بطل أثينا، كامل الكيلاني

من معرفة المصادر

بطل أثينا، احدى قصص كامل الكيلاني.

في سفح جبل

منذ آلاف مضت من السنين، ولد بطل هذه القصة – أعني: بطل أتينا – غي إحدا المدائن اليونانية القديمة، الواقعة على سفح جبل شاهق من جبال اليونان.

وقضى بطل أتينا طفولته قريبا من ذالك الجبل الشاهق وعاش في تلك المدينة عيشة راضية، حيث ترعاه أمه الحنون وتعتني بنشأتة وثقلفته، وتقص عليه أحسن القصص، وتروي له كل معجب من أخبار الأولين، وتواريخ القدماء والمحدثي؛ لتبصره بحقائق الحياة وعظاتها، وتنفعه بما تحويه تلك الأحاديث من عبر سامية، ومتع شاهقة.

2 – ملك أتينا

وكان أعجب ما تحدثه به أمه – من تلك الأحاديث البارعة – حديها عن أبيه؛ فقد قصت على ولدها: بطل أتينا– ذات يوم – أقاصيص معجبة، وصفت فيها ما أتاه والده من جلائل الاعمال، وعظائم الأمور، وقالت له فيما قالته:

لقد عهد إلى أبوك أن أكون ساهرة على العناية بأمرك؛ ليفرغ هو العناية بالملك، والسهر على راحة الناس، وإقامت العدل بينهم، وهو يعيش في قصره الفاخر في مدينة أتينا.

3 – حوار الأم وولدها

فقال لها بطل أتينا مدهوشا:

وما بال أبي لا يأتي إلى بلدنا هذا ليعيش معنا وادعا، قرير العين برؤية ولده العزيز؟

فأجابته أمه باسمة:

كيف السبيل إلى تحقيق هذه الأمنية، يا ولدي العزيز؟ إن أباك مشغول بسياسة الملك، وإقانة العدل بين رعيته. وليس في قدرته أن يترك هذه الفروض والواجبات المقدسة، ليبحث عن ولد الصغير.

فقال لها ولدها:

صدقت - يا أمي- فيما قلت. ولكن خبريني – أيتها العزيزة البارة – ماذا يعوقني عن السفر إلى مدينة أتينا ، حيث ألقى أبي، وأنعم به، وأمتع ناظري برئيته؟

فقالت له أمه:

لك ما تحب وتريد – يا ولدي – ولكن الوقت لم يحن بعد؛ فأنت لا تزال في سن الطفولة. فاصبر – يا عزيزي – حتى إذا كبرت سنك، واكتملت قوتك، أذنت لك بالسفر إلى أبيك؛ فإن الطريق وعرة مخيفة، ولست آمن عليك أخطارها وأحداثها (مصائبها المفاجئة).

4 – صخرة الجبل

فقال بطل أتينا متعجبا:

ومتى تأمنين - يا أماه – بأني على حال من السن والقوة، تبيح لي أن أسافر وحدي، وأجتاز تلك الطريق المخوفة، دون أن تخشي على أحداثها وأخطارها؟

فقالت له أمه متوددة:

أنك - يا ولدي - لم تعد سن الطفولة. ولن أسمح لك بالسفر إلى أبيك، إذا بلغت من القوة مبلغا يمكنك من رفع هذه الصخرة، التي نحلس عليها الآن في سفح هذا الجبل!

فأسرع الصبي إلى تلك الصخرة، وبذل قصار جهده ليرفعها؛ فلم يقدر على تحريكها – من مكانها – قيد أنملة ( مسافة رأس إصبع)، وخيل إليه – لضخامتها وثقلها – أنها لاصقة بسفح الجبل.

فقالت أمه باسمة:

أرأيت – يا ولدي - كيف عجزت عن تحريك الصخرة من مكانها؟ فاصبر حتى تكبر سنك، ويقوى ساعدك، فترفع. الصخرة من مكانها بأدنى محاولة وأيسر جهد، وترى ما خبأناه لك تحتها من عتاد السفر. ومتى تم ذلك، أذنت لك بالذهاب إلى أبيك، وتملي رؤيته.

5 – بعد أعوام

ومضى عل ذلك الحديث أعوام قليلة. وكان بطل أتينا وأمه يختلفان على ذلك المكان، ويجلسان على تلك الصخرة – كل يوم – حيث يتجاذبان أطراف الحديث، ويتمنيان أطيب الأماني.

وذا صباح، جلسا – على عادتهما – على تلك الصخرة العالية، فذكر بطل أتينا حديث أمو الذي حدثته منذ أعوام. واشتد حنينه إلى لقاء أبيه؛ فبرقة عيناه من شدة الحماسة، إذ لاح له أن تحقيق أمنيته وشيك (سريع)، وإن إدراك مطلبه العزيز أصبح يسيرا عليه. فالتفت بطل أتينا إلى أمه قائلا:

أمي العزيزة: لقد أصبحت الآن – فيما أعتقد – رجلا شديد البأس. وأغلب ظني أني قد بلغت من العزم ما يمكنني من رفع هذه الصخرة العظيمة. فماذا أنت قائلة؟

فأجابته أمه:

ما أظن الوقت – يا ولدي – قد حان لبلوغ خذا المرام!

فقال لها واثقا مزهوا (معجبا بنفسه) :

إني جد واثق من قوتي. وسترين مصداق ما أقول.

6 – عتاد السفر

وكانت هذه الصخرة الهائلة منغرسة في الأرض، وقد أنبتت عليها طول العهد كثيرا من الحشائش والطحائب. فجعل بطل أتينا يبذل كل ما في من قوة وجهد، حتى زحزح الصخرة من مكانها؛ ثم رفعها قليلا، وقلبها على جانبها الآخر. وما انتهى من ذلك حتى جهده التعب، وبلغ منه الإعياء كل مبلغ. فنظر إلى امه نظرة الظافر المبتهج؛ فرآها تبتسم له، وقد ذرفت عيناها من دموع الفرح – لإنتصار ولدها ونجاحه – ما ملأ قلبه ثقة ويقينا.

ثم قالت له:

سلمت يمينك - يا عزيزي – وأتم الله لك النصر، أيها الفارس الغلاب. فلا تتوان عن السفر بعد الآن، ولا تلبث في المدينة لحظة واحدة، واذهب بسرعة إلى أبيك الملك المظفر، فقد أوصاني ألا أسمح لك السفر فبل أن تزحزح هذه الصخرة العظيمة من مكانها بذراعيك القويتين. وقد ترك لك تحتها عتاد السفر.

ونظر بطل أتينا فرأى فجوة تحت الصخرة، ورأى فيها سيفا مقبضه ذهبي، وإلى جانبه نعلا أبيه اللتان تركهما له ليحتذيهما في أثناء سفره إليه.

7 – وصية الجد

فقالت أم البطل:

هذا سيف أبيك، وهاتان نعلاه، فاذهب إلى مملكتة، وأعد عهد شبابه، واقتحم العقاب، وذلل الصعاب، وانهض بجلال الأعمال، وأعد سيرة أبيك الجرئ المقدام.

فصاح بطل أتينا:

إني راحل إلى أبي، وذاهب توا لتحقيق الأمنية الحبيب إلى نفسي تحقيقها.

وما علم جده بما اعتزمه، حتى أقبل عليه يودعه، ويدعو له بالتوفيق في مسعاه، ويقول له:

أمامك – يا حفيدي العزيز – طريقان، إحداهما: طريق البحر، وهي طريق آمنة ميسرة، والأخرى طريق البر، وهي شديدة الوعورة، محفوظة بالمخاوف والأخطار،مليئة بالوحوش واللصوص والثعابين ولست آمن عليك أن تقطع هذه الطريف المخوفة منفردا، وإن كنت أرى فيك – من شمائل الفروسية، ودلائل القوة – ما يرجح عندي أن التوفيق حليفك، مهما تلق من أخطار ومتاعب. فاختر لنفسك ما يحلو، ويبارك لك الله في حلك وترحالك، فأنت بالنجاح جدير.

8 – طريق أتينا

فشكر بطل أتينا لجده نصيحته الثمينة، ثم ودعه مستأذنا في السفر. وودع أمه الحنون – بإحترام وأدب – وسار في طريقه راضي النفس، صادق العزم. ثابت الجنان (مطمئن القلب).

وقد اختار لنفسه طريق البر؛ ليثبت – في تاريخ مجده – صحائف من البطولة لا تنسى على مر الأجيال، وتعاقب الزمن.

وكان شديد الشوق إلى لقاء الوحوش، ومناجزة اللصوص (محاربتهم)، وتقحم الأهوال، والتغلب على الأخطار.

وقد لقى – في طريقه – كثيرا نتها، وكتب الله له الفوز على أعدائه، والغلبة (الانتصار) على ما لقيه من متلعب وعقبات.

ولن تسع هذه الصفحات وصف قليل من كثير ما لقيه بطل أتينا في طريفه من الأحداث والمخاطر، التي بهرت رجال عصره، ورفعت اسمه، وأذاعت شهرته في جميع الآفاق.

وحسبك أن تعلم أنه لم يصل إلى أتينا حتى أطلق عليه لقب: فارس العصر، وبطل أتينا المقدام.

وكان – على الحقيقة – أصغر فرسان عصره سنا؛ فأصبح مثار إعجاب الناس، وموضع تقديرهم، ومضرب الأمثال عندهم في الشجاعة والإقدام.

9 – مؤامرة الحساد

وكان للملك- أعني: والد هذا البطل الصغير – كثير من المنافسين من أبناء أخيه، وكانوا يحسدونه ويترقبون موته – يوما بعد يوم – بفارغ الصبر، ليرثوا ملكه العظيم نت بعده.

فلما سمعوا بمقدام هذا البطل الشجاع، دب إليهم اليأس، ودفعهم الحسد والغيظ إلى الإئتمار به ليقتلوه.

وكان على رأس هذه المؤامرة الدنيئة، امرأة ذات كيد ودهاء، يطلق عليها لقب: ساحرة أتينا. وهي رأس هذه الأسرة، ومدبرو كل دسيسة، ومحركة كل فتنة.

فأجمعوا أمرهم على لقاء بطل أتينا والتحيب به، ليخدعوه عما دبروه لقتلهمن مؤامرة خسيسة وكيد دنيء.

خير لك أن تخفي إسمك عن أبيك، وأن تلقاه – أول الأمر – كأنك غريب عنه؛ حتى بتبين - من حديثك وملامح وجهك – أنك ولده؛ فسيكون لهذه المفاجئة السارة أطيب الأثر على نفسه.

فأقرهم (وافقهم) بطل أتينا على إقتراحهم الخبيث. وهو لا يعلم ما يضمرونه له من كيد وحسد.

10 –ساحرة أتينا

وأسرع أولاد عمه – وعلى رأسهم ساحرة أتينا – فأوهموا المك أن بطل أتينا قادم ليقتله وليسلبه تاجه الملكي. ثم أشاروا عليه بقتله، حتى يأمن شره.

فذعر الملك من إقدام ذلك الشاب (جرأته)، وحسبهم صادقين فيما زعموا؛ فوعده بتنفيذ إقتراحهم.

الرأي غندي – يا مولاي – أن تسقيه من هذه الكأس المسمومة التي أعددتها لقتل هذا الشرير؛ ليموت من فوره (للحال).

فأمن الحاضرون على كلامها، وأعلنوا إرتياحهم لرأيها، ولم ير الملك بدا من قبول ذلك الإقتراح الخبيث.

وكانت ساحرة أتينا مثالا للشر، ومصدرا للإثم والخديعة، ولم يلق منها الأهلون – منذ قدومه إلى أتينا – غير الإساءة والأذية. وكان لها مركبة مسحورة، تجرها جمهرة من الثعابين المجنحة ( ذوات الأجنحة )، وتطير بها في أجواز القضاء إلى حيث تشاء.

وبعد قليل، حضر بطل أتينا إلى قصر الملك مستأذنا من المثول بين يديه، فقالت ساحرة أتينا للملك:

إءذن له في المثول بين يديك، وادعه إلى شرب القدح المسموم، لتخلص – ويخلص الناس جميعا – من شره وأذاه.

11 – افتضاح السر

فلما كثل بطل أتينا بين يدى أبيه، رآه جالسا على عرشه الملكي، والتاج على رأسه ويكاد سناه يخطف الأبصار، وصولجان الملك في يده، ورأى لحيته البيضاء تزين وجهه، وتكسوه وقارا وجلالا؛ فتملكه الفرح والأسى (الحزن) معا، وبكى من فرط السرور برأيته. وإنما حزن حينما رآه باديا على أسارير أبيه ( خطوط جبينه ) من ضعف السيخوخة، وفرح لأنه سيكون لأبيه خير ناصرومعين على تدبير شؤون الملك. وهمً بطل أتينا بالكلام، فانعقد لسانه من فرط الدهش، واختنق صوته بالدموع. فخشيت ساحرة أتينا أن يفتضح السر، وأسرعت إلى بطل أتينا تأمره ان يشرب الكأس – تلبية لمشيئة الملك – بعد أن همست في اذن الملك ان مصدر ارتباك الفتى وسر خباله، إنما نشآ من تفكيره في جريمته الشنعاء التي يهم باقترافها.

ومد الفتى بده فأخذ الكأس. وما أدناه من فيه حتى ارتعدت فرائس الملك وقال له : حذرا ان تشرب قطرة واحدة من هذه الكأس المسمومة، وألا هلكت لساعتك!.

وإنما فعل الملك ذلك، لأنه لمح مقبض سيفه الذهبي معلقاعلى منكب ولده تحت ردائه؛ فصاح به مذعورا:

أنى لك هذا السيف؟

فقال له:

بقد خلف لي أبي هذا السيف وهاتين النعلين، فيما خيرتني امي.

ثم قص عليه بطل أتينا قصته كلها.

فصاح الملك فرحان مسرورا:

ما أسعدني بلقياك، يا ولداه!

ثم أقبل عليه يعانقه ويقبله، ويحمد الله على ما يسر ( هيأ ) له من أسباب السعادة والهناء.

12- فرار الساحرة

واما رأت ساحرة أتينا افتضاح السر، وإخفاق المؤامرة، اسرعت إلى كنوز القصر، تنتهب منها كل ما وصلت إليه يدها من حلي ونفائس، حتى ملأت مركبتها المسحورة، وطارب بها الثعابين المجنحة في اجواز الفضاء. وظلت تقذف الجماهير بتلك الأحجار الكريمة، وهي محنقة (شديدة الغضر) تكاد تتميز (تشنق) من الغيظ، حتى غابت عن الانظار.

ولا تسل عن بهجة الاهلين، حين عرفوا آخرة تلك الظالمة، وتيقنوا انهم قد ارتاحوا من دسائسها وآثانها.

وجمع الاهلين كل ما قذفتهم به من الاحجار الكريمة، وذهبوا إلى مليكهم؛ فلم يقبل منهم شيئا مما حاولوا رده، وقال لهم:


لقد وهبت لكم هذه النفائس شكرا لله غلى ما يسره لي من السعادة بقرب ولدي الحبيب. وعاش الملك وولده وشعبه ردحا ( مدة طويلة ) من الزمن في يسر وهناء وصفاء، دون ان يفنطوا إلى ما يخبوه لهم القدر من مصائب وأحداث.

الفصل الثاني

1 – يوم الهول

لم يدر بطل أتينا ان الزمان غادر قلب (لا يبقى على حال واحدة)، وان السعادة لا تدوم، وان الكرد يعقب الصفو، كما يعقب الظلام الضياء، وان كل ملموم إلى شتات (كل جمع إلى تفرق).

وذا صباح استيقظ بطل أتينا من نومه – وهو غافل عن احداث الزمن، ومصائبه المخبوئة له خلف استار الغيب – فرأى المدينة في هرج ومرج، وسمع عويل الشاكين، ونواح الباكين، وولولة المفزعين، وأنات المنكوبين. فاستولى عليه العجب، وتعاظمه الدهش، وكاد لا يصدق عينيه فيماتريان، وأذنيه فيما تسمعان. فذهب مسرعا إلى أبيه الملك، يستفسر جلية الخبر؛ فأجابه ابوه محزوما واجما:

لقد حل بنا اليوم المشؤووم الذي ترتدي فيه مدينتنا ثياب الحداد.

فقال له بطل أتينا:

وأي يوم هذا، يا أبتاه؟ ولماذا خصصتموه بالسواد ؟

فقال ملك أتينا:

هذا هو اليوم الاسود: يوم الهول الذي نجمع فيه الضحايا – من خيرة شبابنا – لنقدمهم إلى عجل مينو زلفى له وقربانا.

2 – عجل مينو

فصاح بطل أتينا مدهوشا، ما عجل مينو هذا الذي تذكره، يا ابتاه؟ ولماذا تقدمون له الضحايا والقرابين؟ وأي نوع من الغييلان ذلك الوحش الذي يلتهم النفوس الطاهرة البريئة؟ وما بالنا نستسلم لشراسته، ونخضع لجبروته؟ إن الحياة لتهون – يا أبناه – في سبيل القضاء على أمثال هذه الغيلان الفتاكة، وتخليص بني إنسان من شرها وأذاها!

فهز ملك أتينا رأسه يائسا، وقال لولده متحيرا واجما:

إن عجل مينو – فيما أعلم – غول هذا العصر، ومصدر إزعاجنا، ومثار آلامنا وأحزاننا. وهو يعيش في جزيرة (( كريت )) – لهذه الغول قصرا فاخرا، ولم يأل جهدا في إعزازها، وتوفير اسباب راحتها ورفاهيتها، وتقديد لذائذ الأطعمة لها. 3 – ضحايا عجل مينو

فقال بطل أتينا لأبيه متعجبا:

وما ذنب هذه الضحايا التي يقدمونها لهذا الوحش السفاح؟

فأجابه ملك أتينا محزونا:

لقد نشبت الحرب – منذ سنوات ثلاث – بين أتينا وجزيرة كريت؛ فانتصر علينا أعدائنا وهزمونا شر هزيمة؛ فلم نر بدا من مصالحتهم، والإذعان لما أملوه علينا من الشرائط الجائرة.

وكان أشنع ما فرضوه علينا – حينئذن – أن نقدم لعجل مينو - كل عام – سبعة من فتيان وسبعة من فتيات، في مقتبل الشباب و نضارة العمر، ليأكلهم هانئا مسرورا!

فقال له بطل أتينا: وأين يعيش هذا الوحش، يا أبتاه؟

فأجابه ملك أتينا إنه يعيش في قصر فاخر، لا مثيل له في الروعة والفخامة. وقد أعده ملك كريت لهذه الغول، توفيرا لهنائتها، وتقربا إليها. وقد حل – في هذا اليوم – موسم عجل مينو فجمعنا له أربع عشر فريسة من خيرة شبابنا وشوابنا؛ فانزعج الاهلون، ولبسوا – من أجلهم – ثياب الحداد.

4 – حوار الوالد وولده

فصاح بطل أتينا هائجا متحمسا:

ما أحلى التضحية! وما أجدرني بها في هذا المقام، يا أبتاه! فخبر أهل أتينا – على بكرة أبيهم – أنك لن تختار من شبابهم إلا ستة فتيان؛ لأني اعتزمت أن أكون سابع الضحايا الذين تقدمونهم من شبان أتينا.

فجزع ملك أتينا مما سمع، وذرف دمعه (سال) حزنا على ولده الحبيب إلى نفسه. وحاول – جهد حبه له وخشيته عليه – أن يثنيه عن عزمه؛ فلم يفلح.

وقال له فيما قال:

لقد كبرت سني، وكادت شيخوختي تسلمني إلى القبر، ولم يعد لي سلوة في هذه الحياة سواك.

ولكن بطل أتينا أصم أذنيه، وأنصت (استمع) إلى نداء ضميره، وجعل واجبه نصب عينيه، وحفل أذنيه، وآلى على نفسه لينتقمن، ولينتصفن لأبناء وطنه من عجل مينو، أو يعرض نفسه للبوار والتلف. وما زال بأبيه يستعطفه ويترضاه ويضرع له، حتى اذن له في السفر،ودعا له في سعيه الشاق الخطير.

5 – ساعة الوداع

ولما طلع الفجر، ركب بطل أتينا – ورفاقه من الضحيات – مركبا حربيا كبيرا، بين ولولة الباكين، ونواح اليائسين، وعويل المحزونين. وانحنى ملك أثينا – الشيخ الفاني – على ولده يعانقه ويقبله، وعيناه غاصتان بالدموع، ثم قال له وهو يودعه: لقد جعلنا أشرعة السفينة سودا – كما ترى – لأنك ذاهب إلى غاية مخوفة. فإذا قدر لك الحظ السعيد، أن تفوز على خصمك العنيد؛ فأبدل هذه الأشرعة السود بأخرى بيض، وانشرها على جنبات السفينة، لنعلم – متى رأيناها – أنك عائد إلينا عودة الظافر المنتصر، ونحتفي بك احتفاء لم تسمع به اتينا بمثله في كل عصورها.

فوعد أباه بتحقيق رغبته، وودعه متألما.

ثم أقلعوا سفينتهم ناشرة في الفضاء أشرعتها السود.

6 – العملاق النحاسي

وسارت بهم السفينة في ريح طيبة لينة، حتى قاربو جزيرة كريت؛ فرأى بطل أتينا شبح آدمي هائل الجسم، في مثل طول النخلة السامقة (العالية)، وهو يسير بخطوات واسعة سريعة، على شاطئ الجزيرة، ويجتاز ما بين ك ل هضبتين أو رأسين بخطوة واحدة، وتتكسر الأمواج الثائرة الهائجة تحت قدميه. وقد لمعت ملامحه – حين انعكست على حسمه أشعة الشمس – ولاح جسمه لرائيه كأنه قطعة من النحاس اللامع المتألق، وقد حمل على كتفيه هراوة (عصا ضخمة) نحاسية اللون.

فدهش بطل أتينامن رؤية هذا الشبح الراعب (المخيف)، وسأل ربان السفينة عن هذا العملاق. فأجابه الربان:

هذا هو العملاق النحاسي الهائل، الذي يطوف بالجزيرة ثلاثمرات – كل يوم – ثم يقف على هذا المضيق، حيث تمر كل باخرة تحت قدميه.

وبعد قليل مرت السفين تحت قدمي العملاق النحاسي، وهو ممسك هراوته بيده، يلوح بها في الفضاء، فيخيل لراكبيها انه سيحطمها بها – في لحظة واحدة – ويسحق من فيها سحقا. وقد صاح العملاق – حين دانته (اقتربت منه) السفينة – متوعدا بصوت مثل جلجلة الرعود القاصفة:

من اي البلاد قدمتم، أيها الغرباء؟

فأجابه الربان متوددا:

من أتينا قدمنا. فصاح العملاق مدويا بصوت كالرعد، وهو يلوح بعصاه ( يرفعها ويهزها )، لغيظه على اهل اتينا اعداء جزيرة كريت:

ولأي غرض جئتم أرضنا؟

فأجابه الربان:

لقد أحضرنا الضحيات المفروضة علينا لــ عجل مينو !

فقال العملاق:

ادخلوا الميناء – إذن – وسيروا على طريقكم آمنين.

7 – في حضرة الملك

ولما استقرت السفينة على شاطئ الجزيرة، أقبل الجند عليها، وأحاطوا بالأسرى، وساروا بهم حتى مثلوا بين يدي الملك. فوقفوا – أمامه – يرتجفون فزعا ورعبا، وقد اصفرت وجوههم، وانتظمتهم الرعدة، ما عدا بطل أتينا؛ فقد بقي رابط الجأش (ثابت القلب)، عالي الرأس، ونظر إلى ملك الجزيرة مستهينا بكل ما هو مقبل عليه من أخطار ومهالك.

فدهش الملك من جرأة الفتى، وسأله بصوت أجش:

كيف لا تبدو عليك أمارات الجزع، أيها الفتى؟

ألا تعلم: أى خطر ينتظرك غدا؟

ألم تسمع بعجل مينو قبل هذا اليوم؟

فقال بطل أتينا:

لقد وهبت حياتي فداء لأنبل غاية، وهي الانتصاف (الانتصار) للمظلومين. وما أسعدني بهذه التفدية (التضحية) في سبيل الواجب.

أما انت، فقد وقفت حياتك الأثيمة على الاذى والجور (الظلم)، وكنت – بفظاظتك وقسوتك – أشد إجراما من عجل مينو !

فاهتاج الملك من جرأة الفتى، وصاح بحراسه متوعدا بطل أتينا:

لتقدمن هذا الوقح إلى عجل مينو غدا قبل رفاقه، وليكونن أول ضحية يفترسها بلا رحمة!

8 – حسناء الجزيرة

وكانت حسناء الجزيرة – وهي ابنت ملك كريت – حاضرة هذا الحوار. فامتلأت نفسها إعجابا بهذا الفارس الجرئ. وكانت رحيمة القلب، تحنو على المظلومين، وتعطف على المنكوبين؛ فارتمت على قدمي أبيها متشفعة به ألا يهلك هؤلاء المساكين؛ فلم يلق تضرعها أذنا واعية، بل انتهرها، وسفه رأيها، وأبى إلا التمادي في قسوته وعناده.

وصبرت حسناء الجزيرة إلى منتصف الليل، فذهب إلى سجن الاسرى، وفتحت بابه خلسة؛ فرأت بطل أتينا ساهرا يقظان. فقالت له : لقد جئت لإنقذك من الهلاك؛ فانج بنفسك، وعد سالما إلى وطنك.

فقال له متحمسا: لقد آليت على نفسي أن أقتل عجل مينو، وانقذ رفاقي من فتكه، أو أموت دون هذه الغاية.

فقالت له معجبة بشجاعته:

ما دمت مصرا على مناجزة هذا العدو الراعب، فخذ حسامك الذي انتزعه منك حراسك، وهلم لأرشدك إلى قصر ذلك الوحش، داعية لك بالنصر والتوفيق.

9 – قصر التيـه

وما زالت سائرة معه حتى بلغا قصر التيه. ففتحت له الباب، وقالت له: إن هذا القصر العجيب هو قصر التيه الذي عرفت انباؤه، وذاع صيته في الآفاق. وإنما أطلق عليه ذلك الاسم لان من دخله لا يسير فيه بضع خطوات حتى يتيه في أرجاؤه الحلزونية، وبضل في أثناء شعابه الكثيرة المشتبه، ولا يزال ضالا تائها مدى حياته.

والرأي عندي أن تمسك بطرف هذا الخيط الحريري، حتى تأمن الضلال – إذا عدت منتصرا على عدوك الوحش السفاح – فإن في يدي طرف الخيط الآخر.

فشكر لهابطل أتينا معاونتها إياه، ودخل قصر التيه وفي يمناه حسامه، وفي يسراه الخيط الحريري. وما سار بضع خطوات، حتى اشتبهت عليه طرقات القصر؛ فلم يعرف أي طريق يسلك. وإنه لفي ضلاله وحيرته، إذ سمع خوارا عاليا يدوي مجلجلا كالرعد القاصف؛ فأدرك أن (( عجل مينو )) على كثب ( قريب ) منه. فسار في منعطفات قصر التيه صوب الصوت، وهو يتوقع – بين لحظة وأخرى – أن يراه.

10 – المعركة الحاسمة

وسار بطل أتينا – في طريقه المتعرج – زاحفا مرة تحت جسر منخفض، وهابطا بضع در كات من سلم في ممر ملتو منعطف، وصاعدا درجات أخرى، ومارا خلال فتحة باب ضيق، وسامعا فرقعة وجلبة عاليتين؛ حتى خيل له أن الجدران تدور به، وكاد الدوار يعتريه من فرط الحيرة والدهش.

وكان يتوقع – بين لحظة وأخرى – أن يفاجئه عجل مينو في إحدى المنعطفات. وقد صدق ظنه، ولم يكذبه حسبانه؛ فقد باغته عجل مينو بعد لحظات يسيرة. وما ان رآه العجل، حتى هاج اشد هياج، وصوب قرنيه حتى ينطح خضمه – وقد استولى عليه ما يشبه الجنون – ونشبت بينهما معركة حاسمة.

ولو أن قرن العجل أصاب جسم بطل أتينا لمزقه أشلاء (قطعا).

ولكن بطل أتينا كان يقظا، لا يعرف الجبن إلى قلبه سبيلا؛ فانحرف عن طريق العجل – برشاقة نادرة – فاصتدم قرنه بالجدار، قانكسر القرن.

واشتدت ثورة العجل وحنقه (غيظه) على خصمه؛ فتراجع خطوات، متحفزا (متهيئا) للفتك به. ووقف الخصمان الباسلان متقابلين، وجها لوجه، وسيفا لقرن. ثم قفز عجل مينو قفز جبار، ليطعن خصمه بقرنه الايسر، وفتح فاه ليبلعه؛ فكانت فتحة فيه بمقدار ما بين اذنيه. ولكن بطل أتينا خيب ظنون العجل، ولم يمكنه من إدراك بغيته. فقفز في الهواء قفزة هائلة ثم أهوى بسيفه على عنق خصمه؛ فانفصل الرأس عن الجسد وهوى عجل مينو صريعا إلى الأرض، يتشحط بدمه.

وهكذا خلص الناس من شرور ذلم الوحش وآثامه، وأراحهم من قسوته ووحشيته، وأدى واجبه لوطنه وللإنسانية كلها، بما أسداه (صنعه) من عمل جليل، وصنيع (معروف) نبيل.

الفصل الثالث

1 – خلاص الأسرى

ولما كتب النصر لبطل أتينا، فكر في العودة. فعاد طريقه – دون عناء – مسترشدا بالخيط الحريري الذي امسك به، حتى بلغ باب قصر التيه؛ فرأى حسناء الجزيرة تنتظره، وهي على احر من الجمر. فلما رأته صفقت بيدها طربا، وهنأته على انتصاره الباهر الذي فاق كل انتصار، ثم قالت له:

أسرع بالعودة – مع رفاقك – إلى بلدك قبل ان يطلع الفجر، فينتقم أبي منك أشنع انتقام.

فذهب بطل أتينا مع (حسناء الجزيرة، وأيقظا الأسرى، فهبوا من نومهم وهم لا يكادون يصدقون بالنجاة من الهلاك.

ولما بلغوا السفينة، شكر بطل أتينا لحسناء الجزيرة ما اسدته إليه من معونة وفضل، وتوسل إليها ان تعود معه إلى بلده، حتى تنجو من سخط ابيها وعقابه؛ فقالت له: لا سبيل إلى العودة معك؛ فإن في ذلك عقوقا لأبي، وهو شيخ هرم، لا يجد غيري في الحياة كلها عزة وسلوى وسيغضب علي أول الامر، ثم يصفح عني بعد قليل؛ لأنني لم أقم بما استحق عليه اللوم والتثريب (التوبيخ)، بل اشتركت في تخليص بني الانسان من وحش فاتك سفاح.

فشكر لها بطل أتينا كرمها، واخلاصها للحق والواجب، ثم ودعها، بعد ان اثنى عليها بما هي اهله من الثناء.

ثم اقلعوا السفينة عائدين إلى ارض الوطن الحبيب. وما زالت تمخر عباب البحر، وتنهب الماء نهبا، حتى اقتربت من ارض الوطن.

ثم اقلعوا السفينة عائدين الى ارض الوطن الحبيب. وما زالت تمخر عباب البحر، وتنهب الماء نهبا، حتى اقتربت من ارض الوطن.

ولا تسل عن سرور بطل أتينا ورفاقه حين لاحت لهم أعلام بلادهم (جبالها)، وأيقنوا ملاقو أهليهم وأحبابهم سالمين آمنين.

2 – الاشرعة السود

أيها الطفل العزيز: كنت أود ان أقف عند هذا الحد من قصة بطل أتينا ، ولكن أمانة النقل تحتم علي أن افضي إليك بالاسطورة كملا (أخبرك بها كاملة وافية)، دون نقص أو تحريف:

لقد كان من الطبيعي ان تنتهي القصة نهاية طبيعية، فيلتقي الوالد الحدب (العطوف) الرحيم بولده البار الشفيق.

وقد كانت كل المقدمات مؤدية – بلا شك – إلى هذه النتيجة السارة.

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، وشاء القدر المتصرف في العباد – ولا راد لمشيئته – ألا يلتقي الوالد بولده.

أراك تعجب مما تقرأ، ولك الحق في عجبك.

على ان مصدر النكبات نشأ ممن خطإ تفه، كان غاية في اليسر، ولكن عواقبه كانت جسيمة، غاية في الخطورة.

ألم أقل لك – في أثناء هذه الاسطورة – إن ملك أتينا قد أوصى ولده ان يرفع الاشرعة السود، ويحل محلها أشرعة أخرى بيضاء، إذا كتب لك الفوز والنصر، ورزق السلامة والاياب؟

فاعلم – عملت الخير، والهمت الرشد، وسلمت من كل أذا وضر – أن بطل أتينا ورفاقه لم يذكوا نصيحة الملك، وانستهم لذة الفوز والانتصار ما أوصاهم به ملك أتينا. فعادت السفينة – كما خرجت من الميناء – وهي مجللة بالاشرعة السود.

وكان ملك أتينا يترقب عودة السفينة – بفارغ الصبر – على قمة جبل شاهق، وهو شديد الشوق إلى لقاء ولده العزيز، وقد عظم قلقه عليه. فلما دنت السفينة من الميناء، كان أكبر همه أن ينظر إلى اشرعتها، ليتعرف مصير ولده الشجاع. فلما أبصر الاشرعة السود – كما هي – أيقن بهلاك بطل أتينا، وعرف أن عجل مينو قد صرعه كما صرع كثيرا من الضحايا من قبل. فزاغ بصره (اضطربت عينه)، وغشي عليه (ذهل)، ودار مترنحا (متمايلا)؛ فهوى – من فرط الحزن – من قمة الجبل العالية إلى البحر مترديا، وابتلعته الامواج الهائجة، قبل ان يملأ ناظريه من ولده الحبيب.

خاتمة القصة

ولا تسل عن حزن (( بطل أتينا )) حين بلغ اسماعه مصرع والده الحدب ( العطوف ) الرفيق؛ فقد انسته هذه المصيبة لذة الفوز والانتصار على عدوه. ولا تسل عن حزن الاهلين لمصرع مليكهم العادل الرحيم، وفرحهم بانتصار ولده: بطل أتينا الذي خلص ابنائهم وبناتهم من عجل مينو.

وهكذا امتزج الحزن بالفرح، واختلطت أصوات البشرى والسرور برنات الحزن والاسى (أصوات الباكين).

ولكن الايام تنسي المصائب والخطوب (الامور المكريهة)، كما تنسى المسرات والافراح جميعا. فإنه لم يمض زمن قليل حتى هدأت النفوس، واستتب الامر لبطل أتينا ، واحضر امه إلى مقر ملكه وملك ابيه من قبل. وظل يعمل بنصيحتها، ويأخذ برأيها السديد،ولا يعصي لها أمرا. فأصبح حبيبا إلى نفس كل فرد من افراد الشعب، وصار مضرب الامثال – بين ملوك عصره – في الرفق بالرعية، والبر بالناس، وإقامة العدل، وتوخي الانصاف.