الفارابي - تحصيل السعادة

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين كتاب تحصيل السعادة ابو نصر الفارابي

الأشياء الإنسانية التي إذا حصلت في الأمم وفي أهل المدن حصلت لهم بها السعادة الدنيا في الحياة الأولى والسعادة القصوى في الحياة الأخرى أربعة أجناس: الفضائل النظرية والفضائل الفكرية والفضائل الخلقية والصناعات العملية. فالفضائل النظرية هي العلوم التي الغرض الأقصى منها أن تحصل الموجودات والتي تحتوي عليها معقولة متيقنا بها فقط. وهذه العلوم منها ما يحصل للإنسان منذ أول أمره من حيث لا يشعر ولا يدري كيف ومن أين حصلت وهي العلوم الأول ومنها ما يحصل بتأمل وعن فحص واستنباط تعليم وتعلم. والأشياء المعلومة بالعلوم الأول هي المقدمات الأول ومنها يصار إلى العلوم التي تحصل عن فحص واستنباط وتعليم وتعلم. والأشياء التي يلتمس علمها بفحص أو تعليم هي التي تكون من أول الأمر مجهولة فإذا فحص عنها والتمس علمها صارت مطلوبة. فإذا حصل للإنسان فيما بعد ذلك عن استنباط أو تعلم اعتقاد أو رأي أو علم صارت نتائج.


والملتمس من كل مطلوب هو أن يحصل به الحق اليقين غير أنه كثيراً ما لا يحصل لنا به اليقين بل ربما حصل لنا ببعضه اليقين وحصل لنا في بعض ما نلتمسه منها ظن وإقناع وربما حصل لنا في تخيل وربما ضللنا عنه حتى تظن أنا قد صادفناه من غير أن نكون صادفناه. وربما عرضت لنا فيه حيرة إذا تكافأت عندنا المثبتة والمبطلة له والسبب في ذلك اختلاف الطرق التي نسلكها عند مصيرنا إلى المطلوب. فإنه لا يمكن أن يكون طريق واحد يوقعنا في المطلوبات اعتقادات مختلفة بل يجب أن تكون الطرق التي توقعنا في أصناف المطلوبات اعتقادات مختلفة طرقاً مختلفة لا نشعر باختلافها ولا بالفصول بينها بل نظن أنا نسلك إلى كل مطلوب طريقاً واحداً بعينه.


فينبغي أن نستعمل في مطلوب ما طريقاً شأنه أن يفضي بنا إلى اليقين ونسلك في مطلوب آخر طريقاً نصير منها إلى ما هو مثاله أو خياله أو طريقاً يفضي بنا إلى الإقناع فيه والظن فلا نشعر فيه. ويكون عندنا أن الطريق هو واحد بعينه وأن الذي سلكناه في الثاني هو الذي سلكناه في الأول وعلى هذه نجد الأمر في أكثر أحوالنا وفي جل من نشاهد من النار والفاحصين. فيتبين من ذلك أنا مضطرون قبل أن نشرع في الفحص عن المطلوبات إلى أن نعرف أن هذه الطرق كلها صناعية وإلى علمٍ نميز به بين هذه الطرق المختلفة بفصول وعلامات تخص واحدة منها واحدة من تلك الطرق وأن تكون قرائحنا العلمية المفطورة فينا بالطبع مقومة بصناعة تعطينا علم هذه إذ كانت فطرتها غير كافية في تمييز هذه الطرق بعضها عن بعض وذلك أن تتيقن بأي شرائط وأحوال ينبغي أن تكون المقدمات الأول وبأي ترتيب ترتب حتى تفضي لا محالة بالفاحص إلى الحق نفسه وإلى اليقين فيه. وبأي شرائط وأحوال تكون المقدمات الأول وبأي ترتيب ترتب فلا تعطي في المطلوب الظن والإقناع حتى توهم أنه يقين من غير أن يكون يقيناً فتضلل الفاحص عن الحق أو تحيره فيه حتى لا يدري أيما هو الحق من مطلوبه فتفضي بالفاحص لا إلى الحق نفسه بل إلى مثال الحق وخياله.


فإذا عرفنا هذه كلها شرعنا حينئذ في التماس علم الموجودات. إما بفحصنا نحن بأنفسنا وإما بتعليم غيرنا لنا. فإننا إنما ندري كيف الفحص وكيف التعليم والتعلم بمعرفة الأشياء التي ذكرناها. وبهذه القوة نقدر أن نميز فيما استنبطنا نحن هل هو يقين أو ظن أو هو الشيء نفسه أو خياله ومثاله. وكذلك أيضا نمتحن بما قد تعلمناه من غيرنا وما نعلمه نحن غيرنا.


والمعلومات الأول في كل جنس من الموجودات إذا كانت فيها الأحوال والشرائط التي تفشي لأجلها بالفاحص إلى الحق اليقين فيما يطلب عمله من ذلك الجنس فهي مبادىء التعليم في ذلك لجنس. وإذا كانت للأنواع التي يحتوي عليها ذلك الجنس أو لكثير منها أسباب بها أو عنها أو لها وجود تلك الأنواع التي يحتوي عليها ذلك الجنس فهي مبادىء الوجود لما يشتمل عليه ذلك الجنس مما يطلب معرفته كانت مبادىء التعليم فيه هي بأعيانها مبادىء الوجود.


وسميت البراهين الكائنة عن تلك المعلومات الأول براهين لم الشيء إذا كانت تعطى مع علم هل الشيء موجود ولم هو موجود وإذا كانت المعلومات التي فيها تلك الأحوال والشرائط في جنس ما من الموجودات أسباباً لعلمنا بوجود ما يحتوي عليه ذلك لجنس من غير أن تكون أسباباً لوجود شيء منها كانت مبادىء التعليم في ذلك الجنس من غير أن تكون أسباباً لوجود شيء منها كانت مبادىء التعليم في ذلك الجنس غير مبادىء الوجود. وكانت البراهين الكائنة عن تلك المعلومات براهين هل الشيء وبراهين إن الشيء لا براهين لم الشيء. ومبادىء الوجود أربعة: ماذا وبماذا وكيف وجود الشيء فإن هذه يعنى به أمر واحد وعماذا وجوده ولماذا وجوده. فإن قولنا عماذا. وجوده ربما دل به على المبادىء الفاعلة وربما دل به على المواد فتصير أسباب الوجود ومبادئه أربعة. ومن أجناس الموجودات ما لا يمتنع أن لا يكون لوجوده مبدأ أصلاً وهو المبدأ الأقصى لوجود سائر الموجودات.


فإن هذا المبدأ إنما عندنا مبادىء علمنا له فقط ومنها ما توجد له هذه الأربعة بأسرها ومنها ما لا وكل علم من العلوم التي يلتمس بها أن تحصل الموجودات معقولة فقط فإنما قصدها أولا اليقين بوجود جميع ما يحتوي عليه الجنس الذي يلتمس عنه علم أنواعه ثم اليقين بمبادىء الوجود فيما له منه مبادىء والبلوغ في ذلك إلى استيفاء عدد المبادىء الموجودة فيه. فإن كانت المبادىء التي توجد له هي الأربعة بأسرها استوفاها كلها ولم يقتصر على بعضها دون بعض. وإن لم يكون فيه الأربعة كلها التمس الوقوف على مقدار ما يجد له من المبادىء كانت ثلاثة أو ثنتين أو واحدة ثم لم يقتصر في شيء من أجناس المبادىء القريبة من ذلك الجنس بل يلتمس مبادىء تلك المبادىء ومبادىء المبادىء إلى أن ينتهي إلى أبعد مبدأ يجده في ذلك الجنس فيقف.


وإن كان لهذا الأقصى الذي هو أقصى مبدأ في ذلك الجنس مبدأ أيضا ولم يكن من ذلك الجنس بل كان من جنس آخر لم يتخط إليه بل تخلى عنه. ويرجىء النظر فيه إلى أن يبلغ إلى النظر في العلم الذي يحتوي على ذلك الجنس فإذا كان الجنس الذي فيه ينظر توجد مبادىء التعليم فيه هي بأعيانها مبادىء وجود ما يحتوي عليه ذلك الجنس استعمل تلك المبادىء وسلك إلى ما بين يديه حتى يأتي على ما يحتوي عليه ذلك الجنس فيحصل له في كل مطلوب علم هل الشيء ولم هو معاً إلى أن ينتهي إلى أقصى ما سبيله أن يبلغ في ذلك الجنس. وإذا كانت مبادىء التعليم في جنس ما من الموجودات غير مبادىء الوجود فإنما يكون ذلك فقيما مبادىء الوجود فيه خفية غير معلومة من أول أمر وتكون مبادىء التعليم فيه أشياء وجودها غير مبادىء الوجود وتكون متأخرة عن مبادىء الوجود وإنما يصار إلى علم مبادىء الوجود إذا أُبتدىء من مبادىء التعليم فرتبت الترتيب الذي تلزم به النتيجة ضرورة فتكون النتيجة الكائنة هي مبدأ وجود الأشياء التي ألفت ورتبت فتكون مبادىء التعليم أسباباً لعلمنا بمبادىء الوجود وتكون النتائج الكائنة عنها مبادىء وأسباباً لوجود الأمور التي اتفق فيها إن كانت مبادىء للتعليم. فعلى هذه المثال نرتقي من علوم الأشياء المتأخرة عن مبادىء الوجود إلى اليقين بالأشياء التي هي ميادىء أقدم وجودا فإن كان مبدأ الوجود الذي صرنا إليه بهذا الطريق له مبدأ آخر أعل منه وأبعد من الأول جعلنا ذلك مقدماً وارتقينا منه إلى مبدأ المبدأ.


ثم نسلك على هذا الترتيب أبداً إلى أن تأتي على أقصى مبدأ نجده في ذلك الجنس. ولا يمتنع إذا ارتقينا إلى مبدأ ما عن أشياء معلوم وجودها عن ذلك المبدأ أن تكون أيضا هناك أشياء مجهول وجودها عن ذلك المبدأ خفية عنا لم نكن علمنا بها منذ أول الأمر فإذا استعملنا ذلك المبدأ الذي حصل معلوما عندنا الآن مقدمة وصرنا منها إلى معرفة تلك الأشياء الأخر الكائنة عن ذلك المبدأ أعطانا ذلك المبدأ في تلك الأشياء علم هل هو ولم هو معا. فإنه لا يمتنع أن تكون أشياء كثيرة كائنة عن مبدأ واحد ويكون واحد من تلك الأشياء الكثيرة هو المعلوم وحده عندنا عندنا منذ أول الأمر ويكون ذل المبدأ وتلك الأشياء الأخر الكائنة عنه خفية فنرتقي من ذلك الواحد المعلوم إلى علم المبدأ فيعطينا ذلك الواحد في ذلك المبدأ علم وجوده فقط. ثم نستعمل ذلك المبدأ في تبيين تلك الأشياء الأخر الخفية الكائنة عنه فنخطو منه إلى علم وجودها وسبب وجودها معاً. وإن كان لذلك المبدأ مبدأ آخر استعملناه أيضاً في تبيين أمر مبدئه فيعطينا علم وجود مبدئه الذي هو أقدم منه فنكون قد استعملناه في أمرين: يعطينا في أحد الأمرين علم وجوده فقط ويعطينا في الآخر علم وجوده وسبب وجوده. وعلى هذا المثال إن كان مبدأ المبدأ حاله هذه الحال بأن يكون له أيضا مبدأ وتكون له أشياء كائنة عنه استعملنا مبدأ المبدأ في تبيين مبدئه وفي تبيين تلك الأشياء الأخر الخفية الكائنة عنه. فيعطينا أيضاً ذلك المبدأ من مبدئه علم وجوده فقط ومن تلك الأشياء الأخر علم وجودها وسبب وجودها. فأول أجناس الموجودات التي ينظر فيها ما كان أسهل على الإنسان وأحرى أن لا تقع فيه حيرة واضطراب الذهن وهو الأعداد والأعظام. والعلم المشتمل على جنس الأعداد والأعظام هو علم التعاليم فيبتدأ أولا في الأعداد فيعطى في الأعداد الأعداد التي بها يكون التقدير ويعطى مع ذلك كيف التقدير بها في الأعظام الأخر التي شأنها أن تقدر. ويعطى أيضا في الأعظام الأشكال والأوضاع وجودة الترتيب واتقان التأليف وحسن النظام ثم ينظر في الأعظام التي تلحقها الأعداد فيعطى تلك الأعظام كل ما يلحقها لأجل الأعداد من التقدير وجودة الترتيب واتقان التأليف وحسن النظام فيحصل لهذه الأعظام خاصة التقدير وجودة الترتيب واتقان التأليف وحسن النظام من جهتين: من جهة مالها من ذلك لأجل أنها أعظام ومن جهة ما لها ذلك ولكن من جهة أنها أعداد. وما لم يكن من الأعظام يلحقه العدد كان ما يلحقه من التقدير وجودة الترتيب واتقان التأليف وحسن النظام من جهة ما لها ذلك لأجل أنها أعظام فقط. ثم من بعد ذلك ينظر في سائر الموجودات الأخر فما كان منها يلحقه التقدير وجودة الترتيب وحسن النظام من جهة الأعداد فقط أعطاها إياه. وينظر أيضا في سائر الأشياء التي لها أعظام فيعطيها كل ما يلحق الأعظام من جهة ما هي أعظام: من أشكال وأوضاع وتقدير وترتيب وتأليف ونظام. وما كان منها تلحقه هذه الأشياء من جهة الأعداد ومن جهة الأعظام جميعاً أعطاه ما يوجد في الجنسين من ذلك إلى أن يأتي على جميع الموجودات التي يمكن أن توجد فيها هذه الأشياء من جهة الأعداد والأعظام فيحدث من ذلك أيضا علوم المناظر وعلوم الأكبر المتحركة وعلوم في الأجسام السماوية وعلم الموسيقى وعلم الأثقال وعلم الحيل.


ويبتدىء فيأخذ في الأعداد والأعظام جميع الأشياء التي هي مبادىء التعاليم في الجنس الذي ينظر فيرتبها الترتيب الذي يحصل عن القوة التي تقدم ذكرها فيصير إلى ما يلتمسه من إعطاء شيء شيء من تلك في شيء شيء مما ينظر فيه. إلى أن يأتي عليها أجمع أو يبلغ من علم ذلك الجنس إلى مقدار ما تحصل منه أصول الصناعة فيكف إذ كان ما يبقى من ذلك الجنس ويلحق هذا العلم الذي نظره في الأعداد والأعظام أن تكون مبادىء التعليم فيه بأعيانها مبادىء الوجود فتكون براهينها كلها تجمع الأمرين جميعا أعني: أن تعطي وجود الشيء ولم هو موجود فتصير كلها براهين إن الشيء ولم هو معاً. ويستعمل من مبادىء الوجود ماذا وبماذا وكيف ذا وجوده دون الثلاثة لأنه ليس للإعداد ولا للأعظام المجردتين في العقل عن المادة مبادىء من جنسهما غير مبادىء وجوده وإنما توجد لهما المبادىء الأخر من جهة ما يوجدان طبيعيين أو إراديين وذلك إذا أخذا في المواد. فلذلك لما كان نظره فيهما لا من جهة ما هما في المواد لم يستعمل فيهما ما لا يوجد فيهما من حيث هما لا في مواد. فيبتدىء أولاً من الأعداد ثم يرتقي إلى الأعظام ثم إلى سائر الأشياء التي تلحقها الأعداد والأعظام بالذات مثل المناظر والأعظام المتحركة التي هي الأجسام السماوية ثم إلى الموسيقى والأثقال والحيل فيكون قد ابتدأ مما قد يفهم ويتصور بلا مادة أصلاً.


ثم إلى ما من شأنه أن يحتاج في تفهمه وتصوره إلى مادة ما حاجة يسيرة جداً ثم إلى ما الحاجة في تفهمه وتصوره إلى مادة ما حاجة يسيرة جداً ثم إلى ما الحاجة في تفهمه وتصوره وفي أن يعقل إلى مادة ما حاجة أزيد قليلاً. ثم لا يزال يرتقي فيما تلحقه الأعداد والأعظام إلى ما يحتاج في أن يصير ما يعقل منه محتاجاً في أن يصير معقولاً إلى المادة أكثر إلى أن يصير إلى الأجسام السماوية ثم إلى الموسيقى ثم إلى الأثقال وعلوم الحيل. فيضطر حينئذ إلى استعمال الأشياء التي يعسر أن تصير معقولة إذ لا يمكن أن توجد إلا في مواد فعند ذلك نضطر إلى إدخال مبادىء أخر غير مبادىء ماذا وبماذا وكيف ذا فيكون قد صار متاخماً وفي الوسط بين الجنس الذي ليس له من مبادىء الوجود إلا ماذا وجوده وبين الجنس الذي توجد لأنواعه المبادىء الأربعة فحينئذ تلوح له المبادىء الطبيعية فعند ذلك ينبغي أن يشرع في علم الموجودات التي توجد لها مبادىء الوجود الأربعة وهو جنس الموجودات التي لا يمكن أن تصير معقولة إلا في مواد فإن المواد تسمى حينئذ الطبيعية. فينبغي للناظر عند ذلك أن يأخذ كل ما في جنس الأمور الجزئية من مبادىء التعاليم وهي المقدمات الأول وينظر أيضا فيما قد حصل له من العلم الأول فيأخذ منه ما يعلم أنه يصلح أن يجعل مبادىء التعلم في هذا العلم فيبتدىء حينئذ فينظر في الأجسام وفي الأشياء الموجودة للأجسام وأجناس الأجسام وهي العالم والأشياء التي يحتوي عليها العالم.


وبالجملة هي أجناس الأجسام المحسوسة أو التي توجد لها الأشياء المحسوسة وهي الأجسام السماوية ثم الأرض والماء والهواء وما جانس ذلك من نار وبخار وغير ذلك. ثم الأجسام الحجرية والمعدنية التي على سطح الأرض وفي عمقها ثم النبات والحيوان غير الناطق والحيوان الناطق. ويعطي في كل واحد من أجناس هذه وفي كل واحد من أنواع كل جنس وجوده ومبادىء وجوده كلها. فإنه يعطي في كل واحد من المطلوبات فيه إنه موجود وماذا وبماذا وكيف وجوده وعماذا وجوده ولأجل ماذا وجوده. وليس يقتصر في شيء منه على مبادئه القريبة بل يعطي مبادىء مبادئه ومبادىء مبادىء مبادئه إلى أن ينتهي إلى أقصى المبادىء الجسمانية التي له. ومبادىء التعليم في جل ما يحتوي عليه هذا العلم هي مبادىء الوجود. وإنما يصار من مبادىء التعليم إلى علم مبادىء الوجود وذلك أن مبادىء التعليم في كل جنس من أجناس الأمور الطبيعية هي أشياء متأخرة عن مبادىء وجودها. فإن مبادىء الوجود في هذا الجنس هي أسباب وجود مبادىء التعليم وإنما يرتق إلى علم مبادىء كل جنس أو نوع عن أشياء كائنة عن تلك المبادىء فإن كانت تلك المبادىء قريبة وكانت للمبادىء مبادىء استعملت تلك المبادىء القريبة مبادىء التعليم فارتقي منها إلى علم مبادئها ثم إذا صارت تلك المبادىء معلومة صير منها إلى مبادىء تلك المبادىء إلى أن يتأتي على أقصى مبادىء وجود ذلك وإذا ارتقينا من مبادىء التعليم إلى مبادىء الوجود فحصلت مبادىء الوجود معلومة ثم كانت هناك أشياء أخر كائنة عن تلك المبادىء مجهولة سوى الأشياء المعلومة الأولى التي منها كنا ارتقينا إلى المبادىء استعملنا تلك المبادىء من مبادىء الوجود مبادىء التعليم أيضا.


فنصير منها إلى علم تلك الأشياء المتأخرة عنها فحينئذ تصير تلك المبادىء بالإضافة إلى تلك الأشياء المتأخرة عنها فحينئذ تصير تلك المبادىء بالإضافة إلى تلك الأشياء مبادىء التعليم ومبادىء الوجود جمعياً ويسلك هذا المسلك في كل جنس من أجناس الأجسام المحسوسة ونوع نوع من أنواع كل جنس. وعندما ينتهي بالنظر إلى الأجسام السماوية ويفحص عن مبادىء وجودها يضطرة النظر في مبادىء وجودها إلى أن يطلع على مبادىء ليست هي طبيعة ولا طبيعة بل موجودات أكمل وجوداً من الطبيعة والأشياء الطبيعية ليست بأجسام ولا في أجسام فيحتاج في ذلك إلى فحص آخر وعلم آخر يفرد فيما بعد الطبيعيات من الموجودات. فيصير عند ذلك أيضا في الوسط بين علمين: علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعيات في ترتيب الفحص والتعليم وفوق الطبيعيات في رتبة الوجود.


وعندما ينتهي بالنظر إلى الفحص عن مبادىء وجود الحيوان يضطر إلى النظر في النفس ويطلع من ذلك على مبادىء نفسانية ويرتقي منها إلى النظر في الحيوان الناطق. فإذا فحص عن مبادئه اضطر إلى النظر فيماذا هو النظر وبماذا وكيف ذا وعماذا ولماذا فيطلع حينئذ على العقل وعلى الأشياء المعقولة فيحتاج حينئذ إلى أن يفحص عن ماذا العقل وبماذا وكيف هو وعماذا ولماذا وجوده فيضطره الفحص إلى أن يطلع من ذلك على مبادىء أخر ليست بأجسام ولا في أجسام ولا كانت ولا تكون في أجسام فيكون قد انتهى بالنظر في الحيوان الناطق إلى شبيه ما انتهى إاليه عند نظره في الأجسام السماوية فيصير إلى أن يطلع على مبادىء غير جسمانية نسبتها إلى ما دون الأجسام السماوية من الموجودات كنسبة المبادىء غير الجسمانية التي اطلع عليها عند نظره في السماوية إلى الأجسام السماوي. ويطلع من أمر النفس والعقل على مبادئها التي لأجلها كونت وعلى الغايات والكمال الأقصى الذي لأجله كون الإنسان. ويعلم أن المبادىء الطبيعية التي في الإنسان وفي التعليم غير كافية في أن يصير الإنسان بها إلى الكمال الذي لأجل بلوغه كون الإنسان.


ويتبين أنه محتاج فيه إلى مبادىء نطقية عقلية يسعى الإنسان بها نحو ذلك الكمال. فحينئذ يكون قد لاح للناظر جنس آخر غير ما بعد الطبيعيات سبيل الإنسان أن يفحص عما يشتمل عليه ذلك الجنس وهي الأشياء التي تحصل للإنسان إربه عن المبادىء العقلية التي فيه فيبلغ بها الكمال الذي تحصلت معرفته في العلم الطبيعي. ويتبين مع ذلك أن هذه المبادىء النطقية ليست إنما هي أسباب ينال بها الإنسان الكمال الذي لأجله كون. ويعلم مع ذلك أن هذه المبادىء العقلية هي أيضا مبادىء لوجود أشياء كثيرة في الموجودات الطبيعية غير تلك التي أعطتها إياها المبادىء الطبيعية. وذلك أن الإنسان إنما يصير إلى الكمال الأقصى الذي له ما يتجوهر به في الحقيقة إذا سعى عن هذه المبادىء نحو بلوغ هذا الكمال وليس يمكنه أن يسعى نحوه إلا باستعمال أشياء كثيرة من الموجودات الطبيعية وإلى أن يفعل فيها أفعالاً تصير بها تلك الطبيعيات نافقة له في أن يبلغ الكمال الأقصى الذي سبيله أن يناله.


ويتبين له مع ذلك في هذا العلم أن كل إنسان إنما ينال من ذلك الكمال قسطاً ما وإن ما يبلغه من ذلك القسط كان أزيد أو أنقص إذ جميع الكمالات ليس يمكن أن يبلغها وحده بانفراده دون معاونة ناس كثيرين له. وإن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطاً فيما ينبغي أن يسعى له بإنسان أو ناس غيره وكل إنسان من الناس بهذه الحال. وإنه كذلك يحتاج كل إنسان فيما له أن يبلغ من هذا الكمال إلى مجاورة ناس آخرين واجتماعه معهم. وكذلك في الفطرة الطبيعية لهذا الحيوان أن يأوي ويسكن مجاوراً لمن هو في نوعه فلذلك يسمى الحيوان الإنسي والحيوان المدني. فيحصل ههنا علم آخر ونظر آخر يفحص عن هذه المبادىء العقلية وعن الأفعال والملكات التي بها يسعى الإنسان نحو هذا الكمال فيحصل من ذلك العلم الإنساني والعلم المدني.


فيبتدىء وينظر في الموجودات التي هي بعد الطبيعيات ويسلك فيها الطرق التي سلكها في الطبيعيات ويجعل مبادىء التعليم فيها ما يتفق أن يوجد من المقدمات الأول التي تصلح لهذا الجنس ثم ما قد برهن في العلم الطبيعي مما يليق أن يستعمل مبادىء التعليم في هذا الجنس وترتب الترتيب الذي سلف ذكره إلى أن يصار إلى شيء شيء مما في هذا الجنس من الموجودات. فيتبين الفاحص عنها أنه ليس يمكن أن يكون لشيء منها مادة أصلاً وإنما ينبغي أن يفحص في كل واحد منها ماذا وكيف وجوده ومن أي فاعل ولماذا وجوده. فلا يزال يفحص هكذا إلى أن ينتهي إلى موجود لا يمكن أن يكون له مبدأ أصلاً من هذه المبادىء: لا ماذا وجوده ولا عماذا وجوده ولا لماذا وجوده بل يكون هو المبدأ الأول لجميع الموجودات التي سلف ذكرها ويكون هو الذي به وعنه وله وجودها بالأنحاء التي لا تدخل عليه نقصاً أصلاً بل بأكمل الأنحاء التي بها يكون الشيء مبدأ للموجودات. فإذا وقف على هذا فحص بعد ذلك عما يلزم أن يحصل في الموجودات إد كان ذلك الوجود مبدأها وسبب وجودها فيبتدىء من أقدمها رتبة في الوجود وهو أقربها إليه حتى ينتهي إلى آخرها رتبة في الوجود وهو أبعدها عنه في الوجود فتحصل معرفة الموجودات بأقصى أسبابها. وهذا هو النظر الإلهي في الموجودات. فإن المبدأ الأول هو الإله وما بعده من المبادىء التي ليست هي أجساماً ولا في أجسام هي المبادىء الإلهية. ثم بعد ذلك يشرع في العلم الإنسان ويفحص عن الغرض الذي لأجله كون الإنسان وهو الكمال الذي يلزم أن يبلغه الإنسان ماذا وكيف هو. ثم يفحص عن جميع الأشياء التي بها يبلغ الإنسان ذلك الكمال إذ ينتفع في بلوغها وهي الخيرات والفضائل والحسنات ويميزها عن الأشياء التي تعوقه عن بلوغ ذلك الكمال وهي الشرور والنقائص والسيئات.


ويعرف ماذا وكيف كل واحد منها وعن ماذا ولمادا ولأجل ماذا هو إلى أن تحصل كلها معلومة ومعقولة متميزة بعضها عن بعض وهذا هو العلم المدني. وهو علم الأشياء التي بها أهل المدن بالإجتماع المدني ينال السعادة كل واحد بمقدار ما له أعد بالفطرة. ويتبين له أن الإجتماع المدني والجملة التي تحصل من اجتماع المدنيين في المدن شبيه باجتماع الأجسام في جملة العالم ويتبين له أيضا في جملة ما تشتمل عليه المدينة والأمة نظائر ما تشتمل عليه جملة العالم. وكما أن في العالم مبدأ ما أولاً ثم مبادىء أخر على ترتيب وموجودات عن تلك المبادىء وموجودات أخر تتلو تلك الموجودات على ترتيب إلى أن تنتهي إلى آخر الموجودات رتبة في الوجود كذلك في جملة ما تشتمل عليه الأمة أو المدينة مبدأ ما أول ثم مبادىء أخر تتلوه ومدنيون آخرون يتلون تلك المبادىء وآخرون يتلون هؤلاء إلى أن ينتهى إلى آخر المدنيين رتبة في المدينة والإنسانية حتى يوجد فيما تشتمل عليه المدينة نظائر ما تشتمل عليه جملة العالم.


فهذا هو الكمال النظري وهو كما تراه يشتمل على علم الأجناس الأربعة التي بها تحصل السعادة القصوى لأهل المدن والأمم. والذي يبقى بعد هذه أن تحصل هذه الأربعة بالفعل موجودة في الأمم والمدن على ما أعطتها الأمور النظرية. أترى هذه النظرية قد أعطت أيضا الأشياء التي بها يمكن أن تحصل هذه بالفعل في الأمم والمدن أم لا أما إنها أعطتها معقولة فقد أعطتها لكن إن كان إذا أعطيت معقولة فقد أعطيت موجودة فقد أعطيت العلوم النظرية هذه الأشياء موجودة بالفعل مثل أنه إن كان إذا أعطيت البنائية معقولة وعقل بماذا تلتئم البنائية وبماذا يلتئم البناء فقد أوجدت البنائية في الإنسان الذي عقل كيف صناعة البناء أو يكون إذا أعطي البناء معقولا فقد أعطي البناء موجوداً فإن العلوم النظرية قد أعطت ذلك. وإن لم يكن إذا عقل الشيء فقد وجد خارج العقل وإذا أعطي معقولا فقد أعطي موجودا لزم ضرورة عندما يقصد إيجاد هذه الأشياء النظر إلى شيء آخر غير العلم النظري. وذلك أن الأشياء المعقولة من حيث هي معقولة هي مخلصة عن الأحوال والأعراض التي تكون لها وهي موجوة خارج النفس. وهذه الأعراض فيما تدوم واحدة بالعدد لا تتبدل ولا تتغير أصلا وفي التي لا تدوم واحدة بالنوع تتبدل. فلذلك يلزم في الأشياء المعقولة التي تدوم واحدة بالنوع إذا احتيج إلى إيجادها خارج النفس أن تقرن بها الأحوال والأعراض التي شأنها أن تقترن بها إذا أزمعت أن توجد بالفعل خارج النفس وذلك عام في المعقولات الطبيعية التي توجد وتدوم واحدة بالنوع وفي المعقولات الإرادية. غير أن المعقولات الطبيعية التي توجد خارج النفس إنما توجد عن الطبيعة وتقترن بها تلك الأعراض بالطبيعة. وأما المعقولات التي يمكن أن توجد خارج النفس بالإرادة فإن الأعراض والأحوال التي تقترن بها مع وجودها هي أقصى بالإرادة ولا يمكن أن توجد إلا وتلك مقترنة بها. وكل ما شأنه أن يوجد بالإرادة فإنه لا يمكن أن يوجد أو يعلم أولا فلذلك يلزم متى كان شيء من المعقولات الإرادية مزمعا أن يوجد بالفعل خارج النفس أن يعلم أولا الأحوال التي من شأنها أن تقترن به عند وجوده ولأنها ليست من الأشياء التي توجد واحدة بالعدد بل بالنوع أو الجنس صارت الأحوال والأعراض التي شأنها أن تقترن بها أحوالا وأعراضاً تتبدل عليها دائما تزداد وتنقص ويتركب بعضها مع بعض تركيبات لا تحاط بقوانين صورية لا تتبدل ولا تنتقل أصلا بل بعضها لا يمكن أن يجعل لها قوانين وبعضها بمكن أن يجعل لها قوانين لكل قوانين تبدل وكلمات تتغير. والتي لا يمكن أن يجعل لها قوانين أصلا فهي التي تبدلها تبدل دائم في مدد يسيرة والتي يمكن أن يجعل لها قوانين هي التي تتبدل أحوالها في مدد طويلة. وما يحصل منها موجودا فكثيرا ما يحصل على حسب ما عليه المريد الفاعل له وربما لم يحصل منه شيء أصلا وذلك للمتضادات العائقة له التي بعضها أمور طبيعية وبعضها إرادية كائنة عن إرادة قوم آخرين. وليس إنما تخلف تلك المعقولات الإرادية في الأزمان المختلفة حتى توجد في زمان ما يخالفه في أعراضها وأحوالها لما توجد عليه في زمان قلبه أو بعده بل تختلف أيضا أحوالها عند وجودها في الأمكنة المختلفة كما يتبين ذلك في الإشياء الطبيعية مثل الإنسان فإنه إذا وجد بالفعل خارج النفس يكون ما يوجد فيه من الأحوال والأعراض في زمان ما مخالفاً لما يوجد له منها في زمان آخر بعده أو قبله.


وكذلك حاله في الأمكنة المختلفة فإن الأعراض والأحوال التي توجد له توجد في بلاد مخالفة لما يوجد منه في بلاد أخرى والمعقول في جميع ذلك من معنى الإنسان معقول واحد. كذلك الأشياء الإرادية مثل العفة واليسار وأشباه ذلك هي معان معقولة إرادية وإذا أردنا أن نوجدها بالفعل كان ما يقترن بها من الأعراض عند وجودها في زمان ما مخالفا لما يقترن بها من الأعراض في زمان آخر. وما من شأنه أن يوجد لها عند أمة ما غير ما يكون لها من الأعراض عند وجودها في أمة أخرى. فبعضها تتبدل هذه الأعراض عليه ساعة ساعة وبعضها يوما يوما وبعضها شهرا وبعضها سنة سنة وبعضها حقبا حقبا وبعضها في أحقاب أحقاب. فمتى كان شيء من هذه مزمعا أن يوجد بإرادة فينبغي أن يكون المريد لإيجاد شيء من هذه بالفعل خارج النفس قد علم فيما تتبدل عليه الأعراض في المدة المعلومة التي يلتمس إيجادها فيها وفي المكان المحدود من المعمورة. فيعلم الأعراض التي سبيلها أن تكون لما شأنه أن يوجد بالإرادة ساعة ساعة وفي التي توجد شهرا شهرا والتي توجد سنة سنة والتي توجد حقبا حقبا. أو في مدة أخرى طويلة محدودة الطول في مكان ما محدود إما كبيرا وإما صغيرا وما سبيله من هذا أن يكون مشتركا للأمم كلها أو لبعض الأمم أو لمدينة واحدة في مدة طويلة أو مشتركا لهم ي مدة قصيرة أو خاصا ببعضهم ينفعهم في مدة قصيرة. وإنما تتبدل أعراض هذه المعقولات وأحوالها عند ورود الأشياء الواردة في المعمورة إما مشتركا لها كلها أو مشتركا لأمة أو لمدينة أو لطائفة من مدينة أو لإنسان واحد. والأشياء الواردة إما واردة طبيعية أو واردة إرادية وهذه الأشياء ليس تحيط بها العلوم النظرية إنما تحيط بالمعقولات التي لا تتبدل أصلا.


فلذلك تحتاج إلى قوة أخرى وماهية يكون بها تميز الأشياء المعقولة الإرادية من جهة ما توجد لها هذه الأعراض المتبدلة وهي الجهات التي بها تحصل موجودة بالفعل عن الإرادة في زمان محدود ومكان محدود عند محدود عند وارد محدود. فالماهية والقوة التي بها تستنبط وتميز الأعراض التي شأنها أن تتبدل على المعقولات التي شأن جزئياتها أن توجد بالإرادة عندما يلتمس إيجادها بالفعل عن الإرادة في زمان محدود ومكان محدود و عند وارد محدود طال الزمان أو قصر عظم المكان أو صغر هي: القوة الفكرية. والأشياء التي سبيلها أن تستنبط بالقوة الفكرية إنما تستنبط على أنا نافعة في أن تحصل غاية ما وغرض والمستنبط إنما ينصب الغاية ويقدمها في نفسه أولا ثم يفحص عن الأشياء التي تحصل بها تلك الغاية وذلك الغرض. وأكمل ما تكون القوة الفكرية متى كانت إنما تستنبط أنفع الأشياء في تحصيلها وربما كانت خيرا في الحقيقة وربما كانت شرا وربما كانت خيرات مظنونة أنها خيرات.


فإذا كانت الأشياء التي تستنبط هي أنفع الأمور في غاية ما فاضلة كانت الأشياء التي تستنبط هي الجميلة والحسنات. وإذا كانت الغايات شروراً كانت الأشياء التي تستنبط بالقوة الفكرية شروراً أيضا وأموراً قبيحة وسيئات. وإذا كانت الغايات خيرات مظنونة كانت الأشياء النافعة في حصولها وبلوغها خيرات أيضا مظنونة. وتنقسم القوة الفكرية هذه القسمة فتكون الفضيلة الفكرية هي التي تستنبط ما هو أنفع في غاية ما فاضلة. وأما القوة الفكرية التي يستنبط بها ما هو أنفع في غاية هي شر فليست هي فضيلة فكرية بل ينبغي أن تسمى باسم آخر. وإذا كانت القوة الفكرية التي يستنبط بها ما هو أنفع في المظنونة أنها خيرا كانت حينئذ تلك القوة مظنوناً بها أنها فضيلة فكرية. والفضيلة الفكرية منها ما يقتدر به على جودة الاستنباط لما هو أنفع في غاية فاضلة مشتركة لأمم أو لأمة أو لمدينة عند وارد مشترك فلا فرق بين أن يقال أنفع في غاية فاضلة وبين أن يقال أنفع وأجمل عامة فإن الأنفع الأجمل هو بالضرورة لغاية فاضلة والأنفع في غاية ما فاضلة هو الأجمل في تلك الغاية.


فهذه الفضيلة الفكرية هي فضيلة فكرية مدنية وهذه المشتركة ربما كانت ما سبيلها أن تبقى وتوجد مدة طويلة. ومنها ما يتبدى في مدد قصار إلا أن الفضيلة الفكرية التي إنما تستنبط الأنفع الأجمل المشترك لأمم أو لأمة أو لمدينة إذا كان شأن ما يستنبط أن يبقى عليهم مدة طويلة أو تكون متبدلة في مدة قصيرة فهي فضيلة فكرية مدنية. فإن كانت إنما تستنبط أبدا من المشتركات للأمم أو لأمة أو لمدينة ما إنما تتبدل في أحقاب أو في مدد طويلة محدودة كانت تلك أشبه أن تكون قدرة على وضع النواميس. وأما الفضيلة الفكرية التي إنما يستنبط بها ما يتبدل ف مدد قصار فهي القوة على أصناف التدبيرات الجزئية الزمنية عند الأشياء الواردة التي ترد أولا فأولا على الأمم أو على الأمة أو على المدينة وهذه الثانية تتلو الأولى. وأما القوة التي يستنبط بها ما هو أنفع وأجمل أو ما هو انفع في غاية فاضلة لطائفة من أهل المدينة أو لأهل منزل فإنما فضائل فكرية منسوبة إلى تلك الطائفة مثل إنها فضيلة فكرية منزلية أو فضيلة فكرية جهادية. وهذه أيضا تنقسم إلى ما سبيله أن لا يتبدل إلا في مدد طوال وإلى ما يتبدل في مدد قصار.


وقد تنقسم الفضيلة إلى أجزاء صغار من هذه مثل الفضيلة الفكرية التي يستنبط بها ما هو الأنفع والأجمل معا في غرض صناعة صناعة أو في غرض عرض حادث في وقت وقت فتكون أقسامها على عدد أقسام الصنائع وعلى عدد أقسام السير. وأيضا فإن هذه القوة تنقسم أيضا في أن يجور استنباط الإنسان بها هو أنفع وأجمل في غاية تخصه عند وارد يخصه هو في نفسه. وتكون قوة فكرية يستنبط بها ما هو أنفع وأجمل في غاية فاضلة تحصل لغيره فهذه فضيلة فكرية مشورية. فربما اجتمعت هاتان في إنسان واحد وربما افترقنا. وظاهر أن الذي له فضيلة بها الأنفع والأجمل والأجل غاية ما فاضلة هي خير كان المستنبط خيرا في الحقيقة يهواه لنفسه أو خيرا في الحقيقة يهواه لغيره أو لخير مظنون عند من يهوى له وذلك الخير ليس يكن أن تكون له هذه القوة أو تكون له فضيلة خلقية من قبل أن يهوى إنسان الخير لغيره أكان خيرا في الحقيقة أو خيرا مظنونا عند من يهوى له الخير إنه خير لا خير فاضل. وكذلك الذي يهوى لنفسه الخير الذي هو في الحقيقة خير ليس يكون إلا خيرا فاضلا ليس خيرا فاضلا في فكره بل خيرا فاضلا في خلقه وأفعاله ويشبه أن تكون فضيلته وخلقه وأفعاله على مقدار قوة فكرة على ما له من استنباط الأنفع والأجمل. فإن كان إنما يستنبط بفضيلته الفكرية من الأنفع والأجمل ما هو عظيم القوة مثل الأنفع في غاية فاضلة مشتركة لأمة أو لأمم أو مدينة مما شأنه أن لا يتبدل إلا في مدة طويلة فينبغي أن تكون فضائله الخلقية على حسب ذلك.


وكذلك إن كانت فضائله الفكرية إنما يقتصر بها على الأشياء التي هي أنفع في غاية خاصة وعند وارد خاص ففضيلته أيضا على مقدار ذلك. فكل ما كان من هذه الفضائل الفكرية أكمل رياسة وأعظم قوة كانت الفضائل الخلقية المقترنة به أشد رياسة وأعظم قوة. ولما كانت الفضيلة الفكرية التي يستنبط بها ما هو أنفع وأجمل في الغايات المشتركة عند الوارد المشترك للأمم أو لمة أو لمدينة منها فيما كان منها لا يتبدل إلا في مدد طويلة لما كانت أكمل رياسة وأعظم قوة والفضائل المقترنة بها أكملها كلها رياسة وأعظمها كلها قوة. ويتلو ذلك الفضيلة الفكرية التي يجوز بها استنباط ما هو أنفع في غاية مشتركة زمنية في مدد قصيرة وبيان الفضائل المقترنة بها على حساب ذلك. ثم تتلوها الفضائل الفكرية المقتصر بها على جزء جزء من أجزاء المدينة إما في الجزء المجاهدي أو في الجزء المالي أو في شيء شيء من سائر الأجزاء الأخر.


فالفضائل الخلقية فيها على حسب تلك إلى أن يأتي على الفضائل الفكرية المقترنة بصناعة صناعة بحسب غرض تلك الصناعة وبمنزل منزل وبإنسان إنسان في منزل منزل فيما يخصه عند وارد وارد عليه ساعة ساعة أو يوما يوما فإن الفضيلة المقترنة بها تكون بحسب ذلك. فإذن ينبغي أني فحص عن الفضيلة الكاملة التي هي أعظمها قوة أي فضيلة هي هل هي مجموع الفضائل كلها أو أن تكون فضيلة ما أو عدة فضائل قوتها قوة الفضائل كلها. فأي فضيلة ينبغي أن تكون قوتها قوة الفضائل كلها حتى تكون تلك الفضيلة أعظم الفضائل قوة فتلك الفضيلة هي الفضيلة التي إذا أراد الإنسان أن يوفي أفعالها لم يمكنه ذلك إلا باستعمال أفعال سائر الفضائل كلها فإن لم يتفق أن تحصل فيه هذه الفضائل كلها حتى إذا أراد أن يوفي أفعال الفضيلة الرئيسة استعمل أفعال الفضائل الجزئية فيه كانت فضيلته الخلقية تلك فضيلة تستعمل فيها أفعال الفضائل الكائنة في كل من سواه من أمم أو مدن في أمة أو أقسام مدينته أو أجزاء كل قسم. فهذه الفضيلة هي الفضيلة الرئيسة التي فضيلة أشد تقدما منها في الرياسة. ثم يتلوها ما شابهها من الفضائل التي قوتها شبيهة بهذه القوة في جزء جزء من أجزاء المدينة. فإن صاحب الجيش مثلا ينبغي أن تكون له مع القوة الفكرية التي يستنبط بها الأنفع والأجمل فيما هو مشترك للمجاهدين أن تكون له فضيلة خلقية إذا أراد أن يوفي فعلها استعمل الفضائل التي في المجاهدين من جهة ما هم مجاهدون مثل أن تكون شجاعته شجاعة يستعمل بها أفعال الشجاعات الجزئية التي في المجاهدين وكذلك مقتني الفضيلة الفكرية التي يستنبط بها ما هو الأنفع والأجمل في غايات مكتسبي أموال المدينة ينبغي أن تكون فضيلته الخلقية فضيلة يستعمل بها الفضائل الجزئية التي في أصناف مكتسبي أموال المدينة ينبغي أن يكون فضيلته الخلقية فضيلة يستعمل بها الفضائل الجزئية التي في أصناف مكتسبي الأموال من الناس. وتلك ينبغي أن تكون حال الصناعات فإن الصناعة الرئيسة التي لا تتقدمها صناعة أخرى في الرياسة هي الصناعة التي إذا أردنا أن نوفي أفعالها لم يمكن دون أن نستعمل أفعال الصنائع كلها وهي الصناعة التي لأجل توفية غرضها تطلب سائر الصنائع كلها وهي الصناعة التي لأجل توفية غرضها تطلب سائر الصنائع كلها.


فهذه الصناعة هي رئيسة الصناعات وهي أعظم الصناعات قوة. وتلك الفضيلة الخلقية هي أعظم الفضائل الخلقية قوة. ثم تتلو هذه الصناعة سائر الصناعات فتكون صناعة من جنس أكمل وأعظم قوة مما في جنسها متى كانت غايتها إنما توفى باستعمال أفعال الصنائع التي من جنسها مثل الصناعات الجزئية الرئيسة. فإن صناعة قود الجيوش منها هي الصناعة التي إنما يبلغ الغرض منها باستعمال أفعال الصنائع الحربية الجزئية وكذلك الصناعة التي ترأس الصناعة المالية في المدينة هي الصناعة التي إنما يبلغ غرضها من المال باستعمال الصنائع ثم ظاهر أن كل ما هو أنفع وأجمل فإما أن يكون أجمل في المشهور أو أجمل في ملة أو أجمل في الحقيقة. كذلك الغايات الفاضلة إما أن تكون فاضلة وخيرا في المشهور أو فاضلة وخيرا في ملة ما أو فاضلة وخيرا في الحقيقية. وليس يمكن أن يستنبط الأجمل عند أهل ملة ما إلا الذي فضائله الخلقية فضائل في تلك الملة خاصة وكذلك من سواه. وتلك حال الفضائل التي هي أعظم قوة والجزئيات التي هي أصغرها قوة.


فالفضيلة الفكرية التي هي أعظمها قوة والفضيلة الخلقية التي هي أعظمها قوة لا يفارق بعضها بعضا. وبين أن الفضيلة الفكرية الرئيسة جدا لا يمكن إلا أن تكون تابعة للفضيلة النظرية لأنها إنما تميز أعراض تلك المعقولات التي جعلتها الفضيلة النظرية محصلة من غير أن تكون هذه الأعراض مقترنة بها. فإن كان مزمعا أن يكون الذي له الفضيلة الفكرية إنما يستنبط المتبدلات من الأعراض والأحوال في المعقولات التي معرفته بها تبصرة نفسه وعلم نفسه حتى لا يكون ما يستنبطه يستنبطه فيما عسى أن لا يكون صحيحا أن تكون الفضيلة الفكرية غير مفارقة للفضيلة النظرية. فتكون الفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية الرئيسة والفضيلة الخليقة الرئيسة والصناعة الرئيسة غير مفارق بعضها بعضا وإلا اختلت هذه الآخرة ولم تكن كاملة ولا الغاية في الرياسة كاملة. لكن إن كانت الفضائل الخلقية إنما يمكن أن تحصل موجودة بعد أن صيرتها الفضيلة النظرية معقولة بأن تميزها الفضيلة الفكرية وتستنبط أعراضها التي تصير معقولاتها موجودة باقتران تلك الأعراض بها فالفضيلة الفكرية إذن سابقة للفضائل الخلقية. فإذا كانت سابقة لها فالذي له الفضيلة الفكرية التي يستنبط بها الفضائل الخلقية التي سبيلها أن توجد منفردة دون الفضائل الخلقية فإن انفردت الفضيلة الفكرية عن الفضيلة الخلقية لم يكن الذي له قدرة على استنباط الفضائل التي هي خيرات خيراً ولا بفضيلة واحدة. فإن لم يكن خيرا فكيف التمس الخير أو هوي الخير بالحقيقة لنفسه أو لغيره. فإن لم يكن هوية فكيف يقدر على استنباطه ولم يجعله غايته. فالفضيلة الفكرية إذن إذا انفردت دون الفضيلة الخلقية لم يمكن أن يستنبط بها الفضيلة الخليقة.


فإن كانت الفضيلة الخلقية لا تفارق الفضيلة الفكرية وكان وجودهما معا فكيف استنبطتها الفضيلة الفكرية ثم جعلتها مقترنة بها فإنه يلزم إن كانت غير مفارقة لها أن تكون استنبطتها هي وإن كانت هي التي استنبطتها فقد انفردت عنها. فلذلك إما أن تكون الحيرة وإما أن تجعل فضيلة أخرى مقترنة بالفضيلة الفكرية غير الفضيلة الخلقية التي استنبطتها القوة الفكرية. فإن كانت تلك الفضيلة الخلقية كائنة أيضا بإرادة لزم أن تكون الفضيلة الفكرية هي التي استنبطتها فيعود الشك الأول.


فإذن يلزم أن تكون الفضيلة الفكرية هي التي استنبطتها الفضيلة الفكرية مقترنة بالفضيلة النظرية تهدي بها من له الفضيلة الخيرية والغاية الفاضلة. وتكون تلك الفضيلة طبيعية وكائنة بالطبع مقترنة بفضيلة فكرية كائنة بالطبع تستنبطها الفضائل الخلقية الكائنة بإرادة وتكون الفضيلة الكائنة بالإرادة هي الفضيلة الإنسانية التي إذا حصلت للإنسان بالطريق الذي تحصل له بها الأشياء الإرادية حصلت حينئذ الفضيلة الفكرية الإنسانية. ولكن ينبغي أن ينظر كيف هذه الفضيلة الطبيعية هل هي بعينها هذه الفضيلة الإرادية أم لا لكن ينبغي أن يقال إنها شبيهة بها مثل الملكات التي توجد في الحيوانات غير الناطقة مثل ما يقال الشجاعة في الأسد والمكر في الثعلب والروغان في الذئب والسرقة في العقعق وأشباه ذلك. فإنه لا يمنع أن يكون كل إنسان مفطوراً على أن تكون قوة نفسه في أن يتحرك إلى فعل فضيلة ما من الفضائل أو ملكة ما من الملكات في الجملة أسهل عليه من حركته إلى فعل ضدها. والإنسان أولا إنما يتحرك إلى حيث تكون الحركة عليه أسهل إن لم يقسر على شيء آخر غيره. فإذا كان إنسان من الناس مفطورا مثلا على أن تكون حاله فيما نقدم عليه من المخاوف أكثر من إحجامه عنها فما هو إلا أن يتكرر عليه ذلك عدة مرار إلا وقد صارت له تلك الملكة إرادية وقد كانت له تلك الملكة الأولى الشبيهة بهذه طبيعية. فإن كانت كذلك في الفضائل الخلقية الجزئية التي شأنها أن تقترن بالفضائل الفكرية الجزئية فكذلك ينبغي أن تكون حال الفضائل الخلقية العظمى التي شأنها أن تقترن بالفضائل الفكرية العظمى. فإن كان كذلك لزم أن يكون إنسان دون إنسان مكونا بفطرته لفضيلة تشبه الفضيلة العظمى مقرونة بقوة فكرية بالطبع عظمى ثم سائر المراتب على ذلك. فإذا كان كذلك فليس أي إنسان اتفق تكون صناعته وفضيلته الخلقية وفضيلته الفكرية عظيمة القوة فإن الملوك ليس إنما هم ملوك بالإرادة فقط بل بالطبيعة وكذل الخدم خدم بالطبيعة أولا ثم ثانيا بالإرادة فيكمل ما أعدوا له بالطبيعة. فإذا كان كذلك فالفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية العظمى والفضيلة الخلقية العظمى والصناعة العملية العظمى إنما سبيلها أن تحصل فيمن أعد لها بالطبع وهم ذوو الطبائع الفائقة العظيمة القوى جدا فإذا حصلت هذه في إنسان ما يبقى بعد هذا أن تحصل الجزئية في الأمم والمدن. ويبقى أن نعلم كيف الطريق إلى إيجاد هذه الجزئية في الأمم والمدن فإن الذي له هذه القوى العظيمة ينبغي أن تكون له قدرة على تحصيل جزئيات هذه في الأمم والمدن. وتحصيلها بطريقين أوليين: بتعليم وتأديب.


والتعليم هو إيجاد الفضائل النظرية في الأمم والمدن والتأديب هو طريق إيجاد الفضائل الخلقية والصناعات العملية في الأمم. والتعليم هو بقول فقط والتأديب هو أن تعود الأمم والمدنيون الأفعال الكائنة عن الملكات العملية وبأن تنهض عزائمهم نحو فعلها وأن تصير تلك وأفعالها مسئولية على نفوسهم ويجعلوا كالعاشقين لها. وإنهاض العزائم نحو فعل الشيء ربما كان بقول وربما كان بفعل. والعلوم النظرية إما أن يعلمها الأئمة والملوك وإما أن يعلمها من سبيله أن ستحفظ العلوم النظرية. وتعليم هذين بجهات واحدة بأعيانها وهي الجهات التي سلف ذكرها بأن يعرفوا أولا المقدمات الأول والمعلوم الأول في جنس جنس من أجناس العلوم النظرية ثم يعرفوا أصناف أحوال المقدمات وأصناف ترتيبها على ما تقدم ذكره. ويؤخذو بتلك الأشياء التي ذكرت بعد أن يكونوا قد قومت نفوسهم قبل ذلك: الأشياء التي تراض بها أنفس الأحداث الذين مراتبهم بالطبع في إنسانية هذه المرتبة. ويعودوا استعمال الطرق المنطقية كلها في العلوم النظرية كلها ويؤخذوا بالتعلم من صباهم على الترتيب الذي ذكره أفلاطون مع سائر الآداب ألى أن يبلغ كل واحد منهم أشده.


ثم يجعل الملوك منهم في مراتب رياسة رياسة من الرياسات الجزئية ويترقون قليلا قليلا من مراتب الرياسات الجزئية إلى أن يبلغوا ثمانية أسابيع من أعمارهم ثم يجلعوا في مرتبة الرياسة العظمى. فهذا طريق تعليم هؤلاء وثم الخاصة الذين سبيلهم أن لا يقتصر بهم في معلوماتهم النظرية على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك. وينبغي أن يعلموا الأشياء النظرية بالطرق الإقناعية وأن كثيرا من النظرية يفهمونها بطريق التخييل وهي التي لا سبيل إلى أن يعقلها الإنسان إلا بعد أن يعقل معلومات كثيرة جدا وهي المبادىء القصوى والمبادىء التي ليست هي جسمانية. فإن تلك ينبغي أن يفهم العامة مثالاتها وتمكن في نفوسهم بطريق الإقناعات وتمييز ما ينبغي أن تعطاه أمة أمة من ذلك وما سبيله أن يكون مشتركا لجميع الأمم ولجميع أهل كل مدينة. وما ينبغي أن تعطاه أمة دون أمة أو مدينة دون مدينة أو طائفة من أهل مدينة دون طائفة. وهذه كلها سبيلها أن تميز بالفضيلة الفكرية إلى أن تحصل لهم الفضائل النظرية.


وأما الفضائل العملية والصناعات العملية فبأن يعودوا أفعالها وذلك بطريقين: أحدهما بالأقاويل الإقناعية والأقاويل الانفعالية وسائر الأقاويل التي تمكن في النفس هذه الأفعال والملكات تمكينا تاما حتى يصير نهوض عزائمهم نحو أفعالها طوعا وتلك ممكنة بما أعطتها من استعمال الصنائع المنطقية وما يعود وا من استعمالها. والطريق الآخر هو طريق الإكراه وتلك تستعمل مع المتمردين المعتاصين من أهل المدن والأمم الذي ليسو ينهضون للصواب طوعا من تلقاء أنفسهم ولا بالأقاويل. وكذلك من تعاصى منهم على تلقي العلوم النظرية التي تعاطاها. فإذن إذا كانت فضيلة الملك أو صناعته هي استعمال أفعال فضائل ذوي الفضائل وصناعات ذوي الصناعات الجزئية فإنه يلزم ضرورة أن يكون من يستعملهم من أهل الفضائل وأهل الصنائع في تأديب الأمم وأهل المدن طائفتين أوليتين: طائفة يستعملهم في تأديب من يتأدب منهم طوعا وطائفة يستعملهم في تأديب من سبيله أن يؤدب كرها. وذلك على مثال ما يوجد الأمر عليه في أرباب المنازل والقوام بالصبيان والأحداث. فإن الملك هو مؤدب الأمم ومعلمها كما أن رب المنزل هو مؤدب أهل المنزل ومعلمهم والقيم بالصبيان والأحداث هو مؤدب الصبيان والأحداث ومعلمهم. وكما أن كل واحد من هذين يؤدب بعض من يؤدبه بالرفق والإقناع ويؤدب بعضهم كرها. كذلك الملك فإن تأديبهم كرها وتأديبهم طوعا. جميعا من أجل ما هية واحدة في أصناف الناس الذين يؤدبون ويقومون.


وإنما يتفاضل في القلة والكثرة وفي عظم القوة وصغرها وعلى قدر عظم قوة تأديب الأمم. ويتفاضل في تقويمهم على قوة تأديب الصبيان والأحداث وتأديب أرباب المنازل لأهل المنازل. كذلك عظم قوة المقومين والمؤدبين الذين هم الملوك ومن يستعمل وما يستعمل في تأديب الأمم والمدن وإنه يحتاج من المهن التي بها يكون التأديب طوعا إلى أعظمها قوة ومن التي يؤدب بها كرها إلى أعظمها قوة وتلك من الماهية الجزئية وهي القوة على جودة التدبير في قوة الجيوش مثلا واستعمال آلات الحرب والناس الحربيين في مغالبة الأمم والمدن الذي لا يتعادون لفعل ما ينالون به السعادة التي لأجل بلوغها كون الإنسان. وإن كل موجود إنما كون ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه. فالذي للإنسان من هذا هو المخصوص باسم السعادة القصوى وما لإنسان إنسان من ذلك بحسب رتبته في الإنسانية هو السعادة القصوى التي تخص ذلك الجنس. والجزئي الكائن لأجل هذا الغرض هو الجزئي العادل والصناعة الجزئية التي غرضها هذا الغرض هي الصناعة الجزئية العادلة والفاضلة. والذين يستعملون في تأديب الأمم وأهل المدن طوعا هم أهل الفضائل والصنائع المنطقية. وظاهر أن الملك يحتاج إلى أن يعود إلى الأمور النظرية المعقولة التي قد حصلت معرفتها ببراهين يقينية ويلتمس في كل واحدة منها الطرق الإقناعية الممكنة فيها ويتحرى في كل واحدة منها جميع ما يمكن فيه من الطرق الإقناعية. وذلك يمكنه بما له من القوة على الإقناع في شيء شيء من الأمور لم يعمد إلى تلك القوة على الإقناع في شيء شيء من الأمور لم يعمد إلى تلك الأمور بأعيانها فيأخذ مثالاتها وينبغي أن يجعل تلك المثالات مثالات تخيل الأمور النظرية عند جميع الأمم باشتراك. ويجعل المثالات بما يمكن أن يوقع التصديق به بالطرق الإقناعية ويجتهد في كل ذلك أن يجعلها مثالات مشتركة وبطرق إقناعية مشتركة لجميع الأمم والمدن. ثم بعد ذلك يحتاج إلى إحصاء أفعال الفضائل والصنائع العملية الجزئية وهي التي اشترطت فيها تلك الشرائط المذكورة فيما سلف. ويجعل لها طرقا إقناعية مشورية تنهض بها عزائمهم نحوها ويستعمل في ذلك الأقاويل التي يوطأ بها أمر نفسه والأقاويل الإنفعالية والخلقية التي تخشع منها نفوس المدنيين وتذل وترق وتضعف.


وفي الأشياء المضادة لها يستعمل أقاويل انفعالية وخلقية تقوى لها نفوس المدنيين وتعز وتقسو وتحنو فهذه بأعيانها يستعملها في الملوك المشاكلين له والمضادين له وفي الناس والأعوان الذي يستعملهم وفي الذين يستعملهم المضادون له وفي الفاضلين وفي المضادين لهم فإنه يستعمل فيما يخصه أقاويل تخشع منها النفوس وتذل وفي المضادين أقاويل تعز بها النفوس وتقسو وتعاف. وأقاويل يناقض بها مخالفي تلك الآراء والأفعال بالطرق الإقناعية وأقاويل تقبح آراءهم وأفعالهم وتظهر نكرها وشنعتها. ويستعمل في ذلك من الأقاويل الصنفين جميعا أعني الصنف الذي سبيله أن يستعمل حينا بحين ويوما بيوم ووقتا بوقت ولا يحفظ ولا يستدام ولا يكتب. ويستعمل الصنف الآخر وهو الذي سبيله أن يحفظ ويستدام متلوا ومكتوبا ويجعل في كل من الكتابين الآراء والأفعال التي إليها دعوا والأقاويل التي التمس بها أن تحفظ عليهم وتمكن فيهم ما إليه دعوا حتى لا تزول عن نفوسهم والأقاويل التي يناقض بها من ضاد تلك الآراء والأفعال فتحصل للعلوم التي يؤدبون بها ثلاث رتب لكل علم منها قوم يستحفظونه ممن له قوة على جودة استنباط ما لم يصرح له في الجنس الذي استحفظ وعلى القيام بنصرته ومناقضة ما يناقضه ومضادة ما ضاده وعلى جودة تعليم كل ذلك ملتمسين ثم بعد ذلك ينظر في أصناف الأمم أمة أمة وينظر فيما وطنت له تلك الأمة بالطبع المشترك من الملكات والأفعال الإنسانية حتى يأتي على النظر في الأمم كلهم أو أكثرهم وينظر فيما سبيل الأمم كلهم أن يشتركوا فيه وهو الطبيعة الإنسانية التي تعمهم.


ثم ما سبيل كل طائفة من كل أمة أن تخص به فيميز هذه كلها وتحصل بالفعل. ثم الأشياء التي سبيلها أن تقوم بها أمة أمة من الأفعال والملكات ويسددوا فيها نحو السعادة كم عدد ذلك بالتقريب وأي أصناف الإقناعات ينبغي أن تستعمل معهم وذلك في الفضائل النظرية والفضائل العملية. فيثبت ما لأمة أمة على حيالها بعد أن يقسم أقسام كل أمة وينظر هل يصلح أن تستحفظ طائفة منهم العلوم النظرية أم لا وهل فيهم من يستحفظ النظرية الذائعة أو النظرية المخيلة. فإذا حصلت هذه كلها عندهم كانت العلوم الحاصلة عندهم أربعة: أحدها الفضيلة النظرية التي تحصل بها الموجودات معقولة عن براهين يقينية ثم تحصل تلك المعقولات بأعيانها عن طرق إقناعية ثم العلم الذي يحتوي على مثالات تلك المعقولات مصدقا بها بالطرق الإقناعية ثم بعدها العلوم المنتزعة عن هذه الثلاثة لأمة أمة فتكون تلك العلوم المنتزعة على عدد الأمم يحتوي كل علم منها على جميع الأشياء التي تكمل بها تلك الأمة وتسعد. فذلك محتاج إلى أن يرتب لعلم ما تسعد به أمة أمة أو قوم قوم أو إنسان إنسان ويستحفظ ما ينبغي أن تؤدب به تلك الأمة فقط ويعرف الأشياء التي تستعمل في تأديب تلك الأمة من طريق الإقناع. وينبغي أن يكون الذي يستحفظ ما ينبغي ان يعلمه تلك الأمة إنسان أو قوم له أو لهم أيضا قوة على جودة استنباط ما لم يعطه أو يعطوه بالفعل في الجنس الذي استحفظ وعلى القيام بنصرته ومناقضة ما ضاده وعلى جودة تعليمه لتلك الأمة ملتمسا بكل ذل تتميم غرض الرئيس الأول في الأمة التي لأجلها أعطاه أو أعطاهم ما أعطاه. فهؤلاء هم الذي سبيلهم أن يستعملوا في تأديب الأمم طوعا والأفضل أن يكون في كل واحد من هؤلاء الذي إليهم تفويض تأديب الأمم من هؤلاء الطوائف في كل واحد منهم فضيلة جزئية وفضيلة فكرية ينتفعون بهما على جودة استعمال الجيوش في الحروب إذا احتاجوا إلى ذلك حتى تجتمع في كل واحد منهم ماهية التأديب بالوجهين جميعا.


فإن لم يتفق ذلك في إنسان واحد أضاف إلى الذي يؤدب طوعا من له هذه الماهية الجزئية وتصير سنة من يفوض إليه تأديب كل أة أن يكون له قوم يستعملهم في تأديب تلك الأمة طوعا أو كرها فيجعل من يستعملهم أيضا طائفتين أو طائفة واحدة لها ماهية في الأمرين جميعا. ثم تقسم تلك الطائفة أو الطائفتين إلى أجزائها أو أجزاء كل واحدة منها إلى أن تنتهي إلى أصغر أجزائها أو أصغرها قوة في التأديب. ويجعل المراتب فيها بحسب الفضيلة الفكرية التي في كل واحد منهم إما فضيلة فكرية يستعمل بها أجزاء أو فكرية يستعمل بها أجزاء أخر. فيكون أما ذاك فقريبا وأما هذا فمحاذيا بحسب قوة فضيلته الفكرية.


فإذا حصلت هاتان الطائفتان في كل أمة أو في كل مدينة ترتبت الأجزاء الأخر عن هؤلاء. فهذه هي الوجوه و الطرق التي منها تحصل في الأمم والمدن الأشياء الإنسانية الأربعة التي بها ينالون السعادة القصوى. وأول هذه العلوم كلها هو العلم الذي يعطي الموجودات معقولة ببراهين يقينية وهذه الأخر إنما تأخذ تلك بأعيانها فتقنع فيها أو تتخيلها ليسهل بذلك تعليم جمهور الأمم وأهل المدن. وذلك أن الأمم وأهل المدن منهم من هو خاصة ومنهم من هو عامة. والعامة هم الذين يقتصرون أو الذي سبيلهم أن يقتصر بهم في معلوماتهم النظرية على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك. والخاصة هم الذين ليس يقتصرون في شيء من معلوماتهم النظرية على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك.


بل يعتقدون ما يعتقدونه ويعلمون ما يعلمونه عن مقدمات تعقبت غاية التعقب فلذلك صار كل من ظن بنفسه أنه لا يتقصر على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك في الأمر الذي ينظر فيه ظن بنفسه أنه خاصي في ذلك الأمر وبغيره أنه عامي. فلذلك صار الحاذق من أهل كل صناعة يسمى خاصيا لعلمهم أنه ليس يقتصر فيما تحتوي تلك الصناعة على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك فيها بل يستقصيها ويتعقبها غاية التعقب. وأيضا فإنه يقال عامي لكل من لم تكن له رياسة ما مدنية ولا كانت له صناعة يرشح بها لرئاسة مدنية بل إما لا صناعة له أصلا أو أن تكون صناعته صناعة يخدم بها في المدينة فقط.


والخاصي كل من له رئاسة ما مدنية أو كل من له صناعة يرصد بها لرئاسة ما مدنية. ولذلك كل من ظن بنفسه أن له صناعة يصلح أن يتقلد بها رئاسة ما مدنية أو حالة حال يظن بها عند نفسه أنها حال رئاسة مدنية يسمي نفسه خاصيا مثل ذوي الأحساب وكثير من ذوي اليسار العظيم. وأدخل في الخصوص كل من كانت صناعته صناعة أكمل في أني تقلد بها رئاسة. فأخص الخواص يلزم أني كون هو الرئيس الأول فيشبه أن يكون ذلك لأجل أنه هو الذي لا يتقصر في شيء من الأشياء أصلا على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك. وبالواجب ما استأهل بملكته وبماهيته الرياسة الأولى والخصوص الخاص. وكل من تقلد رئاسة مدنية قصد بها تتميم غرض الرئيس الأول فهو تابع لآراء متعقبة في الغاية من التعقب إلا أنه لم تكن آراؤه التي بها صار تابعا أو بها يتمكن في نفسه أنه ينبغي أن يخدم بصناعته تلك الرئيس الأول إلا بما أوجبه بادىء الرأي فقط ويكون في معلوماته النظرية على ما يوجبه بادىء الرأي المشترك فيحصل أن يكون الخصاي هو الرئيس الأول والذي عنده من العلم العلم الذي يحتوي على المعقولات ببراهين يقينية والباقون عامة وجمهور.


فالطرق الإقناعية والتخيلات إنما تستعمل إذن في تعليم العامة وجمهور الأمم والمدن. وطرق البراهين اليقينية في أن تحصل بها الموجودات أنفسها معقولة تستعمل في تعليم من سبيله أن يكون وهذا العلم هو أقدم العلوم وأكملها رئاسة وسائر العلوم الأخر الرئيسة هي تحت رئاسة هذا العلم. وأعني بسائر العلوم الرئيسة الثاني والثالث ثم المنتزع منها إذ كانت هذه العلوم إنما تحتذي حذو ذلك العلم وتستعمل ليكمل الغرض بذلك العلم وهو السعادة القصوى والكمال الأخير الذي يبلغه الإنسان.


وهذا العلم كما يقال: غنه كان فيالقديم في الكلدانيين وهم أهل العراق ثم صار إلى أهل مصر ثم انتقل إلى اليونانيين ولم يزل إلى أن انتقل إلى السريانيين ثم إلى العرب. وكانت العبارة عن جميع ما يحتوي عليه ذلك العلم باللسان اليوناني ثم صارت باللسان السرياني ثم باللسان العربي. وكان الذين عندهم هذا العلم من اليونانيين يسمونه الحكمة على الإطلاق والحكمة العظمى ويسمون اقتناءها العلم وملكته الفلسفة ويعنون به إيثار الحكمة العظمى ومحبتها ويسمون المقتني لها فيلسوفا ويعنون المحب والمؤثر للحكمة العظمى ويرون أنها هي بالقوة الفضائل كلها ويسمونها علم العلوم وأم العلوم وحكمة الحكم وصناعة الصناعات ويعنون بها الصناعة التي تستعمل الصناعات كلها والفضيلة التي تستعمل الفضائل كلها والحكمة التي تستعمل الحكم كلها.


وذلك أن الحكمة قد تقال على الحذق جدا وبإفراط في أي صناعة كانت حتى يرد من أفعال تلك الصناعة ما يعجز عنه أكثر من يتعاطاها. ويقال حكمة بشريطة فإن الحاذق بإفراط في صناعة ما يقال إنه حكيم في تلك الصناعة وكذلك النافذ الروية والحثيث فيها قد يسمى حكيما في ذلك الشيء الذي هو نافذ الرؤية فيه. إلا أن الحكمة عل الإطلاق في هذا العلم وملكته. وإذا انفردت العلوم النظرية ثم لم يكن لمن حصلت له قوة على استعمالها في غيره كانت فسلفة ناقصة.


والفيلسوف الكامل على الإطلاق هو أن تحصل له العلوم النظرية وتكون له قوة على استعمالها في كل من سواه بالوجه المكن فه. وإذا تؤمل أمر الفيلسوف على الإطلاق لم يكو بينه وبين الرئيس الأول فرق وذلك أن الذي له قوة على استعمال ما تحتوي عليه النظرية في كل من سواه أهل هو أن تكون له القوة على إيجادها معقولة وعلى إيجاد الإرادية منها بالفعل. وكلما كانت قوته على هذه أعظم كان أكمل فلسفة فيكون الكامل على الإطلاق هو الذي حصلت له الفضائل النظرية أولا ثم العملية ببصيرة يقينية. ثم أن تكون له قدرة على إيجادها جميعا في الأمم والمدن بالوجه والمقدار الممكنين في كل واحد منهم. ولما كان لا يمكن أن تكون له قوة على إيجادها إلا باستعمال براهين يقينية وبطرق إقناعية وبطرق تخيلية إما طوعا أو كرها صار الفيلسوف على الإطلاق هو الرئيس الأول.


وإذا كان كل تعليم فهو يلتئم بشيئين بتفهيم ذلك الشيء الذي يتعلم وإقامة معناه في النفس ثم بإيقاع التصديق بما فهم وأقيم معناه في النفس. وتفهيم الشيء على ضربين: أحدهما أن تعقل ذاته والثاني بأن يتخيل بمثاله الذي يحاكيه. وإيقاع التصديق يكون بأحد طريقين: إما بطريق البرهان اليقيني وإما بطريق الإقناع. ومتى حصل علم الموجودات أو تعلمت فإن عقلت معانيها أنفسها وأوقع التصديق بها عن البراهين اليقينية كان العلم المشتمل على تلك المعلومات فلسفة. ومتى علمت ب أن تخيلت بمثالاتها التي تحاكيها وحصل التصديق بما خيل منها عن الطرق الإقناعية كان المشتمل على تلك المعلومات تسمية القدماء ملة. وإذا أخذت تلك المعلومات أنفسها واستعمل فيها الطرق الإقناعية سميت الملكة المشتملة عليها الفلسفة الذائعة المشهورة والبرانية. فالملة محاكية للفلسفة عندهم وهما يشتملان على موضوعات بأعيانها وكلتاهما تعطيان المبادىء القصوى للموجودات. فإنهما تعطيان علم المبدأ الأول والسبب الأول للموجودات وتعطيان الغاية القصوى التي لأجلها كون الإنسان وهي السعادة القصوى والغاية القصوى في كل واحد من الموجودات الأخر. وكل ما تعطيه الفلسفة من هذه معقولا أو متصورا فإن الملة تعطيه متخيلا وكل ما تبرهنه الفلسفة من هذه فإن الملة تقتنع. فإن الفلسفة تعطي ذات المبدأ الأول وذات المبادىء الثواني غير الجسمانية التي هي المبادىء القصوى معقولات والملة تخيلها بمثالاتها المأخوذة من المبادىء الجسمانية وتحاكيها بنظائرها من المبادىء المدنية وتحاكي الأفعال الإلهية بأفعال المبادىء المدنية وتحاكي أفعال القوى والمبادىء الطبيعية بنظائرها من القوى والملكات والصناعات الإرادية كما يفعل ذلك أفلاطن في طيماوس.


وتحاكي المعقولات منها بنظائرها من المحسوسات مثل من حاكى المادة بالهاوية أو الظلمة أو الماء العدم بالظلمة. وتحاكي أصناف الصناعات القصوى التي هي غايات أفعال الفضائل الإنسانية بنظائرها من الخيرات التي يظن أنها هي الغايات. وتحاكي السعادات التي هي في الحقيقة سعادات بالتي يظن أنها سعادات. وتحاكي مراتب الموجود في الوجود بنظائرها من المراتب المكاتبة والمراتب الزمانية وتتحرى أن تقرب الحاكية لها من ذواتها. وكل ما تعطي الفلسفة فيه البراهين اليقينية فإن الملة تعطي فيه الإقناعات والفلسفة تتقدم بالزمان الملة. وأيضا فإن معقولات الأشياء الإرادية التي تعطيها الفلسفة العملية بين أنها إذا التمس إيجادها بالفعل فينبغي أن تشترط فيها الشرائط التي بها يمكن أن تحصل موجودة بالفعل وتأتلف بأعيانها إذا اشترطت فيها الشرائط التي بها يمكن وجودها بالفعل في النواميس.


فواضع النواميس هو الذي له قدرة على أن يستخرج بجودة فكرته شرائطها التي بها تصير موجودة بالفعل وجودا تنال بها السعادة القصوى. وبين أنه ليس يلتمس واضع النواميس استنباط شرائطها أو تعقلها قبل ذلك ولا يمكن أن يستخرج شرائطها التي يسدد بها نحو السعادة القصوى أو يعقل السعادة القصوى وليس يمكن أن تحصل له هذه الأشياء معقولة وتصير بها ماهية وضع النواميس رئيسة أولى دون أن يكون قد حاز قبل ذلك الفلسفة. فإذن يلزم فيمن كان واضع نواميس - على أن ماهيته ماهية رئاسة لا خدمة - أن يكون فيلسوفا. وكذلك الفيلسوف الذي اقتنى الفضائل النظرية فإن ما اقتناه من ذلك يكون باطلا إذا لم تكن له قدرة على إيجادها في كل من سواه بالوجه الممكن فيه. وليس يمكن أن يستخرج في المعقولات الإرادية أحوالها وشرائطها التي بها تكون موجودة بالفعل دون أن تكون له فضيلة فكرية.


والفضيلة الفكرية التي لا يمكن أن توجد فيه دون الفضيلة العملية و لا يمكن مع ذلك إيجادها في كل ما سواه بالوجه الممكن إلا بقوة على جودة الإقناع وجودة التخييل. فإذن معنى الإمام والفيلسوف وواضع النواميس معنى واحد إلا أن اسم الفيلسوف يدل منه على الفضيلة النظرية إلا أنها إن كانت مزمعة على أن تكون الفضيلة النظرية على كمالها الأخير من كل الوجوه لزم ضرورة أن تكون فيه سائر القوى. وواضع النواميس يدل منه على جودة المعرفة بشرائط المعقولات العملية والقوى على استخراجها والقوة على إيجادها في الأمم والمدن. فإن كانت هذه مزمعة أن تكون موجودة عن علم لزم أن تكون قبل هذه فضيلة نظرية على جهة ما يلزم وجود المتأخر وجود المتقدم.


واسم الملك يدل على التسلط والاقتدار. والاقتدار التام هو أن يكون أعظم الاقتدارات قوة وأن لا يكون اقتدارا على الشيء بالأشياء الخارجة عنه فقط بل ما يكون في ذاته من عظم المقدرة بأن تكون صناعته وماهيته وفضيلته عظيمة القوة جدا وليس يمكن ذلك إلا بعظم قوة المعرفة وعظم قوة الفكرة وعظم قوة الفضيلة والصناعة وإلا لم يكن ذا مقدرة على الإطلاق ولا ذا تسلط إذ كان يبقى فيما كان دون هذه المقدرة نقص في قدرته. وكذلك إن لم تكن له مقدرة إلا على الخيرات التي هي ون السعادة القصوى كان اقتداره أنقص لم يكن كملا. فلذل صار الملك على الإطلاق هو بعينه الفيلسوف وواضع النواميس. وأما معنى الإمام في لغة العرب فإنما يدل على من يؤتم به ويتقبل وهو إما المتقبل كماله أو المتقبل غرضه فإن لم يكن متقبلا بجميع الأفعال والفضائل والصناعات التي هي غير متناهية لم يكن متقبلا على الإطلاق. وإن لم يكن ها هنا غرض يلتمس حصوله بشيء من الصنائع والفضائل والأفعال سوى غرضه كانت صناعته هي أعظم الفكر قوة وفضيلته أعظم الفضائل قوة وفكرته أعظم الفكرة قوة وعلمه أعظم العلوم قوة.


إذ كان بجميع هذه التي فيه يستعمل قوى غيره في تكميل غرضه وليس يمكن ذلك دون العلوم النظرية ودون الفضائل الفكرية التي هي أعظمها قوة ثم دون سائر تلك الأشياء التي تكون في الفيلسوف. فتبين أن معنى الفيلسوف والرئيس الأول وواضع النواميس والإمام معنى كله واحد. وأي لفظة ما أخذت من هذه الألفاظ ثم أخذت ما يدل عليه كل واحد منها عند جمهور أهل لغتنا وجدتها كلها تجتمع في آخر الأمر في الدلالة على معنى واحد بعينه. ومتى حصلت هذه الأشياء النظرية التي تبرهنت في العلوم النظرية مخيلة في نفوس الجمهور وأوقع التصديق بما تخيل منها وحصلت الأشياء العملية بشرائطها التي بها وجودها ممكنة في نفوسهم واستولت عليها وصارت عزائمهم لا تنهضم نحو فعل شيء آخر غيرها فقد حصلت الأشياء النظرية والعملية تلك وهذه بأعيانها إذا كانت في نفس واضع النواميس فهي فلسفة وإذا كانت في نفوس الجمهور فهي ملة. وذلك أن الذي يبين هذه في علم واضع النواميس بصيرة يقينية والتي تمكن في نفوس الجمهور متخيل وإقناع وعلى أن واضع النواميس يتخيل أيضا هذه الأشياء وليست المتخيلات له ولا المقنعات فيه بل يقينية له وهو الذي اخترع المتخيلات والمقنعات لا ليمكن بها تلك الأشياء في نفسه على أنها ملكة له إنما على أنها متخيل وإقناع لغيره ويقين له وعلى أنها ملة وله هو فلسفة. بهذه هي الفلسفة بالحقيقة والفيلسوف بالحقيقة.


فأما الفلسفة البتراء والفيلسوف الزور والفيلسوف البهرج والفيلسوف الباطل فهو الذي يشع في أن يتعلم العلوم النظرية من غير أن يكون موطأ نحوها. فإن الذي سبيله أن يشرع في النظر ينبغي أن يكون له بالفطرة استعداد للعلوم النظرية وهي الشرائط التي ذكرها أفلاطن في كتابه في السياسة وهو أن يكون جيد الفهم والتصور للشيء وللشيء الذاتي ثم أن يكون حفوظا وصبورا على الكد الذي يناله في التعلم وأن يكون بالطبع محبا للصدق وأهله والعدل وأهله غير جموح ولا لجوج فيما يهواه وأن يكون غير شره على المأكول والمشروب تهون عليه بالطبع الشهوات والدرهم والدينار وما جانس ذلك.


وأن يكون كبير النفس عما يشين عند الناس وأن يكون ورعا سهل الانقياد للخير والعدل عسر الانقياد للشر والجور وأن يكون قوي العزيمة على الشيء الصواب. ثم بعد ذلك أن يكون قد ربي على نواميس وعلى عادات تشاكل ما فطر عليه وأن يكون صحيح الاعتقاد لآراء الملة التي نشأ عليها متمسكا بالأفعال الفاضلة التي في ملته غير مخل بكلها أو بمعظمها. وأن يكون مع ذلك متمسكا بالفضائل التي هي في المشهور فضائل غير مخل بالأفعال الجميلة التي هي في المشهور جميلة. فإن الحدث إذا كان هكذا ثم شرع في أن يتعلم الفلسفة فتعلمها أمكن أن لا يصير فيلسوف زور ولا بهرج ولا باطل. والفيلسوف الباطل هو الذي تحصل له العلوم النظرية من غير أن يكون له ذلك على كماله الآخر بأن يوجد ما قد علمه في غيره بالوجه الممكن فيه. والبهرج هو الذي يتعلم العلوم النظرية ولم يرد ولم يعود الأفعال الفاضلة التي بحسب ملة ما ولا الأفعال.