاكها. ولما كان حظهم من الزظائف العامة محدوداً بل نتج عنه زيادة فرص التصادم مع الرومانيين فقد عملوا حيث يمكنهم أن يعملوا. ففي المدن عملوا بالحرف والتجارة بشكل محدود, وكانوا من صغار الحرفيين وصغار التجار وهي أعمال كان الرومانيون يحتقرونها أصلاً وتركوها للأجانب. وفي الريف كانوا يعمولن بالفندقة وبالربا, أو إدارة شؤون إقطاعيات الملاك الغائبين, وهي أعمال كان من شأنها أن تؤدي إلى مشاحنات لا مفر منها بينهم وبين الفلاحين الرومانيين. ورغم أن كثيراً من اليهود كانوا أغنياء فعلاً, إلا أن أغلبهم كان يعيش في أماكن حقيرة في المدن الكبرى.

وقبل معاهد(1878) تسببت أحوال يهود رومانيا في إثارة مشكلات في علاقاتها الدولية, فقد كانت مشكلة رئيسية في المفاوضات التجارية مع مختلف الدول مثل بريطانيا, وتسببت في تعقيد العلاقات مع المانيا فيما يتعلق بخط السكك الحديدية. كما كانت الحكومة الرومانية محل هجوم من المنظمات اليهودية الأوروبية مثل "التحالف الإسرائيلي Alliance Isrealite نظراً لأن زعماء رومانيا كانوا يرفضون المداة (44) من معاهدة برلين بإعتبارها تدخلاً في شؤون رومانيا الداخلية خاصة وأن روسيا مثلاً لم تحفل بوضع قواعد مشابهة في علاقاتها بسكانها من اليهود جرياً على إعتبار أن مثل هذه القواعد تعتبر من قبيل الإحتجاجات الخارجية على ما يحدث في داخل البلاد.

ولما أصبح معروفاً أنه لا يمكن الإعتراف بإستقلال رومانيا دون أن تحدث تغييرات في القواعد المنظمة للعلاقات بين السكان طبقاً للمادة 44 من معاهدة برلين، إلخ، بادرت الجمعية الوطنية بتمرير بعض القوانين في أكتوبر 1879 ترتب عليها إمكانية أن يصبح يهود رومانيا مواطنون طبيعيون على أن يصدر لكل حالة قرار خاص بها, ولكن الشرط الخاص بقصر تملك الأراضي على المواطنين الرومان ظل قائماً. والحقيقة ان الإجراءات التي أقرتها حكومة رومانيا في هذا الخصوص جاءت على غير رغبتها وتمت تحت ضغط قوي من المانيا ولم تكن تتمشى مع روح معاهدة برلين. ورغم أن القوى الأوروبية إعترفت بإستقلال رومانيا بعد 1880, إلا أن المسألة اليهودية ظلت شوكة في حلق سياسات رومانيا الداخلية,فلم يكن الرومانيون أو اليهود يرغبون في أن يستوعب كل منهما الآخر حيث لعبت الإختلافات الدينية والثقافية دوراً أساسياً في الصراعات التي تكررت بينهما.

وعلى هذا كان تحقيق الإستقلال بعد إنتصاراً شخصياً لأمير رومانيا الذي كان يكره وضع تبعيته للدولة العثمانية. وفي مارس 1881 وبمصادفة الجمعية الوطنية تم تتويجه ملكاً على رومانيا وأصبحت بلاده مملكة, وحينذاك إتخذ خطوات لتدعيم أسرة هوهنزولرن Hohenzollern التي ينتمي إليها, وحين أصبح أنه واضحاً لن يكون له وريثاً للعرش قام في نوفمبر 1881 بتسمية إبن عمه الأمير فرديناند من هوهنزولرن خليفة له. ولقد جاء هذا الأمير لرومانيا ليتعرف على أهل البلاد وعاداتها, وتزوج في 1913 من الأميرة ماري من إدنبرة of Edinburgh حفيدة الملكة فيكتوريا والقيصر الكسندر الثاني عاقدين بذلك تحالفاً ملكياً عظيم الشأن.

الحزب الليبرالي الروماني

على كل حال، كان الحزب الليبرالي في الحكم خلال معظم ثمانينات القرن التاسع عشر, فقد تولى ايون براشيانو رئاسة الحكومة حتى أبريل 1881 حين حل محله بصفة مؤقتة ديمترو براشيانو الذي أدار شؤون البلاد على النمط الفرنسي وسيطر على النظام السياسي وعلى أحوال البلاد من خلال محافظي الأقاليم وقوات الشرطة. وإستمر هذا الحزب يمثل سكان المدن بشكل عام من المهنيين والموظفين وأيضاً صغار ملاك الأراضي الزراعية, على حين ظل حزب المحافظين حزب كبار ملاك الأراضي الزراعية بدرجة أكبر رغم وجود بعض منم في صفوف المعارضة. وخلال تلك الفترة كان كاتارجيو لا يزال الرئيس الفخري للحزب ولكن الحزب إنقم على نفسه بخروج عدد من الشباب الذين كانو يشكلون "جمعية الأدباء الشبان", وكان أبرزهم بيتر كارب Carp, مرغليومان Marghiloman من الذين تعلموا في المانيا أكثر من فرنسا, وكانوا يتطلعون إلى دول أوروبا الغربية, ويؤيدون برنامج إصلاح ريفي معتدل.

ولما كان الحزب الليبرالي يسيطر سيطرة تامة على الجمعية التشريعية فقد أصبح بإمكان قيادته أن تتقدم بمشروع قانون لتغيير قانون الإنتخاب من باب تقوية وضعهم في الحكم. وعلى هذا جرت إنتخابات لجمعية تأسيسية جديدة لوضع دستور فاز الليبراليون فيها ب134 كقعداً للمحافظين ومن ثم قاطع المحافظون إجتماعات الجمعية. وأقر الدستور الجديد أن يتكون مجلس الشيوخ من هيئتين ومجلس النوب من ثلاث هيئات. وفي 1884 صدر قانون إنتخاب جديد للبرلمان بمجلسيه أعطي حق الإنتخاب للمواطنين الذكور دافعي الضرائب. وتتكون الهيئةمن ملاك الأراضي الزراعية الذين يملكون مساحة تدر 1200 فرنكأً وكان عدد هؤلاء 15973 فرداً في عام 1905. أما الهيئة الثانية فتتكون من الذين أنهوا مرحلة التعليم الإبتدائي على الأقل ويقيمون في المدن ويدفعون ضريبة مباشرة قدرها 20 فرنكاً على الأقل وكان عددهم 37742 فرداً. أما الهيئة الثالثة فتتكون من باقي السكان. ومن حق الهيئتين الأولى والثانية التصويت مباشرة, أما الهيئة الثالثة فعلى العكس تقوم بالتصويت غير المباشر, أي أن كل خمسين ينتخبون من بينهم مندوباً واحداً هو الذي يكون له حق التصويت المباشر (أي إنتخاب على درجتين). وكانت الهيئة الأولى تمثل 105% من الناخبين وإختاروا 41% من 83 مندوباً, والهيئة الثانية كانت تمثل 305% من الناخبين وإختاروا 38%, والهيئة الثالثة التي تشمل غالبية الناخبين لإإنهم يختارون 21% فقط. وأما حق الإنتخاب لمجلس الشيوخ فكان أكثر محدودية وتقييداً ويتم إنتخابهم بواسطة هيئتين,واحدة تتكون 10659 ناخباً, والأخرى من 13912 ناخباً. وفي يونية 1887 صدر قانون إنتخاب جديد للمجالس الشعبية يقوم على نظام الهيئتين.

والحق أن هذا النظام السياسي من الناحية العملية التطبيقية وضع السلطة الفعلية في يد الملك الذي أثبت قدرته على المناورة السياسية, وحيث أن الوزارة اليت في الحكم تستطيع التحكم في الإنتخابات من خلال إشرفها على العملية الإنتخابية وفي حماية البوليس, لإغنه يصبح بإمكان الملك تعيين الحكومة التي يرغب فيها, ثم يحل الجمعية التشريعية وهو على يقين من حصوله على أغلبية برلمانية في الإنتخابات التالية. كما أن هذا النظام سمح للملك بأن يتلاعب بالأحزاب ويوقع بينها لتحقيق التوازن بين اقلوى. ورغم وجود حزبين على الساحة السياسية, إلا أنهما لم يكونا يمثلان إلا نسبة قليلة من السكان, ولم يكن للفلاحين في الريف والعمال في المدن نصيب في الحياة السياسية في البلاد. ومن ناحية أخرى كانت الأحزاب نفسها تعاني من الإنقسامات الداخلية بسبب الخلافات الشخصية أحياناً أو بسبب الخلافات حول بعض القضايا. وكان الشغل الشاغل لكل الحكومات حتى 1914 ينحصر في ثلاثة مسائل: السياسة الخارجية, والشؤون العسكرية, والتقدم الإقتصادي.

ورغم أن السياسة الخارجية كانت تهيمن على الحياة السياسية لروماناي كما هو الحال في بلاد البلقان الأخرى, إلا أن رومانيا كانت تنفرد بخصوصية في هذا المقام. فبينما كانت رومانيا والصرب وبلغاريا مشغولة بضم أراضيها القومية الخاضعة للسيادة العثمانية, كانت رومانيا تطالب بضم مناطق تحت سيادة الإمبراطورية الروسية والنمساوية ألا وهي بساراربيا وترانسلفانيا. وحتى نهاية القرن التاسع عشر لم يكن هناك ما يشير إلى قرب إنحلال هاتين الإمبراطوريتين حتى يمكن لرومانيا أن تحقق مطالبها. لكن كانت هناك قلة قليلة من الرومانيين يدركون أن السبيل الوحيد لضم تلك الأراضي يكمن في وقوع كارثة أوروبية كبرى تؤدي إلى حصول رومانيا على ما تطالب به. ومن هنا إنصرفت رومانيا لمواجهة إدعاءات بلغاريا في دوبروديا, ووضع الولاشيين في مقدونيا.

لقد كان الإنطباع الذي خرجت به قيادة رومانيا (الملك والحكومة) منأزمة سبعينيات القرن التاسع عشر أن رومانيا عرضة للخطر والتهديد من قبل روسيا, ذلك أن إشتراك رومانيا في الحرب الروسية-العثمانية لم ينته فقط بفقدان رومانيا لأقاليم جنوبي بسارابيا الثلاثة بل الخوف من إحتمال إعادة الحماية السشابقة. كما أن رعاية روسيا لبلغاريا أصبحت مسألة مكروهة بشدة, وكان من شأن هذا الموقف أن يدفع إلى إقامة علاقات وثيقة مع النمسا لولا وجود عقبات في هذا الطريق أيضاً, ذلك أن موقف الرومانيين في ترانسلفانيا بعد ميثاق "أوزجليخ" Ausgleich قد تدهور كثيراً, بل إن مسألأة وضع القومياتفي الإمبراطورية النمساوية بدأت تلفت النظر بشكل متزايد. وفي الوقت نفسه كانت رومانيا ترغب في الحد من توسع سيطرة النمسا على الملاحة في نهر الدانوب. وتجنب إقامة علاقة إقتصادية غير مستحبة. ولم يكن هناك إلا القليل الذي يمكن القيام به أو تحقيقه في مسألة الدانوب, ذلك أن النمسا كان بإمكانها في عام 1883 تحقيق أغراضها في الدانوب وتأكيد سيادتها على مجرى النهر.

وعلى هذا ورغم نقاط الخلاف الكثيرة بين رومانيا والنمسا فلقد إضطرت الظروف رومانيا إلى الدخول في تحالف سياسي وثيق مع النمسا أثبتت تجارب السنوات السابقة التي أوهنتها حاجتها لتحالف خارجي حماية لها ضد روسيا. كما كانت رومانيا تفضل تحالفاً وثيقاً مع المانيا لولا أن بسمارك أصر على أ، أي علاقة المانية-رومانية لا بد وأن تكون من خلال النمسا. وعلى هذا وفي أكتوبر 1883 عقدت رومانيا والنمسا معاهدة دفاعية سرية موجهة أساساً ضد روسيا, وإنضمت إليها فوراً ثم إنضمت إيطاليا في 1888, وبهذا إنضمت رومانيا لدول الحلف الثلاثي بشكل غير مباشر. وقد ألزمت نصوص الإتفاق أن تقدم النمسا مساعدتها لرومانيا ضد أي دولة, كما ألزمت رومانيا بتقديم مساعدتها في حالة هجوم روسيا أو الصرب على النمسا. وهذا التحالف الذي تقرر تجديده بصفة دورية وأصبح فاعلاً في 1914 كان سرياً ولهذا لم يعرض على البرلمان كما لم يخبر الملك وزرائه عنه.

ورغم هذا التحسن الذي طرأ على العلاقات السياسية بين النمسا ورومانيا, إلا أن العلاقات الإقتصادية كانت مضطربة, ذلك أن الإتفاقية التجارية بينهما في عام 1875 الذي سبقت الإشارة إليها لم يعد فيها أية ميزات لرومانيا, وكانت الحكومة قد عقدتها لأسباب سياسية أكثر منها إقتصادية, فعلى سبيل المثال كانت المنتجات النمساوية تدخل رومانيا دون جمارك على حين أن منتجات رومانيا الزراعية التي تدخل بلاد النمسا والمجر تفرض عليها جمارك لحماية مصالح المجر. وفي الواقع فإن منتجات النمسا غمرت بلاد رومانيا حتى لقد أضرت بالصناعات الصغيرة فيها إن لم تقضي عليها. لكل هذا أقدمت رومانيا على إلغاء تلك الإتفاقية في يونية 1885. وكان هذا يعني أن قانون الحماية الجمركية الصادر في 1874 أصبح يطبق على الواردات النمساوية. وفي مايو 1886 صدر قانون حماية جمركية جديد فما كان من النمسا إلا أن منتعت إستيراد المواشي من رومانيا, وفرضت حظراً جمركياً على كافة البضائع الواردة من رومانيا. وكانت النتيجة قيام سلسلة طويلة من الحرب الجمركية بين البلدين إستمرت من مايو 1866 إلى ديسمبر 1893, وكانت حرباً تشبه إلى حد ما "حرب الخنازير" التي نشبت من قبل بين الصرب والنمسا, حيث إستخدمت النمسا سلاح الحجر الصحي على واردات المواشي من رومانيا والصرب بحجة منع إنتشار الأمراض.

ولقد تزامن مع قانون الحماية الجمركية محاولة أخرى من الحكومة لتشجيع الصناعة وكان الحزب الليبرالي الحاكم يقف إلى جانب إصدار تشريعات الحامية, وتوفير الإعانات الحكومية للصناعة. وهذا ما حدث طوال ثمانينات القرن التاسع عشر وكان أبرز تلك التشريعات قانون مايو 1887 لتشجيع الصناعات الكبرى وبمقتضاه منحت إمتيازات للمشروع الصنعي الذي يعمل به 25 عاملاً على الأقل. وكانت رومانيا بهذا القانون تقود دول البلقان نحو سياسة تشجيع الدولة الصناعية. ومع هذا لم تكن جهود رومانيا في هذا الخصوص ناجحة تماماً من وجهة النظر القومية, ذلك أن المشروعات الصناعية الجديدة لم تكن تعتمد على رأس المال المحلي رغم أن بعض ملاك الأراضي الزراعية والتجار المحليون إستثمروا في الصناعة, ولكن جاء رأس المال الرئيسي من المانيا والنمسا. ولقد ظلت درجة التصنيع حتى الحرب العالمية الأولى منخفضة رغم أن نسبة الإنتاج لرأس المال المستثمر كانت أكثر من الضعف بالنسبة لكل من بلغاريا والصرب واليونان.

أما بالنسبة للزراعة فقد تدهورت هي الأخرى مع نهاية القرن التاسع عشر مثلما كان حالها في دول البلقان الأخرى وذلك بسبب منافسة القمح الأمريكي الذي بدأ يتدفق على الأسواق الأوروبية في ثمانينات القرن مماكان له تأثيره المباشر على إنتاج رومانيا, فضلاً عن أن "الحرب الجمركية" مع النمسا التي سبقت الإشارة إليها كانت لها آثارها السيئة على تربية المواشي خاصة وأنه لم تكن هناك سوق بديلة مناسبة لتسويق المنتجات الرومانية غير النمسا والمجر رغم أن معظم صادرات رومانيا الزراعية وجدت طريقها إلى بلجيكا وبريطانيا. ورغم أن الروابط الإقتصادية مع المانيا كانت تتوثق أكثر وأكثر إلا أن سوق المانيا أيضاً لم تكن هي البديل المرضي عن الأسواق الأخرى.

على كل حال . . في عام 1888 إنتهت فترة حكم الحزب الليبرالي فقي رومانيا, وفي مارس جاءت حكومة جديدة من مجموعة الشباب برئاسة تيودور روزتي فيها بيتر كارب وزارة الخارجية, وفي الوقت نفسه إستمرت السياسة المحافظة قائمة حتى عام 1895 رغم حدوث تغييرات بين المسئولين كانت تعكس الصراعات بين أجنحة الحزب. وخلال فترة وجود هذه الحكومة في الحكم صدرت عدة إجراءات إصلاحية في مقدمتها الأخذ بقاعدة الذهب في التعامل, وتأميم السكك الحديدية, وإقامة جسر على نهر الدانوب إلى كيرنافودا Cernavoda إنتهى العمل به في 1895, كما تم عقد إتفاقيات تجارية مع معظم دول أوروبا بما فيها إتفاقية مع النمسا عام 1893 أنهت الحرب التجارية بين الدولتين, وبدأت أيضاً عمليات إستغلال مصادر النفط.

لقد شهد مطلع تسعينيات القرن التاسع عشر (1891) وفاة زعيما الحزب الليبرالي اللذان كانا مسئولين إلى حد كبير عن تأسيس دولة رومانيا المستقلة وهما يون برايشيانو, وكوجلينشينو, ورأس الحزب ديمتري ستورزا Dimitrie A.Sturdza الذي شكل الحكومة في 1895. ومنذ ذلك التاريخ وحتى إنفجار الحرب بالعالمية الأولى كان الحزبان (الليبرالي والمحافظ) يتبادلان رئاسة الحكومة. على أن التبادل الوزاري بين هذين الحزبين لم يكن يعني تغييراً رئيسياً أو ملحوظاً في سياسات الحكومة, إذ إنحصرت القوة السياسية في يد قلة وظل الملك يقوم بدور ضبط محوري بين الحزبي المتنافسين. وفي العشر سنوات السابقة على الحر بالعالمية الأولى مباشرة كانت المشكلة الرئيسية في السياسات الداخلية تتعلق بأحوال الفلاحين الذين كانت أوضاعهم تتدهور بشكل سريع.

أما الأوضاع الرثة والبائسة للفلاحين بعد إصلاحات الستينيات فقد سبق أ، شرحناها ورغم تلك الإصلاحات فقد ظلت رومانيا عبارة عن بلد قوامه أصحاب إقطاعيات كبرى وفلاحون فقراء يعانون البؤس والفاقة. وهكذا إستمرت المشكلة الإجتماعية والسياسية تكمن في سوء توزيع الأرض الزراعية حيث أدى تركز الملكية الزراعية في يد قلة قليلة, والتفتيت المستمر لحيازات صغار الفلاحين بفعل التوريث إلى إفتقار البلاد إلى وجود طبقة وسطى جيدة التكوين من أصحاب الحيازات المتوسطة وتشغل مكانة بارزة في المجتمع وهكذا وفي مطلع القرن العشرين بلغ حجم ملكية خمسة ألاف إقطاعي كبير نصف الأراضي الزراعية على حين أن 85% من الفلاحين كانوا عديمي الملكية أو يحوزون مساحات ضئيلة لا تكفي إحتياجاتهم ويضطرون للبحث عن أعمال أخرى.

على أن تركيز الملكية الزراعية في إقطاعيات كبيرة في بلاد مثل بريطانيا وبروسيا كانت له فائدة, فقد ساعدت على إستخدام وسائل الإدارة الحديثة والعلمية في إستغلالها مما أدى إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج. ولكن هذا لم يحدث في رومانيا فبعد عام 1829 كما رأينا حدث توسع كبير في الأراضي الزراعية لكنه توسع جاء نتيجة زراعة أراض جديدة كانت مهملة مع إهمال لتربية المواشي في الوقت نفسه بحيث كانت رومانيا في عام 1814 رابع دولة في العالم في تصدير الغلال وخامس دولة في تصدير القمح ولم يكن هذا التفوق راجع إلى إستغلال الأرض الزراعية إستغلالاً ذكياً.

ومن أسباب هذا الوضع أن كبار الملاك الأراضي الزراعية لم يكونوا يديرون شؤون إقطاعياتهم بأنفسهم وإنما كانوا يفضلون تأجيرها ويعيشون في العاصمة (بوخارست) أو في باريس, ويقوم المستأجرون بدورهم بتأجير الأرض في مساحات صغيرة للفلاحين بنظام المشاركة في المحصول أو بالإيجار النقدي حتى بلغت نسبة الإقطاعيات التي تدار بهذا الأسلوب 72% في عام 1900. ومن المفهوم أن المستأجرون كان يهمهم في الأساس تحقيق ربح سريع أكثر من الإهتمام بتحسين أوحال الزراعة أو رخاء الفلاحين. ولهذا كانت سمعة هؤلاء المستأجرين سيئة للغاية وأسهم في بروز المشاعر المعادية للسامية, رغم أن 27% فقط من كبار المستأجرين هؤلاء كانوا من اليهود. وفي الواقع كانت الأرض تفتح بواسطة الفلاحين الرومانيين الذين كانوا يقدمون كل من الجهد وحيوانات الشغل مما يعني أن الملكيات الزراعية الكبيرة لم تؤد إلى تحسين مناهج الزراعة وأساليبها أو إنتشار الميكنة في الزراعة.

والحال كذلك ومع زيادة السكان في مطلع القرن العشرين كانت أوضاع الفلاحين تزداد سوءً. وكان تفتيت الملكيات إلى قطع في مساحات صغيرة بفعل نظام التوريث لم يكن يسمح بال فواء بغحتياجات تلك الأسر التي كانت في حاجة ملحة لأرض أخرى. ولهذا فقد زاد عدد صغار الملاك الذين يستأجرون أرضاً إضافية مما أدى إلى إرتفاع قيمة الإيجار. وأمام زيادة أحوال الفلاحين سوءً بدت الإضرابات وعدم الإستقرار ظاهرة سائدة على نهاية القرن التاسع عشر.وكانت الأحزاب السياسية الحاكمة تحاول تخفيف وطأة مشكلة الفلاحين عن طريق إجراءات خاصة بنظام الإيجارات الزراعية وببيع أراضي الحكومة, وكان تدخل الدولة لحماية الفلاح مبدأ معترف به ولكنه لم يطبق إلا قليلاً.

على أن تلك الأوضاع في مجمله أدت إلى قيام ثورة فلاحية كبرى في 1907 بدأت في مولدافيا في مارس وإنتشرت في بقية البلاد وقد إكتنفتها نغمة عالية معادية للسامية لم تكن موجهة أساساً ضد كبار المستأجرين وضد الملاك الغائبين. أماالحكومة التي لم تكن تضم إلا عدداً قليلاً جداً من الممثلين الحقيقيين للفلاحين تصرفت بعنف تجاه الإنتفاضة حيث قام الجيش بقيادة الجنرال الكسندر آفيرشكو Averescu بسحق الإنتفاضة حتى لقد قتل حوالي أحد عشر ألف شخص.

ومع سحق التمرد إعترفت الحكومة بالحاجة إلى الإصلاح ومن ثم صدرت قوانين جديدة خاصة بنظام إيجار الأرض وتنظيم العلاقات بين الفلاحين وملاك الأراضي الزراعية ولكن بقيت المشكلة قائمة نظراً لأن فرض تشريعات من هذا النوع في بلد تخضع الحكومة فيه إلى أشخاص تتعارض مصالحهم الإقتصادية والإجتماعية مع مصلحة الفلاحين لا يقود إلى نتائج إيجابية. ولا شك أنه مع عام 1914 كان هناك ثمة إعتراف برغبة الفلاحين في تملك الأرض مع ضرورة القضاء على الملكيات الزراعية الكبرى وعلى هذا وفي عام 1908 تم التصديق على قانون بتأسيس بنك زراعي لمساعدة الفلاحين لشراء الأرض. وحدثت محاولة لضبط الأراضي المؤجرة لكن الإصلاح الحقيقي كان عليه الإنتظار حتى بعد عام الحر بالعالمية الأولى.

ورغم أن رومانيا كانت تعتبر أغنى دولة في البلقان, إلا أنها كانت تعاني-كما رأينا-من نفس المشكلات التي كانت تعاني منها بلاد البلقان الأخرى. وأكثر من هذا كان على الحكومة شأن غيرها من حكومات البلاد المجاورة أن تساند جهود زيادة الميزانيات المتعلقة بالإنفاق على تحسين الأحوال الداخلية, وتوسيع دائرة الخدمات المدينة, والإجتفاظ بجيش قوي وهذا له أهميته. لكن رومانيا شأن اليونان لجأت إلى الإستدانة الخارجية كأفضل حل للصعوبات المالية التي تواجهها فأوقعتها في مشكلات أخرى.

الصرب

كانت الصحوة التي أفاقت عليها بلاد البلقان من حوادث الفترة بين عامي 1875-1878 واضحة أشد الوضوح في الصرب التي أفاقت لتجد البوسنة وبلاد أخرى أصبحت في يد النمسا, ولتكتشف أن روسيا التي كانت مقربة منها في السابق قد ألقت بكل ثقلها الدبلوماسي ونفوذها السياسي وراء إدعاءات بلغاريا في أراضي الصرب. وعند نهاية الحرب كان يوفان ريستتش Jovan Ristic لا يزال على رأس حكومة ليبرالية وكان عليه أن يواجخ مشكلات عاجلة تتمثل في سوء الوقف المالي الناتج من سنوات الأزمة, وكذا رسم ملامح العلاقات الخارجية في المستقبل وخاصة مع النمسا بعد أن رفضت روسيا طلب الصرب بمساعدتها في إستئناف العلاقات.

كان أمير الصرب (ميلان) شأن حال أمير رومانيا يتمتع بوضع قوي فهو الذي يختار الوزراء الذين يصبح بإمكانهم التأثير على نتائج إنتخابات البرلمان. لكنه لم يكن في قوة أمير رومانيا (شارل) في ضبط الموقف السياسي, أو في قوة الكسندر الباتنبرجي الذي تمكن من توحيد البلاد خلفه ضد التدخل الأجنبي, بل كان رجلاً ضعيفاً وكسولاً وفاسداً وتافهاً صغير الشأن قادر على صنع أعدائه بسهولة, ولم يكن بإمكانه وضع أساس لبناء قوة قومية, كما لم يكن مؤهلاً لقيادة بلد ضعيف ومتخلف لتحقيق آماله القومية.

ولقد شهدت فترة حكمه صعود مجموعتان سياسيتان: التقدميون, والراديكاليون وكل منهما تحدي هيمنة الحزب الليبرالي فيما بعد. ولقد إنبثق التقدميون من الجناح اليساري لحزب المحافظين مثلما ظهرت مجموعة الشباب Junimists في رومانيا. ولما كانوا يرون في غرب أوروبا مثالاً متقدماً فقد أرادوا أن يتبعوه, وكانوا يعتبرون روسيا دولة متخلفة وبدائية بالقياس إلى ذلك الغرب. وقد إمتازت هذه المجموعة بأنها تعلمت جيداً وإكتسبت خبرات من كثرة الترحال, لكن برنامجها السياسي كان يأخذ بالنموذج الليبرالي الكلاسيكي للقرن التاسع عشر, ويدعو لإصدار تشريع قوي للحقوق المدنية ينص فيه على حرية الصحافة, وحرية الإجتماعات, وإستقلال القضاء, وتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي للمحليات. والخلاصة أن التقدميين كانوا يريدون إستنساخ حضارة الطبقة الوسطى لأوروبا الغربية في الصرب.

أما الراديكاليون فكانوا على العكس لهم جذور في التيارات الشعبوية والماركسية الفوضوية التي كانت سائدة خلال سبعينيات القرن التاسع عشر. وكانت أفكارهم في أقصى اليسار من التقدميين, فهم يقفون إلى جانب ما تقاسيه البشرية من الآم ومعاناة, وإلى جانب ضرورة هيمنة الهيئة التشريعية على الحكومة, وفرض الضرائب المباشرة بشكل تصاعدي, ووضع برنامج قوي للحقوق المدنية, وإقامة حكم ذاتي للمحليات. كما كانوا يهتمون بشكل خاص بكبح نفوذ البوليس في الإنتخابات حتى يمكنهم الفوز فيها. ولعل أفضل إسهاماتهم محاولة إدخال الفلاحين لأول مرة في الحياة السياسية في البلاد, ولوأنهم لم يركزوا جهدهم في هذا الإتجاه في البداية, لكن الحزب تحت قيادة نيقولا باشيك Pasic, وبيرا تودورفيتش Pera Todorovic نجح في صياغة برنامج لجذب تلك القاعدة الجماهيرية.

وفي تلك الأثناء حاول ميلان ووزراؤه الليبراليون التوصل إلى تفاهم مع النمسا حول إقامة السكك الحديدية, وإقامة علاقات تجارية, وعقد معاهدة سياسية في النهاية. وفيما يتعلق بمشروع السكك الحديدية كانت النمسا تريد أن تتأكد من أنه سيكون لفائدتها, وعلى هذا تم النظر في مد شبكة الخطوط الصربية تجاه الجنوب, وفي أبريل 1880 وافقت الصرب على مد الخط من بلجراد إلى فرانيه Vranje مخترقاً نيش Nis. ولكن سرعان ما واجه ميلان لسوء حظه فضيحة كبرى كانت لها نتائجها الوخيمة تشبه فضيحة ستراوزبيرج Strousberg. والحاصل على أن ميلان كان قد وقع عقداً في مارس 1881 مع شركة بونتو الباريسية E.Bontoux بموافقة النمسا. وما لبثت هذه الشركة أن إنهارت في الصرب التي خسرت في هذه الصفقة أكثر من دخلها الكلي في عام واحد. وأكثر من هذا أنه خلال تلك الأزمة سرت شائعات خصة بالرشوة والفساد بين المسئولين الصربيون طالت ميلان الذي أصاب سمعة ميلان نفسه. والخلاصة أنه بفضل مساعدة النمسا خسرت الصرب 12 مليون دينار لكن التدمير الذي أصاب سمعة ميلان وحكومته كان هائلاً.

أما المفاوضات بين الصرب والنمسا بشأن عقد إتفاقية تجارية بينهم فلقد كانت أكثر صعوبة من موضوع خط السكك الحديدية, فقد كانت الصرب تريد إتفاقية جديدة لأن مؤتمر برلين 1878 قرر أن دول البلقان المستقلة ينبغي أن تستمر في إلتزامها بالإتفاقيات التي تم التفاوض بشأنها مع الدولة العثمانية, وكانت التعريفة الجمركية المسموح بها طبقاً لتلك الإتفاقيات تمنح الصرب 3% من قيمة الواردات, على حين أنها كانت تريد زيادة نصيبها. وفي الوقت نفسه كانت النمسا متحمسة للتوصل إلى ترتيبات جديدة ولكن خلال التفاوض معالصرب لجأت النمسا لإستخدام الحظر على إستيراد المواشي من الصرب بدعوى الخشية من الأوبئة وأمراض الحيوانات مثلما فعلت مع رومانيا. والحق أ، النمسا كانت تسعى للتوصل إلى شروط مجحفة بالصرب وغير متكافئة وخاصة فيما يتعلق بالمنتجات الصناعية النمساوية. وكانت شروط في غير صالح الفلاح الصربي رغم حاجته إلى سوق النمسا في الوقت الذي لم يكن لدى الصرب صناعات تحتاج الحماية. ولأن الصرب أصرت على شروط متكافئة فقد رفض رئيس الحكومة دوفان ريستتش مقترحات النمسا وإستقال في أكتوبر 1880. وهكذا تخلى الحزب الليبرالي عن الحكم للتقدميين بعد إثنا عشر عاماً في الحكم, ونجح التقدميون في أن يسيطروا على الحياة السياسية طوال سبع سنوات. وقد بادر رئيس حكومة التقدميين الجديدة ميلان بيروشاناك Pirocanac, ووزير الخارجية والمالية كادوميل ميياتوفتش Cadomil Mijatovic وبالتوقيع على الإتفاقية التجارية مع النمسا في أبريل 1881. وكانت شروطها في صالح الإنتاج الزراعي للصرب ولو أنها سمحت للصناعات النمساوية بدخول الصرب وفق مميزات وارداتها من النمسا ويرتبط 82% من صادراتها بهذاالسوق النمسوي أيضاً.

على أن إعتماد الصرب على النمسا كما عكسته الإتفاقية التجارية بينهما برز بوضوح في الإتفاقيات السياسية التي عقد بين البلدين آنذاك. وكانت الصرب بحاجة إلى أن تحصى مصالحها في المنطقة التي تريد أن تتوسع فيها ألا وهي مقدونيا وخاصة في ضوء سيطرة النمسا على البوسنة والهرسك ووجود بلغاريا التي تدعهمها روسيا, فضلاً عن أن ميلان (أمير الصرب) مثل شارل (أمير بلغاريا) كان يرغب في أن يتمتع بلقب "ملك". وعلى هذا فإن المعاهدة التي عقدت في 28 يونية 1881 بين البلدين تضمنت تأكيداً من النمسا بمساندة الصرب في التوسع تجاه الجنوب حسب مقتضى الحال. كما تضمنت الموافقة على رفع مكانة دولة الصرب إلى مملكة, وأيضاً تضمنت مواد تنص على أنه في حالة وقوع أي من الدولتين في حالة حرب تقف الأخرى على الحياد. وأخذت الصرب على نفسها الإلتزام بأمرين: الأول أنها لن تسامح إزاء المؤمرات السياسية والدينية وغيرها التي تحاك ضد النمسا على أرضها, أو في البوسنة والهرسك, أو في نوفي بازار. أما الأمر الثاني والأكثر مغزى وأهمية ما نصت عليه المادة الرابعة من "أن الصرب لن تتفاوض مع أية حكومة أو تعقد إتفاقية سياسية دون التفاهم المسبق مع النمسا, ولن تقبل بوجود قوات عسكرية على أرضها سواء نظامية أو غير نظامية أو حتى متطوعة".

وفور تسريب أخبار نصوص المعاهدة إلى الصرب نشأت أزمة فإضطر بيرشاناك رئيس الحكومة إلى تقديم إستقالته إحتجاجاً على أن تصبح بلاده في حالة تبعية سياسية للنمسا بمقتضى تلك المعاهدة ثم ذهب إلى النمسا وحصل على تصريح من حكومتها بأن المادة الرابعة "لن تضر بحق الصرب في التفاوض من أجل عقد معاهدات مع أي حكومة حتى ولوكانت ذات طابع سياسي". وبهذه الضمانة بقي بيروشاناك في الحكم ولم يكن يعلم أن الأمير ميلان وعد النمسا في خطابات متبادلة بأنه "لن يدخل في مفاوضات قد تكون لها علاقة بأية معاهدة سياسية بين الصرب ودولة ثالثة دون الرجوع إلى النمسا أولاً والحصول على رضاها. وبهذه الحركة ضمن ميلان لنفسه دعم النمسا. والحق أنه رغم عدم تكافؤ في العلاقات بين البلدين على ذلك النحو, إلا أن الصرب لم يكن أمامها بديل آخر إذ كانت شأن رومانيا بحاجة إلى مساندة قوة كبرى في العلاقات الدولية ولم تكن هذه القوة إلا النمسا في مواجهة مساندة روسيا لبلغاريا.

ميلان الأول يصبح ملكاً

وفي تلك الأثناء بدأت الحكومة التقدمية برئاسة بيروشاناك في تنفيذ برنامجها السياسي حيث إجتهدت في تمرير سلسلة قوانين تتشابه مع تلك التي أصدرتها أحزاب مشابهة في البلاد المجاورة. وسرعان ما تم تنفيذ إجراءات تتعلق بحرية الصحافة, وإستقلال القضاء, وفرض التعليم الإبتدائي الإلزامي. وفي 1883 أصبح الخدمة العسكرية إجبارية وتم تأسيس بنك قومي. وقد كان هذا البرنامج التقدمي يعكس مصالح الطبقة الوسطى وليس الأغلبية من الفلاحين. ومثلما فعلت حكومة الليبراليين السابقة قام الحزب التقدمي بإحلال رجاله في وظائف الدولة مثلما حدث في كل بلاد البلقان المجاورة.

ويلاحظ أن فترة حكم الحزب التقدمي في الصرب شابتها فضائح داخلية وكوراث خارجية. فبالإضافة إلى إنهيار شركة بونتو كما سبقت الإشارة، قام ميلان بطرد ميخائيل Michael بطل الصرب الشعبي خارج البلاد مما أدى إلى إندلاع إحتجاجات شعبية. وقد كانم ميخائيل المؤيد للحزب الليبرالي ولروسيا يعترض على الدعوة لفرض ضرائب على املاك الكنيسة, وعلى طرد أنصار الحزب الليبرالي من وظائف الدولة. وقد قام ميلان بتعيين ثيودويسيوس Theodosius مكان ميخائيل وعندما لم يؤيد سنودس الصرب هذا التعيين إضطر ميلان للرجوع لبطريرك الصرب في سرمسكي كارلوفيتش Sermski Karlovic في مملكة النمسا. وفي النهاية وافق بطريرك استانبول وكذا الكنيسة اليونانية والرومانية على تعيين ثيودوسيوس لكن روسيا لم توافق على هذا الإحلال.

والحقيقة أن تدهور مكانة ميلان وكذا الحزب التقدمي إنعكس في إنتخابات عام 1883, إذ حصل الحزب على أغلبية ضئيلة بنسبة 2 : 1 أي الضعف فقط ولما كان ميلان يرفض هذه النتيجة فقد قام بتكليف هريستيتش Hristic بتشكيل الوزارة وبهذا عاد المحافظون إلى الحكم. لكن لم يلبث أن عاد الحزب التقدمي للحكم في 1884 في أعقاب إنتفاضة وقعت في منطقة تيموك Timok في نوفمبر 1883 بسبب طلب الحكومة فيما يبدو أن تقوم ميليشيات الفلاحين بتخزين أسلحتها في ترسانة عادية وليس في البيوت. ويبدو أن العناصر التقدمية كانت متورطة في هذا التمرد تروطاً تاماً إذ إضطروا لمغادرة البلاد نفياً بعد قمع التمرد عسكريا. وتمت محكامتهم غيابياً حيث صدر الحكم بغعدام نيقولا باشيك الذي قد غادر البلاد قبل وقوع التمرد بأسبوع. ونفذ حكم الإعدام في عشرين واحد فقط, وكان الحكم قد صدر ضد 94 واحداً وتدفق عدد كبير من الهاربين عبر نهر تيموك.

الحرب البلغارية الصربية

ولقد أدى وجود هؤلاء الهاربين في بلغاريا إلى تدهور العلاقات بين البلدين رغم أن ميلان وأمير بلغاريا (الكسندر) كانا صديقين على المستوى الشخصي. ثم أصبح الموقفق اكث رسوءً نتيجة حادث طريف لم يخطر على البال, ذلك أن نهر تيموك الذي يمثل الحدود بينالبلدين تغير مجراه فجأة,وأدى هذا إلى تجريف حافة النهر نتج عنها تحريك مساحة منها دخلت حدود الصرب. وأرادت الصرب الإحتفاظ بتلك المساحة الجديدة بإرسال فرقة عسكرية لحراستها وإثبات حقها. وعلى هذا وقع الصدام بين البلدين وقامت بلغاريا بطرد الفرقة العسكرية وظل النزاع قائماً بين البلدين حتى 1888.

وكان العداء قد وصل ذروته في 1885 وعندما أصبح واضحاً أن روميليا الشرقية قد تنضم فعلياً إلى بلغاريا طلبت الصرب تعويضاً وكانت تعتقد أن يكون التعويض إعتراف بلغاريا بوضع الصرب يدها على الأرض الجديدة. وفي نوفمبر 1885 وبناء على تقدير خاطئ بضعف الجيش البلغاري لخلوه من ضباط روس, قامت الصرب بالهجوم على بلغاريا فكانت الحرب كارثة على الصرب التي هزمت في معركة سيلڤانيتسا Silvanitsa ولم ينقذها من خسارة أفدح إلا تدخل النمسا حليفتها, وعاد السلام بين البلدين على أساس الأمر الواقع.

على كل حال، لقد تدهورت مكانة أسرة ابرونوفيتش الحاكمة في الصرب إبتداء من ثمانينيات القرن التاسع عشر وحتى ثورة 1903 نتيجة تورط أفرادها في عدة فضائح لم تؤد فقط إلى إضطراب الحياة السياسية في البلاد بل لقد تسببت في تحطيم مكانة الصرب بين الدول. وأكثر من هذا أن ميلان وزوجته نتاليا دخلا في معارك سياسية علنا ذلك أن نتاليا وهي إبنة ضابط روسي من أصل روماني كانت تفضل أن تقوم بدو موال لروسيا في السياسة الخارجية, وتعارض رغبة زوجها ميلان في أن يتعلم إبنهما الكسندر في النمس. وقد بلغ الخلاف بين الإثنين درجة لا يمكن معها إصلاح ذات البين حتى ولقد سعى ميلان لتطليق زوجته, وهي قضية أدت إلى إنشقاق داخل الحكومة. وفي 1887 غادرت نتاليا البلاد ومعها إبنها الكسندر. وكانت تلك الفضائح بمثابة خطر محدق ومتواصل بالأسرة الحاكمة نظراً لوجود مرشح محتمل لتولي عرش البلاد يتمثل في بيتر كارديوريفيتش الذي كان يعيش في المنفى ولكنه يتابع ما يحدث في الصرب عن كثب. وفي 1883 تزوج من زوركا Zorka إبنة نيقولا أمير الجبل الأسود فتعزز مركزه ووضعه أكثر وأكثر بهذه المصاهرة.

وعلى هذا وفي 1888 كان ميلان قد سئم وضعه خاصة وأن أنصاره لم يتمكنوا من تحقيق نصر واضح في الإنتخابات رغم سيطرته على البوليس الذي ينظم العملية. أما وقد قرر التنازل عن العرش فقد رأى أن تكون آخر أعماله دعوة جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد إجتمعت في ديسمبر 1888، وكان خمسة أسداس أعضائها من الحزب الراديكالي, والسدس الباقي من الليبراليين، وفشل التقدميون في الفوز بمقعد واحد. وقد حددت هذه الوثيقة التي كانت أكثر ديموقراطية من الدستور السابق بشكل واضح ودقيق مسألة الحريات المدنية, وجعلت للبرلمان سلطة نسبية, فضلاً عن تقوية سلطة المحليات وإدارتها. كما نصت على سرية الإنتخابات، ومنح حقوق الإنتخاب لجميع دافعي الضرائب. وفور إتمام صياغة الدستور ميلان عن العرش في مارس 1889 لإبنه الكسندر الذي كان في الثالثة عشر من عمره.

تقييم حكم ألكسندر اوبرنوڤتش

والحق أن حكم الكسندر ابرونوفيتش في كثير من ملامحه كان فاصلاً حزيناً في تاريخ الصرب, فلم يكن الرجل يمتمع بأية قدرات ملفتة للنظر، وإنصرف إلى حياته الخاصة وحياة أمه ووالده وأخيراً عشيقته, وجميعها كانت مصدراً خصباً للضحك والسخرية في كل بلاد أوروبا. يضاف إلى هذا أنه عاش طفولته وحيدأً مع تربية عسكرية صارمة, ولم يتورع أبواه عن إستخدامه في شجارهما. والحاصل أنه قبل أن يغادر ميلان البلاد بعد تنازله عن العرش قام بتعيين مجلس وصاية على العرش من ثلاثة أوصياء برئاسة يوفان ريستيتش. ولما كان تنازله عن العرش يعد إنتصاراً للحزب الراديكالي فقد تسلم الحزب زمام الأمور, وأصبح الجنرال سافا جريوش Sava Grujic رئيساً للوزراء, وعاد باشيك من المنفى. وهكذا أتيحت الفرصة للراديكاليين ليضعوا برنامجمهم السياسي موضع التنفيذ.

ولما كانت القوة الإنتخابية للحزل ترتكز على اصوات الفلاحين, فقد جاءت قيادة الحزب الراديكالي من بين أبناء الطبقة الوسطى وخاصة المثقفين. ولكنهم بمجرد توليهم الحكم أثبتوا أنهم لا يقلون عن سابقيهم رغبة في السيطرة على أداة الحكم حيث قاسوا بملء الوظائف المدنية بأنصارهم. وكان للحزب برنامجاً حاول تنفيذه على الأقل جزئياً بين سنوات 1889-1892 ورغم أن كثيراً من الراديكاليين كانوا يكرهون الغرب الرأسمالي نظرياً, إلا انهم كانوا يرغبون في أن تكون الصرب دولة ديموقراطية تتكون من عدة كوميونات تقوم كل منها على الحكم الذاتي. ومن الناحية التشريعية قام الحزب بتوسيع حق الإنتخاب العام, وتدعيم الحقوق المدنية, وزيادة سلطة المحليات.

غير ان تلك الإجراءات لم يكن لها تأثير على التخفيف من وطأة المشكلات الشخصية التي كان يعاني منها الكسندر (الأمير الشاب) لأن أبواه لم يتوقفا عن الشجار العلني بعد أن خرجا من البلاد وكأنهما كانا يتنافسان على الإضرار بمصير إبنيهما، فقد كان ميلان في حاجة إلى أموال بصفة دائمة, وظلت مسألة طلاقة قضية قومية عامة. وفي الوقت نفس كانت الأوضاع السياسية أخذة في التدهور, ففي يونية 1892 حلت حكومة ليبرالية محل حكومة الراديكاليين وضمنت الحكومة الجديدة وضعاً قوياً داخل البرلمان بفضل إستخدام البوليس والجيش في عملية الإنتخابات.

ألكسندر الأول من صربيا

وفي أبريل 1893 أمسك الكسندر ذو السبعة عشر ربيعاً بزمام الأمور في البلاد وأصبح ملكاً بفضل تشجيع والده وبمساعدة الجيش, وإختار وزراءه من الحزب الراديكالي في ضوء إنتخابات جديدة جاءت ببرلمان راديكالي, وفي 1894 ألغي دستور 1888 وأعاد العمل بدستور 1869. ومع كل تلك الإجراءات وتمكن الملك من السيطرة على النظام السياسي في الأعوام التالية عن طريق التلاعب بالأحزاب والسيطرة على الإنتخابات, إلا أن وضعه السياسي القوي نسبياً تحطم على صخرة رد الفعل الشعبي لحياته الشخصية غير السوية

ولم تقتصر محنة الملك الكسندر على إستمرار أبواه (ميلان ونتاليه) في الشجار علناً للإنفراد بالسيطرة عليه, بل إن هذا الملك سيء الحظ دخل في علاقة أثارت حساسية الصربيين, إذ إلتقى وهو في بيت والدته بأرملة تدعى دراجا ماسينا Draga Masina تكبره باكثر من عشر سنوات, وسمعتها سيئة بسبب تعدد علاقاتها مع الرجال، وأبوها مات متأثراً بجنونه, وأمها سكيرة تعاقر الخمر, وإتخذها الكسندر عشيقة له في 1897 وسرعان ما أعلن نيته الزواج بها. غير أن والداه رفضاه هذا الزواج, ورأى قيصر روسيا في الأمر فرصة لإستعادة نفوذه على بلاط الصرب فأرسل نائباً عنه لحضور حفل الزواج.

على كل حال . . لقد مضت بقية سنوات حكم الكسندر بتردد الفضائح التي إرتبطت بالمملكة الجديدة (عشيقته السابقة) وعائلتها, فلم تنجب وذاعت تقارير عن حملها غير حقيقي ليؤكد أن أسرة اوبرنوفيتش المالكة تحتضر دون وريث. وأكثر من هذا ففي أبريل 1901 أصدر الملك دستوراًأخراً دون جمعية تأسيسية نص على أ، تكون الهيئة التشريعية من مجلس منتخبين: مجلس نواب, ومجلس شيوخ, يعين الملك ثلاثة أخماس الأعضاء في كل منهما. ورغم أن الحكومة إستمرت في كسب الإنتخابات بالإرهاب والتهديد, إلا أنها لم تستطع خنق موجة السخط العامة التي كانت تتصاعد يوماً بعد يوم.

الانقلاب

وفي ليلة 10-11 يونية 1903 وضعت نهاية لحكم الملك الكسندر بإنقلاب نظمته مجموعة من 120 من صغار ضباط الجيش الذين شعروا بلإهانة من ملكهم, وبأن بلدهم لا يمكن أن تتقدم تحت حكمه حيث إقتحموا القصر الملكي وأطلقوا الرصاص على الملك ومزقوا جشده بالسيوف وقتلوا الملكة وأشقائها ورئيس الوزراء ووزير الحربية. وقد أثار الحدث الرعب في أوروبا كلها.

كانت قيادة الإنقلاب قد أقامت حكومة مؤقتة برئاسة يوفان آفاكوموفيتش Jovan Avakumovic, بادرت بدعوة البرلمان بمجلسيه النواب والشيوخ طبقاً لدستور 1901, وقد إختار البلرمان بيرت كاراديوريفيتش ليكون ملكاً على البلاد, وكان مرشحاً وحيداً للعرش وفي الستين من عمره ولا يعرف إلا القليل عن البلاد الذي سيحكمه رغم أنه كان ثالث أبناء الكسندر كاراديوريفيتش, وإشترك في معارك حرب البوسنة كأي صربي يشعر بقويمته. ولكنه تعلم في فرنس وسويسرا, وكان زواجه من الأميرة زوركا الروسية يربطه بروسيا بشكل أو بآخر لكنوفاتها في 1890 ربما جعله يتحرر من تلك الروابط. وفي 1903 قام الملك الجديد بإلغاء دستور 1901 وأعاد العمل بدستور 1899 مع إضافة تعديلات معينة.

كانت أول مهمة واجهت الملك الجديد هي كيفية مواجهة صدمة رد الفعل لدى القو الأوروبية تجاه الإنقلاب الذي جاء به إلى العرش. فبينما إعترفت كل من روسيا والنمسا بالتغيير الجديد قامت بريطانيا وهولندا بسحب سفيريهما من الصرب, فلم يكن أي منهما يرحب بأن يشغل الإنقلابيون السلطات العليا في البلاد. لكن التخلص تدريجياً من هؤلاء الإنقلابيين ساعد كثيراً في إعادة العلاقات الخارجية للصرب إلى طبيعتها ما عدا بريطانيا التي لم تعترف بالوضع الجديد حتى عام 1906.

وفي عام 1904 تم تتويج بيتر ملكاً وأصبحت الحياة السياسية بسيطة سهلة بشكل أو بآخر. وآنذاك كان أقوى حزبين على الساحة الحزب الراديكالي, وحزب الراديكاليين المستقلين, والإثنان في الأصل من سلالة الحزب الراديكالي الأصلي. وبعد تغيير الحكومة خمس مرات بين عامي 1904-1906 إستقر الراديكاليون في الحكم حتى عام 1918.

في تلك الأثناء كانت الرابطة بين أسرة اوبرونوفيتش التي كانت تحكم الصرب والنمسا بدأت تتكسر بتولي العرش أسرة كاراديورفيتش, ورغم الرابطة التي تربط روسيا بملك الصرب الجديد (بيتر كاراديوريفيتش) وبالراديكاليين الذين إعتمد عليهم إلا أنها كانت منشغلة بحربها ضد اليابان وبالتالي لم يكن بإمكانها أن تساعد الصرب في مكشلاتها. وسرعان ما بدأت الصراعات بين الصرب والنمسا حول بعض المشكلات في مقدمتها مشروع السكك الحديدية, وشراء الأسلحة, والقروض. فقد كانت النمسا تريد من الصرب أن تشتري بنادق سكودا بالأموال التي تقرضها إياها, على حين كانت الصرب تريد شراء أسلحة فرنسية كتلك التي تستعملها بلغاريا ودون أن تتقيد بطلب النمس. وأثناء التفاوض بين النمسا والصرب علمت النمسا أن الصرب وبلغاريا وقعتا إتفاقية جمركية في يونية 1905 يبدأ تنفيذها في 1906 قد تنتهي بوحدة إقتصادية بينهما بحلول 1917. ولما كانت النمسا تعتبر أن هذا الإتفاق الجمركي بين الصرب وبلغاريا يضر بمصالحها في البلقان قررت تعليق المفاوضات مع بلغاريا وخاصة تلك المتعلقة بالمعاهدة التجارية, وضغطت على الصرب لكي تتخلى عن الإتفاق مع بلغاريا, وأغلقت حدودها أمام إستيراد المواشي من الصرب بدعوى الخوف من إنتشار الأوبئة.

وهذا الصراع الذي كان يعرف بإسم " حرب الخنازير" كان يتوازى مع صراع مماثل بين النمسا ورومانيا ولم يتصل إلى إتفاق بشأنه إلا في 1911. ورغم أن مقاطعة إستيراد المواشي من الصرب كان كارثة بالنسبة لبعض المناطق, إلا أن الموقف أجبر الصرب على بحث إنهاء إعتمادها الإقتصادي التام على النمسا, والبحث عن أسواقهابديلة, ومن ثم عقد معاهدات تجارية مع عدة دول. بدأت الصرب في تصنيع ثروتها الحيوانية, وإتجهت إلى فرنسا للحصول على التجهيزات والمعدات العسكرية اللازمة. وهكذا أدى تغيير الأسرة الحاكمة في الصرب وتداعيات حرب الخنازير إلى قطع الروابط السياسية والعسكرية والإقتصادية التي كانت تربط بينها وبين النمسا في سالف الأيام. ومنذ ذلك الوقت أخذت الصرب توجه أنظارها إلى روسيا.

ويلاحظ أن حكم الملك بيتر كاراديورفيتش تميز بازمات متلاحقة في السياسة الخارجية وحيث أن تلك الأزمات تخص دول البلقان الأخرى وكذا الدول الكبرى فسوف نناقشها فيما بعد. ولكن يتعين أن نذكر هنا أن حكومة الصرب دخلت في السنوات التالية فترة ركزت فيها على التوسع القومي حيث إستهدفت ضم الأراضي التي كانت لا تزال تحت الحكم العثماني في القوت الذي أبدت فيه الدول الكبرى إهتماماً كبيراً لمصير سلاف الجنوب تحت حكم النمسا.

بلغاريا

بعد إستقالة ستامبولفو Stambolov قام الأمير فرديناند بتعيين قسطنطسن ستويلوف Stoilov خلفاص له وهو من المحافظين بهدف أن يتوصل إلى تآلف ما مع روسيا كما سبقت الإشارة. وكان فرديناند قد عزم على أن يكون حاكماً قوياً يمسك بزمام الأمور السياسية في الدولة, وظلت أهدافه تتلخص في تقوية بلاده, والتوسع القومي,وإنتظار اليوم الذي يحظى فيه بلقب "الملك" الذي يحكم دولة مستقلة مثلما كان ينتظر شارل (أمير رومانيا), وميلان (أمير الصرب). ومما ساعده على تحقيق رغبته في تقوية مركزه تطور النظام السياسي في البلاد. وكان الحزبان السابقان الليبرالي والمحافظ قد إنشقا إلى تنظيمات جديدة لكل منها برامج متانافسة. وفي ضوء هذه التعددية الحزبية كان بإمكان فرديناند دائماً أ، يعثر على أي حزب سياسي أو إئتلاف ما يشاركه تنفيذ سياسته. وعلى هذا تناولت هذه الأحزاب السياسية على الحكم حوالي إثنا عشر مرة خلال الفترة من 1894-1913.

وقبل الحرب العالمية الأولى كان يتنافس على الحكم تسعة أحزاب سياسية, ثلاثة منها مجموعات منشقة من الحزب الليبرالي وهي" "الليبراليون القوميون" بزعامة ديميتور بيتكوف Dimitur Petkiv خليفة ستامبولوف, و"الليراليون" بزعامة فاسيل رادوسلافوف Vasil Radoslavov, و"الليبراليون الشبان" بزعامة ديمتيور تونشيف Tonchev. ويعود الإختلاف بينها إلى الإختلاف بين شخصية زعاماتها, وكانوا جميعاً ضد روسيا أساساً ومع الغرب في السياسة الخارجية, ووجدوا سندهم بين مثقفي المدن وبين الفلاحين. وتمثلت المعارضة الرئيسية لكل منها في التيار المحافظ الذي كان يعرف بإسم "الحزب القومي" بعد 1894 تحت قيادة قسطنطين ستويلوف الذي كان يتعاون مع الحزب الليبرالي التقدمي بزعامة دراجان شانكوف Dragan Tsankov في الصراعات السياسية الناشئة. وكانت هذه المجموعة تميل لروسيا في الشؤون الخارجية وجاء أعضاؤها من الطبقة الوسطى والشرائح العليا من ملاك الأراضي الزراعية. أما الحزب الديموقراطي برئاسة بيتكو كارافيلوف Petko Karavelov فكان يقف موقفاً وسطاً بين الحزبين السابقين, وكان يفضل إتخاذ سياسة حرة في الشؤون الخارجية لكنه كان أكثر إنحيازاً للغرب من روسيا. أ/ا الأحزاب الثلاثة الأخرى فكانت: حزب الزراعيين, ورابطتين للإشتراكية اليدموقراطية, وجميعهم كانوا أنصار جدد للسياسة البلغارية نسبياً.

على أن السنوات الخمس التي تولى فيها ستويلف رئاسة الحكومة كانت بمثابة تحديد بوصلة حكم الأمير الذي كان مهتماً شأن الأمير تشارل بتحسين الأحوال الداخلية, فقد كان يرغب في تشجيع التصنيع في لباده ومن ثم اصدر في 1894 قانوناً لحماية الصناعةالمحلية, ومنح قروض للورش التي تزيد رأسمالها على 25 ألف ليفا Leva ويعمل فيها عشرون عاملاً على الأقل, وفي 1897 طلب من كل الموظفين أرتداء ملابس وأحذية صناعة محلية. ورغم أنتلك الإجراءات الخاصة بتشجيع الآلي أضرت الصناعات اليدوية لكن كان المعتقد أنها إجراءات ضرورية للتقدم الإقتصادي.

كما كان الأمير مهتماً إهتماماً كبيراً بتطوير المواصلات الداخلية وخاصة بناء السكك الحديدية. لكن بلغاريا شأن كثير من بلاد البلقان كانت تواجه صعوبات كثيرة بسبب الإمتيازات الأجنبية الممنوحة لبناء السكك الحديدية, ذلك أنه قبل نعاهدة برلين عام 1878 كانت الحكومة العثمانية قد تعاقدت مع شركات غربية إنجليزية ونمساوية في المقام الأول لبناء السكك الحديدية, ونصت على غلتزام إمارة بلغاريا بتلك التعغاقدات. وهكذا وخلال الثمانينيات وجدت بلغاريا نفسها تحت ضغط متواصل من أصحاب الإمتيازات من المقاولين وكان بعضهم منروسيا واذلين كانوا معنيون في الدرجة الأولى بتحقيق الأرباح لأنفسهم ولحملة الأسهم في الشركة, مع أن بعض خطوط السكك الحديدية المقترحة تعتبر قليلة الفائدة لبلغاريا. وفي 1888 إكتمل الخط الحديدي الرئيسي الذي يربط استانبول بفيينا والمدن الرئيسية في أوروبا ويمر خلال بلغاريا. وأصبح لدى البلاد خطوط حديدية طوله 693 كيلومتراً. ولكن ولكي تمضي بلغاريا في إتمام الخطوة الثانية وهي إقامة الخطوط الفرعية إقترضت من بنوك نمساوية بفائدة عالية في الغالب. وهنا برزت مشكلات أخرى حين دفعت الدولة مبلغاً كبيراً لشراء خط السكك الحديدية من الشركة الشرقية في روميليا التي كان يمتلكها بنك برلين دويتش Berlin Deuhsche Bank حتى ولقد إضطر ستويلوف لتقديم إستقالته في يانير 1899 بسبب هذه الضفقة التي أرهقت ميزانية البلاد. ورغم إستمرار العمل في مد خطوط السكك الحديدية التي بلغ طولها 1931 كيلومتراً عام 1911 إلا أن تكاليفها كانت عبئاً ثقيلاً على الإقتصاد القومي.

وكانت الزراعة في بلغاريا تعاني من المشكلات نفسها القائمة في البلاد المجاورة, فبعد عام 1878 (مؤتمر برلين) وعن طريق تقسيم الإقطاعيات الكبيرة التي كانت في يد ملاك أتراك أصبحت بلغاريا أمة من صغار الفلاحين المزراعين, ذلك أن الإستيلاء على تلك الأراضي لم يؤد إلى تحسين مستوى معيشة الفلاح, إذ توزعت قطع الأرض بين عدة ملاك وتفتت بفعل نظام التوريث مثلما حدث في أماكن أخرى ودون أن يطرأ تحسن على أساليب الزراعة. وسرعان ما نمت مشاعر السخط في صدور الفلاحين وعدم رضاهم بدرجة ملحوظة, فقد كانت لهم مطالب محددة في مقدمتها وعلى سبيل المثال الحصول على القروض بفائدة معقولة, وضمان تسويق المحاصيل, وتوفير السلع الرئيسية مثل الكبريت والصابون والسكر بأسعار منخفضة. فقد كان الفلاحون يضيقون بإرتفاع تكاليف إستهلاكهم لبضائع بينما دخولهم تقل. ثم وصل سخط الفلاحين مداه عندما فرضت الحكومة في 1899 على كل فلاح تسليم 10% من الحصول عيناً رغم تدهور أحوال الزراعة فإرتفعت الإحتجاجات. وكان جريكوف D.Grekov زعيم الحزب القومي الليبرالي الذي يرأس حكومة إئتلافية مع الحزب الليبرالي وراء هذا الإجراء. لكن إستخدام الجيش لفرض الإجراء الذي إنتهى بقتل بعض الفلاحين كان بمعرفة حكومة رادوسلافوف الذي خلف جريكوف. على أن هذا الإجراء أدى إلى تكوين حزب بإسم الإتحاد الزراعي كرس نشاطه لحماية مصالح الفلاحين اذلين أعطوا أصواتهم من قبل للحزب الليبرالي.

ولم يكتف رادوسلاف بإتخاذ إجراءات عنيفة ضد الفلاحين بل لقد قام بحل مجالس الكوميونات وكل الأجهزة الحكومية المحلية بطريقة غير قانونية. ولما كان الأمير فرديناند قلقاً من تدهور شعبية رئيس حكومته فقد أقام في 1901 على تعيين حكومة إئتلافية جديدة من الديموقراطيين والتقدميين برئاسة كاريفيلوف بادرت فوراً بإلغاء قانون نسبة ال10% التي كانت مقررة على الفلاحين. لكن سرعان ما تبدد الأمل الذي نتج عنه هذه الخطوة حين سعت الحكومة لإحتكار الدخان لضمان الحصول على قرض من المانيا وهو إجراء لم تكن الجمعية التشريعية توافق عليه.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية في عهد فرديناند فكانت مسألة مقدوينا مسيطرة على الأذهان وفي هذا الخصوص لم تكتف دولته برعاية المنظمات الثورية في مقدونيا. بل لقد سعت للقيام بخطوات عن طريق التفاوض مع الدولة العثمانية وروسيا. وبينما تحقق لبلغاريا بعض النجاح مع الدولة العثمانية بصدور قرار من السلطان في 1897 بإنشاء أبروشية جديدة تحت ولاية نائب بطريرك استانبول Exarch لم تحصل من روسيا إلا على مساعدة قليلة. ورغم أن الأزمة البلغارية 1885-1887 تسببت في حل تحالف الأباطرة الثلاثة ووقوع النفور والتباعد بين روسيا والنمسا, إلا أن الدولتين كانت لهما مصالح مشتركة أواخر التسعينيات في شؤون البلقان. وبينما كانت روسيا مشغولة بما يجري في الشرق الأقصى (اليابان) كانت النمسا مشغولة بكثير من المشكلات الداخلية الكبرى. وعلى هذا وفي 1897 وافقت الدولتان على التعاون معاً للحيلولة دون وقوع أزمة في دولة البلقان, وفي السنوات التالية عملا سوياً تجاه مسألة مقدونيا. وفي ضوء تلك الظروف لم تكن بلغاريا تتوقع أن تؤيدها روسيا في أغراضها.

وبتحقيق إستقلال بلغاريا على ذلك النحو بدأت تعطي كل إهتمامتها إلى مقدوينا وآنذاك كانت بلغاريا قد تخلت عن أمل ضم مدقونيا وبدا أن أفضل الحلول يكمن في تقسيم مقدوينا بين دول البلقان بإتفاق مع روسيا. غير أن المادة 18 من الدستور كانت تقف عقبة أمام التفاوض مع دول أخرى والتي كانت تشترط موافقة الجمعية التشريعية لعقد إتفاقيات من هذا النوع. وهكذا لم يكن هناك إمكانية للدخول في مناشقات سرية بهذا الخصوص وأصبحت هناك ضرورة لتعديل الدستور. وفي مارس 1911 تكونت حكومة إئتلافية من كل من الحزب القومي والتقدميين برئاسة جيشوف E.Gechov وكان المزاج العام للأمة البلغارية وألهمية التي علقت على حال مسالأة مقدوينا قد بدا واضحاً عندما وافقت الجمعية القومية الكبرى بالإجماع على تعديل الدستور. وبهذا أصبح بإمكان فرديناند الدخول في معاهدات سرية مع الدول المجاورة.

على أن بلغاريا تمكنت من تحقيق تقدم في كثير من المشكلات الداخلية رغم كثرتها خلال السنوات السابقة على عام 1913, فكما سبقت الإشارة تضاعفت خطوط السكك الحديدية من 693 كيلومتراً في عام 1887 إلى 1931 كيلومتراً في عام 1911, وزاد عدد الطرق من 3727 كيلومتراً إلى 8945 كيلومتراً خلال الفترة نفسها, وإمتدت خطوط التلغراف من 3548 كيلومتراً إلى 6517 كيلومتراً, وخطوط التليفون من 195 كيلومتراً إلى 2231 كيلومتراً. يضاف إلى هذا أن دستور تورنوفو Turnovo ضمن الحريات والتعليم الإجباري للجميع, ولو أن هذا البرنمج لم ينفذ فوراً بسبب النقص في المدرسين المهرة وكذا عدد المدارس. ولكن في عام 1910 تم تطبيق نظام تعليمي يقوم على إدارة المدارس من خلال هيئة, ونص على أن تكون مدة التعليم الإبتدائي أربع سنوات, وثلاثة سنوات قبل التربية البدينة, وخمس سنوات للتربية البدنية. وفي 1888 تأسست المدرسة العليا في صوفيا التي أصبحت جامعة في 1904.

المشكلات الإقتصادية-الإجتماعية وتدخل القوى العظمى

ناقشنا في الفصول السابقة الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في دول البلقان سواء بإعتبارها جزءً من الحياة السياسية الداخلية أو بإعتبارها جزءً من العلاقات الخارجية لكل دولة. وقبل أن نمضي في إستعراضنا للموقف الدولي المعقد الذي أفضى إلى الحرب العظمى عام 1914 قد يكون من المستحسن أن نلخص تطورات ذلك الموقف وخاصة في الفترة التي تلت مؤتمر برلين (1878), وأن نقدم موجزاً مختصراً لمستوى الحياة الذي حققته شعوب البلقان خلال القرن التاسع عشر الذي يعرف بعصر التحرر القومي, كما سوف نركز على دور الدول الكبرى في هذا الجانب من نشاط البلقانيين.

وبمجرد نجاح شعوب البلقان في تحقيق بعض مظاهر الإستقلال تطلعت لإتخاذ صفات الدول الحديثة من حيث إيجاد جهاز بيروقراطي ضخمو وتكوين جيش قوي كفؤً, وتحسين الأحوال الداخلية وخاصة وسائل الإتصال. وكانتحقيق مثل هذه التطلعات يحتاج إلى نفقات كبيرة في الوقت الذي لم تكن تتوفر في أية دولة من دول البلقان قاعدة مناسبة لتحصيل الضرائب للصرف منها, أو ثروة كافية مخزونة لمواجهة تلك النفقات العاجلة, فاليونان على سبيل المثال إضطرت للإستدانة بشكل كبير للصرف على حركة الثورة القومية نفسها. ونتيجة لهذا الوضع المالي الحرج سعت دول البلقان للحصول على رأس المال والمنتجات الصناعية من القوى الإمبرالية الكبرى التي كانت بدروها متحمسة لمنح القروض لإكتساب حلفاء, وكانت تعتبر هذه الدول الجديدة الخارجة من تحت عباءة الحكم العثماني مناطق للإستغلال الإمبريالي. ومن هنا لم يكن من الممكن أن تكون العلاقة بين الطرفين (دول البلقان الجديدة والغرب الأوروبي) علاقة متكافئة, خاصة وأن الدولة العثمانية ودول البلقان لم تكن تملك القوة اللازمة لمقاومة إعتداءات تلك الإمبراطوريات القوية. وأكثر من هذا فإن الدول الكبرى كانت تمر بفترة من المنافسة الإقتصادية الشديدة فيما بينها, وبدخولها مجال الصراع البلقاني لم تتورط بنفسها فقط في الجدل البلقانيبل لقد جرت الدول الصغيرة معها في المنازعات القائمة.

وربما أن مسألة مد السكك الحديدية تعتبر أفضل مثال للإختلاف بين مصالح القوى الكبرى والمشكلات المرتبطة بالإستثمار الأوروبي. ففي منتصف القرن التاسع عشر كانت جميع الأمم تتوق إلى بناء خطوط سكك حديدية في أراضيها. وفي هذا الخصوص لم تكن حكومات البلقان تتجاهل مثل هذا المشروع رغم إنشغالها بعميلة الإستقلال السياسي, لكن المسألة بالنسبة لها كانت تتمثل في صعوبة توفير اموال اللازمة لتحقيقه. وفي الوقت نفسه كانت دول أوروبا الغربية الكبرى تؤيد رغبة دول البلقان في هذا المشروع لأن من شأن خط السكة الحديدية تسهيل تجارتها, فقد كان الغرب يريد صلة مباشرة مع الدولة العثمانية للأغراض الإقتصادية والإستراتيجية, ولكل هذه الإعتبارات تم إقامة السكك الحديدية في البلقان لمقابلة إحتياجات القوى العظمى أكثر من إحتياجات دول البلقان ذاتها. وتم بناء أول خطان للسكك الحديدية بين كونستانتا-كيرنافودا Constanta-Cernavoda, وبين فارنا-روزيه Ruse لخدمة المصالح النمساوية والبريطانية بالربط بين البحر الأسود ونهر الدانوب. وبحلول عام 1868 تم تحقيق معظم الخطة الطموحة لبناء شبكة سكك حديدية في البلقان. وفي هذا الإطار منحت الدولة العثمانية البارون هيرش Hirsch النمساوي إمتياز مدخط سكك حديدية بين استانبول وآدريانوبل, وبلوفديف, وصوفيا, ونيش, وبلجراد حتى حدود مملكة النمسا. وقد بدأت عملية الإنشاءات في 1872 لكن توقفت بسبب الحروب التي نشبت في النصف الثاني من السبعينيات. وفي عام 1888 تم توصيل الخط الحديدي بين فيينا واستانبول.

على أن القضايا المتصلة بموضوع بناء السكك الحديدية كانت مصدراً للصراع بين الدول كما في حالة رومانيا والمانيا في سبعينيات القرن التاسع عشرو وبين النمسا والصرب في 1882. كما نشب نزع مشابه بين النمسا وروسيا في 1908 بسبب رغبة روسيا والصرب إقامة خط حديدي بين الشرق والغرب من الدانوب إلى البحر الإدرياتي الذي كان يتصادم مع رغبة النمسا في مد خط حديدي من الشمال إلى الجنوب يمر عبر الأراضي العثمانية على حدود النمسا إلى تسالونيكا.

والحقيقة أن بناء شبكة سكك حديدية كاملة في البلقان تمت ضد المصالح الإقتصادية لبعض الدول التي يمر الخط خلال أراضيها حيث تحملت أمولاً للمشروع. والحال كذلك كانت النتائج الأولى غير مشجعة بدون شك ذلك أن زيادة تغلغل المصنوعات الأوروبية في دول البلقان بفعل سهولة الإتصال بالسكك الحديدية أطاح بالمنتجات المحلية وادى إلى تهميش الصناعات اليديوية الأهلية. كما أن تمويل مشروع السكك الحديدية أصاب حكومات البلقان بقدر كبير من الإضطراب بما فيها تورط أعضاء في حكومات رومانيا والصرب في فضائح مالية كما سبقت الإشارة.

ورغم تلك المساوئ فلا شك أن بلاد البلقان تمتعت بإنشاء السكك الحديدية. وكان أول خط في اليونان بطول تسعة كيلومتراً من أثينا إلى ميناء بيرا Piraeus تم إنشاؤه بين عامي 1867-1869, وبحلول عام 1914 بلغ طول الخطوط 2196 كيلومتراً. وفي رومانيا كان أول خط سكك حديدية يمتد من بوخارست إلى ميناء جيورجي Giurgiu على دانوب. وبحلول عام 1914 بلغ طول شبكة السكك الحديدية فيها 3754 كيلومتراً, وفي الصرب بغت 1567 كيلومتراً وفي بلغاريا 2227 كيلومتراً. وكان الخط الرئيسي في بلغاريا إمتداد لسكك حديد استانبول-فيينا الذي يخترق البلاد وكان خطاً قومياً فخماً يمول نفسه بنفسه ولا يسهم في التنمية الإقتصادية للبلاد إلا بقدر محدود. وتنبغي الإشارة إلى أن كل تلك الخطوط الحديدية تم إنشاؤها بواسطة رأس المال الأجنبي الخاص ثم آلت ملكيتها إلى الدولة فيما بعد في رومانيا عام 1888, وفي الصرب بين عامي 1889-1892, وفي بلغاريا عام 1885. أما اليونان فكانت ملكاً للدولة من بدايتها.

وقد تزامن مع إنشاء السكك الحديدية في بلاد البلقان مد شبكة جيدة من الطرق البرية,وتحسين الملاحة النهرية, وتطوير الموانئ وبصفة خاصة إستكمال إاقمة جسر كرنافودا عبر الدانوب, وشق قناة كورنثا Corinth بين البلوبونيز وجسم بلاد اليونان خلال تسعينيات القرن التاسع عشر. وهكذا عندما إنفجرت الحرب العالمية الأولى كانت طرق النقل والإتصال في شبه جزيرة اليونان أفضل بكثير عما كانت عليه زمن الحكم العثماني.

ومن المعروف أن كل مشروعات تطوير البنية الأساسية والتجهيزات العسكرية في دول البلقان تمت بالقروض المالية من الخارج مما وضع هذه الدول في صعوبات حقيقية لتسديد الديون مع نهاية القرن التاسع عشر. ومما زاد من حجم الديون وعبئها الفوائد المقررة والتي كانت تبتلع نسبة كبيرة من ميزانية الدولة. وعلى هذا كان على اليونان عشية القرن العشرين أن تقبل بعثة دولية لمراقبة ميزانية البلاد, وأن تسمح الصرب وبلغاريا بترتيبات مشابهة تتعلق بإحتكارات الدولة. والحال كذلك تولى المستشارون في كل دول البلقان المدينة مراقبة عملية تحصيل الضرائب والتحكم في التصرف فيها. ورغم أن رمانيا بفضل صادراتها من الغلال وتقدم صناعات النفط كانت أفضل وضعاً من غيرها من دول البلقان, إلا أنها كانت تقترض هي الأخرى بشكل مكثف لتجهيز الجيش وبناء خطوط السكك الحديدية وقد كان 52% من ديونها لألمانيا. وهكذا وبحلول عام 1914 كانت جميع دول البلقان تعاني من عبء الديون العامة, إذ بلغت ديون بلغاريا 580 مليون فرنكاً, والصرب 903 مليوناً, واليونان 1.25 بليوناً, ورومانيا 1.7 بليوناً.

ولقد ترافق مع رغبة دول البلقان في تكوين جيوش حديثة الرغبة في بناء الإقتصاد الصناعي بأسلوب غرب أوروبا ولكن نظراً لفقر إمكانيات تلك البلاد لتحقيق مثل هذه التنمية فلم يتحقق إلا القليل خلال القرن التاسع عشر, ومع بداية القرن العشرين أوشكت التنمية الصناعية على أن تتحقق لكن إنفجار الحرب العالمية أبقى هذه البلاد في إطار الإقتصاد الزراعي. وكان أبرز إنجازات الدولة تتم بسبب تنمية حقول النفط بشكل أساسي, ومع هذا فإن الصناعة لم تكن تحتل إلا نسبة قليلة جداً في الإقتصاد الكلي للبلاد. ففي 1863 كان في رومانيا 565 مزرعة تستخدم كل منها خمسة عمال بإجمالي 5500 عاملاً, فكانت الصناعات الغذائية ومواد البناء والمنسوجات تمثل المشروعات الأساسية في هذه المزارع وفر 1902 بلغ عدد الورش 625 ورشة يعمل فيها أربعون ألف عامل, وفي 1912 أصبحت حقول النفط الخام والصناعات الكيماوية القائمة عليها في غاية الأهمية. وفي هذا المجال كان رأس المال الأجنبي هو المسيطر حيث بلغت نسبة الإستثمارات المحلية في إستغلاله 8% فقط.

وهناك نموذج آخر يمن العثور عليهفي اليونان ففي 1877 كانت هناك 136 صناعة يعمل فيها 7350 عاملاً زادت في عام 1917 إلى ألأفي مشروع في الصناعات الغذائية, والنسيج يعمل فيها ستة وثلاثون ألف عامل, فضلاً عن وجود قاعدة صناعات حرفية قوية. وكان رأس المال الأجنبي في هذه البلاد أمراً ملحوظاً ذلك أن اليونانيين أنفسهم كانوا يفضلون إستثمار أموالهم في بناء السفن داخل بلاد البلقان وهو تقليد قديم. غير أن إستثمارهم في السفن البخارية steam إنتهى بنكسة لهم سرعان ما تم عبورها. ولسوء الحظ فإن نهوض صناعة السفن بمعرفة اليونانيين لم يعد بالفائدة على البلاد ذلك أن تلك السفن لم تكن تسجل داخل البلاد بغرض التهرب من الضرائب أو لأسباب أخرى.

أما الصرب وبلغاريا أبطأ تقدماً في الصناعة إذ كانت كل منما عبارة عن سوق للمنتجات النمساوية والإنجليزية. ومع هذا ومع مطلع القرن العشرين حققت الدولتان قدراً من التقدم, ففي 1910 كان هناك 470 مشروعاً صناعياً في الصرب يعمل فيها ستة عشر ألف عامل نصفها في ورش صغيرة مع تقدم العمل في مناجم الفحم والنحاس, وكانت المشروعات الصغيرة تمثل الطابع العام لتنمية إقتصاديات الصرب.

وفي بلغاريا إنتهت الحركة القومية لتحرير البلاد بإنهيار إقتصادي بعد أن فقدت السوق العثماني. كما أدت هجرة الحرفيين الأتراك من البلاد بعد 1878 وبناء السكك الحديدية التي حملت معها منافسة البضائع الأجنبية إلى توجيه ضربة قاصمة للمنتجات المحلية. ولكن منذ سبعينيات القرن التاسع عشر أقيمت بعض الصناعات وخاصة في النسيج والمواد الغذائية بحيث كانت هناك 110 ورشة فب عام 110 يعمل فيها 1400 عاملاً, و 76 مصنع نسيج يعمل فيها 4400 عاملاً, فضلاً عن مصانع البيرة والكحول والكبريت والسيراميك. وفي 1911 كان بالبلاد 345 صناعة يعمل فيها ستة عشر ألف عامل.

ورغم هذه البدايات البطيئة فإن الحكومات البلقانية كانت تشجع التنمية الصناعية ولو أنه لم يكن تشجيعاً كالذي كانت تنمحه الإمبراطورية النمساوية لنصفها المجري. وكان التشجيع يتمثل في فرض حماية جمركية على الواردات الصناعية. وإعفاء المصانع من الضرائب,وفرض جمارك على إستيراد المادة الخام والآلات. ومع هذافلم تكن تلكالمساعدات من حيث المستوى والشكل كافية لتحقيق النتائج المرجوة في التنمية الصناعية رغم مختلف المناقشات التي كانت تجري في مختلف الجمعيات الوطنية حول تنسيق الجهود لرعاية الصناعة والتنمية الإقتصادية بشكل عام. ومن ناحية أخرى كانت الحكومات البلقانية مقيدة بسبب إصرار القوى العظمى على المحافظة على علاقات إقتصادية غير متكافئة مع دول البلقان والإمبراطورية العثمانية, فضلاً عن مشكلة الفقر السائد في تلك البلاد. كانت كل من الصرب وبلغاريا ورومانيا كما رأينا تواجه معاً مشكلة واحدة ألا وهي أن الجمارك المحدودة التي تتبعها سبق تقريرها بمقتضى معاهدة برلين 1878 التي نصت على بقاء المعاهدات التجارية العثمانية مع الدول الأوروبية (الإمتيازات) المعقودة سابقاً كما هي وعدم المساس بها. ولقد ظل الأمر كذلك حتى بداية القرن العشرين حين اصبح بالإمكان التخلص من تلك المعاههدات ذلك أن الإعتبارات الدولية آنذاك كانت تحول دون إنتهاج سياسة حماية جمركية حقيقية في الوقت الذي كان على كل دولة من دول البلقان أن تضع في إعتبارها مصالح شعبها, فضلاً عن أن الصناعات القائمة آنذاك والمطلوب حمايتها كانت لا تزال وليدة, فإذا ما رفعت الحكومات التعريفة الجمركية لتنشيط التنمية الصناعية فإن بعض حكومات الدول الأخرى قد تلجأ إلى الرد بغجراءات قد تضر المصالح الزراعية. فمثلاً كان فلاحو الصرب ورومانيا يحتاجون إلى سوق خارجي لتصدير منتجاتهم من الغلال والثروة الحيوانية. والمعاهدات التجارية بين دول البلقان والنمسا-المجر والتي كانت تسمح بإدخال المنتجات الصناعية النمساوية بسهولة لم تكن لتضر أغلبية سكان تلك البلاد بشكل مباشر. ولكن عندما بدأت سياسة فرض الجمارك في كل تلك البلاد بدأت معاناة الفلاحين والتجار. ومع ذلك كان بإمكان كل دولة من دول البلقان أن ترفع التعريفة الجمركية في الوقت الي تريده, فقد رفعت بلغاريا جماركها في عام 1905, ورفعتها الصرب أثناء حرب الخنازير,روفعتها اليونان في عام 1910.

وبالإضافة إلى السياسيات التجارية التي إتبعتها حكومات البلقان فإنها قدمت مساعدات مباشرة معينة للمشروعات الصناعية بواسطة التشريعات القانونية تتعلق بالإعفاءات الجمركية, وحرية إستيراد الآلات والخامات الصناعية, ووضع تعريفات تفضيلية فيما يتعلق بالسكك الحديدية, ومنح أراضي لإنشاء المصانع عليها, وضمان التعاقدات الحكومية. وفي هذا الخصوص أصدرت رومانيا قانوناً في 1887 كما رأينا بمنح مميزات معينة للمصانع التي يشتغل فيها أكثر من 25 عاملاً,وأصدرت الصرب قوانين مشابهة في 1898 للمصانع التي يزيد عدد العمال فيها على خمسين عاملاً, وإتخذت بلغاريا إجراءات مماثلة في عامي 1894, 1897.

وفي الوقت نفسه كانت حكومات البلقان تسعى لتشجيع التنمية الصناعية في بلادها بإيجاد مناخ مناسب للإستثمارات الأجنبية. وحي ثكان الإعتقاد قد ساد بأهمية هذا المصدر الخارجي فقد أدت التشريعات الرسمية دورها في إجتذاب الأموال الخارجية التي لعبت دوراً كبيراً في الإستغلال الأولي للمصادر الطبيعية في البلاد. وكان هذا واضحاً بصفة خاصة في رومانيا التي كانت أكثر دول المنطقة تقدماً في هذا المجال حيث إستقر الجانب الأعظم من المشروعات الصناعية في يد الإستثمارات الأجنبية. ففي 1914 كان رأس المال المحلي في صناعات النفط يبلغ 8% فقط على حين بلغت نسبة رأس المال الألماني 27.5%, والبريطاني 23.7%, والهولندي 20%. وكذلك الحال في صناعات أخرى مثل الغاز و الكهرباء والأخشاب حيث هيمن رأس المال الأجنبي عليها. وفي الصرب كان رأس المال الأجنبي موجود بشكل مكثف في استغلال المناجم والتعدين وخاصة فيما يتعلق بالفحم والحديد والنحاس والرصاص والكروم والزنك. وبطبيعة الحال إهتم المستثمرون الأوروبيون بتنمية المجالات التي تمكنهم من الحصول على أكبر قدر من الأرباح وبالتالي لم يسهم نشاطهم في التنمية الإقتصادية الحقيقية للبلاد أو الوفاء بالحاجات اٌقتصادية الأساسية للبلاد,وبل إن إستفادة عناصر منت حكومات البلقان من المشاركة في بعض تلك المشروعات وحصولهم على أموال بشكل جانبي أثار قضية الفساد السياسي في العلاقات الحكومية الداخلية.

على أن الجهود التي بذلت لتصنيع دول البلقان عرقلها التخلف الزراعي الشديد في تلك البلاد. فمن ناحية بقيت الإختلافات الإقليمية المهمة كما هي لكن العجز في القدرات كانت سمة مشتركة بين دول المنطقة في كل مكان سواء كان مزرعة صغيرة أو إقطاعية كبرى كانت الوسائل الزراعية المتبعة بدائية للغاية لا تمكن من إنتاج محصول ينافس في السوق الالمية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد تقدمت الزراعية في الصرب وبلغاريا ورومانيا بنفس الوسائل تقريباً حيث تحول الفلاح من تربية المواشي إلى زراعة الغلال في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد أدى هذا التحول إلى زيادة حجم الأراضي المزروعة وبالتالي زيادة حجم المحاصيل. كما تحول الهدف الأساسي من عملية الزراعة نفسها من الإكتفاء الذاتي إلى زراعة المحاصيل النقدية أو محاصيل السوق حين بدأ القمح الأمريكي والأسترالي يغمر أسواق أوروبا في ثمانينات القرن التاسع عشر, وفي الوقت نفسه أضيرت المصالح الزراعية للصرب ورومانيا بسبب رغبة المجر في حماية سوق النمسا من الغلال والثروة الحيوانية.

والحقيقة أنه في الوقت الذي تدهورت فيه الميزة التنافسية للزراعة البلقانية برزت المشكلة السكانية. ففي 1878 كان عدد سكان الصرب 1.7 مليوناً أصبح 2.9 مليوناً في 1919. وكان سكان بلغاريا وشرق روميليا مليوناً ونصف في 1881 بلغ 4.3 مليوناً في 1910. و1815 كان عدد سكان إمارتي الدانوب (مولدافيا وولاشيا – رومانيا) مليوناً ونصف بلغ 6.9 مليوناً في عام 1910. أما اليونان فقد إرتفع عدد سكانها من ثلاثة أرباع مليوناً عام 1829 إلى 2.7 مليوناً في عام 1911 بسبب ضم كل من تساليا وجزر أيونيا, وجزء من إيبروس في 1882.

على أن هذه الزيادة السكانية لم يصحبها تحسن في وسائل إستخدام الأراض الزارعية, ففي خلال الجزء الأول من القرن العشرين كان من الممكن إستيعاب الزيادة السكانية في تنمية الأراضي غير المستغلة لكن بمجرد زيادة الطلب على تلك الأراضي بدأت الصعوبات والعقبات وأخذت الغابات اهائلة تتلاشى تدريجياً. والحاصل أن الزراعة البلقانية لم تستفد من تجارب البلاد الأخرى والتي تمثلت في رفض أساليب تراكم الثروة وتركزها والأخذ بإنتاج محاصيل السوق على مساحات واسعة وإدارتها بأسلوب راسمالي يقوم علىالعمل المأجور من أجل التصدير, وإستخدام التقنيات الحديثة والميكنة الزراعية المتقدمة والمخصبات الكيماوية الجديدة مما أدى إلى زيادة غلة الأرض. ولكن البلقان أخذت الزراعة إتجاهاً عكسياً تماماً إذ ظل الفلاحون يستخدمون وسائل بدائية في الزراعة بل إن الإقطاعيات الكبيرة في إمارتي الدانوب وتساليا كانت تزرع بأسلوب المشاركة. ورغم توفر بعض وسائل الميكنة الزراعية فقد إستمر غالبية الفلاحين في إستخدام المحراث الخشبي في الحرث والأبقار في النقل, وفي بلغاريا وفي عام 1900 على سبيل المثال كان 10% فقط من الفلاحين يستخدمون المحراث الحديدي, ثم إراتفعت النسبة إلى 20% في عام 1910. وكان إستخدام الوسائل المتخلفة في الزراعة التي أدت إلى إنخفاض غلى الأرض يعني أن الفلاح لا يستطيع أن ينافس المزراع الأمريكي حيث لم يكن يوفر لنفسه مستوى معيشي بدائي.

وبحلول عام 1914 كان الموقف قد أصبح حرجاً فلم تكنت مساحة الأرض الزرعية الموجودة تتناسب مع عدد السكان, وإزدادت مشكلة البطالة حدة خاصة وأن الوظائف المتاحة لا تحتاج إلى أعداد كبيرة من الناس.ولسوء الحظ فإن ما حدث من تغيرات حدث في الطريق الخطأ,ذلك أن الفلاح كان يرى أن حل مشكلته ببساطة يكمن وبشكل رئيسي في حيازة أكبر مساحة ممكنة من الأرض, ومن هنا كان يريد تقسيم الإقطاعيات الكبيرة بين الفلاحين. وفي الوقت نفسه كان يؤيد قوانين الميراث مثل القانون الذي صدر في بلغاريا عام 1890 وكان يبقي على تقسيم الميراث بالتساوي بين أبناء العائلة. وقد أدى هذا الأسلوب مع زيادة السكان في آن واحد إلى تفتيت الأرض إلى مساحات قزمية حرص أغلبية فلاحي البلقان علىالإحتفاظ بها لمساعدتهم على المعيشة. وهكذا سعى الفلاحون إلى إصلاح مواقفهم عن طريق الحصول على مزيد من الأرض وليس عن طريق تحسين طرق الزراعة ووسائلها.

وبالإضافة إلى المشكلات الإقتصادية الأساسية المرتبطة بنظام الملكية الزراعية في البلقان فإن أغلبية الفلاحين في تلك البلاد وقع عليهم العبء الأكبر في مساندة الجيوش الوطنية وجهاز الإدارة والحكمو فقد تبين بعد أن تم تنظيم تحصيل الضرائب بشكل دقيق وشامل وكان مهملاً زمن الحكم العثماني, أن الفلاح البلغاري خلال الفترة من 1879-1911 كان يدفع ضرائب للدولة بنسبة 15-20% من إجمالي دخله. فإذا أراد أن يتملك أرضاً كان عليه أن يدفع أمولاً كثيرة فعلى سبيل المثال وعلى الرغم من إضطرار ملاك الأراضي الأتراك في بلغاريا إلى مغادة البلاد بعد مؤتمر برلين (1878) إلا أنه كان على الفلاح الذي يريد أن يحل محلهم أن يدفع تعويضاً عما فقدوه. وعندما كانت الحكومة تعرض أراضيها للبيع أو عندما كان أصحاب الأراضي يعرضونها للبيع أيضاً ترتفع الأسعار بمقتضى قانون العرض والطلب, فضلاً عن أن إيجار الأرض كان يرتفع بين آن وآخر, وكانت هذه أحد الأسباب الرئيسية لثورة فلاحي رومانيا عام 1907.

ولقد ترتب على تلك الظروف والحوال أن الفلاح كان بحاجة مستمرة للمال, ولم يكن أمامه إلا الإقتراض لكي يقيم أوده. وكانت مشكلة قروض الفلاحين مشكلة مستمرة ومتواصلة طوال القرن التاسع عشر وحتى عام 1914 لقد كانت أعباء الربا أمر شائع مشترك في ريف البلقان في الوقت الذي لم تفعل الحكومات إلا القليل لحماية الفلاح من المرابين, ومن ذلك إصدار بعض القوانين مثل القانون الذي صدر في الصرب عام 1836 بتحريم بيع منزل الأسرة وفاءً للدين Homestead Law. ومما زاد من أعباء الفلاح أنه كان قد إكتسب عادة التمتع بإستهلاك الشاي والقهوة والسكر والمنسوجات وهي مواد كان يتم إستيرادها بأسعار مرتفعة ويشتريها نقداً وليس على أقساط. ومع الأزمة فقد رغبته في إستهلاكها رغم أنها أصبحت في متناول يده.

والحقيقة أن حالة الفقر والإفقار التي كانت عليها جماهير الناس أصابت بدورها البناء الكلي لكل دولة من دول البلقان فمن الواضح أن الفقراء لم يكن بإمكانهم دفع ضرائب كافية لتجنيب الحكومات الصعوبات المالية التي تواجهها. كما كان من شأن تلك الأحوال أن تحول دون قيام سوق لزيادة المنتجات المحليةاللازمة للإستهلاك, ولا توفر رأسمال للتنمية الصناعية أو التجارية. وكان من شأن إخفاق حكومات البلقان في توفير قاعدة صناعية حرمان الفلاحين من الحصول على فرص عمل بديلة.

وفي هذا الخصوص لم تحظ أحوال العمال إلا بقليل من الإهتمام وذلك نظراً إلى غلبة الطابع الزراعي على دول البلقان من ناحية, ولأن عملية التصنيع بدأت متأخرة وظلت ضعيفة. وعلى هذا تنبغي الإشارة إلى الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية وخاصة في كل من رومانيا وبلغاريا نظراً للأهمية العظمى التي حظت بها في المستقبل. فلقد صاحبت بداية عملية التصنيع في دول البلقان كل مشكلات العمل وعلاقاته التي كانت شائعة في بلاد أخرى. فالعمال كان يعملون ساعات طويلة تصل إلى إثنى عشر ساعة أو ستة عشر ساعة في اليوم باجور منخفضة وفي ظروف معيشية سيئة. فالسكن والطعام في المدن حيث يعمل العمال في حالة يرثى لها. وهي أحوال كانت وراء تكوين عمال البلقان للنقابات, وقيادة الإضرابات, وتأسيس التنظيمات السياسية لحماية مصالحهم مثلما كان أقرانهم في دول الغرب الصناعية. وقد سعوا إلى تدخل الدولة لضبط سلوك أصحاب الأعمال ولتحسين أحوال العمال. وعلى هذا فقد تولت أحزاب الإشتراكية الديموقراطية النشاط السياسي تحت قيادة المثقفين من الطبقة الوسطى وإستناداً إلى قاعدة عالمية التعبير عن مطالب العمال السياسية.

ففي رومانيا تكونت المنظمات العمالية المهمة في ثمانينات القرن التاسع عشر وآنذاك كان قسطنطين دوبروجينو-غيريا Constantine Dobrogeanu-Gherea أحد أبرز الكتاب الماركسيين شهرة وتأثيراً وتنظيماً في عالم الإشتراكية. وفي 1893 إجتمع 54 مندوباً من مختلف مدن رومانيا في العاصمة بوخارست وكونوا الحزب الإشتراكي الديموقراطي الذي سرعان ما تلاشى في 199 بدخول عدد كبير من أعضائه إلى الحزب الليبرالي. وفي تلك الأثناء كانت الحركة العمالية النقابية بخطى ثابتة للأمام حيث تمكنت في 1906 من عقد مؤتمرها الأول وتكوين الأول وتكوين هيئة عامة لها (الإتحاد العام). وفي العام التالي تم تكوين الإتحاد الإشتراكي الذي أصبح قاعدة لإحياء الحزب الإشتراكي الديموقراطي من جديد في 1910 حيث أصبح حزباً مناضلاً ثورياً في مواقفه تحت قيادة كريستيان راكوفسكي Rascoveski, وكان برنامجه السياسي يدعو إلى إقرارر حق التوصيت العام, والإصلاحات الإجتماعية وخاصة الإصلاح الزراعي, ووقفوا إلى جانب الفلاحين في ثورتهم 1907.

وفي بلغاريا حدثت تطورات مماثلة ومن الطريف أن نذكر أن هذا البلد الضعيف في التنمية الصناعية قدم أكبر حركة إشتراكية أثارت جدلاً واسعاً. فقد كان لديها-شأ، رومانيا-زعيماً إشتراكياً له سعة دولية عظيمة ألا وهو ديمتور بلاجوييف Dimiyur Blagoev تمكن في 1891 ومعه عشرون شخصاً من تأسيس الحزب الإشتراكي الديموقراطي في البلاد. لكن سرعان ما نشب صراع بينه وبين يانكو ساكوزوف Ianko Sakazov الذي كان يرى أن على الحزب أن يركز نشاطه على تحسين أحوال العمال عن طريق تقليل ساعات العمل والحصول على اجور أعلى بدلاً من النشاط الثوري سياسياً. كما كان يرحب بمساندة الفلاحين الذين بفضل تأييدهم إنتخب في الجمعية الوطنية عام 1894, وعكس بلاجوييف الذي لم يكن يثق في الفلاحين ولا يعتبرهم عناصر ثورية, ويركز على عمال الصناعة رغم قلة عددهم المتناهي, فضلاً عن أن برنامجه كان متطرفاً يقوم على مصادرة الملكيات الخاصة "من أكبر آلة إلى إبرة الخياط . . ومن أكبر المساحات الزراعية إلى أقل مساحة حتى ولو كانت بوصة". وبسبب تفسيره الضيق للماركسية أطلق على أتباعه "ضيقو الأفق" Narrows على حين أطلق على أتباع ساكوزوف الأقل دوجماتية "واسعو الأفق" Broads.

ويلاحظ أ، نصيب الحزب بجناحيه في إنتخابات الجمعية الوطنية كان يتأرجح زيادة ونقصاناً من إنتخابات لأخرى فعلى سبيل المثال فاز ستة إشتراكيون في إنتخابات 1899 وثمانية في إنتخابات 1902 بأصوات الفلاحين أساساً. فلما تكونت النقابة الزراعية خسر الإشتراكيون تأييد الفاحين لم تكن لهم مقاعد في الإنتخابات التي جرت بين عامي 1903-1912. ولكن في إنتخابات 1913 فاز ستة عشر من جناح بلاجوييف (ضيقو الأفق), وواحد وعشرون من جناح ساكوزوف (واسعو الأفق). ولم يكن هذا الفوز راجع للبرنامج الإشتراكي بقدر ما كان بسبب هزائم حروب البلقان.

ورغم أن الأشتراكيين لم يكن لهم وجود بارز على الساحة السياسية, إلا أنهم أثبتوا قيادتهم داخل الحركة العمالية وفي تنظيم الإضرابات, ففي تسعينات القرن التاسع عشر وقعت عدة إضرابات من عمال النسيج والطباعة والدخان والأخشاب, كما قام عمال السكك الحديدية بإضراب كبير في 1907. وفي 1904 كون أنصار بلاجوييف الإتحاد العام لنقابات العمال على حين كون أنصار ساكوزوف تنظيماً مضاداً بإسم الإتحاد الحر لنقابات العمال. وبحلول عام 1914 كان كل من الإتحاديين يضم أقل من عشرة آلاف عضوالً أغلبهم من المدرسين والموظفين وما شابههم وليس من عمال الصناعة. ورغم جوانب القصور تلك إلا أن أساساً لإقامة حركة إشتراكية قوية في المستقبل قد تم وضعه.

أما في الصرب فقد تأسس الحزب الإشتراكي الديموقراطي في 1903 وبعد عامين من تأسيسه (1905) كان عدد أعضائه ثلاثمائة عضواً أصبح 2889 في عام 1911. ومثلما حدث في رومانيا وبلغاريا تكونت في الصرب النقابات العمالية ونظمت الإضرابات التي كان أطولها إضراب عمال مصنع سكر شوكاريسا Cukarica في بلجراد عام 1907. أما اليونان فلم تكن الأحزاب الإشتراكية قد تكونت فيها حتى ما بعد الحرب العالمية الأولى, لكن النقابات العمالية كانت ققد تكونت في ثمانينات القرن التاسع عشر وخاضت حركة الإضرابات. وقبيل عام 1910 كان لكثير من تلك النقابات ممثلون لدى أصحاب الأعمال من الموظفين وليس من العمال وإنتهى هذا التمثيل بصدور قانون عام 1910 نفسه مما أدى إلى تحسن وضع العمال.

على أن الإضرابات العمالية والفوران السياسي في مختلف مدن البلقان من أجل تحسين الأحوال السيئة للعمال وأوضاع المعيشة بشكل عام كشفت أن حركة التحرر الوطني في تلك البلاد كانت تستهدف فقط إقامة حكومات مستقلة تتمتع بالحكم الذاتي دون إهتمام برفع مستوى معيشة غالبية السكان وبعبارة أخرى غياب البعد الإجتماعي في حركة التحرر الوطني. ولم تتحسن إلا أحوال نسبة قليلة من السكان ألا وهم ملاك الأراضي الزراعية وأصحاب المهن الحرة الذين يعيشون في المدن عادة ويتخلقون بأخلاق أهل غرب أوروبا وعاداتهم. وكان هذا الموقف نتاجاً طبيعياً للظروف الإقتصادية والسياسية العامة في البلاد.

والحقيقة أن حكومات البلقان حاولت قبيل عام 1914 تمرير تشريعات قانوينة لمساعدة الفلاحين والعمال خاصة وأنها قبلت المبدأ القائل بأن على الدولة أن تتدخل لحماية مصالح جماهير السكان, لكن تلك الحكومات كانت تهتم أكثر في سياستها بالشأن القومي من حيث السعي لضم المناطق التي يعيش فيها بني قومها تحت سيادة دولة أخرى, وبالتالي تلك السياسات هباءً فسرعان ما جاءت الفرصة التي كانت تتطلب إستخدام الجيش, وذلك حين بدأت القوى العظمى تتخلى خلال المدة من 1912-1922 عن سياسات القرن التاسع عشر الخاصة بكبح جماح الحركات القومية, والإحتفاظ بتوازن سياسي في شبه جزيرة المورة. ففي خلال تلك السنوات إنهمكت دول البلقان في حروب متواصلة قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها كان لها تأثيراً هائلاً, ذلك أنها لم تكن تتطلع فقط إلى ضم باقي الأراضي التي كانت لا تزال في يد الأتراك العثمانيين, بل لقد تطلعت إلى الأراضي التي تحت سيطرة إمبراطورية النمسا التي يسكنها عناصر سلافية جنوبية ورومانية. وعلى هذا شهد العقد الأول من القرن العشرين بداية طرد الحكم العثماني من البلقان فيما عدا مدينة استانبول وما حولها, وشهد العقد الثاني إستكمال طرد العثمانيين من المنطقة وتصفية مملكة النمسا-المجر.

الفصل الثالث عشر: طرد العثمانيين من أوروبا

رغم تقلص أراضي افمبراطورية العثمانية بعد مؤتمر برلين 1878, إلا أنها كانت لا تزال تسيطر على أراضي واسعة ممتدة, فقد كانت لها سيطرة مباشرة على بلاد مقدونيا وألبانيا. ورغم أن إمبراطورية النمسا كانت تسيطر على البوسنة-هرسك وسنجق نوفي بازار من الناحية الرسمية, إلا أنها من الناحية النظرية كانت "تدير" مناطق كانت في الأصل تحت السيادة العثمانية. ولقد إستمر الموقف كما هو خلال السنين التي تلت 1878, فالدولة العثمانية متمسكة بعدم التنازل عن ممتلكاتها, ودويلات البلقان تعيش في حالة من التجزئة والإنقسام. وأكثر من هذا بدت رغبة النمسا في ضم البوسنة-والهرسك لأراضيها في المفاوضات التي تمت فيما بعد بين أطراف تحالف الأباطرة الثلاث (التحالف الثلاثي). وهكذا بقي البلقان حتى 1914 مركزأً دولياً رئيسياً للصراع بين دول البلقان فيما بينها وبين القوى العظمى, وهو الصراع الذي خرجت مقدونيا منه بفوز كبير.

المسألة المقدونية

تحدد مقدونيا جغرافياً بأنها الأرض التي تحدها من الشمال جبال صار Sar, ومن الشرق مرتفعات رودوبيه Rhodope, ومن الجنوب بحر إيجه وجبل الأوليمب وجبال بيندوس Pindus, ومن الغرب بحيرة أوهريد Ohrid. ويضم هذا الإقليم كل من نهري الفردار Vardar وستروما Strume ومدن تسالونيكا وكاستوريا Kastoria وفلورينا Florina وسيرس Serres وبيترايخ Petrich وسكوبيه, وأوهريد وغنياً بحال من الأحوال فقد كانت محاصيله الرئيسية عبارة عن القمح والدخان والأفيون (نبات الخشخاش), فضلاً عن الثروة الحيوانية وخاصة تربية الأغنام, وسكانه أقل من مليون نسمة يعيشون على مساحة خمس وعرين ألف ميل مربع وينقسمون بين تسع مجموعات: أتراك, وبلغار, ويونانيين, وصرب, ومقدونيون, وألبان, وفلاخيون Vlachs أو كوتزو-فلاخ Kutzo-Vlachs, واليهود, والغجر.

ونظراً لهذه الأخلاط المتعددة للسكان فقد كان من الصعوبة بمكان رسم خطوط قومية مميزة لكل منهم,فكل مدينة من مدن الإقليم تضم عناصر تريكة ويونانية ويهودية, وفي كل قرية كانت عدة قوميات تعيش جنباً إلى جنب, ولم يكن من الممكن تقدير وزن كل مجموعة قومية بالنسبة للمجوعات الأخرى من حيث العدد والقوة, كما لم يكن للإحصاءات السكانية التي تتم من أجله الإحصاء. فالإحصاءات مثلاً تتناول عدد المدارس وعدد اللغات المستعملة وعدد العقائد الدينية, لكن يمكن أن يكون كل منها مضللاً لنفس السبب, فمثلاً كان من المعروف أن السلافيين الأورثوذكس يدخلون الكنائس اليونانية عندما لم تكن الخدمة الدينية بالسلافية غير ممكنة. كما كان الصرب والبلغار يذهبون إلى كنائس بعضهم البعض طالما أن خدمة الشعائر الدينية متوفر, وبمعنى آخر كانت الظروف القائمة أو السياسات الجارية أو المجموعات القومية نفسها هي التي تحدد عضوية الكنيسة. أي أن الإنتماء لكنيسة ما لم يكن يحدد الإنتماء القومي أو العرقي وهكذا.

وعندما إحتدم الصراع على مقدونيا بعد مؤتمر برلين (1878) أسرع علماء الأنثروبولوجيا واللغويون وعلماء النفس من مختلف بلاد البلقان كل في تخصصه يستند إلى حجة أو ذريعة تبرر مشروعية المطالبة بضم مقدونيا لتلك الدولة او لأخرى فالبلغاريون مثلاً أستخدموا حجة اللغة لإثبات أن سلاف مقدونيا إخوتهم, ورد علماء الغة الصرب بأن قواعد لغةالصرب قريبة جداً من اللغة التي يتكلمها المقدنيون, كما قال الأنثروبولوجيون الصرب بأن عيدهم "سلافا" Slava الذي يحتفل به أيضاً أهالي مقدونيا يجعل من المقدونيين صرباً. وسعى اليونانيين لإثبات أن أي مقدوني تحت سلطة البطريرطية المسكونية (العالمية) فإنه يعتبر يوناني. هكذا إستخدمت كل دولة قويمة ما أمكنها من حجج لتدعيم إدعاءتها, وكان كل إدعاء يقابل بتحد من إدعاء آخر.

ويبدو واضحاً أن الموقع الجغرافي الإستراتيجي لمقدونيا كان سبباً في تكالب دول البلقان والقوى العظمى عليها,فقد كانت بلغاريا واليونان والصرب ترغب في الإستيلاء على مقدونيا كلها أو على أكبر جزء منها لثلاثة أسباب: أولها أنه يؤدي إلى تكبير مساحة دولة أي منها إضافة شعوب إليها. والثاني أن ضم وادي نهري الفردار وستروما والسكة الحديد التي تخترق كل منهما لها فوائد إقتصادية عظيمة, وثالث الأسباب ولعله اهمها يبدو في أن الذي يسيطر على مقدونيا سوف يكون أقوى قوة في البلقان, وهو ذات السببالذي أطمع الدول العظمى في مقدونيا, فضلاً عن إدراك تلك الدول أن الإستحواذ على مقدونيا يعطي حائزها مركزاً إستاريتجياً أمامياً تجاه استانبول والمضايق التركية. وفي هذا الخصوص وجدنا أن إنجلترا كانت تعارض بشدة إنشاء بلغاريا بمقتضى معاهدة سان ستيفانو لتلك الإعتبارات العسكرية لأنها بهذا سوف تكون تحت سيطرة روسيا. وكانت النمسا توافق إنجلترا في هذا الموقف لسبب آخر يتمثل في سعيها لتنمية روابط إقتصادية مع تسالونيكا مما يساعد على مد نفوذها جنوباً بإتجاه إيجه.

وحتى إنشاء الإكسارخية Exarchate البلغارية في صوفيا في 1870 (أي الكنيسة السلافية ذات البطريرك البلغاري نائباً) كان نفوذ اليونان متفوقاً بين البلغار إذ كان لها مجموعة ميزات نسبية يبدو لأول وهلة صعوبة التشكيك فيها أو مهاجمتها, فمن المؤكد أن مشاعر الهللينية السائدة (أي حب الثقافة اليونانية) الذي كان سائداً آنذاك في مطلع القرن أشعر اليونان بإمكانية تمتعها بمساندة أوروبية مهمة. ومن ناحية أخرى فإن كثيراً من الأوروبيين كانوا يعتقدون بيونانية المنطقة قومياً أو ثقافياً, فقد إعتاد المسافرون منهم في أنحاء البلقان أن يقيموا في مدن وأحياء يوجد بها عدد كبير من اليونانيين خاصة وأنهم هم الذين كانوا يديرون الفنادق والخانات. وأكثر من هذا فإن البطريركية المسكونية كما رأينا كانت تقوم بتقوية المصالح اليونانية القومية في كل البلقان. وفي مقدونيا قاومت البطريركية أية تحديات من جانب البلغار والصرب بل إن روسيا قبل 1870 لم تكن مستعدة للدخول في عملية تستهدف تقويض سلطة البطريركية لصالح شعوب البلقان الأخرى. كما كانت الكنيسةاليونانية تسيطر على مؤسسات التعليم القائمة في المنطقة آنذاك,فكثير من غير اليونانيين الذين يلتحقون بالمدارس اليونانية كانوا يتعلمون اللغة اليونانية, ويدخلون في مجال الثقافة اليونانية بطريقة أو بأخرى, ومن ثم كانوا على إستعداد لقبول سيطرة اليونانيين سياسياً.

وأمام تلك الميزات التي كانت اليونان تتمتع بها في المنطقة كانت تواجه مشكلات إستغرقتها كثييراً من ذلك أنها كانت مشغولة معظمالقرن التاسع عشر بمشكلات جزيرة كريت وبكيفية ضم تساليا وإيبروس اللتان تفصلها عن مقدونيا. ومن ناحية أخرى كانت أي محاولة مناليونانيين للتوسع هنا أو هناك تقابل دائماً برفض إنجلترا طالما تمسكت بمبدأ المحافظة على وحدة الإمبراطورية العثمانية. كما أن سيطرة البحرية الإنجليزية في البحر المتوسط حال دون تحرك اليونان بإتجاه الشمال دون أن تتوقع الخطر. ويضاف إلى هذا أن وضع اليونانيين كان آخذ في الضعف مع نهاية القرن التاسع عشر, ومن هنا فإن تأسيس الإكسارخية البلغارية كان بمثابة ضربة قاصمة لليونان. ونظراً لهذا التآكل في قوة اليونان مع نهاية القرن التاسع تمسكت أكثر بالمحافظة على الوضع القائم إنتظاراً لموقف يطرأ يساعدها على تحقيق ما تصبو إليه في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تفضل أن تكون مقدونيا في حيازة البلغار أو الصرب.

أما بلغاريا فقد تحسن وضعها بمرور الوقت عكس بلاد البونان ذلك أن معاهدة سان ستيفانو أقرت حدوداً لبلغاريا إعتبرت حدود مثالية. لكن سرعان ما فقدتها وأصبح إستعادتها من جديد أملاً يراود زعاماتها. وعلى هذا وخلال تلك الفترة سعت بلغاريا للتعجيل بإيجاد حل فوري لتلك المشكلة, وكانت روسيا كما رأينا, تساند بلغاريا في مطلبها وعندما تخلت روسيا عنها تعاطفت إنجلترا والنمسا مع الآمال البلغارية. وقد ترافق مع تلك المساعدة الخارجية دور الإكسارخية البلغارية التي لعبت دوراً مهماً وبالغ التأثير في مد النفوذ البلغاري على كل البلاد التي يعيش في بلغاريون, حتى إذا ما طلب ثلثا أهالي أي ناحية من نواحي تلك البلاد الإنضمام للإكسارخية إستجابت لطبلهم. ولقد كان من اليسير نسبياً إقناع سلاف المنطقة بوجوب الإنضمام لإكسارخية سلافية أكثر من إقناعهم بطريركية يونانية وهو أمر أسهمت في بلورته الدولة العثمانية.

وبالرغم من تلك العلامات المشجعة لبلغاريا نحو تحقيق أهدافها داخل حدودها المعترف بها والتي تسعى لإستعادتها, إلا أنه كان عليها أن تواجه عدة مشكلات في سبيل ذلك لعل أكثرها خطراً المنافسة بينها وبين اليونان والصرب ومن ورائهما روسيا. ولما شعرت هاتان الدولتان بتهديد مصالحهما الحيوية من التأثير البلغاري عملتا على توظيف التعليم والدين والسياسة لمواجهة مطامع بلغاريا ومما زاد من صعوبة الأمر إنضمام رومانيا لمنافسي بلغاريا عند نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ورغم أن القوى العظمى كانت تساند بلغاريا إلا أنها مساندة لم تكن مضمونة على الدوام, ذلك أن سياسات تلك القوى تجاه البلقان كانت تحددها المصالح الدولية لكل منها وبالتالي فقد كانت سياسات متأرجحة بين آم وآخر حسب مقتضى المصالح.

وفي هذا الخصوص كانت الصرب أضعف القوى الثلاثة في المنطقة نظراً لطوحاتها الكبرى فقد كان هدفها الأساسي إقناع القوى العظمى باحقيتها في السيطرة على البلقان ورغم أن القوى العظمى كانت تعترف بمصالح اليونان والبلغار, إلا أنها لم تكن تعترف بإدعاءات الصرب. ففي ثمانينات القرن التاسع عشر كانت المآخذ على الصرب كثيرة جداً, فأولاً ومنذ عام 1804 كانت تسعى للتوسع في المناطق الواقعة إلى الغرب منها في كل من البوسنة والهرسك والإدرياتي، فضلاً عن إهتمامها بصرب المناطق الشمالية في كل من صريم Srem وباشكا Bascja, وبنات Banat في فويفودينا Vojvodina, كما لم يكن سهلاً عليها تحويل طموحها إلى الجنوب الذي أصبح المنال بعد إحتلال النمسا للبوسنة والهرسك. وثانياً لم يكن لدى الصرب مؤسسات دينية بالمقارنة بالإكسارخية البلغارية والبطريركية اليونانية و كما لم تكن تتمع بطبيعة الحال بمساندة روسيا حتى إعتلاء بيتر كاراديوريفيتش عرش الصرب والذي عوضها بعض الشيء عن الميزات لممنافسيها. وثالثاً فإن تحالف أسرة أوبرونوفيتش (الصرب) والهابسبورج (النمسا) في عام 1881 لم يكن يسمح أساساً بسياسة قومية وعدائية, أي أنه لم يكن بإمكان أمير الصرب (ميلان) وإمبراطور النمسا (ألكسندر) حشد شعوبها وراء طموحاتها, فرغم أن النمسا وقفت إلى جانب الصرب في مؤتمر برلين 1878 إلى حد ما, إلا أنها لم تكن على إستعداد لدعم وجهة نظر الصرب في التوسع تجاه سلاف الجنوب الذين يعيشون تحت سيادة النمسا.

ومن ناحية أخرى كانتلكل من اليونان وبلغاريا والصرب ورومانيا إدعاءات معينة تجاه مقدونيا. ففي مقدونيا ذلك الإقليم المتنوع العناصر السكانية كان هناك عدد كبير من الفلاخين Vlachsh الفتجار ورعاة الأغنام بصفة أساسية, لكن عدد ذوي الأصول الرومانية منهم غير معروفة. ورغم هذه الصلة الضعيفة بين رومانيا ومقدونيا إلا أن رومانيا في عام 1900 قدمت إعانات مالية للمدارس الفلاخية بلغت مليون فرنكاً في عام 1912. وفي عام 1905 تم إغراء السلطان العثماني لكي يعترف بملة فلاخية منفصلة عن البطريركية العامة. والحقيقة أن نيات رومانيا كانت واضحة فلم يكن بإستطاعتها صناعة إدعاءات حقيقية بشأن مقدونيا أو أن تأمل في ضم أية أراضي هناك. لكنها كانت تتسخدم إدعاءاتها في مقدوينا للمساومة على ضم أراض إضافية في دوبروديا من ناحية, ولقطع الطريق على بلغاريا والحيلولة دون إعادة الحدود التي أقرتها معاهدة سان ستيفانو لبلغاريا من ناحية أخرى.

وفي تلك الأثناء بدأت حركة اليقظة القومية السلافية المقدونية وكانت طليعتها من سلاف مقدونيا الذين لم يكونوا بلغاراً أو صرباً لكنهم كانوا فرعاً آخر متميز ومنفصل من العنصر السلافي له لغة قومية متفردة. وقد إستحوذت هذه الفكرة على إهتمام كبير فيما بعد ممن القوى البلغارية والصربية ولكنها مسألة بعيدة عن موضوع هذا الكتاب.

ورغم أن الصراع حول مقدونيا كان أمراً يخص المسيحيين أساساً, إلا أنه لا ينبغي أن ننسى أن الأقليم كان يضم عدداً كبيراً من المسلمين معظمهم من الأتراك أو الألبان وبعضهم من السلاف الذين تحولوا إلى الإسلام مبكراً. وكان هؤلاء يفضلون بطبيعة الحال الإبقاء على الحكم العثماني ويتطلعون إلى السلطان عبد الحميد الثاني لحمايتهم, وكان اللسطان من ناحيته يبذل كل ما يمكن من جهود للدفاع عن وضع مقدونيا.

على كل حال، دخلت القوى الثلاثة المتنافسة على مقدونيا وهي بلغاريا واليونان والصرب فيما بينها في معراك بشكل منتظم خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر بشأن السيادة على مقدونيا, وكانت الأسلحة في تلك المعارك الكنائس والمؤسسات التعليمية والجمعيات الوطنية. وقد إستمرت الحرب الإكليروسية (الكنسية) على أساس الأوضاع الدينية السابقة. فبينما كان البلغار يسعون للحصول على موافقة السلطان العثماني على إنشاء عدة إسقفيات مستقلة كان اليونانيون يعملون من خلال البطريركية العامة في إستانبول لقطع الطريق على مطالب البلغار. أما الصربيون فكانوا يسعون لتأسيس منظمة دينية مستقلة لهم وهو أمر لم يتحقق إلا في عام 1902 عندما سمح لهم بتأسيس أسقفية في سكوبيه. وفي نهاية القرن التاسع شعر تمكنت كل قومية من تأسيس عدد كبير من المدارس أصبحت أدوات لسياسة الدولة حيث إنتشرت كتب مبادئ القراءة وقواعد النحو والتاريخ ونشرات الدعاية كل منها تتناول قضية أو أخرى من القضايا القومية.

على أن تنظيم الجميعات القومية/الوطنية المتنافسة كان من شأنه أن يؤدي إلى صعوبات عظمى. ورغم أن مقاصد بعضها كان ثقافياً بحتاً كان البعض الآخر يعتمد العنف وسيلة لتحقيق الأهداف. وقد تكونت أول جمعيتين في هذا الخصوص في عام 1884 وهما جمعية سيريل Cyril وجمعية ميثوديوس Methodius بهدف تنشئة سلاف مقدونيا على الإيمان بالقضية البلغارية وترسيخها في أذهانهم. وبعد ذلك بعامين ردت الصرب بتكوين جمعية القديس سافا St. Sava التي سميت بهذا الأسم نظراً لأن هذا القديس راعيهم كان يؤيد نفس الأهداف. وفي عام 1894 بادر اليونانيون بتكوين جمعية إثنيكه هيتايريا Ethnike Hetairia التي كان لها تاثير في جزيرة كريت.

ورغم أن معظم تلك الجمعيات كانت لأغراض الثقافة والدعاية ولم تشارك في أية نشاطات تنتهك الحرمات العامة, إلا أن بعضها تجاوز الآداب المرعية وكان أبرزها تطرفاً جمعيات بلغارية. وفي 1893 ظهرت على المسرح السياسي "المنظمة الثورية المقدوينة الداخلية" Internal Macedonian Revolutionary Organization المعروفة إختصاراً بإسم الإيمروا IMRO وكان هدفها الإطاحة بالحكم العثماني من مقدونيا وإقامة حكومة ذاتية مقدوينة وشعارها "مقدونيا للمقدونيين", وكانت عواطفها بلغارية بدون شك وكانت تنافسها "لجنة السيادة المقدونية" Macedonian Supreme Committee أو المنظمة الخارجية External Orgainzation وكان مقرها في صوفيا عاصمة بلغاريا, وأعضاؤها من لاجئ مقودنيا بشكل أساسي وعرف أنصارها "بأصحاب السيادة" أو "السياديون" وكانت تتمتع بدعم بلغاريا بشكل غير علني وهدفها ضم مقدونيا لبلغاريا وبينما كانت الإيمرو تكرس نشاطها للإعداد للقيام بإنتفاضة مخططة بعناية في المستقبل كان السياديون يقومون بإرسال جماعات داخل مقدونيا لترويع أهل القرى أو إغتيال الأتراك بامل أن يقوم المقدونيون بالثأر مما قد يدفع السكان إلى الثورة.

أما اليونانيون والصربيون فقد تمثل رد فعلهم في القيام بأعمال العنف والترويع طبقاً لما ورد في تقاير القناصل الأوروبين وكذا المراسلين عن الأعمال الوحشية التي إرتكبتها كل الأطراف المعنية. ولم يقتصر أمر المعاناة والقسوة والوحشية التي قامت بها العناصر المتعصبة دينياً على أهالي البلاد فقط بل إن الدولة العثمانية أصبحت في ورطة شديدة جراء تلك الأحداث, فإذا ماأقدمت على إعتقال تلك العناصر الوحشية وعاقبت المذنبين منهم من واقع مسئوليتهم عن حفظ الأمن, قامت الصحافة الأوروبية بحملة تشهير ضدها تصفها بالبربرة والعدوان حتى ولو كان الأمر لا يستحق الإهتمام.

على أن حكومات دول البلقان وأيضاً القوى العظمى كانت تعترف بخطورة تلك الإضطرابات والفوضى التي قد تؤدي إلىأزمة كبرى جديدة في الشؤون الدولية كتلك التي وقعت في سنوات 1875-1878, ولهذا كانت المفاوضات بين الأطراف المعنية تصب في هذا السؤال. ففي خلال عامي 1892-1893 حاولت كل من الصرب واليونان تجاوز الخلافات القائمة بينهما على حساب البلغار لكنهما لم يتفقا على تحديد مجال نفوذ كل منهما. وفي 1897 أصبحت المشكلة المقدونية جزء مهماً من أزمة كريت والحرب اليونانية-العثمانية. ولعل اهم المناقشات التي درات حول هذا الموضوع من حيث مغزاها تلك التي دارت بين فرانز جوزيف (إمبراطور النمسا) ونيقولاي الثاني (إمبراطور النمسا) في أبريل 1897. ولما كان الطرفان لا يرغبان في قيام إنقلاب بلقاني فجائي آنذاك فقد توصلا إلى تفاهم بعيد المغزى حيث إتفقا على تقسيم البلاد العثمانية، وأدركا أن ضم البوسنة والهرسك وسنجق نوفي بازار للنمسا يعد خطوة نهائية لخلق ألبانيا مستقلة، وتقسيم ما يتبقى من ولايات عثمانية في البلقان بالتساوي بين دول البلقان، وقد وضع هذا القرار في الإعتبار إدعاءات الصرب ومطالبها. لكن لم يكن من الممكن تنفيذ تلك الخطط في القريب العاجل وإنما تركت المستقبل البعيد حيث أن الدولتين (النمسا وروسيا) عزمتا على الحيلولة دون قيام حكومات البلقان بإحداث أزمة أوروبية بدرجة أو بأخرى أو تغيير الحالة الراهنة.

ولا شك أن القوى العظمى وكذا كل من بلغاريا واليونان واليونان والصرب قد كثفت كل أنشطتها لتفكيك البلقان العثماني بدلاً من إيقافها أو التراجع عنها. تلك الأنشطة التي بلغت ذروتها في أغسطس 1903 عندما عجلت الإيمرو بالإنتفاضة في إليندن Ilinden للإستيلاء على ولاية مناستير كمقدمة لتحريراً كاملاً من السيطرة العثمانية. غير أنها كانت ثورة غير ناضجة وفقيرة الإعداد شأن غيرها من الثورات التي "تفشت" بين البلقانيين في القرن التاسع عشر، وواجهتها القوات العثمانية بوحشية غير عادية حيث تم تدمير ما يقرب من تسعة آلاف منزل في البلاد.

ورغم أن تلك الثورة لم تنجح في تحقيق أهدافها العامة ألا وهي تحرير مقدوينا, إلا أنها دفعت روسيا والنمسا للتدخل, ففي 1903 إلتقى إمبراطور الدولتين في مورشتيج Murzsteg حيث وافقا على برنامج جديد لإصلاح الحال في مقدونيا يقضي بوضع الحامية العثمانية في البلاد تحت سيطرة ضباط أجانب, وتعويض ضحايا إنتفاضة أيلندين مقدونيا لكنها مهمة ظلت مستحيلة. وفي 1905 وافق الباب العالي على أن تتم عملية جمع الضرائب في مقدونيا تحتإشراف دولي, وفي السنوات التالية قدمت القوى العظمى مشروعات إصلاحية كثيرة, ثم ما لبثت مقدونيا أن تأثرت بقيام ثورة الإتحاد والترقي في إسطنبول يولية 1908 وهو الحدث الذي أثار من جديد وضعية جميع ممتلكات الدولة العثمانية.

ثورة تركيا الفتاة

لم تواجه الحكومة العثمانية تمرد رعاياها المسيحيين فقط بل لقد واجهت سخط رعاياها المسلمين أيضاً, ورغم أن السلطان عبد الحميد الثاني كان يحكم البلاد حكماً أوتوقراطياً, إلا أنه كان يعتقد في أهمية الإصلاح. ففي خلال حكمه تم التوسع في إنشاء المدارس الإبتدايئة والثانوية, وتأسيس الكليات الطبية, وإنشاء جامعة إستانبول, وتم تحسين أحوال الجيش, وزيادة خطوط المواصلات والسكك الحديدية والبرق. ولأنه كان مشغولاً بما تعرضت له إمبراطوريته من خسائر في سابق الأيام نراه وقد إقتنع بأن السبب في هذا يعود إلى دور القوى الأوروبية في إستقلال بعض ممتلكاته سياسياً وإقتصادياً, يؤخذ موقفاً معادياً للغرب عن طريق تقوية مركزه بإعتباره خليفة المسلمين, والعمل على توحيد ثلاثمائة مليون مسلم في أنحاء العالم ضد التدخل الأجنبي. وبطبيعة الحال لقي هذا الإتجاه تأييداً شعبياً من الزعامات الدينية ومن كثير من رعاياه المسلمين, لكنه واجه سخطاً وعدم رضا وخيبة أمل بين المثقفين وعدد كبير من رجال الجيش الذين لم يكونوا يعتقدو أن الحكم الأوتقراطي هو الحال رغم أنهم كانوا يشاركون السلطان إنزعاجه من احوال الإمبراطورية.

كانت هناك ثلاث تصورات أساسية كوسيلة لإنقاذ السلطنة وحمايتها . .أولها فكرة "الجامعة الإسلامية" التي كان عبد الحميد يفضلها وتعني أن دولته التي تستند إلى وحدة المسلمين تفترض بداهة التخلي عن البلاد البلقان المسيحية. والفكرة الثانية تقوم على "الرابطة العثمانية" وقد سبقت مناقشتها وتقوم على العمل على إيجاد مواطنة عثمانية عامة مشتركة, وهي فكرة قد يضيق بها كل من المسلمين والمسيحيين على السواء لأنها تمثل إتجاهاً مضاداً بشكل مباشر للحركات القومية ليس فقط بين المسيحيين ولكن بين العرب أيضاً. وأما الفكرة الثالثة فهي "الرابطة الطورانية" التي تعني توحيد الشعوب التركية بما فيهم أولئك الذي يعيشون في روسيا. وهي فكرة كانت تتشابه إلى حد كبير مع التصورات القومية المعصرة آنذاك وكانت نقطة الضعف فيها تمكن في عدم التكافؤ العسكري بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية.

ومن الملاحظ أن تلك الأفكار الثلاثة وكذا المشكلات الفعلية التي كانت تواجهها الدولة كانت مجالاً للتحليل والمناقشة والجدل في أنحاء السلطنة طوال ثلاثة عقود من الزمان قبل ثورة 1908. وكان النفي والإبعاد إلى الأقاليم البعيدة من الإمبراطورية مصير أولئك الذين كانوا يطالبون علناً بتغيير النظام السياسي وفرنسا وهناك تمكنوا من إصدار مجلات وعقد إجتماعات وكان معظمهم يؤيد الدعوة إلى إعادة دستور 1876 الذي كان السلطان عبد الحميد قد أوقف العمل به. وقد تركز نشاطهم في التأكيد على حق المساواة بين كل راعايا الدولة العثمانية مع المحافظة على وحدة السلطنة في القوت نفسه. وقد نجح هؤلاء في توثيق علاقتهم بالجيش وخاصة الجيش الثالث الذي كاتنت قيادته في تسالونيك بمقدونيا.

وفي هذا الخصوص ينبغي التأكيد على أن ضباط الجيش التريك كانوا عمليين وواقعيين في نظرتهم للأأمور. ولأن تدهور أحوال الإمبارطورية المستمر قد أزعجهم فقد صمموا على العمل على إستعادة قوتها ومكانتها وفي الوقت نفسه ساءهم ما كان يحدث في مقدونيا, وشعروا بمرارة بالغة بسبب عجز الحكومة عن السيطرة على المتمردين البلغار, ورفضوا إشراف ضباط أوروبيين على الحامية العسكرية في مقدوينا تطبيقاً لبرنامج مورشتيج الإصلاحي الذي سبقت الإشارة إليه, فضلاً عن غضب كثير من أولئك العسكريين لعد إنتظام رواتبهم. وعلى هذا وفي عام 1908 إنضم بعضهم إلى الخلايا السرية التي كانت تخطط آنذاك للمستقبل, وكان قائد تلك الخلايا على إتصال بزملائهم الذين يعيشون في المنافي بالخارج. والحقيقة أن تلك العناصر كانت تمثل نسبة مهمة من عضوية جمعية الإتحاد والترقي التي كانت قد تأسست في تسعينيات القرن التاسع عشر وقدرت عضويتها في عام 1908 باكثر من خمسة عشر ألف عضو وتحدد هدفها في إستعادة دستور 1876 والتخلص من السلطان عبد الحميد مع الإبقاء على أسرة السلاطين الحاكمة. غير أن السلطان عبد الحميد عرف أخبار الذين يتآمرون ضده عن طريق جواسيسه لكنه لم يقدر قوة الحركة حق قدرها. وعندما بدأ في التحقق من الأمر إنفجرت ثورات متلاحقة ومتزامنة بين صفوف الجيش الثالث خلال يونية ويولية 1908,وعجزت القوات الموالية للسلطان عن قمع إنتفاضة يقودها ضباط الجيش. وهكذا وفي 23 يوليو 1908 طلبت جمعية الإتحاد والترقي من السلطان إعادة العمل بدستور 1876 وفي اليوم التالي إستسلم لمطلب الجيش الثالث الذي كان يعد أفضل وحداته العسكرية.

ولما كان شعار جمعية الإتحاد والترقي "العدالة والمساواة والأخوة" فقد سارع زعماء التمرد وقد أخذتهم نشوة النصر وإيمانهم بحماية الإمبراطورية, وإلى إضافة هذا الشعار الذي عبر عن أملهم في تحقيق المساواة بين كل من المواطنين إلى مواد الدستور. غير أنهم لم يتمكنوا من عزل السلطان فوراً لأن جنودهم الذين يعتمدون عليهم يعتبرون أن الحاكم هو السلطان-الخليفة رغم رغبة أولئك الزعماء في إقامة حكومة دستورية وعلى هذا بدأت البلاد تستعد لإجراء إنتخابات للجمعية التشريعية.

غير أن الحركة الثورية سرعان ما تلقت ضربة قاصمة خلال يومي 5-6 أكتوبر, ففي حركة بدت بتنسيق ظاهر أعلنت بلغاريا إستقلالها عن الدولةالعثمايننة, وأعلنت النمسا ضم البوسنة والهرسك مما أثار حنق جمعية الإتحاد والترقي (تركيا الفتاة) فقد وصل زعماؤها إلى الحكم بهف إنقاذ الإمبراطورية وحمايتها. لكن في أقل من ثلاثة شهور بعد الإستيلاء على السلطة فقدت السلطنة أقاليم أوروبية مهمة, وهي أزمة شجعت العناصر المحافظة على القيام بثورة مضادة في أبريل 1909. ورغم أن الجيش نجح في سحق تلك الثورة المضادة وعزل كل من السلطان عبد الحميد ومعه شيخ الإسلام الذي يمثل أعلى سلطة دينية في السلطنة, إلا أنه كان واضحاً أن الحكم الجديد سيواجه سلسلة مستمرة من حركات المعارضة. وأكثر من هذا فإن تصرف النمسا وبلغاريا على ذلك النحو أدى إلى نشوب أزمة دولية,وأعاد فتح ملف المسألة الشرقية, وهي إجراءات كان من شأنها تهديد المصالح العثمانية.

أزمة البوسنة

ينبغي أن نتذكر أن البوسنة والهرسك بمقتضى معاهدة برلين 1878 بقيت جزء من الإمبراطورية العثمانية رغم إحتلال النمسا لهما. وعلى هذا كان يتعين أن تضم الجمعية التشريعية (مجلس المبعوثان) التي دعت لإنعقادها جمعية الإتحاد والترقي الحاكمة في استانبول نواب من البوسنة والهرسك وكذا من بلغاريا ذات الحكم الذاتي. وكان من الطبيعي ألا تسمح النمسا وبلغاريا بذهاب نواب إلى ذلك الإجتماع ذلك أن أمير بلغاريا (فرديناند) كان قد العزم منذ مدة السيطرة على البوسنة والهرسك مسألة جوهرية تمامامً خاصة بعد صعود بيتر كاراديورفيتش لعرش الصرب وأاقم حكاً موال للروس, ولم تكن السيطرة على البوسنة والهرسك توفر ظهيراً إستارتيجياً عسكرياً لدلماشيا لكن كان من شأنه أن سههم في كبح جماح إنتشار نفوذ الصرب في تلك المناطق فضلاً عن أن أسرة الهابسبورج في النمسا كانت تبدي إهتماماً معيناً بكل المنطقة وأسهمت كثيراً في تقدمها المادي.

على أن إستعدادات النمسا لضم البوسنة والهرسك لم تتم بالتنسيق مع بلغاريا أو مع روسيا, ففي سبتمبر إلتقى وزير خارجية النمسا آلوا فون آهرنثال Alois Von Aehernthal بنظيره الروسي ايزوفولسكي A.P.Isvolsky في بوشلاو Buchlau في مورافيا. ورغم أن وقائع هذا الإجتماع لم تسجل بشكل رسمي مما أثار كثيراً من الجدل حول حقائق الموضوع, إلا أنه يفترض أن روسيا وافقت على رغبة النمسا في موضوع الضم, وفي المقابل وافقت النمسا على مساندة خطة روسيا في تغيير قواعد الملاحة في مضايق البوسفور والدردنيل بما سمح بمرور السفن الحربية للدول المطلة على البحر الأسود. ثم نشأت مشكلة حالت دون الإتفاق وكانت خاصة بالتوقيت فقد كان ايزفولسكي يتوقع ألا تسرع النمسا بضم البوسنة والهرسك حالاً لكنه فوجئ بأمر الضم وكذا إعلان إستقلال بلغاريا من الصحف وهو في طريقه إلى باريس.

وسرعان ما وقعت أزمة دبلوماسية إذ جاء رد الفعل الأكثر عنفاً من الصرب ذلك أن القوميين الصرب كانوا يضعون البوسنة والهرسك ضمن حدود القومية الصربية رغم إحتلال النمسا لهما, وكان الأمل يراودهم بإلحاقهما بالصرب الكبرى طالما بقيتا تحت سيادة الإمبراطورية العثمانية الضعيفة, ولكن ضم النمسا لهما أشعر هؤلاء القوميين بضياعمها إلى الأبد. وعلى هذا دعت بعض صحف الصرب وكذا بعض الزعماء السياسيين إلى تحدي قرارالنمسا ورفضه, وكانهؤلاء يعولون إلى حد ما على مساندة روسيا في هذا الأمر. وظلت الصرب متشددة في مواقفها ومتصلبة طوال خمسة شهور ثم إضطرت إلى الإستسلام أمام موافقة روسيا على عملية الضم وإنذار المانيا بعدم التحرك.

وأخيراً تم تسوية مسألتي ضم البوسنة والهرسك وإستقلال بلغاريا بمقتضى مفاوضات بين الدولة العثمانية وبلغاريا والنمسا. وفي مقابل موافقة الباب العالي على تلك التغييرات تم تعويضه عن خسائره بإعادة سنجق نوفي بازار تحت سيادته الكاملة. والحاصل أن تلك الأزمة أنهت فترة من التعاون كانت قائمة بينالنمسا وروسيا ضد دول البلقان إبتداء من عام 1897 وأدت نتائجها إلى إذلال كل من الصرب وروسيا بفضل تأييد المانيا القوي للنمسا الذي أرغم روسيا على التراجع. ومن هنا عملت روسيا على تغيير هذا الموقف عن طريق تنظيم دول البلقان في جبهة ضد النمسا. ولكن كان على دول البلقان أن تبرهن على رغبتها في المضي في هذا الطريق لكن كل دولة كانت ترغب في أن تسعى لتحقيق أغراضها بشكل مستقل ودون توجيه من روسيا أو غيرها.

حروب البلقان 1912-1913

كانت الرابطة البلقانية التي استهدفت العمل على طرد العثمانيين من أوروبا قد تكونت بإيعاز من روسيا في البداية، ذلك أنه بعد قيام النمسا بضم البوسنة والهرسك وضعت روسيا في أولويات سياساتها منطقة البلقان مرة أخرى. وعلى هذا وفي هذا وفي أكتوبر 1909 عقدت مع إيطاليا إتفاقية في راكونيجي Raconigi تتعاون الدولتان بمقتضاها في شؤون البلقان. وفي 1911، احتلت إيطاليا طرابلس الغرب وهي إحدى ولايات الدولة العثمانية ولقد شجعت هزيمة الدولة العثمانية في تلك الحرب أمام إيطاليا وكذا إستمرار القلاقل والإضطرابات في أنحاء دول البلقان في أن ياملوا أن تشهد مقدونيا تقسيماً خلال فترة وجيزة.

وكانت بلغاريا والصرب من أوائل دول البلقان التي شرعت في الدخول في مفاوضات للتنسيق فيما بينها, خلال السنوات من 1904-1907 دخلتا في روابط ثقافية وإقتصادية بل وسياسية أيضاً. وفي الجدل الذي دار بعد أزمة البوسنة كانت لكل منهما أغراضنا تختلف عن الأخرى, فقد كانت بلغاريا ترغب في عقد إتفاق يوجه أساساً وبصفة مباشرة ضد الدولةالعثمانية ويستهدف بصفة رئيسية إقامة حكومة ذاتية في مقدنيا قد تصبح جزءً من بلغاريا فيما بعد طوعاً أو كرهاً. أما الصرب فكانت على العكس ترفض فكرة الحكومة الذاتية في مقدونيا وتطلب عقد إتفاق بتقسيم مقدونيا بينهما. ولما كانت الصرب تعتبر نفسها مهددة بأطماع النمسا فقد سعت لعقد ميثاق يشمل حماية أقاليمها في حالة تعرضها لهجوم من الشمال. وأخيراً تم توقيع تحالف دفاع مشترك بين الدولتين (بلغاريا والصرب) في 13 مارس 1912 يقضي بأن يتخذ إجراء مشتركاً ضد أي دولة تهدد بالإستيلاء على الأراضي العثمانية.

على أن أهم ما في إتفاقية التحالف إن لم يكن جوهره الملحق السري الذي وضع ترتيبات محددة لتقسيم مقدونيا نصت على أن تكون الأراضي إلى الشمال من جبال صار Sar من نصيب الصرب, وتكون من الأراضي شرق نهر ستروما وجبال رودوب من نصيب بلغاريا. وقد ترك هذا التفاهم غالبية أراضي مقدونيا دون تخصيص معين. ولا شك أن الصرب وافقت ضمناً فيما يتعلق بالأراضي غيرالمخصصة, كانت أقصى إدعاءاتها في مقدونيا تمتد بطول خط من كريفا بلانكا Kriva Palanka بالقرب من حدود بلجيكا شمال شرقي مقدونيا ثم إلى الجنوب الغربي لمدينة فيليه Veles ينتهي شمال أوهريد. وحيث أنه تعذر على الحليفتين (الصرب وبلغاريا) الإتفاق بشأن وضعية تلك المنطقة غير المخصصة والواقعة بين جبال صار إلى الشمال وبين خط كريفا بالانكا-فيليه-أوهريد إلى الجنوب فقد إتفقا على أن يقبلا قرار قيصر روسيا في هذا الشأن. وبكلمات أخرى فإن أقصى مطالب الصرب في هذه المنطقة الحصول على حوالي ثلث أراضي مقدونيا التي يسكنها سلاف, وما يتبقى يقسم بين بلغاريا واليونان. وينبغي الإشارة إلى أن مسألة السيطرة على تلك المنطقة تحديداً سوف تمثل خلافاً محورياً بين الصرب وبلغاريا إنتهى إلى قيام حرب البلقان الثانية. ولقد تبع هذا الإتفاق عقد حلف عسكري إتفق بمقتضاه أن تقدم بلغاريا مائتي ألف من قواتها العسكرية وأن تقدم الصرب مائة وخمسون ألفاً أرسل منها مائة ألف إلى فاردار أي إلى جبهة مقدونيا.

أما التفاهم التالي بين دول البلقان ما حدث بين بلغاريا واليونان وكانت العلاقات بينهما لقد تحسنت تدريجياً في السنوات السابقة. وفي 1911-1912 كان هناك تعاون ملحوظ بين إكسارخية بلغاريا والبطريركية اليونانية, وهدأت عمليات الإرهاب والترويع المتبادلة في مقدونيا. وتم تبادل طلابي بين البلدين, وأصبحت الإمبراطورية العثمانية عدوهما المشترك ويلاحظ أن الإتفاقية التي عقدت بين البلدين كانت مجرد حلف دفاعي عكس الإتفاقية بين بلغاريا والصرب التي سبقت الإشارة إليها, ذلك أن بلغاريا لم تتمكن من الحصول على موافقة اليونان بشأن إقامة حكومة ذاتية في مقدونيا, كما كان كل منهما يريد الحصول على تسالوينك. ولهذا ونظراً للتنافس بينهما في الإدعاءات فقد إتفقا على توقيع وثيقة لا تحتوي على كلمة مقدونيا بطريقة أو بأخرى.

أما الإتفاق الأخير بين دول البلقان فكان بين الصرب وبلغاريا من جهة وبين الجبل الأسود من جهة أخرى وكان يهدف إلى إعداد المسرح بدفع الجبلالأسود تلك الدويلة الصغيرة لإختلاق شجار مع الدولةالعثمانية وعلى أثره تقوم دول البلقان الأخرى بهجوم مشترك مرة واحدة على الأقاليم العثمانية في المنطقة.

ومن الملاحظ أن المفاوضات بين الأطراف المعنية بشأ، تلك الإتفاقيات والترتيبات إمتدت على مدى عام, لكن سرعان ما بدا لروسيا أن مصلحتها من قيام الرابطة البلقانية لقطع الطريق على النمسا أصبح هدفاً ثانوياً بالنسبة لدول البلقان فضلاً عن أن المواد المتعلقة بوضعية الأراضي الخاصة بمطلب بلغاريا في أدريانوبل المدينة القريبة من استانبول والمضايق إحتلت إهتماماً حقيقياً لدى حكومة روسيا. وآنذاك لم تكن روسيا في وضع يسمح لها بمواجهة أزمة تفتح الباب لتدخل القوى العظمى منه لتحديد مصير المنطقة. وعلى هذا بدأت روسيا في العمل على تهدئة شعوب البلقان عن طريق إقتراح برنامج إصلاحي جديد بالتعاون مع دولة أوروبية أخرى يفرض على الدوةلالعثمانية. ففي الثامن من أكتوبر 1912 وجهت روسيا والنمسا رغم تناقض مصالحهما تحذيراً لدول البلقان نيابة عن القوى العظمى بأنهما لن تعترفا بأية تعديلات منشأنها تغيير مبدأ المحافظة على تكامل أراضي الدولةالعثمانية. غير أن هذا التحذير جا متأخراً جداً, ففي نفس ذلك اليوم كانت الجبل الأسود قد بدأت في مهماجمة المراكز العثمانية وسرعان ما لحق بها حلفاؤها وفقاً للترتيبات السابقة.

وتقدمت العمليات العسكرية بكل سهولة حيث نجح الأسطول اليوناني في منع وصول إمدادات عسكرية للجيش العثماني وهجمت قوات البلقان المتحالفة والمكونة من سبعمائة ألف مقاتل على قوات الدفاع العثمانية المكونة من ثلاثمائة وعشرين ألف مقاتل. وإندفعت قوات بلغاريا مباشرة بإتجاه استانبول حيث وصلت إلى أطرافها وتمكنت بمساعدة قوات صربية من ضرب الحصار على مدينة أدريانوبل, كما وصلت تسالونيك فوجدوا أن القوات اليونانية كانت قد إحتلت تلك الجوهرة في اليوم السابق (أي 8 نوفمبر). وفي تلك الأثناء تقدمت قوات الصرب إلى أبعد من المنطقة التي تم تخصيصها لها في مقدونيا حسب الإتفاق الذي سبقت الإشارة إليه وإستولت على كل من بريلب Prilep, وبيتولا Bitola, وأوهريد, وهي المدن الواقعة جنوب خط كريفا بالانكا-فيليه-أوهريد.

ولم تقتصر الأعمال العدائية على أراضي مقدونيا ذلك أن الصرب من واقع خبرتهما السابقة في حرب الخنازير قررت الإستيلاء على مكان يعطي لها مخرجاً للبحر. وكان ميناء دوريس Durres (دورازو Durazzo) شمال ألبانيا أفضل ميناء يوفر هذا المخرج ورغم أنه يقع في ألبانيا جغرافياً, إلا أن الصرب بررت مطلبها على أسس إستارتيجية وإقتصادية. ولم يقتصر الأمر على هذا الحد بل لقد كانت بقية أراضي البانيا مطمعاً لبقية دول البلقان المتحالفة فقامت قوات الصرب والجبل الأسود بحصار مدينة شكوردر (سكوتاري Scutari) وهاجمت قوات اليونان مدينة يانينا الأمر الذي جعل مصير سكان البانيا محل إنتباه القوى العظمى.

لقد كان معنى نجاح العمليات العسكرية لدول البلقان أن الإمبراطورية العثمانية أوروبا مع مطاع عام 1913 قد تقلصت إلى أربعة مدن واقعة تحت الحصار وهي: استانبول وأرديانوبل في الشرق، وشكودر ويانيا في الغرب. وعند هذا المنعطف تدخت الدول العظمى لإيقاف العمليات العدائية وفرضت معاهدة لندن في مايو 1913 التي قضت بأن يكون خط إينوس-ميديا Enos-Media حد للإمبراطورية العثمانية داخل أوروبا, وإستبعاد أدريانوبل, وتقليص مساحة استانبول بإبقاء ظهير صغير لها, وتخصيص كريت لليونان. وبقيت المشكلة الكبرى في وضعية مقدونيا والبانيا وجزر بحر إيجه. لكن أصبح واضحاً أن القوى العظمى وليس الحلفاء البلقانيين سوف يقررون مصير تلك المناطق بشكل نهائي.

على أن قضية مقدونيا كانت ترتبط بشكل مباشر مع قضية البانيا ولما كانت النمسا وإيطاليا قد قررتا إبعاد الصرب من البحر الإدرياتي فإن إقامة دولة ألبانية مستقلة يخدم هذا الغرض. يضاف إلى هذا أن إيطاليا بدأت تدخل في منافسة مع النمسا وروسيا للحصول على نصيب من مناطق النفوذ في البلقان شأن جاراتها, ومن ثم أصبح من الممكن إنشاء دولة ألبانية بفضل دعم إيطاليا القوي وضمان النمسا. غير أن هذا القرار كان من شأنه التأثير سلباً على التسوية التي سبق أن أقرتها دول البلقان في السابق. وهكذا أدركت الصرب في الشمال واليونان بإدعاءاتها في جنوبي البانيا إحباط خططهما في ضم أراضي البانية وبالتالي طالبت كل منهما بالحصول على تعويض في مكان آخر.

ولما أنكرت القوى العظى على الصرب حقها في مخرج على الإدرياتي بإستيلائها على ميناء دوريس فلم يكن أمامها من بديل إلا الأراضي التي تم تخصصيها لبلغاريا. وبما أن قواتها قد تحملت العبء الأكبر في القتال في مقدونيا نراها تطالب بأن يمتد نصيبها في أراضي مقدونيا وراء خط كريفا بالانكا-فيليه-أوهريد. ولم تكن حجة الصرب في هذا المطلب أن سكان المنطقة التي تطالب بها صربيون أم بلغار خاصة وأن بعض العلماء الصربيين يشيرون إلى هؤلاء السكان بإعتبارهم مقدونيون-سلاف, لكن المسألة تتعلق أكثر بتوازن القوى بين دول البلقان ذلك أن إمتداد نفوذ بلغاريا حتى شواطئ بحر إيجه بالإضافة إلى الأرض المخصصة لها في مقدونيا قد يجعلها القوة المسيطرة الرئيسية أو القوة صاحبة السيادة في البلقان. ومن ناحية أخرى وجدنا أن اليونان التي لم تكن تطيق وجود القوات البلغارية على مسافة أميال قليلة شمال تسالونيك تشارك الصرب في تحليلها للموقف. وعلى هذا رفضت الصرب ترك الأراضي التي إحتلتها في مقدونيا بما فيها الأراضي التي تخرج عن نطاق ما تطالب به هناك على حين أن بلغاريا كانت ترى تطبيق شروط معاهدة التحالف الأصلية.

وفي هاذ الإطار وكما سبقت الإشارة كان سهلاً على حكومتي الصرب واليونان أن يتوصلا إلى إتفاق بشأن الموقف أكثر من إمكانية التوصل إلى تفاهم بين أي منهما وبين بلغاريا فمثلاً كان يمكن وببساطة تقسيم مقدونيا بينهما بحيث تأخذ اليونان جنوبي مقدونيا وتأخذ الصرب الجزء الشمالي. غير أن إمتداد المصالح البلغارية عبر المنطقة إلى البانيا أدى إلى تقطيع أوصال المناطق التي تطالب بها الصرب واليونان. ونظراً لحدوث توتر في العلاقات بين الأطراف المختلفة بين دول البلقان حول شروط الصلح كان من الطبيعي أن تتعاون الصرب واليونان معاً بإعتبارهما أصحاب مصلحة مشتركة ومن ثم عقدا إتفاقية سرية لوضع حدود مشتركة مع مقدونيا إلى الغرب من نهر الفاردار تركت بمقتضاه جزءً شرقياً لبلغاريا, كما تواعدا على أن يساعد كل منهما الآخر في حالة وقوع حرب, وكان بإمكانهما الحصول على تأييد الجبل الأسود وحتى رومانيا التي كانت لها أفكار بشأن وجود دوبروديا في أيدي بلغاريا كما توصلت المناقشات والمباحثات مع الدولة العثمانية.

في تلك الأثناء وصلت القيادات المدنية والعسكرية البلغارية إلى إقتناع مؤداه أن التوصل إلى حل عن طريق القوة قد يكون أمراً ضرورياً. ومن ناحية أخرى كان المشهد الدبلوماسي الدولي غاية في التعقيد . . فروسيا تقترح أن يقوم قيصرها بدور الوساكة للتغلب على الخلافات بين دول البلقان المعنية وبادر بدعوة رؤساء حكومات بلغاريا والصرب واليونان إلى الإجتماع به في سانت بطرسبرج (عاصمة روسيا). ووافقت بلغاريا على الإشتراك بشرط التوصل إلى قرار تحكمي خلا أسبوع واحد كخطوة ضرورية لتهدئة الجيش الذي كان يطالب بالعمل العسكري. وقد فهمت روسيا هذا الشرط على أنه إنذار ومن ثم رفضته, ووقفت إلى جانب الصرب, كما عملت النمسا بالتنسيق مع اليونان ورومانيا على عرقلة نشاط رابطة البلقان. وقد إنتهت تلك المباحثات بعزل بلغاريا وحدها دون حليف من دول البلقان ودون دعم من الدول العظمى على حين توصل خصومها فيما بينهم لإتفاقيات دفاعية مشتركة قوية. وهكذا أصبح من الواضح أن بلغاريا أخفقت في إدراك حقيقة الورطة التي وجدت نفسها فيها.

وعلى هذا وفي ليلة 29-30 يونية 1913 شنت القوات البلغارية هجوماً على الصرب وعلى اليونان ثقة في تفوقها العسكري ومن هنا بدأت حرب البلقان الثانية. وسرعان ما دخلت الدولةالعثمانية والجبل الأسود ورومانيا الحرب ضد بلغاريا التي لم يكن أمامها فرصة لمواجهة التحالف ضدها فبادرت بتوقيع هدنة مسلحة في 31 يوليو.

وفي 10 أغسطس 1913 تم توقيع معاهدة بوخارست لتسوية النزاع حول تقسيم أراضي البانيا ومقدونيا أدت إلى تدمير بلغاريا تدميراً تاماً, إذ تم إعادة أدريانوبل ومعظم شرق تراقيا إلى الدولة العثمانية, وأخذت رومانيا جنوبي دوبروديا, ومدت اليونان حدودها حوالي خمسين ميلاً إلى الشمال من تسالونيك وإلى ما وراء قوله جهة الشرق. وفي الغرب ضمت اليونان إيبروس بما فيها يانينا, وضاعفت الصرب حجمها بالإستيلاء على جزء عظيم من مقدونيا السلافية إشتمل على أراضي لم تكن ضمن دائرة مطالبها سابقاً. وتم تقسيم سنجق فوني بازار بين الصرب والجبل الأسود فأصبحت حدودهما مشتركة. وكوفئت بلغاريا بجزء صغير من شرقي مقدونيا في وادي نهر ستروما لكنها ضمت إلى أراضيها مساحة ثامنين ميلاً بطول ساحل بحر إيجه ضمنها ميناء ديدياجتش Dedeagatvh, كما نصت المعاهدة أيضاً على إيجاد دولة ألبانية مستقلة.

لقد كانت معاهدة بوخارست ذات مغزى عظيم بالنسبة لدول البلقان ذلك أن الحدود التي رسمتها ظلت ثابتة مع بعض التعديلات الطفيفة فضلاً عن أنها كانت تمثل بداية طرد العثمانيين من أوروبا بإستثناء استانبول وجزء صغير من تراقيا. وهكذا إنتهت حروب البلقان بتحقيق الهدف النهائي الذي رسمه معظم زعماء البلقان خلال القرن التاسع عشر, ألا وهو سعي كل حكومة بلقانية لضم أراض تعيش فيها عناصر قومية خاصة بها, وهي أهداف أصبحت ثانوية خلال عامي 1912-1913 أمام إعتبارات أكبر ألا وهي المحافظة على توازن القوى في شبه جزيرة البلقان, والرغبة في ضم أراض أكثر لأسباب إستراتيجية وإقتصادية. ولم تتردد أي منها في المطالبة علناً بضم أراض يسكنها ألبان. وأظهرت كل دولة أن أولوياتها تمكن في تطوير مصالحها الخاصة أكثر من العمل على حماية المبادئ القومةي ككل. وأخيراً إنتهت تلك الفترة من الحروب بظهور ألبانيا آخر دولة بلقانية في الخريطة.

الفصل الرابع عشر: إقامة ألبانيا

كانت الحركة القومية الألبانية فريدة في نوعها بالمقارنة مع الحركات القومية التي سبق أن عرضنا لها على الأقل فيما يتعلق بزعمائها قبل عام 1912 الذين لم يكونوا يرغبون في الإنفصال عن الدولة العثمانية, كما لم يكونوا يتطلعون لإقامة دولة مستقلة, بل على العكس كانوا يخشون في حالة سقوط الدولة العثمانية أن يتم توزيع بلادهم بين جيرانهم,ومن هنا كانوا يرون أن التمتع بالحكم الذاتي في إطار الدولة العثمانية خير ضمان للمحافظة على شخصيتهم القومية.

والحقيقة أن موقف الألبان هذا أمكن فهمه عندما بدأت مشكلة الألبان المعقدة محل نظر وإعتبار القوى الدولية. فقد كانوا يمثلون قومية واحدة ويتكلمون لهجات من لغة واحدة,وينقسمون بين مجموعتين رئيسيتين هما: الجيجيون Gegs, والتوشكيون Tosks, وتسود بينهم ثلاثة مذاهب دينية: الإسلام, والأرثوذكسية, والكاثوليكية. وكان الجيجيون وهم أغلبية السكان يعيشون في النصف الشمالي للبلاد وسكان الجبال منهم يعيشون حياة قبلية قوية ومحافظون بطبيعة الحال, وليس لهم إتصال بالخارج إلا قليلاً. أما التوشكيون فكانوا على العكس يتركزون في جنوب البلاد وكانت لديهم فرص كثيرة للإتصال بشعوب أخرى أو الهجرة من البلاد,وكان معظمهم من الفلاحين الذين كان عدداً كبيراً منهم يعمل في زراعة أراضي كبار ملاك الأراضي من الألبان في الغالب الأعم.

وبعد الغزو العثماني لألبانيا إعتنق معظم أهاليها الإسلام وفي عام 1914 بلغت نسبة المسلمين منهم 70% ونسبة الأرثوذكس 20% والكاثوليك 10%. وكان الكاثوليك الذين يعيشون في مناطق السواحل جهة الشمال على صلة بجيرانهم في إيطاليا والنمسا. أما الأرثوذكس الذين يتركزون في الجنوب فكانوا بطبيعة الحال على إتصال وثيق بالبطريركية (اليونانية) وأكثر خضوعاً لتأثير الثقافة اليونانية. وأما المسلمون الأغلبية فكانوا يحظون بالمواقع الوظيفية المهمة في البلاد وكان إعتناق الإسلام في ألبانيا قد أخذ نفس النموذج الذي حدث في البوسنة والهرسك إلى حد ما, فقد قبلته الأرستقراطية الزراعية من كبار ملاك الأراضي الزراعية للمحافظة على مكانتها السياسية والإقتصادية, كما تحول الفلاحون إلى الإسلام. وبينما إنتمى معظم المسلمين الجيجين إلى مذهب السنة المحافظة كان التوشكيون من السنة المتصوفة على الطريقة البكتاشية. وكان أولئك السنة يقفون بقوة إلى جانب المحافظة على التقاليد العثمانية والولاء للسلطان وأقل تأثراً بأفكار الإصلاح السياسي, وكانوا يفضلون إقامة حكم ذاتي قبلي قائم على العادات والأعراف المحلية ويلاحظ أن ثلاثين شخصاً من الذين تولوا منصب الصدر الأعظم في الدولة العثمانية كانوا من المسلمين الألبان, وبعض العساكر العثمانية الذين إتصفوا بالشجاعة والإنضباط قد ولدوا في هذا الأقليم. وخلال القرون السابقة كان الألبان بشكل عام يمثلون عنصر القوة في الإمبراطورية.

ولكن بالغرم من ولاء الأبلان للدولة العثمانية إلا أن بلادهم ظلت واحة من أعظم مناطق الدولة تخلفاً, كانت أشبه ببلد على حافة الهاوية يعيش أهله على تربية الماشية وزراعة ما يسد رمقهم بالكاد, وبالتالي كان نظامها السياسي يعكس حالة التنمية فيها, فالشعب يعيش في تجمعات متباعدة تحت زعاماتهم المحلية. وحتى اواخر القرن التاسع عشر كانت البلاد تفتقد الأسس اللازمة لتنمية الشعور القومي-الوطني الذي كان قائماً في الولايات العثمانية الأخرى. ومن ناحية أخرى كان الإتصال بين أجزاء البلاد أمر غاية في الصعوبة فلم يكن فيها حتى عام 1912 سوى مجموعة طرق ممهدة تبلغ 200 كيلومتر, والتدريس بالمدارس يتم باللغة التركية أو اليونانية فيما عدا مؤسسات الكاثوليك في شكودر. وأما الدين الذي كان عامل وحدة قوية في مختلف بلاد البلقان كان في البانيا عامل إنقسام. واللغة التي كانت رابطة مشتركة بين الجميع لم تكن لغة تعليم في المدارس ولم توضع لها أبجدية وبالتالي لم تكن هناك أية مطبوعات أو كتب بالألبانية.

لكل هذه العوامل والإعتبارات لم تظهر حركة قومية البانية حتى عام 1878, وعندما ظهرت في ذلك التاريخ كان ظهورها إلى حد كبير رد فعل للتهديدات الخارجية. وقبل ذلك لم يكن تارخ حركات النضال والمقاومة ضد الحكم العثماني قد أنتج إيدلوجية قومية أو قيادات قومية. والحاصل أن أسلاف أولئك الألبان وهم الإليريون Illyrians القدامى كانوا قد إستقروا في شبه جزيرة البلقان قبل السلافيينز وعلى الرغم من أن محمد علي باشا والي مصر وعلي باشا والي نانينا كانا من الألبان, إلا أنهما كان يعملان من أجل مصالحهما وليس من أجل مصالح بلادهما البانيا.ورغم أنه بعد 1830 حدثت عدة إنتفاضات ضد الحكم العثماني جاء معظمها إحتجاجاً على الضرائب العالية التي فرضت للإنفاق على إصلاح الجيش, أو نتيجة للتغييرات في الإدارة المركزية, إلا أن الألبان في كل الأحوال كانوا راضون بوضعهم الراهن وإدارتهم المحلية للأأمور. وبالجملة كان وضعهم المتميز داخل الإمبراطورية يرجح إمكانات عضوية بلادهم في نظام سياسي كان في طريقه إلى الضعف والتدهور بشكل سريع.

على أن زعماء الألبان أدركوا لأول مرة الخطر الذي يحق بوضع بلادهم عندما أعلنت مواد معاهدة سان سيتفانو في مارس 1878 التي كان من المفترض بمقتضاه أن تضم أجزاء من شرق بلادهم إلى بلغاريا الكبرى, وأن تمنح الجبل الأسود أراض في الشمال يسكنها ألبان بشكل رئيسي. وعلى هذا فأراضي البانيا القومةي تم توزيعها بين دولتين سلافيتين أرثوذكسيتين لم يكن من المتوقع من أي منهما التعامل برفق مع المسلمين الذين كان عليهم إنقاذ أنفسهم من جيرانهم وليس من الحكومة العثمانية, وهذا ما كان على الألبان أن يواجهوه, وأن يتعاملوا معه.

وعلى الفور تم تنظيم الإحتجاجات على المعاهدة, وتشكلت لجان في انحاء البلاد لدراسة الأمر, وأصبح مقر المقاومة مدينة بريزرن في إقليم كوسوفو الذي أصبح جزءً من يوغوسلافيا فيما بعد. وهناك وفي يونية 1878 إجتمعت نخبة من مسلمي شمال البلاد من كبار الملاك الإقطاعيين المحافظين وعدد من النبلاء ومعهم مندوبون من جنوب البلاد وخاصة عبد اللاه الفراشيري Frasheri محرك الروح القومية آنذاك, وأسسوا "رابطة بريزرن" أو العصبة الألبانية وهدفها ببساطة اتلدفاع عن وحدة الأراضي الألبانية وتكاملها. كما تقرر تكوين لجان في مدن أخرى وخاصة في شكودور لمواجهة إجتياح الجبل السود للبلاد. كما إتفق الزعماء الأبلان على إتخاذ خطوتين عمليتين: الأولى العمل على مساندة مبدأ تكامل أراضي الإمبراطورية العثمانية ووحدتها في مؤتمر برلين, والثاني تقديم التماس للسلطان لكي يوافق على توحيد الولايات الأربع: يانينا, وموناستير, وأوسكوب Uskub, وشكودور في وحدة واحدة ومنحها الحكم الذاتي. وبمعى آخر كانوا يرغبون في توحيد السكان الألبان في وحدة إدارية وسياسية واحدة.

والحاصل أن مؤتمر برلين (1878) إنتهى دون المساس بأراضي البانيا ليس بسبب إحتجاجات الألبان وإنما بسبب الصراع بين القوى العظمى. وما حث في المؤتمر كان تقسيم بلغاريا الكبرى حيث عادت الأقسام الألبانية للسيطرة العثمانية مرةأخرى, وأخذت اليونان قسماً صغيراً من مطالبها بما فيها يانينا, وأخذت الجبل السود بعض الأراضي التي كان الألبان يطالبون بها وكانت أقل مما كانت تطمح إليه. على أن الإجراءات التي كان الأبلان يقومون بها آنذاك تجاوزت حدود الكلام والخطاب والبيان وإتخذت في بعض الأماكن شكل المعارك المخيفة الوحشية مما جعل الدول الأوروبية قلقة بشأن وجود هذا الشعب الذي يرغب في وحدته وعدم تقسيمه بين جيرانه.

ورغم تعاون الألبان مع الحكومة العمثانية في مقاومة مطالب كل من بلغاريا واليونان والصرب والجبل السود, إلا أن السلطان رفض توحيد الولايات الأربع (الألبانية) في حكومة ذاتية كما سبق الإشارة. وكانتحقيق هذه الوحة أمر حاسم بالنسبة لمصالح القومية الألبانية وأكثر من هذا فإن المادة 23 من معاهدة برلين فرضت إحداث تغييرات إدارية ف يالإقليم دون تحديد ماهيتها. وعلى هذا ففي نوفمبر 1878 إجتمع زعماء جنوب البانيا في مدينة فراشر Frasher برئاسة عبد الله الفراشيري الذين سبق وأن وافقوا على برنامج توحيد الولايات الأربع,الأمر الذي ترتب عليه موافقة زعماء شمال البانيا على مبدأ التوحيد والحكم الذاتي. لكن قيادتي الشمال والجنوب لم تتفاق على تفاصيل التوقيت المناسب وكيفية التنفيذ, فبينما كان الجناح الرايدكالي في الحركة يرى ضرورة إتخاذ خطوات فورية لتحقيق الحكم الذاتي, كان الجناح المحافظ تحت سيطرة بكوات الإقطاع يفضلون الإعتدال والإقتراب بحذر من إستعدادهم للتعاون مع السلطات العثمانية.

وعند هذا المنعطف بدأت فترة من المناورات بين الجناحين: المحافظ, والريداكالي, ولكن بحلول عام 1880 تمكنت العناصر المطالبة بالوحدة في كل من رابطتي بريزرن وفراشر من السيطرة على الرابطة الألبانية. وكان كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين ظلوا على ولاتهم للسلطان-الخليفة العثماني يعارضون تلك العناصر بشدة, وبتشجيع منهم أرسل السلطان في أبريل 1881 قوة عسكرية بقيادة درويش باشا للقضاء على رابطة بريزرن وسحق الحركة المطالبة بالحكم الذاتي. ورغم هذا التدهور الذي حاق بالحركة إلا أن الثلاث سنوات السابقة على موقف السلطان هذا أنتجت إنجازات لها مغزى بالنسبة للحركة القومية, فأولاً بدأ كثير من زعماء الألبان يعترفون بأن الإمبراطورية العثمانية على وشك الإنهيار وأن عليهم التخطيط لمشتقبل بلادهم,وثانياً ثمة خطوات أولية إتخذت بشأن وضع سياسة مشتركة في الشمال والجنوب وسط مناطق لا يوجد بينها إتصالات وثالثاً والأكثر أهمية أن برنامج الرابطة الألبانية نصاً وروحاً قبلته مختلف أجنحة الحركة القومية الذي كانوا مختلف حول كيفية تحقيق الأهداف المشتركة, وهكذا تم إتخاذ الخطوات الصحيحة تجاه إيجاد دولة ألبانيا.

لقد رافقت الحركةالقومية الألبانية شأن الحركات القومية في أي مكان في العالم فترة من اليقظة الثقافية. والحاصل أنه في غياب العقيدة المشتركة بين الألبان داخل المركز الجغرافي بقيت الغة تمثل الرابطة الأساسية بينهم. ومع ذلك لم يكن لهم مستوى لغوي واحد في الكتابة كما لم تكن هناك أبجدية متفق عليها بينهم. وفي منتصف القرن التاسع عشر إجتذبت المنطقة إهتمامات العلماء والباحثين الأجانب أبرزهم الباحث بوب F.Bopp الذي كان أول من أكد أن لغة الألبان تنتمي إلى عائلة اللغة الإندو-أوروبية, وكذلك العالم النمساوي فون هان J.G. Von Hahn الذي يعتبر الأب الروحي "لعلم اللغة الألبانية", وله فضل وضع قواعد نحو وصرف لها وجمع مجموعات من ادبياتها الشعبية. ومع نهاية القرن التاسع عشر أصبح معروفاً "أن الألبانيين ينحدرون من العناصر الإندو-أوروبية التي كانت تقيم قديماً في المنطقة. وقد لعب هذا الميراث دوره في تعزيز الكبرياء القومي بين المثقفين الألبان مثلما حدث بالنسبة لليونانيين الإيطاليين في إستنادهم للحضارة اليونانية والرومانية القديمة. ومن ناحية أخرى شاع بين المثقفين وخاصة بين ألبان إيطاليا دراسة تايرخ ألبانيا ولغتها وأدبياتها الشعبية (الفولكلور).

ثم حظت الحركة الأدبية بين الألبان بمساعدة كبرى بتأسيس "جمعية طبع الكتابات الألبانية" في استانبول عام 1879 وإستهدفت الإتفاق على تحديد مستوى لغوي واحد في الكتابة والقراءة يكون في متناول الجميع ويؤدي إلى نشر الكتب والجرائد والمجلات, وكذا ترجمة أمهات الكتب الأجنبية لتلك اللغة. ولقد نصت اللائحة الأساسية للجمعية في ديباجتها على تلك الروح بالقول "إن كل الأمم المستنيرة أصبحت متحضرة بالكتابة بلغتها الخاصة . . وكل أمة لا تكتب بلغتها, ولا تملك أعملاً بلغتها فإنها تعيش في ظلام وبربرية . . والألبان لا يكتبون بلغتهم وليست لديهم أعمال بلغتهم فإنهم والحال كذلك في حالة ظلام وبربرية.

لقد كان موضوع الإتفاق على مستوى معين في التعبير اللغوي يتضمن بطبيعة الحال إختيار لهجة محلية أو أحد اللهجات المحلية الأكثر شيوعاً بين الناس لتكون أساساً للإختيار. وعلى هذا اخذ الباحثون المحليون والأجانب يتبارون فيما بينهم لتقديم الشكل المناسب للغة مشتركة. وكان من الطبيعي والحال كذلك أن كل واحد من أولئك الباحثين يفضل اللهجة التي يتكلمها أو الأقرب إليه في التعامل. وبعد كثير من الجدل والمناقشة بينهم تم عقد مؤتمر في بيتولا في نوفمبر 1908 حيث تقرر الأخذ بالأبجدية اللاتينية لكتابة اللهجة الألبانية, وهو القرار الذي واجه معارضة كبيرة وخاصة بين المسلمين في شمال البلاد الذين كانوا لا يزالون يفضلون "حروف لغة القرآن", بل إن جماعة تركيا الفتاة التي كانت تحكم الدولة آنذاك وقفت بشدة ضد إتخاذ الأبجدية اللاتينية. وفي مارس 1910 أعلن الصدر الأعظم "إن الحكومة تعتبر أن الرغبة في الأخذ بالأبجدية اللاتينية من جانب الألبان تمثل الخطوة الأولى للإنفصال عن الدولة العثمانية . . ويجب على الحكومة أن تعمل . . ولسوف تعمل ما في وسعها للحيلولة دون إتخاذ الأبجدية اللاتينية. وعلى هذا ورغم قرار الأخذ بالأبجدية اللاتينية لم يتوصل إلى لغة أدبية مشتركة بين الكتاب آنذاك.

وكان التعليم في بلاد الألبان مشكلة أخرى كبيرة ذلك أن عدداً قليلاً من المدارس الألبانية يتم التدريس فيها بالألبانية. وكما كان الحال في بلاد البقلان الأخرى في مطلع القرن كان التعليم المتاح تعليماً دينياً: إسلامي أو أرثوذكسي أو كاثوليكي. والمدارس الإسلامية التي كانت الحكومة العثمانية تدعمها لم تكن فقط دينية في مقرراتها بل كان التدريس فيها يتم بالتركية, وكان غرضها الأساسي توحيد المسلمين ضد جيرانهم المسيحيين وجعلهم رعايا مخلصون للدولة العثمانية. وأما المدارس الأرثوذكسية فقد كانت لها أغراض أخرى إذ كان التدريس فيها يتم باليونانية ومن ثم كانت وسيلة للسيطرة الثقافية الهللينية. والحاصل أن كلا من الحكومة العثمانية والبطريركية الأرثوذكسية-اليونانية باستانبول كانتا تعارضان إقامة مدارس مدنية غير دينية في بلاد الألبان, إذ كانت السلطات ترى أن إنشاء هذا النوع من المدارس سوف يصبح أساساً للمطالبة في المستقبل بالإستقلال أو بالحكم الذاتي على الأقل. وأما البطريرك فكان يخشى أن تكون هذه المدارس مقدمة للمطالبة بإيجاد كنيسة أرثوذكسية البانية مستقلة وخاصة بعد تجربته المريرة مع إكسارخية بلغاريا.

وأما المدارس الكاثوليكية الألبانية فكان التدريس فيها يتم باللهجة المحلية على العكس من المدارس الإسلامية والأرثوذكسية. والحقيقة أن النمسا كانت تتمتع ببعض ميزات معينة في أنحاء الدولة العثمانية كان أحدها الإبقاء على المدارس والكنائس الكاثوليكية حي ثتوجد والمحافظة عليها. وقد قام الفرنسيسكان والجزويت بدورهم في تطوير وتنمية تلك المؤسسات, كما كان للإيطاليين الكاثوليك في الدوةل العثمانية مؤسساتهم الخاصة بهم. ومن ناحية أخرى كان للمدارس الإيطالية والنمساوية أهدافاً سياسية ودينية على السواء في أنحاء الدولة العثمانية حيث كانت تجعل من التعليم سلاحاً لفرض شخصيتهما القومية ومواجهة التأثيرات السلافية.

وبناء على تلك الأوضاع أصبحت الحاجة ماسة لإنشاء مدارس مدنية تحت رقابة ألبانية. وفي الحقيقة كانت ثمة مدارس من هذا النوع قد أقيمت بشكل سري في جهات ما في تحد سافر لرفض السلطات العثمانية والأرثوذكسية, ثم أقيم بعضها بعد أن نجح بعض أصحاب النفوذ من الألبان في الحصول على موافقة المسئولين العثمانيين في الوحدات امحلية. وهكذا إفتتحت أول مدرسة للبنين في كورشيه Korce (كوريتسا Koritsa) عام 1885 تبعتها مدرسة للبنات في 1891 لكن سرعان ما أغلقت هذه المدارس جميعاً بأوامر من الحكومة العثمانية وأصبح الموقف صعباً في ضوء إستمرار معارضة السلطات والحكومية والدينية (البطريركية) لإقامة مثل هذه المدارس. فقد قررت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية "الحرمان من رحمتها" للتلاميذ الذين يلتحقون بتلك المدارس الجديدة. وتشددت الحكومة العثمانية أكثر وأكثر في فرض القيود على "التعليم الألباني" , ففي 1902 وعلى سبيل المثال منعت حيازة الكتب المكتوبة بالألبانية, ومنعت إستخدامها في المراسلات وظل الموقف هكذا دون تحسن حتى قيام ثورة الإتحاد والترقي (يولية 1908) التي وافقت أولاً على تعليم "اللغة الألبانية" في المدارس الإبتدائية والثانوية, وعلى إفتتاح مدارس ومؤسسات أخرى ثانياً.

ومن الملاحظ أن ذلك النشاط التعليمي الذي أشرنا إليه يلقى تشجيعاً وتحمساً من الألبان الذين كانوا يعيشون في كل من إيطاليا ومصر واستانبول ورومانيا وبلغاريا والولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من إختلاف كل مجموعة ألبانية عن غيرها في تلك البلاد من حيث الخطط الإستراتيجية والأهداف, إلا أن رغبتهم جميعاً كانت واحدة في تشجيع تنمية الشعور القومي الألباني وتقويته. وفي هذا الإطار قام الألبان في كل تلك البلاد بغصدار كتب وصحف ومجلات, وحملوا قضيتهم القومية إلى الخارج, ونجحوا في حشد بعض قطاعات مؤثرة من الرأي العام الأوروبي بجانبهم.

ورغم هيمنة الأنشطة الثقافية التي كان الألبان بها هنا وهناك وخاصة بعد تصفية الرابطة الألبانية في 1881, إلا أنها لك تكن كافية لتحقيق القومية الألبانية لكن الذي جعل شرارة القومية تزداد إشتعالاً في السنوات التالية أحداث ثورة كريت في 1897 عندما إستخدمت السلطات العثمانية قوات ألبانية لقمعها, فعند نهاية معارك الثورة إنتهزت القوات الألبانية الفرصة وقد إمتلكت السلاح الذي منحتهم إياه الحكومة العثمانية, وأعلنت عن مطالبها السياسية ورفضت تسليم السلاح . . وهكذا وقعت الفوضى والإضطرابات.

وفي تلك الأثناء كانت مشكلة مقدونيا تمثل الصعوبة الأكبر أمام السلطات العثمانية, ذلك أن بلغاريا واليونان والصرب تجاهلت كثيراً كما سبقت الإشارة وجود أغلبية ألبانية وتركية في أنحاء مقدونيا كانت لها مصالح مشتركة في مقاومة دويلات البلقان المسيحية وهو الأمر الذي عمل الباب العالي على إستغلاله. ولكن ورغم دعم السلطات العثمانية للألبان في هذا الشأن, إلا أن زعماؤهم وقفوا عند حدود مصالحهم الخاصة ولم يتعاونوا مع الدولة العثمانية. وعلى هذا وفي ظل الفوضى التي سادت المنطقة قبيل ثورة "الإتحاد والترقي" بنحو عشر سنوات كان يبدو للمراقب أن الألبان يحاربون أحياناً من أجل مصالح الدولة العثمانية, لكن عندما تصبح الظروف مواتية لهم كانوا يتصارعون مع الدولة من أجل توسيع نطاق حكمهم الذاتي, ولم يقفوا مع القوميين المسيحيين في جبهة واحدة ضد الدولة العثمانية.

لقد كان نجاح ثورة الإتحاد والترقي (يوليو 1908) باعثاً للأمال الكبرى بين القوميين الألبان ذلك أن كثيراً منهم كان له نصيب في تنظيم الثورة بما فيهم إسماعيل كمال, وكانتت بيتولا أحد المراكز الرئيسية للثورة. وكان برنامج الإتحاد والترقي محل ترحيب شديد بين الألبان بطبيعة الحال لأنه يركز على إعادة العمل بدستور 1876, واللامركزية, وحقوق غير الأتراك في البلاد, وإفتتاح مدارس ألبانية. وعلى هذا الأساس تكونت الجمعيات والروابط القومية, وتم إنتخاب 26 ألبانيا في البرلمان التركي الجديد, ولم تحدث معرضة حقيقية للنظام الجديد في تركيا إلا من كوسوفو في الشمال حيث ظل البكوات المحافظين على ولائهم السلطان يدافعون عن الحقوق والإمتيازات التي يتمتعون بها في البلاد عبر التاريخ. ولكن بعد أن فقدت تركيا بلغاريا والبوسنة والهرسك إنقلب الحكم الجديد على البرنامج الذي أعلنته جماعة الإتحاد والترقي وأخذ يعمل على فرض إدارة تركية تورانية مركيزة, فتم إغلاق المدارس الألبانية الطابع, ومنعت الروابط القومية, وتم حظر إصدار الصحف, بل عملت الحكومة على إشاعة إنطباع لدى الرأي العام الخارجي بأن الشعب الألباني لا يريد الحكم الذاتي.

وبناء على هذا التحول في سياسة حكومة الإتحاد والترقي وقف القوميون الألبان والعناصر المحافظة في الشمال (كوسوفو) ضد تلك السياسات الجديدة. وكانت كوسوفو مركز المقاومة الرئيسي حيث نظم السكان أنفسهم لحماية حقوقهم التقليدية, وعارضوا دفع الضرائب المقررة وإجراءات التجنيد الإجباري. وعلى هذا وفي مارس 1910 دفع الباب العالي بقوة عسكرية لكوسوفو. ولعل أوضح علامات المرارة التي نمت بين الألبان فرار حوالي عشرة آلاف ألباني إلى الجبل الأسود المسيحي السلافي. وهكذا وبينما كان القتال يجري بضراوة في الشمال (كوسوفو) كانت المقاومة تحدث في الجنوب, وظل الألبان متمسكون بهدفهم في تحقيق الحكم الذاتي في إطار الدولة العثمانية. ولما أدركت حكومة الإتحاد والترقي إستحالة قمع حركة الألبان بالقوة غيرت موقفها . . ففي مارس 1911 تقرر إعادة فتح المدارس الألبانية, والموافقة على إتخاذ الأبجدية اللاتينية أساساً لكتابة اللغة الألبانية ولكن الحكومة أصرت في الوقت نفسه على بقاء تحفيظ القرآن بالحروف العربية وفقاً لما سبق تقريره في عام 1869. وهكذا وبعد ثلاثة عقود من الجهود المتواصلة أصبح للألبان مدارسهم الخاصة, وأصبح لهم الحق في إستخدام لغتهم في التعليم والكتابة. ولكن على الرغم من أن أهالي الشمال وأهالي الجنوب قد عملوا سوياً ضد الحكومة العثمانية-التركية لبلوغ أهداف معينة, إلأ أنهم لم يتفقوا على إتخاذ سياسة قومية مشتركة أو إختيار زعامة مشتركة مقبولة من الجميع.

ثم جاء القرار الأخير بشأن المسألة الألبانية كنتيجة لحالة الحرب الطويلة التي بدأت الدولة التركية تواجهها عام 1911, ففي سبتمبر من ذلك العام بدأت الحرب مع إيطاليا في طرابلس الغرب (ليبيا), ودخلت دويلات البلقان في مفاوضات مشتركة لتكوين "عصبة البلقان". ولكي تدعم الحكومة التركية الجديدة وضعها في الداخل ولمواجهة التهديدات الخاصة بشكل أفضل بادرت بغجراءات إنتخابات جديدة للبرلمان إنتهت بحصول أنصارها على 215 مقعداً من أصل 222 مقعداً. وهذه الأغلبية التي حصلت عليها الحكومة كانت نتاجاً لعملية التخويف والإرهاب والوزير التي مارستها مما عجل بالوقيعة والإنقسام بين جماعة الإتحاد والترقي وأعوانهم من الألبان, حتى لقد أصبحت ألبانيا جميعها في أغسطس 1912 في ثورة مفتوحة ضد السلطات التركية. ورغم نجاح الألبان في إحراز مكاسب عسكرية سريعة إلا أن زعماءهم ظلوا منقسمون بشأن الأهداف النهائية للثورة. فبينما كان بعضهم يفضل العمل على إرجاع السطان عبد الحميد الثاني وإستعادة نظاك الحكم السابق على ثورة الإتحاد ووالترقي, كان البعض الآخر يرغب في تفعيل نصوص دستور 1876. وواصلت الأغلبية متابعة طريقها نحو تحقيق هدف الحكم الذاتي المراوغ الذي يشتمل على وضع شروط محددة لوحدة الولايات الأربع, وإيجاد إدارات قومية منفصلة, ومراقبة الضرائب المحلية والنفقات, وجعل اللغة الألبانية لغة رسمية, وحق حمل السلاح للجميع. وفي سبتمبر 1912 وافقت الحكومة التركية على المطالب الأساسية من حيث المبدأ ولكن وقبل أن تصدر القرارات التنفيذية لتلك المطالب إندلعت الحرب البلقانية الأولى في أكتوبر. وعند ذاك أدركت كل الفرق الألبانية التنمافسة والمتناحرة أن هدف إنقاذ بلادهم أصبح محل خطر كبير, بل إن بلادهم قد تخضع للتقسيم بين جيرانهم من السلافيين واليونانيين.

في البداية كان الزعماء الألبان يتمسكون بالهدف القديم ألا وهو إقام حكومة ذاتية في إطار الدولة العثمانية, ولكن عندما أحرزت دويلات البلقان إنتصارات أولية في المعارك ضد الأتراك, وبدا أن الدولة قد تفقد كل ولاياتها التابعة في البلقان, تحول زعماء الألبان إلى المطالبة بالإستقلال التام وإنضموا إلى هؤلاء الذين ينادون بالإنفصال عن الدولة العثمانية بعد أن كانوا يدافعون عنها. وعلى هذا وفي 28 نوفمبر 1912 إنعقدت جكعية قومية من 83 مسلماً ومسيحياً في مدينة فلور Vlore (فالونا Valona) وأعلنوا إستقلال ألبانيا, وإنتخبوا إسماعيل كمال رئيساً, ويتم تعيين مجلس وزراء من مسلمين ومسيحيين. ولكن تلك الخطوة لم تكن مجدية أمام تهديد بلغاريا واليونان والصرب والجبل الأسود الذين كانوا يطمعون في إقتسام أراضي ألبانيا, وأيضاً أمام العجز عن الحصول على تأييد بعض القوى الكبرى.

وفي الواقع الأمر كانت إيطاليا والنمسا تطمعان في ضم أجزاء من ألبانيا, وإيقاف توسع جيرانها السلاف فيها. فإذا تمكنت إيطاليا من ضم ألبانيا يصبح مجرى نهر أوترانتو Otranto الذي يبلغ عرضه خمسون ميلاً في أراضيها, ويصبح البحر الإدرياتي بحراً إيطاليا صرفا. أما إذا حدث العكس وفرضت النمسا نفوذها بطريقة أو بأخرى فإنها تضمن ممراً بحرياً آمناً لأسطولها في مضايق البوسفور والدرنيل. وعلى هذا ونظراً لإدراك كل من إيطاليا والنمسا لأهمية ألبانيا شرعتا بعد مؤتمر برلين (1878) في العمل من أجل فرض السيادة عليها. وتحقيقاً لهذا الغرض عملت إيطاليا على إستخدام الجالية الألبانية الضخمة التي تعيش على أراضيها, لكن توظيف هذا العامل كان يضعفه أن أغلب هذه الجالية كانوا من الكاثوليك أو من أنصار مذهب الطبيعة الواحدة Uniate وبالتالي لم يكونوا محل ثقة تامة من المسلمين والأرثوذكس. أما النمسا فقد إتجهت أكثر لجذب المثقفين الألبان إلى جانبها, وكانت قادرة على إكتساب تعاطف بعض المسلمين رغم روابطها مع الكنيسة الكاثوليكية حتى لقد طالب بعض صفوة الألبان عقب إندلاع حرب البلقان الأولى بقليل بوضع بلادهم تحت حماية النمسا في حالة إنهيار الدولة العثمانية. ومن ناحية أخرى تسارعت إيطاليا والنمسا لكسب ود الألباننن بالعمل على فتح المدارس والمستشفيات والملاجئ, وإجتهد العلماء في كل من الدولتين بدراسة الشؤون الألبانية, وبتثقيف عامة الناس بالهمية الإستراتيجية لمنطقة ألبانيا.

أما القضايا الرئيسية في المنطقة التي كانت محل تسوية بعد إنتهاء حروب البلقان فقد سبقت الإشارة إليها, وكانت تتلخص كما رأينا في أن الصرب تسعى للحصول على ميناء على البحر الإدرياتي لكي تتلخص من سيطرة النمسا على إقتصادياتها, وكان ميناء دوريس في شمال البانيا يحقق هذا الغرض, وإذا ما فقدت ألبانيا هذه المدينة وما جاورها فإن دولة ألبانيا التي قد تنشأ في المستقبل ستكون عاجزة وتواجه أزمات طاحنة. ولهذا فإن عزمت النمسا على إبقاء الصرب دولة داخلية برية لا منفذ لها على البحر, ووقفت ضد محاولة الجبل ألأسود الإستيلاء على مدينة شكودر وأراضي ألبانية أخرى. وأما إيطاليا فقد كانت راغبة في كبح جماح توسع الدول السلافية فضلاً عن أنها كانت معنية بخطط اليونان تجاه جنوبي ألبانيا, وتعرض ميناء فلور وجزيرة سازينو Saseno للتهديد وهما على الضفة الشرقية لمضيق أوترانتو. لكل تلك الإعتبارات وقفت إيطاليا والنمسا في جبهة واحدة صلبة ضد رغبة دول البلقان في إيجاد دولة ألبانية مستقلة وفق حدود عرقية معينة.

والحقيقة أ، روسيا كانت الدولة الوحيدة بين القوى بن القوى الكبرى التي أبدت إهتماماً جاداً بالمسألة الألبانية فقد كانت متعاطفة مع مطالب الدول السلافية في البلقان وخاصة رغبة الصرب في الحصول على ميناء على الإدرياتي, وكانت فرنسا تساندها في مواقفها بشكل عام, على حين أخذت إنجلترا والماناي موقفاً حيدياً. وفي أثناء مؤتمر السفراء في لندن الذي حسم المسألة سادت وجهة نظر إيطاليا والنمسا في الموضوع, ومن ثم إتفقت الدول الكبرى في ديسمبر 1912 على الإعتراف بقيام دولة ألبانية . . وبهذا أعلنت آخر دولة بلقانية في 1913.

وكانت الخطوة الأخيرة من جانب الدول الكبرى العمل على رسم حدود الدولة الجديدة مثلما حدث في باقي دول البلقان, وتقرير شكل حكومتها, وإختيار حاكمها. والحقيقة أ، موضوع الحدود كان مسألة معقدة, فالزعماء الألبان يتطلعون إلى أن تكون الحدود على أسس عرقية, وقد ساندتهم في هذا إيطاليا والنمسا. وأما روسيا فكانت على العكس تريد أن تمنح الصرب والجبل الأسود بعض الأراضي التي تطالبان بها رغم وجود ألبان يعيشون فيها. وأما الصرب فقد ظلت متمسكة بالحصول على مخرج على البحر الأدرياتي, والجبل الأسود كانت ترغب في الحصول على مدينة شكودر. ولقد كانت المفاوضات في هذه الموضوعات دقيقة وطويلة حيث تناولت موضوع وجود قوات من الصرب والجبل الأسود في المناطق محل التفاوض, ولم تنسحب هذه القوات إلا بعد أن هددت النمسا بالحرب. وفي المقابل وافقت النمسا مكرهة على التخلي للدول السلافية عن مدن بيش Pec (Ipek), وبريزرن, ودياكوفيكا Djakovica (Gjakove), وديبار Debar (Diber). وبهذا تم إخراج عدد كبير من الألبان من ديارهم القومية.

وبينما رسمت الحدود الشمالية والشرقية لألبانيا على حساب مصالحها القومية فإن حدودها الجنوبية مع اليونان كانت عادلة, فقد كانت اليونان ضم جنوبي ألبانيا (المعروفة في المصطلح اليوناني بشمال إيروس), وضاحيتي جياروكاستر Gjirokaster (أرجروكاسترو Arggrokastro), وكورشيه Korce وتبلغ مساحتها 2800 ميلاً مربعاً تضم خليط من المسلمين والأرثوذكس. ولما كانت الدول الكبرى قد قررت أن ترسم الحدود وفق الأساس القومي فإن اللجنة المسئولة عن رسم الحدود خصصت معظم الأراضي محل النزاع لألبانيا الأمر الذي أدى إلى ترك حوالي 35 ألف يوناني يعيشون تحت حكم أجنبي ومثلهم من الألبان يعيشون تحت حكم اليونان. ورغم عدم رضا كل من اليونان والصرب والجبل الأسود لم عن تلك التسوية النهائية للحدود, إلا أن الحدود التي رسمت في 1913 ظلت دون تغيير جوهري.

أما المشكلة التالية وهي مشكلة تكوين حكومة ألبانية فلم تكن محل جدل دولي أي بين القوى العظمى, فقد رأس إسماعيل كمال حكومة مؤقتة تم تشكيلها في نوفمبر 1912 لمدة عام لم يمر دون صراع ومعارضة من الزعماء السياسيين المتنافسين كان في مقدمتهم وكثرهم أهمية إسعد باشا التوبتاني Toptani وهو أحد أفراد عائلة كبيرة في تيرانا Tirana لها مكانتها, إذ تحدى ومعه أتباعه الحكومة الجديدة المؤقتة. كما قاومها الألبان المنشقون في جنوبي كورشيه بدعم من اليونان, فضلاً عن أن أمراء الإقطاع في أنحاء البلاد لم يكونوا على إستعداد للتنازل عن حقوقهم وإمتيازتهم القديمة لأي حكومة سواء أكانت عثمانية أو ألبانية. وكان من شأن هذه المواقف أن تجعل إقامة إدارة قانونية نظامية أمراً مستحيلاً. وأمام هذا قامت الدول الكبرى في أكتوبر 1913 بتعيين هيئة مراقبة دولية لإدارة شؤون البلاد وإستقال إسماعيل كمال من رئاسة الحكومة المؤقتة في يناير 1914.

وفي أبريل 1914 إنتهت الهيئة الدولية التي إنضم إليها أحد الألبان من وضع مشروع دستور تقرر بمقتضاه أن تكون ألبانيا إمارة ذات سيادة تضمن الدول الكبرى حيادها, ويتألف المجلس التشريعي فيها بواقع ثلاثة نواب من كل سبع أقسام إدارية بالإنتخاب العام, ويقوم الأمير الحاكم بتعيين عشرة نواب بمعرفته بالإضافة إلى رؤساء طوائف المسلمين والأرثوذكس والكاثوليك ومدير البنك الأهلي بحكم وظائفهم, وأنتكون مدة الدورة البرلمانية أربع سنوات وللأمير حق تعيين مجلس لوزراء الذي يكون مسئولاً أمامه. وهكذا حددت الدول الكبرى مرة أخرى شكل الحكم والحكومة لدولة بلقانية جديدة.

وعند إختيار الأمير الذي سوف يحكم إمارة ألبانيا إتجهت القوى العظمى إلى المانيا كما حدث من قبل في حالة اليونان ورومانيا وبلغاريا. وعلى هذا وفي مارس 1914 قدم إلى ألبانيا ويليام الفيدي Wiliam of Wied وكان كابتن في الجيش الألماني في الخامسة والثلاثين من العمر وإبن عم اليزابيث ملكة رومانيا. وبعد ذلك بنحو ستة أشهر وبعد إندلاع الحرب العالمية الأولى بقليل غادر الإمارة ولم يعد. وسرعان ما تبين أن الصعوبات التي تواجه جكم الإمارة الجديدة لا يمكن تذليلها, فقد كان تذليلها, فقد كان الأمير يفتقد الخبرات الإدارية اللازمة وأثبت ضعفه ف يقيادة الأمور. وبصرف النظر عن ضعفه ونقص خبراته فالحقيقة أ، مشكلات ألبانيا قبيل الحرب كانت أكبر من أن يتعامل معها أي حاكم حتى ولو كان موهوباً, فضلاً عن أن الرجل كان يعاني كثيراً من النظر إليه بغعتباره ألعوبة في يد النمسا وخاصة من جانب إيطاليا التي تآمرت ضده علناً وبدعم من بعض الألبان الذين كانوا يرون أنفسهم أحق بعرش البلاد. كما تبين أيضاً ضعف مجلس الوزراء في إدارة شؤون البلاد, فقد كان يرأسه أسعد التوبتاني المتنافس الطموح وكان يتولى في الوقت نفسه وزراتي الداخلية والدفاع وهما وزرتان لهما أهميتهما الإستراتيجية. وبدلاً من أ، تهدأ عواطفه وطموحاته بهذه المناصب نجد أن صلاحياته الوزراية أعطته الفرصة لكي يتآمر ضد الأمير حيث أخذ يرعى خصومه في طول البلاد وعرضها. وكان الأمير من ناحية أخرى قد ضم لحكومته مندوبين عن طبقة الإقطاعيين الأمر الذي ترتب عليه إبعاد صغار المثقفين عن دائرة الحكم رغم أنهم هم الذين تولوا حركة الدعوة إلى الحكم الذاتي لألبانيا ثم الدعوة إلى إستقلالها التام. وفي شمال البلاد تجدد الصراع التقليدي بين المسلمين والكاثوليك . . ولو أن الأمير وليام كان قد تمتع بسنوات من الهدوء والسلام لكان بإمكانه التغلب على تلك المشكلات ولكن الذي حدث أن الظروف لم تكن مواتية وكان يتعين إنتظار إنتهاء الحرب العالمية الأولى لكي تأسس في ألبانيا حكومة مستقرة وحدود نهائية معترف بها.

على كل حال . . فرغم إنهيار أول حكومة ألبانية شهدت البلاد خلال السنوات الستة والثلاثين بعد مؤتمر برلين 1878 تغييرات كثيرة. فقد كان تاريخ ألبانيا عبارة عن إنقسام بين ولاءات إقليمية,وتطاحن بين عقائد دينية مختلفة, وتناحر بين مجموعات بيم مجموعات سياسية متنافسة. ثم توارت هذه الخصومات جانباً أمام خطر التقسيم الذي كان يهدد البلاد. وخلال تلك الفترة توارت أيضاً المصالح المحلية التي كانت تفرض نفسها على الجميع طوال عدة قرون لحساب إعتبارات أكبر أحاطت بكل الألبان. وقد دعت ضرورة التعاون للدفاع عن البلاد كل الألبان من مختلف الجهات لكي يعرف بعضهم بعضاً. وجاءت قيادة الحركة القومية من كل إقليم قوامها مجموعات إجتماعية وإقتصادية مختلفة ومن كل أصحاب المذاهب الدينية الثلاثة (مسلمون وكاثوليك وأرثوذكس). ورغم أشياء كثيرة كانت تنقص الحركة القومية إلا أن جهود الألبان إنتهت بتأسيس دولة مستقلة ووضعت أساس التطورات التي حدثت بعد الحرب العالمية الأولى.

الفصل الخامس عشر: قوميات البلقان في إمبراطورية النمسا والمجر

مع اليقظة القومية في أنحاء الإمبارطورية العثمانية وتنامي الفكرة القومية بقوة في شرقي أوروبا, كان من الطبيعي أن تطفو على السطح مشكلة مصير النمسا وهي إمبراطورية متعددة القوميات. ففي مطلع القرن التاسع عشر كانت تلك الإمبراطورية تحت حكم أسرة الهاسبورج عبارة عن تجمع من عدة أقاليم يختلف كل منها عن الآخر في المساحة وعدد السكان والتقاليد والثقافة والإقتصاد واللغة. وكانت هذه الأسرة قد ضمت تلك البلاد على مدى سنوات طوال بطريقة أو بأخرى مثل الميراث أو المصاهرة أو الدبلوماسية أو بالحرب. وتقلبت حدودها وتذبذبت من قرن لآخر حتى لقد شملت في فترة ما لإمبراطورية أسبانيا العظمى في العالم الجديد (أمريكا الجنوبية). ولقد كانت الأسرة نفسها رمز وحدة الإمبراطورية, وكان مركزها قد أصبح قوياً بلا منازع من خلال الحروب الكبيرة التي دخلتها ضد العثمانيين خلال القرون 16-18 حيث كانت الأسرة تمثل المركز الأمامي في خط الدفاع عن المسيحيين ضد الأتراك. وقبل القرن الثامن عشر كان وزن الحكومة المركزية والبلاط الملكي يقع في الأطراف البعيدة مع فترات إستثناية قليلة. وكانت الأسرة تهتم بالجيش وبالسياسة الخارجية تاركة مجتمع الريف لسيطرة النبلاء. وفي القرن الثامن عشر وأثناء حكم ماريا تريزا وجوزيف الثاني حدثت محاولة لوضع نظام إداري واحد في البلاد, بحيث تكون الألمانية لفة الحكومة, ولكنها واجهت مقاومة شديدة كتلك التي واجهت الولة العثمانية حين فكرت في فرض بعض الإصلاحات في الدولة.

وفي القرن التاسع عشر كان يعيش بين ظهراني الإمبراطورية النمساوية أحد عشر قومية كل منا تختلف عن الأخرى إختلافاً كبيراً في النفوذ والتقاليد. والذين كانت لغتهم هي لغة السياسة والأدب في الحكومة والمجتمع وطالما أمدوا الجهاز الحكومي والجيش بالعناصر اللازمة على مدى التاريخ. ويليهم المجريون الذين كانوا يتمتعون بالكبرياء القومي والوعي بذاتيتهم وكانوا قادرين دوماً على المحافظة على سيطرتهم على أقاليمهم الخاصة تاريخياً والتي كانت تعرف بأراضي تاج القديس ستيفن وتضم عدداً كبيراً من الرومانيين والسلوفاك وسلاف الجنوب. ويلي الجرمان والمجريون في المكانة والنفوذ كل من التشيك, والبولنديين, والكروات, والإيطاليين ولكل منهم أهمية معينة داخل الإمبراطورية. وفي قاع السلم الإجتماعي يأتي السلوفاك والصربيين والسلوفينيين والرومانيين والروثينيين Ruthenians. ويلاحظ أن التراتب القومي لكل شعب من تلك الشعوب إنعكس على وضعه الإجتماعي, فبينما كان الكروات يمثلون في السلم الإجتماعي طبقة وسطى وأخرى ارستوقراطية, كان الصربيون والرومانيون والسلوفينيون فلاحين في عمومهم.

ومن بين شضعوب إمبراطورية النمسا الذين كانوا أكثر تأثراً بما يجري في الإمبراطورية العثمانية أولئك الذين كانت تربطهم ببعض روابط عرقية وهم كل من الرومانيين وسلاف الجنوب الصربيين والكرواتيين. فالرومانيين يعيشون في ترانسلفانيا بشكل أساسي لكن لهم وجود في بوكوفينا وبانات. ولغتهم وقوميتهم تتطابق مع سكان ولاشيا ومولدافيا. وأما سلاف الجنوب فكان موقفهم أكثر تعقيداً فالسلوفينيون يعيشون أساساً في كارنيولا Carniola, وستيريا Styria وهم كاثوليك وفلاحون ويتكلمون لغة اللساف الغربيين غير المفهومة لمعظم الصربيين والكروات. وأما الكرات فكانوا يعيشون أساساً في دلماشيا وكرواتيا وسلافونيا Slavonia والبوسنة والهرسك التي إحتلتها النمسا 1878 وهم كاثوليك ويتكلمون اللغة التي يتكلمها الصرب ولكن بحروف لاتينية. ودلماشيا عبارة عن أرض تابعة للبندقية إستولت عليها النمسا في 1797 وسكانها من الفلاحين الكروات أساساً لكن المدن كانت تضم عدداً كبيراً من الإيطاليين من الطبقة الوسطى. وفي كل من كرواتيا وسلافونيا كروات نبلاء وطبقة وسطى وفلاحون. وأما الصرب الإمبراطورية فكانوا يتركزون أساساً في فويفودينا على حدود كرواتيا وفي البوسنة والهرسك, وهم أرثوذكس شأن أقرانهم في بلاد الصرب ويستخدمون الأبجدية السيريلية Cyrillic في الكتابة (السيريلية أبجدية أخترعها القديس سيريل ولا تزال أشكالها الحديثة تستعمل في الصرب وبلغاريا والإتحاد السوفييتي سابقاً – المترجم).

ولقد ظلت سلوفيينا Slovenia ودلماشيا وبوكوفينا على علاقات وثيقة مع أسرة الهاسبورج والحكومة النمساوية. وبصرف النظر عن الجدل السياسي القومي الذي كان قائماً في القرن التاسع عشر في الدولة, إلا أن مراكز الحركات القومية المحلية كانت توجد في ترانسلفانيا وكرواتيا-سلافونيا, وهي مناطق كانت ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالمجر خلال العصور الحديثة, وكانت ضمن أراضي تاج القديس ستيفن, ولم يكن يدور بين صفوة أهلها منازعات سياسية حادة حول العلاقة مع أسرة الهاسبورج وحكومة النمسا كتلك التي كانت تحدث بين صفوة المجر. ومثلما كان يحدث في إمارات البلقان عندما كان اللساف والرومانيون يعملون على التخلص أولاً من الثقافة اليونانية وهيمنة اليونانيين السياسية في إمبراطورية النمسا كان الصراع خلال الفترة محل دراسة ضد المجر التي كانت تعمل على فرض القومية المجرية على ترانسلفانيا وكرواتيا-سلافونيا. فإذا علمنا أن زعماء المجر في القرن التاسع عشر كانوا يهتمون بشكل رئيسي بالحصول على حقوق كاملة في الحكم الذاتي من أسرة الهاسبورج أدركنا كيف أن صراع ثلاثي الأبعاد كان يحدث قوامه حكومة النمسا والمجريون, والقوميات الأخرى التي كانت جزء من مجال المجر تاريخياً. وعلى هذا سوف نفرد الصفحات التالية للحديث عن الحركات القومية في الأقاليم الثلاثة: ترانسلفانيا, وكرواتيا, وسلافونيا. وبطبيعة الحال لن نناقش تطور إمبراطورية الهاسبورج بشكل عام أو موضوعات أخرى خارج نطاق المسألة القومية إلا إذا كانت تتصل بتكوين دول البلقان قومياً.

ترانسلفانيا

يتشابه تاريخ ترانسلفانيا السياسي في كثير من الوجوه مع تاريخ مقدونيا من حيث التعقيد والصراع الذي كان يدور من أجل السيطرة عليها بين سكانها من الرومانيين والمجريين. ومعظم أصول تلك المشكلات والعلاقات تعود إلى العصور الوسطى, ففي نهاية القرن التاسع ظهر المجريون في أوروبا وغزوا البلاد التي أصبحت يعيشون عليها وأخذت إسمهم. وفي القرن التالي (العاشر) إستولوا على ترانسلفانيا, ثم إستقدموا قبائل الساكسون Saxons والمجرمان من منطقة الراين ليستقروا على الحدود وايكونوا بمثابة حرس لها, وفي القوت نفسه يعملون بالتجارة وبفلاحة الأرض حيث إزدهرت الزراعة بفضل مهارتهم. كما سكن المنطقة التشيك Szeklers وهم عناصر تمت بصلة قرابة للمجريين ويتكلمون نفس لغتهم. وقد تلقى الساكسون والتشيك مواثيق من ملك المجر يعترف بمقتضاها بأن كل منهم يمثل عشيرة Natio أي أمة بالمعنى السائد في العصور الوسطى, ولهم حق حكم أنفسهم في منطقتهم حكماً ذاتياً, ومن ثم كانوا يختارون "الكونت" الذي يدير شؤونهم والذي كان مسئولاً أمام ملك المجر, على حين كانت شؤون العباد تدار بمعرفة الدايت Diet أي البرلمان الترانسلفالي. وماأن جاء القرن الخامس عشر حتى كان هذا الأقليم الذي أصبح تحت سيطرة العناصر السكانية الثلاثة (الساكسون والتشيك والمجريون أنفسهم) قد أصبح دولة شبه مستقلة بإسم المجر. وبعد عام 1526 سقطت ترانسلفانيا والمجر في دي العثمانيين لكت الأقليم ظل محافظاً على وضعه الإنفصالي. ومن ناحية أخرى تركت الحروب الدينية التي أشعلتها حركة مارتن لوثر الإصلاحية آثارها في المنطقة, إذ نتج عنها أن الساكسونيين أصبحوا لوثريون, والمجريون إنقسموا بين كاثوليك وكالفينيين, والتشيك بين كاثوليك ولوثريين وأنصار الطبيعة الواحدة. وهكذا وفي نهاية القرن السادس عشر كان بالمجر ثلاثة قوميات تنقسم شعوبها بين اربعة مذاهب: الكاثولكية, والكالفينية, واللوثرية, ونصار الطبيعة الواحدة, وكل منها له نبيل معين يدير شؤونه الإقتصادية السياسية, وكاهن يتولى شؤون عقيدته الدينية.

وفي إطار تلك الترتيبات القومية والمذهبية في المنطقة لم يكن هناك مكان للكنيسة الأرثوذكسية أو للرومانيين رغم ضخامة عددهم حيث كانوا يمثلون أغلبية مطلقة في القرن الثامن عشر, وكان المؤرخون الرومانيون والمجريون يناقشون بحرارة مسألة أصل إستيطان الرومانيين في تلك المنقطة وأنه يعود إلى قرنين من الزمان. وبدون الدخول في عملية تقييم لتلك الأراء فإنه يمكن القول إن الرومانيين ينحدرون من الداشيين Daciansh ومن الرومان القدامى الذين إستوطنوا المكان وعاشوا بشكل مستمر في ترانسلفانيا منذ زمن بعيد, وأنهم أسبق من المجريين في المنطقة بعدة قرون. أما المؤرخون المجريون يقولون إن الرومانيين وصلوا إلى المكان في القرنين الثالث عشر والرابع عشر من جنوب الدانوب, وكانوا مجرد فلاحين فقراء يرعون الأغنام, وبالتالي لا يمكن إعتبارهم متساوون مع الثلاثة قوميات المميزة في المكان. والحقيقة أنه يصعب ترجيح أحد وجهتي النظر على الأخرى لكن تبقى الحقيقة الواضحة أن أغلبية الرتانسلفانيين من الرومانيين في القرن الثامن عشر لم يكونوا يتمتعون بحقوق سياسية,وكنسيتهم غير معترف بها.

وبمقتضى معاهدة كارلوفيتز Karlowitz 1699 (سرمسكي كارلوفيتش Sermski Karlovci) إستعادت النمسا ترانسلفانيا من الدولة العثمانية. وكان إمبراطور النمسا ليوبولد قد اصدر في 1691 وثيقة تحدد وضع ترانسلفانيا ظلت سارية المفعول حتى 1848 أكد فيها حقوق الثلاث قوميات والأربعة عقائد, وإعترف بالحكم الذاتي هناك. وفي 1722 تم الإعتراف بأن ترانسلفانيا جزء من أراضي التاج المجري مع إحتفاظها ببرلمانها (الدايت) ونظامها الإداري, وفي الوقت نفسه إحتفظ الإمبراطور والبلاط بالسيطرة السياسية المطلقة على الأقليم فهو الذي يعين حاكمها, ويختار أعضاء الدايت من أبناء الطبقات العليا في القوميات الثلاثة والعقائد الأربعة.

في إطار تلك الظروف السياسية لم يكن للرومانيين إلا فرصة ضئيلة للتقدم بشؤونهم كأحد التجمعات العرقية القائمة خاصة وأنهم كانوا يشكلون الشريحة الدنيا إجتماعية وإقتصادياً ومعظم الفلاحين يعيشون في إقطاعيات كبار الملاك ويعملون في إطار الإلتزامات الإقطاعية من حيث الضرائب والسخرة التي سبقت الإشارة إليها, فضلاً عن أنهم كانوا أميون وليست لهم مواقف سياسية إيجابية, بل كانوا مستسلمون للواقع شأنهم في ذلك شأن نظرائهم بين قوميات البلقان, وليست لهم أية حقوق سياسية. وفي عبارات أخرى فإن الوضع المتدني سياسياً للرومانيين في ترانسلفانيا يعود إلى طبيعة وضعهم الإجتماعي وأصولهم القومية والدينية.

والحقيقة أن الكنيسة الأرثوذكسية في ترانسلفانيا خطت خطوات كبيرة في بواكير الحركة القومية شأن ما حدث بين شعوب البلقان الأخرى, ذلك أن رجال الدين كانوا هم المجموعة الوحيدة المتعلمة بين الرومانيين, وكانوا يعانون من عدم الإعتراف بكنيستهم, وطغيان الكاثوليكية في أنحاء الإمبراطورية النمساوية بشكل عام. وفي مطلع القرن الثامن عشر قام آباء الكنيسة الأرثوذكسية بتوقيع ميثاق الإتحاد مع الكاثوليك وأسسوا الكنيسة الموحدة Uniate أملاً في تحسين وضعهم. ورغم خيبة أملهم في تحسين أوضاعهم بمقتضى هذا المثياق, إلا أن الكنيسة الجديدة قامت بدور قيادي فيما بعد في تطور الحركة القومية الرومانية. وكان أول متحدث رسمي عن حقوق الرومانيين في ترانسلفانيا الأسقف ايون اينوشنتي كلاين Ion Ionchentie Clain أسقف الكنيسة الموحدة من 1729-1751. وعندما عجز عن تحقيق أية مطالب قومية لشعبه من الدايت الترانسلفاني (البرلمان), لجأ إلى المسئولين في فيينا عاصمة النمسا وطلب منهم بصفة خاصة أن يكون الرومانيون قومية رابعة معترف بها جنباً إلى جنب المجريين والساكسون والتشيك, وإحتج على الاستغلال الذي يتعرض له الفلاحون. وبناء على هذا الموقف بدأت محاصرته والتضييق عليه حتى إضطر إلى مغادرة البلاد في منفى إختياري. ولكن في 1761 إضطرت حكومة النمسا إلى السماح بتكوين كنيسة أرثوذكسية بناء على حالة السخط والغضب التي عمت ترانسلفانيا, ولو أنها كانت كنيسة أقل مرتبة من كنائس العقائد والمذاهب الأخرى المميزة والمعترف بها داخل الإمبراطورية. وفي عهد الإمبراطور جوزيف الثاني تمت محاولة لتحسين وضع الفلاحين.

ولقد ظلت الكنيسة الموحدة (الجديدة) والكنيسة الأرثوذكسية مركز الحياةى الثقافية للرومانيين, وكانت القيادات الثلاثة الرئيسية في بداية الرحكة القومية قد تعلمت في مؤسسات الكنيسة الموحدة وهم جورج شينكاي Sincai, وبيتر مايور Maior, وصموئيل كلاين (ميشو Micu). وقد أسس هؤلاء الثلاثة ما ريعرف بالمدرسة الترانسلفانية التي سعت لبناء فكرة أن الرومانيين هم أحفاد الداشيين والرومان القدامى, وأنهم السكان الأصليون في المنطقة (ترانسلفانيا), بينما المجريون قدموا حديثاً إلى المنطقة منذ العصور الوسطى فقط. ومن ناحية أخرى كان إسهام جورج شينكاتي وصمويل كلاين في بناء اللغة الرومانية على جانب كبير من الأهمية, ففي 1780 نشرا أول أجرومية رومانية بعنوان "عناصر اللغة الداشية-الرومانية أو الولاشية", وأحكما عملية إحلال الأبجدية السلافونية السابقة بالحروف اللاتينية, وإجتهد في إستبعاد الكلمات غير اللاتينية منها. وتتشابه جهودهما في هذا الشأن مع جهود كل من أوبرادوفيتش Obradovic وكاراديتش Karadzic في الصرب. وفي 1812 أكمل مايور كتابه العظيم "تاريخ أصل الرومانيين في داشيا" ولقد إمتد تأثير هؤلاء الرجال إلى ولاشيا ومولدافيا حيث أثارت أعمالهم الحركة القومية.

على أن أهم وثيقة سياسية خاصة بالحركة الرومانية في القرن الثامن عشر الإلتماس الذي قدم في 1791 إلى الدايت الترانسلفاني وعنوانه Valachorum Supplex Libellus وقد صاغه صمويل كلاين وقادة الرومانيون آخرون. وقد بينت الوثيقة تفسير الرومانيين لتاريخهم من وجهة نظرهم, وحددت مطالب بعينها تتلخص في الإعتراف بهم كقومية رابعة وتمثيلهم تمثيلاً نسبياً في كافة مستويات الإدارة في ترانسلفانيا. كما أبدى الموقعون على الوثيقة رغبتهم في الدعوة لمؤتمر قومي, وإطلاق الأسماء الرومانية على الأماكن التي تعيش فيها أغلبية رومانية, وهي مطالب رفضها الداين بسرعة. غير أن الوقت لم يكن مواتياً لإتخاذ إجراءات من أي نوع ذلك أن الإمبراطورية جميعها كانت في حالة إنتفاضة ضد الإجراءات الإصلاحية التي قام بها جوزيف الثاني فضلاً عن أحداث الثورة الفرنسية. ولاشك أن "الوثيقة" كانت تمثل برنامجاً قومياً ساندها الرومانيون وكذا الزعماء الدينيون.

وخلال السنوات التالية لم تحقق حركة الرومانيين القومية أي تقدم نحو أهدافها بل لقد واجهت أخطاراً متزايدة. ففي مطلع القرن التاسع عشر دخلت المجر في فترة حادة من المنافسة القومية لتحقيق هدفين إثنين, كان أولهما إقامة دولة موحدة ومركزية خارج أراضي التاج المجري, والثاني تحقيق الإستقلال التام عن النمسا. وكان الهدف الأول يعني بذل الجهود الممكنة لإستيعاب كل من السلاف والرومانيين والساكسون تحت ولاية إدارة مجرية أو بمعنى آخر "مجرتهم". وكانت الخطوة الأولى في هذا الإتجاه جعل اللغة المجرية لغة رسمية وحيدة في البلاد محل اللاتينية.

على أن هذه السياسة المجرية التي أصبحت أساس الصراع القومي فيما بعد كان لها ما يبررهاغ منطقياً في نظر المجريين, إذ كانت تعكس بشكل جوهري سياسة لويس كوسيوث Kossuth القائد المجري القومي العظيم في منتصف القرن, وبالتالي إذا إقتصر القوميون المجريون في برنامجهم على إقامة دولة مجرية على أساس العرق مثل الترانسلفانيون, والكروات, والسلافونيون, وأهالي فويفودينا, وسلوفاكيا. وبدون تلك الأراضي تكون المجر دولة فقيرة وضعيفة. أما إذا تم التمسك بكل أقاليم تاج القديس ستيفن فإنه يتعين إجراء بعض ترتيبات لإستيعاب القوميات الأخرى التي تمثل 50% من السكان بعيداً عن فكرة الحكم الذاتي لكل منها لتناقضها مع مشروع الدولةالمجرية القومية بشكل أساسي. وبالتالي فإن البديل الوحيد لتحقيق تلك الدولة هو "ميجرة" القوميات الأخرى عن طريق فرض اللغة المجرية على جميع القوميات في الإدارة والقضاء والتعليم, وكذا التجراة ومجال الأعمال. وقد ظلت تلك هي جوهر سياسة المجر حتى عام 1914 بإستثناء فترات معينة حدثتن فيها بعض المساومات والحلول الوسطى مثلما حدث خلال الفترة 1860-1866 وكان هذا يعني في النهاية أن على الرومانيين والسلافيين التغلب على تلك السياسة المجرية إذا ما أرادوا إحياء قوميتهم.

كان عام 1848 هو العام الحاسم بالنسبة للحركة المجرية, إذ إنهارت حكومة النمسا أمام الحركات الثورية التي إنتشرت في أحاء الإمبراطورية, ومن ثم أسس المجريون بدروهم حكومة منفصلة عن الحكومة المركزية ذات نظام دستوري تمشياً مع الأفكار الليبرالية لكن لم يرحبوا بهذا الإندماج. زعلى هذا تجمهر أربعون ألف روماني في مدينة بلاي Blaj ف يمايو 1848 في مكان يعرف "بأرض الحرية" وأعلنوا قرارات تدعو للإعتراف بالرومانيين كقومية منفردة, وبأن تكون الكنيسة الأرثوذكسية مؤسسة دينية على قدم المساواة مع الكنائس الأخرى, وأن يكون للرومانيين حق التمثيل النسبي في الدايت والإدارة, بل لقد رفض المجتمعون فكرة إندماج ترانسلفانيا مع المجر دون موافقة السكان.

غير أن الحكومة الثورية المجرية بقيادة كوسيوث لم ترفض فقط مطالب الرومانيين بل لقد رفضت أيضاً مطالب مشابهة تقدم بها الساكسون والصرب والكروات. وأمام رفض المجر وموقفهم المتصلب العنيد لجأ الزعماء الرومانيون إلى حكومة النمسا. ورغم أن النمسا كانت تواجه صعوبات كثيرة إلا أنها إهتمت بالوفد الذي جاء يعرض مطالب للرومانيين. ولأن النمسا لم ترفض مطالبهم فقد وقف الرومانيون وسلاف الجنوب إلى جانبها ضد ثورة المجر. وعلى هذا وعندما إقتحم الجيش النمساوي المجر في 1849 وجد تعاوناً من القوميات غير المجرية وكذا وجد الجيش الروسي التعاون نفسه عندما دخل المجر في يونية من العام نفسه لمساندة النمسا.

ومما زاد من خيبة أمل زعماء الرومانيين وسلاف الجنوب أن وضعهم السياسي لم يتحسن مع إخماد ثورة المجر وإستعادة النمسا لنفوذها هناك, بل لقد عملت النمسا على فرض إدراة مركزية على أنحاء البلاد عرفت بنظام باخ Bach Syste ففقدت ترانسلفانيا حقوق الحكم الذاتي وعادت لتكون تحت سيطرة النمسا مباشرة, في القوت الذي لم تعبأ كثيراً بالوفود التي كانت تترى إلى فيينا للإحتجاج بل وأهملت أيضاً الالتماسات التي كانت تقدم لها في هذا الشأن,وظلت الأهداف الرومانية كما هي: الإعتراف بالقومية الرومانية ضمن القوميات المعترف بها, وإقامة حكومة ذاتية لترانسلفانيا يتمتع الرومانيون فيها بوضع يتناسب معغ قوتهم غير المحدودة.

في تلك الأثناء كان الزعيم الروماني دون منازع هو الأسقف الأرثوذكسي آندريو شاجونا Andreiu Saguna الذي كرس جهوده لتحسين وضع الكنيسة الأرثوذكسية, ولتعليم الشعب الروماني. لكن ظلت العقية الرئيسية أمام هذه الكنيسة كما هي وتكمن في تخوف الكاثوليك من أن توجد مؤسسة أرثوذكسية قوية قد يؤدي إلى تدمير جهودهم في نشر الكاثوليكية بين الأرثوذكس من خلال الكنيسة الموحدة, فضلاً عن إعتراف بطريركية الصرب في كارلوفيتز التي يقع الرومانيون الأرثوذكس تحت تحت ولايتها. ومن ثم إنصرف شاجونا للعمل على تحسين مستوى تدريب رجال الدين ليكونوا أكثر قدرة على التأثير كمعلمين في المدارس التي إنتشرت وتوسعت بشكل ملحوظ آنذاك, فبعد عشر سنوات تقريباً تأسست حوالي خمسمائة مدرسة إبتدائية جديدة أضيفت للمائة القائمة. كما كان شاجونا مسئولاً أيضاً عن إنشاء مطبعة وإصدار صحيفة, وكان يؤيد حكم النمسا لترانسلفانيا بإعتباره أفضل من أ، تكون تحت حكم المجر.

وبحلول عام 1863 تمكن الرومانيون من تحقيق نجاح كبير في قضيتهم, ذلك أ،ه بعد هزيمة النمسا في 1859 في حرب الوحدة الإيطالية تخلت عن "نظام باخ" في ألوب الحكم, وعملت على إعادة الحكم في إعادة الحكم في الدولة إلى نوع من الشكل الدستوري. وكان هذا يعني بالنسبة لترانسلفانيا إعادة الدايت لنشاطه السياسي, وبالتالي إمكانية الرجوع إلى كل قومية من القوميات القائمة بما فيها الرومانيون لأخذ رأيها فيما يتعلق بالإصلاحات في المستقبل قبل إقرارها. لكن المجر عارضت بقوة تلك الإجراءات الجديدة التي إتخذتها النمسا على أساس أن الوحدة التي أعلنت في 1848 بينها وبين ترانسلفانيا لا تزال قائمة, وبالتالي ينبغي أن يكون لترانسلفانيا مجلس دايت خاص بها. وأجاب الرومانيون يساندهم كثير من زعماء الساكسون بأن تلك الوحدة لم تعد قائمة بهزيمة المجر في عام 1849, وبصدور "نظام باخ", ونجحوا في إستصدار قانون إنتخابي جديد محل قانون عام 1848 خصص للرومانيين ثلاثة نواب فقط في الدايت من إجمالي ثلاثمائة نائباً, فما كان من المجر إلا أن رفض الإشتراك في عضوية الدايت الجديد.

وبغياب المجريين عن الدايت الجديد أصبح بإمكان النواب الرومانيون والساكسون إصدار تشريعات لتغيير طبيعة الإدارة في ترانسلفانيا, وأعلن الرومانيون أن قوميتهم تتكافأ مع قوميات المجر والتشيك والساكسون. كما أخذت الكنائس الموحدة والأرثوذكسية نفس مكانة كنائس الأربعة مذاهب الأخرى, وأكثر من هذا فإن إمبراطور النمسا, وبفعل جهود الأسقف شاجونا وافق على فصل الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية عن البطريركية الصربية, ومن ثم تأسست أسقفية أرثوذكسية رئاسية في مدينة شبييو Sibiu وأسقفيات في كل من آراد Arad, وكارنسبيش Caransebes, وتم الإعتراف باللغة الرومانية جنباً إلى جنب الجرمانية والمجرية. وبهذا أصبح الرومانيون ولأول مرة في التاريخ الحديث متساوون مساواة قانونية مع باقي أهالي ترانسلفانيا.

غير أن تلك الإصلاحات لم تستمر طويلاً, ذلك أن المجريين يتمتعون بوضع قوي في أنحاء إمبراطوريسة النمسا, على حين أن وضع الحكومة المركزية في فيينا كان ضعيفاً. ولهذا وبسبب إمتناع المجريين عن التعاون مع أجهزة الدولة إضطر الإمبارطور فرانز خوزيف لتقديم تنازلات لهم, ففي 1865 تم إلغاء قانون إنتخاب دايت ترانسلفانيا, وعرض مشروع قانون جديد يخصص للمجريين الذين يمثلون 29% فقط من إجمالي السكان 89 مقعداً على حين أن الرومانيين الذين يمثلون أغلبية خصص لهم ثلاثة عشر مقعداً. وهذا الدايت هو الذي قام بالتصويت على وحدة ترانسلفانيا مع المجر ذلك القرار الذي قبله الإمبراطور.

وهكذا تحولت ترانسلفانيا التي كانت جزء من المجر لها جهازها الإداري وبرلمانها (الدايت) إلى محافظة مملكة المجر. وبينما كان الرومانيون في 1863 يشكلون أغلبية في ترانسلفانيا تتمتع بالمساواة مع سائر القوميات الأخرى, أصبحوا أقلية تمثل 15% من رعايا المجر. وأكثر من هذا أن مستقبلهم أصبح نظلماً في كثير من المجالات خاصة وأن جيلاً جديداً من الساسة المجريين تولوا شؤون الحكم وأخذوا يعملون على تنفيذ مبادئ كوسيوث من حيث "الميجرة".

وبعد هزيمة النمسا على يد بروسيا كما سبقت الإشارة أعادت النمسا تنظيم سياساتها طبقاً لتسوية "أوزجليخ" Ausgleich في 1867. وكانت لهذه الهزيمة عواقب وخيمة على كل من الرومانيين وسلاف الجموب فمنذ ذلك التاريخ إنقسمت إمبراطورية النمسا-المجر أو ما كان يعرف بالمملكة الثنائية إلى وحدتين كل وحدة تتميز عن الأخرى ولكن تحت حكم واحد أصبح يعرف بإمبراطور النمسا وملك المجر ولها سياسة خارجية واحدة وجيشواحد على أن يلتقي وفدان من كل وحدة دورياً لحل المشكلات المشتركة, ولكل وحدة حكومة خاصة لها الحرية في مباشرة شؤون الإدارة الداخلية. والحال كذلك أسرع الرومانيون وسلاف الجنوب الذين أصبحوا تحت حكم وحدة المجر التابعة بتقديم إلتماسات إلى حكومة النمسا لرفع المظالم التي أصابتهم من جراء سياسة حكومة المجر.

وبشكل عام لم تكن تسوية أوزجليخ سيئة من حيث المبادئ التي أقرتها, ففي 1868 أعلن برلمان المجر أن جميع مواطني المجر متساوون, وتقرر إلغاء أية ميزات خاصة تنفرد بها قومية دون القوميات الأخرى. كما صدر قانون القوميات الذي يعتبر أكثر التشريعات التي صدرت في دولة متعددة القوميات تقدمية على الإطلاق, إذ أعطى الحق لكل قومية في إستخدام لغتها الخاصة في كل أوجه حياتها الثقافية والسياسية . . في التعليم بالمدارس الإبتدائية والثانوية, وفي التقاضي أمام المحاكم, وفي البرلمان ومجلس الإقليم, كما تقرر أن يتعلم المسئولون الإداريون في كل إقليم لغة أهله, وأن يشغل غير المجريين وظائف إدارية وقضائية. غير أن الذي حدث أ، تلك الإصلاحات ظلت حبراً على ورق ولم تنفذ شأن الإصلاحات التي كانت تقررها الدولة الحديثة.

ومن سوء الحظ أن جيل المجريين الذين عبروا ببلادهم من هزيمة 1849 إلى إنتصار 1876 السياسي مثل فرانسيس دياك Deak, وجوزيف إيوتوفوس Eotvos لم يكن بإمكانهم متبعة برامجهم حتى النهاية إذ كانت سياساتهم تعتمد على مبدأ التكيف مع القوميات على حين أن منافسيهم بقيادة كولومان تشيزا Koloman Tisza عزموا على أ، يجعلوا المجر دولة مجرية واحدة موحدة. وفي 1875 أصبح تشيزا رئيس وزراء المجر وظل حزبه (الحزب الليبرالي) يسيطر على الحكومة المجرية طوال الثلاثين عاماً التالية حيث كان يتم ترتيب الإنتخابات البرلمانية بحيث تأتي أغلبية مجرية دوماً تمكنت من تمرير قوانين تغير من أسلوب التعليم ولغته على أساس أن التعليم هو مفتاح نجاح عملية "الميجرة", أو كما شرحها بكل حيوية وحماس بيلا جرونفالد Bela Grunwald شريك تشيزا بقوله"إن المدارس الثانوية مثل آلة ضخمة إذا ألقيت فيها مئات الشباب السلوفاك من ناحية يخرجون من الناحية الثانية وقد اصبحوا مجريون. وعلى هذا وفي 1879 طلب من جميع معلمي المدارس الإبتدائية معرفة اللغة المجرية حتى أولئك الذين يعيشون في قرى رومانية أو سلوفاكية. وفيما بعد إقتصر أمر إنشاء مدارس أو مؤسسات تعليمية جديدة على المدارس المجرية فقط. وسرعان ما أصبحت التعليمات والملاحظات العامة تكتب بالمجرية, وكذا أسماء الشوارع وطوابع البريد, وإشارات السك الحديدية, وتعرضت العائلات للضغط لميجرة أسماء أفرادها, وإقتصرت المناصب القضائية والإدارية على المجريين. وأكثر من هذا تم تشجيع الفلاحين المجريين على الإستيطان في ترانسلفانيا, وإغراء المقاولين المجريين على إستثمار أموالهم في تنمية الصناعات في ترانسلفانيا.

على كل حال . . لقد إنتهت سياسة "الميجرة" بردود فعل متوقعة إذ إتحدت كل عناصر البلاد بكب طبقاتها والذين شعروا بالخطر المحدق بشخصيتهم القومية. وهكذا تأسس أول حزب سياسي روماني بإسم الحزب القومي في مدينة سيبيو في عام 1881 ودعا برنامجه إلى إستعادة سلطة ترانسلفانيا, وإستخدام اللغة الرومانية في الإدارة والقضاء, وتعيين الموظفين الذين يعرفونها. ثم إتخذ الزعماء الرومانيون سياسة المقاومة السلبية لمواجهة التهديد المجري فقاطعوا البرلمان ورفضوا تولي أية وظائف حكومية. وفي الوقت نفسه ظهر جيل جديد من الطلاب شبيه بطلاب مولدافيا وولاشيا في 1848 ووقف إلى جانب برنامج يدعو لإتحاد كل الرومانيين في مملكة واحدة, وهو هدف كان يعني بطبيعة الحال تفتيت أراضي مملكة المجر. وفي 1890 أشار الحزب إشارات مشابهة في خطابه عن "أمة رومانية عظمى قوامها أحد عشر مليوناً".

وخلال القرن التاسع عشر كان للإحداث التي وقعت في ترانسلفانيا صداها في إمارتي الدانوب (مولدافيا وولاشيا) وكانت المعاملة التي خضع لها الرومانيون في ترانسلفانيا نقطة حساسة في العلاقات بينهم وبين النمسا, فكلما زاد ضغط النمسا عليهم إزدادت رغبتهم في إعلان مملكة رومانية. وفي 1891 تكونت في بوخارست "رابطة الثقافة الرومانية" بمعرفة اساتذة الجامعة وطلابها سارعت بإعداد "مذكرة" بخمس لغات لتنبيه الرأي العام الأوروبي بمتاعب الرومانيين في ترانسلفانيا, فرد عليهم الطلاب المجريون في بودابست,وإندفع الطلاب الرومانيون في ترانسلفانيا بدورهم إلى تفنيد ما جاء برد الطلاب المجريين. أما كاتب رد طلاب ترانسلفانيا أوريل بوبوفيتش Aurel Popovici فقد حكم عليه بالسجن لكنه أفلح في الهرب إلى رومانيا حيث سيظهر إسمه فيما بعد في عام 1906 عندما أعد خطة شهيرة بشأن إعادة تنظيم المملكة. وسرعان ما تبنى الحزب القومي قضية أولئك الطلاب وأعد مذكرة حملها وفد إلى فيينا لمقابلة الإمبراطور فرانز جوزيف تطالبه مرة أخرى بإستعادة الحكم الذاتي لترانسلفانيا لكن الإمبراطور رفضها, بل لقد تم إعتقال زعماء الحزب بمعرفة حكومة المجر وتمت محاكمتهم. على أن هذه "المذكرة المحنة" كما وصفت فيما بعد كانت فرصة هائلة للرومانيين لفت إنتباه قطاع عريض من الرأي العام لقضيتهم. وعلى الرغم من أن محاكمة أعضاء الزب القومي قد دمرت مكانة الحزب وإنتهت بسجنهم إلا أن المشهد نفسه كان دعاية لها قيمتها للرومانيين شأن ما حدث فيما بعد لحركة سلاف الجنوب مما أدى في النهاية إلى تعاون الرومانيين معغ سائر القوميات السلافية. ففي 1895 عقد مؤتمر للقوميات في بودابست حضره الصربيون والسلوفاك وأكد المؤتمرون أن المجر دولة متعددة القوميات وليست دولة ذات قومية واحدة أو واحدة القومية.

على أن إحتجاج كافة القوميات لم يؤثر بدرجة أو بأخرى على سياسة المجر بشأن "سياسة الميجرة" بل على العكس وجدنا أن حكومة المجر تمد أهدافها القومية في إتجاه آخر وبالتالي دخلت مرة أخرى في صراع مع إمبراطورية النمسا. ففي 1905 عملت على إيجاد جيش منفصل بعيداً عن القوة العسكرية المشتركة التي تأسست بمقتضى "ميثاق أوزجليخ", وهو أمر لم يكن ليستسلم له لإمبارطور فرانز جوزيف بحال من الأحوال. فلما أرغمت المجر على التراجع عن رغبتها في إيجاد هذا الجيش المنفصل تشجع الرومانيون بدورهم على التخلي عن سياسة المقاومة السلبية التي لم تكن ناجحة بأي شكل من الأشكال وإشتركوا مرة أخرى في الحكومنة المجرية.

فلما عاد النواب الرومانيون لبرلمان وجدوا أنفسهم يواجهون إجراءات غاية في الشدة والقسوة تجاه خصوصيتهم القومية, ففي 1907 تقدم الكونت البرت آبوني Apponyi وزير التعليم بمشروع قانون جديد للمدارس إشترط إجادة المدرسين اللغة المجرية, وتدريس القومية المجرية في كل المدارس,وفي حالة عدم معرفة التلاميذ اللغة المجرية بعد أربع سنوات من الدراسة سوف يتم طرد المدرسين من المدارس, فضلاً عن تولي الدولة شؤون مدارس الكنائس عن دفع مرتبات عالية فلا تجد مدرسين. وفي 1909 تقرر تدريس الدين في المدارس المتوسطة بالمجرية وتمت عدة خطوات ضد الكنيسة الرومانية في 1912 عندما وافق بابا الفاتيكان على طلب المجر بإبعاد 83 كاهناً من الكنيسة الرومانية الموحدة, ووضع أبروشيتهم تحت إشراف الرئاسة الأسقفية المجرية اليونانية-الكاثوليكية في هايدودورج Hajdudorog التي كانت قد أنشئت مؤخراً على أن تباشر الطقوس الدينية باليونانية البيزنطية وإلى أن يتعلمها الكهنة تتم مباشرة الطقوس بالمجرية, وكان ذلك الإجراء محاولة أبعد في طريق الميجرة. وعلىالرغم من قيام حكومة المجر ببعض الجهود قبل عام 1914 لتهدئة الغضب القومي, إلا أنها لم تكن لتقبل على الإطلاق طلب الرومانيين بإعادة الحكم اذاتي لترانسلفانيا.

وفي عام 1914 أمكن القول أن الرومانيين في ترانسلفانيا نجحوا في تنمية الشعور القومي بشدة بينهم وهو شعور كان يزداد قوة مع زيادة حدة الضغط المجري عليهم. وظلت أهداف المعارضة الرومانية كما هي: إستعادة الحكم الذاتي لترانسلفانيا,وتمتع كل قومية بوشع سياسي يتناسب مع عدد أبنائها, إذ كان الرومانيون يمثلون 555 من سكان مملكة المجر, والمجريون أنفسهم يمثلون 34% وفق إحصاء عام 1910. ولكن ورغم أن الساكسون في كثير من القضايا كانوا يقفون إلى جانب الرومانيين ضد حكومة المجر, إلا أنهم لم يكونوا ليساندوا فكرة تصفية الإمبراطورية النمساوية آنذاك. وحيث أن الرومانيين كانوا يمثلون أغلبية صغيرة في الإقليم ويواجهون موقفاً أوربياً ثابتاً بشأن وضعهم داخل الإمبراطورية أصبح هدفهم السعي لإصلاح المملكة وليس تصفيتها. وأكثر من هذا ورغم وجود نشاط روماني سياسي في ترانسلفانيا إلا أنه لم يكن ليقارن بما كان يحدث في أراضي سلاف الجنوب حيث كانت تنتشر بينهم خلال القرن التاسع عدة برامج سياسية وأحزاب وحيث كانت تلك الأراضي محل النزاع تسكنا قوميات غير مجرية وتهيمن عليها تاريخياً وعرقياً.

وعلى الرغم من أن المسألة الترانسلفانية كانت موضع إهتمام كبير من الحكومة الرومانية, إلا أن الإستيلاء على ترانسلفانيا لم يكن جزء من سياستها الرسمية. ثم لعبت المسألة دراً كبيراً في العلاقات بين رومانيا والنمسا عشية الحرب العالمية الأولى أكثر من ذي قبل, وأصبح الرومانيون "الجدد" بما أصبح لهم من نفوذ سياسي أكثر حساسية للقضية القومية. وكانت النمسا في القرن التاسع عشر تخشى بإستمرار التأثير الذي يمكن أن تقدمه الحكومة الرومانية للرومانيين في ترانسلفانيا. كما كان خطاب الحزب الليبرالي يكرر بإستمرار الحديث عن الأراضي الرومانية تاريخياً التي تشتمل على ترانسلفانيا وبوكوفينا وبسارابيا كأراضي قومية لا يمكن التفريط فيها وتكون موضع مطالبة في المستقبل.

وعلى هذا وضعت قيود شديدة على تحرك الزعماء الرومانيين في بوخارست قبل عام 1914, فأولاً كانت رومانيا جزء من دول التحالف الثلاثي, والنمسا عضو فيه وثانياً ورغم أ، ملك رومانيا تشارل ذو ضمير حي ويؤدي واجبه على الوجه الأكمل, إلا أنه ظل في أعماقه وعواطفه أميراً جرمانياً ولم يكن ينتظر منه عكس بيتر ملك الصرب قيادة حركة قومية ضد بلاد يرتبط بها عاطفياً, وثالثاً أنه يجب ألا يغرب عن البال أن مشكلات رومانيا في المقام الأول آنذاك كانت إقتصادية وليست سياسية, ذلك أن رومانيا كانت قد خبرت في 1907 واحدة من أكبر ثورات الفلاحين ومن ثم كان وضع الفلاحين الرومانيين وتوزيع الأرض عليهم (الإصلاح الزراعي) في أولويات الأهداف القومية. وفي الوقت نفسه كانت رومانيا أكثر من دول البلقان الأخرى تتجه نحو تحول إقتصادي وتنمية مصادرها الطبيعية وطاقاتها الصناعية, وكان أعضاء الحكومة (الوزراء) مشغولون في تلك العمليات. ولم تصبح المطالبة بترانسلفانيا أمراً ملحاً من الناحية القومية إلا بعد إندلاع الحرب العالمية الأولى عندما ظهر على الساحة موقف غير متوقع كلية.

وواقع الأمر فلم يكن ضم ترانسلفانيا يمثل المشكلة الملحة في سياسة رومانيا الخارجية قبل 1914 لكن العلاقة مع بلغاريا كانت لها أولويتها, فقد كان قادة رومانيا شأن قادة اليونان والصرب يقفون بشدة ضد عزم بلغاريا إستعادة الحدود التي منحتها لها معاهدة سان ستيفانو, وبالتالي تكتسب مكانة زائدة في منطقة البلقان, فضلاً عن أن جنوبي دوبروديا ظلت مطلباً رومانيا وهو الأمر الذي أدخل رومانيا في عام 1913 في صراع ضد المجر التي سعت لحماية مصالح بلغاريا لكن هذا الصراع لم يفض التحالف. ومن ناحية أخرى كان الدور الذي لعبته رومانيا في حروب البلقان كما رأينا أدى إلى تعاون وثيق مع الصرب. وفي المقابل إنغمست الصرب في 1914 بعمق في الخلافات القومية القائمة في إمبراطورية النمسا وأصبح لها مطالب قومية وخاصة في البوسنة والهرسك سوف تطالب بها متى حانت فرصة مواتية.

مسألة سلاف الجنوب

عرفنا أن المسألة القومية في ترانسلفانيا كانت تتمحور حول صراع الأغلبية الرومانية فيها مع حكومة المجر, لكن سلاف الجنوب في دلماشيا وكرواتيا وسلافونيا كانت مشكلتهم أكثر تعقيداً, فلم تكن تقتصر فقط على علاقات الأغلبية الكرواتية مع الإدارة المجرية المهيمنة, بل كانت أيضاً مع الأقلية الصربية في تلك المناطق. وكانت كرواتيا في العصور الوسطى شأن الصرب مملكة تشتمل على أراضي كرواتيا الحالية وسلافونيا ودلماشيا وجانب كبير من البوسنة. وفي عام 1102 بعد وفاة ملكهم وهزيمتهم أمام المجريين إختار الركواتيون حاكم المجر ملكاً عليهم. ومع هذا ظل البلدان (المجر وكرواتيا) مملكتين منفصلتين متحدتين تحت تاج واحد حتى عام 1527 حين إنهزمت المجر أمام العثمانيين وعند ذاك قام الكرواتيون بإختيار إمبراطور النمسا ملكاً عليهم.

وعلى العكس الصرب حين قضى الغزو العثماني على الطبقة الأرستقراطية فيها, كان لكرواتيا نبلاء حافظوا في الماضي على شخصية بلادهم وحموا مصالحها. وفي كرواتيا كانت غالبية الأرستقراطية كرواتية الأصل وإن كان معظمهم ينحدر من أصول أقل نبالة. بل إن بعضهم كان فقيراً لدرجة أنه كان من الصعب تمييزهم عن الفلاحين. وفي سلافونيا كان الوضع مختلفاً, فرغم وجود أرستقراطية كرواتية فيها إلا أن أكبر الإقطاعات حجماً كانت في يد ملاك من أصول جرمانية أو مجرية ويتكلمون اللاتينية كلغة شائعة وليس الكرواتية. وفي دلماشيا كانت الطبقة المهيمنة تعمل في المجالات التجارية والبحرية وتتكلم اللاتينية أيضاً والفلاحون كانوا الكروات. وكانت الكنيسة في تلك المناطق تشارك النبلاء مكانة وميزات ملاك الأرض الزراعية, حيث كان لكبار الكهنة مصالح إجتماعية وإقتصادية وسياسية شأن الأرستقراطية. وفي المدن كانت هناك طبقة وسطى صغيرة لها نشاط سياسي متطرف إلى حد كبير. وفي كل المناطق الثلاثة كان أغلبية السكان من الفلاحين الذين كانوا يسعون قبيل إندلاع الحرب العالمية الأولى لتحقيق إصلاح زراعي يغير من وضعيتهم لكنهم لم يكونوا قوة سياسية حقيقية.

وفي البلاد الكرواتية أيضاً كانت هناك أقلية صربية وخاصة في كرواتيا-سلافونيا حيث كانت نسبتهم 34.6% مقابل 62.5% لكروات طبقاً لإحصاء 1910 أي بمعدل واحد صربي من كل 2.5% كرواتي. وكان الشعبان (الكرواتي والصربي) يتكلمون لغة واحدة متطابقة ولكن يكتبونها بأبجدية مختلفة, وجميعهم سلاف جنوبيون فيما عدا أ، الصرب أرثوذكس والكروات كاثوليك. ومعظم الصرب في كرواتيا-سلافونيا كانوا يعيشون في منطقة تعرف "بالحدود العسكرية", هي منطقة حاجزة أقامتها النمسا أثناء القرن السادس عشر ضد الدولة العثمانية. ولكي تجذب النمسا مستوطنين يعيشون في تلك المناطق ويقومون بدور الحامية العسكرية للدفاع قدمت ميزات إقتصادية وإجتماعية وسياسية للتشجيع, فإنتهزت الفرصة أعداداً كبيرة من الصرب اللاجئين من الأراضي التي إحتلها العثمانيون. وبدأت منطقة الحدود العسكرية على البحر الإدرياتي جنوب مدينة ربيكا Rejka (فيوم Fium) حتى ما وراء بلجراد في الشرق, وكانت منطقة مطاطة في مساحتها ومختلفة في عرضها وتمتد بطول أكثر من عشرين كليومتراً جنوباً حتى نهر سافا Sava, وتضم كل أراضي كرواتيا تاريخياً. وتنبغي الإشارة إلى أن الصربيين كانوا يعيشون أيضاً في باشكا Backa وبانات وهما جزءان من فويفودينا لكنها لم تكن أبداً مجال صراع مع الكروات.

والحق أن توزيع السكان في تلك المناطق وضع إطار الصراع الذي نشب في القرن التاسع عشر فمع نمو الحركات القومية آنذاك كان أمام الصرب والكروات أحد إختيارين: أما أن يأخذوا طريقاً منفصلاً ويسعى كل منهم إلى إعادة مملكته التي كانت في العصور الوسطى على أساس الإستقلال, وإما أن يؤكدوا على روابطهم السلافية الجنوبية أو "اليوجوسلافية" ويعملون على بناء دولة مشتركة. وفي تلك الإستعادة واجهت الصرب ورطة كبيرة فقد كان عليها تكوين الصرب الكبرى على أساس قومية صارمة, أو تتزعم حركة التوحيد كل أراضي سلاف الجنوب. وبالنسبة لكرواتيا فكانت العقبة الرئيسية أمام إيجاد حكومة كرواتية مستقلة أو تتمتع بالحكم الذاتي وجود أقلية صربية معتبرة وسطها . . وأما العقبة الكبرى أمام تحقيق الصرب الكبرى أو يوغوسلافيا فكانت عدم رغبة زعماء الصرب في بلجراد في ذوبان شخصيتهم القومية في الإطار الأكبر. وهكذا وحتى عام 1914 كان الصراع القومي المزدوج قائماً في أراضي سلاف الجنوب التابعين لمملكة المجر ضد السكان السلافيين, والصراع بين الس