بيزنس الكابلات البحرية.. مصر خارج الملعب

من معرفة المصادر

بيزنس الكابلات البحرية .. مصر خارج الملعب، بقلم نائل الشافعي.

د. نــايل الـشــافعي صاحب شركة اتصالات ألياف ضوئية في الولايات المتحدة هي الحامل الرئيسي لدويتشه تليكوم وفرانس تليكوم إلى مركزي الانترنت في فيينا (فرجينيا) ومانهاتن (نيويورك).


من الخطأ الظن أن مشكلة انقطاع كابلات الاتصالات البحرية قد مرت، فقد عرف الناس أن وراء شاشات الكمبيوتر تجري المعلومات في كابلات تحت البحر لتحضر المعلومات بسرعة الضوء، وعرفوا أيضا أن انقطاع تلك الكابلات قد يلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد.. فيجب علينا تحليل الأزمة واستنباط الخطوات السريعة الكفيلة بالحد من آثارها لو تكررت. الحدث غير مسبوق، ولكن سبق أن نبهت إليه المسئولين مرارا، آخرها قبل الحادث بأسابيع، ثم زاد انزعاجي حين قرأت كيف تبدد مصر مئات الملايين من الدولارات في اليومين التاليين، بين توقيع عقد كابل بحري بمبلغ 125 مليون دولار، وبين إنفاق مبلغ أكبر لشراء وصلات عاجلة بدلا من القدرة المفقودة. ماذا لو تكرر الحادث؟ ماذا لو تعذر إصلاح الكابلات بسرعة؟ ماذا لو تعذر شراء وصلات عاجلة؟ ماذا لو حدث الانقطاع في كابلات الاتصالات الهاتفية؟ أو في كابلات الضغط العالي الكهربائية؟ دعوني أشرح القضية كما عاصرتها، ثم سنأتي إلى الحلول، واستخدام تعريفة مقترحة على الكابلات المارة بمصر لتمويل تلك الحلول.


مصر ممر معلوماتي مجاني


ذات صباح خريفي عام 2000 بنيويورك اتصل بي جاري وينيك مؤسس شركة جلوبال كروسينج لكابلات الاتصالات البحرية، متباهيا ومتسائلا: كم أدفع من الرسوم لإدخال كابل في بناية معينة في منهاتن؟ فأخبرته أنني أدفع 64 ألف دولار شهريًّا، فرد علي بأنه بصدد توقيع عقد لتمرير كابل بقناة السويس بمبلغ عشرة آلاف دولار سنويًّا. في ديسمبر 2000 قابلت الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء آنذاك، ثم وزير اتصالاته الدكتور أحمد نظيف؛ لأعرض عليهم الأموال الضائعة على مصر، وكيف أن قناة السويس بنيت في القرن التاسع عشر لنقل البضائع إلا أن أهميتها تضاعفت في القرن الحادي والعشرين لنقل المعلومات بين الشرق والغرب.. كل ما علينا هو تحديد التسعيرة المناسبة لمرور المعلومات في القناة (عبر مصر عمومًا) وتحصيل تلك الرسوم. وبينت أنه لو أخذنا برسوم تمرير الكابلات في ميناء نيويورك وطبقناها على حجم مرور المعلومات كما يعلنه أصحاب الكابلات، فإن دخل قناة السويس السنوي من مرور كابلات الاتصالات سيتعدى 750 مليون دولار عام 2008، ويرتفع إلى بليوني عام 2015 بدون أي استثمارات من جانب مصر. تمر الأعوام وفي خريف 2006 يتصل بي بروستر كيل مؤسس أرشيف الإنترنت؛ ليشكو من أن شركة فلاج للكابلات البحرية تطلب ما يقرب من مليون دولار في السنة لوصلة إنترنت سرعتها 150 ميجابايت/ثانية لمكتبة الإسكندرية. هذه السعة هي أقل من واحد على عشرة آلاف من السعة القصوى لكابلات الشركة المارة عبر مصر بدون مقابل، رسوم مرور الكابلات في نيويورك تتكون من عناصر عديدة منها أخذ 10% من قدرة الكابل المار للاستخدام المجاني للتعليم والصحة والمكتبات والأمن؛ بالإضافة إلى تحصيل 5% من إجمالي الدخل المتحقق من مرور الكابل. حاولت في أثناء وجودي بالقاهرة الوصول لحل لتلك المشكلة، فقابلت وزير الاتصالات الدكتور طارق كامل وعددا من مسئولي الاتصالات، أقسم لي أحدهم بأنه ليس هناك أي كابل مار في قناة السويس أو مصر، بالرغم من عرضي خرائط رسمية تفصِّـل عدد وقدرات الكابلات المارة، تأثر الهند بانقطاع كابل أمام الإسكندرية يثبت أن الكابل يمر عبر مصر إلى الهند، كم تحصل مصر من رسوم مقابل هذا العبور؟


الكابلات المقطوعة.. ماذا حدث؟


بين 23 من يناير و3 من فبراير 2008 حدثت 6 أو 7 انقطاعات في الكابلات البحرية التي تصل الشرق الأوسط والهند بباقي الإنترنت. وتغص الإنترنت بالتخمينات ونظريات المؤامرة وربما التسريبات المتعمَدة حول الأسباب، أحد تلك الخيوط هو أن حروب المعلومات أصبحت جولة حالية لصراع التسلح بين الدول الكبرى التي تتفاخر بامتلاكها لغواصات نووية مصنوعة خصيصًا لقطع وتفريع ولحام كابلات الاتصالات البحرية. ففي مجال الاتصالات الهاتفية والإنترنت لا تعتبر مصر حاليًّا ذات أهمية لضآلة حجم الاتصالات المتدفقة منها وإليها (محسوبا كدقائق مكالمات هاتفية دولية أو سعة حزمة الاتصالات)، لذلك فالعبث أو التجريب مع اتصالات مصر (أو اتصالات المنطقة بأجمعها) لن يضر بالاقتصاد العالمي في شيء ومأمون العواقب، والكابلات المارة بمصر تربط في الأساس دولا شرق السويس غير ذات ثقل سياسي. الهند التي استحوذت خلال الخمس سنين الماضية على جميع الكابلات الرئيسية المارة بمصر أيقنت أن اعتماد اتصالاتها على المرور بمصر (بدون بديل) مخاطرة، وقد صرح مالك الكابلات بعد الحادث عن خطط جديدة سريعة لإنشاء كابلات بديلة تصل للغرب عبر المحيط الهادي ورأس الرجاء الصالح.


تأمين الاتصالات المصرية.. كيف؟


كابلات الاتصالات هي من روافع القيمة الجيوستراتيجية لأي دولة، ومصر كعضو فاعل في اقتصاد السوق المفتوح العالمي تزداد قيمتها وقيمة شركاتها بمزيد من الارتباط بالاقتصاد العالمي، عطاءً وأخذا؛ لذلك فالهدف يجب أن يكون تأمين الاتصالات المصرية كدولة وكاقتصاد.. هذا التأمين يتم على محورين: (1) زيادة ربط الاتصالات المصرية بالشبكة العالمية عبر وسائل بديلة مترادفة، بحرًا وأرضًا وجوًّا. (2) جذب اقتصادات العالم الكبرى لاستخدام كابلات تمر عبر مصر، فالكابلات المقترحة تتطلب استثمارات عالية إلا أن عوائدها الاقتصادية والسياسية جد عالية، فمجرد تطبيق التعريفة المناسبة أو إعطاء حق حصري لتمرير الكابلات لشركة عبر مزاد دوري، كفيل بتنفيذ المقترحات. وليتم التأمين يجب: جذب معلومات الاقتصادات الكبرى للمرور عبر مصر: يجب أن نعمل على إغراء كابلات قوى العالم الفاعلة، دولا وشركات لكي تمر بمصر، فمجموعة الكابلات الواصلة بين الولايات المتحدة والصين كلها تمر عبر فوالق زلازل المحيط الهادي، يجب على مصر اقتراح مسار رديف بديل عبر أراضيها، وبالمشاركة في التكاليف، فحصة مصر على مثل هذا الكابل لا يمكن أن تتعرض لمشاكل فنية. الجذب قد يتضمن دعمًا كهرباء محطات التكرار، وفنادق اتصالات تتمكن فيها الكابلات من تبادل المعلومات (مما يخلق صناعات معلوماتية بأكملها مثل التخزين للتسليم لاحقا Store-and-Forward للبرامج الإعلامية باستغلال فروق التوقيت).

دعوة شركات الاتصالات (وليس معدات الاتصالات) الفاعلة على ساحة كابلات الاتصالات العالمية لأن يكون لها مصالح في مصر، بالتحديد ڤـِرايزون الأمريكية وكي دي دي اليابانية وتشاينا نتكوم الصينية وروس تليكوم.

شراء مصر لكابل بحري خاص بها (سيدي كرير-مارسيليا)، بمبلغ 125 مليون دولار غداة انقطاع الكابلات، لا يفيد في شيء من ناحية أمن الاتصالات، فلا تتوفر لهذا الكابل أي من أسباب المنعة، سياسية كانت أو تكنولوجية.

الاستعانة بالاتصالات البرية الدولية: يجب على مصر وشركاتها استخدام كابلات أرضية قدر المستطاع كرديف للمسارات البحرية. التكاليف المجتمعة للمقترحات الأربع التالية ضمن هذه الفئة ستكون أقل من ثمن كابل بحري واحد، وهذه البدائل الأرضية تربط مصر بنفس الشبكات العالمية ولكن بترادف عال. شمال إفريقيا: أوراسكوم لها حصص في شركات هواتف في تونس والجزائر؛ لذلك فمن مصلحتها مد كابلات أرضية تربط مصر بدول شمال إفريقيا، هذا الكابل يمكن ربطه بأوروبا بكابل قطره 1 سم يمرر داخل الأنبوب الحالي لتصدير الغاز الجزائري لإسبانيا مثلا.

شرق إفريقيا: مد كابل إلى بورسودان ومصوع كمنفذين بحريين للشبكة الأرضية المصرية.

المشرق العربي: بسهولة ورخص يمكن تمديد كابل اتصالات على ظهر كابل الربط الكهربائي للأردن وسوريا ولبنان وتركيا.

الجزيرة العربية: ربط شرم الشيخ بنفق أنابيب مرافق إلى شمال السعودية.

دعم الاتصالات البرية المحلية: من الحصافة تخصيص جزء من عائدات المحمول لبناء بنية تحتية تدعم اقتصاد المعلومات، وهي بالأساس مد الألياف الضوئية إلى كل منزل. يجب ألا ننخدع بتكنولوجيا دي إس إل DSL فهي مُسكــِّن موضعي مؤقت للشبكات القديمة تتمكن من خلاله من ضخ كم أكبر قليلا من البيانات على كابلات النحاس المتهالكة إلى أن تتمكن شركات الاتصالات من استبدال الشبكات النحاسية بشبكات ألياف ضوئية قادرة على حمل ملايين الأضعاف من المعلومات. لا يجب أن ننتظر حتى نفاجأ بتطبيقات وصناعات تتطلب سعة حزمة لا تستطيع الشبكات النحاسية التعامل معها. يجب العمل على إدراج كابلات ألياف مع كل مشروع يتطلب حفرا أو مدًّا هوائيًّا سواء كان أنابيب غاز أو ماء أو مجاري أو كهرباء، فالتكلفة الرئيسية هي في الحفر والتمديد. الالتفات للاتصالات الفضائية: انقطاع الكابلات أوضح أهمية الساتل (القمر الصناعي كلفته 50 مليون دولار) كبديل أصغر للبقاء على اتصال بالعالم.. يمكن تخصيص بعض المرسلات Transponder على نايل سات القادم لغرض الاتصالات في حال انقطاع كابل وترك البقية للبث التلفزيوني. مما سبق نرى دخل مصر من تعريفة مرور الكابلات المقترحة سيتعدى 750 مليون دولار عام 2008، ويرتفع إلى بليونين عام 2015 بدون أي استثمارات من جانب مصر، أي يتعدى دخل القناة من السفن في غير أوقات الحروب. هذا الدخل يمكن أن يجدد شبكة السكة الحديد في سنة واحدة أو يطور الصرف الصحي في الوجه القبلي