المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

من معرفة المصادر

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

د. جواد علي

الجزء الأول – الفصول 1-40

محتويات

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مقدمة 2

هذا كتاب في تاريخ العرب قبل الإسلام، وهو في الواقع كتاب جديد، يختلف عن كتابي السابق الذي ظهرت منه ثمانية أجزاء. يختلف عنه في إنشائه، وفي تبويبه وترتيبه، وفي كثير من مادته أيضاً، فقد ضمّنته مادة جديدة،خلا منها الكتاب السابق، تهيأت لي من قراءاتي لكتابات جاهلية عُثر عليها بعد نشر ما نشرت منه، ومن صور كتابات أو ترجماتها أو نصوصها لم تكن قد نشرت من قبل، ومن مراجعاتي لموارد نادرة لم يسبق للحظ إن سعد بالظفر بها أو الوقوف عليها، ومن كتب ظهرت حديثاً بعد نشر هذه الأجزاء، فرأيت إضافتها كلها إلى معارفي السابقة التي جسدتها في ذلك الكتاب. وقد رأى أستاذي العالم الفاضل السيد محمد بهجت الأثري تسميته: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لما فيه من تفصيل لم يرد في الكتاب السابق، فوجدت في اقتراحه رأياً صائباً.ينطبق كل الانطباق على ما جاء فيه، فسميته بما سماه به، مقسماً إليه شكري الجزيل على هذا التوجيه الجميل.

وكتاباي هذان، هما عمل فرد عليه جمع المادة بنفسه، والسهر في تحريرها وتحبيرها،وعليه الإنفاق من ماله الخاص على شراء موارد غير متيسرة في بلاده، أو ليس في استطاعته مراجعتها بسبب القيود المفروضة على إعارة الكتب،أو لاعتبارات أخرى، ثم عليه البحث عن ناشر يوافق على نشر الكتاب، ثم عليه تصحيح المسودات بنفسه بعد نجاحه في الحصول على ناشر، إلى غير فلك من أمور تسلبه راحته وتستبد به وتضنيه. ولولا الولع الذي يتحكم في المؤلفين في هذه البلاد، لما أقدم إنسان على تأليف كتاب.

وإن عملاً تم بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة، لا يمكن إن يرضي المؤلف أو يسعده، لأنه عمل يعتقد إنه مها انفق فيه من جهد وطاقة واجتهاد، فلن يكون عل الشكل الذي يتوخاه أو يريده، والصورة التي رسمها في فكره وتصورها له. ولولا طمع المؤلف في كرم القراء بتبرعهم في تقويم عوجه وإصلاح أغلاطه و إرشاده إلى خير السبل المؤدية إلى التقويم والإصلاح، و لولا اعتقاده إن في التردد أو الإحجام سلبية لا تنفع، بل إن فيها ضرراً، وان كتابا يؤلَّف و ينشر عد ما يجمع من عيوب ونقائص خير من لا شيء، أقول:لولا هذه الاعتبارات لما تجرأت، فأخرجت كتاباً وعددتني مؤلفاً من المؤلفين. وأنا إذ أقول هذا القول و أثبته، لا أريد إن أكون مرائيا لابساً ثوب التواضع لأتظاهر به على شاكلة كثير من المرائين. و إنما أقول ذلك حقا وصدقا، فأنا رجل اعتقد إن الإنسان مهما حاول إن يتعلم،فأنه يبقى إلى خاتمة حياته جاهلاً، كل ما يصل إليه من العلم هو نقطة من بحر لا ساحل له. ثم إني ما زلت أشعر أني طالب علم، كلما ضننت انتهيت من موضوع، و فرحت بانتهائي منه، أُدرك بعد قليل إن هنالك علما كثيراُ فاتني، و موارد جمة لم أتمكن من الظفر بها، فأتذكر الحكمة القديمة "العجلة من الشيطان".

و قد رأيت في هذا الكتاب شأني في الكتاب السابق، ألا أنصِّب نفسي حاكماً تكون وظيفته إصدار أحكام قاطعة، و إبداء آراء في حوادث تاريخية مضى زمن طويل عليها، بل أكتفي بوصف الحادث و تحليله كما يبدو لي. و قد لا تعجب طريقتي هذه كثيرا من القراء، و عذري أني لا أكتب لإرضاء الناس، و لا أدوّن لشراء العواطف، و إنما أكتب ما أعتقده و أراه بحسب علمي و تحقيقي، و الرأي عندي إن التاريخ تحليل و وصف لما وقع و يقع، و على المؤرخ إن يجهد نفسه كل الإجهاد للإحاطة به، بالتفتيش عد كل ما ورد عنه، و مناقشة تمحيصٍ و نقد عميقين، ثم تدوين ما يتوصل إليه بجده و اجتهاده تدويناً صادقا على نحو ما ظهر و ما شعر به، متجنباً إبداء الأحكام و الآراء الشخصية القاطعة على قدر الاستطاعة. لقد قلت في مقدمة الجزء الأول من كتابي السابق: "و الكتاب بحث، أردت جهد طاقتي إن يكون تفصيليا، و قد يعاب عليّ ذلك، و عذري في هذا التفصيل أنني أريد تمهيد الجادة لمن يأتي بعدي فيرغب في التأليف في هذا الموضوع، وأنني أكتب للمتتبِّعين والمتخصصين، ومن حق هؤلاء المطالبة بالمزيد . وقد فعلت في هذا الكتاب ما فعلته في الأجزاء الثمانية من الكتاب السابق من تقصّي كل ما يرد عن موضوع من الموضوعات في الكتابات وفي الموارد الأخرى ، وتسجيله وتدوينه ، ليقدم للقارئ أشمل بحث وأجمع مادة في موضوع يطلبه ، لأن غايتي من هذا الكتاب أن يكون "موسوعة" في الجاهلية والجاهليين ، لا أدع شيئاً عنها أو عنهم إلا ذكرته في محله ، ليكون تحت متناول يد القارئ . فكتابي هذا وذاك هما للمتخصصين وللباحثين الذين يطمعون في الوقوف على حياة الجاهلية بصورة تفصيلية ، ولم يكتب للذين يريدون الإلمام بأشياء مجملة عن تلك الحياة. والكتاب لذلك سيخرج في أجزاء ، لا أستطيع تحديد عددها ألان ، ولكني أقول بكل تأكيد إنها ستزيد على العشرة ، وأنها ستتناول كل نواحي الحياة عند ا لجاهليين: من سياسية ، و اجتماعية ، ودينية ، وعلمية ، وأدبية ، وفنية ، و تشريعية . لقد أشار عليّ بعض الأصدقاء أن أدخل في العرب كل الساميّين ، وأن أتحدث عنهم في كتابي هذا كما أتحدث عن العرب ، لأن وطن الساميين الأول هو جزيرة العرب ، ومنه هاجروا إلى الأماكن المعروفة التي استقروا فيها ، فهم في ذلك مثل القبائل العربية التي تركت بلاد العرب ، واستقرت في العراق وفي بادية الشام وبلاد الشام ، لا يختلفون عنهم في شيء . ثم قالوا: فإذا كنتَ قد تحدثت عن تلك القبائل المهاجرة على أنها قبائل عربية، فلمَ تسكت عن أولئك السامين ، ولم تجعلهم من العرب? و جوابي أن القبائل العربية المهاجرة هي قبائل معروفة الأصل وقد نصت الكتابات والموارد الأخرى على عروبتها. ، ونسبت نفسها إلى جزيرة العرب، ولهجاتها لهجات عربية ، لا ريب في ذلك ولا نزاع ، و ثقافتها عربية . أما الشعوب السامية ، فليس بين العلماء، كما سترى، اتفاق على وطنها الأول، وليس بينها شعب واحد نسب نفسه إلى العرب ، وليس في الموارد التاريخية الواصلة إلينا مورد واحد يشير إلى أنها عربية؛ ولهجاتها وان اشتركت كلها في أمور، فإنها تختلف أيضاً في أمور كثيرة، هي أكثر من مواطن الاشتراك والالتقاء. ففرقٌ كبير إذن بين هذه الشعوب وبين القبائل العربية من حيث العروبة. ثم إن العروبة في نظري ليس بها حاجة إلى ضم هذه الشعوب اليها، لاثبات إنها ذات أصل تؤول اليه، فقد أعطى الله تلك الشعوب تاريخاً ثم محاه عنهم، وأعطى العرب تاريخاً أينع في القديم واستمر حتى لليوم،ثم إن لهم من الحضارة الإسلامية ما يغنيهم عن التفتيش عن مجد غيرهم وعن تركاتهم، لإضافتها إليهم. فليس في العرب مركب نقص حتى نضيف إليهم من لم يثبت انهم منهم، لمجرد أنهم كانوا أصحاب حضارة وثقافة، وأن جماعة من العلماء ترى أنهم كانوا من جزيرة العرب. والرأي عندي أن العرب لو نبشوا تربة اليمن و بقية الترب لما احتاجوا إلى دعوة من يدعو إلى هذا الترقيع. فأنا من أجل هذا لا أستطيع أن أضم أحدا من هؤلاء إلى الأسرة العربية بالمعنى الاصطلاحي المعروف المفهوم، من لفظة العرب عندنا ، إلا إذا توافرت الأدلة ، وثبت بالنص أنهم من العرب حقاً، وأنهم كانوا في جزيرة العرب حقاً.

نعم، لقد قلت إن مصطلح الشعوب العربية هو أصدق اصطلاح يمكن إطلاقه على تلك الشعوب ، وإن الزمان قد حان لاستبدال .مصطلح "عربي" و "عريية" ب "سامي" و "سامية" ، وقلت أشياء أخرى شرحتها في الجزء الثاني من الكتاب السابق في تعليل ترجيح هذه التسمية. ولكنى لم أقصد ولن أقصد أن تلك الشعوب هي قبائل عربية مثل الشعوب والقبائل العربية المعروفة. فالسامية وحدة ثقافية، اصطلح عليها اصطلاحاً، و العروبة وحدة ثقافية وجنسية وروابط دموية وتأريخية، و بين المفهومين فرق كبير. إن مما يثير الأسف والله في النفوس ان نرى الغربيين يعنون بتأريخ الجاهلية و يجدّون في البحث عنه والكشف عن حلقاته وتركاته في باطن الأرض، ونشره بلغاتهم، ولا نرى حكوماتنا العربية ولا سيما حكومات جزيرة العرب، إلا منصرفة عنه، لا تعنى بالآثار العناية اللازمة لها، ولا تسأل الخبراء رسمياً وباسمها البحث عن العاديات والتنقيب في الخرائب الجاهلية لاستخراج ما فيها من كنوز،وجمعها في دار للمحافظة عليها ولاطلاع الناس عليها . وقد يكون عذر هذه الحكومات إن الناس هناك ينظرون إلى التماثيل نظرتهم إلى الأصنام والأوثان، والى استخراج الآثار والتنقيب عن العاديات نظرتهم إلى بعث الوثنية و إحياء معالم الشرك، وهي من أجل هذا تخشى الرأي العام، وإني على كل حال أرجو إن تزول هذه الأحوال في المستقبل القريب، وأن يدرك عرب الجزيرة أهمية الآثار في الكشف عن تاريخ هذه الأمة العربية القديم.

كذلك أرجو إن تنتبه حكومات جزيرة العرب لأهمية موضوع التخصص بتأريخ العرب القديم، وان تكلف شبانها دراسة علم الآثار ودراسة لهجات العرب قبل الإسلام والأقلام العربية الجاهلية، ليقوموا هم أنفسهم بالبحث والتنقيب في مواطن العاديات المنبثة في مواطن كثيرة من الجزيرة.

ورجاء آخر أتمنى على جامعة الدول العربية والدول العربية إن يحققوه، وهو إرسال بعثات من المتخصصين بالآثار وباللهجات والأقلام العربية القديمة إلى مواطن الآثار في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية والمواضع الأخرى من جزيرة العرب للتنقيب عن الآثار، والكشف عن تأريخ الجزيرة المطمور تحت الأتربة والرمال، ونشره نشرا علمياً، بدلاً من إن يكون اعتمادنا في ذلك على الغربيين. أفلا يكون من العار علينا إن نكون عالة عليهم في كل أمر، حتى في الكشف عن تاًريخنا القديم! وأضيف إلى هذا الرجاء رجاء آخر هو إن تقوم أيضاً بتدوين معجم في اللهجات العربية الجاهلية، تستخرجه من الكتابات التي عثر عليها، وبتأليف كتب في نحوها وصرفها، وترجمة الكتب، الأمهات التي وضعها المؤلفون الأجانب في تاريخ الجاهلية، ترجمة دقيقة تنأى عن المسخ الذي وقع في ترجمة بعض تلك المؤلفات فأشاع الغلظ ونشر التخريف.

لقد راجعت بعض المستشرقين الباحثين في تاريخ العرب القديم، وسالت بعض من ساح في جزيرة العرب في هذه الأيام، وبعض الشركات العاملة فيها، في آخر ما توصلوا إليه من بحوث، وعثروا عليه من عاديات، فوجدت منهم كل معونة، وأرسلوا وما برحوا يرسلون أجوبتهم إليّ بكل ترحاب ولطف، وكتبت إلى بعض حكومات جزيرة العرب والى بعض المسؤولين من أصحاب المكانة فيها والنفوذ مرارا، أسألها وأسألهم عن العاديات وعن الآثار التي عثر عليها حديثاً في بلادهم، فلم أسمع من الاثنين جوابا، وإني إذ أكتب هذه الملاحظة المرّة المؤسفة، إنما أرمي بها إلى التنبيه ولفت أنظار أولي الأمر أصحاب الحكم والسلطان. فمن واجب المسؤول إجابة الرسائل، ولا سيما إن القضية قضية تخص البلاد المذكورة بالذات والعرب عموماً، وقبيح إن ينبري الغريب، فيساعد طالب بحث عن تأريخ أمته واخوته، ويستنكف المسؤولون من أبناء هذه الأمة عن تنفيذ طلب لا يكلفهم شيئا، وهو خطير يتعلق بتأريخ هذه الأمة قبل الإسلام و إذاعته أولاً، وهو واجب من واجباتهم التي نصبوا من أجلها ثانياً. لقد تمكن الباحثون في التاًريخ الجاهلي، من سياح وعلماء، من الارتقاء بتاريخ الجاهلية بمئات من السنين قبل الميلاد ، وذلك على وجه صحيح لا مجال للشك فيه، خ أن بحوثهم هذه لم تنزل سوى أمتار في باطن الآثار وفي أماكن محدودة معينة. وسوف يرتفع مدى هذا التأريخ إلى مئات أخرى، وربما يتجاوز الألفي سنة أو أكثر قبل الميلاد إذا أتيحت الفرص للعلماء في الحفر في مواضع، الآثار حفرا علمياً بالمعنى الحديث المفهوم من "الحفر" . وأنا لا أستبعد بلوغ هذا التاريخ الجاهلي في يوم من الأيام التأريخ الذي وصل إليه العلماء في مصر وفي العراق، أو في أماكن أخرى عرفت بقدم تاريخها، بل لا أستبعد أيضا أن يتقدم هذا التأريخ تأريخ بعض الأماكن المذكورة .

وبعد هذا ، لا بد لي هنا من الاعتراف بفضل رجل، له على هذا الكتاب وعلى الكتاب الأول يد ومنة، وله كذلك عد مؤلفهما فضل سابق، يسبق زمن تأليف كتابيه بأمد طويل ، هو فضل الإرشاد والتوجيه والتعليم. وأريد به الاستاذ العلامة الفاضل السيد محمد بهجت الأثري ، العضو العامل في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق، وعضو المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. فقد كان لي ولأمثالي من الدارسين والباحثين ولا يزال مرشدا وموجهاً ومشوقاً لدراسة التراث العربي والتراث الإسلامي والتأليف في ذلك، مذ كنت تلميذه في الإعدادية المركزية ببغداد أتلقى عنه في جملة من كانوا يتلقون سنه الأدب العربي، فكان يشوقنا بأسلوبه الجذاب ، وبتأثيره القوي المعروف، إلى التوسع في دراسة الأدب العربي وتاريخ الأمة العربية، وهو ما برح يحثني على الإسراع في إتمام هذا الكتاب و إخراجه للناس، قارئاً مسوداته، ومبدياً آراءه و إرشاداته وملاحظاته المهمة ،التي أفادتني ،والحق أقول، كثيراً. وهما فضلان لن ينساهما تلميذ يقدّر الفضل لأستاذ كريم يفني نفسه في تربية الأجيال ونشر الأدب والعلم.

وبعد، فهذا الكتاب هو جمعي وترتبي، فأنا المسؤول عنه وحدي، وليس لأحد محاسبة غيري عله، اجتهدت ألا اضمنه إلا الحق والصواب من العلم على قدر طاقتي واجتهادي، فإن أكن قد وفقت فيما قصدت اليه وأردته، فذلك حسبي و كفى، لا أريد عليه حمداً ولا شكرا، لأني قمت بواجب، وعملت عن شوق ورغبة وولع قديم بهذا الموضوع يرجع إلى أيام دراستي الأولى، فليس لي فضل ولا منة، وإن كان فيه حسناٌ فهو للعلماء الذين اعتمدت عليهم وأخذت منهم، وليس لي فيه غير الجمع والتأليف. وإن أخفقت فيه فذلك مبلغ علمي واجتهادي، أديته بعد تعب،لا أملك أكبر منه، وبغيتي حسن التوجيه والإرشاد وتقويم الأود، وتصحيح الأغلاظ، فالنقد العلمي الحق إنشاء وبناء، والمدح والإطراء في نظري ابعاد لطالي العلم من أمثالي عن العمل والتقدم،وسبب يؤدي إلى الخيلاء والضلال، وفوق كل ذي علم عليم.


الفصل الأول تحديد لفظة العرب 3

الفصل الأول تحديد لفظة العرب نطلق لفظة "العرب" اليوم على سكّان بلاد واسعة، يكتبون ويؤلفون وينشرون ويخاطبون بالإذاعة و "التلفزيون" بلغة واحدة، نقول لها لغة العرب أو لغة الضاد أو لغة القرآن الكريم. وإن تكلموا وتفاهموا وتعاملوا فيما بينهم وفي حياتهم اليومية أدّوا ذلك بلهجات محلية متبابنة، ذلك لأن تلك اللهجات إذا أرجعت رجعت إلى أصل واحد هو اللسان العربي المذكور، وإلى ألسنة قبائل عربية قديمة، وإلى ألفاظ أعجمية دخلت تلك اللهجات بعوامل عديدة لا يدخل البحث في بيان أسبابها في نطاق هذا البحث. و نحن إذ نطلق لفظة "عرب" و "العرب" على سكان البلاد العربية، فإنما نطلقها إطلاقاً عاماً على البدو وعلى الحضر، لا نفرق بين طائفة من الطائفتين، ولا بين بلد وبلد. نطلقها بمعنى جنسية وقومية وعلم على رسٍّ له خصائص وسمات وعلامات وتفكر يربط الحاضرين بالماضين كما يربط الماضي بالحاضر. و اللفظة بهذا المعنى وبهذا الشكل، مصطلح يرجع إلى ما قبل الإسلام،ولكنه لا يرتقي تاريخياً إلى ما قبل الميلاد، بل لا يرتقي عن الإسلام إلى عهد جدا بعيد. فأنت إذا رجعت إلى القرآن الكريم، والى حديث رسول الله، وجدت للفظة مدلولاً يختلف عن مدلولها في النصوص الجاهلية التيُ عثر عليها حتى الآن، أو في التوراة والإنجيل والتلمود وبقية كتب اليهود والنصارى وما بقي من مؤلفات يونانية ولاتينية تعود إلى ما قبل الإسلام. فهي في هذه أعراب أهل وبر، أي طائفة خاصة من العرب. أما في القرآن الكريم و في الحديث النبوي، وفي الشعر المعاصر للرسول، فإنها علَم على الطائفتين واسم للسان الذي نزل به القرآن الكريم، لسان أهل الحضر ولسان أهل الوبر على حد سواء. )ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشرٌ. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين(، )ولو جعلناه، قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته أعجمي وعربي. قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد(. وإذا ما سألتني عن معنى لفظة "عرب" عند علماء العربية، فإني أقول لك: إن لعلماء العربية آراء في المعنى، تجدها مسطورة في كتب اللغة وفي المعجمات. ولكنها كلها من نوع البحوث المألوفة المبنية على أقوال وآراء لا تعتمد على نصوص جاهلية ولا على دراسات عميقة مقارنة، وضعت على الحدس والتخمين، وبعد حيرة شديدة في إيجاد تعليل مقبول فقالوا ما قالوه مما هو مذكور في الموارد اللغوية المعروفة، وفي طليعتها المعجمات وكتب الأدب. وكل آرائهم في تفسير اللفظة وفي محاولة أيجاد أصلها ومعانيها، هو إسلامي، دوّن في الإسلام. وترى علماء العربية حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما يذهبون إلى إن "يعرب" كان أول من أعرب في لسانه وتكلم بهذا اللسان العربي، ثم يقولون: ولذلك عرف هذا اللسان باللسان العربي، تراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم، أي انهم يرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة، وقد كانت الخليقة قبل خلق "يعرب" بالطبع بزمان طويل. ثم تراهم يقولون: أول من تكلم بالعربية ونَسِي لسان أبيه إسماعيل. أُلهم إسماعيل هذا اللسان،العربي إلهاماً. وكان أول من فُتق لسانه بالعربية المبينة، وهو ابن أربع عشرة سنة. و إسماعيل هو جد العرب المستعربة على حد قولهم. والقائلون إن "يعرب" هو أول من أعرب في لسانه، وانه أول من نطق بالعربية، وان العربية إنما سميت به، فأخذت من اسمه، إنما هم القحطانيون. وهم يأتون بمختلف الروايات والأقوال لإثبات أن القحطانيين هم أول العرب، وأن لسانهم هو لسان العرب الأول، ومنهم تعلم العدنانيون العربية، ويأتون بشاهد من شعر "حسان بن ثابت" على إثبات ذلك، يقولون: إنه قاله، وان قوله هذا هو برهان على إن منشأ اللغة العربية هو من اليمن. يقولون إنه قال: تعلمتمُ من منطق الشيخ يعرب أبينا، فصرتم معربين ذوي نفر و كنتم قديما ما بكم غير عجمة كلام، و كنتم كالبهائم في القفر ولم يكن يخطر ببال هؤلاء إن سكان اليمن قبل الإسلام كانوا ينطقون بلهجات تختلف عن لهجة القرآن الكريم، وأن من سيأتى بعدهم سيكتشف سر "المسنَد"، ويتمكن بذلك من قراءة نصوصه والتعرف على لغته، وأن عربيته هي عربية تختلف عن هذه العربية التي ندوّن بها، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام بالطبع إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الجنوبية الأخرى من العربية، وقصر العربية على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وعلى ما تفرع منها من لهجات كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد. وهو رأي يمثل رأي العدنانيين خصوم القحطانيين. والقائلون إن يعرب هو جدّ العربية وموجدها، عاجزون عن التوفيق بن رأيهم هذا ورأيهم في إن العربية قديمة قدم العالم، وأنها لغة آدم في الجنة، ثم هم عاجزون أيضاً عن بيان كيف كان لسان أجداد "يعرب"، وكيف اهتدى "يعرب" إلى استنباطه لهذه اللغة العربية، وكيف تمكن من إيجاده وحده لها من غير مؤازر ولا معين? إلى غير ذلك من أسئلة لم يكن يفطن لها أهل الأخبار في ذلك الزمن. وللإخباريين بعد كلام في هذا الموضوع طويل، الأشهر منه القولان المذكوران، ووفق البعض بينهما بأن قالوا: إن "يعرب" أول من نطق بمنطق العربية، و إسماعيل هو أول من نطق بالعربية الخالصة الحجازية التي أنزل عليها القرآن. أما المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون، فقد تتبعوا تأريخ الكلمة، وتتبعوا معناها في اللغات السامية،وبحثوا عنها في الكتابات الجاهلية وفي كتابات الآشوريين والبابليين واليونان والرومان والعبرانيين وغيرهم، فوجدوا إن أقدم نصّ وردت فيه لفظة "عرب" هو نص آشوري من أيام الملك "شلمنصر الثالث" "الثاني?" ملك آشور. وقد تبين لهم إن لفظة "عرب" لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه عندنا من معنى، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة "مشيخة" كانا تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية، كان حكمها يتوسع ويتقلص في البادية تبعاً للظروف السياسية ولقوة شخصية الأمير، وكان يحكمها أمير يلقب نفسه بلقب "ملك" يقال له "جنديبو" أي "جندب" وكانت صلاته سيئة بالآشوريين. ولما كانت الكتابة الآشورية لا تحرك المقاطع، صعُب على العلماء ضبط الكلمة، فاختلفوا في كيفية المنطق بها، فقرئت: "Aribi" و "Arubu" و "Aribu" و "Arub" و "Arai" و "Urbi" و "Arbi" إلى غير ذلك من قراءات. والظاهر إن صيغة "Urabi" كانا من الصيغ القليلة الاستعمال، ويغلب على الظن إنها استعملت في زمن متأخر، وأنها كانت بمعنى "أعراب" على نحو ما يقصد من كلمي "عُربي" و "أعربي" في لهجة أهل العراق لهذا العهد. وهي تقابل كلمة "عرب" التي هي من الكلمات المتأخرة كذلك على رأي بعض المستشرقين. وعلى كل حال فإن الآشوريين كانوا يقصدون بكلمة "عربي" على اختلاف أشكالها بداوة ومشيخة كانت تحكم في أيامهم البادية تمييزاً لها عن قبائل أخرى كانت مستقرة في تخوم البادية. و وردت في الكتابات البابلية جملة "ماتواربي" "Matu A-Ra-bi" ، "Matu Arabaai" و معنى "ماتو" "متو" أرض، فيكون المعنى "أرض عربي" ، أي "أرض العرب" ، أو "بلاد العرب" ، أو "العربية" ، أو " بلاد الأعراب" بتعبير اصدق و أصح. إذ قصد بها البادية، و كانت تحفل بالأعراب. و جاءت في كتابة "بهستون" "بيستون" "Behistun" لدارا الكبير "داريوس" لفظة "ارباية" "عرباية" "Arabaya" و ذلك في النص الفارسي المكتوب باللغة "الأخمينية" ، و لفظة "Arpaya" "M Ar payah" في النص المكتوب بلهجة أهل السوس "Susian" "Susiana" و هي اللهجة العيلامية لغة عيلام. ومراد البابليين أو الآشوريين أو الفرس من "العربية" أو "بلاد العرب"، البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام. وقد ذكرت "العربية" بعد آشور وبابل وقبل مصر في نص "دارا" المذكور، فحمل ذلك بعض العلماء على إدخال طور سيناء فيَ جملة هذه الأرضين. وقد عاشت قبائل عربية عديدة في منطقة سيناء قبل الميلاد. و بهذا المعنى أي معنى البداوة والأعرابية والجفاف والقفر، وردت اللفظة في العبرانية وفي لغات سامية أخرى. ويدل ذلك عذ أن لفظة "عرب" في تلك اللغات المتقاربة هو البداوة وحياة البادية، أي بمعنى "أعراب". وإذا راجعنا المواضع التي وردت فيها كلمة "عربي" و "عرب" في التوراة، نجدها بهذا المعنى تماماً. ففي كل المواضع التي وردت فيها في سفر "أشعياء" "Isaiah" مثلاً نرى أنها استعملت بمعنى بداوة و أعرابية، كالذي جاء فيه: "ولا يخيم هناك أعرابي" و "وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين" . فقصد بلفظة "عرب" في هذه الآية الأخيرة البادية موطن العزلة والوحشة والخطر، ولم يقصد بها قومية وعلية لمجلس معين بالمعنى المعروف المفهوم. ولم يقصد بجملة "بلاد العرب" في الآية المذكورة والتي هي ترجمة "مسا ه -عراب" " Massa ha-Arab"، المعنى المفهوم من "بلاد العرب" في الزمن الحاضر أو في صدر الإسلام، وإنما المراد بها للبادية، التي بين بلاد الشام والعراق وهي موطن الأعراب. وبهذا المعنى أيضاً وردت في "أرميا"، ففي الاية "وكل ملوك العرب" الواردة في الإصحاح الخامس والعشرين، تعني لفظة "العرب" "الأعرابي"، أي "عرب البادية". والمراد من "وكل ملوك العرب" و " كل رؤساء العرب" و "مشايخهم"، رؤساء قبائل ومشايخ، لا ملوك مدن وحكومات. وأما الآية: "في الطرقات جلست لهم كأعرابي في البرية"، فإنها واضحة، وهي من الآيات الواردة في "أرميا". والمراد بها أعرابي من البادية،لا حضري من أهل الحاضرة. فالمفهوم اذن من لفظة "عرب" في اصحاحات "أرميا" إنما هو البداوة والبادية والأعرابية ليس غير. ومما يؤيد هذا الرأي ورود "ها عرابة ha'Arabah " في العبر انية، ويراد: بها ما يقال له: "وادي العربة"، أي الوادي الممتد من البحر الميت أو من بحر الجليل إلى خليج العقبة. وتعتي لفظة "برابة" في العبرانية الجفاف وحافة الصحراء وأرض محروقة، أي معاني ذات صلة بالبداوة والبادية. وقد أقامت في هذا الوادي قبائل بدوية شملتها لفظة "عرب". وفي تقارب لفظة "عرب" و "عرابة"، وتقارب معناهما، دلالة على الأصل المشترك للفظتين. ويعدّ وادي "العربة" وكذلك "طور سيناء" في بلاد العرب. و قصد ب "العربية" برية سورية في "رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطة". وقد عرف علماء العربية هذه الصلة بين كلمة "عرب" و "عرابة" أو "عربة"، فقالوا: "إنهم سموا عربا باسم بلدهم العربات. وقال إسحاق بن الفرج: عربة باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام". وقالوا:"وأقامت قريش بعربة فتنخت بها، و أنتشر سائر العرب في جزيرتها، فنسبوا كلهم إلى عربة، لأن أباهم اسماعيل، صلى الله عليه وسلم، نشأ وربى أولاده فيها فكثروا. فلما لم تحتملهم البلاد، انتشروا، وأقامت قريش بها. وقد ذهب بعضهم إلى أن عربة من تهامة، وهذا لا يخفي على كل حال وجود الصلة بين الكلمتين. ورواية هؤلاء العلماء مأخوذة من التوارة، أخذوها من أهل الكتاب، ولا سيما من اليهود، وذلك باتصال المسلمين بهم: واستفسارهم منهم عن أمور عديدة: وردت في التوراة، ولا سيما في الأمور التي وردت مجملاً في القرآن الكريم والأمور التي تخص تأريخ العرب وصلاتهم بأهل الكتاب. ويرى بعض علماء التوراة أن كلمة "عرب" إنما شاعت وانتشرت عند العبرانيين بعد ضعف "الاشماعيليين" "الاسماعيليين" وتدهورهم وتغلب الأعراب عليهم حتى صارت اللفظة مرادفة ضدهم لكلمة "اشماعيليين". ثم تغلبت عليهم، فضارت تشملهم، مع أن "الاشماعيليين" كانوا أعراباً كذلك، أي قبائل بدوية تتنقل من مكان إلى مكان، طلباً للمرعى ولماء. وكانا تسكن أيضاً في المناطق التي سكنها الأعراب، أي أهل البادية. ويرى أُولئك العلماء إن كلمة "عرب" لفظة متأخرة، اقتبسها العبرانيون من الآشوريين والبابليين، بدليل ورودها في النصوص الآشورية والبابلية، وهي نصوص يعود عهدها إلى ما قبل التوراة. ولشيوعها بعد لفظة "اشماعيليين"، ولأدائها المعنى ذاته المراد من اللفظة، ربط بينها وبين لفظة "اشماعيليين" ، وصارت نسباً، فصيُر جد هؤلاء العرب "إشماعيل"، وعدّوا من أبناء إسماعيل. هذا ما يخص التوراة، أما "التلمود"، فقد قصدت بلفظة "عرب" و "عربيم" "Arbim" "عربئيم" "Arbi'im" الأعراب كذلك، أي المعنى نفسه الذي ورد في الأسفار القديمة، وجعلت لفظة "عربي" مرادفة لكلمة "إسماعيلي" في بعض المواضع. وقبل أن أنتقل من البحث في مدلول لفظة "عرب" ضد العبرانين إلى البحث في مدلولها عند اليونان، أود أن أشر إلى أن العبرانيين كانوا إذا تحدثوا عن أهل المدر، أي الحضر ذكروهم بأسمائهم. وفي سلاسل النسب الواردة في التوراة، أمثلة كثيرة لهذا النوع، سوف أتحدث عنها. وأول من ذكر العرب من اليونان هو "أسكيلوس، أسخيلوس" "أشيلس" "أخيلوس" "Aeschylus""، "525 - 456 قبل الميلاد" من أهل الأخبار منهم، ذكرهم في كلامه على جيش "أحشويرش" "Xeres"، وقال: انه كان في جيشه ضابط عربي من الرؤساء مشهور. ثم تلاه "هيرودوتس" شيخ المؤرخين "نحو 484 - 425 قبل الميلاد"، فتحدث في مواضيع من ناريخه عن العرب حديثاً يظهر منه انه كان على شيء من العلم بهم. وقد أطلق لفظة "Arabae" على بلاد العرب، البادية وجزيرة العرب و الأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل. فادخل "طور سيناء" وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب. فلفظة "العربية" "Arabea" ضد اليونان والرومان، هي في معنى "بلاد العرب". وقد سملت جزيرة العرب وبادية الشام. وسكانها هم عرب على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، على سبل التغليب، لاعتقادهم إن البداوة كانت هي الغالبة على هذه الأرضين، فأطلقوها من ثم على الأرضين المذكورة. وتدل المعلومات الواردة في كتب اليونان و اللاتين المؤلفة بعد "هيرودوتس" على تحسن وتقدم في معارفهم عن بلاد العرب، وعلى أن حدودها قد توسعت في مداركهم فشملت البادية وجزيرة العرب وطور سيناء في أغلب الأحيان،فصارت لفظة "Arabae" عندهم علماً على الأرضين المأهولة بالعرب والتي تتغلب عليها الطبيعة الصحراوية، و صارت كلمة "عربي" عندهم علماً لشخص المقيم في تلك الأرضين، من بدو ومن حضر، إلاّ أن فكرتهم عن حضر بلاد العرب لم تكن ترتفع عن فكرتهم عن البدوي، بمعنى انهم كانوا يتصورون أن العرب هم أعراب.. ووردت في جغرافية "سترابون" كلمة "أرمبي" "Erembi"، ومعناها اللغوي الدخول في الأرض أو السكنى في حفر الأرض وكهوفها، وقد أشار إلى غموض هذه الكلمة وما يقصد بها، أيقصد بها أهل "طرغلوديته" "Troglodytea" أي "سكان الكهوف" أم العرب? ولكنه ذكر أن هناك من كان يريد بها العرب، وإنها كانت تعني هذا المعنى عند بعضهم في الأيام المتقدمة، ومن الجائز أن تكون تحريفاً لكلمة "Arabi" فأصبحت بهذا الشكل. أما الإرميون، فلم يختلفوا عن الآشوريين والبابليين في مفهوم "بلاد العرب"، أي ما يسمى ب "بادية الشام" وبادية السماوة. وهي البادية الواسعة الممتدة من نهر الفرات إلى تخوم الشام. وقد أطلقوا على القسم الشرقي من هذه البادية، وهو القسم الخاضع لنفوذ الفرس، امم "بيت عرباية" "Beth 'Arb'aya" "باعرابية" و "Ba 'Arabaya" ،ومعناها "أرض العرب". وقد استعملت هذه التسمية في المؤلفات اليونانية المتأخرة. و في هذا الاستعمال أيضا معنى الأعرابية و السكنى في البادية. و وردت لفظة "عرب" في عدد كبير من كتابات "الحضر". و وردت مثلا في النص الذي و سم ب "79" حيث جاء في السطرين التاسع و العاشر "وبجندا دعرب" ، "و بجنود العرب". و في السطر الرابع عشر: "و بحطر و عرب" ، أي "و بالحضر و بالعرب". و وردت في النص: "193": "ملكادي عرب" ، أي "ملك العرب" و في النص "194" و في نصوص أخرى. و قد وردت اللفظة في كل هذه النصوص بمعنى "أعراب" ، و لم ترد علما على قوم و جنس، أي بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر. هذا و ليست لدينا كتابات جاهلية من النوع الذي يقول له المستشرقون "كتابات عربية شمالية" ، فيها أسم "العرب"، غير نص واحد، هو النص الذي يعود إلى "ارء القيس بن عمرو". و قد ورد فيه: "مر القيس بر عمرو، ملك العربكله، ذو استرالتج و ملك الأسدين و نزروا و ملوكهم و هرب مذحجو...". و لو و رد لفظة "العرب" في النص الذي يعود عهده إلى سنة "328 م" شأن كبير "غير أننا لا نستطيع إن نقول: إن لفظة "العرب" هنا، يراد بها العرب بدواً و حضراً، أي يراد بها العلم على قومية، بل يظهر من النص بوضوح و جلاء انه قصد "الأعراب"، أي القبائل التي كانت تقطن البادية في تلك الأيام. أما النصوص العربية الجنوبية، فقد وردت فيها لفظة "اعرب" بمعنى "أعراب" و لم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو و من حضر، فورد: "و اعرب ملك حضرموت" أي "و أعراب ملك حضرموت"، و ورد: " واعر ملك سبا" ، أي "و أعراب ملك سبأ". و كالذي ورد في نص "أبرهة"، نائب ملك الحبشة على اليمن. ففي كل هذه المواضع و مواضع أخرى، وردت بمعنى أعراب. أما أهل المدن و المتحضرون، فكانوا يعرفون بمدنهم أو بقبائلهم، و كانت مستقرة في الغالب. و لهذا قيل "سبأ" و "هَمْدان" و "حمْيَرْ" و قبائل أخرى، بمعنى إنها قبائل مستقرة متحضرة، تمتاز عن القبائل المتنقلة المسماة "اعرب" في النصوص العربية الجنوبية، مما يدل على أن لفظة "عرب" و "العرب" لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية وذلك في الكتابات العربية الجنوبية المدونة والواصلة إلينا إلى قبيل الإسلام بقليل "449 م" "542م". والرأي عندي إن العرب الجنوبيين لم يفههوا هذا المعنى من اللفظة الا بعد دخولهم في الإسلام، ووقوفهم على القرآن الكريم، وتكلمهم باللغة التي نزل بها، وذلك بفضل الإسلام بالطبع. وقد وردت لفظ "عرب" في النصوص علماً لأشخاص. وقد عرف البدو، أي سكان البادية، بالأعراب في عربية القرآن الكريم. وقد ذكروا في مواضع من كتاب الله: وقد نعتوا فيه بعوت سيئة، تدل على أثر خلق البادية فيهم. وقد ذكر بعض العلماء ان الأعراب بادية العرب، وانهم سكان البادية. والنص الوحيد الوحيد الذي وردت فيه لفظة "العرب" علماً على العرب جميعاً من حضر وأعراب، ونعت فيه لسانهم باللسان العربي، هو القرآن الكريم. وقد ذهب "د. ه. ملر" إلى أن القرآن الكريم هو الذي خصص الكلمة وجعلها علماً لقومية تشمل كل العرب. وهو يشك في صحة ورود كلمة "عرب" علماً لقومية في الشعر الجاهلي،كالذي ورد في شعر لامرئ القيس، وفي الأخبار المدونة في كتب الأدب على ألسنة بعض الجاهليين. ورأي "ملر" هذا، رأي ضعيف لا يستند إلى دليل، إذ كيف تعقل مخاطبة القرآن قوماً بهذا المعنى لو لم يكن لهم علم سابق به? وفي الآيات دلالة واضحة لي أن القوم كان لهم إدراك لهذا المعنى قبل الإسلام، وانهم كانوا ينعتون لسانهم باللسان العربي، وانهم كانوا يقولون للألسنة الأخرى ألسنة أعجمية: )أ أعجمي وعربي? قل: هو للذين آمنوا هدى وشفاء(. )وكذلك أنزلناه حكماً عربياً(. )وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا(. )لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين(. ففي هذه الآيات وآيات أخرى غيرها دلالة على أن الجاهليين كانوا يطلقون على لسانهم لساناً عربياً، وفي ذلك دليل على وجود الحس بالقومية قبيل الإسلام. ونحن لا نزال. نميز الأعراب عن الحضر، ونعتّدهم طبقة خاصة تختلف عن الحضر، فنطلق عليهم لفظة: "عرب" في معنى بدو وأعراب، أي بالمعنى الأصلي القديم، ونرى ان عشيرة "الرولة" وعشائر أخرى تقسم سكان الجزيرة إلى قسمين: حضر و "عرب". وتقصد بالعرب أصحاب الخيام أي المتنقلين. وتقسم العرب، أي البدو إلى "عرب القبيلة"، و "عرب الضاحية"، و هم العرب المقيمون على حافات البوادي والأرياف، أي في معنى "عرب الضاحية" و "عرب الضواحي" في اصطلاح القدامى. ثم تقسم الحضر وتسمّيهم أيضا ب "أهل الطين" إلى "قارين"، و الواحد "قروني"،وهم المستقرون الذين لهم أماكن ثابتة ينزلونها ابدأ، وإلى "راعية" والمفرد راع، وهم أصحاب أغنام وشبه حضر، ويقال لهم "شوّاية" و "شيّان" و "شاوية" و "رحم الديرة" بحسب لغات القبائل. وأشبه مصطلح من المصطلحات القديمة بمصطلح "شوّاية" و "شاوية"، هو "الأرحاء"، وهي القبائل التي لا تنتجع ولا تبرح مكانها، إلا أن ينتجع بعضها في البرحاء وعام الجدب. وخلاصة ما تقدم إن لفظة "ع رب"، "عرب"، هي بمعنى التبدي و الأعرابية في كل اللغات السامية، ولم تكن نفهم إلا بهذا المعنى في أقدم النصوص التاريخية التي وصلت إلينا، وهي النصوص الآشورية. وقد عنت بها البدو عامة، مهما كان سيدهم أو رئيسهم. وبهذا المعنى استعملت عند غيرهم. ولما توسعت مدارك الأعاجم وزاد اتصالهم واحتكاكهم بالعرب وبجزيرة العرب، توسعوا في استعمال اللفظة، حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار انهم أهل بادية وان حياتهم حياة أعراب. ومن هنا غلبت عليهم وعلى بلادهم، فصارت علَمية عند أولئك ألأعاجم على بلاد العرب وعلى سكانها، وأطلق لذلك كتبة اللاتين واليونان على بلاد العرب لفظة "Arabae" "Arabia" أي "العربية" بمعنى بلاد العرب. لقد أوقعنا هذا الاستعمال في جهل بأحوال كثير من الشعوب والقبائل،ذكرت بأسمائها دون أن يشار إلى جنسها. فحرنا في أمرها، ولم نتمكن من إدخالها في جملة العرب، لأن الموارد التي نملكها اليوم لم تنص على أصلها. فلم تكن من عادتها، ولم يكن في مصطلح ذلك اليوم كما قلت اطلاق لفظة "عرب" إلا على الأعراب عامة، وذلك عند جهل اسم القبيلة، وكانت تلك القبيلة بادية غير مستقرة،وقد رأينا إن العرب أنفسهم لم يكونوا يسمون أنفسهم قبل الميلاد، إلا بأسمائهم، ولولا وجودهم في جزيرة العرب ولولا عثورنا على كتابات أو موارد أشارت اليهم، لكان حالهم حال من ذكرنا، أي لما تمكناّ من إدخالهم في العرب. ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئاً تجاه القبائل المذكورة، وليس لنا إلا الانتظار، فلعل الزمن يبعث نصاً يكشف عن حقيقة بعض تلك القبائل. هذا ويلاحظ أن عدداً من القبائل العربية الضاربة في الشمال والساكنة في العراق وفي بلاد الشام، تأثرت بلغة بني إرم، فكتبت بها، كما فعل غيرهم من الناس الساكنين في هذه اللأرضين، مع انهم لم يكونوا من بني إرم. ولهذا حسبوا على بني إرم، مع أن أصلهم من جنس آخر. وفي ضمن هؤلاء قبائل عربية عديدة، ضاع أصلها، لأنها تثقفت بثقافة بني إرم، فظن لذلك إنها منهم. الآن وقد انتهيت من تحديد معنى "عرب" وتطورها إلى قبيل الإسلام، أرى لزاماً عليّ أن أتحدث عن ألفاظ أخرى استعملت بمعنى "عرب" في عهد من العهود، وعند بعض، الشعوب. فقد استعمل اليونان كلمة "Saraceni" و "Saracenes"، واستعملها اللاتين على هذه الصورة "Saracenus"، وذلك في معنى "العرب" وأطلقوها على قبائل عربية كانت تقيم في بادية الشام وفي طور سيناء، وفي الصحراء المتصلة بأدوم. وقد توسع مدلولها بعد الميلاد، ولا سيما في القرن الرابع والخامس والسادس، فأطلقت على العرب عامة، حتى أن كتبة الكنيسة ومؤرخي هذا.العصر قلما استعملوا كلمة "عرب" في كتبهم، مستعيضين عنها بكلمة "Saraceni". وأقدم من ذكرها هو "ديوسقوريدس "Dioscurides of Anazabos" الذي عاش في القرن الأول للميلاد. وشاع استعمالها في القرون الوسطى حيث أطلقها النصارى على جميع العرب، و أحيانا على جميع المسلمين. و نجد الناس يستعملونها في الانكليزية في موضع "عرب" حتى اليوم. و قد أطلق بعض المؤرخين من أمثال "يوسبيوس" "أويسبيوس" "Eusebius" و "هيرونيموس" "Hieronymus" هذه اللفظة على "الاشماعيلين" الذين كانوا يعيشون في البراري في "قادش" في برية "فاران"، أو مدين حيث جبل "حوريب". و قد عرفت أيضا ب "الهاجرين" "Hagerene" ثم دعيت ب "Saracenes". و لم يتحدث أحد من الكنيسة اليونان و الرومان و السريان عن أصل لفظة "Saraceni" "Sarakenoi". و لم يلتفت العلماء إلى البحث في أصل التسمية إلا بعد النهضة العلمية الاخيرة، و لذلك اختلفت آراؤهم في التعليل، فزعم بعضهم انه مركب من "سارة" زوج إبراهيم، ولفظ آخر ربما هو "قين"، فيكون المعنى "عبيد سارة". وقال آخرون: أنه مشتق من "سرق"، فيكون المواد من كلمة "Saraceni" "سراكين" "السراقين" أو "السارقين" إشارة إلى غزوهم وكثرة سطوهم. أو من "Saraka" بمعنى "Sherk" -أي "شرق"، ويراد بذلك الأرض التي تقع إلى شرق النبط. وقال "ونكلر" أنه من لفظة "شرقو"، وتعني "سكان الصحراء" أو "أولاد الصحراء". استنتج رأيه هذا من ورود اللفظة في نص من ايام "سرجون". ويرى آخرون انه تصحيف "شرقيين"، أو "شارق" على تحو ما يفههلى من كلمة "قدموني" "Qadmoni" في التوراة، بمعنى شرقي، أو أبناء الشرق "Bene Kedem"" "Bene Qedhem". وكانت تطلق خاصة على القبائل التي رجع النسابون العبرانيون نسبها إلى "قطورة". وقد مال إلى هذا الرأي الأخير اكثر من بحث في هذه التسمية من المستشرقين، فعندهم ان "سرسين" أو "سركين" أو "Sarakenoi" من "شرق"، وان "Bene Kedem" و "Qadmooni" العبرانيتين هما ترجمتان للفظة "Saraceni". ولهذا يرجحون هذا الرأي ويأخذون به. والقائلون ان "سارقين" من أصل لفظتين "سارة"، زوج إبراهيم، ومن "قين" بمعنى "عبد" وان المعنى هو "عبيد سارة"، متأثرون برواية التوراة عن سارة وبالشروح الواردة عنها. وليست لأصحاب هذا الرأي أية أدلة أخرى غير هذا التشابه اللفظي الذي نلاحظه بين "سرسين" وبين "سارقين"، وهو من قبيل المصادفة والتلاعب بالألفاظ ولا شك، وغير هذه القصة الواردة في التوراة: قصة "سارة" التي لا علاقة لها بالسرسين. هذا وما زال أهل العراق يطلقون لفظة "شروك" و "شروكية" على جماعة من العرب هم من سكان "لواء العمارة" والأهوار في الغالب، وينظرون اليهم نظرة خاصة، ولا شك عندي ان لهذه التسمية علاقة بتلث الت!سمية القديمة. ويستعمل اهل العراق في الوقت الحاضر لفظة اخرى، هي "الشرجية"، أي "الشرقية"، ويقصدون بها جهة المشرق. وتقابل لفظة "بني قديم" في العبرانية،وهي من بقايا المصطلحات العراقية القديمة التي تعبر عن مصطلح "شركوني" و "بني قديم". هذا وقد عرف العرب ان الروم يسمونهم "ساراقينوس"، فقد ذكر "المسعودي" ان الروم إلى هذا الوقت "أي إلى وقته" تسمي العرب "ساراقينوس". وذكر خبرا طريفاً عن ملك الروم "نقفور" المعاصر ل "هارون الرشيد". فقد زعم انه "أنكر على الروم تسميتهم العرب ساراقينوس. تفسير ذلك عبيد ساره، طعناً منهم على هاجر وابنها إسماعيل، وانها كانت امةّ لسارة، وقال: تسميتهم عبيد سارة، كذب. وقد كانت منازل "القدمونيين"، "هقدمني"، "هاقدموني" "Kadmonites"، في المناطق الشرقية لفلسطين، أي في بادية الشام. ولما كان "قيدما" "kedemeh" هو أحد أبناء إسماعيل في اصطلاح "التوراة"، فيكون أبناء "قيدما" من العرب الاسماعيليين. وقد ذكر في موضع من التوراة انهم كانوا. يقطنون المناطق الشرقية لفلسطين قرب "البحر الميت" المعروف في العبرانية ب "هايم هقدموني"، أي "البحر القدموني" "البحر الشرقي". وقد كان "القدمونيون"، أي "بنو قديم" أعراباً يقطنون في بادية الشام. وأشباه أعراب، أي رعاة وأشباه حضريين، واللفظة لا تعني قبيلة واحدة معينة، أي علمية، ولا تعني قبائل معنية، وإنما هي لفظة عامة أطلقت على الساكنين في الأماكن الشرقية بالنسبة إلى العبرانيين. ونجد في الكتب اليونانية لفظة لها علاقة بطائفة من العرب،هي "Senitae"، وقد أطلقت خاصة على أعراب بادية الشام. وقصد بها الأعراب سكان الخيام، أي "أهل الوبر" في اصطلاح العرب. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها من "الخيمة" التي هي منزل الأعرابي، لأن الخيمة هي "Skene" "skynai" في اليونانية. فالمعنى إذن "سكان الخيام". وقد ذكر "سترابون" إن ال "Scenitae" كانوا نازلين سلى حدود "سورية" الشرقية، كما ذكر إن منهم من كان ينزل شمال "العربية السعيدة" وهم سكان خيام. وقد فرّق "سترابون" بينهم وبين البدو تفريقا ظاهراً، وميزهم عن غيرهم من الأعراب بسكناهم في الخيام. وقال عنهم في موضع آخر: انهم يمثلون بصورة عامة "بدو" العراق. وانهم يعتنون بتربية الإبل. وقد ذكرهم أيضاً في أثناء كلامه على ساحل "Maranitae" فقال: انه مأهول بالفلاحين وبال "Sceniae" وأراد بهم الأعراب الذين لا يسكنون إِلا الخيام ويعيشون على تربية الإبل، وقد ذكر انهم كانوا قبائل و مشيخات. وقد ذكرهم "بلينيوس" كذلك، فدعاهم ب "Scenitae". وقد كانوا يقيمون في البادية. وقد حاربهم "سبتيموس سفيروس"، وسأتحدث عن ذلك فيما بعد، كما أشار غيره إليهم. والظاهر إن لفظة "Nomas" "Nomadas" التي تعتي "البدو" لا تؤدي معنى "Scenitae" أي سكان الخيام. إذ فرق الكتبة اليونان في مؤلفاتهم بين اللفظتين. وأغلب ظني إن المراد بسكان الخيام الأعراب المستقرون بعض الاستقرار، آي الذين عاشوا في مضارب عيشة شبه مستقرة: لهم خيامهم وإبلهم وحيواناتهم على مقربة من الريف والحضارة. أما ال"نومادس" "Nomades" "Nomadas" فقد كانوا قبائل رحلا يعشيون في البوادي لا يستقرون في مكان واحد، متى وجدوا فرصة اغتنموها فأغاروا على من بجدونهم أمامهم، للعيش على ما يقع في أيديهم. ولذلك كانت ظروف ضعف الحكومات أو انشغالها بالحروب من أحسن الفرص المناسبة لهم. ومن هنا فرّق الكتبة اليونان وغيرهم بين الجماعتين. إننا لا نستطيع إن تحدد الزمان الذي ظهر فيه مصطلح "سكينيته" بين اليونان واللاتين. وقد يكون ترجمة للفظة أخذوها من الفرس أو الآشوريين أو غيرهم من الشعوب. ومصطلح "أهل الوبر"، هو مصطلح يقابل جملة "سكان الخيام" في نظري. أما مصطلح "أهل بادية" أو "أعراب بادية" أو "سكان البوادي"، فانه تعبير يقابل "Nomadas" عند اليونان. وعرف العرب عند الفرس وعند بني إرم بتسمية أخرى، هي: "Tayo" و "Taiy". أما علماء عهد التلمود من العبرانيين، فأطلقوا عليهم لفظة "ط ي ي ع ا" "طيعا" و "طيايا" "طياية"2 وأصل الكلمتين واحد على ما يظهر، أخذ من لفظة "طيء" اسم القبيلة العربية الشهرة على رأي أكثر العلماء. وكانت تنزل في البادية في الأرضين المتاخمة لحدود امبراطورية الفرس، وكانت من أقوى القبائل العربية في تلك الأيام، ولهذا صار اسمها مرادفاً لفظة. "العرب" "عرب". وقد ذكر "برديصانِ" أسم "Tayae" "Tayoye" مع "Sarakoye". وقد شاعت هذه التسمية قرب الميلاد، و انتشرت في القرون الأولى للميلاد، كما يتبين ذلك من الموارد السريانية والموارد اليهودية. واستعملت النصوص "الفهلوية" "Pahlawi " " لفظة "تاجك" "Tadgik" "Tachik" "Tashik" في مقابل "عرب"، كما استعملت الفارسية لفظة "تازي" بهذا المعنى أيضاً. واستعمل الأرمن كلمة "تجك" "Tashi" في معنى عرب ومسملين، واستعمل الصينيون لفظة "تشي" "Tashi" لهذه التسمية. وقد عرف سكان آسية الوسطى الذين دخلوا في الإسلام بهذه التسمية، كما أطلق الأتراك على الإيرانيين لفظة "تجك"، من تلك التسمية، حتى صارت لفظة "تجك" تعني "الإيراني" في اللغة التركية. ويرى بعض العلماء إن "تاجك" و "تجك" و "تازك"، هي من الأصل المتقدم. من أصل لفظة "طيء"3 ولكلمة "تازي" في الفارسية معنى "صحراوي"، من "تاز" "taz"، بمعنى الأرض المقفرة الخالية،ولذلك نسب بعض الباحثين كلمة "تازي" إلى هذا المعنى، فقالوا إنها أطلقت على العرب لما اشتهر عنهم أنهم صحراويون. وقد زعم "حمزة الأصفهاني" إن الفرس أطلقوا على العرب لفظة "تاجيان"، نسبة إلى "تاج بن فروان بن سيامك بن مشى بن كيومرث"، وهو جد العرب. وبعض هذه التسميات المذكورة، لا يزال حياً مستعملا"، ولكنه لم يبلغ مبلغ لفظة "عرب" و "العرب" في الشهرة و الانتشار. فقد صارت لفظة "عرب"، علماً على قومية وجنس معلوم، له موطن معلوم، وله لسان خاص به يميزه عن سائر الألسنة ، من بعد الميلاد حتى اليوم. وقد وسع الإسلام رقعة بلاد العرب، كما وسع مجال اللغة العربية، حتى صارت بفضله لغة عالمية خالدة ذات رسالة كبيرة، غمرت بفضل الإسلام بعض اللغات مثل الفارسية والتركية والأردية ولغات أخرى، فزودتها بمادة غزيرة من الألفاظ، دخلت حتى صارت جزءاً من تلك اللغات، يظن الجاهل إنها منها لاستعماله لها، ولكنها في الواقع من أصل عربي. وربّ سائل يقول:لقد كان للعرب قبل الإسلام لغات، مثل المعينية والسبئية و الحمرية والصفوية والثمودية واللحيانية وأمثالها، اختلفت عن عربية القرآن الكريم اختلاقاً كبيرا، حتى إن أحدنا إذا قرأ نصاً مدوناً بلغة من تلك اللغات عجز عن فهمه، وظن إذا لم يكن له علم بلغات العرب الجاهليين أنه لغة من لغات البرابرة أو الأعاجم، فإذا سيكون موقفنا من أصحاب هذه اللغات، أنعدهم عرباً? والجواب إن هؤلاء، وإن اختلفت لغتهم عن لغتنا وباينت ألسنتهم ألست فإنهم عرب لحماً ودماً، ولدوا ونشأوا في بلاد العرب، لم يرسوا إليها من الخارج، ولم يكونوا طارئين عليها من أمة غريبة. فهم إذن عرب مثل غيرهم، و لغات العرب هيّ لغات عربية، وإن اختلفت وتباينت، وما اللغة التي نزل القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، ميزت من غيرها، واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام، وبفضل نزول الكتاب بها، فص "اللغة العربية الفصحى" ولغة العرب أجمعين. وحكمنا هذا ينطبق على النبط أيضا وعلى من كان على شاكلتهم، عدهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب، وأبعدوهم العرب والعربية،فقد كان أولئك وهؤلاء عرباً أيضاً، مثل عرب اليمن المذكورين ومثل ثمود والصفويين واللحيانيين، لهم لهجاتهم الخاصة ؛ وإن تأثروا بالإرمية وكتبوا بها، فقد تكلم اليهود بالإرمية ونسي كثير منهم العبرانية، ولكن نسيا أولئك اليهود العبرانية، لم يخرجهم مع ذلك عن العبرانيين. وسترد في بحثنا عن تاريخ الجاهلية أسماء قبائل عربية كثيرة عديدة لا عهد للإسلاميين بها، ولا علم لهم عنها، ذكروا في التوراة وفى كتب اليهود الأخرى وفي الموارد اللاتيننة واليوناينة والِكتابات الجاهلية. وإذا جاز لأحد الشك في أصل بعض القبائل المذكورة في كتب اليهود أو في مؤلفات الكتبة "الكلاسيكيين" على اعتبار أفها أخطأت في إدخالها في جماعة العرب، فإن هذا الجواز يسقط حتماً بالنسبة إلى القبائل المذكورة في الكتابات الجاهلية، وبالنسبة إلى القبائل الني دونت تلك الكتابات. فهي كتابات عربية، وإن اختلفت عن عربيتنا وباينت لغتها لغتنا، لأنها لهجة قوم عاشوا في بلاد العرب ونبتوا فيها، وقد كان لسانهم هذا اللسان العربي المكتوب. فسبيلنا في هذا الكتاب إذن، هو البحث في كل العرب: العرب الذين تعارف العلماء الإسلاميون على اعتبارهم عرباً، فمنحوهم شهادة العروبة، بحسب طريقتهم في تقسيمهم إلى طبقات، وفي وضعهم في أشجار نسب ومخططات؛ والعرب المجهولين الذين لم يمنحوا هذه الشهادة بل حرموا منها، ونص على إخراجهم من العرب كالنبط على ما ذكرت، والعرب المجهولين كل الجهل الذين لم يكن للمسلمين علم ما بهم، ولم يكن لهم علم حتى بأسمائهم. سنتحدث عن هؤلاء جميعاً، عند اعتبار أنهم عرب، جهلهم العرب، لأنم عاشوا قبل الإسلام،أو لأنهم عاشوا في بقاع معزولة نائية، فلم يصل خبرهم إلى الإسلاميين، فلما شرع المسلمون في التدوين، لم يعرفوا عنهم شيئاً، فأُهملوا، ونسوا مع كثير غيرهم من المنسيين. سئل أحد علماء العربية عن لسان حمير، فقال: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا . ولكن علماء العربية لم يتنصلوا من عروبة حمير، ولا من عروبة غيرهم ممن كان يتكلم بلسان آخر مخالف للساننا، بل عدوهم من صميم العرب ومن لبّها، ونحن هنا لا نستطيع إن ننكر على الأقوام العربية المنسية عروبتها، لمجرد اختلاف لسانها عن لساننا، ووصول كتابات منها مكتوبة بلغة لا نفهمها. فلغتها هي لغة عربية، ما في ذلك شك ولا شبهة، وإن اختلفت عن لسان يعرب أو أي جدّ آخر يزعم أهل الأخبار أنه كان أول من أعرب في لسهانه، فتكلم بهذه العربية التي أخذت تسميتها من ذلك الإعراب. وبعد إن عرفنا معنى لفظة العرب والألفاظ المرادفة لها، أقول إن بلاد العرب أو "العربية"، هي البوادي والفلوات الني أطلق الآشوريون ومن جاء بعدهم على أهلها لفظة "الأعراب"، وعلى باديتهم "Arabeae" و "Arabae" وما شاكل ذلك. وهي جزيرة العرب وامتدادها الذي يكون بادية الشام حتى نهايتها عند اقتراب الفرات من أرض بلاد الشام، فالفرات هو حدها الشرقي. أما حدها الغربي، فارض الحضر في بلاد الشام. وتدخل في العربية بادية فلسطين و "طور سيناء" إلى شواطئ النيل. وقد أطلق بعض الكتاب اليونان على الأرضين الواقعة شرق ال "Araxe"، أي الخابور اسم "Arabia" كما أدخل "هيرودوتس" أرض طور سيناء إلى شواطئ نهر النيل في "العربية" "Arabia"أي بلاد العرب. أما الآن، وقد عرفنا لفظة عرب، و كيف تحددت، وتطورت، أرى لزاماً علينا الدخول في صلب موضوعنا وهو تاريخ العرب، مبتدئين بمقدمة عن الجاهية وعن المواود التي استقينا منها أخبارها،. ثم بمقدمات عن جزيرة العرب وعن صبيعتها وعن الساميين وعقليتهم وعن العقلية العربية، تليها بحوث في أنساب العرب، ثم ندخل بعد ذلك في التاريخ السياسي للعرب، ثم بقية أقسام تاريخ العرب من حضارة ومدنية ودينية واجتماعية ولغوية. ولما كان الإسلام أعظم حادث نجم على الإطلاق في تاريخ العرب، أخرجهم من بلادهم إلى بلاد أخرى واسعة فسيحة، وميزهم أمة تؤثر تأثيراً خطيراً في حياة الناس.. صار ظهوره نهاية لدور ومبدأً لتاريخ دور، ونهاية أيام عرفت ب "الجاهلية"، وبداية عهد عرف ب "الإسلام" ما زال قائماً مستمراً، وسيستمر إلى ما شاء الله، به أُرخ تاريخ العرب، فما وقع قبل الإسلام،عرف بتاريخ العرب قبل الإسلام، وما وقع بعده قيل له: تاريخ العرب بعد الإسلام. وسيكون بحثنا هنا، أعني في هذه الأجزاء المتتالية في القسم الأول من تاريخ العرب، وهو قسم تاريخ العرب قبل الإسلام، أما القسم الثاني، وهو تاريخ العرب في الإسلام، فستأتي أجزاؤه بالتتالي أبضا بعد الانتهاء من هنا للقسم. وبعد هذه المقدمة، فلنطوِ صفحات هذأ الفصل، ولننتقل إلى فصل جديد، هو الفصل الثاني من هذه الفصول، فصل: الجاهلية ومصادر التاريخ الجاهلي.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني الجاهلية و مصادر التاريخ الجاهلي

اعتاد الناس إن يسموا تاًريخ العرب قبل الإسلام "التاريخ الجاهلي"، أو "تأريخ الجاهلية"، وان يذهبوا إلى إن العرب كانت تغلب عليهم البداوة، وانهم كانوا قد تخلفوا عمن حولهم في الحضارة، فعاش أكثرهم عيشة قبائل رحل، في جهل وغفلة، لم تكن لهم صلات بالعالم الخارجي، ولم يكن للعللم الخارجي اتصال بهم، أميوّن، عبدة أصنام، ليس لهم تاريخ حافل، لذلك عرفت تلك الحقبة التي سبقت الإسلام عندهم ب "الجاهلية". و "الجاهلية" اصطلاح مستحدث، ظهر بظهور الإسلام، وقد أطلق على حال قبل الإسلام تمييزا وتفريقاً لها عن الحالة التي صار عليها العرب بظهور الرسالة، على النحو الذي محدث عندتا وعند غيرنا من الأمم من إطلاق تسميات جديدة للعهود القائمة، والكيانات الموجودة بعد ظهور أحداث تزلزلها وتتمكن منها، وذلك لتمييزها وتفريقها عن العهود التي قد تسميها أيضاً بتسميات جديدة. وفي التسميات التي تطلق على العهود السابقة، ما يدل ضمناً على شيء من الازدراء والاستهجان للأوضاع السابقة في غالب الأحيان. وقد سبق للنصارى إن أطلقوا على العصور التي سبقت المسيح والنصرانية "الجاهلية"، أي "أيام الجاهلية"، أو "زمان الجاهلية"، استهجاناً لأمر تلك الأيام، وازدراءَ بجهل أصحابها لحالة الوثنية التي كانوا عليها، ولجهالة الناس إذ ذاك وارتكابهم الخطايا التي أبعدتهم، في نظر النصرانية، عن العلم، وعن ملكوت الله. "وقد أغش الله عن أزمنة هذا الجهل فيبشر الآن جميع الناس في كل مكان إلى إن يتوبوا". وقد وردت لفظة "الجاهلية"، في القرآن الكريم،وردت في السور المدنية، دون السور المكية، فدل ذلك على إن ظهورها كان بعد هجرة الرسول إلى المدينة، وان إطلاقها بهذا المعنى كان بعد المجرة، وأن المسلمين استعملوها منذ هذا العهد فما بعده. وقد فهم جمهور من الناس إن الجاهلية من الجهل الذي هو ضد العلم أو عدم اتباع العلم،ومن الجهل بالقراءة والكتابة، ولهذا ترجمت اللفظة في الإنكليزية ب "The Time of Ignorance"، وفي ا لألمانية ب "Zeit der Unwissenheit" وفهمها آخرون أنها من الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين وباتباع الوثنية والتعبد لغير الله، وذهب آخرون إلى أنها من المفاخرة بالأنساب والتباهي بالأحساب والكبر والتجبر وغر ذلك من الخلال التي كانت من أبرز صفات الجاهلين. ويرى المستشرق "كولدتزهير" "Goldziher" إن المقصود الأول من الكلمة "السفه" الذي هو ضد الحلم، والأنفة والخفة والغضب وما إلى ذلك من معان، وهي أمور كانت جد واضحة في حياة الجاهليين، ويقابلها الإسلام، الذي هو مصطلح مستحدث أيضاً ظهر بظهور الإسلام، وعمادة الخضوع لله والانقياد له ونبذ التفاخر بالأحساب والأنساب والكبر وما إلى ذلك من صفات نهى عنها القرآن الكريم والحديث. وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في مواضع منه ،منها آية سورة الفرقان: )وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً( ، وآية سورة البقرة: )قالوا أتخذَنا هزواً? قال: أعوذ بالله إن أكون من الجاهلين( ، وآية سورة الأعراف: )خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين(، وآية هود: )أني أعظك إن تكون من الجاهلين(. وفي كل هذه المواضع ما ينم على أخلاق الجاهلية. وقد ورد في الحديث: )إذا كان أحدكم صائماً، فلا يرفث ولا يجهل(، وورد أيضاً: "إنك امرؤ فيك جاهلية" وبهذا المعنى تقريباً وردت الكلمة في قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علـينـا فنجهل فوق جهل الجاهلينا أي: لا يسفه أحد علينا، فنسفه عليهم فوق سفههم، أي نجازيهم جزاء يربي عليه. واستعمال هذا اللفظ بهذا المعنى كثير. وجاء في سورة المائدة: "أفحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون" أي أحكام الملة الجاهلية وما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام والتفريق بين الناس في المنزلة والمعاملة. وأطلقوا على "الجاهلية الجهلاء"، والجهلاء صفة للأولى يراد بها التوكيد، وتعني "الجاهلية القديمة". وكانوا إذا عابوا شيئاً واستبشعوه، قالوا: "كان ذلك في الجاهلية الجهلاء". و "الجاهلية الجهلاء" هي الوثنية التي حاربها الإسلام. وقد أنب القرآن المشركين على حميتهم الوثنية،فقال: )إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية(. والرأي عندي إن الجاهلية من السفه والحمق والأنفة والخفة والغضب وعدم الانقياد لحكم وشريعة و إرادة إلهية وما إلى ذلك من حالات انتقصها الإسلام. فهي في معنى "اذهب يا جاهل" نقولها في العراق لمن يتسفه ويتحمق وينطق بكلام لا يليق صدوره من رجل، فلا يبالي أدبا ولا يراعي عرفاً، و "رجل جاهل" نطلقه على من لا يهتم بمجتمع ودين، ولا يتورع من النطق بأفحش الكلام. ولا يشترط بالطبع أن يكون ذلك الرجل جاهلا أميا، أي ليس له علم، وليس بقارئ كاتب. وقد اختلف المفسرون في المراد من الجاهلية الأولى في قوله تعالى: )وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى(، فقيل: "الجاهلية الأولى التي ولد فيها إبراهيم، والجاهلية الأخرى التي. ولد فيها محمد". وقيل "الجاهلية الأولى بين عيسى ومحمد"، وقد أدى اختلافهم في مفهوم هذه الآية إلى تصور وجود جاهليتين جاهلية قديمة، وجاهلية أخرى هي التي كانت عند ولادة الرسول. واختلف العلماء في تحديد بدأ الجاهلية، أو العصر الجاهلي، فذهب بعضهم إلى أن الجاهلية كانت، فيما بين نوح وإدريس. وذهب آخرون إلى أنها كانت بين آدم ونوح، أو إنها بين موسى وعيسى، أو الفترة التي كانت ما بين عيسى ومحمد. وأما منتهاها، فظهور الرسول ونزول الوحي عند الأكثرين، أو فتح مكة عند جماعة. وذهب ابن خالويه إلى أن هذه اللفظة أطلقت في الإسلام على الزمن الذي كان قبل البعثة. والذي يفهم خاصة من كتب الحديث إن أصحاب الرسول كانوا يعنون به "الجاهلية" الزمان الذي عاشوا فيه قبل الإسلام، وقبل نزول الوحي، فكانوا بسألون الرسول عن أحكامها، وعن موقفهم منها بعد إسلامهم، وعن العهود التي قطعوها على أنفسهم في ذلك العهد، وقد اقر الرسول بعضها، ونهى عن بعض آخر، وذلك يدل على أن هذا المعنى كان قد تخصص منذ ذلك الحين، وأصبح للفظة "الجاهلية" مدلول خاص في عهد الرسول. وأطلق بعض العلماء على الذين عاشوا بين الميلاد ورسالة الرسول "أهل الفترة" وهم في نظرهم جماعة من أهل التوحيد ممن يقر بالبعث، ذكروا منهم:"حنظلة ابن صفوان" نبي "أصحاب الرّس" وأصحاب الأخدود، وخالد بن سنان العبسي، و "وثاب السني" وأسعد أبا كرب الحميري، وقس بن ساعدة الإيادي وأمية بن أبي الصّلت، وورقة بن نوفل، وعداس مولى عتبة بن أبي ربيعة، وأبا قيس صربة بن آبي أنس من الأنصار، وأبا عامر الأوسي، وعبد الله بن جحش وآخرين. فهم إذن طبقة خاصة من الجاهليين، ميزوا عن غيرهم بهذه السمة، لأنهم لم يكونوا على ملة أهل الجاهلية من عبادة الأصنام والأوثان. فلفظة "الجاهلية" إذن نعت اسلامي، من نوع النعوت التي تطلق في العهود السابقة على حركة ما أو انقلاب. أطلقه المسلمون على ذلك العهد، كما نطلق اليوم نعوت وأسماء على العهود الماضية التي يثور الناس عليها، من مثل مصطلح "العهد المباد" الذي أطلق في العراق على العهد الملكي منذ ثورة 4 1 تموز 1958، ومثل المصطلحات الأخرى الشائعة في الأقطار العربية الأخرى، والتي أطلقت على العهود السابقة للثورات والانقلابات.

موارد التاريخ الجاهلي

تاريخ الجاهلية هو أضعف قسم كتبه المؤرخون العرب في تاريخ العرب، يعوزه التحقيق والتدقيق والغربلة. وأكر ما ذكروه على انه تاريخ هذه الحقبة، هو أساطير، وقصص شعبي، وأخبار أخذت عن أهل الكتاب ولا سيما اليهود، وأشياء وضعها الوضاعون في الإسلام، لمآرب اقتضتها العواطف والمؤثرات الخاصة. وقد تداول العلماء وغير أصحاب العلم هذه الأخبار على إنها تاريخ الجاهلية حتى القرن التاسع عشر. فلما انتهت إلى المستشرقين، شكّوا في أكثرها، فتناولوها بالنقد. استناداً إلى طرق البحث الحديثة التي دخلت على العلوم النظرية،وتفتحت بذلك آفاق واسعة في عالم التاريخ الجاهلي لم تكن معروفة،ووضعوا الأسس للجادات التي توصل عشاق التاريخ إلى البحث في تاريخ جزيرة العرب. وكان أهم عمل رائع قام به المستشرقون هو البحث عن الكتابات العربية التي دوّنها العرب قبل الإسلام، وتعليم الناس قراءتها بعد أن جهلوها مدة تنيف على ألف عام. وقد فتحت هذه النصوص باب تاريخ الجاهلية، ومن هذا الباب يجب أن نصل إلى التاريخ الجاهلي الصحيح.

لقد كلف البحث عن هذه الكتابات العلماء والسياح، ثمناً غالياً كلفهم حياتهم في بعض الأحيان، ولم يكن من السهل تجول هؤلاء الأوروبيون بأزياء مختلفة في أماكن تغلب عليها الطبيعة الصحراوية للحصول على معلومات عن الخرائب والعاديات والحصول على ما يمكن الحصول عليه من نقوش وكتابات.

والتاريخ الجاهلي مع ذلك في أول مرحلة من مراحله وفي الدرجات الأولى من سلم طويل متعب. ولا ينتظر التقدم أكثر من ذلك،إلا إذا سهّل للعلماء التجوال في بلاد العرب، لدراستها من جميع الوجوه، و للبحث عن العاديات، ويسرت لهم سبل البحث، ووضعت أمامهم كل المساعدات الممكنة التي تأخذ بأيدهم إلى الكشف عن مواطن ذلك التاريخ والبحث عن مدافن كنوز الآثار تحت الأتربة واستخراجها وحلّ رموزها،لجعلها تنطق بأحوالها في تلك الأيام. وتلك مسؤولية لن تفُهم إلا إذا فهم العرب وعلى رأسهم الحاكمون منهم أن من واجبهم المحافظة على تأريخ العرب القديم بصيانة مواطن الآثار ومنع الاعتداء عليها، بإنزال أشد العقوبات بمن يحطم تمثالا، لاعتقاده بأنه صنم، أو بهدم أثراً للاستفادة من حجره، أو ما شابه ذلك من هدم وتخريب.

لم يطمئن المستشرقون إلى هذا المروي في الكتب العربية عن التاريخ الجاهلي ولم يكتفوا به، بل رجعوا إلى مصادر وموارد ساعدتهم في تدوين هذا الذي نعرفه عن تاريخ الجاهلية، وهو شيء قليل في الواقع، ولكَنه مع ذلك خير من هذا القديم المتعارف وأقرب منه إلى التأريخ، وقد تجمعت مادته من هذه الموارد:

1- النقوش والكتابات. 2- التوراة والتلمود والكتب العبرانية الأخرى. 3- الكتب اليونانية واللاتينية والسريانية ونحوها. 4- المصادر العربية الإسلامية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

1 - للنقوش وللكتابات

تعد النقوش والكتابات في طليعة المصادر التي تكوّن التاريخ الجاهلي، وهي وثائق ذات شاًن، لأنها الشاهد الناطق الحي الوحيد الباقي من تلك الأيام، وأريد أن أقسمها إلى قسمين: نقوش وكتابات غير عربية تطرقت إلى ذكر العرب كبعض النصوص الآشورية أو البابلية، ونصوص وكتابات عربية كتبت بلهجات مختلفة، منها ما عثر عليه في العربية الجنوبية، ويدخل ضمنها تلك التي وجدت في مصر أو في بعض جزر اليونان أو في الحبشة، وهي من كتابات المعينين والسبئين، ومنها ما عثر عليه في مواضع أخرى من جزيرة العرب، مثل أعالي الحجاز وبلاد الشام والعربية السعودية والكويت ومواضع أخرى، كل ما عثر أو سيعثر عليه من نصوص في جزيرة العرب مدوناً بلهجة من اللهجات الني تعارف علماء العرب أو المستشرقون على اعتدادها من لغات العرب. وأغلب الكتابات الجاهلية التي عثر عليها هي و للأسف في أمور شخصية، ولذلك انحصرت فوائدها في نواح معينة، في مثل الدراسات اللغوية، وأقلها النصوص التي تتعرض لحالة العرب للسياسية، أو الأحوال الاجتماعية أو العلمية أو الدينية أو النواحي الثقافية والحضارية الأخرى، ولهذا بقيت معارفنا في هذه النواحي ضحلة غير عميقة. كل أملنا هو في المستقبل، فلعله سيكون سخيا كريما، فيمدنا بفيض من مدونات لها صلة وعلاقة بهذه الأبواب، وينقذنا بذلك من هذا الجهل الفاضح الذي نحن فيه، بتاريخ. العرب قبل الإسلام.

بل حتى النصوص العربية الجنوبية التي عثر عليها حتى الآن، هي في أمور شخصية في الغالب، من مثل إنشاء بيت، أو بناء معبد، أو يناء سور، أو شفاء من مرض، ولكنها أفادتنا، مع ذلك، فائدة كبيرة في تدوين تاريخ العرب الجنوبيين، فقد أمدتنا بأسماء عدد من الملوك، ولولاها لما عرفنا عنهم شيئاً. ونظراً إلى ما نجده في بعض النصوص من إشارات إلى حروب، ومن صلات بين ملوك الدول العربية الجنوبية، ونظرا إلى كون بعض الكتابات أوامر ملكية وقوانين في تنظيم الضرائب وتعيين حقوق الغرباء وفي أمور عامة أخرى لها علاقة بصلة الحكومات بشعوبها، و نظرا إلى ما عرفناه من ميل إلى الحضارة و الاستقرار و العمل و البناء، وفي حكوماتهم من تنظيم و تنسيق في الأعمال، فأننا نأمل الحصول في المستقبل على وثائق، تعطينا مادة جيدة عن تاريخ العرب % الجنوبيين و عن صلاتهم ببقية العرب أو العالم الخارجي، لأن جماعة تتهم هذا الاهتمام بالأمور المذكورة، لا يمكن إن تكون في غفلة عن اهمية تدوين التاريخ. و تختلف الكتابات العربية الجنوبية طولاً و قصراً تبعاً للمناسبات و طبيعة الموضوع، وتتشابه في المضمون وفي إنشائها، الغالب، لأنها كتبت في أغراض شخصية متماثلة. ومن النصوص الطولية المهمة، نص رقمه العلماء برقم: "C.I.H. 1450" وقد كتب لمناسبة الحرب التي نشبت بين قبائل حاشد و قبائل حمير في مدينة "ناعط"، ونص رقمه "C..I.H 4334"، وقد أمر بتدوينه الملك "شعر أوتر بن علهان نهفان" "شعر أوتر بن علهن نهفن" ، "80-50ق.م"، ونص "أبرهة" نائب ملك الحبشة على اليمن "عزلي"، وهو يحوي كتابة مهمة تتألف من "136" سطراً، يرتقي تاريخها إلى سنة 658 الحميرية أو 543 م وقد كتب بحميرية رديئة ركيكة، ونص يرتقي تاريخه إلى سنة 554 م.

أما الكتابات المكتوبة باللهجات التي يطلق عليها المستشرقون اللهجات العربية الشمالية، فقليلة. ويراد بهذه اللهجات القريبة من عربية القرآن الكريم. وأما الكتابات التي وجد إنها مكتوبة بالثمودية أو اللحيانية أو الصفوية، فإنها عديدة، وهي قصيرة، وفي أمور شخصية، و قد أفادتنا في استخراج أسماء بعض الأصنام وبعض المواضع وفي الحصول على أسماء بعض القبائل وأمثال ذلك.

تاريخ الكتابات

والكتابات المؤرخة قليلة. هذا أمر يؤسف عليه، إذ يكون المؤرخ في حيرة من أمره في ضبط الزمن الذي دوّن فيه النص، ولم نتمكن حتى الآن كل من الوقوف على تقويم ثابت كان يستعمله العرب قبل الإسلام، مدة طويلة في جزيرة العرب. والذي تبين لنا حتى الآن هو أنهم استعملوا جملة طرق في تأريخهم للحوادث، وتثبيت زمانها، فأرخوا بحكم الملوك، فكانوا يشيرون إلى الحادث بأنه حدث في أيام الملك فلان، أو في السنة كذا في حكم الملك فلان. وأرخوا كذلك بأيام الرؤساء وسادات القبائل وأرباب الأسر وهي طريقة عرفت عند المعينين والسبئين والقتبانيين وعند غيرهم في مختلف أنحاء جزيرة العرب. والكتابات المؤرخة بهذه الطريقة، وان كانت أحسن حالاً من الكتابات المهملة التي لم يؤرخها أصحابها بتاريخ، إلا أننا قلما نستفيد منها فائدة تذكر، إذ كيف يستطيع مؤرخ أن يعرف زمانها بالضبط، وهو لا يعرف شيئاً عن حياة الملك الذي أرخت به الكتابة أو حكمه، أو زمانه، أو زمان الرجال الذين أرخ بهم? لقد فات أصحاب هذه الكتابات أن شهرة الإنسان لا تدوم، وأن الملك فلاناً، أو رب الأسرة فلانا، أو الزعيم فلاناً ربما لا يعرف بعد أجيال، وقد يصبح نسياً منسياً، لذلك لا يجدي التأريخ به شيئاً، وذاكرة الإنسان لا تعي إلا الحوادث الجسام. لهذا السبب لم نستفد من كثير من هذه الكتابات المؤرخة على وفق هذه الطريقة، وأملنا الوحيد هو أن يأتي يوم قد نستفيد فيه منها في تدوين التاريخ.

وترد التواريخ في الكتابات العربية الجنوبية، ولا سيما الكتابات القتبانية، على هذه الصورة: "ورخس ذو سحر خرف ...."، أو "ورخس ذو تمنع خرف ..."، أي: "وأرخ في شهر سحر من سنة...." و "أرخ في شهر تمنع من سنة....". ويلاحظ إن "ورخ" و "توريخ"، مثل "أرخ" و "تاريخاً"، هما قريبتان من استعمال تميم، إذ هي تقول: "ورخت الكتاب توريخاً" أي: "أرخت الكتاب تأريخاً". وأما حرف "السين" اللاحق بكلمة "ورخ"، فانه أداة التنكير. ويلي التاريخ أسم الشهر، مثل شهر "ذو تمنع" و "ذو سحر" وغير ذلك. وقد تجمعت لدينا أسماء عدد من الشهور في اللهجات العربية الجنوبية المختلفة تحتاج إلى دراسة لمعرفة ترتيبها بالنسبة إلى الموسم والسنة. ثم تلي الشهور في العادة كلمة "خرف" أي "خريف"، وهي في العربية الجنوبية، السنة أو العام أو الحول. وعندئذ يذكر اسم الملك أو الرجل الذي أرخ به، فيقال: "خرف شهر يكل" أي سنة "شهريكول"، وهو ملك من ملوك قتبان. وهكذا بالنسبة إلى الملوك أو غيرهم.

نرى من ذلك إن التاريخ بأعوام الرجال كان يتضمن شهوراً. غير إننا لا نستطيع أن نجزم بان هذه للشهور كانت ثابتة لا تتغير بتغير الرجال، أو إنها كانت تتبدل بتبدل الرجال. والرأي الغالب هو إنها وضعت في وضع يلائم المواسم وأوقات الزراعة. ويظهر انهم كانوا يستعملون أحياناً مع هذا التقويم تقويماً آخر هو التقويم الحكومي، وكان يستند إلى السنين المالية،أي سني جمع الضرائب. وتختلف أسماء شهور هذا التقويم عن أسماء شهور التقاويم التي تؤرخ بالرجال. ويظهر أن العرب الجنوبيين كانوا يستعملون التقويم الشمسي في الزراعة، كما كانوا يستعملون التقويم القمري والتقويم النجمي أي التقويم الذي يقوم على رصد النجوم.

وقد اتخذ الحميريون منذ سنة "115 ق. م" تقويماً ثابتاً يؤرخون به، وهي السنة التي قامت فيها الدولة الحميرية -على رأي بعض. العلماء- فأخذ الحميريون يؤرخون بهذا الحادث، و اعتدوه مبدأً لتقويمهم. وقد درسه المستشرقون، فوجدوه يقابل السنة المذكورة قبل الميلاد.والكتابات المؤرخة بموجب هذه الطريقة، لها فائدة كبيرة جداً في تثبيت التاريخ. وقد ذهب بعض الباحثين حديثاً إلى أن مبدأ تاريخ حمير يقابل السنة "109 ق.م" أي بعد ست سنوات تقريبا من التقدير المذكور، وهو التقدير المتعارف عليه. والفرق بين التقديرين غير كبير.

ومن النصوص المؤرخة، نص تأريخه سنة385 من سني التقويم الحميري. وإذا ذهبنا مذهب الغالبية التي تجعل بداية هذا التقويم سنة "115 ق. م"، عرفنا أن تاريخ هذا النص هو سنة 27 م تقريباً، وصاحبه هو الملك "يسر يهنعم" "ياسر يهنعم" "ياسر ينعم" ملك سبأ وذو ريدان و ابنه "شمر يهرعش". وللملك "ياسر يهنعم" نص آخر يعود تاريخه إلى سنة 374 من سني التقويم الحميري، % أي سنة "295 م".:و لشمير يهرعش" كتابة أمر بتدوينها سنة 396 للتقويم الحميري، أي سنة 281 م. وقد ورد اسمه في نصوص أخرى، وقد لقّب نفسه بلقب "ماك سباً وذو ريدان"، ولفب نفسه في مكان أخر بلقب "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت"، مما يدل على أنه كان قد وسعّ ملكه، وأخضع الأرضين المذكورة لحكمه، وهي نصوص متأخرة بالنسبة إلى النصوص الأخرى. ولما أراد الملك "شرحبيل يعفر بن أبي كرب أسد" "ملك سباً وذو ريدان وحضرموت ويمنت و أعرابها في الجبال والسواحل" بناء السدّ، أمر بنقش تاريخ البناء على جداره. وقد عثر عليه، وإذا به يقول: إن العمل كان في سنة 564-565 الحميرية، وهذا يوافق عامي 449-450 من الأعوام الميلادية. وبعد ثماني سنوات من هذا التأريخ، أي في عام 457-458 من التأريخ الميلاديَ "572 - 573حميري"، وضع عبد كلال نصاً تاريخياً يذكر فيه أسم "الرحمن"، ولهذين النصين أهمية عظيمة جدا من الناحية الدينة. يذكر النص الأول "إله السماوات والأرضين"، ويذكر الثاني "الرحمن". وتظهر من هذه الإشارة فكرة التوحيد على لسان ملوك اليمن وزعمائها.

وقد عّر على نصين آخرين ورد فيهما اسم الملك "شرحب آل يكف" و "شرحبيل يكيف". تأريخ أحدهما عام 582الحمري "467 م"، وتأريخ النص الثاني هو سنة585 الحميرية، الموافقة لسنة 475 م.

ومن النصوص الآثارية المهمة، نص حصن غراب. وهذا النص أمر بكتابته "السميفع أشوى" "السميفع أشوع" وأولاده، تخليداً لذكرى انتصار الأحباش على اليمانيين في عام 525م "سنة 640 الحميرية". ويليه النص الذي أمر أبرهة حاكم اليمن في عهد الأحباش بوضعه على جدران سدّ مأرب لما قام بترميم السدّ و إصلاحه في عام 657 الحميري، الموافق لعام 542م. وآخر ما نبده من نصوص مؤرخة، نص وضع في عام 669 لتقويم حمير "يوافق عام 554م". ولم يعثر المنقبون بعد هذا النص على نص آخر يحمل تاريخاً. نعم، عثروا على نصوص كثيرة تشابه في مضمونها وعباراتها، وألفاظها النصوص التي أقيمت في الفترة بن 439 م وسنة 554م، وهذا يبعث على احتمال كون هذه النصوص مكررة، وأنها من هذا العهد الذي بحثنا عنه آنفاً. هذا، وإن مما يلاحظ على الكتابات العربية الجنوبية أن التي ترجع منها إلى العهود القديمة من تاًريخ جنوب بلاد العرب، قليلة. وكذلك الكتابات التي ترجع إلى العصور الحميرية المتأخرة،أي القريبة المتصلة بالإسلام. ولذلك أصبحت أكثر الكتابات التي عثر عليها حتى الآن من العهود الوسطى المحصورة بن أقسم عهد من عهود تأريخ اليمن وبين أقرب عهود اليمن إلى تاًريخ الإسلام. وأكثرها خلو من التأريخ غير عدد منها يرد فيه لسماء ملوك وملكات أرخت بأيامهم. لكنّنا لا نستطيع تعيين تأريخ مضبوط لزمانهم، لعم وجود سلسلة لمن حكم أرض اليمن، ولعدم وجود جداول بمدد حكمهم،ولفقدان الإشارة إلى من كان يعاصرهم من الملوك والأجانب. وقد كان ما قدمناه يتعلق بالكتابات العربية الجنوبية المؤرخة. أما الكتابات العربية الشمالية المؤرخة، فهي معدودة، وهي لا تعطينا هذا السبب فكرة علمية عن تاًريخ الكتابات في الأقسام الشمالية والوسطى من بلاد العرب. وقد أرخ شاهد قبر "امرئ القبس" في يوم 7 بكسلول من سنة 223 "328 م". وهذه السنة هي من سني تقويم بصرى Bostra، وكان أهل الشام وحوران وما يليهما، يؤرخون بهذا التقويم في ذلك العهد، ويبدأ بدخول بصرى في حوزة الروم سنة105 م.

وعثر على كتابة في خرائب "زيد" بين قنسرين ونهر الفرات جنوب شرقي حلب، كتبت بثلاث لغات: اليونانية والسريانية والعربية، يرجع تأريخها إلى سنة "823 للتقويم السلوقي"، الموافقة لسنة 512م. والمهم عندنا، هو النص العربي، ولا سيما قلمه العربي. أما من حيث مادته اللغوية، فان أكثر ما ورد فيه أسماء الرجال الذين سعوا في بناء الكنيسة التي وضعت فيها الكتابة. وأرخت كتابة "حرّان" اليونانية بسنة أربع مئة وثلاث وستين من الأندقطية الأول، وهي تقابل سنة 568م، والأندقطية، هي دائرة ثماني سنين عند الروماينين، وكانت تستعمل في تصحيح تقويم السنة. أما النص العربي، فقد أرخ "بسنه 463 بعد مفسد خيبر بعم" "عام". ورأى الأستاذ "ليتمن" أن عبارة "بعد مفسد خيبر بعم"،تشير إلى غزوة قام بها أحد أمراء غسان لخيبر. وفي استعمال هذه الجملة التي لم ترد في النص اليوناني، دلالة على أن العرب الشماليين كانوا يستعملون التواريخ المحلية، كما كانوا يؤرخون بالحوادث الشهيرة التي تقع بينهم. أما الكتابات الصفوية والثمودية واللحيانية، فإن من بينها كتابات مؤرخة، إلا ان توريخها لم يفدنا شيئاً أيضاً. فقد أرخت على هذا الشكل: "يوم نز هذا المكان" أو "سنة جاء الروم". ومثل هذه الحوادث مبهمة، لا يمكن أن يستفاد منها في ضبط حادث ما.

هذا وقد أشار "المسعودي" إلى طرق للجاهليين في توريخ الحوادث، تنفي مع ما عثر عليه في الكتابات الجاهلية المؤرخة، فقال: "وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة، أما حمير وكهلان ابنا سبأ بن يشجب يعرب بن قحطان بأرض اليمن، فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم السالفة من التبابعة وغيرهم"، ثم ذكر أنهم أرخوا أيضاً بما كان يقع لديهم من أحدا جسيمة في نظرهم، مثل "نار صوان"، وهي نار كانت تظهر ببعض الحرار من أقاصي بلاد اليمن، ومثل الحروب التي وقعت بين القبائل والأيام الشهيرة وقد أورد جريدة بتواريخ القبائل إلى ظهور الإسلام. وذكر "الطبري" أن العرب "لم يكونوا يؤرخون بشيء من قبل ذلك، غير أن قريشا كانوا -فيما ذكر- يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل، وكان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة، كتأريخهم بيوم جبلة وبالكلاب الأول والكلاب الثاني". وقد ذكر المسعودي أن قدوم أصحاب الفيل مكة، كان يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين -وثمانين سنة للاسكندر، وست عشرة سنة ومئتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة العدد "حجة الغدر"، ولسنة أربعين من ملك كسرى أنوشروان. ولم يشر المسعودي إلى العرب الذين أرخوا بالتقويم المذكور، غير أننا نستطيع أن نقول إن "المسعودي" قصد بهم أهل مكة، لأن حملة "أبرهة" كانت قد وجهت إلى مدينتهم، وأن الحملة المذكورة كانت حادثاً تاريخياً بالنسبة إليهم، ولذلك أرّخوا بوقت وقوعها. ويرى كثير من المستشرقين والمشتغلين بالتقاويم وبتحويل السنين وبتثبيتها، وفقاً لها، أن عام الفيل يصادف سنة "570" أو "571" للميلاد، وذلك يمكن اتخاذ هذا العام مبدءاً نؤرخ به على وجه التقريب الحوادث التي وقعت في مكة أو في بقية الحجاز والتي أرّخت بالعام المذكور.

2 - للتوراة وللتلمود والتفاسير والشروح العبرانية

وقد جاء ذكر العرب في مواضع من أسفار التوراة تشرح علاقات العبرانيين بالعرب. والتوراة مجموعة أسفار، كتبها جماعه من الأنبياء في أوقات مختلفة، كتبوا أكثرها في فلسطين. وأما ما تبقى منها، مثل حزقيال والمزامير، فقد كتب في وادي الفرات أيام السبي، وأقدم أسفار التوراة هو سفر "عاموس" "Amos"، ويظن أنه كتب حوالي سنة 750 ق. م. وأما آخر ما كتب منها، فهو سفر " دانيال" "Danial" والإصحاحان الرابع والخامس من سفر " المزامير". وقد كتب هذه في القرن الثاني قبل المسيح.

فما ذكر في التوراة عن العرب يرجع تاريخه إذن إلى ما بين سنة 750 والقرن الثاني قبل المسيح. وقد وردت في التلمود " Talmud" إشارات إلى العرب كذلك. وهناك نوعان من التلمود الفلسطيني أو التلمود الأورشليمي "Yeruschalmi" كما يسميه العبرانيون اختصاراً، والتلمود البابلي نسبة إلى "بابل" بالعراق، ويعرف عندهم بأسم "بابلي" انتصاراً.

أما التلمود الفلسطيني، فقد وضع، كما يفهم من اسمه في فلسطين. وقد تعاونت على تحبير. المدارس اليهودية "Academies" في الكنائس " الكنيس". وقد كانت هذه مراكز الحركة العلمية عند اليهود في فلسطين، وأعظمها هو مركز "طبرية" "Tiberies" وفي هذا المحل وضع الحبر "رابي بوحان" "Rabbi Jochanan" التلمود الأورشليمي في أقدم صورة من صوره في أواخر القرن الثالث الميلادي وتلاه بعد ذلك الأحبار الذين جاؤوا بعد " يوحنان"،وهم الذين رضعوا شروحا وتفاسير عدة تكون منها هذا التلمود الذي اتخذ هيأته النهائية في القرن الرابع الميلادي. وأما التلمود البابلي، فقد بدأ بكتابته -على ما يظهر- الحبر " آشي" "Rabbi Ashi" المتوفي عام 435 م، وأكمله الأحبار من بعده، واشتغلوا به حتى اكتسب صيغته النهائية في أوائل القرن السادس للميلاد. ولكل تلمود من التلمودين طابع خاص به، هو طابع البلد الذي وضع فيه، ولذلك يغلب على التلمود الفلسطبني طابع التمسك بالرواية والحديث. وأما التلمود البابلي، فيظهر عليه الطابع العراقي الحر وفيه عمق في التفكير، وتوسع في الأحكام والمحاكمات، وغنى في المادة. وهذه الصفات غير موجودة في التلمود الفلسطيني.

وبهذا يكمل التلمود أحكام التوراة، وتفيدنا إشاراته من هذه الناحية في تدوين تاريخ العرب. أما الفترة بين الزمن الذي انتهي فيه من كتابة التوراة والزمن الذي بدأ فيه بكتابة التلمود، فيمكن أن يستعان في تدوين تاريخها بعض الاستعانة بالأخبار التي ذكرها بعض الكتاب، ومنهم المؤرخ اليهودي " يوسف فلافيوس" " جوسفوس فلافيوس" "Josephus Flavius"، الذي عاش بين سنة 37 و 100 للمسيح تقريبا. وله كتاب باللغة اليونانية في تاريخ عاديات اليهود "Joudaike Archaioligia" تنتهي حوادثه بسنة 66 للميلاد، وكتاب أخر في تاريخ حروب اليهود "Peri tou Joudiaou Poemou" من استيلاء " انطيوخس افيفانوس" "Antiochus Epiphanos" على القدس سنة 170 قبل الميلاد إلى الاستيلاء طيها مرة ثانية في عهد "طيطس" "Titus" سنة 70 بعد الميلاد، وكان شاهد عيان لهذه الحادثة. وقد نال تقدير "فسبازيان" "Vespasian" و " طيطس" وأنعم عليه بالتمتع بحقوق المواطن الروماني.

وفي كتبه معلومات ثمينة عن العرب، وأخبار مفصلة عن العرب الأنباط، لا نجدها في كتاب ما أخر قديم. وكان الأنباط في أيامه يقطنون في منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات، فتتاخم بلاد الشام، ثم تنزل حتى تتصل بالبحر الأحمر. وقد عاصرهم هذا المؤرخ، غير أنه لم يهتم بهم إلا من ناحية علاقة الأنباط العبرانيين، ولم تكن بلاد العرب عنده إلا مملكة الأنباط. هذا وان للشروح والتفاسير المدونة على التوراة والتلمود قديما وحديثا، وكذلك للمصطلحات العبرانية القديمة على اختلاف أصنافها أهمية كبيرة في تفهم تاريخ الجاهية، وفي شرح المصطلحات الغامضة التي ترد في النصوص العربية التي تعود إلى ما قبل الإسلام، لأنها نفسها و بتسمياتها ترد عند العبرانيين في المعاني التي وضعها الجاهليون لها. وقد استفدت كثيرا من الكتب المؤلفة عن التوراة مثل المعجمات في تفهم أحوال الجاهلية، وفي زيادة معارفي بها، ولهذا أرى أن من اللازم لمن يريد دراسة أحوال الجاهية، التوغل في دراسة تلك الموارد وجميع أحوال العبرانيين قبل الإسلام.

3-الكتب للكلاسيكية

وأتصد بالكتب " الكلاسيكية" الكتب اليونانية واللاتينية المؤلفة قبل الإسلام. ولهذه الكتب -على ما فيها من خطأ- أهمية كبيرة، لأنها وردت فيها أخبار تاريخية وجغرافية كبيرة الخطورة، ووردت فيها أسماء قبائل عربية كثيرة لولاها لم نعرف عنها شيئا: وقد استقى مؤلفوها وأصحابها معارفهم من الرجال الذين اشتركوا في الحملات التي أرسلها اليونان أو الرومان إلى بلاد العرب،ومن السياح الذين اختلطوا بقبائل بلاد العرب أو أقاموا مدة بين ظهرانيهم، ولا سيما في بلاد الأنباط، من التجار وأصحاب السفن الذين كانوا بتوغلون في البحار وفي بلاد العرب للمتاجرة. وتعد الإسكندرية من أهم المراكز التي كانت تعنى عناية خاصة بجمع الأخبار عن بلاد العرب وعادات سكانها وما ينتج فيها لتقدمها إلى من يرغب فيها من تجار البحر المتوسط. وقد استقى كثير من الكتاّب "الكلاسيكيين" معارفهم عن بلاد العرب من هذه المصادر التجارية العالمية. وتتحدث الكتب الكلاسيكية جازمةً عن وجود علاقات قديمة كانت بين سواحل بلاد العرب وبلاد اليونان والرومان، وتتجاوز بعض هذه الكتب هذه الحدود فتتحدث عن نظرية قديمة كانت شائعة بين اليونان، وهي وجود أصل دموي مشترك بين بعض القبائل العربية واليونان. وتفصح هذه النظرية، على ما يبدو منها من سذاجة، عن العلاقات العريقة في القدم التي كانت تربط سكان البحر المتوسط الشماليين بسكان الجزيرة العربية.

ومن أقدم من ذكر العرب من اليونانيين "أخيلس" "Aescylus" "525 -456 ق. م"، و " هيرودتس" " 480-425 ق. م" وقد زار مصر، وتتبع شؤون الشرق وأخباره بالمشاهدة والسماع، ودوّن ما. سمعه، ووصف ما شاهده في كتاب تاريخي. وهو أول أوربي ألّف كتابا بأسلوب منمق مبوب في التاريخ ووصل مؤلفه ألينا، وقد لقّبه " شيشرون" "Cicero" الشهير بلقب "أبي التاريخ". تناول " هيرودتس" تاريخ الصراع بين اليونان والفرس، وان شئت فسمّه "النزاع الأوروبي الأسيوي"، فألّف عن تاريخه. والظاهر أنه لم يتمكن من إتمامه، ففيه فصول وضعت بعد وفاته. وهو أول كاتب يوناني اتخذ من الماضي موضوعا للحاضر ومادة لمناقشة، بعد أن كان البحث في أخبار الأيام السالفة مقصوراً على ذكر الأساطير والقصص الشعبية و الدينية. وهو مع حرصه على النقد والمحاكمة، لم يتمكن أن يكون بنجوة من الأفكار الساذجة التي كانت تغلب على ذلك العالم الابتدائي في ذلك العهد، فحشر في كتابه قصصا ساذجا وحكايات لا يصدقها العقل، متأثرا بعقلية زمانه في التصديق بأمثال هذه الأمور. ومنهم "ثيوفراستوس" "Theophrastus"، "حوالي371-287 ق. م"، مؤلف كتاب "Historia Plantarum" وكتاب "De Causis Plantarum". وفي خلال حديثه عن النبات تطرق إلى ذكر البقاع العربية الني كانت تنمو بها مختلف الأشجار،ولا سيما المناطق الجنوبية التي كانت تصدر التمر واللبان والبخور والأفاويه. و " ايراتو ستينس" "Eratostenes" " 276 -194ق. م". وقد استفاد الكتاب اليونانيون الذين جاؤوا من بعده من كتاباته،ونجد في مواضع مختلفة من جغرافية "سترابون أقوالا معزوّة إليه". و نضيف الى من تقموا "ديدورس الصقلي" "Diodorus Sicus" "40 ق.م.". وقد ألف بالغة اليونانية تاريخا عاما سماه "المكتبة التاريخية" "Bibliothke Historrike" ، تناول تاريخ العالم من عصر الأساطير حتى فتح "يوليوس قيصر" لأقليم "الغال". وهو في أربعين جزءا، لم يبق منها سوى خمسة عشر جزءا، تبحث في الحقبة المهمة التي تبتدئ بسنة 480ق.م. و تنتهي بسنة 323 ق.م. ويعوز هذا المؤرخ النقد، لأنه جمع في كتابه كل ما وجده في الكتب القديمة من أخبار ولم يمحصها، وقد امتلأ كتابه بالأساطير، والعالم مع ذلك مدين له إلى حد كبير بمعرفة أخبار الماضين، ولا سيما الأساطير الدينية القديمة. ومن المؤلفين الكلاسيكيين، "سترابون" "سترابو" "strado" "strabon" "64ق.م-19م" وهو رحالة كتب كتاباً مهما باللغة اليونانية في سبعة عشر جزءا سمّاه "جغرافيا" "Geographica". وقد وصف فيه الأحوال الجغرافية الطبيعية لمقاطعات الإمبراطورية الرومانية الرئيسية، وتاريخها، وحالات، سكانها، وغريب عاداتهم وعقائدهم. وللكتاب شأن كيير، إذ اشتمل على كثير من الأخبار التي لا تتيسر في كتاب آخر. وقد اعتمد فيه على ما ذكره الكتاب السابقون. وقد أفرد "سترابون" في جغرافيته فصلاً خاصاً من الكتاب السادس عشر ببلاد العرب، ذكر فيه مدائن العرب وقبائلهم في عهده، ووصف أحوالهم التجارية والاجتماعية والاقتصادية،وحملة "أوليوس غالوس" "أوليوس كالوس" "Aelius Gallus" المعروفة لفتح بلاد العرب وما كان من اخفاقه. ولاخبار هذه الحماة التي دونتها "سترابون" في جغرافيته، أهمية خاصة، إذ جاءت بمعلومات عن نواحي من تأريخ العرب نجهلها، وقد شارك هو نفسه في الحملة، وقد كان صديقاً لقائدها، فوصفه وصف شاهد عيان. وقد استهل وصف الحملة بهذه العبارة: " لقد علمتنا الحملة التي قام بها الرومان على بلاد العرب بقيادة أوليوس غالوس في أيامنا هذه أشياء كثيرة عن تلك البلاد.

وممن تحدث عن العرب " بلينيوس" " بليني الأقدم" "Pliny the Elder" "Galus plinius Secundus" المتوفي سنة 79 م، رمن كتبه المهمة كتابه "التاريخ الطبيعي" "Naturalius Historia" في سبعة وثلاثين قسما، وقد نقل في كتابه عن تقسمه، ولا سيما معلوماته عن بلاد العرب والشرق وجمع ما أمكنه جمعه، غير أنه أتى في أماكن متعددة من كتابه بأخبار لم يرد لها ذكر من كتب المؤرخين الآخرين. وهناك مؤلف يوناني مجهول، وضع كتابا سماه "الطواف حول بحر الأريتريا" "Periplus Maris Erythraei" "The Periplus of the Erythraean Sea" أتمه في نهاية القرن الأول للمسيح في رأي بعض العلماء، أو بعد ذلك في حوالي النصف الأول من القرن الثالث للميلاد في رأي بعض آخر، وقد وصف فيه تطوافه في البحر الأحمر وسواحل البلاد العربية الجنوبية. والظاهر أنه كان عالما بأحوال الهند وشواطئ أفريقية الشرقية، ولعله كان تاجرا من التجار الذين كانوا يطرفون في هذه الأنحاء للاتجار، ولم يعن إلا. بأحوال السواحل. أما الأقسام الداخلية من جزيرة العرب، فيظهر أنه لمَ يكن ملماَ بها إلماما كافيا. وقد ذهب "البرايت" إلى أن الكتاب المذكور قد ألف في حوالي السنة "80" بعد الميلاد. وذهب آخرون إلى أن مؤلفه قد ألفه في حوالي السنة "225" أو "215" بعد الميلاد. وهناك طائفة من الكتّاب الذين تركوا لنا آثارا وردت فيها إشارات إلى العرب والبلاد العربية، مثل "أبولودورس" "Apollodorus" "المتوفي سنة 140 بعد المسيح". و " بطلميوس" "Claudius Ptolemas" الذي عاش في الإسكندرية في القرن الثاني للمسيح. وهو صاحب مؤلفات في الرياضيات منها " كتاب المجسطي" المعروف في اللغة ا.لعربية. وله كتاب مهم في الجغرافية سماه "Geographike Hyphegesis"، ويعرف باسم "جغرافية بطلميوس". ولهنا الكتاب شهرة واسعة، وقد دُرِّس في أكثر مدارس العالم إلى ما بعد انتهاء القرون الوسطى. جمع فيه بطلميوس ما عرفه العلماء اليونان وما سمعه هو بنفسه ومما شاهده هو بعينه، وقسّم الأقاليم بحسب درجات الطول والعرض. وقد تكلم في كتابه على مدن البلاد العربية وقبائلها وأحوالها، وزيّن الكتاب بالخارطات التي تصور وجهة نظر العلم إلى العالم في ذلك العهد. وبرى بعض الباحثين أن ما ذكره "بطلميوس" عن حضرموت يشير إلى أن المنبع الذي أخذ منه كان يعلم شيئا عنها، وانه كان قد أقام مدة في "شبوة" العاصمة. ويرون أن ذلك المنبع قد يكون تاجراً روميا، أو أحد المبعوثين الرومان في تلك المدينة، لأن وصف "بطلميوس" للأودية والأماكن الحضرمية يشر إلى وجود معرفة بالأماكن عند صاحبه. أما ما ذكره "بطلميوس" عن أرضق "سبا" و السبئيين، فانه لا يدل،على حد قول المذكورين،على علم بالأماكن، و إجادة لأسمائها، وأن الذي أخذ منه "بطلميوس" لم يكن قد شاهدها.

ومن الذين أوردوا شيئا عن أحوال بلاد العرب "أريان" "Arrian" "Flavius Arrianus" "95 -175م"، وقد ألف كتباً عديدة. منها كتابه "Anabasis of Alexader the Great" في خمسة عشر قسما، وصف في سبعة منها حملات الإسكندر الكبير، وفي الثمانية الأخرى وصف الهند وأحوال الهنود ورحلة القائد "Nearchus" "نيرخس" "أميرال الإسكندر في الخليج العربي". ومنهم " هيروديان" "Herodianus" " 165 - 250 ق. م."، وهو مؤرخ سرياني ألف في اليونانية كتابا في تاريخ قياصرة الروم من وفاة القيصر "ماركوس أوريليوس" إلى سنة 238 م. الموارد للنصرانية وللمواد النصرانية أهمية كبيرة في تدوين تاريخ انتشار النصرانية في بلاد العرب وتاريخ القبائل العربية، وعلاقات العرب باليونان والفرس، وقد كتُب أغلبها باليونانية والسريانية. ولها في نظري قيمة تاريخية مهمة لأنها عند عرضها للحوادث تربطها بتاريخ ثابت معين، مثل المجامع الكنيسية، أو تواريخ القديسين، والحروب وأوقاتها في الغالب مضبوطة مثبتة. ومن أشهر هذه الموارد مؤلفات المؤرخ الشهر "أويسبيوس" المعروف ب "أويسبيوس القيصري" "Eusebius of Caesarea" " 263 - 340 م" " 265 - 340 م" وب "أبي التاريخ الكنائسي" "fater of Ecclesiastical History" و ب "هيرودتس النصارى". وكان على اتصال بكبار رجال الحكومة وبرؤساء الكنيسة، فاستطاع بذلك أن يقف على كثير من أسرار الدولة وأن يراجع المخطوطات والوثائق الثمينة التي كانت تحويها خزائن الحكومة وخزائن كتب الرؤساء والأغنياء. وكان قد ألّف كتاباَ في التاريخ باللغة اليونانية،عرف ب "The Chronicon"، حوى بالإضافة إلى التاريخ العام تقاويم وجداول بالحوادث التي حدثت في أيامه.

وقد أفاد هذا الكتاب فائدة كبيرة في معرفة تاريخ اليونان والرومان حتى سنة325 م، ولم يبق من أصله غير قطع صغيرة. غير أن له ترجمة باللاتينية عملها "جيروم" "Jerome"، وأخرى باللغة الأرمنية ، وقد سدّ "جوزيف سكالكر" "Joseph Scaliger" النقص الذي طرأ على النسخة الأصلية، باستفادته من هاتين الترجمتين. ولهذا الأسقف كتب مهمة أخرى، في مقدمتها كتاب " التاريخ الكنائسي" "Ecclesiasticla History"، وهو في عشرة كتب، يبدأ بأيام المسيح، وينتهي بوفاة الإمبراطور "Licinius" سنة 324 م. وقد استقى كتابه هذا من مصادر قديمة، فاورد فيه امورا انفرد بها. ومن مؤلفاته: كتاب "شهداء فلسطين" "The martyrs of Palastin" تحدّث فيه عن تعذيبهم واستشهادهم في أيام "Dioclentian" و "Maximin" " 303 - 310 م"، وكتاب "سيرة قسطنطين" "The Life of Constantine"، وكتاب في فلسفة اليونان وديانتهما.

ومن مؤرخي الكنيسة: "Athanasius" حوالي 296-371 م" و "Gelasius" "حوالي 0 32 -394 م" أسقف قيصرية، وله تتمة لتاريخ "Eusebius". و "روفينوس تيرانيوس" "Rufinus Tyranius" المتوفى سنة 410 م، وصاحب كتاب "Historiae Ecclesiasticla". وقد ضمّنه أقساما من تاريخ "أويسبيوس" و "ايروينوس" "Irenaeus" "444م"، وكان اسقفا على "صور" "Tyre" ، و قد كتب مؤلفا عن مجمع "أفسوس" للنظر في النزاع مع النساطرة، و كان يميل اليهم. و المؤرخ "سقراط" "Socrates"، و هو من الفقهاء في الكنيسة، و قد اعتمد في تواريخه على كتب قبله من المؤرخين، وقد وردت في ثناياها أخبار عن بلاد العرب. و المؤرخ "سوزومينوس" "Sozomenos" "400-443" و له كتاب في التاريخ الكنائسي، و "ثيودوريت" "Theodoret" المتوفي حوالي سنة 457 للميلاد. و " "زوسيموس" "Zosimus"، وهو مؤرخ يوناني ألّف في تاريخ الامبراطورية الرومانية - اليونانية ، فأشار إلى العرب و علاقاتهم بها. و "شمعون الأرشامسي" "Simeon of Beit Arsam"، و هو صاحب "رسائل الشهداء الحميريين" التي تبحث في تعذيب ذي نواس للنصارى في نجران، و قد جمع أخبارهم "على ما يديعيه" من بلاط ملك الحيرة أيام أوفده إليه امبراطور الروم في مهمة رسمية. و "بروكوبيوس" "Procopius" من رجال القرن الساسد للميلاد، و كان أمين سر القائد "بليزاريوس" "Belisarius" أعظم قوّاد "يوسطاوس"، و قد رافقه عدة سنين في بلاد فارس و شمال افريقية و جزيرة صقلية. و من مؤلفاته نؤلف في تاريخ زمانه، لا سيما حروب يوسطنيانوس"، وكتاب "De Bllo Persico"، وقد وردت فيه أخبار ذات بال بالنسبة لبلاد العرب. ومن هؤلاء "زكريا" "Zacharias"، المتوفى حوالي سنة 568 م. "ويحنا ملالا" "John Malalas" المتوفي سنة 578م. و "ميننذر" "Menander Protector" المتوفي حوالي سنة 582م. و "يوحنا الأفسي" "Johan of Ephesus" وقد ولد في حوالي سنة 505م، وتوفي سنة585 م تقريباً، وله مؤلفات عديدة منها كتابه: "التاريخ الكنائسي" "Ecclesiastica Historia"، وهو في ثلاثة أقسام يبتدئ بأيام "يوليوس قيصر" وينتهي بسنة585م. وكتاب "تأريخ القديسين الشرقيين"، وقد فرغ من تأليفه سنة 569م. ومن هؤلاء "اسطيفان الييزنطي" "Stephanus Byzantinus" المتوفي سنة 600 م. و "ايواكريوس" "Evagrius" المعروف ب "Scholasticus" أي "المدرسي" المتوفي سنة 600م. وهو صاحب كتاب "التأريخ الكنائسي" "Historiae Ecclesiasticae" في ستة أقسام. يبتدي بذكر "المجمع الأفسوسي" المنعقد عام 431م وينتهي بسنة 593م. وهو من الكتب المهمة، لأن مؤلفه لم يكتب عن هوى، شأن أكثر مؤرخي الكنيسة. وقد استعان بالنصوص الأصلية وبالكتب المؤلفة سابقا. ومن هؤلاء أيضا "ثيوفليكت" "Theophylactus Simocatta" المتوفي سنة 640م و "ثيوفانس" "Theophanes the Confessor" المتوفي سنة 811م. و "ايليا النصيبي" "Elijah )Elis( of Nisibis"، "وميخائيل السوري". وفي قائمة المخطوطات السريانية في المتحف البريطاني أسماء مخطوطات تأريخية في ودينية أخرى ذات فائدة كبيرة في هذا الباب. وفي مجموعة الكتابات اليونانية واللاتينية وفى المجموعات التي تبحث في أعمال القديسين وفي انتشار النصرانية، إشارات مهمة إلى بلاد العرب. وهناك كتاب نشره المستشرق " كارل مولر Carl Muller" لمؤلف مجهول اسمه "Glaucus" يبحث في "آثار بلاد العرب".

وهناك طائفة من المؤرخين النصارى من روم وسريان عاشوا في أيام الدواة الأموية والدولة العباسية، ألفوا في التأريخ العام وفي تواريخ النصرانية إلى أيامهم، فتحدثوا لذلك عن العرب في الجاهلية وفى الإسلام. ومؤلفات هؤلاء مفيدة من ناحية ورود معارف فيها لا ترد في المؤلفات الإسلامية عن الجاهلية والإسلام تفيد في سدّ الثغر في التأريخ الجاهلي وفي الوقوف على النصرانية بين العرب وعلى صلات الروم والفرس بالعرب. وأكثر الموارد المذكورة هي، ويا للأسف، مخطوطة، ليس من المتيسر الاستفادة منها، أو مطبوعة ولكنها نادة، لأنها طبعت منذ عشرات من السنين فصارت نسخها محدودة معدودة لا توجد الا في عدد قليل من المكتبات. ثم أنها في اليونانية او اللاتينية أو السريانية، أي في لغاتها الأصلية، وهذا صعب على من لا يتقن هذه اللغات الاستفادة منها، ولهذه الأمور ولأمثالها، لم يستفد منها الراغبون في البحث في التاريخ الجاهلي حتى المستشرقون منهم استفادة واسعة، فحرمنا الوقوف على أمور كثيرة من أخبار الجاهلية كان في الامكان الوقوف عليا لو تيسرت لنا هذه الكنوز. الموارد العربية الإسلامية وأعني بها الموارد التي دوّنت في الإسلام وقد جمعت مادتها عن الجاهلية من الأفواه، خلا ما يتعلق منها بأخبار صلات الفرس بالعرب وبأخبار آل نصر وآل غسان وبأخبار اليمن المتأخرة، فقد أخذت من موارد مرتبة يظهر انها كانت مكتوبة كما سأتحدث عن ذلك.

والموارد المذكورة كثيرة، منها مصنفات في التاريخ، ومنها مصنفات في الأدب بنوعيه: من نثر ونظم، ومنها كتب في البلدان والرحلات والجغرافيا وفي موضوعات أخرى عديدة، هي وإن كانت في أمور لا تعد من صميم التاريخ، إلا أنها مورد من الموارد التي يجب الاستعانة بها في تدوين تاريخ الجاهلية، لأنها تتضمن مادة غزيرة تتعلق بتاريخ الجاهلية القريبة من الإسلام والمتصلة به، لا نجد لها ذكرا في كتب التاريخ، فلا بد لمؤرخ الجاهلية من الأخذ منها لاتمام التاريخ. الحق، إننا إذا أردنا البحث عن مورد يصور لنا أحوال الحياة الجاهلية، ويتحدث لنا عن تفكير أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، فلا بد لنا من الرجوع إلى القرآن الكريم ولا بد من تقديمه على سائر المراجع الإسلامية، وهو فوقها بالطبع. ولا أريد أن أدخله فيها، لأنه كتاب مقدس، لم ينزل كتاباً في التاريخ أو اللغة أو ما شاكل ذلك، ولكنه نزل كتاباً عربياً، لغته هي اللغة العربية التي كان يتكلم بها أهل الحجاز، وقد خاطب قوماً نتحدث عنهم في هذا الكتاب، فوصف حالتهم، وتفكيرهم وعقائدهم، ونصحهم وذكّرهم بالأمم والشعوب العربية الخالية، وطلب منهم ترك ما هم عليه، وتطرق إلى ذكر تجاراتهم، وسياساتهم وغير ذلك. وقد مثلهم أناس كانت لهم صلات بالعالم الخارجي، واطلاع على أحوال من كان حولهم. وفيه تفنيد لكثير من الآراء المغلوطة التي نجدها في المصادر العربية الإسلامية. فهو مرآة صافية للعصر الجاهلي، وهو كتاب صدق لا سبيل إلى الشك في صحة نصه. وفي القرآن الكريم ذكر ليعض أصنام أهل الحجاز، وذكر لجدلهم مع الرسول في الإسلام وفي الحياة وفي المثل الجاهلية. وفيه تعرّض لنواح من الحياة الاقتصادية والسياسية عندهم، وذكر تجارتهم مع العلم الخارجي، ووقوفهم على تيارا السياسة العالمية، وانقسام الدول إلى معسكرين، وفيه أمور أخرى تخص الجاهلية وردت فيه على قدر ما كان لها من علاقة بمعارضة قريش للقرآن والإسلام. و كل ما ورد فيه دليل على أن صورة الإخباريين التي رسموها للجاهلية، لم تكن صورة صحيحة متقنة، وأن ما زعموه من عزلة جزيرة العرب، وجهل العرب وهمجيتهم في الجاهلية الجهلاء، كان زعماً لا يؤيده القرآن الكريم الذي خالف كثيراً مما ذهبوا إليه.

والتفسير، مصدر آخر من المصادر المساعدة لمعرفة تاريخ العرب قبل الإسلام وفي كتب التفسير ثروة تأريخية قيمة تفيد المؤرخ في تدوين هذا التاًريخ، تشر ما جاء مقتضباً في كتاب الله، وتبسط ما كان عالقاً بأذهان الناس عن الأ التي سبقت الإسلام، وتحكي ما سمعوه وما وعوه عن القبائل العربية البائدة ورد لها ذكر مقتضب في السور،وما ورد عندهم من أحكام وآراء ومعتقدات. ولكن كتب التفاسير -ويا للأسف - غير مفهرسة ولا مطبوعة طبعاً حديثا، وهي في أجزاء ضخمة عديدة في الغالب، ولهذا صعب على الباحثين الرجوع أليها لاستخراج ما يحتاج إليه من مادة عن التأريخ الجاهلي، حتى إن المستشرقين المعروفين بصبرهم وبجلدهم وبعدم مبالاتهم بالتعب، لم يأخذوا من معين الا قليلاّ، مع أن فيها مادة غنية عن نواح كثيرة من أمور الجاهلية المتصلة بالإسلام.

كتب الحديث وشروحها، هي أيضاً مورد غني من الموارد التي لا بد منها لتدوين أخبار الجاهلية المتصلة بالإسلام، إذ نجد فيها أموراً تتحدث عن نواح عديدة من أحوال الجاهلية لا نجدها في مورد آخر. فلا مندوحة من الرجوع اليها والأخذ منها في تدوين تاًريخ الجاهلية. ولكن أكثر من بحث في التأريخ الجاهلي لم يغرف من هذا المنهل الغزير، بسبب عدم انتباههم لأهميته في تدوين تأريخ عرب الحجاز عند ظهور الإسلام، فعلينا نحن اليوم واجب الأخذ منه لنزيد علمنا بتأريخ هذه الجاهلية المتصلة بالإسلام.

والشعر الجاهلي، مورد آخر من الموارد التي تساعدنا في الوقوف على تأريخ الجاهلية والاطلاع على أحوالها، وقديماً قيل فيه إنه "ديوان العرب". " عن عكرمة. قال: ما سمعت ابن عباس فسْر آية من كتاب الله، عز وجل.إلاّ نزع فيها بيتاً من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسر آية من كتاب الله، فاطلبوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، وبه حفظت الأنساب، وعرفت المآثر ومنهُّ تعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله وغريب حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحديث صحابته والتابعين". "وعن ابن سيرين. قال: قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه". وقال الجمحي فيه، أي في الشعر الجاهلي: "وكان لسعر في الجاهلية ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون." وقد جمع السعر الجاهلي في الإسلام، جمعه رواة حاذقون، تخصصوا برواية شعر العرب. قال "محمد بن سلام الجمحي": "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، حمّاد الرواية، وكان غير موثوق به. كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار". واشتهر بجمعه أيضا "أبو عمرو بن العلاء" المتوفى سنة "154" للهجرة، وخلف بن حيّان أبو محرز الأحمر، وأبو عبيده، والأصمعي، والمفضَّل بن محمد الضبّي الكوفي صاحب المفضليات، هي ثمان وعشرون قصيدة، قد تزيد وقد تنقص وتتقدم وتتأخر القصائد وتتأخر بحسب الرواية.

وأبو عمرو اسحاق بن مرار الشيباني المتوفى سنة 206 للهجرة، قيل: إنه جمع أشعار العرب، فكانت نيفاً وثمانين قبيلة. وأبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي المتوفى سنة 231 للهجرة، وأبو محمد جناّد بن واصل الكوفي، وخلاّد بن يزيد الباهلي، وغيرهم ممن تفرغوا له، وصرفوا جلّ وقتهم في جمعه وحفظه وروايته. "قال ابن عوف عن ابن سيرين. قال: عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد، وغزوا فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر فلم يئلوا إلى ديوان مدوّن ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم أكثره". وورد عن "أبي عمرو بن العلاء" انه قال: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير". ولا جدال بين العلماء حتى اليوم في موضوع ذهاب أكثر الشعر الجاهلي، وفي أن الباقي الذي وصل الينا مدوناً في الكتب، هو قليل من كثر. وقد علوا سيب اندثار أكثره وذهابه بسبب عدم تدوين الجاهليين له، واكتفائهم برواية حفظاً، فضاع بتقادم الزمان وبموت الرواة، وبانطماس أثره من الذاكرة، وبانشغال الناس بأمور أخرى روايته، ولا سيما رواية القديم منه الذي لم يعد يؤثر في العواطف تأثير الجديد منه الذي قيل قبيل الإسلام. نعم جاء في الأخبار أنه "قد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان أو ما صار منه". وورد عن "حمّاد الراوية" أنه ذكر أن النعمان ملك الحيرة أمر فنسخت له أشعار العرب في الطّنوج، وهي الكراريس، فكتبت له ثم دفنها في قصره الأبيض. فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إنّ تحت القصر كنزأَ، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار.

ووردت عنه أيضاً حكاية أهل مكة للمعلقات على الكعبة. ووردت أخبار أخرى تدل على وجود تدوين للشعر عند الجاهليين. الا اننا لا نجد حماداً ولا غير حماد ينص على أنه نقل ما دوّنه من تلك الموارد المدونة أو من غيرها مما وجده مدوّناً. وهذا ما حدا بالعلماء قديماً وحديثاً إلى البحث في هذا الموضوع: موضوع الشعر الجاهلي من ناحية وجود تدوين له، أو عدم وجود تدوين له. وأثر ذلك على درجة ذلك الشعر من حيث الصحة والأصالة والصفاء والنقاء. وفي الشعر الجاهلي الواصل الينا، شعر صحيح وشعر موضوع منحول حمل على الشعراء. وقد شخص أهل الفراسة بالشعر الصحيح منه ونصوا على أكثر الفاسد منه. ولم يقل أحد منهم أن الشعر الجاهلي موضوع كله، فاسد لا أصل له. فدعوى مثل هذه، هي دعوى كبيرة لا يمكن إن يقولها أحد. إنما اختلفوا في درجة نسبة الصحيح إلى الفاسد، أو نسبة الفاسد إلى الصحيح. "وكان ممن هجنّ الشعر وأفسده وحمل كلُ غثاء، محمد بن إسحاق مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. وكان من علماء الناس بالسير فنقل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها، ويقول لا علم لي بالشعر إنما أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذراً، فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قطّ، وأشعار النساء فضلاّ عن أشعار الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود أفلا يرجع إلى نفسه: فيقول من حمل هذا الشعر، ومن أداه منذ ألوف من السنين، والله يقول: )وأنه أهلك عاداً الأولى وثمود فما أبقى(. وقال في عاد: )فهل تهم ى لهم من باقية(. وقال: )وعادا وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلاّ الله(. واّتهم "حمّاد الرواية" بالكذب وبوضع الشعر على ألسنة الشعراء، فقيل فيه: "وكان غير موثوق به. كان بنحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار". وقال "أبو جعفر النحاس" المتوفى سنة 328 للهجرة في أمر "المعلقات": "إن حماداً هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"، واتهم غيره ممن ذكرت من جهابذة حفظة الشعر الجاهلي بالوضع كذلك. وقد نصوا في كثير من الأحايين على ما وضعوه، وحملوه على الجاهليين. وذكروا أسباب ذلك بتفصيل، كالذي فعله مصطفى صادق الرافعي في "تأريخ آداب العرب".

وبعد هذه الكلمة القصيرة في الشعر الجاهلي - الذي سأتحدث عنه بإطناب في الجزء الخاص باللغة - أقول: إن إليه يعود فضل بقاء كثير من الأخبار المتعلقة بالجاهلية، فلولاه لم نعرف من أمرها شيئاً. ولست مبالغا إذا قلت إن كثيرا من الأخبار قد ماتت لموت الشعر الذي قيل في مناسباتها، وان أخباراً خلقت خلقاً، لأن واضع الشعر او راويه اضطر إلى ذكر المناسبة التي قيل فيها، فعمد إلى الخلق والوضع. وهو من ثم صار سبباً في تخليد الأخبار، لسهولة حفظه، ولاضطرار راويه إلى قص المناسبة التي قيل فيها.

وما قلته في أهمية الشعر الجاهلي بالقياس إلى عمل مؤرخ الجاهلية، ينطبق أيضاً على أهمية شعر الشعراء المخضرمين بالقياس إلى عمل هذا المؤرخ، فقد اسهم أكثر الشعراء المخضرمين في أحداث وقعت في الجاهلية، وكان منهم من جالس "آل نصر" و "آ"ل غسان"، وبقيمة سادات العرب، فورد في شعرهم أخبارهم وأحوالهم وطباعهم ويخر ذلك. كما نجد في شعرهم مادة عن الحياة العقلية والمادية في أيامهم. ثم إن حياتهم اتصلت بالإسلام، فلم يكن شعرهم وما قالوه ورووه بعيدَ عهد عن أهل الأخبار ورواة الشعر، وهو من ثم أقرب إلى المنطق والواقع من شعرً الجاهليين لبعدهم عن الرواة بعض البعد. ولم ينج هذا الشعر أيضاً من الوضع، فحل على بعض الشعراء مثل "حسان ابن ثابت" بعض الشعر لأغراض، منها العصبية القبيلية، كما ساًتحدث عن ذلك فيما بعد. وفي الجملة إن المؤرخ الحاذق الناقد لن تفوته هذه الملاحظة حين رجوعه إلى هذا الشعر والى ما ورد على ألسنة الشرّاح.

وتعرضت كتب السيِرَ والمغازي لأخبار الجاهلية بقدر ما كان للجاهلية من صلة بتاريخ الرسول، كما تعرضت لها كتب الأدب كتب الأنساب والمثالب والبيوتات ومجامع الأمثال والكتب التي ألفت في أخبار المعمرين، وفي الأيام، وفي البلدان، وفي المعجمات والجغرافية والسياحات وغير ذلك، فورد في ثناياها أخبار قيّمة عن هذه الجاهلية المتصلة بالإسلام. وهي موارد عظيمة الأهمية لمؤرخ هذه الحقبة، كثيرة العدد، هيأها عدد كبير من العلماء، لا يمكن استقصاؤهم في هذه المقسمة، ولا التحدث عن مؤلفاتهم، وهو حديث يحتاج إلى فصول.

على أنّا بحب أن نأخذ بعض هذه الموارد المذكورة بحذر جدّ شديد، ولاسيما كتب "الأخبار والمثالب والمناقب والمآثر والأنساب"، فإنّ مجال الوضع والصنعة بها واسع كيبر، لما للعواطف القبيلية فيها من يد ودخل، وللحزبية والأغراض فيها من تأثير. وطالما نسمع أن فلاناً وضع كتاباً في مثالب القبيلة الفلانية أو في مدحها ترضية لرجال تلك القبيلة، أو لحصوله على مال منها. ومن هنا وجب الاحتراس كل الاحتراس من هذه الموارد، ووجوب نقد كل رواية فيها قبل الاعتماد عليها والأخذ بها كمورد صحيح دقيق. وفي كتب الأدب ثروة تأريخية قيمة، مبثوثة في صفحاتها، لا تجد لها مثيلاً ولا مكاناً في كثير من الأحايين في كتب أهل التأريخ عن التاًريخ الجاهلي، حتى اني لأستطع أن أقول إن ما أورده رجال الأدب عنه هو أضعاف أضعاف ما رواه المؤرخون عن ذلك التاريخ، وأن ما جاءت به كتب الأدب عن ملوك الحيرة وعن الغساسنة وعن ملوك كندة وعن أخبار القبائل العربية، هو أكثر بكثير مما جاءت به كتب التأريخ، بل هو أحسن منها عرضاً وصفاءً، وأكثر منها دقة " ويدل عرضه بأسلوبه الأدبي المعروف على أنه مستمد من موار عربية خالصة، وقد أخذ من أفواه شهود عيان، شهدوا ما تحدثوا عنه. وقد أفادنا كثيراً في تدوين تأريخ الجاهلية الملاصقة للإسلام، ولشأنه هذا أودّ أن ألفت أنظار من يريد تدوين تاًريخ هذه الحقبة إليه، وأن يرعاه بالرعاية والعناية وبالنقد، وسيصل عندئذ على رأي لا يستطيع العثور عليه في كتب أهل التاريخ. وقد صارت كتب المؤرخين المسلمين لذلك ضعيفة جداً في باب تأريخ العرب قبل الإسلام، ومادتها عن الجاهلية هزيلة جدّ قليلة بالقياس إلى ما نجده في كتب التفسير والحديث والفقه والأدب وشروح دواوين الشعراء الجاهليين والمخضرمين والموارد الأخرى. والغريب أن تلك الكتب اكتفت في الغالب بإيراد جريدة لأسم ملوك الحرة أو الغساسنة أو كندة أو حمير، مع ذكر بعض ما وقع لهم بعض الأحيان، على حين تجد كتب الأدب تتبسط في الحديث عنهم، وتتحدث عن حوادث وأمور لا نجد لها ذكراً في كتب المؤرخين، بل نجد فيها أسم ملوك لم تعرفها كتب التاريخ، مما صيرها في نظري أكثر فائدة وأعظم نفعا لتأريخ الجاهلية من كتب المؤرخين.

المؤرخون المسلمون

لا نتمكن من الاطمئنان إلى هذه الأخبار والروايات المدونة في الموارد الإسلام عن الجاهلية،الا إذا وقفنا بها إلى حدود القرن السادس للميلاد أو القرن الخامس على أكثر تقدير. أما ما روي على أنه فوق ذلك،فإننا لا نتمكن من الاطمئنان إليه، لأنه لم يرد به سند مدون، ولم يؤخذ من نص مكتوب، وانما أخذه أفواه الرجال، ولا يؤتمن على مثل هذا النوع من الرواية، لأننا حتى إذا سلمنا إن رواة تلك الأخيار كانوا منزهين عن الميول والعواطف، وانهم كان صدوقين في كل ما رووا، وكانوا أصحاب ملكة حسنة ذات قدرة في النقد و التميز بن الصحيح والفاسد،فإننا لا نتمكن إن نسلم أن أن في استطاعة الذاكرة أن تحافظ على صفاء الرواية وان تروي القصة وما فيها من كلام وحديث بالنص والحرف حقبة طويلة. لذا وجب علينا الحذر في الاعتماد على هذه الموارد وتمحيص هذا المدون الوارد، وان تكاثر واشتهر وتواتر،فقد كان من عادة رواة الأخبار رواية الخبر الواحد دون الإشارة إلى منبعه، وُ يتداول في الكتب، فيظهر وكأنه من النوع المتواتر في حين انه من الأخبار الآحاد في الأصل. ولا ادري كيف يمكَن الاطمئنان إلى نص قصة طويلة فيها كلام وحوار او قصيدة طويلة زعم إن التبع فلاناً نظمها، في حين أننا نعلم أن الذاكرة لا يمكن أن تحفظ نصاً بالحرف الواحد إذا لم يكن مدوناً مكتوباً، ولهذا جوّز أهل الحديث رواية حديث الرسول بالمعنى، إذا تعذرت روايته بالنص. ولا أعتقد إن عناية العرب المسلمين بحديث رسول الله كانت أقل من عنايتهم برواية ما جرى مثلاً بن النعمان بن المنذر وبين كسرى من كلام، أو من رواية ذلك الكلام المنمق والحديث الطويل العذب، الذي جرى بين وفد النعمان الذي اختاره من خيرة ألسنة القبائل المعروفة بالكلام، وبين كسرى المذكور.

ومن هذا القبيل نصوص المفاخرات والمنافرات، فإن مجال لعب العاطفة فيها واسع رجيما. وكذلك كل الأخبار والروايات النابعة عن الخصومات والمنافسات بن القبائل أو الأشخاص، فإن الوضع والافتعال فيها شائع كثير، ولا مجال للكلام عليه في هذا الموضع، لأنه يخرجنا من حدود التأريخ الجاهلي، إلى موضوع آخر، هو نقد الروايات والأخبار والرواة. وهو خارج عن هذا الموضوع. لقد تحدث أهل الأخبار عن عاد وثمود وطَسْم وجديس وجُرْهُم غيرهم من الأمم البائدة، وتكلموا على المباني "العادية" وعن جن سليمان وأسلحة سليمان، ورووا شعراً ونثراً نسبوه إلى الأمم المذكورة والى التبابعة، بل نسبوا شعراً إلى آدم، زعموا أنه قاله حين حزن على ولده وأسف على فقده، نسبوا شعراً إلى "إبليس، قالوا انه نظمه في الردّ على شعر "آدم" المذكور، وأنه اسمعه "آدم" بصوته دون أن يراه. ورووا أشياء أخرى كثيرة من هذا القبيل.

ولكن هل يمكن الاطمئنان إلى قصص كهذا يرجع أهل الأخبار زمانه إلى مئات من السنين قبل الإسلام، والى أكثر من ذلك ونحن نعلم، بتجاربنا معهم، أن ذاكرتهم اختلفت في أمور وقعت قبيل الإسلام، واضطربت في تذكر حوادث حدثت في السنين الأولى من الإسلام. كيف يمكننا الاطمئنان إلى ما ذكروه عن التبابعة وعن أناس زعموا أنهم عاشوا دهراً طويلا قبل الإسلام: ونحن نعلم من كتابات المسند ومن المؤلفات اليونانية والسريانية، أنهم لم يكونوا على ما ذكروه عنهم، وأنهم عاشوا في أيام لم نبعد بعداً كبيراً عن الإسلام، وأنهم كانوا يكتبون بالمسند وبلسان يختلف عن هذا اللسان الذي نزل به القران ثم خذ ما ذكروه عن حملة "أبرهة" على مكة وعن أبرهة نفسه، وعن "أبي رغال"، وعن حادث نجران وذي نواس، وعن خراب سدّ مأرب، وعن أمثال ذلك من حوادث وأشخاص سيرد الكلام عليها في أجزاء هذا الكتاب، تجد أن ما ذكروه عنها وعنهم يتحدث بجلاء وبكل وضوح عن جهل بالواقع وعن عم فهم لما وقع، وعن عدم أدراك للزمان والمكان، وعن عدم معرفة بالأشخاص. فرفعوا تواريخ بعض تلك الحوادث إلى مئات من السنين، وخلطوا في بعض منها، وفي كل ذلك دلالة على أن ما حفظته الذاكرة، لم يكن نفي خالصاً من الشوائب، وأن الذاكرة لا يمكن أن تحافظ على ما تحفظه أمداً طويلا وأن آفات النسيان وتلاعب الزمان بالحفظ لا بد أن يغير سن طبائع المحفوظ.

والاخباريون إذ رووا ذلك ودوّنوه، لم يكونوا أول من وضع وصنع وافتعل وجاء بالقصص والأساطير على أنها باب من أبواب التاًريخ، فقد فعل فعلهم اليونان والرومان والعبرانيون وسائر الشعوب الأخر، يوم أرادوا تدوين تواريخ العصور التي سبقت عندهم عصور الكتابة والتدوين، إذ لم يجسوا أمامهم غير هذا النوع من الرواياتّ الشفوية البدائية التي عبث بصفائها الزمان كلما طال أجله إلى زمن التدوين، فدونوه ورووه، إلى أن وصل الينا على النحو المكتوب. وللسبب المذكور نرى في الأخبار الواردة عن ملوك الحيرة، أو عن صلات الفرس بالعرب أخباراً قريبة إلى منطق التاريخ والى الواقع يمكن أن نأخذ بها وأن تستعين بها في تدوين تاريخ الحيرة وتاريخ الساسانيين مع العرب. ويعود سبب ذلك إلى رجوع الرواة إلى موارد مدونة، أو إلى شهود عيان أدركوا أنفسهم الحوادث، وكلها من الحوادث القريبة من الإسلام والتي وقع بعضها في أيام الرسول. أما حوادث آل نصر، أو أخبار الفرس مع العرب البعيدة، فلا تجد فيها هذا الصفاء والنقاء، بل نجد فيها قترة وغرة، لنقلها بالسماع والمشافهة وتقادم العهد على السماع. وهكذا صار تاريخ الحيرة المروي في التواريخ غيوماً تتخللها فجوات متبعثرة تنبعث منها أشعة الشمس.

نعم جاء أن أهل الحيرة كاِنواُ يعشون بتدوين أخبارهم وأنساب ملوكهم وأعمار من ملك منهم، وكانوا يضعون ذلك في بيع الحيرة. وورد إن النعمان ملك الحيرة أمر فنسخت له اشعار العرب في الطنوج، وهي الكراريس، فكتبت له ثم دفنها في قصره الأبيض. فلما كان المختار بن أبي عبيدة، قيل له: إن تحت القصر كنزاً، فاحتفره فأخرج تلك الأشعار. وذكر ابن سلام الجُمَحِي انه "كان عند النعمان بن المنذر ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان، أو ما صار منه". ولكنني على الرغم من ورود هذه الأخبار لا أستطيع أن اقف منها الآن موقفاً إيجابياً،إذ لم اسمع إن أحداً من رواة الشعر ذكر انه رجع إلى تلك الطّنوج والدواوين فاًخذ منهما، أو أن بني مروان عرضوها على أحد. ولو كانا تلك الدواوين موجودة، لم يسكت عنها رواة الشعر الجاهلي وطلابه الذين كانوا يبحثون عنه في كل مكان. ثم إن الأخباريين يذكرون إن "الوليد بن يزيد بن عبد الملك"، كان يرسل إلى "حمّاد" رسلاً ليأتوا إليه بما يريد الوقوف عليه من الشعر الجاهلي، وأنه "جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها الوليد بن يزيد بن عبد الملك وردّ الديوان إلى قاد وجناد"، وأنه أحضره إلى الشام، واستنشد أشعار "بَلِيّ" وأشعاراً أخرى ه، ولو كان لدى"بني مروان" ديوان "النعمان بن المنذر" الذي جمع فيه اشعار الفحول وما مدح به هو وأهل بيته، لما احتاج "الوليد" إلى أن يسأل حمادأ وجناداً ليرسل إليه ديوان العرب وهو ديوان لا ندري اليوم من أمره شيئاً، ولم يذكر "ابن النديم" صاحب الخبر، ما علاقة الرجلين المذكورين بذلك الديوان. هل كانا اشتركا مماً في جمعه،أو أن كل واحدْ منهما قد جمع بنفسه الأشعار في ديوان، فأرسل الوليد اليهما بطلب منهما ما جمعاه، ليجمعه مع ما عنده في ديوان. ثم إننا لم نسمع أحداً يقول:"كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر ابن ربيعة، ومبالغ أعمار من عمل منهم، لآل كسرى، وتاريخ سنيهم مزن بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها"، غير الراوية "هشام بن محمد الكلبي". فلمَ وقف "ابن الكلبي" وحده على تلك الكنوز، ولم يلجأ غيره إلى بيع الحيرة، ليأخذ منها أخبار نصر ? ألم يسلم بوجودها -أحد غيره ? ثم لم اختلفت روايات "ابن الكلبي" وتناقصت في أمور من تأريخ الحيرة، ما كان من الواجب وقوع اختلاف فيها،و لِمَ لجأ أيضاً إلى رواية القصص والأساطير عن منشأ "الحيرة"، وعن "عمرو بن عدي"، وعن جذيمة، وعن "قصر الحورنق" وعن غير ذللك، ليقصها على أنها تأريخ آل نصر. أيعد هذا دليلاً على أخذه من موارد قديمة مكتوبة مدوّنة ? نعم، من الجائز أن يكون قد اًخذ من صحف كانت قد دوّنت أسماء آل نصر المتأخرين، وبعض الأخبار المتعلقة بهم، أما أنه أخذ أخبارهم كاملة مدوّنة من كتاب أو من كتب تأريخ بالمعنى المفهوم من الكتاب، فذلك ما أشك فيه، لأن الذي ينقل أخباره من كتاب في التاًريخ لا يروي تاريخ تلك الأسرة وتاريخ عربها على الشكل الذي رواه.

قال "الطبري": "وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمّالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة، متعالماً، مثبتاً عندهم في كنائسهم وأسفارهم"، وتدل هذه الملاحظة التي تؤيد رواية "ابن الكلبي" المتقدمة- ولعلّ "الطبري" أخذها من رواية لابن الكلبي، دون أن يشير إليه، - على وجود أسفار في تواريخ أهل الحيرة، إلاّ أني أعود فأقول إن أكثر المروي عنهم، لا يدل على أنه منقول من موارد مدوّنة، لما فيه من اضطراب وتناقض، ولغلبة طابع الروايات الشفوية عليه. والأخبار الوحيدة التي يمكن أن تكون منقولة من موارد مدوّنة، هي الأخبار المتأخرة التي تعود إلى أواخر أيام الحيرة، الأيام المقاربة للإسلام إلى زمن فتح المسلمين لها. ثم إن لقربها من زمن التدوين علافة بوضوح هذه الأخبار المتأخرة وبدرجة صفائها.

ولا تعني هذه الملاحظات إننا ننكر وجود مدونات عند أهل الحيرة في التاريخ أو في الشعر أو في أي موضوع آخر، ولا أعتقد أن في استطاعة أحد نكران وجود التأليف عندهم. فقد ورد في التواريخ الكنائسية أسماء رجال من أهل الحيرة ساهموا في المجالس الكنائسية التي انعقدت للنظر في أمور الكنيسة ومشكلاتها، ومنهم من برز وألّف في موضوعات دينية وتارخية، كما ورد في أخبار أهل الأخبار أن أهل الحرة كانوا يتداولون قصص رستم واسفنديار وملوك فارس، وأن "النصر بن الحارث" الذي كان يعارض الرسول، تعلّم منهم، وكان يحد"ث أهل مكة بأخبارهم معارضاً رسول الله، ويقول: آينا أحسن حديثاً? أنا أم محمد? ولا بد أن يكون معين القصص الذي تعلمه "النضر بن الحارث هو في هذا المعين المدون في كتب الفرس. و قد كانت للفرس كتب في سير ملوكهم وآدابهم ترجم بعضها في الإسلام، مثل كتاب "سير العجم"، أو "كتاب خداي نامه"، أو كتاب "سير الملوك" أو "سبر ملوك العجم"، ترجمة "عبد الله بن المقفع" و "كتاب التاج" للمترجم نفسه، وكتب أخرى لم تترجم كانت شائعة عند الفرس معروفة، يحافظون عليها ويتداولونها" منها استمد المؤرخون العرب الإسلاميون أخبار الفرس ومن حكم منهم من ملوك. ولقد قال "كولد تزهير" و "بروكلمن" بوجود أثر فارسي في ظهور علم التأريخ عند المسلمين. أما أثر الموارد الفارسية في مادة الفصول المدونة عن الفرس وعن ملوك الحيرة، فواضح ظاهر، ولا يمكن لأحد الشك فيه، و أما أثرها فيما عدا ذلك، ولا سيما في كيفية عرض التاًريخ وفي أسلوب تدوينه وتبويبه، فدعوى أراها غير صحيحة، لأن طريقة الابتداء بالزمان ثم ابتداء الخلق وعدد أيام الخلق وخلق آدم ثم التحدث عن الأنبياء بحسب تسلسل رسالاتهم وهي الطريقة التي سار عليها من دوّن في التأريخ العام من المسلمين مثلاّ، فعل "الطبري" في تأريخه، طريقة لا يمكن أن تكون فارسية، لأن الفرس مجوس، والمجوس لا يعتقدون بهؤلاء الرسل والأنبياء. والصحيح، إنها طريقة المؤرخين الذين جاؤوا بعد الميلاد، فهم الذين روّ جوا الأسلوب المذكور تدوين التاريخ. ويمكن إدراك ذلك من المقابلة بين الأسلوبين: الأسلوب المذكور في تدوين التأريخ وفي كيفية تبويبه وتصنيفه وأسلوب الكتب التاريخية المدونة اليونانية وفي السريانية إلى زمن تدوين التأريخ عند المسلمين.

والرأي عندي أن علمنا بأسلوب التأريخ عند الفرس: كيفية عرضه وطرقه وتبويبه علم نزر، لأن ما وصل إلينا من كتبهم معدود محدود، وما ورد فيه سير ملوكهم وأيامهم وما نجده مترجماً ومنشوراً في المؤلفات العربية، هو مم نوع القصص الذي يغلب عليه الطابع الأدبي، فيه أدب السلوك ومواعظ الحكم وأقوال في الحكمة، وحتى القسم المتصل منه بالتأريخ قد وضع بأسلوب عاطفي أدبي. ومن هنا ابتعد عن أسلوب المؤرخين اليونان واللاتين، وعن أسلوب المؤرخين الذين ظهروا بعد الميلاد. وقد يكون لاختلاف الذوق دخل في اختلاف الأسلوبين. ومهما يكن من أمر فأنا لا أريد أن أكون متسرعاً عجولاَ في إصدار حكم على فن التأريخ عند الفرس، فابغض الأشياء إليّ التسرع في إصدار الأحكام في التاًريخ، ومن الحكمة وجوب التريث و الانتظار، فلعل الأيام تتحفنا بتواريخ فارسية، ترينا أن للفرس رأياً أصيلاً في التأريخ، وأن لهم طريقة المؤرخين في تدوين تأريخ العالم وتأريخ بلادهم وفي تدوين سير الملوك والأشخاص، وأنهم كانوا قد عينوا مراسلين يلازمون جيوشهم لتدوين أخبار الحروب، كما فعل الروم، ولكن بعقلية مستقلة لم تتأثر بطريقة اليونان واللاتين.

ويكاد يكون أكر ما دوّن عن "الغساسنة" في المؤلفات العربية الإسلامية مأخوذا من الروايات الواردة عن ملوك الحيرة وعرب الحيرة، أنداد الغساسنة، ولذلك لم تكن في جانبهم، وتكاد تلك الأخبار ترجع في الغالب إلى شخص واحد، تخصص بأخبار الحيرة وملوك الفرس، هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو الذي روى هذه الأخبار اعتماداً على بحوثه الخاصة، وعلى البحوث و الدراسات التي قام بها والده من قبله. ويجب أن نجعل لهذه الملاحظات الاعتبار الأول في تدوين تاريخ الغساسنة. وقد وردت أخبارهم في الطبري مع أخبار ملوك الحيرة والفرس لهذا السبب. و أما في سائر الأصول التاريخية الأخرى، فهي مقتضبة، وشد اكتفى بعض المؤرخين بإيراد جريدة بأسماء الملوك، وهو عمل ينبئك بقلة بضاعة القوم في تاريخ عرب الشام. وعلى كل حال، فإننا نجد في كتب الأدب وفي دواوين الشعر عوناٌ لنا في تدوين، تاريخ غسان، قد يسد بعض الفراغ في تاريخ هذه الإمارة، وان كان ذلك كدّ لا يكفي، بل لابد من الاستعانة بأصول أعجمية من يونانية وسريانية، ففيها مواد عن نواح مجهولة من هذا التاريخ، كما أنها تصحح شيئا مما ورد في الموارد العربية مهن أغلاط. ولقد تأثرت روايات "ابن الكلي" بطابع التعصب لأهل الحيرة على الغساسنة، لاعتماده على روايات أهل الحيرة وعلى أهل الكوفة في سرد تاريخ الغساسنة،وقد كان ملوك الحيرة أنداداً لملوك الغساسنة، ولهذا تتعارض رواياته وروايات من استقى من هذا المورد مع روايات علماء اللغة والأدب والشعر الني وردت استطراداً عن أهل الحيرة أو الغساسنة، وذلك في أثناء شرحهم لفخمة أو بيت شعر أو قصيدة أو ديواناً أو حياة شاعر كانت له علاقة بالحيرة أو بالغساسنة، أو عن قصة من القصص، وما شاكل ذلك. ومرجع أولئك الروايات العربية الخالصة، وقد استمدت من رجال كانوا شاهدي عيان،أو رووا ما سمعوه من أفواه الناس، ويمكن إدراك اتجاهها وميولها بوضوح، ولهذا تجب الموازنة بين الروايتين.

أما روايات أهل "يثرب" أي "المدينة"، فهي في مصلحة الغساسنة في الأكثر، وقد كانوا على اتصال دائم بهم.ولهم تجارات معهم، وكان شعراؤهم يفتخرون بانتسابهم هم وآل غسان إلى أصل واحد و دوحة واحدة هي الأزد. وهذا يستحسن التفكر في هذا الأمر بالنسبة إلى روايات أهل المدينة، ولا سيما أخبار حسان بن ثابت الأنصاري عن أل غسان. ومما يؤسف عليه أن المؤرخين المسلمين لم يغرفوا من المناهل اليونانية واللاتينية والسريانية لتدوين أخبارهم عن تأريخ العرب قبل الإسلام، لا قبل الميلاد ولا بعده، مع أنها أضبط وأدق من الأصول الفارسية، ومن الروايات التي تعتمد على المشافهة بالطبع.وقد كان من عادة اليونان إلحاق عدد من المخبرين والمسجلين الرسميين بالحملات لتسجيل أخبارها، كما حوت الموارد السريانية بصورة خاض والموارد اليونانية المؤلفة بعد الميلاد أمورا كثيرة فيما يخص انتشار النصرانية بين العرب، وفيما يخص المجامع الكنائسية التي حضرها أساقفة من العرب، وكذلك الآراء والمذاهب النصرانية التي ظهرت بين نصارى العرب. نعم لقد وقف المؤرخون على تواريخ عامة وخاصة مدونة بالرومية والسريانية كانت عند جماعة من المشتغلين بالتأريخ من أهل الكتاب. وقد فسروها، أو فسروا بعضها لهم، ولا سيما ما يتعلق منها بموضوعات لها صلة بالقرآن الكريم مثل كيفية الخلق والزمان والمكان وقصص الرسل والأنبياء والملوك، نجد طابعه ومادتها وأسلوبها في هذا المدوّن عن قبل الإسلام، والذي صار مقدمة لتاريخ الإسلام، عرج المشتغلون في التأريخ العام على وضعها قبل تاريخ الرسالة. وقد استفاد من بعضها بعض المؤرخين، مثل المسعودي وحمزة الأصفهاني وآخرين، في تدوين تاريخ ملوك الروم، وقد صارت طريقتهم كما قلت سابقاً أنموذجاً للمؤرخين ساروا عليه في عرض التأريخ وفي تدوينه، غير أن هذا النقل لم يكن ويا للأسف قد تجاوز هذا الحد، فكان ضيق المجال محدود المساحة، وقد كان من الواجب عليهم الاستعانة بتلك الموارد في علاقات العرب بالروم وفي موضوع النصرانية في بلاد العرب على الأقل،وهي موارد فيها مادة مفيدة في هذا الباب.

وأود أن أشير إلى الخدمة التي أداها علماء الأخبار برجوعهم إلى الشّيب والى حفظة أخبار القبائل من مختلف القبائل لجمع أخبار القبائل وأيامها وحوادثها قبل الإسلام. وقد وضعت في ذلك جملة مؤلفات ضاع أكرها ويا للأسف، ولم يبق منها إلا الاسم،ولكننا في مع ذلك مادة غنية واسعة منها في كتب الأدب، أستطيع أن أقول إنها أوسع وأنفع بكثير من هذه المواد المدونة المجموعة في كتب التأريخ. وهذا شيء غريب، إذ المأمول أن تكون كتب التأريخ أوسع مادة منها في هذا الباب، وأن تأخذ لب ما ورد فيها مما يخص التأريخ تضيفه إلى ما تجمع عندها من مادة. والظاهر إن المؤرخين، ولا سيما المتزمتين منهم المتقيدين بالتاًريخ على أنه حوادث - مضبوطة مقرونة بوقت و بمكان وبعيدة عن أسلوب الأيام والقصص، رأوا أن ذلك المروي عن أخبار القبائل والأنساب وحوادث الشعراء هو ذو طابع أدبي أو طابع خاص لا علاقة له بالحكومات والملوك، فلم يأخذوا به، وتركوه، لأنه خارج حدود موضوع التاًريخ كما فهموه. وهو فهم خاطئ لمفهوم التأريخ ولمفهوم الموارد التي بحب أن يستعان بها لتدوينه. فأضاعوا بذلك مادة غزيرة لم يدركوا أهميتها وفائدتها أن ذاك. و إهمالهم لتلك الموارد هو من جملة مواطن الضعف التي نجدها عند أولئك المؤرخين.أما نحن، فقد وجدنا فيه ثروة تزيد كثيراً على الثروة الواردة في مؤلفات المؤرخين. وإهمال المؤرخين لتلك الموارد هو من أسباب الضعف التي نبدها في فهمهم للمنابع التي يجب أن يستعان بها في تدوين التأريخ. وإذا كان القدامى قد أخطأوا في فهم معنى التاًريخ، ووقعوا من ثم في خطأ بالنسبة إلى الموارد التي يجب أن يرجع إليها في تدوين تأريخ الجاهلية، فعلينا يقع في الزمن الحاضر وعلى القادمين من بعدنا بصورة خاصة واجب مراجعة الموارد الأخرى من كتب في التفسير وفي الحديث وفي الفقه وفي الأدب وغير ذلك، لاستخراج ما فيها من مادة عن الجاهلية، لأنها كما قلت أغزر مادة وأقرب إلى المنطق في بعض الأحيان في فهم الحوادث من كتب المؤرخين.

والغريب أن المستشرقين الذين عرفوا بجدهم وبرصهم على الإحاطة بكل ما يرد عن حادث، أهملوا مع ذلك شأن الموارد المذكورة، ولم يأخذوا منها إلا في القليل. ولو راجعوها، لكان ما جاؤوا به عن الجاهلية أضعاف أضعاف ما جاؤوا به وكتبوه، ولكانت بحوثهم أدق وأعمق مما هي عليه الآن. وفي طليعة من اشتغل برواية أخبار ما قبل الإسلام: عبيد بن شرية،ووهب ابن منبه، ومحمد بن السائب الكلي، وابنه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلي، وآخرون. وبعض هؤلاء مثل عبيد بن شرية وكعب الأحبار ووهب ابن منبه، قصاص أساطير، ورواة خرافات، وسمر مستمد من أساطير يهود، وأولئك وأمثالهم هم منبع الإسرائيليات في الإسلام. فأما عبيد بن شرية، فقد كان من أهل صنعاء "في رواية" أو من سكان الرقة "في رواية أخرى". وكان معروفا عند الناس بالقصص والأخبار، فطلبه معاوية، فصار يحدثه بأخبار الماضين. ومن الكتب المنسوبة إليه: كتاب الأمثال، وكتاب الملوك وأخبار الماضين، وقد طبع في ذيل "كتاب التيجان في ملوك حمير" المطبوع بحيدراباد دكن بالهند بعنوان "أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها" وقد وضع الكتاب على الطريقة التي تروى بها الأسمار وأيام العرب، وفيه أشعار كثيرة وضعت على لسان عاد وثمود ولقمان وطسْم وجَديِس والتبابعة، وفيه قصص إسرائيلي وشعبي يمثل في جملته السذاجة وضعف ملكَة النقد، وبساطة القص والقصة، ومبلغ علم الناس في ذلك الوقت بأخبار الأوائل. وقد حصل "كتاب الملوك وأخبار الماضين" على شهرة بعيدة، وطلب في كل مكان، وكثرت نسخه، ومع هذه الكثرة اختلفت نسخه، حتى صعب العثور على نسختن متشابهتين منه. وقد نقل الهمداني "المتوفى سنة 334 للهجرة" بعض الأخبار المنسوبة إلى عبيد. ولمَا نقله، أهمية كبيرة في تثبيت مؤلفات عبيد، إذ يمكن مقابلته بما نشر، وَمطابقته بما طبع، فيمكن عندئذ معرفة ما إذا كان هناك اتفاق أو اختلاف. ويمكن عندئذ تعيين هوية المطبوع.

والطابع الظاهر على أخبار عبيد، هو طابع السمر والقصص والأساطير المتأثرة بالإسرائيليات. وأما الشعر الكثير الذي روي على أنه من نظم التبابعة وغيرهم، وفيه قصائد طويلة، فلا ندري أمن نضمه أم من نظم أشخاص آخرين قالوها على لسان من زعموا أنهم نظموها، أو إنها أضيفت فيما بعد إلى الكتاب ونسبت روايتها إلى عبيد? وعلى كل فإنها تستحق توجيه عناية الباحثين إلى البحث عن زمن ظهورها وأثرها في عقلية أهل ذلك الزمن.

وأما "وهب بن منيه"، فقد كان من أهل "ذمار"،وكان قاصاً أخبارياً، من الأبناء، ويقال انه كان من أصل يهودي، واليه ترجع أكثر الإسرائيليات المنتشرة في المؤلفات العربية. وقد زعم أنه كان ينقل من التوراة ومن كتب بني إسرائيل، وانه كان يقول: "قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسيعين كتابا"، وانه كان يتقن اليونانية والسريانية والحمرية، ويحسن قراءة الكتابات القديمة الصعبة التي لا يقدر أحد على قراءتها. قال المسعودي: "وجد في حائط المسجد لوح من حجارة، فيه كتابة باليونانية، فعرض على جماعة من أهل الكتاب فلم يقدروا على قراءته، فوجّه به إلى وهب بن منبه، فقال: هذا مكتوب في أيام سليمان بن داوود، عليهما السلام، فقراه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. يا ابن آدم، لو عاينت ما بقي من يسير أجلك: لزهدت فيما بقي من طول أملك، وقصرت عن رغبتك وحيلك، و إنما تلقي قدمك ندمك إذا زلّت بك قدمك، وأسلمك أهلك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاغتم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الفوت، وقبل أن يؤخذ منك بالكظم، ويحال بين ك وبين العمل. وكتب في زمن سليمان بن داوود".

وفي كتاب "التيجان في ملوك حمير" رواية ابن هشام نماذج لقراءته، وهي على هذا النسق الذي يدل على سخي يته بعقول سامعيه إن كان ما نسب إليه حقاً، وأنه قرأه عليهم صدقاً، ومن يسري? فلعله كان لا يعرف حروف اليونانية، ولا يمجز بينها وبين الأبجديات الأخرى. ثم هل يعجز أهل دمشق عن قراءة نص يوناني أو سرياني او عبراني وقد كان فيها في ايام وهب ين منبه علماء فطاحل حذقة بهذه اللغات هم نفر من أهل الكتاب? والذي يهمنا من أمر "وهب بن منبه" أخباره عن الجاهلية. ولوهب أخبار عن اليمن والأقوام العربية البائدة، ونجد روايته عن نصارى نجران وتعذيب "ذي نواس" إباهم، وقصة الراهب "فيميون" مطابقة للروايات النصرانية ولما جاء في كتاب "شمعون الأرشامي" عن هذا الحادث. والظاهر أنه كان قد أخذها من المؤلفات النصرانية أو من أشخاص كانوا قد سمعوا يما ورد عن حادث "نجران" من أخبار. وقد ذكر أن وهباً كان يستعين بالكتب، وأن أخاه "همام بن منبه بن كامل بن في شيخ اليماني" أبا عقبة الصنعاني الأبناوي، كان يشتري الكتب لأخيه. ولعله استقى أخباره عن بعض الأمور المتعلقة بالنصرانية مثل مولد وحياة المسيح من تلك الموارد، أو من اتصاله بالنصارى. أما ما ذكره عن التبابعة والعرب البائدة، فإنه قصص. وأما علمه بأخبار العرب الآخرين، فيكاد يكون صفراً، فلا نجد في رواياته شيئاً يعد تاًريخاً لعرب الحيرة او الغساسنة أو عرب في. فهو في هذا الباب مثل "عبيد بن شرية" من طبقة القصاص. لم يصل إلى مستوى أهل الأخبار، ولعله وجد نفسه ضعيفاً في التأريخ وفي أخبار العرب، فمال إلى شيء آخر لا يدانيه فيه أصد، وهو مرغوب فيه مطلوب، وهو القصص الإسرائيلي، وما يتعلق بأقوام ماضين، ذُ كروا في القرآن الكريم، وكانت بالمسلمين الأولين حاجة إلى من يتحدث لهم عن ذلك القصص وأولئك الأقوام.

ومن الكتب المنسوبة إلى وهب "كتاب الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم"، وقد تناول أخبار التبابعة. والظاهر أن "كتاب التيجان في ملوك حمير" الذي طيع في الهند، رواية ابن هشام أبي محمد عبد الملك بن هشام ين أَيوب الحمري "المتوفى سنة 213 أو 218 ه" قد استند إليه، بعد أن أضاف إليه أخباراً أخذها من مؤلفات محمد بن السائب الكلبي وأبي مخنف لوط ين يحيى و زياد بن عبد الله بن الطفل العامري أبي محمد الكوفي المعروف بالبكائي رواية ابن إسحاق.وهو خليط من الإسرائيليات والقصص اليماني ومن مواد أخرى قد تكون من وضعه، أو من صنعة آخرين، صنعوها قبله، فأخذها من السنة الناس، مثل تلك القصائد والأشعار الكثيرة المنسوبة إلى التبابعة وغيرهم. وقد أورد في الكتاب أسماء أخذت من التوراة ذكرها بنصه كما تلفظ بالعبرانية، مما يبعث على الظن أنها أخذت من مورد يهودي. وأما سائر الأخبار الواردة في الكتاب، فالغالب عليها السذاجة، إذ لا نجد فيها عمقا ولا مادة تأريخية غزيرة كالمادة التي نجدها في مؤلفات ابن الكلبي، وفي مؤلفات الهمداني الذي عاش بعده.

و أودّ أن ألفت أنظار العلماء إلى أهمية روايات "وهب بن منبه" وأخبار بالنسبة إلى من يريد الوقوف على الدراسات التوراتية والتلمودية في ذلك العهد ففيها فقرات كثيرة زعم "وهب" أو آخرون قالوا ذلك على لسانه، أنم قراءات أي ترجمات أخذت من التوراة ومن كتب الله الأخرى. وإذا ثبت بع مقابلتها بنصوص التوراة والتلمود والمشنا وغيرها من كتب اليهود، إنها من تلك. الكتب حقاً، و إنها ترجمات صحهحة، فنكون قد حصلنا بذلك على نماذج قديم لمواضع من تلك الكتب قد تفيدنا في إرشادنا إلى ترجمات أقدم منها، كما تعين في الوقوف على النواحي الثقافية للعرب في ذلك العهد. ولأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الحلبي المتوفى سنة 204 أو 206 ه فضل كبير على دراسات تاًريخ العرب قبل الإسلام، فاًغلب معارفنا عن هذا العهد تعود إليه. وقد سلك مسلكاً جعله في طليعة الباحثين في الدراسات الاثارية عند المسلمن، برجوعه إلى الأصول، واعتماده على المراجع التاربخية، متبعاً سبيلاَ تختلف عن سبيل أهل اللغة في البحث، وهو - بطريقته هذه - قريب من طريقة المؤرخين في تدوين التأريخ.

ولكنه لم يخل مع ذلك من مواطن الضعف التي تكون عادة في الأخباربين، مثل سرعة التصديق، ورواية الخبر على علاته دون نقد أو تمحيص. وقد اتهم بالوضع والكذب. ولذلك نجنب جماعة من العلماء الرواية عنه، وقالوا عن بعض أسانيده أنها سلسلة الكذب. وذهب "بر كلمن" إلى أن ما اتهم عليه ابن الكلبي لم يكن كله صحيحاً، وأن البحوث العلمية التي قام بها المستشرقون دلتهم على أن الحق كان في جانبه في كثر من المواضع التي اتهم عليها. وأنا لا أريد أن أبرئه من الوضع أو من تهمة أخذه كل ما يقال له، ولا سيما إذا كان القائل من أهل الكتاب، دون مناقشة ولا إبداء رأي. فقي المنسوب إليه شيء كثير من الإسرائيليات والقصص الممسوخ الذي يدل على جهل قائله أو استخفافه بعقل السامع وعلمه، مثل اختراع سلاسل من النسب زعم أنها واردة في التوراة، أو عند أهل النسب، مع إن الوضع فيها بينّ واضح،وهي غير واردة في التوراة ولا في التلمود. ولعلّ حرصه على الظهور بمظهر العالم المحيط بكل شيء من أخبار الماضين، هو الذي حمله على الوضع، وقد وضع غيره من أقرائه شعراً ونثراً، وصنع قصصاً، ليتفوق بذلك على أقرانه وخصومه،وليظهر بمظهر العالم الذي لا يفوته شيء من العلم.

وقد عالج بعض الباحثين زعم "ابن الكلبي" أنه كان يستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر ومبالغ أعمار من عمل منهم، وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة فرأى أن كتابات أهل الحرة كانت بالكتابة النبطية وبالأرقام النبطية، كما أثبت ذلك نص "النمارة" أيضا، وأن "ابن الكلي" لم يكن يحسن قراءة النبطية ولم يفهمها، وعندما حاول قراءتها لم يتمكن من ذلك فوقع في أوهام، وجا بأمثلة على ذلك تتعلق بما ذكره "ابن الكلي" من مدد حكم أولئك الملوك فوجد أنه لم يميز مثلاً بين الرقم "20" والرقم "100 " وذلك لتشابه شكل الرقم الأول مع !شكل الرقم الثاني في النبطية، فقرأ العشرين مئة، فزاد سني حكم الملوك. ومن هنا أخطأ في ضبط مدد حكم -ملوك الحيرة، ولا سيما بالنسبة للقدامى منهم، لأن الكتابات النبطية المتقدمة لم تكن مثل الكتابات النبطية المتأخرة في قربها من الأبجدية العربية القديمة.

هذا ولمُ يبحث موضوع أخذ "ابن الكلبي" من بيع الحرة حنى ألان برأ علياً مركزاً. وهو موضوع أرى أنه جدير بالدراسة والعناية. وحري باًن يقارن ما ذكره "ابن الكلبي" بما جاء في الموارد النصرانية عن " آل نصر"،لنرى مقدار الصحة من الخطأ في فهم "ابن الكلبي" لتلك الموارد الني ذكر أنه قرأها وانه استعان بها في جمع تأريخ عرب العراق قبل الإسلام. ولم يبق من القائمة الطويلة التي ضمنها "ابن النديم" مؤلفات ابن الكلبي غير قليل. وهي في المآثر والبيوتات و المنافرات والمؤودات وأخبار الأوائل وفيما قارب الإسلام من أمر الجاهلية، وفي أخبار الشعوب وأيام العرب، والأخبار والأسماء والأنساب. وهناك بعض الشبه بين بحوث أبي عيي حدة "المتوفى بسنة عشر ومائعتين" الذي كان له علم بالجاهلية،ومصنفات وبحوث في القبائل والأنساب، وبين ابن الكلبي في اتجاهه ومناحيه. ولكنه دونه في أخباره عن الجاهلية، ومؤلفاته في أمور الجاهلية لا تعدّ شيئاً بالنسبة إلى ما ينسب إلى ابن الكلبي من مؤلفات، كما إن أخباره ورواياته عنها قليلة بالنسبة إلى أخبار ابن الكلبي ورواياته.

وهناك عدد آخر من العلماء، كالأصمعي، و "الشرقي بن القطامي"، وسائر من اشتغل بالأنساب واللغة والأدب، كان لهم فضل كبير في جمع أخبار الجاهلية المتصلة بالإسلام، وقد تولدت من شروحهم و أماليهم وكتبهم ثروة تاريخية قيمة لم ترد في كتب التاريخ. ولكن عرض أسمائهم هنا وذكر بحوثهم ومؤلفاتهم يضطرنا إلى كتابة فصول طويلة عن جهودهم وأتعابهم وعن ضعف رواياتهم أو قوتها، وذلك يخرجنا عن حدود كتابنا، ولهذا اكتفي هنا بما كتبت وذكرت، على أن أتعرض لأراء الباقين في المواضع التي ترد فيها، فأشير إلى صاحبها والى روايته عن الحادث. ولتهن لا بد لي من التحدث عن عالمين من علماء اليمن، ألّفا في تاريخ اليمن القديم، وجاء بمعلومات ساعدتنا كثيراً في توسيع معارفنا بالأماكن الأثرية هناك،إذ أشارا إلى أسماء أبنية ومواضع، وشخصا أمكنة، ووصفا عاديات رأياها، فأفادنا بذلك فائدة كبيرة. أما أحدهما، فهو الهمداني، أبو محمد الحسن بن احمد بن يعقوب بن يوسف المتوفى سنة 334ه. أو بعد ذلك كما ذهب إلى ذلك الحوالي. وأما الآخر، فهو "نشوان بن سعيد الحميري"، المتوفى سنة 573ه.

لقد بذل الهمداني مجهوداً يقدر في تأليف كتبه وفي اختيار موضوعاته،وسلك في بحوثه سبيلاَ حسناً بذهابه بنفسه إلى الأماكن الأثارية وبوصفه لها في كتبه، فأعطانا بذلك صوراً لكثير من العاديات التي ذهب أثرها واختفى رممها، لمجل طمست حنى أسماء بعضها. و بمحاولته قراءة المسند وترجمته إلى عربيتنا، للوقوف على معناها ومضمونها، يكون قد استحق التقدير والثناء، لأن عمله هذا يدل على ادراكه لأهمية الكتابات في استنباط التواريخ. على أننا يجب أن نذكر أيضا أن الهمداني لم يكن أول من عمد إلى هذه الطريقة، طريقة قراءة الكتابات لاستنباط التواريخ منها، فقد سبقه غيره في هذه القراءات، وكانوا،مثله يبغون الوقوف على ما جاء فيها، ومعرفة تواريخها. ولخد أشار "الهمداني" نفسه إليهم وذكرهم بأسمائهم، مثل "أحمد بن الأغر الشهابي من كندة" و "محمد ابن أحمد الأوساني" و "مسلمة بن يوسف بن مسلمة الحيواني" وغيرهم. فهم مثله يستحقون الثناء والتقدير أيضاً، وهم بطريقتهم هذه في جمع مادة التأريخ يكونون على شاكلة الآثاريين المحدثين في إدراك أهمية الدراسات الآثار والكتابات بالنسبة إلى اكتشاف تواريخ العاديات، وهم بطريقتهم هذه يكونون قد فاقوا غيرهم من المؤرخين العرب في الأمكنة الأخرى بهذه الطريقة، فقلما نبد مؤرخين في الأماكن الأخرى لجأوا إلى دراسة الآثار ودراسة الكتابات ووصف الأمكنة الاثارية لاستنباط التواريخ مها كما يفعل الاثاريون في الزمن الحاضر.

وقد أثنى الهمداني بصورة خاصة على أستاذ له أخذ منه، فوسمه بأنه "شيخ حمير، وناسبها، وعلامتها، وحامل سفرها، ووارث ما ادخرته ملوك حمير خزائنها من مكنون علمها، وقارئ مساندها، والمحيط بلغاتها" وسماه "أبا نصر محمد بن عبد الله اليهري". وقال انه كان مرجعه فيما كان يشكل عليه من أخبار أهل اليمن، والمنبع الذي غرف منه علمه بأحوال الماضين، إلى أن قال: "وكان بحاثة، قد لقي رجلاً وقرأ زبر حمير القديمة ومساندها الدهرية، فربما نقل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وكانت أسماء فيها ثقل،فخفضها العرب، وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة. فإذا سمعوا منها الاسم الموفّر، خال الجاهل انه غير ذلك الاسم، وهو هو. فما أخذته عنه، ما أثبته هنا في كتابي هذا من أنساب بني الهميسع بن حمير وعدة الأذواء وبعض ما يتبع ذلك من أمثال حمير وحكمها، إلا ما أخذته عن رجال حمير وكهلان من سجل خولان القديم بصعدة، ومن علماء صنعاء وصعدة ونجران و الجوف وخيوان وما أخبرني به الآباء والأسلاف". ولملاحظة "الهَمداني" على الأسماء اليمانية القديمة، وثقلها على ألسنة الناس في أيامه وقبل أيامه، شأن كبير، إذ ترينا أن لسان أسهل اليمن كان قد تغير وتبدل، وأن ذلك التغير قد تناول حتى الأسماء،. فصارت الأسماء القديمة ثقيلة على أسماعهم، غليظة الوقع عليهم، فخففوها أو بدلوها، وللواقع أننا نشعر من المساند المتأخرة التي وصلت إلينا وقد دُونت في عهود لاّ تعد كثيراً عن الإسلام، ومن الموارد الإسلامية أن الأسماء اليمانية المدوّنة في كتابات المسند التي يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد، هي أسماء أخذت تقل في كتابات المسند المدونة بعد الميلاد إلى قبيل الإسلام، وأن أسماء أخرى جديدة أخف على السمع حلت محل الأسماء المبهمة القديمة. وفي هذا التطور، دلالة على حدوث تغير في عقلية أهل اليمن بعد الميلاد، وعلى حصول تقارب بين لغتهم ولغة أهل الحجاز وبقية العرب الذين يسميهم المستشرقون "العرب الشماليين".

وقد حملني قول الهمداني إنه اخذ اخبار رجال حمير و كهلان من "سجل خولان القديم بصعدة"، على مراجعة متن الجزء الأول من الإكليل للوقوف على الأماكن التي اعتمد فيها على هذا السجل، لأتمكن بها من تكوين رأي عنه، ومن الحصول على فكرة عما جاء فيه. وقد وجدته يصول في موضع منه: "وقرأت في السجل الأول: أولد قحطان بن هود أربعة وعشرين رجلاٌ، وهم: يعرب، والشلف الكبرى، ويشجب، وأزال وهو الذي بنى صنعاء، ويكلي الكبرى، بكسر الياء، وخولان: خولان رداع التي في القفاعة، والحارث وغوثا، والمرتاد، وجُرهما، وجديسا، والمتمنع، والملتمس، والمتغشمر، وعبادا، وذا هوزن، ويمنا، وبه سميت اليمن. والقطاميّ، ونباتة، وحضرموت، فدخلت فيها حضرموت الصغرى، وسماكاً، وظالماً، وخباراً، والمشفتر". ووجدته يقول في موضع آخر: "وأصحاب السجل يقولون مثل قول بعض الناس فيما بين عدنان وإسماعيل، و وجدته يقول: "وفي سجل خولان وحمير بصعدة: أولد مهرة الآمري، والدين، ونادغم،وبيدع..." ويقول في "باب نسب خولان بن عمرو"، "فهذه ألان بطونها على ما روى رجال خولان وحمير بصعدة. وقد سكنت بها عشرين سنة، فأطلت على أخبار خولان وأنسابها، ورجالها كما أطلت على بطن راحتي، وقرأت بها سجل محمد ابن أبان الخنفري المتوارث من الجاهلية، فمن أخبارهم ما دخل في هذا الكتاب، ومنها ما دخل في كتاب الأيام". وقال في موضع: "وقال بعض وضعة السجل ونساب الهميسع". ويتبين من هذه الملاحظات أن السجل المشار إليه هو مجموعة أجزاء، وضعها جملة أشخاص،كل جزء سجل قائم بذاته في الأنساب، وهو متفاوت الأزمنة، ويشمل القبائل والناس. وقد جمعت جمعاً، على طريقة رواة النسب في روايه الأنساب. ولا استبعد أن يكون السجل قد وضع في صدر الإسلام، حينما شرع في أيام "عمر" بتسجيل النسب في ديوان. فدوّنت عندئذ أنساب القبائل، ورجع في ذلك إلى ما كان متعارفاً عليه من النسب في الجاهلية الملاصقة للإسلام وفي صدر الإسلام، ثمّ أكمل على مرور الأيام. ولذلك تعددت الأيدي في كتابته، وصار على شكل فصول في انساب القبائل، كل سجل في نسب قبيلة وما يتفرع منها. والطابع البارز عليه هو الطابع اليماني المحليّ المتأثر بالروايات التوراتية عن "اليقطانيين"، الذين صُيروا قحطانيين بتأثير روايات أهل اليمن من أهل الكتاب وعلى رأسهم كعب الأحبار ووهب بن منبه، وريما من أناس آخرين سبقوهم، ومن الروايات اليمانية المحلية التي تعارف عليها أهل اليمن في أنساب قبائلهم آنئذ. ولهذا تجد الطابع اليماني المحلي بارزاً في مؤلفات أهل اليمن التي نقل منها الهمداني وأمثاله، ولا نجدها على هذا النحو في مؤلفات النسابين الشماليين الذين ينسبون أنفسهم إلى اليمن مثل "ابن الكلي" وسرابه، لأنهم كانوا بعيدين عن اليمن، فعلمهم بالروايات الجمانية، ولا سيما روايات أهل حمير وصعدة وخولان وصنعاء وغيرهم من النسابين المحليين، لذلك، قليل.

وقد أورد الهمداني في الجزء الثاني من كتابه "الإكليل " جملة تدل على أن "السجل القديم " الذي يشير إليه في كتابه، كان سجل نسّابة عرف ب "ابن أيان"، إذ يقول: "قال الهمداني: قال علماء الصعيدين و أصحاب السجل القديم: سجل ابن أبان". و لعل "ابن أبان" كان قد وضعه و جمعه في أبواب، جاء جمع النسابين فأضافوا عليه فصولا جديدة في الانساب، وعرف الكتاب كله و بجميع فصوله ب "السجل". وقد كان أصحاب السجل من أهل صعدة، لما ذكره الهمداني من قوله: "عن الصعيدين عن أصحاب السجل". وكان "الهمداني"، قد نص في الجزء الأول من "الإكليل" على أن ذلك السجل، هو سجل "محمد بن أبان الحنفري"، وذلك في أثناء حديثه على بطون "صعدة"، إذ قال: "فهذه الآن بطونها على ما روى رجال خولان و حمير بصعدة. وقد سكنت بها سنة، فأطلعت على أخبار خولان و أنسابها و رجالها، كما أطلعت على بطن راحتي، و قرأت بها سجل محمد بن أبان الحنفري المتوارث من الجاهلية، فمن أخبارهم ما دخل في الكتاب، ومنها دخل في كتاب الأيام". و يفهم من هذا النص، أن السجل المذكور هو سجل "محمد بن أبان" وكان يحفظه، وقد ورثه من الجاهلية.

ويظهر من إشارات "الهمداني" اليه، انه قصد بهذا السجل "السجل القديم"، و أما السجلات الأخرى، فقد كانت من وضع علماء آخرين من علماء النسب كانوا بمدينة صعدة، وقد جمعوا أنساب خولان وحمير وقبائل أخرى، و أضافوها على شكل مشجرات نسب إلى ذلك الديوان فصار مجموعة سجلات. واهذا كان ينبّه "الهمداني" إلى الموارد يستقي منها من غير ذلك السجل، كالذي ذكره من "انساب بني الهميسع بن حمير"، إذ قال: "إلا ما أخذته عن رجال حمير وكهلان من سجل خولان القدم بصعدة وعن علماء صنعاء وصعدة وتجران والجوف وخيوان وما أخرني به الآباء والأسلاف". وأما ما يذكره "الهمداني" من أن أصل السجل القديم وأساسه جاهلي، فأمر لا أريد أن أبتّ فيه الآن. لا أريد أن أنفيه، ولا أريد أن أثبته أيضا. بل أقف منه موقف المحايد الحذر، لأني لا أجد في المنقول منه في كتاب "الإكليل" ما يشير إلى جاهلية وأصل جاهلي، فالمشجرات المذكورة هي من هذا النوع المألوف الذي نراه في كتب الأنساب المؤلفة في الإسلام، وبعضه متأثر بروايات التوراة، ولهذا فأنا لا أستطيع أن أرجع إلى ما قبل الإسلام، ولا أستطيع أن أتبحر فيه وفي أصله ما دمت لا أملك "السجل" نفسه، لا القديم منه ولا الجديد، أو نصوصاً طويلة أْخذت منه، حتى يسهل عليّ الحكم من قراءتي لما ورد ومن دراسته على أصل ذلك الكتاب وصحة نسبته إلى الجاهلية.

وأما "الخنفري"، صاحب السجل، فهو: "محمد بن أبان بن ميمون ابن حريز الخنفري". ولد في ولاية معاوية بن أبي سفبان في سنة خمسين، وتوفي في سنة خمس وتسعين ومائة، ودفن في رأس "حدبة صعدة". هذا ما رواه "الهمداني" عنه. وذكر "الهمداني" انه عاش "125" سنة، ولو أخذنا بهذا الرقم الذي ذكره "الهمداني"، فيجب أن تكون سنة وفاته "175"، لا "195" للهجرة. ولذلك، فيجب أن يكون في تأريخ المولد أو الوفاة وربما في مدة عمر "الخنفري" خطأ. واني أشلك في طول ما ذكره عن عمره. وكان لغير أهل صعدة كتب في الأنساب أيضاً، دوّنوا فيها أنسابهم، كما كان هنالك نسابون حفظوا أنساب قبائلهم أشار "الهمداني" إليهم في مواضع من كتابه. وهم من غير أصحاب السحل. وكان بعض منهم قد قابل بين ما دوّنه عن القبائل وبن ما دوّن في السجل عنها، كما كان أهل السجل يعرضون ما دوّنوه عن القبائل على نسّابيها لبيان رأيهم فيها. قال الهمداني "بطون الصدف، عن الصعدين من أصحاب السجل،مقروء على بعض نسابة الصدف". وتجد في الجزء الثامن من الإكليل مواضع ذكر فيها الهمداني "أبا نصر" أيضاً. وقد راجعتها وراجعت الأماكن التي أشير فيها إليه في الجزء الأول، فتبين لي أن علم "أبي نصر" بتأريخ اليمن القديم هو على هذا الوجه: إحاطة بأنساب القبائل اليمانية على النحو الني كان شائعاً ومتعارفاً في أيامه ومسجلاَ في سجلات الأنساب في تلك الأيام، ورواية للأساطير التي راجت عن التبايعة، وأخذ من موارد توراتية ظهرت في اليمن من وجود اليهود فيها قبل الإسلام. أما علمه بالمساند ومدى وقوفه عليها، فأنا أعتقد أن علمه بها لا يختلف عن علم غيره من أهل اليمن: وقوف على الحروف، وتمكن من قراءة اتكلمات، واحاطة عامة بالمسند. أما فهم النصوص واستنباط معانيها بوجه صحيح دقيق، فأرى أنه لم يكن ذا قدرة في ذلك، وهو عندي في هذا الباب مثل غيره من قراء الخط الحم!ري. ودليلي على ذلك أن القراءات المنسوبة إليهم هي قراءات لا يمكن أن تكون قراءات لنصوص جاهلية، وإن تضمنت بعض أسماء يمانية قديمة، لسبب بسيط،هو أن أساليبها ومعانيها ونسقها لا تتفق أبداً مع الأساليب والمعاني المألوفة في الكتابات الجاهلية،فقراءات أبي نصر وأمثاله قراءات بعيدة جداً عن النصوص المعهودة، هي قراءات إسلامية فيها زهد وتصوف وتوحيد وحضٌّ على الابتعاد عن الدنيا. أما نصوص المسند التي عثر عليها حتى الآن، فإنها نصوص وثنية لا تعرف هذه المعاني، وأسلوبها في الكتابة لا يتفق مع ذلك الأسلوب. وهي في أمور أخرى شخصية أو حكومية لا جميلة لها يمثل هذه الآراء والمعتقدات.

وقد أورد "الهمداني" نصاً قال إن قراءة من قراءة "أبي نصر" فيه نسب "عابر". هذا نصه: "قال أبو نصر: الناس يغلطون في عابر، وهو هود بن أيمن بن حلجم يب بضم بن عوضين بن شدّاد بن عاد بن عوص بن إرم بن عوص بن عابر بن شالخ. وذكر أنه وجد هذا النسب في بعض مساند حمير في صفاح الحجارة". وقارئ هذا النص الذي هو مزيج من رواية توراتية ومن إضافة غربية، يخرج من قراءته، برأي واحد هو أن "أبا خصر"، كان لا يتوقف عن نسبة أمور من عنده إلى المساند، فيحملها ما لا يعقل إن تحمله أبدا. فلو كان النص حميرياً صحيحاَ مأخوذاً من التوراة، لكان النسب على نحو ما ورد في التوراة، ولو كان صاحبه وثنياً لا يدين بدين سماوي، فإنه لا يعقل أن يخلط فيه هذا الخلط. ولكنني لا أريد هنا أن اكتفي بتقديم التقدير إلى الهمداني والى الباقين من علماء اليمن الذين سبقوه أو جاؤوا من بعده والثناء على طريقتهم المذكورة، بل لا بد لي من التحدث عن درجة علم هؤلاء العلماء بالمسند، وبقراءة الكتابات وبعلمهم بمعانيها،أي علمهم بقواعد وأصول اللهجات التي كتبت بها مثل اللهجة المعينية أو السبئية أو القتبانية أو الحضرمية وغيرها من بقية اللهجات، وذلك ليكون كلامنا كلاماً علمياً صادراً عن درس ونقد وفهم بعلم أولئك العلماء بتأريخ اليمن القديم. ولن يكون مثل هذا الحكم ممكناً إلا بالرجوع إلى مؤلفات "الهمداني" وغيره من علماء اليمن لدراستها دراسة نقد عميقة. ومقابلة ما ورد فيها من قراءات للنصوص مع قراءات العلماء المحدثين المتخصصين بالعربيات الجنوبية لتلك النصوص إن كانت أصولها أو صورها موجودة محفوظة، وعندئذ يمكن الحكم حكماً علمياً سليماً على مقدار علم أولئك العلماء بلغات اليمن القديمة و بتأريخها المندرس. ولكننا ويا للأسف لا نملك كل أجزاء كتاب "الإكليل" ولا كل مؤلفات الهمداني أوغيره من علماء اليمن، فالجزء التاسع من الإكليل مثلاَ وهو جزء خصص بأمثال حمير وبحكمها باللسان الحميري وبحروف المسند،هو جزء ما زال مختفياً، فلم نر وجهه، وهو كما يظهر من وصف محتوياته مهم بالنسبة إلينا، وقد يكون دليلاّ ومرشداً لنا في إصدار حكم على علم الهمداني بلغة حمير. ولكن ماذا نصنع ونفعل، وقد حرمنا رؤية هذا الجزء، وليس في مقدورنا نشره وبعثه، فهل نسكت ونجلس انتظاراً للمستقبل، عسى أنُ يبعث إلى عالم الوجود? هذا، وقد طبع الجزء الثامن من الإكليل وكذلك الجزء العاشر منه، فاستفاد منهما المولعون بتأريخ اليمن القديم وبتأريخ بقية أجزاء العربية الجنوبية، وطبع الجزء الأول من هذا الكتاب حديثاً برواية "محمد بن نشوان بن سعيد الحمري"، وقد ذكر أنه اختصر شيئاً في مواضع الاختلاف وفي النسب مما ليس له شأن في نظره دون أن يؤثر على الكتاب.

وطبع الجزء الثاني من الإكليل أيضاً، أخرجه ناشر الجزء الأول: "محمد ابن علي الأكوع الحوالي " من عهد غير بعيد، وليس لنا الآن إلاّ أن نرجو نشر الأجزاء الباقية من هذا الكتاب، ليكون في وسعنا الحكم على ما جاء فيه من أخبار عن أهل اليمن الجاهليين.

إن أقصى ما نستطيع في الزمن الحاضر فعله وعمله لتكوين رأي تقريبي تخميني من علم الهمداني وعلم بقية علماء اليمن بلهجات أهل اليمن القديمة وبتأريخهم القديم، هو إن نرجع إلى المتيسر المطبوع من مؤلفاتهم، لدراسته دراسة نقد علمية عميقة، لاستخراج هذا الرأي منها. وهو وإن كان أقل من الضائع بكثير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، والموجود خير من المعدوم، وفي استطاعته تقديم هذا الرأي التخميني التقريبي. فلنبحث إذن في هذا المطبوع لنرى ما جاء فيه. أما بخصوص الخط المسند، فقد ذكر "الهمداني" إن جماعة من العلماء في أيامه كانت تقرأ المسند،غير أن أولئك العلماء كانوا يختلفون فيما بينهم في القراءة، وكان سبب ذلك - على رأيه - اختلاف صور الحروف، "لأنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس، ويكون للذي يقرأ لا يعرف إلا صورة واحدة". وقد عرف "الهمداني" أن كتّاب المسند كانوا يفصلون بين كل كلمة وكلمة في السطر بخط قائم، وذكر أنهم كانوا يقرأون كل سطر بخط. غير أنه لم يذكر عدد الحروف. وصرح أنهم "كانوا يطرحون الألف إذا كانت بوسط الحرف، مثل ألف همدان وألف رئام، فيكتبون رئم وهمدن، ويثبتون ضمة آخر الحرف وواو عليهمو". وهي ملاحظات. تدل على إحاطة عامة بالمسند، سوى ما ذكره من اْنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس، ويظهر أنه وغيره قد توصلوا إلى هذا الرأي من اختلاف أيدي الكتّاب في رسم الحروف ونقرها على الحجر، كالذي حدث عندنا من تباين الخطوط باختلاف خطوط كتبته، فأدى تباين الخط هذا إلى اختلافهم في القراءة، وإلى ذهابهم إلى هذا الرأي، أو أنهم اختلفوا فيها من جراء تشابه بعض الحروف مثل حرف الهاء والحاء، فان هذين الحرفين متشابهان في الشكل، فكلاهما على هيئة كأس يرتكز على رجل، والفرق بينهما، هو في وجود خط عمودي في وسط الكأس هو امتداد لرجل الكأس، وذلك في حرف "الحاء"، أما الهاء، فلا يوجد فيه هذا الخط الذي يقسم باطن الكأس إلى نصفين. ويشبه حرف "الخاء" حرف "الهاء" في رسم رأس الكأس، ولكنه يختلف عنه في القاعدة، إذ ترتكز هذا الرأس على قاعدة ليست خطاً مستقيماً، بل على قاعدة تشبه كرسي الجلوس ذي الظهر. ومثل التشابه بين حرفي الصاد والسين، فكلاهما على هيئة كأس وضعت وضعاً مقلوباً، بحيث صارت القاعدة التي ترتكز الكأس عليها إلى أعلى. أما الرأس، وهو باطن الكأس، فقد وضع في اتجاه الأرض. ولكن قاعدة "الصاد" هي على هيئة رقم خمسة في عربيتنا، اي على هيئة دائرة أو كرة بينما قاعدة حرف السين هي خط مستقيم،أما باطن كأس حرف "الصاد"، ففيه خط يقسمه إلى قسمين وذلك في الغالب، وقد يهمل هذا الخط المقسم، أما حرف السين، فلا يوجد فيه هذا الخط.

وجاء "نشوان بن سعيد الحميري" بملاحظات عن "المسند" هي الملاحظات التي أوردها "الهمداني" عنه فقال: المسند: خط حمير، وهو موجود كثيراً في الحجارة والقصور، وهذه صورته على حروف المعجم... وله صور كثيرة، إلاّ أن هذه الصورة أصحها. واعلم أنهم يفصلون بين كل كلمتين بصفر، لئلا يخلط الكلام. وصورة الصفر عندهم كصورة الألف في العربي.. وما قلته عن تعدد صور الحرف قبل قليل، ينطبق على ملاحظة "نشوان" أيضاً. ويظهر أن قوماً من أهل اليمن بقوا أمداَ في الإسلام وهم يتوارثون هذا الخط ويكتبون به. فقد جاء في بعض الموارد: "والمسند خط حمير، مخالف لخطنا هذا: كانوا يكتبونه أيام ملكهم فيما بينهم. قال أبو حاتم: هو في أيديهم إلى اليوم باليمن"، إلاّ أنه لم يتمكن من الوقوف أمام الخط العربي الشمالي الذي دوّن به القرآن الكريم، فغلب على أمره، وتضاءل عدد الكتاب به حتى صار صفراً.

ومما يؤسف عليه كثيرا أننا لا نملك النسخ الأصلية التي كتبها أولئك العلماء بخط أيديهم، حتى نرى رسمهم لحروف المسند. فإن الصور المرسومة في المخطوطات الموجودة وفي النسخ المطبوعة، ليست من خط المؤلفين، بل من خط النساخ، فلا أستبعد وقوع المسح في صور حروف المسند في أثناء النقل، ولا سيما إذا تعددت أيدي النساخ بنسخ أحدهم عن ناسخ آخر. وهكذا. فليس للنساخ علم بالمسند، ولذا لا أستبعد وقوعهم في الخطأ. ومن هنا فإن من غير الممكن إصدار رأي في مقدار إتقان الهمداني وبقية العلماء لرسم حروف الخط المسند. وقد أشار "الدكتور كرنكو" إلى هذه الحقيقة، إذ ذكر أن صور الحروف الحمرية في "الإكليل تختلف باختلاف النسخ اختلافاً كبيرا، فقد صوّر كل ناسخ تلك الحروف على رغبته وعلى قدرته على محاكاة النقوش، ومن هنا تباينت وتعددت، فأضاعت علينا الصور الأصلية التي رسمها الهمداني لتلك الحروف. أما رأينا في علم علماء اليمن بفهم المسند، فيمكن تكوينه بدراسة النصوص الواردة في مؤلفاتهم وبدراسة معرباتها ومقابلتها بالنصوص الأصلية المنقورة على الحجارة إن كانت تلك النصوص الأصلية لا تزال موجودة باقية، أو بمراجعة النصوص المدونة و مقابلتها بمعرباتها لترى درجة قرب التعريب أو بعده من الأصل. وعندئذ نستطيع إبداء حكم على مقدار فهم القوم لكتابات المسند. أما في حالة اكتفاء المؤلف بإيراد التعريب فقط أي معنى النص لا متنه، فليس أمامنا من سبيل غير وجوب مراجعة المعربات ودراستها من جميع الوجوه، لترى مقدار انطباق أساليبها على الأساليب المألوفة في كتابات المسند، وعندئذ نتمكن من تكوين رأي في هذا الذي ورد في المؤلفات على أنه ترجمات، ونتمكن بذلك من الحكم بمقدار قرب تلك الترجمات والقراءات من المسند أو بعدها منه.

وخلاصة ما توصلت اليه من دراستي الإجمالية للأجزاء المطبوعة من مؤلفات "الهمداني" أن الهمداني، وإن كان يحسن قراءة حروف المسند، ويعرف القواعد المتعلقة بالخط الحميري، الا انه لم يكن ملماً بألسنة المسند. ولم يتمكن من ترجمة النصةص التي نقلها ترجمة صحيحة، ولم يعرف على ما يتبين منها كذلك ما ورد فيها وما قصد منها، فجعل "تالبا"، و هو اسم إله من آلهة اليمن المشهورة، و معبود قبيلة "همدان" الرئيس، اسم رجل من رجال الآسرة المالكة لهمدان. وجعل "ريما"، وهو اسم مكان من الامكنة المشورة، وكان به معبد معروف للإله "تالب"، ابنا من أبناء "نهفان"، ومن أبناء "تالب". ولم يبخل الهمداني عليه، فوهب له أما قال لها: "ترعة بنت بازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحضب بن الصوار".

و أورد "الهمداني" نصا ذكر إن "أحمد بن أبي الأغر الشهابي"، وحده ب "ناعط"، فقرأه، فإذا هو: "علهان و نهفان ابنا بتع بن همدان، لهم الملك قديما كان". وقد عدّ "علهان نهفان" رجلين هما "علهان" و "نهفان"، مع إن "علهان نهفان(، هو رجل واحد، وهو ملك من ملوك سبأ و سيأتي ذكره. وقد والده "يريم بن أوسلت رفشان" من اقبيلة "همدان". كلمة "نهفان" لقب له. أما اسمه فهو "علهان". و كان له شقيق اسمه "برج يهركب"، كما ذلك في كتابة عثر هليها في "ريام"، فلم يكن والده أذن رجلاً اسمه "بتع بن همدان" كما جاء في القراءة. وأما "بتع"، فقيلة من قبائل همدان، وأما جملة: " لهم الملك قديماً كان"، فهي لا ريب من قول الشهابي، وليست بعبارة حميرية. وليس التعبير - وان فرضنا أنها ترجمة للأصل - من التعابير المستعملة في الحميرية، التي ترد في الكتابات. ولما كنا لا نعرف المتن الأصلي للنص، يصعب علينا الحكم عليه أكان قريباً من هذا المعنى أو كان شيئاً آخر، عرف منه الشهابي بضع كلمات ثم فسره بهذا التفسير. ويظهر على كل حال أن قراء المسند "وقد قلت إنهم كانوا يحسنون في أيام الهمداني قراءة حروف المسند" لم يكونوا عك اطلاع بقواعد الحميرية، ولا باللسان الحميري، أو الألسنة العربية الجنوبية الأخرى. خذ مثلاّ على ذلك: "بن" وهي حرف جر عند العرب الجنوبيين، وتعني "من" و "عن" بلغتنا قد أوقعتهم هذه الكلمة في مشكلات خطيرة.فقد تصور القوم عند قراءتهم لها، أفها تعني أبداً "ابناً" على نحو ما يفهم من هذه الكلمة في لغتنا. وفسروها بهذا التفسير. ففسروا "بن بتع" أو "بن همدان" وما شابه ذلك "ابن بتع" أو "ابن همدان"، و المقصود من الجملتين هو "من بتع" و "من همدان"، وبذلك تغير المعنى تماماً، ومن هنا وقع القوم - على ما أعتقد - في أغلاط حين حسبوا أسماء القبائل و أسماء الأماكن الواردة قبل "بن" وبعده، أسماء أشخاص وأعيان،وأدخلوها في مشجرات الأنساب. فاقتصار علمهم على الأبجدية وجهلهم باللغة، أوقعهم في مشكلات كثيرة، وسبب ظهور هذا الخلط.

وجاء الهمداني بنصوص أخر ذكر أنبا كانت مكتوبة بالحميرية تمثل النص الذي زعم أن مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني قرأه على حجر في مسجد خيوان، وهذا نصه: "شرح ما، وأخوه ما، وبنوه ما، قيول شهران بنو هجر، هم معتة بدار القلعة". وأمثال ذلك من النصوص. ولا اعتقد أنك ستقول: إنّ هذا نص حميري، ولا يسع أمرءاً له إلمام بالحميرية أن يوافق على وجود مثل هذه العائلة عائلة ما، أو يسلم بأن هذه قراءة صحيحة لنص حميري. بل لا بد من وجود أخطاء في القراءة وفي التفسير. ولا أريد أن أتجاوز على رجل مشى إلى ربه، فلعله كان يحسن قراءة بعض الحروف والكلمات، ويتصور أنه أحسن قراءة النص كله وفهمه، فجاء بهذه العبارة. وعلى كل، إن كلّ الذي جاء في النصوص التي وقفت عليها في كتب الهمداني لا ممكن إن يعطي غير هذا الانطباع، ولعلنا سنغير رأينا في المستقبل إذا تهيأت لنا نصوص من شأنها أن تغيره.

ويأتي "الهمداني" أحياناً بأبيات شعر زاعماً إنها من المسند. ففي أثناء كلامه مثلاً على قصر "شحرار" قال: "وفي بعض مساند هذا البنيان بحرف المسند: شحرار قصر العلا المنيف أسـسـه تـبـع ينـوف يسكنه القيل ذي معـاهـر تخر قدّامـه الـلأنـوف" أما نحن، فلم نعثر حتى اليوم على أية كتابة بالمسند، ورد فيها شعر، لا بيت واحد ولا أكثر من بيت. وأما متن البيتين المذكورين، فليس حميرياً ولا سبئياً ولا معينياً وليس هو بأية لهجة يمانية أخرى قديمة، و إنما هو بعربيتنا هذه، أي بالعربية التي نزل بها القرآن الكريم، نظمه من نظمه من المحدثين بهذه اللغة البعيدة عن لغات أهل اليمن. أما الباب الذي عقده في الجزء الثامن بعنوان: "باب القبوريات"، فقد استمد مادته من روايات وأحبار "هشام بن محمد بن السائب الكلي"، و "ابن لهيعة" و "موهبة بن الدعام" من همدان و "أبي نصر" و "وهب بن منبه" و "كعب الأحبار" و "عبد الله بن سلام". وقد أورد فيه نصوصاً زعم إنها ترجمات لنصوص المسند، عثر عليها في القبور عند الأجداث. وأورد بعضها شعراً، زعم انه مما وجد في تلك القبور، كالذي ذكره عند حديثه عن قبر "مرشد بن شدّاد"، وعن قبرين جاهليين عثر عليهما ب "الجند" وقد نص على إن الشعر المذكور كان مكتوباً بالمسند وقد دونه.وهو وكل الأشعار الأخرى ومنها المراثي منظوم بعربية القرآن. وأما النثر، فإنه بهذه العربية أيضا، وهو في الزهاد والموعظة والندم والحث على ترك الدنيا، فكأن أصحاب القبور، من الوعاظ المتصوفين إلزهاد، ماتوا ليعظوا الأحياء من خلال القبور، ولم يكونوا من الجاهليين من عبدة الأصنام والأوثان.

وهو قسم بارد سخيف، يدل على ضعف أحلام رواته، وعلى ضعف ملكة النقد عند "الهمداني" وعلى نزوله إلى مستوى القصاص والسماّر والإخباريين الذين يروون الأخبار ويثبتونها وإن كانت مخالفة للعقل. إذ انه لا يختلف عنهم هنا بأي شيء كان. ومجمل رأيي في "الهمداني" أنه قد أفادنا ولا شك بوصفة للعاديات التي رآها بنصه على ذكر أسمائها، وأفادنا أيضاً في إيراده ألفاظا يمانية كانت مستعملة في أيامه استعمال الجاهليين لها: وقد وردت في نصوص المسند، فترجمها علماء العربيات الجنوبية ترجمة غير صحيحة، فمن الممكن تصحيحها الآن على ضوء استعمالها في مؤلفات الهمداني وفي مؤلفات غيره من علماء اليمن. أما من حيث علمه بتأريخ اليمن القديم، فإنه وإن. عرف بعض الأسماء إلاّ أنه خلط فيها في الغالب، فجعل اسم الرجل الواحد اسمين، وصير الأماكن إباء وأجداداً، وجعل أسماء القبائل أسماء رجال، ثم هو لا يختلف عن غيره في جهله بتأريخ اليمن القديم، فملأ الفراغ بإيراده الأساطير والخرافات والمبالغات. وأما علمه بالمسند فقد ذكرت أنه ربما قرأ الكلمات، ولكنه لم يكن يفقه المعاني، ولم يكن ملما بقواعد اللهجات اليمانية القديمة، وقد حاولت العثور على ترجمة واحدة تشير إلى أنها ترجمة صحيحة لنص من نصوص المسند، فلم أتمكن من ذلك ويا للأسف.

وعلم "الهمداني" بجغرافية اليمن والعربية الجنوبية، يفوق كثيراً علمه بتاًريخ هذه الأرضين القديم، فقد خبر أكثرها بنفسه وسافر فيها، فاكتسب علمه بالتجربة. أما علمه بجغرافية الأقسام الشمالية من جزيرة العرب، فإنه دون هذا العلم. وأفادت "القصيدة الحمرية"، لصاحبها "نشوان بن سعيد الحميري" فائدة لا بأس بها في تدوين تأريخ اليمن. وهذا المؤلف معجم شاه "شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم"، ضمنه ألفاظاً خاصة بعرب الجنوب. ولنطبق ما قلته في الهمداني على نشوان أيضاً. فإذا قرأت كتبه، تشعر أنه لم يكن يفهم النصوص الحميرية ولا غيرها، وإن كان بحسن قراءة المسند. وما ذكره في كتابه "شمس العلوم" - وإنْ دل - على حرص على جمع المعلومات، وعلى تتبع يحمد عليه للبحث عن تأريخ اليمن ولغاتها القديمة - يدلّ على أنه لم يكن يفهم نصوص المسند، وليس له علم بتاًريخها وبتواريخ أصحابها، وأنه لا يمتاز بشيء عن الهمداني أو سائر علماء اليمن الذين كانوا يدعون العلم بأخبار الماضيين، وأكر الذي ذكوه في كتابه على أنه من اللهجات الحميرية والعربية الجنوبية هو من مفردات معجمات اللغة، ومن لهجات العربية الفصحى خلا ذلك الذي كان يستعمله أهل اليمن، وهو قليل إذا قيس إلى سواه، وقد فسر معانيه على نحو ما كان يقصده الناس في أيامه. ومع هذا، فهذا النوع من الكلمات هو الذي نطمع فيه، لأنه من بقايا اللهجات البائدة، ويفيدنا فائدة عظيمة في فهم معاني النصوص وفي قراءتها وشرحها وتفسرها، ولعله لم يكثر منا، لأنها كانت من كلام العوام فأشفق على نفسه من البحث في لغة العوام. ولم يزد "نشوان" في شروحه لأسماء الأعيان والأجذام والقبائل والعمائر والأمكنة على ما أورده الهمداني أو سائر. علماء التاًريخ وأهل الأنساب، فعدّ أسماء القبائل مثل همدان، أسماء أشخاص لهم انساب واولاد وأقرباء، واخطأ في الأغلاط نفسها التي وقع فيها الهمداني "فذكر جملاً مسجوعة على إنها من وصايا التبابعة، وعبارات متكلفة على انها قراءات لنصوص حميرية مكتوبة بالمسند.

ومحمد بن نشوان بن سعيد الحميري نفسه هو ممن اعتمد على علم الهمداني، كما نص على ذلك في فاتحة الجزء الأول من الإكليل. فهذا الجزء الذي طبع حديثاً هو برواية محمد بن نشوان، رواه لمن سأله أن يوضح شيئاً من أنساب حمير وأخبارها وما حفظ من سيرها وآثارها، فما كان منه إلا أن أخذ الإكليل فكتب له، لم يغير فيه سوى ما قاله: "غير أني اختصرت شيئاً ذكره في النسب، ليس هو من جملته بمحتسب. بل هو مما ذكره من الاختلاف في التأريخ و نحوه، من غير أن أنسب الكدر إلى صفوه". وفي مقدمته لهذا الجزء ثناءٌ عاطرٌ على الهمداني، وتقدير كبير لعمه في أخبار اليمن. هذا هو كل ما أريد أن أقوله هنا عن مصادر التاريخ الجاهلي، وهو قليل من كثير، ولكن التوسع في هذا الموضوع يخرجنا حتماً عن حدود بحثنا المرسوم، ويخرجنا إلى التحدث في شيء آخر لا علاقة له بالجاهلية، و إنما يعود إلى البحث في التأريخ، وفي نقده ودروبه عند المؤرخين. على أني أراني قد توسعت مع ذلك في هذا الباب، وذلك للحاجة التي رأيتها في ضرورة توضيح بعض الأمور الخاصة بتلك الموارد.

الفصل الثالث: إهمال التأريخ الجاهلي و إعادة تدوينه

من الأمور التي تثير الأسف، تهاون المؤرخين في تدوين التأريخ الجاهلي، ولا سيما القسم القديم منه، الذي يبعد عن الإسلام قرنا ًفاكثر، فإن هذا القسم منه ضعيف هزيل، لا يصح أن نسميه تأريخا، بعيد في طبعه وفي مادته عن طبع التواريخ ومادتها. لقد وفق المؤرخون العرب في كتابة تأريخ الإسلام توفيقاً كبيراً، من حيث العناية بجمع الروايات والأخبار واستقصائها، وفي رغبتهم في التمحيص. أما التأريخ الجاهلي، فلم يظهروا مقدرة في تدوبنه، بل قصروا فيه تقصيراَ ظاهراً. فاقتصر علمهم فيه على الأمور القريبة من الإسلام، على أنهم حتى في هذه الحقبة لم يجيدوا فيها إجادة كافيه، ولم يظهروا فيها براعة ومهارة، ولم يطرقوا كل الأبواب أو الموضوعات التي تخص الجاهلية. فتركوا لنا فجوات و ثُغراً لم نتمكن من سدّها وردمها حتى الآن، ولا سيما في تأريخ جزيرة العرب، حيث تجد فراغاً واسعا، وهو أمر يدعو إلى التساؤل عن الأسباب التي دعت إلى حدوثه: هل كان الإسلام قد تعمد طمس أخبار الجاهلية? أو أن العرب عند ظهور الإسلام لم تكن لديهم كتب مدونة في تأريخهم ولا علم بأحوال أسلافهم، وكانت الأسباب قد تقطعت بينهم وبين من تقدمهم فلم يكن لديهم ما يقولونه عن ماضيهم غير هذا الذي وعوه فتحدثوا به إلى الإسلاميين، فوجد سبيله إلى الكتب? أو أن العرب لم يكونوا يميلون إلى تدوين تواريخهم، فلم يكونوا مثل الروم أو الفرس يجمعون أخبارهم وأخبار من تقدم منهم وسلف، فلما كان الإسلام، وجاء زمن التدوين، لم يجد أهل الأخبار أمامهم في شيئاً غير هذا الذي رووه وذكروه، وكان من بقايا ما ترسب في ذاكرة المعمرين من أخبار.

لقد عزا بعض الباحثين هذا التقصير إلى الإسلام، فزعم إن رغبة الإسلام كانت قد اتجهت إلى استئصال كل ما يمت إلى أيام الوثنية في الجزيرة العربية بصلة، مستدلا بحديث: "الإسلام يهدم ما قبله"، فدعا ذلك إلى تثبيط همم العلماء عن متابعة الدراسات المتصلة بالجاهلية، والى محو أثار كل شيء تفرع عن النظام القديم، لم يميزوا بين ما يتعلق منه بالوثنية والأنصاب والأصنام،وبين ما يتعلق بالحالة العامة كالثقافة والأدب والتأريخ. فعلوا ذلك كما فعل النصارى في أوروبة في أوائل القرن السادس للميلاد، فكان من نتائجه ذهاب أخبار الجاهلية، ونسيانها، وابتدأ التأريخ لدى المسلمين بعام الفيل. ولهذا "كان المؤرخون أو الأخباريون، الذين يترتب عليهم تدوين أخبار الماضي وحفظ مفاخره، من الذين ينظر اليهم شزراً في المجتمع الإسلامي، وخاصة في العهد الإسلامي الأول. أما مؤرخو العرب العظام، فلم ينبغوا إلا بعد تلك الفترة، وحتى هؤلاء فإنهم صرفوا عنايتهم إلى التأريخ الإسلامي، ولم يدققوا فيما يخص الجاهلية. وبالإضافة إلى ما سبق، أصبح لكلمة مؤرخ "اخباري" معنى سيئ بل أصبحت صفة تفيد نوعاً من الازدراء. وقد ألصقت هذه الصفة بابن الكلبي، كما ألصقت بكل عالم تجرا على البحث في تاًريخ العرب قبل عام الفيل. لكن لم يهاجم أحد من المؤرخين بعنف كما هوجم ابن الكلبي. والراجح أن السبب في نجللك هو انصرافه لدراسة الأشياء التي قرر الإسلام طمسها، أعني بذلك الديانات والطقوس الوثنية في بلاد العرب".

ثم سبب آخر، هو أن الإسلام ثورة على مجتمع قائم ثابت، وعلى مثل تمسك بها أهل الجاهلية، وعلى قوم كانوا قد تسلطوا وتحكموا وتجروا بحكم العرف والعادات، وككل ثورة تقع وكما يقع حتى الآن، وسم الإسلام الجاهلية، بكل منقصة ومثلبة، وحاول طمس كل أثر لها وكل ما كان فيها، حتى ظهرت تلك الأيام على الصورة التي انتهت إلينا عن "الجاهلية" وكان الناس فيها جهلة لم يكن عندهم شيء من علم في هذه الحياة يومئذ، وكأن عهدهم في هذا العالم لم يبدأ إلا ببدء الإسلام. وجاءوا بدليل آخر في إثبات أن الإسلام كان له دخل في طمس معالم تأريخ الجاهلية، إذ ذكروا أن الخليفة، "عمر" ساًل بعض الناس "أن يرووا بعض التجارب الجاهلية، أو ينشدوا بعض الأشعار الجاهلية، فكان جوابهم: لقد جب الله ذلك بالإسلام، فلم الرجوع". فوجدوا في امتناعهم عن رواية الشعر الجاهلي أو أخبار الجاهلية، دلالة على كره الإسلام لرواية تأريخ الجاهلية وانتهاء ذلك إلى طمس معالم ذلك التأريخ.

أما حديث "الإسلام يهدم ما قبله"، فهو حديث لا علاقة له البتة بتأريخ الجاهلية ولا بهدم الجاهلية، وقد استل من حديث طويل ورد في صحيح مسلم في "باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج"، وبعد "باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية"، وقد ورد جواباً عن أسئلة الصحابة عن أعمال منافية للإسلام ارتكبوها في الجاهلية، هل يغفرها الله لهم، أو تكتب عليهم سيئات يحاسبون عليها ? فقالوا: "يا رسول الله، انؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ?". وقد ورد في صحيح مسلم بعد هذا الباب باب آخر بهذا المعنى، هو "باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده".

ولإعطاء رأي صحيح عن هذا الحديث، أنقل إلى القارئ نصه كما جاء في صحيح مسه لم قال: "حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت يبكي طويلاّ، وحول وجهه إلى الجدار، فجل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكذا ? قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمين. قال: فقبضت يدي، قال مالك يا عمرو ? قال: قلت أردت أن اشرط. قال: تشترط بماذا ? قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله? وما كان أحد أحبّ إليّ من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملا عِني منه إجلالاّ له. ولو مت على تلك الحال، لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري من حالي فيها، فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، فشنوا عليّ التراب شناً ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي.

وبعل، فأية علاقة إذن بين هذا الحديث وبين الحث على تهديم الجاهلية وإهمال التأريخ الجاهلي يا ترى? وأما اتخاذهم نهي بعض الصحابة ع! رواية الشعر الجاهلي أو أخبار الأيام دليلاً على كره الإسلام لأحياء ذكرى الجاهلية،ومحاولته طمس معالمها وتأريخها، وحكمهم من ثم عليه بمساهمته في طمس تأريخ الجاهلية واطفائه له، فإنه دليل بارد ليس في محله، فإن الذين نهوا عن رواية الشعر الجاهلي أو رواية الأيام، أو امتنعوا هم أنفسهم عن روايتهما، لم ينهوا ولم يمتنعوا عن روايتهما مطلقاً، أي عن رواية جميع أنواع الشعر الجاهلي أو أخبار كل الأيام التي وقعت في الجاهلية، بل نهوا أو امتنعوا عن رواية بعض أبواب الشعر، وبعض أخبار تلك الأيام، لما كان يحدثه هذا النوع من الشعر أو يوقعه هذا الباب من رواية الأخبار من شرّ في النفوس ومن فق قد تجدد تلك العصبيات الخبيثة التي حاربها الإسلام، لتمزيقها الشمل، وتفريقها الصفوف. "ومن ثم نهى الفاروق، رضي الله عنه، الناس بديأ أن ينشدوا شيئاً من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام. ومرّ عمر بحسان يوماً، وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله، فأخذ بأذنه، و قال: أرغاء كرغاء البعير? فقال حسان: دعنا عنك يا عمر، فو الله لتعلم أني كنت أنشد في هذا المسجد مَنْ خير منك، فقال عمر: صدقت، وانطلق". ولم يأخذ عمر على حسان رواية ذلك الشعر في مسجد رسول الله إلا لأنه كان من ذلك الشعر المثير للنفوس المهيج للعواطف، وإنشاده في نظره يعيد الناس إلى ما كانوا عليه من قتال قبل الإسلام. فلمصلحة العامة نهى بعض الصحابة عنه. ومع ذلك، تساهل عمر مع حسان، وتركه ينشد شعره، بعد أن حاجَّهُ حسان بما رأيت.

وهناك رواية أخرى تشرح لنا الأسباب التي حملت عمر على النهي عن رواية بعض الشعر الجاهلي، وهي انه "قدم المدينة، في خلافة الفاروق، عبد الله بن الزبعري وضرار بن الخطاب - وكانا شاعري قريش في الشرك - فنزلا على أبي احمد بن جحش، وقالا له: تحبّ أن ترسل إلى حسان بن ثابت حنى يأتيك فتنشده وينشدنا مما قلنا له وقال لنا، فأرسل إليه، فجاءه. فقال له: يا أبا الوليد: هذان اخواك ابن الزبعري وضرار قد جاءا أن يسمعاك وتسمعهما ما قالوا لك وقلت لهما. فقال ابن الزبعري وضرار: نعم يا أبا الوليد، إن شعرك كان يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا، وقد أحببنا أن نسمعك وتسمعنا. فقال حسان: أفتبدآن، أم أبدأ? قالا: نبدأ نحن، قال: ابتدئا. فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضباً، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة، فخرج حسان حتى دخل على عمر، فقص عليه قصتهما وقصته. فقال له عمر: لن يذهبا عنك بشيء إن شاء الله، وأرسل من يردّهما، وقال له عمر: لو لم تدركهما إلا بمكة، فأرددهما علي... فلما كان بالروحاء، قال ضرار لصاحبه: با ابن الزبعري، أنا أعرف عمر وذبّه عن الإسلام وأهله، وأعرف حسان وقلة صبره على ما فعلنا به، وكأني به قد جاء وشكا إليه ما فعلنا، فأرسل في آثارنا، وقال لرسوله: إن لم تلحقهما إلا بمكة، فارددهما عليّ... فأربح بنا ترك العناء، وأقم بنا مكاننا، فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الروحاء أسهل منه من أبعد منها، وان أخطأ ظني، فذلك الذي تحب. فقال ابن الزبعري: نعم ما رأيت. فأقاما بالروحاء، فما كان إلا كمرّ الطائر حتى وافاهما رسول عمر، فردّهما إليه. فدعا لهما بحسان وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله. فقال لحسان: أنشدهما مما قلت لهما فانشدهما، حتى فرغ مما قال لهما، فوقف. فقال له عمر: أفرغت? قال: نعم. فقال له: أنشداك في الخَلا، و أنشدتهما في المَلأ... وقال لهما عمر: إن شئتما فأقيما، وان شئتما فانصرفا. وقال لمن حضره: أني كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئاً، دفعاً للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فاْما إذ ابوا، فاكتبوه، واحتفظوا به. قال الراوي: فدوّنوا ذلك عندهم. قال: ولقد أدركته والله وان الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه 00".

بل كان الرسول كما رأينا في خبر "حسان"، وكما ذكر في أخبار أخرى يجلس وأصحابه يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أشياء من أمور الجاهلية، وهو يسمع ويساهم معهم في الحديث، وينشدهم شيئاً مما حفظه. ولم ينه عن رواية شعر ما إلا ما كان فيه فحش، أو إساءة أو إثارة فتنة، أما ما شابه ذللك، لما كان يحدثه ذلك الشعر من أثر سيئ في النفوس. لقد تمثل بشعر "أميةّ بن أبي الصلّت " مع أنه كان من خصومه اللدّ، وسمع الناس ينشدون شعره، ولم يكره منه إلا ما كان منه في تحريض قريش بعد وقعة "بدر" على المسلمين ورثائه من قتل منهم.

وقد كان "أبو بكر"، وهو الخليفة الأول، من حفظة الشعر الجاهلي، الراوين له، المتشهدين به. وكان "عمر" من العالمين بذلك الشعر الحافظين له البصرين به. وكذلك كان شأن كثير من الصحابة.لم يذكر أحد أنهم تحرجوا من روايته و انشاده، وانهم تهيبوا منه، إلا ما ذكرته من إحجامهم عن رواية بعض منه، وهو قليل جداً، لأسباب ذكرتها، وقد رووه مع ذلك و دوّنوه. لقد حرم الإسلام أشياء من الجاهلية، واقر أشياء أخرى نص عليها في الكتاب والسنة، ولم يرد أنه حرم أقلام الجاهلية أو الشعر الجاهلي أو النثر الجاهلي أو أي أدب أو علم جاهلي، ولم يصل إلى علمنا أنه أمر بهدم المباني الجاهلية وطمس معالمها، حتى محجات الأصنام بقيت على حالها، خلا الأصنام والأوثان وما يتعلق بها من أمور مما كان من صميم الوثنية أو كانت له علاقة بإِعادتها إلى الذهن مثل التصوير. ولم نسمع أنه أمر بإِتلاف كتابات الجاهلية، أو أنه نهى عن قراءتها والاستفادة منها، أو انه منع استعمال اللهجات الأخرى، التي كان يستعملها الجاهليون، أو إن علماء الإسلام منعوا رواية أخبار الجاهلية، بل الذي نسمعه ونراه إن "ابن عباس" كان يستشهد بالشعر الجاهلي في تفسير القرآن، وبقية الصحابة يروونه ويحفظونه، وان خلفاء بني أمية كانوا يدفعون الهدايا والجوائز لمن يروي لهم الشعر الجاهلي، ونرى أنهم كانوا يقضون لياليهم برواية أخبار الجاهلية وحالتهم فيها،وما وقع لهم في تلك الأيام من نادر وطريف، وقد سجل ما بقي منه في الذهن في كتب الأخبار والأدب، يوم شرع الناس في التدوين.

و أما أنهم كانوا ينظرون إلى "الأخباري" نظرة. سيئة، فيها شيء من ازدراء وعدم التقدير، فما كان ذلك لروايته أخبار الجاهلية واشتغاله بجمع تاريخها والتحدث عنها، وما كانوا يريدون بلفظة "أخباري" راوي أخبار الجاهلية وحدها في أي يوم من أيام التاريخ الإسلامي، وإنما كان ذلك لإغراب الإخباريين في رواية الأخبار ومبالغتهم فيها مبالغة تجافي العقل، وسردهم الإسرائيليات والنصرانيات والشعبيات وغير، ذلك من القصص المدونة في الكتب،وكذب بعضهم كذباً يخالف أبسط قواعد المنطق،وما رُمي "ابن الكلبي" بالكذب أو نظر إليه نظرة ازدراء لكونه من رواة أخبار الجاهلية بل وثق في هذه الناحية وأخذ عنه دون ردّ أو اعتراض، كما يتبين ذلك من اعتماد العلماء عليه في هذا الباب و إشارتهم إليه، وإنما ضعف في. أمور أخرى هي أمور إسلامية لا علاقة لها بالجاهلية ولا صلة لها بها البتة، مدونة في كتب التفسير والحديث. ولو كان الإسلام قد حث على طمس أخبار الجاهلية أو إطفاء ذكر الأصنام والأوثان، لما كان في وسع "ابن الكلبي" ولا غيره التحدث عنها والإشارة اليها، ولما أخذ العلماء عنه ورووا كتبه وتوارثوا كتاب "الأصنام"، بل القرآن نفسه حجة في ردّ هذا الزعم، ففيه ذكر لرؤوس أصنام العرب، وفيه مفصل حياة أهل الجاهلية ومثلهم وما كانوا يقومون به، ولو شراً وباطلاً، وروت كتب التفسير وكتب الحديث والسير والأخبار أوصاف بعض أصنام العرب وهيأتها وشكل محجاتها وأوقات الحج، كما ذكرت ما اقر الإسلام من أمور كانت قائمة في الجاهلية وما حرم منها، ولو كان الإسلام قد تعمد طمس الجاهلية والقضاء على معالمها، لتحرج القرآن وتهرج المسلمون من الإشارة إليها ومن إحياء أسمائها وبعثها في ذاكرة الناشئين في الإسلام.

وقد تحدث "ابن النديم" في كتابه "الفهرست"، في المقالة الثالثة التي خصصها "في أخبار الأخباريين والنسابين وأصحاب الأحداث"، عن "ابن الكلبي" وعن أبيه، كما تحدث عن غيره من مشاهير العلماء من أمثال "عوانة ابن الحكم" و "ابن اسحق" صاحب السرة، و "أبي مخنف" و "الواقدي" و "الهيثم بن عدي" و "أبي البختري" و "المدائني" و "محمد بن حبيب" وغيرهم ممن ألف في أمور وقعا قبل الإسلام في أمور وأحداث إسلامية محضة، وقد ضعف بعضهم، مع أنهم لم يؤلفوا في أمور تخص الجاهلية ولا في أحداث وقعت قبل عام الفيل أو قبل الإسلام. وأطلقت عليهم لفظة "أخباري" أو "وكان اخبارياً"، مع أنهم لم يكتبوا إلا في أخبار قريبة من الإسلام أو في أحداث إسلامية بحتة، فلفظة "أخباري" إذنْ لم تكن قدُ عُلّمت بالشخص الذي تخصص برواية أخبار الجاهلية الواقعة قبل عام الفيل فقط، بل قصد بها هؤلاء وكل من اشتغل برواية الأخبار مهما كانت صفتها وعادتها وطبيعتها، روى تاريخ ما قبل الفيل أو ما بعد الفيل إلى الإسلام، أو أخبار الإسلام.

والأخباري في عرف ذلك اليوم وقبل إن ينتشر التأليف وتتصنف المعارف، هو من يروي الأخبار، تمييزاً له عن الآخرين الذين اشتغلوا بالنسب، فعرف أحدهم ب "النسابة"، وقيل عن أحدهم "أحد النسابين" أو "وكان ناسباً"، أو بالتفسير أو برواية الشعر وما شاكل ذلك من معارف. فهو مؤرخ ذلك الزمن إذن، وهذا نرى لفظة "أخبار" بمعنى تاريخ، ورد في "الفهرست" في أثناء الحديث عن عبيد بن شرية الجرهمي ومعاوية: فسأله "أي معاوية عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم"، وورد عن "ابن دَأب" وكان "عالماً بأخبار العرب وأشعارها" وذكر عن "عوانة بن الحكم" انه كان "راوية للأخبار عالماً بالشعر والنسب". وورد عن "أبي اليقظان النسابة" أنه كان "عالماً بالأخبار والأنساب والمآثر والمثالب". وورد مثل ذلك عن أشخاص آخرين هم في أوائل من اشتغل بالتاريخ عند المسلمين، يخرجنا ذكرهم هنا عن حدود هذا الموضوع. ويظهر من دراسة "الفهرست" لابن النديم والمؤلفات الأخرى إن العرب في صدر الإسلام لم يكونوا يطلقون لفظة "المؤرخ" على من يشتغل بالتاريخ، ذلك لأن التاريخ نفسه في ذلك العهد لم يكن قد تطور وبلغ الشكل الذي بلغه في أواخر أيام الأمويين وفي الدولة العباسية. بل كانوا يطلقون على المؤرخ "الأخباري" كما ذكرت، لاشتغاله بالأخبار كائنة ما كانت أخبار ما قبل الإسلام أو أخبار الإسلام، وكانوا يطلقون على الموضوع نفسه "الأخبار". ولهذا نرى إن أكثرية المشتغلين بها، أطلقوا على كتبهم: "الأخبار المتقدمة" و "أخبار الماضين" و "أخبار النبي" و "أخبار العرب" و "كتاب السر في الأخبار والأحداث" وأمثال ذلك، ولم يقولوا: "تاريخ المتقدمة" أو "تاريخ الماضين" أو "تاريخ العرب" أو "تاريخ الرسول"، ويستعملون لفظة "سير ة" و "السير" في سير الأشخاص، ولا سيما "سير الرسول". و أما لفظة "تاريخ"، فقد استعملت في عنونة بعض الكتب المؤلفة في التاريخ، فقد كان ل "عوانة بن الحكم" المتوفى سنة "147ه" كتاب اسمه "كتاب التاريخ" كما كان له كتاب اسمه "كتاب سيرة معاوية وبني أمية". وكان للهيثم بن عدي المتوفى سنة "207ه" كتاب يدعى "كتاب تاريخ العجم وبني أمية" و "كتاب تاريخ الأشراف"، و "كتاب التاريخ على السنين"، وكانت للمدائني المتوفى سنة "225" للهجرة كتاب عنوانه: "تاريخ أعمار الخلفاء" وآخر اسمه "كتاب تاريخ الخلفاء" وثالث اسمه "أخبار الخلفاء الكبر"، لا أستبعد إن يكون هو هذا الكتاب. إلا إن هذا الإطلاق لم يكن واسعاً كثير الاستعمال، وفي استطاعتنا ذكر هذه الكتب وعدّها، وما دامت الحال على هذا المنوال، فليس من المعقول إطلاق لفظة "مؤرخ" و "المؤرخ" و "تاريخ" بصورة واسعة في هذا العهد، وفي جملة العهد الذي عاش فيه "ابن الكلبي"، ما دام العرف فيه إطلاق لفظة "أخبار" بمعنى "تاريخ"، و إنما طغت لفظة "تاريخ" و "مؤرخ" في الأيام التي تلت هذا العهد، ولا سيما أواخر القرن الثالث للهجرة فما بعده.

هذا من حيث استعمال لفظة "أخباري". و أما من حيث إهمال التاريخ الجاهلي وصلة الإسلام به، فقد ذكرت أنه لا علاقة للحديث المذكور بهم الجاهلية أو بإهمال تاريخها،وإنما الإهمال هو إهمال قديم، يعود إلى زمان طويل قبل الإسلام، فعادة قلع المباني القديمة لاستخدام أنقاضها فيَ مبان جديدة، والاعتداء على الأطلال والآثار والقبور في بحثا عن الذهب والأحجار الكريمًة والأشياء النفيسة الأخرى، هي عادة قديمة جدأَ، ربما رافقت الإنسان منذ يوم وجوده. وهي عادة لا تزال معروفة في كثير من بلدان الشرق الأوسط حتى اليوم، بالرغم من وجود قوانين تحرم هذا الاعتداء وتمنع هذا التطاول. وقد كان من نتائجها تلف كثر من الآثار، وذهاب معالمها، فصارت نسياً منسياً. فتكبدت الآثار الجاهلية من أهل. الجاهلية، أي في الأيام السابقة للإسلام مثل ما تكبدته وتتكبده الآثار الجاهلية والإسلامية معاً في أيام الإسلاميين حتى اليوم.

و أما موضوع إهمال الآثار وعم توجيه عناية الحكومات نحوها، لرعايتها وللمحافظة عليها من التعرض للسقوط والتلف والأضرار ونحو ذلك، فإنه موضوع لم يدرك الناس أهميته إلا أخيراً، ولم تشعر الحكومات بأنه واجب مهم من واجباتها إلا حديثاً، ولذلك لا نستطيع إن نوجه اللوم إلى القدامى لإهمالهم الآثار ولعدم اعتنائهم بالمحافظة عليها. وكان من آثار هذا الجهل بأهمية الآثار إن أزيلت معالم ابنية وقصور،وحطمت تماثيل وكتابات،لغرض استعمالها في البناء، وقد كان على مقربة من "سدوس"، أبنية قديمة يظن أنها من آثار حمير وأبنية التبابعة،وأن من جملتها شاخص كالمنارة، وعليها كتابات.كثيرة منحوتة في الحجر ومنقوشة في جدرانها، فهدمها أهل سدوس، لاختلاف بعض السياح من الإفرنج إليها ملاحظة التداخل معهم. ومثل ذلك.حدث في اليمن وفي مواضع أخرى من أمكنة الآثار.

وقد هدمت قرى ومسن في الجاهلية وفي الإسلام من أجل استعمال أنقاضها في بناء أبنية جديدة. ذكر "الهمداني" حصن "ذي مرمر"، وهو من المواضع الجاهلية المهمة، وكذاك "شبام سخيم" "يسخم"، وبقيا معروفين زمناً طويلاً بعده، ثم جاء أحد الأتراك واسمه "حسن باشا" فهدم حصن "ذي مرمر" لينشئ في أسفله مدينة جديدة، أخذ معظم مواد بنائها من "شبام سخيم". وذكر إن حكومة اليمن قامت بعد سنة "1945 م" ببناء ثكنة لجنودها في المنطقة الشرقية من اليمن في "مأرب" على نمط الثكنة التي بناها الأتراك في صنعاء، فهدموا أبنية جاهلية كانت لا تزال ظاهرة قائمة، واستعملوا الحجارة الضخمة التي كانت مترامية على سطح الأرض، وأزالوا بعض الجدر والأسوار وحيطان البيوت عند بناء تلك الثكنة، فطمسوا بذلك بعض معالم تاريخ اليمن للقديم، وأساءوا بجهلهم هذا إلى قيم الآثار إساءة لا تقدر في نظر عشاق التاريخ والباحثين في تاريخ العرب قبل الإسلام. ويضاف إلى ما تقم عامل آخر، هدَمَ الآثار عليها بالجملة، وأعني به الحروب. وسوف نرى حروباً متوالية اكتسحت جميع مناطق العربية الجنوبية، وأتت على مدنها، إذ استعمل القادة سياسة حرق المدن والمواقع والمزارع، وقتل السكان بالجملة فأدى ذلك إلى اندثار الآثار وتشريد الناس وهربهم إلى البوادي وتحول الأرضين الخصبة إلى أرضين جرد، حتى ضاعت بذلك معالم الحضارة القديمة، فخسرنا من جراء ذلك علماً كثيراً، و أسفاه. وهناك تقصير آخر لا يمكن إن ينسب إلى الإسلاميين، بل يجب عزوه إلى الجاهليين فالظاهر من رجوع الصحابة إلى ذاكرتهم والى ذاكرة الشَّيبة الذين أدركوا الجاهلية في تذكر أيامها وما كانوا عليه قبل الإسلام، ومن جلب "معاوية بن أبي سفيان" المولع بسماع الأخبار ل "عبيد بن شرية" ليقص عليه "الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبليل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد"، ومن رجوع أهل الأخبار إلى الأعراب لأخذ أخبار قبائلهم وأيامهم وأنسابهم وشعرهم وغير ذلك، إن غالبية أهل الجاهلية لم تكن لهم كتب مدونة في تأريخهم، ولم تكن عندهم عادة تدوين الحوادث وتسجيل ما يقع لهم في كتب وسجلات، بل كانوا يتذاكرون أيامهم و أحداثهم وما يقع لهم، ويحفظون المهم من أمورهم مثل الشعر حفظاً. ولما كانت الذاكرة محدودة الطاقة، لا تستطيع إن تحل كل ما تحمل، ضاع الكثير من الأخبار، بتباعد الزمن، وبوفاة شهود الحوادث، ولم يبق بتوالي الأيام غير القليل منها. ومن هنا كان تعليل علماء العربية ضياع أكثر الشعر الجاهلي، فقالوا: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب،وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح واطمأن العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا اقل ذلك، وذهب عنهم كثير". و إذا كان هذا ما وقع للشعر مع مكانته عندهم وسهولة بقائه في الذاكرة بالقياس إلى النثر، وتعصب القبائل لشعر شعرائها، فهل في استطاعتنا استثناء الأخبار، من هذا الذي يحدث للشعر.

بل ما لمنا وللجاهلية، ولنراجع تأريخ الإسلام نفسه، خذ تاريخ آباء الرسول وطفولة الرسول إلى يوم مبعثه، بل هي بعد مبعثه، ثم خذ سير الصحابة وما وقع في صدر الإسلام من أحداث، ترَ إن ما ورد من سيرة آباء الرسول وسيرة الرسول إلى الهجرة، مقتضبا بعض الاقتضاب، وأن ما ذكر هو من الأمور التي نحفظها الذاكرة عادة، وما فيما عدا ذلك مما وقع للرسول، فغير موجود، وترى اقتضاباً مخلاً في سيرة الصحابة،واضطراباً في تواريخ الحوادث، واختلافا بين الصحابة في ذلك. أما سبب ذلك فهو عدم تعود الناس إذ ذاك تسجيل أخبار الحوادث وما يقع لهم، وعدم وجود مسجلين مع السرايا والغزوات والفتوح يكون واجبهم تسجيل أخبارها وتدوين وقائعها، حتى ما سجل من أمر ديوان الجند والأنساب وأمثال ذلك، لم يكن في نسخ عديدة، فضاع أكثره، ولم يصل إلى الأخبارين لذلك يوم شرعوا في التدوين. وإذا كان هذا حال أخبار الإسلام، وهي أمور على جانب خطير من الأهمية بالقياس إلى المسلمين، فهل يعقل بقاء أخبار الجاهلية كاملة إلى زمن شروع الناس في التدوين في الإسلام، وقد ضاعت قبل الإسلام بزمان ? لقد قلت فيما سلف إن الهمداني وغيره ممن عنوا بأخبار اليمن، لم يعرفوا من تاريخ اليمن القديم إلا القليل، ولم يعرفوا من أخبار دول اليمن القديمة شيئاً، ولم يحفظوا من أسماء ملوكها إلا بعض الأسماء، وقد حرف حتى هذا البعض، أما معارفهم من معبودات أهل اليمن القديمة، فصفر، فلسنا نجد في كتبهم إشارة ما إلى عبادة "عشتر" ولا إلى عبادة "أنبى" و "ذات صنّم" و "نكرح" و "سين" و "حوكم" "حكم" و "هوبس" ولا إلى بقبة المعبودات. نعم، أشار "الهمداني" إلى اسم إله من آلهة "همدان" هو "تالب"، وكانت محبته في "ريم" "ريام"، يقصدها الناس في ذلك الزمن للزيارة والتبرك، ولكنه لم يعرف أنه كان إلهاً، بل ظن أنه ملك من ملوك همدان، فدعاه باسم "تالب"، وزعم أنه ابن "شهران". وجعل "المقه"، وهو إلَه سبأ العظيم، المقدم عندهم على جميع الأصنام، اسم بناء من أبنية جن سليمان. وقد بُني على ما زعمه بأمر سليمان. وتحدث عن "رئام" فقال: "أما رئام، فإنه بيت كان متنسك، تنسك عنده ويحج إليه. وهو في راس جبل أقوى من بلد همدان"، ونسبه إلى "رئام بن نهفان بن تبع بن زيد بن عمرو بن همدان". وقد ذكره "ابن اسحاق" و "ابن الكلبي" و "السهيلي" و "ياقوت الحموي" وغيرهم أيضاً وفي كل الذي ذكروه دلالة على إن ما رووه لم يكن عن مصدر مدوّن، وإنما هو رويّ عن أفواه الرجال. وأن تلك الأفواه قد نسيت كثيراً من الأصل، فحاولت سد الثُغر بالقصص المذكور.

بل خذ ما ذكره رجال هم أقسم من "ابن الكلي" ومن "الهمدانِي" في الزمان، وألصق منهما عهداً بالجاهلية مثل "ابن عباس" و "عُبّيدْ بن شَرْيةَ" وغيرهما، ترََ إن ما ذكراه عنها لا يدل على أنهما أخذا أخبارهما من مورد مكتوب ومن كتب كانت موجودة، ولا أعتقد إن "معاوية بن أبي سفيان"، وهو نفسه، من أدرك الجاهلية، كانت به حاجة إلى "عبيد" وأمثال "عبيد" من قوّال الأساطير، وإلى الاستماع إلى أخبارهم، لو كان عنده شخص مدوّن عن أمر الجاهلية، ثم إنه لو كانت عند "ابن عباس" و "عبيد" وطلاب الشعر الجاهلي والأخبار مدوّنات، لما لجأوا إلى الذاكرة والى الرواة والأعراب يلتمسون منهم الأخبار والأشعار وأمور القبائل! إن جهل أهل الأخبار بأصنام أهل اليمن القديمة التي ترد أسماؤها في كتابات المسند، وذكرهم أسماء أصنام جديدة زعموا أنها كانت معبودة، عند أهل اليمن لم يرد لها ذكر في كتابات المسند، أشار "ابن الكلبي" وغيره إلى بعضها، و إشاراتهم إلى دخول اليهودية والنصرانية إلى اليمن، والى تهود "تبعّ" وهو في "يثرب" في طريقه إلى اليمن، وأخذه حبرين من أحبار يهود معه، وأمره بتهدم معبد "رئام"، بناء على إشارة الحبرين، ثم ظهور جمل و ألفاظ في كتابات المسند تدل على التوحيد وعلى وقوع تغير وتطور في ديانات أهل اليمن، مثل عبادة "الرحمن" وعبادة "ذو سموي"، أي "ذو السماء" أو "صاحب السماء": إن كل هذه الأمور وأمثالها، هي دلائل على حدوث تغير وتطور في عقليات أهل اليمن، أثرت في معتقداتهم فجعلتهم ينسون آلهتهم القديمة،بل يتنكرون لها، ويبتعدون بذلك عن ثقافتهم الوثنية القديمة، ومثل هذا التطور والتغير لا بد إن يؤدي طبعاً إلى نسيان الماضي والى الالتهاء عنه بالتطور الجديد. وقد وقع هذا قبل الإسلام بزمان.

كان لدخول اليهودية والنصرانية في اليمن وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب، دخَلٌ من غير شك في إعراض القوم عن ديانتهم الوثنية وعن ثقافتهم وآدابهم. أما اليهود فقد سعوا بعد دخولهم في اليمن لتهويد ملوك اليمن و أقيالها ونشر اليهودية فيها للهيمنة على هذه الأرضين، وأخذوا ينشرون قواعد دينهم وأمور شريعتهم بينهم، ويشيعون قصص التوراة، وأعاجيب سليمان وجن سليمان، وتمكنوا من إقناع بعض سكان اليمن بالتهود، على نحو ما سنراه فيما بعد. ووجدت النصرانية سبيلها إلى اليمن كذلك من البحر والبر، وسعت كاليهودية لتثبيت أقدامها هناك وفي سائر أنحاء جزيرة العرب، ووجدت من سمع دعوتها هنا وهناك، فتنصرت قبائل، وشايعتها بعض المقاطعات والمدن، وتعرضت الوثنية للنقد من رجال الديانتين،واقتبس من دخل في اليهودية الثقافة اليهودية،ومن دخل في النصرانية الثقافة النصرانية، واعرض عن ثقافته القديمة، وفي جملتها الخط المسند، خط الوثنية والوثنين، وصار عدد قرائه يتضاءل بمرور الأيام. ومن يدري? فلعل رجال الدين الجدد، صاروا يعلّمون الناس الكتابة بقلمهم الذي كانوا يكتبون به، وهو قلم أسهل في الكتابة من المسند، وخاصة على الورق والجلود والقراطيس. وقد يكون هذا سبباً من جملة أسباب تضاؤل عدد الكتابات المدونة في المسند، في حقبة سأتحدث عنها فيما بعد.

وآية ذلك عثور المنقبين والسياح في مواضع من نجد وفي العروض، وهي مواضع بعيدة عن اليمن، على كتابات سبئية يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل الميلاد وتاريخ بعضها إلى ما بعده، ثم اختفاء آثار كتابات المسند من هذه المواضع في العهود المتأخرة من الجاهلية القريبة من الإسلام، مما يبعث على الظن إن أهل الجزيرة كانوا قد استبدلوا بذلك القلم قبيل الإسلام قلماً جديدا مشتقاً من الأقلام الإرمية الشمالية، وذلك بانتشاره بينهم على أيدي المبشرين وبالاتجار مع عرب العراق، ولا سيما سكان الحيرة والأنبار، وهو القلم الذي كان يكتب به أهل مكة وأهل يثرب عند ظهور الإسلام. وبذلك شارك هذا القلم الجديد في موت القلم المسند واختفائه من هذه المواضع،وبموته انقطعت صلات القوم بالثقافة العربية الجنوبية، ثقافة القلم المسند. ولا أستبعد إن يكون من بين رجال الدين من الديانتين أناس كانوا على قدر العلم والفهم بأمور التوراة والإنجيل وبالقصص الإسرائيلي والنصراني وعلى شيء من الإلمام بالتاريخ. فقد كان من،بينهم أناس هم من أصل رومي أو سرياني أو عبراني، فليس من المستبعد إن يكون لهم حظ من العلم بالأمور المذكورة أخذوه من كتبهم المكتوبة بلغاتهم ومن دراساتهم لأمور الدين. ومثل هؤلاء لا بد إن يستشهدوا في مواعظهم في "مدراثهم" أو "كنائسهم" في الأماكن التي نزلوا بها من جزيرة العرب، بشيء من قصص التوراة والكتب اليهودية والأناجيل. ودليل ذلك إن معظم القصص الواردة عن الرسل والأنبياء وعن انتشار اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب، مصدره أناس من أهل الكتاب، هم من أهل يثرب، أي من يهود المدينة، ومن أهل اليمن، وهو قصص على دلالته على جهل فاضح بأمور اليهودية أو النصرانية، يدل عموما على أنه أخذ من أصل يرجع إلى أهل الكتاب، وقد غُطيّ بقصص وأساطير ساذجة. وهو على بساطته وسذاتجه يصلح إن صحت نسبته إلى من نسب إليهم، إن يكون موضوعاً لدراسة مهمة، هي دراسة مقدار علم يهود جزيرة العرب ونصاراها في الجاهلية بأمور دينهم ومقدار جهلهم بأحكام اليهودية أو النصرانية في تلك الأرضين. ونحن لا نجد في بقية جزيرة العرب تويناً للتاريخ، لعدم وجود حكومات منظمة كبيرة فيها، ولسيادة النظام القبلي في أكثر أنحائها، وإنما نجد فيها رواة يروون أخبار قبيلتهم وأمورها وعلاقاتها بالقبائل الأخرى،وحوادثها وأيامها، ورواة تخصصوا برواية الأنساب، لما للنسب من أهمية في المجتمع القبلي، ونجد جماعات تحفظ الشعر وما شاكل ذلك من أمور تخص القبيلة والنظام القبلي، وكل ذلك رواية، أي مشافهة، لا كتابة. ومثل هذا النوع من التوريخ الشفوي معرض كما قلت سابقاً لآفات عديدة، أهمها تحكم العواطف القبلية على الرواة وتعرض الخبر للنسيان كلما تقدم العهد به في الذاكرة، وكلما ابتعد به الزمن، إذ تقل حماسة الناس له،ويضعف تأثيره في العواطف، وتفتر عندئذ همم الرواة عن حفظه وبذلك يتعرض للموت والاندثار، ومن هنا اندثرت وضاعت أخبار الجاهلية البعيدة عن الإسلام. أما الجاهلية القريبة من الإسلام، فقد بقي منها ما يشبه ذكريات الطفولة، خلا الأمور التي عاصرت ظهوره، فقد أدركها الصحابة، فكان في إمكانهم تذكرها وروايتها، وانتقلت منهم إلى من جاء بعدهم حتى وصلت إلى المدونين.

ما ذكرته هو أهم أسباب إهمال التاريخ الجاهلي، فجاء ذلك التاريخ لذلك ناقصاً حتى على نحو ما نقرأه في المؤلفات العربية القديمة. أما تدوينه مجدداً، و إعادة كتابته وتنظيمه وتنسيقه وسد الفجوات الواسعة فيه، فقد تم على هذا النحو:

تدوين التاريخ الجاهلي

للمستشرقين مجهود يقدر في تدوين التاريخ الجاهلي وفي كتابته بأسلوب حديث، يعتمد على المقابلات والمطابقات ونقد الروايات والاستفادة من الموارد العربية والأعجمية. وقد أفادوا مما جاء عن العرب في التوراة وفي التلمود وفي الكتب اليهودية، كما أفادوا مما جاء عن جزيرة العرب وسكانها في الكتابات الاشورية والبايلية ومن الموارد "الكلاسيكية" والمؤلفات النصرانية سريانية ويونانية ولاتينية، فأضافوا كل ما تمكنوا الحصول عليه في هذا الباب إلى ما ورد في الموارد الإسلامية عن الجاهليين، فصححوا وقوّموا، وسدّوا بهذه المواد بعض الثلم في التاريخ الجاهلي. وعملهم في بعث الكتابات الجاهلية ونشرها، مشكور مقدر، فقد أعادوا إلى الخط الذي كتبت به الحياة، وجعلوه مقروءاً معروفاً، وترجموا كثيراً من هذه النصوص إلى لغاتهم، وهي وثائق من الدرجة الأولى، وعملوا على نشر النصوص بالمسند وبالحروف اللاتينية أو العبرانية أو العربية في بعض الأحيان، وعلى استخلاص ما جاء فيها من أمور متنوعة عن التاريخ العربي قبل الإسلام. وقد أمكننا بفضل هذا المجهود المضني الحصول على أخبار دول وأقوام عربية لم يرد لها ذكر في الموارد الإسلامية،لأن أخبار تلك الدول و أولئك.الأقوام كانت قد انقطعت وطمست قبل الإسلام، فلم تبلغ آهل الأخبار.

وقد ساعدهم في شرح الكتابات الجاهلية وتفسيرها علم بلغات عديدة، مثل اللغة العبرانية والسريانية والبابلية، فإن في هذه اللغات ألفاظاً ترد في تلك الكتابات بحكم تقاربها واشتراكها في هذه الثقافة المتقاربة التي نسميها "الرابطة السامية"، كما إن فيها أفكاراً وآراء ترد عد المتكلمين بهذه اللغات، ولهذا صار في الإمكان فهم ما ورد في الكتابات الجاهلية بالاستعانة بتلك الأفكار والآراء.

وقد كان للسياح الذين جابوا مواضع متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما المنطقة الغربية والجنوبية منها، فضل كبير في بعث الحياة في الكتابات الجاهلية. فقد اخذ أولئك السياح بعض كتابات، كما أخذوا صور بعض آخر، وبفضل تعاونهم مع العلماء المبحرين باللغات الشرقية أمكن حل رموزها وبعث الحياة فيها بعد موت طويل. وقد كانت أسفار أولئك السياح مغامرات ومجازفات،إذ تعرضت حياة أكثرهم للخطر، بسبب عدم استقرار الأمن إذ ذاك، وبسبب سوء الأوضاع الصحية، ولعدم وجود أماكن مريحة، تناسب حياتهم التي تعوّدوها، إلا أنهم لم يبالوا ذلك ولم يحفلوا به، وتحايلوا بمختلف الحيل للتغلب على تلك الصعوبات ولكسب ودّ رؤساء القبائل والحكام لتسهيل مهمتهم.وقد قضى نفر منهم نحبه في أسفاره هذه. وقد كانت اكثر أسفار هؤلاء الروّاد أسفاراً فردية قام بها أفراد من العلماء ومن الضباط والمغامرين. والأسفار الفردية، مهما كانت، لا تأتي بالنتائج التي تنجم عن دراسات البعثات المتخصصة بمختلف الشؤون، لذلك نتطلع إلى اليوم الذي تتمكن فيه البعثات العلمية الكبيرة من اختراق آفاق بلاد العرب،وتقديم نتائج بحوثها إلى العلماء لتدوين تاريخ مرتب لجزيرة العرب قبل الإسلام، ولا سيما إلى البعثات العلمية العصرية التي تتألف من متخصصين من الناطقين بلغة هذه البلاد، لأن هؤلاء أقدر من غيرهم على فهم اللهجات القديمة ومحتوياتها وروح ذلك التاريخ.

ونستطيع إن نعدّ السائح الدانماركي "كارستن نيبور Carsten Niebuhr الذي قام في سنة 1761 للميلاد برحلة إلى جزيرة العرب، أول رائد من روّاد الغرب ظهر في القرون الحديثة، وصف بلاد العرب، ولفت أنظار العلماء إلى المسند والرقم العربية. وقد أثارت رحلته هذه همم العلماء والسياح، فرحل من بعده عدد منهم لا يتسع المقام لذكرهم جميعاً رحلات إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب عادت على التاريخ العربي بفوائد جزيلة. فزار الدكتور "سيتزن" Dr. Seetezen جنوبي بلاد العرب، ويمكن من نقشر صور نصوص عربية جنوبية أرسلها إلى أوروبة عام 1810 م ومنه النصوص على قصرها وغلطها، أفادت في تدوين تاريخ العرب قبل الإسلام إفادة غير مباشرة لأنها لفتت أنظار المستشرقين إليها والى دراسة التاريخ العربي القديم، حتى آل الأمر إلى حل رموز تلك الكتابة ومعرفة حروفها. وتمكن الرحالة السويسري "ليدويلك بركهارد" Johann Ludwig Burckhard من القيام برحلة إلى الحجاز، فتزيا بزي مسلم اسمه "إبراهيم بن عبد الله" يريد الحج وزيارة مسجد الرسول وقبره. وقد صحب الحجاج في حجهم، ووصف موسم الحج وصفاً دقيقاً، وكتب عن مكة والمدينة كتابة علمية. وقد زار آثار الأنباط وعاصمتهم "البتراء".

وتمكن ضابط إنكليزي يدعى James R. Wellsted من زيارة الأنحاء الجنوبية من جزيرة العرب، ومن الظفر بصور نصوص عربية قديمة قصيرة، ومن استنساخ كتابة حصن "غراب" التي يرجع تاريخها إلى سنة "640" من تاريخ أهل اليمن، وتوافق سنة 525 للميلاد. وبفضل هذا الضابط عرف المستشرقون هذا النص. وأضاف الرحالة "هوتن" T.G Hutton عددا آخر من الكتابات الجاهلية سنة 1835 إلى ما كان قد عرف سابقاً. وجاء "كروتنون" C ruthenden سنة 1838 م بنقوش أخرى جديدة. وكذلك "الدكتور مكل" Dr. Mackell الذي عاد بخمسة نصوص سبئية، فتوسعت بذلك دوائر البحث قليلاً، وتمكن العلماء بفضل هذه النقوش من حل رموز المسند. وقد قام الصيدلي الفرنسي "توماس يوسف أرنو" " "Thomas Joseph Arnaud" برحلة إلى اليمن، كانت موفقة جداَ، إذ تمكن بفضل علمه بالعقاقير، من اكتساب صداقة المشايخ والزعماء. وبهذه الصداقة استطاع إن يتجول في بعض أنحاء اليمن ومدنها، ولم يكن ذلك أمراً ميسوراً للغرباء، فزار الجوف و وقف على خرائب "مأرب"، ومكث في مدينة "صنعاء"، أمداً، وزار "صرواح" المدينة الأثرية القديمة، واستنسخ ستة وخمسين نصاً كتابياً قديماً.

وكتب التوفيق لسائح أوروبي آخر، هو الضابط الإنكليزي "Coghlan"، فحصل في سنة 1860 م على عشرين لوحاً برنزياً سليماً عز عليها في أنقاض مدينة "عمران". وقد أرشدت هذه الألواح المعدنية المستشرقين إلى ناحية مهمة من نواحي الفن العربي القديم. وتوصل العلماء، بعد جهود، إلى حل رموز هذه الكتابة العربية، فعرفوا منها - وكان أغلبها قصيراً - إنها تبحث في موضوعات متشابهة، وأنها مؤلفة من حروف أطلقوا عليها اسم "الكتابة الحميرية" أو "الحروف الحميرية". وكان الرأي السائد بادئ بدء إنها كذلك، حتى تبين لهم إن هذه النصوص والنصوص التي جيء بها أخيرا لم تكن جميعها نصوصاً حميرية، بل كان بعضها من النصوص المعين به، وبعضها كتابات سبئية ترجع إلى عهد دولة سباً، وبعضها بلهجات أخرى، نختلف عن الحميرية بعض الاختلاف. وهذه الكتابة،هي الكتابة المسماة ب "خط المسند" و ب "القلم المسند" و ب "المسند" في الموارد العربية.

عالج بعض العلماء،ممن أولعوا بدراسة النقوش، تلك النصوص، وأعملوا رأيهم فيها حتى تمكن بعضهم من التوصل إلى حلّ رموز بعضها، مثل العابر "وليم كسنيوس" "Wilhelm Gisenuis" و العالم "رودكر" "E. Rodiger" والعالم "هاينرش ايوالد" "Heinrich Ewald" والعالم "فريسنل" "F. Fresenal" الذي نشر النصوص التي جاء بها، وعددها خمسة وخمسون نصاً بحروف عربية وحميرية، في الجريدة الآسيوية "Journal Asiarique" سنة1845 م، إلا إن نشره لم يكن متقناً اتقاناً تاماً .وجاء القسيس "أرنست أوسيندر" "Ernest Osiander" فأتم ما كان قد بدئ به. ولم يتمكن العلماء الذين عالجوا مشكلة الكتابة العربية الجنوبية من معرفة الحروف كلها، ولذلك لم يستطيعوا قراءة أكثر النصوص التي جيء بها إلى أوروبة وفهم معناها، كما إن النصوص المقروءة لم تكن مضبوطة ضبطاً تاماً، فاستطاع هذا العالم بجهوده العظيمة قراءة كل النصوص التي جاء بها السياح والعلماء، وتعيين أشكال الحروف، ووضع أسس متينة لدراسة عرفت بعد ذلك باسم "الدراسة العربية الجنوبية" وقد استعان العلماء على فهم هذه الكتابات بالدراسات اللغوية السامية مثل العبرانية، وباللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وباللهجات اليمانية و بالمعلومات الجغرافية المدّونة في الكتب العربية، وبأسماء الملوك والأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المؤلفات العربية. وترسم المستشرق "ليفي" "M. A. Levy" أثر "اوسيندر" وتتبع أسلوبه في البحث، وحاول استخراج مادة تاريخية من هذه النصوص التي ترجمت وعرفت. وقد يمكن من نشر ما تركه "أسين در" من نصوص عاجلته المنية قبل إن يوفق لإخراجها إلى الناس، فتمكن "ليفي" من تنسيقها وتهذيبها، وطبعها وعرضها على العلماء.

وفاق "يوسف هاليفي" "Joseph Halevy"، وهو يهودي فرنسي، كل من تقدمه بكثرة ما جاء به إلى أوروبة من نقوش، وبسعة علمه في تاريخ اليمن، وبدراسة الكتابات العربية الجنوبية. دخل هذا الفرنسي اليمن في هيئة يهودي متسول من أهل القدس، ليتجنب بذلك ما يتعرض له الغرباء وأهل البلاد المسلمون على السواء من أخطار رجال القبائل وقطّاع الطرق الذين لا يمسّون أهل الذمة بسوء. وقد استطاع، بهذه الطريقة، التطواف في أرجاء اليمن، حتى بلغ أعاليها مثل "نجران"، وأعالي الجوف وهي المنطقة التي كان فيها "المعينيون". ووصل في تطوافه إلى حدود "مأرب" عاصمة سباً والى "صرواح"، وهو بهذا أول أوروبي زار "نجران". ولما عاد إلى أوروبة، أحضر معه "686" نقشاً جمعها من مواضع مختلفة من اليمن. وفي سنة 1872 - 1874 م نشر هذا العالم في الجريدة الآسيوية "Journal Asiarique" ما كتبه في وصف رحلته إلى بلاد اليمن، وقد ضمن كتاباته وصفاً للاماكن التي حل بها والطرق التي اجتازها، وترجمة ل "686" نصاً، وهي النصوص التي كان قد جاء بها أو استنسخها من أصولها، ونشر بحثاً علمياً وانتقاداً قيّماً للأبحاث اللغوية والتراجم والنصوص التي سبق إن نشرها العلماء من قبله. وكان ممن ذهب إلى اليمن شاب نمساوي اسمه "سيكفريد لنكر" "Siegfrid Langer"، وقد استطاع تصوير بعض النقوش واستنساخ قسم من الكتابات في عام 1882 م. غير إن القدر عاجله إذ قتل هناك، ففقد البحث في تاريخ اليمن بوفاته عضواً نشيطاً. غير إن نمساوياً آخر عوض عن خسارة ذلك الشاب، وهو العالم "ادورد كلاسر" "Eduard Glaser". وقد قام بأربع رحلات إلى اليمن، ورجع بعدد كبير من النصوص والنقوش وبمادة غزيرة من المعلومات.

بدأ الرحلة الأولى "في اكتوبر من سنة 1882م"، وختمها في شهر آذار "مارس" من سنة 1884 م، وكانت الحالة السياسية في ذلك الزمن مضطربة، والأوضاع غير مساعدة، والفوضى عامة في بلاد اليمن، ولم يكن للحكومة على القبائل من سلطان. ومع ذلك تمكن من الحصول على "255" نقشاً رجع بها إلى أوروبة. أما الرحلة الثانية، فكانت في نيسان سنة 1885 م ودامت حتى فبراير سنة 1886، وقد زار في أثنائها المناطق الجنوبية الشرقية والمنطقة الجنوبية الممتدة من جنوب "صنعاء" حتى مدينة "عدن". وقد تمكن من جمع معلومات مهمة عن طبغرافية البلاد و أماكنها الاثرية، و عاد بنصوص معينة مهمة دخلت في ممتلكات المتحف البريطاني. وقام بالرحلة الثالثة في سنة 1887م، و مكث في اليمن إلى سنة 1888م، و كانت رحلته هذه جدا، إذ حصل على اثار و نقوش كتابية كانت على جانب عظيم من الأهمية، منها اربعمئة نص أخذها من مدينة "مأرب" عاصمة "سبأ"، و من هذه النصوص نصان عن تصدع سدّ مأرب يبرجع عهدهماالى زمن قريب من ميلاد الرسول، و نصوص أخرى من مدينة "صرواح" يرجع عهدها إلى العصر السبئي، و هي ذات أهمية كبيرة في تدوين تأريخ بلاد العرب الجنوبية.

وكانت رحلته الرابعة، وهي الأخيرة، في سنة 1892م، و كانت موفقة جداً كذلك. اق يع فيها أسلوبا جديداً في الحصول على صور النصوص، إذ استعان بالأعراب الذين فرقهم في مختلف الجهات التي لم يسبقه أحد من الأوروبيين إلى زيارتها،بعد إن علمهم مختلف الطرق في الحصول على تلك النصوص بطريق الورق الذي يتأثر بالضوء وبطريقة القوالب الجبسية وبطرق أخرى. وقد تمكن بهذا الأسلوب الجديد من الظفر بصور مضبوطة بعض الضبط للكتابات القديمة التي لم يكن بوسعه الذهاب إلى أماكنها واستنساخها بنفسه،وبها أيضا تمكن من تصحيح أغلاط الصور التي أخذها "هاليفي" عن النقوش الأصلية، ومن الحصول على، زهاء مئة نص قتباني أخذها من منطقة خرائب "مأرب".وفي متحف "فينا" قسم من الأحجار المكتوبة التي كان هذا العالم قد جلبها معه في المرة الأخيرة إلى أوروبا.

وقد زار المستشرق "جورج أغسطس والين George Augustus Wallin" سنة 1845 م نجداً ودوّن رحلته إليها. وزار الحجاز المستشرق الهولندي الشهير "سنوك هرغونيه Snouk Hurgtonje"، فكتب في أحوال مكة ووصف الحياة في الحجاز وموسم الحج. وكان قد ذهب إليه سنة 1885 -1886 م وهو من العلماء المدققين. وقد زار الحجاز "السير ريشارد برتن" "Sir Richard Burton" متنكراً بزي مسلم سمّى نفسه "عبد الله" زار الحرمين وكتب وصف رحلته هذه.

وتوغلت "حنة بلنت" "Anne Blunet" سنة 1879م في شمال بلاد العرب حتى بلغت أرض نجد، و كانت مولعة بدراسة أحوال الخيول العربية. واخرق الرحالة الإنكليزي "تشارلس دوتي" "Charils M. Doughty" الصحارى العربية وشمال بلاد العرب، ووضع كتاباً مهماً وصف فيه أسفاره في بلاد العرب الصحراوية. وقد اهتم خاصة بدراسة النواحي "الجيولوجية" والجغرافية للبلاد العربية، ودوّن ملاحظته عن الظواهر الجوّية وتغيرات الجو ولم يغفل عن دراسة طبائع البدو وحياتهم الاجتماعية وطرق تفكيرهم وعقائدهم. وقد طبع كتابه، في سنة 1888، وترجم إلى بعض اللغات الأوروبية لأهميته.

ويعد هذا الرحالة من المتعصبين على الإسلام، وقد يكون لهذا التعصب سبب، فقد لاقى من الأعراب وأهل المتن شيئا كثيراً أثر في نفسه، فصار يتحامل على المسلمين ويقسو في حكمه على الرسول، إلا أنه لم يتمكن مع ذلك من الغض من قيمة المبادئ الأخلاقية التي يتحلى بها. ومما لاحظه على البدو، عدم اهتمامهم بعبادتهم كالصلوات الخمس والصوم، كما لاحظ من جهة أخرى إن الخوف من وجود إِلَه يكاد يكون أعمق آثرا في نفوس هؤلاء من الحضر. ولا حظ أيضاً إن جذور الوثنية القديمة لا تزال راسخة حتى الآن في نفوس الأعراب وأكثر سكان القرى والمدن، وقد اظهر هذا الرحالة ميلاً عظيماً لدراسة حياة البدو وطرق معيشتهم، وهو يتشوق إلى الصحراء ويحن إليها حنين البدو، ويتجلى ذلك العطف في رحلته التي تعد من روائع الأدب الإنكليزي. ورحل "ثيودور بنت "Theodor Benet" وزوجته إلى البحرين وجنوب الجزيرة العربية فزارا الأماكن الأثرية، وتحدثا عن بعض الخرائب الجاهلية والكتابات. وكانت زيارتهما للبحرين سنة 1889 م. أما زيارتهما لمسقط و عمان و حضرموت، فكانت في هذه السنة ثم سنين بعدها.

و تزيا الرحالة الالماني "هايرنش فون مالتزن" "Heinrich von Malzen" بزي حاج مغربي، وكان قد زار المغرب و تعلم لهجة سكانه، و ذهب إلى الحجاز و تظاهر انه منهم، و بعد عودته من الحج وضع رحلته. ومن الجوابين العلماء "يوليوس أويتنك Julius Euting"، وقد اهتم خاصة بدراسة أحوال البدو، وكتب في الوهابين والحركة الوهابية. ومنهم الرحالة الجيكوسلوفاكي الأصل "ألويس موسل" "Alois Musil"، زار "العربية الحجرية" وكتب عدة كتب في وصف شمال الحجاز وبادية الشام ومنطقة الفرات الأوسط وتدمر وفي، ووضع في نهاية كل كتاب من في فصولاَ علمية قيمة فيها تحقيق تاريخي جليل. وثمة جوابون آخرون لا بد من ذكرهم مثل "جوسن" "Antonine Jaussen" و "برونوف" "R.E. Brunnow" و "تشارلس هوبر" "Charles Huber"5و "وبرترام توماس" الشاب الإنكليزي المستشرق الذي استطاع في شباط سنة 1929 م إن يخترق لأول مرة "الربع الخالي" فكشف بذلك بقعة من أكبر البقاع المجهولة في بلاد العرب. ويضارعه في مخاطراته هذه "فلبي" الذي أسلم فأطلق على نفسه "الحاج عبد الله فلبي". وقد ألّف هذا الإنجليزي المستعرب عدة كتب بالإنكليزية وصف فيها أسفاره في بلاد العرب، وقد تهيأ له من الفرص ما لم يتهيأ لأوروبي آخر، إذ كان من الملازمين للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود والمقربين إليه. وقد مكث الرحالة الألماني "راتجن" "C.. Rathjens" بضع سنين في اليمن وكتب عنها، وجلب معه عدة كتابات يمانية قديمة إلى ألمانيا وضعت في "متحف الشعوب" في مدينة "هامبرغ".

وقامت بعثة أمريكية عرفت ب "المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان" "The American Foundation for Study of Man " برئاسة وندل فيلبس" "Wendell Phillips"، وضمت بعض العلماء الواقفين على تاريخ اليمن القدم مثل "البرايت" "Dr. W. F. Albright" أستاذ الآثار في جامعة "جون هوبكنس" بالولايات المتحدة، وآخرين في مختلف الموضوعات وذلك ما بين سنتي 1950 - 1952 م بأعمال الحفر في منطقة "عدن" واليمن. وبالرغم من النهاية المحزنة التي انتهت أعمال البعثة إليها، فقد تمكنت من الحصول على نتائج حسنة جديدة لم تكن معروفة عن تاريخ مملكة قتبان وسبأ، وعادت ببعض الآثار. وكانت في جملة ما درسته هذه البعثة نظم الري في مملكة "قتبان". ودراسة موضع "هجر بن حميد"، حيث عثرت على فخار ومواد أخرى يعود عهدها، كما يرى خبراء البعثة إلى ألفي سنة. ودراسة أخرى لمدينة "تمنه" عاصمة "قتبان" ولمعبدها الشهير ولبقايا مقبرتها، وعثرت على كتابات جديدة، وقدّرت سقوط تلك العاصمة وخرابها بسنة "25" قبل الميلاد. وقامت هذه البعثة في سنة "1952 " و "1953" للميلاد بأعمال الحفر في "ظفار" بعمان. ثم عادت فنقبت في هذه المنطقة في ابتداء سنة "1960"م، حيث كشفت عن بعض الخفايا من تاريخ هذه المنطقة التابعة لسلطنة عمان. وقامت في سنة "1962"م بعثة أمريكة من المستشرقين الأميركيان، لا علاقة لها بالبعثة المتقدمة بزيارة مواضع من المملكة العربية السعودية، فزارت "سكاكة" "سككه" والجوف وتيماء ومدائن صالح والعلا وتبوك، وظفرت بنماذج من فخار قديم، ونقلت صوراً لكتابات ثمودية ونبطية، أهمها الكتابات التي وجدها في قمة "جبل غنيم" الذي يقع على مسافة ثمانية أميال من جنوب "تيماء".

وهي، كما تقول البعثة، من أقدم الكتابات التي عثر عليها حتى ألان في العربية الشمالية. وكان "فلبي" قد استنسخها بيده، وتبين بعد مقارنة ما استنسخه فلبي بالصور "الفوتوغرافية" التي أخذنها البعثة إن في نقل "فلبي" أوهاماً عديدة. وفي جملة ما عثرت عليه البعثة صور نحتت على أحجار تمثل آلهة عربية قديمة. وهناك طائفة أخرى من المستشرقين خدمت التاريخ العربي قبل الإسلام خدمة جليلة مهمة، هي طائفة أساتذة الجامعات وأصحاب التتبع والبحوث، استفادت من بحوث السياح ومن الموارد المذكورة التي تحدثت عنها عن مصادر التاريخ الجاهلي، ثم غربلتها ونقدتها وألفت منها مادة جديدة لتاريخ الجاهلية، ومن هؤلاء المستشرق: "بركر" "Berger" مؤلف كتاب "جزيرة العرب قبل محمد في الآثار" "L'Arabie Avant Mahoet d'apers les Inscription"، والمستشرق "كوسان دي برسفال" العلامة الفرنسي صاحب كتاب "تاريخ العرب قبل الإسلام" "Essai sur l'Historia des Arabes Avant l'Islamisme" وهو من الكتب المفيدة. وقد جاء صاحبه بنتائج مهمة وبآراء صائبة في بعض الموضوعات، غير إن الكتاب أصبح قديماً، وفيه نواقص كثيرة، وهو لا يتفق اليوم مع أساليب البحث الحديثة. وقد اعتمد مؤلفه على المصادر العربية ولاسيما كتاب "الأغاني" وعلى مصادر أخرى كانت معروفة في ذلك الوقت، غير أنه لم يتمكن من الوصول إلى مصادر كثيرة أخرى مهمة، لأنها لم تكن في متناول يده في ذلك العهد. وللمستشرق الإيطالي "كيتاني" "L. Ceatani" بحث جيد في تاريخ العرب قبل الإسلام، جعله مقدمة لتاريخ الإسلام. وهو على جهده في محاولة التعمق في فهم تاريخ الجاهلية والإسلام، لا يخلو من هفوات ومن تغلب العاطفة عليه، ولا سيما في القسم الخاص بتاريخ الإسلام.

وممن كتب في حياة العرب قبل الإسلام المستشرق "أوليري Delacy O'Leary"، صاحب كتاب "البلاد العربية قبل محمد". وقد تحدث فيه عن صلات العرب بالمصريين فالآشوريين إلى زمن ظهور الإسلام، وهو لا يخلو أيضاً من هفوات. وقد صار قديما. والمستشرق "تشارلس فورستر" "Charles Forster"، وله كتاب مفيد "وان أصبح قديماَ جداً" في تاريخ بلاد العرب القديمة وجغرافيتها ويستند في أكثر أبحاثه كأغلب معاصريه إلى نظريات التوراة. وقد كتب المستشرق الألماني "أوتو ويبر" "Otto Weber" رسالة صغيرة في حالة العرب قبل الإسلام. - وقد كتب المستشرقون الذين عنوا بالسيرة النبوية وبالتاريخ الإسلامي عامة فصولاً تمهيدية في حالة العرب قبل الإسلام، تعرضوا فيها لمختلف النواحي التاريخية، وهي مفيدة للاطلاع على أحوال الجاهلية. وهناك من كتب في موضوع خاص من التاريخ الجاهلي كالمستشرق "رينه دوسو"، فقد وضع كتاباً في "العرب في الشام قبل الإسلام". والمستشرق الألماني "ثيودور نولدكه"، وله كتاب في "تاريخ الفرس والعرب في عهد الساسانيين"، وكتاب آخر في "أمراء غسان". وللمستشرق "روتشتاين" "Rothstein" كتاب "تاريخ أسرة اللخميين في الحيرة"، وهو من الكتب المهمة التي جمعت شيئاً كثيراً من أخبار هذه الأسرة. وقد استعان مؤلفه بالمصادر العربية والسريانية واليونانية، ولا يخلو على كل حال من الضعف في بعض مواضعه.

ويضاف إلى كل ذلك ما كتبه بعض المستشرقين في الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام، وأهمها كتاب "بركمن" "Bergmann" في اديان العرب في الجاهلية، و الفصل الذي كتبه المستشرق "أرنست أسيندر" "Ernust Osiander" في ديانة العرب قبل الإسلام، في مجلة الجمعية الآسيوية الألمانية. وقد بحث هذا المستشرق في ديانة العرب قبل الإسلام بحثا عميقاً، وهو أول مستشرق درس هذا الموضوع بعد "بوكوك" "Pococke" الذي كان اقدم من درس الوثنية عند العرب دراسة تفصيلية مستقلة في كتابه المطبوع سنة 1649 للميلاد. وقد تطرق "أسيندر" لعبادة.النجوم عند العرب وعبادة الأصنام والأماكن المقدسة في جنوبي بلاد العرب وعبادة الأصنام في الحجاز ونجد، وتوصل إلى إن العرب عبدوا النجوم في بادئ الأمر، ثم تطورت الفكرة الدينية عندهم، وبالرغم من ذلك ظلت عقدة عبادة النجوم راسخة في أدمغتهم.

وجاء المستشرق "لودولف كريل" "Ludolf Krehl"، فأحيا هذه الدراسة مرة ثانية بكتابه "بحث عن ديانة العرب قبل الإسلام"، وطرق موضوعات لم يتمكن من سبقه من البحث فيها. وقد ذهب إلى إن للعرب القدماء كانوا من الموحدين في الأصل. غير أنهم تركوا التوحيد بعدئذ، وعمدوا إلى عبادة النجوم والأصنام فالأحجار والأشجار، وبذلك انحطت الحالة الدينية عندهم، وفي القرن السادس تأثروا. بالديانة اليهودية والنصرانية في الأماكن التي حدث فيها اتصال بهاتين الديانتين. وأهم ما ألف في الوثنية عند العرب قبل الإسلام، كتاب المستشرق الألماني "ولهوزن" الذي سماه: "بقايا الوثنية العربية". وقد بحث في نواح مختلفة من نواحي الحياة الدينية عند عرب الجاهلية وفي الأصنام، فجمع ما لم يتمكن من جمعه في هذا الباب أحد من المستشرقين قبله، واتبع أسلوب المقابلة والنقد في البحث.

هذا ولا بد من الإشارة إلى مجهود عدد من العلماء تخصصوا بالعربيات وعالجوا نواحي عديدة من دراسات الجاهلية، ومنهم "فرتز هومل" "Fritz Hommel" صاحب المؤلفات والبحوث الكثيرة، والدراسات القيمة في تاريخ اليمن والعرب الجنوبيين، وفي ترجمة الكتابات المعينية والسبئية والحضرموتية والقتبانية والحميرية، وفي الدراسات اللغوية. وهو في مقدمة من وضع أسس الدراسات العربية الجنوبية ومهد الجادة لمن جاء بعده من المستشرقين. و "رودوكناكس" "Nikolaus Rhodokanakis"، وهو صاحب جملة مؤلفات في شرح وحل النصوص العربية الجنوبية، و "دتلف نيلسن" "Detlef Nielsen" الدانماركي من الباحثين في الكتابات العربية الجنوبية وفي الحضارة العربية، والتاريخ العربي قبل الإسلام.

كذاك خصص "مورديمن" "J. H. Mordtmann" و "داؤو هاندش ميلر" "D.H. Mueller"، و "ميتوخ" "Eugen Mittwoch"، و "فون فزمن" "von Wissmann"، و "بيستن" "C.F.L. Beeston"، و "كونتي روسيني" "C. Conti Rossini"، و "فنت" "F.V. Winnett"، و "ركمنس" "C. RYckmanns"، و "كر وهمن" "A. Grohmann"، و "ملاكر" "K. Mlaker"، و "أغناطيوس كويدي" "وهربرت كريمه" "Herbert Grimme"، "أنوليتمن" و "البرايت"، وغيرهم قسطاً من بحوثهم في العربيات الجنوبية، فساعدوا بذلك على تقديم مادة غنية للمؤرخين والباحثين، وعلى تحسين معارفنا في اللهجات العربية الجنوبية وقواعدها وفي تاريخ الجاهلية. هذا، ولا بد لي أيضاً من الإشارة إلى جهود مستشرقين محدثين قصروا عملهم على البحوث العربية الجنوبية، وصرفوا وقتهم في دراستها، وألفوا وكتبوا فيها، ونشروا بحوثهم في المجلات، ونشروا نشراً جديداً نصوصاً سبق إن نشرت، وبعثوا الحياة في نصوص لم تكن معروفة فعرفت. ومن هؤلاء: "فون وزمن" "H. von Wissmann". و "ريكمنس" "J. Ryckmans"، وهو صاحب بحوث وتحقيقات في نشر الكتابات والتعليق عليها وعلى أيام الملوك. و"البرايت" "W.F. Albright" العالم الآثاري الأمريكي الذي ذكرته قبل قليل. و "الأب جامة" "A. Jamme" الذي رافق البعثةة الأمريكية لدراسة الانسان، والخبير بقراءة النصوص وبتعين زمان كتابتها، وناشر جملة كتابات عثرت عليها البعثة المذكورة. و "مارية هوفنر" "M. Honer" و "بيرين" "J. Pirenne" و "بيستن" "A.F.L. Beeston" وغيرهم، ممن جاؤوا ببحوث جديدة وما زالوا يبحثون في التأريخ الجاهلي.

هذا، وسوف يكون لدراسة علماء الآثار للآثار التي عثر وسيعثر عليها من ناحية علم الآثار، وكذلك، تطور الخطوط ومقارنة الكتابات بعض مما ببعض المعرفة زمانها وتحايل الآثار ودراستها بالمختبرات وبطرق "الفحص الكاربوني" و مما شاكل ذلك من طرق تعد اليوم حديثة، شأن كبير في الكشف عن التاريخ الجاهلي، وتقريبه من الواقع، وتضييق شقق الخلاف التي نراها بين العلماء في عمر الدول وفي حكم الملوك وأمثال ذلك من أمور هي اليوم في موضع اهتمام الباحثين في تاريخ الجاهلية. هذا وأودّ إن أشير هنا إلى أمر يتعلق بالكتابات الجاهلية، هو إن غالبية من عالجها وترجمها اعتمد في الغالب على العبرانية وعلى السريانية في الترجمة، و لهذا لم يوفقوا في ترجمهم توفيقاً كبيراً، واعقد إن دراسة اللهجات العربية لقبائل اليمن وبقية العربية الجنوبية وجمع معاني مفرداتها، تفيد كثيراً في تفسير كتابات المسند وشرحها مثلا، لأن كثيراً من هذه المفردات ما زال مستعمل" استعمال القدماء له. ولكن مثل هذه الدراسات لم تتم بشكل علمي منظم منسق حتى الآن ويا للآسف. ورجائي إن يأتي يوم يقوم فيه المتخصصون من العرب بدراسة تلك اللهجات وتثبيتها بصورة علمية ووضع معجمات بألفاظها، فإن في هذا العمل خدمة كبيرةً للتراث العربي القديم.

وقد قام المستشرقون بنصيبهم في كتابة تاريخ الجاهلية، فهم يستحقون على عملهم هذا كل شكر وثناء، مهما وقع في دراستهم من قوة وضعف، وغرض ونية، فهم قد قاموا بعمل، وقد أفادونا في عملهم هذا ولو بعض الفائدة، فعلينا إلا ننكر فضل الناس، وإذا كان هناك شيء من خطا أو نيّة سيئة، فعلينا يقع واجب تصحيحه وبيان مواطن سوء النية، فهم غرباء، ونحن حملة هذا التاريخ وأصحابه. وعلينا وحدنا يقع واجب تدوينه وانتزاعه من باطن الأرض، والبحث في كل زاوية ومكان لإيجاد مورد جديد نضيفه إلى الموارد الموجودة. وعلى الحكومات العربية واجب إتمام العمل، وتيسير الوسائل التي توصل الباحثين إلى الأماكن التي يقصدها العلماء وحمايتهم ورعايتهم، وواجب إعداد طائفة من المنقبين العرب للقيام بهذه المهمة والإنفاق عليهم بسخاء، وإنشاء متاحف تحفظ فيها العاديات، ومنع، الناس من التجاوز والتطاول على الأماكن الآثارية، ومن أحق بالمحافظة على تراث البلاد من أبنائها?.

الفصل الرابع: جزيرة العرب

ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة تنيف على شبه جزيرة العرب في المساحة، فهي أكبر شبه جزيرة في العالم. ويطلق العلماء العرب عليها تجوزاً اسم "جزيرة العرب". تحيط بها. المياه من أطرافها الثلاثة، ومع ذلك لم. يستطع الجو البحري إن يخفف من حدة الحرارة فيها، ويتغلب على جفافها، والأبخرة المتصاعدة من البحر لا تتمكن إن تصل إلى أواسط بلاد العرب، لإنزال رحمتها عليها. فإنّ الرياح السمائم، وهي ذات الحرّ الشديد النافذ في المسام، تتلقى الرطوبة التي تنبعث من البحر بوجه كالح عبوس، ومقاومة تسلبها قوتها، وتنتزع الرطوبة منها، وتمنعها في الغالب من الوصول إلى أواسط الجزيرة. يحدّ جزيرة العرب من الشرق الخليج العربي المعروف عند اليونان باسم "الخليج الفارسي" "Sinus Percus"، وما زال يعرف بهذه التسمية المأخوذة عن اليونانية في المؤلفات المعاصرة. أما قدماء أهل العراق، فقد عرف عندهم ب "البحر الجنوبي" و "البحر الأسفل" و "البحر التحتاني" "Lower sea"، وب "البحر الذي تشرق منه الشمس" و "بحر الشروق" "Sea fo the Risig Sun" وبي "البحر المر" و "البحر المالح" و "نار مرتو" "Nar Marrtu" في الآشورية.

ويحدها من الجنوب المحيط الهندي، وقد أطلق بعض الكتبة اليونان واللاتين على القسم المتصل منه بسواحل جزيرة العرب الجنوبية والملاصق لسواحل إفريقية الشرقية المقابلة لهذه السواحل اسم "البحر الأريتري" "Mare Erytheaum". أما "بطلميوس" فقد أطلق على الماء المحصور بين عُمان وحضرموت اسم "خليج سخاليته" "Sinus Sachalites"، وأطلق على القسم الغربي الباقي اسم "بحر ربرم" "Mare Rubrum" "Rubri Maris"، أي البحر الأحمر. وقد قصد الاغريق واللاتين ب "Mare Rubri" في الغالب البحر الأحمر الحالي والبحر العربي والخليج العربي، بل حتى المحيط الهندي، فهم يتوسعون في هذا الإطلاق كثيراً. أما حدّها الغربي، فهو البحر الأحمر كما يسمى في الخارطات الحديثة المعروف باسم "الخليج العربي" "Sinus Arabicus" في الخارطات اليونانية واللاتينية، و ب "بحر القلزم" في الكتب العربية. أما العبرانيون، فقد أطلقوا عليه. "ه - يم" "هايم" "اليم"، ومعناه اللغوي: "البحر" من "يم" "يام" بمعنى "بحر" و "ها" أداة التعريف التي هي في مقام "ال" في العبرانية،وذلك بصورة عامة، و "يام سوف Yam Suph" بصورة خاصة، وب "سوف" و "سوفة" أحيانا. وقد فسر "البيضاوي" لفظة "اليم"، الواردة في القرآن الكريم بهذا البحر، أي البحر الأحمر. وقد أريد ب "Mare Rubrum" البحر الأحمر أيضاً. و شكل البحر الأحمر، شكل يلفت النظر، يظهر و كأنه خسط منظم ممتد من الشمال نحو الجنوب على هيأة ثعبان منتصب ذي قرنين. أما باقي جسمه، فإنه البحر العربي. أما هذا الثعبان، فقد كان أرضاً في الأصل، خسفت على هذه الصورة في الزمن للثالث من الأزمنة الجيولوجية، فابتعدت بذلك بلاد العرب عن أفريقية، إلا من ناحية الشمال، حتى لا تكون هناك قطيعة تامة، وارتفعت بذلك السواحل الغربية، نتيجة انخساف الأرض، فسالت إلى الأرض المنخسفة مياه البحر العربي، ولو تم الخسف، وامتدّ إلى "طور سيناء" فشطرها، لما كانت هناك حاجة إلى قيام الإنسان فما بعد بإتمام العمل الذي لم تكمله الطبيعة، وهو إيصال البحر الأحمر إلى البحر الأبيض بقناة السويس.

وهناك من يرى إن البحر الأحمر كان بحيرة في الأصل، وكانت إفريقية والعربية الجنوبية قطعة واحدة عند جنوب هذه البحيرة، أي عند ما يسمى ب "مضيق باب المندب" في الزمن الحاضر، ولكن خسفاً وقع، أدى إلى انفصال إفريقية عن العربية الجنوبية الغربية، فاتصل المحيط الهندي بالبحيرة، وتكوّن البحر الأحمر. وقد كان الناس قبل وقوع هذا الانفصال يتنقلون برا وكأن إِفريقية وجزيرة العرب قطعة أرضُ احدة، ومن هنا كانت الهجرات. أما خليج العقبة، فقد عرف ب "خليج أيلة" و ب "خليج الأيلانيين"، "Sinus Aelanties" "Sinus Aelanticus" في الكتب الكلاسيكية، نسبة إلى مدينة "أيلة" المسماة "ايلات" "Elath" و "ايلوت" "Eloth" عند العبرانيين. وهي مدينة مهمة من مدن "أدوم" "الأدوميين". و أما "خليج السويس" فقد عرف ب "Sinus Heroopolites" " Sinus Heroopoliticus " عند اليونان واللاتين.

ويحصن مناطق و اسعة من ساحل جزيرة العرب على البحر الأحمر صخور مرجانية تفتك بالسفن التي تتجاسر فتتقرب منها، في تلك المواضع لتحمي الساحل من وصول الأجانب إليه. و لكنها أضرت سكانه من ناحية أخرى، إذ جعلت الملاحة صعبة في هذه الأماكن، فقلت بذلك الاستفادة من الاتجار بالبحر، و قللت أيضا من عدد الموانئ الصالحة لرسو السفن على هذا الساحل. و هناك جزر متفرقة تقابل الساحل، أكثرها مهجور، و بعضها قليل السكان، و معظمهم خليط من دم إفريقي أسود ومن عرب، عاشوا في الجاهلية وفي الإسلام على التعرض للسفن بالغزو وعلى الصيد.

ويرى بعض الباحثين إن البحر الأحمر لم يكن وحده نتيجة خسف أصاب بلاد العرب، ففصلها عن إِفريقية إلا من جهة "طور سيناء"، بل إن سواحل بلاد العرب الأخرى، أي السواحل الجنوبية والسواحل الشرقية، تعرضت هي أيضاً لهزّات عديدة، فخسفت في مواضع عديدة مثل "عدن"،حيث تكون خليج عدن، ومثل الخليج العربي، وكانت هذه الهزات والتصدعات استجابة لتصدع واهتزازات حدثت في الشمال على مقربة من حدود بلاد الشام، فامتدت إلى وادي الأردن والبحر الميت فوادي عربة إلى خليج العقبة. وهكذا تعرضت جزيرة العرب في عصور سحيقة في القدم قبل الميلاد لهزات و تحركات أرضية، حتى جعلتها على الشكل الذي نراه عليه ألان. وحدّها الشمالي خط وهمي يمتد في اصطلاح العلماء العرب من خليج العقبة حتى مصب شط العرب في الخليج العربي، فيكون النفوذ الشمالي من الحدود التي تفصل الهلال الخصيب عن جزيرة العرب. أما من الناحية "الجيولوجية"، فإن باطن الهلال وحدة لا يستطيع فصلها عن تربة الجزيرة، وجزء لا يختلف من حيث طبيعته الصحراوية و خواصه عن سائر أنحاء بلاد العرب. وأما من الناحية التاريخية، فإن هذا الخط الوهمي المتصور، هو وهم وخطأ، فقد سكن العرب في شمال هذا الخط قبل الميلاد بمئات السنين. سكنوا في العراق من ضفة نهر الفرات الغربية، و امتدوا في البادية حتى بلغوا أطراف الشام. وسكنوا في فلسطينُ طور سيناء، حتى بلغوا ضفاف النيل الشرقية. وهي أرضون أدخلها الكتبة القدامى من يونان ولاتين وعبرانيين وسريان في جملة مساكن العرب ودعوها ب "العربية" وب "بلاد العرب"، لأن اغلب سكانها كانوا من العرب، حتى ذهب بعض علماء "التوراة"، إلى إن "بلاد العرب" في التوراة هي مواطن "الإسماعيليين Ishmaelite" و "القطوريين Ksturaean"، أي البوادي التي نزلت بها القبائل المنتسبة إلى "اسماعيل" و "قطورة". وهي قبائل بدوبة، كانت على اتصال بالعبرانيين. وهي بواد تقع شمال جزيرة العرب وفي الأقسام الشمالية منها.

أما "أريي"، أي "العربية" في النصوص الآشورية، و "ماتو أريبي" "Matu-A-re-bi"، أي "أرض العرب" و "بلاد العرب" في النصوص البابلية، و "اربايا "Arabaya" "Arpaya" في النصوص الفارسية، و"بيث عرباية" "Brth Arabaya" في الإرمية، فإنها كلها تعني البادية الواسعة التي تفصل العراق عن بلاد الشام. أما حدودها الجنوبية، فلم تحددها النصوص المذكورة. ولكننا نستطيع إن نقول إن امتدادها كان يتوقف على مبلغ علم تلك لشعوب بالعرب، وعلى المدى الذي وصل إليه تعاملهم في بلاد العرب. فبلاد العرب أو "ارض العرب" "مت أربي" "Mat Arabi" "Mat Aribi" "، هي بادية الشام أيضاً، وهي كل الأرضين التي تحدها جبال "الأمانوس" "Amanus" في الشمال، أي الأرضين التي تقع في جنوبها كل شبه جزيرة سيناء عند "بلينيوس" "P linius". فهن اذن أوسع جداً مما تصوره علماء الجغرافيا المسلمون لجزيرة العرب.

وإذا نظرنا نظرة عامة إلى خارطة جزيرة العرب، نرى أنها أرضون مرتفعة في الغرب، تسيطر على السواحل الضيقة، وتكوّن سلاسل من المرتفعات متصلا بعضها ببعض، تمتد من بلاد الشام إلى اليمن، ويقال لهذه المرتفعات جبال "السّراة". وهي توازي ساحل البحر الأحمر، وتقترب منه في مواضع عديدة. ويبلغ متوسط ارتفاعها زهاء خمسة آلاف قدم. أما أقصى ارتفاع لها، فيبلغ زهاء 12,326 قدماً، وهو في اليمنْ.

و أما الأرضون المحصورة بين هذه السلسلة وساحل البحر، فإنها ضيقة، تسيطر عليها هذه المرتفعات، وتنحدر إليها انحداراً شديداً قصيراً. وسواحلها المهيمنة على البحر، صخرية في اغلب الأحيان، يصعب رسو السفن فيها. وطالما تحطمت عليها السفن المنكوبة، فتكون طعاماً للبحر، وللأعراب الساكنين على السواحل، فيكون من ينجو بنفسه من أصحاب تلك السفن وما يتبقى من حطامها ملكاً لأولئك الساكنين بحسب عرف أهل ذلك الزمان وعاداتهم. أما الانحدار إلى البحر العربي والخليج العربي، فانه يكون تدريجياً وطويلاّ ولذلك تكون الأقسام الغربية من جزيرة العرب أعلى من الأقسام الشرقية. وتتألف الأرضون الوسطى من هضبة تدعى "نجداً"، يبلغ متوسط ارتفاعها زهاء2500 قدم. ويمتد في الأقسام الجنوبية من الجزيرة سلاسل من الجبال،يتفاوت ارتفاعها، تسيطر على المنخفضات الساحلية، وعلى ما يليها من أرضين من جهة البر، وتتصل هذه بسلسلة جبال اليمن، وتكثر فيها الأودية التي تفصل بين السلاسل، وتأخذ مختلف الاتجاهات من الشمال الشرقي أو من الشمال الغربي إلى سواحل البحر، حيث تمثل اتجاهات المياه والسيول. ويكون أعلى ارتفاع لسلسلة الجبال الجنوبية في أقصى الجنوب الشرقي من الجزيرة، أي في عمان، حيث يبلغ ارتفاع الجبل الأخضر زهاء عشرة آلاف قدم.

وتتكون أغلب الأرضين في جزيرة العرب من بواد وسهول، تغلبت عليها الطبيعة الصحراوية، لكن قسماً كبيرا منها يمكن إصلاحه إذا ما تعهدته يد الإنسان، واستخدمت في إصلاحه الوسائل العلمية الحديثة. و أما الأرضون الصالحة للزراعة، فإنها تزرع فعلاّ لوجود المياه فيها. أما الأرضون التي تعدّ اليوم من المجموعة الصحراوية، فهي:

1 - الحِرار، أو الأرضون البركانية

وقد تكونت بفعل البراكين،ويشاهد منها نوعان:نوع يتألف من فجوات البراكين نفسها،ونوع تكون من حممها "اللابة" Lava التي كانت تقذفها، فتسبل إلى الأطراف ثم تبرد وتتفتت بفعل التقلبات الجوية، فتكون ركاماً من الحجارة البركانية يغطي الأرض بطبقات، قد تكون سميكة، وقد تكون رقيقة، تتبعثر فيظهر من خلال فجواتها وجه الأرض الأصلية. وفي مثل هذه الأرضين يصعب السير، لانتشار الحجارة ذات الرؤوس الحادة فيها، وتقل الاستفادة منها، فتتحول شيئاً فشيئاً إلى مناطق صحراوية، والسائر اليوم في منطقة "اللجاة" في جنوب شرقي دمشق، يلاحظ الطريق الذي سلكته الحمم المقذوفة. وقد وصف العلماء العرب الحرار،. فقالوا: الحرَّةُ أرض ذات حجارة سوُد نخرة، كأنها أحرقت بالنار، ويكون ما تحتها أرضاً غليظة، من قاع ليس بأسود، وانما سوّدها كثة حجارتها، وتدانيها. وتكون الحرة مستديرة، فإذا فيها شيء مستطيل ليس بواسع، فذلك الكراع، واللاّبة واللوبة ما اشتد سواده وغلظ وانقاد على وجه الأرض. فيظهر من هذا إن "الحرار" هي أفواه البراكين، ولذلك تكون مستديرة. و أما اللابة أو اللوبة، فإنها المناطق التي غطتها هم البراكين، وسالت فوقها، ثم جفت. و أما الكواع، فإنها أعناق الحرار.

وتكثر الحرار في الأقسام الغربية من جزيرة العرب،وتمتد حتى تتصل بالحرار التي في بلاد للشام، في منطقة حوران، ولا سيما في الصفاة، وتوجد في المناطق الوسطى، وفي المناطق الشرقية الجنوبية من نجد حيث تتجه في الشرق، وفي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، حيث تلاحظ الحجارة البركانية على مقربة من باب المندب وعند عدن. وقد ذكر علماء للعرب أسماء عدد منها، كما أضاف إليها السياح أسماء عدد آخر ضروا عليها في مناطق ثانية. وقد وردت في الشعر الجاهلي إشارات إليها. وكانت إِحدى الحرار، وهي "حرة النار" في عهد الخليفة عمر لا تزال ثائرة تخرج النار منها. وقد ذكر إن سحب الدخان كانت تخرج في عهد الخليفة عثمان من بعض الجبال القريبة من المدينة. وهذا يدل على إن فعل البراكين في جزيرة العرب، لم يكن قد انقطع انقطاعاً تاماً، وان باطن الأرض، كان ما زال قلقاً، لم يهدأ. وكان آخر حدث بركاني في الحجاز في سنة 654 للهجرة "1256 م"، إذ ثارت إحدى الحرّات في شرقي المدينة، واستمر هيجانها بضعة أسابيع، وقد وصل ماسال من حممها إلى مسافة بضعة كيلومترات فقط من المدينة التي كان نجاتها من الأعاجيب. وكان أواخر القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر الميلاديين عهد زلازل وثوران براكين في مناطق آسية الغربية. ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي، لم يبق أثر لفعل البراكين في مختلف أنحاء بلاد العرب.

وقد تركت الأصوات المزعجة، و "الصيحات" المرعبة، والنيران التي كانت ترى من مسافات بعيدة، وسحب الدخان التي كانت ترتفع من أجواف الأرض، و "البريق" الذي كان يظهر من الحرار، مثل حرَّة "القوس" التي قيل إنها كانت ترى كأنها حريق مشتعل، و "حرة لبن" التي كان يخرج منها ما يشبه البرق، ويسمع منها أصوات كأنها صياح، هذه كلها تركت صوراً مرعبة في نفوس الجاهليين، تتجلى في القصص المروية عنها، وفي عقائدهم بتلك النيران.

ولعل قوة نيران "حرة ضَرْوان" وشدة قذفها للحمم وارتفاع لهيبها، هي التي دفعت أهل اليمن إلى التعبد لها والتحاكم إليها، فقد كانوا يذهبون إليها ليتحاكموا عندها فيما يحدث عندهم من خلاف، والرأي عندهم إن النار تخرج فتأكل الظالم وتنصف المظلوم. وقد كانت حرة نشطة عاشت أمدا طويلاّ كما يظهر من وصف "الهمداني" وغيرها لها، وصلت حممها إلى مسافات بعيدة عن الحرة.

وقد تسببت أكثر هذه الحرار في هلاك كثير ممن كان يسكن في جوارها وفي هجرة الناس من الأرضين التي ظهرت بها، فتحولت إلى مناطق خاوية خالية. وقد وجد السياح أرضين شاسعة واسعة أصيبت بالحرار، وتأثرت بفعل "اللابة" التي سالت عليها. وللناس الحق كل الحق في إرجاع أسباب هلاك أصحابها إلى العذاب الذي نزل بهم بانفجار الأرض وبخروج النيران منها تلتهم الساكنين عندها. وقد جهلوا إن هذه النيران المتقدة الصاعدة والروائح الكريهة المنبعثة عنها، هي من فعل العوامل الأرضية الداخلية التي تعمل سراً في بطن الأرض.

وكثرة الحرار في جزيرة العرب، وانتشارها في مواضع متعددة منها، دليل على إن باطنها كان قد تعرض لامتحانات عسيرة قاسية، ولتقلبات كثيرة ولضغط شديد في المناطق الشمالية والغربية والجنوبية،وقد ظهر أثر ذلك الضغط في وجهها فبان اليوم وكأنه حب الجُدَريّ، يتحدث عن ذلك المرض القديم.

وقد اشتهرت بعض مناطق الحرار بالخصب والنماء وبكثرة المياه فيها، ولاسيما حرار الحجاز التي استغلت استغلالاّ جيداً، ومنها "خيبر"، التي ميزت على سائر القرى، فقيل عها إنها "خير قرى عربية"، غير إن ظهور العيون فيها بكثرة، جعلها موطناً من مواطن الحمى، اشتهر أمرها في الحجاز حتى قيل: "حمى خيبر". واستفاد الجاهليون من الحرار باستخراج الأحجار منها، كأحجار الرحى والمعادن، فكانت موطناً من مواطن التعدين القديمة فيها.

ويدرس علماء طبقات الأرض بعناية بالغة توزيع الحرار في جزيرة العرب، وتقصي أنواع الحجارة التي يكثر وجودها مثل الحجارة الكلسية والغرانيتية والرملية وتوزّعها، والينابيع الحارة في الأحساء، لما في هذه الدراسات من أهمية بالنسبة إلى اكتشاف الموارد الطبيعية، والثروات الكامنة في الأرض.

ويظن إن فعل البراكين كان له أثر خطير في العصور ال "ايوسينية" "Eocene" ، إذ ثارت براكين عديدة في جزيرة العرب وفي الحبشة وفي السواحل الإفريقية المقابلة لجزيرة العرب. وقد أثرت هذه البراكين بالطبع في شكل الأرضين التي ثارت فيها وفي شكل الأرضين القريبة منها، وقد ظهرت براكين فعّالة نشيطة في العصور "البليوسينية" "Pliocene" أيضا، أثرت نحللك في شكل سطح الأرض، بأن أحدثت فيها تضاريس، لا تزال آثارها تشاهد حتى الآن ه. وفي جزيرة العرب عيون وينابيع، تخرج منها مياه حارة. ففي عسير وفي الحجاز وفي اليمن وفي حضرموت وعمان والأحساء والهفوف وفي مواضع اخرى غيرها، مواضع تخرج منها مياه حارة كبريتية في الأكثر، يستشفي بمياهها للناس بالاستحمام. واستثمارها على هذه الصورة وبهذه الكثرة يلفت النظر، وهي من آثار التقلبات الجوفية التي حدثت في جزيرة العرب منذ القدم.

2 -الدهناء

وهي مساحات من الأرضين تعلوها رمال حمر في الغالب، تمتد من النفود في الشمال إلى حضرموت ومهرة في الجنوب، واليمن في الغرب، وعمان في الشرق. وفيها سلاسل من التلال الرملية ذات ارتفاعات مختلفة، تنتقل في الغالب مع الرياح، وتغطي مساحات واسعة من الأرض. ويمكن العثور على المياه في قيعانها اذا حفرت فيها الآبار. وقد أشير إلى الدهناء في بيت شعر للاعشى هذا نصه: يمرون بالدهناء خفافاً عيابهم=ويرجعن من دارينُ بجر الحقائبْ وقد تصل الأمطار الموسمية إلى بعض أجزاء "الدهناء" فتنبت فيها الأعشاب، ولكن عمرها فيها قصير اذ سرعان ما تجف وتموت. وقد هجر الناس السكنى في أكثر أقسام الدهناء، لجفاف أكثر أقسام هذه المنطقة الصحراوية الواسعة، وخلوها من الماء والمراعي، ولكثرة هبوب العواصف الرملية فيها، ولشدة حرارتها التي يصعب احتمالها في أثناء النهار، وأقاموا في الأمكنة المرتفعة منها، التي تتوافر فيها المياه، وتتساقط عليها الأمطار، فتنبت الأعشاب، وينتجعها الأعراب. اما الأقسام الجنوبية من الدهناء فيسميها الجغرافيون المحدثون "الربع الخالي" "The Empty Quarter"، لخلوها من الناس، وكانت تعرف ب "مفازة صيهد". وقد تمكن السائح الإنكليزي "برترام توماس Bertram Thomas "" من اجتيازها في "58" يوماً، وهو عمل مجهد شاق، فكان أول أوروبي جرُؤ على اجتياز هذه الأرض.

ويطلق على القسم الغربي من الدهناء اسم "الأحقاف" وهو منطقة واسعة من الرمال بها كثبان اقترن اسمها باسم "عاد". "واذكر أخا عاد، إذْ أنذر قومه بالأحقاف".

وكشف "برترام توماس" في الربع الخالي بحيرة من المياه الملحة، وبقايا حيوانات مبعثرة، وتبين لدى العلماء إن هذه البحيرة كانت من متفرعات الخليج العربي، وأن من المحتمل إن هذه الأرضين التي تكثر فيها رواسب قيعان البحر، قد كانت في عهدها من المناطق البحرية التي تغمرها مياه المحيط، كما عثر فيه على آثار جاهلية لم يعرف من أمرها شيء حتى الآن، يظهر أنها لأقوام كانت تستوطن هذه المناطق أيام كانت فاتا مياه صالحة للإنبات والخصب. وما زالت حتى اليوم تعد أرضاً مجهولة، وإن تحسنت معارفنا عنها كثيراً، بفضل بعض موظفي شركات البترول والباحثين عن المعادن في مختلف أنحاء الجزيرة. وستأتي الاكتشافات الجديدة لها بمعارف قيمة عن تاريخ العرب قبل الإسلام من غير شك. وتكون "وبار" قسماً من الدهناء، وكانت من الأرضين المشهورة بالخصب والنماء، وهي اليوم من المناطق الصحراوية، وبها آثار القرى القديمة التي كانت كثيرة قبل الإسلام. والظاهر أنها كانت مواطن الرباريين، وهم الذين دعاهم "بطلميوس" "Jobariai" الذين سأتحدث عنهم وفي الجهة الشمالية الشرقية منُ بار، رمال "يرين": وكانت من المناطق المأهولة كذلك، ثم دخلها الحراب.

3-النفود

أما النفود، وهو اسم لم يكن يعرفه العرب، فهي صحراء واسعة ذات رمال بيض أو حمر تذروها الرياح فتكون كثباناً مرتفعة،وسلاسل رملية متموجة، تبتدئ من واحة "تيماء"، وتمتد إلى مسافة450 كيلومتراً تقريباً نحو الشرق، ويبلغ امتدادها من الجوف إلى جبل شمر زهاء 250 كيلومتراً تقريباً. وقد عرفت أيضاً ب "الدهناء" و ب "رملة عالج"، ثم تغلب عليها اسم "النفود" وصارت تعرف به.

وتعد النفود من الأماكن المائلة أو المنحدرة، ويظهر من القياسات "وان كانت قليلة جداً"، إن المنطقة الشرقية من النفود أوطأ من مستوى المنطقة الغربية عند خط طول "27" درجة و "30" دقيقة، بما يزيد على150 متراً، أي إن هذه البادية مرتفعة في الغرب، آخذة في الانخفاض والميل في الشرق. وقد نتج عن هذا الميل والانحدار المتوالي إن الرمال التي كانت الرياح الشمالية أو الشمالية الغربية تحملها، تراكمت في المنخفض، فأصبحت الحدود الغربية والشرقية هذه المنطقة مرتفعة بالنسبة إليها، بحيث صار "الحماد" يشرف عليها اشرافاً تاما.

ويغطي وجه "النفود"، كثبان من الرمال متموجة يبلع ارتفاع بعضها زهاء "150" متراً، ولذلك لا يعد سطح بادية النفود سطحاً مستوياً منبسطاً. وتأخذ هذه المرتفعات مختلف الإشكال، فتكون في أغلب الأحيان على شكل نعل الفرس، ويكون اتجاهها من الغرب نحو الشرق، وتكون أبعادها وأعماقها مختلفة، وتسمى "القعور". وقد تركت أثراً عميقاً في مخيلة المسافرين ورجال القوافل. وبعد الأشتية الممطرة تتحول هذه المنطقة الرملية الموحشة إلى جنة حقيقية فتظهر الرمال وكأنها قد فرشت ببسط خضر، يزينها الزهر والشقائق ومختلف الأعشاب الصحراوية، وينتجعها الأعراب للرعي. وقد تنمو فيها النباتات المرتفعة ذات السيقان القوية كبعض أنواع "الغَضَى"، فتكون أدغالاً يحتطب منها البدو، وقد يحرقونها لاستخراج الفحهم منها. هذه الأعشاب والنباتات، لا تظهر إلا في المنطقة ذات الرمال الحمر "نفود سمرا". أما النفود البيضاء المؤلفة من رمال نشأت من تفتت أحجار "الكوارتز" فإنها في أكثر الأماكن غير منبتة.

ولكن هذه الجنة الأرضية جنة قصيرة العمر، لا يدوم عمرها إلا أسابيع قليلة، ثم يحل بها الجفاف، وتهب السمائم، فتقضي على كل ما نبت في هذه البادية، فتبدو كالحة عابسة مزعجة منفرة، وكأن أنسانا كنس وجهها كنساً أزال عنه كل أثر لشلك الجمال. وتهب في شهر نيسان رياح حارة من الشرق والجنوب، ورياح في شهور الصيف، تحرق البادية حرقاَ، حتى تغدو وكأنها جحيم. وفي العربية ألفاظ عديدة لها صلة بالبوادي، كثرت وتعددت لاتصال حياة العرب بها، منها ما لها علاُّقة بشكل البادية وظاهر وجهها، ومنها ما لها علاقة بطبيعتها وبتركيبها، إلى غير ذلك من مصطلحات، نشاً بعضها من تعدد لهجات العرب ولغاتها، اذ تسمى قبيلة البادية باسم ربما لا تعرفه قبيلة أخرى، وهكذا تنوعت التسميات.

مصدر الصحارى

واذا سألتني عن مصدر هذه الصحارى المزعجة التي وسمت جزيرة العرب بسمة خاصة، وصيرت معظم أهلها بدواً بالرغم منهم، فأقول لك: إن الرأي المنتشر إن هذه الصحارى تكوّنت من تفتت الأحجار الرملية بتأثر للرياح والجفاف فيها. ويؤيد وجود مثل هذه الأحجار في الشمال الغربي من بلاد العرب هذا الرأي كئيراً، ويظهر انه رأي علمي ينطبق على بعض الصحارى انطباقاً كَبيراً، غير أنه لا يحل مشكلة مصدر الرمل الأحمر المتكون من أحجار غير رمليه الذي يغر مساحات واسعة من صحراء النفود، بينما الرمل الناشئ من الأحجار الرملية لا يغطي إلأ مساحات ضيقة بالنسبة إلى المناطق الأخرى. وهذا يدل دلالة مريحة على إن رمال "النفود" لم تتكون من تفتت الأحجار الرملية حسب، بل من عوامل أخرى كالتقلبات الجوية وتأثيرها في قشرة الأرض. يكون ظاهر التربة الأجرد معرضا لحرارة الشمس والثغرٍات الجوية مباشرة، إذْ لا أشجار تحميه، ولا أعشاب تحافظ على تماسك ذراته وحفظها من تلك التغيرات. فإذا انقطعت الأمطار، جفت التربة، فتفتت تدريجا، وتستطيع الرياح إن تعبث فيها بكل سهولة، وتتمكن الرياح التي سرعتها 18 كيلومتراً في الساعة من إثارة الطبقات الرملية الخفيفة والأتربة الباقية المبعثرة على سطح الأرض.

وإذا هبت الرياح بسرعة 33 كيلومتراً في الساعة، امتلأ الجو بالغبار. فاذا ازدادت السرعة، استحالت إلى عواصف" تؤثر تأثيرا كبيرا في سطح الأرض فتحمل ما عليه من أتربة، وتعرض الطبقات السفلى التي كانت تحت هذه الأتربة لفعل الجو المباشر، ليحدث لها ما حدث في الطبقة التي كانت فوقها، وهكذا تتحول هذه المناطق إلى صحارى، وتتكون الرمال حينئذ من التربة المتفتتة لا من تهشم الأحجار الرملية أو الكلسية وحدها.

وتهب مثل هذه الرياح في الشمال الغربي من جزيرة العرب من نهاية شهر "آذار" مارس حتى نهاية شهر "أيار" مايس، وتهب في أغلب الأحيان هبوبا فجائيا، وتستمر يومين أو ثلاثة أيم وتنتهي في بعض الأحيان برعد وبرق. وعند حدوث هذه الزوابع يغبر الأفق ويكفهر وجه السماء، ثم تهب بعد لحظات عواصف شديدة وأعاصير، تضفي على الجو لوناً قائماً،وأحياناً مائلاّ إلى الصفرة أو الحمرة بحسب لون الرمال التي تحملها الرياح، وتختقي الشمس، وتؤثر هذه "العجاجة" في النبات والأشجار تأثيراً كبيراً. واذا استمرت مدة طويلة، سببت تلف قسم كبير من المزروعات في الأماكن المزروعة. وقد أشار الكتاب اليونان والرومان إلى البادية،كما عرفها العبرانيون. ولكلمة "حويلة Havilah"، ومن معانيها الأرض الرملية، أي تخم بني إسماعيل - وأولادهم وهم البدو - وهذا المدلول علاقة كبيرة بمعنى صحراء. وقد ذهب بعض علماء التوراة إلى إنها تعتي النفود.

وتفصل العراق عن بلاد الشام بادية واسعة، تعرف ب "بادية الشام" أو "البادية"، أو "خساف"، ويقال للقسم الجنوبي منها - وهو القسم الذي بين الكوفة والسماوة من جهة، وبينها وبين الشام من جهة أخرى - "بادية السماوة"، ويسميها العامة "الحماد" أو "حماذ".

الدارات

وفي بلاد العرب "الدارات"، والدارة: كل جوبة بين جبال في حَزن كان ذلك أو سهل أو رمل مستدير، في وسطه فجوة، وهي الدوره، وتجمع الدارة على دارات. فهي أرض سهل لينة بيض في أكثر الأحيان، وتنبت فيها الأعشاب والصليان والنباتات الصحراوية، ويبلغ عددها زهاء عشر دارات ومئة. ولبعض هذه الدارات شهرة، اذ وردت أسماؤها في الشعر الجاهلي والإسلامي، مثل "دارة جلجل"، التي ورد ذكرها في شعر امرئ القيس الكندي. و "دارة الآرام" وكانت مملوءة من شقائق النعمان، كما جاء ذلك في شعر برج بن خنزير المازني الذي كلفه الحجاج بن يوسف حرب الخوارج.

الجبال

تكون سلسلة جبال السَّرات العمود الفقري لجزيرة العرب، وتصل فقراته بسلسلة جبال بلاد الشام المشرفة على البادية، المتحكمة فيها تحكم الجنود في القلاع. وبعض قمم هذه السلسلة مرتفعة. وقد تتساقط الثلوج عليها كجبل دباغ للذي يرتفع "2,200" متر عن سطح البحرْ، وجيل وثر وجبل شيبان. وتنخفض هذه السلسلة عند دنوها من مكة، فتكون القمم في أوطأ ارتفاع، ثم تعود بعد ذلك إلى العلو حيث تصل إلى مستوى عال في اليمن حيث تتساقط الثلوج على قمم بعض الجبال. وتمتد في محاذاة السواحل الجنوبية سلاسل جبلية تتفرع من جبال اليمن، ثم تتجه نحو الشرق إلى أرض عمان، حيث ترتفع قمم الجبل الأخضر ارتفاعاً يتراوح من تسعة آلاف قدم إلى عشرة آلاف قدم. وتتخلل هذه السلاسل الجنوبية أودية تمثل اتجاه مسايل الأمطار إلى البحر.

وتفصل بين البحر والسلاسل الجبلية سهول ساحلية ضيقة في الغالب، ربما لا تتجاوز خمسة عشر ميلاً عن سواحل البحر الأحمر. وتكون هذه السواحل حارة رطبة في الغالب، يتضايق منها الإنسان، وتكون غير صحية في بعض الأماكن. ويطلق على بعض أقسام التهائم "الغور" و "السافلة"، لانخفاض بقاعها. وقد ذهب بعض العلماء إلى اطلاق تهامة على طول الأغوار الساحلية الممتدة من شبه جزيرة سيناء وبر القلزم إلى الجنوب. وسأتحدث عنها فيما بعد. وتكون هذه السلاسل مانعاً - للأبخرة المتصاعدة من البحر الأحمر والبحر العربي- من وقوع الأمطار في أواسط بلاد العرب وفيما وراء السفوح المرقية للسراة والسفوح الشمالية للسلاسل الجبلية الجنوبية، لذلك كثرت الأودية القصيرة التي تسيل فيها. المياه في هذه المناطق، وزادت فيها إمكانيات الخصب والزراعة عن البقاع التي وراء السَراة حتى الخليج. وفي نجد، وهي هضبة يبلغ ارتفاعها زهاء2500 قدم، منطقة جبلية تتكون من "الغرانيت"، يقال لها جبل "شمر"، وهي من مواضع "طيء" التي اشتهر أمرها قبل الإسلام اشتهاراً كبيراً، وقد عرفت قديماً بجبلَيْ طيء.

وتتألف من سلسلتين، يقال لإحداهما أجأ، و للأخرى سلمى. وهناك منابع عديدة للمياه في شعاب هذه المسلسلة وفي السهل الكبر المنبسط بينهما. ويمكن الحصول على المياه فيها بوفرة تحت طبقات الرمال والصخور. و أما جبل "طويق" فهو مرتفعات تقع في الوسط الشرقي من نجد وفي جنوب شرقي الرياض، وتتألف من الحجارة الرملية وتحيط بها الصخور والحجارة الكلسية، وتدل البحوث على إن من الصخور والمواد البركانية ما قذفته البراكين إلى هذه الجهات.

الأنهار والأودية

ليس في جزيرة العرب انهار كبيرة بالمعنى المعروف من لفظة نهر مثل نهر دجلة أو الفرات أو النيل، بل فيها أنهار مغيرة أو جعافر. وهي لذلك تعد في جملة الأرضين التي تقل فيها الأنهار والبحيرات، وفي جملة البلاد التي يتغلب عليها الجفاف. ويقل فيها سقوط الأمطار، ولذلك أصبحت أكر بقاعها صحراوية قليلة السكان. غير أنها كثيرة الأودية،تطغى عليها السيول عند سقوط الأمطار، فصير وكأنها طاغية مزبدة. وهي في الغالب طويلة، تسير في اتجاه ميل الأرض. أما الأودية التي تصب في البحر الأحمر أو في البحر العربي، فإنها قصيرة بعض الشيء، وذات مجرى أعمق، وانحدار أشد، والمياه تسيل فيها بسرعة فتجرف ما يعرضها من عوائق، وتنحدر هذه السيول إلى البحر فتضيع فيه، ومن الممكن الاستفادة منها في الأغراض الزراعية والصناعية. وقد تكون السيول خطرا يهدد القوافل والمدن والأملاك، ويأتي على الناس بأفدح الخسائر. وفي كتب المؤلفين الإسلاميين إشارات إلى سيول عارمة جارفة، أضرت بالمدن والقرى والمزارع وبالقوافل والناس، إذ كانت قوية مكنتها من جرف الأبنية والناس، ومن إغراقهم حتى ذكر إن خراب عاصمة اليمامة القديمة كان بفعل السيل، وأن كثيراً من المزارع والأموال هلكت وتلفت بفعل لعب السيول بها لعباً لم تتحمله، فهلكت من هذا المزاح الثقيل.

وليس في استطاعة أحد التحدث عن ملاحة بالمعنى المفهوم من الملاحة في نهيرات جزيرة العرب، وذلك لأن هذه النهيرات أما قصيرة سريعة الجريان منحدرة انحداراً شديداً، و أما ضحلة تجف مياهها في بعض المواسم فلا تصلح في كلتا الحالتين للملاحة. وهي أيضاً شحيحة بالثروة الحيوانية، وليس فيها إلا مقادير قليلة من الأسماك.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى إن كثيراً من أودية جزيرة العرب كانت أنهاراً في يوم من الأيام. واستدلوا على ذلك بوجود ترسبات في هذه الأودية، هي من نوع الترسبات التي تكون في العادة في قيعان الأنهار، ومن عثور السياح على عاديات وآثار سكن على حافات الأودية. ومن نص بعض الكتبة "الكلاسيكيين" على وجود أنهار في جزيرة العرب. فقد ذكر "هيرودوتس" نهرأَ سماه "كورس" زعم انه نهر كبير عظيم، يصب في "البحر الأريتوي"، ويقصد به البحر الأحمر، وزعم إن العرب يذكرون إن ملكهم كان قد عمل ثلاثة أنابيب صنعها من جلود الثيران وغيرها من الحيوانات، امتدت من هذا النهر إلى البادية مسيرة اثنتي عشر يوماً، حملت الماء من النهر إلى مواضع منقورة، نقرت لخزن المياه الآتية من ذلك النهر فيها.

وهناك موضع على مقربة من ساحل البحر الأحمر اسمه "قرح" على مسافة 43 كيلومتراً من "الحجر" في مكان يمر به خط الحديد الحجازي في منطقة صحراوية، وكان في الأزمنة السابقة من المحلات المزروعة، وبه بساتين عدة تعرف ب "بساتين قرح"، وعلى مقربة منها "سقيا يزيد" أو "قصرعنتر" "إسطبل عنتر"، كما تعرف به في الزمن الحاضر على بعد 98 كيلومتراً من المدينة. والى شماله "وادي الحمض" الذي يرى بعض العلماء أنه المكان الذي أراده "هيرودوتس".

وذكر "بطلميوس" نهراً عظيماً سماه "لار" Lar، زعم انه ينبع من منطقة "نجران"، أي من الجانب الشرقي من السلسلة الجبلية، ثم يسير نحو الجهة الشمالية الشرقية مخترقاً بلاد العرب حيث يصب في الخليج العربي. ولا يعرف من أمر هذا النهر شيء في الزمن الحاضر، ولعله كان وادياً من الأودية التي كانت تسيل فيها المياه في بعض المواسم، أو كان بقايا نهر، أثرت في مياهه عوامل الجفاف. ويرى "موريتس" إن هذا النهر الذي أشار إليه "بطليموس"، هو وادي الدواسر، الذي يمس حافة الربع الخالي عند نقطة تبعد زهاء خمسين ميلاً من جنوب شرفي السليل، وتمده بعض الأودية المتجهة من سلاسل جبال اليمن بمياه السيول، وتغيض مياهه في الرمال في مواضع عديدة، فتكون بعض الواحات التي يستقى منها، ويزرع عليها. ويلاحظ وجود مياه غزيرة في واديه، في مواضع لا تبعد كثيراً عن القشرة. وهذا مما يحمل على الاعتقاد بوجود مجاري أرضية تحت سطح الوادي، وانه كان في يوم ما نهراً من الأنهار، غير أننا لا نستطيع إن نتكهن في أمر هذا الوادي أكان نهراً جارياً في زمن بطلموس كما أشار إلى ذلك، أو كان وادياً رطب القبعان لم تكن عوامل الجفاف قد أثرت فيه أثرها في الزمن الحاضر. لذلك كانت تمكث فيه السيول والأمطار المتساقطة على السفوح الشرقية لجبال اليمن مدة أطول مما هي عليه الآن. والرأي عندي إن هذه الأنهار وأمثالها التي يشير إليها المؤلفون اليونان والرومان، لم تكن في الواقع وبالنسبة إلى ذلك الزمن إلا سيولا" عارمة جارفة سمعوا بأخبارها من تجارهم ومن بعض رجالهم الذين كتب لهم الذهاب إلى بلاد العرب أو اتصلوا بالعرب، فظنوا إنها أنهار عظيمة على نحو ما ذكروه. فلا يعقل وجود الأنهار الكبيرة في ذلك الزمن، إذ كان الجفاف قد أثر تأثيره في إقليم جزيرة العرب قبل ذلك بأمد طويل، فلا مجال لبقاء أنهار على النحو الذي يذكره أولئك الكتاب.

وينطبق هذا الاحتمال على الأودية الأخرى، وهي كما قلت كثيرة، ومنها وادي للرمة ووادي الحمض، ويعد هذان الواديان من الأودية الجافة، إلا في مواسم الأمطار الشديدة حيث تصب السيول فيهما، غير إن لها مجاري أرضية، تشير إلى تلك الحقيقة، ويمكن الحصول على المياه فيهما بحفر الآبار على أعماق ليست بعيدة عن السطح. وقد تظهر على سطح الأرض في بعض المحالّ، وربما كانا قبل آلاف السنين، أنهاراً تجري فيها المياه،فتروي ما عليها من أرضين.

يتكون "وادي الرمة" عند "حرة خيبر" أو "حرة فدك" من التقاء بضعة أودية ممتدة من الشمال على ارتفاع ستة آلاف قدم. ثم تتجه بعد ذلك نحو الشرق ثم تأخذ اتجاها جنوبيا شرقيا حيث تتصل ب "الجرير" أو "الجريب" كما كان يعرف سابقا، و هو من أوسع فروع وادي الرمة. و يتجه هذا الوادي نحو الشرق حيث يصل إلى "بريدة"، ثم ينعطف نحو الشمال الشرقي فالشرق إلى "القصيم" حيث يسمى بعد ذلك "الباطن" "البطن" ثم يتفرع إلى فرعين يخترقان منطقة صحراوية، ويسير أحدهما في "النفوذ" حيث يتصل بالدهناء إلى إن يبلغ موضعاً قرب البصرة. ويبلغ طول هذا الوادي زهاء 950 كيلومترا أو أكثر.

و أما مبدأ وادي الحمض أو وادي إضم كما كان يسمى قديماً، فمن جنوب حرة خيبر، ثم يتجه نحو الجنوب الغربي إلى إن يصل إلى يثرب حيث تتصل به أودية فرعية أخرى، منها "وادي العقيق"، ويتصل به كذلك "وادي القرى"، ويستمد مياهه من السيول التي تنحدر إليه من الجبال من العيون التي عند خيبر حيث يصب في البحر الأحمر في جنوب قرية الوجه. وعند هذا المصب بقايا قرية يونانية قديمة، وبقايا معبد يعرف عند الأهلين "كصر كريم"، وهو من مخلفات المستعمرات اليونانية القديمة التي كان الملاحون والتجار اليونانيون قد أقاموها عند ساحل البحر الأحمر لحماية سفنهم من القرصانة وللاتجار مع الأعراب، ولتموين رجال القوافل البحرية بما يحتاجون إليه من ماء وزاد. و يعتقد "موريتس" إن هذا الموضع هو محل مدينة "لويكه كومه" "Leuke Kome" المشهورة التي وصل إليها "أوليوس كالوس" لما همَّ بفتح اليمن، على حين يرى آخرون إن هذه المدينة هي في المحل المعروف باسم "الحوراء". ويبلغ طول وادي الحمض زهاء 900 كيلومتر.

وهناك "وادي حنيفة" وهو من الأودية المهمة كذاك، يبتدئ من غرب "جبل طويق" ثم يتجه نحو الشرق نحو الخليج العربي، وهو مهم، ويمكن الحصول على المياه فيه بطريقة حفر الآبار، لأن الماء غير بعيد عن قاعه. و أما عند هطول الأمطار، فإن المياه تجري إليه من السفوح فتسيل فيه.

ولقلة المياه في بلاد العرب، انحصرت الزراعة فيها في الأماكن التي حبتها الطبيعة بمواسم تتساقط فيها الأمطار مثل العربية الجنوبية، وفي الأماكن التي ظهرت فيها عون وينابيع، مثل وادي القرى في الحجاز، والأحساء على الخليج العربي. وفي الأودية والأماكن التي تكثر فيها المياه الجوفية، حيث استنبطت المياه منها بحفر الآبار. والزراعة في هذه الأماكن -باستثناء العربية الجنوبية- هي زراعة محدودة، حدودها ضيقة، وآفاقها غير بعيدة، و ناتجها قليل لا يكفي لإعاشة كل السكان. و قد لزمت سكان الأرضين التي تغيث السماء أرضهم، بإنزال الغيث عليها، الاستفادة. من الأمطار المنهمرة،يحصرها وتوجيهها إلى مخازن تخزنها لوقت الحاجة، وذلك بإنشاء السدود و إقامة الخزانات ذوات أبواب تفتح وتغلق لتوجيه المياه الوجهة التي يريدها الإنسان. وقد أقيمت هذه السدود في مواضع متناثرة من جزيرة العرب، خاصة في الأماكن التي يركبها المطر مثل العربية الجنوبية والعربية الغربية. وتشاهد اليوم آثار سدود جاهلية استعملها الجاهليون للاستفادة من مياه الأمطار. ولما كانت الأمطار رحمة ونعمة كبرى، إذا انحبست نفقت إبل العرب ومواشيهم، صار انحباسها نقمة وهلاكاً، وعدّوا انحباسها عنهم غضباً من الآلهة ينزل بهم، ولهذا كان الجاهليون يتضرعون إلى آلهتهم ويتقربون إليها، إن تنزل عليهم الغيث، ولهم في ذلك صلوات وأدعية- للاستسقاء سيأتي الحديث عنها في باب الدين عند الجاهليين. وعلى خلاَف العيون الحارة التي هي من آثار التفاعلات البركانية والتفاعلات الباطنية. الكيماوية، فان في بلاد العرب عيون وينابيع وواحات، صارت موطناً للزراع والزرع. وبعض، هذه العيون، تتدفق من الجبال والهضاب وبعد مجرى قصير تعود فتدخل باطن الأرض كما هو الحال في أرض "مَدْيَن". وهنالك عيون تتوقف حياتها على المطر. وقد استفاد الجاهليون من بعض العيون والينابيع فربطوها بكهاريز وبقنوات تجري فيها المياه تحت سطح الأرض الى بيوتهم ومزارعهم دون إن تتعرض للتبخر الزائد: فتفقد كميات كبيرة من المياه تذهب هباء. وقد عثر على شبكات منها في عُمان وفي وادي فاطمة بالحجاز وفي اليمن.

أقسام بلاد العرب

قسّم اليونان و اللاتين جزيرة العرب إلى أقسام ثلاثة: ا - العربية السعيدة Arabia Felix. 2 - العربية الصخرية، وترجمت بالعربية الحجرية كذلك "Arabia Petreae". 3 - العربية الصحراوية Arabia Deserta.

وهو تقسيم يتفق مع الناحية السياسية التي كانت عليها البلاد العربية في القرن الأول للميلاد. فالقسم الأول مستقل، والقسم الثاني قريب من الرومان ثم أصبح تحت نفوذهم، و أما القسم الثالث فهو البادية إلى نهر الفرات.

وقد أشير إلى العربية السعيدة والعربية الصحراوية في الموارد "الكلاسيكية" القديمة مثل جغرافية "سترابون". ويرى بعض العلماء إن القسس الآخر وهو "العربية الصخرية" Arabia Petreae هو من إضافة "بطلميوس" العالم الجغرافي الشهير، وقد قصد به برية شبه جزيرة سيناء وما يتصل بها من فلسطين إلى الأردن. فهو في رأي هؤلاء أحدث عهداً في التسمية من التسميتين الأخريين. ولم يأخذ الجغرافيون العرب بالتقسيم "الكلاسيكي"، مع أنهم وقفوا على بعض مؤلفاتهم، كجغرافية بطليموس. إلا إن جزيرة العرب عندهم، هي "العربية السعيدة" في اصطلاح أكثر الكتبة اليونان واللاتين.

العربية السعيدة Arabia Felix

أما العربية السعيدة، ويقال لها "Arabia Beata" و "Arabia Eudaimon" في اليونانية، فهي أكثر الأقسام الثلاثة رقعة، وتشمل كل المناطق التي يقال لها جزيرة العرب في الكتب العربية كما يفهم من بعض المؤلفات، وليست لها حدود شمالية ثابتة، لأنها كانت تتبدل وتتغير على حسب الأوضاع السياسية. ولكن يمكن القول إنها تبدأ في رأي أكثر الكتاب اليونان والرومان من مدينة "هيروبوليس" "Heropolis" على مقربة من مدينة السويس الحالية، ثم تساير حدود العربية الحجرية الجنوبية، ثم تخترق الصحراء حتى تتصل بمناطق الأهوار "اهوار كلدبا" عند موضع "Thapsacus". وقد أدخل بعض الكتاب هذه الأهوار في جملة العربية السعيدة، وجعلها بعضهم خارجة عنها بحيث يمر خط الحدود في جنوبها إلى إن تتصل بمصب شط العرب في الخليج. وعرفت البادية الواسعة التي هي جزء من النفوذ والتي تمر بها حدود العربية السعيدة الشمالية، باسم "Eremos" عند اليونان، وهي امتداد لبادية الشام.

العربية الصحراوية

ويقال لها في اليونانية "Arabia Eremos". أما حدودها، فلم يعينها الكتّاب اليونان واللاتين تعيين أَ دقيقاً. ويفهم من مؤلفاتهم أنهم يقصدون بها البادية الواسعة الفاصلة بين العراق والشام، أي البادية المعروفة عندنا ب "بادية الشام". ويكون نهر الفرات الحدود الشرقية لها إلى ملتقى الحدود بالعربية السعيدة. و أما الحدود الشمالية، فغير ثابتة، بل كانت تتبدل بحسب الأوضاع السياسية. و أما الحدود للغربية، فكانت تتبدل وتتغير كذلك، ويمكن إن يقال بصورة عامة إن حدودها هي المناطق الصحراوية التي تصاقب الأرضين الزراعية لبلاد الشام. فما كان بعيداً عن إمكانيات الرومان واليونان ومتناول جيوشهم، عد من العربية الصحراوية.

ويفهم من العربية الصحراوية أحياناً "بادية السماوة"، وقد يجعلون حدودهاعلى مقربة من بحيرة النجف، أي في حدود الحيرة القديمة، حيث بدا "بطائح كلدية" التي كانت تشغل إذ ذاك مساحة واسعة من جنوب العراق. وعرفت عند بطليموس بإسم "Amardocaea"، وهي تمتد حتى تتصل ببطائح "Maisanios Kolpos" أو "خليج مسنيوس" "خيلج ميسان"، الذي يكون امتداد الخليج العربي "Persikos Kolpos". وكل ما وقع جنوب ذلك الخط الوهمي، عد في العربية السعيدة.

وقد فهم "ديودورس" من "العربية الصحراوية" المناطق الصحراوية التي تسكنها القبائل المتبدية، وتقع في شمالها وفي شمالها الشرقي في نظره أرض مملكة "تدمر". و أما حدها الشمالي الغربي والغربي حتى ملتقاها بالعربية الحجرية، فتدخل في جملة بلاد الشام. و أما حدودها الشرقية، فتضرب في البادية إلى الفرات. فأراد بها البادية إذن. وقد جعل من سكانها الإرميين والنبط. وتقابل العربية الصحراوية، ما يقال له "اربى" عند الأشوريين، و "ماتو أربى" عند البابليين، و "أربايهَ" عند السريان والفرس.

كانت البادية، بادية الشام، أو "العربية الصحراوية"، مأهولة بالقبائل العربية، سكنتها قبل الميلاد بمئات السنين. وليست لدينا مع الأسف، نصوص كتابية قديمة أقدم من النصوص الأشورية التي كانت أول نصوص أشارت إلى العرب في هذه المنطقة، وذكرت انه كانت لديهم حكومات يحكمها ملوك. وأقدم هذه النصوص هو النص الذي يعود تاريخه إلى سنة 854 ق. م. وقد ورد فيه اسم العرب في جملة من كان يعارض السياسة الأشورية، و لما كان هذا النص يشير إلى وجود مشيخة أو مملكة عربية، سكنها ملك فلا يعقل إن يكون العرب قد نزلوا في هذا العهد في هذه البادية، بل تشير كل الدلائل إلى إن وجودهم فيها كان قبل هذا العهد بأمد، وربما كان قبل الألف الثاني قبل الميلاد. ولهد كانت هذه القبائل تهاجم أرض ما بين النهرين وبلاد الشام، وتكون مصدر رعب للحكومات المسيطرة على الهلال الخصيب، وكانت ننتقل في هذه البادية الواسعة، لا تعترف بفواصل ولا بحدود، فتقيم حيث الكلأ والماء والمحل الذي يلائم طبعها.

أما الروايات العربية، وهي لا تستند إلى وثائق أو نصوص جاهلية، فقد رجحت وجود العرب في هذه الأرضين إلى ما بعد الميلاد في الغالب، ولم يتجاوز بعض من تجاوز الميلاد أيام "بخت نصر" وهو بالطبع حديث مغلوط فيه.

العربية الحجرية، العربية الصخرية

أما العربية الحجرية، فتشمل الأرضين التي كان يسكن فيها الأنباط، وخضعت لنفوذ الرومان والبيزنطيين. ويطلق ذلك الاسم، أي العربية الحجرية،. على شبه جزية سيناء على المملكة النبطية، و عاصمتها "بطرا" "بترا" "البتراء". وكانت حدود هذه المنطقة تتوسع وتتقلص بحسب الظروف السياسية و بحسب مقدرة العرب، ففي عهد الحارث الرابع ملك الأنباط "من سنة 9 ق.م إلى سنة 40 ب. م" اتسعت حدودها حتى بلغت نهايتها الشمالية مدينة دمشق. ولما ضعف أمر النبط، استولى الامبراطور "تراجان" عام "106 م" على هذه المقاطعة وضمها إلى المقاطعة التي كوّنها الرومان و أطلقوا عليها أسم "المقاطعة العربية" "Provincia Arabia". ويظهر من وصف "ديودورس" هذه المنطقة أنها في شرق مصر وفي جنوب البحر الميت، وجنوبه الغربي وفي شمال العربية السعيدة و غربها. وان الأنباط يقيمون في الأرضين الجبلية وفي المرتفعات المتصلة بها التي في شرق البحر الميت، وفي شرق وادي العربة، وفي جنوب اليهودية حتى الخليج العربي، "خليج العقبة". و أما الأقسام الباقية، فكانت تسكنها في قبائل عربية قيل لها "سبئية"، وهي تسمية كانت تطلق عند الكتبة اليونان والرومان على أكثر القبائل المجهولة أسماؤها، التي تقطن وراء مناطق نفوذ الأنباط والرومان، ويعنون بذاك قبائل جنوبية في الغالب.

التقسيم العربي

و يؤسفنا أننا لا نستطيع إن نتحدث عن وجهة نظر أحد من الجاهليين في أقسام بلاد العرب، لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص أو في الروايات التي يرويها عنهم أهل الأخبار، وكلهم مسلمون. أما الإسلاميون، فقد اكتفوا بجزيرة العرب، فأخرجوا بذلك البادية الواسعة منها، واخرجوا القسم الأكبر مما دعاه الكلاسيكيون بالعربية الحجرية منها كذلك. وجزيرة العرب وحدها، هي "العربية السعيدة" عند اليونان والرومان، و ما يقال له أيضا ب "Arabia Proper" في الإنكليزية.

وقد قسموا جزيرة العرب إلى خمسة أقسام: الحجاز، وتهامة، واليمن، والعروض، ونجد. ويرجع الرواة أقدم رواياتهم في هذا التقسيم إلى عبد الله بن عباس.

الحجاز

أما الحجاز، فتمتد رقعته في رأي أكثر علماء الجغرافية المسلمين. من تخوم الشام عند العقبة إلى "الليث"، وهو واد بأسفل.السراة يدفع في البحر، فتبدأ عندئذ أرض تهامة. وقد عد قسم من العلماء "تبوك" وفلسطين من أرض الحجاز. ويقال للقسم الشمالي من الحجاز أرض مدين وحسمى. نسبة إلى السلسلة الجبلية المسماة بهذا الاسم، التي تتجه من الشمال نحو الجنوب، و تتخلها أودية محصورة بين التيه وأيلة من جهة، وأرض بني عذرة من ظهرة حرة نهيل من جهة أخرى. وكانت تسكنها في الجاهلية قبائل جذام. ويسكنها في الزمن الحاضر عرب الحويطات، ويعتقد المستشرقون أنهم من بقايا النبط.

وأرض "حسمى"، أرض خصبة كثيرة المياه. وكانت من المناطق المعمورة، وبها آثار كثيرة ومن جبالها جبل يعرف ب "إرم". ويرى بعض المستشرقين إن لهذا الجبل علاقة بموضوع "إرم" الوارد ذكره في القرآن الكريم وفي كتب قصص الأنبياء والتواريخ. ويرى "موريتس" انه موضع "Aramaua" الذي ذكره "بطليموس" على أنه أول موضع من مواضع العربية السعيدة، وأنه لا يبعد كثيرا عن البحر. ويقال له "رم" في الزمن الحاضر.

وتتخلل الحجاز أودية عديدة، منها وادي إضم الذي ورد ذكره في أشعار الجاهلية وفي أخبار سرايا الرسول. ووادي تخال، ويصب في الصفراء بين مكة والمدينة. والصفراء واد من ناحية المدينة، كثير النمل والزرع، في طريق الحاج، سلكه الرسول غير مرة، وعليه قرية الصفراء، وماؤها عيون تجري إلى ينبع، وهي لجهينة والأنصار ولبني فهر ونهد ورضوى. ووادي "بدا" قرب أيلة، يتصل بوادي القرى. ووادي القرى واد مهم يقع بين العلا والمدينة، ويمر به طريق القوافل القديم الذي كان شرياناً من شرايين الحركة التجارية في العالم القديم، ويقال له "وادي الديدبان"، ويصب فيه واديان هما: وادي جزل من الشمال، ووادي الحمض من الجنوب، ويلتقي به واد آخر هو وادي التبج، أي وادي السلسلة. وكان عامراً جدا، تكثر فيه المياه، وتشاهد فيه اليوم آثار المدن والقرى. وقد عثر فيه على كتابات كثيرة لحيانية وسبئية وسعين ية وغيرها، سأتحدث عنها. ومن أهم مواضع وادي القرى "العلا"، وقد نزله الرسول في طريقه إلى تبوك. ويقع في موضع "ديدان" "ددان" "ددن" القديم. وبه واحة ونهير صغيره. ومدينة "قرح"، وكانت من أسواق العرب في الجاهلية، وقد زعم أنها القرية التي كان بها هلاك عاد. وتبعد عن خرائب "ديدان" بمسافة ثلاثة كيلومترات. وقد سكنتها قبائل "بليّ" من القبائل العربية القديمة. وهي ملتقى طريق مصر القديم بطريق الشام. ويرى "موسل" أنها هي "العلا"، دعيت بهذا الاسم فيما بعد. ولما سأل "دوتي" الأعراب القاطنين في هذه الأماكن عن "قرح"، لم يعرفوا من أمرها شيئاً. ووجد "دوتي" في قرى وادي القرى وخرائبه عدداً كبيرا من الحجارة المكتوبة بحرف المسند، وقد اتخذها السكان أحجارا من أحجار البناء. وعثر في "الخريبة" على كتابات بهذا القلم، وعلى آثار أبنية ومواطن حضارة. وعلى ألواح من الحجر كان يستعملها الصيارفة لصف نقودهم عليها، أو لذبح القرابين. كما شاهد موضعاً يقال له "إسطبل عنتر" على قمة جبل شاهق يرنو إلى الوادي ولعله معبد أحد الأصنام التي كانت تعبد هناك.

تهامة

وتبدأ حدود تهامة، في رأي بعض الجغرافيين، من بحر القلزم، فتكون المنطقة الساحلية الضيقة الموازية لامتداد البحر الأحمر. ويقال لتهامة الواقعة في اليمن "تهامة اليمن"، ويختلف عرضها باختلاف قرب السلاسل الجبلية من للبحر وبعدها عنه، وقد يبلغ عرضها خمسين ميلاَ في بعض الأمكنة. وترتفع أرض تهامة الجنوبية الواقعة على البحر العربي ما اتجهت نحو المشرق، وتتكون فيها سلاسل من التلال المؤلفة من حجارة كلسية ترجع إلى العهود الجيولوجية الحديثة أو من حجارة بركانية. ولانخفاض أرض تهامة قيل لها "الغور" و "السافلة". وقد وردت لفظة تهامة على هذا الشكل "تهمت" "تهمتم" في النصوص العربية الجنوبية.

ويظهر إن هذه اللفظة علاقة بكلمة "Tiamtu"، التي تعني البحر في البابلية. وبكلمة "تبهوم Tehom" العبرانية. وعندي إن هذه الكلمة ترجع إلى أصل سامي قديم. له علاقة بالمنخفضات الواقعة على البحر، والتي تكون لذلك شديدة الرطوبة والحرارة في الصيف. ولهذا فإنها في العربية بلهجة القرآن الكريم وباللهجات الجنوبية للسواحل المنخفضة الواقعة بين الجبال والبحر، وهي حارة وخمه شديدة الرطوبة كأنها من بقاع جهنم في الصيف.

اليمن

حدّ اليمن في عرف بعض العلماء من وراء "تثليث" وما سامتها إلى صنعاء وما قاربها إلى حضرموت والشحر وعمان إلى عدن أبين وما يلي ذلك من التهائم والنجود وقيل: يفصل بين اليمن وباقي جزيرة العرب خط، يأخذ من حدود عمان ويرين إلى ما بين اليمن واليمامة فإلى حدود الهجيرة وتثليث وكثبة وجرش ومنحدرا في السراة إلى شعف عنز وشعف الجبل أعلاه إلى تهامة إلى أم جحدم إلى البحر إلى جبل يقال له كرمل بالقرب من حمضة، وذلك حد ما بين كنانة واليمن من بطن تهامة. أما النصوص العربية الجنوبية، فلم تثبت حدود اليمن. ولكن اليمن فيها وتسمى "يمنت" "يمنات"، منطقة صغيرة ذكرت في نص يعود عهده إلى أيام الملك "شمر يهرعش"، المعروف في الكتب الإسلامية ب "شمر يرعش"، بعد "حضرموت" في الترتيب. وعلى هذا الترتيب وردت أيضاً في نص "أبرهة" نائب النجاشي على اليمن. ويعود عهده إلى سنة 543م. وتخترق السراة اليمن من الشمال إلى الجنوب حتى البحر، وتتخللها الأودية التي تنساب فيها مياه الأمطار،ويمتد بين الهضاب والشعاب فلاة تتفرع من الدهناء من ناحية اليمامة والفلج يقال لها "الغائط"، وتظهر في أواسطها "الصيهد"، وتقع بين مأرب وحضرموت.

وفي شمال منطقة عدن صحراء تتصل بالربع الخالي، يخترق الهضاب المهيمنة على عدن عدد من الأودية الجافة يظهر أنها كانت مسايل مياه، وأنها من بقايا أنهار جفت، وتسيل في بعضها المياه عند سقوط الأمطار، ومنها "وادي تبن"، وهو من بقايا نهر طويل، له فروع عديدة، وتمر به الطريق الرئيسية المؤدية إلى اليمن. ويخترق حضرموت واد، يوازي الساحل، يبلغ طوله بضع مئات من الأميال و يتألف سطحه من ارضين متموجة تتخلها أودية عميقة تكثر فيها المياه، في باطن الأرض، وبعض تلاله مخصبة. وفي حضرموت حجارة بركانية ومناطق واسعة، يظهر أنها كانت تحت تأثير البراكين. والظاهر إن دورها لم ينته إلا منذ عهد ليس ببعيد. ويزرع الناس في هذه الأودية حيث يحفرون آباراً في قيعانها فتظهر المياه على أبعاد متفاوتة، وهنالك نهر يقال له نهر حجره.

ومن شرق سيحوت تبتدئ سواحل "مهرة"، وتعرف عند الجغرافيين باسم "الشحر". ومعنى كلمة "مهرة" في العربية الجنوبية القديمة "ساحل". ويطلق اليوم أسم "الشحر" على الميناء الغربي وحده. وفي "قارة" مدينة "ظفار"، وهي غير ظفار اليمن. وعند خليج ظفار كان موضع "Syagro" المشهور عند اليونان وللرومان. ويمتد اقليم ظفار من سيحوت إلى حدود عمان، وهو هضبة يبلغ ارتفاعها ثلاثة آلاف قدم، تجب عليها الرياح الموسمية، وفوق جبالها تنمو أشجار الكندر التي اشتهرت بها بلاد العرب قبل الإسلام. وتشقها طولاً وعرضاً أودية تكسوها الأعشاب وتتخللها الأشجار. وبها جبال "قرا"، و منحدراتها أرجوانية، وقد تفتتت الصخور الحمر فيها، فأكسبت الأودية والسهول الحمرة، وتوجد نهيرات وعيون، ويمكن الحصول على المياه بحفر الآبار. ولا زال السكان يحتفظون بعاداتهم القديمة الموروثة مما قبل الإسلام. ويظهر إن هذه المنطقة كانت أماكن "القريين" من الشعوب العربية الجنوبية القديمة، وهناك قبيلة لا تزال حتى اليوم يقال لها "بنو قرا" لعل لها صلة بالقريين.

ويتكلم أهل "مهرة" بلهجة خاصة، يقال لها "المهرية" أو "الأمهرية"، وهي متأثرة بالجعزية. كما يتكلم أهل قارة "قرا" بلهجة يقال لها "أحكيليلة"، ويظن إنها من اللهجات العربية القديمة.

وتتألف أرض عمان من أماكن جبلية، وهضاب متموجة، وسهول ساحلية. واكثر حجارتها كلسية و غرانيتية، و فيها أيضا حجارة بركانية. والظاهر إنها كانت من مناطق البركانية. وفي مناطق التلال وفي "جعلان" عيون ومجاري مياه معدنية أكثرها ذات درجات حرارة مرتفعة. وتوجد آبار في "الباطنة" وفي المناطق المجاورة للصحراء وفي الأقسام الشرقية من عمان. وتتخلل هضاب عمان وجبالها أودية معظمها جاف، وتكون طرق المواصلات بين الساحل والأرضين الباطنة، وجوّها حار استوائي، وتتجه الجبال من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وأعلى قمة فيها هي قمة الجبل الأخضر، ويبلغ ارتفاعها تسعة آلاف قدم. الأرضون المحيطة بهذا الجبل، خصبة، وقابلة للاستثمار.

وفي عمان مدن قديمة، منها "صحار" و "نزوة" و "دبا" أو "سما"، وكانت من المدن المهمة في أيام الرسول، وهي عاصمة عمان الشمالية، كما كانت سوقاً من أسواق الجاهلية، وسكانها من الأزد. والعمانيون من الشعوب للبحرية المحبة لركوب البحار، ولهم صلات وروابط بسواحل أفريقية والهند. ونجد بينهم عدداً كبيراً من الزنوج والهنود والفرس والبلوج. العروض و أما العروض، فيشمل اليمامة والبحرين وما والاها. وأغلب الأرضين فيه صحارى وسهول ساحلية، ترتفع في الجهات الغربية عن ساحل البحر. ويمتد مرتفع الصمان الصخري موازياً لساحل الخليج، متوسطاً بين الأحساء والدهناء. ومن اودية الأحساء، وادي فروق في الجنوب، وهو قسم من وادي المياه. ومن أقسام العروض، شبه جزيرة "قطر" التي يمتد من عمان إلى حدود الأحساء، يشتغل سكانها بصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ، وقد عرفت ب "Cataraei" عند "بلينيوس". ومعظم أراضيها صحارى، وفيها واحات قليلة، ويزرع السكان في بعض الأماكن على مياه الآبار. وقد عرفت قديماً بأنواع من الثياب والمنسوجات القطرية، كانت تصدَّر إلى الخارج، كما عرفت بتصدير النجائب والنعام. و يلي شبه جزيرة قطر: "الأحساء"، وكان يقال لهذه المنطقة قديماً "هجر" والبحرين. والقسم الأكبر من الأحساء، سهل صحراوي، يرتفع في الجهة الغربية عن ساحل البحر ويتخلله كثير من التلال، يتجه بعضها باتجاه وادي المياه وجبل الطف. والمنطقة الساحلية، سبخة في الغالب، وتكثر فيها الآبار التي لا تبعد مياهها كثيراً عن سطح الأرض. وأغلب مناطق الأحساء، منطقة الأحساء والقطيف في الجنوب حيث تكثر المياه من آبار وعيون.

وتظهر المياه الجوفية المنحدرة من الأمطار التي تتساقط بمقدار أربع عقد أو خمس عقد "انج" في السنة على حافات جبل "طويق" في "الهفوف"، تظهر فيها على شكل عيون، تبلع زهاء أربعين عيناً، جعلت المنطقة من أهم الواحات في المملكة العربية السعودية. وبحذاء هجر في الجنوب الغربي من مدينة القطيف تقع "العقير"، وهي الآن ميناء صغيره. وعلى مقربة منها خرائب عادية، يعتقد العلماء أنها موضع "Gerrhaei" المدينة التجارية العظيمة التي اشتهر أمرها، وبلغت شهرتها اليونان والرومان. وكانت محطة من المحطات التجارية العالمية، وملتقى طرق القوافل التي كانت ترد من جنوب بلاد العرب قاصدة للعراق. وقد أغرت الطامعين، فطمعوا في الاستيلاء طيها، وأوحت إلى الكتبة "الكلاسيكين"، فكتبوا فيها قصصاً من نسج الخيال، وتقع على خليج سماه "الكلاسيكيون" "Sinus Gerraicus"؛ أي خليج جرهاء.

وتقع القطيف على خليج يشمل جزيرة "تاروت" وتعد المدينة البحرية الرئيسية في الأحساء، يرتفع سطحها بضع أقدام عن سطح البحر، وتكثر بها مياه العيون. وتشاهد عندها خرائب عادية، يستدل منها على إن هذه المدينة كانت ذات تاريخ قديم، ربما يعود إلى آخر عهد من عهود العصر النحاسي.

وفي هذه المنطقة، يجب إن يكون موقع مدينة "بلبانا" "Bilbana" "Bilaena" "Bilana"، إحدى مدن "الجرهائيين". ومواطن قبيلتي "Gaulopeus" و "Chateni" على سواحل خليج سماه "بلينوس" "Sinus Gaulopeus" أي "خليح كيبيوس". ويرى "شبرنكر" أنه "خليج القطيف". ويذكرنا اسم "Chateni" "p'dkd" باسم "الخط"، ويطلق في العربية على سيف البحرين كله. وربما كان "كيبيوس"، التي سميّ الخليج به، هو تحريف "Cateus" الذي يشير بكل وضوح إلى اسم "القطيف". و أما جزيرة "تاروت" الصغيرة التي في هذا الخليج، فالظاهر إنها جزيرة "Tahar" أو "Taro" أو "Ithar" في جغرافية "بطليموس"، وفيها مدينة "دارين". ويظهر إنها أقيمت على أنقاض أبنية قديمة، ولعلها كانت معبداً للإله "عشتروت" 0 اشتهرت به، ثم حذف المقطع الأول من اسم الإلهَ اختصاراً، وصارت تعرف بالمقطعين الأخيرين، و هما "تاروت". والقسم الأكبر من أرض الكويت منبسط، وأكثر السواحل رملي، إلا بعض الهضاب أو التلال البارزة. وفي المحالّ التي تتيسر فيها المياه تتوافر الزراعة، وأكثر ما بزرع هناك النخيل. وليس في الكويت من الأنهار الجارية غير مجرى واحد أو نهر يقال له "المقطع"، يصب في البحر. ومشكلة ماء الشرب من أهم المشكلات في هذه الإمارة، لأن ماء أغلب الآبار ملح أجاج،ولذلك يضطر الأغنياء إلى جلب المياه من شط العرب.

ومن أشهر مدن الكويت مدينة "الكويت"، وهي العاصمة، وهي على ساحل الخليج، و "جهرة"، وفي في منطقة زراعية خصبة، ذات أبار على مقربة من خليج الكويت. ويظن إن الخندق الذي أمر بحفره "سابور ذو الأكتاف" ليحمي السواد من غزو الأعراب، كان ينتهي في البحر عند "خليج كاظمة" في شمال الإمارة.

وأرض الكويت، مثل سائر أرض العروض، كانت موطن شعوب قديمة، فيظهر. إن "Bukae" أو "Abucaei" أو "Abukae"، وعاصمتهم مدينة "Coromanis"، هم أسلاف بني عبد القيس، وأن "Coromanis"، المصدر اللغوي الذي اشق منه "القرين"، الاسم القديم للكويت. ولعلّ "Idicare" هي "قارة" من مواضع الكويت، وان "Jucara" هي "الجهرة" من أخصب مناطق الكويت في الزمن الحاضر،وكانت من المواضع المأهولة قبل الإسلام.

وقد عرف "ياقوت" البحرين بأنها الأرضون التي على ساحل بحر الهند بين البصرة وعُمان، وذكر إن من الناس من يزعم إن البحرين قصبة هجر، و أن منهم من يرى العكس، أي إن هجراً هي قصبة البحرين. أما "أبو الفداء" فذكر إن البحرين هي ناحية على "شط بحر فارس"، وهي ديار القرامطة ولها قرى كثيرة، وبلاد البحرين هي هجر. وذكر أيضا إن من الناس من يرى إن هجراً اسم يشتمل جميع البحرين كالشام والعراق، وليس هو مدينة بعينها. ويظهر من دراسة ما ذكره العلماء عن البحرين إن رأيهم في حدودها كان متبايناً، وأنهم لم يكونوا على اتفاق في تحديدها، فتارةً يوسعونها، وتارة يقلصونها.

ومن مواضع البحرين "محلّم" وبه نهر اشتهر بنخله، و إليه أشار "بشر بن أبي ختزم ألاسدي" بقوله: كأن حد وجهم لمّا استقلوا نخيل "محلّم" فيها ينـوع اليمامة و أما اليمامة، فكانت تعرف ب "جو" أيضاً، وقد عدّها "ياقوت الحموي" من نجد، وقاعدتها "حجر". وكانت عامرة ذات قرى ومدن عند ظهور الإسلام، منها "منفوحة"، وبها قبر كان ينسب إلى الشاعر "الأعشى". و "سدوس" من المدن القديمة، وبها الآن آثار كثيرة، وقد عثر فيها على تمثال يبلغ قطره ثلاث أقدام، وارتفاعه 22 قدماً. و "القرية"، وعلى مقربة منها بئر، قال الهمداني -وهو يتحدث عنها-: "فإن تيامنت شربت ماءً عادياً، يسمى قرية، إلى جنبه آبار عادية وكنيسة منحوتة في الصخر، ثم ترد ثجر". والظاهر إن هذا الموضع كان من المواضع الكبيرة المعروفة. وذكر ياقوت وغيره إن اليمامة "كانت تسمى جوا والقرية". ولا يعقل تسمية اليمامة بالقرية لو لم يكن هذا الموضع شهرة.

وقد نشر "فلبي" وبعض رجال شركة النفط العربية السعودية صوراً فوتوغرافية لكتابات ونقوش عثروا عليها في موضع يقال له "قرية الفأو" على الطريق الموصلة إلى نجران ويقع على مسافة سبعين كيلومتراً من جنوب ملتقى وادي الدواسر بجبل الطويق، وعلى مسافة "120" كيلومتراً من شرقي "نجران"، وعلى ثلاثين ميلاً من جنوب غربي "السليل" في وادي الدواسر. كما وجدوا آثار أبنية ضخمة، يظهر أنها بقايا قصور كبيرة، ووجدوا كهفاً منحوتاً في الصخر مزداناً بالكتابات والتصاوير واسعاً.، يقول له الناس هناك "سردباً" أو "سرداباً". وعند هذا الموضع عين ماء وآبار قديمة، وقد كتب اسم الصنم "ود" بحروف بارزة. وتدل كل الدلائل على إن الموضع الذي تتغلب عليه الطبيعة الصحراوية في الزمن الحاضر، كان مدينة ذات شأن. وقد أشار الألوسي في كتابه "تاريخ نجد" إلى سدوس وآثارها فقال: "وفي قربها أبنية قديمة يظن أنها من آثار حمير وأبنية التبابعة. "نقل لي بعض الأصحاب الثقات من أهل نجد: إن من جملة هذه الأبنية شاخصاً كالمنارة، وعليها كتابات كثيرة منحوتة في الحجر ومنقوشة في جدرانها. فلما رأى أهل قرية سدوس اختلاف بعض السياحيين من الإفرنج إليها، هدموها ملاحظة التدخل معهم". وفي هذا الوصف دلالة على إن الخرائب التي ذكرها "ياقوت الحموي" بقيت، وأن المنبر الذي أشار إليه، قد يكون هذا الشاخص الذي شبه بالمنارة والذي أزيل على نحو ما ذكره الألوسي.

والكتابات التي عثر عليها في "قرية الفأو" ذات أهمية كبيرة، لأنها أول كتابة باللهجات العربية الجنوبية عثر عليها في هذه المواضع، وتعود إلى ما قبل الميلاد. وعثر فيها على مقابر، وعلى أدوات وقطع فخارية ظهر من فحصها أنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. ويرى من فحص هذه الآثار أنها تعود إلى السبئيين . والظاهر إن هذا الموضع هو بقايا مدينة قديمة كانت تتحكم في الطريق التجارية التي تخترقها القوافل إلى تقصد الخليج الفارسي والعراق من اليمن عن طريق نجران. وفي هذه المنطقة بصورة عامة بقايا مدن تخربت قبل الإسلام. ورأى "برترام توماس" "Bertram" إن آبار "العويفرة" القريبة من القرية هي موضع "أوفير" "Ophir" الوارد ذكره في التوراة والذي اشتهر بالذهب، والطواويس، وان الاسم العربي القديم هو "عفر" "Ofar"، وقد تحرف بالنقل إلى العبرانية واليونانية، فصار "Ophir". وهذا الموضع قريب من مناجم الذهب. وبالجملة إن هذه الأرضين ويبرين ووبار وغيرها، هي من المناطق التي تستحق الالتفات إليها وتجريد البعثات العليمية للتنقيب فيها ودراسة أحوالها والتطورات التي طرأت عليها.

ويظهر إن هنالك جملة عوامل أثرت في اليمامة وفي أواسط جزيرة العرب، فحولت أراضيها إلى مناطق صحراوية، على حين أننا نجد في الكتب أنها كانت غزيرة المياه، ذات عيون وآبار ومزارع ومراع. ومن أودية اليمامة "العرض" "العارض" الذي يخترق اليمامة من أعلاها إلى أسفلها. ولما كان من الأودية الخصبة، كثرت فيها القرى والزروع. وهو واد طويل، لعله من بقايا مجرى ماء قديم، و "الفقي"، في طرف عارض اليمامة، تحيط به قرى عامرة،تسمى "الوشم". و "وادي حنيفة" و "عرض شمام". وفي اليمامة مرتفعات مثل "جبل شهوان"، تخرج منه العيون ومياه، و "عارض اليمامة"، ويبلغ طوله مسيرة أيام، وتكون عند سفوحه الآبار. و تعد "الافلاج" من المناطق التي تكثر فيها المياه، و تصب فيها أودية العارض، و فيها السيوح الجارية و الجداول التي تمدها العيون. و قد ذكر "الهمداني" من سيوحة "الرقادى" و "الأطلس" و "نهر محلّم". قال: و يقال انه في أرض العرب بمنزل ة نهر بلخ في أرض العجم. وطبيعي إن يكثر فيها وجود الخرائب العادية التي إلى ما قبل الإسلام. وقد وصف الهمداني بعض التحصينات القوية، فقال عنها أنها من عاديات طسم و جديس، مثل "حصن مرغم و "القصر العادي" بالأثل. و يرجع "فلبي" الخراب الذي حل باليمامة إلى العوامل الطبيعية، و منها فيضان وادي حنيفة.

نجد

نجد في الكتب العربية "اسم للأرض العريقة التي اعلاها تهامة و اليمن، ة أسفلها العراق و الشام". وحدها ذات عرق من ناحية الحجاز، و ما ارتفع عن بطن الرمة، فهو نجد إلى أطراف العراق و بادية السماوة. و ليست لنجد في هذه الكتب حدود واضحة دقيقة، وهي بصورة عامة الهضبة التي تكون قلب الجزيرة، وقد قيل لها في الإنكليزية: "The Heart of Arabia". و تتخلل الهضبة أودية و تلال ترتفع عن سطح هذه الهضبة بضع مئات من الأقدام، و تتألف حجارتها في الغالب من صخور كلسية ومن صخور رملية غرانيتية في بعض المواضع. و أعلى أراضيها هي أرضو نجد الغربية المحاذية للحجاز، ثم تأخذ في الانحدار كلما اتجهت نحو الشرق حتى تتصل بالعروض.

و تتألف نجد من الوجهة الطبيعية من مناطق ثلاث:

1 - منطقة وادي الرمة، و تتألف أرضوها من طبقات طباشيرية في الشمال وحجارة رملية في الجنوب، وتغطي وجه الأرض في بعض أقسامها طبقات مختلفة السمك من الرمال، وتتخللها أرضون خصبة تتوافر فيها المياه على أعماق مختلفة، ولكنها ليست بعيدة في الجملة عن سطح الأرض، وتتسرب إليها المياه من المرتفعات التي تشرف عليها وخاصة من جبل شمر، ومن الحرار الغربية التي تجود على الوادي بالمياه. ويختلف عرض وادي الرمة، فيبلغ زهاء ميلين في بعض المحلات، وقد يضيق فيبلغ عرضه زهاء "500" ياردة، وتصل مياه السيول إلى ارتفاع تسع أقدام في بعض الأوقات. 2 - المنطقة الوسطى،وهي هضبة تتألف من تربة طباشرية، متموجة، تتخللها أودية تتجه من الشمال إلى الجنوب. وبها "جبل طويق"، والأرض عنده مؤلفة من حجارة كلسية،وحجارة رملية، ويرتفع زهاء "650" قدم عن مستوى الهضبة. وتتفرع من جبل طويق عدة أودية تسيل فيها المياه في مواسم الأمطار، فتصل إلى الربع الخالي فتغور في رماله. ويمكن إصلاح قسم كبير من هذه المنطقة، ولا سيما الأقسام الواقعة عند حافات وادي حنيفة. 3 - المنطقة الجنوبية، وتتكون من المنحدرات الممتدة بالتسريح من جبل طويق ومرتفعات المنطقة الوسطى إلى الصحارى في اتجاه الجنوب. وفيها مناطق معشبة ذات عيون وآبار، مثل "الحريق" و "الخرج". ويرى الخبراء إن مصدر مياه هذه المنطقة من جبل طويق ومن وادي حنيفة. ومن مناطقها المشهورة "الأفلاج." و "السليل" و "الدواسر"،وفي جنوب هذه المنطقة تقل المياه، وتظهر الرمال حيث تتصل عندئذ بالأحقاف. ويقسم علماء العرب نجداً إلى قسمين: نجد العالية، ونجد السافلة. أما العالية فما ولي الحجاز وتهامة. و أما السافلة، فما ولي العراق. وكانت نجد حتى القرن السادس للميلاد ذات أشجار وغابات، ولا سيما في "الشربة" جنوب "وادي الرمة" و في "وجرة".

وفي جزيرة العرب وبادية الشام أرضون يمكن إن تكون مورداً عظيماً للماشية بل وللحبوب أيضاً، لو مسها وابل وهطلت عليها أمطار، وتوفرت فيها مياه، فإن أرضها الكلسية تساعد كثيراً على تربية الماشية بجميع أنواعها. كما تساعد على الاستيطان فيها، ولهذا يتول بعضها إلى جنان تخلط الألباب وتسحر النفوس عند هبوط الأمطار عليها، فتجلب إليها الإنسان يسوق معه إبله لتشبع منها. ولكن هذه الجنان لا تعمر، ويا للاسف، طويلاء، فيضطر أصحاب الإبل إلى الذهاب إلى أرضين أخرى، والى التنقل من مكان إلى مكان، فصارت حياته حياة تنقل وهي حياة الأعراب. أما وقد انتهيت من الحديث إجمالاً عن صفة جزيرة العرب وعن حدودها ورسومها العامة، فلا بد لي من الإشارة إلى جزيرة "سقطرى" "سوقطره" من الجزر التي تقابل الساحل العربي الجنوبي، وهي جزيرة كانت تعادل وزنها ذهباً يوم كَان البخور والصبر يعادلان بالذهب. أما اليوم فما زال سكانها يجمعون الصبر والبخور والندّ، ولكنهم لا يجدون لحاصلهم السوق القديمة لزوال دولة المعابد والملوك الآلهة، وحلول عهد الذرة والبترول. وسكانها منذ القدم، خليط من عرب وإفريقيين وهنود ويونان. يتكلمون بلغة خاصة هي من بقايا اختلاط اللغات في هذه الجزيرة، فيها اللهجات العربية الجنوبية القديمة والمصرية والأفريقية. وهم يعيشون في كهوف ومغاور في الغالب ينالون رزقهم من الطبيعة بغير جهد. وترى في الجزيرة آثار الماضي وقد اختلط بعضه ببعض. لتداخل الحكم في هذه الجزيرة الثمينة التي هي اليوم في قبضة الإنكليز.

والآن وقد وقفت على صفة جزيرة العرب، وعرفت على سبيل الإجمال معالم وجهها، وكيف تغلبت الصحراوية، وظهر الجفاف عليها، فإن في وسعك إن تكوّن رأياً في سبب قلة نفوس جزيرة العرب في الماضي وفي الحاضر، وفي سبب عدم نشوء مجتمعات حضرية وحكومات مركزية كبيرة فيها، وفي سبب تفشي البداوة وغلبة الطبيعة الأعرابية على أهلها وبروز الروح الفردية عند اهلها، وتقاتل القبائل بعضها مع بعض. ونفرة أهلها من الزراعة والحرف واعتدادهم إياها من حرف الوضعاء والرقيق. إن بيئة تحكمت فيها الطبيعة على هذا النحو، لا يمكن إن يشاكل سكانها سكان المناطق الباردة ذات الأمطار الغزيرة والخضرة الطبيعية الدائمة،أو سكان الأرضين التي حباها الله الخصب والأنهار والماء الغزير. من هنا اختلفت حياة العرب عن حياة غيرهم من الشعوب. وللسبب المتقدم،أي سبب تحكم الطبيعة في مصير الإنسان، انحصرت الحضارة في جزيرة العرب في الأماكن الممطورة والأماكن التي، خرجت فيها المياه الجوفية عيونا وينابيع، أو قاربت المياه فيها سطح الأرض، فأمكن حفر الآبار فيها. في هذه المواضع نبعث الحضارة وأظهر العربي فيها انه مثل عيره من البشر قارد على الإبداع حين تتهيأ له الأحوال المواتية، وتساعد الطبيعة، ومن هذه الأماكن نستقي علمنا في العادة عن الجاهليين.

وعلى الرغم من سعة مساحة الجزيرة العرب واتساعها، فإنها لن تتسع لعدد كبير من السكان لان معظم أرضها صحراوية، لا تجد الناس اليها ولا تساعد على ازدياد عدد سكانها فيها ازديادا كبيرا، غير إن ذلك لا يعني إنها لا يمكن إن تتسع لعدد اكبر من سكانها الحاليين، وان طاقاتها لا يمكنها إن تتحمل هذا العدد أو ضعفه، بل الواقع هو إن في استطاعة الجزيرة تحمل أضعفاف أضعاف هذا العدد، لو تهيأت لها حكومات حديثة رشيدة، تأخذ بأساليب العلم الحديث في استنباط مواردها الطبيعية لمصلحة أهلها وفي تحسين الصحة العامة وإيجاد موارد رزق للناس وضمان الأمن والسلامة لهم، واسكان الأعراب ، وعمل ما شاكل ذلك من امور. فان سكان الجزيرة سيزدادون حتماً، ويبلون أضعاف أضعاف ما هم علية اليوم. ونجد بين سكان جزيرة العرب في الوقت الحاضر اختلافا في الملامح الجسمية. فأهل اعلي نجد هم اقرب في الملامح إلى قبائل الأردن وعرب بادية الشام. وأهل الحجاز والسواحل، يختلفون بصورة عامة عن أهل البواطن، أي باطن الجزيرة، في الملامح بسبب اختلاط أهل السواحل بسكان السواحل المقابلة لهم، وامتزاج دمائهم. وقد أجرى بعض الباحثين المحدثين فحوصا علمية على السكان في مواضع متعددة من الجزيرة العرب لمعرفة الملامح البارزة عليهم والأصول التي يرجعون إليها، فوجدوا إن هناك امتزاجا واضحا بين السكان يظهر بصورة خاصة في السواحل، وهو امتزاج يرجع بعضة إلى ما قبل الإسلام ويرجع بضع اخر إلى الزمن الحاضر.

ولم يكن لسان عرب الجاهلية لساناً واحداً، ولكن كان كما سنرى ألسنةً ولهجات. وقد استطعنا بفضل الكتابات الجاهلية إن نوقف على بعضها. أما في للزمن الحاضر، فإن لغة القرآن الكريم هي اللغة المتحكمة الموحدة للألسنة، وهي لغة العلم والأدب والحكومات، غير إن بعض القبائل لا تزال تحتفظ بلهجاتها القديمة، وكذلك بعض أهل القرى والأرياف البعيدة عن الحضارة، فإنها تتكلم بلهجات وألسنة متفرعة من اللهجات العربية الجاهلية، كما الحال في مواضع من اليمن وفي العربية الجنوبية. ونجد في العربية الجنوبي ة قبائل تتكلم لهجات غريبة عن عربيتنا مثل اللغة المهرية واللغة الشحرية، واللهجات المسماة بألسنة "أهل الهدرة". وهي لهجات لها صلة باللغات العربية الجنوبية الجاهلية وباللغات الأفريقية.

الفصل الخامس طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها

لم تدرس طبيعة أرض جزيرة العرب دراسة علمية مستفيضة لشاملة، بالرغم من قيام الشركات الأجنبية بالبحث، في أنحاء منها، عن طبيعة تربتها للتوصل بذاك إلى اكتشاف ما في باطنها من ثروات. فأرض جزيرة العرب، أرض واسعة، تغطي الرمال اكثر مساحاتها، فليس من السهل البحث فيها بحثاً علمياً عميقاً عن تركيبها وعن تطورها في كل أنحائها، لهذا كان علمنا بهذه النواحي من البحث ضحلا" مختصراً في الغالب.

يتألف ثلثا الأقسام الشرقية من أرض المملكة العربية السعودية، من طبقات رسوبية يقال لها في علم طبقات الأرض "Sedimentry"، تكون نوعاً من الصخور يتأثر ببعض المؤثرات الأرضية، فتكون من أحسن الأماكن الملائمة للبترول والفحم. وتتألف هذه الطبقات الرسوبية في الدرجة الأولى من الحجارة الكلسية وتتكون أرض منطقة أبار البترول عند "الظهران" والمناطق الأخرى التي أصابت شركة البترول العربية السعودية الأمريكية فيها البترول، من هذا النوع من الصخور. وتوجد آثار طبقات رسوبية في المناطق الغربية من جزيرة العرب المطلة على البحر الأحمر عند جزر "فرسان" و "جيزان" و "صعبيا" و "أملج" و "المويلح" الواقع على مقربة من راس خليج العقبة، و "ضبا"، وحجارة رملية في العلا في القسم الشمالي الغربي من الجزيرة بكميات واسعة، وحجارة بركانية ولا سيما في مناطق الحرار.وصخور تكونت بفعل الترسبات المتأثرة بالضغط والحرارة، وهي التي يقال لها: "Metamorpic Formation"، وتساعد على تكوين المعادن. وقد وجدت في هذه المنطقة، خامات المعادن ولكنها لم تستغل حتى ألان استغلالاً تجارياً، كما إن هذه الخامات والأرضين لم تفحص فحصاً فنيا لمعرفة النسب المعدنية فيها.

وتوجد الصخور الرملية في عسير وفي وادي الدواسر، وتشاهد في منطقة هذا الوادي تلال تتجه من الشمال إلى الجنوب، تقع إلى جنوب "الخماسين" وعلى ارتفاع "2200" قدم، يظهر أنها تكونت من الصخور "الأيولينية" "Aelian Sandstone" ومن حجارة "الكوارتس" الضخمة، وقد حوت مقداراَ من "اكاسيد الحديد" أعطت هذه السلسلة لوناً أحمر غامقاً. ويتكون فتات هذه الحجارة على هيأة ألواح صلبة، وعند قطعها يلاحظ أنها تتكون من طبقات، ويمكن فصلها على أشكال ألواح، وقد تكونت على حافات هشه السلسلة وجوانبها أشكال طبيعية مدهشة أخاذة بتأثر فعل الرياح والرمال فيها. وتتكون أرض "قرية" من صخور كلسية، وهناك آبار قديمة تبلغ أعماقها تسعين قدماً، حفرت في طبقات أرضية مؤلفة من حجارة الكلس، تتخللها طبقات من الحجارة الرملية غير أنها ليست ثخينة. أما أرض "بئر حما" التي يبلغ ارتفاعها زهاء أربعة آلاف قدم فوق سطح البحر، وتقع على الحافات الغربية للربع الخالي، فإنها مؤلفة من الحجارة الرملية الأيولينية الحمراء، وعلى مسافة "35" ميلاّ إلى الجنوب الغربي من "حما" موضع يقال له "بئر الحسينية" فيه بئر يبلغ عمقها "129" قدماَ، وقد حفرت في أرض فيها طبقات ثخينة من "الغرانيت". و تتألف اكثر الأرضين التي تمتد من هذا الموضع إلى نجران من حجارة "غرانيتية". وتظهر الحجارة الرملية في القسم الجنوبي والغربي من هذه المنطقة التي ترتفع زهاء "1500" قدم عن مستوى سطح الوادي الموصل إلى نجران، والذي يرتفع هو نفسه زهاء أربعة آلاف قدم عن سطح البحر. وتتألف مناطق واسعة من اليمن من حجارة رملية ومن الطبقات المترسبة "Sediments". قلت: إن هنالك مناطق في الحجاز مكونة من طبقات مترسبة تعد من أحسن الصخور والطبقات الأرضية، ملائمة للنفط والفحم، إن هنالك مناطق فيها صخور بركانية ونارية: وقد تكوّ ن أكرها بعد تغييرات كبيرة وممليات طويلة من ضغط هذه السلسلة الجبلية الطويلة التي تكون العمود الفقري لجزيرة العرب. وترتفع زهاء "9000 - 11000" قدم عن مستوى سطح البحر في اليمن على ما تحتها من طبقات.

ونجد مناطق واسعة من "اللابات" مبعثرة على طول هذه السلسلة، منها ما هو حديث التكوين. ويشاهد في الزمن الحاضر لسان بارز من "اللابة" في شرقي "أبي عريش" يمتد حتى يتاخم حدود اليمن،كما نشاهد مناطق أخرى مؤلفة من هذه الحجارة في مواضع عديدة بين "شقيق" و "خور البرك" مثلاً حيث تصل "اللابة" إلى البحر الأحمر فتدخل فيه. وكذلك في شمالي "شقيق" عند "جهمة" حيث توجد بقايا بركان يكوّن جزيرة في البحر مقابل هذا الموضع. وعلى مسافة اثني عشر ميلاَ من مكة جبل، يقال له جبل النورة، حيث تحرق حجارة الكلس المكونة له، لاستخراج النورة واستعمالها في البناء. وهذه الحجارة الكلسية هي من الطبقات المترسبة المتحولة. وهناك أماكن أخرى تكونت من هذه الحجارة، يشاهدها المار من جدّة إلى موضع "مهد الذهب"، الذي تستغل ألان مناجمه، لاستخراج الذهب، وتتكون تلال مهد الذهب من الحجارة المترسبة التي تعرضت لتغيرات طبيعية عديدة، عليها طبقات من حجارة "البازلت" "Basalt".وفي حجارة المناجم خامات معادن متعددة، وتوجد حجارة "الكوارتس" "Quartz". وتوجد في منطقة الطائف صور "الغرانيت"، وفي نهاية هذه السلسلة الجبلية الطويلة التي تنتهي في اليمن تشاهد "لابات" الحرِار وبقايا الحرار التي كانت تزعج اليمانيين، إذ هي قد تقذفهم حممها في يوم من الأيام فتسومهم سوء العذاب. وفي أرض، اليمن عدد كبير من الحِرار، ذكر السياح بعضها، مثل حرة "أرحب"، وتقع شمالي "صنعاء" ولها لابة استخرج منها الناس حجارة سوداً لبناء البيوت. وعلى مقربة من "ذمار" تكون الأرض بركانية. وتوجد الحرار في القسم الشمالي من "وادي أبرد"، وفي الوادي بين "صرواح" و "مأرب". وقد حمل بعض المستشرقين وجود الحرار في اليمن بهذه الكرة وعلى مقربة من المدن القديمة، على تفسير هلاك بعضَ المدن كراب "مأرب" و "حقة" و "شبوة" بتأثير هياج البراكين. كذلك توجد مناطق حرار في العربية. الجنوبية، في عدن وحضرموت و عُمان وفي الربع الخالي، وقد استعمل القدماء حجارة البراكين في البناء، ولا يزال الناس يستعملونها في البناء حتى اليوم، وقد وجد بين الحجارة المكتوبة عدد من صخور البراكين. وقد استغل الجاهليون بعض الحِوار لاستخراج الكبريت منها، وذكر "نيبور" إن أهل اليمن كانوا يستخرجون الكبريت من جيل يقع في شرقي ذمار، ويظهر إن هذا الجبل بركان قديم.

وتتكون بعض هضاب اليمن من الصخور المتبلورة التي مرت في أدوار طويلة. ويرى العلماء أنها كانت في الأصل تحت سطح البحر، ثم ترسبت عليها طبقات ثخينة من المواد الرسوبية حتى تبلورت و تصخرت. وقد استعملها الجاهليون ولا تزال تستعمل في النوافذ، لتقوم مقام الزجاج. وهناك طبقة طباشيرية وطبقات من صخور رملية غذت المناطق المنخفضة، وهي تهائم اليمن، بالرمال. وكذلك المنطقة التي يقال لها الرمله. وتتكون التربة في تهامة وفي سهل صنعاء من المواد الصلصالية التي تعود إلى الأزمنة "الجيولوجية"، المتأخرة، ومن المتكونات "الأيولينية" التي حصلت بتأثير فعل الرياح في الصخور الرملية. ويكثر وجود الصخور المتبلورة في الحجاز وفي العربية الجنوبية كذلك. وتوجد الصخور والطبقات الرسوبية في اليمن وفي حضرموت وعمان، وقد وجدت في هذه المناطق علائم وجود البترول.

والسواحل الشرقية لجزيرة العرب، أي السواحل الواقعة على الخليج، هي سهول، ولكنها سهول من الرمال في الغالب، ولهذا قلت فيها الزراعة، إلا في المواضع التي تتوافر فيها المياه الجوفية،وتتفجر عيوناً،مثل الأحساء والقطيف. وهناك سباخ ومستنقعات ناتجة من انخفاض الأرض، جوّها غير صحي. والبترول في القرن العشرين، هو الذي أغاث أهل هذه ا الأرض، وجلب لهم الثراء والمال الوافر والسيارات الفارهة وآلات التبريد ووسائل الترف والرفاهية، وبعث فيها الحياة بعد إن كانت خامدة خاملة. وقد كانت حال هذه السواحل قبل الإسلام أحسن بكثير من حالها في القرن التاسع عشر إلى يوم استنباط البترول في القرن العشرين، بدليل ما نقروه في الموارد التاريخية من أسماء مواضع كانت مأهولة، زالت واندثرت، وأسماء قبائل كانت تنزل بها، اضطرتها أحوال قاهرة متعددة متنوعة إلى هجرها، فقل عدد سكانها بالتدريج. وتعد البحرين من أكثف المناطق في جزيرة العرب. فان نسبة عدد سكانها بالقياس إلى مساحة أرضها عالية نسبياً قبل الإسلام وفي الإسلام. وسبب ذلك هو توافر الماء فيها، واعتمادها على استخراج اللؤلؤ من البحر و على صيد السمك الذي يقدم للأهلين المادة الأولى للمعيشة. و الماء غير عميق عن سطح الأرض وقد مون عيونا في بعض الأماكن و لهذه المميزات صارت موطنا للحضر قبل الإسلام بزمن طويل.

وفي جزيرة العرب خامات معادن، و من الممكن استغلال بعضها استغلالا اقتصاديا، و من هذه المعادن الذهب، و قد ذكر الجغرافيون العرب أسماء و مواضع عرفت بوجود خام الذهب بها، مثل موضع "بيشة" أو "بيش"، و قد كان به معدن غزير من التبر. و المنطقة التي بين القنفذة و "مرسي )حلج".

و يظهر من المؤلفات اليونانية و من الكتب العربية أن المنطقة التي بين القنفذة و "عتود"، كانت معروفة بوجوج التبر فيها، فكان الناس يشتغلون هناك بأستحلاص الذهب منه، و لهذا رأى "موريتس" أن هذه المنطقة هي منطقة "أوفير" "Ophir" التي ورد ذكرها في التوراة على إنها تصدر الذهب. و يشاهد في وداي تثليث على مقربة من "حمضة" و على مسافة 183 ميلا من نجران أثار التبر، ويظهر انه كان من المواضع التي استغلت قديماً لاستخراج الذهب منها. وقد اشتهرت ديار بني سليمبوجود المعادن فيها، وفي جملتها معدن الذهب، ويستغل اليوم الموضع الذي يقال له "مهد الذهب"، ويقع إلى الشمال من المدينة باستخراج الذهب منه، وتقوم بذلك شركة تستعمل الوسائل الحديثة، تحرّت في مواضع عديدة من الحجاز الذهب والفضة ومعادن أخرى، فوجدت أماكن عديدة، استغلت قديماً لاستخراج "التبر" منها، ولكنها تركتها لعدم يمكنها من الحصول على الذهب منها بصورة تجارية، تأتيها بأرياح حسنة، واكتفت بتوسيع عملها في "مهد الذهب"، لأنه من أغزر تلك الأماكن بخام الذهب، وظلت تنقب به إلى إن تركت العمل فيه، وحلت نفسها، وتركت كل شغل لها بالتعدين.

وقد ذكر الكتبة اليونان إن الذهب يستخرج في مواضع من جزيرة العرب خالصاً نقيأَ، لا يعالج بالنار لاستخلاصه من الشوائب الغريبة ولا يصهر لتنقيته. قالوا ولهذا قيل له "ابيرون" "Apyron". وقد ذهب "شرنكر" إلى إن العبرانيين أخذوا لفظة "أوفير" من هذه الكلمة.

وقد عثرت الشركة في أثناء بحثها عن الذهب في "مهد الذهب" على أدوات استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه، مثل رحى وأدوات تنظيف وِمدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تكوّن الذهب، وأمثال ذلك مما يدل على إن هذا المكان كان منجماً للذهب قبل الإسلام بزمن طويل، ولعله من المناجم التي أرسلت الذهب إلى "سليمان"، فأضيف إلى كنوزه، على نحو ما هو مذكور في التوراة. ويظن بعض الباحثين إن منجم "مهد الذهب" هو المنجم الذي كان لبني سليم، فعرف باسمهم وقيل له: "مدن بني سلُيم"، وقد وهبه الرسول إلى بلال بن الحارث.

وعرفت "أرض مدين" وما والاها من الأرضين في شمال "وادي الحمض"، بوجود التبر فيها. واستخراج الناس له هناك قبل الجلاد بمئات من السنين. وتوجد آثار المناجم التي كانت تستغل مبعثرة في مواضع عديدة حتى اليوم. وتوجد خامات معادن أخرى فيء الحجاز منها الكبريت والنحاس والقصدير والحديد، وتستخرج الأملاح من الصخور الملحية التي في الحجاز وفي عسير عند جيزان، ويستخرج الأهلون منها مسحوقاً لاستعماله في عمل المفرقعات كما إن هنالك مثل هذه الصخور المحلية في السلف من اليمن. ويمكن الاستفادة من هذه الأملاح فائدة كبيرة من الوجهة الاقتصادية حيث تدخل في كثير من الصناعات.

وفي منطقة "راج" توجد رواسب "البارايت" "Barite"، وتدل البعوث الأولية على أنه من الممكن استخراج عشرة آلاف طن من "البارايت" في كل عام. وتدل الدلائل على إن هنالك منجماً قديماً في منطقة "رابغ" كان يستغل لاستخراج "الكالينه" "Galena"، غير إن النماذج التي فحصت فحصاً أولياً دلت على إن هذه الماسة قليلة فيها. ويظهر إن هناك كميات كبيرة من تراب الحديد في "العقيق" على مقربة من "مهد الذهب" كما شوهدت خامات المعادن في موضع "برم" جنوب الطائف وفي موضع "نفى"، ولا يستبعد العثور على البترول في الحجاز في المواضع المتكونة من الطبقات المترسبة "Sedimentary Formation"، وتوجد في الحجاز الرمال التي تصلح لصنع الزجاج. وتستغل أرض الأحساء في استخراج "البترول"، ويكثر وجود البترول في العروض حيث حفرت الآبار في الكويت والبحرين، وتدل الدلائل على وجوده في قطر لوممان، كذلك دلت التحريات على وجوده في حضرموت في منطقة "شبوة" وفي المناطق وراء شبوة إلى داخل جزيرة العرب، حيث يحتمل العثور على مناجم للذهب كذلك. ويجري البحث عن البترول في محمية "عدن" وفي اليمن. ودلت التقارير الأولية على وجود الفحم في حضرموت في منطقة "شبوة"، وتوجد الصخور المحلية مترسبة في بطن طبقات الأرض يقتطعها الأهلون، وتستغل في الأعمال التجارية، كذلك توجد هذه الصخور الملحية في اليمن، وقد تكونت بفعل العوامل "البيولوجية" والضغط المتواصل، فتحجرت بمرور آلاف السنين عليها، وتكمن تحت سطح الأرض في بعض الأماكن حيث تحفر جوانب التلال للوصول إلى قلب مناجم الملح المتحجرة، وقد يفتت باستعمال المواد المتفجرة "الديناميت"، وتستخرج صخوره من بعض المناجم صافيه بيضاء كأنها البلور.مثل الملح المستخرج من "جبل الملح" بمأرب، فإن ملحه كما يقال صاف كالبلور. وتشتهر "السلف" بوجود مناجم ملح فيها، تقع على مسافة أربعين ميلا إلى الشمال من الحديدة. وتوجد في جزيرة "قمران" المقابلة هذا الموضع مناجم ملح، وكذلك في "اللحية".

وإلى وجود مثل هذه الصخور الملحية في كثير من أنحاء جزيرة العرب، يجب أن يعزى ظهور قصص بناء القصور من الملح المنتشرة في كتب التأريخ و الأدب.

ولما كانت أرض اليمن وأكثر الأنحاء الأخرى من الجزيرة، لم تفحص حتى الآن فحصاً فنياً، ولم تطأها أقدام الخبراء، فمن الصعب التحدث عن مواطن المعادن فيها، وعن أنواع التربة، وأثرها في الحضارة الجاهلية. وقد وجدت مصنوعات حديد في اليمن، عثر عليها في الخرائب والآثار والأماكن العادية، كما اشتهرت اليمن بسيوفها، في الجاهلية وفي الإسلام، غير أننا لا نعرف الآن المواطن التي كانت تستغل لاستخراج الحديد منها، وقد ذكر الرحالة "نيبور" انه كان في " صعدة" منجم، يستخرج منه الحديد، وأن أماكن أخرى كانت تستغل لإنتاج هذه المادة. وذكر "الهمداني" من معادن اليمن الذهب والفضة، وقال: انه كان يستخرج من "الرضواض" ولا نظير لفضه، والحديد، وكان يستخرج من "نقم" و "غمدان" و "فصوص البقران"، وتستخرج من جبل أنس. و "فصوص السعوانية" وتستخرج من "وادي سعوان" جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض ومعدنه بشهارة وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم وظليمة والجمش من شرف همدان، وحجر "العشاري"، وهو الحجر العشاري من عشار بالقرب من صنعاء، والبلور، والمسنى الذي تعمل منه أنصاب السكاكين والعقيق الأحمر، والعقيق الأصفر من الهان والجزع الموشى والمسر، والشزب تعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف وأنصاب سكاكين ومداهن وقحفة وغير ذلك. وعرفت اليمن بعقيقها الذي يقال له "عقيق يماني" و "حجر يماني" وهو "الجزع" "Onyx".

وقد بقيت بعض المواضع المذكورة تستغل معادنها في الإسلام، إلا إن تغير الوضع في جزيرة العرب في الإسلام وهجرة كثير من القبائل إلى البلاد المفتوحة، ووجود صناعات فيها ومعادن أثمانها أرخص من أثمان معادن الجزيرة، ثم تقدم العالم بعد ذلك وظهور الثورة الصناعية، كل هذا وأمثاله أثر في وضع التعدين وفي صناعة المعادن في جزيرة العرب، فدثرها، أو تركها مشلولة لا تعمل إلا في حدود مرسومة ضيقة وفي مجال محلي. وليست دولة الحيوان في جزيرة العرب دولة ضخمة عظيمة، وكيف تكون ضخمة وأكثر أرض الجزيرة عدو للحيوان ولكل ذي روح? والجمل هو الحيوان الأليف الوحيد الذي استطاع بعناده وبصلابته على السير بجبروت و بتبختر فوق رمال الصحارى، غير عابىء بالرياح العاتية التي تذرو الرمال في الأعين، وتنقل أكواما منها معها، تكفي لدفن الجمل ومن عليه أو من معه ومع ذلك فإن هذا الحيوان للصبور العنيد. لم يتوفق أيضاً في تحطيم جبروت البوادي في كل مكان، فظل ت بعضها أرضاً حراماً عليه وعلى السابلة،تحطم من يريد التجاوز عليها والاعتداء على استقلالها، بأن تميته عطشاً، فتفتح ذرات رملها الناعم، وعندئذ تغوص قوائم الجمل فيها فيبقى في مكانه حتى ينفق.

والجمل، هو أيضاً من اقدم الحيوانات التي سمعنا بها عند العرب، وأعزّها. وقد صوّر في النصوص الاشورية، عند ذكر معركة "قرقر" ومعارك أخرى، وقعت بين العرب والآشوربين. و طبيعي إن يقرن الجمل بالبادية، وأن يجعل رمزاً لها، فليسن لحيوان آخر القدرة على اجتياز البوادي واختراقها ونحمل مشقاتها وعطشها مثل الجمل. ثم انه مركب العرب، يحملهم، ومحمل تجارتهم وماءهم،وهو ممولهم بالوبر لصنع البيوت حتى قيل للأعراب "أهل الوبر" ومنه يصنعون أكسية عديدة. ولبن الإبل، هو لبن أهل البادية، وإذا احتاجوا إلى لحم، ذبحوا الجمل، فأكلوه، وأفادوا من جلده. والجمل ثروة، والثري العربي هو من يملك عدداً كبيراً من الإبل، وتقدر ثروته بقدر ما يملكه منها. وقد كان الجمل مقام "النقد"، أي مقام الدينار والدرهم في الغالب، فبعدد من الإبل يقدر مهر الفتاة، وبعدد من الإبل تفض الديّات والخصومات. وهكذا يتعامل به كما نتعامل اليوم بالنقود.

ويرى العلماء إن الإنسان ذلل الجمل حتى صيره أليفاً مطيعاً له في الألف الثانية قبل الميلاد. وقد ذهب بعضهم إلى إن العربية الشرقية كانت الموطن الذي ذلّل فيه هذا الحيوان في الشرق الأدنى، استدلوا على ذلك بإطلاق العراقيين القدماء على الجمل اسم "حمار البحر"، وقالوا إن قصدهم من "البحر" الخليج، وأن لفظة "الجمل" "جملو" "كَمَلو" في "الأكادية" إنما وردت من بادية الشام، ومعظم سكان البادية هم من العرب، وقد كانوا يستعملون الجمل استعمال الناس للسيارات ولوسائل الركوب في هذا الزمن. وقد استعملوه في الألف الثانية قبل الميلاد،فدخوله من البوادي إلى العراق هو دليل على إن العرب كانوا قد استخدموه أولاً ومنهم انتقل إلى العراق والبلاد الأخرى.

ويرى "البريت" إن البداوة الحقيقية على في ما نعرفها اليوم من السكنى في البوادي والتنقل فيها من مكان إلى مكان، لم تظهر في جزيرة العرب إلا في أواخر النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك بتذليل الإنسان للجمل وبترويضه له لخدمة أغراضه، ففتح له بذلك أبواب البوادي، وتمكن من التوغل فيها واجتيازها بفضل جمله خادمه المطيع. أما ما قبل الجمل، فقد كان العربي لا يستطيع اجتياز البوادي واختراقها لأن حماره الذي كان واسطة الركوب عنده، لا يتحمل ولوج البادية، ولا يستطيع إن يعيش فيها، وأن يصبر عن شرب الماء أو الأكل صبر الجمل، لذلك كان عرب الجزيرة في الألف الثانية، وقبل وقت تذليل الجمل رعاة في الغالب، وسائط ركوبهم الحمير، ولم يكونوا قد طرقوا البوادي أو توغلوا فيها توغل العرب أصحاب الوبر فيما بعد.

فالجمل أذن هو الذي فتح لأهل جزيرة العرب آفاق البوادي، ووسع البداوة عندهم، حتى جعلها عالماً خاصاً يقابل عالم الحضارة في الجزيرة. وهو الذي صار لهم واسطة لنقل الأموال بالطرق البرية الطويلة التي تربط أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، و تربط طرق الجزيرة مع الطرق الخارجية. و بفضل الجمل القادر على تحمل العطش و الصبر على الجوع، و على تحمل الصعاب صار في امكان العرب التنقل إلى مسافات بعيدة من الجزيرة و حمل أثقاله معه. فأستخدم العرب له هو في الواقع ثورة كبيرة في ذلك العهد بالنسبة إلى وسائط النقل و الحمل و في عالم التجارة و الاقتصاد. و من حق العربي إذا ما عبّر عن الغنى إن يعبر بكثرة ما عند الإنسان من إبل.

وقد عرف الجمل بوجود غزيرة الانتقام فيه، و بعدم نسيانه أذى من يؤذيه، لذلك زعم أنه يبقى حاقدا على المسيء إليه حتى ينتقم من و لو بعد زمن طويل, و يظن بأنها من فعل "كَمَلَ" "جَمَلَ" "كامل" "جامل"، أي انتقم، مع أنها تعني "حَمَلَ" أيضا. و قالوا إن معنى " الجمل" "المنتقم" وقالوا إنه سمي بذاك لأنه حيوان منتقم. ومن ثم وصف "أرسطو" و "أربان"، الجمل بأنه حيوان لا ينسى الأذى، سريع الانتقام. وقد يكون لأقوالهما ولأقوال غيرهما في الجمل دخل في تكوّن هذه الفكرة عنه عند الناس حتى اليوم.

الجمل المعروف في جزيرة العرب، هو الجمل ذو السنام الواحد. وهناك نوع من الجمال يقال للواحد منها "الهجين"، وهو الجمل المضرب، ويكون أصغر حجماً من الجمل العربي الأصيل، إلا أنه أسرع عدواً منه. وقد عدّ الجمل عند للعبرانين من موارد الثروة والغنى كذاك، ولذلك عدّ "أيوب" من أغنياء زمانه لأنه كان يملك ألفي جمل، وعد "المديانيون" "أهل مدين" وهم من العرب، أغنياء، لأنهم كانوا يملكون عدداً كبيراً من الجمال. وللجمل في العربية أسماء كثرة. أما في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى، فلا نجد فيها مثل هد الكثرة. ويقال للجمل "كمل" و "بكرة".ويراد ب "كمل" الجمل. أما "بكرة" فالجمل الصغر. والجمل من أقدم الحيوانات المذكورة في التوراة، وذكر أنه كان لإبراهيم عدد كبير من الجمال. وبالرغم من اشتهار جزيرة العرب بجمال خيلها، وبتربيتها لأحسن الخيل، وبتصديرها لها. فإن الخيل في جزيرة العرب إنما هي من الحيوانات الهجينة الدخيلة الواردة عليها من الخارج، ولا ترتقي أيام وصولها إلى الجزيرة إلى ما قبل الميلاد بكثير. قيل إنها وردت إليها من العراق. ومن بلاد الشام، أو من مصر، وإن وطنها الأصلي الأول هو منطقة "بحر قزوين". وهذا لا تجد في الكتابات الآشورية، أو في "للعهد القدم" أو في المؤلفات "الكلاسيكية"، إشارات إلى تربية الخيل في جزيرة العرب،أو استعمال العرب لها في حلهم وترحالهم وفي حروبهم.

وقد بقي العرب إلى ما بعد الميلاد، بل إلى ظهور الإسلام، لا يملكون عدساً كبيراً من الخيل. وفي غزوات النبي ومعاركه مع المشركين، كان عدد الخيل التي اشتركت في المعارك محدوداً معدوداً، مع أنها كانت مهمة جداً وعدة حاسمة في إحراز النصر. وذلك بسبب قلتها إذ ذاك، وعدم تمكن كل الناس من اقتنائها، إلا من كان موسراً منهم، أو في حال حسنة. فقد كانت تكاليف الخيل، كثيرة لا يتحملها إلا ذوو الدخل الحسن، فالخيل في حاجة إلى عناية ورعاية، وطعامها للمحافظة على صحتها يكلف باهظاً. فلا بد من تقديم الحشائش والحبوب لها ثم إن مجال استعمالها في البادية محدود لأنها لا تستطيع تحمل جوع الصحراء وعطشها تحمل الجمل، كما أنها لا تستطيع السير في رمال البوادي المهلكة المتعبة مسافات بعيدة هذا لم يقبل الأعرابي العادي على شرائها أو تربيتها في تلك الأيام، فصارت من نصيب أهل اليسر والحال الحسنة، يمتلكها ويعتني بها من يملك السيارات في هذه الأيام. كثرتها عند الرجل علامة على ثراء ووجاهته بين الناس. ونظراً لسرعة الخيل وخفتها في الكر والفر، صارت أهم سلاح لنجاح الغرو وإلحاق الأذى بالعدو، يغير عليها المغير فيباغت خصمه بهجوم سريع خاطف، فيربكه، وهذا أخذت القبائل، ولا سيما القبائل الساكنة في مضارب قريبة من الأرياف ومن الحضر، تشتري الخيل وتعتني بها للمحافظة على حياتها في الدفاع والهجوم. وعدّت القبائل القوية، هي التي تملك عدداً كيرا من الخيل، وصار للفارس مقام خطير في ذلك الزمن، لشجاعته وصبره في الدفاع عن مواطنيه، فهو بمثابة "الكومندو" في هذه الأيام. واستعملت الخيل للتسلية واللهو واللعب، فتسابق على ظهورها الفرسان في حلبات السباق، وتراهن الناس على السابق، ولعب الفرسان بعض الألعاب: ألعاب الفروسية وخرجوا على ظهورها للصيد، فالصياد للراكب، أقدر من الصياد الراجل على مطاردة الصيد. وفي القرآن ذكر للخيل كمصدر من مصادر القوة، يرهب بها المسلمون أعداءهم ومصدر من مصادر الثروة، ومصدر من مصادر الزينة وبهجة الحياة الدنيا. وفي الحديث ذكر لها كذلك وثناء عليها. وعُدّت الخيول من الحيوانات الشريفة الرفيعة في التوراة، وصورت على شكل خيول من نار فيها، تهبط على أعداء الرب لتنزل بهم الهلاك والدمار.

أما البغال، فإنها من الحيوانات المعروفة بتحملها للمشقات، وقدرتها على السير في المناطق الوعرة، مثل الهضاب والأرضين المتموجة والجبال. وقد استعملت في الحمل وفي الركوب،وهي تؤدي خدمات في هذه المناطق يعسر على الجمل القيام بها، وقد يعجز عنها. أما هي، فإن من الصعب عليها العمل في البوادي ذات الرمال، كما أنها لا تستطيع الصبر صبر الجمل على تحمل الجوع والعطش أياماً متوالية عديدة، لذلك لم يقبل عليها آهل البادية، ولم يعتنوا بها. وقد حرم قدماء العبرانيين على أنفسهم تربية البغال، و أول من أباح ذلك وجوز لهم استعمالها هو "داوود"، ومنذ ذلك الحين،أقبلوا على تربيتها والاستفادة منها في أرض فلسطين. ويظهر إن قدماء العبرانيين لم يكونوا يعرفون البغال، فلما وجدوها عند أمم وثنية غريبة عنهم، كرهوا استعمالها فحرموها على أنفسهم، حتى انتبه "داوود" لفائدتها ومنافعها، فاستعملها، ثم قلده في ذلك بقية العبرانيين بالتدريج.

ويظهر إن البغال لم تكن كثيرة الاستعمال في جزيرة العرب حتى ظهور الإسلام. فقد ورد في كتب السهر إن "دلدلاً"، بغلة النبي، "أول بغلة رئيت في الإسلام أهداها له المقوقس، وأهدى معها حماراً يقال له عُفير". وورد أيضاً: "أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بغلة شهباء فهي أول شهباء كانت في الإسلام". وورد: "أهدي فروة بن عمرو إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بغلة يقال لها فضة". وورد في القرآن الكريم: "والخيل والبغال والحمر لتركبوها وزينة.."، مما يدل على إن من الناس من استعمل البغال للركوب وللزينة. قد كان من الأشراف والوجهاء من يتخذ البغال للركوب في الطرق الوعرة. أما من هم دونهم في المنزلة، فكانوا يتخذون الحمير. وقد ورد في شعر ل "بشر بن أبي خازم الأسدي" ما يفيد إن البغال كانت معروفة في بعض المواضع، وأن أبولها كانت تترك وقيعاً أي أثراً على الأرض. والظاهر انه قصد بعض الأرضين الوعرة التي كان من الصعب على غير البغال السير بها، وذلك مثل بلاد اليمن التي كانت تستعمل البغال للركوب وترفع الأثقال. والحمير هي أول واسطة للركوب وللحل عند الحضر وأهمها، هي للحضري مثل الجمال للبدوي، وهي مركب مربح لا يسبب ازعاجاً، ولا سيما إذا كان اتاناً، لأنها أهدأ وآمنْ من العثار. هذا، إلى أنها صبورٌ تتحمل المشقات، ولعلّ صبرها وتحملها وسكوتها عند ضربها، قد حمل كل الناس على وسمها بالبلادة. فشبه البليد بالحمار، فإذا أريد تعبير شخص بالبلادة وعدم الفهم قيل إنه "حمار". ليس ذلك عند العرب وحدهم، بل عند غيرهم من الشعوب القريبة منهم مثل العبرانيين، والبعيدة عنهم فشهرة الحمار بالبلادة شهرة عالية. ويقال للحمار "حامور" "Hamor" في العبرانية. أما الأنثى، فإنها "أتون" "Athon" أي "أتان" في العربية. و أما الحمار الصغير، وهو ما يقال له "الكر" أو "الجحش"، فإنه "عير" "Ayir" في العبر انية. ويظهر من ملاحظات بعض الباحثين إن الحمار في جزيرة العرب هو اقدم عهداً من الجمل ومن الخيل والبغال، إذ كان واسطة الركوب والتنقل في اوائل الألف الثانية قبل الميلاد. فلما حل الجمل محله خفف من واجباته وأعماله، وصار عند العرب في منزلة هي دون منزلة الجمل بكثير.

والبقر من الحيوانات القديمة في بلاد العرب، وهي من الحيوانات الملازمة لأهل الحضر في الغالب، ولا سيما لأهل الريف، أما الأعراب فإن استفادتهم منها غير ممكنة وتكاليفها كثيرة بالنسبة إليهم، ثم إنها لا تستطيع تحمل طبيعة البادية، لذلك لم يقبلوا عليها، ولم يعتنوا بتربيتها، بل ربما نظروا إلى أصحابها نظرة ازدراء وعدم احترام. و يستفاد من ألبانها ومن لحومها وجلودها، كما يستفاد منها في حرث الأرض، وفي سحب الماء من الآبار، وفي جر العربات. وقد عثر على ألواح مكتوبة بالمسند وعليها صور ثيران تقوم بحراثة التربة لتهيئتها للزرع.

والأغنام، هي المادة الرئيسية لتموين الناس باللحوم والصوف. تربى في كل أنحاء جزيرة العرب، ويستفاد من ألبانها كذلك. أما "المعز" فيربى في المناطق المتموجة، أي ذات التلال، وفي الأرضين الجبلية بصورة خاصة. ويستفاد منها مادة للحوم وللحليب وللجلود، ويستعمل شعرها للخيام السود المصنوعة من شعرها في تلك الأزمنة. ولكن هذه الأنواع من الماشية،لا تستطيع العيش في البادية، لذلك كانت من نصيب أهل المدن وحدهم. أما أهل الوبر الضاريون في البادية فإن ماشيتهم الوحيدة الإبل. وعرفت جزيرة العرب الأسد، الذي قلّ وجوده فيها في الإسلام، ويظهر من كثرة أسمائه في اللغة ومن ورود اسمه في الشعر الجاهلي، أنه كان كثيراً فيها، وقد اشتهرت أماكن خاصة منها يكثرة أسودها حتى قيل لها "مآسد" والواحدة "مأسدة". ومن هذه الأماكن "عثّر"، واليها نسبت "أسود عثر"، و "عتود" وهي قرية نسبت إليها الأسود كذلك. وقد عرف الأسد بشدة بطشه وبقوته وبسيادته على سائر مملكة الحيوان في القوة، ولهذا لقبوا الشجاع الذي لا يقهر أسداً. أما بقية الحيوانات المعروفة باسم الحيوانات الوحشية، أي التي لم تألف الإنسان، فمنها النمر والفهد والثعلب والذئب والقط الوحشي والضبع والبقر الوحشي، أو الرئم والحمار الوحشي، وقد كان الجاهليون يصطادونه ويأكلونه عند الحاجة، حتى حرمه الإسلام، والنعامة والغزال والضَبّ، وله ذنب معقد، و يأكله الأعراب. والورل والوزغ، واليربوع، والقنفد. ولا تزال مواضع من اليمن والحجاز وحضرموت تحتضن قردة تتيه وحدها على الجبال والمرتفعات، فخورة بأنها من نسل تلك القرود التي عاشت قبل الإسلام بأمد طويل.

وعرف العقاب والبازي والنسر والصقر والبوم من بين الكواسر التي تنقض على الطيور الضعيفة والهوام فتعيش عليها، والغراب بأنواعه معروف في جزيرة العرب وله قصص في الأساطير العربية،وهذا الطائر قصص في الآداب الأعجمية كذلك، لها علاقة كما هي عند العرب بالتفاؤل والتشاؤم بصورة خاصة وكان من الحيوانات التي تركت آثرا في أساطير الشعوب القديمة وما برح الناس يتطيرون من نعيبه. والهدهد المذكور في القرآن الكريم، من الطيور الجميلة المحبوبة، وهناك أنواع عديدة من الحمام والعصافير والقطط والعنادل، وغيرها من الطيور الجميلة ولبعضها أصوات جميلة أخاذة ساحرة، كما إن لبعضها ألوانا زاهية. والجراد، وان كان طعاما شهياً لكثير من البدو، بلاء على أهل الحضر يأكل زرعهم ويأتي على ما غرسوه فتحل. بهم المجاعة، ويزيد في قساوة الطبيعة على الإنسان. ولذلك عد نقمة توجهها الآلهة على البشر، وتعبيراً عن الغضب الإلهي على الخارجين على طاعة الآلهة، ولما كان يحدثه من أضرار بالزرع والأثمار و الأشجار. والعقارب ذات أحجام وألوان، وهي تلغ من تصيبه فتؤذيه وتؤلمه إيلاماً شديداً، وهي مثال الحقد واللؤم عند العرب. يضرب المثل بطبيعتها، على عكس الأفاعي والحيّات، مع أنها مؤذية كذلك، وقد تميت من تلدغه. والسبب في ذلك أنها أكبر حجماً من العقرب، وفي استطاعة الإنسان رؤيتها وتجنبها، ثم إنها لا تقدم على الإنسان ولا تلدغه إلا إذا شعرت أنها في وضع حرج مخيف بالنسبة إليها. ولهذا ورد في الأمثال: "نحو العقرب لا تقرب، نحو الحية افرش ونم "، وزعم إن العقرب عمياء مع أنها ترى مثل سائر الحيوانات. ولكن صغر حجمها ولونها الذي يقرب من لون التراب، وكثرة وجودها في البيوت، هي عوامل تجعل الإنسان لا يميزها بسهولة، ولا يشعر بها إلا وقدمه عندها أو فوقها، فتلدغه عندئذ دفاعاً عن نفسها، كما يفعل أي حيوان آخر باستعمال ما عنده من وسائل الدفاع عن النفس.

وقد تركت الأفاعي والحيّات أثراً كبيراً في القصص العربي ولما كان بعضها كبير الحجم، يقفز على من يهاجمه بسرعة خاطفه، أفزع الناس في البوادي والأودية، وترك في مخيلاتهم باقية لا تنسى. جعلهم يربطون بين الحيات والأفاعي والعفاريت، وبين الجن "الجان"، بأن جعلت فصائل منها.

وتعيش في الرمال وفى الغابات وبين الصخور، فصائل من الحيات مختلفة الأحجام، بعضها صغير، يقفز قفز بعض السمك فوق سطح البحر، أو الهوام وبعض الحشرات فوق سطح الأرض. فلا يشعر المار إلا وأمامه حية قافزة تفزعه وترعبه. وقد طار صيتها وانتشر خبرها خارج حدود جزيرة العرب، فوصفت بلاد العرب بكثرة الحيات الطائرة، حتى زعم إن لبعضها أجنحة، وأنها ذات ألوان متعددة، وكوّن وجودها قصصا في مخيلة الآشوريين واليونان والرومان، نرى أثره فيما ذكره "هيرودتس" و "سترابو" عن تلك الحيات.

وقد فزع جيش "أسرحدون" في أثناء اختراقه البادية من كثرة الثعابين والحيات التي كانت تثور عليهم وتقفز أمامهم كما يقول نص "أسرحدون". وذكر إن من بينها ثعابين ذات رأسين، وأن من بينها ما له جناح فيطير. ولما مرّ الجيش بأرض "بوزو" "بازو" "Bozu" "Bazu"، وجد الأرض مغطاة بالثعابين والعقارب، وهي في كثرتها مثل الذباب والبعوض. والظاهر إن البوادي كانت منازل طيبة للثعابين. وقد تذمر الاسرائيليون من "الثعابين الطائرة" وفزعوا منها عندما كانوا يقطعون البوادي والفيافي في طريقهم إلى فلسطين. وقد أفزعت السياح المحدثين والمستشرقين، ومنهم "لورنس" الذي هاله ما رأى من كثرة الثعابين في الأماكن التي نزل بها وفي جملتها "وادي السرحان".

والسمك هو من أهم مواد. العيش لسكان سواحل الجزيرة، يعيشون عليه ويبيعونه لحماً جافاً ويصدرونه إلى الأماكن البعيدة ويحملون الطري منه إلى الأماكن التي لا تبعد كثيراً عن الساحل. ويجفف ويدق ليكون طعاماً عند الحاجة إليه، كما يكون صعاما لحيواناتهم كذلك. ولا يزال سكان السواحل يصيدون السمك بالطرق التي تعوّد آهل الجاهلية استعمالها في السمك. ويأتي سمك "السردين" أي السمك الصغير في مواسم الشتاء إلى السواحل بكثرة، فيصاد بسهولة وتغذى به الحيوانات. وطالما تنبعث الروائح الكريهة ويتراكم الذباب بدرجة منفرة من تكدس الأسماك المعرضة للشمس لتجفيفها، فتكون من شر الأماكن لمن لم يتعود دخولها. ومن أنواع السمك الكبر الذي يوجد في البحر الأحمر و في البحر العربي و الخليج، نوع يقال له "القرش"، يحتاج صيده إلى مهارة و براعة ، و يحمل لبيع لحمه مقطعا في الأسواق.

و قد اشتهرت اليمن و الطائف في الحجاز و مواضع أهل الخضر الأخرى بدباغة الجلود و معالجتها لتحويلها إلى مادة نافعة لصنع الأحذية أو الدلاء أو القُرَب و ما شابه ذلك. و قد تصدَّر الجلود مدبوغة، إلى العراق أو إلى بلاد الشام لبيعها هناك. و ليست لدينا في الزمن الحاضر دراسات علمية دقيقة عن أنواع الحيوانات التي عاشت في جزيرة العرب في العصور السحيقة لما قبل الإسلام. فما عثر عليه من بقايا عظام قديم، أو أصداف و محار، هو قليل لا يكفي لإعطاء أحكام علمية عن حيوانات جزيرة العرب في العصور البرنزية و الحديدية و الحجرية، أو ما قبل هذه العصور التأريخية. فليس لنا إلا الانتظار، حتى تأتي الفرص الملائمة التي يقوم فيها العلماء المتخصصون بالتجوال في مختلف المناطق بحثا عن آثار عظام وهياكل، تكشف القناع عن ذلك العالم الحي، الذي عاش في هذه البقاع قبل آلاف السنين. وإذا كان الجمل، هو رمز جزيرة العرب، لالتصاقه بها، فإن النخيل هي رمز آخر لها، وكناية عن أهم حاصل و منتوج زراعي تصدره تلك البلاد، ولهذا صارت رمزاً لها. وصار "التمر"، عند كثير من المسلمين من أهم ما يتناولونه في شهر رمضان، للإفطار به، لأنه رمز الإسلام ورمز المدينة التي عاش وتوفي فيها الرسول. وكما أفاد الجمل أهله الفوائد المذكورة المعلومة، من ناحية حمله ولحمه وجلده ووبره، كذلك أفادت النخلة سكان جزيرة العرب فوائد عديدة، حية وميتة، أفادتهم في تقديم ثمرة صارت إداماً للعرب، وطبّاً يستطبون بها لمعالجة عدد من الأمراض. ومادة استخرجوا منها دبساً وخمراً وشراباً، وأفادهم كل جزء من أجزائها، حتى أنهم لم يتركوا شيئاً من النخلة يذهب عبثاً. فهي إذن رمز الخير والبركة بكل جدارة وحق لأهل جزيرة العرب، لا يدانيها في ذلك أي نوع من أنواع النباتات النامية في هذه البلاد.

وكائن له هذه الفوائد والمنفعة، ينمو ويثمر بسهولة ويسر، لا بد إن يثمن ويقدر، ويميز على غيره. وهذا صارت النخلة سيدة الشجر، لا عند العرب وحدهم بل عند قدماء الساميين أيضاً، وأحيطت عندهم بهالة من التقديس والتعظيم. وزخرفت معابدهم بصورها واستعمل سعفها الأخضر في استقبال الأعياد والأبطال والملوك وكبار الضيوف، لأنه علامة اليُمن والبركة والسعادة والفرح. ولا يزال السعف زينة تزين بها الشوارع في المناسبات العامة المهمة حتى اليوم. وقد عثر على صورها وصور سعفها على النقود القديمة وفي جملتها نقود العبرانيين الدين يحترمون النخلة احتراما لا يقل عن احترام العرب لها، وهذا ورد ذكرها في مواضع عديدة من، التوراة والتلمود.

والنخيل، هي مثل الجمال ثروة ورأس مال يسر على صاحبه ربحاً وافراً. ومن كان له نخل وافر كان غنياً ثرياً. وقد ربح يهود الحجاز أرباحاً طائلة من اشتغالهم بزراعة النخيل هناك. فالتمر هو مادة ضرورية للأعرابي يعيش عليها ويأتدم بها، و إذ هو لم يكن يفلح ولا يزرع، كان يشتريه مقايضة في الغالب من تجار التمور، فيكسب أصحاب النخيل أرباحا طائلة من بيعهم التمور. ولا يوجد مكان في جزيرة العرب فيه ماء، إلا والنخلة هي سيدة المزروعات فيه، بل تكاد تكون النبات المتفرد بالزرع في أكثر تلك الأمكنة. لا يزاحمها نبات آخر من النبات. والنخلة هي من أقدم الأشجار التي احتضنها الساميون، وللفوائد التي حصل الساميون عليها من هذه الشجرة.، هي التي حملتهم على تقديسها وعدّها من إلاشجار المقدسة، فنجد النخلة مقدسة. عند قدماء السامين وعدّوا ثمرها وهو التمر من الثمار المقدسة التي تنفع الناس.

أما الكروم، فقد غرست في مناطق من الجزيرة اشتهرت وعرفت بها مثل الطائف واليمن. و أما الأشجار المثمرة الأخرى مثل الرمان والتفاح والمشمش وأمثالها، فقد غرست في مناطق عرفت بالخصب، وبتوافر الماء فيها، ويميل أهلها إلى الزراعة والاستقرار، مثل مدينة "الطائف" مصيف أهل مكة منذ الجاهلية، واليمن. وقد ذكر إن الكروم دخلت إلى بعض المناطق حديثاً، فورد أنها دخلت إلى "مسقط" مثلاً في القرن السادس عشر للميلاد، على أيدي البرتغاليين، ودخلت إلى الحجاز في القرن الرابع بعد الميلاد غريبة من بلاد الشام. ويرى بعض الباحثين إن النبط واليهود كانوا الوسطاء في نقل الأشجار المثمرة إلى الحجاز. ?ما أشجار ضخمة تمد الناس بالخشب على نحو ما تجده في. الهند أو في إفريقية، فلجفاف الجزيرة لا نجد فيها مثل تلك الأشجار. لذلك استورد العرب خشب سفنهم ومعابدهم وبيوتهم من الخارج في الغالب، من إفريقية ومن الهند، خلا الأمكنة القريبة من الجبال والمرتفعات التي يصيبها المطر، وتصطدم بها الرطوبة، فقد نبتت فيها أشجار كونت غابات وأيكات، أفادت من في جوارها، إذ أمدتهم بما احتاجوا إليه من خشب لاستعماله في مختلف الأغراض. وقد كانت منطقة "حسمى" و أعالي الحجاز ذات غابات، وقد تعبّد أهلها لإله اسمه "ذو غابة"، إلهَ الغابات، كما كست الأحراج الطبيعية والغابات جبال اليمن وجبال حضرموت وعُمان. وما زال أهل العروض ولا سيما سكان الخط، يستوردون أخشاب سفنهم من الهند، لعدم وجود الخشب الصالح لبناء السفن عندهم أو في أماكن قريبة منهم. وهم في ذلك على سنة أجدادهم الذين عاشوا قبل الإسلام بل قبل الميلاد، يذهبون بسفنهم الشراعية إلى سواحل الهند وسيلان تحمل إليها التمور وحاصلات جزيرة العرب والعراق وتعود بهم محملة بحاصلات الهند ومنها الخشب الثمين للاستفادة منه في بناء السفن ولاستعماله في المعابد الضخمة المهمة وفي قصور الملوك. والسدر من الأشجار المعروفة في جزيرة العرب، وترتفع شجرته أمتاراً عن سطح الأرض، وتكوّن ظلا يقي من يجلس تحته لهيب الشمس ووهجها المحرق. وتكون له ساق قوية متينة. وهو لا يحتاج إلى سقي دائم، لأن جذوره تمتد عميقة في باطن الأرض، فتمتص الرطوبة، ويعطي ثمراً هو "النبق"، ويستعمل ورقه استعمال الصابون في تنظيف الجسم. وأشجار مثل السدر ذات ارتفاع وظل، وهي أشجار ذات نفع كبير لأهل البلاد التي تغلب عليها طبيعة الجفاف، لا يمكن إن يقدر أهميتها وفائدتها إلا من ركب الصحراء في يوم حار، ثم جاء فجأة فجلس تحت ظل شجرة تقيه وتقي حيوانه من لهب الشمس، سيرى نفسه في جنة وسط جهنم. فلا عجب إذا ما عبد بعض العرب وبعض الساميين مثل هذه الأشجار، وتقربوا إليها بالنذور والقرابين، وتوسلوا إليها، أو عدّوها من الأشجار المقدسة، من الأشجار المباركة، من أشجار طوبى، الأشجار التي وعد بها المتقون في الجنة.

وقد عبد قدماء العبرانيين بعض الأشجار المثمرة، وعدّوها إلاهة أنثى، لا إلهاً ذكراً، وذلك لخاصية الحمل التي فيها. وقد تصوروا إن للقمر أثراً في حمل تلك الأشجار، أي في إعطاء الثمرة. وُقد ذكرت أسماء بعض الفواكه والأثمار والأشجار في القرآن الكريم، ويدل ذلك على وجودها في الحجاز، واستعمال الناس لها، ووقوفهم عليها، مثل التين والزيتون والأعناب والطلح والسدر والرمان وعلى وجودها وزرعها في الحجاز، قبل الإسلام بأمد. ولم يكن الحجاز مثل اليمن وحضرموت في كثرة الأشجار والفواكه، وذلك لجفافه بالقياس إلى جو العربية الجنوبية الذي ساعد على نموّ الأشجار.

والأثل والأدراك والغضى الذي يستخرج منه الفحم، والمعروف بجمره، و "السنط"، والسمح، و "الصعتر"، وأمثالها، هي من الأشجار التي لا تزال تنمو وتعيش في مواضع متعددة من الجزيرة، وبعضها في الأقسام الغربية والجنوبية حيث تنمو وتنبت على المرتفعات، يستخرج منها الناس وقوداً، أو ثمراً بريا يأكلونه، وقد يستفيدون من ورقه فيجففونه ويسحقونه فيبيعونه. و أما الحبوب والخضر والبقول، فتحتاج كلها إلى سقي، لهذا انحصرت زراعتها في الأماكن التي تتوافر فيها المياه أو تتساقط عليها الأمطار في المواسم المناسبة. لذلك نجدها في الحجاز وفي اليمن وفي العربية الجنوبية وفي مواضع المياه من نجد والعروض. والحبوب هي الحنطة والشعر والذرة والأرز،وسأتحدث عنها وعن بقيتها في باب الزراعة عند الجاهليين. وبعض الخضر، مستورد من الخارج، أدخل من العراق أو من بلاد الشام أو من إفريقية والهند، فالبطيخ مثلا المعروف بع "الخربز" عند أهل المدينة مستورد كما يدل عليه اسمه الفارسي من العراق: استورد قبل الإسلام بأمد. ويمكن الاستدلال من أسماء الأثمار والخضر، ومن دراسة توزيعها وأماكن وجودها،على الأماكن التي جاءت منها، فدخلت جزيرة العرب قبل الإسلام. أما "البخور" واللبان - بترول العالم في ذلك الزمان - والصموغ والمرّ والمنتوجات الزراعية الأخرى التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، وكانت مصدر رخائها، ومصدر تنافس الدول الكبرى عليها في ذلك الزمان، فقد زالت أهميتها بالتدريج، وذهب أثر سحرها بتبدل الأيام. و "ظفار" والمناطق الأخرى" وان كانت لا تزال ترى أشجار البخور تنبت على الفطرة حتى اليوم، قد زالت دولتها الآن، فلا تأتي للسكان بالذهب والفضة، فقد تغير ذوق العالم، وتبدلت تجارته، وصار يفتش عن الذهب الأسود، منتوج الطبيعة في باطن الأرض.

وفي هذه المواضيع من العربية الجنوبية وفي الأودية وحافات الهضاب والجبال التي كانت تنبت بها تلك المواد الثمينة، والتي لا تزال تنبت على الطبيعة، تشاهد كهوف ومغاور غريبة وآبار وكتابات جاهلية بالمسند، وآثار مقابر تتحدث كلها عن قوم كانوا قد استوطنوا هذه الأماكن قبل الإسلام بزمان طويل. أما الان، فهي خرائب، ترجو من الأحياء توجيه نظرهم إليها لإحيائها ولاستنطاق آثارها وكنوزها لتحدثهم عن ماضيها القديم. وقد حبت الطبيعة اليمن بمزية جعلتها تحتضن كل النباتات المذكورة، وتنبت اكثر أنواع المزروعات، وذلك بانعامها عليها بجبال وبمرتفعات وبمنخفضات حارة رطبة، هيأت لها ثلاثة جواء، تنتج محصولات ثلاثة أنواع من المناخ: منتوج المناخ المرتفع البارد، ومنتوج المناطق المعتدلة، ومنتوج المناطق الحارة. وقد عرف أهل اليمن الأذكياء كيف يستغلون تربتهم، فعملوا مدارج على سفوح جبالهم وعلى المرتفعات، أصلحوا تربتها، وذلك لحصر مياه المطر عند نزوله، ضماناً لدخوله التربة وإروائها، وزرعوا تلك المدارج أو السلالم العريضة بمختلف المزروعات وذلك قبل الإسلام بأمد طويل، فأمنوا بذلك خيراً وافراً لهم، جعل اليمن من أسعد بلاد جزيرة العرب، فهي العربية السعيدة والعربية الخضراء بكل جدارة، وهي موطن الحضارة وأرقى مكان نعرفه في الجزيرة في أيام ما قبل الإسلام. ومن النبات ما هو دخبل استورد من الخارج، من العراق أو من بلاد الشام، وقد احتفظ قسم منه باسمه الأعجمي القديم. ويظهر إن بعضه قد دخل بعد الميلاد. وقد يكون من المفيد دراسة نبات جزيرة العرب قبل الإسلام، لمعرفة الدخيل منه وكيفية وصوله إلى الجزيرة، كما يستحسن دراسة الكتابات الجاهلية لاستخراج ما ورد فيها من أسماء النبات. و أما البوادي فإن ظروف الخصب و النماء فيها محدودة، تركزت في مواضع المياه و في الأماكن الرطبة التي تكون المياه الجوفية فيها على حافة القشرة، و في أعقاب الأمطار، حيث تخضر الأرض و تلبس حلة سندسية جميلة، لكن لبسها لا يدوم طويلا، فسرعان ما تمزقها الرياح الجافة و الاهوية الحارة ، فتقضي عليها وتظهر حقيقة ما تحتها من تربة جافة عبوس، لا مكان للنبات فيها ولا مجال لزرع فيها في مثل هذه الظروف.

والواحات ومواضع الآبار والمياه في البوادي، هي رحمة للإنسان حمّاً، ومنظر تقرّ به العين. فالواحة في البادية، لؤلؤة وكنز وجنة وسط جحيم، لا يدرك جمالها ولا يعرف قدرها إلا من اضطر إلى ركوب البوادي وتعرض لرياح السموم ووهج الشمس وعواصف الرمال تستقبل الأوجه بذرات الرمل الناعمة، تهاجم العيون والأنوف والأفواه، وتضطر حتى الجمل إلى البطء في سيره والى التوقف، ثم تأتي على ما لدى الإنسان من ماء حرص على حمل أكبر كمية يستطيع حملها للوصول إلى مكانه المقصود لضمان حياته في هذه البادية وحياة حيوانه الذي هو فيها جزء من حياته أيضا. ولولا الآبار والواحات في هذه البوادي، لما كان من الممكن طرقها وسلوكها، وإلا كان الدمار والهلاك.

وفي هذه المواضع التي حبت مما الطبيعة ب "إكسير الحياة" يستعيد المسافر نشاطه ويتجدد أمله، ويسترد قواه، يعطيه ماؤها قوة تعيد إليه كبرياءه وعظمته وجبروته، ثم تنسيه كل ما تعرض له من مصاعب ومشقات، وما أبداه من عجز وضعف تجاه القوى الخفية القادرة المهيمنة على الصحراء. وعندئذ يتذكر حكمة: )وجعلنا من الماء كل شيء حي(. ويشعر ببحر الماء والخضراء، يسحر هذه الأشجار والشجيرات والأعشاب النامية في هذه التربة بفضل "إكسير الحياة". ومهما كان الإنسان في هذا المكان من السذاجة والبلادة والجهل، فلا بد إن يستولي عليه شعور من حيث لا يشعر بعظمة سحر هذا المكان. أما الغرباء الذين يعجبون من تقاتل العرب فيما بينهم على موضع صغير فيه بئر أو بركة ماء أو عشب، فإنهم سيدركون سر هذا التقاتل في حياة أهل البادية لو كلفوا أنفسهم يوماً اجتياز تلك البوادي الواسعة العابسة. عندئذ فقط، يدركون إن ذلك القتال الذي وسم أهل البادية بسمة حب الغزو والغارات لم يكن سببه فردية وأنانية، وإنما غريزة إنسانية تغلبت في كل إنسان متى عاش في هذه الظروف القاسية العابسة الفقيرة. إنها غريزة المحافظة على الحياة. ولا غرابة بعدُ إذا ما تغنى العربي. بمواضع المياه والبادية بعد نزول الغيث عليها، و إذا ما أظهر الحنين إليها، وتوجع في شعره وفي غنائه على الليالي المقمرة يقضيها في باديته يناجي سماءه الصافية ونور قمره الساطع يغازله وبوحي إليه، ويرسل أليه النسمات العليلة، والى جانبه حبيببته. يذكر حسه هذا في شعره وفي غنائه وفي موسيقاه، حتى ليبدو للغريب، وكأن ما يقوله العربي ويحس به نغمة واحدة ساذجه مكررة تعاد وتعاد من غير معنى ولا سبب. ولكن حسه هذا حس الصحراء، وليس في الصحراء غير نغم واحد، تترنم به الطبيعة، فإما هدوء شامل، و أما نسمة واحدة عليلة مشمرة، و أما عواصف رملية، إذا هدأت عاد إلى الصحراء هدوؤها المعهود.

ومناخ جزيرة العرب - على الهموم - حار شديد الحرارة، جاف، إلا على السواحل، ولا سيما في التهائم، فإن الرطوبة تكون عالية فيها، ولهذا يتضايق الناس من أثر الحر فيهم، مع إن الحرارة ذاتها فيها لا تكون عالية كثيرا، و إنما مبعث هذا التضايق هو من الرطوبة المصحوبة بالحرارة، ولهذا صار بعض مواضع التهائم من شر الأمكنة على وجه هذه الأرض. ولهذا الجو الرطب الحار أثر في حالة الناس، في صحتهم وفي نشاطهم. فانتشرت الأمراض في الأماكن التي تكثر فيها السباخ والمستنقعات، وفتكت بالناس، وتكدس فيها الذباب وتجمعت الحشرات لملاءمة مثل هذه الأجواء لمعيشة هذه المخلوقات. ولهذا السبب المذكور، عاشت في هذه الأرضين ونمت النباتات التي تألف المناطق الحارة الرطبة، والأعشاب التي تعيش على المستنقعات وفي الأرض الرطبة، من حشائش وقصب وأعشاب.

أما في الداخل، فإن الحرارة فيها تكون جافة، ولهذا فإنها لا تكون حديدة الطبع، على نحو حر السواحل. ويتلطف الجو في الليالي في النجاد، فيكون الليل رحمة للناس ينسيهم قسوة النهار وشدة حرارته، وفقر الحياة، لا، سيما إذا كمل القمر، وصار قرصاً يسحر الناظرين. فإن سحره يكون عاماً، يشمل الغني والفقير، ويبعث في النفوس الرقة والحنان، ويثير فيها عواطف الشجن المنبعثة من قسوة الحياة وشحها وفقر الأرض، فتأخذ النفوس الرقيقة في مناجاته بقيثارة بسيطة ذات ثقوب، ينفخ فيها لتخرج منها أصواتا تسع القمر فعل سحره في نفس الإنسان المعذب في النهار المحروم من طيب الحياة التي ينعم بها أهل الأرضين الآخرون، أو بآلات بسيطة أخرى صنعوها بأيديهم لتعبر أناملهم وأوتار آلاتهم الساذجة عن إحساسهم الحزين،ثم لا يكتفي أصحاب هذه النفوس الرقيقة في الغالب بإِرسال نغمات الحس العميق من آلة، بل يقرنون تلك النغمات الحزينة بنغمات بشرية تنطق بما في قلب الإنسان من حس وألم دفين، يوحيه إليه ألم الحرمان، ودغدغة النسيم العليل، وسحر القمر وتلألؤ مصابيح السماء. فتخرج نغمات شجية حزينة، تعاد وتكرر، لتسبح السماء على هذا الجمال الساحر، ولتفسر للسامع نوع الحياة في هذه البقاع التي وهبتها الطبيعة عاطفة عميقة، وسحراً فاتناً في الليل، وحرمتها خيرات الدنيا في أثناء النهار، ولتخبره بهذه النغمات المعادة إن الحياة هنا بسيطة لا تعقيد فيها ولا التواء وأنبا معدودة محدودة، وعودة وتكرار. وقد يعجب الغريب من تغزل العرب ب "ريح الصبا"، ومن مسحهم لها إلى حد يبلغ الإفراط، فليس في أشعار العالم، ولا في نثرهم، شعر أو نثر فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح. وقد لا يفهم الغريب أي تعليل يقدم إليه ولا يقبله، وخير جواب يقدم إليه هو حضوره بنفسه إلى جزيرة العرب للاستمتاع بلذة "الصبا" في ليلة مقمرة من ليالي الجزيرة، وسيعرف عندئذ سحر دلال "الصبا" وسحر تغزل العرب بها، على عكس "السموم"، التي تشوي الوجوه، وتعمي العيون، فتجعل الشعراء يلعنونها، والناس يتذاكرون ثقلها وشدتها عليهم وما ألحقته بهم من مهالك وأضرار.

والمطر هو غوث ورحمة لسكان جزيرة العرب، يبعث الحياة للأرض، فتنبت العشب والكلا والكمأة والأزهار، ويحول وجهها العابس الكئيب إلى وجه مشرق ضحوك، فيفرح الناس وتفرح معهم ماشيتهم، ويخرج أهل الحضر إلى البادية للتمتع برؤية البساط الأخضر المطرز بالأزهار، وللاستمتاع بالمنظر الساحر الذي كسا الربيع به وجوه البوادي، ولصيد الغزلان والحيوانات الأخرى التي جاءت هي أيضاً من مآويها لتشارك الطبيعة في فرحتها، ولتشبع نفسها بعد جوع وعطش. وتفرح الإبل، ويدر لبنها، ويكثر نسلها، وتتضاعف بذلك ثروة أصحابها، ويسير الجمل متبختراً فخوراً بنفسه معتزاً، بطراً لا يقضم منها إلا ما يعتقد أنه طعام لذيذ له، يقضم من موضع ثم يتركه بطراً إلى موضع آخر، وقد كان قبل ذلك من جوعه يأكل كل ما يقع بصره عليه ويراه. أفليس من حق العرب أذن إن تسمي المطر "غيثاً" ? وأن تفزع وتتوجع من انحباسه، وأن تفزع إلى آلهتها تتوسل إليها لإرسال سحب المطر إليها، وتتقرب إليها بالدعاء وبصلوات "الاستسقاء" و "الاستمطار"، لترسل إليها غيثاً يغيثها ويفرج كربتها يدرأ عنها مصيبة تنزل بها إن انحبس المطر ? لذلك كان انحباس "الغيث" عنه العرب كارثة يتألم منها النإس، ويكابد من فداحتها الحيوان. والجفاف هو الصفة الغالبة على جوّ جزيرة العرب، فالأمطار قليلة والرطوبة منخفضة في الداخل إلا التهاثم والسواحل، فإنها تنتفع فيها كما ذكرنا. ولكن الطبيعة رأفت بحال بعض المناطق، فجعلت لها مواسم تنزل فيها الغيث، لإغاثة كل حي، وأهمها اليمن. أما عمان، فينزل فيها مقدار منه، ينفع الناس ويعينهم على تصريف أمورهم. و أما باقي الأقسام، فإن أكثرها حظوة ونصيبا من المطر، هي النفوذ الشمالي، وجبل شمر، فتنزل بها الأمطار في الشتاء، فتنبت أعشاب الربيع. و أما الصحارى الجنوبية فلا يصبها من المطر إلا رذاذ، وقد تبخل الطبيعة عليها حتى بهذا الرذاذ. وينهمر المطر أحياناً من السماء وكأنه أفواه قرب قد تفتحت، فيكوّن سيولاً عارمة جارفة تكتسح كل ما تراه أمامها، وتسبل إلى الأودية فتحولها إلى أنهار سريعة الجريان. وقد لاقت "مكة" من السيول مصاعب كثيرة، وكذلك المدينة والمواضع الأخرى وقد يهلك فيها خلق من الناس، وتسيل مياه السيول إلى مسافات هي تصب في البحر، وقد تبتلعها الرمال فتغوص فيها وتجري في باطن الأرض مكونة مجاري جوفية، تقترب وتبتعد عن قشرة الأرض على حسب قربها أو بعدها منها، وعلى حسب قرارة المكان الذي تسيل عليه. وقد تبلغ البحر فتدفق عيوناً في قاعه، كالذي نشاهده في الخليد بين الساحل والبحرين. وقد استفاد أهل اليمن بصورة خاصة وأهل حضرموت والحجاز من السيول بأن بنوا سدوداً للسيطرة عليها، ولحبسها إلى حين الحاجة. وسد "مأرب" الشهر هو خير تلك السدود شهرة وصيتاً، وقد غذى بإكسير الحياة مساحات واسعة من أرض سبأ. وقد وجد السياح آثار سدود قديمة في نواحي من الحجاز وتجد والعربية الجنوبية تعود إلى ما قبل الإسلام، بنيت في مواضع ممتازة تصلح جيدا لمنع السيول من الذهاب عبثا، حتى إن المهندسين المحدثين رأوا انشاء سدود جديدة في هذه الامكنة للاستفادة من مياه السيول لإحياء ارضين موات في الزمان الحاضر، يمكن قلبها إلى زارع وجنان حضر.

إن ارض اليمن التي صادقتها الطبيعة قأحسنت اليها ووهبتها تحسدها المناطق الاخرى عليها، وهبتها امطارا موسمية ووهبتها جوا حاراً رطبا في تهامة اليمن، معتدلا في المرتفعات، وجوا لطيفا في الجبال، ووهبتها نباتات كثيرة تنايب تنوع هوائها وحيوانات عديدة كثيرة، ومعادن متنوعة، هي % أرض ذات حظ كذلك بعدد سكانها، فإنها حتى اليوم من أكثف مناطق جزيرة العرب وأكثرها سكانا. وسكانها ثروة مهجة ومصنع غذى بلاد العرب والبلاد الإسلامية بموجات من القبائل، نشرت الإسلام والثقافة العربية في البلاد المفتوحة، كما أنه موّن العراق وبلاد الشام في الجاهلية بقبائل، استوطنت هناك، فكوّنت حكومات مثل حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة، ونسب المناذرة ونسب الغساسنة يرجع إلى اليمن. ولا تزال اليمن تقذف بالألوف من أبنائها كل عام، تقذف بهم في شتى الأنحاء إلى سواحل إفريقية المقابلة، حتى بلغ بعضهم الولايات المتحدة وإنكلترة، فكونوا فيها جاليات يمانية. ويعيش اليوم زْهاء مليون يماني خارج اليمن، هاجروا من بلادهم لظروف مختلفة لا مجال للبحث فيها في هذا المكان. وقد سبقهم أجدادهم قبل الإسلام، فطفروا حدود جزيرة العرب وذهبوا إلى مصر والى بعض جزر اليونان. ويعد سكان "الجبل الأخضر" سعداء حقاً بالقياس إلى سكان جزيرة العرب الساكنين في العربية الشرقية أو في البوادي الواقعة في جنوب المملكة العربية السعودية، فإن الغيوم المثقلة بالأبخرة تصطدم بمرتفعات هذا الجبل فتضطر إلى تفريغ شحنتها عليه. وهذا توافرت المياه فيها، فاستغلها السكان وزرعوا عليها. وصارت الأودية من مواطن الحضارة القديمة التي تعود إلى ما قبل الإسلام بزمان طويل، كما صارت سفوح الجبال والمرتفعات موارد رزق للزراع، يستهلكون من الحاصل ما يحتاجون إليه، ويصدرون الباقي لمن يحتاج إليه من أهل بقبة جزيرة العرب. وما زال أهل البلاد يزرعون على سنة آبائهم وأجدادهم الأقدمين. وقد شاهد السياح آثار سدود في هذه المناطق شيدها الأقدمون للتحكم في الأمطار التي تسقط بغزارة وتجري سيولاً. وفي مثل هشه الأمكنة نجد كتابات دونها أصحابها شكراٌ لآلهتهم على إنعامها عليهم بالغلة الوافرة وبالحصاد الغزير،أو لانعامها عليهم بأرض حصبة ولمساعدتها أباهم على حفر بئر زودتهم بماء للسقي وللزرع، ووجود هذه الكتابات دليل ناطق على وجود الحضارة فيها في تلك الأيام.

أما مواطن الحضارة، فقد وزعتها الطبيعة بيدها، وما برح هذا التوزيع معترفاً به. وزعتها عليها توزيعها للنبات والمعادن والماء. ففي المحلات ذوات الحظ للتي أحبها الماء، فطهر فيها واحاتٍ وعيوناً واحساءً أو رطوبات أو نهيرات أو مطرا موسمياً، ظهر الاستقرار، وتولدت الحضارة على قدر إسعاف الماء ومقدار استعداده لوضع نفسه في خدمة الأهلين وفي خدمة حيواناتهم وزراعتهم لا فرق بين إن يكون الماء في باطن الجزيرة أو في الأودية أو في السواحل، ولو إن لموقعه دخلاّ في ازدياد ثروة أصحابه وفي تمكينهم من الاتصال بالخارج، فتنفتح عندئذ لهم أبواب العالم، كأن يكون الموضع على طريق، أو على مفترق طرق، أو على ساحل أو مرفأ بحري، أو على مقربة من بلد متحضر مثل العراق أو بلاد الشام. أما إذا كان واحة منعزلة ومحلاً نائي اً، فإن الحضارة لا يمكن إن تظهر بالطبع فيه ظهورها في الأماكن المذكورة. ومن هنا نرى الحضارة والاستقرار والميل إلى الاستقرار في بلاد اليمن وحضرموت أظهر وابرز من أي مكان آخر، نرى فيها حكومات بارز المفهوم من الحكومة قبل الميلاد بأمد طويل، ونرى فيها مدناً عامرة مسوّرة لها حصون وقلاع وتنظيمات وتشكيلات حكومية، ونرى فيها مؤسسات دينية ترعى المسائل الروحية والروابط التي تربط بين البشر وخالقهم، ونرى أنظمة وقوانين مكتوبة وسدوداً وأبنية عالية مرتفعة وفناً ما زالت جذوره ومظاهره خالدة باقية في دم الناس. ثم نرى مثل ذلك أو قريباً منه في أعالي الحجاز وفي الأرضين الداخلة في هذا اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية. اما الواحات والعيون والآبار، فقد صارت مستوطنات لتموين المستقر والقادم بالماء والتمر وبشيء من الحبوب والخضر، واذا كانت على طريق صارت مأوى للقوافل، ولهذا لم يكن من الممكن قيام حكومات كبيرة بها، لعدم توفر الشروط اللازمة لإنشاء الحكومات الكبيرة بها، واضطرت إلى توثيق علاقاتها بأهل البادية، وإلى الارتباط بهم بروابط العهود والمواثيق ودفع الإتاوة لمنعهم من التعرض لهم بسوء.

فالحياة في جزيرة العرب، هي هبة الماء، ولهذا انحصرت في هذه الأماكن المذكورة، وصار فرضاً على رجال القوافل وأصحاب التجارات المرور بها، وهو أي الماء، الذي رسم لأصحاب الجمال خطوط سيرهم إلى المواضع التي يربدون السير إليها، وحدد لهم معالم الطرق. وأقام لهم أماكن الراحة، وما زال الأعراب والتجار يسلكون تلك الطرق، للوصول إلى الأماكَن النائبة بالوسائل القديمة التي استعملها سكان الجزيرة قبل الإسلام، وبالمركب القديم، بطوله وبعرضه وهو الجمل. ولكن وسائط النقل الحديثة التي نافسته وأحلته مكرما على التقاعد واضطرته إلى الانسحاب من بعض الطرق، لا تزال تطارده وتنافسه في الطرق الأخرى، وعندئذ لا بد من حدوث مشكلات بالنسبة إلى تربية هذا الحيوان الصحراوي القديم الذي أخلص للبادية، وبقي على إخلاصه لها، ولكن الأمر ليس بيد البادية، وإنما هو بأيدي قاهر البوادي والأرضين والجواء، السيد الإنسان. أما السواحل، فخلقت من سكانها رجال بحر، يحبوّن ركوب البحر واستخراج ما فيه للتعيش به ولبيعه وتصريفه في الأسواق، كما جعلتهم أصحاب ضيافة، يقدمون الماء وما عندهم من طعام إلى السفن القادمة إليهم، ويعرضون ما عندهم من سلع فائضة لبيعها لهم، ويشترون من أصحاب تك السفن ما عندهم من بضاعة نافعة، فتحولت إلى أسواق للبيع والشراء، المعاملون بها مزيج من القادمين إليها من أنحاء الجزيرة ومن الوافدين الأجانب القادمين إليها من الخارج، وقد اجتذبت هذه الأمكنة إليها الغرباء، فسكنوا بها، واختلطوا بسكانها، وتولدت بها أجيال مختلطة ممتزجة السماء، كلما كانت قريبة من ساحل مقابل، كان مظهر الاختلاط والامتزاج أظهر وأكثر، وهذا احتضنت تهامة والسواحل العربية الجنوبية عدداً كبيرا من الإفريقيين، هاجروا إليها من السواحل الإفريقية المقابلة واستقروا فيها بكثرة، واختلطوا بأصحاب البلاد الأصليين. أما سواحل عمان والخليج، فقد اجتذبت إليها الهنود والفرس، وقد عُثر في مواضع من سواحل عمان على بقايا عظام بشرية اتضح إنها من بقايا الهنود "الدراوديين"، سكان الهند القدماء. ولم بنس البحارة وأصحاب السفن اليونان سواحل جزيرة العرب، فأقاموا مستعمرات يونانية في مواضع متعددة منها سيأتي الكلام عليها فيما بعد.

وقذفت الطبيعة بالأعراب في كل مكان من أمكنة الجزيرة، حتى زاد عددهم على الحضر. والصفة الغالبة علهم، أنهم لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع بأرضه، ولا يستقرون في مكان ألا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء، فإذا جفّ الكلأ وقلّ الماء، ارتحلوا إلى مواضع جديدة. وهكذا حياتهم حياة تنقل وعدم استقرار، لا يحترفون الحرف على شاكلة أهل الحضر، ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية، يتمثل مجتمعهم في القبيلة. فالقبيلة هي الحكومة والقومية في نظر البدوي. وإن حياة على هذا الشكل والطراز، حياة لا تعرف الراحة والاستقرار، ولا تعترف إلا بمنطق القوة، حياة جلبت المشقة لأصحابها،والمشتقة لمن يقيم على مقربة منهم من الحضر. فهم في نزاع دائم فيما بينهم، ثم هم في نزاع مع الحضر، وهذا كان خطر البداوة على العرب، يوازي خطر الغرباء البعداء عليهم، وصارت البداوة مشكلة عويصة لكل حكومة، ولا تزال مشكلة حتى اليوم. ولن تحل إلا باقناع الأعراب بان حياة الاستقرار خير لهم وأفضل من حياتهم التي يحيونها، وذلك بوسائل لا يدخل الكلام عليها في حيز هذا الكتاب.

الطرق البرية

من نتائج غلبة الطبيعة الصحراوية على أرض جزيرة العرب، إن انحصر امتداد شرايين المواصلات فيها في أماكن خططتها الطبيعة نفسها للإنسان، فجعلتها تسير بمحاذاة الأودية ومواضع المياه والآبار، وهي السبل الوحيدة التي يستطيع المسافر ورجال القوافل إن يستريحوا في مواضع منها ويحملوا منها الماء. وتنتهي رؤوس هذه الطرق بالعراق وببلاد الشام في الشمال وبالعربية الجنوبية وبموانئها في الجنوب، وهناك طرق أخرى امتدت من العربية الشرقية إلى العربية الغربية، ولها مراكز اتصال بالطرق الطولية الممتدة من الشمال إلى الجنوب في الغالب. وقد أقيمت في مواضع من هذه الطرق مواضع سكنى ذات مياه من عيون أو آبار، عاشت ونمت بفضل منة مائها عليها، فصارت منازل مريحة لرجال القوافل يحمدون آلهتهم عليها، ويحمد أصحاب ذلك الماء آلهتهم على منتها عليهم بإعطائهم ذلك الكنز العظيم الذي أعانهم على العيش وجلب لهم كرم التجار. وفي العقد الحساسة من هذه الطرق نشأت المستوطنات، ومواطن السكنى القديمة انتشرت في أماكن متباعد بعضها عن بعض في الغالب، فكان لهذا التوزيع آثر كبير في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية والعسكرية، ولا شك. وما الطرق الحالية التي يسلكها الناس اليوم إلا بقية من بقايا تلك الطرق القديمة التي ربطت أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، كما ربطت الجزيرة بالعالم الخارجي. ونجد في مخلفات تلك المستوطنات مواد مستوردة من مواضع بعيدة، هي دليل بالطبع على إن الإنسان كان يقطع الطرق قبل الميلاد بمئات من السنين ليتاجر ويبيع ويشتري دون إن يبالي ببعد المسافة وطول الشقة وصعوبة الحصول على وسائل النقل وما يتعرض له، وهو في طريقه إلى هدفه، من محاطر وأهوال.

وتعد "نجران" من أهم المواضع المهمة الحساسة في شبكة المواصلات البرية قبل الإسلام، ففيها تلتقي طرق المواصلات الممتدة في الجنوب، وفيها يتصل الطريق البري التجاري المهم الممتد إلى بلاد الشام، فيلتقي بطريق العربية الجنوبية ومنها يسير الطريق المار إلى "الدواسر" فالأفلاج فاليمامة أو ساحل الخليج ومنه إلى العراق. ولم تموّن الطرق البرية المارة بالعربية الشرقية أي "ساحل الخليج" العراق بتجارة جزيرة العرب وبالمواد المستوردة إليها من الهند، بل موّنتها بموجات من البشر منذ آلاف السنين قبل الميلاد. فقد كانت القبائل العربية النازحة من الجنوب لأسباب متعددة تحطّ رحالها على هذا الساحل، انتهازاً لفرصة ملائمة ترحل خلالها إلى العراق لتستقر فيه. وقد سلكت أكثر القبائل العربية التي استوطنت العراق هذا السبيل حينما هاجرت إليه قبل الميلاد وبعده أيضاً.


الفصَلُ السادس: صلات العرب بالساميين

لاحظ المعنيون بلغات "الشرق الأدنى" وجود اوجه شبه ظاهرة بين البابلية والكنعانية والعبرانية والفينيقية والأرمية والعربية واللهجات العربية الجنوبية والحبشية والنبطية وامثالها، فهي تشترك أو تتقارب في أمور أصلية وأساسية من جوهر اللغة، وذلك في مثل جذور الأفعال، وأصول التصريف، تصريف الأفعال، وفي زمني الفعل الرئيسيين، وهما: التام والناقص، أو الماضي والمستقبل، وفي أصول المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية والأعداد، وبعض أسماء أعضاء الجسم الرئيسية، وفي تغير الحركات في وسط الكلمات الذي يحدث تغيراً في المعنى، وفي التعابير التي تدل على منظمات للدولة، والمجتمع والدين، وفي أمور مشابهة أخرى، فقالوا بوجوب وجود وحدة مشتركة كانت تجمع شمل هذه الشعوب، وأطلقوا على ذلك الأصل، أو الوحدة "الرس السامي" أو "الجنس السامي"، أو "الأصل السامي"، أو "السامية، "Aemites" "Ahemites" "Semitic Race" وعلى اللغات التي تكلمت وتتكلم بها هذه الشعوب "اللغات السامية"، "Semitic Languaues". وقد أخذ من أطلق هذه التسمية، تسميته هذه من التوراة. أخذها من اسم "سام بن نوح"، جدّ هذه الشعوب الأكبر، كما هو وارد فيها. وأول من أطلقها وأذاعها بين العلماء علماً على هذه الشعوب، عالم نمساوي اسمه "أوغست لودويك شلوتسر" August Ludeig Schlostzer أطلقها عام "1781 م" فشاعت منذ ذلك الحين، وأصبحت عند العلماء والباحثين في موضوع لغات الشرق الأدنى علماً للمجموعة المذكورة من الشعوب وقد أخذ "آيشهورن" "Joh. Cotte. Eichhorn" هذه التسمية، وسعى لتعميمها بين العلماء علماً على الشعوب المذكورة.

وفي عام "1869 م" قسم العلماء اللغات السامية إلى مجموعتين: المجموعة السامية الشمالية، والمجموعة السامية الجنوبية وتتألف المجموعة الشمالية من العبرانية والفينيقية والأرمية والآشورية والبابلية والكنعانية. و أما المجموعة الجنوبية، فتتألف من العربية بلهجاتها والحبشية. وعمم استعمال هذا الاصطلاح بينهم وأصبح موضوع "الساميات" من الدراسات الخاصة عند المستشرقين، تقوم على مقارنات وفحوص "أنتولوجية" و "بيولوجية" وفحوص علمية أخرى، فضلا عن الدراسات التاريخية واللغوية والدينية.

وهذه القرابة الواردة في التوراة، وذلك التقسيم المذكور فيها للبشر، لا يستندان إلى أسس علمية أو عنصرية صحيحة، بل بنُيت تلك القرابة، ووضع ذلك التقسيم على اعتبارات سياسية عاطفية وعلى الآراء التي كانت شائعة عند شعوب العالم في ذلك الزمان عن النسب والأنساب وتوزع البشر. فحشرت التوراة في السامية شعوباً لا يمكن عدها من الشعوب السامية، مثل "العيلاميين" "Elam" و "اللودبين" "Ludim" "Lud"، وأقصت منها جماعة من الواجب عدّها من الساميين، مثل "الفينيقيين" و "الكنعانين". ويرى "بروكلمن" إن العبرانيين كانوا قد تعمدوا إقصاء الكنعانيين من جدول أنساب سام، لأسباب سياسية ودينية، مع أنهم كانوا يعلمون حق العلم ما بينهم وبين الكنعانيين من صلات عنصرية ولغوية. وقد رَجَع الإصحاح العاشر من التكوين نسب الفينيقين و السبئين إلى حام جد الكوشيين، ذوي البشرة السوداء، مع أنهم لم يكونوا من الحاميين، وقد يكون ذلك بسبب وجود جاليات فينيقية وسبئية في افريقية، فعدّ كتبة التوراة هؤلاء من الحاميين. وقد عرف المسلمون اسم "سام بن نوح"، وقد كان لا بد لهم من البحث عن أولاد "نوح" لما لذلك من علاقة بما جاء عن "نوح" وعن الطوفان في القرآن الكريم. و قد روي أن رسول الله قال: "سام أبو العرب، و يأفث أبو الروم، و حام أبو الحبش"، وقد روى "الطبري" جملة أحاديث عنه في هذا المعنى. و قد لاحظت كلها وردت من طريق "سعيد بن أبي عروبة" عن "قتادة" عن "الحسن" عن "سمرة بن جندب"، و هي في الواقع حديث واحد، و لا يختلف إلا اختلافا يسيرا في ترتيب الأسماء أو في لفظ أو لفظين. ومن هنا يجب إن يدرس هذا الحديث و كل الأحاديث المنسوبة إلى الرسول في هذا الباب دراسة وافية،لنرى مدى صحة نسبتها إلى الرسول، كما يجب دراسة ما نسب إلى عبد الله بن عباس أو غيره في هذا الشأن، فإن مثل هذه الدراسات تحيطنا علما برأي المسلمين أيام الرسول و بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى في نسبتهم إلى سام بن نوح. وقد قسم بعض علماء الساميات المحدثين اللغات السامية إلى أربع مجموعات هي: المجموعة السامية الشرقية ومنها البابلية والآشورية،والمجموعة الشمالية ومنها الأمورية والأرمية، والمجموعة الغربية ومنها الكنعانية والعبرانية والموابية والفينيقية، والمجموعة الجنوبية ومنها المعينية والسبئية والاثيوبية والعربية والأمهرية. ويلاحظ إن واضعي هذا التقسيم لم يراعوا في وضعه التطورات التاريخية التي مرت بها هذه اللغات بل وضحوا تقسيمهم هذا على أسس المواقع الجغرافية لتلك الشعوب.

والسامية بعد، ليست رساً "Race" بالمعنى المفهوم من الرس عند علماء الأحياء، أي جنس له خصائص جسمية وملامح خاصة يميزه عن الأجناس البشرية الأخرى. فبين السامين تمايز وتباين في الملامح وفي العلامات الفارقة يجعل اطلاق "الرس" عليهم بالمعنى العلمي الحديث المفهوم من "علم الأجناس"، أو الفروع للعلمية الأخرى نوعاً من الإسراف واللغو، كما أننا نرى تبايناً في داخل الشعب للواحد من هذه الشعوب السامية في الملامح والمظاهر الجسمية، وفي هذا التمايز والتباين دلالة على وجود اختلاط وامتزاج في الدماء، سأتحدث عنه في الفصل الخاص بالأنساب وبانقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين. ولقد وجد بعض علماء "الانثروبولوجي" مثلاَ إن بين اليهود تبايناً في الصفات وفي الخصائص التي وضعها هذا العلم للجنس، مع ما عرف عن اليهود من التقيد بالزواج وبالابتعاد عن الزواج من غير اليهود. وكذلك وجد العلماء الذين درسوا العرب دراسة "انثروبولوجية" إن بين العرب تبايناً في الملامح الجسمية. وقد اتضح. وجود هذا التباين عند الجاهليين أيضاً، كما دلت على ذلك الفحوص التي أجريت على بقايا العظام التي عثر عليها في مقابر جاهلية. كذلك وجد علماء "الأنثروبولوجي" من فحص العظام التي عثر عليها في الآثار الآشورية والبابلية إن أصحابها يختلفون أيضاً فيما بينهم في الملامح التي تعد أساساً في تكوين جنس من الأجناس.

ولهذا، فإني حين أتحدث عن السامية لا أتحدث عنها على أنها جنس، أي رسّ صاف بالمعنى "الأنثروبولوجي"، بل أتحدث عنها على أنها مجموعة ثقافية وعلى أنها مصطلح أطلقه العلماء على هذه المجموعة لتمييزها عن بقية الأجناس البشرية، فأنا أجاريهم لذلك في هذه التسمية، ليس غير. إن بحوث العلماء في موضوع السلالات البشرية وفي الأجناس البشرية وفي توزع الشعوب وخصائص ومميزات الأجناس لا تزال بحوثاً قلقة غير مستقرة. ولهذا تجد نتائج بحوثهم في تعريف الجنس وفي صفات الأجناس وفي المسائل الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع مختلفة، ولا سيما إن هنالك عدة أمور تؤثر في حياة الإنسان وفي خصائصه الروحية والجسمية. وللنواحي اللغوية وبعض الخصائص الروحية الأخرى، وان كانت مهمة وضرورية لدراسة الناحية العقلية للإنسان، إلا إنها ليست الأسس للوحيدة لتكوين رأي في الأجناس البشرية.

فالسامية إذن، بهذا المعنى هي مجرد اصطلاح، قصد به للتعبير عن هذه للروابط أو الظواهر التي نراها بين الشعوب المذكورة،أما البحث على إن الساميين جنس من الأجناس بالتعبير الذي بعنيه أهل العلوم من لفظة جنس، فإن ذلك في نظري موضوع لا يسع علماء للساميات أو علماء التاريخ إن يبتوا فيه ويصدروا حكماً في شأنه، لأنه بحث يجب إن يستند إلى تجارب وبحوث مختبرية، والى دراسات للشعوب الباقية من السامية، بان ندرس جماجم قدماء للساميين وعظامهم في جزيرة العرب وفي المواطن الأخرى التي انتشر فيها للساميون، وعند اكمال مثل هذه الدراسات ووصولها إلى درجات كافية ناضجة يمكن للعلماء حينئذ إن يتحدثوا عن السامية من حيث إنها جنس بالمعنى العلمي، أو جنس بالمعنى الاصطلاحي. هذا وقد عني بعض الباحثين المحدثين بدراسة ما عثر عليه في بعض القبور العادية من عظام، لتعيين أوصافها وخصائصها والجنس الذي تعود لليه، كما قام بعضهم بدراسة أجسام الأحياء وإجراء فحوص عليها وتسجيل قياسات الرؤوس وملامح الأجسام وما إلى ذلك مما يتعلق بموضوع "الأجناس البشرية"، وإذا ما استمر العلماء على هذه الدراسة وتوسعوا فيها، فسيكون لها شاًن خطير في وضع نظريات علمية عن تاريخ أجناس الشرق الأدنى وفي جملتهم الساميين.

وممن بحث في "أنثروبولوجية" الشرق الأدنى "كبرس Ariens Kapperes"، وقد وضع مؤلفا قيَماً في دراسة شعوب الشرق الأدنى. و "الدكتور سلكمن" "Dr. Seligman"، و "شنكلن W. Shanklin" الذي عني بدراسة "أنثروبولوجية" سكان شرقي الأردن وتقسيماتهم وحالات أعصابهم، و "A. Mochi"، و "برترام توماس" الذي قام بدراسات علمية عديدة من هذه الناحية لنماذج من أفراد القبائل العربية الجنوبية، والبعثة الأمريكية التي أرسلها متحف "فيلد" بشيكاغو لدراسة "أنثروبولوجية" القبائل العراقية النازلة على مقربة من "كيش"، عدا دراسات أخرى عديدة قام بها علماء آخرون. وقد أجريت أكثر هذه البحوث في مناطق عرفت باتصالها منذ القديم بالعالم الخارجي، وفي أرضين استضافت الغرباء، فهي لذلك لا يمكن إن تعطينا فكرة علمية عن "أنثروبولوجية" ساحل جزيرة العرب، فلا بد من القيام بدراسات دقيقة في قلب الجزيرة لتكوين رأي علمي عن عرب هذه الأماكن. وقد لاحظ الفاحصون للعظام التي عثر عليها في الأقسام الجنوبية الشرقية من جزيرة العرب وجود تشابه كبير بين جماجم أهل عمان وجماجم سكان السواحل الهندية المقابلة هذه البقاع، كما لاحظوا تشابهاً كبيراً في الملامح الجسمية بين العرب الجنوبيين أهل عدن وبقبة العربية الجنوبية الغربية وتهامة وسكان إفريقية الشرقية. وقد اتخذ القائلون إن أصل العرب الجنوبيين من إفريقية هذا التشابه حجة، تذرعوا بها في إثبات نظرياتهم هذه. غير إن هذه الفحوص أشارت من جهة أخرى إلى حقيقة تخالف النظرية الإفريقية، إذ بينت إن أشكال جماجم العرب الجنوبيين ورؤوسهم هي من النوع الذي يقال له: "Brachycephaly". أما أشكال جماجم سكان إفريقية الشرقية ورؤوسهم، فمن النوع الذي يعرف باسم "Dolichocephaly" في الغالب. وهذا التباين لا يشير إلى وحدة الأصل. وقد تبين من هذه الفحوص إن أشكال جماجم العرب الشماليين ورؤوسهم، هي من نوع "Dolichocephaly" كذلك، أي أنها نوع مشابه لأشكال جماجم الإفريقيين الشرقيين ورؤوسهم.

وقد حملت هذه النتائج بعض الباحثين على التفتي في إن العرب الجنوبيين كانوا في الأصل في المواطن التي تكثر فيها الرؤوس المستديرة، وأن هذه المواطن هي من آسية الصغرى إلى الأفغان، فزعموا أنهم كانوا هناك ثم هاجروا منها إلى مواطنهم الجديدة في العربية الجنوبية، كما زعموا إن سكان "عمان" قد تاثروا تأثرا كبيراً بالدماء "الدراويدينية" "Dravidian" الهندية، لهذا تجد أنهم يختلفون بعض الاختلاف عن بقية العرب الجنوبيين. وإذا قامت بعثات علمية بالبحوث "الأنثروبولوجية في مواضع أخرى من جزيرة العرب ولا سيما في باطن الجزيرة، و إذا ما استمر العلماء والسياح في البحث عن العظام والأحداث، وفي دراستها دراسة مختبرية، واستمروا في إجراء فحوصهم على الأحياء، وقورنت نتائج فحوصها بنتائج فحوص العلماء في بقية أنحاء الشرق الأدنى، فإن البحث في الساميات وفي علاقات الشعوب القديمة بعضها ببعض، سيتقدم كثيراً،وسيأتي ولا شك بنتائج علمية مقبولة في موضوع السامية والجنس السامي.

وطن الساميين

وتساءل العلماء الباحثون في الأجناس البشرية: من أين جاء الساميون الأول، آباء الشعوب السامية? وأين كان موطنهم الأول وبيتهم القديم، الذي ضاق بهم في الدهر الأول، فغادروه إلى بيوت أخرى? أما أجوبتهم، فجاءت متباينة غير متفقة لعدم اهتدائهم حتى الآن إلى دليل مادي يشير إلى ذلك الوطن، أو يؤيد نظرية وجود مثل هذا الوطن، فقامت آراؤهم على نظريات وفرضيات، وبحوث لغوية وعلى آراء مستمدة من الروايات الواردة في التوراة عن أصل البشر، وعن أبناء نوح، والأماكن التي حلّ بها هؤلاء الأبناء وأحفادهم ثم أحفاد أحفادهم، وهكذا على نحو ما تصورته مخيلة العبرانيين. فرأى نفر منهم إن أرض بابل، كانت المهد الأول للساميين، ورأى آخرون إن جزيرة العرب هي المهد الأول لأبناء سام، وخصص فريق آخر موطناً معيناً من جزيرة العرب، ليكون وطن سام وأبنائه الأول، وذهب قسم إلى إفريقية فاختارها لتكون ذلك للوطن، لما لاحظه من وجود صلة بين اللغات السامية والحامية، ورأى قوم في أرض "الأموريين" الوطن الصالح لآن يكون أرض أبي الساميين، على حين ذهب قوم آخرون إلى تفضيل أرض "أرمينية" على تلك الأوطان المذكورة. وهكذا انقسموا وتشعبوا في موضوع اختيار الوطن السامي، ولكل حجج وبراهين. وحتى القائلون بنظرية من هذه النظريات في برأي من هذه الآراء، هم قلقون غير مستقرين في نظرياتهم هذه، فتراهم يغُيرون فيها ويبدلون. يفترضون وطنا أصلياً لجد الساميين، ثم يفترضون وطناً ثانياً يزعمون إن قدماء الساميين كانوا قد تحولوا من الوطن الأول إليه، فصار الموطن الأقدم لهم. فقد ذهب "فون كريمر" مثلاً، وهو عالم ألماني إلى إن إقليم "بابل" هو موطن الساميين الأول، وذلك لوجود ألفاظ عديدة لمسميات زراعية وحيوية "حياتية" أخرى تشترك فيها أكثر اللغات السامية المعروفة، وهي مسميات لأمور هي من صميم حياة هذا الإقليم، إلا أنه عاد فذكر أنه وجد إن لفظة "الجمل" لهذا الحيوان المعروف هي لفظة واردة في جميع اللغات السامية وفي ورود هذه التسمية في جميع هذه اللغات دالة على أنها من بقايا اللغة "السامية" الأولى. ولكن الجمل حيوان أصله و موطنه الأول الهضبة المركزية التي في آسية على مقربة من نهر سيحون ونهر جيحون، ولما كان قد لازم الساميين من فجر تاريخهم واقترن اسمه بأسمهم، وجب إن يكون موطن الساميين الأقدم اذن هو تلك الهضبة، إلا إن أجداد الساميين غادروها في الدهر الأول، وارتحلوا عنها فانحازوا إلى الغرب مجتازين إيران والأرضين المأهولة بالشعوب "الهند أوروبية" حتى وصلوا إلى إقليم "بابل"، فنزلوا فيه، فصار هذا الإقليم الوطن الأقدم أو الأول للساميين.

وطريقة "فون كريمر" في هذه النظرية، دراسة أسماء النبات والحيوان في اللغات السامية وتصنيفها وتبويبها الممكن بذلك من معرفة المسميات المشتركة والمسميات التي ترد بكثرة في اغلب تلك اللغات والتوصل بهذه الطريقة إلى الوقوف على أقدم الحيوان والنبات عند تلك الشعوب، فإذا اهتدينا إليها صار من السهل على رأيه التوصل إلى معرفة الوطن الأصل الذي جمع في يوم ما شمل أجداد الساميين.

أمما "كويدي"، وهو من القائلين أيضا إن إقليم بابل هو الموطن الأول للسامين، فقد سار على نفس أسلوب "فون كريمر" نفسه وطريقته، ولكن بصورة مستقلة عنه. درس الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية عن العمران والحيوان والنبات ونواحي الحياة الأخرى، وقارن بينها وتتبع أصولها قال قوله المذكور، إلا انه اختلف عن "فون كريمر" في الوطن الأول، حيث رأى إن مواطن الساميين الأول كانت الأرضين في جنوب بحر قزوين وفي جنوب شرقيه إلا انهم غادروها بعد ذلك وارتحلوا عنها إلى إقليم بابل.

وأما "هومل"، وهو من العلماء الألمان الحاذقين في الدراسات اللغوية، فقد ذهب أولاً إلى إن موطن الساميين هو شمال العراق، ثم عاد فقرر إن إقليم بابل هو الوطن الأصل،وذهب أيضاً إلى إن قدماء المصريين هم فرع من فروع الشجرة التي أثمرت الثمرة السامية، وهم الذين نقلوا على رأيه الحضارة إلى مصر نقلوها من البابليين. وقد ناقش "نولدكه" آراء هؤلاء العلماء المذكورين القائمة على المقابلات والموازنات اللغوية، وعارضها معارضة شديدة، مبيناً إن من الخطأ الاعتماد في وضع نظريات مهمة كهذه على مجرد دراسة كلمات و إجراء موازنات بين ألفاظ لم يثبت ثبوتاً قطعياً إن جميع الساميين أخذوها من العراق، وأورد جملة أمثلة اختلف فيها الساميون، مع انها أجدر المعاني بأن يكون لها لفظ مشترك في جميع اللغات السامية. ومن أوجه النقد التي وجهت إلى نظرية القائلين إن العراق، أو إقليم بابل منه بصورة خاصة، هو موطن الساميين، هو إن القول بذلك يستدعي تصور انتقال للساميين من أرض زراعية خصبة ذات مياه إلى بواد قفرة جرد، و إبدال حياة زراعية بحياة خشنة بدوية، ومثل هذا التصور يخالف المنطق والمعقول والنطم الاجتماعية. و أما القائلون إن الموطن الأصلي لجميع الساميين هو جزيرة العرب، فكان من أولهم "شبرنكر". فقد رأى إن أواسط جزيرة للعرب، ولا سيما نجد، هو المكان للذي بجب إن يكون الوطن الأول للساميين،وذلك لأسباب وعوامل شرحها وذكرها. ومن هذا الوطن خرج الساميون في رأيه إلى الهلال الخصيب فطبعوه بالطابع السامي، ومن هذا الهلال انتشروا إلى أماكن أخرى. وقد أيد هذه النظرية جماعة من المستشرقين الباحثين في هذا الموضوع من أمثال "سايس" و "أبرهرد شرادر"، و "دي كويه" و "هوبرت كرمه" و "كارل بروكلمن" و "كينغ" و "جول ماير" و "كوك" ،وآخرين. وقد مال إلى تأييدها وترجيحها "دتف نلسن"، وهو من الباحثين في التاريخ العربي قبل الإسلام. وكذلك "هوكو ونكلر". و "هومل" الذي يرى إن موطن جميع الساميين الغربيين هو جزيرة العرب. وقد ذهب نفر من القائلين بهذه النظرية إلى إن العروض ولا سيما البحرين والسواحل المقابلة لها، هي الوطن السامي القديم. ويستشهد هذا النفر على صحة نظريته ببعض الروايات والدراسات التي قام بها العلماء فكشفت عن هجرة بعض الأقوام كالفينيقين و غيرهم من هذه الأماكن. أما "فلبي"، فذهب في دراساته المسهبة لأحوال جزيرة العرب إلى إن الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين. وفي هذه الأرضين نبتت السامية، ومنها هاجرت بعد اضطرارها إلى ترك مواطنها القديمة لحلول الجفاف بها التي ظهرت بوادره منذ عصر "البالئوليتيك" "Palaeolithic" هاجرت في رأيه، في موجات متعاقبة سلكت الطرق البرية والبحرية حتى وصلت إلى المناطق التي استقرت فيها. هاجرت وقد حملت معها كل ما نملكه من أشياء ثمينة، حملت معها آلهتها، وأولها الإله "القمر"، وحملت معها ثقافتها وخطها الذي اشتقت منه سائر الأقلام، ومنه القلم الفينيقي، وطبعت تلك الأرضين الواسعة التي حلت فيها بهذا الطابع السامي الشي ما زال باقياً حتى اليوم. وقد أخذ "فلبي" رأيه هذا من دراسات العلماء لأحوال جزيرة العرب ومن الحوادث التاريخية التي تشير إلى هجرة القبائل من اليمن نحو الشمال.

فاليمن في رأي "فلبي" وجماعة آخرين من المستشرقين، هي "مهد العرب" ومهد الساميين، منها انطلقت الموجات البشرية إلى سائر الأنحاء. وهي في نظر بعض المستشرقين أيضاً "مصنع العرب"، وذلك لأن بقعتها أمدّت الجزيرة بعد كبير من القبائل، قبل الإسلام بأمد طويل وفي الإسلام. ومن اليمن كان "نمرود" وكذلك جميع الساميين.

والذين يقولون إن نجداً هي موطن الساميين الأول، يفرضون إن موجات هجرة الساميين اتجهت نحو الشمال كما اتجهت نحو الجنوب والشرق والغرب، فكأن نجدا معين ماء يفيض فيسيل ماؤه إلى أطرافه. غير إن هنالك جماعة من الباحثين ترى إن نجداً لا يمكن إن تكون الموطن الأول للسامين، وذلك لأن شروط الحياة اللازمة لم تكن تتوفر بها، اللهم إلا في المواضع التي توجد بها أبار أو واحات، وهي قليلة متناثرة، وذلك حتى في العصور "الباليوثية" "Palaeolithic" 0 أما المراعي التي كانت بها في تلك الأوقات فلم تكن دائمة الخضرة، بل كانت مع المواسم ولهذا فان السكن فيها لا يمكن إن يكون سكناً دائمياً مستمراً، ثم إن السكن في نجد يقتضي وجود الجمل فيها ولم يكن الجمل موجوداً عند الساميين في العهود القديمة بل كان الحمار هو واسطة الركوب والنقل عندهم. ولما كان الحمار لا يتحمل العيش في البوادي الواسعة الفسيحة، لذلك لم يتمكن الساميون إذ ذاك من التوغل في الصحراء والسكن بعيداً عن مواضع الماء، فانحصر سكنهم في أسياف البوادي أي في مناطق قريبة من الحضر، ولهذا السبب رفض العلماء رأي من يقول إن نجداً هي الموطن الأول للساميين. ويمكن تلخيص الحجج والبينات التي استند إليها هؤلاء العلماء لإثبات نظريتهم في الأمور الآتية: 1 - لا يعقل إن ينتقل سكان الجبال والمزارعون من حياة الحضارة والاستقرار إلى البداوة، بل يحدث العكس. ولما كانت الشعوب السامية قد قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية، فلا بد إن يكون وطنها الأول وطناً صحراوياً، وجزيرة العرب تصلح إن تكون ذلك الوطن أكثر من أي مكان آخر. 2 - ثبت إن معظم المدن والقرى التي تكونت في العراق أو الشام إنما كونتها عناصر بدوية استقرت فيَ مواضعها، واشتغلت بإصلاح أراضيها و عمرانها، واشتغلت بالتجارة، فنشأت من ذلك تلك المدن والقرى. ولما كانت أكر هذه العناصر البدوية قد جاءت من جزيرة العرب، فتكون الجزيرة قياسا على ذلك الموطن الذي غذّى العراق وبادية الشام وبلاد الشام بالساميين، وأرسل عليها موجات متوالية منها. 3 - هناك أدلة دينية ولغوية، وتاريخية وجغرافية، تشير بوضوح إلى إن جزيرة العرب هي مهد السامية ووطن الساميين. 4 - إننا نرى إن جزيرة العرب قد أمدّ ت العراق وبلاد الشام بالسكان، وأن القبائل الضاربة في الهلال الخصيب قد جاءت من جزيرة العرب، فليس يستبعد إذن إن يكون الساميون قد هاجروا منها إلى الهلال الخصيب. وقد عارض هذه النظرية طائفة من علماء الساميات، وحجتهم: إن كل ما قيل وذكر من حجج وبينات، لا يدل يقيناً على إن جزيرة العرب كانت هي المهد الأصلي للأمم السامية، ونظرت إلى إفريقية على إنها المكان المناسب لأن يكون الوطن الأول للساميين. ومن هذه الطائفة من علماء الساميات "بلكريف"، وقد كون رأيه من وجود تشابه في الملامح، وفي الخصائص الجنسية، وصلات وقد كون رأيه من وجود تشابه في الملامح، وفي الخصائص الجنسية، وصلات لغوية يين الأحباش والبربر والعرب دفعته إلى القول بأن الوطن الأول للساميين هو إفريقية.

وذهب إلى هذا الرأي "جيرلند Gerland"، مستنداً إلى الدراسات "الفيزيولوجية" مثل تكوين الجماجم، والبحوث اللغوية. وقد زعم ان شمال إفريقية هو الموطن الأصلي للساميين، وادعى ان الساميين والحاميين من سلالة واحدة ودوحة تفرعت منها جملة فروع، منها هذا الفرع السامي الذي اختار الشرق الأدنى موطناً له.

وهناك نفر من العلماء أيدوا هذه النظرية ودافعوا عنها أو استحسنوها، مثل "برتن Brtin" و "نولدكه" و "موريس جسترو" و "كين" و "ربلي" وغيرهم. ولكنهم اختلفوا أيضا في تعيين المكان الذي نبت فيه الساميون أول مرة في القارة الإفريقية، واختلفوا كذلك في الطريق الذي أوصل السامين إلى جزيرة العرب ، فاختار "برنتن" Brintonشمال غربي إفريقية، ولا سيما منطقة جبال "الأطلس" فجعلها الموطن الأصلي للساميين.

واختار نفر آخر إفريقية الشرقية موطناً أول للساميين، للعلاقات "الأثنولوجية" الظاهرة التي تلاحظ على سكان هذه المنطقة والساميين. وزعم أن الساميين سلكوا في عبورهم إلى آسية أحد طريقين: إما طريق سيناء حيث هبطوا في العربية الحجرية وأناخوا فيها مدة ثم انتشروا منها، وإما طريق المندب حيث دخلوا العربية السعيدة من مواضع مختلفة من الحبشة ومن أرض "فنط Punt". وهي الصومال الحديثة. وقد أكسبتهم أقامتهم في بلاد العرب خصائص جديدة، ووسمتهم بسمات اقتضتها طبيعة الوطن الثاني، ولكنها لم تتمكن من القضاء على الخصائص الأولى التي تشير إلى الوطن الأول قضاء تاماً، ولا على الصلة بين اللغات الحامية والسامية التي تسير إلى الأصل المشترك كذلك.

وهذه النظرية، بالرغم من دفاع بعض كبار علماء اللغات والأجناس عنها لا تخلو من ضعف، ومن مواطن ضعفها أنها غضت الطرف عن الاعتبارات التاريخية،واستسلمت لدراسات لم تنضج بعد، فمن الممكن مثلاً إرجاع ما لاحظه علماء اللغات السامية واللغة المصرية القديمة إلى عوامل الهجرات السامية من جزيرة للعرب وعن طريق سيناء إلى إفريقية، مثل هجرة "الهكسوس" وهم من أصل سامي جاؤوا مصر من بلاد العرب. وقد ثبت أيضا من تحقيقات العلماء أن كثيراً من الأسماء المصرية القديمة التي كانت تطلق على الأقسام الشرقية من الديار المصرية هي أسماء سامية. وإذا سوغّ علماء النظرية الإفريقية لأنفسهم الاستدلال على إفريقية الساميين من وجود القرابة اللغوية بين اللغة المصرية واللغات السامية مثلاً، فإن من الممكن إرجاع هذه القرابة إلى أثر الهجرات السامية في اللغة المصرية.

وأما تقارب الحبشية من اللهجات العربية الجنوبية وكتابة الأحباش حتى اليوم بقلم شبيه بالمسند، فلا يكون دليلاَ قاطعاً على هجرة السامين من إفريقية عن طريق الحبشة إلى جزيرة العرب، إذ يجوز العكس، وقديمة هاجر الساميون من العربية الجنوبية إلى الحبشة. والساميون هم الذين كوّنوا دولة "أكسوم" التي كانت تتكلم باللغة "الجعزية"، وهي لغة سامية، كما أن قلمها الذي يشبه قلم المسند هو وليد القلم العربي الجنوبي. وكتابات "يها" "محا" المكتوبة بالمسند، في حد ذاتها دليل على أثر العرب الجنوبيين في الإفريقيين "الكوشيين"، وهذه الكتابات حديثة عهد بالنسبة إلى كتابات السبئيين، كما يمتهن اعتبار تشابه أسماء بعض الأماكن القديمة في الحبشة مع نظائر لم في اليمن ووجود معبد في الحبشة خص بالإله "المقة" إله سبا العظيم، وأمور أخرى دينية ولغوية وأثرية، واعتراف الأحباش بأنهم من نسل ملكة سبأ "بلقيس" "ماقدة" من "سليمان الحكيم"، وأن "حبشت" التي لم أخذ الأحباش منها اسمهم في اللغة العربية هي مقاطعة تقع في العربية الجنوبية في رأي أكثر العلماء، وأن "الأجاعز" أصحاب اللغة الجعزية هم اقدم ممن هاجر من اليمن إلى الحبشة، ووجود صلات قديمة ببن الساحلين الإفريقي والعربي، إذا نظرنا إلى كل هذه الأمور نظرة علمية. دقيقة، تجد أنها تجعل أمام القائلين إن أصل الساميين من إفريقية صعوبات ليس من السهل التغلب عليها، ولا سيما إذا أضفنا اليها الأثر الذي تركته اليهودية والنصرانية في الأحباش وفي الشعوب الكوشية الأخرى، فقرب ثقافتها من الثقافة السامية وأثر في لغتها، وهو أثر يجب أن يقام له وزن عند بحث هذا الموضوع. ثم ان كثيراً من علماء "الأنثروبولوجي" يرون أن إفريقية تأثرت بالسماء الأسيوية. أما تأثيرها في دماء أهل الشرق الأدنى وفي سماء سكان جزيرة العرب، فقد كان قليلاّ لقد دخلت اليها دماء شعوب الشرق الأدنى من البحر المتوسط ومن طور سيناء ومن مضيق باب المندب. ويظهر أثر هذا الاختلاط واضحاً في إفريقية الشرقية وإفريقية الشمالية، وما زال هذا التأثر واضحاً حتى اليوم. ولهذا فإن من الصعب تصور هجرة السامين من أفريقية إلى جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق على وفق نظرية هؤلاء العلماء. ومن القائلين إن المهد الأصلي للساميين هو أرض إرمينية "جون بيترس"، وحجته في ذلك أن هذا المحل هو أنسب مكان يتفق مع رواية التوراة في الطوفان، وهو المحل الأصلي للأمم السامية والآرية. ثم إن الأنف الحثي يشبه كل الشبه الأنف العبراني، وفي هذه التسمية دلالة على المكان، وقد نسي أن العرب وهم من الساميين لم يرزقوا هذا الأنف.

وقد ذهب "أنكناد" "Ungnad" إلى أن أصل الساميين من أوروبة، وقد تركوها وهاجروا منها إلى آسية الصغرى، ثم هاجروا منها إلى أرض "أمورو" "Amurru"، وذهب قسم منهم في الألف الرابعة قبل الميلاد إلى بابل وبقية أنحاء العراق.

وذهب "كلي" إلى ان الوطن الأصلي للسامين هو أرض "أمورو" "Amurru" "الأمريين" وتشمل هذه الأرض، في رأيه، بلاد الشام ومنطقة الفرات. من هذه المنطقة هاجر الساميون، وهو قد توصل إلى نظريته هذه من الدراسات اللغوية، ولكنها لا تستند في الواقع إلى أدلة قوية. والأموريون من الشعوب السامية القديمة التي سكنت في فلسطين والشام وإقليم بابل. وذهب آخرون إلى أن الوطن الأول الأصل للساميين هو أرض "قفقاسية"، إذ كان البشر من ثلاثة أجناس أساسية، هي: الجنس القفقاسي "Caucassids" والجنس المنغولي "Mongoloids" "الآسيويين"، والجنس الزنجي "Negroids". وقد قصدوا بالجنس القفقاسي أصحاب البشرتين البيضاء والسمراء، أي الآريين والساميين. فوطن هذين الجنسين الأول هو "قفقاسية" على هذا الرأي. منه انتقل الساميون إلى أوطانهم الجديدة، بهجرتهم إلى الجنوب واستقرارهم فيما يقال له "الهلال الخصيب"، ثم فيما وراءه إلى السواحل الجنوبية لجزيرة العرب، ومنه انتقل الآريون إلى الجنوب الشرقي لقفقاسية وإلى الغرب والشمال، أي إلى آسية وأوروبة ثم إلى أماكن أخرى فيما بعد.

وهجرات على هذا النحو، لا بد أن تكون لها أسباب ومسببات، اذ لا يعقل ترك إنسان لوطنه من غير سبب. وقد بحث القائلون بهذا الرأي عن الأسباب التي أدت إلى وقوع تلك الهجرات، فوضعوا لهم جملة فرضيات. ظهر الساميون على مسرح الوجود في الألف الثالثة قبل الميلاد، واستقروا في هذه الأرضين التي اصطبغت بالصبغة السامية، وهي الهلال الخصيب وشبه جزيرة سيناء وجزيرة العرب، حيث تعد اليوم المواطن الرئيسية للساميين. وقد توسط بعض الباحثين بين الآراء المتباينة، عن الوطن الأول للجنس السامي، فذهب إلى أن الهلال الخصيب وأطراف جزيرة العرب هي الموطن الأول للساميين والميدان الذي وجسوا فيه منذ أقسم أيامهم، وقد كان هذا الميدان موضع صراع بين البداوة والحضارة، فقد كان البدو يهاجمون الحضر سكان القرى والمدن، والبدو هم من الساميين، وكثير من الحضر كانوا من الساميين أيضا، ومن هذا التنازع على الحياة تكوّن تاريخ الساميين في هذه المنطقة الواسعة من الهلال الخصيب التي تهدها من الشرق والشمال والغرب الجبال والتي تمتد فتشمل كل جزيرة العرب.


الهجرات السامية

تقول كل النظريات التي رأيناها عن أصل الوطن السامي، بهجرات الساميين من ذلك الوطن الأم إلى أوطان أخرى في أزمان مختلفة متباينة، وذلك لأسباب عديدة منها: ضيق أرض الوطن من تحمل عدد كبير من الناس، وتزاحم الناس كل الرزق، مما دعاهم إلى التحاسد والتباغض والتفتيش عن وطن جديد، وظهور تغيرات في طبيعة ذلك الإقليم، إلى عوامل أخرى. وقد تصور القائلون ان جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، بلاد العرب كخزان هائل يفيض في حقب متعاقبة، تبلغ الحقبة منها زهاء ألف عام، بما يزيد على طاقته من البشر إلى الخارج، يقذف بهم موجات أطلقوا عليها "الموجات السامية". وقد علل القائلون بنظرية أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، سبب هذه الهجرات بعدم استطاعة جزيرة العرب تبول عدد كبير من السكان يزيد على طاقتها، فلا يبقى أمامهم غير سلوك طريق الهجرات إلى الأماكن الخصبة في الشمال. وقد كانت الطرق الساحلية من أهم المسالك التي أوصلت المهاجرين إلى أهدافهم. وفي جملة أسباب ضيق جزيرة العرب عن استيعاب العدد الكبير من السكان تغير مستمر طرأ عليها، أدى إلى انحباس الأمطار عنها وشيوع الجفاف فيها مما أثر على قشرنها وعلى أحيائها، فهلك من هلك وهاجر من هاجر من جزيرة العرب، وقد استمر هذا التغير آلافاً من السنين حتى حوّل بلاد العرب أرضين غلبت عليها الطبيعة الصحراوية، وقلّت فيها الرطوبة، وغلب على أكر بقاعها الجفاف. وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر "البلايستوسين" "Pleistocene" حصبة جداً كثيرة المياه، تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة، وذات غابات كبيرة وأشجار ضخمة، كالأشجار التي نجدها في الزمان الحاضر في الهند وإفريقية، وأن جوها كان خيراً من جو أوروبة في العصور الجليدية التي كانت تغطي الثلوج معظم تلك القارة، ثم أخذ الجو يتغير في العالم، فذابت الثلوج بالتدريج، وتغير جو بلاد العرب بالطبع، حدث هذا التغير في عصر ال "نيوليتتك Neolithic" أو في عصر ال "كالكوليتك" "Chalcolithic"، ولم يكن هذا التغير في مصلحة جزيرة العرب، لأنه صار يقلل من الرطوبة ويزيد في الجفاف، ويحول رطوبة التربة إلى يبوسة فيميت الزرع بالتدريج، ويهيج سطح القشرة فيحولها رمالاّ وتراباً ثم صحارى لا تصلح للإنبات ولا لحياة ا لأحياء. فاضطر سكان الجزيرة الذين كانوا من الصيادين إلى أن يكيفوا أنفسهم بحسب الوضع الجديد، فأخذ ناس منهم يهاجرون إلى مناطق أخرى ملائمة توائم حياتهم ومزاجهم، وأخذ ناس آخرون يعتمدون على الزرع وتدجين الحيوانات، وعلى الاكتفاء بصيد ما يرونه من حيوانات تحملت الجو الجديد متنقلين من مكان إلى مكان حيث الكلأ والماء. وهكذا تعرضت حياة الأجسام الحية من نبات وحيوان لتغيرات تدريجية مستمرة، فرضها عليها تغير الجو. وقد أسى انحباس المطر وازدياد الجفاف ويبوسة الجو إلى انخفاض الرطوبة من سطح الأرض، وهبوط مستوى الماء بالتدريج عن قشرة الأرض، وظهور الأملاح في الآبار، وجفاف بعض الآبار، فأدى ذلك إلى ترك الناس هذه الأماكن، إذ صعب عليهم استغلالها بالزراعة، وإصلاحها بحفر آبار لا تساعد مياهها الملحة على نمو النبات، ومعيشة الحيوان. حدث ذلك حتى في العصور الإسلامية حيث نسمع شكاوى مريرة من هذه العوارض الطبيعية. وقد تحدث "فلي" عن هبوط مستوى مياه بعض الآبار التي زارها عام 1917 م في الخرج، كما تحدث غيره من السياح عن حوادث مشابهة حدثت في تهامة والحجاز وأماكن أخرى. ويعزو علماء طبقات الأرض انخفاض مستوى سطح الماء في جزيرة العرب إلى عوامل أخرى، إضافة إلى الجفاف مثل هبوط درجات الضغط على قشرة الأرض. وقد رأى الخبر الأمريكي "تويجل" "Twitchell"، أن الماء قد انخفض زهاء سبع وعشرين قدماً عن مستواه الذي كان عليه قبل ألفي عام. ومن العلماء من يرى أن مستوى سطح الماء في البحر الأحمر وفي الخليج العربي قد انخفض كذلك، فذهب بعض علماء دراسة التوراة إلى أن مستوى سطح الماء في خليج السويس قد انخفض "25" قدماَ عما كان عليه في "أيام الخروج - Exodus". وذهبت جماعة منهم إلى أن هذا الهبوط لم يكن كبراَ، وإنما بلغ زهاء ست أقدام أو أقل من ذلك في خلال ثلاثة آلاف سنة. اما مستوى سطح الخليج العربي، فقد هبط على راي بعضهم زهاء عشر أقدام أو خمس أقدام خلال ألفي عام، وان ماء البحر قد تراجع في هذه المدة، ويستدلون على ذلك بوجود السباخ في الأحساء والقطيف، وهي، في رأيهم، من بقايا تأثر البحر في الأرض وبما ذهب اليه بعضهم من أن الربع الخالي، وقد عثر فيه على بقايا بحر واسع في السهل المنخفض الذي يقال له أبو بحر، كان متصلاً بالبحر العربي. ومهما يكن من شيء، فإن هبوط. مستوى سطح الماء مهما كان مقداره قد أثر في سطع الأرض. وقد وجد السياح محاراً من النوع الذي يكون في المياه العذبة، وأدوات من للصوان ترجع إلى ما قبل التاًريخ والعصور الحجرية، وبقايا عظام ترجع إلى هذه العصور في مناطق صحراوية، ويدل وجودها فيها على أنها كانت مأهولة، وأنها لم نهمل إلا لعوارض طبيعية قاهرة لم يكن من الممكن التغلب عليها، حولت تلك المناطق الخصبة في ألوف من السنين إلى مناطق لا تتوفر فيها شروط الحياة، فهجرت.

كما أننا نجد في الكتب العربية ذكر أشجار ضخمة كانت تنمو في مناطق لا تنبت شيئا ما في الزمان الحاضر، وذكر مناطق كانت تحمي، يقال لها "الحمى" وقد جفّ معظمها، وعاد أرضين قفرة جردء، فهلاك هذه النباتات وجفاف هذه الأرضين، لا يمكن أن يعزى إلى سوء الأوضاع السياسية وهجرة القبائل والمزارعين إلى أماكن أخرى لفساد الإدارة في الأماكن البعيدة حسب، بل لا بد ان يكون للطبيعة يد في هذا التحول ونصيب. إن هذا التغير الذي حدث في جو جزيرة العرب، فساعد على ازدياد الجفاف وانحباس الأمطار، قد أباد النباتات، وقاوم نمو المزروعات، وعفى على الأشجار الضخمة التي كانت تعيش من امتصاص جذورها العميقة للرطوبة من أعماق الأرض، كما أثر في حياة الحيوان كالأسد الذي قلّ وجوده، وقد كان كثير الوجود، ويدل على كثرة وجوده هذه الأسماع الكثيرة التي وضعت له وحفظت في كتب اللغة. وحمار الوحش وقد كان من الحيوانات التي يخرج الناس لصيدها في الحجاز وفي نجد، والنعامة. والرئم أو بقر الوحش، والفهد، والنسر.

ومن العلماء الذين نسبوا هجرة الساميين من جزيرة العرب إلى خارجها، إلى عامل الجفاف والتغير الذي وقع في جو جزيرة العرب، العالم الايطالي "كيتاني" "L.Caetani". لقد تصور "كيتاني" بلاد العرب في الدورة الجليدية جنة، بقيت محافظة على بهجتها ونضارنها مدة طويلة وكانت سبباً في رسم تلك الصورة البديعة في مخيلة كتاب التوراة عن "جنة عدن". وجنة عدن المذكورة في العهد القديم هي هذه الجنة التي كانت في نظر "كيتاني" في جزيرة العرب، غير أن الطبيعة قست عليها، فأبدلتها صحارى ورمالأ، حتى اضطر أصحابها إلى الارتحال عنها إلى أماكن تتوافر فيها ضروريات الحياة على الأقل فكانت الهجرات إلى العراق وبلاد الشام ومصر والمواطن السامية الأخرى. وكانت هذه الهجرات كما يقول قوية وعنيفة بين سنة 2500 وسنة 1500 قبل الميلاد، فدخل الهكسوس أرض مصر، وهاجر العبرانيون إلى فلسطين، ثم ولي ذلك عدد من الهجرات. ويرى "كيتاني" أن هذا التغير الذي طرأ على جو جزيرة العرب، إنما ظهر قبل ميلاد المسيح بنحو عشرة آلاف سنة، غير أن أثره لم يبرز ولم يؤثر تأثيراً محسوساً ملموساً إلا قبل ميلاد المسيح بنحو خمسة آلاف سنة. وعندئذ صار سكان بلاد العرب، وهم الساميون، ينزحون عنها أمواجاً، للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير، وحياة أفضل من هذه الحياة التي أخنف تضيق منذ هذا الزمن. وقد تصور "كيتاني" أودية جزيرة العرب، مثل وادي الحمض ووادي السرحان ووادي الرمة ووادي الدواسر، أنهاراً كانت ذات مياه غزيرة تنساب أليها من المرتفعات والجبال في الدهور الغابرة، أثرت فيها التغيرات الطبيعية المذكورة، فقلت من مياهها حتى جفت، فصارت أودية، لا تجري فيها المياه إلا أحياناً، إذ تسيل فيها السيول بعد هطول الأمطار. وقد ذهب إلى هذا الرأي المستشرق الألماني "فرتز هومل" أيضا، فرأى أن الأنهر المذكورة في التوراة على أنها أنهر جنة "عدن"، هي أنهر تقع في بلاد العرب، وأن الأنهر المشار أليها، هي وادي الدواسر، و وادي الرمة، ووادي السَّرحان، ووادي حَوْران. وأما "كلاسر"، فذهب إلى أن نهري "جيحون" و "فيشون"، وهما من أنهر "جنة عدن" الأربعة في رواية التوراة، هما في جزيرة العرب. ويعتقد "كيتاني" أن الفيلة والحيوانات الضخمة التي يندر وجودها اليوم في بلاد العرب، كانت موجودة فيها بكثرة، ولا سيما في أرض "مدين". وكان الصيادون يخرجون لاصطيادها لأكل لحومها. وقد جاء بأمثلة لتأييد رأيه من كتب "الكلاسيكيين". وقد قسّم "كيتاني" جزيرة العرب إلى قسمين: غربي وشرقي. أما القسم الغربي، فهو الذي على ساحل البحر الأحمر الشرقي، وفيه سلاسل جبلية ومرتفعات. و أما القسم الشرقي، فالأرضون التي تأخذ في الانحدار والميل. وهي عند السفوح الشرقية للجبال، وتمتد نحو الخليج. وقد كان سكان المناطق الغربية -في رأيه - في مستوى راق من المدنية، وكان لهم سلطان كبير على المناطق الشرقية، وعلى سكانها الذين كان يغلب عليهم الفقر. وقد كان فعل الجفاف أشد وأسرع في الأرضين الشرقية منه في الأقسام الغربية، لذلك بدأت الهجرات من هذه المناطق قبل المناطق الغربية، وظهرت فيها البداوة بصورة أوضح من ظهورها في الأرضين التي على ساحل البحر الأحمر والمتصلة باليمن وبلاد الشام. ولما توسعت منطقة الجفاف وأخذت الرطوبة تقلّ في جو بلاد العرب الغربي، ظهرت أعراض الصحراوية في تلك الأرضين كنللك، واضطر السكان إلى الهجرة منها إلى مناطق أخر ى. وقد لاقت نظرية "كيتاني" هذه رواجاً بين عدد كبير من المستشرقين، واعتدها "السير توماس أرنولد" من أهم النظريات التي اكتشفها المؤرخون الحديثون بالنسبة إلى التاريخ العربي. غير أن المستشرق "الويس موسل"، يرى أنها لا تستند إلى أسس تاريخية، ولا إلى أدلة علمية، وأن القائلين بها قد بالغوا فيها مبالغة كبيرة، ويرى أنه ما دامت البحوث "الجيولوجية التي قام بها العلماء في مراحلها الأولى، قد جرت في مناطق محدودة فلم تفحص أكثر مناطق جزيرة العرب فحصاً علمياً فنياً، حتى الآن، فلا يصح الاعتماد على فرضيات، تبنى عليها آراء ثابتة. ولهذا فهو يرى أن الأدلة "الجيولوجية" التي استشهد بها "كيتاني" ضعيفة وغير كافية، فهي لا تستحق مناقشة، واكتفى بمناقشة الأدلة التأريخية.

يرجع "موسل" سبب الهجرات، وتحول الأرضين الخصبة صحارى، إلى عاملين هما: ضعف الحكومات، وتحول الطرق التجارية. فضعف الحكومات ينشأ عنه تزعم سادات القبائل و الرؤساء، و انشقاقهم على الحكومات المركزية، ونشوب الفتن والاضطرابات واشتعال نيران الحروب، وانصراف الحكومة والشعب عن الأعمال العمرانية، وتلف المزارع والمدن، وتوقف الأعمال التجارية وحصول الكساد، وانتشار الأمراض والمجاعة، والهجرة إلى مواطن أخرى يأمن فيها الإنسان على نفسه و أهله وماله. فخراب سدّ "مأرب" مثلاً لا يعود إلى فعل الجفاف الذي أثر على السدّ كما تصور ذلك "كيتاني"، بل بعود إلى عامل آخر لا صلة له بالجفاف، هو ضعف الحكومة في اليمن، وتزعم "الأقيال" و "الأذواء" فيها، وتدخل الحكومات الأخرى في شؤون العربية الجنوبية كالحبشة والفرس، مما أدى إلى اضطراب الأمن في اليمن، وظهور ثورات داخلية وحروب، كالذي يظهر من الكتابات التي تعود إلى النصف الثاني من القرن للسادس للميلاد، فألهى ذلك الحكومة عن القيام بإصلاح السد، فتصدعت جوانبه، فحدث الانفجار، فخسرت منطقة واسعة من أرض اليمن مورد عيشها الأول، وهو الماء، ويبست المزارع التي كانت ترتوي منه، واضطرت القبائل وأهل القرى والمدن الواقعة فيها إلى الهجرة إلى مواطن جديدة. وتصدع السد بسبب ضغط الماء على جوانبه،هو في حد ذاته دليل على فساد نظرية الجفاف. ويرى "موسل" أن التقدم الذي حدث في البلاد العربية بعد القرن التاسع عشر دليل آخر على فساد نظرية "كيتاني"، فقد ظهرت مدن حديثة، وعمرت قرى، وشقت ترع، وحفرت آبار، وعاش الإنسان والحيوان والنبات في مناطق من العراق وسورية ولبنان وفلسطين والأردن كانت تعد من الأرضين الصحراوية. فليس الجفاف هو المانع من عمارة هذه المناطق، والسبب في تكون هذه الصحارى، بل السبب شيء آخر، هو ضعف الحكومات وانصرافها عن العمارة وعن المحافظة على الثروة الطبيعية وضبط الأمن، ووقوفها موقف المتفرج تجاه قطع الناس للأشجار واستئصالها لاستخراج الفحم منها، أو لاستعمال خشبها في أغراض أخرى، وقتال القبائل بعضها ببعض، هذا وان من الممكن إعادة قسم من الأرضن الجرد إلى ما كانت عليه، إذا ما تهيأت لها حكومة قوية رشيدة تنصرف إلى حفر الآبار، و إقامة السدود، وغرس الجبال، وإنشاء الغابات، والاستفادة من مياه العيون. وبرى "موسل" أيضا أن ما ذكره "كيتاني" عن الأنهار في جزيرة العرب مسالة لا يمكن البت فيه ألان، لقلة الدراسات العلمية، كما ان ما ذكره عن انعدام أجناس من الحيوانات، ليس مرده إلى الجفاف وعدم احتمال تلك الحيوانات الجو الجديد، فهلكت، أو هاجرت إلى مواطن جديدة، بل مرده في نظره إلى اعتداء الإنسان عليها، وقتله اياها. ودليله على ذلك أن الحيوانات التي ورد ذكرها في كتب "الكلاسيكيين" لا تزال تعيش في المناطق التي عيّنها أولئك الكتاب، ولكنها بقلة. كذلك نجد الهمداني وغيره ينكر وجود الأسد و حيوانات أخرى في مواضع قل فيها وجودها الأن، وهذا مما يشير إلى أن هذه الحيوانات لم تنقرض أو تقل بفعل تبدل الجو، بل بفعل اعتداء البشر عليها، وان اعتداء البشر على الحيوان شر من اعتداء الطبيعة عليه. ولا يوافق "موسل" على نطرية "كيتاني" في هجرة القبائل العربية من الجنوب إلى الشمال، أو من الشرق إلى الشمال. وقد رأى "كيتاني" كما سبق أن ذكرنا تقسيم جزيرة العرب إلى قسمين: قسم غربي وهو الممتد من فلسطين إلى اليمن، وينتهي بالبحر العربي، وتكون حدوده الشرقية "السراة" والغربية البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقسم شرقي، وهو ما وقع شرقي "السراة" إلى الخليج والبحر العربي. وقد ظهر الجفاف في رأي "كيتاني" في القسم الشرقي قبل الغربي، وهذا صار سكانه يهاجرون منه بالتدريج إلى مواطن جديدة صالحة للاستيطان مثل العراق والشام، كما صار سبباً لظهور الصحارى الشاسعة في هذا القسم بصورة لا نعهدها في القسم الغربي. و يرى "موسل" أن هذا التقسيم لا يستند إلى أسس طبيعية و جغرافية، ولا إلى أراء "الكلاسيكين"، أو علماء الجغرافية العرب، أو غيرهم و انه مجرد رأي لا يكون حجة لإثبات هذا الرأي. و لموسل رأي في الهجرات، يرى أن ما قاله "كيتاني" و غيره عن الهجرات من جزيرة العرب، من اليمن أو من نجد إلى الشمال، قول لا يستند إلى دليل تاريخي قوي. فليست لدينا حتى ألان براهين كافية تثبت - على حد قول موسل- أن أصل "الهكسوس" أو "العبرانيي" مثلا من جزيرة العرب. كما إن ما ادعاه "كيتاني" عن استمرار الهجرات من الألف الثالث أو قبل ذلك قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد قول لا ينطبق مع المنطق. فَلِمَ ضلت هذه الهجرات مستمرة إلى أن توقفت بعد القرن السابع للميلاد? أزدادت الرطوبة و تحسن الجو? أم أن القبائل الكبيرة قد تجزأت إلى قبائل صغيرة و عشائر و أفخاذ، فأصبح في إمكانها العيش بعض الشيء في محال صغيرة، لا تحتاج إلى مراعي شاسعة ، و لا إلى مياه غزيرة? فلم تدفعها الحاجة منذ هذا العهد إلى الهجرة في شكل موجات كبيرة و هل كان الجفاف هو المانع من مهاجمة حدود الإمبراطورتين البيزنطية و الساسانية كانتا قد سدتا أبواب جزيرة العرب على اهلها، فلم تسمحا بتخطي هذه الحدود? و يرى إن ما ادعاه "كيتاني" من أن الجفاف والجوع حملا قبائل اليمن على الهجرة إلى الهلال الخصيب حيث نزلت في أرضين كانت خالية مهجورة على أطراف الفرات والشام، فألفت حكومتي "المناذرة" و "الغساسنة"، قول لا يؤيده ما جاء في الكتب "الكلاسيكية" وفي المصادر "السريانية" من أن تلك الأرضين كانت عامرة، آهلة بالسكان، تمر بها الطرق التجارية العالمية. ويرى "موسل" أن الحكومتين "اللخمية" و "الغسانية" إنما ظهرتا بعد سقوط "تدمر" وقد أسس الدولتين "مشايخ من أهل الهلال الخصيب،ولم يكونوا مهاجرين وردوا من الجنوب، أو من العروض على نحو ما تزعمه بعض الروايات.

و يأخذ "موسل" على "كيتاني" تصديقه الرواية العربية عن هجرة القبائل ونظريتها في الأنساب، واعتدادها من جملة الأدلة التي تثبت نظرية الجفاف. ويرى أنها - مع التسليم بصحتها - تنطبق على الوضع الذي كان في القرن السابع للميلاد وفي الجاهلية القريبة من الإسلام، وأنها رواية تستند إلى خبر مسوغ لا يصح أن يكون سنداً في إثبات الهجرات لما قبل الميلاد. ويمكن تفسير انتساب القبائل - على حد قول موسل - بصورة أخرى، هو ان العرب الجنوبيين كانوا قد هيمنوا في الجاهلية وقبل الإسلام بقرون على الطريق التجارية التي تصل الشام باليمن وعلى الطرق التجارية الأخرى، وكانت لهم حاميات فيها لحماية القوافل من غارات الأعراب، فلما ضعف أمر حكومات اليمن، استقلت هذه الحاميات، وكان كثيراً من أفرادها قد تزاوجوا مع من كان يجاورهم من القبائل، واتصلوا بهم. ولما كان لليمن مقام عظيم وشر ف بين القبائل، انتسب هؤلاء إلى اليمن، وصاروا يعدون أنفسهم مهاجرين، يتصل نسبهم بنسب اليمن. ومن هنا نشأت، في رأي "موسل" أسطورة الأنساب ثم جاء علماء الأنساب في "المدينة" و "الكوفة" فسجلوها على أنها حقيقة واقعة، ومنهم انتقلت إلى كتب التأريخ، فتوسعت وتضخمت في الإسلام. ويدّعي "موسل" أنه لو كانت هنالك هجرات حقاً، لرأينا أثرها في لغة القبائل النازحة إلى الشمال وفي عقيدتها الدينية وفي ثقافتها وفي أساطيرها وفي قصصها الشعبي، ولوجدنا في أقل الأحوال إشارة في الكتابات العربية الجنوبية التي تعود إلى ما قبل الإسلام. ولكننا لا نجد في شيئاً من ذلك، وهذا مما يفند رأي القائلين بالهجرات، وباًن أصل كثير من القبائل التي كانت تقيم في شمال جزيرة العرب، ومن هؤلاء الغساسنة والمناذرة، هم من اليمن. ويعترض "موسل" أيضا على دعوى "كيتاني" وغيره من المستشرقين ممن زعموا أن الفتح الإسلامي هو آخر هجرة سامية قذفت بها جزيرة العرب إلى الخارج، وأنها كانت بسبب الجفاف والجوع، ويرى أن ما جاء في هذه الدعوى لا يتفق مع الحقيقة، وأن ما ذكوه "كيتاني" عن عدد نفوس الحجاز مبالغ فيه، وأن الجيوش التي اشتركت في فتح العراق والشام وفلسطين لم تكن حجازية أو نجدية حسب، بل كانت فيها قبائل عراقية وشامية نصرانية، ساعدت أبناء جنسها العرب مع اختلافها مع المسلمين في الدين، وحاربت الروم والفرس، ولذلك فليست الفتوحات الإسلامية هجرة من جزيرة العرب إلى الخارج على نحو ما تصوره "كيتاني" بدافع الفقر والجوع.

والرأي عندي أن ما يسمى بموضوع تغير الجو في جزيرة العرب وبالهجرات للسامية والاستشهاد بآثار السكنى عند حافات الأودية وفي أماكن مهجورة نائية، لأتخاذ ذلك دليلا على الوطن السامي وعلى هجرة الساميين، هو موضوع لم ينضج بعد، وهو لا يزال بعد يحتاج إلى دراسات علمية وإلى نتائج أبحاث علماء "الجيولوجيا" والعلوم الأخرى، ليقولوا كلمتهم في هذا الموضوع. فعلى بحث هؤلاء يتوقف الحكم في موضوع تطور الجو وتغير الإقليم. أما الحدس والتخمين، وأما الاعتماد على حوادث وعلى بحوث لغوية ومقابلات ومطابقات في أمور دينية ثقافية أخرى، فأنها لا تكفي في نظري للبت في قضايا يجب أن يكون فيها الحكم والكلمة لمعلوم لا للحدس والتصور والتخمين. هذا هو رأيي الآن في هذا الموضوع، وفي كل الآراء الواردة عن مواطن الساميين. فقد رأينا أن بعض تلك الآراء إنما قيلت لاعتقاد أصحابها بما ورد في التوراة، فجاءت بكل ما عندها من حجج وأدلة لإثبات رأيها هذا، ورأينا لن في بعض الأدلة متناقضات و استشهادات ضعيفة، ورأينا أن الاستشهاد باشتراك اللغات في الألفاظ لا يمكن أن يكون دليلاَ قاطعاً على الأصل المشترك، ثم إننا لا نملك سجلاَ تاريخياً للنبات والحيوان ولظهور الألفاظ حتى نستشهد به في إثبات نظرية من النظريات، كل ما لدينا من هذا النوع إنما هو مجرد رأي وحدس. والرأي لا يكون رأياً علمياً إلا بحجة قاطعة وبدليل علمي دامغ وبحوث مختبرية وآثار تثبت ذلك للعيان، فمن حقي إذن أن ألتزم التريث والانتظار وأستعجل العلماء المتخصصين في دراسة طبقات الأرض، لنرى نتائج بحوثهم لنستنير بها في إعطاء أحكام في هذه الآراء. أما بعض الأمثلة التي استُشهد بها لإثبات تغير جو جزيرة العرب، فهي أمثلة لا يمكن أن تكون دليلاّ للتغير، وإنما ترجع إلى عوامل أخرى مثل تغير طريق القوافل، وتغير اتجاهات السفن البحرية، وإلى الفتن والحروب وغارات القبائل المتوالية التي هي من شر الأوبئة التي فتكت بالمجتمع العربي، فسببت هرب الحضر من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى، لعدم وجود قوات نظامية وحكومة ترد اعتداءات الأعراب عليهم، ثم الحروب الأهلية التي وقعت في اليمن بين الحبش وأهل اليمن وأمثال ذلك مما وقع بين الفرس والعرب. أما في الإسلام، فقد كان للفتوحات دخل كبير في هجرة القبائل لنشر الإسلام وللاستمتاع بخيرات بقاع جديدة في العراق وفي بلاد الشام وفي أمكنة أخرى لا يوجد لها مثيل في جزيرة العرب، فتخربت لذلك بعض القرى والسدود القديمة التي كانت في الإسلام، وهي اليوم خراب. أضف إلى ذلك الحروب والفتن التي وقعت في اليمن وفي باقي العربية الجنوبية والعروض في أيام الأمويين والعباسين وفي الأيام التي تلتهم، فنشرت في تلك الديار الخراب، ثم إهمال الأمويين ومن جاء بعدهم من خلفاء وملوك وحكام شأن جزيرة العرب، لفقرها وعدم وجود موارد غنية فيها، وانتقال أصحابها أصحاب الجاه والنفوذ إلى البلاد الغنية، ولم يبق من يدافع عنها ويتحدث بلسانها باعتبارها مهد العرب الأول ومهد الإسلام، فتقوى الخراب بذلك على العمار، وأخذ يبتلع ما يجده أمامه من مستوطنات حتى وصلت إلى ما وصلت أليه اليوم.

والدليل على ذلك، ورود أسماء مواضع عديدة في اليمامة وفي الحجاز وفي نجد واليمن وفي كل أنحاء جزيرة العرب الأخرى في الموارد العربية الإسلامية، كانت مأهولة مزروعة في صدر الإسلام، خربت وهجرت وصارت أثراً، وقد ذهب عن أكثرها حتى الاسم. فلما كتب عنها الجغرافيون لم يجدوا من عمرانها شيئا. بل نجد في كتب الجغرافيين أسماء مواضع نزلوا بها وأقاموا فيها، وكانت معمورة مسكونة. أما اليوم فلم يبق من أكثرها شيئاً، فهل نرجع فعل هلاكها إلى الجفاف وتغير الجو وإلى اندثار الواحات والبحيرات والأنهار? إن الجغرافيين المذكورين لم يشيروا إلى وجود واحات وبحيرات وأنهار حتى نقول بفعل الجو فيها، بل هنالك عوامل أخرى عديدة اضطرت الناس إلى ترك مواطنهم تلك التي ذكرتها، وفي مقدمتها الفتن والغزو وتغير الطريق وعدم قيام حكومة قوية تحمي الأمن. وأما موضوع الاستشهاد بالهجرات، فإنه موضوع غامض محتاج إلى دراسة علمية عميقة، فالذين يرون أن جزيرة العرب كانت مهد الجنس السامي،وضعوا نظريتهم هذه قياساً على روايات أهل الأخبار من أمر هجرة العرب إلى تلك الأرضين، ومن الفتح الإسلامي الذي جرف قبائل عدنانية وقحطانية فساقها إلى بلاد العراق وبلاد الشام وإلى ما وراء هذه الأرضين، ومن هجرة قبائل من جزيرة العرب إلى تلك البلاد حتى الزمن القريب،ومن أخبار عن هجرة الفينيقيين من البحرين إلى بلاد الشام. ولكننا تجد من ناحية أخرى ان التوراة تذكر آن الاسماعيليين هم سكان أرضين تقع في الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب وفي شرق فلسطين في البادية وفي طور سيناء، والأخباريون يذكرون أن العدنانيين هم من سلالة اسماعيل أي أنهم اسماعيليون، ويذكرون أنهم جاؤوا من الشمال فسكنوا الحجاز، وأن جدهم رفع قواعد البيت الحرام، ونرى أن اليهود زحفوا من فلسطين نحو الحجاز، وأن أقواماً من سكان العراق زحفوا نحو الجنوب فسكنوها في العروض. وان قبائل عراقية كالقبائل العبرانية هاجرت من العراق إلى بلاد الشام ثم إلى مصر ثم عادت إلى بلاد الشمام، فمثل هذه الهجرات تلفت النظر وتجعل الباحث يبحث عن أمثلة أخرى من هذا القبيل، لعله يجد غيرها أيضا. وهي تجعله يشعر أن الهجرات لم تكن دائماً في اتجاه واحد، بل كانت حركة دائمة نتجه مختلف الاتجاهات، لعوامل سياسية واقتصادية وحربية ساحتها من شمال بلدية الشام إلى سواحل البحر العربي في الجنوب، ومن سواحل البحر الأحمر إلى سواحل الخليج العربي، فهي ليست هجرات بالمعنى الذي نفهمه من الهجرات في لغة علماء الساميات، ذات أزمان معينة لها أمد محدود كألف عام أو أكثر من ذلك أو أقل، و بمقياس ضخم كبير، بل هي حركة دائمة لقبائل أو لجماعات تتنقل من مكان إلى مكان طلباً للمعاش أو لأحوال سياسية وحربية، فهي هجرة بهذا المعنى إذن ليس غير. فهذه الأرضون التي تشمل كل جزيرة العرب والعراق إلى حدود الجبال وكل البادية الواسعة حتى سواحل البحر الأبيض فطور سيناء إلى نهر النيل، هي مواطن الساميين، ومسارحهم التي كانوا وما زالوا يدرجون عليها. وقد درجت عليها أقوام أخرى أيضا ليست بأقوام سامية، قبل الميلاد وبعده، بل حتى في زمن الاسلام، ولكنها غلبت على أمرها، وصهرت في بوتقة الساميين، أمثال الفرس واليونان والرومان والصليبيين. فقد بقي من هؤلاء خلق اندمجوا بهم وتخلقوا بأخلاقهم وتكلموا بألسنتهم بمرّ السنين، حتى صاروا مثلهم ومنهم، وبذلك امتزجت دماء الساميين بدماء غريبة عنهم فدمهم من هنا ليس بدم صاف نقي، وليس في الأجناس البشرية جنس يستطيع أن يفخر فخراً مطلقاً بكونه الجنس النقي الخالص الذي لم يختلط قط بأي دم غريب.

أضف إلى ما تقدم أن العلماء القائلين بتبدل الجو وبتغيره، هم على خلاف بينهم في الأزمنة وفي الأسباب. فمنهم من بالغ، ومنهم من أفرط حتى قال إن الجو في جزيرة العرب كان يختلف في أيام اليونان والرومان عنه في الأيام الحديثة. ومنهم من قال إن الجو لم يتبدل تبدلا محسوسا مؤثرا فيها منذ حوالي ألفي عام، و منهم من عزا أسباب انخفاض مستوى الماء الارضي في جزيرة العرب إلى عوامل ليست لها صلة بتبدل الجو، وعزا خراب القرى و المدن و اندثار السدود إلى عوامل أخرى لا علاقة لها بتبدل الجو. ومع كل ذلك، فأن هذه الدراسات لم تنضج بعد، ودراسة جزيرة العرب و جوها لم تتم بصورة علمية مختبرية بعد، و أكثر ما ذكرته هو ملاحظات مؤرخين أو باحثين علميين، على نحو من الحدس و التخمين، و لا يمكن بناء نظريات معقولة على مثل هذه الآراء. إن هذه الملاحظات تدفعني إلى التريث في البت في وطن الجنس السامي،حتى تتهيأ دراسات أخرى علمية دقيقة عنه، لأن الأخذ بالقياس، و بمجرد الملاحظات والمشاهدات، لا يمكن أن يكون دليلاً علمياً مقنعاً في تثبيت الوطن الأول الذي ظهر فيه هدْا النسل الذي نسميه بالنسل السامي. وان كنت أجد أن جزيرة العرب قد أمدّت الأقسام العليا منها، وهي بلاد العراق والبادية وبلاد الشام بفيض من الناس، بصورة دائمة مستمرة، وذلك لأسباب عديدة عسكرية واقتصادية، و إنها لم تأخذ من تلك الأرضين مثل هذا الفيض. إن نظرية موطن الجنس السامي، هي في نظري جزء من مساًلة كبرى معقدة، هي مساًلة موطن الجنس البشري بكامله، هل هو موطن واحد في الأصل، أو جملة مواطن، وإذا كان ذلك الموطن موطناً واحداً، فأين كان? وكيف ظهرت هذه الأجناس البشرية بألوانها المتعددة وبسحنها المختلفة? إن هذه بحوث، على البشرية أن تضني نفسها في البحث عنها! وكل بحوثنا الآن حدس وتخمين، حتى يترقى العلم البشري إلى درجات فدرجات. اللغة للسامية لأم تدفعنا هذه النظريات التي قالها العلماء عن السامية وعن القرابة اللغوية التي نراها في مجموعة اللغات السابة، وعن اشتراكها في كثير من أسس النحو والصرف، لد التفكر في أن جميع هذه اللغات تفرعت من لغة واحدة هي أم اللغات للسامية، "Uresmitisch" كما يعير عنها بالألمانية. ويدفعنا ذلك إلى البحث عن أقدم النصوص المدونة في اللغات السامية، وعن الخصائص الأساسية المشتركة بين كل هذه اللغات، للوقوف على اللغة السامية الأولى التي انقرضت، وبقيت آثارها في هذه الجذور التي غذت اللغات السامية القديمة منها والحديثة بالخصائص السامية، وعن اقرب الفروع التي انفصلت من الأم. لقد بحث المستشرقون في هذا الموضوع ولا يزالون يبحثون فيه، فمنهم من وجد أن العبرانية أقدم اللغات السامية، وأقربها عهدا بالأم، ومنهم من رأى إن العربية على حداثة عهدها جديرة بالدراسة والعناية، لأنها نحمل جرثومة السامية، ومنهم من رأى القدم للآشورية أو البابلية، وهناك من رأى غير ذلك. وبالجملة، بر يدع أحد من العلماء أنه توصل إلى تشخيص لغة "سام"، وتمكن من معرفة اللغة التي تحدث بها مع أبيه "نوح" أو مع أبنائه الذين نسلوا هذه السلالات السامية. وكان من جملة العوامل التي ألهبت نار الحماسة في نفوس علماء التوراة والساميات للبحث عن اللغة السامية الأولى أو أقرب لغة سامية أليها، القصص الوارد في التوراة عن سام وعن لغات البشر، وبابل ولغاتها والطوفان وما شاكل ذلك، ثم وجد المستشرقون المعاصرون أن البحث في هذا الموضوع ضرب من العبث، لأن هذه اللغات السامية الباقية حتى الآن هي محصول سلسلة من التطورات وللتقلبات لا تحصى، مرت بها حتى وصلت إلى مرحلتها الحاضرة، كما أنها حاصل لغات ولهجات منقرضة. واللغة السامية القديمة لم تكن إلا لغة محكية زالت من الوجود، دون أن تترك أثراً. ومن الجائز أن يهتدي العلماء في المستقبل إلى لغات أخرى، كانت عقداً بين اللغات السامية القديمة التي لا نعرف من أمرها شيئاً وبين اللغات السامية المعروفة. والأفضل أن ننصرف ألان إلى دراسة اللغات السامية والموازنة بينها، لنستخلص المشتركات والأصول. ومتى تتكون هذه الثروة اللغوية، يسهل ابحث في اللغة السامية الأم، كما تستحسن الموازنة بين هذه اللغات واللغات التي ظهرت في القارة الإفريقية، مثل المصرية القديمة والبربرية والهررية وبقية اللهجات الحبشية، لتكوين فكرة علمية عن الصلات التي تربط بن الحاميين والساميين وكانت من جملة العوامل التي دفعت بعض العلماء إلى القول بأن أصل الجنسين واحد، كان يقيم في قارة إفريقية.

وبالجملة إن هناك جماعة من المستشرقين ترى ان اللغة العربية على حداثة عهدها بالنسبة إلى اللغات السامية الأخرى، هي أنسب اللغات السامية الباقية للدراسة وأكثرها ملاءمة للبحث، لأنها لغة لم تختلط كثيراً باللغات الأخرى، ولم تتصل باللغات الأعجمية قبل الإسلام، فبقيت في مواطنها المعزولة صافية، أو أصفى من غيرها في أقل الأحوال، ثم أنها حافظت على خواص السامية القديمة مثل المحافظة على الإعراب على حين فقدت هذه الخاصة المهمة أكثر تلك اللغات، ولهذه الأسباب وغيرها رأوا أن دراستها تفيد كثيراً في الوقوف على خصائص السامية القديمة ومزاياها.

وقد شغل علماء العرب أنفسهم بموضوع اللغة السامية أو لغة سام بن نوح بتعبير أصج، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، ذهبوا إلى البحث في لغة آدم أبي البشر وفي لغة أهل الجنة. وقد سبق لليهود والنصارى أن بحثوا في هذا الموضوع أيضا، في موضوع لغة آدم أي لغة البشر الأولى، التي تفرعت منها كل لغات البشر حتى اليوم. وقد ذهب بعض علماء العربية إلى أن العربية هي اللسان الأول، هي لسان آدم، إلا أنها حرفت ومسخت بتطاول الزمن عليها، فظهرت منها السريانية، و سائر اللغات. قالوا: "كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربياً، إلى أن بعد العهد. وطال، فحرِّف وصار سريانياً. وهو يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف". وقد أدركوا ما أدركه غيرهم من وجود قرابة وصلة بين العربية وبين السريانية، فقال المسعودي: "وإنما تختلف لغات هذه الشعوب "أي شعوب جزيرة العرب" من السريانيين اختلافاً يسيراً". وقد أخذ علماء العربية نظريتهم هذه من أهل الكتاب. ولما كانت السريانية هي لغة الثقافة والمثقفين، ولغة يهود العراق وأكثر أهل الكتاب في جزيرة العرب في ذلك العهد، فلا يستغرب إذن قول من قال إن السريانية هي أصل اللغات وإنها لسان أدم ولسان سام بن نوح.


العقلية السامية

وتحدث المشتغلون بالتاريخ الثقافي و "علم الأجناس" عن عقلية خاصة بالشعوب السامية، دعوها "العقلية السامية"، كما تحدثوا عن عقلية "آرية" وعن عقليات أخرى، وحاولوا وضع حدود لأوصاف العقلية السامية، ورسم صورة خاصة بها تميزها عن صور العقليات البشرية الأخرى. وقد شاعت هذه النظرية نظرية خصائص العقلية السامية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ووجدت لها رواجاً كبيرا، لظهور بعض الآراء والمذاهب التي مجدت العقلية الأوروبة، وسبّحت محمدها، وقالت بتفوق العقل الغربي الخلاق المبدع على العقل الشرقي الساذج البسيط! ورمز العقل الشرقي هو العقل السامي، فهو لذلك عقل ساذج بسيط. ومن أشهر مروّجي هذه النظرية الفيلسوف الفر نسي "رينان" "Ernest Renan" "1823 - 1892 م"، و "كراف كوبينو" "Graf Arthur Gobineau" "1816 - 1882 م"، وهو من القائلين بتمايز العنصريات البشرية وبتفوق بعضها على بعض وبسيادة العقلية الآرية على سائر العقليات، و "هوستن ستيوارت شامبر لن Housten Stewart Chamberlain" "1855-1927 م" صاحب كتاب "أسس القرن التاسع عشر". ومن هذه الموارد أخذت "النازية" نظريتها في تفوق العرق الآري على سائر أعراق البشر، وتفوق الجنس "الجرماني" خاصة من العرق الآري على سائر الأجناس والأعراق البشرية. ومن هنا وضع "هتلر" "قوانين نورنبرك" لحماية الدم الآري من الاختلاط بالدماء الأخرى، ولصيانته ولبقائه دماً نقماً صافياً. ولترسيخ هذه النظرية في نفوس الناس ولترويجها بين الألمان والأوروبيين، شجع البحث في موضوع "الأجناس البشرية"، وحشد عدداً كبيرا من الأساتذة لإجراء بحوث ودراسات فيه، وأوحى إلى أساتذة التأريخ كتابة التأريخ بطريقة تظهر دائماً أن الحضارة البشرية هي حاصل عمل الشعوب الآرية وحدها، وناتج من نتاجها، بتلك الشعوب بدأت وبها تستمر. وقرر أن ما يقال عن حضارات الشرق الأدنى القديمة هو لغو وهراء، وهذا أوجب كتابة تأريخ هذه الشعوب على نحو جديد، وعلى أساس هذه الفلسفة.

وبحوث مثل هذه تقوم في ظروف كهذه أو في ظروف مشابهة لها، لا يمكن أن تكون إلا دراسات فجة مغرضة، مبعثها عاطفة وقصد مبيت، لذلك لا يمكن الاطمئنان أليها ولا الاعتماد عليها. والبحث في خصائص جنس من الأجناس وفي مميزاته وسماته الطاهرة والباطنة، يضفي تقصي ملامح الجنس في الحاضر والماضي، وذلك بدراسة ملامح الباقين وبفحص أجسامهم وخصائصهم بطرق علمية حديثة، وبدراسة عظام الماضين وما تخلف من أجسامهم في باطن الأرض بالأساليب العلمية الحديثة أيضا، ليكون بحثنا شاملاّ للماضي والحاضر، ومثل هذه البحوث لم تجرِ حتى الآن، لا على العرب، ولا على غير العرب من هذه الشعوب التي نسميها "الشعوب السامية". ثم إن البحوث العلمية على قلتها وضآلتها تدل على وجود فروق بارزة بين الساميين في الملامح الجسمية، في مثل شكل الجمجمة والأنف. ووجود مثل هذه الفروق، لا يمكن أن يكون علاقة على وجود "جنس" بالمعنى العلمي المفهوم من "الجنس" يضم شمل الساميين. وعلى وجود علاقة خاصة بالساميين ذات حدود ورسوم تختلف عن عقليات الأجناس البشرية الأخرى.

والصفة العامة التي يراها علماء الساميات في الساميين، أن الساميين يحبون الحركة والتنقل والهجرة من مكان إلى مكان على طريقته الأعراب، وأنهم ميالون إلى الغزو والأخذ بالثأر، وعاطفيون تتحكم العواطف في حياتهم، ويغضبون لتافه الأمور ويرضون بسرعة، يحبون فيسرفون في حبّهم، ويظهرون الوجد فيه، ويبغضون فيبالغون في بغضهم حتى ليصلوا إلى حد القساوة والعنف لأسباب تافهة لا تستوجب كراهية و لا بغضا، فرديون في طباعهم تتغلب علهم الفردية، لذلك تراهم في الأصل قبائل، إذا اتحدت و كوّنت حكومة قوي ة كبيرة، لا تلبث أن تتعرض للانفصال و التفتت، الحياة عندهم على وتيرة واحدة. موسيقاهم و شعورهم العام بما في ذلك الشعر و الغناء و كل سائر التعبير عنه، حزن و نغم معدود مكرر. قضاؤهم قضاء قبلي، يقوم على القصاص بالمثل، و على أساس السن بالسن و العين بالعين و القتل بالقتل، و نظام الحكم عندهم نظام أسسه الفكرة القبلية، و ديانتهم متشابهة، تتجلى عندهم الغريزة الدينية و أتقاد المخيلة و قوة الشعور الفردي و القسوة, و تتغلب عليهم السطحية في التفكير، فلا يميلون إلى التعمق في درس الأشياء للوصول إلى كنهها و جوهرها، كما فعل اليونان.

وليست لهم قابلية في فهم الأمور المعقدة، ولهذا صارت أحكامهم عامة شاملة ساذجة لا تعقيد فيها، لأن تفكيرهم تفكير ساذج غير معقد. وتفكيرهم هذا هو الذي جعلهم يبشرون بالتوحيد على حين كانت الأديان الآرية -على حد قولهم- أدياناً معقدة تعتقد بوجود أكثر من إلَه ! ! ويرى هؤلاء العلماء أن البدوي هو خير ممثل للعقلية السامية، فقد عاش الساميون بدواً أمداً طويلاً، ومرّوا في حياتهم بحياة البداوة ولهذا صارت عقليتهم عقلية بداوة، تجمع بينهم صفات مشتركة نتجت من اشتراكهم في تلك الحياة. وقد وضع المتعصبون للنظرية العنصرية كتباً في موضوعات متعددة، تعالج الجسم والروح ضد الساميين والآريين، وعنوا عناية خاصة بدراسة الحياة الروحية ومظاهرها عند الجنسين، فبحثوا في الناحية القانونية والتشريعات المختلفة عند الساميين والآريين، وقارنوا بين التشريع عند الجماعتين. كذلك عالجوا مختلف النواحي الأخرى من الحياة، حتى إن بعضهم ألف كتاباً في موضوع حرمة أكل لحم الخنزير عند الساميين. مع انه من اللحوم الشهية عند الآريين، وعدّ ذلك من مميزات الجنس. وهناك جماعة من العلماء، رَدت على هذه النظرية التي تحدد العقليات، وترسم لها حدوداً وتضع لها معالم، رأت أن ما يذهب إليه أصحابها من وجود عقليات صافية خالصة للأجناس البشرية المذكورة، يستوجب وجود أجناس بشرية صافية خالصة ذات دماء نقية، لم تمتزج بها دماء غريبة، ويقتضي ذلك افتراضنا اعتزال الأجناس بعضها عن بعض عزلة تامة، وهو افتراض محال، لأن البشرية لم تعرف العزلة منذ القدم، ولم تبن حولها أسواراً مرتفعة تحول بينها وبين الاختلاط ببقية الأجناس، والشواهد التاريخية والبحوث العلمية المختبرية تشير إلى العكس، تشير إلى الاختلاط والامتزاج، كما ذكرنا آنفاً، فما يقال عن اختلاف العقليات، هو حديث، أوحته العواطف والنزوات. أما ما نشاهده من اختلاف في أساليب الفكر وفي فهم الأمور،فليس مرجعه ومردّه إلى الدم، بل إلى البيئات الطبيعة والاجتماعية والثقافية، فهي التي أثرّت و كونت هذه الفروق. وعلى الباحث دراسة كل ما يؤثر على الإنسان من محيط ومن مؤثرات طبيعية مثل الضغوط الجوية والحرارة والبرودة والرطوبة، ومن تركيب الأجسام وأشكالها. وألوان الشعر والبشرة والعين وبنية الجسم بصورة عامة، ومن أنواع الأغذية التي يتناولها والمحيطات الثقافية التي يعيش فيها إلى غير ذلك من مؤثرات يدرسها علماء الأجناس اليوم، وذلك لإصدار أحكام معقولة عن أجناس البشر.

الفصل السابع: طبيعة العقلية العربية

لكل أمة عقلية خاصة بها، تظهر في تعامل أفرادها بعضهم مع بعض وفي تعامل تلك الأمة مع الأمم الأخرى، كما أن لكل أمة نفسية تميزها عن نفسيات الأمم الأخرى، وشخصية تمثل تلك الأمة،وملامح تكون غالبة على أكثر أفرادها، تجلها سمة لتلك الأمة تجزها عن سمات الأمم الأخرى. والعرب مثل غيرهم من الناس لهم ملامح امتازوا بها عن غيرهم، وعقلية خاصة بهم. ولهم شمائل عرفوا واشتهروا بها بين أمم العالم، ونحن هنا نحاول التعرف على عقلية العربي وعلى ملامحه قبل الإسلام، أي قبل اندماجه واختلاطه اختلاطاً شديداً بالأمم الأخرى، وهو ما وقع وحدث في الإسلام.

وقد بحث بعض للعلماء والكتاب المحدثين في العقلية العربية، فتكلموا عليها بصورة عامة، بدوية وحضرية، جاهلية وإسلامية. فجاء تعميمهم هذا مغلوطاً وجاءت أحكامهم في الغالب خاطئة. وقد كان عليهم التمييز بين العرب الجاهلين والعرب الإسلاميين، وبين الأعراب والعرب، والتفريق بين سكان البواطن آي بواطن البوادي وسكان الأرياف وسكان أسياف بلاد الحضارة. ثم كان عليهم البحث عن العوامل والأسباب التي جعلت العرب من النوعين: أهل الوبر وأهل الحضر، تلك الجبلة، من عوامل إقليمية وعوامل طبيعية أثرت فيهم، فطبعتهم بطابع خاص، ميزهم عن غيرهم من الناس. بل إن الحديث عن العقلية العربية، حديث قديم، ففي التوراة شيء عن صفاتهم و أوصافهم، كوّن من علاقات الإسرائيليين بهم، ومن تعاملهم واختلاطهم بالعرب النازلين في فلسطين وطور سيناء أو في البوادي المتصلة بفلسطين. ومن أوصافهم فيها: أنهم متنابذون يغزون بعضهم بعضاً، مقاتلون يقاتلون غيرهم كما يقاتلون بعضهم بعضاً "يده على الكل، ويد الكل عليه". يغيرون على القوافل فيسلبونها ويأخذون أصحابها اسرى، يبيعونهم في أسواق النخاسة، أو يسترقونهم فيتخذونهم خدماً ورقيقاً يقومون بما يؤمرون به من أعمال، إلى غير ذلك من نعوت وصفات. والعرب فيَ التوراة، هم الأعراب، أي سكان البوادي، لذلك فإنّ النعوت الواردة فيها عنهم، هي نعوت لعرب البادية، أي للاعراب، ولم تكن صلاتهم حسنة بالعبرانيين.

وفي كتب اليونان والرومان والأناجيل، نعوت أيضا نعت بها العرب وأوصاف وصفوا بها، ولكننا إذا درسناها وقرأنا المواضع التي وردت فيها، نرى أنها مثل التوراة، قصدت بها الأعراب، وقد كانوا يغيرون على حدود إمبراطوريتي. الرومان واليونان، ويسلبون القوافل، ويأخذون الإتاوات من التجار والمسافرين وأصحاب القوافل للسماح لهم بالمرور. وقد وصف "ديودورس الصقلي" العرب بأنهم يعشقون الحرية، فيلتحفون السماء. وقد اختاروا الإقامة في أرضين لا أنهار فيها ولا عيون ماء، فلا يستطيع العدو المغامر الذي يريد الإيقاع بهم أن يجد له فيها مأوى. انهم لا يزرعون حباً، ولا يغرسون شجراً، ولا يشربون خمراً، ولا يبنون بيوتاً. ومن يخالف العرف يقتل. وهم يعتقدون بالإرادة الحرة، وبالحرية. وهو يشارك في ذلك رأي "هيرودوتس" الذي أشاد بحب العرب للحرية وحفاظهم عليها ومقاومتهم لأية قوة تحاول استرقاقهم واستذلاهم. فالحرية عند العرب هي من أهم الصفات التي يتصف بها العرب في نظر الكتبة اليونان واللاتين. وفي كتب الأدب وصف مناظرة، قيل إنها وقعت بين "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة وبين "كسرى" ملك الفرس في شأن العرب: صفاتهم وأخلاقهم وعقولهم، ثم وصف مناظرة أخرى جرت بين "كسرى" هذا وبين وفد أرسله "النعمان" لمناظرته ومحاجته فيما جرى الحديث عليه سابقاً بين الملكين. وفي هذه الكتب أيضا رأي "الشعوبين" في العرب، وحججهم في تصغير شأن العرب وازدرائهم لهم، ورد الكتاب عليهم. وهي حجج لا تزال تقرن بالعرب في بعض الكتب.

ومجل ما نسب إلى "كسرى" من مآخذ زُعم انه أخذها على العرب، هو أنه نظر فوجد أن لكل أمة من الأمم ميزة وصفة، فوجد للروم حظاً في اجتماع الألفة وعظم السلطان وكثرة المدائن ووثيق البنيان، وأن لهم ديناً يبين حلالهم وحرامهم ويرد سفيههم ويقيم جاهلهم، ورأى للهند، نحواً من ذلك في حكمتها وطبّها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها ودقيق حسابها وكثرة عددها. ووجد للصين كثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وان لها ملكاً يجمعها، وأن للترك والخزر، على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم. ولم يرَ للعرب دينا ولا حزماً ولا قوة. همتهم ضعيفة بدليل سكنهم في بوادي قفراء، ورضائهم بالعيش البسيط، والقوت الشحيح، يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة. أفصل طعامهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها. "وإن قرَى أحدهم ضيفاً عدّها مكرمة. وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم". ثم إنهم مع قلتهم وفاقتهم وبؤس حالهم، يفتخرون بأنفسهم، ويتطاولون على غيرهم وينزلون أنفسهم فوق مراتب الناس. "حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاّ أجمعين"، وأبوا الإنقياد لرجل واحد منهم يسوسهم ويجمعهم. إذا عاهدوا فغير وافين. سلاحهم كلامهم، به يتفننون، وبكلامهم يتلاعبون. ليس لهم ميل إلى صنعة أو عمل ولا فن، لا صبر لهم، إذا حاربوا ووجدوا قوة أمامهم، حاولوا جهدهم التغلب عليها، أما إذا وجسوها قوة منظمة هربوا مشتتين متبعثرين شراذم، يخضعون الغريب ويهابونه ويأخذون برأيه فيهم، ما دام قوياً، ويقبلون بمن ينصبه عليهم، ولا يقبلون بحكم واحد منهم، إذا أراد أن يفرض سلطانه عليهم.

وقد ذُكر أن أحد ملوك الهند كتب كتاباً إلى "عمر ين عبد العزيز"، جاء فيه "لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كلّ شق من الأرض لها ملوك تجمعها ومدائن تضمها وأحكام تدين بها وفلسفة تنتجها وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة، ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة، ورمّانة القباّن التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل، ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون والاصطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به الأبعاد ودوران الأفلاك وعلم الكسوف وغير ذلك من الآثار المتقنة، ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ويضم قواصيها، ويقمع ظلمها وينهى سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة و لا أثر في فلسفة إلا ما كان من الشعر. و قد شاركتها في العجم، وذلك إن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن و العروض فما الذي تفتخر به العرب على العجم فإنما هي كالذئاب العادية، و الوحوش النافرة، يأكل بعضها يعضا و يغير بعضها على بعض. فرجالها موثوقون في حَلَق الأسر. و نساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل، فإذا أدركهن الصريخ أتستنقذن بالعشي، و قد وطئن كما توطأ الطريق المهيع". إلى آخر ذلك من كلام. وقد تعرض "السيد محمود شكري الألوسي" في كتابه "بلوغ الأرب"، لهذا الموضوع، فجاء بما اقتبسه منه، ثم جاء برأي "أبن قتيبة" على الشعوبية، في كتابه: "كتاب تفضيل العرب"، ُم أنهاه ببيان رأيه في هذه الآراء و في رد "أبن قتيبة" عليها. ولابن خلدون رأي معروف في العرب، خلاصته "إن العربي متوحش نهّاب سلاّب إذا أخضع مملكة أسرع أليها الخراب، يصعب انقياده لرئيس، لا يجيد صناعة ولا يحسن علماً ولا عنده استعداد للإجادة فيهما، سليم الطباع، مستعد للخير شجاع". وتجد آراءه هذه مدوّنة في مقدمته الشهيرة لكتابه العام في التاًريخ. وقد رمى بعض المستشرقين العرب بالمادية وبصفات أخرى، فقال "أوليري": " إن العربي الذي يعد مثلاً أو نموذجاً، ماديّ، ينظر إلى الأشياء نظرة مادية وضيعة، ولا يقومها إلا بحسب ما تنتج من نفع، يتملك الطمع مشاعره، وليس لديه مجال للخيال ولا للعواطف، لا يميل كثيراً إلى دين، ولا يكترث بشيء إلا بقدر ما ينتجه من فائدة عملية، يملؤه الشعور بكرامته الشخصية حتى ليثور على كل شكل من أشكال السلطة، وحتى ليتوقع منه سيد قبيلته و قائده في الحروب الحسد والبغض والخيانة من أول يوم اختير للسيادة عليه ولو كان صديقاً حميم له من قبل، من. أحسن أليه كان موضع نقمته، لأن الإحسان يثير فيه شعوراً بالخضوع وضعف المنزلة وأن عليه واجباً لمن أحسن. يقول لامانس "إن العربي نموذج الديمقراطية"، ولكنها ديمقراطية مبالغ فيها إلى حد بعيد، وإن ثورته على كل سلطة تحاول أن تحدد من حريته ولو كانت في مصلحته هي السر الذي يفسر لنا سلسلة الجرائم والخيانات التي شغلت أكبر جزء في تأريخ العرب، وجهل هذا السر هو الذي قاد الأوروبيين في أيامنا هذه إلى كثير من الأخطاء، وحملهم كثيراً من الضحايا كان يمكنهم الاستغناء عنها، وصعوبة قيادة العرب وعدم خضوعهم للسلطة هي التي تحول بينهم وبين سيرهم في سبيل الحضارة الغربية، ويبلغ حب العربي لحريته مبلغاً كبيراً، حتى إذا حاولت ان تحدها أو تنقص من أطرافها هاج كأنه وحش في قفص، وثار ثورة جنونية لتحطيم أغلاله والعودة إلى حريته. ولكن العربي من ناحية أخرى مخلص، مطيع لتقاليد قبيلته، كريم يؤدي واجبات الضيافة والمحالفة في الحروب كما يؤدي واجبات الصداقة مخلصاً في أدائها بحسب ما رسمه العرف... وعلى العموم، فالذي يظهر لي أن هذه الصفات والخصائص أقرب أن تعد صفات وخصائص لهذا الطور من النشوء الاجتماعي عامة من أن تعد صفات خاصة لشعب معين، حتى إذا قر العرب وعاشوا عيشة زرعية مثلاً، تعدلت هذه العقلية". ويوافق المستشرق "براون أولري" في رمي العرب بالمادية المفرطة. ورماهم "أوليري" أيضا بضعف الخيال وجمود العواطف. أما "دوزي" فقد رأى أن بين العرب اختلافاً في العقلية وفي النفسية، وأن القحطانيين يختلفون في النفسية عن نفسية العدنانيين.

وقد تعرض "أحمد أمين" في الجزء الأول من "فجر الاسلام" للعقلية العربية، وأورد رأي الشعوبيين في العرب، ثم رأي "ابن خلدون" فيهم، وتكلم على وصف المستشرق "أوليري" لتلك العقلية، ثم ناقش تلك الآراء، وأبان رأيه فيها وذلك في الفصل الثالث من هذا الجزء، وتحدث في الفصل الرابع عن "الحياة العقلية للعرب في الجاهلية". وخصص الفصل الخامس ب "مظاهر الحياة العقلية"، وتتجلى عنده في: اللغة والشعر والمثل والقصص. أوجز "أحمد أمن" في بداية الفصل الثالث آراء المذكورين في العرب،وبعد أن انتهى من عرضها وتلخيصها ناقشها بقوله: "لسنا نعتقد تقديس العرب، ولا نعباً بمثل هذا النوع من القول الذي يمجدهم ويصفهم بكل كمال، وينزههم عن كل نقص، لأن هذا النمط من القول ليس نمط البحث العلمي، إنما نعتقد أن العرب شعب ككل الشعوب، له ميزاته وفيه عيوبه، وهو خاضع لكل نقد علمي في عقليته ونفسيته وآدابه وتاريخه ككل أمة أخرى، فالقول الذي يمثله الرأي الخاص لا يستحق مناقشة ولا. جدلاّ،كذلك يخطىء الشعوبية أصحاب القول الأول الذين كانوا يتطلبون من العرب فلسفة كفلسفة اليونان، وقانوناً كقانون للرومان، أو أن يمهروا في الصناعات كصناعة الديباج، أو في المخترعات كالاصطرلاب، فإنه إن كان يقارن هذه الأمم بالعرب في جاهليتها كانت مقارنة خطا، لأن المقارنة إنما تصح بين أمم في طور واحد من الحصارة، لا بين أمة متبدية وأخرى متحضرة، ومثل هذه المقارنة كمقارنة بين عقل في طفولته وعقل في كهولته، كل أمة من هذه الأمم كالفرس والروم مرت بدور بداوة لم يكن لها فيه فلسفة ولا مخترعات. أما إن كان يقارن العرب بعد حضارتها، فقد كان لها قانون وكان لها علم وان كان قليلاً.." ثم استمر يناقش تلك الآراء إلى أن قال: فلنقتصر ألان على وصف العربي الجاهلي، فوصفه بهذا الوصف: "العربي عصبي المزاج، سريع الغضب، يهيج للشيء التافه، ثم لا يقف في هياجه عند حد، وهو أشد هياجاً إذا جرحت كرامته، أو انتهكت حرمة قبيلته. وإذا اهتاج، أسرع إلى السيف، واحكم أليه، حتى أفنتهم الحروب، وحتى صارت الحرب نظامهم المألوف وحياتهم اليومية المعتادة." "والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيراً ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلا أن يفُجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى الواحد على أشكال متعددة، فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، وان شئت فقل إن لسانه أمهر من عقله.

"خياله محسود وغير متنوع، فقلما يرسم له خياله عيشة خيراً من عيشته، وحياة خيراً من حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف "المثل الأعلى"، لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته لفظة واحدة دالة عليه، ولم يشر أليه فما نعرف من قوله،وقلما يسبح خياله الشعري في عالم جديد يستقي منه معنى جديداً ولكنه في دائرته الضيقة استطاعَ أن يذهب كل مذهب." "أما ناحيتهم الخلقية، فميل إلى حرية قلّ أن يحدّها حدّ، ولكن الذي فهموه من الحرية هي الحرية الشخصية لا الإجتماجمة، فهم لا يدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم، تأريخهم في الجاهلية - حتى وفي الإسلام - سلسلة حروب داخلية" وعهد عمر بن الخطاب كان عصرهم الذهبي، لأنه شغلهم عن حروبهم الداخلية بحروب خارجية، ولأنه، رضي الله عنه، منح فهماً عميقاً ممتازاً لنفسية العرب.

"والعربي سب المساواة، ولكنها مساواة في حدود القبيلة، وهو مع حبه للمساواة كبير الاعتداد بقبيلته ثم بجنسه، يشعر في أعماق نفسه بأنه من دم ممتاز، لم يؤمن بعظمة الفرس والروم مع ما له ولهم من جدب وخصب وفقر وغنى وبداوة وحضارة، حتى إذا فتح بلادهم نظر إليهم نظرة السيد إلى المسود".

ثم خلص إلى أن العرب في جاهليتهم كان أكثرهم بدواً، وان طور البداوة طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم في أثناء سيرها إلى الحضارة، وان لهذا الطور مظاهر عقلية طبيعية، تتجلى في ضعف التعليل، وعنى بذلك عدم القدرة على فهم الارتباط بين العلة والمعلول والسبب والمسبب فهماً تاماً، "يمرض أحدهم ويألم من مرضه، فيصفون له علاجاً، فيفهم نوعاً ما من الارتباط بين الدواء والداء، ولكن لا يفهمه فهم العقل الدقيق الذي يتفلسف، يفهم إن عادة القبيلة أن تتناول هذا الدواء عند هذا الداء، وهذا كل شيء في نظره، لهذا لا يرى عقله باًساً من أن يعتقد إن دم الرئيس يشفي من الكَلَب، أو ان سبب المرض روح شرير حل فيه فيداويه بما يطرد هذه الأرواح، أو انه إذا خيف على الرجل الجنون نجسوه بتعليق الأقذار وعظام الموتى إلى كثير من أمثال ذلك، ولا يستنكر شيئاً من ذلك ما دامت القبيلة تفعله، لأن منشأ الإستنكار دقة النظر والقدرة على بحث المرض و أسبابه وعوارضه، وما يزيل هذه العوارض،وهذه درجة لا يصل أليها العقل في طوره الأول". ثم أورد أمثلة للاستدلال بها على ضعف التعليل، مثل قولهم بخراب سدّ مأرب بسبب جرذان حُمْر، و مثل قصة قتل النعمان لسِنمّار بسبب آجُرّة و ضعها سِنِمار في أساس قصر الخورنق، لو زالت سقط القصر.

ثم تحدث عن مظهر عن آخر من مظاهر العربية، لاحظه بعض المستشرقين و وافقهم هو عليه، هو: إن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الاشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك. فالعربي لم ينظر إلى العلم نظرة عامة شاملة كما فعل اليوناني، كان يطوف فيما حوله؛ فإذا رأى منظرا خاصا أعجبه تحرك له، و جاس بالبيت أو الأبيات من الشعر أو الحكمة أو المثل. "فأما نظرة شاملة وتحليل دقيق لأسسه وعوارضه فذلك ما لا يتفق والعقل العربي. وفوق هذا هو إذا نظر إلى الشيء الواحد لا يستغرقه بفكره، بل يقف فيه على مواطن خاصة تستثير عجبه، فهو إذا وقف أمام شجرة، لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها، و إذا كان أمام بستان، لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه "الفوتوغرافيا"، إنما يكون كالنحلة، يطير من زهرة إلى زهرة، فيرتشف من كل رشفة". إلى أن قال: "هذه الخاصة في العقل العربي هي السر الذي يكشف ما ترى في أدب العرب - حتى في العصور الإسلامية - من نقص وما ترى فيه من جمال". وقد خلص من بحثه، إلى أن هذا النوع من النظر الذي نجده عند العربي، هو طور طبيعي تمر به الأمم جميعاً في أثناء سيرها إلى الكمال، نشاً من البيئات الطبيعية والاجتماعية التي عاش فيها العرب، وهو ليس إلا وراثة لنتائج هذه البيئات، "ولو كانت هنالك أية أمة أخرى في مثل بيئتهم، لكان لها مثل عقليتهم، و أكبر دليل على ذلك ما يقرره الباحثون من الشبه القوي في الأخلاق والعقليات بين الأمم التي تعيش في بيئات متشابهة أو متقاربة، وإذ كان العرب سكان صحارى، كان لهم شبه كبير بسكان الصحارى في البقاع الأخرى من حيث العقل والخلق".

أما العوامل التي عملت في تكوين العقلية العربية وفي تكييفها بالشكل الذي ذكره، فهي عاملان قويان. هما: البيئة الطبيعية، وعنى بها ما يحيط بالشعب طبيعيا من جبال وانهار وصحراء وغير ذلك، والبيئة الاجتماعية، وأراد بها ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك. وليس أحد العاملين وحده هو المؤثر في العقلية. وحصر أحمد امين مظاهر الحياة العقلية في الجاهلية في الأمور التالية: اللغة والشعر والأمثال والقصص. وتكلم على كل مظهر من هذه المظاهر وجاء بأمثلة استدل بها ما ذهب إليه. والحدود التي وضعها أحمد أمين للعقلية العربية الجاهلية، هي حدود عامة، جعلها تنطبق على عقلية أهل الوبر وعقلية أهل المدر، لم يفرق فيها بين عقلية من عقلية الجماعتين. وقد كونها ورسمها من دراساته لما ورد في المؤلفات الإسلامية من أمور لها صلة بالحياة العقلية ومن مطالعاته لما أورده "أوليري" "وبراون" وأمثالهما عن العقلية العربية، ومن آرائه وملاحظاته لمشكلات العالم العربي ولوضع العرب في الزمن الحاضر. والحدود المذكورة هي صورة متقاربة مع الصورة التي يرسمها العلماء المشتغلون بالسامية عادة عن العقلية السامية، وهي مثلها أيضا مستمدة من آراء وملاحظات وأوصاف عامة شاملة، ولم تستند إلى بحوث علمية ودراسات مختبرية، لذا فأنني لا أستطيع أن أقول أكر مما قلته بالنسبة إلى تحديد العقلية الساميّة، من وجوب التريث والاستمرار في البحث ومن ضرورة تجنب التعميم والاستعجال في إعطاء الأحكام. وتقوم نظرية أحمد أمين في العقلية العربية على أساس إنها حاصل شيئين وخلاصة عاملين، أثرا مجتمعين في العرب وكوّنا فيهما هذه العقلية التي حددها ورسم معالمها في النعوت المذكورة. والعاملان في رأيه هما: البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية. وعنى بالبيئة الطبيعية ما يحيط بالشعب طبيعياً من جبال وأنهار وصحراء ونحو ذلك، وبالبيئة الاجتماعية ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك. وهما معاً مجتمعين غير منفصلين، أثّرا في تلك العقلية. ولهذا رفض أن تكون تلك العقلية حاصل البيئة الطبيعية وحدها، أو حاصل البيئة الاجتماعية وحدها. وخطاً من أنكر أثر البيئة الطبيعية في تكوين العقلية ومن هنا انتقد "هيكل" "Heagel"، لأنه أنكر ما للبيئة الطبيعية من أثر في تكوين العقلي اليوناني، وحجة "هيكل" أنه لو كان للبيئة الطبيعية أثر في تكوين العقليات، لبان ذلك في عقلية الأتراك الذين احتلوا أرض اليونان وعاشوا في بلادهم، ولكنهم لم يكتسبوا مع ذلك عقلهم ولم تكن لهم قابلياتهم ولا ثقافتهم. وردّ "أحمد أمين" عليه هو أن "ذلك يكون صحيحاً لو كانت البيئة الطبيعية هي المؤثر الوحيد، إذن لكان مثل العقل اليوناني يوجد حيث يوجد إقليمه، و ينعدم حيث ينعدم، أما والعقل اليوناني نتيجة عاملين، فوجود جزء العلة لا يستلزم وجود المعلول". وأثر البيئة الطبيعية في العرب، أنها جعلت بلادهم بقعة صحراوية تصهرها الشمس، ويقل فيها الماء، ويجف الهواء، وهي أمور لم تسمح للنبات أن يكثر، ولا للمزروعات أن تنمو، آلا كَلأً مبعثراً هنا وهناك، وأنواعاً من الأشجار والنبات مفرقة استطاعت أن تتحمل الصيف القائظ، والجوّ الجاف، فهزلت حيواناتهم، وتحلت أجسامهم، وهي كذلك أضعفت فيها حركة المرور، فلم يستطع السير فيها إلا الجمل، فصعب على المدنيات المجاورة من فرس وروم أن تستعمر الجزيرة، وتفيض عليها من ثقافتها، اللهم إلا ما تسرب منها في مجار ضيقة معوجة عن طرق مختلفة". وأثر آخر كان لهذه البيئة الطبيعية في العرب، هو أنها أثرت في النفوس فجعلتها تشعر أنها وحدها تجاه طبيعة قاسية، تقابلها وجهاً لوجه، لا حول لها ولا قوة، لا مزوعات واسعة ولا أشجار باسقة، تطلع الشمس فلا ظل لها، ويطلع القمر والنجوم فلا حائل، تبعث الشمس أشعتها المحرقة القاسية فتصيب أعماق نخاعه، ويسطع القمر فيرسل أشعته الفضية الوادعة فتبر لبّه، وتتألق النجوم في السماء فتمتلك عليه نفسه، وتعطف الرياح العاتية فتدمر كل ما أتت عليه. أمام هذه الطبيعة القوية، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القاسية، تهرع النفوس الحساسة إلى رحمن رحيم، والى بارئ مصور والى حفيظ مغيث- إلى الله-. ولعل هذا هو السر في الديانات الثلاث التي يدين بها أكثر العالم، وهي اليهوديه والنصرانية والإسلام نبعث من صحراء سيناء وفلسطين وصحراء العرب.

والبيئة الطبيعية أيضاً، هي التي أثرت-على رأيه-في طبع العربي فجعلته كثيباُ صارماً يغلب عليه الوجد، موسيقاه ذات نغمة واحدة متكررة عابسة حزينة، ولغته غنية بالألفاظ، إذا كانت تلك الألفاظ من ضروريات الحياة في المعيشة البدوية، وشعره ذو حدود معينة مرسومة، وقوانيه تقاليد القبيلة وعرف الناس، وهي التي جعلته كريماً على فقره، يبذل نفسه في سبيل الدفاع عن حمى قبيلته. كل هذه وأمثالها من صفات ذكرها وشرحها هي في رأيه من خلق هذه البيئة الطبيعية التي جعلت لجزيرة العرب وضعاً خاصاً ومن أهلها جماعة امتازت عن بقية الناس بالمميزات المذكورة. وقد استمر "أحمد أمين"، في شرح أثر البيئة الطبيعية في عقلية العرب وفي مظاهر تلك العقلية التي حصرها كما ذكرت في اللغة والشعر والأمثال والقصص، حتى انتهى من الفصول التي خصصها في تلك العقلية، أما أثر البيئة الاجتماعية التي هي في نظره شريكة للبيئة الطبيعية في عملها وفعلها في العقلية الجاهلية وفي كل عقلية من العقليات، فلم يتحدث عنه ولم يشر إلى فعله، ولم يتكلم على أنواع تلك البيئة ومقوماتها التي ذكرها في أثناء تعريفه لها، وهي: "ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك"، ثم خلص من بحثه عن العقلية العربية وعن مظاهرها وكأنه نسي ما نسبه إلى العامل الثاني من فعل، بل الذي رأيته وفهمته من خلال ما كتبه انه أرجع ما يجب إرجاعه إلى عامل البيئة الاجتماعية - على حد قوله - إلى فعل عامل البيئة الطبيعية وأثرها في عقلية العرب الجاهليين. وهكذا صارت البيئة الطبيعية هي العامل الأول الفعال في تكوين تلك العقلية، وحرمنا بذلك من الوقوف على أمثلته لتأثر عامل البيئة الاجتماعية في تكوين عقلية الجاهليين.

وأعتقد إن "أحمد أمين" لو كان قد وقف على ما كتب في الألمانية أو الفرنسية أو الإنكليزية عن تأريخ اليمن القديم المستمد من المسند، ولو كان قد وقف على ترجمات كتابات المسند أو الكتابات الثمودية والصفوية واللحيانية، لما كان قد أهمل الإشارة إلى أصحاب تلك الكتابات، ولعدٌل حتماً في حدود تعريفه للعقلية العربية، ولأفرز صفحة أو أكثر إلى أثر طبيعة أرض اليمن وحضرموت في عقلية أهل اليمن وفي تكوين حضارتهم وثقافتهم، فإن فيما ذكره في فصوله عن العقلية العربية الجاهلية ما بحب رفعه وحذفه بالنسبة إلى أهل اليمن وأعالي الحجاز. ونجد في كتاب "جزيرة العرب في القرن العشرين" لحافظ وهبة" فصلا بعنوان "السكان"، وردت فيه ملاحظات كيسة عن عقلية الحضر وعقلية البدو في المملكة العربية السعودية وفي بعض المناطق المجاورة لها في الزمان الحاضر. وهذه الملاحظات وان كانت تتعلق بعرب هذا اليوم، إلا أنها مع ذلك ذات فائدة ومنفعة لفهم العقلية الجاهلية، فالزمان وان تباعد بين عرب الجاهلية وعرب القرن العشرين،إلا إن الخصائص العقلية لأكثر أهل البادية المنعزلين عن عالمهم الخارجي لا تزال هي هي، لم تتغير في كثير من الأمور، بل خذ من نسميهم "الحضر" أو العرب المستقرين في جزيرة العرب، فإن البعيدين منهم عن الأماكن التي لها اتصال بالعالم الخارجي وبالأجانب لا يزالون يحتفظون بكثير من خصائص عقلية حضر اليمن أو الحجاز عند ظهور الإسلام. ومن هنا تفيدنا ملاحظات "حافظ وهبة" هذه وملاحظات غيره من أذكياء العرب والسياح والخبراء الأجانب" فائدة كبيرة في التعرف على أسس تفكير العرب قبل الإسلام. وفي حديث "حافط وهبة" عن طباع الحضر أشار إلى اختلاف طباعهم باختلاف أماكنهم، فقال: " والحضر تختلف طباعهم باختلاف المناطق التي يعيشون فيها، وظروف الحياة التي تحيط بهم فأهل حايل أقرب مظهراً إلى البداوة. وأهل مكة والمدينة واليمن العالية أبعد مظهراً عن البداوة من البلاد الأخرى العربية، وأهل القصيم ألين عريكة من أهل العارض، لأنهم كثرو الاختلاط والتعامل مع البلاد الأخرى كالشام وفلسطين ومصر، ولذا فترى موظفي ديوان الملك المكلفين بالمقابلات والتشريفات من أهل القصيم أو حايل.

وأهل الرياض أرقى بكثير من أهل الدواسر الذين لم يفارقوا بلادهم، ولم يرفوا شيئا عن أحوال العالم الخارجي. وأشار إلى تنافس الحضر وإلى تفاخرهم وتفضيل أنفسهم بعضهم على بعض في الشمائل والعادات وحتى في اللهجات. ومن طباع الحضري، كما يقول "حافظ وهبة" "الخلق التجاري"، وهم يتباينون فىِ ذلك أيضا بتباين أماكنهم، "فأهل القصيم والزلفى وشقرا، أنشط من أهل نجد في التجارة. فقوافلهم تقصد سائر الجهات العربية، وتجارهم كثيراً ما يسافرون إلى الهند ومصر في سبيل التجارة، والتجار النجديون المعروفون في الهند ومصر والعراق من أهل هذه البلاد" 0 "أما أهل الكويت، فنشاطهم في التجارة البحرية... ويغلب على حضر الجزيرة - وعلى الأخص أهل خليج فارس - التعاون التجاري سواء بين الأهالي بعضهم مع بعض أو بين الأمراء والأهالي". أما طباع البداوة،وهي طباع تختلف عن طباع أهل المدن فقد وصفها بقوله: "أما البدو، فهم القبائل الرحل المتنقلون من جهة إلى أخرى طلباً للمرعى أو للماء، والطبيعة هي التي تجبر البدوي على المحافظة على هذه الحياة، وحياة البدوي حياة شاقة مضنية، ولكنه وهو متمتع بأكبر قسط من الحرية يفضلها على أيَ حياة مدنية أخرى. هذه الحياة الخشنة هي التي جعلت القبائل يتقاتلون في سبيل المرعى والماء، وهي التي جعلت سوء الظن يغلب على طباعهم، فالبدوي ينظر إلى غيره نظرة العدو الذي يحاول أخذ ما بيده أو حرمانه من المرعى." "إن البدوي في الصحراء لا يهمه إلا المطر والمرعى، فأزمته الحقيقية انحباس المطر وقلة المرعى ولا يبالي بما يصيب العالم في الخارج ما دامت أرضه مخضرة، وبعيره سمينا وغنمه قد اكتنزت لحماً وقد طبقت شحماً." "أما إذا نما السكان وضاقت بهم الأرض أو لم تجد أراضيهم بالمرعى، فليس هناك سبيل إلا الزحف والقتال، أو الهجرة إن كان هناك سبيل أليها، وكذلك القبيلة التي غلبت على أمرها وحرمت من مراعيها وأراضيها ليس أمامها سبيل آخر سوى الهجرة.

"لقد كان البدو قبل ثلاثين سنة في غارات وحروب مستمرة، كل قبيلة تنتهز الفرص للإغارة على جارتها لنهب مالها، وتعدد ألامارات وتشاحن الأمراء وتخاصمهم مما يشجع البدوي. "ولهذا كان للقبيلة في قيمتها في بلاد العرب، فالإنسان يقوى بأبنائه وأبناء عمومته الأقربين والأبعدين، وإذا كانت العصبية ضعيفة أمكن تقوية القبيلة بالتحالف مع سواها حتى يقوى الفريقان ويأمنا شر غيرهما من القبائل القوية." "وقد جرى العرف أن القبائل تعتبر الأرض التي اعتادت رعيها، و المياه التي اعتادت أن تردها ملكاً لها، لا تسمح لغيرها من القبائل الأخرى بالدنوّ منها إلا بإذنها ورضاها، وكثيرا ما تأنس إحدى القبائل من نفسها القوة فتهجم بلا سابق إنذار على قبيلة أخرى و تنتزع منها مراعيها و مياهها." "إن قبائل العرب ليسوا كلهم سواء في الشر و التعدي على السابلة و القوافل، فبعضها قد اشتهر أمره بالكرم و السماحة و الترفع عن الدنايا، كما اشتهر بعضها بالتعدي و سفك الدماء بلا سبب سوى الطمع فيما في ايدي الناس." ليس للبدوي قيمة حربية تذكر، و لذا كان اعتماد الامراء على الحضر، فهم الذين يصمدون للقتال و يصبرون على بلائه و بلوائه. و كثيرا ما كان البدو شرا على الأمير المصاحبين له، فإن ذلك الأمير إذا ما بدت الهزيمة كانوا هم البادئين بالنهب و السلب و يحتجون بأنهم هم أولى من الأعداء المحاربين" "البدوي إذا لم يجد سلطة تردعه أو تضرب على يده يرى من حقه نهب الغادي و الرائح، فالحق عنده القوة التي يخضع لها، و يخضع غيره بها. على أن بهؤلاء قواعد للبادية معتبرة عندهم كقوانين يجب احترامها، فالقوافل التي تمر بأرض قبيلة و ليس معها من يحميها من أفراد هذه القبيلة معرضة للنهب، ولذا فقد اعتادت القوافل قديما إن يصحبها عدد غير قليل من القبائل التي ستمر بأرضها و يسمون هذا رفيقا. و البدوي يحتقر الحضري مهما أكرمه، كما إن الحضري يحتقر البدوي، فإذا و صف البدوي الحضري، فأنه في الغالب يقول حُضيري تصغيرا لشأنه. و من عادة البدوي الاستفهام عن كل شيء، و انتقاد ما يراه مخالفا لذوقه أو لعادته بكل صراحة، فإذا مررت بالبدوي في الصحراء استوقفك و سألك من أين أنت قادم? و عمن وراءك من المشايخ و الحكام? و عن المياه التي مررت بها? أسعار الأغذية و القهوة? وعمن في البلد من القبائل? و عن العلاقات السياسية بين الحكام بعضهم و بعض. و مع إن البدوي قد اعتاد النهب و السلب، فإنهم كثيرا ما يعفون عن أهل العلم خوفا من غضب الله عليهم، و بعض البدو لا يحلف كاذبا مهما كانت النتيجة. و البدوي ينكر إذا وجد مجالا للإنكار، و يفلت بمهارة من الإجابة عما يسأل، و لكن إذا وجه له اليمين و كان لا مفر له اعترف بجرمه إذا كان مذنبا، و لا يحلف كذبا" "وليس أعدل من البدوي في تقسيم الغنيمة حتى قد يتلفون الشيء تحريا للعدل، و يقسمون السجادة بينهم كما يقسمون القميص لو السروال، كل هذا إرضاء لضمائرهم دفعا للضلم، إنهم يعرفون الخيام حق المعرفة لأنها بيوتهم التي يعيشون فيها، و مع ذلك فهم يقسمونها مراعاة للعدل، أما الإبل و الغنم فأنهم يقسمونها إذا أمكن القسمة أو يقومونها بثمن إذا لم يكن هناك سبيل للقسمة". "و البدو لا يفهمون الحياة حق الفهم كما يفهمها الحضري، لا يفهمون البيوت و هندستها، ولا يفهمون فائدة الأبواب والنوافذ الخشبية، حتى إن البدو الذين كانوا في جيش الملك حسين في الثورة العربية كان عملهم بعد الاستيلاء على الطائف نزع خشب النوافذ والأبواب، لا لبيعها والانتفاع بثمنها بل لاستعمالها وقوداَ أما للقهوة أو الطبخ أو التدفئة، وبدو نجد قد فعلوا مثل ذلك تمامأ، فعندما أسكنت الحكومة بعض القبائل في ثكنة جَرْوَلْ، اكتشفت الحكومة إن النوافذ الخشبية والأبواب تنقص بالتدريج، وأنها استعملت للطبخ وتحضير القهوة، فأخرجهم جلالة الملك تواً من الثكنة، وأسكن الحضر فيها، والحضر بطبيعتهم يصفمون ما لا يفهمه جهلة البدو عن النوافذ والأبواب. "وللبدو مهارة فائقة في اقتفاء الأثر، وكثيراً ما كانت هذه المعرفة سببا في اكتشاف كثير من الجرائم ولا تكاد تخلو قبيلة من طائفة منهم.

"والقبائل العريقة المشهورة من حضر وبادية تحافط على أنسابها تمام المحافظة وتحرص عليها كل الحرص، فلا تصاهر إلا من يساويها في النسسب، والقبائل المشكوك في نسبها لا يصاهرها أحد من القبائل المعروفة. "أما حكام العرب، فيترفعون عن سائر الناس حضرهم وبدوهم،لا يزوجون بناتهم إلا لقرباهم. ما هم فيتزوجون من يشاءون، وطبقات الحكام يترفع بعضها على بعض: الأشراف يرون أنفسهم أرفع الخلق بنسبهم، وآل سعود يرون أنفسهم أرفع من الأشراف، وأرفع من سواهم من حكام العرب الآخرين". "وهنا ترى الروح الصحيحة البدوية التي لا تملك شروى نقير ترفض الزواج من غني، لأنه ابن صانع، أو انه من سلالة العبيد، أو لأن نسبه القبلي يحيط به شيء من الشك، فسلطان المال لا قيمة له عند العرب. ومع وجود هذه الروح الأرستقراطية التي تتجلى فقط في الزواج ورياسة القبيلة والحكم،فإنه لا يكاد يوجد فارق في طرق المعيشة الأخرى". ومن عادة القسم الأكبر من سكان الجزيرة، ولا سيما البدو، مخاطبة رؤسائهم بأسمائهم أو بألقابهم، لأنهم لا يعرفون الألقاب وألفاظ التعظيم والتفخيم، فيقولون يا فلان ويا أبا فلان ويا طويل العمر. ولا يزال العربي الصريح ينظر إلى الحِرَف والمهَن نظرة ازدراء، وإلى المشتغل بها نظره احتقار وعدم تقدير. والبدوي، لا ينسى المعروف، ولكنه لا ينسى الإساءة كذلك، فإذا أسيء اليه، ولم يتمكن من رد الإساءة في الحال، كظم حقده في نفسه، وتربص بالمسيء حتى يجد فرصته فينتقم مه. فذاكرة البدوي، ذاكرة قوية حافظة لا تنسى الأشياء. فترى من هذه الملاحظات إن كثيراً من الطباع التيّ تطبع بها عرب الجاهلية ما زالت باقية، وبينها طباع نهى عنها الإسلام وحرمها، لأنها من خلال الجاهلية، و مع ذلك احتفظ بها البدوي وحافظ عليها حتى اليوم، وسبب ذلك أن من الصعب عليه نبذ مما كان عليه آباؤه وأجداده من عادات وتقاليد. فالتقاليد والعرف وما تعارفت عليه القبيلة هي عنده قانون البداوة. وقانون البداوة دستور لا يمكن تخطيه ولا مخالفته، ومن هنا يخطئ من يظن أن البداوة حرية لا حد لها، وفوضى لا يردعها رادع، وان الأعراب فرديون لا يخضعون لنظام ولا لقانون على نحو ما يتراءى ذلك للحضري أو للغريب. انهم في الواقع خاضعون لعرفهم القبلي خضوعاً صارماً لشديداً، وكل من يحرج على ذلك العرف يطرد من أهله ويتبرأ قومه منه، ويضطر أن يعيش "طريداً" أو "صعلوكا" مع بقية "صعاليك". العرب والعربي رجل جاد صارم، لا يميل إلى هزل ولا دعابة، فليس من طبع الرجل أن يكون صاحب هزل و دعابة، لأنهما من مظاهر الخفة والحمق، ولا يليق بالرجل أن يكون خفيفاً. ولهذا حذر في كلامه وتشدد في مجلسه، وقل في تجمعه الإسفاف. وإذا كان مجلس عام، أو مجلس سيد قبيلة، روعي فيه الإحتشام، والابتعاد عن قول السخف، والاستهزاء بالآخرين، وإلقاء النكات والمضحكات، حرمة لآداب المجالس ومكانة الرجال. وإذا وجدوا في رجل دعابة أو ميلاً إلى ضحك أو إضحاك، عابوا ذلك الرجل وانتقصوا من شأنه كائناً من كان، وعبارة مثل "لا عيب فيه غير أن فيه دعابة لا أو "لا عيب فيه إلا أن فيه دعابة "، هي من العبارات التي تعبر عن الانتقاص والهمز واللمز. والبدوي محافظ متمسك بحياته وبما قدر له، معتز بما كتب له وان كانت حياته خشونة وصعوبة ومشقة. ومن هذه الروح المسيطرة عليه، بقي هو هو، لا يريد تجديداً وتطويراً، إلا إذا أكره على التجديد والتغير والتبديل، فهنا فقط يخضع لقانون "القوة"، وهو لا يسلم له إلا بعد مقاومة،و إلا بعد شعوره بضعفه وبعدم قابليته على المقاومة. فيتقبل الآمر الواق مستسلماً، ومع ذلك يبقى متعلقا بما فيه، يحاول جهد إمكانه التمسك به، ولو بإلباسه ثوباً جديداً. وفي القرآن الكريم آيات بينات فيها تقريع و تعنيف للأعراب، ووصف لحياتهم النفسية. فيها أن الأعرابي محافظ لا يقبل تجديداً، ولا يرضى بأي تغيير كان لا يتفق وسنة الإباء والأجداد. ومنطقه في ذلك: "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا "، "إنا وجدنا إباءنا على أمة، و إنا على آثارهم مقتدون".

ولهذا لا نجد البدو يؤمنون بصفة التقدم والنشوء والأرتقاء. فالبدوي يعيش أبداً كما عاش آباؤه وأجداده، مساكنه بيوت الشعر، وهي لا تحميه ولا تقيه من اثر أشعة الشمس المحرقة ولا من العواصف والأمطار، ومع ذلك لايستبدلها بيتاً آخر، ولا يفكر في تحسين وضعه وتغيير حاله: "إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون ". وليس من الممكن أن تقوم في هذه البادية ثقافة غير هذه الثقافة الصحراوية الساذجة، ما دام البدوي مستسلماً مسلماً نفسه للطبيعة ولحكم القدر، وهو استسلام اضطر إلى الخضوع له والإيمان بحكمه، بحكم عمل الطبيعة القاسية فيه منذ آلاف السنين. وكيف يغير حاله، وليس في البادية ما يساعده على تغيير الحال، ليس فيها ماء كاف ولا شجر نام ولا أمطار وخضرة، فهو يعيش غلى كرم الطبيعة ورحمتها. أما إذا تكاثًر عدده، وزاد عدد خيام القبيلة، اضطرت إلى التنقل إلى مكان آخر، أحسن وأنسب من المكان القديم. وهكذا صار دائما في تنقل من مكان إلى مكان. وتحمس الأعراب وأشباه الحضر في دفاعهم عن العرف، ليس عن بلادة وغباء وشعور بضعف في الكفايات، كلا فللبدوي ذكاء وقّاد وفطنة وكفاية وموهبة، وهو إذ يقاوم التغير والتبدل والتجدد، لا يقاومه عن غباء وبلادة وعن شعور بضعف تجاه تقبل الحياة الجديدة، وإنما يقاومه لأنه يشعر عن غريزة فيه أن حياته أفضل وأن البداوة حرية وانطلاق وعدم تقيد، وأن التطور إن لم يأت منه، فهو شر و بلاء، وان كيانه مرتبط بتقاليده، وان وجوده من وجودَ آبائه وأجداده، فهو إن انحرف عن عرفه عرض نفسه وأهله وقبيلته وكل وجود قومه للهلاك، فهو لذلك يرفض كل تجديد وتغير وإن بدا لنا أو له أنه لمصلحته، لغريزة طبيعية فيه وفي كل إنسان، هي غريزة المحافظة على البقاء، فخوفه من تعرض تقاليده وكيانه للخطر، هو الذي جعله محافظاً شديد التمسك بالعرف والعادة. أما إذا شعر هو أو أشعر من طريق غير مباشر بفائدة التطور والتغير وبما سيأتيه من نفع وربح، و لا سيما إذا لم يكن في التغيير ما يعارض عرفه ولا يناقض تقاليده، فإنه يتقبله ويأخذه، ويظهر مقدرة ومهارة فيه، حتى في الأمور الحديثة الغريبة عنه. ويروي خبراء شركات البترول كثيراً من القصص عن مقدار براعة البدو وحذقهم في إدارة الآلات والأعمال التي وكلت إليهم. وهناك شهادات أخرى مماثلة وردت من جهات فنية أخرى. ولو تهيا لهؤلاء البدو مرشدون وخبراء عقلاء كيسون لهم علم بنفسياتهم، ولو عرفت الحكومات العربية عقلياتهم و مشكلاتهم، لكان في الإمكان تحويلهم إلى ثروة نافعة لا تقدر بثمن، ولتجنبت بذلك المشكلات التي تواجهها منهم.

حتى الطب، هو في البادية طب بدوي متوارث لا يتغير ولا يتبدل، يقوم على المداواة بتجارب "العارفة" في الطب. ولا يطمئن الأعرابي إلى طب أهل الحضر، مهما فتكت به الأمراض وأنزلت نجه من آلام، ذلك لأن طب أهل الحضر هو طب غريب عليه بعيد عنه، فهو لذلك لا يطمئن إليه. اللهم إلا إذا أقبل عليه رؤساؤه و ساداته، أو أقنع بمنطقه و بطريقة إدراكه هو للأمور أن في الدواء الذي يداوىَ به شفاءً لمرضه، وعندئذ يقبل عليه ثم يزيد إقباله عليه، حتى يكون مألوفاً عنده، بل يقوم في مثل هذه الحالات باختزان ما يمكن اختزانه من الدواء للمستقبل من غير أن يفكر في كيفية خزنه، أو في المدة المقدرة لعمل ذلك الدواء، وتلفه بعد انقضائها.

ووصف الأعراب في القرآن الكريم بالغلظة والجفاوة وبعدم الإدراك وبالنفاق وبالتظاهر في اللسان بما يخالف ما فيَ الجنان: )قالت الأعراب: آمنا، قل، لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا، ولما يدخل الأيمانُ في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله، لا يلتكم من أعمالكم شيئاً، إن الله غفور رحيم(. )وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مَرَدُوا على النفاق، لا تعلمهم، نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين، ثم يردّون إلى عذاب عظيم( . فالأعرابي "البدوي" إنسان لا يعتمد عليه، مسلم ومع ذلك يتربص بالمسلمين الدوائر، فإذا خذل المسلمون في معركة، أو شعر بضعف موقفهم خذلهم وانقلب عليهم، أو اشترط شروطاً ثقيلة عليهم، بحيث يجد فيها مخرجاً له ليخلص نفسه من الوضع الحرج الذي أصاب المسلمين. فلا يكلف نفسه، ولا يخشى من مصير سيئ ينتظره إن غلب المسلمون. )الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، و الله عليم حكيم. ومن الأعراب من يتخذه ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر علهم دائرة السوء والله سميع عليم(، والأعرابي لم يُسِلمْ في الغالب عن عقيدة وعن فهم، إنما أسلم لأن رئيسه قد أسلم فسيّد القبيلة إذا آمن وأسلم، أسلمت قبيلته معه. وقد دخلت قبائل برمتها في الِنصرانية لدخول سيّدها فيها. وقد وردت في سورة الحجرات هذه الآيات في وصف بعض الأعراب: )قالت الأعراب آمنا، قل: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم في شيئاً. إن الله غفور رحيم. إنما المؤمنون، الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون. قل أتعلّمون الله بدينكم ؛ والله يعلم ما في السموات وما في الأرض. والله بكل شيء عليم. يمنّون عليك أن أسلموا. قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم، بل الله يمن عليكم، أنْ هداكم للإيمان إن كنتم صادقين(. وقد استثنى القرآن الكريم بعض الأعراب مما وصمهم به من الكفر والنفاق والتربص وانتهاز الفرص فنزل الوحي فيهم: )ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم، سيدخلهم الله في رحمته، إن الله غفور رحيم(.

وقد وصف الأعراب بالغلظة والخشونة، فقيل، أعرابي قُحّ ، وأعرابي جلف، وما شاكل ذلك. وفي الحديث "من بدا جفا"، أي من نزك البادية صار فيه جفاء الأعراب. وذكر أن الرسول وصفه "سراقة" وهو من أعراب "بني مدلج" بقوله: "وان كان أعرابيا بوّالاً عد عقبيه". وأنه نعت "عُيَيْنَة بن حصن" قائد "غطفان" يوم الأحزاب ب "الأحمق المطاع". "وكان دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، بغير اذن، فلما قال له أين الإذن? قال ما استأذنت على مضربي قبلك. وقال: ما هذه الحميراء معك يا محمد? فقال: هي عائشة بنت أبي يكر. فقال: طلقها وانزل لك عن أم البنين. في أمور كثيرة تذكر من جفائه. أسلم ثم ارتد وآمن بطليحة حين تنبأ وأخذ أسيراً فأتي به أبو بكر، رضي الله عنه، أسيرا فمن عليه ولم يزل مظهراً للإسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة اعرابيته حتى مات". و ذُكر إن "الأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح بذلك وهشّ، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب". وذلك لازدراء العربُ الأعرابَ، و لارتفاعهم عنهم في العقل وفي الثقافة والمنزلة الاجتماعية. وهذه الصفات التي لا تلائم الحضارة ولا توائم سنن التقدم في هذه الحياة، هي التي حملت الإسلام على اعتبار "التبدي" أي "التعرب" بعد الهجرة ردّة على بعض الأقوال وعلى النهي عن الرجوع إلى البادية والعيش بها عيشة أعرابية. فلما خرج "أبو ذر" إلى الربذة قال له عثمان بن عفان: "تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابياً". فكان "في يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية". ولما وصل "عبد الله بن مسعود" الربذة، ورأى ابنة أبي ذر وهي حائرة وكان والدها قد فارق الحياة لتوّه، سألها: "ما دعاه إلى الاعراب". وفي الحديث: "ثلاث عن الكبائر منها التعرب بعد الهجرة". وهو أن يعود إلى البادية ويقم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً. وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدّونه كالمرتد. وذلك بسبب جفاء الأعراب والجهالة، ومن هنا كرهت شهادة البدوي على الحضري فورد في الحديث "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية". لأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها وِلمَا في البدوي من جفاء وجهالة بأحكام الشرع. وقد عُرفَ العربي الحضري ب "القراري"، أي الذي لا ينتجع ويكون من أهل الأمصار، وفيها، أن كل صانع عند العرب قراري. وهذه النظرية هي نظرة أهل البداوة بالنسبة لأهل الحاضرة، فالصانع عندهم إنسان مزدرى لاشتغاله بصنعة من هذه الصنائع التي يأنف منها العربي الحرّ. والحق أن النعوت المذكورة لا تلازم جميع الأعراب ولا تنطبق عليهم كلهم. فهم يختلفون مثل أهل الحضر، باختلاف مواضعهم، من قرب عن حضارة ومن بعد عنها، ومن وجود ماء ونصب، أو جدب أو فقر،وما شاكل ذلك. كما أن بعض النعوت المذكورة تنطبق على بعض أهل المدر أيضا. ولهذا نجد القرآن الكريم. يطلقها عليهم، ولكن لا على سبيل التعميم بل على سبيل التخصيص، فهي نتائج ظروف خاصة وأحوال معينة، لا بد وأن تؤثر فئ أصحابها فتكّسبهم تلك الصفات والمؤثرات. كما أن العرب، أي الحضر، لم يكونوا كلهم في التحضر على درجة واحدة سواء، فبينهم اختلاف وتباين، وبهذا التباين تباينت خصائصهم النفسية بعضهم عن بعض. والبدوي الذي تمكن "ابن سعود" أو غيره من الحكام من ضبطه بعض الضبط ومن الحد من غاراته على الحضر أو على البدو ألآخرين، هو البدوي نفسه الذي عاش قبل الميلاد وفي عهد إسماعيل، والذي قالت في حقه التوراة: "يده على الكل و يد الكل عليه". و هو سيبقى كذلك ما دام بدويا ترتبط حياته بالصحراء، ينتهز الفرص كلما وجد وهنا في الحكومات وقوة في نفسه على أخذ ما يجده عند الآخرين، وهو إن هدأ و سكن، فلأنه يجد نفسه ضعيفا تجاه سلطة الحكومة، ليس في استطاعته مقاومتها لضعف سلاحه، فإذا شعر بقوته لم يخش عندئذ أحد.

و قد تأصلت الفردية في انفس الأعراب وفي أنفس أشباه الحضر وفي اكثر الحضر، حتى صارت أنانية مفرطة، عاقت المجتمع العربي في الجاهلية وفي الإسلام عن التقدم و عن التوثق و الاتحاد، وفي الأدبين الجاهلي و الإسلامي أمثلة عديدة سارت بين الناس تمثل هذه النظرية الضيقة إلى الحياة. ورد في الحديث عن أبي هريرة أنه قال:"قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الصلاة، و قمنا معه، فقال أعرابي في الصلاة: اللهم ارحمني و محمدا، و لا ترحم معنا أحدا". فقدم نفسه على الرسول، مع انه مسلم يحمله دينه و أدبه: أدب الإسلام على تقديم الرسول عليه، ثم انه لم يخصص أحداً بالرحمة غير الرسول و غير نفسه مدفوعا بهذه الأنانية القبيحة. وكثيرا ما تسمع الناس يتمثلون بقول أبي فراس: "إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر". يتمثل به الحضر تعبيرا عن فلسفة و وجهة نظر قديمة إلى هذه الحياة، مبعثها الوضع السيئ العام القلق الذي عمّ المجتمع وما زال يعمه، والذي جعل الفرد يشعر بعدم وجود من يحميه و يساعده ، فتحول غضبه إلى عقيدة مؤذية مضرة و يل للأسف. و البدواة عالم خاص قائم بذاته، تكونت طباعها و خصائصها من الظروف التي نشأت فيها، لها مقاييسها و موازينها الخاصة، وهي مقاييس و موازين تختلف عن مقاييس الحضر و موازينهم، الحضر البعيدين عن البادية و عن أحوال البدواة و لذلك اختلفت افهام الجماعتين و تباعدت عقليتهما، ومن هنا يظهر خطأ من يحكم على البداوة بمقاييس أهل الحضارة و يفسر ما يقع من الأعراب تفسيره لما يقع من أهل المدر من أعمال، ومن هنا أيضا نجد أن البدواة لا تستطيع فهم منطق الحضر ولا تستسيغ أسلوب حياتهم، ولا تأمنهم، لأن عالمها يختلف عن عالم الحضر، ولأنها تجد من قيود الريف والمدن ما يصعب عليها تحمله، ولأنها ترى في الحضر جماعة حيل وشر. ومكر فلا تأمنهم، ولا تستطيع أن تطمئن اليهم، مهما أظهر الحضر نحوها من عطف و إحسان. وقد كابدت البداوة كثيراً كما كابدت الحضارة كثيراً أيضا من جراء سوء الفهم هذا الناجم من اختلاف العقليتين. ويظهر البدوي في عين الحضري الحديث، وكأنه إنسان مزدوج الشخصية جامع للنقيضين، له وجهان. فهو محارب يحارب معك وفي صفوفك، أما إذا شعر أن الهزيمة ستحل بك، فإنه أول من ينقلب عليك، فيمعن عندئذ في سلبك ما معك ونهبه، لا فرق عنده أن يكون الذي حارب معه وفي صفوفه عربياً أو أعجمياً. شريفاً من أسرة عريقة أم قائداً محترفا. وهو كريم جواد يقدم لضيفه آخر شيء عنده ليأكله ويحبيه بكل وسائل الاكرام، ولكنه لا يمتنع من سلب غريب يجده في طريقه، ومن أخذ ما عنده. وهو رجل متدين لا يحلف كاذباً مها رأى النتيجة، ولكن تدينه تدين بدوي سطحي إلى غير ذلك من متناقضات. أما الأعرابي، فيسخر من اتهام الحضري له بهذه التهم، ويعجب من سذاجة منطقه وحكمه، فمنطقه في نظره منطق رجل ساذج مريض معلول، وحكمه حكم إنسان ضعيف ذليل. وإلا فكيف يسمع عقل إنسان سليم لإنسان مثلاً أن يترك أموال صاحبه أو أصحابه تقع في أيدي غيره أو أعدائه، يأخذونها لينعموا بها وليفتخروا بحصولهم عليها، ثم لا يمد هو يده إليها يأخذ منها ما يحتاج أليه ويريد? ألا يدل هذا العمل على السخف والضعف وفساد الرأي ? أن المحارب في نظر الأعرابي أولى من غيرة بأموال زميله المحارب، وهو أحق بها من أي إنسان آخر للحصول عليها إن داهمه خطر، وشعر أن تلك الأموال ستقع في أيدي عدوه، فهو زميله وصديقه، وهو فوق ذلك به حاجة أليها، فمن حقه الطبيعي إذن أن يأخذها ولو عنوة ويولي بها ليحرم عدوه الحصول عليها والحصول على أي مكسب كان من هذه الحرب. ثم إنه إن لم يباشر أخذ ما يجده أمامه في الوقت الملائم، فإن غيره سيأخذه حتماً، وقد يكون غيره هو خصمه وعدوه: ولما كانت النفس مقدمة على غيرها، كان من العقل والحكمة أن يأخذ حقه بنفسه، وإلا ضاع حقه عليه وأفلت منه. ومن هنا اختلف منطقه عن منطق الحضري وباين حكمه على الأمور حكم الحضري. وحكم الأعراب على الأمور،حكم صادر عن عقلية خاصة بهم، كونتها عندهم الأحوال التي يعيشون فيها والمحيط الذي يتحكم فيهم من جفاف وحرارة وضوء ساطع واختلاف في درجات الضغط الجوي وانحباس الأمطار وفقر محالف لأغلب الأرضين ومن فقر وتقتير وبساطة في المأكل وأمثال ذلك من مؤثرات كونت عندهم عقلية خاصة وثقافة خاصة، فهمت الأمور بمنطقها لا بمنطق الآخرين. ومن هنا اختلفت أيضا عقليات الأعراب وتباينت بعض التباين باختلاف الأحوال التي تحيط بالأمكنة التي ينزلون بها ويقرب تلك الأمكنة وبعدها من الحضر ومن،الحضارة. وبمقدار تأثرها بالمؤثرات الخارجية وبالثقافات الواردة من الخارج، كالذي نلحظه من وجود شيء من التباين بين عقليات القبائل المتنصرة وأعمالها وعقليات القبائل الوثنية وأعمالها، بالرغم من أن نصرانية تلك القبائل لم تكن نصرانية عميقة صميمة، ولم تكن صافية خالصة، وذلك لأن هذه القبائل المتنصرة على سطحية تنصرها، كانت مواطنها ملاصقة للحضر وللحضارة وذات اتصال بالحضر وبالأعاجم وبالثقافات الأجنبية وبالبيئات الثقافية الغربية، وعاش بينها رجال دين غرفوا من ثقافات غريبة وبشروا بين العرب المتنصرة بآراء غريبة عنهم، كما تأثر رؤساء تلك القبائل بمؤثرات الحضر الذين احتكوا بهم وبرجال السياسة والدين الذين كانوا على اتصال بهم، وقد تزوج بعضها من نساء نصرانيات، أثرن في بيئة ذلك الزوج.

وقد نص الأقدمون على اختلاف طباع القبائل،فعرف بعضها باللين والسهولة، وعرف بعضها بالشدة والخشونة والغلظة، وعرف آخرون بالشجاعة والصبر على المكاره والميل إلى الغزو والحروب، وعرف غيرهم بالميل إلى الاستقرار وبقابليتها على الاستيطان واستغلال الأرض والالتئام مع الجيران. ولوجود هذه الصفات في القبائل كان الحكام في الجاهلية وفي الإسلام إذا أرادوا أمراً وكلوه إلى القبيلة التي تتناسب صفتها التي اشتهرت بها مع العمل الذي يراد القيام يه، وصار اعتماد الحكام على هذه الفراسة في الغالب. وما زال هذا التباين في كنايات القبائل معروفاً حتى اليوم، فقد اشتهرت بعض قبائل نجد بأمور لم تشتهر بها القبائل الأخرى، أو أنها فاقت بها سائر قبائل نجد، فاشتهرت بعضها بالقتال، واشتهرت بعضها بالصرامة والصبر، وما إلى ذلك، ويراعي حكام جزيرة العرب اليوم هذه الصفات في ضبط الأمور في حكوماتهم وفي حفظ التوازن في حكم البوادي والأعراب وفى السياسة العامة للحكومة. وفي تقارير السياسيين الوطنين والأجانب وفي كتب السْياح والبعثات الأجنبية على اختلاف أنواعها كلام على تباين طباع الأعراب في جزيرة العرب وطباع الحضر في هذا اليوم. فترى أذن أن للأعراب رأياً في الحضر يشبه رأي الحضر فيهم، أي رأي فيه ازدراء و حط من شأن الحضر ومن مجتمعهم الذي يعيشون فيه، ومن قيمهم في هذه الحياة، وهو رأي تكون عندهم من بيئاتهم التي يعيشون فيها ومن ثقافتهم الخاصة بهم، التي تفسر الأمور بمقاييسها وأوزانها، وهي مقاييس وأوزان بعيدة عن مقاييس الحضر والحضارة ولا أقصد بالحضر هنا حضر الأعاجم وحدهم، بل ادخل فيهم حتى الحضر العرب، كالذي يتبين من استهجان الأعراب بشأن أهل المدر في كل مكان من أمكنة جزيرة العرب ومن ازدرائهم لأحلامهم ومثلهم في الحياة. فالبداوة ثقافة خاصة بهذا العالم، عالم البداوة، والحضارة ثقافة أخرى خاصة بالحضر، وبين الثقافتين بَوْن وخلاف. وليست هذه الطباع وراثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء ابدأَ في الدم، فلا تتبدل ولا تتغير، بل هي حاصل أحوال وبيئة، إذا تغيرت ا الأحوال والبيئة وقع تغير يتوقفّ على مقدار فعل البيئة الجديدة في الإنسان وعلى الزمان الذي يقضيه فيه وعلى مقدار استعداد ذلك الإنسان لتقبل البيئة الجديدة والثقافة الجديدة التي دخل فيها، ولحذا بركون فعل التغير في الجل القديم أقل من الجيل الجديد. وعلى ذلك يخطئ من يصف العرب بصفات يلصقها بهم يجعلها عامة عليهم أبدية. ودليلنا على ذلك أن من عاش من الأعاجم بين العرب وفي بيئة عربية، تطبع بطباع العرب وصار مثلهم، حتى إذا انقرض الجيل القديم ونبع الجيل الجديد تحول إلى جبل عربي في كل شيء، لا نستثتي من ذلك حتى الانتساب إلى العرب إلى عدنان وقحطان وحتى التعصب والعصبيات. والإسلام الذي صهر الأعاجم في بوتقته، وجعلهم جنوداً يحاربون في الصفوف الأمامية لنشره وإعلاء كلمته، لم يلبث أن أنساهم أصولهم ولغاتهم، فحوّلهم بذلك إلى عرب من حيث لم يشعر العرب ولا الأعاجم أنفسهم به. والأعرابي واقعي، تتأثر أحكامه بالواقع الذي يراه، وبمقياس المادية التي تتمثل عنده، يؤمن بالروح، ولكنه يحولها إلى ما يشبه المادة الملموسة. يؤمن بإلّه أو بآلهة، كما كان في الجاهلية ولكنه حوّل تلك الآلهة إلى أوثان وأصنام، يلمسها ويحسها بيديه، فيتقرب أليها ويتوسل بها، وخاف من الأرواح مثل الجن والأرواح الخبيثة التي صورها عقله، أكثر من خوفه من آلهته، فإذا نزل مكاناً قفراً، أو محلاً موحشاً، أو دخل مكاناً مظلماً أو كهفاً، تعوذ من الأرواح، واحتال عليها بمختلف الحيل التي ابتكرها عقله، ليتغلب عليها وليتخلص منها. فهو يخافها اكثر من خوفه من الآلهة، لأنه جعلها تعيش معه في كل مكان، فهي تحيط به. أما الالهة، فإنها بعيدة عنه، ثم إنها لا تؤذي، ومن طبع الإنسان التخوف من المؤذين. وهو لا سفل بما بعد الموت، لأن هذا العالم الثاني عالم غير محسوس بالقياس إليه. ولهذا لم يتصوره كتصور غيره من الأمم الأخرى، بل هو لم يتعب نفسه بالتفكر فيه، ولهذا كانت مراسيم دفن الميت بسيطة جداً، لا تكلف فيها ولا تعقيد، على نحو ما نجده عند الحضري أو العجم، متى دفن في قبره وهيل التراب عليه، انتهى كل شيء. ولهذا كاد عجبهم شديداً إذ سمعوا بالبعث وبالقيامة والحشر والنشر. )أ إذا امتنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون، أو آباؤنا الأولون(. وكان قائلهم يقول: حياة، ثم موت، ثم نـشـر: حديثُ خُرافة، يا أم عمرو!

وقال شدّاد بن الأسود بن عبد شمس بن مالك، يرثي قتلى قريش يوم بدر: يحدثنا الرسول بأن سنحيا=وكيف حياةُ أصداءٍ وهامِ وقد ورد البيت المذكور في صورة أخرى في كتاب "الصبح المنير في شعر أبي بصير"، في باب شعر "أعشى نهشل"، ورد في هذا الشكل: وكائن بالقليب قلـيب بـدر من الفتيان والعرب الكرام أيوعدني ابن كبشة إلى سنحياً وكيف حياة أصداءٍ وهامِ ? أيعجز أن يرد الموت عنـي وينشرني إذا بليت عظامي ألا مَنْ مبلغ الرحمن عنـي بأني تارك شهر الـصـيام فقل لله يمنعنـي شـرابـي وقل لله يمنعني طعـامـي والحضر الذين نظروا إلى الأعراب، نظرة استصغار وازدراء، لما بينهم وبين الأعراب من تفاوت في الثقافة وفي العقلية، هم أنفسهم وفي الواقع أشباه حضر، وأخص من هؤلاء الحضر حضر الحجاز، فخصائص التعرب غالبة عليهم، غلية تزيد على خصائص الحياة الحضرية. فقد قامت قراهم مثلاً وأعظمها مكة ويثرب على الفكرة الأعرابية القائمة على أساس النسب، فكل من مكة ويثرب شعاب، كل شعب لفخذ أو عائلة أو ما أشبه ذلك من أسماء تدخل في أسماء أجزاء القبيلة، تتعصب وتتحزب وتتقاتل فيما بينها وتتحالف، كما يتقاتل أو يتحالف الأعراب. ثم إنهم كانوا يأنفون من الاشتغال بالحرف، تماما كما يفعل البدو، ويعافون الزراعة في الغالب، لا استثني منها زراعة النخيل، لأن الزراعة في نظرهم من أعمال النبط والرقيق،والروح الفردية سائدة بينهم، موجودة عندهم، إلا في أوقات الشدة والضيق، والفردية الجامحة من طبائع البادية ومن خصائصها، إلى أمور أخرى عديدة تعدّ من صميم الحياة الأعرابية. وسبب ذلك أن هذه المستوطنات التي سموها قرى كانت وسطاً بين البداوة والحضارة، وكانت كالجزر الصغيرة وسط المحيطات الواسعة، محيطات من الأعراب،، تستمد غذاءها الروحي والمادي من البداوة أكثر مما تستمده من الحضارة. أضف إلى ذلك عامل الطبيعة الذي يلعب دوراً خطراً في تكون المجتمعات وفي تكييفها بالشكل الملائم. ولذلك لم تتكون في يثرب أو في مكة أو في غبرها حياة مشابهة لحياة الحضر العجم في الأماكن الأخرى مثل مدن وقرى العراق وبلاد الشام ومصر، بل وحتى حضر مدن اليمن وهم من العرب بالطبع.

ومن هنا نجد حضر اليمن، بل وأعرب اليمن أيضا يختلفون عن حضر وأعراب الحجاز ونجد والعربية الشرقية، في كثير من الخصائص والصفات. مع أنهم كلهم عرب ومن أصل واحد. فحضر اليمن، حضر لا يأنفون من العمل ولا يستصغرون شاًن الحرف. ولا يأنفون من الزراعة. بينهم الحائك والنساج والمشتغل بالأرض، والصانع والحداد والنجار وعامل البناء، وقالع الحجر ومربي الماعز والغنم والبقر، وزارع الخضر والبقول، ودابغ الجلود، مع أنها حرف يراها العربي في بقية مواضع جزيرة العرب من حرف اليد والطبقات الدنيا من الناس.

و أعراب اليمن، الذين ميزهم حضر اليمن عن أنفسهم في الجاهلية بإطلاق لفظة "اعرب" عليهم، لأنهم لم يكونوا في مستواهم وفي درجتهم في الحضارة. هم مع ذلك وبوجه عام أرقى مستوى وأكثر إدراكا من أعراب الحجاز ونجد. لقد وطنوا أنفسهم في أطراف الحواضر وعند مواضع الماء والخصب، وزرعوا ورعوا ماشية وأنعاماً، واستقروا في بيوت من مدر أو حجارة. وهي حياة لا يألفها البدوي القح. ولا يراها من مقوّمات البداوة. ثم انهم لم يكونوا رحلاً على شاكلة أعراب الحجاز أو نجد أو بادية الشمام. وإذا كنا نرى بعض قبائل اليمن، وهي ترحل من مواضعها، فرحيلها هذا هو عن سبب قاهر، مثل حروب أو كوارث طبيعية تجعل من الصعب عليها البقاء في منازلها، فلا يكون أمامها للمحافظة على حياتها غير الرحيل إلى مكان آخر. انهم بالقياس إلى عرب الحجاز أو نجد رعاة أو شبه أعراب. ومرجع هذه الفروق هو في التباين في الطبيعة. فطبيعة أرض اليمن مثلاً طبيعة لطيفة خفيفة، الحرارة فيها معتدلة بوجه عام، والفروق في درجات الحرارة بين الصيف والشتاء،أو بين الليل والنهار ليست كبيرة متناقضة متعاكسة. والضغوط الجوية فيها معتدلة غير قلقة متغيرة بكثرة في اليوم أو في الشهر أوفي السنة، والأمطار متوفرة بوجه عام، تزور اليمن في مواسم معينة، وجبال اليمن العالية جبال تقف شامخة عنيدة وفي وضع مناسب أمام الأبخرة المتصاعدة من البحار، حتى تضطرها على الهبوط غيثاً على اليمن يغيث الناس. ثم أن اليمن هضاب وأودية وتهائم، ومسايل طبيعية تقود السيول إلى أحواض حفرتها الطبيعة، وعلمت هذه الطبيعة الإنسان على رفع حافاتها لتحبس الماء في الأحواض، وعلى عمل فتحات فيها لخروج الماء منها وقت الحاجة. وهي غنية بالمعادن وبالحجر الصالح للبناء وبالأشجار التي غرزتها الطبيعة بيدها، وأرض على هذا النحو وعلى هذه الشاكلة لا بد وأن تؤثر على أجسام وعلى عقول أصحابها، فجعلتهم من ثمّ من أنشط شعوب جزيرة العرب في ميدان العمل والحيلة في كسب العيش وفي إقامة المجتمعات وإنشاء حضارة، وفوّقتهم بذلك بوجه عام على سائر عرب جزيرة العرب، وصيرتهم قوماً لا يرون الأشغال بالحرَف عيباً، ولا امتهان المهن العملية نقصاً. ولو كانت أرضهم على شاكلة أرضَ الحجاز أو نجد، ولو كانت طبيعتها ذات طبيعة صحراوية قاسية، لما صار أهل اليمن بالشكل الذي ذكرته. ولهذا السبب، اختلفت طبائع من يسميهم أهل الأخبار بالقحطانيين الساكنين خارج اليمن في نجد أو في بادية الشام عن طبائع أهل اليمن، فصاروا أعراباً أقحاحاً يأنفون من الاشتغال بالحرَف، ولا يعيشون إلا على تربية الإبل، إلى غير ذلك من سمات وسم بها البدو مع انهم يمانيون كما يذكر أهل الأخبار. ولو كانت طبيعة أرض البادية على نحو آخر، على نحو يؤمن العيش والراحة لمن يقيم بها، لما وجدنا ما وصففاه من أوصاف عند الأعراب، فإن الطبيعة تصقلهم إذ ذاك صقلاً آخر، قد تجعلهم مستقرين مقيمين على الأقل، ودليل ذلك أثر الأمطار والربيع فيهم، عندما تغيثهم السماء، سنين متوالية، إذ يبقون في أماكنهم، ويقيمون فيها،ولا يخطر ببالهم عندئذ خاطر الارتحال والتنقل من هذه الأرض.

ولأثر الطبيعة المذكور في طباع الناس، اختلفت طبائع أهل "الطائف" عن طبائع أهل مكة مع أنها أقرب إلى مكة من اليمن، وسبب ذلك أن الطائف أرض مرتفعة ذات جو معتدل، بها مياه وفيرة، وبها أشجار وهبتها الطبيعة لأرضها منذ القدم، أرضها نصبة فرحة، لا تسودها كآبة البادية ولا يخيم عليها عبوس البيداء، فصارت أخلاق أهلها من ثم أقرب إلى أخلاق أهل اليمن، وصاروا أذكياء، عقولهم متفتحة نيرة، استغلوا أيديهم، فزاولوا الحرف مثل الدباغة، واستغلوا الأرض، إذ زرعوها حباً وأشجاراً مثمرة، وربوّا الماشية، وصارت مدينتهم حتى اليوم مصيف أهل مكة. مع أنهم عرب ما في أصلهم العربي أدنى شك، وهم وعرب مكة أو يثرب أو نجد من طينة واحدة، لا شك في ذلك ولا شبهة. فالطبيعة إذن من حر وبرد ومن اختلاف في الضغوط الجوية ومن أشعة شمس محرقة منهكة ومن إشعاع أرضي ومن أمطار و أهوية ورياح ومن طبيعة أرض وموقع، ومن هبة الطبيعة إلى السكان من طعام غني أو فقير، من حبوب وأثمار وخضر وحيوان، أثر بالع في تكوّن الطباع وفي خلق التمايز بين الأجناس البشرية، تضاف إلى ذلك الظروف الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تحيط بالناس ثم التكوّن الجسماني ومظهره. ومن هنا نجد العربي الأصيل الذي لا شك ولا شبهة في أصله العربي، إذا أقام وحده مدة في مجتمع غربي مثل انكلترة أو اسكاندينافية أو أميركا الشمالية، حيث الطبيعة مختلفة عن طبيعة بلاده وحيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية متباينة عن الظروف المذكورة في بلاده، تغير وتبدل واضطر مختاراً أو كرهاً عن غريزة تطور كامنة فيه إلى التأقلم والانسجام مع القوم الذين صار يعيش بينهم. ويتوقف هذا التحول بالطبع على عمر الشخص وعلى قابليته وعلى مدة إقامته في المكان. ولو أقام ذلك العربي طيلة حياته كلها في ذلك الوطن الجديد، وصار له نسل من زوجته العربية التي قدمت معه أيضا، فإن النسل الجديد سيكتسب صفات الموطن الذي نشاً فيه ويتخلق بأخلاقه، أما نسل نسله، فإنه سيتحول إلى شخص آخر غريب عن جده، غريب عنه حتى في لغته. ومن هنا نجد الجيل الثالث من أجيال المهاجرين العرب الذين هاجروا إلى أميركا، وتجنسوا بها، جيلاً أمريكيا في كل شيء، حتى في لغته وثقافته وشعوره وهواه، يشعر أن حنجرته لا تطاوعه على تعلم العربية وأن أوتارها لا تساعد على النطق بها. مع أنه من أصل عربي أباً وأماً. وقد برز من هذا الجيل الجديد اليوم قوم في ميادين العلم والتجارة والمال والصناعة والسياسة والعمل، ودخل نفر منهم مجلس النواب في واشنطن، وسيزيد هذا العدد ولا شك، لم يعقهم عن ذلك عائق الرس والعنصر والجنس وخصائص الدم ولو كان الدم عائقاً إلى الأبد، لما حدث في المذكورين ما نراه عملياً في هذا ا ليوم. والعربي بعد، إن وصف في الجاهلية أو في الإسلام بالخمول والكسل، وب "الرومانطيقية"، أي بالخيال، وبعسم الصبر وبالأنانية والفردية وبما شاكل ذلك من صفات، فصفاته هذه ليست حاصل خصائص دم ونتيجة سمات عرق، وإنما هي ظروف وأحوال وأوضاع أجبرته على ذلك، ولو أطعم ذلك العربي طعاماً صحياً فيه المواد الغذائية الضرورية لنمو الجسم والعقل،ولو تغيرت ظروفه، فهو كما ذكرت سيتغير حتماً. وما كان الأوروبي ليتفوق على الشرقي لو أن طبيعة إقليمه وأرضه كانت كطبيعة جزيرة العرب، ولو سكن الألماني أو السويسري أو الإنكليزي بلاد العرب، وصار له نسل، فإن نسله لا ينشاً كما لو نشاً في وطن والده أو جدّه، لاختلاف الظروف والأجواء. وما كانت أوروبا خضراء هذه الخضرة ونشطة هذا النشاط بسبب دم أهلها وحده،بل لأن طبيعتها ساعدت الناس وعاونتهم،فأنبتت الرطوبة والأمطار الأشجار بنفسها وكونت لأهلها الغابات، ودفع البرد الناس إلى العمل دفعاً، ولهذا تجد الناس عندنا في الشتاء يندفعون إلى العمل اندفاعاً بعامل البرد الذي يدفع الجسم إلى الحركة. أضف إلى كل ذلك عوامل أخرى تؤثر في جسم الإنسان وفي تصرفاته واتجاهاته من تركيب جسم ومن ملامح، مثل لون شعر وتركيبه ولون بشرة أو لون عين وشكل جمجمة وأمور أخرى يدرسها ويبحث فيها علماء الأجناس البشرية، تؤثر أيضا في خصائص الإنسان وفي أجناسه وفصائله، مما لا مجال للبحث عنها في هذا المكان. والبحث في موضوع نفسيات الشعوب وأصول تفكيرها وميزات عقلها، بحث يجب أن يستند إلى أسس علمية حديثة، وإلى تجارب دقيقة عامة،لذلك لا يمكن التعميم ما دمنا لا نملك بحوثاً ودراسات علمية منسقة، قام بها علماء متخصصون في البوادي وفي الحواضر وفي كل مكان من جزيرة العرب، روعي عند إجرائها الظروف الطبيعية المؤثرة في ذلك المكان، والظروف الثقافية السائدة عليه، ودرجة تأثر ذلك المكان بالمؤثرات الخارجية، أي بمؤثرات المناطق المجاورة له. فبين أهل جزيرة العرب بون كبير في العقليات، وبين أهل البوادي في الجاهلية وفي هذا اليوم فروق في النفسيات وفي التعامل، حتى وسمت القبائل بسمات، فوسمت "معد" مثلاَ ة بالحيلة و الكيد والذكاء وبالغلظة والخشونة، ووسمت "ثقيف" بسمات، ووسمت "كندة" بسميات. وقد رأينا ما ذكره "حافظ وهبة" عن أهل نجد من حضر وبدو.

بل إننا نرى أن الأعاجم المتعربين أي الذين ينزلون بين العرب وينسلون بينهم ويتخذون العربية لساناً لهم، سرعان ما يتعربرون كل التعرب، ويتحول أبناؤهم إلى جيل عربي خالص، حتى ليصب عليك التفريق بينهم وبين العرب في الرسوم والعادات والتفكير، وذلك بتأثير المحيط الذي حلوا به، والظروف الطبيعية المؤثرة بالمكان. وقد تعرب آراميون في العراق وفي بلاد الشام، وصاروا عرباً في كل شيء حتى في الصفات التي ذكرناها، وقد وجدت البعثة الأمريكية التي جاءت إلى العراق للبحث عن السلالات البشرية إن في دماء القبائل العربية التي ترى نفسها إنها قبائل عربية خالصة نسباً مختلفة من الدماء الغربية، وإذا أدركنا هذه الملاحظة وقيمة أمثال هذه الدراسات في موضوع تكوّن العقلية وفي حدودها ورسم معالمها، علمنا انه ليس من السهل في الواقع البحث عن عقلية عربية خالصة تعبر عن عقلية جميع العرب وفي كل مكان. إن الذين بحثوا في العقلية العربية بصورة عامة، تصوروا العرب وكأنهم جنس واحد انحدر من عرق واحد. وبهذا الاعتقاد وضعوا حدود تلك العقلية. أما إذا نظرنا إلى نتائج فحوص بعض علماء "الأنثروبولوجي" وعلماء الآثار وعلماء الحياة لبقايا الجماجم والعظام التي عثروا عليها من عهود ما قبل الإسلام، وإلى فحوصهم لملامح العرب الأحياء وأجسامهم، فإنها على قلتها، تشير إلى وجود أعراق متعددة بين سكان جزيرة العرب، الأموات منهم والأحياء، الجاهليين والإسلاميين، وإلى وجود اختلاف في نفسياتهم وفي قابلياتهم العقلية، وقد تحدثت قبل قليل عن ملاحظات "حافظ وهبة" عن عقليات عرب المملكة العربية السعودية، وتحدثت عن رأي علماء الحياة والأجناس في تعدد الأعراق وتسرب دماء غريبة إلى جزيرة العرب يجعل من الصعب على الباحث الحذر أن يعتقد بإمكان وضع صورة دقيقة يمثل وجود عقلية واحدة لجميع أولئك الناس وفي كل العصور والعهود.

الفصل الثامن: طبقات العرب

اتفق الرواة وأهل الأخبار، أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة، وعرب متعربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة وعرباء وهم الخلص، والمتعربة. واتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث النسب إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن. وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز. واتفقوا، أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله، وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة. فهم الأصل، والعدنانية الفرع، منهم أخذوا العربية، وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، شرح الله صدر جدهم إسماعيل، فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الإرمية، أو الكلدانية، أو العبرانية على بعض الأقوال. وتجد الأخباريين والمؤرخين يقسمون العرب أحياناً إلى طبقتين: عرب عاربة، وعرب مستعربة. ويدخلون في العرب العاربة عاداً وعبيل ابني "عوص بن إرم"، وثمود وجديس ابني "جاثر بن إرم"، وعمليق وطسم وأميم بني "لوذان بن إرم"، و "بني يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام"، وهم: جرهم، وحضرموت، والسلف، وجاسم بن عمان بن سباً بن يقشان بن إبراهيم. أما "الهمداني"، فقد عدّ كل القبائل التي أولها "جاسم" وآخرها "عَبس الأولى" من العرب العاربة. والقبائل المذكورة هي "جاسم" الذين نزلوا بعمان والبحرين، وبنو هيف، وسعد، وهزان الأولى، وبنو مطر، وبنو الأزرق، وبنو بديل، وراجل، وغفار، وتيماء، وبنو أثابر، وبنو عبد ضخم. وظل الرواة يتوارثون هذا التقسيم كلما بحثوا في تاريخ العرب قبل الإسلام، وفي موضوع الأنساب. ولا حاجة بنا إلى أن نعود، فنقول: إن كل ما روي من هذا التقسيم وما رواه الرواة من أخبار تلك الطبقات، لم يرد ألينا من النصوص الجاهلية، وإنما ورد ألينا متواتراً من الكتب المدونة في الإسلام، لذلك لا نستطيع أن نجرؤ فنقول: إن هذا التقسيم، وضعه الجاهليون، وتوارثوه كابراً عن كابر، حتى وصل إلى صدر الإسلام، م منه وصل ألينا. وتقسيم العرب إلى طبقات - وذلك من ناحية القدم والتقدم في العربية - هو تقسيم لا نجد له ذكراً لا في التوراة أو الموارد اليهودية الأخرى ولا في الموارد اليونانية أو اللاتينية، أو السريانية. ويظهر أنه تقسيم عربي خالص، نشأ من الجمع بين العرب الذين ذكر أنهم بادوا قبل الإسلام، فلم تبق منهم غير ذكريات، وبين العرب الباقين، وهم إما من عدنان، وإما من قحطان.

وجماع العرب البائدة في عرف أكر أهل الأخبار، هم: عاد، وثمود، وطميم، وجديس، وأميم، وجاسم، وعبيل، وعبد ضخم، وجرهم الأولى، والعمالقة، وحضورا. هؤلاء هم مادة العرب البائدة و خامها، وهم أقدم طبقات العرب على الإطلاق في نظر أهل الأخبار. أما عاد، فإنهم من نسل "عاد بن عوص بن إرم". وأما ثمود فمن نسل "ثمود بن غاثر بن إرم". وأما "طسم"، فمن نسل "طسم بن لاوذ". وأما "جديس"، فمن نسل "جديس بن غاثر بن إرم"، في رواية أو من نسل "جديس بن لاوذ بن سام" على رواية أخرى. وأما "أميم" فإنهم من نسل "أميم بن لاوذ بن سام". وأما "جاسم"، فمن نسل "جاسم"، وهو من العماليق أبناء "عمليق"، فهم اذن من نسل "لاوذ بن سام". وأما "عبيل"، فإنهم من نسل "عبيل بن عوص بن إرم"، وأما "عبد ضخم"، فمن نسل "عبد ضخم" من نسل "لاوذ"، وقد جعلوا من صُلْب "أبناء إرم" في رواية أخرى. وأما "جرهم الأولى"، فمن نسل "عابر"، وهم غير جرهم الثانية، الذين هم من القحطانيين. وأما العمالقة، فإنهم أبناء "عمليق بن لاوذ"، وأما "حضورا"، فإنهم كانوا بالرسّ، وهلكوا. نرى مما تقدم أن أهل الأخبار قد رجعوا نسب العرب البائَدة إما إلى "إرم"، وإما إلى "لاوذ"، باستثناء "جرهم الأولى" الذين ألحق بعض النسابين نسبهم ب "عابر". وهذه الأسماء هي أسماء توراتية، وردت في التوراة، وأخذها أهل الأخبار من منابع ترجع إلى أهل الكتاب، وربطوا بينها وبين القبائل المذكورة، وكونوا منها الطبقة الأولى من طبقات العرب. و "إرم"، هو شقيق "لاوذ" في التوراة، وأبوهما هو "سام بن نوح"، وقد ترك "سام" هذا من الأولاد "آشور" Asshur و "أرفكشاد" و "لود" و "إرم" و "عيلام". كما ورد في التوراة. وقد أجرى أصحاب الأخبار بعض التحوير والتغيير في هذه الأسماء، بأن صيرّوا "آشور" )أشوذ( و "انشور" و "أرفكشاد" "أرفخشذ"، و "لود" "لاوذ"، و "عيلام" "عويلم"0 أما "إرم"، فقد أبقوه ولم يغيروا في شكله.

ولا نجد ل "لود" أي "لاوذ" ولداً في التوراة. فأولاده المذكورون هم هدية من أهل الأخبار قدمت أليه. أما "إرم"، وهو "آرام" في التوراة، فإن له من الأولاد "عوص" و "حول" و "ماش" و "كيثر". ولم تذكر التوراة ولداً لهؤلاء الأبناء الأربعة، فالأولاد الذين ذكرهم أهل الأخبار، على انهم ولد "عوص" و "كيثر" "غاثر" "كاثر"،هم هبة من الأخباريين قدموها إلى هذين الأخوين. وأما "لود" الذي صار "لاوذ"، عند أهل الأخبار، فإن آراء الباحثين في التوراة مختلفة في المراد منه. وقد ظن بعضهم أنه جد "اللوديين"، وذكر هؤلاء "اللوديين" مع "كوش" و "فوط"، و بين "فارس" و "فوط". وأما "لود" أبوهم، فإنه ابن "مصرايم" أي مصر. ويحملنا هذا على التفكير في أنهم شعب من شعوب إفريقية. ولكن هذا الرأي يخالف ما جاء عن "لود" من انه ابن "سام"، وانه شقيق لأخوته المذكورين الذين تقع أملاكهم في الهلال الخصيب، ومقياساً على هذه المواضع يجب أن يكون ملكه في هذه الأرضين أيضاً. ومهما يكن من شيء، فإن آراء العلماء متباينة في مواضع نسله، ولم ينوه أحد منهم أنها في جزيرة العرب.

وأما عوص، فإن آراء العلماء متباينة كذلك في المكان المنسوب أليه، فذهب بعضهم إلى أن أرض "عوص" يجب أن تكون على تخوم "ايدوم" أو تخوم العربية الشمالية، وذهب بعض آخر إلى أنها المناطق التي على نهر الفرات، وذهب بعضهم إلى أنها في منطقة "حوران" وذهب بعض آخر إلى أنها أرض "دمثسق" و "اللجاة" "اللجاء"، وذهب آخرون إلى أنها في الحجاز أو في نجد. ورأى بعض أهل الأخبار أن منزل "عوص" هو "الأحقاف". وأرض "عوص" هي موطن "أيوب" الشهير صاحب السفر المعروف باسمه والذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وضرب به المثل في الصبر. وأكاثر "جاثر" "Gether"، فلا يعلم من أمره شيء، ويحب أن تكون مواطن "الكاثريين" في الهلال الخصيب، أو في بادية الشام، أو في التخوم الشمالية لجزيرة العرب، وذلك نظراً لوروده مع "عوص" و "ماش". وقد جعل أهل الأخبار "النبط" من نسل "نبيط بن ماش"، وجعلوا أهل الجزيرة والعال من ولد "ماش" كذلك. أما النبط في التوراة، فانهم "نبيوت" نسبة إلى الابن الأكبر لأبناء "إسماعيل المسمى ب "نابت" عند أهل الأخبار وليس ل "ماش" علاقة به وبالنبط. وأما "ماش"، فانه كناية عن موضع سكنه جماعة عرفوا بهذا الاسم، لعله "بادية ماش" "صحراء ماش" المذكورة في الكتابات الآشورية، وهي في البادية الكبيرة المسماة "بادية الشام". العرب البائدة ونحن جرياً مع عادة أهل الأخبار في تقسيم العرب إلى الطبقات الثلاث المذكورة، نبدأ بذكر الطبقة الأولى من طبقات العرب، وهي طبقة العرب البائدة. وقد شك كثير من المستشرقين في حقيقة وجود أكثر الأقوام المؤلفة هذه الطبقة، فعدّها بعضهم من الأقوام الخُرافية التي ابتدعتها مخيلة الرواة، وخاصة حين عجزوا عن العثور على أسماء مشابهة لها أو قريبة منها في اللغات القديمة أو في الكتب الكلاسيكية، وقد اتضح الآن أن في هذه الأحكام شيئاً من التسرع، إذ تمكن العلماء من العثور على أسماء بعض هذه الأقوام، ومن الحصول على بعض المعلومات عنها، ومن حلّ رموز بعض كتاباتهم مثل الكتابات الثمودية. وقد اتضح أن بعض هذه الأقوام أو أكثرها قد عاشوا بعد المسيح ولم يكونوا ممعنين في القدم على نحو ما تصور الرواة. ولعلّ هذا كان السبب في رسوخ أسمائهم في مخيلة الإخباريين.

وأبدأ الآن بالتحدث عن "عاد": عاد: و إذا جارينا الأخباربين، وسرنا على طريقتهم في ترتيب الشعوب العربية، وجب علينا تقديم طسم وعمليق وأميم وأمثالهم على عاد وثمود؛ لأنهم من أبناء "لاوذ بن سام" شقيق "إرم"، وعاد وثمود من حَفدة "إرم بن سام". ولكن الأخباريين يقدمون عاداً على غيرهم، و يبدأون بهم، وهم عندهم أقدم هذه الأقوام، ويضربون بهم المثل في القدم. ومثلهم في ذلك مثل أخباريي العبرانيين الذين عدّوا العمالقة أول الشعوب. ولعل هذه النظرية تكونت عند الجاهليين من قدم عاد، أو من ورود اسم عاد في القرآن الكريم في سورة الفجر ثم مجيء اسم "ثمود" بعد ذلك. ولهذا صاروا إذا ذكروا "عاداً" ذكروا "ثموداً" بعدها في الترتيب. فلورودهما في القرآن الكريم قدما على بقية الأقوام. وقد أورد "الطبري" ملاحظة مهمة عن قوم "عاد" وعن رأي أهل الكتاب فيهم، إِذْ قال: "فأما أهل التوراة، فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة، وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية، والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه". ويظهر من ذلك أن المسلمين حينما راجعوا اليهود يسألونهم علمهم عن عاد وأمثالهم، أخروهم بعدم وجود ذكرهم في التوراة. والواقع أن التوراة لا علم لها فيهم. فأحادث عاد وثمود وهود وصالح إنما هي أحاديث عربية، تحدث بها الجاهليون، وليس لها ذكر في كتب يهود، ولكن أهل. الأخبار ربطوا مع ذلك بينها وبين التوراة، وأوجدوا لها صلة ونسباً بأسماء أعيان وردت في التوراة. ولكن عملهم هذا لا يخفى بالطبع على من له وقوف على التوراة. وأكثر هذه الأقوام أقوام متأخرة عاشت بعد الانتهاء من تدوين التوراة، عاشت بعد الميلاد في الغالب، ولعل منها من عاش إلى عهد غير بعيد عن الإسلام. ثم إن التوراة والكتب اليهودية الأخرى لم تهتم إلا بالشؤون التي لها علاقة بالعبرانيين، وهي ليست كتباً في التواريخ العامة للعالم حتى تكتب عنهم وعن أمثالهم من قبائل. أما بقاء أخبار قوم عاد ومن كان على شاكلتهم من العرب البائدة في ذاكرة أهل الأخبار، فلأنهم عاشوا بعد الميلاد، وفي عهد غير بعيد عن الإسلام، ومع ذلك، فقد أخذت أخبارهم طابع القصص والأساطير.

وقد ذهب بعض أهل الأخبار إلى أن عادا هي "هدورام" في التوراة. ودليلهم على ذلك اقتران عاد بإرم في الكتب العربية، وبعض القراءات التي قرأت "بعاد إرم" في الآية: )ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد" على الإضافة، أو مفتوحتين، أو بسكون الراء على التخفيف، أو بإضافة إرم إلى ذات العماد. وبين "عاد إرم" و "هدورام" تشابه كبير في النطق. ولكن التوراة تشير إلى أن "هدورام" من نسل "يقطان"، أي قحطان في الكتب العربية، وهذا لا يستقيم مع الروايات. ويرد "جرجي زيدان" على هذا الاعتراض بقوله: "ولعل كاتب سفر الخليقة رأى مقر تلك القبيلة في بلاد اليمن، فقال أنها من نسل قحطان، لأن مقام عاد في الأحقاف بين حضرموت واليمن. كثيراً ما التبس علماء التوراة في هدورام أو هادرام ومقر نسله، ولم يهتدوا إلى شيء عنه، مع انهم اهتدوا إلى أماكن أكثر أبناء قحطان، وكلها بحوار الأحقاف، فعاد هي "هدورام" في التوراة. وإما أن يكون كاتب سفر الخليقة أراد بيان القبائل التي سكنت اليمن، وكلها ينسب إلى قحطان، فرأى عاد إرم في جملتها، فجعله من أولاد قحطان وبعبارة أخرى: من القبائل المتفرعة عن قبيلة قحطان. وإما أن يكون بالحقيقة من نسل قحطان،وهم العرب في نسبته إلى آرام"، ورأى "فورستر" وجود صلة بين "عادة"، وهو اسم زوجة "لامك"، وبن "عاد"، وهي والدة "يابال" الذي كان أباً لسكان الخيام ورعاة المواشي، ونسلها من الأعراب. وقوم عاد من الأعراب كذلك. وذهب أيضاً إلى أن هؤلاء هم Oaditae وهو اسم "قوم ذكرهم "بطليموس"" على انهم كانوا يقيمون في الأرضين الشمالية الغربية من جزيرة العرب، ولعلهم كانوا يقيمون عند موضع "بئر إرم"،وهي من الآبار القديمة في منطقة )حسمى( على مقربة من جبل يعرف بهذا الاسم في ديلر جُذام بين أيلة وتيه بني إسرائيل. ولا يبعد هذا الموضع عن أماكن ثمود الذين ارتبط اسمهم باسم عاد. وقد أيد هذا الرأي )شبرنكر( وجماعة من المستشرقين، وهو أقرب الآراء إلى الصواب. وذهب الأخباريون إلى وجود طبقتين لقوم عاد هما: عاد الأولى، وعاد الثانية، وكانت عاد الأولى، في زعم أهل الأخبار، من أعظم الأمم بطشاً وقوة، وكانت مؤلفة من عدة بطون تزيد على الألف، منهم: رفد، ورمل، وصد،والعبود. والظاهر أن فكرة وجود طبقتين لعاد قد نشأت عند الأخباربين من الآية: )وأنه أهلك عاداً الأولى، وثمودَ فما أبقى(، فتصوروا وجود عاد ثانية، قالوا أنها ظهرت بعد هلاك عاد الأولى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن "عاداً الأولى"، هو "عاد بن عاديا ابن سام بن نوح"، الذين أهلكهم الله، وأوردوا في ذلك بيت شعر ينسب إلى "زهر"1. وأما عاد الآخرة، فهم "بنو تميم" وينزلون برمال عالج. وذهب الطبري إلى أن عاداً الأولى، هم نسل بن عوص بن إرم بن سام ابن نوح، وأن عاداً الآخرة هم رهط قيل بن عتر، ولقيم بن هزّال ابن هزيل بن عُتيَل بن صد بن عاد الأكبر، ومرشد بن سد بن عفير، وعمرو بن لقيم بن هزّال، وعامر بن لقيم، وسرو بن لقيم بن هزّال، وكانوا في أيام "بكر بن معاوية" صاحب "الجرادتين"، وهما قينتان له تغنيان. وقد هلكوا جميعا الا "بني اللوذية"، وهم "بنو لقيم بن هزّال ابن هزيل بن هزيلة ابنة بكر"، وكانوا سكاناً بمكة مع أخوالهم "آل بكر ابن معاوية"، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم فهم عاد الأخيرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد. وجعل بعض أهل الأخبار عدد قبائل عاد ثلاث عشرة قبيلة، ذكروا منها: "رفد" و "زمل" و "صد" و "العبود". وجعلها "الهمداني" أحد عشر قبيلة وهي: العبود، والخلود، وهم رهط هود النبي المرسل، وفيهم بنو عاد وشرفهم، وهم بنو خالد. وقيل: بنو مخلد، وبنو معبد، ورفد، وزمر وزمل، وضد وضود، وجاهد، ومناف، وسود، و هوجد. وقد ذهب العلماء مذاهب في تفسير المراد من "إرم ذات العماد" في الآية: )ألم ترَ كيف فعل ربك بعادِ، إرَمَ ذات العماد( فذهب بعضهم إلى أن "إرم ذات العماد" مدينة في "تيه أبْينَ" بين عدن وحضرموت، وذهب آخرون إلى أنها دمشق أو الإسكندرية. والذي دعاهم إلى هذا الرأي - على ما أرى - هو كثرة وجود المباني ذوات العماد في هاتين المدينتين وما عرف عنهما من القدم، فوجد الأخباريون فيهما وصفاً ينطبق على وصف إرم ذات العماد. وقد خلقت "باب جيرون" من أبواب دمشق قصة "جيرون بن سعد ابن عاد" الذي قالوا فيه إنه كان ملكا من ملوكهم، وإنه الذي اختط مدينة دمشق، وجمع عمد الرخام والمرمر إليها، وسماها "إرم".

وهناك مناسبة أخرى جعلت بعض العلماء يذهبون إلى أن دمشق هي "إرم" أو "إرم ذات العماد"، فقد كانت دمشق - كما هو معروف - من أهم مراكز الإرمين "الآراميين"، وكانت عاصمة من عواصمهم. وهذا السبب أيضاً قال نفر من الباحثين إن "إرم" تعني "أرام"، وأن عاداً من "الآراميين"، وأن "عاد إرم" انما تعني "عاد أرام"، فالتبس الأمر على المؤرخين وظنوا أن ذات العماد صفة، فزعموا أنها مدينة بناها عاده. غير أنه قول لا يؤيده دليل يثبت أن "إرم" في هذا الموضع تعتي "ارام". ومن الجائز أن تكون "إرم ذات العماد" هي التي أوحت إلى النسابين فكرة جعل "عاد" من نسل "عوص بن ارم"، لتشابه اسم "ارام" و "ارم" عند العرب التي هي "آرآم" فأصبحت عاد من الإرميين. ويرى بعض المستشرقين أن الذي حمل الأخبارين على القول إن "الإسكندرية" هي "ارم ذات العماد"، هو أثر قصص الإسكندر في الأساطير العربية الجنوبية ذلك الأثر الذي نجده في كتب القصاص اليمانيين، في مثل كتاب "التيجان" المنسوب إلى وهب بن منبه، وفي الرواية اليمانية. وقد حاول الإسكندر كما نعرف احتلال اليمن، فغدا "شداد بن عاد" بانياً للإسكندرية، وأصبح "الإسكندر" مكتشفاً لها. وقد فسر العلماء لفظة "إرمي" الواردة في بيت الحارث بن حلزة البشكري: إرَمي بمثله جالت الجن فآبت لخصمها الأجلاء بأنها نسبة إلى "إرم عاد" في قدم ملكه، وقيل في حلمه. ونسب بعض أهل الأخبار ل "عاد" ولداً، دعوه "شداداً" قالوا: إنه كان قوياً جبارا، سمع بوصف الجنة، فأراد بناء مدينة تفوقها حسناً وجمالاً، فأرسل عماله، وهم: "غانم بن علوان"، و "الضحاك بن علوان"، و "الوليد بن الريان"، إلى الآفاق، ليجمعوا له جميع ما في أرضهم من ذهب وفضة ودرّ وياقوت، فابتنى بها مدينته، مدينة "إرم" باليمن، بين حضرموت وصنعاء، ولكنه لم ينعم بها إذ كفر بالله، ولم يصدق بنبوة "هود"، فهلك. وتولى من بعده ابنه "شديد". وزعم بعض، النسابين أن نسب "شداد" هو على هذه الصورة: "شدّاد ابن عمليق بن عوفي بن عامر بن إرم"، فأبعدوه بذلك عن "عاد". وقيل في نسبه غير ذلك. ويفهم من القرآن الكريم أن مساكن "عاد" بالأحقاف، )واذكر أخا عاد، إذ أنذر قومه بالأحقاف(. والأحقاف: الرمل بين اليمن وعُمان إلى حضرموت والشجر. وديارهم بالدوّ والدهناء وعالج ويبرين ووبار إلى عمان إلى حضرموت إلى اليمن. وقد اندنع أكثر الأخبارين يلتمسون مواضعهم في الصحارى، لأنها أنسب المواضع التي تلائم مفهوم الأحقاف، فوضعوا من أجل ذلك قصصاً كثيراً في البحث عن مواطن عاد وتبور عاد، ورووا في ذلك كثيراَ من قصص المغامرات التي تشبه قصص مغامرات لصوص البحر.

وفي بعض الأخبار: أن "عاداً" لحقت برالشحر، فسكنت به، وعليه هلكوا بوادٍ يقال له "مغيث". فلحقتهم بعد "مهرة" بالشحر. وقد سبق أن قلت: إن Oaditae الذي ذكرهم "بطلميوس" هم قوم "عاد"، وإنهم كانوا يسكنون في الأرضين الشمالية الغربية من جزيرة العرب في منطقة "حسمى"، أي في أعالي الحجاز، وعلى مقربة من مناطق ثمود. وهو أقرب إلى الصواب، اذ اقترن ذكر عاد في القرآن بذكر )ثمود الذين جابوا الصخر بالواد(. "حسمى" أقرب إلى هذا الوصف من الرمال. ولم يعين القرآن موضع الأحقاف، و إنما عينه المفسرون، ولا يحتم تفسيرهم تخصيص الأحقاف بهذا المكان، حيث جعلوا رمال "وبار" في جملة المناطق التي كانت لعاد. وقد ذهب "موريتس" إلى ان موضع "Aramaua" الذي ورد عند "بطلميوس"، وهو "إرم"، أو "إرم ذات العماد". ويقال له الآن "رم". وقد أيد "موسل" رأي "موريتس" غير أنه لم يذهب إلى ما ذهب أليه من أنه "إرم". وقد أظهرت الحفريات التي قام بها "المعهد الفرنسي" في القدس، صحة هذا الرأي، إذ ورد في الكتابات "النبطية" التي عثر عليها في خرائب معبد اكتشف في "رم" أن اسم الموضع هو "إرم". فيتضح من ذلك أن هذا الموضع حافظ على اسمه القديم،غير أنه صار يعرف أخراً ب "رم" بدلاً من "إرم".

وفي سنة 1932 قام "هورسفيلد" Horsfield من دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية حفريات في موضع جبل "رم"، ويقع على مسافة "25" ميلا إلى الشرق من العقبة، ويقع المكان الذي بحث فيه عند وادّ، وعلى مقربة منه "عين ماء"، ووجد في جانب الجبل آثاراً جاهلية قديمة. وقد حملت اكتشافاته هذه و اكتشافات "سافينياك" Savignac واكتشافات "كليدن" H.W. Glidden على القول: إن هذا المكان هو موضع "إرم" الوارد ذكره في القرآن، والذي كان قد حل به الخراب قبل الإسلام، فلم يبق منه عند ظهور الإسلام غير عين ماء كان ينزل عليها التجار وأصحاب القوافل الذين يمرون بطريق الشام - مصر - الحجاز. وذكر "ياقوت الحموي" اسم مكان سماه "جش إرم"،قال عنه: إنه اسم جبل عند "أجأ" أحد جبلَيْ. طيء، أملس الأعلى، سهل ترعاه الإبل، وفي ذروته مساكن لعاد وإرم، فيه صور منحوتة من الصخر. ففرق "ياقوت" هنا بين عاد وإرم، وجعلهما قومين: قوم عاد وقوم إرم، وقد تكون الواو بين الكلمتين زيادة من الناسخ، فيبطل حينئذ الاستدلال على تفريق ياقوت بينهما. وفي الكتب العربية أسماء محلات أخرى قديمة عثر فيها على نقوش وتماثيل، وصفت أنها من مساكن قوم عاد. وبالإضافة إلى المواضع التي أشير فيها إلى "عاد" في القرآن الكريم، فقد أشر إليهم في الشعر الجاهلي كذلك في شعر طرفة وفي شعر النابغة وفي شعر زهير وفي شعر الهُذَليين، وفي شعر طفيل بن عوف الغنوي، وفي شعر "متمم بن نُوَيْرَة" شقيق "مالك بن نويرة"، وهو من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، وفي شعر "أمية بن أبي الصلت"، وهو ممن عاش في أيام الرسول كذلك، وفي شعر غيرهم من الشعراء الجاهلين المخضرمين. وورد في شعر لزهير بن أبي سُلمى "أحمر عاد"، وضرب المثل بشؤم أحمر عاد، فقيل: أشأم من أحمر عاد. وجعل الشاعر "أبو خداش الهذلي" "كليب وائل" كأحمر عاد في الشؤم، وذلك بسبب الحرب التي هاجت بين بكر وتغلب. وقد نص "ابن قتيبة الدينوري" على أن المراد من "أحمر عاد" "أحمر ثمود" الذي عقر الناقة. ويدل ورود خبر "عاد" في القرآن الكريم وفي الشعر الجاهلي على أن القصة كانت شائعة بين عرب الجاهلية معروفة عندهم، وأنهم كانوا يتصورون أن قوم "عاد" كانوا من أقدم الأقوام، ولذلك ضُرب بقدمهم المثل حتى إنهم كانوا ينسبون الشيء الذي يريدون أن يبالغوا بقدمه، إلى عاد، فيقولون إنه "عادي". وإذا رأوا أثراً قديماً أو أطلالا قديمة عليها نقوش لا يعرفون صاحبها، قالوا إنها عادية، أي من أيام عاد. وإذا رأوا بناءً قديماً لا يعرفون صاحبه، قالوا إنه بناء عادي. وقد تحدث "المسعودي" عن أشجار عادية، أي قديمة جداً. ولهذا السبب رأى "ولهوزن" أن كلمة "عاد" لم تكن اسم علم في الأصل، بل كان يراد بها القدم، وأن كلمة "عادي" تعنى منذ عهد قديم جداً، وكذلك كلمة "من عاد" أو "من العاد"، أو من "عهد عاد". وان المعنى هو الذي حمل الناس على وضع تلك الأساطير عن أيام "عاد". وقد جعل بعض الشعراء أيام "عاد" من أوليات الزمان، التي جاءت بعد "نوح" وجعل بعض آخر لفظة "إرمي"؛ بمعنى "عادي"، أي قديم كأنه من عهد إرم وعاد، أو كأنه في الحكم من عاد. وقد ضرب المثل في القرآن الكريم بقدم "قوم نوح" وقوم "عاد وثمود" حتى إن أخبارهم خفيت عن الناس فلا يعلمها إلاّ الله: )ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله(، وفي ذلك دلالة على أن الناس في أيام الرسول كانوا يرون أن الأقوام المذكورة هي من أقدم الأقوام، ولهذا ذكروا بهم للاتعاظ. وقد ورد ذكر عاد في الكتاب الذي وجهه "يزيد بن معاوية" إلى أهل المدينة يهددهم فيه بمصير يشبه مصير "عاد وثمود"، حيث ينزل بهم عقاباً شديداً ويصيرهم حديثا للناس، "واترككم أحاديث تنسخ بها أخباركم مع أخبار عاد وثمود". وقال "سبيع" لأهل اليمامة: "يا بني حنيفة بعداً كما بعدت عاد وثمود". وضرب المثل برجل من "عاد" اسمه "ابن بيض"، زعموا أنه كان من عاد، وكان تاجراً مكثراً عقر ناقة له على ثنية، فسد بها الطريق على السابلة، فضرب به المثل. وزعم أهل الأخبار أن رجلاً غنياً من بقية "عاد" اسمه "حمار" كان متمسكاً بالتوحيد، فسافر بنوه، فأصابتهم صاعقة فأهلكتهم، فأشرك بالله وكفر بعد التوحيد، فاًحرق الله أمواله وواديه الذي كان يسكن فيه فلم ينبت بعده شيء. ويزعمون أن "امرأ القيس" الشاعر ذكر ذلك الوادي في شعر له. ويذكر أهل الأخبار أن المكان الذي كان فيه "حمار" المذكور هو "جوف"، وهو موضع في ديار عاد، وقد نسب اليه، فقبل "جوف حمار"، نسبة إلى "حمار بن مويلع"، فلما أشرك بالله وكفر، أرسل الله ناراً عليه فأحرقته وأحرقت الجوف أيضاً، فصار ملعباً للجن لا يستجرئ أحد أن يمر به، والعرب تضرب به المثل، فتقول: "أخلى من جوف حمار". هود

ويرد مع قوم "عاد" ذكر نبي منهم، هو "هود"، وقد نعت في القرآن الكريم ب "أخي عاد": )وإلى عادٍ أخوهم هوداً، قال: يا قوم، اعبدوا الله(. كما نعت القرآن عاداً بقوم هود: )ألا، إن عاداً كفروا ربهم،ألا بُعْداً لعاد قوم هود(. "قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح". وقد نسبه الناسبون إلى "الخلود بن معيد بن عاد"، وإلى "عبد الله بن رباح ابن جاوب بن عاد بن عوص بن إرم"، وإلى "عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم"، ومن أهل الأنساب من زعم انه "عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح"، إلى غير ذلك من روايات. وقد وردت قصته مع قومه ونهيه لهم عن عبادة الأصنام في القرآن الكريم. وقد ضرب المثل بكفر رجل من عاد، اسمه "حمار"، فقيل:"أكفر من حمار"، قالوا: "هو رجل من عاد، مات له أولاد، فكفر كفراً عظيماً، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه، وإلا قتله". وذلك على نحو ما ذكرته عنه قبل قليل. وهي قصة واحدة، رويت بطرق متعددة، تختلف في التفاصيل، لكنها متفقة من حيث الفكرة والجوهر، وعليها طابع قصص الوعاظ وأهل الأخبار. وقد ذكر أصحاب الأخبار أن غالبية "عاد" كفرت بنبوة "هود"، ولم تؤمن به، لهذا أصابها العذاب والهلاك. ولم ينج منهم إلا من آمن ب "هود" واتبعه وسار معه حين ترك قومه: قوم عاد. وقد نبه المستشرقون إلى وجود شبه بين هود و "هود" الواردة في القرآن أيضاً بمعنى "يهود": )وقالوا كونوا هوداً، أو نصارى، تهتدوا(. وأشاروا إلى أن "هوداً" تعني التهود، أي الدخول في اليهودية، كما لاحظوا أن بعض النساّبين قالوا إن هوداً هو "عابر بن شالح بن أرفكشاد" جد اليهود، فذهبوا إلى أن هوداً لم يكن اسم رجل، و إنما هو اسم جماعة من اليهود هاجرت إلى بلاد العرب، وأقامت في الأحقاف، وحاولت تهويد الوثنيين، وعرفوا بيهوذا، ومنها جاءت كلمة "هود"، و أنها استعملت من باب التجوز علماً لشخص. وزعم الرواة أن هوداً ارتحل هو ومن معه من المؤمنين بعد النكبة التي حلت بقومه الكافرين من أرض عاد إلى الشحر. فلما مات دفن بأرض حضرموت. ويدعي الرواة انه قبر في واد يقال له "وادي برهوت" غير بعيد عن "بئر برهوت" التي تقع في الوادي الرئيسي للسبعة الأودية. وهي من الآبار القديمة التي اشتهرت في الجاهلية بكونها شر بئر في الأرض، ماؤها أسود منتن، تتصاعد من جوفها صيحات مزعجة، وتخرج منها روائح كريهة، ولذلك تصور الناس أنها موضع تتعذب أرواح الكفار فيه. ويذهب السياح الذين زاروا هذا المكان ودرسوه إلى انه موضع بركان قديم، يظهر أنه انفجر، فاًهلك من كان حوله. ويؤيد هذا الرأي ما ورد في الكتب العربية من أنه كان يسمع لهذا المكان أصوات كالرعد من مسافات، وانه كان يقذف ألواناً من الحمم يسمع لها أزيز راعب. ومن هنا نشأت قصة قبر هود، وعذاب عاد في هذا الموضع، على رأي المستشرق "فون كريمر". ولا يزال هذا الموضع الذي يقال له "قبر هود"، يزار حتى الآن، يقصده الناس من أماكن بعيدة في اليوم الحادي عشر من شعبان للزيارة، وربما كان من الأماكن التي كان يقدسها الجاهليون. وفي هذه المناطق آثار مدن بائدة، وقرى جاهلية، وتشاهد كهوف ومغاور على حافتي الوادي، وكتابات وصور منقوشة على الصخور تسل كلها على أنها كانت من المناطق المأهولة، وأنها تركت لسبب آفات وكوارث طبيعية نزلت بهذه الديار. ورأى نفر من المستشرقين أن هذا المكان الذي فيه قبر "هود" هو الموضع الذي سماه الكتاّب اليونان Styx أو Stygis ، والذي زعم الرومان أن قبيلتين من قبائل جزيرة "اقريطش" "كريت" وهما قبيلة Minos و "رودومانتس" Rhodomantys تركتا موطنهما الأصلي، وارتحلتا إلى هذا المكان الذي ضم مئات من القبائل العربية، فكانتا من أقواها. وقد سكنتا في رأيهم، على مقربة من موضع سماه "بلينيوس" Stygis Aguniae Fossa. أما الأخباريون الذين زعموا أن "هوداً" اعتزل قومه بعد يأسه من قبول دعوته، وأنه ذهب مع من آمن به إلى مكة، فقد ذهبوا إلى أنه عاش فيها أمداً، ثم مات هناك، فقبره بمكة مع قبور ثمانية وتسعين نبياً من الأنبياء. وذكر جماعة أنه بدمشق في المسجد الأموي. ولعل القصص الوارد عن "دمشق"، وأنها "إرم ذات العماد" هو الذي أوحى. إلى هؤلاء فكرة جعل قبر "هود" بدمشق. ومهما يكن من شيء فإن هناك جماعة من أهل الأخبار قبرت بعض الأنبياء في هذه المدينة، واختارت المسجد الأموي نفسه مقبرة لهم. ولعل ذلك بسبب أن هذا المسجد كان كنيسة معظمة قديمة عند أهل دمشق قبل دخولهم في الإسلام، وكان قد قبر فيها جماعة من قدّيسيهم ورجال دينهم، فلما تحولت الكنيسة إلى جامع تحولت قبور هؤلاء بعواطف الناس القديمة إلى قبور أنبياء. وقد ظهر مثل هذه الروايات التي تمجد الجامع الأموي في الوقت الذي تحصن فيه "ابن الزبير" بمكة، وتحزب أهل الحجاز على الأموبين.

وقد اتخذ القحطانيون هوداً جداً من أجدادهم، وألحقوا نسبهم به، وتفاخروا به. فعلوا ذلك بدافع العصبية والمفاخرة على العدنانيين الذين كانوا يقولون إن فيهم الأنبياء، ولم يكن في قحطان نبي، فأوجد نساّبوهم نسباً يوصلهم إلى الأنبياء، كما أوجدوا لهم نسباً احتكر لهم العروبة، وجعلهم الأصل والعدنانيون من الطارئين عليهم، كما سيأتي الحديث عن ذلك. وإذا صح أن الشعر المنسوب إلى حسّان بن ثابت الذي افتخر فيه بانتسابه إلى "هود بن عابر"، وبأن قومه وهم من "قحطان" منهم، هو هذا الشاعر حقاً، يكون لدينا أول دليل يثبت أن هذا الانتساب كان معروفاً عند ظهور الإسلام. وأن أهل "يثرب"، وهم من الأوس والخزرج، وهم من قحطان في عرف النسّابين، كانوا قد انتسبوا أليه قبل الإسلام. أخذوا ذلك من اليهود النازلين بينهم، الذين كانوا يحاولون التقرب إلى أهل يثرب، للعيش مهم عيشة طيبة. فأشاعوا بين الناس أن "عايراً"، وهو جد العبرانيين، ووالد ولدين هما "فالغ" و "يقطان" كان جدّهم وجد أهل يثرب، لأن أصلهم من يقطان، وأن علاقتهم لذلك بهم هي علاقة أبناء عمّ بأبناء عم. ولما نزل الوحي بخبر "هود"، وتفاخر المكّيون على أهل يثرب بالإسلام، استعار أهل يثر ب "هوداً"، وصيروه "قحطاناً"، أو ابناً له، وانتسبوا اليه، ليظهروا بذلك انهم كانوا أيضاً من نسل نبي، وان نبوءة قديمة كانت فيهم، وقد كان "حسّان بن ثابت" من المتعصبين للأزد قوم أهل يثرب، والأزد من قحطان بر وكان من المتباهين بيمن و قحطان.

لقمان

ومن قبائل عاد قبيلة كان فيها "لقمان" الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وفي الشعر الجاهلي وفي القصص. وقد ضرب به المثل بطول العمر، فعدّ في طليعة المعمرين، وعدّه "أبو حاتم السجستاني" ثاني المُعَمّرين فيَ العالم بعد الخضر. وقد كان عرب الجاهلية يعرفون قصص "لقمان"، وكانوا يصفونه بالحكمة. وقدُ وصف في القرآن الكريم بهذه الصفة: )ولقد آتينا لقمان الحكمة(. ولهذا السبب عرف بين الناس وفي الكتب ب "لقمان الحكيم". وذكر عنه انه كان "حكيماً عالما بعلم الأبدان والأزمان" وانه طلب من الله أن يعمّر طويلا فأًعطاه طلبه: و عُمرّ عمر سبعة أنسر، وذكر الأخباريون أن آخر نسي أدركه، وهلك بهلاكه اسمه "لبد". قالوا واليه يشير "النابغة" بقوله: أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أحنى على لـبـد

وقد أكثرت العرب في صفة طول عمر النسر، وضربت به الأمثال. وبلبد، وبصحة بدن الغراب. وذكروا في ذلك شعراً، منه ما نسب إلى "الخارجي" في طول عمر "معاذ بن مسلم بن رجاء"، مولى القعقاع بن حكيم: يا نسر لقمان، كم تعيش، كـم تلبس ثوب الحياة يا لُـبَـدُ ? قد أصبحت دار حْمَيرٍ خربت وأنت فيها كـأنـك الـوتـدُ تسأل غِرْبانها إذا حَـجَـلـتْ كيف يكون الصداع والرّمدُ ? ويذكر أهل الأخبار إن "لقمان" قد عرف لذلك ب "لقمان النسور"، لأنه عمّر عمر سبعة نسور. وذكر بعض، أهل الأخبار انه عمّر مائة وخمسين سنة، وانه لما مات قبر بحضرموت، أو بالحجر من مكة. وهو عمر لا يتناسب مع ما يذكره أهل الأخبار من طوله، ومن انه يعادل عمر سبعة نسور. أما "السجستاني"، فجعل عمره خمسمائة سنة وستين. وهو عمر أخذه من عمر النسور المذكورة، اذ عاش كل نسر ثمانين عاماً، والعدد المذكور هو مجموع عمر تلك النسور السبعة. غير إن من الأخباريين من أعطاه عمراً قدره بثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. وهو عمر يؤهله ولا شك لأن يكون في عداد المعمرين. وقد ورد اسم لقمان على انه اسم خّمار في شعر منسوب للنابغة حيث يقول: كأن مشعشعاً من خمر بصرى نمته البخت مشدود الـخـيام حملن قلاله مـن بـين رأس إلى لقمان في سوق مـقـام وجعلوا للقمان نسباً هو "لقمان بن عاد"، وصيروه "لقمان بن ناحور بن تارخ"، وهو "آزر" أبو "إبراهيم". وقال بعضهم: بل هو ابن أخت "أيوب"، أو ابن خالته، وجعله آخرون من حمير، فقالوا له: "لقمان الحميري"، وصره آخرون قاضياً من قضاة "بني إسرائيل". وقد اشتهر عند المسلمين بالقضاء، ويظهر أن هذا السبب هو الذي جعل الواقدي يقول: إنه كان قاضياً في بني إسرائيل. ولم يفطن الأخباريون إلى هذه الأخبار المتناقضة التي تخالف رواياتهم في عاد، وأنها من أمم العرب البائدة، إلا إذا جعلناه من الطارئين على قوم عاد الداخلين فيهم، فهو غريب بين قوم عاد. ويظهر من روايات أهل الأخبار، أن الأخباربين كانوا يرون وجود لقمان اخر، هو غير لقمان عاد. فقد زعموا أنه كان في عهد "داوود" لقمان، عرف ب "لقمان الحكيم". وقد نسبه بعضهم على هذا النحو: "لقمان بن عنقاد"، وقد زعم "المسعودي"، أنه كان نوبياً، وأنه كان مولى للقين ابن جسر، ولد على عشر سنين من ملك داوود، وكان عبداً صالحاً، منّ اللهُ عليه بالحكمة، ولم يزل باقياً في الأرض مظهراً للحكمة في هذا العالم إلى أيام يونس بن متي حين أرسل إلى أرض نينوى في بلاد الموصل.

وهنالك من فرَق بين "لقمان بن عاد" وبين "لقمان" المذكور في القرآن، قال الجاحظ: "وكانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد الأكبر والأصغر، ولقيم بن لقمان في النباهة والقدر وفي العلم والحكم، في اللسان وفي الحلم، وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسرون". وقد أورد الجاحظ جملة أبيات للنمر بن تولب في لقمان ولقيم. وقد ذكر الجاحظ أنه كانت للقمان أخت محمقة ؛ تلد أولادا حمقى، فذهبت إلى زوجة لقمان، وطلبت منها أن تنام في فراشها حتى يتصل بها لقمان، فتلد منه ولداً كيساً على شاكلته، فوقع عليها فأحبلها ب "لقيم" الذي أشرت إليه، فهو ابن لقمان أذن من أخته. وقد أورد الجاحظ في ذلك شعراً جاء به على لسان الشاعر المذكور، أي: "النمر بن تولب"، زعم أنه نظمه في هذه القصة. وزعم الجاحظ أيضاً أن لقمان قتل ابنته "صُحرا" أخت "لقيم"، وذلك أنه كان قد تزوج عدة نساء كلهّن خنّه في أنفسهن، فلما قتل أخراهن ونزل من الجبل، كان أول من تلقاه "صُحرا" ابنته فوثب عليها فقتلها، وقال: "وأنت أيضاً امرأة". وكان قد ابتلي بأخته على نحو ما ذكرت، فاستاء من النساء. وضربت العرب في ذلك المثل بقتل لقمان ابنته صُحرا، وقد أشير إلى ذلك في شعر ل "خفاف بن ندبة". وقد أشير إلى "حي لقمان" في شعر لأبي الطحان القيني، كما أشير أليه في شعر ينسب إلى "لبيد بن ربيعة الجعفري". وفي شعر للفرزدق، وفي شعر لبنت وثيمة بن عثمان ترثي به أباها. وأضافوا إلى "لقمان" أمثالا كثيرة نسبت أليه في الإسلام، ولم تكن معروفة في الجاهلية. ونسب أليه بعض الأخباريين الميل إلى إنشاء المدن والبناء، وضربوا به أيضاً المثل في كثرة الأكل، فقالوا: "آكل من لقمان". وزعم "وهبه بن منبّه" انه قرأ من حكمة "لقمان" نحواً من عشرة آلاف باب، وزعم الرواة إن عرب الجاهلية كانت عندهم "مجلة لقمان"، وفيها الحكمة والعلم والأمثلة، وان جماعة منهم كانوا قد قرأوها وامتلكوها، ذكروا من جملتهم "سُوَيْد بن الصامت". وقد رووا انه كان يقرأها، وانه أخبر الرسول بها لما قدم عليه. وقد جمع الناس، فيما بعد، حكمته وأمثاله والقصص المروي عنه، ويشبه ما نسب أليه المنسوب إلى "ايسوب" Aesop صاحب الأساطير والحِكَم والأمثال الموضوعة على لسان الحيوانات عند اليونان. وبالغوا في حكمته وفي علمه حتى زعم انه كان يدرك من الأشياء ما يعجز عن إدراكه الإنسان السوي.. وضرب المثل في أيساره، وعظم أمره، حتى قيل "أيسار لقمان"، كالذي ورد في شعر "طرفة"، وورد في الأخبار: "إذا شرف الأيسار، وعظم أمرهم قيل: هم أيسار لقمان. يعنون لقمان بن عاد". واستشهدوا على ذلك ببيت طرفة: وُهم أيسارُ لقـمـانٍ، إذا أغلت الشتوةُ أبْداء الجُزُرْ وقد زعم أن "زرقاء اليمامة"، التي اشتهرت بحدة بصرها وقوة رؤيتها حتى أنها كانت ترى من مسرة ثلاثة أيام، كانت امرأة من بنات لقمان بن عاد، وكانت ملكة اليمامة واليمامة أسمها، فسيمت الأرض باسمها. وقد زعم أن النابغة الذبياني أشار إليها في شعره. وقد ورد في بعض الأشعار "لقمان بن عاد"0 إذ جاء: تراه يطوف الآفاق حرصاً ليأكل رأس لقمان بن عاد وهناك أمثلة عديدة ينسبها الرواة إلى "احدى حظيات لقمان"، ووردت على لسانها وعلى لسان لقمان وعلى لسان فتى اسمه عمرو. وقد زعم بعض أهل الأخبار إن لقمان بن عاد، هو الذي بنى سدّ مأرب، وأن مأرب اسم قبيلة من عاد، وقد سمي باسمها هذا الموضع. لم يبق بعد هلاك عاد الأولى، على رأي أهل الأخبار إلا هود ونفر ممن آمن به والوفد الذي سار إلى مكة للاستسقاء، وفيهم لقمان وكان من أكابر العاديين. فأنشأ هؤلاء عاداً الثانية، وخالف لقمان "الخلجان" ملك عاد الأولى، الذي خالف هوداً، فهلك. وخاف العاديون انحباس المطر والجفاف، فارتحلوا إلى أرض سبأ، وبنى لقمان سد "العرم" قرب مأرب، وبقيت عاد الثانية قائمة، إلى أن تغلبت عليها قبائل قحطان، ثم انقرضت وبادت. ويذكر أهل الأخبار إن عاداً لما رأوا انحباس المطر عنهم، أرسلوا وفداً، بلغ سبعين رجلاَ في قول بعض الرواة، إلى مكة يستسقون، وكان أصحابها هم العمالقة يومئذ، ورئيسهم "معاوية بن بكر"، فأكرمهم وأضافهم، وأقاموا عنده شهراً: يشربون الخمر وتغنيهم "الجرادتان" وما قينتان لمعاوية بن بكر، وفي الوفد المذكور لقمان. ونسوا أنفسهم هناك، ولم يفطنوا لما جاؤوا أليه، إلا بعد أن ذكرتهم "الجرادتان" بما جاؤوا به إليها، فاستسقوا، فأرسل الله عليهم ريحاً عاتية، أهلكت عاداً في ديارها، ودمرت كل شيء، فهلكت، ولم يبق من عاد إلا من كان خارج أرضهم بمكة، وهم من "آل لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر"، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد. وقد ذكر المؤرخون وأصحاب الأخبار أن "عاداً" تعبدوا لأصنام ثلاثة، يقال لأحدها: صداء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء. ولم نعثر على أسماء هذه الأصنام حتى الآن في الكتابات. وكان هلاك "عاد" واندثارهم بسبب انحباس المطر عنهم سنين ثلاثاً، أعقبه هبوب رياح عاتية شديدة استمرت )سبع ليال وثمانية أيام حسوماً( فهلك الناس واقتلعتهم الرياح وصارت ترميهم من شدتها، )كأنهم أعجاز نخل منقعر(. )فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية( وخلت ديارهم منهم، وصارت أماكنهم أثراً. ويجمع أهل الأخبار على أن هلاك عاد، إنما كان بفعل عوارض طبيعية نزلت بهم فأهلكتهم، وهي على اختلاف رواياتهم في وصفها وفي شرحها، انحباس الأمطار عنهم، وهبوب رياح شديدة عاتية عليهم. وقد تحدث المفسرون عنها لورود ذكرها في القرآن الكريم. وروي أن النبي أشار إلى أن هلاكهم وهلاك ثمود كان بالصواعق، والصواعق من العوارض الطبيعية بالطبع. ويرجع قسط من أخبار "عاد" إلى الجاهليين، فهو من القصص الشعبي القديم الموروث عنهم، ويعود قسط آخر منه إلى الإسلاميين، وهو القسط الذي جاء شرحاً لما جاء موجزاً في القرآن الكريم، ويرجع بعضه إلى "الحارث بن حسان البكري" و "الحارث بن يزيد البكري"، وتزعم رواية وردت في تأريخ الطبري أنه قص على الرسول قصصاً عن أمر "عاد"، ويرجع بعض آخر إلى "كعب الأحبار" وإلى "وهب بن منبه"، وهما من مسلمة يهود، وإلى "السّدّى"، وإلى أشخاص آخرين تجد ذكرهم في سند الروايات المذكورة عند "محمد بن اسحاق" صاحب السيرة، وعند الطبري وعند آخرين من أهل الأخبار والتواريخ ممن ساروا على طريقة ذكر المسند مع الروايات.

ويظهر أن كثيراً من أخبار "عاد" وضعت في أيام "معاوية" الذي كان له ولع خاص بأخبار الماضين، فجمع في قصره جماعة اشتهرت بروايتها هذا النوع من القصص، وفي مقدمة هؤلاء "عُبَيْد بن شَريْة الجُرْهُمي" و "كعب الأحبار". ويذكر بعض أهل الأخبار أن رجلاً قصّ في أيام معاوية، أن إبلا له ظلت في تيه أيمن، وهو غائط بين حضرموت وأبن، فالتقطها من هناك، ووجد فيه موضع "إرم ذات العماد"، ووصف أبنيته العجيبة، وهذا الرجل هو في جملة من موّن العاشقين للأساطير بأخبار عاد. وقد ذكر الطبري أن "وهب بن منبه"، قصّ أنه سمع من رجل اسمه "عبد الله بن قلابة" أن إبلاّ له كانت قد شردت، فأخذ يتعقبها، فبينما هو في صحارى "عدن"، وقف على موضع "إرم ذات العماد"، وقد وصف ذلك الموضع على النحو المالوف عن "وهب"، من إغراقه في الأساطير وفي القصص الخيالي البعيد عن العقل. ثمود ويرد اسم ثمود في الكتب العربية مقروناً باسم "عاد"، وبعد هذا الاسم في الغالب، والروايات العربية الواردة عنهم لا تعرف من تأريخهم شيئاً، إنما روت عنهم قصصاً أوردتها لمناسبة ما ذكر عنهم في القرآن الكريم على سبيل العظة والاعتبار والتذكير. وقد وردت إشارات عنهم في الشعر الجاهلي. وجاء اسم "ثمود" في مواضع عديدة من القرآن الكريم، جاء منفرداً، وجاء مقروناً باسم شعوب أخرى مثل قوم "نوح" وقوم "عاد"، فبدأ بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود. وجاء مع ثمود في موضعين "أصحاب الرسّ"، جاءوا بعد "ثمود" كما جاء اسمهم قبل "ثمود". وورد أيضاً ذكر قوم "لوط" و "أصحاب الأيكة"، وقد تقدم في هذا الموضع اسم "ثمود"، ودعت الآية أولئك: )الأحزاب(، كما ورد ذكر "ثمود" مع "عاد". وقد تقدم اسم "عاد" على ثمود إلا في آية واحدة تقدم فيها اسم ثمود على اسم "عاد": )كذبت ثمود وعاد بالقارعة(، وورد اسم "ثمود" في آيات أخرى من القرآن الكريم. وقد ذكر الطبري إن شعراء الجاهلية ذكرت في شعرها عاداً وثمود، وان أمرهما كان معروفاً عند العرب في الشهرة قبل الإسلام، وأن من يظن أن الجاهليين لم يكونوا يعرفون عاداً أو ثموداً فإنه على وهم وخطا. ويظهر من ورود ذكر "ثمود" في مواضع متعددة من القوآن، لتهيب "الكفار" من العاقبة التي آلت إليها حالة "ثمود" بعد أن استحبّوا العمى على الهدى، واستمروا بطغواهم كما استمر طغيان "فرعون" وقوم "مدين" وغيرهم ممن ذكرناهم، أن الجاهليين كانوا يعلمون مصير ثمود ومصير عاد الذي كان من نوع مصير ثمود، وأنهم كانوا يعرفون منازلهم كالذي يظهر بجلاء من الآية: )وعاداً وثموداً وقد تبين لكم من مساكنهم( معرفة جيدة، ولم يعين القرآن الكرم موضع منازل "ثمود"، وإنما يظهر من آية: )وثمود الذين جابوا الصخر بالواد(، أن مواضعهم كانت في مناطق جبلية، أو في هضاب ذات صخور. وقد ذكر المفسرون إن معنى "جابوا الصخر" قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً، وأن "الواد" هو وادي القرى. فتكون مواضع ثمود في هذه الأماكن. وقد عين أكثر الرواة "الحجر" على أنه ديار ثمود، وهو قرية بوادي القرى. وقد زارها بعض الجغرافيين وعلماء البلدان والسياّح، وذكروا أن بها بئرا تسمى بئر "ثمود"، وقد نزل بها الرسول مع أصحابه في غزوة "تبوك". وقد ذكر السعودي أن منازلهم كانت بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بفج الناقة، وأن بيوتهم منحوتة في الجبال، وأن رممهم كانت في أيامه باقية، وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاج لمن ورد الشام بالقرب من وادي القرى. وينسب النسابون ثمود إلى "ثمود بن جاثر أو كاثر بن إرم بن سام بن نوح"، ويكتفي بعضهم بإرجاع نسبهم إلى عاد، فيقولون عنهم إِنهم من بقية عاد. وينسبهم بعض آخر إلى "عابر بن إرم بن سام بن نوح"، وزعموا أن ثمود هو أخو جديس. وقد استطاع المستشرقون التعرف على الثموديين من الكتابات والمؤلفات "الكلاسيكية"، فوجدوا اسم ثمود في النصوص الآشورية: وجدوه في نص من نصوص "سرجون الثاني"، مع أسماء شعوب أخرى سوف أتحدث عنها. وقد دعوا ب "Tamudi" "Thamudi" وذلك بمناسبة معركة جرت بين الآشوريين وبين هذه الشعوب، انتصر فيها الآشوريون، كما وجدوه في النصوص و الكتابات الثمودية، مواضع متعددة من جزيرة العرب، وفي النصوص "الكلاسيكية" حيث عرفوا باسم "Thamudeni" "Thamudenoi" "Thamydenoi" "Thamyditai".

ولقد وصف مؤلف كتاب: "الطواف حول البحر الإريتري" مواضع الثمودين "Thamudeni" مستنداً إلى مورد آخر، اْخذ منه، أقدم عهداً منه. فذكر "أن ""Thamudeni"، كانوا يقيمون على ساحل صخري طويل، لا يصلح لسير السفن، وليست فيه خلجان تستطيع أن تأوي أليه القوارب فتحتمي بها من الرياح، ولا ميناء تتمكن من الرسو فيه، ولا موضع أو جزر عنده تقبل أليه القوارب الهاربة من الأخطار. فيظهر من وصف هذا المؤلف أن مواطن ثمود كانت في الحجاز على ساحل البحر الأحمر. وقد ذكر هذا الوصف، ولكن بشيء من التحوير "ديودورس". وأما "بلينيوس"، فذكر "Thamudaei" بين "Domata" "Haegra" مدينة دعاها "Badanatha" "Baclanza". وأما "بطلميوس"، فقد جعل قوم ثمود ""Thamuditae"" ""Thamudeni"" بين ا ل "Sarakenoi" و بين "Apatae" ويظهر من كل ذلك أن ديارهم في شمال غربي "العربية السعيدة"، أي في المواضع التي عينتها المصادر العربية.

يظهر من جغرافية "بطلميوس" اذن، أن ديار ثمود كانت غير بعيدة عن ديار "عاد"، ليس بينهما وبين ديار عاد "Oaditae" إلا ديار "سره كيني" "Sarakeni" وكلها في أعالي الحجاز في هذه المنطقة الجبلية التي تخترقها الطرق التجارية التي توصل الشام ومصر بالحجاز واليمن. وفي هذا تأييد للروايات العربية القائلة إن ديار ثمود كانت على مقربة من ديار عاد. فإذا كانت "الحجر" وما والاها هي مواطن ثمود: وجب أن تكون ديار "عاد" على مقربة من هذه ا لمواضع. وأما تأريخ قوم "ثمود"، فيه ود إلى ما قبل الميلاد بزمان. وقد ذكرتُ قبل قليل أنهم كانوا في جملة الشعوب التي حاربت الآشوريين في عهد "سرجون الثاني"، وقد ذكر هذا الملك في النصوص التأريخية التي سجلها، أنه تغلب عليهم، وانه أجلاهم من مواطنهم إلى "السامرة" "Samaria". ولم يكن أولئك الثموديون الذين حاربوه من أبناء الساعة، بل لا بد أن يكون لهم أسلاف عاشوا قبلهم عدة قرون. وقد عرفت المنطقة التي حارب بها قوم ثمود والشعوب الأخرى الآشوريين باسم "بري" "Bari"، ويظهر أنها تعني لفظة "بر" و "برية" العربية، أي "البادية" فحرّفت إلى "بري" على وفق الآشوري. ويرى بعض الباحثين أن آخر ذكر ورد في الوثائق لقوم "ثمود" كان في القرن الخامس للميلاد " حيث ورد أن قوماً منهم كانوا فرساناً في جيش الروم. وقد كان الثموديون يقطنون بعد الميلاد في مواطنهم المذكورة في أعالي الحجاز في "دومة الجندل" و "الحجر" وفي غرب "تيماء". وقد ذكر أنهم كانوا يمتلكون في منتصف القرن الثاني للميلاد حَرّتَيْ "العوارض" و "الأرحاء". ويرى "دوتي" أن "الحجر" التي سكن بها قوم ثمود، هي موضع "الخريبة" في الزمن الحاضهر، لا "مدائن صالح" التي هي في نظره "حجر" النبط. وتقع "مدائن صالح"، وهي عاصمة النبط، على مسافة عشرة أميال من موضع"الخريبة". ولم يرد في الموارد العربية الإسلامية، ما يفيد وجود قبائل ثمودية قبيل الإسلام، أو في الإسلام، غير ما ذكره بعضهم من نسب "ثقيف" الذي رجعوه إلى ثمود؛ ولكن ذلك لم يرض الثقفين. فقد كان الحجاج بن يوسف يكذب ذلك، والظاهر أن أعداء ثقيف ولا سيما معارضي الحجاج وضعوا ذلك على ثقيف بغضاً للحجاج، الذي كان قاسياً عاتيا شديداً. وقد روى "دوتي" أن بدو نجد يذكرون أن قبيلة "بني هلال" هي من نسل عاد وثمود. % ونجد في كتاب: "Mission archeologique en Arabie" لمؤلفيه "Jaussen" "Savignac"، عدداً من الكتابات الثمودية، عثرا عليها في "العلا" وفي مواضع أخرى من الأرضين التي هي اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية وفي أعالي الحجاز من المملكة العربية السعودية، كما عثر غيرهما قبلهما وبعدهما على عدد آخر، أغلبه من هذه للكتابات القصيرة، التي كتبت على مختلف الأحجار، بالمناسبات، مثل تذكّر شخص،أو تسجيل الهمم لمناسبة وجود صاحبه في هذا المكان، كما يفعل كثير من الناس في أيامنا.

وتمكن "لانكستر هاردنك" محافظ مديرية الآثار العتيقة في المملكة الأردنية الهاشمية من تصوير ما يزيد على خمسمائة كتابة ثمودية أرسلها إلى المستشرق "أنوليتمان"، يعود بعضها إلى ما قبل الميلاد، ويعود قسم منها إلى ما بعد الميلاد، ومن بينها نص أرخ بسنة "267" للميلاد، ونص آخر رسمت فيه دائرة في داخلها صورة تشبه الصليب، وكتابة قرأها المستشرق "أنوليتمان": "يشوعة" أو "ليشوعة"، أي "ليسوع"،وهو النصر الذي رُقم ب "476". والظاهر إن صاحبه كتبه تيمناً باسم المسيح، ولا يعرف تأريخه بالضبط. ويعتقد "ليتمان" انه أقدم شاهد عرف حتى ألان عن انتشار النصرانية في شمال جزيرة العرب. وقد قراها المستشرق "فان دين برندن": "بوايوب" أي "لأيوب"، أو "بأيوب"،أو "أبوب".وبالجملة فان العلماء لم يتمكنوا من ترجمة تلك الكتابات ترجمة صحيحة حتى الآن. وفي المتاحف الأوروبية وفي مكتبات بعض الجامعات وفي أوراق المستشرقين مجموعة من النصوص الثمودية، جميعها في أمور شخصية وفي موضوعات دينية وأدعية لآلهة ثمود. وأما المناطق التي وجدت فيها هذه النصوص، أو أخذت صورها، فهي مناطق "حائل" بنجد، وأرض "تبوك" وتيماء ومدائن صالح والسلاسل الجبلية الممتدة بين هذه المنطقة والحجاز، وعثر في الطائف على بعض النصوص الثمودية أيضاً وفي السواحل الحجازية الشمالية للبحر الأحمر عند "الوجه" وفي "طور سيناء" وفي "الصفا" شرقي دمشق وفي مصر. وفي "الحرة" و "الرحبة" وفي شمال غربي تدمر. وقد عثر على نقوش ثمودية في اليمن، وبدل وجود هذه الكتابات هنالك على وجود صلات بين اليمن وثمود، ولعلهم كانوا يقيمون في اليمن كذلك. وقد عثرت البعثة المصرية التي زارت اليمن على مخربشات ثمودية في "حجر المعقاب" عند جبل "حليل" على مسافة ليست بعيدة من "بيت حميد" بوادي شرع بالخارد. ويشك المستشرق "هوبرت كريمه" "Hubert Grimme" في صحة نسبة كثير من هذه النصوص إلى ثمود، ويرى أنها لأناس غيرهم، إذ لا دليل علمياً هناك يثبت كون هذه النصوص تعود إلى هؤلاء. وهناك عدد غير قليل من هذه النصوص إلى ثمود، ويرى أنها لأناس غيرهم، إذ لا دليل علميا ًهناك يثبت كون هذه النصوص تعود إلى هؤلاء.

وهناك عدد غير قليل من النصوص الثمودية يعود عهدها إلى العهد النبطي، ويشغل حيزاً من الزمن يقع بين حوالي مئتي سنة قبل المسيح وثلاث مئة سنة بعده، وتمتزج في مثل هذه النصوص الثمودية بالنبطية، وقد عثر على بعض نصوص نبطية في الحجاز ظن أنها نصوص ثمودية، مثل نص: Hu.418 =Eu. 772 ، ونص آخر يعود إلى سنة 267 للميلاد. إلاّ أن هناك نصوصاً ثمودية يظهر عليها أثر عبادة "صلم" "Salm". وقد كانت "تيماء" من أهم الأماكن التي كانت تقدس هذا الإله حوالي سنة )650( ق. م.، ويرمز أهل تيماء إلى "صلم" برأس ثور، وقد وجد هذا الرمز على النقوش الثمودية، كما وجدت أسماء بعض الالهة التي كان يتعبد لها أهل تيماء منقوشة في النصوص الثمودية، مما يدل على أن قوم ثمود كانوا يتعبدون لها كذلك، وأن هنالك صلات ثقافية ودينية بين تيماء وثمود. ويرجح بعض الباحثين تأريخ عدد من الكتابات الثمودية إلى القرن السابع قبل الميلاد. وهناك كتابات يرون أنها أقدم عهداً من القرن السابع. غير أن أكثر ما عثر عليه يعود تاريخه إلى ما بعد الميلاد. وهى بالجملة في أمور شخصية، لا تفيد المؤرخ الذي يريد تدوين تأريخ "ثمود" فائدة كبيرة. ولكنها نافعة على كل حال من نواح أخرى، فهي تفيد اللغوي الذي يريد الوقوف على لغة الثموديين ومعرفة أسمائهم ولهجاتهم، وتفيد الباحثين في اللهجات العربية الجاهلية وفي الساميّات. والكتابات الثمودية في نظر الباحثين نوعان: كتابات قديمة وقد دونت بالقلم الثمودي القديم، وكتابات حديثة وقد كتبت بقلم ثمودي متطور تخلف أشكال حروفه ورسومها بعض الاختلاف عن القلم القديم. وللقلم الثمودي صلة بقلم "طور سيناء"، كما أن له علاقة بالقلم المسند. وتفيد دراسته من هذه الناحية في الوقوف على تأريخ تطور الكتابة في جزيرة العرب قبل الميلاد، وفي تطور الأقلام بوجه عام. ويلاحظ وجود بعض الخواص في الكتابات الثمودية التي عثر عليها في الحجاز، لا نجدها،أو قلما نجدها في كتابات ثمودية أخرى، عثر عليها في نجد وفي اليمن. ويعود سبب ذلك إلى تأثير البيئات، ولا شك، في هؤلاء الثموديين الذين تأثروا بلهجات جيرانهم و بثقافاتهم، فطهر ذلك الأثر في هذه الكتابات. ويظهر من الكتابات الثمودية أن قوم ثمود كانوا زُرّاعاً وأصحاب ماشية، وأنهم كانوا أقرب إلى الحضر، منهم إلى أهل الوبر، فقد كانت لهم مستوطنات ثابتة استقروا فيها، وكانت لهم معابد ثابتة أيضا، أي مبنية، وبينهم قوم اشتغلوا بالتجارة. ولعل الأيام ستجود علينا بكتابات ثمودية تتحدث عن أمور عامة، وعندئذ نستطيع أن نستنبط منها شيئا عن أحوالهم من مختلف الوجوه. ومن أصنام ثمود التي ورد ذكرها في كتاباتهم، الصنم "ودّ"، وهو من . الآلهة القديمة عند العرب. والصنم "جد - هد" أو "جد - هدد"، وله عندهم معابد وسدنة يخدمونه، ويعرف سادن الأصنام عندهم ب "قسو" أي "قس". عرفنا أسماء بعضهم، ومنهم السادن "ايليا" "ايلية". ويظهر انه كان من الآلهة العربية العتيقة، غير أن سعده أخذ في الأفول، فأخذت مكانه آلهة أخرى، ثم عفى أثره من الذاكرة، فلم يرد اسمه بين الأصنام التي كان يعبدها الجاهليون قبيل الإسلام. وقد بقيت مع ذلك أسماء مثل: "عبد جد" تشير إلى اسم الإلَه العربي القديم. و"شمس" و "مناف" و "مناة" و "كاهل" و "بعلة" "بعلت" و "بعل" و "يهو" و "رضو" أو "رضى"، هي أيضاً من أصنام ثمود، سأتحدث عنها كلها في أثناء بحثي في الديانة العربية قبل الإسلام. ومن بقية آلهة ثمود "عثيرت" "عثيرة"، و "وتن" "وت"، و "يثع" "سمع" و "سميع" و "هبل" و "سحر" و "سين" و "هم" و "تجن" و "يغوث" و "إلَه" و "ألى" و "إلهي" و "الت" و "اللآت" و "حول" "حويل" و "ذو شري" و "سمين" و "هلال" و "صلم" و "نهى" و "عثتر سمين" و "كاهل" "كهل"، و "ملك" و "مالك"، و "هادي" "هدى"، و "بحل"، و "رتل"، و "هيّج"، و "شوع"، و"ستار"، و "ظفت"، و "سعى"، و "غم"، و "عسى"، و "عسحرد"، و "عثير"، و "عطير"، و "تجر"، و "دبر". وبعض هذه الأسماء ليست في الواقع أسماء آلهة، وإنما هي من قبيل ما يقال له "الأسماء الحسنى" عندنا أو صفات الله، فلفظة "سمع" مثلاً، وهي بمعنى "ير" أو "السميع" في عربيتنا ليست اسم إله معين، إنما هي صفة للإله، بمعنى أن الإله هو سميع يسمع دعوات الداعين. ولذلك يخاطبه المؤمنون ويقولون له "سمع" "يا سميع"، ليسمع دعاءهم وليجيب طلباتهم، وهناك ألفاظ أخرى هي من هذا القبيل. ووصلت ألينا أسماء ثمودية كثيرة، مثل: "اوس" و "سد" و "عفير" و "وائل" و "بارح" و "كربال" "كرب إيل" و "عش" "عاثش" و "مالك" "ملك" و "عذرال" "عذرايل"، و "عوذ"، و "أسعد"، و "عياش"، و "إياس"، و "قيس بن وائل" "قس بن وال" وغيرها، مما يخرجنا ذكرها عما نحن فيه. وهي أسماء لا يزال بعضها مستعملاً. ويلاحظ أن بعض هذه الأسماء مثل "كرب ال" و "عذرال"، وما شاكله، قلّ استعمالها عند العرب قبيل الإسلام، بينما كانت من الأسماء الشائعة في الجاهلية البعيدة عن الإسلام، ولا سيما بين الجاهليين في العربية الجنوبية، حيث ترد بكثرة في كتابات المسند. ويرى "برو" Brau أن ثمودا أصيبوا بكارثة عظيمة، من ثوران براكين أو هزات أرضية، بدليل ورود كلمة "رجفة" وكلمة "صيحة" في القرآن الكريم، وذلك محتمل جدا، لأن البقاع التي كانوا يقطنونها هي من مناطق ا لحرار. ويشبه مصير "عاد" و "ثمود" مصير "سدوم" "Sodom" وعمورة "جمورة" "كمورة" "Gomorrah" وبقية مدن الدائرة في عمق السديم التي تقع - على رأي كثير من علماء التوراة - في جنوب البحر الميت، فقد لأقت هذه المدن، وهي خمس على سهل "دائرة الأردن" المصير الذي لقيه قوم عاد وثمود، حيث أرسل الله عليهم عذاباً "فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من عند الرب من السماء، وقلب تلك المدن كل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض". وأصحاب هذه المدن هم: قوم "Lot" "لوت". و "لوت" هو "لوط" المذكور في القرآن الكريم. وقد رأيت أن القرآن الكريم قد أشار إلى مصير "قوم لوط"، وأطلق على ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة "الأحزاب". )ثمود وقوم لوط و أصحاب الأيكة أولئك الأحزاب(. وقد تعرض المفسرون لقوم "لوط" وما حل بهم من العذاب، وبحث عنهم أهل الأخبار والتأريخ، باعتبار أن أخبارهم هي صفحة من صفحات التأريخ القديم العام قبل الإسلام. وفي الرواية التي ذكرها "الطبري" في تأريخه عنهم، وسندها مرفوع إلى "محمد بن كعب القَرظَمي" ذكر للقرى الخمس الواقعة حول "سهل دائرة الأردن"، وقد دعاها ب "المؤتفكات" المأخوذة من القرآن الكريم من )والمؤتفكة أهوى(، وهي: صبعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، بحسب رواية الطبري هذه. وفي هذه الأسماء تحريف وتغيير في الترتيب الذي وردت به في التوراة، إذ هي فيها على هذا الشكل: سدوم "Sodom" و "عمورة" "Gomorrah" و "أدمة" "Admah" و "صبوبيم" "Zeboim" و "بالع" "Bela"وتسمى أيضاً ب "صوغر" "Zoar". وقد نبه القرآن قريشاً إلى مصير يشبه مصهر "ثمود"، إذ كفروا بنبوة نبيهم "صالح"، وعقروا "الناقة" التي أرسلت لهم إية تحذرهم من عاقبة كفرهم ومن استمرارهم في تكذيبهم نبوة نبيهم. فلما استمروا في غيهم وضلالهم، أرسل الله عليهم "الصيحة"، فأهلكتهم، ورجفت الأرض بهم، فلم يبق من كفّارهم على الأرض إلا رجل واحد، هو "أبو رغال" كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله.

ويذكر أهل الأخبار أنّ رسول الله لما غزا غزاة تبوك، نزل "الحجر"، ونهى الناس من دخول القربة، ومن شرب مائها، وأراهم مرتقى الفصيل. والقرية المذكورة هي "الحجر"، وهي "قرية ثمود"1. وقد ورد في شعر "حسان بن ثابت": "أشقى ثمود"، وقد ذكر الشرّاح أنه "قدار بن سالف أحيمر ثمود"، وهو عاقر ناقة صالح. وهكذا نجد لثمود "أحيمراً" على نحو ما وجدنا عند عاد. ويرجع سند روايات "الطبري" عن ثمود إلى "الحسن بن يحيى"، ويتصل سنده ب "أبي الطفيل"، وإلى "القاسم"، وينتهي سنده إلى "عمرو بن خارجة"، و "ابن جريج" عن جابر بن عبد الله و "إسماعيل بن المتوكل الأشجعي" وينتهي سنده ب "عبد الله بن عثمان بن خثتم" عن "أبي الطفيل". وتفيدنا دراسة هذه الأسانيد وأمثالها فائدة كبيرة في الوصول إلى معرفة الموارد التي أمدَت الأخباريين بأمثال هذه الأخبار.

طسم وجديس

وساق الأخباريون نسب "طَسْم" على هذه الصورة: "طسم بن لاوذ بن إرم" أو "طسمم بن لاوذ بن سام"، أو "طسم بن كاثر"، أو ما شابه ذلك من نسب. ونحن لا نعرف الآن من أمرهم غير ما ورد من القصص المدون في الكتب، ولم يرد لهم ذكر في القرآن الكريم. وقد جعلهم بعض أهل الأخبار من أهل الزمان الأول، أو من عاده.

وقد شكَّ حتى الأخباريون في الأخبار المنسوبة إلى "طسم"، إذ اعتبروها أخباراً موضوعة، فقال بعضهم: "وأحاديث طسم: يقال لما لا أصل له. تقول لمن يخبرك بما لا أصل له: أحاديث طسم وأحلامها، وطسم إحدى قبائل العرب للبائدة".

أما مواطن طسم، فكانت الإمة، وعند بعضهم الأحقاف والبحرين. وقد زعم الأخباريون أن طسماً وجديساً سكنتا اليمامة معاً، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها، ثم انتهى الملك إلى رجل ظالم غشوم من "طسم" يقال له "عمليق" أو "عملوق" إستذّل جديساً، وأهانها، فثارت جديس وقتلت عمليقاً ومن كان معه من حاشيته، واستعانت طسم ب "حسّان بن تبع" من تبابعة اليمن، فوقعت حرب أهلكت طسماً وجديساً، و بقيت اليمامة خالية، فحل بها "بنو حنيفة" الذين كانوا بها عند ظهور الإسلام.

وذهب نفر من المستشرقين إلى أن طسماً من الشعوب الخرافية التي ابتدعها الأخباريون، غير أنه لا يستبعد أن يأتي يوم قد يعثر فيه على أخبار هؤلاء القوم وعلى اسمهم في الكتابات. وقد وردت في نص يوناني عثر عليه في "صلخد" ويعود تأريخه إلى سنة "322 م" جملة "أنعم طسم"، فلا يستبعد أن يأتي اليوم الذي نقرأ فيه نصوصاً تعود إلى طسم.

ويروي أهل الأخبار ان "الأسود بن رباح"، وهو قاتل عمليق، هرب بعد ذلك من اليمامة إلى جبلي طيء، فأقام بهما إلى أن جاءت طيء، وأمر سيدهم "سامة بن لؤي" ابنه الغوث أن يقتل الأسود، بعد أن رأوا ضخامة جسمه بالنسبة إلى أجسامهم، وخافوا منه، فجاء أليه الغوث، ثم أخذ يكلمه، ثم باغته بان رماه بسهم قتله، واستقرت طيء بالجبلين.

وذهب "جرجي زيدان" إلى أن "طسماً" هي "لطوشيم"، وهي قبيلة من العرب ورد اسمها في للتوراة على أنها من نسل "ددان بن يقشان" وورد معها اسم قبيلة أخرى من قبائل "ددان" دعيت ب "Leummim" "لاميم"، يرى زيدان أنها "أميم".

ونسب الأخباريون إلى طسم صنماً سموه "كثرى"، لعله الصنم "كثرى" الذي أدرك الإسلام، فحُطم مع الأصنام الأخرى التي أمر الرسول بتحطيمها تخلصاً من عبادة الأصنام، فحطمت أينما وجدت، وقد حطم الصنم "كثرى" "نهشل بن الربيس بن عرعرة"، ولحق بالنبي. وقد ضرب أهل الأخبار المثل ب "كلب طسم". وذكروا قصته على هذا النحو: كان لرجل من طسم كلب، وكان يسقيه اللبن ويطعمه اللحم ويسمنه، يرجو أن يصيب به خيراً ويحرسه، فجاع يوماً فهجم على صاحبه وأكله، فضرب به المثل فقبل: سمّن كلبك يأكلك. وقد جاء ذكر طسم في شعر للحارث بن حلزة، هو: أم علينا جرى إياد كمـا قيل لطسم أخوكم الأبّاء وقد قال الأصمعي في شرحه: "كان طسم و جديس اخوين، فكسرت جديس على الملك خراجه، فأخذت طسم بذنب جديس"4 فضرب لذلك بها المثل، لمن يؤخذ بجريرة غيره.

جديس

وقالوا عن "جديس" انهم حي من عاد، وهم اخوة طسم، أو انهم حي من العرب كانوا يناسبون عاداً الأولى. وقالوا انهم أبناء "جديس بن لاوذ ابن إرم بن سام بن نوح". أو أبناء "جديس." شقيق "ثمود بن غاثر ابن إرم بن سام بن نوح"، أو ما شابه ذلك من نسب. وقد كانوا أتباعاً لطسيم، ويسكنون معهم في اليمامة، ثاروا على "عمليق" "عملوق" ملك طسم، فكانت نهاية طسم كما كانت نهاية "جديس"، ولذلك قيل "بوار طسم بَيدَيْ جديس".

ويذكر أهل الأخبار أن جديساً لما قتلت "عملوقاً" ومن كان معه من قومه طسم، هرب رجل من طسم اسمه "رباح بن مرُة"، حتى أتى "حسان بن تُبعَّ"، فاستغاث به، فخرج "حسان" في حِمْير، فأباد جديساً، وأخرب بلادهم، وهدم قصورهم وحصونهم. ويرى "كَوسين دي برسفال" أن اغارة حمير المذكورة كانت حوالي سنة "250" بعد الميلاد.

ويرتبط بخبر هذه الإبادة قصة امرأة زعم أنها كانت أقوى الناس بصراً، ترى من مسافات بعيدة جداً، عرفت بي "زرقاء اليمامة". وقد ورد قصص عنها ذكره أهل الأخبار.

وورد في بعض الأخبار أن "جذيمة الأبرش" كان قد حارب "طسماً" و"جديساً".

ويذكر أهل الأخبار أن "حسّان بن تُبّع" الذي أوقع بجديس، هو "ذو معاهر"، وهو "تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن"، وهو أبو "تبّع بن حسان"، الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة ويثربَ، وأنه وجّه ابنه "حسان" إلى "السند" وابنه "شمرد الجناح" "سمر"، إلى آخر ذلك من قصص سأتحدث عنه في أثناء الكلام عله مملكة "حمير وذي ريدان". ويذكر أهل الأخبار أيضاً أن التي أبصرت جند "حسان" اسمها "اليمامة"، وكانت أول من اكتحلت بالإثمد، ولهذا تكوًنت في عينيها عروق سود منه" كانت هي السبب في نشوء حدة البصر عندها، وأن "حسان" أمر فققئت عيناها لإدراك سبب حدة بصرها، فاكتشف وجود الإثمد بهما، ويزعمون أنه أمر بابدال اسم "جوّ" مساكن طسم وجديس إلى "اليمامة"، فعرفت بهذه التسمية مذ ذلك الحين.

وإذا كان ما جاء في شعر الأعشى عن "اليمامة" وعن حسان صحيحا، فإنّ ذلك يدل على أن القصة المذكورة كانت شائعة معروفة في أيامه بل وربما قبل أيامه، وللظاهر إن أهل الأخبار قد أخذوا اسم اليمامة من أسم المكان، فصيروه امرأة ذات بصر حديد. ونجد قصة "اليمامة" ومجيء التبع في شعر للنمر بن تولب العُكلي. ونجد اتفاقاً بين القول المنسوب إلى اليمامة في سياق القصة وبين قولها في الشعر المنسوب إلى الأعشى وإلى النصر. وقد ذكر "ابن دريد" أن "تبع" أرسل على مقدمته "عبد كلال بن مثوب بن ذي حرث بن الحارث بن مالك بن غيدان" إلى اليمامة، فقتل طسماً وجديساً. ولم يذكر اسم ذلك التبع.

و يعتق بعض المستشرقين أن اسم "Jolisitae" أو "Jodisitae" الوارد في "جغرافيا بطلميوس" إنما يقصد به قوم "جديس"، وأنهم كانوا معروفين في حوالي سنة "20ا" بعد الميلاد.

وقد نسب أهل الأخبار أماكن عديدة إلى طسم وجديس، وهي قرى ومدن ذكر أنها كانت عامرة آهلة بالسكان ذات مزارع، وقد بقي بعضها في الإسلام، ووصفه أهل الأخبار. وإذا صح أنها كانت لطسم وجديس حقاً، وأنها كانت من أعمالهم ونتاجهم، فإن ذلك يدل على أن القوم كانوا حضراً وعلى مستوى من الرقي، ولم يكونوا بدواً على شاكلة الأعراب. وربما يعثر على كتابات في هذه المواضع تكشف اللثام عن حقيقة أصحاب هذه المواضع وهوية الأقوام التي عاشت فيها.

ومن الأماكن المذكورة "المشقر"، وهو حصن بين نجران والبحرين على تل عال، يقابله حصن سدوس، وهو من أمكنة "طسم". وقد نسب بعض الرواة بناءه - كعادتهم عند جهلهم أسماء الأماكن - إلى سليمان، وقد سكنته عبد القيس أهل البحرين. و "معنق" من قصور اليمامة على أكمة مرتفعة. و "الشموس" قيل: انه من بناء "جديس".

ومن قرى اليمامة الشهيرة "حجر"، وكانت لطم وجديس، والظاهر إنها كانت عامرة ذات قصور عالية كثيرة، و إنها كانت محاطة بالمزارع، و إنها بقيت مدة طويلة مهملة في وسط الرمال التي تكونت في تلك البقاع المنبتة الخصبة التي تحولت إلى صحراء. و "القرية" "قرية بني سَدُوس"، وكان بها قصر عظيم من الصخر، وقد زعموا انه كان من حجر واحد بناه جنّ سليمان. و "جعدة" وهي حصن، وبها قصر قديم "عادي" ينسبونه إلى طسم وجديس، ويظهر انه ظل باقياً إلى أيام "الهمداني"، بدليل وصفه له في كتابه "صفة جزيرة العرب" والظاهر من وصفه أن الحصن كان عظيماً، وانه كان يحيط بالقرية، وأن أساسه من اله في وحوله منازل الحاشية للرئيس الذي يكون فيه، وكان فيه الأثل والنخيل، وحوله منازل الناس والسوق،ويحيط بالقرية خندق، وفي السوق آبار. قال الهمداني: انها مئتان وستون بئراً ماؤها عذب فرات. و "خضراء حجر"، وهي حضور "طسم" و "جديس"، وفيها آثارهم وحصونهم و بتلهم، الواحد بتل، وهو مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين. وقد بولغ في وصف ارتفاع هذه "البتل" وطولها، حتى زعم ان ارتفاع ما تبقى منها إلى في أيام الهمداني كان قد بلغ مئتي ذراع في السماء. و "الخضرمة"، وكانت لجديس، وبها آثار قديمة كثيرة، و "الهدار" و "ريمان".

أميم

وجعل الأخباربون "أميماً" في طبقة طسم وجديس، وقالوا انهم من نسل "لاوذ بن عمليق"، أو "لوذ بن نوح"، أو ما شابه ذلك من شجرات نسب. وكان من شعوبهم على زعم أهل الأخبار "وبار بن أميم"، نزلوا برمل "عالج" بين اليمامة والشحر، وانهارت عليهم الرمال فأهلكتهم. ويزعم أهل الأخبار أن ديار "أميم" كانت بأرض فارس، ولذلك زعم بعض نسابة الفرس انهم من "أميم"، وان "كيومرت" الذي ي يُنسَبون أليه هو ابن أميم ابن لاوذ.

ولا نعرف من أمر أميم شيئا غير هذه النتف، ولم يذكر الأخباريون كيف عدوهم من طبقة العرب الأولى إذا كانت ديارهم بأرض فارس، ولم يشرحوا لنا كذلك كيف وصلوا نسب "وبار" بأميم، وما العلاقة. بينهما.

وبار

وقد ذكر الهمداني أن وبار هو شقيق "كيومرت" ويقال "جيومرت"، وقد أولدهما "أميم". وبوبار عرفت أرض "وبار"، وهي أرض أميم.

وجاء في جغرافيا "بطلميوس" امم شعب ربي دعي "Iobaritai" "Jobaritae" "Jobabitae" ، على أنه من شعوب العربية الجنوبية، ويسكن على مقربة من أرض قبيلة أخرى دعاها Sachalitae ، وتقطن عند خليج يدعى باسمها "Sinus Sahalits". وهذا الاسم قريب جداً من اسم "وبار"، لذلك ذهب المستشرقون إلى أن "Jobaritae"، هو شعب وبار أو "بنو وبار". غير أن هنالك عدداً من العلماء يرون أن الاسم الأصلي الذي ورد في جغرافيا بطلميوس هو "يوباب"، غير أن النساخ قد أخطأوا في النسخ فحرفوا حرف الباء "B" الثاني في هذا الاسم وصيّروه راء "R"، فصار الاسم بعد هذا التحريف "Jobabitae". فالشعب الذي قصده بطلميوس - على حد قول هؤلاء - هو "يوباب" أو "يباب"، إلا انه لا يوجد هنالك دليل قوي يثبت حدوث هذا التحريف. وفي موضع ليس ببعيد هذا ا،كان الذي ذكره بطلميوس تقع أرض وبار الشهيرة، وهي بين رمال يبرين واليمن "ما بين نجران وحضرموت وما بين مهرة والشحر"، أو ما بين الشحر إلى تحوم صنعاء. وقيل: " قرية وبار كانت لبني وبار، وبين رمال بني سعد وبين الشحر ومهرة"، والنسبة إليها "أباري". ونرى إن هذه النسبة قريبة من الاسم الذي ذكره بطلميوس.. ويدعي "ياقوت الحموي" إنها مسماة ب "وبار بن إرم بن سام بن نوح".

وقد روت الكتب العربية قصصاً كثيرة عن "وبار"، ومن جملة الأساطير التي تروى عنها أسطورة "النسناس". وتتلخص في أنهم "من ولد النسناس بن أميم بن عمليق بن يلمع بن لاوذ بن سام"، وأنهم كانوا في الأصل بشراً، فجعلهم الله نسناساً، للرجل منهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، وأنهم صاروا يرعون كما ترعى البهائم، وأنهم يقفزون قفزاً شديداً ويعدون عدواً منكراً. والظاهر أن لهذه القصص والأساطير أصولاً جاهلية، وقد وضع منها في الإسلام شيء كثير، ووضع معها شعر كثير على لسان ذلك "الإنسان الحيوان"، ولا يزال الناس يروونها حتى الآن.

وقد أنكر بعض المستشرقين، وجود وبار، وزعموا أنهم من الشعوب التي ابتكر وجودها القصاص قائلين إن تلك الرمال الواسعة المخيفة هي التي أوحت إلى القصاص والأخباريين إختراع شعب "وبار" وقصص النسناس. والذي أراه أن هذا لا يمنع من وجود شعب بهذا الاسم، وإن كنا لا نعرف من أمره شيئاً إلا هذه القصص والأساطير. وقديماً أنكروا وجود عاد وثمود، ثم اتضح بعد ذلك من الكتابات وجود عاد وثمود. وهكذا قد يعثر في المستقبل على كتابات وبارية لعلها تلقي ضوءاً على حالة ذلك الشعب. وتجد في رواية آهل الأخبار عن عمار "وبار" وكثرة زروعها ومراعيها ومياهها في الجاهلية شيئاً من الأساس. فقد أيد السياح ذلك، وأثبتوا وجود أثر من آثار عمران قديم. وهو سند يتخذه القائلون بتطور جوّ بلاد العرب، وسطحها لإثبات رأيهم في هذا التغيير.

ولم يذهب اسم "وبار" من ذاكرة سكان العرب حتى هذا اليوم. فهم يروون أن في الربع الخالي موضعاً منكوباً هو الآن خراب، هو مكان "وبار". وقد قاد بعض الأعراب "فلبي" إلى موضع في الربع الخالي، قال له عنه إنه مكان "وبار" المدينة التي غضب الله عليها، فأنزل بها العقاب، وصارت، خراباً. وقد تبين ل "فلبي" أن ذلك الموضع هو فوهة بركان، قذف حمماً، فبانت الأرض المحيطة به و كأنها خرائب تولدت من حريق. وتحدث أعراب آخرون للسائح "برترام توماس" عن مكان آخر يقع في جنوب شرقي هذا الموضع بمسافة "250" ميل، قالوا له إنه مكان "وبار" المدينة المفقودة المنكوبة كما عثر رجال شركة "أرامكو" على موضع في البادية وذلك في سنة 1944 ؛ زعم لهم الأعراب انه مكان وبار، مما يدل على أن الأعراب يطلقون اسم وبار على مواضع عديدة تقع في البوادي. والبوادي أنسب مكان يليق في نظرهم بان يكون موطن وبار.

عبيل

و "عبيل" مثل أميم لا نعرف من أمرهم غير نتف ذكرها الأخباريون الذين زعموا انهم إخوان عاد بن عوص، أو اخوان عوص بن إرم، وانهم لحقوا بموضع "يثرب" حيث اختطوا يثرب. وكان الذي اختطها منهم رجل يقال له "يثرب بن باثلة بن مهلهل بن عبيل". ثم إن قسماً من العماليق انحدروا إلى يثرب، فاخرجوا منها عبيلاً، فنزلوا موضع "الجحفة"، فأقبل سيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت "الجحفة".

وقد ورد في التوراة اسم ولد من أولاد "يقطان"، هو "Obal" "عوبال" أو "Ebal". وهذا الاسم قريب من "عبيل"، لذلك رأى بعض علماء التوراة أن من الممكن أن يكون "عبيل" هو "عوبال". ونجد في جغرافيا بطلميوس اسم موضع يقال له Avalitae على خليج يدعى بهذا الاسم "Avalites Sinus" وعليه مدينة تسمى "Avalites Emporium"، وسكانها يعرفون باسم "Avalites". وقد ورد هذا الاسم عند "بلينيوس" على صورة "Abalitae" و ""Abalites ، ويرى "فورستر" أن من المحتمل أن يكون هؤلاء هم "عوبال" وقد يكون أبناء عوبال هم عبيل.

وذكر أن في اليمن مكاناً يقال له عبيل، وقرية تقع على طريق صنعاء تعرف ب "عبال". وهذان الاسمان قريبان من اسم عبيل. غير أني لا أريد أن أقول الأن شيئاً فيا يخص "عبيلا"، فلا يجوز الحكم في مثل هذه الأمور لمجرد تشابه الأسماء، وانما ذكرت ذلك للمناسبة العارضة وللتنبيه.

عبد ضخم

وأما عبد ضخم، فكانت تسكن على قول الأخباريين الطائف، وهلكوا فيمن هلك من الشعوب البائدة، وكانوا أول من كتب بالخط العربي. وذكر الطبري انهم حي من عبس الأول.

ويذكر أهل الأخبار إن "أمية بن أبي الصلت" ذكر "بني عبد ضخم" في شعره، اذ قال فيهم:

كما أفني بني عبد بن ضخم فما يذكو لصاليها شهـاب

بني ببض ورهط بني معاذ وفيهم عزة وهم غـلاب

وقد ذكر الهمداني أن "ابن الكلبي" يرى أن "عبد ضخم" و "بيض"، وهما حياّن، هما اللذان وضعا الكتاب العربي، وذكر الهمداني أن الشاعر "حاجز الأزدي" ضمن هذا الرأي بقوله: عبد بن ضخم إذا نـسـبـتـهـم وبيض أهل العلوّ فين الخط لهجة ابتدعوا منطقاً لخطهم=فبين الخط لهجة العرب

جرهم الأولى

وجرهم هؤلاء، هم غير "جرهم" القحطانية على رأي النسابين والأخباريين، ولذلك يقولون لجرهم هذه "جرهم الأولى"، ولجرهم القحطانية "جرهم الثانية"، ويقولون عن الأولى إنهم من طبقة العرب البائدة، وأنهم كانوا على عهد عاد وثمود والعمالقة. ويظهر من روايات الأخباريين أنهم كانوا يقيمون بمكة، ويرجعون أنسابهم إلى "عابر"، وأنهم أبيدوا: أبادهم القحطانيون. أما جرهم الثانية، أي جرهم القحطانيين فينسبهم بعض أهل الأخبار إلى "جرهم بن قحطان بن هود" وهم أصهار إسماعيل. وقد ورد اسم "جرهم" عند "اصطيفان البيزنطي" من الكتبة اليونان.

العمالقة

وحشر الأخباريون العمالقة "العماليق" في هذه الطبقة أيضأَ، فنسبم وهم إلى "عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح". ولم تذكر التوراة أصلهم ونسبهم، وهي لا تشير إلى أل بناء "لود" أو "لاوذ" كما يقول له الأخباريون. "وعمليق" جد العمالقة، هو شقيق طسم. ويذكرون أنهم كانوا أمماً كثيرة، تفرقت في البلاد، فكان منهم أهل عمان وأهل الحجاز وأهل الشام وأهل مصر. ويعرف أهل عمان والبحرين ب "جاسم"، وجاسم هم من نسل عمليق على زعم أهل الأخبار. وكان من العمالقة أهل المدينة، ومنهم "بنو هف" و "سعد ابن هزان" و "بنو مطر" و "بنو الأزرق". وكذلك سكان نجد، ومنهم بديل وراجل وغفار، وكذلك أهل تيماء.

وكان ملكهم "الأرقم"، وهو من العمالقة. وهو من معاصري "موسى" على رواية الهمداني. وقد أرسل "موسى" عليه جنداً لمقاتلته ففتك باتباعه أهل تيماء وببقية عمالقة الحجاز.

ويذكر بعض أهل الأخبار أن "العماليق" لحقت بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب، فاًخرجوا منها "عبيلاً"، وسكنوا في ديارهم، وذهبت "عبيل" إلى موضع "الجُحْفَة"، فأقبل السيل فاجتحفهم، فذهب بهم، فسميت الجحفة. وذكروا أن "موسى" أرسل جيشاً لحرب عماليق يثرب، ولم نجد في التوراة ذكراً لمثل هذا الجيش، أو الحرب. والعمالقة الذين نتحدث عنهم، هم عرب صُرحاء، من أقدم العرب زماناً، لسانهم اللسان المضُرَي الذي هو لسان كل العرب البائدة على حد قول أهل الأخبار. بل زعم بعضهم أن عمليقاً، وهو أبو العمالقة، أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل، فكان يقال لهم ولجرهم "العرب العاربة".

ويظهر من فحص هذا المروي في كتب الأخباريين عن العمالقة ونقده أنه مأخوذ من منابع يهودية، فقد ذكر العمالقة في التوراة، وقد كانوا أول شعب صدم العبرانيين حينما خرجوا من مصر متجهين إلى فلسطين. وظلوا يحاربونهم، ويكبدونهم خسائر فادحة، وأوقعوا الرعب في نفوسهم، ولهذا ثار الحقد بينهم على العماليق. ويتجلى هذا الحقد في الآيات التي قالها التي "صموئيل" لشاؤول "Saul" أول ملك ظهر ضد العبرانيين، قالها لهم باسم إسرائيل: "إياي أرسل الرب لمسحك ملكاً على شعبه إسرائيل. والآن فاسمع صوت كلام الرب. هكذا يقول رب الجنود. أني افتقدت ما عمل عمليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالان اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاّ وامرأة، طفلاّ ورضيعا، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً". وهذا الحقد هو الذي جعلهم يخرجونهم من قائمة النسب التي تربطهم بالساميين.

وقد كانت منازل العمالقة من حدود مصر فطور سيناء إلى فلسطين. وعددم ذكر العبرانيين لهم في جملة قبائل العرب لا يدل على أنهم لم يكونوا عرباً، فقد ذكرت أن العبرانيين لم يطلقوا لفظة "عرب" إلا على الأعراب، أعراب البادية، ولا سيما بادية الشام. ثم إن العمالقة من أقدم الشعوب التي اصطدم بها العبرانيون، وحملوا حقداً عليها، وهم عندهم وفي نظرهم أقدم من القحطانيين والإسماعليين.

حضورا

وأورد أهل الأخبار قصصاً عن "حضورا"، فذكروا أن "حضورا" كانوا يقيمون بالرسّ، و كانوا يعبدون الأوثان، وبعث إليهم منهم نبي منهم اسمه "شعيب بن ذي مهرع"، فكذبوه، وهلكوا. وهنالك عدة مواضع يقال لها "الرس" منها موضع باليمامة، وموضع كان فيه ديار نفر من ثمود. وورد في القرآن الكريم "اصحاب الرس"، مع عاد وثمود، وذهب المفسرون إلى أنهم كانوا جماعة "حنظلة"، وهو نبي، فكفروا به ورسّوه في البئر إلى غير ذلك من الأقوال. ويظهر من القران الكريم أن "أصحاب الرس" كانوا مثل جماعة عاد وثمود في الطبقة، أي في زمانهم، وأنهم هلكوا أيضاً. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن نبي "أصحاب الرس" هو "خالد بن سنان"، وقد ذكروا أن الرسول ذكره، فقال فيه: " ذاك نبي ضيّعة قومه". وذكر "الهمداني" أن "حنظلة بن صفوان" كان نبياً في اليمن، وقد أرسل إلى سبأ، وكان من "الأقيون"، وهم بطن دخل في "حمير"، وذكر أنه وجدت عند قبره هذه الكتابة: "أنا حنظلة بن صفوان. أنا رسول الله. بعثني الله إلى حمير وهمدان والعريب من أهل اليمن، فكذبوني وقتلوني". وأنه أنذر قومه "سبأ" برسالته فكذبوه، فلما كذبوه، أرسل الله عليهم سيل العرم. وذكر "الهمداني" أيضاً نقلاَ عن "ابن هشام" أن "حنظلة بن صفوان ابن الأقيون"، هو، نبي الرَّسِّ، والرس بناحية صيهد، وهي بلدة منحرفة ما بين بيحان ومأرب والجوف، فنجران فالعقيق فالدهناء، فراجعاً إلى حضرموت. وذكر أيضاً أن الرس، بمعنى البئر القليلة الماء، وأن أهل الرس قبائل من نسل أسلم ويامن أبو زرع ورعويل وقدمان، وهم من نسل قحطان. وقد كذبوا نبيهم "حنظلة" وقتلوه وطرحوه في بئر رس ماؤها. وروى أهل الأخبار أن "بختنصر" "نبوخد نصر" غزا أهل "حضور" "حضوراء" وأعمل فيهم السيف وأجلى خلقاً منهم إلى أماكن أخرى، لأنهم كفروا وجحدوا نبوة نبي منهم أرسله الله إليهم، وهو "شعيب بن مهدم بن ذي مهدم بن المقدم بن حضور"، ولم يصدقوه، وكانوا أصحاب بطش وشدة وغلظة. فلما قتلوه، أوحى الله إلى نبي في عصره هو "برخيا بن اخبيا بن رزنائيل ابن شالتان"، وكان من سبط "يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل"،أن يأتي "بختنصر"، فيأمره بغزو "العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب"، ويطأ بلادهم بالجنود، فيقتل مقاتلهم، ويستبيح أموالهم. فأقبل "برخيا" من نجران، حتى قدم على "بختنصر"، وذلك في زمان "معد بن عدنان"، فوثب "بختنصر" على من كان في بلاده من العرب، وجمع منَ ظفر به منهم، فبنى لهم حيراً على النجف وحفظة، ثم ضمهم فيه، وكل بهم حرساً وحفظة، ثم سار في بلاد العرب فالتقى بعدنان بذات عرق، فهزم "بختنصر" عدنان، وسار إلى "حضور"، فانهزم الناس وفروا فرقتين: فرقة أخذت إلى "ريسوب" وعليهم "عك"، وفرقة قصدت وبار. أما الذين بقوا في "حضور"، وحاربوا "بختنصر" فقد احصدتهم السيوف. ثم رجع ملك بابل بما جمع من السبايا، فألقاهم بالأنبار، وخالطهم بعد ذلك النبط، ومات عدنان. فلما مات "بختنصر"، خرج "معدّ بن عدنان" حتى أتى مكة، ثم ذهب إلى "ريسوب" فاستخرج أهلها، وسأل عمن بقي من ولد "الحارث بن مضاض الجرهمي" وهو الذي قاتل درس العتق، فأفنى أكثر جرهم على يديه - فقيل: بقي "جرشم بن جلهمة"، فتزوج معد ابنته "معانة"، فولدت له "نزاراً". وأهل حضور الذين قتلوا نبيهم، وقتلهم "بختنصر" هم شعب من أهل اليمن على رأي الأخباربين، كانوا يقيمون الحضور أو "حضوراء". وفي اليمن موضع يسمى "حضور"، ينسبه أصحاب الأخبار إلى "حضور بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن حمير بن سبأ"، وذكروا أنه المكان الذي قصده "بختنصر"، فقتل أهله. وعلى هذا المكان مسجد يزار حتى اليوم، يقال له مسجد شعيب نبي اصحاب الرسّ. وهو جبل من جبال اليمن المقدسة،قال الهمداني: "وأما الجبال المقدسة عند أهل اليمن، فجبل حضور وصنّين ورأس بيت فائش من رأس جبل تخلى ورأس هنوم ورأس تعكر ورأس صبر. وفي رؤوس هذه الجبال مساجد مباركة مأثورة". وأرى أن قداسة هذه الجبال وردت إليها من الأيام التي سبقت الإسلام، من ط أيام الوثنية أو أن المساجد التي أنشئت في رؤوسها، إنما أنشئت فوق معابد قديمة، لعبادة الأصنام، وذلك كما حدث في أماكن أخرى من جزيرة العرب حيث اكتسبت بعض، المعابد الوثنية القديمة قدسية خاصة. فلما جاء الإسلام، ألبست ثوبا إسلامياً، فبقيت حية، وتحولت بمرور الزمن إلى مزارات ومساجد تقام فيها الصلوات. وقد اعتمد رواة خبر غزو "بختنصر" لأهل )حضور( على ما جاء عن "ابن الكلبي" و "ابن إسحاق ونفر آخر من عرفوا بروايتهم هذا النوع من الروايات التي تعرف من معين الإسرائيليات. وما بنا حاجة أبداً إلى البحث في أسماء رواته لمعرفة صلته بالتوراة. فالمسألة جد واضحة. خذ التوراة واقرأ ما جاء في أسفار )أرميا( ونبوءته،تجد القصة مكتوبة في السفر التاسع والأربعين: "عن قيدار وعن ممالك حاصور التي ضربها نبوخذ راصر ملك بابل. هكذا قال الرب: قوموا اصعدوا إلى قيدار، اخربوا بني المشرق. يأخذون خيامهم وغنمهم، ويأخذون لأنفسهم شققهم وكل آنيتهم وجمالهم، وينادون إليهم الخوف من كل جانب.

"اهربوا، انهزموا جداً، تعمقوا في السكن يا سكان حاصور،يقول الرب، لأنّ نبوخذ راصر ملك بابل قد أشار عليكم مشورة، وفكر عليكم فكراً. قوموا إلى أمة مطمئنة ساكنة آمنة. يقول الرب لا مصاريع ولا عوارض لها. تسكن وحدها وتكون جمالهم نهباً، وكثرة ماشيتهم غنيمة، وأدرى لكل ريح مقصوص الشعر مستديراً، وآتى بهلاكهم من كل جهاته يقول الرب. وتكون حاصور مسكن بنات آوى، إلى الأبد،لا يسكن هناك إنسان، ولا يتغرب فيها ابن آدم". أما النبي )برخيا( الذي زعم الاخباريون أنه هو الذي اشار على "بختنصر" بغزو "حضور"، فهو "باروخ بن نيريا "نريا" بن محسيا" شقيق "سرايا" "Seraiah". وقد كان كاتباً، محباً مخلصاً للنبي "أرميا"، وكان يكتب لأرميا، وهو الذي كلفه النبي "أرميا" بالذهاب إلى "يختنصر" حاملاّ رسالة إلى الملك. وهي الرسالة المدونة في أسفار "أرميا". وقد ذهب إلى بابل وقابل الملك، ثم عاد إلى القدس حيث هاجم "بختنصر" القدس واستولى عليها بتحريض من هذا النبي نبي العبرانيين! ترى أنّ الأخباريين أخذوا قصة غزو "بختنصر" لحاصور، القصة الواردة في أسفار "أرميا"، وجعلوها غزواً لشعب "حضور" في اليمن، وهو موضوع بعيد لا يعقل وصول "بختنصر" اليه، وأضافوا أليه شيئاً من الزخارف التي وضعها "ابن الكلبي" أو غيره، كإقحام اسم عدنان ومعدّ بن عدنان واسم نبي عربي جنوبي في القصة، ولم يكفهم ذلك، فجعلوا "برخيا" من أهل "نجران"، وجعلوه يقطع المسافة ما بين نجران وبابل، ليكلف "بختنصر" غزو العرب. وصيروا "حاصور" "حصور" الواردة في "أرميا" "حضور" و "خضوراء"، وجعلوه في اليمن، ولم ينسوا البحث عن سبب، فجعلوه اعتداء أهل "حضور" على نبيهم. أما "حاصور" التوراة، فإنها أرضون تقع في "العربية"، كانت فيها ممالك صغيرة، أو مشيخات، كما يفهم ذلك من عبارة "أرميا" "وعن ممالك حاصور". وكانت تتاخم "قيدار" ولعلها كانت في البادية. ويرى علماء التوراة أن سكانها كانوا من أهل المدر، ويقيمون في بيوت ثابتة، وقد أطلقت كلمة "حاصور" "Hazor" عليهم تمييزاً لهم عن أهل الوبر، وكانت ديارهم في جنوب فلسطين أو شرقها. و تعني كلمة "حاصور" "Hazor" "Hasor" و جمعها "Hazerim" "Haserim" ما تعنيه لفظة،"حيرتا" "Herta"، في الإرمية و "الحيرة" في العربية، من معنى "محاط" أي "محصور" "محاصر"، بمعنى الحصن أو الأمكنة المحاطة المحصورة أو "المضرب كل و "الحمى". وقد كان مشايخهم يقيمون في أسياف البادية في مخيمات ومضارب مع أتباعهم، فهي في معنى "حيرتا" عند بني إرم و "Paremboles" عند اليونان. وكانوا يرعون الماشية من ماعز وأغنام وجمال في مناطقهم التي اعتادوا الإقامة بها، ويظهر أنهم تعرضوا لجيوش "بختنصر"، أو أنهم لم يساعدوه في حملته على فلسطين، فأغتاظ منهم، و جرد عليهم حملة، و كان من عادتهم الالتجاء إلى المغاور و الكهوف حين مهاجمة عدو لهم حيث يذهبون إلى مناطق بعيدة يصعب على الجيوش مطاردتهم، فيتحذون منها مواطن آمنة و يعيشون فيها ما دام الخطر. ولم يكن للأخباريين علم دقيق بما يرد في التوراة من أمور، فلم يفطنوا أن من غير الممكن أن يكون أهل "حاصور" من أهل اليمن، لأن ذكر التوراة لهم مع "قيدار" يجعل مواضعهم في شمال جزيرة العرب، ثم إن اليمن بعيدة جدا عن "بختنصر"، و لا يعقل أن يكون في إمكان جيوشه الوصول بسهولة إلى هناك. ثم إن الكتب اليهودية تصور "حاصور" في مكان في العربية الشمالية في جوار أرض "قيدار"، و لم يكن لها علم واسع عن اليمن، كما أن "باروخ" من القدس ولم يكن من أهل نجران. و يظهر أن حربا قديمة ماحقة، أو كارثة طبيعية مثل زلزال أو هياج حرة، وقعت في "حضور" اليمن، سبب تلفها و إنزال خسائر كبيرة بها و بأهلها، فترك ذلك أثرا عميقا في ذاكرة الناس، رواه كابر عن كابر، فوجد الاخباريون الذين وقفوا على أخبار التوراة، أو كانوا يجالسون أهل الكتابو يسائلونهم، شبها بين "حاصور" و "حضور"، و ظنوا جهلا بالطبع بما ورد في "أرميا" عن "حاصور"، أن "حاصور" التوراة "حضور" اليمن، ثم أضافوا إلى ذلك ما شاءوا على طريقتهم في أمثال هذه المناسبات.

هلاك العرب البائدة

هذا ويلاحظ أن هلاك العرب البائدة كان بسبب كوارث طبيعية نزلت بهم مثل انحباس المطر جملة سنين مما يؤدي إلى هلاك الحيوان وجوع الإنسان، واضطراره إلى ترك المكان والارتحال عنه إلى موضع آخر، قد يجد فيه زرعاً وماءً وقوماً يسمحون له بالنزول معهم كرهاً لقوته ولتغلبه عليهم، أو صلحاً بأن يسمح الأقدمون له بالنزول في جوارهم لاتساع الأرض وللفائدة المرجوة للطرفين. وقد يتفرق ويتشتت بين القبائل، فيندمج فيها بمرور الزمن ويلتحق بها في النسب والعصبية، فيكون نسبه النسب الجديد. وبذلك ينطمر ذكر القبيلة القديم والأصل الذي كان منه. وقد لا يبقى منه غير الذكريات، كالذي رأيناه من أمر القبائل البائدة.

وقد تكون الكارثة هيجان حرّات وهبوب عواصف رملية شديدة عاتية تستمر أياماً واهتزازات أرضية في الأرضين غير المستقرة، مما يلحق الأذى بالناس. ومن هنا في ذكر هذه الكوارث في القرآن الكرم وفي الأخبار الواردة عن هلاك القبائل المذكورة فيه، أو التي لم ترد فيه، و إنما يذكر أسماءها أهل الأخبار. هذا وقد ألّف بعض أهل الأخبار كتباً في بعض العرب البائدة ومن هؤلاء "عبيد بن شريةَ الجُرُهميُّ"، و "ابن الكلبي"، فقد ذكر إن لهذا مؤلفا دعاه "كتاب عاد الأولى والآخرة" و "كتاب تفوق عاد"، ومنهم "أبو البختري" و "وهب بن وهب بن كثير" فله "كتاب طسم وجديس" وغير ذلك. والغالب على هذه المؤلفات كما يظهر من الاقتباسات منها والمبثوثة في الكتب الباقية، إنها ذات طابع أسطوري.

الفصل التاسع: العرب العاربة والعرب المستعربة

تحدثت في الفصل السابق عن العرب البائدة، وهم العرب الذين هلكوا و اندثروا قبل الإسلام، ولم يبق منهم غير آثار وذكريات. أما العرب العاربة والعرب المستعربة "المتعربة"، أو العرب القحطانيون والعرب العدنانيون، فإنهم العرب الباقون التين كانوا يؤلفون جمهرة العرب بعد هلاك الطبقة الأولى، فهم العرب الذين كتب لهم البقاء، وكان ينتمي إليهم كل العرب الصرحاء عند ظهور الإسلام.

العرب العاربة

أما الطبقة الثانية من طبقات العرب بعد البائدة، فهي "العرب العاربة" على أقوال النسابين، وهم من أبناء قحطان وأسلاف القحطانيين المنافسين للعرب العدنانيين، الذين هم العرب المستعربة في عرف النسابين. وقحطان الذي يرد في الكتب العربية، هو "يقطان" التي يرد اسمه في سفر التكوين، وهو "قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح" في رأي أكثر النسابين. و هو "يقطان بن عابر بن شالخ بن أرفكشاد بن سام ابن نوح( في التوراة. فترى من ذلك مطابقة تامة بين النسب الوارد في الكتب العربية والنسب الوارد في التوراة، مما يدل دلالة واضحة على أن الأخباريين أخذوا علمهم بنسبه من روايات أهل الكتاب، وهم يؤيدون ذلك ولا ينكرونه. وقد سرد بعض الأخباريين نسب قحطان في شكل آخر: مثل "قحطان بن هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح". على أن هوداً هو عابر، أو "قحطان بن هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام ابن نوح"، أو "قحطان بن يمن بن قدار" ظ أو "قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم. فترى من ذلك أن بعض شجرات النسب أدخلت أسماءً عربية بين الأسماء المأخوذة من التوراة. وقد ألح بعض نسّابي اليمن على جعل "هود" عابراً، وعلى جعله والد قحطان، وأصروا على ورود ذلك في الشعر، ولم يكن من العسير عليهم بالطبع أيجاد ذلك الشعر ووضعه، فكانوا إذا نوقشوا في ذلك، احتجوا بقول الشاعر: وأبو قحطان هو ذو الحقف واحتجوا بأمثال ذلك من كلام منظوم أو منثور. وجاءوا بأكثر من ذلك لإفحام الخصوم والقائلون إن "قحطان" هو "قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل" هم نَسّابو ولد "نزار بن معدّ"، أي النزارية، الذين كانوا يقابلون "اليمانية" في صدر الإسلام وفي الدولة الأموية والعباسية، يؤيدهم في ذلك بعض اليمانية، مثل "هشام بن الكلبي"، و "الشرفي بن القطامي" و "نصر بن زروع الكلي" و "الهيثم بن عدي". ويظهر أن غايتهم من ذلك وصل نسب قحطان بشجرة نسب أولاد إسماعيل. أما سائر اليمانية، فتأبى ذلك، وتذهب إلى أنه )قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح". وتستهدف هذه الروايات غاية عاطفية بعيدة على ما يظهر، كانت ذات أهمية في نظر القحطانيين، هي وصل نسبهم بالأنبياء. فبعد أن ذكروا ما ذكروا من أخبار مُلْكهم ودولهم قبل الإسلام، وجدوا أن العدنايين يفخرون عليهم مع ذلك باًن فيهم النبوة والأنبياء، منهم الرسول، وفيهم إسماعيل جدهم. فأرادوا أن يكون لهم أجداد أنبياء: أنبياء خلص قحطانيون، أو أن يكون لهم نسب يتصل بنسب إسماعيل على الأقل، أو أن يصل نسب إسماعيل بأسباب نسبهم، فقالوا: إنهم من نسل هود، وهود نبي من أنبياء الله، وقالوا: أن قحطان من نسل إسماعيل، وقالوا: إن هوداً هو عابر، وعابر من نسل الأنبياء، وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل ترمي إلى ترجيح كفتهم على كفة منافسيهم العدنانيين في الفخر بالأنساب على الأقل. ولم يعجب اليمانية المعنى الوارد في التوراة للفظة "يقطان" "يقطن"، ولعلهم عرفوا معناها من أهل الكتاب، فعكسوا المعنى بأن صيروه على الضد تماماً. جعلوه "الجبار"، وقالوا: "واسمه في التوراة الجبار"، مؤكدين جازمين. أما في التوراة وعند أهل الكتاب وفي العبرانية، فهو العكس، ف )يقطان"في التوراة لفظة تعني "صائر صغير"، فهي في معنى: )صغير(. وبين يصغر وجبار فرق كبير. وهكذا صار الصغير جباراً. وبهذا التفسير أعاد النسابون آو أحد المتحدثين إليهم من أهل الكتاب الهيبة والمكانة إلى "قحطان".

وشاء بعض أهل الأخبار أن يكون دقيقاً في حكمه، عارفاً بمدة حكم "قحطان"، لئلا يترك الناس في جهل من أمرها، فجعلها مئتي سنة، لم يزد عليها ولم ينقص منها. وكان صاحب هذا الخبر "هشام بن الكلبي" رأس الأخباريين في مثل هذه الأمور. وقد ورد في جغرافيا "بطلميوس" اسم قريب من اسم "قحطان"، هو "كتنيتة" "كتانيتة" "Katanitae". غير أن هذا لا يدل حتماً على إن المراد منه "قحطان"، اذ يجوز أن يكون اسمم موضع لا علافة له بقحطان، أو اسم قبيلة من القبائل اسمها قريب منه. وقد ورد اسم قبيلة تدعى "قطن" أو "بنو قطن"، كما ورد اسم موضع عرف بي "جوّ قطن"، وذكر اسم مدينة بين "زبيد" و "صنعاء"،يقال لها "قحطان"، وأشار "المسعودي" إلى "جزائر قطن"، لهذا أرى أن من الخير ألا يتخذ الآن أي موقف كان لا سلباً ولا ايجاباً، قبل اكتمال العدة والظفر بمواد مساعدة تكف لإصدار الأحكام.

وقد عثر على اسم قبيلة عربية عرفت بقبيلة "قحطن"، أي قحطان، في نصوص المسند، لا أستبعد أن يكون لاسمها علاقة بقحطان الذي صيّره أهل الأخبار جداً لكل العرب الجنوبيين. فقد ذكر بعد اسم "كدت" الذي هو كندة في النص: "Jamme 635" وكان على قبيلة قحطان وعلى كندة ملك واحد اسمه "ربيعت" "ربيعة"، وهو من "ثورم" "ال ثورم" "الثورم" أي "آل ثور". وثور هو جد قبيلة كندة في عرف النسابين من أيام الملك "شعر أوتر"، وسأتحدث عنه وعن الملك فيما بعد. ونحن لا نعرف من أمر "قحطان" شيئاً غير هذا النسب الذي يردده الأخباريون، وليس لدى العبراينين من أمره غير ما ورد من انه أحد أولاد "عابر" وأخرهم، وانه جد قبائل عديدة قديمة. وسكوت أهل الأخبار عنه واكتفائهم بسرد نسبه، دليل على أخذهم له من التوراة.

أما أولاده، فلم يبخل عليه أهل الأخبار بالأولاد، فوهب بعضهم له امرأة سموّها "حتى بنت روق بن فزارة بن سعد بن سويد بن عوص بن إرم بن سام ابن نوح"، ووهبوا له من الولد ما تراوح عدده من عشرة ذكور إلى واحد وثلاثين على حسب كرم الراوي أو بخله على قحطان، من بينهم يعرب وحضرموت وعمان وجرهم. وقد ذكر "الهمداني" أولاد "قحطان" على هذا النحو: يعرب ابن قحطان، ودعاه ب "المزدغف"، ومعنى "المزدغف" المحتوي للأشياء، وجرهم بن قحطان، ولؤي، وخابر، والمتلمس، والعاض "العاصي" "القاضي"، وغاشم، والمعتصم، وغاصب، و مغرز، ومبتع، والقطامي، وظالم، و "الحارث" "الحرث"، ونباتة، وقاحط، وقحيط، ويعفر جد المعافر، و المود، والمودد، و السلف، و السالف، ويكلأ، و غوث، و ا لمرتاد، و طسم، و جديس، وحضرموت، وسماك، وظالم، وخبار، والمتمنع، وذو هوزن، ويأمن، ويغوث، وهذرم. وقد أخذ هذه الأسماء من روايات أشار إلى أسماء رواتها. وقد جمعتها ليكون في إمكان القارئ الإحاطة بها. وذكر "الهمداني" في موضع آخر انه قرأ "في السجل الأول: أولد قحطان بن هود أربعة وعشرين رجلاً، وهم: يعرب، والسلف الكبرى، ويشجب، وأزال، وهو الذي بنى صنعاء، ويكلى الصغرى، وخولان - خولان رداع في الفقاعة - والحارث، وغوث، والمرتاد، وجرهم، وجديس، والمتمنع، والمتلمس، والمتغشمر، وعباد وذو هوزن، ويمن، وبه سميت اليمن، و القطامي، و نباتة، و حضر موت، و سماك، و ظالم، وخيار، والمشفتر". وقصد ب "السجل الأول" سجل خولان الذي تحدثت عنه آنفاً. أما الذي تولى الملك بعد قحطان - على رأي الأخباريين - فكان يعرب، وكان ملكه باليمن، وقد غلب بقايا عاد، ووزع اخوته في الاقطار،فأقر أخاه حضرموت على الأرضين التي عرفت بأسمه فقيل لها حضرموت، وعين عمان على أرض عمان، وولى جرهماً على الحجاز.

ولا نعرف من أمر يعرب شيئاً غير ما ذكره بعض الأخباريين من إن أم يعرب هي من عاد أو من العماليق، ومن أن له اخوة من أمه، هم: جرهم والمعتمر والمتلمس وعاصم ومنبع والقطامي وعامي وحمير وغيرهم. وقد حكم "يعرب" على رأي بعض أهل الأخبار مدة تساوي المدة التي حكم فيها أبوه، أي مئتي سنة. وإذا كانت هذه المدة هي مدة حكمه، فلا بد أن تكون أيام حياته أطول من أيام حكمه. فعمره إذن عمر لا بد أن يحسده عليه كل أحياء هذا القرن ومن سيأتي بعدهم من الناس.

ولم ينسب أهل الأخبار والنسب إلى يعرب ولداً كثيراً. فقد نسب بعضهم إليه يشجب، قالوا وبه كان يكنى، و شجبان، وبه سميت "شجبان" باليمن، وهي أعلا رَمعْ. ويلاحظ أن بين "يشجب" و "شجبان" تقارباً كبيراً، ولعل أحد الاسمين خلق الاسم الثاني. وجعل بعضهم ليعرب من الولد: يشجب. وحيدان، وحيادة، وجنادة، ووائلاّ، وكعباً. ولم يرد اسم "يعرب" في الشعر الجاهلي. وإنما ورد اسمه في شعر ينسب إلى "حسان بن ثابت"، وفي شعر ينسب إلى "مضاض بن عمرو الجرهمي"، وهو من جرهم، قيل: إنه قاله لما أخرجتهم الأزد منَ مكة. والشعران من النوع المصنوع المحمول على حسان وعلى "مضاض" الذي لا أدري أكان يتكلم بهذا اللسان العربي الذي نزل به القرآن،. أم بلسان أهل اليمن الذي يختلف عن هذا اللسان.

ولا نعرف ل "يعرب" اسماً في التوراة، لا في أبناء يقطان ولا في غير أبنائه. إنما نعرف أن في التوراة اسم ملك سمته "يرب Jareb" يظن بعض علماء العهد القديم أنه اسم ملك عربي كان يحكم مقاطعة عربية، ومن الجائز في نظرهم أن يكون قد حكم "يثرب"، أو مكاناً آخر في جزيرة العرب. ولا يستبعد أن يكون أهل الأخبار قد سمعوا باسمه من يهود "يثرب"، فصيّروه "يعرب بن قحطان". ويقصد الأخباريون بجرهم جرهماً الثانية،التي جاءت بعد هلاك جرهم الأولى. وقد أقامت بمكة، وكان منها أرباب البيت. ويظهر أن أهل الجاهلية كانوا يتصورون أن قبيلة جرهم كانت ترعى البيت الحرام. وقد ذكر الأخباريون أن إسماعيل نشاً بينها وتزوج منها، وأن أباه إبراهيم بعد أن قام ببناء الكعبة ورفع قواعدها، ترك اببنه بينهم، فصارت له صلة بهم. ثم تغلبت على جرهم خزاعة، فانتزعت منهم السدانة، واحتفظت بها إلى أن انتقلت إلى قريش. وكان سيب تغلب خُزاعة على جرهم وخروجها من مكة إن جرهماً بغت على "قطوراء" وتنافست معها، وكان "قطوراء" أبناء عم لجرهم، وكانوا يقيمون أسفل مكة بأجياد، وجُرهم في اعلاها ب "قُعَيْقعان"، فاقتلوا قتالاً شديداً،وقتل "السميدع" صاحب "قطوراء"، وتصالح الطرفان، وأستقر الأمر لجُرهم. ثم إن جرهماً بغت بمكة، وظلمت من دخلها من غير أهلها، وأكلت مال الكعبة الذي يهدى لها. فلما رأت "بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة" و "غبشان" من خزاعة ذلك، أجمعوا على حربها و إخراجها من مكة،فاقتتلوا، فغلبتهم "بنو بكر" و "غبشان" فنفوهم من مكة.

وذكر النسابون أن "قطوراء" "قطورا" كانوا أبناء عم جرهم، وكانوا ظغناً من اليمن، فأقبلوا سيارة، وعلى جرهم مُضاض بن عمرو، وعلى "قطوراء" السميدع، فاستقروا بمكة. وعاشوا مع جرهم والعدنانين أبناء إسماعيل بمكة بعد هجرتهم هذه من اليمن، ولم بتعمق النسابون في البحث عن أصل قبيلة "قطوراء". وقد نص "الطبري"، على أن اسم جرهم هو "هذرم"، ونص على أن والده هو "عابر بن سبأ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح".وهو نسب أخذ من التوراة إلا أن من أخذه ونقل الطبري روايته منه لم يروه صافياً نقياً، بل غير فيه وبدّل، جهلاّ أو لسبب آخر. فإن "هذرم" هو "هدورام" "Hadoram" في التوراة، وهو الابن الخامس من أبناء "يقطان" أي قحطان. وبذلك تكون "جرهم" من القبائل القحطانية بحسب رواية التوراة. ولم يختف ذكر جرهم حتى في صدر الإسلام، فكان القاصّ "عبيد بن شرية الجّرهي" ينسب إلى جرهم، ويظهر من شعر "حسان بن ثابت" أن بقية منها بقبت باقية، وظلت جماعة منها تعيش على ساحل البحر الأحمر المقابل لمكة إلى أواخر القرن الثاني للهجرة. ومن بقايا جرهم: "العبيديون" في اليمن، على زعم بعض الأخباريين. هذا، وما ذكره "الطبري" من وجود علاقة بين "جرهم" و "لحيان" يستند إلى حقيقة. وقد ذكر "بلينيوس" اسم شعب دعاه: "Charmaei"، وذكره "أسطيفان البيزنطي" كذلك، ويرى "فورستر" انه "جرهم". ويشك بعض الباحثين في صحة هذا الرأي، وذلك لأن الشعب المذكور كان يعيش على مقربة من المعينيين، أي في أرض بعيدة عن مكة. ويدل ذكر "بلينيوس" و "أسطيفان البيزنطي" لهم، على انهم كَانوا من الشعوب العربية المعروفة في حوالي الميلاد وبعده، ولهذا ورد ذكره عند هذين الكاتبين.

وقد ذكر "الهمداني" إن موضعاً كان بمكة يقال له: "دوحة الزيتون"، كان. مقبرة من مقابر جرهم، وان نفراً دخلوا المقابر، فوجدوا أشياء ثمينة من مصوغات وكتابات. وإلى يعرب ينسب أهل الأخبار نشوء العربية، يزعمون انه كان أول من أعرب في لسانه، ولهذا قيل للسانه "العربية". وهذه رواية قحطانية تعارض الروايات العدنانية بالطبع، ويظهر من بعض روايات أهل الأخبار إن "يعرب" هو الذي جاء بولده إلى اليمن، فأسكنهم بها، إلا أنها لم تذكر الموطن الذي جاء منه. وتذكر هذه الروايات إن ولده كانوا أول من لمجا بتهيئة الملك، فقالوا له: "أبيت اللعن" و "أنعم صباحاً"، وهي تحايا ينسبها بقية الأخباريين إلى غيره من الملوك المتأخرين. وسأتحدث عنها فيما بعد. وانتقل الملك - على رأي الأخباريين - من يعرب إلى ابنه يشجب، ويقال له "يمن"، ومن ولده عبد شمس، ويقال له عامر ويلقب ب"سبأ" على زعم بعض الأخباريين. زعموا انه هو الذي بنى قصر سبأ ومدينة "مأرب"، وانه فتح مصر وبنى بها مدينة عين شمس، وانه أول من سنّ السَّبْيَ، ولذلك عرف بي "سبأ"، وغير ذلك مما يقصه علينا أهل الأخبار. ، ويلاحظ إن النسابين قد بخلوا على "يشجب" كثيراً، فلم يهبوا له أولاداً أ كثيرين، وكل ما أعطوه هو: "سبأ الأكبر"، و اسمه كما رأينا "عبد شمس"، و أعطاه بعضهم بالإضافة إليه: "جرهم بن يشجب"، و "شجبان بن يشجب"، فأولد "شجبان" صيفيا، و أولد صيفي مالكا، و أولد مالك الحارث، وقد ملك. ويذكر "الهمداني" نقلاً عن بعض الرواة إن لقب )سبأ(، هو "الأعقف"، قال: "وكان أول من استعمل لتدمير الحكم في ملكه، وأول من نصّب ولي العهد في حياته.. وأول من سبى السبي، ممن ختر به وحاربه وناصبه". وروى في ذلك شعرا نسبه إلى "علقمة بن ذي جَدن".

و ذكر "حمزة الاصفهاني" نقلا عن "عيسى بن داب" إن ملك "عبد شمس"، أي "سبأ"، كان في زمن "كيقباد"، فسار "سبأ" في مدن اليمن و مخابئها، و كانت إذ ذاك في بقايا عاد، فلم يدع بأرض اليمن أحد منهم إلا سباه و استبعده فسمي "سبأ"، ووطد بذلك حكم القحطانيين في اليمن. وقد عثر العلماء على نص وسموه ب "Rep. Epigr. 4304"، هذا نصه: "عبد شمس، سبأ بن يشجب، يعرب بن قحطان". وهو نص أشك في صحته، وأرى أنه وضع بعد الجاهلية بزمن، قد يكون غير بعيد. صنعه بعض من تعلم حروف المسند، أو ممن يتقنون صناعة تزييف العاديات اليمانية، لأن أسلوب المسند معروف، ولا نجد في نصوصه نصاً واحداً دوّن على هذا النسق في تدوين النسب. ثم إن هذا النسب هو نسب متأخر وضع على أثر احتدام النزاع بين القحطانين والعدنانيين في العصر الأموي كما سنرى فيما بعد. والظاهر إن نافش النص، وهو من اليمن، أراد إثبات ورود هذا النسب عند السبئيين واقناع الناس بأنه كان معروفاً فدوّنه، على كل حال إن في استطاعة الباحثين تقدير زمن تدوين هذا النص، ودراسة طبيعة اللوح الذي دوّن عليه بالطرق الفنية، وعندئذ يمكن إثبات صحة تلك الكتابة أو عدم صحتها بطريقة علمية لا تقبل جدلاً. وجعل "المسعودي" لسبأ عشرة أولاد، تشاءم منهم أربعة، وتيامن منهم ستة. فالذين تشاءموا: لخم وُجذام وعاملة وغسان، والذين تيامنوا حمير والازد ومذحج وكنانة والأشعريون وأنمار الذين هم بجيلة و خَثْعَمْ. وذلك على رواية من جعل أنماراً من سبأ، وجعلهم في كتابه "التنبيه والأشراف": حمير وكهلان وعمرو والأشعر وأنمار وعاملة ومُرّ. وجاء في كتاب "شمس العلوم": "سئل النبي عن سبأ، فقال: رجل من العرب أولد عشرة: تيامن منهم ستة: حمير وسدان وكندة ومذحج والأشاعر وأنمار، وتشاءم منهم أربعة: جذام ولخم و عاملة لأزد".

وأما "الهمذاني"، فأولد لسبأ العرنجج، وهو حمير، وكهلان، وأضاف اليهما استناداً إلى رواية "ابن الكلبي": نصراً، وأفلح، وزيدان، وعبد الله، و نعمان، و المود، وهوذة أو أهود، ويشجب، ودرهماً، وشداد، وربيعة. وأصاف إلى هؤلاء استناداً إلى رواية أخرى: أبا ملك عميكرب بن سبأ، وأهون ابن سبأ "الهون"، وجعلهم: حميراُ، وكهلان، وبشرا، وريدان، وعبد الله، وأفلح، والنعمان، والمود ويشجب، ورهماُ، وشداداً، وربيعة، في مكان آخر. و يذكر المسعودي أن حمير هو الذي تولى الملك بعد أبيه: وكان كما يقول: أول من وضع على رأسه تاج الذهب من ملوك اليمن، ولذلك عرف به "المتوّج". وحكم خمسين سنة. وقد عرف حمير بر "العرنج" "العرنجج". وذكر "ابن الكلبي" أنه كان يلبس حللاً حمراً، وصرح بعض أهل الأخبار أنه كان هناك ثلاثة رجال عرفوا ب "حمير"، هم: الأكبر والأصغر، والأدنى. فالأدنى هو حمير بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن سهل بن زيد بن عمرو ابن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حذار بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهيسع بن العرنجج، وهو حمير الأكبر ابن سبأ الأكبر بن يشجب. وأولاد حمير هم: مالك، وعامر، وعمرو، وسعد، و وائلة في رواية. والهميسع بن حمير، ومالك بن حمير، ولهيعة بن حمير، وُمرة بن حمير على رواية "ابي نصر" في قول "الهمداني"، والهميسع، ومالك، وزيد، وعريب، ووائل، و مشروح "مسروح"، ومعديكرب، وأوس، و مُرّة على رواية أخرى، وجعلهم بعض الرواة أكثر من ذلك عددا، وقد ورد في الجزء الأول من الإكليل "قال الهمداني: "وأما الجبال المقدسة عند أهل اليمن، فجبل حضور وصنّين ورأس بيت فائش من رأس جبل تخلى ورأس هنوم ورأس تعكر ورأس صبر. وفي رؤوس هذه الجبال مساجد مباركة مأثورة". وأرى أن قداسة هذه الجبال وردت إليها من الأيام التي سبقت الإسلام، من ط أيام الوثنية أو أن المساجد التي أنشئت في رؤوسها، إنما أنشئت فوق معابد قديمة، لعبادة الأصنام، وذلك كما حدث في أماكن أخرى من جزيرة العرب حيث اكتسبت بعض، المعابد الوثنية القديمة قدسية خاصة. فلما جاء الإسلام، ألبست ثوبا إسلامياً، فبقيت حية، وتحولت بمرور الزمن إلى مزارات ومساجد تقام فيها الصلوات.

وقد اعتمد رواة خبر غزو "بختنصر" لأهل )حضور( على ما جاء عن "ابن الكلبي" و "ابن إسحاق ونفر آخر من عرفوا بروايتهم هذا النوع من الروايات التي تعرف من معين الإسرائيليات. وما بنا حاجة أبداً إلى البحث في أسماء رواته لمعرفة صلته بالتوراة. فالمسألة جد واضحة. خذ التوراة واقرأ ما جاء في أسفار )أرميا( ونبوءته،تجد القصة مكتوبة في السفر التاسع والأربعين: "عن قيدار وعن ممالك حاصور التي ضربها نبوخذ راصر ملك بابل. هكذا قال الرب: قوموا اصعدوا إلى قيدار، اخربوا بني المشرق. يأخذون خيامهم وغنمهم، ويأخذون لأنفسهم شققهم وكل آنيتهم وجمالهم، وينادون إليهم الخوف من كل جانب.

"اهربوا، انهزموا جداً، تعمقوا في السكن يا سكان حاصور،يقول الرب، لأنّ نبوخذ راصر ملك بابل قد أشار عليكم مشورة، وفكر عليكم فكراً. قوموا إلى أمة مطمئنة ساكنة آمنة. يقول الرب لا مصاريع ولا عوارض لها. تسكن وحدها وتكون جمالهم نهباً، وكثرة ماشيتهم غنيمة، وأدرى لكل ريح مقصوص الشعر مستديراً، وآتى بهلاكهم من كل جهاته يقول الرب. وتكون حاصور مسكن بنات آوى، إلى الأبد،لا يسكن هناك إنسان، ولا يتغرب فيها ابن آدم".عميكرب" في موضع "معديكرب" و "واسا" في موضع "أوس". وولد مالك بن حمير قضاعة بن مالك بن حمير، جدّ قبائل قضاعة في زعم من يجعل قائل قضاعة من اليمن. أما نسّابو العدنانيين، فيدخلونها في عدنان، ولا يوافقون على إلحاق نسبها باليمن، ويرون إن ذلك وقع متأخرا لدوافع سياسية وعصبية. وجعل "الهمداني" لقضاعة أولاداً هم: الحاف، والحاذي، ووديعة، وعبادة. أما صاحب "الاشتقاق"، فقد اكتفى بذكر ولدين هما: الحاف والحاذي، ثم قال: ومنهما تفرعت قضاعة. وولد الحاف بن قضاعة على رأي "الهمداني" هم: عمران بن الحاف، وعمرو بن الحاف، وأسلم بن الحاف، وعُرَ ايْد بن الحاف، و زيد بن الحاف، ، وعبيد بن الحاف، وعشم بن الحاف، وسقام بن الحاف، وليلى بنت الحاف، وسلمان بن الحاف على ما ورد في سجل خولان. فولد عمران بن الحاف، حلوان بن عمران بن الحاف، وتزيد بن عمران ابن الحاف، وسليح بن عمران بن الحاف 4. فولد حلوان بن عمران تغلب الغلباء، وربّان وهو علاف. وقد عدهم "ابن حبيب" من "قبائل الحُمْسى من العرب". وقد جعل بعض النسابين "سليحاً" ابناً لعمرو بن الحاف ابن قضاعة. وذكر بعضهم ان اسم سليح هو "عمرو". ونسبوا إلى حلوان أبناء آخرين، هم: مزاح، وعابد، وعائد، وتزيد. وقد دخل بعض هذه القبائل في قبائل أخرى، فدخلت "عابد" و "عائد" في غسان، ودخلت تزيد في تنوخ.

وولد تغلب وبرة، فولد وبرة كلباً والنمر والأسد والذئب والثعلب والفهد والضبع والدبّ والسيد والسرحان وال!رك وتغلب والخشند وعبساً وضنة. فولد الأسد بن وبرة تيم الله فهماً وقهماً في همدان، وهو تنوخ، وقد دخل في تنوخ المتتخين، و هم: جرم، و نهد ، و الأزد، و إياد، و شيع الله بن أسد. فأولد شيع الله جسراً، فولد الجسر القين بن جسر. وولد تلغب بن وبرة عامراً، وهو طابخة، وولد النمر بن وبرة التيم وخشيناً وفتية بن النمر. وولد "ربّان" جرماً، وعوفاً، وأولد اسلم بن الحاف سوداً وحوتكة أبيْ أسلم. فولد سود ليثاً، فولد ليث زيداً، فولد زيد نهداً،وسعداً وجهينة. فولد سعد - ويعرف بسعد هذيم - عذرة والحارث وصعباً ومعاوية و وائلا بطون كلها. وولد عمرو بن الحاف بهراء وبلياً وحيدان وخَولان ولوذة. وخولان تقول: لوذ. فأولد لوذ "هوذة". وولد حيدان بن عمرو، مهرة، ومجيدا، وتزيد الذين تنسب إليهم "الثياب التزيدية".

وأولد مهرة بن حيدان: اضطمرى بن مهرة، فولد اضطمرى ثلاثة نفر: الآمري، ويقال آمري، ونادغم و الدين، فولد الآمري: القمر، والقرا،والمصلا، والمسكا. ومن قبائل القمر بنو ريام، وبلدهم قرية يقال لها رضاع على على ساحل بحر عُمان. ولهم جبل حصين بناحية عمان يمتنعون فيه يعرف بحبل بني ريام، وبنو خنزريت، وبنو تبرح. ومن قبائل الديل حسريت، فأولد حسريت: الشوجم، ويخن، وأولد يخن: كرشان، والثعين، فمن الثعين بنو تبلة بن شاسة. ويختلف ما في "سجل خولان وحمر بصعدة" عن نسب مهرة بعض الاختلاف في رواية "أبي راشد" المتقدمة التي ذكرها الهمداني. ففي السجل المذكور: أولد مهرة: الآمري، والدين، ونادغم وبيدع بطن. فولد الآمري: اظطمري ومهرى. فولد اضطمري: القمر، ويبرح. فولد يبرح: القرا، وبني رئام. وولد مهرى: المذاذ والمسكا، والمصلا. فولد المصلا، المزافر. وولد الدين: الوجد، والغيث، فمن الغيث: بنو باغت، وبنو داهر. وولد نادغم: العيد و حسريت، و العقار. فولد: الشوجم، و يحنن، فولد يخنن: الثعين، والثغراء، والكرشان. وقال بعض الحضارمة: من نادغم: بنو حديد، وبنو بخ. وأولد مجيد بن عمرو بن حيدان بن عمرو و يحنناً، وحياً، وحبيباً،وعندلاً ووداعة، والأقارع. فأولد خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة سبعة نفر: حيّ بن خولان وهو الأكبر من ولده، وسعد بن خولان، وهو الذي ملك بصرواح، ورشوان ابن خولان، وهانىء بن خولان، ورازح بن خولان، والأزمع بن خولان، وصُحار بن خولان. ويضيف بعض النساب إليهم أولاداً آخرين، وجعلهم بعضهم ثلاثة عشر ابناً. وأولد حيّ بن خولان:عدي بن حيّ، وزيد بن حيّ، وشعب بن حيّ، ومرثد بن حيّ، وغنم بن حيّ، والمقدام بن حيّ، ونوف بن حيّ. وتجد بعض الاختلاف في هذه الأسماء، بحسب اختلاف روابات النسابين. ومن ولد حيّ بن خولان "جيهم"، وهو الذي قال فيه امرؤ القيس: فمن يأمن الأيام من بعد جيهم فعلن به كما فعلن بحزفرا وقد زعم أهل الأخبار أن "جيهما" المايهور كان ملكاً من ملوك حمير. وأولد سعد بن خولان: ربيعة بن سعد، وسعد بن سعد، وعمرو بن سعد. فأولد ربيعة: حجر بن ربيعة، وسعد بن ربيعة، وكامل بن ربيعة، وفروذ ابن ربيعة، ويغنم بن ربيعة، ورشوان الأصغر بن ربيعة، وداهكة بن ربيعة في بعض الروايات. و أولد سعد بن سعد بن خولان: الحارث بن سعد، و حرب بن سعد،و غلب بن سعد، و سهمك بن سعد، و قثم بن سعد. و أولد غالب بن سعد ابن سعد ين خولان: يعلى بن غالب، فأولد يعلى بن غالب: جبراً، و معيشاً، و شلاً، ثلاثة أبطن. و ولد هانئ بن خولان: هلالاً، و علياً فولد هلال شرحبيل و جابر، فولد شرحبيل هلالاً، فولد هلال شرحبيل الأصغر ، و جابراً. و أولد شرحبيل الأصغر "جماعة"، و هي قبيلة عزيزة. و هم أهل بوصان من أرض خولان. و جعل بعض النسابين ولد هانئ خمسة نفر: هلالاً، و يعلى، و علياً، و سعداً، و جامعا. و أولد بن خولان مرتداً، و عويضا، و رئماً، و يعلى، و يغنما، و بزيّاً، بطون كلها. و ذكر بعضهم قائمة تختلف عن هذه في أسماء هؤلاء الأولاد.

و أولد رشوان بن خولان: لآحقا، و مخلفاً، و خليفة، و سعداً، و منبراً، و حرباً، و خولياً. و هناك رواية أخرى تختلف عن هذه في ذكر الاسماء. و ولد الازمع بن خولان ثابتا، و الأجبول، و أخيل و مخيلا، و الأسووق، و الجعل، و مرّان. و جعل بعض الاخباريين عدة ة ولده عشرة، هم:مرّان، و الكرب، و الاسووق، و حفنى، و عبد الله، و يعلى، و ثابت، و عمرو، وعمير، و الناسك. و أولد صحاربن خولان ستة نفر: عامراً، و بشراً، و طارقاً، و علقمة، و شبلا، و حاذراً. و كل هذه بطون كبار. هذا و إننا لنجد اختلافاً بين النسابين في تثبيت هذه الانساب، مما يدل على إن أهل النسب مع دعواتهم بحفظ النسب و وجود مشجرات للأنساب عندهم، كانوا يختلفون فيما بينهم في النسب، حتى إننا نستطيع إن نقول إن سجل خولان وحمير الذي بصعدة، لم يكن يتفق مع الروايات الأخرى للواردة في النسب، ويتجلى ذلك في الروايات المتناقضة التي نراها في الإكليل وفي غيره من كتب الأنساب، ويظهر ان نسابي أهل اليمن،كانوا يعتمدون على علمائهم في النسب، وعلى ما كان مدوناً عندهم منه، ولهذا تجدهم يختلفون في كثير من أنساب أهل اليمن عن النسابين الشماليين الساكنين في العراق أو في بلاد الشام. وجعل "الهمداني" ولد "مالك "بن حمير" على هذا النحو: "زيد بن مالك"، و "زهران بن مالك"، وهم حي عظيم، ولهم كانت اليمامة، و "هوازن الأولى بن مالك" و "الغمور بن مالك" و "الأخطور بسن مالك"، وقيل "هزان الأولى بن مالك". وقد ولد زيد بن مالك "مرة بن زيد"، فولد مرّة بن زيد عمرو بن مُرّة، فولد عمرو بن مرة مالك بن عمرو، فولد مالك بن عمرو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرُة بن زيد بن مالك بن حمير. وولد عامر بن حمير دهمان، وولد دهمان "يحصب" كلها، وولد سعد ابن حمير السلف وأسلم، وولد عمرو بن حمير الحارث، وولد "الحارث" "آل ذي رعين". ويذكر ابن "قتيبة" ان الذي حكم بعد "حمير" هو أخوه "كهلان"، وكان ملكه ثلاثمئة سنة، أي أنه أضعاف أضعاف مدة حكم أخيه حمير. و إذا كانت هذه هي مدة حكمه، فلا بد أن يكون عمره يوم مات أكثر من ذلك بالطبع. وقد ولد "كهلان" زيداً، وولد "زيد" مالكاً، وأدَداً، فولد أدد طيئاً وهو جلهمة، و "الأشعر" وهو "نبت"، و "مالكاً"، وهو "مذجح"، و "مُرّة". ومن طيء "بنوفطرة"، و "الغوث"، و"الحارث". ومن "فطرة": "سعد"، ومنهم: "الأسعد"، و "خارجة"، و "تيم الله". ومن "خارجة"، "جديلة"، ومن "جديلة": "بنو رومان"، و منهم "ذهل"، و "ثعلبة" ومن "ذُهْل": ثعلبة، "جدعاء"، ومن "جدعاء": ثعلبة، و من ثعلبة: تيم. ومن الغوث بن طيء: عمرو، ومن عمرو: أشنع، وثعل، وبولان، و هنىء، و نبهان، و جرم. و من "ثعل": معاوية، وسلامان، و جرول. ومن معاوية: سنبس. ومن سلامان: بحتر ومعن. ومن جرول: ربيعة، ولوذان. ومن ربيعة: أخزم. ومن ولد "مالك بن أدد" المعروف بمذحج: سعد العشرة، وعنس، وجلد، ومراد، وهو يحابر. ومن سعد العشيرة: جزء، وزيد الله، والحكم، و أوس الله، وصعب، وجعفى. ومن جزء: الحمد والعدل. ومن الحكم: جشم، وسلهم. ومن صعب: زبيد، وأود. ومن جعفى: مرّ ان وحريم. ومن جلد: عُلّة. ومن عُلةّ: حرب، وعمرو. ومن حرب: يزيد ابن حرب، ومنبّه بن حرب، ومن منبه: رهاء، ومن يزيد المعروف بصداء: الحارث، والغلي، وسيحان، وشمران، وهفّان، ومنبه، هؤلاء الستة يقال لهم: جَنْب. ومن "عمرو بن عُلّة": عامر، وصعب، والنخع، وهو جسر. ومن عامر: مُسلية. ومن كعب: الحارث. ومن الحارث: معقل، والحماس، وعبد المدان. ومن المنخع: عوف: ومالك. ومن النخع: صلاءة، ورزام. ومنهم الحماس، والحارث، وكعب، وهو الأرت. ومن مراد وهو يحابر: زاهر، وناجية. ومن ناجية: غطيف، وقرن، وبنو ردمان. ومنهم من جعل قرناً ابناً لردمان. ومن زاهر: الربض، وبنو زوف، والصنابح. ومن الأشعر: الجماهر،والأتغم، والأدغم، والأرغم، وجدة، وعبد شمس، وعبد الثريا. ومن ولد "أدد": "مرّة". وولد "مرة": "الحارث". وولد "الحارث": "عدياً"، و "مالكاً". وولد "عدي": "جذاماً"، و اسمه عمرو، ومنهم بنو حرام، وبنو حشمْ، و "لخماً"، وهو "لخم بن عدي". ومنهم: "بنو جزيلة"، و "بنو نمارة"، و "عفيراً". ومنهم "ثور ابن عفير بن عدي"، وهو "كندة". و "الحارث"، وهو "الحارث بن عدي". و هو "عاملة". وقد هجا "الكميت" جذاماً لأنها تحولت إلى اليمن، وهي معروفة بأنها من "بني أسد بن خزيمة". وهذا مما يدل على ان جذاماً كانت قد اختلط نسبها بسبب اختلاطها بالقبائل المتجمعة،وان نسبها اختلط لذلك بالقحطانيين وبالعدنانيين. ومن كندة: "بنو معاوية" و "أشرس". ومن "بني معاوية": "الحارث" ، و منهم "الرائش". ومن "أشرس": "السكون"، و "السكاسك" ، و بنو حجر"، و "بنو "الجون"، و "بنو الحارث" و أولاده، و قبائل أخرى. ومن "بني حرإم": "غطفان"، و "أفصى". ومن "جزيلة": راشدة، وحدس، ومن نمارة: الدار، وبنو نصر. أما "مالك بن الحارث بن مهر"ة بن أدد"، فولد: "عَمْراً"، و "يعفر".ومن "عمرو" خولان وهو فكل، ومن بعفر ولده: المعافر . وولد "خيار بن مالك" ربيعة، وولد "ربيعة" أوسلة، وهو: همدان، وألهان. وولد همدان نوفاً وخيران، فمنهم بنو حاشّد وبنو بكيل. منهم تفرقت همدان، وعربب. ومن بطون همدان: السبيع، ووادعة ، وأما "خارجة" فمنهم جديلة، وهي من طيء . وأما عمرو بن سعد، فهو أبو خولان من عمرو . وولد "مراد بن مذجح": أنعم بن مراد، ويحابر، وكان لهم يغوث بجرش. وولد خالد بن مذجح:! علّة بن خالد. فولد علة عمراً. فولد عمرو: جسراً وكعباً. ومن كعب "بنو النار"، و "بنو الحماص"، و "بنو قنان". وأما "سيدعان"، فمنهم سلامان. واما "زهران"، فمنهم "دوس ابن عدنان" ، ومنهم جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، وجهضم ابن مالك رهط الجهاضم، وسليمة بن ماللك، وبنو هناءة، ومعن بن مالك. ومنهم بطن يقال له يحمد، والفراهيد. ومن زهران بنو يشكر والجدرة. وأما نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، فقد أولد "الغوث". ومن "الغوث" عمرو والأزد. ومن "عمرو": أراش، ومن أراش: أيمار، ومن أنمار: خثعم، وبجيلة، وعبقر . ومن بجيلة: بنو قسر. ومن بطونهم: بنو نذير، وبنو أفرك، وعرينة . ومن "خثعم": شهران ناهس، وشهران، ويقال لهما بنو عفرس . وأما الأزد، فمن ولد: مازن، وعمرو، ودوس، ونصر، ومالك، و قدار، و الهنو، وميدعان، وزهران، و عامر، وعبد الله، وغيرهم. وأما مازن فمنهم: ثعلبة، ومنهم عامر، وامرؤ القيس، و كُرز. ومن امرىء القيس: حارثة الغطريف. ومنهم عديّ، وعامر ماء السماء، والتوأم، ومن عامر ماء السماء ثعلبة العنقاء، ومالك، والحارث، وجفنة، وكعب، وهم غسان. نزلوا على ماء يسمى غسان فنسبوا إليه. ومن ثعلبة العنقاء حارثة، ومنهم الأوس و الخزرج. وقد عرف "الأوس" و "الخزرج" بابني قَيْلَة، وذكر أنهم لم يؤدوا إتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبع يدعوهم إلى طاعته. فغزاهم، "تبع أبو كرب" ? فكانوا يقاتلونه نهاراً، ويخرجون إليه العشاء ليلاً، فلما طال مكوثه، ورأى كرمهم، رحل عنهم . ومن "نصر بن الأزد": "حمار بنَ نصر بن الأزد". قالوا: وكان له بنون فماتوا، فحلف لأميتن من أحيا من أهل الجوف، فقتل ثمود، فقيل: أخلى من جوف حمار.

العرب المستعربة

والطبقة الثالثة من طبقات العرب - على رأي أهل الأخبار - هم "العرب المستعربة" "المتعربة"، ويقال لهم العدنانيون أو النزاريون أو المعديون. وهم من صلب "إسماعيل بن إبراهيم وامرأته "رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي" . قيل لهم "العرب المستعربة"، لأنهم انضموا إلى العرب العاربة، وأخذوا العربية منهم. و منهم تعلم "إسماعيل" الجد الأكبر للعرب المستعربة العربية، فصار نسلهم من ثَم من العرب واندمجوا فيهم. وموطنهم الأول مكة على ما يستنبط من كلام الأخباريين، فيها تعلم "إسماعيل" العربية، وفيها ولد أولاده، فهي إذن المهد الأول للإسماعيليين. ويذكر أهل الأخبار أن "إسماعيل" ولد من زوجه "رعلة"، اثني عشر رجلاً هم: "نابت" وكان أكبرهم، و "قيذر" و "أذبل"، وميشا، و مسمعا، وماشى، ودما، وأذر، وطيما، ويطور، و نبش، وقيذما. وأكثر هذه الأسماء وروداً في الكتب العربية، نابت، وقيذر. وقد أخذ النسابون هذه الأسماء من التوراة، فقد جاء فيها: "هذه أسماء بني إسماعيل بأسمائهم، على حسب مواليدهم: نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار، وأدبئيل، ومبسام، و مشماع، و دومة، ومسا، وحدار، وتيما، و يطور، و نافيش، وقدمة".

ولم تذكر التوراة اسم المرأة التي تزوجها إسماعيل، فأولدها هؤلاء الأولاد الذين انتشروا، فسكنوا في منطقة تمتد من "حويلة" إلى "شور". وعدنان في نظر العدنانيين هو جدهم الأعلى، كما أن قحطان هو الجد الأعلى للقحطانيين. ولما كانت الطبقة الأولى من العرب قد بادت وذهبت، تكون العرب الباقية و كلها من ولد قحطان و عدنان، استوعبت شعوب العرب كلها. وقد رأينا أن "قحطان" هو "يقطن" أو "يقطان" في التوراة. أما "عدنان"، فلا نجد له اسما فيها، وقد رأينا أن بين "يقطان و"سام" ثلاثة آباء أو أربعة. أما بين عدنان وسام، فعدد كبير من الأباء. وقد اختلف النسابون في عدد من كان بين إسماعيل وعدنان من الآباء، فرأى بعضهم أنهم أربعون، وروى غيرهم انهم عشرون، وقال آخرون انهم خمسة عشر شخصاً، وقالت جماعة إن المدة طويلة بين عدنان وإسماعيل بحيث يستحيل في العادة أن يكون بينها هذا العدد من الآباء. وقد اختلف الأخباريون وأصحاب الأنساب في نسب عدنان اختلافاً كبيراً، واختلفوا بينهم حتى في كيفية النطق بتلك الأسماء، على حين إننا لا نرى اختلافاً بينم في نسب قحطان، ولا في كيفية النطق بتلك الأسماء . وقد علل محمد أبن سعد الواقدي ذلك بقوله: "وكان رجل من أهل تدمر يكنى أبا يعقوب من مسلمة بني إسرائيل قد قرأ من كتبهم، وعلم علمهم، فذكر ان بورخ أبن ناريا، كاتب أرميا أثبت نسب معد بن عدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب وعلمائهم، مثبت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء. ولعل خلاف ما بين هم من قِبل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية" . ويقول الواقدي في موضع آخر: "وهذا الاختلاف في نسبته يدل على انه لم يحفظ، و إنما اخذ من أهل الكتاب، وترجموه لهم، فاختلفوا فيه. ولو صح ذلك، لكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اعلم الناس به. فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معدّ بن عدنان، ثم الإمساك عما وراء ذلك إلى إسماعيل ابن إبراهيم، وقال أيضا: "ما وجدنا في علم عالمٍ ولا شعر شاعر أحداَ يعرف ما وراء معد بن عدنان بثبت".

ونقل ابن خلدون رأي من تقدمه في هذا الاختلاف، فقال: " ونقل القرطبي عن هشام بن محمد فما بين عدنان وقيدار نحواً من أربعين أباً، وقال: "سمعت رجلا" من أهل تدمر من مسلمة يهود وممن قرأ كتبهم يذكر نسب معدّ ابن عدنان إلى إسماعيل من كتاب أرمياء النبي، عليه السلام، وهو يقرب من هذا النسب في العدد والأسماء إلا قليلا، ولعل الخلاف إنما جاء من قبل اللغة، لأن الأسماء ترجمت من العبرانية". ويرجع بعض أهل الأخبار اختلاف الناس في عدد الآباء والأجداد فيما بين عدنان وإسماعيل إلى أَيام النبي، فهم يذكرون إن الناس كانوا في خلاف فيما بينهم في عددهم، وان الرسول لما رأى خلافهم هذا، نهاهم عن تجاوز نسب "معد بن عدنان"، وأمرهم بالتوقف عنده. وانتسب النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى عدنان، وقال: "كذب النسابون، فما بعد عدنان، فهي أسماء سريانية لا يوضحها الاشتقاق" .

وقد جعل بعض الأخباريين اسم والد "عدنان" "أُدَداً"، وساقوا نسبه على هذا الشكل: "عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى"، وساقه آخرون على هذا الوجه: "عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص ابن يوز بن قموال بن أبي بن العوام بن ناشد بن بلداس بن تدلاف بن طايخ ابن جاحم بن ناحس بن ماخي ين عيقي بن عبيد بن الدعا 000" إلى آخر ذلك من سلسلة مفتعلة ولا شك، رواها "ابن الكلبي". وقد سبق النسب على هذه الصورة أيضاً: "عدنان بن أدد بن الهميسع". وروي بصور أخرى في كتاب نسب قريش "للزبيري". ولم يذكر أهل الأخبار شيئاً عن "أد" أو "أدد"، ولا عن كيفية توصلهم إلى أحدهما، أو كليهما. وقد زعم بعض علماء اللغة إن "أد" من "أدّ"، والكلمة فعل من المودّة، "قليت الواو ألفاً لانضمامهما".

وذكر الأخباريون أن "وُدّاً"، وهو الصنم الشهير الذي تغلب على دومة الجندل وتعبدت له "كلب" و "قريش" و قبائل أخرى عديدة، كان يهمز أيضاً، فيقال "أدّ"، وبه سمي "عبد وُدّ"، كما سمي "ادّ بن طابخة"، و "أدد جد معدّ بن عدنان". ونجد بين آلهة الشعوب السامية اسم صنم يقال له: "أدد" "Adad" و "أدو" "Addu"، أرى أن لاسم هذا الصنم علاقة باسم "أدد". وقد ساق "محمد بن إسحاق" نسب عدنان على هذه الصورة أيضاً: "عدنان ابن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل"، فجمع بين نسب "عدنان" ونسب "يعرب"، ورجعهما كما ترى إلى "إسماعيل"، وساقه في مكان آخر بصورة أخرى. والغريب أن الرواة الذين رووا هذه الأنساب وشجرات النسب التي يتصل سند روايتها بهم، كابن الكلبي ومحمد بن إسحاق وأمثالهما، هم أنفسهم يروون هذا النسب بأشكال مختلفة ومتضاربة، وطالما حرفوا الأسماء العبرانية، ورووها بصور متعددة، وقد يحشون بينها أسماء عربية. وقد روى رواياتهم هذه أناس متعددون، ولكنهم متفقون على أنهم سمعوها منهم، أو نقلوها من مؤلفاتهم، كما يتبين ذلك من السند. ولما كان أكر هذه الأسماء الواردة في عمود نسب "عدنان" محرفة، وكانت غير موجودة في التوراة، وإنما هي أسماء عبرانية ممسوخة احياناً، فإنّ هذا يدل على أن الرواة اليهود الذين كانوا يتحدثون بمثل هذه الأمور إلى ابن الكلبي ومحمد بن إسحاق وغيرهما ممن مال إلى الأخذ منهم، كانوا إما جهلة بما يتحدثون به، وإما كذّابين أو ممن كانوا يحاولون التقرب إلى المسلمين بهذه التلفيقات لمآرب خاصة، أو ادعاءً للعلم. غير أننا لا نستطيع أن نبرئ هؤلاء للرواة أنفسهم من وصمة الجهل أو الكذب، ولا سيما ابن الكلبي الذي تفرد برواية معظم هذه الأخبار. الجائز أنه كان يلجا إلى أهل الكتاب ليأخذ منهم ما عندهم، ومن الجائز انه كان يضيف اليها، أو يخترع من عنده، ليتحدث به إلى الناس. وإلا فان من الصعب صدور هذا الخلط من رجل ثقة يعي ما يقول. وقد استغل نفر من أهل الكتاب مثل اليهودي التدمري المذكور، الذي أسلم كما يقول الرواة،هذا الجشع الذي ظهر بين أهل الأخيار في البحث عن الأنساب القديمة، أنساب أجداد العرب القدامى، فصنعوا ما صنعوا من أسماء عليها مسحة توازنية، قدموها إليهم على أنها مذكورة في التوراة. وقد أخذها الرواة على عادتهم من غير بحث ولا مراجعة للتوراة. وما الذي يدفعهم إلى البحث والمراجعة، فإن كل ما يطمعون به ويريدونه هو الحصول على مادة يظهرون بها على أقرانهم من أهل الرواية والأخبار. ولم يرد اسم "عدنان" في النصوص الجاهلية، ولا في المؤلفات "الكلاسيكية". أما في الشعر الجاهلي، فقد ورد في شعر ينسب إلى "لَبِيد"، وفي شعر آخر ينسب إلى "عباس بن مرداس". "ولم يجاوز أبناء نزار في أنسابها وأشعارها عدنان. اقتصروا على معد، ولم يذكر عدنان جاهلي قط غير لبيد.. وقد يروى لعباس بن مرداس بيت في عدنان". وهذا بدل على أن "عدنان" لم يكن جدا كبيرا في الجاهلية، كما صوره أهل الأخبار و الأنساب، فلو كان جداً كبيراً، لوجب عقلاّ تردد اسمه وورود شيء عنه. والغريب إننا نجد اسم "معد" مذكوراً عند "بروكوبيوس" وفي القديم من الشعر الجاهلي، مع أنه ابن "عدنان". وقد وردت في الكتابات النبطية والثمودية أسماء قريبة من اسم "عدنان"، مثل "عبد عدنون" و "عدنون". أما الكتابات الجاهلية التي عثر عليها في اليمن، فلم "يرد فيها هذا الاسم، أو اسم آخر قريب منه.

لقد كان من السهل علينا الوقوف على المنبع الذي أمدّ أهل الأخبار بأصل كلمة "قسطان". أما بالنسبة إلى "عدنان"، فإن من العسير علينا أن نتحدث عن المنبع الذي أمد أهل الأخبار باسمه. فليس في التوراة اسم يشابهه بين أسماء أبناء اسماعيل، أو غير أبناء إسماعيل، وليس فيها اسم. ملك عربي أو سيد قبيلة عربية اسمه لا يشابه اسم "عدنان". ثم إننا لا ندري كيف عثر عليه أهل الأخبار، وكيف صيروه على الوزن الذي صيغ به اسم "قحطان": هل ابتدعوه ابتداعاً، أو أخذوه من أفواه أناس أدركوا الجاهلية وكانوا قد وقفوا على اسمه بين أهل مكة أو بين القبائل التي تنسب إلى اسماعيل? و هل كان اسم قبيلة أو اسم حلف من الأحلاف، ثم صيّر اسم رجل فيما بعد. هذه أسئلة يجب أن نعترف بأن من غير الممكن الإجابة عنها في الزمن الحاضر، لعدم وجود مادة لدينا تساعدنا في استنباط أجوبة منها، لذلك نترك أمرها إلى المستقبل، فلعل الأيام المقبلة تأتي بمادة جديدة، تزح النقاب عن هذا الجهل المطبق باسم عدنان، وبفكرة عدنان. ويظهر من روايات أهل الأخبار إن "تهامة" هي موطن العدنانيين، ومكة من تهامة. ولكن أحوالاً قاهرة أحاطت بالقبائل العدنانية فاضطرتها إلى التفرق والهجرة. وكانت "قضاعة" أول من تشتت وتفرق بسبب قتال وقع بينها وبين نزار. ثم أعقب هجرة قضاعة هجرات أخرى من العدنانيين، فانتشروا في مناطق واسعة من جزيرة العرب حتى وصلوا إلى العراق والشام. واختلطوا بالقبائل الأخرى، وتفرقوا، في كل مكان. ويظهر من تلك الروايات أيضاً، أن القبائل العدنانية، كانت قبائل متشاحنة يحارب بعضها بعضاً، دفعها إلى تشاحنها هذا طبيعة البداوة وفقر البادية،و التقاتل عاى الكلأ والماء، حتى ضرب بها المثل في التفرق والتشتت. ونجد اسم "نزار" على انه اسم قبيلة مذكوراً في نص "امرئ القيس" مع أنه ابن "معد"، أي حفيد عدنان، ولا نجد اسم جده في هذا النص. وهذا مما قد يبعث الظن في نفوسنا أن فكرة "عدنان" لم تظهر إلا في الجاهلية القريبة من الإسلام وفي الإسلام. وأولد الأخباريون عدنان عدداً من الأولاد، أشهرهم وأعرفهم في نظرهم: معدّ، وعك. وقد زعم الأخباريون أن معداً عاش في أيام "بختنصر"، وأن معداً خلص إلى "حرّان" حينما هاجم ملك بابل، أهل "حضورا" في اليمن. أما "عدنان" والده، فلقى "بختنصر" فيمن اجتمع أليه من "حضورا" وغيرهم في "ذات عرق"، فهزمهم "بختنصر" " ومات "عدنان" في أيامه. فلما هلك "بختنصر" خرج "معدّ" من "حران" إلى مكة، فوجد أخوته وعمومته قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوجوا فيهم، فرجع بهم إلى بلادهم. ورجع "الزبيدي" أيام "معدّ" إلى أيام "موسى" إذ قال: " وكان معد بن عدنان في زمن سيدنا موسى عليه السلام، كما يعرفه من مارس علم، التواريخ والأنساب".

وقد جعل بعض أهل الأخبار أم معدّ بنتاً من بنات يشجب، قالوا إن اسمها "تيمة" وإنها "تيمة بنت يشجب بن يعرب بن قحطان". فربطوا بذلك نسب معد بنسب قحطان من جهة الأم. بلى ذهب هؤلاء إلى بعد من ذلك بأن جعلوا أم "عدنان"، بنتاً من بنات "يعرب"، وقد قالوا لها "بلهاء". فصار "يعرب بن قحطان" بهذا الزواج، خالاً لعدنان ولذريته العدنانيين. وجعلها بعض آخر من جديس أو من طسم، وقالوا إن اسمها "مهدد بنت اللهم". يقال "اللهم بن جلحب بن جديس"، وقيل ابن طسم، وقيل ابن الطوسم، ومن ولد يقشان بن إبراهيم. ومن بقية ولد عدنان على رأي أهل الأخبار: عدن بن عدنان، وزعم أنه صاحب عدن، وأبين بن عدنان، وهو صاحب "أبين" على بعض الآراء، وأد بن عدنان، وقد درج، والضحاك، والعيّ، وام جميعهم أم معد على بعض الروايات . ونجد لمعد ذكراً في الشعر الجاهلي، فقد ورد في شعر "امرئ القيس"، وفي شعر "النابغة الذبياني"، وفي شعر "زهر بن أبيُ سلمى"، وفي شعر "قيس بن الخطيم"، وفي شعر "بشر بن أبي خازم الأسدي"، و في شعر "عمرو بن كلثوم التغلبي"، و في شعر " عبد المسيح بن عمرو الغساني"، وفي شعر "سلامة بن جندال السعدي"، و في شعر ينسب إلى الحاجب بن زرارة". يقولون انه قاله يردّ فيه على، "الحارث"، وفي شعر ينسب إلى الشاعر "ابن دارة"، زعموا أنه قاله في مدح "حاتم الطائي"، وفي شعر ينسب إلى"زهير بن جناب الكلبي"، وغيرهم، كما ورد اسم معد في شعر المخضرمين. وقد استعملت في كلمة "الحي المعدي" في شعر ل "حاجب بن زراة"، كما ورد "حي في معد"، مما ينبئ إن معدا كانت مؤلفة من احياء، لا من حي واحد، و جاء في شعر عمرو بن كلثوم: " و قد علم القبائل من معد"، و يدل ذلك على إن معدا كانت مؤلفة من قبائل، و انها لم تكن قبيلة واحدة. و نلاحظ إن شعراء الجاهلية القدامى كانوا يستعملون: "قد علمت معد". و يقول علماء اللغة: إن معداً "غلب عليه التذكير، وهو مما لا يقال فيه من بني فلان. وما كان على هذه الصورة، فالتذكير فيه أغلب. و قد يكون اسماً للقبيلة". و يستنتج من هذا إن معداً لم تكن في الأصل اسم علم لرجل تنتمي إليه قبيلة معينة، و انما كانت كلمة عامة تشتمل قبائل تشترك في طراز الحياة و إن كانت تعتقد انها ترتبط بعضها ببعض برباط النسب. و قد استعمل حسّان بن ثابت كلمة "معد" في مقابل "الأنصار"، و ذكر أن الأنصار "لها في كل يوم من معدّ قتال أو سباب أو هجاء"، وأن الأنصار نصروا رسول الله على رغم أنف معد، و أورد اسم معد في أحد الابيات مع قحطان، كما قال عن "بني أسد" إنها "تذبذب في معدّ"، فأستعمل كلمة معدّ في شعره للدلالة على خصوم الانصار، كما استعملها في مقابل قبائل معينة. و خصوم الأنصار هم قريش و المهاجرون. و لما كان الشاعر يعد نفسه من اليمن، و أهل مدينته من أصل يماني، فإن من الجائز أن نقول إنه عبر عن فكرة معد و قحطان في هذا الزمان و عن رأي أهل مدينته خاصة في النسب عند ظهور الإسلام. و بينما يصرف حسان بن ثابت كل فنّه إلى هجاء خصوم الأنصار، أي أهل مكة و الدفاع عن أهل يثرب، و الفتحار بقومه على قوم معد و نزار، نرى انه لا يسمي من يهجوهم عدنانيين، و لم يستعمل في شعره الواصل الينا المطبوع اسم عدنان، فَلمَ أغفل حسان اسم عدنان? أليس عدنان والد معدّ? ألم يكن من الأجدر به ذكر عدنان و تقديمه على معدّ? ألم يقسم علماء النسب العربّ إلى أصلين: أصل قحطاني وأصل عدناني? ألسنا نجد في كتب الأنساب والتأريخ اسم عدنان مقسماً على معدّ، وان قبائل معدّ تعد نفسها عدنانية، كما أن قبائل قحطان تعد نفسها قحطانية? لا يعقل بالطبع أن يكون حسّان قد ترك عدنان والعدنانية ولجأ إلى استعمال "معد" لو لم تكن لفظة "معد" أشهر وأعرف وأكثر استعمالاً في أيامة من عدنان. وهذا هو ما نلاحظه أيضا في سائر الآثار التي تعود إلى الجاهلية وصدر الإسلام.

ويلاحظ إن حظ مصطلح "عدنان" و "عدنانية" و "قبائل عدنانية" قد برز في الإسلام بروزا لا نلحظه في الجاهلية بل حتى في الجاهلية الملاصقة للإسلام ولهذا غلب على مصطلح "معد" و "معدية" و "قبائل معدية"، فصار "عدنان" في مقابل "قحطان" ومن هنا صار العرب قحطانيين أو عدنانين، واختفت بالتدريج المصطلحات الانتسابية الأخرى التي شاعت في الجاهلية أو في صدر الإسلام. ويستنتج من أقوال علماء اللغة أن لفظة "معدّ" تعني الشظف في العيش، والغلظ في المعاش والتقشف، وأنها تعني حياة بدوية شاقة بعيدة عن كل وسائل الحضر وترف أهل المدر، وهذا بالنظر لأهل المدن وأهل المدر نوع من الخشونة لا يحمد الإنسان عليه. وقد وصفت ملابسهم بالخشونة كذلك فميزت عن غيرها، جاء "عليكم باللبسة المعدّية" أي خشونة اللباس، وروي: "اخشوشنوا وتمعددوا". وبهذا المعنى ورد: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". فالظاهر إن كلمة معد كانت تعتي ما تعنيه "اريبي" "عريبي" عند الآشوريين، أي البدو والأعراب. غير إنها خصصت بعد ذلك بقبائل خاصة هي القبائل التي نسبت نفسها إلى عدنان وإسماعيل، وأكثرها من مكة وحولها، ثم تغلبت عليها "العدنانية" في العصر الأموي فما بعده. والمثل: "تسمع بالمُعَيْدي خير من أن تراه"، من الأمثال المشهورة المعروفة حتى الان. و يرتفع أهل الأخبار بزمنه إلى أيام الجاهلية، و يقولون إن النعمان بن المنذر تمثل به يوماً. ولفظة "معيدي"، تصغير "معدي"، ويراد بها رجل من معد. وفي إطلاق هذا المثل بهذا المعنى دلالة على المعاني المتقدمة. وفي رواية أن قائل هذا المثل هو "المنذر بن ماء السماء". وقد استخف النابغة الذبياني بمعد أيضاً إذ قال: ضلت حلومهم عنهم وغـرَّهُـمُ سن المعيدي في رعي وتغريب ولا أستبعد أن يكون بين لفظة "معيدي" و "معدان" التي تطلق في العراق اليوم على للغِلاظ السود من بعض الأعراب، وبين "معد" صلة، فقد كانت مواطن "معد" في العراق أيضاً، والصفات المذكورة تنطبق على المعدان كذلك. وقد اتهمت "معد" بالمكر والحيلة والكيد، فورد في الأخبار "وان هذه المعدية لا تخلو من مكر وحيلة"،وورد "كنت أخبرك إن معداً لا ينام كيدها ومكرها"، وورد "إن عدي بن زيد فيه مكر وخديعة، والمعدي لا يصلح إلا هكذا" مطا يدل على أن ملوك الحيرة كانوا لا يأمنون من القبائل المعدية ولا يعتمدون عليها، ولذلك كانوا يحذرونها. كما اتهم ولد نزار بالحيل، قال "المسعودي": "ورأيتُ بلاد مأرب من أرض اليمن أناساً من عقيل محالفة لمذحج، لا فرق بين هم وبين أحلافهم، لاستقامة كلمتهم، فيهم حيل كثيرة ومنعة، وليس في اليمن كلها أحيل من نزار بن معد غير هذا الفخذ من عقيل، إلا ما ذكر من ولد أنمار بن نزار ابن معد، ودخولهم في اليمن حسب ما ورد به الخبر". وورد في كتاب "تأريخ الحروب" ل "بروكوبيوس Procopius" المتوفى سنة "565م"، أي في زمن لا يبعد كثيرا عن ميلاد الرسول، ذكر قبيلة من قبائل "السركيوني"Sarakenoi سماها "Maddeni" "Maddenoi" ، وقال إنها كانت خاضعة لحكم Homeritae وان "يوسطنيانوس" "جستنيانس" "527 - 565م"، قيصر الروم، أرسل رسولاً إلى ملك ال Homertae لينضم إلى الروم ويوافق على تعيين شيخ اسمه "Casius" "Kaisus" على Maddeni، وتأليف جيش مشترك من "هوميريته" و "مديني" "معديني" لمهاجمة الفرس وشن الغارات على حدودهم. وقد نصب ملكاً على "مديني"، ورجع الرسول ليخبر القيصر، غير أن المللكيين لم يغزوا أرضَ الفرس. وقصد "بروكوبيوس" ب "مديني" Maddeni "معداً" و ب "هوميريته" Homeritae "حميراً"، وعنى بذلك اليمن. وكانت معد خاضعة يومئذ لحمير، وكان هذا الزمن زمن استيلاء الحبشة على اليمن. و Caisua الذي نصب ملكاً على "معد" هو "قيس"، وكان صاحب كفايات، شجاعاً محارباً، وكان قد قتل أحد أقرباء ملك Homeritae، وكان هذا الملك هو Esimiphaeus أي "السميذع أشوع"، الذي نصبه النجاشي نائباً عنه على اليمن، فتلقب بلقب "ملك". والظاهر أن وساطة القيصر لدى "السميذع" إنما كانت لإصلاح ذات البين، ولتسوية ذلك الحادث. وقد تم على ما يظهر ونجحت الوساطة، وتلقب "قيس" وهو رئيس "معد" يلقب ملك. ولا أستبعد أن يكون "قيس" هذا أحد رؤساء القيسيين.

وقد ذكر "بروكوبيوس" أن معداً هم جماعة من "السركينوى"، أي جماعة من القبائل التي عرفت عند اليونان باسم "السرسين" أيضا، كما ذكرت ذلك في السابق. وهذا يعني أن معداً لم تكن في أيام ذلك المؤرخ الذي لم يبعد عهده عن الإسلام كثيراً، على النحو الذي يصوّره الأخباريون. وكل ما في الأمر إنها قبيلة أو مجموعة قبائل تسمى ب "معد"، وأنها كلها أو قبيلة منها كانت خاضعة لحمير، أي للسلطة الحاكمة على اليمن يومئذ، وهي الحبشة، ثم استقلت عنها.أما بقية معد، فلم يتحدث المؤرخ عنهم، لذلك لا ندري أكان "معد" "بروكوبيوس" هم جماعة أو جماعة منها.و إذا كان الشعر المنسوب إلى "أبن بقيلة"، و هو من نقباء الحيرة و ساداتها صحيحاً: تكون كلمة "معد" معروفة في ذلك العهد، على نهو يفهم منه إنها كانت تعني قبائل عديدة أعرابية تنضوي كلها تحت هذه التسمية. فقد جاء في شعره ألم وتوجع لما حل بأهل الحيرة بعد الفتح، فقد رأى سواماً تروح بالخورنق والسدير بعد ما كانا مكانين مختارين للمنذرين، وبعد فرسان النعمان، يرى الناس قلوصاً بين "مرة والحفير"، وصاروا بعد هلاك "أبي قبيس" كجُرب المعز في اليوم المطر، وقد تقاسمتهم القبائل من معد، علانية كأيسار الجزور، بعد أن كانوا أناساً لا يرام لهم حريم، وصاروا كضرة الضرع الفخور، يؤدون الخراج بعد خراج كسرى، وخراج من قريظة والنضير، ثم خلص إلى نتيجة يخلص إليها من ييأس ويقنع، فقال: كذاك الدهر دولتُه سجـالٌ فيوم من مساءة أو سرور وقد ذكر "الطبري" إن خالداً لما أمره "أبو بكر" بفتح العراق، وقصد الأُبلّة، حشر ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه، وربما قصد "ابن بقيلة" من "معد" هذه القبائل التي انضافت إلى خالد. ولكن القبائل التي انضافت إلى خالد في العراق أو التي حاربته هي من مضر وربيعة في الغالب، وبين سكان الحيرة قوم يرجعون أنسابهم إلى تميم وإلى قبائل معدية، فكيف يتألف "ابن بقيلة" من إدبار الدنيا ومن إعراضها عنه وعن أمثاله حتى صاروا في حكم "معد"، وقد اقتسمتهم قبائل معد. فالظاهر إنه كان يتأفف لأن الأمر أدبر منه ومن سادة أهل الحيرة والقرى، وهم حضر مستقرون، لهم نعيم وملك وقصور وبيوت وعيش رغيد. ولكن الدنيا أدبرت عنهم، وسلمت الأمر إلى قبائل من معد، وهم أعراب، وصار أمرهم إليهم، فتأفف من ذلك الزمان.

وقد عرف "حذيفة بن بدر" سيد غَظَفان ب "رب معد"، وكان من أشرف بيوتات هذه القبيلة، التي كانت محالفة ل"أسد". وقد عرفتا ب "الحليفتين" مما يدل على انهما كانتا متحالفتين. ويدل هذا النعت الذي نعت به "حذيفة"، وهو "رب معد"، على إن معدا كانت قبائل، وكل منها تنتسب إليها، وأنها لم تكن قبيلة معينة، أي إنها كانت قبائل ترى نفسها إنها من نسب واحد، وان قبيلة واحدة منها إذا برزت وظهرت جاز لها أن تمثل قبائل معد، وأن ينعت رئيسها نفسه ببعض النعوت التي تدل على ترأسه لها، ومنها "رب معد". فيتبين من كل ما تقدم إن "معداً" كلمة أريد بها أعراب كانوا يتنقلون في البوادي، يهاجمون الحضر والأرياف بصورة خاصة، لأنها كانت أسهل صيد للأعراب بسبب بعد أهلها عن سيطرة الحكومة المركزية، وعدم وجود قوات دفاعية رادعة لتدافع عنهم. وكانوا يباغتون الناس ويفاجئونهم، وكانت حياتهم حياة قاسية صعبة. ولم يكونوا قبيلة واحدة، ولكن قبائل عديدة، تتشابه في المعيشة، وتشترك في فقرها وفي تعيشها على الغزو والتنقل، وقد كانت تقيم في البوادي وعلى أطراف الحضارة، كانت مواطنها بادية الشام ونجد والحجاز والعربية الشرقية. ثم صارت اللفظة علماً لرجل صير جدّاً للقبائل التي عاشت هذه المعيشة، وعرفت بهذه التسمية على الطريقة المعروفة عند العرب وعند غيرهم من الساميين من تحويل أسماء الأماكن أو الأصنام أو المحالفات إلى أسماء أجداد وآباء.

وقد كانت "تهامة" موطن أبناء معد على حسب رأي أهل الأخبار. سكنت قضاعة من ساحل البحر حيث أنشأت "جدة" فيما بعد إلى حيز الحرم، وسكن أبناء جنادة بن معد منطقة الغمر: غمر ذي كندة، وكانت كندة قد أقامت بها أيضاً فعرفت بها. وسكن أبناء قنص بن معد وسنام بن معد، وبقية ولد معد أرض مكة، حيث أقاموا مع بقايا جرهم. ظلوا على ذلك متساندين متآلفين تضمهم المجامع، وتجمعهم المواسم، حتى وقع الشر بين هم، فتفرقوا وتخاذلوا وقاتل بعضهم بعض، يقتل العزيز منهم الذليل. عكّ وقبائل عَكّ ، هي القسم الآخر الشهر من أقسام قبائل عدنان، وتقع أرضها في نجوب أرض معدّ، شقيق عَكّ. وقد زعم أهل الأخبار أن "بختنصر" لما هاجم "حضورا" انطلق "عَكّ" إلى أرض اليمن، فاستقر بها، فاختلط من ثم نسب عك باليمانيين. وقد سكن العكيون تهامة اليمن إلى جُدَّةَ. ومن معاني لفظة "عَكّ" في اللغة الحر الشديد. و قد تصور جماعة من النسّابين وجود صلة بين "عَكّ" و "الأزد". والظاهر أن ذلك إنما وقع لهم من اختلاط منازل القبيلتين. وزعم بعض الأخباريين أن نسب عَكّ كان في اليمن في الأصل، ثم انتقل إلى معد، بعد قتال وقع بين عَكّ وغسان في تهامة، تغلبت فيه غسان على عَكّ، فأجلتها عن أوطانها، فمن ثم انتفت عَكّ من اليمن، وانتسبت في معد. وقد سيق نسب "عَكّ" على هذه الصورة: "عَكّ بن الديث بن عدنان" في يعض الروايات، وسيق على صور أخرى مثل: "عَكّ بن عدنان بن عبد الله" من بطون الأزد. وهناك بيت شعر للشاعر "العباس بن مرداس" يتكثر بعك على اليمن، حيث يقول: وعك بن عدنان الذين تلـعـبـوا بغش إن حتى طردوا كل مطرد ومضمون هذا البيت يخالف ما جاء في الرواية الأخرى التي تدعى تغلّب غسان على عك. وقد ذكر "ابن دريد" أن "عدنان" والد "عك"، هو "عدنان بن عبد الله بن الازد"،وأن من نسب "عكاً" إلى الازد، نسبه إلى هذه الصورة فجعل "عدنان" حفيداً من حفدة الأزد. وقد ورد في جغرافيا "بطلميوس" اسم شعب من الشعوب العربية، دعي ب Anchitae Achitae Akkitae Akkitai، موطنه هي المواطن التي نسبها النسابون إلى "عَكّ"، لهذا ذهب الباحثون المحدثون إلى أن هذا الشعب هو "عَكّ". وعلى ذلك تكون إشارة "بطلميوس" إليهم أقدم إشارة إلى هذه القبيلة في التأريخ. وتكون "عَكّ" بذلك من القبائل المعروفة قبل الإسلام بزمان. وهي لا بد أن تكون قد عرفت قبل "بطلميوس" وإلا لم يذكرها هذا الجغرافي في جغرافيته. غير أن "بطلميوس" يشر إلى أصلها ونسبها، ولا إلى صلتها بغيرها من القبائل. وكل ما ذكره عنها إنها قبيلة من قبائل العرب، تسكن في المواضع التي عينها في كتابه المذكور.

أولاد معد

وولد معد بن عدنان عدداً من الأولاد، جعلهم بعض الأخباريين أربعة، هم: نزار بن معد، وقضاعة بن معد، وقنص بن معد، وإباد بن معد. وجعلهم بعض آخر أكثر من ذلك، إذ أضافوا إلى المذكورين عبيد الرماح ابن معد، وقد دخل أبناؤه في "بني مالك بن كنانة"، والضحّاك بن معد، قالوا: أغار على بني إسرائيل، وقناصة بن معد، وسناماً، وحيدان، وحيدة، و حيادة، و جنيداً، وجنادة، و القحم، والعرف، وعوفاً، وشكاً، و أمثال ذلك. وزعموا إن الإمارة كانت لقنص بعد أبيه على العرب. وأراد إخراج أخيه نزار من الحرم، فأخرجه أهل مكة، وقدموا عليه نزاراً. ويُخرج بعض أهل الأخبار "قضاعة" من صلُب معد، فيضيفها إلى القحطانين، على حين نرى فريقاً أخر من النسابين ومن ورائهم القضاعيون يعدّون أنفسهم مهن أقدم أبناء معد، فيقولون: قضاعة ابن معد، وبه كان يكنى معد، أي انهم أقدم أبناء معد. ويروون في ذلك شعراً من أشعار قضاعة في الجاهلية وبعد الجاهلية. وفي كل ذلك أثر التعصب القبلي الذي كان يتحكم في النفوس، ويظهر في النسب. ويذكر النسابون الذين يرجعون نسب قضاعة إلى حمير إنها من نسل قضاعة بن مالك بن حمير بن سباً كما رأيت. ونرى "الكُميت" يعير قضاعة ويهجوها بانتمائها إلى اليمن وادعائها إنها من "قضاعة بن مالك بن حمير"، و إنما هو "قضاعة بن معد بن عدنان". وقد شبهها بالرئال لمفارقتها نزاراً، وانتقالها إلى اليمن. ويشر اختلاف النسابين هذا في نسب قضاعة إلى اختلاط قبائل قضاعة بقبائل معد وبقبائل اليمن، فانتمى قسم منهم إلى معد، وقسم منهم إلى اليمن، ومن هنا وقع هذا الاختلاف. وأرى إن لاختلاط قبائل قضاعة في بلاد الشام وفي أماكن أخرى بقبائل ترجع نسبها إلى قحطان دخلاً في إدخال نسبها في اليمن. وقد يكون ذلك في العصر الأموي بصورة خاصة، حيث صار نزاع قيس وكلب، أي نزاع عدنان واليمن نزاعاً سياسياً عنيفاً قسّم عرب بلاد الشام إلى جماعتين متباغضتين، تسعى كل جماعة لضم اكبر ما يمكن من القبائل إليها، ولا سيما القبائل القوية المهمة مثل قضاعة. فأدخلها اليمانيون لذلك فيهمم وألحقوا نسبها باليمن. أما قضاعة الباقون الذين كانوا في أرضين أخرى، فلم يقع عليهم مثل هذا التأثير، وقد كانوا أكثر استقلالاّ، وعلى اتصال متين بالعدنانيين، ولهذا أبوا إلحاق نسبهم بقحطان. و إذا غربلنا أخبار الأيام، وبعض الروايات التي يرويها أهل الأخبار، فإننا نتوصل منها إلى أن قضاعة كانت قد اشتركت مع ربيعة ومعدّ في محاربة "يمن". فقد ذكر مثلاً: إن "عامر بن الطرب العدواني" قاد ربيعة ومضر وقضاعة كلها "يوم البيداء"، لليمن حين تمذحجت على بني معد. وذكر أن "ربيعة ابن الحارث بن زهر التغلبي" قاد مضر وربيعة وقضاعة يوم السلان إلى أهل اليمن، وأن ابنه "كليب بن ربيعة"، و هو "كليب وائل"، قاد ربيعة ومضر وقضاعة يوم "خزازى" إلى اليمن. ولعل في هذه الأمثلة وفي غيرها تأييداً لرأي غالب قضاعة وبقية النسابين الذين يرجعون نسب قضاعة إلى بني معد، أي إنها كَانت في حلف مع ربيعة ومضر، وهما من بني معد. ولما كانت ربيعة ومضر في نزاع مع اليمن، كانت قضاعة معها في هذا النزاع. وتذكر "قضاعة" في الأخبار مع "مضر" و "ربيعة" و "اليمن" وهذا يدل على إنها كانت في منزلة المذكورين في الكثرة والمكانة. وقد عدت في قبائل "الحلة" من العرب ما خلا علافا وجناباً. وأهميتها هذه وكثرة عددها، دفعت العدنانيين و القحطانيين إلى ضم نسب قضاعة إليهم، لما كان في هذا الضم من أثر كبير في تقوية مركز أحد الطرفين. و يذكر "ابن سعد" أن ولد "معد" تفرقوا في غير بني معد سوى "نزار"و قد أدرك "ابن سعد" و أمثاله ذبك من اختلاطهم باليمانيين، الامر الذي أدى إلى تداخل النسب، فصارت أنسابهم لذلك مترجحة بين قحطان و عدنان. نزار و هو جد القبائل "النزارية" المنحدرة على رأي النسّابين من نزار بن معدّ من زوجة "معانة بنت جوشم بن جلهمة" ، أو "معانة بنت جهلة" من جرهم. و هو على زعم الاخباريين والد أربعة أولاد، هم: ربيعة، و مضر، و أنمار و إياد. و هم أجداد قبائل كثيرة في الوقت نفسه. و قد انتشرت هذه القبائل في اواسط بلاد العرب و شماليها. و هناك اسطورة رواها المؤرخون و النسابون عن اختصاص كل ولد من أولاد نزار و عن المناطق التي نزلت بها قبائلهم و احتكامهم إلى "الافعى الجُرهمي" أو "أفعى نجران". و قد زعم بعض أصحاب الأخبار أن أم ربيعة و أنمار: "حدالة" "جدالة" بنت و علان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو" من جرهم، و أن أم "مضر" "سودة بنت عَكّ"، كما زعم بعض المؤرخين أن إياد و أنمار هما من أبناء معدّ، وأما نزار، فقد كان من عقبه البطنان: ربيعة، ومضر. وقد نعتت مضر ب "الحمراء"، فقيل: "مضر الحمراء "، ونعتت إياد ب "الشمطاء" و "البلقاء"، وقيل لربيعة "الفرس"، ولأنمار "الحمار". ويقال للنزاريين: "نزارية" و "بنو نزار" و "أبناء نزار" 0 أما التنزر فالانتساب إلى نزار، ويقال: تنزر الرجل، إذا تشبه بالنزارية، أو أدخل نفسه فيهم. واستعملت "النزارية" في مقابل "اليمانية" في أيام الأمويين. ويرى "ليفي ديلافيدا" إن "النزارية" فكرة سياسية نجمت في العصر الاْموي، في وسط ذلك الصراع الحزبي المعروف، وعلى الأخص بعد معركة "مرج راهط"، وانها لا تمثل حقيقة تأريخية، فهي لا تعني رابطة قبائل بالمعنى المفهوم. ومن رأيه إن هذا الموضوع لم يدرس دراسة كافية بعد، وان المواد اللازمة لدراسته غير متوافرة. وقد ذهب أيضاً إلى أن أقدم من ذكر اسم "نزار" من الشعراء الجاهليين هو "بشر بن أبي خازم"، و "كعب بن زهر" من الشعراء المخضرمين ويرى إن "بني نزار" الواردة في شعر "حسان بن ثابت" لا تعني النزارية، أي أبناء نزار بن معد بن عدنان على نحو ما يذهب إليه أهل الأنساب، بل جماعه أخرى هي من نسل "نزار بن معيص بن عامر بن لؤي" من قريش. ويرى "ليفي ديلافيدا" أيضا إن ما ورد في شعر "أمية بن أبي الصلت" من شعر، نسب فيه ثقيفاً إلى نزار، وما ورد في قصة "الأقرع بن حابس التميمي" من ذكر "نزار"، لا يمكن أن يبعث الثقة إلى النفوس ولا الاطمئنان إلى القلوب، بل يظهر إن ما ورد إنما وضع لأغراض واضحة هي على زعمه إلحاق نسب ثقيف بنزار، وقد كان ذلك موضع جدل في ذلك العهد، وإثبات نسب "بجيلة" وهو نسب كان موضع جدل أيضاً. أما انا، فأرى إن "نزاراً" من القبائل التي كانت معروفة في القرن الرابع بعد الميلاد، بدليل ورود اسمها في النص المعروف ب "نص النمارة" الذي وضع على قبر "امرىء القيس"، ويعود عهده إلى سنة "328" للميلاد. فقد ذكرت في جملة القبائل التي خضعت لحكمه. ولكن النص لم يتحدث عن نسب نزار ومواضعها في ذلك الزمن. وفي الجملة إنها ذكرت مع قبيلة "أسد". وتتألف القبائل النزارية من ربيعة ومضر وإياد وأنمار، على رأي من جعل أنماراً ابناً من أبناء نزار. فأما إياد، فقبيلة كانت مواطنها تهامة إلى حدود نجران، ثم انتشرت بسبب حروب وقعت بينها وبين ربيعة ومضر، فارتحل قسم منها إلى العراق، وانضم قسم آخر إلى قضاعة وأقام بالبحرين، وسكن قسم منها في "وادي بيشة"، وهاجر آخرون إلى بلاد الشام. وقد كانت رئاسة مضر إلى ربيعة في أيام "كليب بن ربيعة"، المعروف أيضاً ب "كليب وائل". وقد كانت مضر وربيعة متجاورتين ومتحالفتين، ودليل ذلك إقران اسم أحدهما بالآخر، وجعل أهل الأنساب مضر شقيقاً لربيعة غير إن تحاسداً شديداً كان يقع بين سادات مضر وسادات ربيعة، وطالما كانت إحداهما تفتخر على الأخرى، وترى إنها اعز مكانة ونفر من شقيقتها، كالدي يحدث بين القبائل.

ويظهر أن الأمر قد اختلط علا بعض أهل النسب في قضية "إياد"، فجعلوا إياداً ابناً من أبناء معد، أي شقيقا لنزار، وجعلوه إبناً لنزار، فصيروه شقيقاً لربيعة ومضر وأنمار. وقد ذكر المسعودي أن إياداً ينسبون إلى القبيل الأكبر، وليست لهم قبائل مشهورة. ويذكر قوم أن ثقيفاً من إياد، ويرى فريق أنهم من قيس عيلان. وأما "قنص بن معد"، فيزعم قوم أن "آل المنذر" ملوك الحيرة منهم. ويظهر من عدم ذكر أسماء قبائل تنسب إلى قنص أن قمصاً لم تكن من القبائل الكبرى، وأنها دخلت في القبائل الأخرى قبل الإسلام، فنسيت، فلما دوّن أهل الأخبار الأنساب، لم يكن لها شأن يذكر عندئذ غير الاسم. ويلاحظ أن النسابين الذين جعلوا "آل نصر" من "قنص بن معد"، أي من العدنانيين، يذكرون أنفسهم ويروون في كتبهم أن نسبهم هو من اليمن، وأنهم من أصل قحطاني. ويذكر أهل الأخبار أن ربيعة ومضر حاربوا أبناء قنص بن معد وتغلبوا عليهم، حتى أخرجوهم من ديارهم فتفرقوا فى البلاد، وذهب جمع منهم إلى سواد العراق، ولكنهم اصطدموا بالنبط الارمانيين من ملوك النبط، فتراجعوا واستقر قسم منهم في الأنبار والحيرة. وأما "مضر بن الياس" فولد "الياس بن مضر"، والياس، وهو قيس عيلان. وعرف أبناء "الياس" ب "خندف" نسبة إلى أمهم "خندف"، وهم: مدركة، وطابخة، وقمعة. وذكر المسعودي أن مضر ترجع إلى حيين، هما خندف، و قيس. ومن النسابين من يزعم أن "قمعة"، واسمه "عمير"، هو والد خزاعة. أما خزاعة، فتأبى ذلك، وترجع نسبها إلى غسان. وورد في شعر الشعراء المعاصرين لبني أمية: "ابنا نزار"، وقد قصدوا يذلك "ربيعة" و "مضر"، كما ورد "بحرا نزار" في المعنى نفسه. وجعل "ابن جني"، اللغة العربية التي نزل بها القرآن "لغة ابني نزار"، وقد سمى "الفرزدق" "قيس علان" و "خندفاً" ب "الحيين" المكونين لعد. وورد في شعر للعجاج "حَيَّيْ مُضَر". وجاء في شعر لجرير: إذا أخذت قيس عليك وخندف=بأقطارها، لم تدر من حيث تسرح مما يدل على إن قيساً وخندفاً، كانا من القبائل القوية في هذه الأيام. ويظهر من تقسيم النسابين قبائل مضر إلى حيين: خندف وقيس عيلان، إن تلك القبائل كانت حلفاً في الأصل، ثم انفصمت عراه، أو إن خندفاً تحالفت مع قبائل قيس عيلان، وربطت نسبها بنسب مضر. وتتألف خندف من قبائل مهمة، منها ظبة، وتميم، و خزيمة، و هذيل، و كنانة، و قريش، و أسد و غيرها. وأما قيس عيلان، فمن قبائلها: فهم، وعدوان، وغطفان، وعبس، وذبيان، وسُليم، وهوازن، وباهلة، وغنى، وغيرها من قبائل سيأتي ذكرها بعد قليل. وأما مدركة بن الياس، فولد: خزيمة، وهذيلاً، وأسداً، وكنانة. فأما هذيل، فأولد ثلاثة: سعداً، ولحياناً، وعميراً، والعدد في سعد بن هذيل: تميم وحريث، ومنعة، وخزاعة، وجهامة، وغنم، وولد تميم معاوية والحارث. وجعل "مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري" أولاد مدركة ولدين، هما خزيمة وهذيل. أما أسد وكنانة، فهما عنده ولدان من أولاد خزيمة.

وأم خزيمة، فله من الولد كنانة، وأسد، وأسدة، والهون. وولد أسد دودان، وكاهلاً، وعمراً وحملة. فهؤلاء "بنو أسد"، ومنهم تفرقت أسد كلها. ومن بطونهم المشهورة: "بنو فقعس"، وبنو الصيداء، وبنو نصر ابن قعين، وبنو الزينة، وبنو غاضرة، وبنو نعامة. أما ولد الهون، فهم: القارة، ومن القارة: عضل، والديش و هما قبيلا الهون. وقد اشتهرت القارة ب الرماية. وجعل "الزبيري" ولد الهون ثلاثة: هم عضل، والديش، والقارة. ويذكر "الزبيري"، الذي أدخل أسدة في أولاد خزيمة، إن أسدة يزعمون إنه جذام، ولخم، وعاملة، وقد انتسبوا في اليمن. ويظهر إن قبائل "أسد ابن خزيمة" ادعت.، حين مجيء لخم وجذام مع خالد بن عبد الله ا القسري إلى العراق، إنها والقبائل القادمة من دم واحد، هو دم خزيمة بن مدركة، وإنها أرادت إلحاق نسبها بهذا النسب. و أما كنانة، فولد النضر، و مالكاً، و ملكان، و عبد مناة. و هو علي، وربما قالوا مسعوداً، وآخرين ذكرهم "الزبيري" فأما بنو ملكان، فلهم بقية، وليس لهم شرف بارع، مما يدل على انهم لم يكونوا كثيري العدد، وأما بنو مالك، فمن قبائلهم بنو فقيم وبنو فراس. ومن بني فقيم "القلامس" نَسَأة الشهور. وأما عبد مناة، فمنهم "بنو مُدلج" القافة، ومنهم بنو جذيمة، ومنهم بنو ليث، ومنهم الدئل، ومنهم بنو ضمرة. ومن بني ضمرة: غفار. ومنهم بنو عريج. وأما "النضر"، فولده مالك والصلته. فأما "الصلت"، فصاروا في اليمن، ويقول قوم إنه أبو خزاعة. ورجعت قريش إلى مالك كلها، فهو أبوها كلها. وولد مالك بن النهر فهراً والحارث. فأما "الحرث" الحارث ابن مالك، فهو من المطيبين، و يقال إن الخلج منهم. ويقال كانوا من عدوان، فألحقهم عمر بن الخطاب بالحارث، ومسوا خلجاً لأفهم اختلجوا من عدوان، وهم بالمدينة كثير.

وأما فهر بن مالك، فمنهم تفرقت قبائل قريش، فقيل لهم "بنو فهر". وولده: غالب بن فهر، ومحارب بن فهر، فأما "محارب"، فمنهم ضرار ابن الخطاب شاعر قريش في الجاهلية. وأما غالب بن فهر، فولده لؤي وتيم. فأما تيم، فهم بنو الأدرم من أعراب قريش. ويذكر بعض أهل الأخبار أن قريشاً كانوا متفرقين في "بني كنانة"،فجمع "قصي" إلى مكة "بني فهر بن مالك" فجذم قريش كلها "فهر بن مالك" فما دونه "قريش" وما فوقه عرب، مثل كنانة وأسد وغيرهما من قبائل مضر، فإنما قريش إلى "فهر بن مالك" لا تجاوزه. ثم يفسرون معنى "قريش"، بالتقرش أي التجمع، أو جمع المال والتجارة، أو غير ذلك مما سأتحدث عنه فيما بعد. مما يدل على أن تلك التسمية لم تكن قديمة، و إنما هي لقب في الأصل أطلق على جماعة من بني فهر كانوا يسكنون مكة، فعرفوا به حتى غلب على اسمهم، وصار اللقب اسماً، ومن هنا اشتهر بين النسابين إنه اسم إنسان وجدّ قبيلة. وأما لؤي، فإليه ينتهي عدد قريش وشرفها. وولده: كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، وسامة بن لؤي، وسد بن لؤي، وخزيمة بن لؤي، والحارث بن لؤي وعوف بن لؤي. فأما عامر، فولده حسل ومعيص: ومن حسل سهل وسهيل والسكران بنو عمرو. وأما سامة، فوقع بعمان، وهلك بها فولده هناك. وأما سعد بن لؤي، فهو أبو ولد بنانة، وأما خزيمة بن لؤي، فمنهم عائدة، وهم في بني شيبان. وأما كعب بن لؤي، فولده:مرة، وهصيص، وعدي. فاما هصيص، فمنهم بنو سهم، وبنو جمع. وأما عسي، فمنهم عمر بن الخطاب. وأما مرة، فمنهم تيم بن مرة رهط أبي بكر، وآل المكندر، ومنهم مخزوم ابن يقظة بن مرة، ومنهم كلاب بن مرة وولد زهرة بن كلاب وقصي ابن كلاب. وأما قصي بن كلاب، فإنه أول من جمع قبائل قريش، وأنزلها بمكة، وبنى دار الندوة، وأخذ مفتاح الكعبة من خُزاعة. وكان له من الولد: عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العُزّى، وعبد. فأما عبد، فبادوا. وأما عبد العزى، فمنهم خويلد بن أسد أبو خديجة. وأما عبد الدار، فمنهم آل أبي طلحة، ومنهم شيبة بن عثمان، وقد أعطاه النبي مفتاح الكعبة، وصار في ولده. و أما عبد مناف، فولده هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل و أبو عمروا. وأما طابخ بن الياس، فولد أدّاً، وولد "أدّ" مرّاً وعبد مناة وضبّة ومزينة وحميساً والرباب. فأما جمد مناة، فمنهم تيم بن عبد مناة وبطونها، وعدي بن عبد مناة، وُ عُطل بن عبد مناة، وهؤلاء الثلاثة من الرباب، وثور ابن عبد مناة. وجعل "الزبري" ولد أدّ بن طابخة: مزينة، ومراً وتميماً. وأما ضبة بن أد، فولده سعد وسعيد وباسل. فأما باسل، فهو أبو الديلم، وقتل سعيد ولا عقب له، وضبة كلها ترجع إلى "سعد بن ضبة"، وهي جمرة من جمرات العرب، وهي من الرباب. وولد سعد الذين تنسب إليهم ضبة يكراً، وثعلبة وصريحاً. ومن بطونهم نصر، ومازن، والسيل، وذهل، وعائذة، وتيم اللات، وزبان، وعوف، وشييم. ومن ذهل بجالة، وتيم، وصبيح، وضبة، وكعب. ومن كعب ضرار بن عمرو، وهو بيت ضبة، وبنو صباح، وهم معروفون بالصيد، وشقرة وهلال. وأما مزينة بن أد، فهم مزينة مضر، ومنهم الشاعر زهير. وأما حميس ين أد، فهم قليلون، يكونون في البصرة في بني عبد الله بن دارم وبالكوفة في بني مجاشع. واما مرّ بن أد، فولده ثعلية بن مرّ. وهم بنو ضاعنة، ونسبوا إلى أمهم. وبكر بن مرّ، وهم الشعيراء وأراشة بن مرّ ولحقوا باليمن، فصاروا في جذام، وبقال لهم جديس، والغوث بن مر، وصاروا باليمن، ويقال لهم صوفة، وكانوا يفيضون بالناس قبل بني صفوان وتميم بن مر. وأما تميم بن مر، وقبره ب "مران"، فولده زيد مناة، وعمرو، والحارث. فأما الحارث، فمنهم شقرة، وأما عمرو، فولده العنبر والهجيم وأسيد والقليب والحارث بن عمرو المعروف بي "الحبط"،ويقال لولده "الحبطات"، ومالك بن عمرو. وأما زيد مناة، فولد سعداً وفيهم العدد، وعامراً، وانتسب ولده إلى عامر بن مجاشع والحارث، وهم قليل، وامرؤ القيس، منهم عدي ابن زيد الشاعر، وقبائلهم بنو عصية. ومالك بن زيد مناة ومنهم ربيعة الجوع، ومنهم البراجهم، وهم عمرو وقيس وكلفة وظليم وغالب بنو حنظلة بن مالك. ومنهم بنو يربوع بن حنظلة، وهم بنو كليب بن يربوع، ورياح بن يربوع، وثعلبة بن يربوع، و عُدانة بن يربوع، وحزام بن يربوع. ومن تميم بن مرّ بنو دارم بن مالك بن حنظلة، ومجاشع بن دارم، ونهشل ابن دارم، ومنهم بن العدوية، نسبوا إلى أمهم، وهم: زيد بن مالك بن حنظلة، وصدى بن مالك بن حنظلة، ويربوع بن مالك بن حنظلة، وعوف ابن مالك بن حنظلة، وجشش بن مالك بن حنظلة. وأما سعد بن زيد مناة بن تميم فهو الفزر. وولده كعب بن سعد، وعمرو ابن سعد، والحارث بن سعد، وهم: عوافة، وعبشمى بن سعد، واسمه مقروع، وجشم بن سعد، ومالك بن سعد، وهبيرة بن سعد. فأما كعب ابن سعد، ففيهم العدد. منهم مقاعس، ومنهم حمان، ومنهم بنو منقر، ومنهم بنو مرة، ومنهم ربيعة. ومن "عوف بن كعب" بهدلة رهط الزبرقان ابن بدر، وقريع رهط بني أنف الناقة، ومنهم آل عطارد وآل صفوان بن شجنة الذين كانت فيهم الإفاضة بالناس من عرفة، ومن عطارد بنو عوف. وأما قيس بن عيلان، وهو قمعة بن الياس بن مضر، فولد سعداً،وعكرمة، وأعصراً، وعمراً، وخصفة. وبعض النساب يزعم أن عكرمة هو ابن حفصة، وأعصر هو أبن سعد. و أما عمرو بن قيس، فولده فهم وعدوان. فمن فهم تأبط شراً. وأما عدوان، فمن بطونهم بنو خارجة وبنو وابش وبنو يشكر وبنو عوف و الفرعا وبنو رهم وبنو رباح. ومن عدوان عامر بن الظرب حاكم العرب" وأبو سيارة الذي كان يفيض بالناس، وعدوان أنزلوا ثقيفاً بالطائف، وكانت كثيرة السادة، فتفرقوا يبغي بعضهم على بعض. وأما بنو سد بن قيس عيلان، فهم غطفان 1 وأعصر بن سعد. فولد أعصر غنياً ومَعْنا وهو أبو باهلة، و باهلة امرأة من همدان نسب بنو معن إليها، ومنبه بن أعصر وهم الطّفاوة. فأما غني، فمنهم بنو ضبينة و بنو بهثة وبنو عبيد. وهم حلفاء في بني كلاب. وأما الطفاوة، فمنهم بنو جسر وبنو سنان، وكانوا في بني شيبان حلفاء. ومن الطفاوة الحبال، وكانوا في الهجيم،وأما معن ابن أعصر، فولده قتيبة ووائل، وامهما من فزارة، وأود، وجاءت امهما باهلة امرأة من همدان، وفراص وأبو عليم. وأما قتيبة بن معن، فمن ولده غُنْم، وولد غنم سهم بن غنم، ومن بني قتيبة بنو صحب، وهم ينزلون اليمامة. ومنهم عمرو بن عبد واعبد وقعنب وسعد بن عبد و عامر بن عبد، ومن بني سعد بنو أصمع. وأما وائل بن معن، فمنهم بنو سلمة وبنو هلال بن عمرو وبنو زيد وبنو عامر ابن عوف وبنو عصية. وأما غظفان بن سعد، فولده ريث و عبد الله، فولد ريث بغيضاً وأشجع، فولد بغيض ذبيان وعبَسْاً وأنماراً. وأما عبد الله بن غطفان، فهم في بني عبس.

وأما أشجع، فمنهم بنو دهمان. واما أنمار بن بغيض، فهم قليل. وأما عبس بن بغيض، فولده قطيعة، وورقة، ومعتم، والشرف والعدد في قطيعة. وأما ورقة ومعتم ابنا عبس، فلا يعرف منهما أحد. وأما ذبيان بن بغيض، فولده فزارة، وسعد، وهاربة البقعاء، وقد بادت هاربة إلا بقيةً يسيرة في بني ثعلبة بن سعد، وأما فزارة بن ذبيان، فولده عدي، وضالم، ومازن، وشمخ. فأما ظالم، فقد بادوا إلا قليلاً، وأما شمخ بن فزارة، فولده لؤي وهلال، وأما مازن بن فزارة، فمنهم بنو العشراء، وأما عدي بن فزارة، فولده ثعلبة وسعد. وأما سعد بن ذبيان، فولده ثعلبة وعوف. فمن ثعلبة بنو جحاش، وبنو سبيع، وبنو حشور. وفي بني سبيع البيت والشرف. وولد عوف بن سعد مرّة وعيداً. فأما عيد، فقليل، وفي مرّة بن عوف الشرف والسؤدد. فولد مرّ ة بن عوف غيظا، ومالكاً، وحرمة، وسهما، وبني صارد و غيرهم. فولد غيظ نشبة ويربوعاً. وأما خصفة بن قيس عيلان، فولده عكرمة و محارب. وبعضهم ذكر إن عكرمة هو ابن قيس. وأما محارب، فمنهم جسر والخضر. وبنو جسر حلفاء بني عامر بن صعصعة. وأما عكرمة، فولده عامر ومنصور، وأبو مالك. فأما بنو أبي مالك، فهم في بني تيم الله. وأما عامر، فهم حشوة في بني سلُيم ولهم بقبة بالبادية. وأما منصور بن عكرمه، فولده سليم، وسلامان، وهوازن، ومازن. وأما سُليم فولده بهثة. وولد بهثة امرأ القيس وعوفاً. ومن قبائل سلُيم، بنو حرام، وبنو خفاف، وسماك، ورعل، وذكوان، ومطرود، وبهز، وقنفذ، ورفاعة، و عصبة، وظفر، وبجلة، وحبيب ابن مالك، وبنو الشريد، وبنو قتيبة. وأما هوازن بن منصور، فولده بكر، وسبيع، وحرب، ومنبه، ولا عقب لسبيع وحرب. وأما منبه، فهو أبو ثقيف في قول بعض النسابين. وولد بكر بن هوازن سعداً ومعاوية وزيداً. ومن ولد معاوية بن بكر، جشم، ونصر، و صعصعة، والسباق، وجسر، وجحش، وجحاش، وعوف، ودحوة، ودحية. فأما دعوة، ودحية، وجحش، وجحاش، فلا عقب لهم. وأما عوف، فيقال لهم الوقعة. وأما صعصعة بن معاوية، فولده عامر ومرّة وغاضرة و مازن ووائلة. فأما ينو مرّة، فيعرفون ب "بني سلول". وأما عامر بن صعصعة، فولده هلال ابن عامر، و سواءة بن عامر ونمر بن عامر، وهي جمرة من جمرات العرب. وربيعة بن عامر، وولده بنو مجد وينسبون إلى أمهم. وهم عامر بن ربيعة وكلاب بن ربيعة، وكعب بن ربيعة. فأما عامر بن ربيعة ، فمن ولده عمرو ابن عامر فارس الضحياء، وبنو البكا بن عامر. وأما كلاب بن ربيعة، فمن ولده جعفر، ومعاوية، وربيعة، وأبو بكر، وعمرو، والوحيد، ورواس، والأضبط، وعبد الله. وأما معاوية بن كلاب، فمنهم الضباب، وهم حسل وحسيل وضب.

وأما عمرو بن كلاب، فمنهم بنو دودان. وأما أبو بكر بن كلاب، فمن ولده القرطات: قرط وقريط ومقرط. وأما كعب بن ربيعة، فمن ولده عقيل وقشير والحريش وجعدة وعبد الله وحبيب. وأما عبد الله، فمن ولده بنو العجلان. وأما قشير بن كعب، فمنهم غطيف وغطفان، ومنهم مالك ذو الرقيبة، ومنهم بنو ضمرة. وأما عقيل بن كعب، فمنهم خفاجة، ومنهم الحلفاء، ومنهم الأخيل. وأما منبه بن هوازن بن منصور، فولده قسي، وهو ثقيف. فولد ثقيف جشم وعوفاً والمسك، فتزوج قاسطُ المسك، فولدت وائلا أبا بكر بن وائل، وأما جشم، فولد حطيطاً، فولد حطيط مالكاً وغاضرة. وأما عوف، فهم الأحلاف، وذلك أنهم تحالفوا على بني مالك وصارت غاضرة مع الأحلاف، فثقيف فرقتان: بنو مالك والأحلاف.

هذا وإننا لنجد بعض النسابين ينسبون ثقيفاً إلى "ثمود"، فيقولون إنهم من بقاياهم، وهو نسب لا يرضى عنه الثقفيون بالطبع، ويزعجهم أن يكونوا من قوم هلكوا بسبب غضب الله عليهم. ومنهم من جعل نسبهم في إياد. ومنهم من جعل نسبهم من "أبي رغال" إلى غير ذلك من أقوال، يظهر إنها ظهرت في الإسلام كرهاً للحجاج بن يوسف، أحد بني ثقيف، المشهور بتعسفه وبظلمه. وقد قيل إن قيساً، وهو اسم "ثقيف" هو من القسوة، وكان غليظاً قاسياً ولا أظن أن هذا التفسير هو ما يرضي الثقفيين. وأما ربيعة بن فئ زار بن معد، فولد أسد بن ربيعة وضبيلة بن ربيعة وأكلب ابن ربيعة. فأما أكلب بن ربيعة، فهم في خثعم. وهم بطون كثيرة تنسب إلى خثعم. واما ضبيعة بن ربيعة، فولد أحمس، والحارث، والقلادة، وأما أسد بن ربيعة، فولد جديلة وعنزة وعمرة. فأما عميرة، فهم في عبد القيس. أما عنزة، فاسمه عامر. وأما جديلة، فولد دعمي وولد دعمي أفصى، فولد أفصى هنباً وعبد القيس. فولد عبد القيس اللبو وأفصى. وولد أفصى شناً ولكيزاً. فمن شنّ الديل بن شَنّ. وولده سعد وجذيمة وعامر وعجب. ومنهم بنو بهثة بن جذيمة بن الديل بن شنّ. وأما لكيز، فولد نكرة وصباحاً ووديعة. فأما نكرة، فهم حلفاء جذيمة، ومنهم هنبة بن نكرة، وهم أهل البحرين. وفيهم العدد والشرف، ومنهم المثقب العبدي الشاعر والممزّق الشاعر والمفضل ابن عامر الشاعر وصاحب القصيدة المنصفة. وبعمان قوم من نكرة، وباليمن قوم منهم.

وأما وديعة، فولده عمرو وغنم ودهن. فأما دهن، فهم وائلة، نسبوا إلى أمهم. وأما غنم، فولد عمرو بن غنم وعوف بن غنم. وأما عمرو بن وديعة فولده أنمار وعجل ومحارب والديل والعوق وامرؤ القيس. فمن ولد الديل أهل عمان. وأما العوق، فمنهم العوقة، وهم عمانيون قليل. وأما أنمار، فمنهم عصر، ومنهم ظفر. وأما محارب، فولد حطة وظفر أبي محارب. وأما هنب بن أقصى، فولد قاسط بن هنب وعمرو بن هنب وخندف بن هنب. وأم