تشاد شأن عربي، حلمي شعراوي

تشاد شأن عربي، مقال كتبه حلمي شعراوي في فبراير 2008.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المقال

سُئلت كثيراً عن تطورات أحداث تشاد وأسبابها ودلالاتها وعن القوى المحلية والدولية التي تشكل أطراف هذه التطورات.

لكن السؤال التالي كان دائماً: ما علاقة ذلك بالعالم العربي؟ وعما إذا كانت تشاد تُشكل شأناً عربياً؟ وقد قيل الكثير بالفعل حول التطورات الجارية في تشاد، لكن لم يتضح فيها كثيراً أين بعدها العربي؟

ثمة بعض الملاحظات عن تطورات حدث التمرد نفسه، والذي يعتبر مهدداً للنظام التشادي حتى الآن، رغم كل "الضمانات الدولية" التي باتت متوفرة له بإشراف وزير الدفاع الفرنسي على الأقل، وهو الذي نزل لبضع ساعات في نجامينا لتأكيد هذا الضمان وطمأنة الرئيس "ديبي" ورؤساء الغرب جميعاً على أن المصالح الأساسية مأمونة، ما دام المتمردون لم يفلحوا في عمل اختراق سريع يمكن النظر فيه. ومعنى ذلك أن أياً من أطراف النزاع لم يكن– منذ البداية– خطراً على هذه المصالح، وإنما تعلق الأمر باضطراب الموقف من حولها، واحتمال تهديد حياة بضع مئات من الأوروبيين، إذ ألجم وجودهم التصريحات الفرنسية لبضعة أيام، حتى انطلق لسان المصادر الفرنسية بدعم "ديبي" بعد رحيلهم مباشرة!

والذين يتابعون الحدث أيضاً، وكثيراً- ما كتب عنه- لابد أنهم تساءلوا عن هذا القرار الغريب والسريع جدا للاتحاد الأوروبي لمشاركة قواته في تأمين أحوال تشاد وأفريقيا الوسطى في نفس الوقت، بل "وحماية حدودهما" مع السودان أساساً. ومعنى ذلك قطع الطريق على أي توسع في عمليات المتمردين، وسحب أية ورقة من يد السودان إذا حاول اللعب بها أمام الأوروبيين والأميركيين في هذه المنطقة. ولم يعد أمام أطراف النزاع في تشاد إلا محاولة "التوافق "حول خطة أوروبية قادمة بعد ترضية الرئيس "ديبي"، خاصة وأنه ابن نفس العشائر التي أفرزت قادة التمرد مثل وزير خارجيته ودفاعه السابقين، بل وبعض أفراد عائلته من شرق ووسط تشاد. ومنطقة النزاع والاقتتال في تشاد هي بالمناسبة منطقة مرور البترول وأنابيبه التي تكلفت حوالى أربعة مليارات دولار، أنفقت في أقل من أربع سنوات لضمان مرور آمن وسريع للثروة الهائلة التي تفجرت بعد أحداث سبتمبر 2001 (بالمصادفة!). وتسارع أعداد أنابيب النقل إلى موانئ الكاميرون على المحيط الأطلسي عام 2003 مع سقوط العراق واضطرابه (بالمصادفة أيضاً!) وصاحب ذلك وقتها انتشار الفكر "الاستراتيجي"عن نقل الاهتمام بالطاقة من الشرق الأوسط ، وحتى وسط آسيا إلى وسط غرب أفريقيا، فذلك طريق أقرب من المحيط الأطلسي من جهة، ويكلف الصين كثيراً للوصول إليه من جهة أخرى!

ولو توقفنا هنا لقلنا إن أحداث تشاد قد استقرت، لتواصل وسائل الإعلام الاهتمام بكينيا التي لم تستقر بعد. لكن تبقى في تشاد عناصر اختناق قائمة تهدد باستمرار اضطراباتها لأطول وقت ممكن. محلياً في جنوب تشاد منطقة "السارا" وهم "زنوج" هذا البلد مثل "أفارقة" دارفور! وكلاهما لا يرتاحون لهيمنة "العرب" التي يجب أن تتوقف عن احتكارها لثروة البترول وسلطته. والجنوب كان يزرع القطن ويكتفي بحصاده لحاجة مصانع فرنسا له بدوره، لكن القطن يمر عالمياً بأزمة طاحنة، ستفرض الفاقة على منتجيه في تشاد مثلما في مصر والسودان. لذلك يدخل الفلاحون الآن عنصراً في الحياة السياسية ومطالب الثروة ومواجهة الفقر، بما نراه في كينيا نفسها وسنراه في أكثر من موقع. العنصر الآخر في تشاد هو بقية عناصر ما يسمى بالقبائل العربية، بل والبربرية شمال تشاد امتداداً من قبائل القرعان حتى شريط "أوزو" الليبي-التشادي الذي كان متنازعاً عليه، فضلاً عن النفوذ الاجتماعي والتاريخي لليبيا نفسها، سواء منذ فترة زوايا السنوسية، أو لفترة علاقة مختلف الفصائل التشادية ونزاعاتها واتفاقاتها برجالات الحكم الليبي. وسيؤثر في الموقف أن ليبيا الآن في حالة وفاق مع "بلدان الشمال"، بل وإن الرئيس الليبي يكاد يكفر الآن بـ"العملية الأفريقية" في سياسته بعد خيبات الاتحاد الأفريقي الأخيرة من وجهة نظره على الأقل. ولذا لا نتوقع "تدخلاً ثقيلاً" من جانبه في أحداث تشاد ومصالحاتها، بينما الود متصل بهذا الشكل مع الرئيس ساركوزي وحاشيته.

ليست تشاد إذن مجرد مركز بترولي جديد تشارك فيه الشركات الأميركية والأوروبية على نطاق واسع، أو مركز القاعدة الفرنسية التي تؤمن المنطقة الغنية باليورانيوم والبترول معا ممتداً من تشاد إلى مالي والنيجر، وحتى إنتاج الليثيوم بكثافة في موريتانيا، وهناك أعمال إسرائيلية في أكثر من عشر مدن موريتانية لمعالجة خام الليثيوم لصناعة أدوات الاتصال والإلكترونيات، إذن نحن في منطقة استراتيجية بالفعل، غنية بالثروات، وتتمتع بموقع استراتيجي جديد على المحيط الأطلنطي.

لكن هذه المنطقة هي ظهير جزء كبير من العالم العربي، المتخم بمصادر الاضطراب بالنسبة للغرب بدءاً من دارفور، في السودان ومروراً بمطامح ليبيا، واقتراباً من "الإرهابيين" في الجزائر، والاتجاهات السلفية في المغرب وموريتانيا. ومؤخراً كانت هجمات الإرهابيين تتعدد على السياح الأوروبيين في ساحة الصحراء الكبرى، وعبرت عمليات المتابعة "للبارا"- قائد إرهابي مسلم من أصل فرنسي"، من جنوب الجزائر إلى شمال مالي وتشاد، ويبدو أنه حوصر من جنوب ليبيا، إذن فحدث تشاد ليس حدثاً عارضا بالنسبة لأفريقيا والعالم العربي، وهو في بطن صحرائهما الكبرى وجوار حوض النيل. وقد تكون التحرشات التي تبديها سلطات تشاد تجاه السودان وليبيا، مقدمات لعمليات عزل مقصودة للشأن الأفريقي عن الشأن العربي. وفي ظل الإدارة الجديدة للاتحاد الأفريقي (الرئيس والأمين العام) "وتهديدات" ليبيا بشأن التعاون مع الاتحاد، فإنه لا يسع العرب إلا أن يجعلوا من لقاء القمة الأفريقية القادم بالقاهرة (صيف 2008) فرصة لدفع مؤسسات التعاون العربي- الأفريقي إلى التحرك بهدوء وتلقائية لتهدئة الأزمات المتعددة والمشتركة في القارة على هذا النحو. من هنا نقول إن تشاد وهي في قلب "الشجون العربية" لابد وأنها شأن عربي.


المصادر